← Фикх ханбали

Фикх ханбали · id 6910

المغني لابن قدامة - ت التركي

ابن قدامة

Полный текст (7 955 стр.). Показаны 1856–1895 · переход к 1861.

стр. 1856

وقال غيرُ الخِرَقِيِّ من أصْحَابِنَا: إن كانْ النَّقْصُ يَسِيرًا، كالحَبَّةِ والحَبَّتَيْنِ، وَجَبَتِ الزكاةُ؛ لأنَّه لا يُضْبَطُ غَالِبًا، فهو كنَقْصِ الحَوْلِ ساعَةً أو ساعَتَيْنِ، وإن كان نَقْصًا بَيِّنًا، كالدَّانَقِ (٥) والدَّانَقَيْنِ، فلا زكاةَ فيه. وعن أحمدَ، أن نِصابَ الذَّهَبِ إذا نَقَصَ ثُلُثَ مِثْقَالَ زَكَّاهُ. وهو قولُ عمرَ بن عبدِ العزيزِ، وسُفْيَانَ. وإن نَقَصَ نِصْفًا لا زَكاةَ فيه. وقال أحمدُ، في مَوْضِعٍ آخَرَ: إذا (٦) نَقصَ ثُمْنًا لا زَكَاةَ فيه. اخْتَارَهُ أبو بكرٍ. وقال مالِكٌ: إذا نَقَصَتْ نَقْصًا يَسِيرًا يجوزُ جَوَازَ الوَازِنَةِ، وَجَبَتِ الزكاةُ، لأنَّها تجُوزَ جَوَازَ الوَازِنَةِ، أشْبَهَتِ الوَازِنَةَ. والأوَّلُ ظَاهِرُ الخَبَرِ، فيَنْبَغِى أن لا يُعْدَلَ عنه. فأمَّا قَوْلُه: "إلَّا أن يَكُونَ في مِلْكِه ذَهَبٌ أو عُرُوضٌ لِلتِّجَارَةِ فيُتِمُّ به". فإنَّ عُرُوضَ التِّجَارَةِ تُضَمُّ إلى كل وَاحِدٍ من الذَّهَبِ والفِضَّةِ، ويكْمُلُ به نِصَابُه. لا نَعْلَمُ فيه اخْتِلافًا. قال الخَطَّابِيُّ: لا أعْلَمُ عَامَّتَهم اخْتَلَفُوا فيه؛ وذلك (٧) لأنَّ الزكاةَ إنَّما تَجِبُ في قِيمَتِها، فتُقَوَّمُ بِكُلِّ وَاحِدٍ منهما، فتُضَمُّ إلى كلِّ وَاحِدٍ منهما. ولو كان له ذَهَبٌ وفِضَّةٌ وعُرُوضٌ، وَجَبَ ضَمُّ الجَمِيعِ بَعْضِه إلى بَعْضٍ في تَكْمِيلِ النِّصَابِ؛ لأنَّ العُرُوضَ (٨) مَضْمُومٌ إلى كُلِّ وَاحِدٍ منهما، فيَجِبُ ضَمُّهما إليه، وجَمْعُ الثَّلَاثَةِ. فأمَّا إنْ كان له مِن كُلِّ وَاحِدٍ من الذَّهَبِ والفِضَّةِ ما لا يَبْلُغُ نِصَابًا بِمُفْرَدِه، أو كان له نِصَابٌ من أحَدِهما وأقَلُّ من نِصابٍ من الآخَرِ، فقد تَوَقَّفَ أحمدُ عن ضَمِّ أحَدِهما إلى الآخَرِ، في روَايَةِ الأثْرَمِ وجَمَاعَةٍ، وقَطَعَ في رِوَايَةِ حَنْبَلٍ، أنَّه لا زَكَاةَ عليه حتى يَبْلُغَ كُلُّ وَاحِدٍ منهما نِصَابًا. وذَكَرَ الخِرَقِيُّ فيه رِوَايَتَيْنِ في البَابِ قَبْلَه، إحْدَاهُما لا يُضَمُّ. وهو قولُ ابْنِ أبى لَيْلَى، والحسنِ بنِ صَالِحٍ، وشَرِيكٍ، والشَّافِعِيِّ، وأبي عُبَيْدٍ، وأبى ثَوْرٍ. واخْتَارَه أبو بكرٍ عبدُ العزيزِ؛

стр. 1857

لِقَوْلِه ﵇: "لَيْسَ فِيمَا دُونَ خَمْسِ أوَاقٍ صَدَقَةٌ" (٩). ولأنَّهما مالَانِ يَخْتَلِفُ نِصابُهما، فلا يُضَمُّ أحَدُهما إلى الآخَرِ، كأجْنَاسِ الماشِيَةِ. والثانية، يُضَمُّ أحَدُهما إلى الآخَر في تَكْمِيلِ النِّصابِ. وهو قولُ الحسنِ، وقَتَادَةَ، ومالِكٍ، والأوْزَاعِيِّ، والثَّوْرِيِّ، وأصْحابِ الرَّأْىِ؛ لأنَّ أحَدَهما يُضَمُّ إلى ما يُضَمُّ إليه الآخَرُ، فَيُضَمُّ إلى الآخَرِ. كأنْوَاعِ الجِنْسِ، ولأنَّ نَفْعَهما واحِدٌ، [والمقصودُ منهما مُتَّحِدٌ] (١٠)، فإنَّهما قِيَمُ المُتْلَفَاتِ، وأُرُوشُ الجِنَايَاتِ، وأَثْمَانُ البِياعاتِ، وحَلْيٌ لمن يُرِيدُهما لذلك، فأشْبَها (١١) النَّوْعَيْنِ، والحَدِيثُ مَخْصُوصٌ بِعَرْضِ التِّجَارَةِ، فَنَقِيسُ عليه. فإذا قُلْنَا بالضَّمِّ، فإنَّ أحَدَهما يُضَمُّ إلى الآخَر بالأجْزاءِ، يَعْنِى أنَّ كُلَّ وَاحِدٍ منهما يُحْتَسَبُ من نِصابِه، فإذا كَمَلَتْ أجْزَاؤُهما نِصَابًا، وَجَبَتِ الزكَاةُ، مثل أن يكونَ عندَه نِصْفُ نِصابٍ من أحَدِهما، ونِصْفُ نِصابٍ أو أكْثَرُ من الآخَرِ، أو ثُلُثٌ منٍ أحَدِهما، وثُلُثَانِ أو أكْثَرُ من الآخَرِ. فلو مَلَكَ مائةَ دِرْهَمٍ وعَشَرَةَ دَنَانِيرَ، أو مائةً وخَمْسِينَ دِرْهَمًا وخَمْسَةَ دَنَانِيرَ، أو مائةً وعِشْرِينَ دِرْهَمًا وثَمَانِيَةَ دَنَانِيرَ، وَجَبَتِ الزكاةُ فيهما. وإن نَقَصَتْ أَجْزَاؤُهُما عن نِصابٍ فلا زَكاةَ فيهما. سُئِلَ أحمدُ، عن رَجُلٍ عنده ثَمانِيَةُ دَنانِيرَ ومائةُ دِرْهَمٍ؟ فقال: إنَّما قال مَن قال فيهما الزكاةُ، إذا كان عِنْدَه عَشَرَةُ دَنانِيرَ ومائةُ دِرْهَمٍ. وهذا قولُ مالِكٍ، وأبى يوسفَ، ومحمدٍ، والأوْزَاعِيِّ؛ لأنَّ كُلَّ وَاحِدٍ منهما لا تُعْتَبَرُ قِيمَتُه في وُجُوبِ الزكاةِ إذا كان مُنْفَرِدًا، فلا تُعْتَبَرُ إذا كان عندَه (١٢) مَضْمومًا (١٣)،

стр. 1858

كالحُبُوبِ والثِّمَارِ وأنْوَاعِ الأجْناسِ كُلِّها. وقال أبو الخَطَّابِ: ظاهِرُ كَلامِ أحمدَ، في رِوَايَةِ المَرُّوذِيِّ، أنَّها تُضَمُّ بالأحْوَطِ من الأجْزَاءِ والقِيمَةِ. ومَعْناهُ أنَّه يُقَوَّمُ الغَالِى منهما بِقِيمَةِ الرَّخِيصِ، فإذا بَلَغَتْ قِيمَتُهما بالرَّخِيصِ منهما نِصَابًا وَجَبَتِ الزكاةُ فيهما؛ فلو مَلَكَ مائةَ دِرْهَمٍ وتِسْعَةَ (١٤) دَنَانِيرَ قِيمَتُها مائةُ دِرْهَمٍ، أو عَشَرَةَ دَنَانِيرَ وتسْعين (١٥) دِرْهَمًا قِيمتُها عَشَرَةُ دَنَانِيرَ، وَجَبَتِ الزكاةُ فيها. وهذا قولُ أبى حنيفةَ في تَقْوِيمِ الدَّنَانِيرِ بالفِضَّةِ؛ لأنَّ كُلَّ نِصابٍ وَجَبَ فيه ضَمُّ الذَّهَبِ إلى الفِضَّةِ، ضُمَّ بالقِيمَةِ، كنِصَابِ القَطْعِ في السَّرِقَةِ، ولأنَّ أصْلَ الضَّمِّ لِتَحْصِيلِ حَظِّ الفُقَرَاءِ، فكذلك صِفَةُ الضَّمِّ. والأَوَّلُ أصَحُّ؛ لأنَّ الأَثْمانَ تَجِبُ الزكاةُ في أعْيانِها، فلا تُعْتَبَرُ قِيمَتُها، كما لو انْفَرَدَتْ. ويُخَالِفُ نِصابَ القَطْعِ، فإنَّ [نِصابَ القَطْعِ] (١٦) فيه الوَرِقُ خَاصَّة في إحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ، وفى الأُخْرَى أنَّه لا يَجِبُ في الذَّهَبِ حتى يَبْلُغَ رُبْعَ دِينارٍ. واللهُ أعلمُ. ٤٤٧ - مسألة؛ قال: (وكَذَلِكَ دُونَ الْعِشْرِينَ مِثْقَالًا) يَعْنِى أنَّ ما دُونَ العِشْرِينَ لا زكاةَ فيه إلَّا أن يَتِمَّ بِوَرِقٍ أو عُرُوضِ تِجارَةٍ. قال ابنُ المُنْذِرِ: أجْمَعَ أهْلُ العِلْمِ على أنَّ الذَّهَبَ إذا كان عِشْرِينَ مِثْقَالًا قِيمَتُها مائتَا دِرْهَمٍ، أنَّ الزكاةَ تَجِبُ فيها، إلَّا ما حُكِىَ عن الحسنِ، أنَّه قال: لا شىءَ (١) فيها حتى تَبْلُغَ أَرْبَعِينَ، وأجْمَعُوا على أنَّه إذا كان أقَلَّ من عِشْرِينَ مِثْقَالًا ولا يَبْلُغُ مائتَىْ دِرْهَمٍ فلا زَكَاةَ فيه. وقال عامَّةُ الفُقَهاءِ: نِصابُ الذَّهَبِ عِشْرُونَ مِثْقَالًا مِن غير

стр. 1859

اعْتِبَارِ قِيمَتِها، إلَّا ما حُكِىَ عن عَطاءٍ، وطَاوُسٍ، والزُّهْرِيِّ، وسليمانَ بن حَرْبٍ، وأَيُّوبَ السَّخْتِيَانِيِّ، أنَّهم قالوا: هو مُعْتَبَرٌ بالفِضَّةِ، فما كان قِيمَتُه مائتَىْ دِرْهَمٍ، ففيه الزكاةُ، وإلَّا فَلَا؛ لأنَّه لم يَثْبُتْ عن النَّبِيِّ ﷺ تَقْدِيرٌ في نِصَابِه، فثَبَتَ أنَّه حَمَلَهُ على الفِضَّةِ. ولَنا، ما رَوَى عَمْرُو بن شُعَيْبٍ، عن أبِيهِ، عن جَدِّه، عن النَّبِيِّ ﷺ ، أنَّه قال: "لَيْسَ فِى أَقَلَّ من عِشْرِينَ مِثْقَالًا من الذَّهَبِ، ولَا فِى أقَلَّ مِنْ مِائتَىْ دِرْهَمٍ صَدَقَةٌ". رَوَاهُ أبو عُبَيْدٍ (٢). ورَوَى ابنُ مَاجَه (٣) عن [ابن] (٤) عمرَ، وعائشةَ، أنَّ النَّبِيَّ ﷺ كان يَأْخُذُ مِن كلِّ عِشْرِينَ دِينَارًا فصَاعِدًا نِصْفَ دِينَارٍ، ومن الأرْبَعِينَ دِينَارًا [دِينارًا] (٤). ورَوَى سَعِيدٌ، والأثْرَمُ، عن عليٍّ: "في كل أرْبَعِينَ دِينَارًا دِينَارًا، وفى كل عِشْرِينَ دِينَارًا نِصْفَ دِينَارٍ". ورَوَاهُ غَيْرُهما مَرْفُوعًا إلى النَّبِيِّ ﷺ (٥). ولأنَّه مَالٌ تَجِبُ الزكاةُ في عَيْنِه، فلم يُعْتَبَرْ بِغيرِه، كسائِرِ الأمْوالِ الزَّكَوِيَّةِ (٦). فصل: ومَن مَلَكَ ذَهَبًا، أو فِضَّةً مَغْشوشًا (٧)، أو مُخْتَلِطًا بِغيرِه، فلا زَكاةَ فيه، حتى يَبْلُغَ قَدْرُ الذَّهَبِ والفِضَّةِ نِصابًا؛ لِقَوْلِه ﵇: "لَيْسَ فِيمَا دُونَ

стр. 1860

خَمْسِ أَوَاقٍ من الوَرِقِ صَدَقَةٌ" (٨). فإن لم يَعْلَمْ قَدْرَ ما فيه منهما، وشَكَّ هل بَلَغَ نِصَابًا أو لا، خُيِّرَ بين سَبْكِهِما لِيَعْلَمَ قَدْرَ ما فيه منهما، وبين أن يَسْتَظْهِرَ ويُخْرِجَ، لِيَسْقُطَ الفَرْضُ بِيَقِينٍ. فإن أحَبَّ أن يُخْرِجَ اسْتِظْهَارًا، فأرَادَ إخْراجَ الزكاةِ من المَغْشُوشَةِ، نَظَرْتَ، فإن كان الغِشُّ لا يَخْتَلِفُ، مثلَ أن يكونَ الغِشُّ في كل دِينَارٍ سُدُسَه، وعَلِمَ ذلك، جازَ أن يُخْرِجَ منها؛ لأنَّه يكونُ مُخْرِجًا لِرُبْعِ العُشْرِ، وإن اخْتَلَفَ قدْرُ ما فيها، أو لم يُعْلَمْ، لم يُجْزِهِ الإِخْراجُ منها، إلَّا أن يَسْتَظْهِرَه (٩)، بحيثُ (١٠) يَتَيَقَّنُ أنَّ ما أخْرَجَهُ من الذَّهَبِ مُحِيطٌ بِقَدْرِ الزكاةِ. وإن أخْرَجَ عنها ذهَبًا لا غِشَّ فيه، فهو أفْضَلُ، وإن أرادَ إسْقاطَ الغِشِّ، وإخْراجَ الزكاةِ عن قَدْرِ ما فيه من الذَّهَبِ، كمَن معه أَرْبَعَةٌ وعِشْرُونَ دِينارًا، سُدُسُها غِشٌّ، فأسْقَطَ السُّدُسَ أرْبَعَةً، وأخْرَجَ نِصْفَ دِينارٍ عن عِشْرِينَ، جازَ؛ لأنَّه لو سَبَكَها لم يَلْزَمْهُ إلَّا ذلك، ولأنَّ غِشَّها لا زَكاةَ فيه، إلَّا أن يكونَ فِضَّةً، وله من الفِضَّةِ ما يَتِمُّ به النِّصابُ، أو له نِصابٌ سِوَاهُ، فيكون عليه زَكَاةُ الغِشِّ حِينَئِذٍ. وكذلك إن قُلْنا بِضَمِّ أحَدِ النَّقْدَيْنِ إلى الآخَرِ. وإذا ادَّعَى رَبُّ المالِ أنه عَلِمَ (١١) الغِشَّ، أو أنَّه اسْتَظْهَرَه (١٢) وأخْرَجَ الفَرْضَ، قُبِلَ منه بِغَيْرِ يَمِينٍ. وإن زَادَتْ قِيمَةُ المَغْشُوشِ بالغِشِّ، فصارَتْ قِيمَةُ العِشْرِينَ تُسَاوِى اثْنَيْنِ وعِشْرِينَ، فعليه إخْرَاجُ رُبْعِ عُشْرِها ممَّا قِيمَتُه كقِيمَتِها؛ لأنَّ عليه إخْراجَ زَكاةِ المالِ الجَيِّدِ من جِنْسِه، بحيثُ لا يَنْقُصُ عن قِيمَتِه، واللهُ أعلمُ. ٤٤٨ - مسألة؛ قال: (فإذا تَمَّتْ، فَفِيهَا رُبْعُ العُشْرِ) يَعْنِى إذا تَمَّتِ الفِضَّةُ مائتَيْنِ، والدَّنَانِيرُ عِشْرِينَ، فالواجِبُ فيها رُبْعُ عُشْرِها.

стр. 1861

ولا نَعْلَمُ خِلَافًا بين أهْلِ العِلْمِ في أنَّ زَكاةَ الذَّهَبِ والفِضَّةِ رُبْعُ عُشْرِه (١)، فقد ثَبَتَ ذلك بقَوْلِه ﵇: "في الرِّقَةِ رُبْعُ العُشْرِ" (٢). وقال النَّبِيُّ ﷺ : "هَاتُوا رُبْعَ العُشُورِ (٣) مِنْ كُلِّ أَرْبَعِينَ دِرْهَمًا دِرْهَمًا، ولَيْسَ في تِسْعِينَ ومِائَةٍ شَىْءٌ" (٤). قال التِّرْمِذِيُّ (٥): قال البُخَارِيُّ، في هذا الحَدِيثِ: هو صَحِيحٌ عِنْدِى. ورَوَاهُ سَعِيدٌ، ولَفْظُه: "فَهَاتُوا صَدَقَةَ الرِّقَةِ مِنْ كُلِّ أرْبَعِينَ دِرْهَمًا دِرْهَمًا". وأجْمَعَ أهْلُ العِلْمِ على أنَّ في مائتَىْ دِرْهَمٍ خَمْسَةَ دَرَاهِمَ. ورَوَى ابنُ عمرَ، وعائشةُ، أنَّ النَّبِيَّ ﷺ كان يَأْخُذُ من كلِّ عِشْرِينَ دِينَارًا فصَاعِدًا نِصْفَ دِينَارٍ، ومن الأرْبَعِينَ دِينَارًا دِينَارًا (٦). ٤٤٩ - مسألة؛ قال: (وفى زِيَادَتِها وَإنْ قَلَّتْ) رُوِىَ هذا عن عليٍّ وابنِ عمرَ، رَضِىَ اللَّه عنهما. وبه قال عمرُ بن عبدِ العزِيزِ، والنَّخَعِيُّ، ومالِكٌ، والثَّوْرِيُّ، وابنُ أبي لَيْلَى، والشَّافِعِيُّ، وأبو يوسفَ، ومحمدٌ، وأبو عُبَيْدٍ، وأبو ثَوْرٍ، وابنُ المُنْذِرِ. وقال سَعِيدُ بن المُسَيَّبِ، وعَطاءٌ، وطاوُسٌ، والحسنُ، والشَّعْبِيُّ، ومَكْحُولٌ، والزُّهْرِيُّ، وعَمْرُو بنُ دِينارٍ، وأبو حنيفةَ: لا شىءَ فى زِيادَةِ الدَّرَاهِمِ حتى تَبْلُغَ أرْبَعِينَ، ولا في زِيَادَةِ الدَّنَانِيرِ حتى تَبْلُغَ أرْبَعَةَ دَنَانِيرَ؛ لِقَوْلِه ﵇: "مِنْ كُلِّ أرْبَعِينَ دِرْهَمًا دِرْهَمًا" (١). وعن مُعَاذٍ، عن النَّبِيِّ

стр. 1862

- ﷺ أنَّه قال: "إِذَا بَلَغَ الْوَرِقُ مِائَتَيْنِ، فَفِيهِ خَمْسَةُ دَرَاهِمَ، ثم لا شَىْءَ فِيهِ حَتَّى يَبْلُغَ (٢) أَرْبَعِينَ دِرْهَمًا" (٣). وهذا نَصٌّ. ولأنَّ له عَفْوًا في الابْتِدَاءِ، فكان له عَفْوٌ بعدَ النِّصابِ، كالماشِيَةِ. ولَنا، ما رُوِىَ عن علىٍّ، عن النَّبِيِّ ﷺ ، أنَّه قال: "هَاتُوا رُبْعَ العُشُورِ (٤) مِنْ كُلِّ أَرْبَعِينَ دِرْهَمًا دِرْهَمًا، ولَيْسَ عَلَيْكُم شَىْءٌ حَتَّى يَتِمَّ مائتَيْنِ، فَإذَا كَانَتْ مائتَىْ دِرْهَمٍ، فَفِيهَا خَمْسَةُ دَرَاهِمَ، فَمَا زَادَ فَبِحِسَابِ ذلِكَ". رَوَاهُ الأثْرَمُ، والدَّارَقُطنِيُّ (٥). ورَوَاهُ أبو دَاوُدَ (٦)، بإسْنَادِه عن عَاصِمِ ابن ضَمْرَةَ، الحَارِثِ (٧)، عن عليٍّ، إلَّا أنَّه قال: أحْسَبُهُ عن النَّبِيِّ ﷺ . وَرُوِى ذلك عن علىٍّ وابنِ عمرَ مَوْقُوفًا عليهم (٨)، ولم نَعْرِفْ لهما مُخَالِفًا من الصَّحابَةِ، فيكون إجْمَاعًا. ولأنَّه مَالٌ مُتَّجَرٌ، فلم يَكُنْ له عَفْوٌ بعدَ النِّصابِ كالحُبُوبِ. وما احْتَجُّوا به من الخَبَرِ الأوَّلِ فهو احْتِجَاجٌ بِدَلِيلِ الخِطَابِ، والمَنْطُوقُ مُقَدَّمٌ عليه. والحَدِيثُ الآخَرُ يَرْوِيه أبو العطُوفِ الجَرَّاحُ بن مِنْهَالٍ، وهو مَتْرُوكُ الحَدِيثِ. قال الدَّارَقُطنِيُّ، وقال مَالِكٌ: هو دَجَّالٌ من الدَّجَاجِلَةِ. ويَرْوِيه عن عُبادَةَ بن نُسَيٍّ، عن مُعَاذٍ، ولم يَلْقَ عُبادَةُ مُعَاذًا، فيكونُ مُرْسَلًا. والماشِيَةُ يَشُقُّ تَشْقِيصُها، بخِلافِ الأثْمانِ.

стр. 1863

فصل: ويُخْرِجُ الزكاةَ من جِنْسِ مَالِه، فإن كان أنْوَاعًا مُتَسَاوِيَةَ القِيَمِ، جازَ أن يُخْرِجَ الزكاةَ من أحَدِها، كما تُخْرَجُ من أحَدِ نَوْعَىِ الغَنَمِ. وإن كانت مُخْتَلِفَةَ القِيَمِ أخَذَ من كُلِّ نَوْعٍ ما يَخُصُّهُ. وإن أخْرَجَ من أوْسَطِها ما يَفِى بِقَدْرِ الوَاجِبِ وقِيمَتِه، جازَ. وإن أخْرَجَ الفَرْضَ من أَجْوَدِها بِقَدرِ الوَاجِبِ، جازَ، وله ثَوَابُ الزِّيَادَةِ. وإن أخْرَجَهُ بالقِيمَةِ، مثل أن يُخْرِجَ عن نِصْفِ دِينَارٍ ثُلُثَ دِينَارٍ جَيِّدٍ، لم يَجُزْ؛ لأنَّ النَّبِيَّ ﷺ نَصَّ على نِصْفِ دِينارٍ، فلم يَجُز النَّقْصُ منه. وإن أخْرَجَ من الأدْنَى، وزادَ في المُخْرَجِ ما يَفِى بِقِيمَةِ الوَاجِبِ، مثل أن يُخْرِجَ عن دِينَارٍ دِينَارًا ونِصْفًا يَفِى (٩) بِقِيمَتِه، جازَ. وكَذَلِكَ لو أَخْرَجَ عن الصِّحَاحِ مُكَسَّرَةً، وزَادَ بِقَدْرِ ما بينهما من الفَضْلِ، جازَ؛ لأنَّه أدَّى الوَاجِبَ عليه قِيمَةً وقَدْرًا. وإن أَخْرَجَ عن كَثِيرِ القِيمَةِ قَلِيلَ القِيمَةِ، فكذلك. فإن أخْرَجَ بَهْرَجًا (١٠) عن الجَيِّدِ، وزادَ بِقَدْرِ ما يُسَاوِى قِيمَةَ الجَيِّدِ، فقال أبو الخَطَّابِ: يجوزُ. وقال القاضى: يَلْزَمُه إخْرَاجُ جَيِّدٍ، ولا يَرْجِعُ فيما أخْرَجَهُ من المَعِيبِ؛ لأنَّه أخْرَجَ مَعِيبًا في حَقِّ اللَّه تعالى، فأشْبَهَ ما لو أخْرَجَ مَرِيضَةً عن صِحَاحٍ. وبهذا قال الشَّافِعِيُّ، إلَّا أن أصْحابَه قالوا: له الرُّجُوعُ فيما أخْرَجَ من المَعِيبِ، في أحَدِ الوَجْهَيْنِ. وقال أبو حنيفةَ: يجوزُ إخْرَاجُ الرَّدِيئَةِ عن الجَيِّدَةِ، والمُكَسَّرةِ (١١) عن الصَّحِيحَةِ، من غَيْرِ جُبْرَانٍ؛ لأنَّ الجَوْدَةَ إذا لاقَتْ جِنْسَها فيما فيه الرِّبَا لا قِيمَةَ لها. ولَنا، أنَّ الجَوْدَةَ مُتَقَوَّمَةٌ، بِدَلِيلِ ما لو أَتْلَفَ جَيِّدًا، لم يُجْزِئْه أن يَدْفَعَ عنه رَدِيئًا، ولأنَّه إذا لم يَجْبُرْهُ بما يُتِمُّ به قِيمَةَ الوَاجِبِ عليه، دَخَلَ في عُمُومِ قَوْلِه تعالى: ﴿وَلَا تَيَمَّمُوا الْخَبِيثَ مِنْهُ تُنْفِقُونَ﴾ (١٢). ولأنَّه أخْرَجَ رَدِيئًا عن جَيِّدٍ بِقَدْرِه، فلم يَجُزْ، كما في الماشِيَةِ،

стр. 1864

ولأنَّ المُسْتَحَقَّ مَعْلُومُ القَدْرِ والصِّفَةِ، فلم يَجُز النَّقْصُ في الصِّفَةِ، كما لا يجوزُ في القَدْرِ. وأمَّا الرِّبَا فلا يَجْرِى هاهُنا؛ لأنَّ المُخْرَجَ حَقُّ [اللهِ تعالى] (١٣)، ولا رِبَا بين العَبْدِ وسَيِّدِهِ، ولأنَّ المُسَاواةَ في المِعْيَارِ الشَّرْعِيِّ إنَّما اعْتُبِرَتْ في المُعَاوَضاتِ، والقَصْدُ من الزكاةِ المُوَاساةُ، وإغْنَاءُ الفَقِيرِ، وشُكْرُ نِعْمَةِ اللَّه تعالى، فلا يَدْخُلُ الرِّبَا فيها. فإن قِيلَ: فلو أخْرَجَ في الماشِيَةِ رَديئَتَيْنِ عن جَيِّدَةٍ، أو أخْرَجَ قَفِيزَيْنِ رَدِيئَيْنِ عن قَفِيزٍ جَيِّدٍ، لم يَجُزْ، فلم أجَزْتُم أن يُخْرِجَ عن الصَّحِيحِ أكْثَرَ منه مُكَسَّرًا؟ قلنا: يجوزُ ذلك إذا لم يكنْ [فيما أخْرَجَه] (١٤) عَيْبٌ سِوَى نَقْصِ القِيمَةِ، وإنْ [سَلَّمْنا ثَمَّ] (١٥)، فالفَرْقُ بينهما أنَّ القَصْدَ من الأثْمانِ القِيمَةُ لا غيرُ، فإذا تَساوَى الواجِبُ والمُخْرَجُ في القِيمَةِ والقَدْرِ، جازَ، وسائِرُ الأَمْوَالِ يُقْصَدُ الانْتِفاعُ بِعَيْنِها، فلا يَلْزَمُ من التَّساوِى في الأمْرَيْنِ الإِجْزاءُ؛ لِجَوازِ أن يَفُوتَ بعضُ المَقْصُودِ. فصل: وهل يجوزُ إخْرَاجُ أحَدِ النَّقْدَيْنِ عن الآخَرِ؟ فيه رِوايَتانِ. نَصَّ عليهما؛ إحْدَاهما، لا يجوز. وهو اخْتِيارُ أبى بكرٍ؛ لأنَّ أنْواعَ الجِنْسِ لا يجوزُ إخْراجُ أحَدِهما عن الآخَرِ إذا كان أقَلَّ في المِقْدَارِ، فمع اخْتِلافِ الجِنْسِ أوْلَى. والثانية، يجوزُ، وهو أصَحُّ، إن شاءَ اللهُ؛ لأنَّ المَقْصُودَ من أحَدِهما يَحْصُلُ بإخْراجِ الآخَرِ، فيُجْزِئُ، كأنْواعِ الجِنْسِ، وذلك لأنَّ المَقْصُودَ منهما جَمِيعًا الثَّمَنِيَّةُ والتَّوَسُّلُ بهما (١٦) إلى المَقاصِدِ، وهما يَشْتَرِكان فيه على السَّوَاءِ، فأشْبَهَ إخْراجَ المُكَسَّرَةِ عن الصِّحاحِ، بخِلافِ سائِرِ الأجْناسِ والأنْواعِ، ممَّا تَجِبُ فيه الزكاةُ، فإنَّ لِكُلِّ جِنْسِ مَقْصُودًا مُخْتَصًّا به، لا يَحْصُلُ من الجِنْسِ الآخَرِ، وكذلك أنْواعُها، فلا

стр. 1865

يَحْصُلُ بإخْراجِ غيرِ الواجِبِ من الحِكْمَةِ ما يَحْصُلُ [من إخْراجِ] (١٧) الواجِبِ، وهاهُنا المَقْصُودُ حَاصِلٌ، فوَجَبَ إجْزاؤُه، إذ لا فائِدَةَ [في اخْتصاصِ] (١٨) الإِجْزاءِ بِعَيْنٍ، مع مُسَاوَاةِ غيْرِها لها في الحِكْمَةِ، وكونِ ذلك أرْفَقَ بالمُعْطِى والآخِذِ، وأنْفَعَ لهما، ويَنْدَفِعُ به الضَّرَرُ عنهما، فإنَّه لو تَعَيَّنَ إخْراجُ زَكَاةِ الدَّنانِيرِ منها، شَقَّ على من يَمْلِكُ أقَلَّ من أرْبَعِينَ دِينارًا إخْرَاجُ جُزْءٍ من دِينارٍ، ويَحْتَاجُ إلى التَّشْقِيصِ، ومُشَارَكَةِ الفَقِيرِ له في دِينارٍ من مَالِه، أو بَيْعِ أحَدِهما نَصِيبَه، [فَيَسْتَضِرُّ المالِكُ والفَقِيرُ] (١٩)، وإذا جازَ إخْرَاجُ الدَّرَاهِم عنها، دَفَعَ إلى الفَقِيرِ من الدَّرَاهِم بِقَدْرِ الواجِبِ، فيَسْهُلُ ذلك عليه، ويَنْتَفِعُ الفَقِيرُ من غَيْرِ كُلْفَةٍ ولا ضَرَرٍ (٢٠). ولأنَّه إذا دَفَعَ إلى الفَقِيرِ قِطْعَةً من الذَّهَبِ فى مَوْضِعٍ لا يُتعامَلُ بها فيه، أو قِطْعَةً من دِرْهَمٍ في مكانٍ لا يُتعامَلُ بها فيه، لم يَقْدِرْ على قَضاءِ حاجَتِه بها، وإن أرَادَ بَيْعَها بجِنْسِ (٢١) ما يُتَعَامَلُ بها احْتَاجَ إلى كُلْفَةِ البَيْعِ، وربَّما لا يَقْدِرُ عليه، ولا يُفِيدُه شَيْئًا، وإن أمْكَنَ بَيْعُها احْتَاجَ إلى كُلْفَةِ البَيْعِ، والظَّاهِرُ أنَّها تَنْقُصُ عِوَضُها عن قِيمَتِها، فقد دارَ بين ضَرَرَيْنِ، وفى جَوازِ إخْراجِ أحَدِهما عن الآخرِ نَفْعٌ مَحْضٌ، ودَفْعٌ لهذا الضَّرَرِ، وتَحْصِيلٌ لِحِكْمَةِ الزكاةِ على التَّمامِ والكمالِ، فلا [حاجَةَ ولا] (٢٢) وَجْهَ لِمَنْعِهِ، وإن تُوُهِّمَتْ هاهنا مَنْفَعَةٌ تَفُوتُ بذلك، فهى يَسِيرَة مَغْمُورَة، فيما يَحْصُلُ من النَّفْعِ الظَّاهِرِ، ويَنْدَفِعُ من الضَّرَرِ والمَشَقَّةِ من الجَانِبَيْنِ، فلا يُعْتَبَرُ. واللهُ أعلمُ. وعلى هذا لا يجوزُ الإِبدالُ في مَوْضِعٍ يَلْحَقُ الفَقِيرَ ضَرَرٌ، مثل أن يَدْفَعَ إليه ما لا يُنْفقُ عِوَضًا عما يُنْفقُ، لأنَّه إذا لم يَجُزْ إخْرَاجُ أحَدِ

стр. 1866

النَّوْعَيْنِ عن الآخَرِ مع الضَّرَرِ، فمع غيرِه أوْلَى. وإن اخْتَارَ المالِكُ (٢٣) الدَّفْعَ من الجِنْسِ، واخْتَارَ الفَقِيرُ (٢٤) الأَخْذَ من غيره؛ لِضَرَرٍ يَلْحَقُه في أخْذِ الجِنْسِ، لم يَلْزَمِ المالِك إجَابَتُه؛ لأنَّه إذا أدَّى ما فُرِضَ (٢٥) عليه، لم يُكَلَّفْ سِوَاهُ. واللهُ أعلمُ. ٤٥٠ - مسألة؛ قال: (ولَيْسَ فِى حَلْىِ المَرْأَةِ زَكَاةٌ إذَا كَانَ مِمَّا تَلْبَسُهُ أو تُعِيرُهُ) هذا ظَاهِرُ المَذْهَبِ. وَرُوِىَ ذلك عن ابْنِ عمرَ، وجابِرٍ، وأنسٍ، وعائشةَ، وأسماءَ، رَضِىَ اللهُ عنهم. وبه قال القاسمُ، والشَّعْبِيُّ، وقَتادَةُ، ومحمدُ بن عليٍّ، وعَمْرَةُ، ومَالِكٌ، والشَّافِعِيُّ، وأبو عُبَيْدٍ، وإسحاقُ، وأبو ثَوْرٍ. وذَكَرَ ابنُ أبي موسى [عن أحمدَ] (١) رِوَايَةً أُخْرَى، أنَّ (٢) فيه الزكاةَ. وَرُوِى ذلك عن عمرَ، وابنِ مسعودٍ، وابنِ عَبَّاسٍ، وعبدِ اللهِ بن عَمْرِو بن العَاصِ، وسَعِيدِ بن المُسَيَّبِ، وسَعِيدِ بن جُبَيْرٍ، وعَطاءٍ، ومُجاهِدٍ، وعبدِ اللَّه بن شَدَّادٍ، وجابِرِ بن زَيْدٍ، وابْنِ سِيرِينَ، ومَيْمُونِ بن مِهْرَانَ، والزُّهْرِيِّ، والثَّوْرِيِّ، وأصْحابِ الرَّأْىِ؛ لِعُمُومِ قَوْلِه ﵇: "في الرِّقَةِ رُبْعُ العُشْرِ"، و "ولَيْسَ فِيمَا دُونَ خَمْسِ أَوَاقٍ صَدَقَةٌ" (٣). مَفْهُومُه أنَّ فيها صَدَقَةً إذا بَلَغَتْ خَمْسَ أوَاقٍ. وعن عَمْرِو بن شُعَيْبٍ، عن أبِيهِ، عن جَدِّه، قال: أتَتِ امْرَأَةٌ من أهْلِ اليَمَنِ رسولَ اللهِ ﷺ ، ومعها ابْنَةٌ لها في يَدَيْها مَسَكَتَانِ (٤) من ذَهَبٍ، فقال: "هل تُعْطِينَ زَكَاةَ هذا؟ " قالت: لا. قال: "أَيَسُرُّكِ أن يُسَوِّرَكِ اللهُ بِسِوَارَيْنِ من

стр. 1867

نَارٍ؟ ". رَوَاهُ أبو دَاوُدَ (٥). ولأنَّه من جِنْسِ الأَثْمَانِ، أَشْبَه التِّبْرَ. وقال مَالِكٌ: يُزَكَّى عَامًا وَاحِدًا. وقال الحسنُ، وعبدُ اللهِ بن عُتْبَةَ (٦)، وقَتَادَةُ: زَكَاتُه عَارِيَتُهُ. قال أحمدُ: خَمْسَةٌ من أصْحابِ رسولِ اللهِ ﷺ يَقُولُونَ: ليس في الحَلْىِ زَكَاةٌ. ويَقُولُونَ: زَكَاتُهُ عَارِيَتُهُ. وَوَجْهُ الأَوَّلِ، ما رَوَى عَافِيَةُ بن أَيُّوبَ، عن اللَّيْثِ بن سَعْدٍ، عن أبي الزُّبَيْرِ، عن جابِرٍ، عن النَّبِيِّ ﷺ ، أنَّه قال: "لَيْسَ في الحَلْىِ زَكَاةٌ" (٧). ولأنَّه مُرْصَدٌ لِاسْتِعمالٍ مُبَاحٍ، فلم تَجِبْ فيه الزكاةُ، كالعَوَامِلِ، وثِيَابِ القُنْيَةِ. وأمَّا الأحادِيثُ الصَّحِيحَةُ التى احْتَجُّوا بها، فلا تَتَنَاوَلُ مَحِلَّ النِّزاعِ؛ لأَنَّ الرِّقَةَ هى الدَّرَاهِمُ المَضْرُوبَةُ. قال أبو عُبَيْدٍ (٨): لا نَعْلَمُ هذا الاسْمَ في الكلامِ المَعْقُولِ عندَ العَرَبِ إلَّا على الدَّرَاهِمِ المَنْقُوشَةِ، ذَاتِ السِّكَّةِ السَّائِرَة في النَّاسِ. وكذلك الأَوَاقِيُّ ليس مَعْنَاها إلَّا الدَّرَاهِمَ كلُّ أُوقِيَّةٍ أَرْبَعُونَ دِرْهَمًا. وأما حَدِيثُ الْمَسَكَتَيْنِ، فقال أبو عُبَيْدٍ (٩): لا نَعْلَمُه إلَّا من وَجْهٍ قد تَكَلَّمَ النّاسُ فيه قَدِيمًا وحَدِيثًا. وقال التِّرْمِذِيُّ (١٠): ليس يَصِحُّ في هذا البَابِ شىءٌ. ويَحْتَمِلُ أنَّه أرادَ بالزكاةِ إعارَتَهُ، كما فَسَّرَه به بعضُ العُلَماءِ، وذَهَبَ إليه جَمَاعَةٌ من الصَّحَابَةِ وغيرهم، والتِّبْرُ غيرُ مُعَدٍّ لِلاسْتِعْمَالِ، بخِلافِ الحَلْىِ. وقَوْلُ الخِرَقِيِّ: "إذا كان ممَّا تَلْبَسُهُ أو تُعِيرُهُ". يَعْنِى أنَّه إنَّما تَسْقُطُ عنه الزكاةُ إذا كان كذلك، أو مُعَدًّا له، فأمَّا المُعَدُّ للكِرَا أو النَّفَقَةِ إذا احْتِيجَ إليه، ففيه

стр. 1868

الزكاةُ؛ لأنَّها إنَّما تَسْقُطُ (١١) عمَّا أُعِدَّ للاسْتِعْمَالِ، لِصَرْفِه عن جِهَةِ النَّمَاءِ، ففيما عَدَاهُ يَبْقَى على الأَصْلِ، وكذلك ما اتُّخِذَ حِلْيَةً فِرَارًا من الزكاةِ لا يَسْقُطُ عنه. ولا فَرْقَ بين كَوْنِ الحَلْىِ المُباحِ مَمْلُوكًا لِامْرَأَةٍ تَلْبَسُه أو تُعِيرُه، أو لِرَجُلٍ يُحَلِّى به أهْلَه، أو يُعِيرُه، أو يُعِدُّه لذلك؛ لأنَّه مَصْرُوفٌ عن جِهَةِ النَّمَاءِ إلى اسْتِعمالٍ مُباحٍ، أشْبَهَ حَلْىَ المَرْأَةِ. فصل: وقَلِيلُ الحَلْىِ كثِيرُه سَوَاءٌ في الإِباحةِ والزكاةِ. وقال ابنُ حامِدٍ: يُباحُ ما لم يَبْلُغْ أَلْفَ مِثْقَالٍ، فإنْ بَلَغَها حَرُمَ، وفيه الزكاةُ؛ لما رَوَى أبو عُبَيْدٍ (١٢)، والأَثْرَمُ، عن عَمْرِو بن دِينَارٍ، قال: سُئِلَ جَابِرٌ عن الحَلْىِ، هل فيه زَكَاةٌ؟ قال: لا. فَقِيلَ له: ألْفُ دِينارٍ؟ فقال: إنَّ ذلك لَكَثِيرٌ. ولأنَّه يَخْرُجُ إلى السَّرَفِ والخُيَلاءِ، ولا يُحْتاجُ إليه في الاسْتِعْمالِ، والأَوَّلُ أصَحُّ؛ لأنَّ الشَّرْعَ أبَاحَ التَّحَلِّى مُطْلَقًا من غير تَقْيِيدٍ، فلا يجوزُ تَقْيِيدُه بالرَّأْى والتَّحَكُّمِ، وحَدِيثُ جَابِرٍ ليس بِصَرِيحٍ في نَفْىِ الوُجُوبِ، وإنَّما يَدُلُّ على التَّوَقُّفِ، ثم قد رُوِىَ عنه خِلَافُه، فرَوَى الجُوزَجَانِيُّ، بإسْنَادِه عن أبى الزُّبَيْرِ، قال: سألتُ جابِرَ بنَ عبدِ اللهِ عن الحَلْىِ فيه زَكَاةٌ؟ قال: لا. قلتُ: إنَّ الحَلْىَ قد (١٣) يَكُونُ فيه أَلْفُ دِينارٍ. قال: وإن كان فيه، يُعَارُ ويُلْبَسُ (١٤). ثم إنَّ قَوْلَ جابِرٍ قَوْلُ صَحَابِيٍّ قد (١٥) خَالَفَهُ غَيْرُه ممَّن [أباحَ التَّحَلِّىَ] (١٦) مُطْلَقًا بغير تَقَيُّدٍ، فلا يَبْقَى قَوْلُه حُجَّةً، والتَّقْيِيدُ بالرَّأْىِ المُطْلَقِ والتَّحَكُّمُ غيرُ جائِزٍ.

стр. 1869

فصل (١٧): وإذا انْكَسَرَ الحَلْىُ كَسْرًا لا يَمْنَعُ الاسْتِعْمَالَ واللُّبْسَ، فهو كالصَّحِيحِ، لا زَكاةَ فيه، إلَّا أن يَنْوِىَ كَسْرَهُ وسَبْكَه، ففيه الزكاةُ حِينَئِذٍ، لأنَّه نَوَى صَرْفَهُ عن الاسْتِعْمالِ. وإن كان الكَسْرُ يَمْنَعُ الاسْتِعْمالَ، فقال القاضى: عِنْدِى أنَّ فيه الزكاةَ؛ لأنَّه كان بِمَنْزِلَةِ النُّقُودِ والتِّبْرِ. فصل: وإذا كان الحَلْىُ لِلُّبْسِ، فَنَوَتْ به المَرْأةُ التِّجارَةَ، انْعَقَدَ عليه حَوْلُ الزكاةِ من حِينَ نَوَتْ؛ لأنَّ الوُجُوبَ هو الأصْلُ، وإنَّما انْصَرَفَ عنه لِعارِضِ الاسْتِعْمالِ، فعادَ إلى الأصْلِ بمُجَرَّدِ النِّيَّةِ من غيرِ اسْتِعْمالٍ، فهو كما لو نَوَى بِعَرْضِ التِّجَارَةِ القُنْيَةَ، انْصَرَفَ إليه من غيرِ اسْتِعْمالٍ. فصل: ويُعْتَبَرُ في النِّصابِ في الحَلْىِ الذى تَجِبُ فيه الزكاةُ بالوَزْنِ، فلو مَلَكَ حَلْيًا قِيمَتُهُ مائتَا دِرْهَمٍ، ووَزْنُه دُونَ المائتَيْنِ، لم يَكُنْ عليه زَكاةٌ. وإن بَلَغَ مائتَيْنِ وَزْنًا، ففيه الزكاةُ، وإن نَقَصَ في القِيمَةِ؛ لِقَوْلِه ﵇: "لَيْسَ فِيمَا دُونَ خَمْسِ أَوَاقٍ من الوَرِقِ صَدَقَةٌ" (١٨). اللَّهُمَّ إلَّا أن يكونَ الحَلْىُ لِلتِّجارَةِ فيُقَوَّمُ، فإذا بَلَغَتْ قِيمَتُه بالذَّهَبِ والفِضَّةِ نِصَابًا، ففيه الزكاةُ؛ لأنَّ الزكاةَ مُتَعَلِّقَةٌ بالقِيمَةِ، وما لم يَكُنْ لِلتِّجارَةِ فالزكاةُ في عَيْنِه، فيُعْتَبَرُ أن يَبْلُغَ بقِيمَتِه وَوَزْنِه نِصَابًا، وهو مُخَيَّرٌ بين إخْراجِ رُبْعِ عُشْرِ حَلْيِهِ مَشَاعًا، أو دَفْعِ ما يُسَاوِى رُبْعَ عُشْرِها من جِنْسِها، وإن زَادَ في الوَزْنِ على رُبْعِ العُشْرِ؛ لما بَيَّنَّا أنَّ الرِّبَا لا يَجْرِى هاهُنا. ولو أرادَ كَسْرَها ودَفعَ رُبْع عُشْرِها لم يَكُنْ منه؛ لأنَّه يَنْقُصُ قِيمَتَها. وهذا مذهبُ الشَّافِعِيِّ. وقال مالِكٌ: الاعْتِبارُ بِالوَزْنِ، وإذا كان وَزْنُ الحَلْىِ عِشْرِينَ وقِيمَتُه ثلاثُونَ، فعليه نِصْفُ مِثْقالٍ، لا تَزِيدُ قِيمَتُه شيئا؛ لأنَّه نِصَابٌ من جِنْسِ الأثْمانِ، فتَعَلَّقَتِ الزكاةُ بِوَزْنِه، لا بِصِفَتِه، كالدَّراهِمِ المَضْرُوبَةِ. ولَنا، أنَّ الصِّناعَةَ صارَتْ صِفَةً

стр. 1870

لِلنِّصَابِ لها قِيمَةٌ مَقْصُودَةٌ، فوَجَبَ اعْتِبارُهَا كالجَوْدَةِ في سائِرِ أمْوالِ الزكاةِ. ودَلِيلُهُم نَقُولُ به، وأنَّ الزكاةَ تَتَعَلَّقُ بِوَزْنِه وصِفَتِه جَمِيعًا، كالجَيِّدِ من الذَّهَبِ والفِضَّةِ، والمَواشِى، والحُبُوبِ، والثِّمَارِ، فإنَّه لا يُجْزِئُه إخْراجُ رَدِىءٍ عن جَيِّدٍ، كذلك هاهُنا. وإن أرادَ إخْرَاجَ الفِضَّةِ عن حَلْىِ الذَّهَبِ، أو الذَّهَبِ عن الفِضَّةِ، أخْرَجَ على الوَجْهَيْنِ، كما قَدَّمْنا في إخْراجِ أحَدِ النَّقْدَيْنِ عن الآخَرِ. وذَكرَ ابنُ عَقِيلٍ أنَّ الاعْتِبارَ في قَدْرِ النِّصابِ أيضا بالقِيمَةِ، فلو مَلَك حَلْيًا وَزْنُه تِسْعَةَ عَشَرَ، وقِيمَتُه عِشْرُونَ لأجْلِ الصِّناعَةِ، ففيه الزكاةُ، وظاهِرُ كلامِ أحمدَ اعْتِبارُ الوَزْنِ، وهو ظاهِرُ نَصِّه، لِقَوْلِه: "لَيْسَ فيما دُونَ خَمْسِ أَوَاقٍ صَدَقَةٌ". ولأنَّه مالٌ تَجِبُ الزكاةُ في عَيْنِه، فلا تُعْتَبَرُ قِيمَةُ الدَّنانِيرِ المَضْرُوبَةِ، لأنَّ زِيادَةَ القِيمَةِ بالصِّنَاعَةِ، كزِيادَتِها بِنَفاسَةِ جَوْهَرِه، فكما لا تَجِبُ الزِّيَادَةُ فيما كان نَفِيسَ الجَوْهَرِ، كذلك الآخَرُ. فصل: فإنْ كان في الحَلْىِ جَوْهَرٌ ولآلِئُ مُرَصَّعَةٌ، فالزكاةُ في الحَلْىِ من الذَّهَبِ والفِضَّةِ دُونَ الجَوْهَرِ، لأنَّها لا زَكاةَ فيها عند أحَدٍ من أهْلِ العِلْمِ. فإن كان الحَلْىُ لِلتِّجارَةِ، قَوَّمَهُ بما فيه من الجَواهِرِ؛ لأنَّ الجَواهِرَ لو كانت مُفْرَدَةً وهى لِلتِّجَارَةِ، لَقُوِّمَتْ وَزُكِّيَتْ، فكذلك إذا كانت في حَلْىِ التِّجارَةِ. فصل: وإذا اتَّخَذَتِ المَرْأَةُ حَلْيًا ليس لها اتِّخاذُه، كما إذا اتَّخَذَتْ حِلْيَةَ الرِّجالِ كحِلْيَةِ السَّيْفِ والمِنْطَقَةِ، فهو مُحَرَّمٌ، وعليها الزكاةُ، كما لو اتَّخَذَ الرَّجُلُ حَلْىَ المَرْأَةِ. فصل: ويُباحُ لِلنِّسَاءِ من حَلْىِ الذَّهَبِ والفِضَّةِ والجَواهِرِ كُلُّ ما جَرَتْ عادَتُهُنَّ بلُبْسِه، مثل السِّوَارِ والخَلْخَالِ والقُرْطِ والخَاتَمِ، وما يَلْبَسْنَهُ على وُجُوهِهِنَّ، وفى أَعْناقِهِنَّ، وأَيْدِيهِنَّ، وأَرْجُلِهِنَّ، وآذَانِهِنَّ وغيرِه، فأمَّا ما (١٩) لم تَجْرِ

стр. 1871

عَادَتُهُنَّ بِلُبْسِه، كالمِنْطَقَةِ وشِبْهِها من حَلْىِ الرِّجالِ، فهو مُحَرَّمٌ، وعليها زَكَاتُه، كما لو اتَّخَذَ الرَّجُلُ لِنَفْسِهِ حَلْىَ المَرْأَةِ. ٤٥١ - مسألة؛ قال: (ولَيْسَ في حِلْيَةِ سَيْفِ الرَّجُلِ ومِنْطَقَتِه وخاتَمِه زَكَاةٌ) وجُمْلَةُ ذلك أنَّ ما كان مُباحًا مِن الحَلْىِ، فلا زَكَاةَ فيه إذا كان مُعَدًّا لِلاسْتِعْمالِ، سَوَاءٌ كان لِرَجُلٍ أو امْرَأَةٍ؛ لأنَّه مَصْرُوفٌ عن جِهَةِ النَّماءِ إلى استِعْمالٍ مُباحٍ، فأشْبَهَ ثِيابَ البِذْلَةِ وعَوَامِلَ الماشِيَةِ، ويُبَاحُ لِلرِّجَالِ من الفِضَّةِ الخاتَمُ، لأنَّ النَّبِيَّ ﷺ اتَّخَذَ خَاتَمًا. مِن وَرِقٍ. مُتَّفَقٌ عليه (١). وحِلْيَةُ السَّيْفِ، بأن تُجْعَلَ قَبيعَتُهُ (٢) فِضَّةً أو تَحْلِيَتُها بِفِضَّةٍ؛ فإنَّ أنَسًا قال: كانت قَبِيعَةُ سَيْفِ رَسولِ اللهِ ﷺ فِضَّةً. وقال هِشامُ بن عُرْوَةَ: كان سَيْفُ الزُّبَيْرِ مُحَلَّي بالفِضَّةِ.

стр. 1872

رَوَاهُما الأَثْرَمُ بإسْنَادِه (٣). والمِنْطَقَةُ تُباحُ تَحْلِيَتُها بالفِضَّةِ؛ لأنَّها حِلْيَةٌ مُعْتَادَةٌ لِلرَّجُلِ، فهى كالخاتَمِ، وقد نُقِلَ كَرَاهَةُ ذلك؛ لما فيه من الفَخْرِ والخُيَلاءِ، فهو كالطَّوْقِ، والأوَّلُ أوْلَى؛ لأنَّ الطَّوْقَ ليس بمُعْتادٍ (٤) في حَقِّ الرَّجُلِ، بخِلافِ المِنْطَقَةِ. وعلى قِيَاسِ المِنْطَقَةِ، الْجَوْشَنُ (٥)، والخُوذَةُ، والخُفُّ، والرَّأَنُ (٦)، والحَمَائِلُ. وتُباحُ الفِضَّةُ في الإِنَاءِ وما أشْبَهَها؛ لِلْحَاجَةِ، وَنعْنِى بالحَاجَةِ أنَّه يُنْتَفَعُ بها في ذلك، وإن قامَ غَيْرُها مقَامَها. وفى "صَحِيحِ البُخَارِيِّ" (٧)، عن أنَسٍ، أنَّ قَدَحَ النَّبِيِّ ﷺ انْكَسَرَ، فاتَّخَذَ مَكَانَ الشَّعْبِ سِلْسِلَةً مِن فِضَّةٍ. وقال القاضى: يُباحُ اليَسِيرُ، وإن لم يَكُنْ لحِاجَةٍ. وإنَّما كَرِهَ أحمدُ الحَلْقَةَ في الإِناءِ؛ لأنَّها تُسْتَعْمَلُ. وأما الذَّهَبُ، فيُباحُ منه ما دَعَتِ الضَّرُورَةُ إليه، كالأنْفِ في حَقِّ من قُطِعَ أنْفُه؛ لما رُوِىَ عن عبدِ الرحمنِ بن طَرَفَةَ، أنَّ جَدَّهُ عَرْفَجَةَ بن أسْعَدَ (٨). قُطِعَ أَنْفُه يَوْمَ الكُلابِ (٩)، فاتَّخَذَ أنْفًا من وَرِقٍ فأنْتَنَ عليه، فأمَرَهُ النَّبِيُّ ﷺ فاتَّخَذَ أنْفًا من ذَهبٍ. رَوَاهُ أبو دَاوُدَ (١٠). وقال الإِمامُ أحمدُ: رَبْطُ الأسْنَانِ

стр. 1873

بالذَّهَبِ إذا خُشِىَ عليها أن تَسْقُطَ قد فَعَلَهُ النَّاسُ، فلا بَأْسَ به عندَ الضَّرُورَةِ. ورَوَى الأثْرَمُ، عن موسى بن طَلْحَةَ، وأبى جَمْرَةَ (١١) الضُّبَعِى، وأبى رَافِعٍ، وثَابِتٍ الْبُنانِيِّ، وإسْمَاعِيلَ بن زَيْدٍ بن ثَابتٍ، والمُغِيرَةِ بن عبدِ اللهِ، أنَّهم شَدُّوا أسْنانَهُم بالذَّهَبِ. وعن الحَسَنِ، والزُّهْرِيِّ، والنَّخَعِيِّ، أنَّهم رَخَّصُوا فيه. وما عَدَا ذلك من الذَّهَبِ، فقد رُوِىَ عن أحمدَ، ﵀، الرُّخْصَةُ فيه (١٢) في السَّيْفِ. قال الأَثْرَمُ، قال أحمدُ: قد (١٢) رُوِىَ أنَّه كان في سَيْفِ عثمانَ بن حُنَيْفٍ مِسْمَارٌ من ذَهَبٍ، قال أبو عبدِ اللهِ: فذَاكَ الآنَ في السَّيْفِ. وقال: إنَّه كان لِعُمَرَ سَيْفٌ [فيه سَبائِكُ] (١٣) من ذَهَبٍ. من حَدِيثِ إسماعِيلَ بن أُمَيَّةَ، عن نَافِعٍ. ورَوَى التِّرْمِذِيُّ (١٤)، بإسْنَادِهِ عن مَزِيدَةَ العَصَرِيِّ، أنَّ النَّبِيَّ ﷺ دَخَلَ مَكَّةَ وعلى سَيْفِهِ ذَهَبٌ وفِضَّةٌ. ورُوِىَ عن أحمدَ رِوَايَةٌ أُخْرَى تَدُلُّ على تَحْرِيمِ ذلك. قال الأثْرَمُ: قلتُ لأبى عبدِ اللهِ: يَخافُ عليه أن يَسْقُطَ يَجْعَلُ فيه مِسْمَارًا من ذَهَبٍ؟ قال: إنَّما رُخِّصَ في الأسْنانِ، وذلك إنَّما هو على الضَّرُورَةِ، فأمَّا المِسْمارُ، فقد رُوِىَ: "مَنْ تَحَلَّى بِخَرْ بَصِيصَةٍ، [كُوِىَ بها يَوْمَ القِيَامَةِ"] (١٥). قلتُ: أيُّ شىءٍ خَرْبَصِيصَة؟ قال: شىءٌ صَغِيرٌ مثل الشُّعَيرَةِ. ورَوَى الأثْرَمُ أيضا (١٦)، بإسْنَادِهِ عن شَهْرِ بنِ حَوْشَبٍ، عن عبدِ الرحمنِ بن غُنْمٍ، قال: "مَنْ حُلِّىَ، أو تَحَلَّى، بخَرْبَصِيصَةٍ، كُوِىَ بها يَوْمَ القِيَامَةِ، مَغْفُورًا لَهُ أو مُعَذَّبًا" (١٧). وحُكِىَ عن أبى بَكرٍ من أصْحَابِنَا، أنَّه أباحَ يَسِيرَ الذَّهَبِ، ولَعَلَّه يَحْتَجُّ بما رَوَيْناهُ من

стр. 1874

الأخْبارِ، وبِقياسِ (١٨) الذَّهَبِ على الفِضَّةِ، ولأنَّه أحَدُ الثَّلَاثَةِ المُحَرَّمَةِ على الذُّكُورِ دُونَ الإِنَاثِ، فلم يُحَرَّمْ يَسِيرُه (١٩) كسَائِرِها، وكلُّ ما أُبِيحَ مِن الحَلْىِ، فلا زَكاةَ فيه، إذا كان مُعَدًّا لِلاسْتِعْمالِ. ٤٥٢ - مسألة؛ قال: (والمَتَّخِذُ آنِيَةَ الذَّهَبِ والفِضَّةِ عَاصٍ، وفيها الزَّكَاةُ) وجُمْلَتُه، أنَّ اتِّخاذَ آنِيَةِ الذَّهَبِ والفِضَّةِ حَرامٌ على النِّساءِ والرِّجالِ جَمِيعًا، وكذلك اسْتِعْمالُها (١). وقال الشَّافِعِيُّ، في أحَدِ قَوْلَيْه: لا يَحْرُمُ اتِّخَاذُها؛ لأنَّ النَّصَّ إنَّما وَرَدَ في تَحْرِيمِ الاسْتِعْمالِ، فيَبْقَى إباحَةُ الاتِّخَاذِ على مُقْتَضَى الأصْلِ في الإِباحَةِ. ولَنا، أنَّ ما حَرُمَ اسْتِعْمالُه حَرُمَ اتِّخَاذُه على هَيْئَةِ الاسْتِعْمالِ كالملاهِى، ويَسْتَوى في ذلك الرِّجالُ، والنِّساءُ؛ لأنَّ المَعْنَى المُقْتَضِى لِلتَّحْرِيمِ يَعَمُّهما، وهو إفْضاؤُه (٢) إلى السَّرَفِ والخُيَلاءِ، وكَسْرِ قُلُوبِ الفُقَرَاءِ، فيَسْتَوِيانِ في التَّحْرِيمِ، وإنَّما أُحِلَّ لِلنِّساءِ التَّحَلِّى لِحَاجَتِهِنَّ إليه لِلتَّزَيُّنِ لِلأزْواجِ، وليس هذا بمَوْجُودٍ في الآنِيَةِ، فيَبْقَى على التَّحْرِيمِ. إذا ثَبَتَ هذا، فإنَّ فيها الزكاةَ، بغيرِ خِلافٍ بين أهْلِ العِلْمِ، ولا زَكَاةَ فيها حتى تَبْلُغَ نِصَابًا بالوَزْنِ، أو يكونَ عندَه ما يَبْلُغُ نِصَابًا بِضَمِّها إليه. وإن زَادَتْ قِيمَتُه لِصيَاغتِه (٣)، فلا عِبْرَةَ بها؛ لأنَّها مُحَرَّمَةٌ فلا قِيمَةَ لها في الشَّرْعِ، وله أن يُخْرِجَ عنها قَدْرَ رُبْعِ عُشْرِها بقيِمَتِه غيرَ مَصُوغٍ. وإن أحَبَّ كَسْرَها، أخْرَجَ رُبْعَ عُشْرِها مَكْسُورًا، وإن أخْرَجَ رُبْعَ عُشْرِها مَصُوغًا، جَازَ؛ لأنَّ

стр. 1875

الصِّياغةَ (٤) لم تنْقُصْها عن قِيمَةِ المَكْسُورِ. وذَكَرَ أبو الخَطَّابِ وَجْهًا في اعْتِبارِ قِيمَتِها. والأوَّلُ أصَحُّ، إنْ شاءَ اللهُ تعالى. فصل: وكلُّ ما كان اتِّخَاذُه مُحَرَّمًا من الأثْمانِ، لم تَسْقُطْ زَكَاتُه بِاتِّخاذِه؛ لأنَّ الأصْلَ وُجُوبُ الزكاةِ فيها، لِكَوْنِها مَخْلُوقَةً لِلتِّجارَةِ، والتَّوَسُّلِ بها إلى غَيْرِها، ولم يُوجَدْ ما يَمنَعُ ذلك، فبَقِيَتْ على أصْلِها. قال أحمدُ: ما كان على سَرْجٍ أو لِجامٍ، ففيه الزكاةُ. ونَصَّ على حِلْيَةِ الثَّفَرِ (٥) والرِّكَابِ واللِّجَامِ، أنَّه مُحَرَّمٌ. وقال، في رِوَايَةِ الأثْرَمِ: أكْرَهُ رَأْسَ المُكْحُلَةِ فِضَّةً. ثم قال: وهذا شىءٌ تَأوَّلْتُه. وعلى قِياسِ ما ذَكَرَهُ (٦)، حِلْيَةُ الدَّوَاةِ، والمِقْلَمَةِ، والسَّرْجِ، ونحوه ممَّا على الدَّابَّةِ. ولو مَوَّه سَقْفَه بِذَهَبٍ أو فِضَّةٍ، فهو مُحَرَّمٌ، وفيه الزكاةُ. وقال أصْحابُ الرَّأْىِ: يُباحُ؛ لأنَّه تابِعٌ لِلْمُباحِ، فيَتْبَعُه في الإِباحَةِ. ولنَا، أنَّ هذا سَرَفٌ (٧)، ويُفضِى فِعْلُه (٨) إلى الخُيَلاءِ، كسْرِ قُلُوبِ الفُقَرَاءِ، فحَرُمَ، كاتِّخاذِ الآنِيَةِ، وقد نَهَى النَّبِيُّ ﷺ عن التخَتُّمِ بخاتَمِ الذَّهَبِ لِلرَّجُلِ (٩)، فتَمْوِيهُ السَّقْفِ أوْلَى. وإن صارَ التَّمْوِيهُ الذى في

стр. 1876

السَّقْفِ مُسْتَهْلَكًا لا يَجْتَمِعُ (١٠) منه شىءٌ، لم تَحْرُم اسْتِدَامَتُه؛ لأنَّه لا فائِدَةَ فى إتْلافِه وإزَالَتِه، ولا زَكَاةَ فيه؛ لأنَّ مَالِيَّتَهُ ذَهَبَتْ وإن لم تَذْهَبْ مَالِيَّتُهُ، ولم يَكُنْ مُسْتَهْلَكًا، حَرُمَت اسْتِدَامَتُه. وقد بَلَغَنَا أنَّ عمرَ بن عبدِ العزيزِ لمَّا وَلِىَ، أرادَ جَمْعَ ما فِى مَسْجِدِ دِمَشْقَ ممَّا مُوِّهَ من الذَّهَبِ، فقِيلَ له: إنَّه لا يَجْتَمِعُ منه شىءٌ. فتَرَكَهُ. ولا يجوزُ تَحْلِيَةُ المَصاحِفِ ولا المَحَاريب، ولا اتِّخَاذُ قَنَادِيلَ من الذَّهَبِ والفِضَّةِ؛ لأنَّها بمَنْزِلَةِ الآنِيَةِ. وإن وَقَفَها على مَسْجِدٍ أو نَحْوِه لم يَصِحَّ؛ لأنَّه ليس بِبِرٍّ ولا مَعْرُوفٍ، ويكون ذلك بمَنْزِلَةِ الصَّدَقَةِ، فيُكْسَرُ ويُصْرَفُ فى مَصْلَحَةِ المَسْجِدِ وعِمَارَتِه. وكذلك إن حبَّسَ الرَّجُلُ فَرَسًا له لِجَامٌ مُفَضَّضٌ. وقد قال أحمدُ: فى الرَّجُلِ يَقِفُ فَرَسًا فى سَبِيلِ اللهِ، ومعه لِجَامٌ مُفَضَّضٌ: فهو على ما وَقَفَه، وإن بِيعَتِ الفِضَّةُ من السَّرْجِ واللِّجامِ وجُعِلَتْ (١١) فى وَقْفِ مِثْلِه فهو أحَبُّ إلَىَّ؛ لأنَّ الفِضَّةَ لا يُنْتَفَعُ بها، ولَعَلَّهُ يَشْتَرِى بذلك سَرْجًا ولِجَامًا، فيَكُونُ انْفَعَ لِلْمُسْلِمِينَ. قِيلَ: فتُبَاعُ الفِضَّةُ، ويُنْفِقُ على الفَرَسِ؟ قال: نعم، وهذا يَدُلُّ على إباحَةِ حِلْيَةِ السَّرْجِ واللِّجَامِ بالفِضَّةِ، لولا ذلك لمَا قال: هو علَى ما وَقَفَ. وهذا لأنَّ العادَةَ جَاريَةٌ به، فأشْبَهَ حِلْيَةَ المِنْطَقَةِ. وإذا قلنا بِتَحْرِيمِهَا فصارَ بحيثُ لا يَجْتَمِعُ (١٢) منه شىءٌ، لم يَحْرُمْ اسْتِدَامَتُه، كقَوْلِنَا فى تَمْوِيهِ السَّقْفِ، وأباحَ القاضى عِلَاقَةَ المُصْحَفِ ذَهَبًا أو فِضَّةً لِلنِّسَاءِ خَاصَّةً. وليس بِجَيِّدٍ؛ لأنَّ حِلْيَة المَرْأةِ ما لَبِسَتْهُ، وتَحَلَّتْ به فى بَدَنِها أو ثِيابِها، وما عَدَاهُ فَحُكْمُه حُكْمُ الأوَانِى، لا يُباحُ لِلنِّسَاءِ منه إلَّا ما أُبِيحَ لِلرِّجالِ. ولو أُبِيحَ لها ذلك لأبِيحَ عِلَاقَةُ الأوَانِى والأدْرَاجِ ونحوهما. ذَكَرَهُ ابنُ عَقِيلٍ.

стр. 1877

فصل: وكلُّ ما يَحْرُمُ اتِّخَاذُه، ففيه الزكاةُ إذا كان نِصابًا، أو بَلَغَ (١٣) بِضَمِّه إلى ما عنده نِصَابًا، على ما ذَكَرْنَاهُ. ٤٥٣ - مسألة؛ قال: (وَمَا كَانَ مِنَ الرِّكَازِ، وَهُوَ دِفْنُ الجَاهِلِيَّةِ، قَلَّ أو كَثُرَ، فَفِيهِ الخُمْسُ لِأَهْلِ الصَّدَقَاتِ، وبَاقِيهِ فَلَهُ (١)) الدِّفْنُ.، بِكَسْرِ الدَّالِ: المَدفُونُ. والرِّكَازُ: المَدْفُونُ فى الأرْضِ. واشْتِقَاقُه من رَكَزَ يَرْكِزُ. مِثْلُ غَرَزَ يَغْرِزُ (٢): إذا أخْفَى (٣). يقال: رَكَزَ الرُّمْحَ، إذا غَرَزَ أسْفَلَه (٤) فى الأرْضِ. ومنه الرِّكْزُ، وهو الصَّوْتُ الخَفِىُّ، قال اللهُ تعالى: ﴿أَوْ تَسْمَعُ لَهُمْ رِكْزًا﴾ (٥). والأصْلُ فى صَدَقَةِ الركازِ، ما رَوَى أبو هُرَيْرَةَ، عن رسولِ اللهِ ﷺ أنَّه قال: "الْعَجْمَاءُ جُبَارٌ (٦)، وفى الرِّكَازِ الخُمْسُ". مُتَّفَقٌ عليه (٧).

стр. 1878

وهو أيضا مُجْمَعٌ عليه. قال ابْنُ المُنْذِرِ: لا نَعْلَمُ أحَدًا خَالَفَ هذا الحَدِيثَ، إلَّا الحسنَ، فإنَّه فَرَّقَ بين ما يُوجَدُ في أرْضِ الحَرْبِ، وأرْضِ العَرَبِ، فقال: فيما يُوجَدُ في أرْضِ الحَرْبِ الخُمْسُ، وفيما يُوجَدُ في أرْضِ العَرَبِ الزكاةُ. وأوْجَبَ (٨) الخُمْسَ في الجَمِيعِ الزُّهْرِيُّ، والشَّافِعِيُّ، وأبو حنيفةَ، وأصْحابُه، وأبو ثَوْرٍ، وابنُ المُنْذِرِ، وغَيْرُهم. وهذه المَسْأَلَةُ تَشْتَمِلُ على خَمْسَةِ فُصُولٍ: الأوَّل، أنَّ الرِّكَازَ الذى يَتَعَلَّقُ به وُجُوبُ الخُمْسِ ما كان من دِفْنِ الجَاهِلِيَّةِ. هذا قَوْلُ الحسنِ، والشَّعْبِيِّ، ومالِكٍ، والشَّافِعِيِّ، وأبي ثَوْرٍ. ويُعْتَبَرُ ذلك بأن تُرَى عليه عَلامَاتُهم، كأسْماءِ مُلُوكِهِم، وصُوَرِهم وصُلُبِهم (٩)، وصُوَرِ أصْنَامِهِم، ونحوِ ذلك. فإن كان عليه عَلَامَةُ الإسْلامِ، أو اسْمُ النَّبِيِّ ﷺ ، أو أحَدٌ من خُلَفاءِ المُسْلِمِينَ، أو وَالٍ لهم، أو آيةٌ من [القرآنِ ونحوُ] (١٠) ذلك، فهو لُقَطَةٌ؛ لأَنَّه مِلْكُ مُسْلِمٍ لم يُعْلَمْ زَوَالُه عنه. وإن كان على بَعْضِه عَلَامَةُ الإسْلَامِ، وعلى بَعْضِه عَلَامَةُ الكُفْرِ (١١)، فكذلك. نَصَّ عليه أحمدُ، في رِوَايَةِ ابنِ منصورٍ؛ لأنَّ الظَّاهِرَ أنَّه صارَ إلى مُسْلِمٍ، ولم يُعْلَمْ زَوَالُه عن مِلْكِ المُسْلِمِينَ، فأشْبَهَ ما على جَمِيعِه عَلامَةُ المُسْلِمِينَ. الفصل الثاني، في مَوْضِعِه، ولا يَخْلُو من أرْبَعَةِ أقْسامٍ: أحدُها، أن يَجِدَهُ في موَاتٍ، أو ما لا يُعْلَمُ له مالِكٌ، مثل الأرْضِ التى يُوجَدُ فيها آثارُ المُلْكِ، كالأبنِيَةِ

стр. 1879

القَدِيمَةِ، والتُّلُولِ، وجُدْرَانِ الجَاهِلِيَّةِ، وقُبُورِهم. فهذا فيه الخُمْسُ بغيرِ خِلافٍ، سِوَى ما ذَكَرْنَاهُ. ولو وَجَدَهُ في هذه الأرْضِ على وَجْهِها، أو في طَرِيقٍ غيرِ مَسْلُوكٍ، أو قَرْيَةٍ خَرَابٍ، فهو كذلك في الحُكْمِ؛ لما رَوَى عَمْرُو بن شُعَيْبٍ، عن أبِيهِ، عن جَدِّه، قال: سُئِلَ رسولُ اللهِ ﷺ عن اللُّقَطَةِ؟ فقال: "مَا كَانَ فِى طَرِيقٍ مَأْتِيٍّ، أوْ فِى قَرْيَةٍ عَامِرَةٍ، فَعَرِّفْهَا سَنَةً، فَإنْ جَاءَ صَاحِبُها، وإلَّا فَلَكَ، ومَا لَمْ يَكُنْ في طَرِيقٍ مَأْتِيٍّ، ولَا فِى قَرْيَةٍ عَامِرَةٍ، فَفِيهِ وفِى الرِّكَازِ الخُمْسُ". رَوَاهُ النَّسَائِيُّ (١٢). القسم الثانى، أن يَجِدَهُ في مِلْكِه المُنْتَقِلِ إليه، فهو له في [إحْدَى الرِّوايَتْين] (١٣)؛ لأنَّه مالُ كَافِرٍ مَظْهُورٌ عليه في الإسلامِ، فكان لِمَنْ ظَهَر عَليه كالغَنائِمِ، ولأنَّ الرِّكَازَ لا يُمْلَكُ بمِلْكِ الأرْضِ، لأنَّه مُودَعٌ فيها، وإنَّما يُمْلَكُ بالظُّهُورِ عليه، وهذا قد ظَهَر عليه، فوَجَبَ أن يَمْلِكَهُ. والرِّوَايَةُ الثانيةُ، هو لِلْمَالِكِ قبلَه إن اعْتَرَفَ به، وإن لم يَعْتَرِفْ به فهو للذى قَبْلَه كذلك إلى أوَّلِ مَالِكٍ. وهذا مذهبُ الشَّافِعِيِّ؛ لأنَّه كانت يَدُهُ على الدَّارِ، فكانت علَى ما فيها. وإن انْتَقَلَتِ الدَّارُ بالمِيرَاثِ، حُكِمَ بأنَّه مِيراثٌ، فإن اتَّفَقَ الوَرَثَةُ على أنَّه لم يَكُنْ لِمَوْرُوثِهم، فهو لأوَّلِ مَالِكٍ، فإنْ لم يُعْرَفْ أوَّلُ مَالِكٍ، فهو كالمالِ الضَّائِعِ الذى لا يُعْرَفْ له مَالِكٌ. والأوَّلُ أصَحُّ، إن شاءَ اللهُ تعالى؛ لأنَّ الرَّكَازَ لا يُمْلَكُ بمِلْكِ الدَّارِ، لأنَّه ليس من أجْزائِها وإنَّما هو مُودَعٌ فيها، فيُنَزَّلُ مَنْزِلَةَ المُبَاحاتِ من الحَشِيشِ والحَطَبِ والصَّيْدِ يَجِدُه في أرْضِ غَيْرِه، فيَأْخُذُه، فيكونُ أحَقَّ به، لكن إن ادَّعَى المالِكُ الذى انْتَقَلَ المِلْكُ عنه أنَّه له، فالقَوْلُ قَوْلُه؛ لأنَّ يَدَهُ كانت عليه، لِكَوْنِها (١٤) على مَحِلِّه، وإن لم يَدَّعِه، فهو لِوَاجِدِه. وإن اخْتَلَفَ الوَرَثَةُ،

стр. 1880

فأنْكَرَ بعضُهم أن يكونَ لِمُوَرِّثِهم، ولم يُنْكِرْهُ الباقُونَ، فحُكْمُ مَن أنْكَرَ قى نَصِيبِه حُكْم المالِكِ الذى لم يَعْتَرِفْ به، وحُكْم المُعْتَرِفِينَ حُكْمُ المالِكِ المُعْتَرِفِ. القسم الثالث، أن يَجِدَهُ في مِلْكِ آدَمِىٍّ مُسْلِمٍ مَعْصُومٍ أو ذِمِّىٍّ، فعن أحمدَ ما يَدُلُّ على أنَّه لِصاحب الدَّارِ؛ فإنَّه قال، في مَن اسْتَأْجَرَ حَفَّارًا لِيَحْفِرَ في دَارِهِ، فأصابَ في الدَّارِ كَنْزًا عَادِيًّا (١٥): فهو لِصاحِبِ الدَّارِ. وهذا قولُ أبِى حنيفةَ ومحمدِ بن الحسنِ. ونُقِلَ عن أحمدَ ما يَدُلُّ على أنَّه لِوَاجِدِه؛ لأنَّه قال في مَسْأَلَةِ من اسْتَأْجَرَ أَجِيرًا لِيَحْفِرَ له في دَارِه، فأصابَ في الدَّارِ كَنْزًا: فهو لِلْأَجِيرِ. نقلَ ذلك عنه محمدُ بن يحيى الكَحَّالُ. قال القاضى. هو الصَّحِيحُ. وهذا يَدُلُّ على أنَّ الرِّكَازَ لِوَاجِدِه. وهو قَوْلُ الحسنِ بن صالِحِ، وأبى ثَوْرٍ. واسْتَحْسَنَهُ أبو يوسفَ. وذلك لأنَّ الكَنْزَ لا يُمْلَكُ بِمِلْكِ الدَّارِ، على ما ذَكَرْنا في القِسْمِ الذى قبلَه، فيكونُ لِمَنْ وَجَدَهُ، لكنْ إن ادَّعَاهُ المالِكُ. فالقَوْلُ قَوْلُهُ؛ لأنَّ يَدَهُ عليه بِكَوْنِها على مَحِلِّه. وإن لم يَدَّعِه، فهو لِوَاجِدِهِ. وقال الشَّافِعِيُّ: هو لِمَالِكِ الدَّارِ إن اعْتَرَفَ به، وإن لم يَعْتَرِفْ به، فهو لأوَّلِ مَالِكٍ، لأنَّه في يَدِه. ويُخَرَّج لنا مثلُ ذلك، لما ذَكَرْناه من الرِّوَايَةِ في القِسْمِ الذى قَبْلَه. وإن اسْتَأْجَرَ حَفَّارًا لِيَحْفِرَ له طَلَبًا لِكَنْزٍ يَجِدُه، فوَجَدَهُ، فلا شىءَ لِلأجِيرِ، ويَكونُ الوَاجِدُ له هو المُسْتَأْجِرُ؛ لأنَّه اسْتَأْجَرَه لذلك، فأشْبَهَ ما لو اسْتَأْجَرَه لِيَحْتَشَّ (١٦) له أو يَصْطادَ، فإنَّ الحاصِلَ من ذلك لِلْمُسْتَأْجِرِ دُونَ الأجِيرِ. وإن اسْتَأْجَرَهُ لأمْرٍ غير طَلَب الرِّكَازِ، فالواجِدُ له هو الأجِيرُ. وهكذا قال الأوْزَاعِيُّ: إذا اسْتَأْجَرْتُ أجِيرًا لِيَحْفِرَ لى في دَارِى، فوَجَدَ كَنْزًا، فهو له. وإن قلتُ: اسْتَأْجَرْتُك لِتَحْفِرَ لى هاهُنَا، رَجَاءَ أن أجِدَ كَنْزًا، فسَمَّيْتُ له، فله أجْرُه، ولِى ما يُوجَدُ. فصل: وإن اكْتَرَى دَارًا، فوَجَدَ فيها رِكَازًا، فهو لِوَاجِدِه، في أحَدِ

стр. 1881

الوَجْهَيْنِ، والآخَرِ، هو لِلْمَالِكِ، بِنَاءً على الرِّوَايَتَيْنِ، في مَن وَجَدَ رِكَازًا في مِلْكٍ انْتَقَلَ إليه، وإن اخْتَلَفَا، فقال كُلُّ وَاحِدٍ منهما: هذا كان (١٧) لِى. فعلى وَجْهَيْنِ أيضا (١٧): أحدُهما، القَوْلُ قَوْلُ المَالِكِ؛ لأنَّ الدِّفْنَ تَابِعٌ لِلأَرْضِ. والثاني، القَوْلُ قَوْلُ المُكْتَرِى؛ لأن هذا مُودَعٌ في الأرْضِ، وليس منها، فكان القَوْلُ قَوْلَ من يَدُهُ عليها، كالقماشِ. القسم الرابع، أن يَجِدَهُ في أرْضِ الحَرْبِ، فإن لم يَقْدِرْ عليه إلَّا بِجَمَاعَةٍ من المُسْلِمِينَ، فهو غَنِيمَةٌ لهم، وإن قَدَرَ عليه بِنَفْسِه، فهو لِوَاجِدِه، حُكْمُه حُكْمُ ما لو وَجَدَه في مَوَاتٍ في أرْضِ المُسْلِمِينَ. وقال أبو حنيفةَ، والشَّافِعِيُّ: إن عَرَفَ مَالِك الأرْضِ، وكان حَرْبِيًّا، فهو غَنِيمَةٌ أيضا؛ لأنَّه في حِرْزِ مَالِكٍ مُعَيَّنٍ؛ فأشْبَهَ ما لو أخَذَهُ من بَيْتٍ أو خِزَانَةٍ. ولَنا، أنَّه ليس لِمَوْضِعِه مَالِكٌ مُحْتَرَمٌ، أشْبَهَ ما لو لم يُعْرَفْ مَالِكُهُ. ويُخَرَّجُ لنا مثلُ قَوْلِهم، بِنَاءً على قَوْلِنا إنَّ الرِّكَازَ في دَارِ الإسلامِ يكونُ لِمَالِكِ الأرْضِ. الفصل الثالث، فئ صِفَةِ الرِّكَازِ الذى فيه الخُمْسُ، وهو كُلُّ ما كان مَالًا على اخْتِلَافِ أنْوَاعِه، من الذَّهَبِ والفِضَّةِ والحَدِيدِ والرَّصاصِ والصُّفْرِ والنُّحاسِ والآنِيَةِ وغير ذلك. وهو قَوْلُ إسحاقَ، وأبي عُبَيْدٍ، وابْنِ المُنْذِرِ، وأصْحابِ الرَّأْيِ، وإحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ عن مَالِكٍ، وأحَدُ قَوْلَىِ الشَّافِعِيِّ، والقَوْلُ الآخَرُ: لا تَجِبُ إلَّا في الأثْمانِ. ولَنا، عُمُومُ قَوْلِه ﵇: "وفِى الرِّكَازِ الخُمْسُ" (١٨). ولأنَّه مالٌ مَظْهُورٌ عليه من مالِ الكُفَّارِ، فوَجَبَ فيه الخُمْسُ مع اخْتِلَافِ أنْوَاعِهِ، كالغَنِيمَةِ. إذا ثَبَتَ هذا فإن الخُمْسَ يَجِبُ في قَلِيلِه وكَثِيرِه، في قَوْلِ إمَامِنَا، ومَالِكٍ، وإسحاقَ، وأصْحابِ الرَّأْيِ، والشَّافِعِيِّ في القَدِيمِ. وقال في الجَدِيدِ: يُعْتَبَرُ النِّصابُ فيه؛ لأنَّه حَقُّ مالٍ يَجِبُ فيما اسْتُخْرِجَ من الأرْضِ، فاعْتُبِرَ فيه

стр. 1882

النِّصابُ، كالمَعْدِنِ والزَّرْعِ. ولَنا، عُمُومُ الحَدِيثِ، ولأنَّه مَالٌ مَخْمُوسٌ، فلا يُعْتَبَرُ له نِصابٌ، كالغَنِيمَةِ، ولأنَّه مالُ كَافِرٍ مَظْهُورٌ عليه في الإسلامِ، فأشْبَهَ الغَنِيمَةَ، والمَعْدِنُ والزَّرْعُ يَحْتَاجُ إلى عَمَلٍ ونَوَائِبَ، فاعْتُبِرَ فيه النِّصَابُ تَخْفِيفًا، بخِلافِ الرِّكَازِ، ولأنَّ الوَاجِبَ فيهما مُواساةٌ، فاعْتُبِرَ النِّصَابُ لِيَبْلُغَ حَدًّا يَحْتَمِلُ المُوَاسَاةَ منه، بخِلافِ مَسْأَلتِنَا. الفَصْلُ الرَّابِع، في قَدْرِ الوَاجِبِ في الرِّكَازِ، ومَصْرِفِهِ، أما قَدْرُهُ فهو الخُمْسُ؛ لما قَدَّمْنَاهُ من الحَدِيثِ والإجْمَاعِ، وأما مَصْرِفُه فاخْتَلَفَتِ الرِّوَايَةُ عن أحمدَ فيه، [مع ما فيه] (١٩) من اخْتِلافِ أهْلِ العِلْمِ. فقال الخِرَقِيُّ: هو لأهْلِ الصَّدَقاتِ. ونَصَّ عليه أحمدُ، في رِوَايَةِ حَنْبَلٍ، فقال: يُعْطِى الخُمْسَ من الرِّكَازِ على مَكَانِه، وإن تَصَدَّقَ به على المَسَاكِينِ أجْزَأهُ. وهذا قولُ الشَّافِعِىِّ؛ لأنَّ علىَّ ابن أبي طالِبٍ رَضِىَ اللَّه عنه، أمَرَ صَاحِبَ الكَنْزِ أن يَتَصَدَّقَ به على المَسَاكِينِ. حَكَاهُ الإِمامُ أحمدُ، وقال: حَدَّثَنَا سَعِيدٌ، حَدَّثَنا سُفْيانُ، عن عبدِ اللهِ بن بِشْرٍ الخَثْعَمِيِّ، عن رَجُلٍ مِن قَوْمِهِ يُقَالُ له: ابن حُمَمَةَ، قال: سَقَطْتُ على جَرَّةٍ من ديرٍ قَدِيمٍ بالكُوفَةِ، عند جَبَّانَةِ بِشْرٍ، فيها أرْبَعَةُ آلافِ دِرْهَمٍ، فذَهَبْتُ بها إلى عليٍّ رَضِىِ اللَّه عنه. فقال: اقْسِمْهَا خَمْسَةَ أخْمَاسٍ. فقَسَمْتُها، فأخَذَ عَلِىٌّ منها خُمْسًا، وأعْطَانِى أرْبَعَةَ أخْمَاسٍ، فلمَّا أدْبَرْتُ دَعَانِى، فقال: في جِيرَانِكَ فُقَرَاءُ ومَسَاكِينُ؟ قلتُ: نعم. قال: فخُذْها فاقْسِمْها بينهم (٢٠). ولأنَّه مُسْتَفادٌ من الأرْضِ، أشْبَهَ المَعْدِنَ والزَّرْعَ. والرِّوَايَةُ الثَّانِيَةُ، مَصْرِفُه مَصْرِفُ الفَىْءِ. نَقَلَهُ محمدُ بن الحَكَمِ، عن أحمدَ. وهذه الرِّوَايَةُ أصَحُّ، وأَقْيَسُ على مَذْهَبِه. وبه قال أبو حنيفةَ، والمُزَنِيُّ؛ لما رَوَى أبو عُبَيْدٍ (٢١)، عن هُشَيْمٍ، عن مُجالِدٍ، عن

стр. 1883

الشَّعْبىِّ، أنَّ رَجُلًا وَجَدَ ألْفَ دِينَارٍ مَدْفُونَةً خَارِجًا من المَدِينَةِ، فأتَى بهما عمرَ بن الخَطَّابِ، فأخَذَ منها الخُمْسَ مائَتَىْ دِينَارٍ، ودَفَعَ إلى الرَّجُلِ بَقِيَّتَهَا، وجَعَلَ عمرُ يَقْسِمُ المائتَيْنِ بين مَن حَضَرَهُ من المُسْلِمِينَ، إلى أن فضَلَ (٢٢) منها فَضْلَةٌ، فقال: أينَ صاحبُ الدَّنَانِير؟ فقامَ إليه، فقالَ عمرُ: خُذْ هذه الدَّنَانِيرَ فهى لك. ولو كان (٢٣) زَكَاةً خَصَّ (٢٤) بها أهْلَها، ولم يَرُدَّهُ على وَاجِدِه، ولأنَّه يَجِبُ على الذِّمِّىِّ، والزكاةُ (٢٥) لا تَجِبُ عليه، ولأنَّه مَالٌ مَخْمُوسٌ زَالَتْ عنه يَدُ الكَافِرِ، أشْبَهَ خُمْسَ الغَنِيمَةِ. الفَصْلُ الخَامِسُ، في مَن يَجِبُ عليه الخُمْسُ. وهو كُلُّ مَنْ وَجَدَه، من مُسْلِمٍ وذِمِّىٍّ، وحُرٍّ وعَبْدٍ ومُكَاتَبٍ، كبِيرٍ وصَغِيرٍ، وعَاقِلٍ ومَجْنُونٍ، إلَّا أنَّ الوَاجِدَ له إذا كان عَبْدًا فهو لِسَيِّدِه؛ لأنَّه كَسْبُ مالٍ، فأشْبَهَ الاحْتِشاشَ والاصْطيادَ، وإن كان مُكَاتَبًا مَلَكَه، وعليه خُمْسُه؛ لأنَّه بِمَنْزِلَة كَسْبِه، وإن كان صبَيًّا أو مَجْنُونًا فهو لهما، ويُخْرِجُ عنهما وَلِيُّهُما. وهذا قولُ أكْثَرِ أهْلِ العِلْمِ. قال ابنُ المُنْذِرِ: أجْمَعَ كُلُّ (٢٦) مَن نَحْفَظُ (٢٧) عنه من أهْلِ العِلْمِ، على أنَّ على الذِّمِّىِّ في الرِّكَازِ يَجِدُه الخُمْسَ. قَالَه مَالِكٌ، وأهْلُ المَدِينَةِ، والثَّوْرِىُّ، والأوْزاعِىُّ، وأهْلُ العِراقِ، [من أصْحابِ] (٢٨) الرَّأْيِ، وغَيْرُهم. وقال الشَّافِعِىُّ: لا يَجِبُ الخُمْسُ إلَّا على مَن تَجِبُ عليه الزكاةُ؛ لأنَّه زَكَاةٌ. وحُكِىَ عنه في الصَّبِىِّ والمَرْأَةِ أنَّهما لا يَمْلِكانِ الرِّكازَ. وقال الثَّوْرِىُّ، والأَوْزاعِىُّ، وأبو عُبَيْدٍ: إذا كان الوَاجِدُ له عَبْدًا، يُرْضَخُ له منه، ولا يُعْطَاهُ كُلَّه. ولَنا، عُمُومُ قَوْلِه ﵇: "وفى الرِّكَازِ الخُمْسُ". فإنَّه يَدُلُّ بِعُمُومِه على وُجُوبِ الخُمْسِ في كلِّ ركَازٍ

стр. 1884

يُوجَدُ، وبِمَفْهُومِه على أنَّ بَاقِيَه لوَاجِدِه مَن كان، ولأنَّه مَالُ كَافِرٍ مَظْهُورٌ عليه، فكان فيه الخُمْسُ على مَن وَجَدَه، وبَاقِيهِ لوَاجِدِه، كالغَنِيمَةِ، ولأنَّه اكْتِسَابُ مالٍ، فكان لمُكْتَسِبِه إنْ كان حُرًّا، أو لِسَيِّدِه إن كان عَبْدًا، كالاحْتِشَاشِ والاصْطِيادِ. ويَتَخَرَّجُ لنا أنْ لا يَجِبَ الخُمْسُ إلَّا على مَن تَجِبُ عليه الزكاةُ، بِنَاءً على قَوْلِنا إنَّه زَكَاةٌ. والأوَّلُ أصَحُّ. فصل: ويجوزُ أن يَتَوَلَّى الإنْسَانُ تَفْرِقَةَ الخُمْسِ بِنَفْسِه. وبه قال أصْحابُ الرَّأْيِ، وابنُ المُنْذِرِ؛ لأنَّ عَلِيًّا أمَرَ وَاجِدَ الكَنْزِ بِتَفْرِقَتِه على المَسَاكِينِ. قالَه الإمامُ أحمدُ. ولأنَّه أَدَّى الحَقَّ إلى مُسْتَحِقِّه، فَبَرِئَ منه، كما لو فَرَّقَ الزكاةَ، أو أدَّى (٢٩) الدَّيْنَ إلى رَبِّه. ويَتَخَرَّجُ أن لا يجوزَ ذلك؛ لأنَّ الصَّحِيحَ أنَّه فَىْءٌ، فلم يَمْلِكْ تَفْرِقَتَه بِنَفْسِه، كخُمْسِ الغَنِيمةِ. وبهذا قال أبو ثَوْرٍ. قال: وإن فَعَلَ ضَمَّنَه الإمامُ. قال القاضى: وليس لِلإمامِ رَدُّ خُمْسِ الرِّكَازِ [على واجِدِه] (٣٠)؛ لأنَّه حَقُّ مَالٍ، فلم يَجُزْ رَدُّه على مَن وَجَبَ عليه، كالزكاةِ، وخُمْسِ الغَنِيمَةِ. وقال ابنُ عَقِيلٍ: يجوزُ؛ لأنَّه رُوِىَ عن عمرَ أنَّه رَدَّ بَعْضَه على وَاجِدِه، ولأنَّه فَىْءٌ، فجازَ رَدُّه أو رَدُّ بَعْضِه على وَاجِدِهِ، كخَراجِ الأرْضِ. وهذا قَوْلُ أبى حنيفةَ. ٤٥٤ - مسألة؛ قال: (وَإذَا أخْرَجَ مِنَ الْمَعَادِنِ مِنَ الذَّهَبِ عِشْرِينَ مِثْقَالًا، أوْ مِنَ الوَرِقِ مِائَتَىْ دِرْهَمٍ، أو قِيمَةَ ذلِكَ مِنَ الزِّئْبَقِ والرَّصَاصِ والصُّفْرِ أو غَيْرِ ذلِكَ مِمَّا يُسْتَخْرَجُ مِنَ الأرْضِ، فعَلَيْه الزَّكَاةُ مِنْ وَقْتِهِ) اشْتِقَاقُ المَعْدِنِ من عَدَنَ بالمَكَانِ (١)، يَعْدِنُ: إذا أقامَ به. ومنه سُمِّيَتِ الجَنَّةُ (٢) جَنَّةَ عَدْنٍ، لأنَّها دَارُ إقَامَةٍ وخُلُودٍ. قال أحمدُ: المَعَادِنُ: هى التى تُسْتَنْبَطُ، ليس هو شىءٌ دُفِنَ. والكلامُ في هذه المَسْأَلَةِ في فُصُولٍ أَرْبَعَةٍ: أحدُها، في صِفَةِ المَعْدِنِ الذى يَتَعَلَّقُ به وُجُوبُ الزَّكَاةِ. وهو كل ما خَرَجَ من

стр. 1885

الأرْضِ، ممَّا يُخْلَقُ فيها من غَيْرِها مِمَّا له قِيمَةٌ، كالذى ذَكَرَهُ الخِرَقِىُّ ونحوِه من الحَدِيدِ، واليَاقُوتِ، والزَّبَرْجَدِ، والبِلَّوْرِ، والعَقِيقِ، والسَّبَجِ، والكُحْلِ، والزَّاجِ (٣). والزِّرْنِيخِ، والمَغْرَةِ (٤). وكذلك المَعَادِنُ الجَارِيَةُ، كالقَارِ، والنِّفْطِ، والكِبْرِيتِ، ونحوِ ذلك. وقال مَالِكٌ، والشَّافِعِىُّ: لا تَتَعَلَّقُ الزكاةُ إلَّا بالذَّهَبِ والفِضَّةِ؛ لِقَوْلِ النَّبِىِّ ﷺ : "لا زَكَاةَ في حَجَرٍ" (٥). ولأنَّه مالٌ مُقَوَّمٌ (٦) مُسْتَفَادٌ من الأرْضِ، أشْبَهَ الطِّينَ الأحْمَرَ. وقال أبو حنيفةَ، في إحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ عنه: تَتَعَلَّقُ الزكاةُ بكُلِّ ما يَنْطَبِعُ، كالرَّصَاصِ والحَدِيدِ والنُّحَاسِ، دُونَ غَيْرِه. ولَنا، عُمُومُ قَوْلِه تعالى: ﴿وَمِمَّا أَخْرَجْنَا لَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ﴾ (٧) ولأنَّه مَعْدِنٌ، فَتَعَلَّقَتِ الزكاةُ بالخارِجِ منه كالأثْمانِ، ولأنَّه مالٌ لو غَنِمَهُ وَجَبَ عليه (٨) خُمْسُه، فإذا أخْرَجَه من مَعْدنٍ وَجَبَتْ [فيه الزكاةُ] (٩) كالذَّهَبِ. وأمَّا الطِّينُ فليس بِمَعْدِنٍ؛ لأنَّه تُرَابٌ. والمَعْدِنُ: ما كان في الأرْضِ مِن غيرِ جِنْسِهَا. الفَصْلُ الثَّانِى، في قَدْرِ الوَاجِبِ وصِفَتِه، وقَدْرُ الوَاجِبِ فيه رُبْعُ العُشْرِ. وصِفَتُه أنَّه زَكَاةٌ. وهذا قَوْلُ عمرَ بن عبدِ العزيزِ، ومالِكٍ. وقال أبو حنيفةَ: الوَاجِبُ فيه الخُمْسُ، وهو فَىْءٌ. واخْتَارَهُ أبو عُبَيْدٍ (١٠)، وقال الشَّافِعِىُّ: هو زَكَاةٌ. واخْتَلَفَ قَوْلُه في قَدْرِهِ كالمَذْهَبَيْنِ. واحْتَجَّ من أَوْجَبَ الخُمْسَ بِقَوْلِ النَّبِىِّ ﷺ : "مَا لَمْ يَكُنْ في طَرِيقٍ مَأْتِىٍّ، وَلَا في قَرْيَةٍ عَامِرَةٍ، فَفِيه وَفِى الرِّكَازِ

стр. 1886

الخُمْسُ". رَوَاهُ النَّسَائِىُّ، والجُوزَجَانِىُّ، وغَيْرُهما (١١). وفى رِوَايَةٍ: "ما كَانَ فِى الْخَرَابِ، فَفِيهِ وفى الرِّكَازِ الخُمْسُ". ورَوَى سَعِيدٌ، والجُوزَجَانِىُّ، بإسْنَادِهِمَا عن عبدِ اللهِ بن سَعِيدٍ الْمَقْبُرِىِّ، عن أبِيهِ، عن أبى هُرَيْرَةَ، قال: قال رسولُ اللهِ ﷺ : "الرِّكَازُ هُوَ الذَّهَبُ الَّذِى يَنْبُتُ مِنَ الأَرْضِ" (١٢). وفى حَدِيثٍ عن النَّبِىِّ ﷺ أنَّه قال: "وَفِى الرِّكَازِ الخُمْسُ"، قِيلَ: يا رسولَ اللهِ، وما الرِّكازُ؟ قال: "هُوَ الذَّهَبُ والفِضَّةُ المَخْلُوقَانِ في الْأرْضِ يَوْمَ خَلَقَ اللهُ السَّمَواتِ والْأرْضَ" (١٣). وهذا نَصٌّ. وفى حديثٍ عنه ﵇، أنَّه قال: "وفِى السُّيُوب الخُمْسُ" (١٤). قال (١٥): والسّيُوبُ عُرُوقُ الذَّهَبِ والفِضَّةِ التى تَحْتَ الأرْضِ. ولأنَّه مَالٌ (١٥) مَظْهُورٌ عليه في الإسلامِ، أشْبَهَ الرِّكَازَ. ولَنا، ما رَوَى أبو عُبَيْدٍ (١٦)، بإسْنَادِهِ عن رَبِيعَةَ بن أبي (١٧) عبدِ الرحمنِ، عن غيرِ وَاحِدٍ من عُلَمَائِهم، أن رسولَ اللهِ ﷺ أَقْطَعَ بِلَالَ بنَ الحَارِثِ المُزَنِىَّ مَعَادِنَ القَبَلِيَّةِ في نَاحِيَةِ الفُرْعِ (١٨)، قال: فتِلْكَ المَعَادِنُ لا يُؤْخَذُ منها إلَّا الزَّكاةُ إلى اليَوْمِ. وقد

стр. 1887

أسْنَدَهُ [كَثِيرُ بنُ عبدِ اللَّه بن عمرِو بن عَوْفٍ المُزَنِىُّ] (١٩)، عن أبِيهِ، عن جَدِّهِ (٢٠). ورَوَاهُ الدَّرَاوَرْدِىُّ (٢١)، عن رَبِيعَةَ بن الحَارِثِ بن بِلَالِ بن الحَارِثِ المُزَنِىّ، أنَّ النَّبِىَّ ﷺ أخَذَ منه زَكَاةَ المَعَادِنِ القَبَلِيَّةِ (٢٢). قال أبو عُبَيْدٍ (٢٣): القَبَلِيَّةُ بِلَادٌ مَعْرُوفَةٌ بالحِجَازِ. ولأنَّه حَقٌّ يَحْرُمُ على أغْنِيَاءِ ذَوِى القُرْبَى، فكان زَكَاةً، كالوَاجِبِ في الأثْمَانِ التى كانت مَمْلُوكَةً له. وحَدِيثُهم الأوَّلُ لا يَتَنَاوَلُ مَحلَّ النِّزاعِ؛ لأنَّ النَّبِىَّ ﷺ إنَّما ذَكَرَ ذلك فى جَوَابِ سُؤَالِه عن اللُّقَطَةِ، وهذا ليس بِلُقَطَةٍ، ولا يَتَنَاوَلُ اسْمَها، فلا يكونُ مُتَنَاوِلًا لِمَحِلِّ النِّزَاعِ. والحَدِيثُ الثَّانِى يَرْوِيهِ عبدُ اللهِ بنُ سَعِيدٍ، وهو ضَعِيفٌ. وسَائِرُ أحَادِيثهم لا يُعْرَفُ صِحَّتُها، ولا هى مَذْكُورَة في المَسَانِيدِ والدَّوَاوِينِ. ثم هى مَتْرُوكَةُ الظَّاهِرِ، فإنَّ هذا ليس هو المُسَمَّى بالرِّكَازِ. والسُّيُوبُ: هو الرِّكَازُ، لأنَّه مُشْتَقٌّ من السَّيْبِ، وهو العَطَاءُ الجَزِيلُ. الفَصْلُ الثَّالِثُ، في نِصَابِ المَعْدِنِ (٢٤). وهو ما يَبْلُغُ من الذَّهَبِ عِشْرِينَ مِثْقَالًا، ومن الفِضَّةِ مائتَىْ دِرْهَمٍ، أو قِيمَةَ ذلك من غيْرِهما. وهذا مذهبُ الشَّافِعِىِّ، وأوْجَبَ أبو حنيفةَ الخُمْسَ في قَلِيلِه وكَثِيرِه، من غير اعْتِبارِ نِصابٍ، بِنَاءً على أنَّه رِكازٌ (٢٥)؛ لِعُمُومِ الأحَادِيثِ التى احْتَجُّوا بها عليه، ولأنَّه لا يُعْتَبَرُ له

стр. 1888

حَوْلٌ، فلم يُعْتَبَرْ له نِصابٌ كالرِّكازِ. ولَنا، عُمُومُ قَوْلِه ﵇: "لَيْسَ فِيمَا دُونَ خَمْسِ أَوَاقٍ صَدَقَةٌ" (٢٦). وقولِه: "لَيْسَ في تِسْعِينَ ومِائةٍ شَىْءٌ" (٢٧). وقَوْلِه ﵇: "لَيْسَ عَلَيْكُمْ في الذَّهَبِ شىءٌ، حتى يَبْلُغَ عِشْرِينَ مِثْقَالًا" (٢٨). وقد بَيَّنَّا أنَّ هذا ليس بِرِكَازٍ، وأنَّه مُفَارِقٌ للرِّكَازِ من حيثُ إنَّ الرِّكَازَ مَالُ كافِرٍ أُخِذَ في الإسْلَامِ، فأشْبَهَ الغَنِيمَةَ. وهذا وَجَبَ مُواساةً وشُكْرًا لِنِعْمَةِ الغِنَى، فَاعْتُبِرَ له النِّصابُ كسائِرِ الزَّكَوَاتِ. وإنَّما لم يُعْتَبَرْ له (٢٩) الحَولُ؛ لِحُصُولِه دُفْعَةً وَاحِدَةً، فأشْبَهَ الزُّرُوعَ والثِّمَارَ. إذا ثَبَتَ هذا فإنَّه يُعْتَبَرُ إخْرَاجُ النِّصابِ دُفْعَةً واحِدَةً أو دُفَعَاتٍ، لا يُتْرَكُ العَمَلُ بَيْنَهُنَّ تَرْكَ إهْمَالٍ، فإنْ خَرَجَ دُونَ النِّصابِ، ثم تَرَكَ العَمَلَ مُهْمِلًا له، ثم أَخْرَجَ دُونَ النِّصَابِ، فلا زَكَاةَ فيهما وإن بَلَغَا بِمَجْمُوعِهِمَا نِصَابًا. وإن بَلَغَ أَحَدُهُما نِصَابًا دون الآخَرِ، زَكَّى النِّصابَ، ولا زَكَاةَ في الآخَرِ. وما (٣٠) زادَ على النِّصابِ بحِسابِه. فأمَّا تَرْكُ العَمَلِ لَيْلًا، أو للاسْتِرَاحَةِ، أو لِعُذْرٍ من مَرَضٍ، أو لِإصْلَاحِ الأَدَاةِ، أو إبَاقِ [عَبِيدٍ، أو نَحْوِه] (٣١)، فلا يَقْطَعُ حُكْمَ العَمَلِ، ويُضَمُّ ما خَرَجَ في العَمَلَيْنِ بَعْضُه إلى بَعْض في إكْمالِ النِّصَابِ. وكذلك إنْ كان مُشْتَغِلًا بالعَمَلِ، فَخَرَجَ بين المَعْدِنَيْنِ تُرَابٌ، لا شَىْءَ فيه. وإن اشْتَمَلَ المَعْدِنُ على أجْنَاسٍ، كَمَعْدِنٍ فيه الذَّهَبُ والفِضَّةُ. فَذَكَرَ القاضى: أنَّه لا يُضَمُّ أحَدُهما إلى الآخَرِ في تَكْمِيلِ النِّصابِ، وأنَّه يُعْتَبَرُ النِّصَابُ في الجِنْسِ بِانْفرَادِه؛ لأنَّها (٣٢) أجْناسٌ، فلا يُكَمَّلُ نِصابُ أَحَدِها (٣٣) بالآخَرِ، كغيرِ

стр. 1889

المَعْدِنِ. والصَّوَابُ، إن شاءَ اللهُ، أنَّه إن كان المَعْدِنُ يَشْتَمِلُ على ذَهَبٍ وفِضَّةٍ ففى ضَمِّ أحَدِهما إلى الآخرِ وَجْهَانِ؛ بِنَاءً على الرِّوَايَتَيْنِ في ضَمِّ أحَدِهما إلى الآخَرِ في غيرِ المَعْدِنِ، وإن كان فيه أجْنَاسٌ من غيرِ الذَّهَبِ والفِضَّةِ، ضُمَّ (٣٤) بَعْضُها إلى بَعْضِ؛ لأنَّ الواجِبَ في قِيمَتِها، والقِيمَةُ وَاحِدَةٌ، فأشْبَهَتْ عُرُوضَ التِّجَارَةِ. وإن كان فيها أحَدُ النَّقْدَيْنِ، وجِنْسٌ آخَرُ، ضُمَّ أحَدُهما إلى الآخَرِ، كما تُضَمُّ العُرُوضُ إلى الأثْمانِ. وإن اسْتَخْرَجَ نِصَابًا من مَعْدِنَيْنِ، وَجَبَتِ الزكاةُ فيه؛ لأنَّه مالُ رَجُلٍ وَاحِدٍ، فأشْبَهَ الزَّرْعَ في مَكانَيْنِ. الفَصْلُ الرَّابِع، في وَقْتِ الوُجُوبِ، وتجِبُ الزكاةُ فيه حين يَتَنَاوَله ويَكْمُلُ نِصَابُهُ، ولا يُعْتَبَرُ له حَوْلٌ. وهذا قَوْلُ مالِكٍ، والشَّافِعِىِّ، وأصْحابِ الرَّأْىِ. وقال إسحاقُ، وابنُ المُنْذِرِ: لا شىءَ فى المَعْدِنِ حتى يَحُولَ عليه الحَوْلُ؛ لِقَوْلِ رسولِ اللهِ ﷺ : "لا زَكَاةَ في مَالٍ حَتَّى يَحُولَ عَلَيْهِ الحَوْلُ" (٣٥). ولَنا، أنَّه مالٌ مُسْتَفادٌ من الأرْضِ، فلا يُعْتَبَرُ في وُجُوبِ حَقِّهِ حَوْلٌ، كالزُّرُوع (٣٦) والثِّمَارِ والرِّكَازِ، ولأنَّ الحَوْلَ إنَّما يُعْتَبَرُ في غيرِ هذا لِتَكْمِيلِ النَّماءِ، وهذا (٣٧) يَتَكَامَلُ نَمَاؤُهُ دُفْعَةً وَاحِدَةً، فلا يُعْتَبَرُ له حَوْلٌ كالزُّرُوعِ، والخَبَرُ مَخْصُوصٌ بِالزَّرْعِ والثَّمَرِ، فيُخَصُّ مَحِلُّ النِّزَاعِ بالقِياسِ عليه. إذا ثَبَتَ هذا فلا يجوزُ إخْرَاجُ زَكَاتِه إلَّا بعدَ سَبْكِه، وتَصْفِيَتِه، كَعُشْرِ الحَبِّ، فإن أخْرجَ رُبْعَ عُشْرِ تُرَابِه قَبْلَ تَصْفِيَتِه، وَجَبَ (٣٨) رَدُّهُ إن كان بَاقِيًا، أو قِيمَتُهُ إن كان تَالِفًا. والقولُ في قَدْرِ المَقْبُوضِ قَوْلُ الآخِذِ؛ لأنَّه غارِمٌ، فإنْ صَفَّاهُ الآخِذُ، فكان قَدْرَ الزكاةِ، أجْزَأَ.

стр. 1890

وإن زَادَ، رَدَّ الزيَادَةَ، إلَّا أن يَسْمَحَ له المُخْرِجُ. وإن نَقَصَ فعلَى المُخْرِجِ. وما أنْفَقَهُ الآخِذُ على تَصْفِيَتِه، فهو من مالِه، لا يَرْجِعُ به على المالِكِ، ولا يَحْتَسِبُ المالِكُ ما أَنْفَقَه على المَعْدِنِ في اسْتِخْرَاجِه من المَعْدِنِ، ولا في تَصْفِيَتِه. وقال أبو حنيفةَ: لا تَلْزَمُه المُؤْنَةُ من حَقِّه. وشَبَّهَهُ بالغَنِيمَةِ، وبَنَاهُ على أصْلِه في (٣٩) أنَّ هذا رِكَازٌ فيه الخُمْسُ. وقد مَضَى الكلامُ في ذلك. وقد ذَكَرْنَا أنَّ الوَاجِبَ في هذا زَكَاةٌ، فلا يُحْتَسَبُ بِمُؤْنَةِ اسْتِخْرَاجِه وتَصْفِيَتِه (٤٠) كالحَبِّ، وإن كان ذلك دَيْنًا عليه احْتَسَبَ به، كما يَحْتَسِبُ بما أَنْفَقَ على الزَّرْعِ. فصل: ولا زَكَاةَ في المُسْتَخْرَجِ من البَحْرِ، كاللُّؤْلؤِ والمَرْجَانِ والعَنْبَرِ ونَحْوِه، في ظاهِرِ قَوْلِ الخِرَقِيِّ، واخْتِيَارِ أبي بكرٍ. وَرُوِىَ نحوُ ذلك عن ابْنِ عَبَّاسٍ. وبه قال عمرُ بنُ عبدِ العزيزِ، وعَطاءٌ، ومالِكٌ، والثَّوْرِىُّ، وابْنُ أبِى لَيْلَى، والحسنُ بن صالحٍ، والشَّافِعِيُّ، وأبو حنيفةَ، ومحمدٌ، وأبو ثَوْرٍ، وأبو عُبَيْدٍ. وعن أحمدَ، رِوَايَةٌ أُخْرَى، أنَّ فيه الزكاةَ؛ لأنَّه خارِجٌ من مَعْدِنٍ، فأشْبَهَ الخارِجَ من مَعْدِنِ البَرِّ. ويُحْكَى عن عمرَ بن عبدِ العزيزِ، أنَّه أخَذَ من العَنْبَرِ الخُمْسَ (٤١). وهو قَوْلُ الحسنِ، والزُّهْرِىِّ. وزَادَ الزُّهْرِىُّ في اللُّؤْلُؤِ يُخْرَجُ من البَحْرِ. ولَنا، أنَّ ابنَ عَبَّاسٍ، قال: لَيْسَ في العَنْبَرِ شىءٌ، إنَّما هو شىءٌ ألْقَاهُ البَحْرُ. وعن جابِرٍ نحوُه. رَوَاهُما أبو عُبَيْدٍ (٤٢). ولأنَّه قد كان يَخْرُجُ على عَهْدِ رسولِ اللهِ ﷺ -وخُلَفائِه،

стр. 1891

فلم يَأْتِ فيه سُنَّةٌ عنه، ولا عن أحَدٍ من خُلَفَائِه من وَجْهٍ يَصِحُّ، ولأنَّ الأصْلَ عَدَمُ الوُجُوبِ فيه، ولا يَصِحُّ قِيَاسُه على مَعْدِنِ البَرِّ؛ لأن العَنْبَرَ إنَّما يُلْقِيهِ البَحْرُ، فيُوجَد مُلْقًى [فى الْبَرِّ] (٤٣) على الأرْضِ من غير تَعَبٍ، فأشْبَهَ المُبَاحاتِ المَأْخُوذَةَ من البَرِّ، [من المَنِّ] (٤٤) والزَّنْجَبِيلِ، وغَيْرِهما. وأمَّا السَّمَكُ فلا شَىْءَ فيه بِحَالٍ، فى قَوْلِ أهْلِ العِلْمِ كَافَّةً، إلَّا شىءٌ رُوِىَ (٤٥) عن عمرَ بن عبد العزيزِ. رَوَاهُ أبو عُبَيْدٍ (٤٦) عنه. وقال: ليس النَّاسُ على هذا، ولا نَعْلَمُ أحَدًا يَعْمَلُ به. وقد رُوِىَ ذلك عن أحمدَ أيضا. والصَّحِيحُ أنَّ هذا لا شىءَ فيه؛ لأنَّه صَيْدٌ، فلم يَجِبْ فيه زَكَاةٌ كصَيْدِ البَرِّ، ولأنَّه لا نَصَّ ولا إجْمَاعَ على الوُجُوبِ فيه، ولا يَصِحُّ قِيَاسُه على ما فيه الزكاةُ، فلا وَجْهَ لإِيجَابِها فيه. فصل: والمَعادِنُ الجَامِدَةُ تُمْلَكُ بِمِلْكِ الأَرْضِ التى هى فيها؛ لأنَّها جُزْءٌ (٤٧) من أجْزَاءِ الأرْضِ، فهى كالتُّرابِ والأحْجارِ الثَّابِتَةِ، بخلافِ الرِّكَازِ، فإنَّه ليس من أجْزَاءِ الأرْضِ، وإنَّما هو مُودَعٌ فيها. وقد رَوَى أَبو عُبَيْدٍ (٤٨)، بإسْنَادِه عن عِكْرِمَةَ مَوْلَى بِلَالِ بن الحَارِثِ المُزَنِىِّ، قال: أقْطَعَ رسولُ اللهِ ﷺ بِلَالًا أَرْضَ كذا، من مَكَانِ كذا، إلى كذا، وما كان فيها من جَبَلٍ أو مَعْدِنٍ. قال: فباعَ بنو بِلَالٍ مِن عمرَ بن عبدِ العزِيزِ أَرْضًا، فخَرَجَ فيها مَعْدِنَانِ، فقالوا: إنَّما بِعْنَاكَ أرْضَ حَرْثٍ، ولم نَبِعْكَ المَعْدِنَ. وجَاءُوا بِكِتَابِ القَطِيعَةِ التى قَطَعَها رسولُ اللهِ ﷺ لأبِيهم، فى جَرِيدَةٍ، قال: فَجَعَلَ عمرُ يَمْسَحُها على عَيْنَيْه (٤٩)، وقال لِقَيِّمِه: انْظُرْ

стр. 1892

ما اسْتَخْرَجْتَ منها، وما أَنْفَقْتَ عليها، فَقاصِّهِمْ (٥٠) بالنَّفَقَةِ، وَرُدَّ عليهم الفَضْلَ. فعلَى هذا ما يَجِدُه فى مِلْكٍ (٥١) أو فى مَوَاتٍ فهو أحَقُّ به، فإن سَبَقَ اثْنَانِ إلى مَعْدِنٍ فى مَواتٍ، فالسَّابِقُ أوْلَى به ما دَامَ يَعْمَلُ، فإذا تَرَكَهُ جازَ لِغَيْرِه العَمَلُ فيه. وما يَجِدُه فى مَمْلُوكٍ يَعْرِفُ مَالِكَه، فهو لِمَالِكِ المَكانِ. فأما المَعَادِنُ الجَارِيَةُ، فهى مُبَاحَةٌ على كلِّ حالٍ. إلَّا أنَّه يُكْرَهُ له دُخُولُ مِلْكِ غَيْرِه [بغيرِ إذْنِه] (٥٢). وقد رُوِىَ أنَّها: تُمْلَكُ بِمِلْكِ الأرْضِ التى هى فيها؛ لأنَّها من نَمَائِها وتَوَابِعِهَا، فكانت لمالِكِ الأرْضِ، كفُرُوعِ الشَّجَرِ المَمْلُوكِ وثَمَرَتِهِ. فصل: ويجوزُ بَيْعُ تُرَابِ المَعْدنِ والصَّاغَةِ بغيرِ جِنْسِه، ولا يجوزُ بجِنْسِه إن كان ممَّا يَجْرِى فيه الرِّبَا؛ لأنَّه يُؤَدِّى إلى الرِّبَا. والزكاةُ على البَائِعِ؛ لأَنَّها وَجَبَتْ فى يَدِه، فهو (٥٣) كما لو باعَ الثَّمَرَةَ بعد بُدُوِّ صَلَاحِها. وقد رَوَى أبو عُبَيْدٍ، فى "الأمْوَالِ" (٥٤) أنّ أبا الحارِثِ المُزَنِىَّ (٥٥) اشْتَرَى تُرَابَ مَعْدِنٍ بمائة شَاةٍ مُتْبِعٍ (٥٦) فاسْتَخْرَجَ منه ثَمَنَ أَلْفِ شَاةٍ. فقال له البائِعُ: رُدَّ عَلَىَّ البَيْعَ. فقال: لا أَفْعَلُ. فقال: لآتِيَنَّ عَلِيًّا فلَأثِيَنَّ عَلَيْكَ -يَعْنِى أسْعَى بك- فأتَى علىَّ بن أبى طالِبٍ، فقال: إن أبا الحَارِثِ أصَابَ مَعْدِنًا. فأتَاهُ علىٌّ. فقال: أيْنَ الرِّكَازُ الذى أصَبْتَ؟ فقال: ما أَصَبْتُ رِكَازًا، إنَّما أصابَهُ هذا، فَاشْتَرَيْتُه منه بمائةِ شاةٍ (٥٧) مُتْبعٍ. فقال له عَلَىٌّ: ما أرَى الخُمْسَ إلَّا عليكَ. قال: فخَمَّس المائةَ شَاةٍ. إذا

стр. 1893

ثَبَتَ هذا، فالواجِبُ عليه زَكَاةُ المَعْدِنِ، لا زَكَاة الثَّمَنِ؛ لأنَّ الزكاةَ إنَّما تَعَلَّقَتْ بعَيْنِ المَعْدِنِ، أو بِقِيمَتِه إن لم يَكُنْ من جنْسِ الأثْمانِ، فأَشْبَهَ ما لو باعَ السَّائِمَةَ بعدَ حَوْلِها، أو الزَّرْعَ أو الثَّمَرَةَ بعد بُدُوِّ صَلَاحِها. فصل: ومن أَجَّرَ دَارَهُ، فقَبَضَ كِرَاهَا، فلا زَكَاةَ عليه فيه حتى يَحُولَ عليه (٥٨) الحَوْلُ، وعن أحمدَ، أنَّه يُزَكِّيه إذا اسْتَفَادَهُ. والصَّحِيحُ الأوَّلُ؛ لِقَوْلِ النَّبِىِّ ﷺ : "لَا زَكَاةَ في مَالٍ حَتَّى يَحُولَ عليه الحَوْلُ" (٥٩). ولأنَّه مالٌ مُسْتَفَادٌ بِعَقْدِ مُعَاوَضَةٍ، فأشْبَهَ ثَمَنَ المَبِيعِ. وكَلَامُ أحمدَ، فى الرِّوَايَةِ الأخْرَى، مَحْمُولٌ على مَن أجَّرَ دَارَهُ سَنَةً، وقَبَضَ أُجْرَتَها فى آخِرِها، فأوْجَبَ عليها زَكَاتَها، لأنَّه قد مَلَكَها من أَوَّلِ الحَوْلِ، فصَارَتْ كسَائِرِ الدُّيُونِ، إذا قَبَضَها بعد حَوْلٍ زَكَّاهَا حين يَقْبِضُها، فإنَّه قد صَرَّحَ بذلك فى بَعْضِ الرِّوَايَاتِ عنه، فيُحْمَلُ مُطْلَقُ كَلَامِه على مُقَيَّدِهِ.

стр. 1894

بابُ زكاةِ التِّجارةِ تَجِبُ الزكاةُ فى قِيمَةِ عُرُوضِ التِّجَارَةِ، فى قَوْلِ أكْثَرِ أهْلِ العِلْمِ. قال ابنُ المُنْذِرِ: أَجْمَعَ أهْلُ العِلْمِ على (٦٠) أنَّ فى العُرُوضِ التى يُرَادُ بها التِّجَارَةُ الزَّكَاةَ، إذا حالَ عليها الحَوْلُ. رُوِىَ ذلك عن عمرَ، وابْنِه، وابْنِ عَبَّاسٍ. وبه قال الفُقَهَاءُ السَّبْعَةُ (٦١)، والحسنُ، وجابِرُ بن زَيْدٍ، ومَيْمُونُ بن مِهْرَانَ، وطاوُسٌ، والنَّخَعِىُّ، والثَّوْرِىُّ، والأوْزاعِىُّ، والشَّافِعِىُّ، وأبو عُبَيْدٍ، وإسحاقُ، وأصْحابُ الرَّأْىِ. وحُكِىَ عن مَالِكٍ، ودَاوُدَ، أنَّه لا زَكاةَ فيها؛ لأنَّ النَّبِىَّ ﷺ قال: "عَفَوْتُ لَكُمْ عَنْ صَدَقَةِ الخَيْلِ والرَّقِيقِ" (٦٢). ولَنا، ما رَوَى أبو دَاوُدَ (٦٣)، بإسْنَادِهِ عن سَمُرَةَ ابن جُنْدَبٍ، قال: كان رسولُ اللهِ ﷺ يَأْمُرُنَا أن نُخْرِجَ الزكاةَ مما نُعِدّهُ لِلْبَيْعِ. وَرَوَى الدَّارَقُطْنِىُّ (٦٤)، عن أَبِى ذَرٍّ، قال: سمعتُ رسولَ اللهِ ﷺ يقولُ: "فِي الْإِبِلِ صَدَقَتُها، وَفِى الْغَنَمِ صَدَقَتُهَا، وَفِى الْبَزِّ صَدَقَتُهُ". قالَه بالزَّاىِ، ولا

стр. 1895

خِلافَ فى (٦٥) أنها لا تَجِبُ فى عَيْنِه، وثَبَتَ أنَّها تَجِبُ (٦٦) فى قِيمَتِه. وعن أبِى عَمْرِو بنَ حِماسٍ، عن أبِيهِ، قال: أمَرَنِى عمرُ، فقال: أدِّ زَكَاةَ مَالِكَ. فقلتُ: مَا لِىَ مَالٌ إلَّا جِعَابٌ وأدَمٌ. فقال: قَوِّمْها ثم أَدِّ زَكَاتَها. رَوَاهُ الإِمامُ أحمدُ، وأبو عُبَيْدٍ (٦٧). وهذه قِصَّةٌ يَشْتَهِرُ مِثْلُها ولم تُنْكَرْ، فيكونُ إجْمَاعًا. وخَبَرُهم المُرَادُ به زكاةُ العَيْنِ، لا زَكَاةُ القِيمَةِ، بِدَلِيلِ ما ذَكَرْنَا، على أنَّ خَبَرَهم عامٌّ وحَدِيثُنا (٦٨) خَاصٌّ، فيَجِبُ تَقْدِيمُهُ. ٤٥٥ - مسألة؛ قال: (والْعُرُوضُ إذَا كَانَتْ لِتِجَارَةٍ قَوَّمَها إذَا حَالَ عَلَيْهَا (١) الحَوْلُ، وَزكَّاهَا) العُرُوضُ: جمع عَرْضٍ. وهو غيرُ الأثْمانِ من المالِ، على اخْتِلَافِ أَنْوَاعِهِ، من النَّبَاتِ والحَيَوَانِ والعَقَارِ وسَائِرِ المَالِ. فمن مَلَكَ عَرْضًا لِلتِّجارَةِ، فحالَ عليه الحَوْلُ (٢)، وهو نِصابٌ، قَوَّمَهُ فى آخِرِ الحَوْلِ، فما بَلَغَ أخْرَجَ زَكَاتَه، وهو رُبْعُ عُشْرِ قِيمَتِه. ولا نَعْلَمُ بين أهْلِ العِلْمِ خِلَافًا فى اعْتِبَارِ الحَوْلِ. وقد دَلَّ عليه قولُ
следующие страницы →