← Фикх ханбали

Фикх ханбали · id 6910

المغني لابن قدامة - ت التركي

ابن قدامة

Полный текст (7 955 стр.). Показаны 1891–1930 · переход к 1896.

стр. 1891

فلم يَأْتِ فيه سُنَّةٌ عنه، ولا عن أحَدٍ من خُلَفَائِه من وَجْهٍ يَصِحُّ، ولأنَّ الأصْلَ عَدَمُ الوُجُوبِ فيه، ولا يَصِحُّ قِيَاسُه على مَعْدِنِ البَرِّ؛ لأن العَنْبَرَ إنَّما يُلْقِيهِ البَحْرُ، فيُوجَد مُلْقًى [فى الْبَرِّ] (٤٣) على الأرْضِ من غير تَعَبٍ، فأشْبَهَ المُبَاحاتِ المَأْخُوذَةَ من البَرِّ، [من المَنِّ] (٤٤) والزَّنْجَبِيلِ، وغَيْرِهما. وأمَّا السَّمَكُ فلا شَىْءَ فيه بِحَالٍ، فى قَوْلِ أهْلِ العِلْمِ كَافَّةً، إلَّا شىءٌ رُوِىَ (٤٥) عن عمرَ بن عبد العزيزِ. رَوَاهُ أبو عُبَيْدٍ (٤٦) عنه. وقال: ليس النَّاسُ على هذا، ولا نَعْلَمُ أحَدًا يَعْمَلُ به. وقد رُوِىَ ذلك عن أحمدَ أيضا. والصَّحِيحُ أنَّ هذا لا شىءَ فيه؛ لأنَّه صَيْدٌ، فلم يَجِبْ فيه زَكَاةٌ كصَيْدِ البَرِّ، ولأنَّه لا نَصَّ ولا إجْمَاعَ على الوُجُوبِ فيه، ولا يَصِحُّ قِيَاسُه على ما فيه الزكاةُ، فلا وَجْهَ لإِيجَابِها فيه. فصل: والمَعادِنُ الجَامِدَةُ تُمْلَكُ بِمِلْكِ الأَرْضِ التى هى فيها؛ لأنَّها جُزْءٌ (٤٧) من أجْزَاءِ الأرْضِ، فهى كالتُّرابِ والأحْجارِ الثَّابِتَةِ، بخلافِ الرِّكَازِ، فإنَّه ليس من أجْزَاءِ الأرْضِ، وإنَّما هو مُودَعٌ فيها. وقد رَوَى أَبو عُبَيْدٍ (٤٨)، بإسْنَادِه عن عِكْرِمَةَ مَوْلَى بِلَالِ بن الحَارِثِ المُزَنِىِّ، قال: أقْطَعَ رسولُ اللهِ ﷺ بِلَالًا أَرْضَ كذا، من مَكَانِ كذا، إلى كذا، وما كان فيها من جَبَلٍ أو مَعْدِنٍ. قال: فباعَ بنو بِلَالٍ مِن عمرَ بن عبدِ العزِيزِ أَرْضًا، فخَرَجَ فيها مَعْدِنَانِ، فقالوا: إنَّما بِعْنَاكَ أرْضَ حَرْثٍ، ولم نَبِعْكَ المَعْدِنَ. وجَاءُوا بِكِتَابِ القَطِيعَةِ التى قَطَعَها رسولُ اللهِ ﷺ لأبِيهم، فى جَرِيدَةٍ، قال: فَجَعَلَ عمرُ يَمْسَحُها على عَيْنَيْه (٤٩)، وقال لِقَيِّمِه: انْظُرْ

стр. 1892

ما اسْتَخْرَجْتَ منها، وما أَنْفَقْتَ عليها، فَقاصِّهِمْ (٥٠) بالنَّفَقَةِ، وَرُدَّ عليهم الفَضْلَ. فعلَى هذا ما يَجِدُه فى مِلْكٍ (٥١) أو فى مَوَاتٍ فهو أحَقُّ به، فإن سَبَقَ اثْنَانِ إلى مَعْدِنٍ فى مَواتٍ، فالسَّابِقُ أوْلَى به ما دَامَ يَعْمَلُ، فإذا تَرَكَهُ جازَ لِغَيْرِه العَمَلُ فيه. وما يَجِدُه فى مَمْلُوكٍ يَعْرِفُ مَالِكَه، فهو لِمَالِكِ المَكانِ. فأما المَعَادِنُ الجَارِيَةُ، فهى مُبَاحَةٌ على كلِّ حالٍ. إلَّا أنَّه يُكْرَهُ له دُخُولُ مِلْكِ غَيْرِه [بغيرِ إذْنِه] (٥٢). وقد رُوِىَ أنَّها: تُمْلَكُ بِمِلْكِ الأرْضِ التى هى فيها؛ لأنَّها من نَمَائِها وتَوَابِعِهَا، فكانت لمالِكِ الأرْضِ، كفُرُوعِ الشَّجَرِ المَمْلُوكِ وثَمَرَتِهِ. فصل: ويجوزُ بَيْعُ تُرَابِ المَعْدنِ والصَّاغَةِ بغيرِ جِنْسِه، ولا يجوزُ بجِنْسِه إن كان ممَّا يَجْرِى فيه الرِّبَا؛ لأنَّه يُؤَدِّى إلى الرِّبَا. والزكاةُ على البَائِعِ؛ لأَنَّها وَجَبَتْ فى يَدِه، فهو (٥٣) كما لو باعَ الثَّمَرَةَ بعد بُدُوِّ صَلَاحِها. وقد رَوَى أبو عُبَيْدٍ، فى "الأمْوَالِ" (٥٤) أنّ أبا الحارِثِ المُزَنِىَّ (٥٥) اشْتَرَى تُرَابَ مَعْدِنٍ بمائة شَاةٍ مُتْبِعٍ (٥٦) فاسْتَخْرَجَ منه ثَمَنَ أَلْفِ شَاةٍ. فقال له البائِعُ: رُدَّ عَلَىَّ البَيْعَ. فقال: لا أَفْعَلُ. فقال: لآتِيَنَّ عَلِيًّا فلَأثِيَنَّ عَلَيْكَ -يَعْنِى أسْعَى بك- فأتَى علىَّ بن أبى طالِبٍ، فقال: إن أبا الحَارِثِ أصَابَ مَعْدِنًا. فأتَاهُ علىٌّ. فقال: أيْنَ الرِّكَازُ الذى أصَبْتَ؟ فقال: ما أَصَبْتُ رِكَازًا، إنَّما أصابَهُ هذا، فَاشْتَرَيْتُه منه بمائةِ شاةٍ (٥٧) مُتْبعٍ. فقال له عَلَىٌّ: ما أرَى الخُمْسَ إلَّا عليكَ. قال: فخَمَّس المائةَ شَاةٍ. إذا

стр. 1893

ثَبَتَ هذا، فالواجِبُ عليه زَكَاةُ المَعْدِنِ، لا زَكَاة الثَّمَنِ؛ لأنَّ الزكاةَ إنَّما تَعَلَّقَتْ بعَيْنِ المَعْدِنِ، أو بِقِيمَتِه إن لم يَكُنْ من جنْسِ الأثْمانِ، فأَشْبَهَ ما لو باعَ السَّائِمَةَ بعدَ حَوْلِها، أو الزَّرْعَ أو الثَّمَرَةَ بعد بُدُوِّ صَلَاحِها. فصل: ومن أَجَّرَ دَارَهُ، فقَبَضَ كِرَاهَا، فلا زَكَاةَ عليه فيه حتى يَحُولَ عليه (٥٨) الحَوْلُ، وعن أحمدَ، أنَّه يُزَكِّيه إذا اسْتَفَادَهُ. والصَّحِيحُ الأوَّلُ؛ لِقَوْلِ النَّبِىِّ ﷺ : "لَا زَكَاةَ في مَالٍ حَتَّى يَحُولَ عليه الحَوْلُ" (٥٩). ولأنَّه مالٌ مُسْتَفَادٌ بِعَقْدِ مُعَاوَضَةٍ، فأشْبَهَ ثَمَنَ المَبِيعِ. وكَلَامُ أحمدَ، فى الرِّوَايَةِ الأخْرَى، مَحْمُولٌ على مَن أجَّرَ دَارَهُ سَنَةً، وقَبَضَ أُجْرَتَها فى آخِرِها، فأوْجَبَ عليها زَكَاتَها، لأنَّه قد مَلَكَها من أَوَّلِ الحَوْلِ، فصَارَتْ كسَائِرِ الدُّيُونِ، إذا قَبَضَها بعد حَوْلٍ زَكَّاهَا حين يَقْبِضُها، فإنَّه قد صَرَّحَ بذلك فى بَعْضِ الرِّوَايَاتِ عنه، فيُحْمَلُ مُطْلَقُ كَلَامِه على مُقَيَّدِهِ.

стр. 1894

بابُ زكاةِ التِّجارةِ تَجِبُ الزكاةُ فى قِيمَةِ عُرُوضِ التِّجَارَةِ، فى قَوْلِ أكْثَرِ أهْلِ العِلْمِ. قال ابنُ المُنْذِرِ: أَجْمَعَ أهْلُ العِلْمِ على (٦٠) أنَّ فى العُرُوضِ التى يُرَادُ بها التِّجَارَةُ الزَّكَاةَ، إذا حالَ عليها الحَوْلُ. رُوِىَ ذلك عن عمرَ، وابْنِه، وابْنِ عَبَّاسٍ. وبه قال الفُقَهَاءُ السَّبْعَةُ (٦١)، والحسنُ، وجابِرُ بن زَيْدٍ، ومَيْمُونُ بن مِهْرَانَ، وطاوُسٌ، والنَّخَعِىُّ، والثَّوْرِىُّ، والأوْزاعِىُّ، والشَّافِعِىُّ، وأبو عُبَيْدٍ، وإسحاقُ، وأصْحابُ الرَّأْىِ. وحُكِىَ عن مَالِكٍ، ودَاوُدَ، أنَّه لا زَكاةَ فيها؛ لأنَّ النَّبِىَّ ﷺ قال: "عَفَوْتُ لَكُمْ عَنْ صَدَقَةِ الخَيْلِ والرَّقِيقِ" (٦٢). ولَنا، ما رَوَى أبو دَاوُدَ (٦٣)، بإسْنَادِهِ عن سَمُرَةَ ابن جُنْدَبٍ، قال: كان رسولُ اللهِ ﷺ يَأْمُرُنَا أن نُخْرِجَ الزكاةَ مما نُعِدّهُ لِلْبَيْعِ. وَرَوَى الدَّارَقُطْنِىُّ (٦٤)، عن أَبِى ذَرٍّ، قال: سمعتُ رسولَ اللهِ ﷺ يقولُ: "فِي الْإِبِلِ صَدَقَتُها، وَفِى الْغَنَمِ صَدَقَتُهَا، وَفِى الْبَزِّ صَدَقَتُهُ". قالَه بالزَّاىِ، ولا

стр. 1895

خِلافَ فى (٦٥) أنها لا تَجِبُ فى عَيْنِه، وثَبَتَ أنَّها تَجِبُ (٦٦) فى قِيمَتِه. وعن أبِى عَمْرِو بنَ حِماسٍ، عن أبِيهِ، قال: أمَرَنِى عمرُ، فقال: أدِّ زَكَاةَ مَالِكَ. فقلتُ: مَا لِىَ مَالٌ إلَّا جِعَابٌ وأدَمٌ. فقال: قَوِّمْها ثم أَدِّ زَكَاتَها. رَوَاهُ الإِمامُ أحمدُ، وأبو عُبَيْدٍ (٦٧). وهذه قِصَّةٌ يَشْتَهِرُ مِثْلُها ولم تُنْكَرْ، فيكونُ إجْمَاعًا. وخَبَرُهم المُرَادُ به زكاةُ العَيْنِ، لا زَكَاةُ القِيمَةِ، بِدَلِيلِ ما ذَكَرْنَا، على أنَّ خَبَرَهم عامٌّ وحَدِيثُنا (٦٨) خَاصٌّ، فيَجِبُ تَقْدِيمُهُ. ٤٥٥ - مسألة؛ قال: (والْعُرُوضُ إذَا كَانَتْ لِتِجَارَةٍ قَوَّمَها إذَا حَالَ عَلَيْهَا (١) الحَوْلُ، وَزكَّاهَا) العُرُوضُ: جمع عَرْضٍ. وهو غيرُ الأثْمانِ من المالِ، على اخْتِلَافِ أَنْوَاعِهِ، من النَّبَاتِ والحَيَوَانِ والعَقَارِ وسَائِرِ المَالِ. فمن مَلَكَ عَرْضًا لِلتِّجارَةِ، فحالَ عليه الحَوْلُ (٢)، وهو نِصابٌ، قَوَّمَهُ فى آخِرِ الحَوْلِ، فما بَلَغَ أخْرَجَ زَكَاتَه، وهو رُبْعُ عُشْرِ قِيمَتِه. ولا نَعْلَمُ بين أهْلِ العِلْمِ خِلَافًا فى اعْتِبَارِ الحَوْلِ. وقد دَلَّ عليه قولُ

стр. 1896

رسولِ اللهِ ﷺ : "لَا زَكَاةَ فى مَالٍ حَتَّى يَحُولَ عَلَيْهِ الْحَوْلُ" (٣). إذا ثَبَتَ هذا، فإنَّ الزكاةَ تجِبُ فيه فى كُلِّ حَوْلٍ. وبهذا قال الثَّوْرِىُّ، والشَّافِعِىُّ، وإسحاقُ، وأبو عُبَيْدٍ، وأصْحابُ الرَّأْىِ. وقال مَالِكٌ: لا يُزَكِّيه إلَّا لِحَوْلٍ وَاحِدٍ، إلَّا أن يكونَ مُدَبَّرًا؛ لأنَّ الحَوْلَ الثَّانِى لم يَكُنِ المالُ عَيْنًا فى أحَدِ طَرَفَيْهِ، فلم تَجِبْ فيه الزكاةُ، كالحَوْلِ الأوَّلِ إذا لم يَكُنْ فى أوَّلِه عَيْنًا. ولَنا، أنَّه مالٌ تَجِبُ الزكاةُ فيه فى الحَوْلِ الأولِ، [لم يَنْقُصْ عن النِّصَابِ، ولم تَتَبَدَّلْ صِفَتُه، فوَجَبَتْ زَكَاتُه فى الحَوْلِ الثَّانِى] (٤)، كما لو نَقَصَ فى أَوَّلِه. ولا نُسَلِّمُ أنَّه إذا لم يَكُنْ أَوَّلُه عَيْنًا لا تَجِبُ الزكاةُ فيه. وإذا اشْتَرَى عَرْضًا لِلتِّجَارَةِ، بِعَرْضِ لِلْقُنْيَةِ (٥)، جَرَى فى حَوْلِ الزكاةِ من حِينَ اشْتَرَاهُ. فصل: ويُخْرِجُ الزكاةَ من قِيمَةِ العُرُوضِ دُونَ عَيْنِها. وهذا أحَدُ قَوْلَىِ الشَّافِعِىِّ. وقال فى الآخَرِ (٦): هو مُخَيَّرٌ بين الإِخْراجِ من قِيمَتِها، وبين الإِخْراجِ من عَيْنِها. وهذا قولُ أبى حنيفةَ. لأنَّها مالٌ تَجِبُ فيه الزكاةُ، فجَازَ إخْرَاجُهَا من عَيْنِه، كسَائِرِ الأمْوالِ. ولَنا، أنَّ النِّصابَ مُعْتَبَرٌ بالقِيمَةِ؛ فكانَتِ الزكاةُ منها كالعَيْنِ فى سَائِرِ الأمْوالِ، ولا نُسَلِّمُ أنَّ الزكاةَ تَجِبُ فى المالِ، وإنَّما وَجَبَتْ فى قِيمَتِه. فصل: ولا يَصِيرُ العَرْضُ لِلتِّجَارَةِ إلَّا بِشَرْطَيْنِ؛ أن يَمْلِكَهُ بِفِعْلِه، كالبَيْعِ، والنِّكَاحِ، والخُلْعِ، وقَبُولِ الهِبَةِ، والوَصِيَّةِ، والغَنِيمَةِ، واكْتِسَابِ المُباحاتِ؛ لأنَّ ما لا يَثْبُتُ له حُكْمُ الزكاةِ بِدُخُولِه فى مِلْكِه لا يَثْبُتُ بِمُجَرَّدِ النِّيَّةِ، كالسَّوْمِ (٧). ولا فَرْقَ بين أن يَمْلِكَه بِعِوَضٍ أو بِغَيْرِ عِوَضٍ. ذَكَرَ ذلك أبو الخَطَّابِ، وابنُ

стр. 1897

عَقِيلٍ؛ لأنَّه مَلَكَه بِفِعْلِه، أشْبَهَ [ما لو ملَكَهُ بعِوَضٍ. وذكر القاضى أَنَّه لا تصيرُ للتِّجارةِ إلَّا أن يملكَه بعِوَضٍ، فإن مَلَكه بغير عِوَضٍ، كالهِبَةِ والاحْتِشاشِ والغَنِيمَةِ، لم تَصِرْ للتِّجارةِ؛ لأنَّه لم يملكْه بعِوَضٍ، أشْبَهَ] (٨) المَوْرُوثَ. والثانى، أن يَنْوِىَ عند تَمَلُّكِه أنَّه لِلتِّجارَةِ, فإنْ لم يَنْوِ عندَ تَمَلُّكهِ أنَّه لِلتِّجارَةِ لم يَصِرْ لِلتِّجارَةِ، وإن نَوَاهُ بعد ذلك. وإن مَلَكَهُ بإرْثٍ، وقَصَدَ أنَّه لِلتِّجارَةِ، لم يَصِرْ لِلتِّجَارَةِ؛ لأنَّ الأصْلَ القُنْيَةُ، والتِّجارَةُ عَارِضٌ، فلم يَصِرْ إليها بِمُجَرَّدِ النِّيَّةِ، كما لو نَوَى الحَاضِرُ السَّفَر، لم يَثْبُتْ له حُكْمُ السَّفَرِ بدون الفِعْلِ. وعن أحمدَ، رِوَايَةٌ أُخْرَى، أنَّ العَرْضَ يَصِيرُ لِلتِّجارَةِ بِمُجَرَّدِ النِّيَّةِ؛ لِقِوْلِ سَمُرَةَ: أمَرَنَا رسولُ اللهِ ﷺ أن نُخْرِجَ الصَّدَقَةَ ممَّا نُعِدُّ لِلْبَيْعِ (٩). [وبالنِّيَّةِ يصيرُ مُعَدًّا للبَيْعِ] (١٠)، فعلَى هذا لا يُعْتَبَرُ أن يَمْلِكَه بِفِعْلِه، ولا أنْ (١١) يكونَ فى مُقَابَلَتِه (١٢) عِوَضٌ، بل متى نَوَى به التِّجارَةَ صارَ لِلتِّجارَة. ٤٥٦ - مسألة، قال: (وَمَنْ كَانَتْ لَهُ سِلْعَةٌ لِلتِّجَارَةِ، وَلَا يَمْلكُ غَيْرَهَا، وقِيمَتُها دُونَ مِائَتَىْ (١) دِرْهَمٍ، فَلَا زَكَاةَ عَلَيْهِ حَتَّى يَحُولَ عَلَيْهِ (٢) الحَوْلُ، مِنْ يَوْم سَاوَتْ مِائتَىْ دِرْهَمٍ) وجُمْلَةُ ذلك أنَّه يُعْتَبَرُ الحَوْلُ فى وُجُوبِ الزكاةِ فى مالِ التِّجارَةِ، ولا يَنْعَقِدُ الحَوْلُ حتى يَبْلغَ نِصابًا، فلو مَلَكَ سِلْعَةً قِيمَتُها دُونَ النِّصاب، فمَضَى نِصْفُ

стр. 1898

حَوْلٍ (٣) وهى كذلك، ثم زَادَتْ [قِيمَتُها بالنَّماءِ، أو تَغَيُّرِ] (٤) الأسْعارِ، فبَلَغَتْ نِصَابًا، أو بَاعَها بِنِصابٍ، أو مَلَكَ فى أثْناءِ الحَوْلِ عَرْضًا آخَرَ، أو أثْمَانًا تَمَّ بها النِّصابُ، ابْتَدَأَ الحَوْلَ من حِينَئِذٍ، فلا يَحْتَسِبُ بما مَضَى. وهذا قَوْلُ الثَّوْرِىِّ، وأهْلِ العِراقِ، والشَّافِعِىِّ، وإسحاقَ، وأبى عُبَيْدٍ، وأبى ثَوْرٍ، وابْنِ المُنْذِرِ. ولو مَلَكَ لِلتِّجارَةِ نِصَابًا، فنَقَصَ عن النِّصابِ فى أثْنَاءِ الحَوْلِ، ثم زَادَ حتى بَلَغَ نِصَابًا، اسْتَأْنَفَ الحَوْلَ عليه، لِكَوْنِه انْقَطَعَ بِنَقْصِه فى أثْنائِه. وقال مَالِكٌ: يَنْعَقِدُ الحَوْلُ على ما دُونَ النِّصابِ، فإذا كان فى آخِرِهِ نِصَابًا زَكَّاهُ. وقال أبو حنيفةَ: يُعْتَبَرُ فى طَرَفَىِ الحَوْلِ دُونَ وَسَطِه؛ لأنَّ التَّقْوِيمَ يَسْبِقُ فى جَمِيعِ الحَوْلِ، فَعُفِىَ عنه إلَّا فى آخِرِه، فصارَ الاعْتِبَارُ به، ولأنَّه يَحْتَاجُ إلى أن تُعْرَفَ قِيمَتُه فى كل وَقْتٍ، لِيَعْلَمَ أنَّ قِيمَتَه فيه تَبْلغُ نِصَابًا وذلك يَشُقُّ. ولَنا، أنَّه مالٌ يُعْتَبَرُ له الحَوْلُ والنِّصَابُ، فيجبُ (٥) اعْتِبارُ كَمَالِ النِّصَابِ فى جَمِيعِ الحَوْلِ، كسائِرِ الأمْوالِ التى يُعْتَبَرُ لها ذلك. وقَوْلُهم: يَشُقُّ التَّقْوِيمُ. لا يَصِحُّ. فإنَّ غيرَ المُقَارِبِ لِلنِّصابِ لا يَحْتَاجُ إلى تَقْوِيمٍ، لِظُهُورِ مَعْرِفَتِه، والمُقَارِبُ لِلنِّصَابِ إن سَهُلَ عليه التَّقْوِيمُ، وإلَّا فلَهُ الأداءُ. والأخْذُ بالاحْتِيَاطِ، كالمُسْتَفادِ فى أثْناءِ الحَوْلِ إن سَهُلَ عليه ضَبْطُ مَوَاقِيتِ التَّمَلُّكِ، وإلَّا فله تَعْجِيلُ زَكَاتِه مع الأصْلِ. فصل: وإذا مَلَكَ نُصُبًا (٦) لِلتِّجارَةِ فى أوْقَاتٍ مُتَفَرِّقَةٍ، لم يَضُمّ بَعْضَها إلى بَعْض؛ لما بَيَّنَّا مِن أنَّ المُسْتَفادَ لا يُضَمُّ إلى ما عِنْدَه فى الحَوْلِ. وإن كان العَرْضُ الأوَّلُ ليس بِنِصابٍ وكَمَلَ بالثَّانِى نِصَابًا، فحَوْلُهما من حِينَ مَلَكَ الثَّانِى، ونَماؤُهما تَابعٌ لهما، ولا يُضَمُّ الثَّالِثُ إليهما، بل ابْتِدَاءُ الحَوْلِ من حِينَ مَلَكَهُ

стр. 1899

تَجِبُ (٧) فيه الزكاةُ، وإن كان دُونَ النِّصابِ؛ لأنَّ قَبْلَهُ نِصابًا، ولهذا يُخْرِجُ عنه بالحصَّةِ، ونَماؤُهُ تَبَعٌ (٨) له. ٤٥٧ - مسألة؛ قال: (وتُقَوَّمُ السِّلَعُ إذَا حَالَ الحَوْلُ بالأَحَظِّ (١) لِلْمَسَاكِينِ، مِنْ عَيْنٍ أوْ وَرِقٍ، ولا يُعْتَبَرُ ما اشْتُرِيتْ بِهِ) يَعْنِى إذا حالَ الحَوْلُ على العُرُوضِ وقِيمَتُها بالفِضَّةِ نِصَابٌ، ولا تَبْلُغُ نِصَابًا بالذَّهَبِ قَوَّمْنَاها بالفِضَّةِ؛ لِيَحْصُلَ لِلْفُقَرَاءِ منها حَظٌّ، ولو كانت قِيمَتُها بالفِضَّةِ دُونَ النِّصابِ وبالذَّهَبِ تَبْلُغُ نِصَابًا، قَوَّمْنَاها بالذَّهَبِ؛ لِتَجِبَ الزكاةُ فيها. ولا فَرْقَ بين أن يكونَ اشْتَرَاها (٢) بِذَهَبٍ أو فِضَّةٍ أو عُرُوضٍ. وبهذا قال أبو حنيفةَ وقال الشَّافِعِىُّ: تُقَوَّمُ بما اشْتَرَاهُ من ذَهَبٍ أو فِضَّةٍ؛ لأنَّ نِصابَ العَرْضِ (٣) مَبْنِىٌّ على ما اشْتَراهُ به، فيَجِبُ أن تَجِبَ الزكاةُ فيه، وتُعْتَبَرُ به كما لو لم يَشْتَرِ به شيئا ولَنا، أنَّ قِيمَتَه بَلَغَتْ نِصابًا فتَجِبُ الزكاةُ فيه، كما لو اشْتَراهُ بِعَرْضٍ وفى البَلَدِ نَقْدانِ مُسْتَعْمَلانِ، تَبْلُغُ قِيمَةُ العَرْضِ (٣) بأحَدِهما نِصابًا، ولأنَّ تَقْوِيمَه لِحَظِّ المَساكِينِ، فيُعْتَبَرُ ما لهم فيه الحَظُّ كالأصْلِ. وأمَّا إذا لم يَشْتَرِ بالنَّقْدِ شيئا، فإنَّ الزكاةَ فى عَيْنِه، لا فى قِيمَتِه، بِخِلافِ العَرْضِ، إلَّا أنّ يكونَ النَّقْدُ مُعَدًّا لِلتِّجارَةِ، فيَنْبَغِى أن تَجِبَ الزكاةُ فيه إذا بَلَغَتْ قِيمَتُه بِالنَّقْدِ الآخَرِ نِصابًا، وإن لم تَبْلُغْ بِعَيْنهِ نِصابًا؛ لأنَّه مالُ تِجارَةٍ بَلَغَتْ قِيمَتُه نِصابًا، فوَجَبَتْ زَكاتُه كالعُرُوضِ، فأمَّا إذا بَلَغَتْ قِيمَةُ العَرْضِ (٤) نِصابًا بكلِّ وَاحِدٍ من الثَّمَنَيْنِ، قَوَّمَهُ بما شاءَ منهما، وأخْرَجَ رُبْعَ عُشْرِ

стр. 1900

قِيمَتِه من أىِّ النَّقْدَيْنِ شاءَ، لكن الأوْلَى أن يُخْرِجَ من النَّقْدِ المُسْتَعْمَلِ فى البَلَدِ، لأنَّه (٥) أحَظُّ لِلْمَسَاكِينِ، وإن كانا مُسْتَعْمَلَيْنِ أخْرَجَ من الغالِبِ فى الاسْتِعْمالِ لذلك، فإنْ تَساوَيَا أخْرَجَ من أيِّهِما شاءَ. وإذا باعَ العُرُوضَ بِنَقْدٍ، وحالَ الحَوْلُ عليه، قَوَّمَ النَّقْدَ دُونَ العُرُوضِ؛ لأنَّه إنَّما يُقَوِّمُ ما حالَ عليه الحَوْلُ دُونَ غيرِه. فصل: وإذا اشْتَرَى عَرْضًا لِلتِّجارَة، بِنِصابٍ من الأَثْمَانِ، أو بما قِيمَتُه نِصابٌ من عُرُوضِ التِّجَارَةِ، بَنَى حَوْلَ الثَّانِى على حَوْلِ (٦) الأوَّلِ؛ لأنَّ مالَ التِّجارَةِ إنَّما تَتَعَلَّقُ الزكاةُ بِقِيمَتِه، وقِيمَتُه هى: الأثْمانُ نَفْسُها، وإنَّما (٧) كانَتْ ظَاهِرَةً فَخفِيَتْ، فأشْبَهَ ما لو كان له نِصابٌ فأقْرَضَه، لم يَنْقَطِعْ حَوْلُه بذلك. وهكذا الحُكْمُ إذا باعَ العَرْضَ بِنِصابٍ أو بِعَرْضٍ قِيمَتُه نِصابٌ؛ لأنَّ القِيمَةَ كانتْ خَفِيَّةً، فظَهَرَتْ، أو بَقِيَتْ على خَفَائِها، فأشْبَهَ ما لو كان له قَرْضٌ فاسْتَوْفَاهُ، أو أقْرَضَه إنْسانًا آخَرَ، ولأنَّ النَّمَاءَ فى الغالِبِ فى التِّجَارَةِ إنَّما يَحْصُلُ بالتَّقْلِيبِ، ولو كان ذلك يَقْطَعُ الحَوْلَ لَكان السَّبَبُ الذى وَجَبَتْ فيه الزكاةُ لأجْلِه يَمْنَعُها؛ لأنَّ الزَّكَاةَ لا تَجِبُ إلَّا فى مالٍ نَامٍ. وإن قَصَدَ بالأثْمانِ غيرَ التِّجَارَةِ لم يَنْقَطِع الحَوْلُ أيضا. وقال الشَّافِعِىُّ: يَنْقَطِعُ حَوْلًا (٨) واحِدًا؛ لأنَّه مَالٌ تَجِبُ الزكاةُ فى عَيْنِه دُونَ قِيمَتِه، فانْقَطَعَ الحَوْلُ بِالبَيْعِ به كالسَّائِمَةِ. ولَنا، أنَّه من جِنْسِ القِيمَةِ التى تَتَعَلَّقُ الزكاةُ بها، فلم يَنْقَطِع الحَوْلُ ببَيْعِها به، كما لو قَصَدَ به التِّجارَةَ، وفارَقَ السَّائِمَةَ، فإنَّها مِن غيرِ جِنْسِ القِيمَةِ، فأمَّا إن أبْدَلَ عَرْضَ التِّجارَةِ بما تَجِبُ الزكاةُ فى عَيْنِه كالسَّائِمَةِ، ولم يَنْوِ به التِّجارَةَ، لم يَبْنِ حَوْلَ أحَدِهما على الآخَرِ؛ لأنَّهما مُخْتَلِفانِ. وإن أبْدَلَهُ بِعَرْضٍ لِلْقُنْيَةِ، بَطَلَ الحَوْلُ. وإن اشْتَرَى عَرْضَ التِّجَارَةِ

стр. 1901

بعَرْضِ القُنْيَةِ، انْعَقَدَ عليه الحَوْلُ من حِينَ مَلَكَه إن كان نِصابًا؛ لأنَّه اشْتَرَاهُ بما لا زَكَاةَ فيه، فلم يُمْكِنْ بِناءُ الحَوْلِ عليه. وإن اشْتَرَاهُ بِنِصابٍ من السَّائِمَةِ، لم يَبْنِ على حَوْلِه؛ لأنَّهما مُخْتَلِفانِ. وإن اشْتَرَاهُ بما دُونَ النِّصابِ من الأثْمانِ، أو من عُرُوضِ التِّجارَةِ، انْعَقَدَ عليه الحَوْلُ من حِينِ تَصِيرُ قِيمَتُه نِصابًا؛ لأنَّ مُضِىَّ الحَوْلِ على نِصابٍ كامِلٍ شَرْطٌ لِوُجُوبِ الزكاةِ. فصل: وإذا اشْتَرَى لِلتِّجَارَةِ نِصابًا من السَّائِمَةِ، فحالَ الحَوْلُ، والسَّوْمُ ونِيَّةُ التِّجارَةِ مَوْجُودَانِ، زَكَّاهُ زَكَاةَ التِّجَارَةِ. وبهذا قال أبو حنيفةَ، والثَّوْرِىُّ. وقال مَالِكٌ، والشَّافِعِىُّ فى الجَدِيدِ: يُزَكِّيها زَكَاةَ السَّوْمِ؛ لأنَّها أقْوَى، لانْعِقادِ الإِجْماعِ عليها، واخْتِصاصِها بالعَيْنِ، فكانَتْ أوْلَى. ولَنا، أنَّ زَكَاةَ التِّجارَةِ أحَظُّ لِلْمَسَاكِينِ؛ لأنَّها تَجِبُ فيما زادَ بالحِسابِ، ولأنَّ الزَّائِدَ عن النِّصابِ قد وُجِدَ سَبَبُ وُجُوبِ زَكَاتِه، فيَجِبُ كما لو لم يَبْلُغْ بالسَّوْمِ (٩) نِصابًا، وإن سَبَقَ وَقْتُ وُجُوبِ زَكَاةِ السَّوْمِ وَقْتَ وُجُوبِ زَكاةِ التِّجَارَةِ، مثل أن يَمْلكَ أرْبَعِينَ من الغَنَمِ قِيمَتُها دُونَ مائتَىْ دِرْهَمٍ، فقال القاضى: يتَأخَّرُ وُجُوبُ الزكاةِ حتى يَتِمَّ حَوْلُ التِّجارَةِ؛ لأنَّه أنْفَعُ لِلْفُقَراءِ، ولا (١٠) يُفْضِى التَّأْخِيرُ إلى سُقُوطِها؛ لأنَّ الزكاةَ تَجِبُ فيها إذا تَمَّ حَوْلُ التِّجَارَةِ. ويَحْتَمِلُ أن تَجِبَ زَكَاةُ العَيْنِ عندَ تَمَامِ حَوْلِها؛ لِوُجُودِ مُقْتَضِيها من غيرِ مُعَارِضٍ. فإذا تَمَّ حَوْلُ التِّجارَةِ، وَجَبَتْ زَكَاةُ الزَّائِدِ عن النِّصَابِ؛ لِوُجُودِ مُقْتَضِيها، لأنَّ هذا مَالٌ لِلتِّجارَةِ، حالَ الحَوْلُ عليه وهو نِصَابٌ، ولا يُمْكِنُ إيجابُ الزَّكَاتَيْنِ بِكَمَالِهما؛ لأنَّه يُفْضِى إلى إيجابِ زَكاتَيْنِ فى حَوْلٍ وَاحِدٍ، بِسَبَبٍ وَاحِدٍ، فلم يَجُزْ ذلك؛ لِقَوْلِ النَّبِىِّ ﷺ : "لا ثِنَى (١١) في

стр. 1902

الصَّدَقَةِ" (١٢). وفَارَقَ هذا زَكَاةَ التِّجارَةِ، وزَكَاةَ الفِطْرِ، فإنَّهما يَجْتَمِعَانِ لأنَّهما بِسَبَبَيْنِ، فإنَّ زَكَاةَ الفِطْرِ، تَجِبُ عن بَدَنِ الإِنْسَانِ (١٣) المُسْلِمِ طُهْرَةً له، وزَكَاةَ التِّجارَةِ تَجِبُ عن قِيمَتِه شُكْرًا لِنِعْمَةِ الغنَى ومُوَاساةً لِلفُقَراءِ. فأما إنْ وُجِدَ نِصابُ السَّوْمِ دُونَ نِصابِ التِّجارَةِ، مثل أن يَمْلكَ (١٤) ثلاثِينَ من البَقَرِ، قِيمَتُها مائة وخَمْسُونَ دِرْهَمًا، وحالَ الحَوْلُ عليها كذلك، فإنَّ زَكَاةَ العَيْنِ تَجِبُ بغير خِلَافٍ؛ لأنَّه لم يُوجَدْ لها مُعارِضٌ، فوَجَبَتْ، كما لو لم تَكُنْ لِلتِّجَارَةِ. فصل: وإن اشْتَرَى نَخْلًا أو أرْضًا لِلتِّجَارَةِ، فزُرِعَتِ الأَرْضُ وأثْمَرَتِ النَّخْلُ، فَاتَّفَقَ حَوْلاهُما، بأن يكونَ بُدُوُّ الصَّلاحِ فى الثَّمَرَةِ واشْتِدَادُ الحَبِّ عند تَمامِ الحَوْلِ، وكانتْ قِيمَةُ الأرْضِ والنَّخْلِ بِمُفْرَدِها نِصَابًا لِلتِّجارَةِ، فإنَّه يُزَكِّى الثَّمَرةَ والحَبَّ زَكَاةَ العُشْرِ، ويُزَكِّى الأصْلَ زَكَاةَ القِيمَةِ. وهذا قولُ أبى حَنيفَةَ، وأبى ثَوْرٍ. وقال القاضى وأصْحَابُه: يُزَكِّى الجميعَ زَكَاةَ القِيمَةِ. وذَكَرَ أنَّ أحمدَ أوْمَأَ إليه؛ لأنَّه مَالُ تِجارَةٍ، فتَجِبُ فيه زَكاةُ التِّجارَةِ، كالسَّائِمَةِ. ولَنا، أنَّ زَكَاةَ العُشْرِ أَحَظُّ لِلْفُقَراءِ، فإنَّ العُشْرَ أحَظُّ من رُبْعِ العُشْرِ، فيَجِبُ تَقْدِيمُ ما فيه الحَظُّ، ولأنَّ الزِّيادَةَ على رُبْعِ العُشْرِ قد وُجِدَ سَبَبُ وُجُوبِها فتَجِبُ، وفارَقَ السَّائِمَةَ المُعَدَّةَ لِلتِّجارَةِ، فإنَّ زَكاةَ السَّوْمِ أقَلُّ من زَكاةِ التِّجارَةِ. ٤٥٨ - مسألة؛ قال: (وإذا اشْتَرَاهَا لِلتِّجَارَةِ، ثم نَوَاها لِلاقْتِنَاءِ، ثم نَوَاهَا لِلتِّجَارَةِ، فَلَا زَكَاةَ فِيهَا حَتَّى يَبِيعَها، ويَسْتَقْبِلَ بِثَمَنِها حَوْلًا) لا يَخْتَلِفُ المذهبُ فى أنَّه إذا نَوَى بِعَرْضِ التِّجَارَةِ القُنْيَةَ، أنَّه يَصِيرُ لِلْقُنْيَةِ،

стр. 1903

وتَسْقُطُ الزكاةُ منه. وبهذا قال الشَّافِعِىُّ، وأصْحابُ الرَّأْىِ. وقال مَالِكٌ فى إحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ عنه: لا يَسْقُطُ حُكْمُ التِّجارَةِ بِمُجَرَّدِ النِّيَّةِ، كما لو نَوَى بالسَّائِمَةِ العَلْفَ. ولَنا، أنَّ القُنْيَةَ الأصْلُ، ويَكْفِى فى الرَّدِّ إلى الأصْلِ مُجَرَّدُ النِّيَّةِ، كما لو نَوَى بالحَلْىِ التِّجارَةَ، أو نَوَى المُسافِرُ الإِقامَةَ، ولأنَّ نِيَّةَ التِّجارَةِ شَرْطٌ لِوُجُوبِ الزكاةِ فى العُرُوضِ، فإذا نَوَى القُنْيَةَ زالَتْ نِيَّةُ التِّجارَةِ، ففَاتَ شَرْطُ الوُجُوبِ، وفارَقَ السَّائِمَةَ إذا نَوَى عَلْفَها، لأنَّ الشَّرْطَ فيها الإِسامَةُ دُونَ نِيَّتِها، فلا يَنْتَفِى الوُجُوبُ إلَّا بِانْتِفاءِ السَّوْمِ. وإذا صارَ العَرْضُ لِلْقُنْيَةِ بِنِيَّتِها، فنَوَى التِّجارَةَ، لم يَصِرْ لِلتِّجارَةِ بِمُجَرَّدِ النِّيَّةِ، على ما أسْلَفْناهُ. وبهذا قال أبو حنيفةَ، ومالِكٌ، والشَّافِعِىُّ، والثَّوْرِىُّ. وذَهَبَ [ابنُ عَقِيلٍ، وأبو بكرٍ] (١)، إلى أنَّه يَصِيرُ لِلتِّجارَةِ بمُجَرَّدِ النِّيَّةِ. وحَكَوْهُ (٢) رِوَايَةً عن أحمدَ، لِقَوْلِه: فى مَن أخْرَجَتْ أرْضُهُ خَمْسَةَ أَوْسُقٍ، فمَكَثَتْ عندَه سِنِينَ لا يُرِيدُ بها التِّجارَةَ، فليس عليه زَكَاةٌ، وإن كان يُرِيدُ التِّجارَةَ فأعْجَبُ إلَىَّ أن يُزَكِّيَهُ. قال بَعْضُ أصْحَابِنا: هذا على أصَحِّ الرِّوايَتَيْنِ؛ لأنَّ نِيَّةَ القُنْيَةِ بِمُجَرَّدِها كافِيَةٌ، فكذلك نِيَّةُ التِّجارَةِ، بل أوْلَى؛ لأنَّ الإِيجابَ يُغَلَّبُ على الإِسْقاطِ احْتِياطًا، ولأنَّه أحَظُّ لِلْمَسَاكِينِ، فاعْتُبِرَ كالتَّقْوِيمِ، ولأنَّ سَمُرَةَ قال: أمَرَنَا رَسُولُ اللهِ ﷺ أن نُخْرِجَ الصَّدَقَةَ ممَّا نُعِدُّهِ لِلْبَيْعِ (٣). وهذا داخِلٌ فى عُمُومِه، ولأنَّه نَوَى به التِّجارَةَ، فوَجَبَتْ فيه الزكاةُ، كما لو نَوَى حالَ البَيْعِ. ولَنا، أنَّ كُلَّ ما لا يَثْبُتُ له الحُكْمُ بِدُخُولِه فى مِلْكِه، لا يَثْبُتُ بِمُجَرَّدِ النِّيَّةِ، كما لو نَوَى بالمَعْلُوفَةِ السَّوْمَ، ولأنَّ القُنْيَةَ الأصْلُ، والتِّجَارَة فَرْعٌ عليها، فلا يَنْصَرِفُ إلى الفَرْعِ بمُجَرَّدِ النِّيَّةِ، كالمُقِيمِ يَنْوِى السَّفَرَ، وبالعَكْسِ من ذلك ما لو نَوَى القُنْيَةَ، فإنَّه يَرُدّها إلى الأصْلِ، فانْصَرَفَ إليه بمُجَرَّدِ النِّيَّةِ، كما لو نَوَى

стр. 1904

المُسَافِرُ الإِقامَةَ. فكذلك إذا نَوَى بمالِ التِّجارَةِ القُنْيَةَ، انْقَطَعَ حَوْلُه، ثم إذا نَوَى به التِّجارَةَ، فلا شىءَ فيه حتى يَبِيعَه، ويَسْتَقْبِلَ بِثَمَنِه حَوْلًا. فصل: فإن كانتْ عندَه مَاشِيَةٌ لِلتِّجَارَةِ نِصْفَ حَوْلٍ، فنَوَى بها الإِسامَةَ، وقَطَعَ نِيَّةَ التِّجارَةِ، انْقَطَعَ حَوْلُ التِّجارَةِ، واسْتَأْنَفَ حَوْلًا. كذلك قال الثَّوْرِىُّ، وأبو ثَوْرٍ، وأصْحابُ الرَّأْىِ؛ لأنَّ حَوْلَ التِّجَارَةِ انْقَطَعَ بِنِيَّةِ الاقْتِناءِ، وحَوْلُ السَّوْمِ لا يَنْبَنِى على حَوْلِ التِّجارَةِ. والأشْبَهُ بالدَّلِيلِ أنَّها متى كانَتْ سَائِمةً من أوَّلِ الحَوْلِ، وَجَبَتِ الزكاةُ فيها عند تَمامِهِ. وهذا يُرْوَى نحوُه عن إسحاقَ؛ لأنَّ السَّوْمَ سَبَبٌ لِوُجُوبِ الزكاةِ وُجِدَ فى جَمِيعِ الحَوْلِ خَالِيًا عن مُعَارِضٍ، فوَجَبَتْ به الزكاةُ، كما لو لم يَنْوِ التِّجارَةَ، أو كما لو كانتِ السَّائِمَةُ لا تَبْلُغُ نِصابًا بالقِيمَةِ. ٤٥٩ - مسألة؛ قال: (وَإِذَا كَانَ في مِلْكِهِ نِصَابٌ (١) لِلزَّكاةِ، فَاتَّجَرَ (٢) فِيهِ، فَنَمَا (٣)، أدَّى زَكَاةَ الأَصْلِ مَعَ النَّمَاءِ، إذَا حالَ الحَوْلُ) وجُمْلَتُه أنَّ حَوْلَ النَّماءِ مَبْنِىٌّ على حَوْلِ الأصْلِ؛ لأنَّه تابِعٌ له فى المِلْكِ، فتَبعَهُ فى الحَوْلِ، كالسِّخَالِ والنِّتاجِ. وبهذا قال مالِكٌ، وإسحاقُ، وأبو يوسفَ. وأمَّا أبو حنيفةَ، فإنَّه بَنَى (٤) حَوْلَ كُلِّ مُسْتَفادٍ على حَوْلِ جِنْسِه نَمَاءً كان أو غيرَه. وقال الشَّافِعِىُّ: إنْ نَضَّتِ (٥) الفائِدَةُ قبلَ الحَوْلِ لم يَبْنِ حَوْلَها على حَوْلِ النِّصابِ، واسْتَأْنَفَ بها حَوْلًا، لِقَوْلِه ﵇: "لَا زَكَاةَ في مالٍ حَتَّى يَحُولَ عَلَيْهِ الحَوْلُ" (٦). ولأنَّها فَائِدَةٌ تامَّةٌ لم تَتَوَلَّدْ مما عنده، فلم يَبْنِ على حَوْلِه، كما لو

стр. 1905

اسْتَفادَ من غير الرِّبْحِ. وإن اشْتَرَى سِلْعَةً بِنِصابٍ، فزَادَتْ قِيمَتُها عند رَأْسِ الحَوْلِ، فإنَّه يَضُمُّ الفائِدَةَ، ويُزَكِّى عن الجَمِيعِ، بخِلافِ ما إذا باعَ السِّلْعَةَ قبلَ الحَوْلِ بأكْثَرَ من نِصابٍ، فإنَّه يُزَكِّى عندَ رَأْسِ الحَوْلِ عن النِّصابِ، ويَسْتَأْنِفُ لِلزِّيَادَةِ حَوْلًا. ولَنا، أنَّه نَماءٌ جَارٍ فى الحَوْلِ، تَابعٌ لأصْلِه فى المِلْكِ، فكان مَضْمُومًا إليه فى الحَوْلِ، كالنِّتاجِ، وكما لو لم يَنِضَّ، ولأنَّه ثَمَنُ عَرْضٍ تَجِبُ زَكاةُ بَعْضِه، ويُضَمُّ إلى ذلك البَعْضِ قبلَ البَيْعِ، فيُضَمُّ إليه بعدَه كبعضِ النِّصابِ، ولأنَّهْ لو بَقِىَ عَرْضًا زَكَّى جَمِيعَ القِيمَةِ، فإذا نَضَّ كان أَوْلَى؛ لأنَّه يَصِيرُ مُتَحَقِّقًا، ولأنَّ هذا الرِّبْحَ كان تَابِعًا لِلأصْلِ فى الحَوْلِ، [لو لم] (٧) يَنِضَّ، فَبِنَضِّه لا يَتَغَيَّرُ حَوْلُه. والحَدِيثُ فيه مَقَالٌ، وهو مَخْصُوصٌ بالنِّتاجِ، وبما لم يَنِضّ، فنَقِيسُ عليه. فصل: وإن اشْتَرَى لِلتِّجارَةِ ما ليس بِنِصابٍ، فنَمَا حتى صارَ نِصابًا، انْعَقَدَ عليه الحَوْلُ من حينَ صارَ نِصَابًا. فى قولِ أكْثَرِ أهْلِ العِلْمِ. وقال مالِكٌ: إذا كانتْ له خَمْسَةُ دَنَانِير، فاتَّجَرَ (٨) فيها، فحالَ عليها (٩) الحَوْلُ وقد بَلَغَتْ ما تَجِبُ فيه الزكاةُ، يُزَكِّيها. ولَنا، أنَّه لم يَحُلِ الحَوْلُ على نِصابٍ، فلم تَجِبْ فيه الزكاةُ، كما لو نَقَصَ فى آخِرِه. فصل: وإذا اشْتَرَى للتِّجارَةِ شِقْصًا بألْفٍ، فحالَ عليه (١٠) الحَوْلُ وهو يُساوِى ألْفَيْنِ، فعليه زَكَاةُ ألْفَيْنِ، فإن جاء الشَّفِيعُ أخَذَهُ بأَلْفٍ، لأنَّ الشَّفِيعَ إنَّما يأْخُذُ (١١) بالثَّمَنِ لا بالقِيمَةِ، والزكاةُ على المُشْتَرِى؛ لأنَّها وَجَبَتْ وهو فى مِلْكِه. ولو لم يَأْخُذْه

стр. 1906

الشَّفِيعُ، لكن وَجَدَ به عَيْبًا فرَدَّهُ، فإنَّه يَأْخُذُ من البائِعِ ألْفًا. ولو انْعَكَسَتِ المَسْأَلَةُ، فاشْتَرَاهُ بأَلْفَيْنِ، وحالَ الحَوْلُ وقِيمَتُه ألْفٌ، فعليه زَكَاةُ ألْفٍ، ويأْخُذُه الشَّفِيعُ إن أخَذَهُ، ويَرُدُّهُ بالعَيْبِ بألْفَيْنِ، لأنَّهما الثَّمَنُ الذى وَقَعَ البَيْعُ به. فصل: وإن دَفَعَ إلى رَجُلٍ ألْفًا مُضَارَبَةً، على أن الرِّبْحَ بينهما نِصْفانِ، فحَالَ الحَوْلُ وقد صارَ ثلاثةَ آلافٍ، فعلى رَبِّ المالِ زَكَاةُ ألْفَيْنِ؛ لأنَّ رِبْحَ التِّجارَةِ حَوْلُه حَوْلُ أصْلِه. وقال الشَّافِعِىُّ، فى أحَدِ قَوْلَيْهِ: عليه زَكَاةُ الجَمِيعِ؛ لأنَّ الأصْلَ له، والرِّبْحُ نَمَاءُ مَالِهِ. ولا يَصِحُّ، لأنَّ حِصَّةَ المُضارِبِ له، وليستْ مِلْكًا لِرَبِّ المالِ، بِدَلِيلِ أنَّ لِلْمُضارِبِ المُطَالَبَةَ بها، ولو أرَادَ رَبُّ المالِ دَفْعَ حِصَّتِه إليه مِن غيرِ هذا المالِ، لم يَلْزَمْهُ قَبُولُه، ولا تَجِبُ على الإِنْسانِ زَكاة مِلْكِ غيرِه، ولأنَّ رَبَّ المالِ يقولُ: حِصَّتُكَ أيها العَامِلُ مُتَرَدِّدَةٌ بين أن تَسْلَمَ فتكونَ لك، أو تَتْلَفَ فلا تكونُ لى ولا لَكَ، فكيف يجبُ (١٢) عَلَىَّ زَكَاةُ ما ليس لى بِوَجْه مَّا! وقولُه: إنَّه نَماءُ مَالِهِ. قلنا: لكنَّه لِغَيْرِه، فلم تَجِبْ عليه زَكاةٌ، كما لو وَهَبَ نِتاجَ سَائِمَتِه لِغيرِه. إذا ثَبَتَ هذا فإنَّه يُخْرِجُ الزكاةَ من المالِ، لأنَّه من مُؤْنَتِه، فكان منه، كمُؤْنَةِ حَمْلِه، ويُحْسَبُ من الرِّبْحِ؛ لأنَّه وِقَايَةٌ لِرَأْسِ المالِ. وأمَّا العامِلُ فليس عليه زَكاةٌ فى حِصَّتِه حتَّى يقْتَسِمَا (١٣)، ويَسْتَأْنِفُ حَوْلًا من حِينَئِذٍ. نَصَّ عليه أحمدُ، فى رِوايَةِ صالِحٍ، وابنِ مَنْصُورٍ. فقال: إذا احْتَسَبَا يُزَكِّى المُضارِبُ إذا حالَ الحَوْلُ من حِينَ احْتَسَبَا (١٤)؛ لأنَّه عَلِمَ مَالَهُ فى المالِ، ولأنَّه إذا اتَّضَعَ بعدَ ذلك كانت الوَضِيعَةُ على رَبِّ (١٥) المالِ. يَعْنِى إذا اقْتَسَمَا. لأنَّ القِسْمَةَ فى الغالِبِ تكونُ

стр. 1907

عند المُحاسَبَةِ، ألا تَرَاهُ يقولُ: إن اتَّضَعَ بعد ذلِكَ كانَتِ الوَضِيعَةُ على رَبِّ المالِ. وإنَّما يكونُ هذا بعد القِسْمَةِ. وقال أبو الخَطَّابِ: يُحْتَسَبُ حَوْلُهُ من حِين ظُهُورِ الرِّبْحِ. يَعْنِى إذا كَمَلَ نِصابًا. إلَّا على قَوْلِ من قال: إن الشَّرِكَةَ تُؤَثِّرُ فى غير الماشِيَةِ، قال: ولا يَجِبُ إخْراجُ زَكَاتِه حتَّى يَقْبِضَ المالَ؛ لأنَّ العَامِلَ يَمْلِكُ الرِّبْحَ بِظُهُورِهِ، فإذا مَلَكَهُ جَرَى فى حَوْلِ الزكاةِ، ولأنَّ من أصْلِنَا أنَّ فى المالِ الضَّالِّ والمَغْصُوبِ والدَّيْنِ على مُمَاطِلٍ الزكاةَ، وإن كان رُجُوعُه إلى مِلْكِ (١٦) يدهِ مَظْنُونًا، كذا هاهُنا. ولَنا، أنَّ مِلْكَ المُضارِبِ غيرُ تَامٍّ، لأنَّه بعَرْضِ (١٧) أن يَنْقُصَ قِيمَةَ الأصْلِ أو يَخْسَرَ فيه، وهذا وِقَايةٌ له، ولهذا مُنِعَ من الاخْتِصاصِ به، والتَّصَرُّفِ فيه لِحَقِّ (١٨) نَفْسِه، فلم يَكُنْ فيه زَكَاةٌ، كَمالِ المُكاتَبِ، يُؤكِّدُ هذا أَنَّه لو كان مِلْكًا تَامًّا لاخْتَصَّ بِرِبْحِهِ، فلو كان رَأْسُ المالِ عَشَرَةً فاتَّجَرَ فيه فرَبِحَ عِشْرِينَ، ثمَّ اتَّجَرَ فرَبِحَ ثَلَاثِينَ، لَكانتِ الخَمْسُونَ التى رَبِحَهَا بينهما نِصْفَيْنِ، ولو (١٩) تَمَّ مِلْكُه بمُجَرَّدِ ظُهُورِ الرِّبْحِ، لمَلَك من العِشْرِينَ الأُولَى عَشَرَةً، واخْتَصَّ بِرِبْحِها، وهى عَشَرَةٌ من الثَّلَاثِينَ، وكانتِ العِشْرُونَ الباقِيَةُ بينهما نِصْفَيْنِ، فيَمْلِكُ المُضارِبُ ثلاثِينَ، ولِرَبِّ المالِ ثلاثُونَ، كما لو اقْتَسَمَا العِشْرِينَ ثمَّ خَلَطَاها. وفَارَقَ المَغْصُوبَ والضَّالَّ، فإنَّ المِلْكَ فيه ثَابِتٌ تَامٌّ إنَّما حِيلَ بينَه وبينَه، بخِلاف مَسْألَتِنا. ومن أوْجَبَ الزكاةَ على المُضَارِبِ، فإنَّما يُوجِبُها عليه إذا حالَ الحَوْلُ مِن حِينِ تَبْلُغُ حِصَّتُهُ نِصابًا بِمُفْرَدِهَا أو بِضَمِّها إلى ما عندَه مِن جِنْسِ المالِ، أو من الأثْمانِ، إلَّا على الرِّوَايَةِ التى تَقُولُ إنَّ لِلشَّرِكَةِ تَأْثِيرًا فى غيرِ السَّائِمَةِ. وليس عليه إخْرَاجُها قبل القِسْمَةِ، كالدَّيْنِ لا يَجِبُ الإِخْراجُ منه قبلَ قَبْضِه. وإن أرَادَ

стр. 1908

إخْرَاجَهَا منه قبلَ القِسْمَةِ لم يَجُزْ؛ لأنَّ الرِّبْحَ وِقَايَةٌ لِرَأْسِ المالِ. ويَحْتَمِلُ أنْ يجوزَ، لأنَّهما دَخَلَا على حُكْمِ الإِسلامِ، ومن حُكْمِه وُجُوبُ الزكاةِ، وإخْرَاجُها من المالِ. فصل: وإذا أذِنَ كُلُّ وَاحِدٍ من الشَّرِيكَيْنِ لِصاحِبِه فى إخْرَاجِ زَكَاتِه، أو أذِنَ رَجُلانِ غيرُ شَرِيكَيْنِ كُلُّ وَاحِدٍ منهما للآخَرِ فى إخْرَاجِ زَكَاتِه، فأخْرَجَ كُلُّ وَاحِدٍ منهما زَكَاتَه وزَكَاةَ صَاحِبِه مَعًا، فى حالٍ وَاحِدَةٍ، ضَمِنَ كُلُّ واحِدٍ منهما نَصِيبَ صاحِبِهِ؛ لأنَّ كُلَّ وَاحِدٍ منهما انْعَزَلَ من طَرِيقِ الحُكْمِ عن الوكَالَةِ، لإِخْرَاجِ من عليه الزَّكاةُ زَكَاتَه بِنَفْسِه. ويَحْتَمِلُ أنْ لا يَضْمَنَ، إذا لم يَعْلَمْ بإخْرَاجِ صَاحِبِه، إذا قُلْنا إنَّ الوَكِيلَ لا يَنْعَزِلُ قبلَ العِلْمِ (٢٠) بِعَزْلِ المُوَكِّلِ أو بِمَوْتِه. ويَحْتَمِلُ أنْ لا يَضْمَنَ، وإن قُلْنا إنَّه يَنْعَزِلُ؛ لأنَّه غَرَّهُ بِتَسْلِيطِه على الإِخْرَاجِ، وأمَرَهُ به، ولم يُعْلِمْهُ بإخْراجِهِ، فكان خَطَرُ التَّغْرِيرِ عليه، كما لو غَرَّهُ بِحُرِّيَّةِ أَمَةٍ. وهذا أحْسَنُ إن شاءَ اللهُ تعالى. وعلى هذا، إن عَلِمَ أحَدُهما دُون الآخَرِ، فعلى العَالِمِ الضَّمَانُ دُونَ الآخَرِ. فأمَّا إنْ أخْرَجَها أحَدُهما قبلَ الآخَرِ، فعلى هذا الوَجْهِ لا ضَمَانَ على وَاحِدٍ منهما إذا لم يَعْلَمْ، وعلى الثَّانِى [على الأوَّلِ] (٢١) الضَّمَانُ دُونَ الأوَّلِ.

стр. 1909

بابُ زكاةِ الدَّيْنِ والصَّدُقَةِ الصَّدُقَةُ: هى الصَّدَاقُ، وجَمْعُها صَدُقَاتٌ، قال اللهُ تعالى: ﴿وَآتُوا النِّسَاءَ صَدُقَاتِهِنَّ نِحْلَةً﴾ (٢٢). وهى من جُمْلَةِ الدُّيُونِ، وحُكْمُها حُكْمُها (٢٣)، وإنَّما أَفْرَدَها بالذِّكْرِ لِاشْتِهَارِهَا بِاسْمٍ خَاصٍّ. ٤٦٠ - مسألة؛ قال: (وَإذَا كان مَعَهُ مِائَتَا دِرْهَمٍ، وعَلَيْهِ دَيْنٌ، فَلَا زَكَاةَ عَلَيْهِ) وجُمْلَةُ ذلك أنَّ الدَّيْنَ يَمْنَعُ وُجُوبَ الزكاةِ فى الأمْوَال الباطِنَةِ، رِوَايَةً وَاحِدَةً. وهى الأَثْمانُ، وعُرُوضُ التِّجَارَةِ. وبه قال عَطاءٌ، وسليمانُ بن يَسَارٍ، ومَيْمُونُ ابن مِهْرَانَ، والحسنُ، والنَّخَعِىُّ، واللَّيْثُ، ومالِكٌ، والثَّوْرِىُّ، والأوْزَاعِىُّ، وإسحاقُ، وأبو ثَوْرٍ، وأصْحَابُ الرَّأْىِ. وقال رَبِيعَةُ، وحَمَّادُ بنُ أبى (١) سليمانَ، والشَّافِعِىُّ فى جَديدِ قَوْلَيْه: لا يَمْنَعُ الزكاةَ؛ لأنَّه حُرٌّ مُسْلِمٌ مَلَكَ نِصَابًا حَوْلًا، فوَجَبَتْ عليه الزكاةُ، كَمَنْ لا دَيْنَ عليه. ولَنا، ما رَوَى أبو عُبَيْدٍ فى "الأمْوَالِ" (٢): حَدَّثَنَا إبراهيمُ بن سَعْدٍ، عن ابن شِهابٍ، من السَّائِبِ بن يَزِيدَ، قال: سَمِعْتُ عثمانَ بن عَفَّانَ يَقُولُ: هذا شَهْرُ زَكَاتِكُمْ، فمَن كان عليه دَيْنٌ فَلْيُؤَدِّه، حتَّى تُخْرِجُوا زَكَاةَ أَمْوَالِكُمْ. وفى لَفْظٍ (٣): فمَن كان عليه دَيْنٌ

стр. 1910

فَلْيَقْضِ دَيْنَهُ، ولْيُزَكِّ بَقِيَّةَ مَالِه. قال ذلك بِمَحْضَرٍ من الصَّحابَةِ، فلم يُنْكِرُوهُ، فَدَلَّ على اتِّفَاقِهم عليه. ورَوَى أصْحابُ مالِكٍ، عن عُمَيْرِ بن عِمْرَانَ، عن شُجاعٍ، عن نافِعٍ، عن ابنِ عمرَ، قال: قال رسولُ اللهِ ﷺ : "إذَا كَانَ لِرَجُلٍ أَلْفُ دِرْهَمٍ، وعَلَيْهِ أَلْفُ دِرْهَمٍ، فَلَا زَكَاةَ عَلَيْهِ" (٤). وهذا نَصٌّ. ولأنَّ النَّبِىَّ ﷺ قال: "أُمِرْتُ أنْ آخُذَ الصَّدَقَةَ مِنْ أَغْنِيَائِكُم، فَأَرُدَّهَا فِى فُقَرَائِكُمْ" (٥). فدَلَّ على أَنَّها إنَّما تَجِبُ على الأغْنِياءِ ولا تُدْفَعُ إلَّا إلى الفُقراءِ، وهذا مِمَّنْ يَحِلُّ له أخْذُ الزكاةِ، فيكَونُ فَقِيرًا، فلا تَجِبُ عليه الزكاةُ؛ لأنَّها لا تَجِبُ إلَّا على الأغْنِيَاءِ، لِلْخَبَرِ، ولِقَوْلِه ﵇: "لَا صَدَقَةَ إلَّا عَنْ ظَهْرِ غِنًى" (٦). ويُخَالِفُ مَن لا دَيْنَ له عليه، فإنَّه غَنِىٌّ يَمْلِكُ نِصَابًا (٧)، يُحَقِّقُ هذا أنَّ الزكاةَ إنَّما وَجَبَتْ مُواساةً لِلْفُقَراءِ، وشُكْرًا لِنِعْمَةِ الغِنَى، والمَدِينُ مُحْتَاجٌ إلى قَضاءِ دَيْنِه كحاجَةِ الفقِيرِ أو أشَدَّ، وليس من الحِكْمَةِ تَعْطِيلُ حاجَةِ المالِكِ [لدَفْعِ حاجةِ] (٨) غيرِه، ولا حَصَل له من الغِنَى ما يَقْتَضِى الشُّكْرَ بالإِخراجِ، وقد قال النَّبِىُّ ﷺ : "ابْدَأْ بِنَفْسِكَ، ثُمَّ بِمَنْ تَعُولُ" (٩). فصل: فأمَّا الأَمْوَالُ الظَّاهِرِةُ وهى السَّائِمَةُ، والحُبُوبُ، والثِّمَارُ، فرُوِىَ عن أحمدَ، أنَّ الدَّيْنَ يَمْنَعُ الزكاةَ أيضًا فيها؛ لما ذَكَرْنَاهُ فى الأمْوالِ الباطِنَةِ. قال أحمدُ، فى رِوَايَةِ إسحاقَ بن إبراهيمَ: يَبْتَدِئُ بالدَّيْن فيَقْضِيه، ثمَّ يَنْظُرُ ما بَقِىَ عندَه بعد

стр. 1911

إخْرَاجِ النَّفَقَةِ، فيُزَكِّى ما بَقِىَ، ولا يكونُ على أحَدٍ، دَيْنُه أكْثَرُ من مالِهِ، صَدَقَةٌ فى إبِلٍ، أو بَقَرٍ، أو غَنَمٍ، أو زَرْعٍ، ولا زَكَاةٌ. وهذا قولُ عَطاءٍ، والحسنِ، وسليمانَ، ومَيْمُونِ بن مِهْرَانَ، والنَّخَعِىِّ، والثَّوْرِيِّ، واللَّيْثِ، وإسحاقَ؛ لِعُمُومِ ما ذَكَرْنَا. وَرُوِىَ، أَنَّه لا يَمْنَعُ الزكاةَ فيها. وهو قولُ مالِكٍ، والأوْزاعِىِّ، والشَّافِعِىِّ. وَرُوِىَ عن أحمدَ أَنَّه قال: قد اخْتَلَفَ ابنُ عمرَ وابنُ عَبَّاسٍ، فقال ابنُ عمرَ: يُخْرِجُ ما اسْتَدَانَ أو أنْفَقَ على ثَمَرَتِه وأهْلِه، ويُزَكِّى ما بَقِىَ. وقال الآخَرُ: يُخْرِجُ ما اسْتَدَانَ (١٠) على ثَمَرَتِه، ويُزَكِّى ما بَقِىَ (١١). وإليه أَذْهَبُ أن لا يُزَكِّىَ ما أَنْفَقَ على ثَمَرَتِه خاصَّةً، ويُزَكِّى ما بَقِىَ؛ لأنَّ المُصَدِّقَ إذا جَاءَ فوَجَدَ إِبِلًا، أو بَقَرًا، أو غَنَمًا، لم يَسْأَلْ أيَّ شىءٍ على صَاحِبِها من الدَّيْنِ، وليس المالُ هكذا. فعلَى هذه الرِّوَايَةِ، لا يَمْنَعُ الدَّيْنُ الزكاةَ فى الأمْوالِ الظاهِرَةِ، إلَّا فى الزُّرُوْعِ (١٢) والثِّمَارِ، فيما اسْتَدَانَهُ للإِنْفاقِ عليها خاصَّةً. وهذا ظاهِرُ قَوْلِ الخِرَقِىِّ؛ لأنَّه قال فى الخَراجِ: "يُخْرِجُه، ثمَّ يُزَكِّى ما بَقِىَ". جَعَلَهُ كالدَّيْنِ على الزَّرْعِ. وقال فى الماشِيَةِ المَرْهُوَنةِ: "يُؤدِّى منها إذا لم يَكُنْ له مالٌ يُؤَدِّى عنها". فأوْجَبَ الزَّكَاةَ فيها مع الدَّيْنِ. وقال أبو حنيفةَ: الدَّيْنُ الذى تَتَوَجَّهُ فيه المُطَالَبَةُ يَمْنَعُ فى سَائِرِ الأَموَالِ، إلَّا الزُّرُوعَ (١٣) والثِّمَارَ. بِنَاءً منه على أنَّ الوَاجِبَ فيها ليس بِصَدَقَةٍ، والفَرْقُ بين الأَمْوَالِ الظاهِرَةِ والباطِنَةِ أَنَّ تَعَلُّقَ الزكاةِ بالظَّاهِرَةِ آكَدُ، لِظُهُورِهَا، وتَعَلُّقِ قُلُوبِ الفُقَرَاءِ بها، ولهذا يُشْرَعُ إرْسالُ ساعٍ (١٣) يَأْخُذُ صَدَقَتَها من أَرْبَابِها، وكان النَّبِيُّ ﷺ يَبْعَثُ السُّعَاةَ، فيأْخُذُونَ الصَّدَقَةَ مِن أَرْبَابِها، وكذلك الخُلَفَاءُ بعدَه، وعلى مَنْعِهَا قَاتَلَهُمْ أبو بكرٍ الصِّدِّيقُ، رَضِىَ اللَّه عنه، ولم يَأْتِ عنهم (١٤) أنَّهم

стр. 1912

اسْتَكْرَهُوا أحَدًا على صَدَقَةِ الصَّامِتِ، ولا طَالَبُوهُ بها، إلَّا أن يَأْتِىَ بها طَوْعًا، ولأنَّ السُّعَاةَ يَأْخُذُونَ زَكَاةَ ما يَجِدُونَ، ولا يَسْأَلُونَ عَمَّا على صَاحِبهَا من الدَّيْنِ، فدَلَّ على أنَّه لا يَمْنَعُ زَكَاتَها، ولأنَّ تَعَلُّقَ أَطْمَاعِ الفُقَرَاءِ بها أكْثَرُ، والحَاجَةَ إلى حِفْظِهَا أوْفَرُ، فتكونُ الزكاةُ فيها أوْكَدَ. فصل: وإنَّما يَمْنَعُ الدَّيْنُ الزكاةَ، إذا كان يَسْتَغْرِقُ النِّصابَ أو يَنْقُصُهُ، ولا يَجِدُ ما يَقْضِيهِ به سِوَى النِّصابِ، أو ما لا يُسْتَغْنَى عنه، مثل أنْ يكونَ له عِشْرُونَ مِثْقَالًا، وعليه مِثْقَالٌ أو أَكْثَرُ أو أَقَلُّ، ممَّا يَنْقُصُ به النِّصابُ إذا قَضَاهُ به، ولا يَجِدُ قَضاءً له من غيرِ النِّصابِ، فإن كان له ثلاثُونَ مِثْقَالًا، وعليه عَشَرَةٌ، فعليه زَكَاةُ العِشْرِينَ. وإن كان عليه أكْثَرُ من عَشَرَةٍ، فلا زَكَاةَ عليه. وإن كان عليه خَمْسَةٌ، فعليه زَكَاةُ خَمْسَةٍ وعِشْرِينَ. ولو أنَّ له مائةً من الغَنَمِ، وعليه ما يُقَابِلُ سِتِّينَ، فعليه زَكاةُ الأَرْبَعِينَ. فإن كان عليه ما يُقَابِلُ إحْدَى وسِتِّينَ، فلا زَكَاةَ عليه؛ لأنَّه يَنْقُصُ النِّصابَ، وإن كان له مالانِ من جِنْسَيْنِ، وعليه دَيْنٌ جَعَلَهُ فى مُقَابَلَةِ ما يَقْضِى منه، فلو كان عليه (١٥) خَمْسٌ من الإِبِلِ [وله خَمْسٌ من الإِبلِ] (١٦) ومائتَا دِرْهَمٍ، فإن كانت عليه سَلَمًا أو دِيَةً، ونحوَ ذلك ممَّا يُقْضَى بالإِبِلِ، جَعَلْتَ الدَّيْنَ فى مُقَابَلَتِهَا، ووَجَبَتْ عليه زَكَاةُ الدَّرَاهِمِ. وإن كان أتْلَفها أَو غَصَبَها، جَعَلْتَ قِيمَتَها فى مُقَابَلَةِ الدَّرَاهِمِ؛ لأنَّها تُقْضَى منها. وإن كانت قَرْضًا، خُرِّجَ على الوَجْهَيْنِ فيما يُقْضَى منه، فإنَّ كانَتْ، إذا جَعَلْنَاهَا فى مُقابَلَةِ أحَدِ المالَيْنِ، فَضَلَتْ منها فَضْلَةٌ تَنْقُصُ النِّصابَ الآخَرَ، وإذا جَعَلْنَاها فى مُقَابَلَةِ الآخَرِ، لم يَفْضُلْ منها شىءٌ، كرَجُلٍ له خَمْسٌ من الإِبِلِ ومائتَا دِرْهَمٍ، وعليه سِتٌّ من الإِبِلِ قِيمَتُها مائتَا دِرْهَمٍ، إذا (١٧) جَعَلْنَاهَا في مُقَابَلَةِ المائتَيْنِ لم يَفْضُلْ من الدَّيْنِ شىءٌ، نَقَصَ نِصابَ السَّائِمَةِ، وإن (١٨) جَعَلْنَاهَا فى مُقَابَلَةِ الإِبِلِ فَضَلَ منها بَعِيرٌ، يَنْقُصُ نِصابَ

стр. 1913

الدَّرَاهِمِ، أو كانت بالعَكْسِ، مثل أن يكونَ عليه مائتَانِ وخَمْسُونَ دِرْهَمًا، وله من الإِبِلِ خَمْسٌ أو أَكْثَرُ تُسَاوِى الدَّيْنَ، أو تَفْضُلُ عليه، جَعَلْنَا الدَّيْنَ فى مُقابَلَةِ الإِبِلِ هاهُنا، وفى مُقابَلَةِ الدَّراهِمِ فى الصُّورَةِ الأُولَى؛ لأنَّ له من المالِ ما يَقْضِى به الدَّيْنَ سِوَى النِّصابِ. وكذلك لو كان عليه مائةُ دِرْهَمٍ، وله مائتَا دِرْهَمٍ وتِسْعٌ من الإِبِلِ، فإذا جَعَلْنَاهَا فى مُقابَلَةِ الإِبِلِ لم يَنْقُصْ نِصَابُها، لِكَوْنِ الأرْبَعِ الزَّائِدَةِ عنه تُسَاوِى المائةَ أَكْثَرَ منها، وإن جَعَلْنَاهُ فى مُقابَلَةِ الدَّرَاهِمِ سَقَطَتِ الزكاةُ منها، فجَعَلْناها (١٩) فى مُقَابَلَةِ الإِبِلِ، كما ذَكَرْنَا فى التى قَبْلَها، ولأنَّ ذلك أحَظُّ لِلْفُقَرَاءِ. وذَكَرَ القاضِى نحوَ هذا، فإنَّه (٢٠) قال: إذا كان النِّصَابَانِ زَكَوِيَّيْنِ، جَعَلْتَ الدَّيْنَ فى مُقابَلَةِ ما الحَظُّ لِلْمَسَاكِينِ فى جَعْلِه فى مُقَابَلَتِه، وإن كان من غيرِ جِنْسِ الدَّيْنِ. فإن كان أحَدُ المالَيْنِ لا زَكَاةَ فيه، والآخَرُ فيه الزكاةُ، كرَجُلٍ عليه مائتَا دِرْهَمٍ، وله مائتَا دِرْهَمٍ، وعُرُوضٌ لِلقُنْيَةِ تُسَاوِى مائتَيْنِ، فقال القاضى: يَجْعَلُ الدَّيْنَ فى مُقَابَلَةِ العُرُوضِ. وهذا مذهبُ مالِكٍ، وأبى عُبَيْدٍ. قال أصْحَابُ الشَّافِعِىِّ: وهو مُقْتَضَى قَوْلِه؛ لأنَّه مَالِكٌ لمائتَيْنِ زَائِدَة عن مَبْلَغِ دَيْنِه، فَوَجَبَتْ عليه زَكَاتُها، كما لو كان جَمِيعُ مَالِهِ جِنْسًا وَاحِدًا. وظاهِرُ كلامِ أحمدَ، ﵀، أنَّه يجْعَلُ الدَّيْنَ فى مُقابَلَةِ ما يَقْضِى منه، فإنَّه قال فى رَجُلٍ عِنْدَهُ أَلْفٌ وعليه ألْفٌ وله عُرُوضٌ بِألْفٍ: إن كانتِ العُرُوضُ لِلتِّجارَةِ زَكَّاهَا، وإن كانَتْ لغيرِ التِّجارَةِ فليس عليه شىءٌ. وهذا مذهبُ أبي حنيفةَ. ويُحْكَى عن اللَّيْثِ بن سَعْدٍ؛ لأنَّ الدَّيْنَ يُقْضَى من جِنْسِه عند التَّشَاحِّ، فجعْلُ الدَّيْنِ فى مُقَابَلَتِه أَوْلَى، كما لو كان النِّصابَانِ زَكَوِيَّيْنِ. ويَحْتَمِلُ أنْ يُحْمَلَ (٢١) كلامُ أحمدَ هاهُنا على ما إذا كان العَرْضُ تَتَعَلَّقُ به حاجَتُه الأصْلِيَّةُ، ولم يَكُنْ فاضِلًا عن حاجَتِه، فلا يَلْزَمُه صَرْفُه فى

стр. 1914

وَفَاءِ الدَّيْنِ، لأنَّ حاجَتَهُ (٢٢) أهَمُّ، ولذلك لم تَجِبِ الزكاةُ فى الحَلْىِ المُعَدِّ للاسْتِعْمالِ، ويكونُ قَوْلُ القاضى مَحْمُولًا على مَن كان العَرْضُ فَاضِلًا عن حَاجَتِه، وهذا أحْسَنُ؛ لأنَّه فى هذه الحال مالِكٌ لِنِصابٍ فَاضِلٍ عن حَاجَتِه وقَضَاءِ دَيْنِه، فلَزِمَتْهُ زَكَاتُه، كما لو لم يَكُنْ عليه دَيْنٌ. فأما إن كان عندَه نِصابَان زَكَوِيَّانِ، وعليه دَيْنٌ مِن غيرِ جِنْسِهِما، ولا يُقْضَى من أحَدِهما، فإنَّك تَجْعَلُه فى مُقَابَلَةِ ما الحَظُّ لِلمَسَاكِينِ فى جَعْلِهِ فى مُقَابَلَتِه. فصل: فأمَّا دَيْنُ اللهِ تعالى، كالكَفَّارَةِ والنَّذْرِ، ففيه وَجْهَانِ؛ أحَدُهما، يَمْنَعُ الزكاةَ كدَيْنِ الآدَمِىِّ، لأَنَّه دَيْنٌ يَجِبُ قَضاؤُهُ، فهو كدَيْنِ الآدَمِىِّ. يَدُلُّ عليه قولُ النَّبِيِّ ﷺ : "دَيْنُ اللهِ أحَقُّ أنْ يُقْضَى" (٢٣). والآخَرُ: لا يَمْنَعُ؛ لأنَّ الزكاةَ آكَدُ منه لِتَعَلُّقِها بالعَيْنِ، فهو كأَرْشِ الجِنايَةِ، ويُفَارِقُ دَيْنَ الآدَمِىِّ، لِتأَكُّدِهِ، وتَوَجُّهِ المُطَالَبَةِ به. فإنْ نَذَر الصَّدَقَةَ بِمُعَيَّنٍ، فقال: للهِ علىَّ أنْ أَتَصَدَّقَ بهذه المائتَىْ دِرْهَمٍ إذا حالَ الحَوْلُ. فقال ابنُ عَقِيلٍ: يُخْرِجُها فى النَّذْرِ، ولا زَكاةَ عليه؛ لأنَّ النَّذْرَ آكَدُ لِتَعَلُّقِه بِالعَيْنِ، والزكاةُ مُخْتَلَفٌ فيها. ويَحْتَمِلُ أن تَلْزَمَهُ زَكَاتُها، وتُجْزِئُه الصَّدَقَةُ بها، إلَّا أَنَّه (٢٤) يَنْوِى الزكاةَ بِقَدْرِهَا، ويكونُ ذلك صَدقَةً مُجْزِئَةً (٢٥) عن الزكاةِ والنَّذْرِ (٢٦)؛ لِكَوْنِ الزكاةِ صَدَقَةً، وسَائِرُها يَكونُ صَدَقَةً لِنَذْرِهِ، وليس بزَكَاةٍ. وإن نَذَرَ الصَّدَقَةَ بِبَعْضِها، وكان ذلك البَعْضُ قَدْرَ الزكاةِ أو أَكَثْرَ، فعلى هذا الاحْتِمَالِ يُخْرِجُ المَنْذُورَ، ويَنْوِى الزكاةَ بِقَدْرِها منه. وعلى قَوْلِ ابنِ عَقِيلٍ، يحْتَمِلُ أن تَجِبَ الزكاةُ عليه؛ لأنَّ النَّذْرَ إنَّما تَعَلَّقَ بالبَعْضِ بعد وُجُودِ (٢٧) سَبَبِ

стр. 1915

الزَّكَاةِ وتَمَامِ شَرْطِه، فلا يَمْنَعُ الوُجُوبَ، لِكَوْنِ المَحلِّ مُتَّسِعًا لهما جميعا. وإن كان المَنْذُورُ أقَلَّ من قَدْرِ الزكاةِ، وَجَبَ قَدْرُ الزكاةِ، ودَخَلَ النَّذْرُ فيه، فى أحَدِ الوَجْهَيْنِ، وفى الآخَر يَجِبُ إخْرَاجُهما جميعا. فصل: إذا قُلْنَا: لا يَمْنَعُ الدَّيْنُ وُجُوبَ الزكاةِ فى الأَمْوَالِ الظَّاهِرَةِ. فحَجَرَ الحاكِمُ عليه بعد وُجُوبِ الزكاةِ، لم يَمْلِكْ إخْرَاجَها؛ لأنَّه قد انْقَطَعَ تَصَرُّفُه فى مالِهِ. وإنْ أقَرَّ بها بعد الحَجْرِ، لم يُقْبَلْ إقْرَارُه، وكانت عليه فى ذِمَّتِه كدَيْنِ الآدَمِىِّ. ويَحْتَمِلُ أن تَسْقُطَ إذا حُجِرَ عليه قبلَ إمْكانِ أدَائِها، كما لو تَلِفَ مالُهُ. فإن أقَرَّ الغُرَمَاءُ بِوُجُوبِ الزكاةِ عليه، أو ثَبَتَ بِبَيِّنَةٍ، أو كان قد أقَرَّ بها قبلَ الحَجْرِ عليه، وَجَبَ إخْرَاجُها من المالِ، فإن لم يُخْرِجُوها فعليهم إثْمُها. فصل: وإذا جَنَى العَبْدُ المُعَدُّ لِلتِّجارَةِ جِنَايَةً تَعَلَّقَ أرْشُها بِرَقَبَتِه، مَنَعَ وُجُوبَ الزكاةِ فيه، إنْ كان يَنْقُصُ النِّصابَ؛ لأنَّه دَيْنٌ. وإن لم يَنْقُص النِّصَابَ، مَنَعَ الزَّكَاةَ فى قَدْرِ ما يُقابِلُ الأرْشَ. ٤٦١ - مسألة؛ قال: (وَإذَا كَانَ لَهُ دَيْنٌ عَلَى مَلِىءٍ، فَلَيْسَ عَلَيْهِ زَكَاةٌ حَتَّى يَقْبِضَهُ. فَيُؤَدِّىَ (١) لِمَا مَضَى) وجُمْلَةُ ذلك أنَّ الدَّيْنَ على ضَرْبَيْنِ؛ أحدُهما، دَيْنٌ على مُعْتَرِفٍ به باذِلٍ له، فعلى صَاحِبِه زَكاتُه، إلَّا أَنَّه لا يَلْزَمُه إخْرَاجُها حتَّى يَقْبِضَهُ، فَيُؤَدِّىَ لما مَضَى، رُوِىَ ذلك عن عَلِيٍّ رَضِىَ اللهُ عنه. وبهذا قال الثَّوْرِىُّ، وأبو ثَوْرٍ (٢)، وأصْحابُ الرَّأْىِ. وقال عثمانُ، وابْنُ عمرَ، وجابِرٌ، رَضِىَ اللهُ عنهم، وطَاوُسٌ، والنَّخَعِىُّ، وجابِرُ بنُ زيدٍ، والحسنُ، ومَيْمُونُ بنُ مِهْرَانَ، والزُّهْرِىُّ، وقَتَادَةُ، وحَمَّادُ بنُ أبى سُليمانَ،

стр. 1916

والشَّافِعِىُّ، وإسحاقُ، وأبو عُبَيْدٍ؛ عليه إخْرَاجُ الزَّكَاةِ فى الحالِ، وإن لم يَقْبِضْهُ؛ لأنَّه قادِرٌ على أَخْذِهِ والتَّصَرُّفِ فيه، فلَزِمَهُ إخْرَاجُ زَكاتِه، كالوَدِيعَةِ. وقال عِكْرِمَةُ: ليس فى الدَّيْنِ زَكَاةٌ. وَرُوِىَ ذلك عن عائشةَ، وابنِ عمرَ، رَضِىَ اللهُ عنهم؛ لأنَّه غيرُ نَامٍ، فلم تَجِبْ زَكَاتُه، كعُرُوضِ (٣) القُنْيَةِ. ورُوِىَ عن سَعِيدِ بن المُسَيَّبِ، وعَطاءِ بن أبي رباحٍ، وعَطاءٍ الخُرَاسَانِىّ، وأبى الزِّنَادِ: يُزَكِّيه إذا قَبَضَهُ لِسَنَةٍ واحِدَةٍ. ولَنا، أنَّه دَيْنٌ ثابِتٌ فى الذِّمَّةِ، فلم يَلْزَمْهُ الإِخْرَاجُ قبلَ قَبْضِه، كما لو كان على مُعْسِرٍ، ولأنَّ الزكاة تَجِبُ على طَرِيقِ (٤) المُواسَاةِ، وليس من المُواسَاةِ أنْ يُخْرِجَ زَكَاةَ مالٍ لا يَنْتَفِعُ به. وأمَّا الوَدِيعَةُ، فهى بِمَنْزِلَةِ ما فى يَدِهِ؛ لأنَّ المُسْتَوْدَعَ نَائِبٌ عنه فى حِفْظِه، ويَدُه كيدِهِ، وإنَّما يُزَكِّيه لما مَضَى؛ لأنَّه مَمْلُوكٌ له يَقْدِرُ على الانْتِفَاعِ به، فلَزِمَتْهُ زَكاتُه، كسائِرِ أمْوَالِهِ. الضَّرْبُ الثانى، أن يكونَ على مُعْسِرٍ، أو جَاحِدٍ، أو مُمَاطِلٍ له (٥). فهذا هل تَجِبُ فيه الزكاةُ؟ على رِوايَتَيْنِ؛ إحْدَاهما، لا تَجِبُ، وهو قولُ قَتَادَةَ، وإسحاقَ، وأبي ثَوْرٍ، وأهْلِ العِرَاقِ؛ لأنَّه غيرُ مَقْدُورٍ على الانْتِفَاعِ به، أشْبَه مَالَ المُكاتَبِ. والرِّوَايةُ الثانيةُ، يُزَكِّيه إذا قَبَضَه لما مَضَى. وهو قولُ الثَّوْرِىِّ وأبى عُبَيْدٍ؛ لما رُوِىَ عن عَلِىٍّ، رَضِىَ اللهُ عنه، فى الدَّيْنِ المَظْنُونِ، قال: إنْ كان صَادِقًا، فَليُزَكِّهِ إذا قَبَضَه لما مَضَى. ورُوِىَ نحوُهُ عن ابنِ عَبَّاسٍ. رَوَاهُما أبو عُبَيْدٍ (٦). ولأنَّه مَمْلُوكٌ يجوزُ التَّصَرُّفُ فيه، فوَجَبَتْ زَكاتُه لما مَضَى، كالدَّيْنِ على المَلِىءِ. وللشَّافِعِىِّ قَوْلَانِ كالرِّوَايَتَيْنِ، وعن عمرَ بن عبدِالعزيزِ، والحسنِ، واللَّيْثِ، والَأوْزَاعِىِّ، ومالِكٍ: يُزَكِّيه إذا قَبَضَهُ لِعَامٍ

стр. 1917

واحِدٍ. ولَنا، أنَّ هذا المالَ فى جَمِيعِ الأعْوامِ (٧) على حالٍ واحِدٍ، فوَجَبَ أن يَتَسَاوَى فى وُجُوبِ الزكاةِ أو سُقُوطِها، كسائِرِ الأمْوَالِ، ولا فَرْقَ بين كَوْنِ الغَرِيمِ يَجْحَدُه فى الظَّاهِرِ دون الباطِنِ، أو فيهما. فصل: وظاهِرُ كلامِ أحمدَ، أَنَّه لا فَرْقَ بين الحالِّ والمُؤجَّلِ، لأنَّ البَرَاءةَ تَصِحُّ من المُؤَجَّلِ، ولولا أنَّه مَمْلُوكٌ لم تَصِحَّ البَرَاءةُ منه، لكن يكونُ فى حُكْمِ الدَّيْنِ على المُعْسِرِ، لأنَّه لا (٨) يُمْكِنُ قَبْضهُ فى الحالِ. فصل: ولو أجَّرَ دَارَهُ سَنَتَيْنِ بأَرْبَعِينَ دِينَارًا، مَلَكَ الأُجْرَةَ مِن حين العَقْدِ، وعليه زَكَاةُ جَمِيعِها إذا حال عليه (٩) الحَوْلُ؛ لأنَّ مِلْكَ المُكْرِى عليه تَامٌّ بِدَلِيلِ جَوَازِ التَّصَرُّفِ فيها بأنْوَاعِ التَّصَرُّفَاتِ. ولو كانت جَارِيَةً كان له وَطْؤُها، وكَوْنُها بعَرَضِ الرُّجُوعِ لِانْفِسَاخِ العَقْدِ، لا يَمْنَعُ وُجُوبَ الزكاةِ، كالصَّدَاقِ قبلَ الدُّخُولِ. ثمَّ إنْ كان قد قَبَضَ الأُجْرَةَ أخْرَجَ الزكاةَ منها، وإن كانت دَيْنًا فهى كالدَّيْنِ، مُعَجَّلًا كان أو مُؤَجَّلًا. وقال مالِكٌ، وأبو حنيفةَ: لا يُزَكِّيها حتَّى يَقْبِضَها، ويَحُولَ عليه حَوْلٌ (١٠)؛ بناءً على أن الأُجْرَةَ لا تُسْتَحَقُّ بالعَقْدِ، وإنَّما تُسْتَحَقُّ بانْقِضاءِ مُدَّة الإِجارَةِ. وهذا يُذْكَرُ فى مَوْضِعِه، إن شاءَ اللهُ تعالى. وعن أحمدَ، ﵀ رِوَايَةٌ أُخْرَى، فى مَن قَبَضَ من أَجْرِ عَقَارٍ نِصَابًا، يُزَكِّيه فى الحالِ. وقد ذَكَرْنَاهُ فى غيرِ هذا المَوْضِعِ، وحَمَلْناهُ على أنَّه حالَ عليه حَوْلٌ (١٠) قبلَ قَبْضِه. فصل: ولو اشْتَرَى شيئًا بِعِشْرِينَ دِينَارًا، أو أسْلَمَ نِصابًا فى شيْءٍ، فحالَ الحَوْلُ قبلَ أن يَقْبِضَ المُشْتَرِى المَبِيعَ، أو يَقْبِضَ المُسْلَمَ فيه والعَقْدُ باقٍ، فعلَى

стр. 1918

البائِعِ والمُسْلَمِ إليه زَكَاةُ الثَّمَنِ؛ لأنَّ مِلْكَهُ ثابِتٌ فيه، فإن انْفَسَخَ العَقْدُ لِتَلَفِ المَبِيعِ، أو تَعَذَّرَ المُسْلَمُ فيه، وَجَبَ رَدُّ الثَّمَنِ، وزَكَاتُه على البائِعِ. فصل: والغَنِيمَةُ يَمْلِكُ الغانِمُونَ أَرْبَعَةَ أخْمَاسِها بِانْقِضاءِ الحَرْبِ، فإن كانت جِنْسًا وَاحِدًا تَجِبُ فيه الزكاةُ، كالأثْمانِ والسَّائِمَةِ، ونَصِيبُ كُلِّ واحِدٍ منهم منها نِصابٌ، فعليه زَكَاتُه إذا انْقَضَى الحَوْلُ، ولا يَلْزَمُهُ إخْرَاجُ زَكَاتِه قبلَ قَبْضِه؛ لما ذَكَرْنَا فى الدَّيْنِ على المَلِىءِ. وإذا (١١) كان دُونَ النِّصَابِ، فلا زَكَاةَ فيه، إلَّا أن تكونَ سَائِمةً أَربَعَةُ أخْمَاسِها تَبْلُغُ النِّصَابَ، فتكون خُلْطَةً، ولا تُضَمُّ إلى الخُمْسِ، لأنَّه لا زَكاةَ فيه. فإن كانتِ الغَنِيمَةُ أجْنَاسًا، كإبِلٍ وبَقَرٍ وغَنَمٍ، فلا زَكاةَ على واحِدٍ منهم؛ لأنَّ لِلإِمامِ أن يَقْسِمَ بينهم قِسْمَةً بِحُكْمٍ، فَيُعْطِى كلَّ واحِدٍ منهم من أىِّ أصْنَافِ المالِ شاءَ، فما تَمَّ مِلْكُه على شىْءٍ مُعَيَّنٍ بخِلافِ المِيرَاثِ. ٤٦٢ - مسألة؛ قال: (وَإذَا غُصِبَ مَالًا، زَكَّاهُ إذَا قَبَضَهُ لِمَا مَضَى، فى إحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ عَنْ أبِى عَبْدِ اللهِ، والرِّوَايَة الأُخْرَى، قال: لَيْسَ هُوَ كالدَّيْنِ الَّذِى مَتَى قَبَضَهُ زَكَّاهُ، وأحَبُّ إلَىَّ أنْ يُزَكِّيَهُ) قَوْلُه: "إذا غُصِبَ مَالًا". أى إذا غُصِبَ الرَّجُلُ مالًا، فالمَفْعُولُ الأوَّلُ المَرْفُوعُ مُسْتَتِرٌ فى الفِعْلِ، والمالُ هو المَفْعُولُ الثانِى، فلذلك نَصَبَهُ (١)، وفى بعض النُّسَخِ: "وإذا غُصِبَ مالَه". وكِلَاهُما صَحِيحٌ، والحُكْمُ فى الْمَغْصُوبِ والمَسْرُوقِ والمَجْحُودِ والضَّالِّ وَاحِدٌ، وفى جَمِيعِه رِوايتَانِ؛ إِحْدَاهُما، لا زَكاةَ فيه. نَقَلَها الأَثْرَمُ، والمَيْمُونِىُّ. ومتى عَادَ صارَ كالمُسْتَفادِ، يَسْتَقْبِلُ به حَوْلًا. وبهذا قال أبو حنيفةَ، والشَّافِعِىُّ فى قَدِيمِ قَوْلَيْه، لأنَّه مالٌ خَرَجَ عن يَدِهِ وتَصَرُّفِه، وصَارَ مَمْنُوعًا منه، فلم يَلْزَمْهُ زَكَاتُه، كمالِ المُكاتَبِ. والثَّانية، عليه زَكَاتُه؛ لأنَّ

стр. 1919

مِلْكَهُ عليه تَامٌّ، فلَزِمَتْهُ زَكَاتُه، كما لو نُسِىَ عندَ مَن أَوْدَعَهُ، أو كما لو أُسِرَ، أو حُبِسَ، وحِيلَ بينه وبين مَالِه، وعلى كِلْتَا الرِّوَايَتَيْنِ لا يَلْزَمُه إخْرَاجُ زَكاتِه قبلَ قَبْضِهِ. وقال مالِكٌ: إذا قَبَضَه زَكَّاهُ لِحَوْلٍ واحِدٍ؛ لأنَّه كان فى ابْتِداءِ الحَوْلِ فى يَدِهِ، ثمَّ حَصَلَ بعدَ ذلك فى يَدِه، فوَجَبَ أن لا تَسْقُطَ الزكاةُ عن حَوْلٍ واحِدٍ. وليس هذا بصَحِيحٍ؛ لأنَّ المانِعَ من وُجُوبِ الزكاةِ إذا وُجِدَ فى بعضِ الحَوْلِ، يَمْنَعُ (٢)، كنَقْصِ النِّصابِ. فصل: وإن كان المَغْصُوبُ سائِمَةً، فكانتْ (٣) مَعْلُوفةً عندَ صَاحِبِها وغَاصِبِها، فلا زَكاةَ فيها؛ لِفُقْدَانِ الشَّرْطِ. وإن كانت سائِمَةً عِنْدَهُما ففيها الزكاةُ، على الرِّوَايةِ التى تقولُ بِوُجُوبِها فى المَغْصُوبِ. وإن كانت مَعْلُوفةً عندَ صَاحِبِها، سائِمَةً عند غَاصِبِهَا، ففيها وَجْهَانِ؛ أحَدُهما، لا زَكَاةَ عليه؛ لأنَّ صَاحِبَها لم يَرْضَ بإسَامَتِها، فلم تَجِبْ عليه الزكاةُ بِفِعْلِ الغَاصِبِ، كما لو رَعَتْ من غيرِ أن يُسِيمَها. والثانى، عليه الزكاةُ؛ لأنَّ السَّوْمَ يُوجِبُ الزكاةَ من المالِكِ، فأوْجَبَها من الغاصِبِ، كما لو كانتْ سَائِمَةً عِنْدَهما، وكما لو غَصَبَ بَذْرًا، فزَرَعَهُ، وَجَبَ العُشْرُ فيما خَرَجَ منه. وإن كانت سائِمَةً عندَ مالِكِها، مَعْلُوفَةً عند غَاصِبِهَا، فلا زَكاةَ فيها؛ لِفُقْدَانِ الشَّرْطِ. وقال القاضى: فيه وَجْهٌ آخَرُ، أنَّ الزكاةَ تَجِبُ فيها؛ لأنَّ العَلَفَ مُحَرَّمٌ، فلم يُوثِّرْ فى الزكاةِ، كما لو غَصَبَ أَثمَانًا فصَاغَها حَلْيًا، لم تَسْقُط الزَّكَاةُ عنها بصِيَاغَتِه. قال أبو الحسنِ الآمِدِىُّ: هذا هو الصَّحِيحُ؛ لأنَّ العَلَفَ إنَّما أَسْقَطَ الزكاةَ لما فيه من المُؤْنَةِ، وهاهُنا لا مُؤْنَةَ عليه. ولَنا، أنَّ السَّوْمَ شَرْطٌ لِوُجُوبِ الزكاةِ ولم يُوجَدْ، فلم تَجِب الزكاةُ، كنَقْصِ النِّصابِ والمِلْكِ. وقَوْلُه: إنَّ العَلَفَ مُحَرَّمٌ. غيرُ صَحِيحٍ، وإنَّما المُحَرَّمُ الغَصْبُ، وإنَّما العَلَفُ تَصَرُّفٌ منه فى مَالِه بإطْعَامِها إيَّاهُ، ولا تَحْرِيمَ فيه، ولهذا لو عَلَفَها عندَ

стр. 1920

مالِكِها، لم يُحَرَّمْ عليه. وما ذَكَرَهُ الآمِدِىُّ من خِفَّةِ المُؤْنَةِ غيرُ صَحِيحٍ، فإنَّ الخِفَّةَ لا تُعْتَبَرُ بِنَفْسِها، وإنَّما تُعْتَبَرُ بِمَظِنَّتِها، وهو (٤) السَّوْمُ، ثمَّ يَبْطُلُ ما ذَكَرَاهُ بما إذا كانتْ مَعْلُوفَةً عِنْدَهما جَميعًا، ويَبْطُلُ ما ذَكَرَهُ القاضى بما إذا عَلَفَها مَالِكُها عَلَفًا مُحَرَّمًا، أو أَتْلَفَ شَاةً من النِّصابِ، فإنَّه مُحَرَّمٌ، وتَسْقُطُ به الزكاةُ. وأمَّا إذا غَصَبَ ذَهَبًا فصَاغَه حَلْيًا، فلا يُشْبِه ما اخْتَلَفْنَا فيه، فإنَّ العَلَفَ فَاتَ به شَرْطُ الوُجُوبِ، والصِّيَاغَةُ لم يَفُتْ بها شىءٌ، وإنَّما اخْتُلِفَ فى كَوْنِها مُسْقِطَةً بِشَرْطِ كَوْنِها مُبَاحَةً، فإذا كانت مُحَرَّمَةً لم يُوجَدْ شَرْطُ الإِسْقَاطِ، ولأنَّ المالِكَ لو عَلَفَها عَلَفًا مُحَرَّمًا لَسَقَطَتِ الزكاةُ، ولو صَاغَها صِيَاغَةً مُحَرَّمةً، لم تَسْقُطْ، فَافْتَرَقَا، ولو غَصَبَ حَلْيًا مُبَاحًا، فكَسَرَهُ، أو ضَرَبَهُ دَرَاهِمَ، أو دَنَانِيرَ، وَجَبَتْ فيه الزكاةُ؛ لأنَّ المُسْقِطَ لِلزكاةِ زَالَ. فوَجَبَتِ الزكاةُ. ويَحْتَمِلُ أنْ لا تَجِبَ، كما لو غَصَبَ مَعْلُوفَةً فأسَامَها. ولو غَصَبَ عُرُوضًا، فاتَّجَرَ فيها، لم تَجِبْ فيها الزكاةُ؛ لأنَّ نِيَّةَ التِّجارَةِ شَرْطٌ، ولم تُوجَدْ من المالِكِ، وسَوَاءٌ كانتْ للتِّجَارَةِ عند مالِكِها، أو لم تَكُنْ، لأنَّ بَقَاءَ النِّيَّةِ شَرْطٌ، ولم يَنْوِ التِّجارَةَ بها عند الغاصِبِ. ويَحْتَمِلُ أن تَجِبَ فيها (٥) الزكاةُ إذا كانت لِلتِّجَارَةِ عندَ مَالِكِها، واسْتَدَامَ النِّيةَ؛ لأنَّها لم تَخْرُجْ عن مِلْكِه بِغَصْبِها، وإن نَوَى بها الغاصِبُ القُنْيَةَ. وكلُّ مَوْضِعٍ أوْجَبْنا الزكاةَ، فعلَى الغاصِبِ ضَمَانُها؛ لأنَّه نَقْصٌ حَصَلَ فى يَدِه، فوَجَبَ عليه ضَمَانُه، كتَلَفِهِ. فصل: إذا ضَلَّتْ واحِدَةٌ من النِّصابِ، أو أكْثَرُ، أو غُصِبَتْ، فنَقَصَ النِّصابُ، فالحُكْمُ فيه كما لو ضَلَّ جَمِيعُه أو غُصِبَ. لكنْ إن قُلْنَا بِوُجُوبِ الزَّكَاةِ، فعليه الإِخْرَاجُ عن المَوْجُودِ عندَه. وإذا رَجَعَ الضَّالُّ أو المَغْصُوبُ، أخْرَجَ عنه، كما لو رَجَعَ جَمِيعُه.

стр. 1921

فصل: وإن أُسِرَ المالِكُ لم تَسْقُطْ عنه الزكاةُ، سَوَاءٌ حِيلَ بينه وبين مَالِه، أو لم يُحَلْ؛ لأنَّ تَصَرُّفَه في مَالِه نَافِذٌ، يَصِحُّ بَيْعُه، وهِبَتُه، وتَوْكِيلُه فيه. فصل: وإن ارْتَدَّ قبلَ مُضِيِّ الحَوْلِ، وحالَ الحَوْلُ وهو مُرْتَدٌّ، فلا زكاةَ عليه. نَصَّ عليه. لأنَّ الإسلامَ شَرْطٌ لِوُجُوبِ الزكاةِ، فعَدَمُه في بعضِ الحَوْلِ يُسْقِطُ الزكاةَ، كالمِلْكِ والنِّصابِ. وإن رَجَعَ إلى الإسلامِ قبلَ مُضِيِّ الحَوْلِ، اسْتَأْنَفَ حَوْلًا؛ لما ذَكَرْنَا. قال أحمدُ: إذا أسْلَمَ المُرْتَدُّ، وقد حالَ على مالِهِ الحَوْلُ، فإنَّ المالَ له، ولا يُزَكِّيه حتى يَسْتَأْنِفَ به الحَوْلَ؛ لأنَّه كان ممْنُوعًا منه، فأمَّا إن ارْتَدَّ بعد الحَوْلِ، لم تَسْقُط الزكاةُ عنه. وبهذا قال الشَّافِعِيُّ، وقال أبو حنيفةَ: تَسْقُطُ؛ لأنَّ من شَرْطِها النِّيَّةَ، فسَقَطَتْ بالرِّدَّةِ، كالصلاةِ. ولَنا، أنَّه حَقُّ مالٍ، فلا يَسْقُطُ بالرِّدَّةِ كالدَّيْنِ، وأمَّا الصلاةُ فلا تَسْقُطُ أيضا، لكن لا يُطَالَبُ بِفِعْلِها، لأنَّها لا تَصِحُّ منه، ولا تَدْخُلُها النِّيَابَةُ، فإذا عَادَ وَجَبَتْ عليه، والزكاةُ تَدْخُلُها النِّيَابَةُ، [ولا تَسْقُطُ بالرِّدَّةِ كالدَّيْنِ] (٦)، ويَأْخُذُها الإمامُ من المُمْتَنِعِ، وكذا هاهُنا يَأْخُذُها الإمامُ من مَالِه، كما يَأْخُذُها من المُسْلِمِ المُمْتَنِعِ. فإن أَسْلَمَ بعد أخْذِها، لم يَلْزَمْهُ أداؤُها (٧)؛ لأنَّها سَقَطَتْ عنه بأخْذِها، كما تَسْقُطُ بأَخْذِها من المُسْلِمِ المُمْتَنِعِ. ويَحْتَمِلُ أنْ لا تَسْقُطَ؛ لأنَّ الزكاةَ عِبَادَةٌ، فلا تَحْصُلُ مِن غيرِ نِيَّةٍ. وأصْلُ هذا ما لو أخَذَها الإمامُ من المُسْلِمِ المُمْتَنِعِ، وقد ذُكِرَ في غيرِ هذا. وإن أخَذَها غيرُ الإمَامِ، أو نَائِبُه، لم تَسْقُطْ عنه؛ لأنَّه لا وِلَايَةَ له عليه، فلا يَقُومُ مقَامَهُ بخِلافِ نَائِبِ الإمامِ. وإن أدَّاهَا في حالِ رِدَّتِه، لم تُجْزِهِ؛ لأنَّه كافِرٌ، فلا تَصِحُّ منه كالصلاةِ.

стр. 1922

٤٦٣ - مسألة؛ قال: (واللُّقَطَةُ إذَا صَارَتْ بَعْدَ الحَوْلِ كسَائِرِ مالِ المُلْتَقِطِ، اسْتَقْبَلَ بها حَوْلًا، ثم زَكَّاهَا، فإنْ جَاءَ رَبُّهَا زَكَّاهَا لِلْحَوْلِ الَّذِى كَانَ المُلْتَقِطُ مَمْنُوعًا مِنْهَا) ظاهِرُ المذهبِ أنَّ اللُّقَطَةَ تُمْلَكُ بمُضِيِّ حَوْلِ التَّعْرِيفِ، واخْتارَ أبو الخَطَّابِ أنَّه لا يَمْلِكُها حتى يخْتار. وهو مذهبُ الشَّافِعِيِّ، ويُذْكَرُ في مَوْضِعِه إن شاءَ اللهُ تعالى. ومتى مَلَكَها اسْتَأْنَفَ حَوْلًا، فإذا مَضَى وَجَبَتْ عليه زَكَاتُها. وحَكَى القاضي في مَوْضِعٍ، أنَّه إذا مَلَكَها وَجَبَ عليه مِثْلُها إنْ كانت مِثْلِيَّةً، أو قِيمَتُها إن لم تكُنْ مِثْلِيَّةً. وهذا مذهبُ الشَّافِعِيِّ. ويُذْكَرُ في مَوْضِعِهِ إن شاءَ اللهُ تعالى. ومُقْتَضَى هذا أنْ لا تَجِبَ عليه زَكَاتُها؛ لأنَّه دَيْنٌ، فمَنَعَ الزكاةَ، كسَائِرِ الدُّيُونِ. وقال ابنُ عَقِيلٍ: يَحْتَمِلُ أنْ لا تَجِبَ الزكاةُ فيها لِمَعْنًى آخَرَ، وهو أنَّ مِلْكَهُ غيرُ مُستَقِرٍّ عليها، ولِصَاحِبِها أَخْذُها منه متي وَجَدَها. والمذهبُ ما ذَكَرَهُ الخِرَقِيُّ، وما ذَكَرَهُ القاضي يُفْضِي إلى ثُبُوتِ مُعَاوَضَةٍ في حَقِّ مَنْ لا وِلَايَةَ عليه، بغيرِ فِعْلِه، ولا اخْتِيَارِه، ويَقْتَضِي ذلك أن يَمْنَعَ الدَّيْنُ الذى عليه المِيرَاثَ والوَصِيَّةَ، كسائِرِ الدُّيُونِ، والأمْر بخِلَافِهِ. وما ذَكَرَهُ ابنُ عَقِيلٍ: يَبْطُلُ بما وَهَبَهُ الأبُ لِوَلَدِهِ، وبنصفِ الصَّداقِ، فإنَّ لهما اسْتِرْجَاعَه، ولا يَمْنَعُ وُجُوبَ الزكاةِ، فأمَّا رَبُّها إذا جاء فأخَذَها، فذَكَرَ الخِرَقِيُّ أنَّه يُزَكِّيها لِلْحَوْلِ الذى كان المُلْتَقِطُ مَمْنُوعًا منها، وهو حَوْلُ التَّعْرِيفِ، وقد ذَكَرْنا في الضَّالِّ رِوَايَتَيْنِ وهذا من جُمْلَتِه. وعلى مُقْتَضَى قَوْلِ الخِرَقِيِّ أنَّ المُلْتَقِطَ لو لم يَمْلِكْها مثلُ مَن لم يُعَرِّفْها، فإنَّه لا زَكَاةَ على مُلْتَقِطِها، وإذا جاء رَبُّها زَكَّاها لِلزَّمانِ كُلِّه، وإنَّما تَجِبُ عليه زَكَاتُها إذا (١) كانت مَاشِيَةً بِشَرْطِ [أن تكونَ] (٢) سائِمَةً عند المُلْتَقِطِ، فإنْ عَلَفَها فلا زَكَاةَ عليه، على ما

стр. 1923

ذَكَرْنا في المَغْصُوبِ. ٤٦٤ - مسألة؛ قال: (والْمَرْأةُ إذَا قَبَضَتْ صَدَاقَها زكَّتْهُ لِمَا مَضَى) وجُمْلَةُ ذلك، أنَّ الصَّدَاقَ في الذِّمَّةِ دَيْنٌ للمَرْأةِ، حُكْمُه حُكْمُ الدُّيُونِ، على ما مَضَى، إن كان على مَلِيءٍ به فالزكاةُ وَاجِبَةٌ فيه، إذا قَبَضَتْه أَدَّتْ لما مَضَى، وإن كان على مُعْسِرٍ أو جَاحِدٍ فعلَى الرِّوَايَتَيْنِ. واخْتَارَ الخِرَقِيُّ وُجُوبَ الزكاةِ فيه، ولا فَرْقَ بين ما قَبْلَ الدُّخُولِ أو بَعْدَه؛ لأنَّه دَيْنٌ في الذِّمَّةِ، فهو كثَمَنِ مَبِيعِها، فإن سَقَطَ نِصْفُه بِطَلَاقِها قبل الدُّخُولِ، وأخَذَتِ النِّصْفَ، فعليها زَكَاةُ ما قَبَضَتْه، دُونَ ما لم تَقْبِضْهُ؛ لأنَّه دَيْنٌ لم تَتَعَوَّضْ عنه، ولم تَقْبِضْهُ، فأشْبَهَ ما تَعَذَّرَ قَبْضُه لِفَلَسٍ أو جَحْدٍ. وكَذَلِكَ لو سَقَطَ [الصَّدَاقُ كلُّه] (١) قبلَ قَبْضِه، لِانْفِسَاخِ النِّكَاحِ بأمْرٍ من جِهَتِها، فليس عليها زَكَاتُه (٢) لما ذَكَرْنَا. وكذلك القَوْلُ في كُلِّ دَيْنٍ يَسْقُطُ قبلَ قَبْضِه مِن غيرِ إسْقَاطِ صَاحِبِه، أو أَيِسَ (٣) صَاحِبُه من اسْتِيفائِه. والمالُ الضَّالّ، إذا يَئِسَ منه، فلا زَكَاةَ على صَاحِبِه، فإنَّ الزكاةَ مُوَاسَاةٌ، فلا تلْزَمُه (٤) المُوَاسَاةُ إلَّا فيما (٥) حَصَلَ له. وإن كان الصَّدَاقُ نِصَابًا، فحالَ عليه الحَوْلُ، ثم سَقَطَ نِصْفُه، وقَبَضَتِ النِّصْفَ، فعليها زكاةُ النِّصْفِ المَقْبُوضِ؛ لأنَّ الزكاةَ وَجَبَتْ فيه، ثم سَقَطَتْ من نِصْفِه لِمَعْنًى اخْتَصَّ به، فاخْتَصَّ السُّقُوطُ به. وإن مَضَى عليه حَوْلٌ قبلَ قَبْضِه، ثم قَبَضَتْه كُلَّه، زكَّتْهُ لذلك الحَوْلِ. وإن مَضَتْ عليه أحْوَالٌ قبلَ قَبْضِه، ثم قَبَضَتْه، زَكَّتْهُ لما مَضَى كلِّه، ما لم يَنْقُصْ عن النِّصَابِ. وقال أبو حنيفةَ: لا تَجِبُ عليها الزكاةُ ما لم تَقبِضْه؛ لأنَّه بَدَلٌ عمَّا ليس

стр. 1924

بمالٍ، فلا تَجِبُ الزكاةُ فيه قبلَ قَبْضِه، كدَيْنِ الكِتَابَةِ. ولَنا، أنَّه دَيْنٌ يُسْتَحَقُّ قَبْضُه، ويُجْبَرُ المَدِينُ على أدَائِه، فوَجَبَتْ فيه الزكاةُ، كثَمَنِ المَبِيعِ. ويُفارِقُ دَيْنَ الكِتَابَةِ، فإنَّه لا يُسْتَحَقُّ قَبْضُه، ولِلْمُكاتَبِ الامْتِناعُ من أدَائِه، ولا يَصِحُّ قِيَاسُهم عليه، فإنه عِوَضٌ عن مالٍ. فصل: فإنْ قَبَضَتْ صَدَاقَها قبل الدُّخُولِ، ومَضَى عليه حَوْلٌ، فَزَكَّتْه، ثم طَلَّقَها الزَّوْجُ قبلَ الدُّخُولِ، رَجَع عليها (٦) بِنِصْفِه، وكانتِ الزكاةُ من النِّصْفِ الباقِى لها. وقال الشَّافِعِيُّ في أحَدِ أقْوَالِه: يَرْجِعُ الزَّوْجُ بِنِصْفِ المَوْجُودِ ونِصْفِ قِيمَةِ المُخْرَجِ؛ لأنَّه لو تَلِفَ الكُلُّ رَجَعَ عليها بِنِصْفِ قِيمَتِه، فكذلك إذا تَلِفَ البَعْضُ. ولَنا، قولُ اللهِ تعالى: ﴿فَنِصْفُ مَا فَرَضْتُمْ﴾ (٧). ولأنَّه يُمْكِنُه الرُّجُوعُ في العَيْنِ، فلم يَكُنْ له الرُّجُوعُ إلى القِيمَةِ، كما لو لم يَتْلَفْ منه شىءٌ. ويُخَرَّجُ على هذا ما لو تَلِفَ كُلُّهُ، فإنَّه ما أمْكنَه الرُّجُوعُ في العَيْنِ. وإن طَلَّقَها بعدَ الحَوْلِ وقبلَ الإخْرَاجِ، لم يَكُنْ لها (٨) الإخْراجُ من النِّصابِ، لأنَّ حَقَّ الزَّوْجِ تَعَلَّقَ به على وَجْهِ الشَّرِكَةِ، والزكاةُ لم تَتَعَلَّقْ به على وَجْهِ الشَّرِكَةِ، لكن تُخْرِجُ الزَّكَاةَ من غيرِه، أو يَقْتَسِمانِه (٩)، ثم تُخْرِجُ الزكاةَ من حِصَّتِها. فإنْ طَلَّقَها قبلَ الحَوْلِ مَلَكَ النِّصْفَ مُشَاعًا، وكان حُكْمُ ذلك كما لو بَاعَ نِصْفَه قبلَ الحَوْلِ مُشَاعًا، وقد بَيَّنَّا حُكْمَهُ. فصل: فإنْ كان الصَّدَاقُ دَيْنًّا، فأبْرَأَتِ الزَّوْجَ منه بعدَ مُضِيِّ الحَوْلِ، ففيه رِوايَتَانِ؛ إحْدَاهُما، عليها الزكاةُ؛ لأنَّها تَصَرَّفَتْ فيه، فأشْبَهَ ما لو قَبَضَتْهُ. والرِّوَايَةُ الثانيةُ، زَكَاتُه على الزَّوْجِ؛ لأنَّه مَلَكَ ما مُلِّكَ عليه، فكأنَّه لم يَزُلْ مِلْكُه

стр. 1925

عنه. والأوَّلُ أَصَحُّ، وما ذَكَرْنا لهذه الرِّوَايَةِ لا يَصِحُّ؛ فإنَّ (١٠) الزَّوْجَ لم يَمْلِكْ شَيْئًا، وإنَّما سَقَطَ الدَّيْنُ عنه، ثم لو مَلَكَ في الحالِ لم يَقْتَضِ هذا وُجُوبَ زَكاةِ ما مَضَى. ويَحْتَمِلُ أنْ لا تَجِبَ الزكاةُ على واحِدٍ منهما؛ لما ذَكَرْنَا في الزَّوْجِ، والمَرْأةُ لم تَقْبِض الدَّيْنَ، فلم تَلْزَمْها زَكَاتُه، كما لو سَقَطَ بغيرِ إسْقَاطِها، وهذا إذا كان الدَّيْنُ مما تَجِبُ فيه الزكاةُ إذا قَبَضَتْه (١١)، فأمَّا إنْ كان ممَّا لا زَكاةَ فيه، فلاْ زَكاةَ عليها بحالٍ. وكلُّ دَيْنٍ على إنْسانٍ أبْرَأهُ صَاحِبُه منه بعد مُضِيِّ الحَوْلِ عليه، فحُكْمُه حُكْمُ الصَّداقِ فيما ذَكَرْنا. قال أحمدُ: إذا وَهَبَتِ المَرْأةُ مَهْرَهَا لِزَوْجِها، وقد مَضَى له عَشْرُ سِنِينَ، فإنَّ الزَّكاةَ (١٢) على المَرْأةِ؛ لأنَّ المالَ كان لها. وإذا وَهَبَ رَجُلٌ لِرَجُلٍ مالًا، فحالَ الحَوْلُ، ثم ارْتَجَعَهُ الواهِبُ، فليس له أن يَرْتَجِعَهُ، فإن ارْتَجَعَهُ فالزكاةُ على الذى كان عندَه. وقال في رَجُلٍ باعَ شَرِيكَهُ نَصِيبَهُ من دَارِه، فلم يُعْطِه شَيْئًا، فلمَّا كان بعدَ سَنَةٍ، قال: ليس عِنْدِى دَرَاهِمُ فأقِلْنِى، فأقَالَهُ، قال: عليه أن يُزَكِّىَ؛ لأنَّه قد مَلَكَهُ حَوْلًا. ٤٦٥ - مسألة؛ قال: (والْمَاشِيَةُ إذَا بِيعَتْ بالخِيَارِ، فَلَمْ يَنْقَضِ الخِيَارُ حَتَّى رُدَّتْ، اسْتَقْبَلَ بِهَا الْبائِعُ حَوْلًا، سَوَاءٌ كَانَ الْخِيَارُ لِلبائِعِ أو لِلْمُشْتَرِي؛ لأنَّهُ تَجْدِيدُ مِلْكٍ) ظاهِرُ المذهبِ، أنَّ البَيْعَ بِشَرْطِ الخِيَارِ يَنْقُلُ المِلْكَ إلى المُشْتَرِي عَقِيبَهُ، ولا يَقِفُ على انْقِضَاءِ الخِيارِ، سَوَاءٌ كان الخِيَارُ لهما أو لأحَدِهما. وعن أحمدَ، أنَّه لا يَنْتَقِلُ حتى يَنْقَضِىَ الخِيَارُ. وهو قولُ مالِكٍ. وقال أبو حنيفةَ: لا يَنْتَقِلُ إنْ كان لِلْبائِعِ، وإن كان لِلْمُشْتَرِي خَرَجَ عن البائِعِ، ولم يَدْخُلْ في مِلْكِ المُشْتَرِي. وعن الشَّافِعِيِّ ثلاثةُ أقْوَالٍ، قَوْلَانِ كالرِّوَايَتَيْنِ، وقولٌ ثالِثٌ، وهو (١) أنَّه مُرَاعًى، فإنْ

стр. 1926

فَسَخَاهُ تَبَيَّنَّا أنَّه لم يَنْتَقِلْ، وإن أمْضَيَاهُ تَبَيَّنَّا أنَّه انتقَلَ. ولَنا، أنَّه بَيْعٌ صَحِيحٌ فنُقِلَ المِلْكُ عَقِيبَهُ، كما لو لم يُشْتَرَط الخِيَارُ. وإن كان المالُ زَكَائِيًّا انْقَطَعَ الحَوْلُ بِبَيْعِه، لِزَوَالِ مِلْكِه عنه، فإن اسْتَرَدَّهُ أو رُدَّ عليه اسْتَأْنَفَ حَوْلًا؛ لأنَّه مِلْكٌ مُتَجَدِّدٌ حَدَثَ بعد زَوَالِه، فوَجَبَ أن يَسْتَأْنِفَ له حَوْلًا، كما لو كان البَيْعُ مُطْلَقًا مِن غير خِيَارٍ. وهكذا الحُكْمُ لو فَسَخَا البَيْعَ في مُدَّةِ المَجْلِسِ بخِيَارِه؛ لأنَّه (٢) لا يَمْنَعُ نَقْلَ المِلْكِ أيضا، فهو كخِيارِ الشَّرْطِ. ولو مَضَى الحَوْلُ في مُدَّةِ الخِيَارِ، ثم فَسَخَا البَيْعَ، كانت زَكَاتُه على المُشْتَرِي؛ لأنَّه مِلْكُه. وإن قُلْنَا بالرِّوَايَةِ الأُخْرَى، لم يَنْقَطِع الحَوْلُ بِبَيْعِه؛ [لأنَّ مِلْكَ البائِعِ لم] (٣) يَزُلْ عنه. ولو حالَ الحَوْلُ عليه في مُدَّةِ الخِيَارِ، كانت زَكَاتُه على البائِعِ، فإنْ أخْرَجَها من غيرِه، فالبَيْعُ بِحَالِه، وإن أخْرَجَها منه بَطَلَ البَيْعُ في المُخْرَجِ، وهل يَبْطُلُ في الباقِى؟ على وَجْهَيْنِ، بناءً على تَفْرِيقِ الصَّفْقَةِ. وإن لم يُخْرِجْها حتى سَلَّمَهُ إلى المُشْتَرِي، وانْقَضَتْ مُدَّةُ الخِيَارِ، لَزِمَ البَيْعُ فيه، وكان عليه الإخْراجُ من غيرِه، كما لو باعَ ما وَجَبَتِ الزكاةُ فيه. ولو اشْتَرَى عَبْدًا، فهَلَّ هِلَالُ شَوَّال، ففِطْرَتُه على المُشْتَرِي، وإن كان في مُدَّةِ الخِيارِ؛ لأنَّه مِلْكُه، وعلى الرِّوَايَةِ الأُخْرَى، هى على البائِعِ، إن كان في مُدَّةِ الخِيَارِ؛ [لأنَّه مِلْكُه، ولأنَّه في مُدَّةِ الخِيارِ] (٤).

стр. 1927

بابُ زكاةِ (٥) الفِطْرِ قال ابنُ المُنْذِرِ: أجْمَعَ [كُلُّ مَن نَحْفَظُ عنه من] (٦) أهْلِ العِلْمِ، على أنَّ صَدَقَةَ الفِطْرِ فَرْضٌ. وقال إسحاقُ: هو كالإجْمَاعِ من أهْلِ العِلْمِ. وزَعَمَ ابنُ عَبْدِ البَرِّ أنَّ بعضَ المتَأخِّرِينَ من أصْحابِ مالِكٍ ودَاوُد، يقولونَ: هى سُنَّةٌ مُوكَّدَةٌ. وسائِرُ العُلَماءِ على أنَّها وَاجِبَةٌ؛ لما رَوَى ابنُ عمرَ، أنَّ رسولَ اللهِ ﷺ فَرَضَ زَكَاةَ الفِطْرِ من رمضانَ على الناسِ، صَاعًا من تَمْرٍ (٧)، أو صَاعًا من شَعِيرٍ، علَى كلِّ حُرٍّ وعَبْدٍ، ذَكَرٍ وأُنْثَى من المُسْلِمِينَ. مُتَّفَقٌ عليه (٨). ولِلْبُخَارِيِّ: والصَّغِيرِ والكَبِيرِ من المُسْلِمِينَ. وعنه، أنَّ رسولَ اللهِ ﷺ أمَرَ بِزَكَاةِ الفِطْرِ أنَّ تُؤَدَّى قبل خُرُوجِ

стр. 1928

الناسِ إلى الصَّلَاةِ. وعن أبي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ (٩) قال: كنا نُخْرِجُ زَكَاةَ الفِطْرِ صَاعًا من طَعَامٍ، أو صَاعًا من شَعِيرٍ، أو صَاعًا من تَمْرٍ، أو صَاعًا من أُقِطٍ (١٠)، أو صَاعًا من زَبِيبٍ. مُتَّفَقٌ عليهما (١١). قال سَعِيدُ بن المُسَيَّبِ، وعمرُ بن عبدِ العزِيزِ قى قَوْلِه تعالى: ﴿قَدْ أَفْلَحَ مَنْ تَزَكَّى﴾ (١٢): هو زَكَاةُ الفِطْرِ. وأُضِيفَتْ هذه الزَّكَاةُ إلى الفِطْرِ؛ لأنَّها تَجِبُ بالفِطْرِ من رمضانَ. قال ابنُ قُتَيْبَةَ (١٣): وقِيلَ لها فِطْرَةٌ؛ لأنَّ الفِطْرَةَ الخِلْقَةُ، قال اللهُ تعالى: ﴿فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ

стр. 1929

عَلَيْهَا﴾ (١٤). أى جِبِلَّتَه التى جَبَلَ النَّاسَ عليها، وهذه يُرَادُ بها الصَّدَقَةُ عن البَدَنِ والنَّفْسِ، كما كانت الأولى صَدَقَةً عن المالِ. وقال بعضُ أصْحابِنَا: وهل تُسَمَّى فَرْضًا مع القولِ بِوُجُوبِها؟ على رِوَايَتَيْنِ. والصَّحِيحُ أنَّها فَرْضٌ؛ لِقَوْلِ ابنِ عمرَ: فَرَضَ رسولُ اللهِ ﷺ زَكَاةَ الفِطْرِ. ولإجْماعِ العُلَماءِ على أَنَّها فَرْضٌ، ولأنَّ الفَرْضَ إن كان الوَاجِبَ فهى وَاجِبَةٌ، وإن كان الوَاجِبَ المُتَأكِّدَ فهى مُتَأكِّدَةٌ مُجْمَعٌ عليها. ٤٦٦ - مسألة؛ قال: (وزكَاةُ الْفِطْرِ عَلَى كُلِّ حُرٍّ وعَبْدٍ، ذَكَرٍ وأُنْثَى، من المُسْلِمِينَ) وجُمْلَتُه أنَّ زَكَاةَ الفِطْرِ تَجِبُ عَلَى كُلِّ مُسْلِمٍ، مع [الصِّغَرِ والْكِبَرِ] (١)، والذّكُورِيَّةِ والأُنُوثِيَّةِ، في قولِ أهْلِ العِلْمِ عامَّةً، وتَجِبُ على اليَتِيمِ، ويُخْرِجُ عنه وَلِيُّهُ من مالِهِ، لا نَعْلَمُ أحَدًا خَالَفَ في هذا، إلَّا محمد بن الحسنِ، قال: ليس في مالِ الصَّغِيرِ [من المُسْلِمِينَ] (٢) صَدَقَةٌ. وقال الحسنُ، والشَّعْبِيُّ: صَدَقَةُ الفِطْرِ علَى مَن صامَ من الأحْرَارِ، وعلى الرَّقِيقِ. وعُمُومُ قَوْلِه فَرَضَ رسولُ اللهِ ﷺ زَكَاةَ الفِطْرِ على كُلِّ حُرٍّ وعَبْدٍ، والذَّكَرِ والأُنْثَى، والصَّغِيرِ والكَبِيرِ، من المُسْلِمِينَ، يَقْتَضِي وُجُوبَها على اليَتِيمِ، ولأنَّه مُسْلِمٌ فوَجَبَتْ فِطرتُه كما لو كان له أبٌ. فصل: ولا تَجِبُ على كافِرٍ حُرًّا كان أو عَبْدًا. ولا نَعْلَمُ بينهم خِلافًا في الحُرِّ البالغِ. وقال إمامُنا، ومَالِكٌ، والشَّافِعِيُّ، وأبو ثَوْرٍ: لا تَجِبُ على العَبْدِ أيضا، ولا على الصَّغِيرِ. ويُرْوَى عن عمرَ بن عبدِ العزيزِ، وعَطاءٍ، ومُجاهِدٍ، وسَعِيدِ بن

стр. 1930

جُبَيْرٍ، والنَّخَعِىِّ، والثَّوْرِىِّ، وإسحاقَ (٣)، وأصْحابِ الرَّأْىِ، أنَّ على السَّيِّدِ المُسْلِمِ أن يُخْرِجَ الفِطْرَةَ عن عَبْدِهِ الذِّمِّيِّ. وقال أبو حنيفةَ: يُخْرِجُ عن ابْنِهِ الصَّغِيرِ إذا ارْتَدَّ. ورُوِىَ أنَّ النَّبِيَّ ﷺ قال: "أَدُّوا عَنْ كُلِّ حُرٍّ وعَبْدٍ، صَغِيرٍ أو كَبِيرٍ، يَهُودِيٍّ أو نَصْرَانِيٍّ، أو مَجُوسِيٍّ، نِصْفَ صَاعٍ مِنْ بُرٍّ" (٤). ولأنَّ كلَّ زَكَاةٍ وَجَبَتْ بِسَبَبِ عَبْدِه المُسْلِمِ، وَجَبَتْ بِسَبَبِ عَبْدِه الكَافِرِ، كزكَاةِ التِّجارَةِ. ولَنا، قولُ النَّبِيِّ ﷺ في حَدِيثِ ابنِ عمرَ: "مِنَ المُسْلِمِينَ" (٥). ورَوَى أبو دَاوُدَ (٦)، عن ابنِ عَبَّاسٍ، قال: فَرَضَ رسولُ اللهِ ﷺ زَكَاةَ الفِطْرِ طُهْرَةً لِلصَّائِمِ من اللَّغْوِ والرَّفَثِ، وطُعْمَةً لِلْمَسَاكِينِ، مَنْ أدَّاهَا قبلَ الصَّلَاةِ، فهى زَكَاةٌ مَقْبُولَةٌ، ومَن أدَّاهَا بعدَ الصَّلَاةِ، فهى صَدَقَةٌ من الصَّدَقَاتِ. إسْنَادُهُ حَسَنٌ (٧). وحَدِيثُهم لا نَعْرِفُه، ولم يَذْكُرْهُ أصْحابُ الدَّواوِينِ وجَامِعُو السُّنَنِ. وهذا قولُ ابنِ عَبَّاسٍ يُخالِفُه، وهو رَاوِى حَدِيثِهم. وزَكَاةُ التِّجَارَةِ تَجِبُ عن القِيمَةِ، ولذلك تَجِبُ في سَائِرِ الحَيَواناتِ وسائِرِ الأمْوالِ، وهذه طُهْرَةٌ لِلْبَدَنِ، ولهذا اخْتُصَّ بها الآدَمِيُّونَ، بخِلافِ زَكَاةِ التِّجَارَةِ. فصل: فإنْ كان لِكافِرٍ عَبْدٌ مُسْلِمٌ، وهَلَّ هِلَالُ شَوَّال وهو في مِلْكِه، فَحُكِىَ عن أحمدَ أنَّ على الكافِرِ إخْراجَ صَدَقَة الفِطْرِ عنه. واخْتارَهُ القاضي. وقال ابنُ عَقِيلٍ: يَحْتَمِلُ أن لا تَجِبَ. وهو (٨) قولُ أكْثَرِهم. قال ابنُ المُنْذِرِ: أجْمَعَ كُلُّ
следующие страницы →