← Фикх ханбали

Фикх ханбали · id 6910

المغني لابن قدامة - ت التركي

ابن قدامة

Полный текст (7 955 стр.). Показаны 1926–1965 · переход к 1931.

стр. 1926

فَسَخَاهُ تَبَيَّنَّا أنَّه لم يَنْتَقِلْ، وإن أمْضَيَاهُ تَبَيَّنَّا أنَّه انتقَلَ. ولَنا، أنَّه بَيْعٌ صَحِيحٌ فنُقِلَ المِلْكُ عَقِيبَهُ، كما لو لم يُشْتَرَط الخِيَارُ. وإن كان المالُ زَكَائِيًّا انْقَطَعَ الحَوْلُ بِبَيْعِه، لِزَوَالِ مِلْكِه عنه، فإن اسْتَرَدَّهُ أو رُدَّ عليه اسْتَأْنَفَ حَوْلًا؛ لأنَّه مِلْكٌ مُتَجَدِّدٌ حَدَثَ بعد زَوَالِه، فوَجَبَ أن يَسْتَأْنِفَ له حَوْلًا، كما لو كان البَيْعُ مُطْلَقًا مِن غير خِيَارٍ. وهكذا الحُكْمُ لو فَسَخَا البَيْعَ في مُدَّةِ المَجْلِسِ بخِيَارِه؛ لأنَّه (٢) لا يَمْنَعُ نَقْلَ المِلْكِ أيضا، فهو كخِيارِ الشَّرْطِ. ولو مَضَى الحَوْلُ في مُدَّةِ الخِيَارِ، ثم فَسَخَا البَيْعَ، كانت زَكَاتُه على المُشْتَرِي؛ لأنَّه مِلْكُه. وإن قُلْنَا بالرِّوَايَةِ الأُخْرَى، لم يَنْقَطِع الحَوْلُ بِبَيْعِه؛ [لأنَّ مِلْكَ البائِعِ لم] (٣) يَزُلْ عنه. ولو حالَ الحَوْلُ عليه في مُدَّةِ الخِيَارِ، كانت زَكَاتُه على البائِعِ، فإنْ أخْرَجَها من غيرِه، فالبَيْعُ بِحَالِه، وإن أخْرَجَها منه بَطَلَ البَيْعُ في المُخْرَجِ، وهل يَبْطُلُ في الباقِى؟ على وَجْهَيْنِ، بناءً على تَفْرِيقِ الصَّفْقَةِ. وإن لم يُخْرِجْها حتى سَلَّمَهُ إلى المُشْتَرِي، وانْقَضَتْ مُدَّةُ الخِيَارِ، لَزِمَ البَيْعُ فيه، وكان عليه الإخْراجُ من غيرِه، كما لو باعَ ما وَجَبَتِ الزكاةُ فيه. ولو اشْتَرَى عَبْدًا، فهَلَّ هِلَالُ شَوَّال، ففِطْرَتُه على المُشْتَرِي، وإن كان في مُدَّةِ الخِيارِ؛ لأنَّه مِلْكُه، وعلى الرِّوَايَةِ الأُخْرَى، هى على البائِعِ، إن كان في مُدَّةِ الخِيَارِ؛ [لأنَّه مِلْكُه، ولأنَّه في مُدَّةِ الخِيارِ] (٤).

стр. 1927

بابُ زكاةِ (٥) الفِطْرِ قال ابنُ المُنْذِرِ: أجْمَعَ [كُلُّ مَن نَحْفَظُ عنه من] (٦) أهْلِ العِلْمِ، على أنَّ صَدَقَةَ الفِطْرِ فَرْضٌ. وقال إسحاقُ: هو كالإجْمَاعِ من أهْلِ العِلْمِ. وزَعَمَ ابنُ عَبْدِ البَرِّ أنَّ بعضَ المتَأخِّرِينَ من أصْحابِ مالِكٍ ودَاوُد، يقولونَ: هى سُنَّةٌ مُوكَّدَةٌ. وسائِرُ العُلَماءِ على أنَّها وَاجِبَةٌ؛ لما رَوَى ابنُ عمرَ، أنَّ رسولَ اللهِ ﷺ فَرَضَ زَكَاةَ الفِطْرِ من رمضانَ على الناسِ، صَاعًا من تَمْرٍ (٧)، أو صَاعًا من شَعِيرٍ، علَى كلِّ حُرٍّ وعَبْدٍ، ذَكَرٍ وأُنْثَى من المُسْلِمِينَ. مُتَّفَقٌ عليه (٨). ولِلْبُخَارِيِّ: والصَّغِيرِ والكَبِيرِ من المُسْلِمِينَ. وعنه، أنَّ رسولَ اللهِ ﷺ أمَرَ بِزَكَاةِ الفِطْرِ أنَّ تُؤَدَّى قبل خُرُوجِ

стр. 1928

الناسِ إلى الصَّلَاةِ. وعن أبي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ (٩) قال: كنا نُخْرِجُ زَكَاةَ الفِطْرِ صَاعًا من طَعَامٍ، أو صَاعًا من شَعِيرٍ، أو صَاعًا من تَمْرٍ، أو صَاعًا من أُقِطٍ (١٠)، أو صَاعًا من زَبِيبٍ. مُتَّفَقٌ عليهما (١١). قال سَعِيدُ بن المُسَيَّبِ، وعمرُ بن عبدِ العزِيزِ قى قَوْلِه تعالى: ﴿قَدْ أَفْلَحَ مَنْ تَزَكَّى﴾ (١٢): هو زَكَاةُ الفِطْرِ. وأُضِيفَتْ هذه الزَّكَاةُ إلى الفِطْرِ؛ لأنَّها تَجِبُ بالفِطْرِ من رمضانَ. قال ابنُ قُتَيْبَةَ (١٣): وقِيلَ لها فِطْرَةٌ؛ لأنَّ الفِطْرَةَ الخِلْقَةُ، قال اللهُ تعالى: ﴿فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ

стр. 1929

عَلَيْهَا﴾ (١٤). أى جِبِلَّتَه التى جَبَلَ النَّاسَ عليها، وهذه يُرَادُ بها الصَّدَقَةُ عن البَدَنِ والنَّفْسِ، كما كانت الأولى صَدَقَةً عن المالِ. وقال بعضُ أصْحابِنَا: وهل تُسَمَّى فَرْضًا مع القولِ بِوُجُوبِها؟ على رِوَايَتَيْنِ. والصَّحِيحُ أنَّها فَرْضٌ؛ لِقَوْلِ ابنِ عمرَ: فَرَضَ رسولُ اللهِ ﷺ زَكَاةَ الفِطْرِ. ولإجْماعِ العُلَماءِ على أَنَّها فَرْضٌ، ولأنَّ الفَرْضَ إن كان الوَاجِبَ فهى وَاجِبَةٌ، وإن كان الوَاجِبَ المُتَأكِّدَ فهى مُتَأكِّدَةٌ مُجْمَعٌ عليها. ٤٦٦ - مسألة؛ قال: (وزكَاةُ الْفِطْرِ عَلَى كُلِّ حُرٍّ وعَبْدٍ، ذَكَرٍ وأُنْثَى، من المُسْلِمِينَ) وجُمْلَتُه أنَّ زَكَاةَ الفِطْرِ تَجِبُ عَلَى كُلِّ مُسْلِمٍ، مع [الصِّغَرِ والْكِبَرِ] (١)، والذّكُورِيَّةِ والأُنُوثِيَّةِ، في قولِ أهْلِ العِلْمِ عامَّةً، وتَجِبُ على اليَتِيمِ، ويُخْرِجُ عنه وَلِيُّهُ من مالِهِ، لا نَعْلَمُ أحَدًا خَالَفَ في هذا، إلَّا محمد بن الحسنِ، قال: ليس في مالِ الصَّغِيرِ [من المُسْلِمِينَ] (٢) صَدَقَةٌ. وقال الحسنُ، والشَّعْبِيُّ: صَدَقَةُ الفِطْرِ علَى مَن صامَ من الأحْرَارِ، وعلى الرَّقِيقِ. وعُمُومُ قَوْلِه فَرَضَ رسولُ اللهِ ﷺ زَكَاةَ الفِطْرِ على كُلِّ حُرٍّ وعَبْدٍ، والذَّكَرِ والأُنْثَى، والصَّغِيرِ والكَبِيرِ، من المُسْلِمِينَ، يَقْتَضِي وُجُوبَها على اليَتِيمِ، ولأنَّه مُسْلِمٌ فوَجَبَتْ فِطرتُه كما لو كان له أبٌ. فصل: ولا تَجِبُ على كافِرٍ حُرًّا كان أو عَبْدًا. ولا نَعْلَمُ بينهم خِلافًا في الحُرِّ البالغِ. وقال إمامُنا، ومَالِكٌ، والشَّافِعِيُّ، وأبو ثَوْرٍ: لا تَجِبُ على العَبْدِ أيضا، ولا على الصَّغِيرِ. ويُرْوَى عن عمرَ بن عبدِ العزيزِ، وعَطاءٍ، ومُجاهِدٍ، وسَعِيدِ بن

стр. 1930

جُبَيْرٍ، والنَّخَعِىِّ، والثَّوْرِىِّ، وإسحاقَ (٣)، وأصْحابِ الرَّأْىِ، أنَّ على السَّيِّدِ المُسْلِمِ أن يُخْرِجَ الفِطْرَةَ عن عَبْدِهِ الذِّمِّيِّ. وقال أبو حنيفةَ: يُخْرِجُ عن ابْنِهِ الصَّغِيرِ إذا ارْتَدَّ. ورُوِىَ أنَّ النَّبِيَّ ﷺ قال: "أَدُّوا عَنْ كُلِّ حُرٍّ وعَبْدٍ، صَغِيرٍ أو كَبِيرٍ، يَهُودِيٍّ أو نَصْرَانِيٍّ، أو مَجُوسِيٍّ، نِصْفَ صَاعٍ مِنْ بُرٍّ" (٤). ولأنَّ كلَّ زَكَاةٍ وَجَبَتْ بِسَبَبِ عَبْدِه المُسْلِمِ، وَجَبَتْ بِسَبَبِ عَبْدِه الكَافِرِ، كزكَاةِ التِّجارَةِ. ولَنا، قولُ النَّبِيِّ ﷺ في حَدِيثِ ابنِ عمرَ: "مِنَ المُسْلِمِينَ" (٥). ورَوَى أبو دَاوُدَ (٦)، عن ابنِ عَبَّاسٍ، قال: فَرَضَ رسولُ اللهِ ﷺ زَكَاةَ الفِطْرِ طُهْرَةً لِلصَّائِمِ من اللَّغْوِ والرَّفَثِ، وطُعْمَةً لِلْمَسَاكِينِ، مَنْ أدَّاهَا قبلَ الصَّلَاةِ، فهى زَكَاةٌ مَقْبُولَةٌ، ومَن أدَّاهَا بعدَ الصَّلَاةِ، فهى صَدَقَةٌ من الصَّدَقَاتِ. إسْنَادُهُ حَسَنٌ (٧). وحَدِيثُهم لا نَعْرِفُه، ولم يَذْكُرْهُ أصْحابُ الدَّواوِينِ وجَامِعُو السُّنَنِ. وهذا قولُ ابنِ عَبَّاسٍ يُخالِفُه، وهو رَاوِى حَدِيثِهم. وزَكَاةُ التِّجَارَةِ تَجِبُ عن القِيمَةِ، ولذلك تَجِبُ في سَائِرِ الحَيَواناتِ وسائِرِ الأمْوالِ، وهذه طُهْرَةٌ لِلْبَدَنِ، ولهذا اخْتُصَّ بها الآدَمِيُّونَ، بخِلافِ زَكَاةِ التِّجَارَةِ. فصل: فإنْ كان لِكافِرٍ عَبْدٌ مُسْلِمٌ، وهَلَّ هِلَالُ شَوَّال وهو في مِلْكِه، فَحُكِىَ عن أحمدَ أنَّ على الكافِرِ إخْراجَ صَدَقَة الفِطْرِ عنه. واخْتارَهُ القاضي. وقال ابنُ عَقِيلٍ: يَحْتَمِلُ أن لا تَجِبَ. وهو (٨) قولُ أكْثَرِهم. قال ابنُ المُنْذِرِ: أجْمَعَ كُلُّ

стр. 1931

من نَحْفَظُ عنه من أهْلِ العِلْمِ أنْ لا صَدَقَةَ على الذِّمِّىِّ في عَبْدِهِ المُسْلِمِ؛ لِقَوْلِه ﵇: "من المُسْلِمِينَ". ولأنَّه كافِرٌ، فلا تَجِبُ عليه الفِطْرَةُ كسَائِرِ الكُفَّارِ، ولأنَّ الفِطْرَةَ زَكَاةٌ فلا تَجِبُ على الكافِرِ، كزَكَاةِ المالِ. ولنَا، أنَّ العَبْدَ من أهْلِ الطُّهْرَةِ، فوَجَبَ أنَّ تُؤَدَّى عنه الفِطْرَةُ، كما لو كان سَيِّدُه مُسْلِمًا، وقَوْلُه: "مِنَ المُسْلِمِينَ" يَحْتَمِلُ أن يُرَادَ به المُؤَدَّى عنه، بِدَلِيلِ أنَّه لو كان لِلْمُسْلِمِ عَبْدٌ كافِرٌ لم تَجِبْ فِطْرَتُه، ولأنَّه ذَكَرَ في الحَدِيثِ كُلَّ عَبْدٍ وصَغِيرٍ، وهذا يَدُلُّ على أنَّه أرَادَ المُؤَدَّى عنه، لا المُؤَدِّى، ولِأصْحابِ الشَّافِعِيِّ في هذا وَجْهانِ كالمَذْهَبَيْنِ. ٤٦٧ - مسألة؛ قال: (صَاعًا بِصَاعِ النَّبِيِّ ﷺ ، وهُوَ خَمْسَةُ أرْطَالٍ وثُلُثٌ) وجُمْلَتُه أنَّ الوَاجِبَ في صَدَقَةِ الفِطْرِ صَاعٌ عن كُلِّ إنْسَانٍ، لا يُجْزِئُ أقَلُّ من ذلك من جَمِيعِ أجْناسِ المُخْرَجِ. وبه قال مالِكٌ، والشَّافِعِيُّ، وإسحاقُ. ورُوِىَ ذلك عن أبى سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ، والحسنِ، وأبى العَالِيَةِ، ورُوِىَ عن عثمانَ بن عَفَّانَ، وابنِ الزُّبَيْرِ، ومُعاوية، أنَّه يُجْزِئُ نِصْفُ صَاعٍ من البُرِّ خَاصَّةً. وهو مذهبُ سَعِيدِ بن المُسَيَّبِ، وعَطاءٍ، وطاوُسٍ، ومُجَاهِدٍ، وعمرَ بن عبد العزِيزِ، [وعُرْوَةَ بن الزُّبَيْرِ] (١)، وأبى سَلَمَةَ بن عبدِ الرحمنِ، وسَعِيدِ بن جُبَيْرٍ، وأصْحابِ الرَّأْىِ. واخْتَلَفَتِ الرِّوَايَةُ عن عليٍّ، وابنِ عَبَّاسٍ، والشَّعْبِيِّ، فرُوِىَ صَاعٌ، وَرُوِىَ نِصْفُ صَاعٍ. وعن أبي حنيفةَ في الزَّبِيبِ رِوايَتَانِ، إحْدَاهُما، صَاعٌ، والأُخْرَى، نِصْفُ صَاعٍ. واحْتَجُّوا بما رَوَى ثَعْلَبَةُ بن أبي (٢) صُعَيْرٍ، عن أبِيهِ، عن النَّبِىِّ ﷺ

стр. 1932

أنَّه قال: "صَاعٌ مِنْ قَمْحٍ بَيْنَ كُلِّ اثْنَيْنِ". رَوَاه أبو دَاوُد (٣). وعن عَمْرِو بن شُعَيْبٍ، عن أبِيهِ، عن جَدِّه، أنَّ النَّبِيَّ ﷺ بَعَثَ مُنَادِيًا في فِجَاجِ مَكَّةَ: "ألَا إنَّ صَدَقَةَ الفِطْرِ وَاجِبَةٌ على كل مُسْلِمٍ، ذَكَرٍ أو أُنْثَى، حُرٍّ أو عَبْدٍ، صَغِيرٍ أوْ كَبِيرٍ، مُدَّانِ من قَمْحٍ أو سِوَاهُ (٤) صَاعًا من طَعَامٍ" (٥). قال التِّرْمِذِىُّ: هذا حَدِيثٌ (٦) حَسَنٌ غَرِيبٌ. وقال سَعِيدٌ: حَدَّثَنا هُشَيْم، عن عبدِ الخالِقِ الشَّيْبَانِيِّ، قال: سمعتُ سَعِيدَ بنِ المُسَيَّبِ يقولُ: كانت الصَّدَقَةُ تُدْفَعُ على عَهْدِ رسولِ اللَّه ﷺ وأبى بكرٍ، نِصْفَ صَاعِ بُرٍّ. وقال هُشَيْمٌ: أخْبَرَنِي سفيانُ بن حسينٍ، عن الزُّهْرِيِّ، عن سَعِيدِ بن المُسَيَّبِ، قال: خَطَبَ رسولُ اللهِ ﷺ ، ثم ذَكَرَ صَدَقَةَ الفِطْرِ، فَحَضَّ عليها وقال: "نِصْفُ صَاعٍ من بُرٍّ، أو صَاعٌ مِنْ (٧) تَمْرٍ أو شَعِيرٍ، عن كُلِّ (٨) حُرٍّ وعَبْدٍ، ذَكَرٍ وأُنْثَى" (٩). ولَنا، ما رَوَى أبو سعيدٍ الخُدْرِيُّ، قال: كُنَّا نُخْرِجُ زَكاةَ الفِطْرِ إذْ كان فِينَا رسولُ اللهِ ﷺ صَاعًا من طَعَامٍ، أو صَاعًا من شَعِيرٍ، أو صَاعًا من تَمْرٍ، أو صَاعًا من زَبيبٍ، أو صَاعًا من أقِطٍ، فلم نَزَلْ نُخْرِجُه حتى قَدِمَ مُعاوِيَةُ المَدِينَةَ، فتَكَلَّمَ، فكَان فيما (١٠) كَلَّمَ الناسَ: إنِّي لَأَرَى مُدَّيْنِ مِن سَمْراءِ الشَّامِ تَعْدِلُ صَاعًا من تَمْرٍ (١١). فأخَذَ النَّاسُ بذلك. قال أبو سعيدٍ: فلا أزَالُ أُخْرِجُه كما كُنْتُ أخْرِجُه. ورَوَى ابنُ عمرَ، أنَّ النَّبِىَّ ﷺ فَرَضَ صَدَقَةَ الفِطْرِ، صَاعًا من تَمْرٍ، أو صَاعًا من شَعِيرٍ، قال (١١) فعَدَلَ النَّاسُ إلى

стр. 1933

نِصْفِ صَاعٍ من بُرٍّ. مُتَّفَقٌ عليهما (١٢)، ولأنَّه جِنْسٌ يُخْرَجُ في صَدَقَةِ الفِطْرِ، فكان قَدْرُه صَاعًا كسائِرِ الأجْناسِ. وأحَادِيثُهم لا تَثْبُتُ عن النَّبِيِّ ﷺ . قالَه ابنُ المُنْذِرِ. وحَدِيثُ ثَعْلَبَةَ تَفَرَّدَ (١٣) به النُّعْمانُ بن رَاشِدٍ. قال البُخَارِيُّ: هو يَهِمُ كَثِيرًا، وهو صدوقٌ في الأصْلِ. وقال مُهَنَّا: ذَكَرْتُ لأحمدَ حَدِيثَ ثَعْلَبَةَ بن أبي صُعَيْرٍ، في صَدَقَةِ الفِطْرِ نِصْفُ صَاعٍ من بُرٍّ. فقال: ليس بصَحِيحٍ، إنَّما هو مُرْسَلٌ، يَرْوِيه [مَعْمَرٌ وابنُ جُرَيْجٍ] (١٤)، عن الزُّهْرِيِّ مُرْسَلًا. قلتُ: مِن قِبَلِ مَن هذا؟ قال: من قِبَلِ النُّعْمَانِ بن رَاشِدٍ، ليس هو بِقَوِيٍّ في الحَدِيثِ. وضَعَّفَ حَدِيثَ ابنَ أبي صُعَيْرٍ. وسألْتُه عن ابنِ أبى صُعَيْرٍ، أمَعْرُوفٌ هو؟ قال: مَن يَعْرِفُ ابنَ أبِى صُعَيْرٍ، ليس هو بمَعْرُوفٍ. وذَكَرَ أحمدُ، وعلىُّ بن الْمَدِينىّ، ابْنَ أبِى صُعَيْرٍ، فضَعَّفَاه جميعًا. وقال ابنُ عبدِ البَرِّ: ليس دُونَ الزُّهْرِيِّ مَن يَقُومُ به حُجَّة. ورَوَاه أبو إسحاقَ الجُوزَجَانِيّ: حَدَّثَنا سليمانُ بن حَرْبٍ، حَدَّثنَا حَمَّادُ بن زيدٍ، عن النُّعْمَانِ، عن الزُّهْرِيِّ، عن ثَعْلَبَةَ، عن أبِيه قال: قال رسولُ اللهِ ﷺ : "أَدُّوا صَدَقَةَ الفِطْرِ صَاعًا مِنْ قَمْحٍ" أو قال: "بُرٍّ، عَنْ كُلِّ إنْسَانٍ، صَغِيرٍ أوْ كَبِيرٍ" (١٥). وهذا حُجَّةٌ لنا، وإسْنادُهُ حَسَنٌ. قال الْجُوزَجَانِيُّ: والنِّصْفُ صَاعٍ، ذَكَرَهُ عن النَّبِيِّ ﷺ ، ورِوَايَتُه ليس تَثْبُتُ. ولأنَّ فيما ذَكَرْنَاهُ احْتِيَاطًا لِلْفَرْضِ، ومُعاضَدَةً للقِياسِ. فصل: وقد دَلَّلْنَا على أنَّ الصَّاعَ خَمْسَةُ أرْطالٍ وثُلُثٌ بالعِرَاقِيِّ، فيما مَضَى، والأصْلُ فيه الكَيْلُ، وإنَّما قَدَّرَهُ العُلَماءُ بالوَزْنِ، لِيُحْفَظَ ويُنْقَلَ. وقد رَوَى جَمَاعَةٌ عن أحمدَ، أنَّه قال: الصَّاعُ وَزَنْتُه، فوَجَدْتُه خَمْسَةَ أرْطَالٍ، وثُلُثًا حِنْطَةً.

стр. 1934

وقال حَنْبَلٌ. قال أحمدُ: أخَذْتُ الصَّاعَ من أبِى النَّضْرِ (١٦). وقال أبو النَّضرِ: أخَذْتُه عن أبِى ذُؤَيْبٍ (١٧)، وقال: هذا صَاعُ النَّبِىِّ ﷺ الذى يُعْرَفُ بالمَدِينَةِ. قال أبو عبدِ اللهِ: فأَخَذْنَا العَدَسَ، فعَيَّرْنَا به، وهو أصْلَحُ ما (١٨) يُكَالُ به؛ لأنَّه لا يَتَجَافَى عن مَوْضِعِه، فَكِلْنا به، ثم وَزَنَّاهُ، فإذا هو خَمْسَةُ أرْطالٍ وثُلُثٌ. وقال: هذا أصْلَحُ ما وَقَفْنا عليه، وما تَبَيَّنَ لنا من صَاعِ النَّبِىِّ ﷺ . وإذا كان الصَّاعُ خَمْسَةَ أرْطَالٍ وثُلُثًا من الحِنْطةِ (١٩) والعَدَسِ، وهما من أثْقَلِ الحُبُوبِ، فما عَدَاهُما من أجْناسِ الفِطْرَةِ أخَفُّ منهما، فإذا أخْرَجَ منها (٢٠) خَمْسَةَ أرْطالٍ وثُلُثًا، فهى أكْثَرُ من صَاعٍ. وقال محمدُ بن الحسنِ: إن أخْرَجَ خَمْسَةَ أرْطَالٍ وثُلُثًا بُرًّا، لم يُجْزِهِ. لأنَّ البُرَّ يَخْتَلِفُ، فيكونُ [فيه الثَّقِيلُ والخَفِيفُ] (٢١). وقال الطَّحَاوِيُّ: يُخْرِجُ ثمانيةَ (٢٢) أرْطَالٍ ممَّا يسْتَوِى (٢٣) كَيْلُه وَوَزْنُه، وهو الزَّبِيبُ والماشُ. ومُقْتَضَى كَلَامِه أنَّه إذا أخْرَجَ ثَمَانِيَةَ أرْطالٍ ممَّا هو أثْقَلُ منهما (٢٤) لم يُجْزِئْه، حتى يَزِيدَ شَيئا، يَعْلَمُ أنَّه قد بَلَغَ صَاعًا. والأوْلَى لمن أخْرَجَ من الثَّقِيلِ بالوَزْنِ أنْ يَحْتَاطَ، فيَزِيدَ شيئا يَعْلَمُ به (٢٥) أنَّه [قد بلغ صَاعًا، وقَدْرُ الصَّاع] (٢٦) بالرَّطْلِ الدّمَشْقِىِّ،

стр. 1935

الذى هو سِتُّمائةِ دِرْهَمٍ رِطْلٌ (٢٧) وسُبْعٌ، والسُّبْعُ أُوقِيَّةٌ وخَمْسَةُ أسْباعِ أوقِيَّةٍ، وقَدْرُ ذلك بالدَّرَاهِمِ سِتُّمائةِ دِرهَمٍ [وخمسةٌ وثمانون دِرْهَمًا وخمسةُ أسْباعِ دِرْهمٍ] (٢٨)، ويُجْزِئُ إخْراجُ مُدٍّ (٢٩) بالدِّمَشْقِيِّ من جَمِيعِ الأجْناسِ؛ لأنَّه أكْبَرُ من الصَّاعِ، وقد رَأيْتُ مُدًّا ذُكِرَ لنا أنَّه مُدُّ النَّبِيِّ ﷺ فقُدِّرَ المُدُّ الدِّمَشْقِىُّ به، فكان المُدُّ الدِّمَشْقِىُّ يَسَعُ (٣٠) قَرِيبًا من خَمْسَةٍ [به. واللَّه أعلمُ] (٣١). ٤٦٨ - مسألة؛ قال: (مِنْ كُلِّ حَبَّةٍ وثَمَرَةٍ تُقْتَاتُ) يَعْنِى عندَ عَدَمِ الأجْناسِ المَنْصُوصِ عليها، يُجْزِئُه كُلُّ مُقْتَاتٍ من الحُبُوبِ والثِّمارِ. وظاهِرُ هذا أنَّه لا يُجْزِئُه المُقْتَاتُ مِن غيرِها، كاللَّحْمِ واللَّبَنِ. وقال أبو بكرٍ: يُعْطِى ما قامَ مَقامَ الأجْناسِ المَنْصُوصِ عليها عندَ عَدَمِها. وقال ابنُ حامِدٍ: يُجْزِئُه عندَ عَدَمِها الإخْراجُ مما يَقْتَاتُه، كالذُّرَةِ والدُّخْنِ، ولُحُومِ الحِيتَانِ والأنْعامِ، ولا يُرَدُّونَ إلي أقْرَبِ قُوتِ الأمْصارِ. ٤٦٩ - مسألة؛ قال: (وَإنْ أعْطَى أهْلُ الْبَادِيَةِ الأقِطَ صَاعًا، أجْزَأ إذَا كَانَ قُوتَهُمْ) أكْثَرُ أهْلِ العِلْمِ يُوجِبُونَ صَدَقَةَ الفِطْرِ على أهْلِ الْبَادِيَةِ. رُوِىَ ذلك عن ابنِ الزُّبَيْرِ، وبه قال سَعِيدُ بنُ المُسَيَّبِ، والحسنُ، ومالِكٌ، والشَّافِعِيُّ، وابنُ المُنْذِرِ، وأصْحابُ الرَّأْىِ. وقال عَطاءٌ، والزُّهْرِيُّ، ورَبِيعَةُ: لا صَدَقَةَ عليهم. ولَنا، عُمُومُ الحَدِيثِ، ولأنَّها زَكَاةٌ، فوَجَبَتْ عليهم كزَكَاةِ المالِ، ولأنَّهم

стр. 1936

مُسْلِمُونَ، فيَجِبُ عليهم صَدَقَةُ الفِطْرِ كغَيْرِهم. إذا ثَبَتَ هذا، فإنَّه يُجْزِئُ أهْلَ البادِيَةِ إخْرَاجُ الأَقِطِ إذا كان قُوتَهُم. وكذلك من لم يَجِدْ مِن الأصْنافِ المَنْصُوصِ عليها سِوَاهُ. فأمَّا مَن وَجَدَ سِوَاهُ فهل يُجْزِئُ؟ على رِوَايَتَيْنِ: إحْدَاهُما، يُجْزِئُه أيضا؛ لِحَدِيثِ أبى سَعِيدٍ الذى ذَكَرْنَاهُ (١)، وفى بعضِ أَلْفَاظِهِ قال: فَرَضَ رسولُ اللهِ ﷺ صَدَقَةَ الفِطْرِ صَاعًا من طَعَامٍ، أو صَاعًا من شَعِيرٍ، أو صَاعًا من تَمْرٍ، أو صَاعًا من أقِطٍ. أخْرَجَهُ النَّسَائِىُّ. والثَّانية، لا يُجْزِئُه؛ لأنَّه جِنْسٌ لا تَجِبُ الزكاةُ فيه، فلا يُجْزئُ إخْرَاجُه لمن يَقْدِرُ على غيرِه من الأجْناسِ المَنْصُوصِ عليها، كاللَّحْمِ. ويُحْمَلُ الحَدِيثُ على مَن هو قُوتٌ له، أو لم يَقْدِرْ على غيرِه، فإن قَدَرَ على غيرِه مع كَوْنِه قُوتًا له، فظاهِرُ كلامِ الخِرَقِىِّ جَوَازُ إخْراجِه. وإن قَدَرَ على غيرِه سَوَاءٌ كان من أهْلِ البادِيَةِ أو لم يَكُنْ؛ لأنَّ الحَدِيثَ لم يُفَرِّقْ. وقولُ أبِى سَعِيدٍ: كُنَّا نُخْرِجُ صَاعًا من أقِطٍ، وهم من أهْلِ الأمْصارِ، وإنَّما خَصَّ أهْلَ البَادِيَةِ بالذِّكْرِ؛ لأنَّ الغَالِبَ أنَّه لا يَقْتَاتُه غَيْرُهم. وقال أبو الخَطَّابِ: لا يُجْزِئُ إخْراجُ الأَقِطِ، مع القُدْرَةِ على ما سِوَاه فى إحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ. وظَاهِرُ الحَدِيثِ يَدُلُّ على خِلَافِه. وذَكَرَ القاضى أنَّه إذا عَدِمَ الأقِطَ، وقُلْنا له إخْرَاجُه، جَازَ إخْراجُ اللَّبَنِ؛ لأنَّه أكْمَلُ من الأقِطِ، لأنَّه يَجِىءُ منه الأَقِطُ وغيرُه. وحَكَاهُ أبو ثَوْرٍ، عن الشَّافِعِىِّ. وقال الحسنُ: إنْ لم يَكُنْ بُرٌّ ولا شَعِيرٌ أخْرَجَ صَاعًا من لَبَنٍ. وظَاهِرُ قولِ الخِرَقِىِّ يَقْتَضِى أنَّه لا يُجْزِئُ اللَّبَنُ بحالٍ؛ لِقَوْلِه: "مِنْ كلِّ حَبَّةٍ أو ثَمَرَةٍ تُقْتَاتُ". وقد حَمَلْنا ذلك على حالَةِ العَدَمِ. ولا يَصِحُّ ما ذَكَرُوهُ؛ لأنَّه لو كان أكْمَلَ مِن الأَقِطِ، لجَازَ إخْرَاجُه مع وُجُودِه، ولأنَّ الأقِطَ أَكْمَلُ من اللَّبَنِ من وَجْهٍ؛ لأنَّه بَلَغَ حالةَ الإدِّخارِ وهو جَامِدٌ، بخِلَافِ اللَّبَنِ، لكنْ يكونُ حُكْمُ اللَّبَنِ حُكْمَ اللَّحْمِ، يُجْزِئُ إخْرَاجُه عندَ عَدَمِ الأَصْنافِ المَنْصُوصِ عليها على قولِ

стр. 1937

ابنِ حامِدٍ، ومن وَافَقَه. وكذلك الجُبْنُ وما أشْبَههُ. ٤٧٠ - مسألة؛ قال: (واختِيَارُ أبِى عَبْدِ اللهِ إخرَاجُ التَّمْرِ) وبهذا قال مالِكٌ. قال ابنُ المُنْذِرِ: واسْتَحَبَّ مالِكٌ إخْرَاجَ العَجْوَةِ منه. واختارَ الشَّافِعِىُّ، وأبو عُبَيْدٍ، إخْراجَ البُرِّ. وقال بعضُ أصْحابِ الشَّافِعِىِّ: يَحْتَمِلُ أن يكونَ الشَّافِعِىُّ قال ذلك؛ لأنَّ البُرَّ كان أغْلَى فى وَقْتِه ومَكانِه، لأنَّ المُسْتَحَبَّ أن يُخْرِجَ أَغْلاها ثَمَنًا وأنْفَسَها، لِقَوْلِ النَّبِىِّ ﷺ ، وقد سُئِلَ عن أفْضَلِ الرِّقَابِ، فقال: "أغْلَاهَا ثَمَنًا، وأنْفَسُها عِنْدَ أهْلِها" (١). وإنَّما اخْتارَ أحمدُ إخْرَاجَ التَّمْرِ اقْتِداءً بأَصْحابِ رسولِ اللهِ ﷺ ، واتِّباعًا لهم (٢). ورَوَى بإسْنادِهِ، عن أبى مِجْلَزٍ، قال: قلتُ لابنِ عمرَ (٣): إنَّ اللهَ قَدْ أَوْسَعَ، والبُرُّ أفْضَلُ من التَّمْرِ. قال: إنَّ أصْحَابِى سَلَكُوا طَرِيقًا، وأنا اُّحِبُّ أن أَسْلُكَهُ. وظاهِرُ هذا أنَّ جَمَاعَةَ (٤) الصَّحابةِ كانوا يُخْرِجُونَ التَّمْرَ، فأحَبَّ ابنُ عمرَ مُوَافَقَتَهُم، وسُلُوكَ طَرِيقَتِهم، وأَحَبَّ أحمدُ أيضا الاقْتِداءَ بهم واتِّبَاعَهم. ورَوَى البُخَارِىُّ (٥)، عن ابنِ عمرَ، أنَّه قال: فَرَضَ رسولُ اللهِ ﷺ صَدَقَةَ الفِطْرِ، صَاعًا من تَمْرٍ، أو صَاعًا من شَعِيرٍ، فعَدَلَ الناسُ به نِصْفَ صاعٍ (٦) من بُرٍّ. فكان ابنُ عمرَ يُخْرِجُ التَّمْرَ،

стр. 1938

فأعْوَزَ أهْلُ المَدِينَةِ من التَّمْرِ، فأعْطَى شَعِيرًا. ولأنَّ التَّمْرَ فيه قُوتٌ (٧) وحَلَاوَةٌ، وهو أقْرَبُ تَنَاوُلًا، وأَقَلُّ كُلْفَةً، فكان أوْلَى. فصل: والأفْضَلُ بعدَ التَّمْرِ البُرُّ. وقال بعضُ أصْحابِنا: الأفْضَلُ بعدَه الزَّبِيبُ؛ لأنَّه أقْرَبُ تَنَاوُلًا وأقَلُّ كُلْفَةً فأشْبَه التَّمْرَ. ولَنا، أنَّ البُرَّ أنْفَعُ فى الاقْتِياتِ، وأبْلَغُ فى دَفْعِ حاجةِ الفَقِيرِ. وكذلك قال أبو مِجْلَزٍ لابنِ عمرَ: البُرُّ أفْضَلُ من التَّمْرِ. يعنى أنْفَعُ وأكْثَرُ قِيمَةً. ولم يُنْكِرْهُ ابنُ عمرَ، وإنَّما عَدَلَ عنه اتِّبَاعًا لأصْحابِه، وسُلُوكًا لِطَرِيقَتِهم. ولهذا عدَل نِصْفَ صَاعٍ منه بِصَاعٍ من غيرِه. وقال مُعَاوِيَةُ: إنِّى لأرَى مُدَّيْنِ مِن سَمْراءِ الشَّامِ يَعْدِلُ صَاعًا من التَّمْرِ. فأخَذَ الناسُ به، وتَفْضِيلُ التَّمْرِ إنَّما كان لاتِّبَاعِ الصَّحَابةِ، ففيما عدَاهُ يَبْقَى على مُقْتَضَى الدَّلِيلِ فى تَفْضِيلِ البُرِّ. ويَحْتَمِلُ أن يكونَ الأفْضَلُ بعدَ التَّمْرِ ما كان أعْلَى قِيمَةً وأكْثَرَ نَفْعًا. ٤٧١ - مسألة؛ قال: (ومَنْ قَدرَ عَلَى التَّمْرِ، أو الزَّبِيبِ، أو الْبُرِّ، أو الشَّعِيرِ، أو الْأَقِطِ، فأخْرَجَ غَيْره لم يُجْزِهِ) ظاهِرُ المذهبِ أنَّه لا يجوزُ له العُدُولُ عن هذه الأصْنافِ، مع القُدْرَةِ عليها، سَوَاءٌ كان المَعْدُولُ إليه قُوتَ بَلَدِه أو لم يَكُنْ. وقال أبو بكرٍ: يَتَوَجَّهُ قَوْلٌ آخَرُ، أنَّه يُعْطِى ما قَامَ مَقَامَ (١) الخَمْسَةِ، علَى ظاهِرِ الحَدِيثِ، صَاعًا من طَعَامٍ، والطَّعَامُ قد يكونُ البُرَّ والشَّعِيرَ وما دَخَلَ فى الكَيْلِ. قال: وكِلَا القَوْلَيْنِ مُحْتَمِلٌ، وأقْيَسُهما أنَّه لا يجوزُ غيرُ الخَمْسَةِ، إلَّا أنْ يَعْدَمَها، فيُعْطِىَ ما قامَ مَقَامَها. وقال مالِكٌ: يُخْرِجُ مِن غالِبِ قُوتِ البَلَدِ. وقال الشَّافِعِىُّ: أىُّ قُوتٍ كان الأَغْلَبَ على الرَّجُلِ، أدَّى الرَّجُلُ (٢) زَكَاةَ الفِطْرِ منه. واخْتَلَفَ أصْحَابُه، فمنهم مَن قال بقولِ

стр. 1939

مالِكٍ، ومنهم مَن قال: الاعْتِبَارُ بغالِبِ قُوتِ المُخْرِجِ، ثم إنْ عَدَلَ عن الواجِبِ إلى أعلى منه، جازَ، وإن عَدَلَ إلى دُونِه، ففيه قَوْلَانِ؛ أحَدُهما، يجوزُ؛ لِقَوْلِه ﵇: "اغْنُوهُمْ عَنِ الطَّلَبِ" (٣). والغِنَى يَحْصُلُ بالقُوتِ. والثانى، لا يجوزُ؛ لأنَّه عَدَلَ عن الوَاجِبِ إلى أَدْنَى منه، فلم يُجْزِئْهُ، كما لو عَدَلَ عن الواجِبِ فى زَكاةِ المالِ إلى أدْنَى منه. ولَنا، أن النَّبِىَّ ﷺ فَرَضَ صَدَقَةَ الفِطْرِ أجْنَاسًا مَعْدُودَةً، فلم يَجُزِ العُدُولُ عنها، كما لو أخْرَجَ القِيمَةَ، وذلك (٤) لأنَّ ذِكْرَ الأجْنَاسِ بعدَ ذِكْرِ (٥) الفَرْضِ تَفْسِيرٌ لِلْمَفْرُوضِ، فما أُضِيفَ إلى المُفَسَّرِ يَتَعَلَّقُ بالتَّفْسِيرِ، فتكونُ هذه الأجْناسُ مَفْرُوضَةً فيتَعَيَّن الإِخْراجُ منها، ولأنَّه إذا أخْرَجَ غيرَها عَدَلَ عن المَنْصُوصِ عليه، فلم يُجْزِ، كإخْراجِ القِيمَةِ، وكما لو أخْرَجَ عن زَكَاةِ المالِ مِن غيرِ جِنْسِه، والإِغْناءُ يَحْصُلُ بالإخْرَاجِ من المَنْصُوصِ عليه، فلا مُنَافَاةَ بين الخَبَرَيْنِ؛ لِكَوْنِهما جَمِيعًا يَدُلَّانِ على وُجُوبِ الإغْناءِ، بأدَاءِ أحَدِ الأجْناسِ المَفْرُوضَةِ. فصل: والسُّلْتُ نَوْعٌ من الشَّعِيرِ، فيجوزُ إخْرَاجُه؛ لِدُخُولِه فى المَنْصُوصِ عليه، وقد صُرِّحَ بذِكْرِه فى بعضِ أَلْفَاظِ حَدِيثِ ابنِ عمرَ، قال: كان النَّاسُ يُخْرِجُونَ صَدَقَةَ الفِطْرِ فى عَهْدِ رسولِ اللهِ ﷺ ، صَاعًا من شَعِيرٍ، [أو صَاعًا من أقِطٍ] (٦)، أو صَاعًا من سُلْتٍ. وعن أبى سَعِيدٍ، قال: لم نُخْرِجْ على عَهْدِ رسولِ اللَّه ﷺ إلَّا صَاعًا من تَمْرٍ، أو صَاعًا من شَعِيرٍ، أو صَاعًا من زَبِيبٍ، أو صَاعًا من دَقِيقٍ، أو صَاعًا من أقِطٍ، أو صَاعًا من سُلْتٍ. قال: ثم شَكَّ فيه سفيانُ بعدُ،

стр. 1940

فقال: دَقِيقٍ أو سُلْتٍ. رَوَاهُما النَّسَائِىُّ (٧). فصل: ويجوزُ إخْراجُ الدَّقِيقِ. نَصَّ عليه أحمدُ. وكذلك السَّوِيقُ، قال أحمدُ: وقد رُوِىَ عن ابنِ سِيرِينَ سَويقٍ أو دَقِيقٍ. وقال مالِكٌ، والشَّافِعِىُّ: لا يُجْزِئُ إخْرَاجُهما؛ لِحَدِيثِ ابن عمرَ، ولأنَّ مَنَافِعَه نَقَصَتْ، فهو كالخُبْزِ. ولَنا، حَدِيثُ أبى سَعِيدٍ، وقَوْلُه فيه: "أو صَاعًا من دَقِيقٍ". ولأنَّ الدَّقِيقَ والسَّوِيقَ أجْزَاءُ الحَبِّ بَحْتًا يُمْكِنُ كَيْلُه وادِّخَارُه، فجازَ إخْرَاجُه، كما قبل الطَّحْنِ، وذلك لأنَّ الطَّحْنَ إنَّما فَرَّقَ أجْزاءَهُ، وكَفَى الفَقِيرَ مُؤْنَتَه، فأشْبَهَ ما لو نَزَعَ نَوَى التَّمْرِ ثم أخْرَجَهُ. ويُفَارِقُ الخُبْزَ (٨) والهَرِيسَةَ والكَبُولَا (٩)؛ لأنَّ مع أجْزَاءِ الحَبِّ فيها مِن غيره، وقد خَرَجَ عن حالِ الادِّخَارِ والكَيْلِ، والمَأْمُور به صَاعٌ، وهو مَكِيلٌ، وحَدِيثُ ابنِ عمرَ لم يَقْتَضِ ما ذَكَرُوه، ولم يَعْمَلُوا به. فصل: ولا يجوزُ إخْرَاجُ الخُبْزِ، لأنَّه خَرَجَ عن الكَيْلِ والادِّخَارِ. ولا الهَرِيسَةِ والكَبُولَا وأشْبَاهِهما؛ لذلك، ولا الخَلِّ ولا الدِّبْسِ؛ لأنَّهما ليسا قُوتًا. ولا يجوزُ أن يُخْرِجَ حَبًّا مَعِيبًا، كالمُسَوَّسِ والمَبْلُولِ، ولا قَدِيمًا تَغَيَّرَ طَعْمُه، لقولِ اللهِ تعالى: ﴿وَلَا تَيَمَّمُوا الْخَبِيثَ مِنْهُ تُنْفِقُونَ﴾ (١٠)، فإن كان القَدِيمُ لم يَتَغَيَّرْ طَعْمُه، إلَّا أن الحَدِيثَ أَكْثَرُ قِيمَةً منه، جازَ إخْرَاجُه؛ لِعَدَمِ العَيْبِ فيه، والأفْضَلُ إخْرَاجُ الأَجْوَدِ. قال أحمدُ: كان ابنُ سِيرِينَ يُحِبُّ أن يُنَقِّىَ الطَّعامَ، وهو أحَبُّ إلىَّ ليكونَ على الكَمَالِ، ويَسْلَمَ مما يُخَالِطُه من غيرِه. فإنْ كان المُخَالِطُ له يَأْخُذُ حَظًّا من المِكْيَالِ، وكان كَثِيرًا بحيث يُعَدُّ عَيْبًا فيه، لم يجْزِئْه، وإن لم يَكْثُر، جازَ إخْرَاجُه إذا زادَ على الصّاعِ قَدْرًا يَزِيدُ على ما فيه من غيرِه، حتى يكونَ المُخْرَجُ

стр. 1941

صَاعًا كامِلًا. فصل: ومن أيِّ الأصْنافِ المَنْصُوصِ عليها أخْرَجَ جازَ، وإن لم يكن قُوتًا له، وقال مالِكٌ: يُخْرِجُ من غالِبِ قُوتِ البَلَدِ، وذَكَرْنَا قَوْلَ الشَّافِعِىِّ. ولَنا، أنَّ خَبَرَ الصَّدَقَةِ وَرَدَ بِحَرْفِ التَّخْيِيرِ بين هذه الأصْنافِ، فوَجَبَ التَّخْيِيرُ فيه، ولأنَّه عَدَلَ إلى مَنْصُوصٍ عليه، فجازَ، كما لو عَدَلَ إلى الأعْلَى، والغِنَى يَحْصُلُ بِدَفْعِ قُوتٍ من الأجْناسِ، ويَدُلُّ على ما ذَكَرْنا أنَّه خَيَّرَ بين التَّمْرِ والزَّبِيبِ والأَقِطِ، ولم يكنِ الزَّبِيبُ والأَقِطُ قوتًا لأهْلِ المَدِينَةِ، فدَلَّ على أنَّه لا يُعْتَبَرُ أن يكونَ قُوتًا لِلمُخْرِجِ. ٤٧٢ - مسألة؛ قال: (ومَنْ أَعْطَى الْقِيمَةَ، لَمْ تُجْزِئْهُ) قال أبو دَاوُدَ: قِيلَ لأحمدَ وأنا أسْمَعُ: أُعْطِى دَرَاهِمَ -يَعْنِى فى صَدَقَةِ الفِطْرِ- قال: أخافُ أنْ لا يُجْزِئَهُ خِلَافُ سُنَّةِ رسولِ اللهِ ﷺ . وقال أبو طالِبٍ، قال لى أحمدُ: لا يُعْطِى قِيمَتَهُ، قِيلَ له: قَوْمٌ يَقُولُونَ: عمرُ بن عبدِ العزيزِ كان يَأْخُذُ بالقِيمَةِ، قال: يَدَعُونَ قَوْلَ رسولِ اللهِ ﷺ ، ويَقُولُونَ: قال فلانٌ! قال ابنُ عمرَ: فَرَضَ رسولُ اللهِ ﷺ (١). وقال اللهُ تعالى: ﴿أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ﴾ (٢). وقال قَوْمٌ يرُدُّون السُّنَنَ: قال فُلَانٌ، قال فُلَانٌ. وظاهِرُ مذهبِه أنَّه لا يجوزُ (٣) إخْراجُ القِيمَةِ فى شىءٍ من الزَّكَوَاتِ. وبه قال مالِكٌ، والشَّافِعِىُّ. وقال الثَّوْرِىُّ، وأبو حنيفةَ: يجوزُ. وقد (٤) رُوِىَ ذلك عن عمرَ بن عبدِ العزيزِ، والحسنِ، وقد رُوِىَ عن أحمدَ مِثْلُ قَوْلِهم، فيما عَدَا الفِطْرَةَ. قال أبو دَاوُدَ: سُئِلَ أحمدُ، عن رَجُلٍ باعَ تَمْرَ (٥) نَخْلِه. قال: عُشْرُه على الذى بَاعَه. قِيلَ له:

стр. 1942

فيُخْرِجُ تَمْرًا (٦)، أو ثَمَنَه؟ قال: إنْ شاءَ أخْرَجَ تَمْرًا (٦)، وإن شَاءَ أخْرَجَ من الثَّمَنِ. وهذا دَلِيلٌ على جَوَازِ إخْرَاجِ القِيَمِ. ووَجْهُه قَوْلُ مُعَاذٍ لأهْلِ اليَمَنِ: ائْتُونِى بخَمِيسٍ (٧) أو لَبِيسٍ (٨) آخُذُه منكم، فإنَّه أَيْسَرُ عليكم، وأنْفَعُ لِلْمُهَاجِرِينَ بالمَدِينَةِ (٩). وقال سَعِيدٌ: حَدَّثَنا سفيانُ عن عمرو، وعن طَاوُسٍ، قال: لَمَّا قَدمَ مُعَاذٌ اليَمَنَ، قال: ائْتُونِى بعَرْضِ ثِيَابٍ آخُذُه مِنْكُم مكانَ الذُّرَةِ والشَّعِيرِ، فإنَّه أهْوَنُ عليكم، وخَيْرٌ لِلْمُهَاجِرِينَ بالمَدِينَةِ. قال: وحَدَّثَنَا جَرِيرٌ، عن [لَيْثٍ، عنْ] (١٠) عَطاءٍ، قال: كان عمرُ بن الخَطَّابِ يَأْخُذُ العُرُوضَ فى الصَّدَقَةِ من الدَّرَاهِمِ (١١). ولأنَّ المَقْصُودَ دَفْعُ الحاجَةِ، ولا يَخْتَلِفُ ذلك بعدَ اتِّحَادِ قَدْرِ الماليَّة باخْتِلَافِ صُوَرِ الأمْوالِ. ولَنا، قَوْلُ ابنِ عمرَ: فَرَضَ رسولُ اللهِ ﷺ صَدَقَةَ الفِطْرِ صَاعًا من تَمْرٍ، وصَاعًا من شَعِيرٍ (١٢). فإذا عَدَلَ عن ذلك فقد تَرَكَ المَفْرُوضَ. وقال النَّبِىُّ ﷺ : "فِى أرْبَعِينَ شاةٍ شَاةٌ" (١٣) و "فِى مِائتَىْ دِرْهَمٍ خَمْسَةُ دَرَاهِمَ" (١٤). وهو وَارِدٌ بَيَانًا لِمُجْمَلِ قَوْلِه تعالى: ﴿وَآتُوا الزَّكَاةَ﴾ فتكونُ الشَّاةُ المَذْكُورَةُ هى الزكاةُ المَأْمُورُ بها، والأمْرُ يَقْتَضِى الوُجُوبَ. ولأنَّ النَّبِىَّ ﷺ فَرَضَ الصَّدَقَةَ على هذا الوَجْهِ، وأمَرَ بها أن تُؤَدَّى، ففى كِتَابِ أبى بكرٍ (١٥) الذى كَتَبَه فى

стр. 1943

الصَّدَقَاتِ، أنَّه قال: هذه الصَّدَقَةُ التى فَرَضَها رسولُ اللهِ ﷺ ، وأمَرَ بها أن تُؤَدَّى. وكان فيه: "فِى خَمْسٍ وعِشْرِينَ مِنَ الإِبِلِ بِنْتُ مَخَاضٍ، فإن لم تَكُنْ بِنْتُ مَخَاضٍ، فَابْنُ لَبُونٍ ذَكَرٌ"، وهذا يَدُلُّ على أنَّه أرادَ عَيْنَها، لِتَسْمِيَتِه إيَّاها. وقَوْلُه: "فإن لم تَكُنْ يِنْتُ مَخَاضٍ [فابنُ لَبُونٍ ذَكَرٌ"] (١٦). ولو أرَادَ الماليَّةَ أو القِيمَةَ لم يَجُزْ؛ لأنَّ خَمْسًا وعِشْرِينَ لا تَخْلُو عن مَالِيَّةِ بِنْتِ مَخَاضٍ، وكذلك قَوْلُه: "فَابْنُ لَبُونٍ ذَكَرٌ" فإنَّه لو أرادَ الماليَّةَ لَلَزِمَهُ ماليَّةُ بِنْتِ مَخَاضٍ، دُونَ مَالِيَّةِ ابنِ لَبُونٍ. وقد رَوَى أبو دَاوُدَ، وابنُ مَاجَه، بإسْنَادِهِما، عن مُعَاذٍ (١٧)، أنَّ النَّبِىَّ ﷺ بَعَثَهُ إلى اليَمَنِ، فقال: "خُذِ الْحَبَّ مِنَ الْحَبِّ، والشَّاةَ مِنَ الْغَنَمِ، والْبَعِيرَ مِنَ الإِبِلِ، والْبَقَرَ مِنَ البَقَرِ". ولأنَّ الزكاةَ وَجَبَتْ لِدَفْعِ حَاجَةِ الفَقِيرِ، وشُكْرًا لِنعْمَةِ المالِ، والحاجَاتُ مُتَنَوِّعَةٌ، فيَنْبَغِى أن يَتَنَوَّعَ الوَاجِبُ لِيَصِلَ إلى الفَقِيرِ من كُلِّ نَوْعٍ ما تَنْدَفِعُ به حاجَتُه، ويَحْصُلُ شُكْرُ النِّعْمَةِ بالمُواساةِ من جِنْسِ ما أنْعَمَ اللهُ عليه به، ولأنَّ مُخْرِجَ القِيمَةِ قد عَدَلَ عن المَنْصُوصِ، فلم يُجْزِئْه، كما لو أخْرَجَ الرَّدِىءَ مَكَانَ الجَيِّدِ، وحَدِيثِ مُعاذٍ، الذى رَوَوْهُ فى الجِزْيَةِ (١٨)، بِدَلِيلِ أنَّ النَّبِىَّ ﷺ أمَرَهُ بِتَفْرِيقِ الصَّدَقَةِ فى فُقَرَائِهِم، ولم يَأْمُرْهُ بِحَمْلِها إلى المَدِينَةِ. وفى حَدِيثِه هذا: فإنَّه أنْفَعُ لِلْمُهَاجِرِينَ بِالمَدِينَةِ. ٤٧٣ - مسألة؛ قال: (ويُخْرِجُها إذَا خَرَجَ إلَى المُصَلَّى) المُسْتَحَبُّ، إخْرَاجُ صَدَقَة الفِطْرِ يَوْمَ الفِطْرِ قبلَ الصلاةِ؛ لأنَّ النَّبِىَّ ﷺ أمَرَ بها أن تُؤَدَّى قبلَ خُرُوجِ النَّاسِ إلى الصلاةِ. فى حَدِيثِ ابنِ عمرَ (١)، وفى حَدِيثِ

стр. 1944

ابنِ عَبَّاسٍ: "مَنْ أدَّاهَا قبلَ الصَّلَاةِ فهِىَ زَكَاةٌ مَقْبُولَةٌ، ومَنْ أدَّاهَا بَعْدَ الصَّلَاةِ فَهِىَ صَدَقَةٌ من الصَّدَقَاتِ" (٢). فإن أخَّرَها عن الصلاةِ تَرَكَ الأفْضَلَ، لما ذَكَرْنَا من السُّنَّةِ، ولأنَّ المَقْصُودَ منها الإِغْناءُ عن الطَّوَافِ والطَّلَبِ فى هذا اليَوْمِ، فمتَى أخَّرَها لم يَحْصُلْ إغْنَاؤُهم فى جَمِيعِه، لا سِيَّما فى وَقْتِ الصلاةِ. ومالَ إلى هذا القَوْلِ، عَطاءٌ، ومالِكٌ، وموسى بنُ وَرْدان (٣)، وإسحاقُ، وأصْحابُ الرَّأْىِ. وقال القاضى: إذا أخْرَجَها فى بَقِيَّةِ اليَوْمِ لم يَكُنْ فَعَلَ مَكْرُوهًا؛ لِحُصُولِ الإِغْناءِ (٤) بها فى اليَوْمِ. قال سَعِيدٌ: حَدَّثَنا أبو مَعْشَرٍ، عن نافِعٍ، عن ابنِ عمرَ، قال: أمَرَنَا رسولُ اللهِ ﷺ أن نُخْرِجَ. وذَكَرَ الحَدِيثَ (٥). قال: فكان يُؤْمَرُ أن يُخْرِجَ قبلَ أن يُصَلِّىَ، فإذا انْصَرَفَ رَسُولُ اللهِ ﷺ قَسَمَهُ بَينهم، وقال: "أغْنُوهُمْ عَنِ الطَّلَبِ فِى (٦) هذَا اليَوْمِ". وقد ذَكَرْنا من الخَبَرِ والمَعْنَى ما يَقْتَضِى الكَرَاهَةَ؛ فإنْ أَخَّرَها عن يَوْمِ العِيدِ أَثِمَ، ولَزِمَهُ القَضاءُ. وحُكِىَ عن ابنِ سِيرِينَ، والنَّخَعِىِّ، الرُّخْصَةُ فى تَأْخِيرِها عن يَوْمِ العِيدِ. ورَوَى محمدُ بن يحيى الكَحَّالُ، قال: قلتُ لأبى عبدِ اللهِ: فإن أخْرَجَ الزكاةَ، ولم يُعْطِها. قال: نعم، إذا أعَدَّهَا لِقَوْمٍ. وحَكَاهُ ابنُ المُنْذِرِ عن أحمدَ، واتِّبَاعُ السُّنَّةِ أوْلَى. فصل: فأمَّا وَقْتُ الوُجُوبِ فهو وَقْتُ غُرُوبِ الشَّمْسِ من آخِرِ يَوْمٍ من رمضانَ، فإنَّها تَجِبُ بِغُرُوبِ الشَّمْسِ من آخِرِ شَهْرِ رمضانَ. فمن تَزَوَّجَ أو مَلَكَ عَبْدًا، أو وُلِدَ له وَلَدٌ، أو أَسْلَمَ قبل غُرُوبِ الشَّمْسِ، فعليه الفِطْرَةُ. وإن كان

стр. 1945

بعدَ الغُرُوبِ، لم تَلْزَمْهُ. ولو كان حِينَ الوُجُوبِ مُعْسِرًا، ثم أيْسَرَ فى لَيْلَتِه تِلْكَ أو فى يَوْمِه، لم يَجِبْ عليه شىءٌ. ولو كان فى وَقْتِ الوُجُوبِ مُوسِرًا، ثم أعْسَرَ، لم تَسْقُطُ عنه اعْتِبَارًا بحالةِ الوُجُوبِ. ومن ماتَ بعد غُرُوبِ الشَّمْسِ لَيْلَةَ الفِطْرِ، فعليه صَدَقَةُ الفِطْرِ. نَصَّ عليه أحمدُ. وبما ذَكَرْنا فى وَقْتِ الوُجُوبِ قال الثَّوْرِىُّ، وإسحاقُ، ومالِكٌ، فى إحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ عنه، والشَّافِعِىُّ، فى أحَدِ قَوْلَيْهِ. وقال اللَّيْثُ، وأبو ثَوْرٍ، وأصْحابُ الرَّأْىِ: تَجِبُ بِطُلُوعِ الفَجْرِ يَوْمَ العِيدِ. وهو رِوَايةٌ عن مالِكٍ؛ لأنَّها قُرْبَةٌ تَتَعَلَّقُ بالعِيدِ، فلمْ يَتَقَدَّمْ وَقْتُها (٧) يَوْمَ العِيدِ (٨)، كالأُضْحِيَةِ. ولَنا، قولُ ابنِ عَبَّاسٍ: أنَّ النَّبِىَّ ﷺ فَرَضَ زَكَاةَ الفِطْرِ طُهْرَةً لِلصَّائِمِ من اللَّغْوِ والرَّفَثِ (٩). ولأنَّها تُضافُ إلى الفِطْرِ، فكانت وَاجِبَةً به، كزَكاةِ المالِ، وذلك لأنَّ الإِضافَةَ دَلِيلُ الاخْتِصَاصِ، والسَّبَبُ أخَصُّ بِحُكْمِه من غيرِه، والأُضْحِيَةُ لا تَتَعَلَّقُ (١٠) بِطُلُوعِ الفَجْرِ، ولا هى واجِبَةٌ، ولا تُشْبِهُ ما نحنُ فيه. فعلَى هذا إذا غَرَبَتِ الشَّمْسُ، والعَبْدُ المَبِيعُ فى مُدَّةِ الخِيَارِ، أو وُهِبَ له عَبْدٌ فَقَبِلَهُ ولم يَقْبِضْهُ، أو اشْتراهُ ولم يَقْبِضْه، فالفِطْرَةُ على المُشْتَرِى والمُتَّهِبِ؛ لأنَّ المِلْكَ له، والفِطْرَةُ على المالِكِ. ولو أوْصَى له بِعَبْدٍ، ومَاتَ المُوصِى قبل غُرُوبِ الشَّمْسِ، فلم يَقْبَل المُوصَى له حتى غَرَبَتْ (١١)، فالفِطْرَةُ عليه، فى أحَدِ الوَجْهَيْنِ، والآخَرِ على وَرَثَةِ المُوصِى، بنَاءً على الوَجْهَيْنِ فى المُوصَى به هل يَنْتَقِلُ بالمَوْتِ أو من حِين القَبُولِ؟ ولو ماتَ (١٢) المُوصَى له قبلَ الرَّدِّ وقبلَ القَبُولِ، فقَبِلَ ورثتُه، وقُلْنا بصِحَّةِ قَبُولِهم، فهل تكونُ فطْرتُه على وَرَثَةِ المُوصِى، أو فى تَرِكةِ المُوصَى له؟

стр. 1946

وَجْهانِ (١٣)؛ وقال القاضى: فِطْرَتُه فى تركةِ المُوصَى له؛ لأنَّنا حَكَمْنا بانْتقالِ المِلْكِ من حِينِ (١٤) القَبُولِ. ولو مات قبلَ الرَّدِّ وقبْلَ القبولِ، فإن كان مَوْتُه بعد هِلَالِ شَوَّال، ففِطْرَةُ العَبْدِ فى تَرِكَتِه؛ لأنَّ الوَرَثَةَ إنَّما قَبِلُوه له. وإن كان مَوْتُه قبلَ هِلَالِ شَوَّال، ففِطْرَتُه على الوَرَثَةِ. ولو أوْصَى لِرَجُلٍ بِرَقَبَةِ عَبْدٍ، ولآخَرَ بِمَنْفَعَتِه (١٥)، فقَبِلَا، كانت الفِطْرَةُ على مالِكِ الرَّقَبَةِ؛ لأنَّ الفِطْرَةَ تَجِبُ بالرَّقَبَةِ لا بالمَنْفَعَةِ، ولهذا تَجِبُ على مَن لا نَفْعَ فيه. ويَحْتَمِلُ أن يكونَ حُكْمُها حُكْمَ نَفَقَتِه، وفيها ثَلَاثَةُ أوْجُهٍ؛ أحدُها، أنَّها على مالِكِ نَفْعِه. والثانى، على مالِكِ رَقَبَتِه. والثالث، فى كَسْبِه. ٤٧٤ - مسألة؛ قال: (وإنْ قَدَّمَها قَبْلَ ذلِكَ بِيَوْمٍ أو يَوْمَيْنِ، أجْزَأهُ) وجُمْلَتُه أنَّه يجوزُ تَقْدِيمُ الفِطْرَةِ قبلَ العِيدِ بِيَوْمَيْنِ، لا يجوزُ أكْثَرُ من ذلك. وقال ابنُ عمرَ: كانوا يُعْطُونَها قبل الفِطْرِ بِيَوْمٍ أو يَوْمَيْنِ (١). وقال بعضُ أصْحابِنَا: يجوزُ تَعْجِيلُها من بعد نِصْفِ الشَّهْرِ، كما يَجُوزُ تَعْجيلُ أذَانِ الفَجْرِ والدَّفْعِ من مُزْدَلِفَة بعد نِصْفِ اللَّيْلِ. وقال أبو حنيفةَ: يجوزُ تَعْجِيلُها من أوَّلِ الحَوْلِ؛ لأنَّها زَكَاةٌ، فأشْبَهَتْ زَكَاةَ المالِ. وقال الشَّافِعِىُّ: يجوزُ من أوَّلِ شَهْرِ رمضانَ؛ لأنَّ سَبَبَ الصَّدَقَةِ الصَّوْمُ والفِطْرُ عنه، فإذا وُجِدَ أحَدُ السَّبَبَيْنِ، جازَ تَعْجِيلُها، كزَكَاةِ المالِ بعد مِلْكِ النِّصابِ. ولَنا، ما رَوَى الْجُوزَجَانِىُّ: حَدَّثَنا يَزِيدُ بن

стр. 1947

هارُونَ. قال (٢): أخْبَرَنَا أبو مَعْشَرٍ، عن نافِعٍ، عن ابنِ عمرَ، قال: كان رسولُ اللهِ ﷺ يَأْمُرُ به، فيُقْسَمُ -قال يَزِيدُ: أظُنُّ هذا (٢) يَوْمَ الفِطْرِ- ويقولُ: "أغْنُوهُمْ عَنِ الطَّوَافِ فِى هذَا الْيَوْمِ" (٣). والأمْرُ لِلْوُجُوبِ، ومتى قَدَّمَها بالزَّمَانِ الكَثِيرِ لم يَحْصُلْ إغْنَاؤُهُم بها يَوْمَ العِيدِ، وسَبَبُ وُجُوبِها الفِطْرُ؛ بِدَلِيلِ إضافَتِها إليه، وزَكاةُ المالِ سَبَبُها مِلْكُ النِّصابِ، والمَقْصُودُ إغْنَاءُ الفَقِيرِ بها فى الحَوْلِ كلِّه (٤)، فجازَ إخْراجُها فى جَمِيعِه، وهذه المَقْصُودُ منها الإغْناءُ في وَقْتٍ مَخْصُوصٍ، فلم يَجُزْ تَقْدِيمُها قبلَ الوَقْتِ. فأمَّا تَقْدِيمُها بيومٍ أو يَوْمَيْنِ فجائِزٌ؛ لما رَوَى البُخَارِىُّ، بإسْنَادِه عن ابنِ عمرَ (٥)، قال: فَرَضَ رسولُ اللهِ ﷺ صَدَقَةَ الفِطْرِ مِن رمضانَ. وقال فى آخِرِه: وكانوا يُعْطُونَ قبلَ الفِطْرِ بيَوْمٍ أو يَوْمَيْنِ. وهذا إشَارَةٌ إلى جَمِيعِهم، فيكونُ إجْمَاعًا، ولأنَّ تَعْجِيلَها بهذا القَدْرِ لا يُخِلُّ بالمَقْصُودِ منها، فإنَّ الظَّاهِرَ أنَّها تَبْقَى أو بَعْضُها إلى يَوْمِ العِيدِ، فيُسْتَغْنَى بها عن الطَّوَافِ والطَّلَبِ فيه، ولأنَّها زَكَاةٌ، فجازَ تَعْجِيلُها قبلَ وُجُوبِها، كزَكَاةِ المالِ. واللهُ أعلمُ. ٤٧٥ - مسألة؛ قال: (ويَلْزَمُهُ أنْ يُخْرِجَ عَنْ نَفْسِهِ، وعَنْ عِيَالِهِ، إذَا كَانَ عِنْدَهُ فَضْلٌ عَنْ قُوتِ يَوْمِهِ ولَيْلَتِهِ) عِيالُ الإنْسانِ: مَن يَعُولُه. أى يَمُونهُ فتَلْزَمُه فِطْرَتُهُم، كما تَلْزَمُه مُؤْنَتُهم، إذا وَجَدَ ما يُؤَدِّى عنهم؛ لِحَدِيثِ ابنِ عمرَ، أن رسولَ اللهِ ﷺ فَرَضَ صَدَقَةَ الفِطْرِ، عن كُلِّ صَغِيرٍ وكبِيرٍ، حُرٍّ وعَبْدٍ، مِمَّنْ تَمُونُونَ (١). والذين يَلْزَمُ الإنْسانَ

стр. 1948

نَفَقَتُهم وفِطْرَتُهم ثَلَاثة أصْنَافٍ: الزَّوْجَاتُ، والعَبِيدُ، والأقارِبُ. فأمَّا الزَّوْجَاتُ فعليه فِطْرَتُهُنَّ. وبهذا قال مالِكٌ، والشَّافِعِىُّ، وإسحاقُ. وقال أبو حنيفةَ، والثَّوْرِىُّ، وابنُ المُنْذِرِ: لا تَجِبُ عليه فِطْرَةُ امْرَأتِه. وعلى المَرْأةِ فِطْرَةُ نَفْسِها، لِقَوْلِ النَّبِىِّ ﷺ : "صَدَقَةُ الفِطْرِ عَلَى كُلِّ ذَكَرٍ وأُنْثَى" (٢). ولأنَّها زَكاةٌ، فوَجَبَتْ عليها، كزكاةِ مَالِها. ولَنا، الخَبَرُ، ولأنَّ النِّكَاحَ سَبَبٌ تَجِبُ به النَّفَقَةُ، فوَجَبَتْ به الفِطْرَةُ، كالمِلْكِ والقَرَابَةِ، بِخِلافِ زَكَاةِ المالِ، فإنَّها لا تُتَحَمَّلُ بالمِلْكِ والقَرَابةِ، فإن كان لِامْرَأتِه مَنْ يَخْدُمُها بأُجْرَةٍ، فليس على الزَّوْج فِطْرَتُه؛ لأنَّ الوَاجِبَ الأجْرُ دُونَ النَّفَقَةِ. وإن كان لها نَظَرْتَ، فإن كانتْ مِمَّنْ لا يَجِبُ لها خادِمٌ، فليس عليه نَفَقَةُ خَادِمِها، ولا فِطْرَتُه، وإن كانت مِمَّنْ يُخْدَمُ مِثْلُها، فعلَى الزَّوْجِ أن يُخْدِمَها، ثم هو مُخَيَّرٌ بينَ أن يَشْتَرِىَ لها خَادِمًا، [أو يَسْتَأْجِرَ] (٣)، أو يُنْفِقَ على خَادِمِها، [فإن اشْتَرَى] (٤) لها خادِمًا أو (٥) اخْتَارَ الإِنْفَاقَ على خَادِمِها فعليه فِطْرَتُه، وإن اسْتَأْجَرَ لها خادِمًا فليس عليه نَفَقَتُه ولا فِطْرَتُه، سَوَاءٌ شَرَطَ عليه مُؤْنَتَه أو لم يشرُط؛ لأنَّ المُؤْنَةَ إذا كانت أُجْرَةً فهى من مالِ المُسْتَأْجِرِ. وإن تَبَرَّعَ بالإنْفَاقِ على مَن لا تَلْزَمُه نَفَقَتُه، فحُكْمُه حُكْمُ من تَبَرَّعَ بالإِنْفَاقِ على أَجْنَبِىٍّ، وسَنَذْكُرُه إن شاءَ اللهُ تعالى (٦). وإن نَشَزَتِ المَرْأَةُ فى وَقْتِ الوُجُوبِ، ففِطْرَتُها على نَفْسِها دُونَ زَوْجِها؛ لأنَّ نَفَقَتَها لا تَلْزَمُه. واخْتَارَ أبو الخَطَّابِ أنَّ عليه فِطْرَتَها؛ لأنَّ الزَّوْجِيَّةَ ثابِتَةٌ عليها فلَزِمَتْه فِطْرَتُها، كالمَرِيضَةِ التى لا تَحْتاجُ إلى نَفَقَةٍ. والأوَّلُ: أصَحُّ؛ لأنَّ هذه مِمَّنْ لا تَلْزَمُه مُؤْنَتُه، فلا تَلْزَمُه فِطْرَتُه،

стр. 1949

كالأجْنَبِيَّةِ، وفَارَقَ المَرِيضَةَ؛ لأنَّ عَدَمَ الإنْفَاقِ عليها لِعَدَمِ الحاجَةِ، لا لِخَلَلٍ فى المُقْتَضى لها، فلا يَمْنَعُ ذلك من ثُبُوتِ تَبَعِها، بخِلافِ النَّاشِزِ. وكذلك كُلُّ امْرَأةٍ لا يَلْزَمُه نَفَقَتُها، كغَيْرِ المَدْخُولِ بها إذا لم تُسَلَّمْ إليه، والصَّغِيرَةِ التى لا يُمْكِن الاسْتِمْتَاعُ بها، فإنَّه لا تَلْزَمُه نَفَقَتُها ولا فِطْرَتُها، لأنَّها ليستْ مِمَّنْ يَمُونُ. فصل: وأما العَبِيدُ فإنْ كانوا لغيرِ التِّجَارَةِ، فعلَى سَيِّدِهم فِطْرَتُهم. لا نَعْلَمُ فيه خِلافًا. وإن كانوا لِلتِّجَارَةِ، فعليه أيضا فِطْرَتُهم. وبهذا قال مالِكٌ، واللَّيْثُ، والأوْزاعِىُّ، والشَّافِعِىُّ، وإسحاقُ، وابنُ المُنْذِرِ. وقال عَطاءٌ، والنَّخَعِىُّ، والثَّوْرِىُّ، وأصْحَابُ الرَّأْىِ: لا تَلْزَمُه فِطْرَتُهم؛ لأنَّها زَكاةٌ، ولا تَجِبُ فى مالٍ واحِدٍ زَكاتانِ، وقد وَجَبَتْ فيهم زَكاةُ التِّجارَةِ، فيَمْتَنِعُ وُجُوبُ الزَّكاةِ الأُخْرَى، كالسَّائِمَةِ إذا كانتْ لِلتِّجارَةِ. ولَنا، عُمُومُ الأحَادِيثِ وقولُ ابنِ عمرَ: فَرَضَ رسولُ اللهِ ﷺ زَكَاةَ الفِطْرِ على الحُرِّ والعَبْدِ (٧). وفى حَدِيثِ عَمْرِو بن شُعَيْبٍ: "ألَا إنَّ صَدَقَةَ الفِطْرِ وَاجِبَةٌ على كل مُسْلِمٍ، ذَكَرٍ أو أُنْثَى، حُرٍّ أو عَبْدٍ، صَغِيرٍ أو كَبِيرٍ" (٨). ولأنَّ نَفَقَتَهم وَاجِبَةٌ فوَجَبَتْ فِطْرَتُهم، كعَبِيدِ القُنْيَةِ. أو نقول: مُسْلِمٌ تَجِبُ مُؤْنَتُه، فوَجَبَتْ فِطْرَتُه، كالأصْلِ، وزَكاةُ الفِطْرَةِ تَجِبُ على البَدَنِ، ولهذا تَجِبُ على الأحْرارِ، وزكاةُ التِّجارَةِ تَجِبُ عن القِيمَةِ، وهى المالُ، بخِلافِ السَّوْمِ والتِّجارَةِ، فإنَّهما يَجِبانِ بِسَبَبِ مالٍ واحِدٍ، ومتى (٩) كان عَبِيدُ التِّجَارَةِ فى يَدِ المُضَارِبِ وَجَبَتْ فِطْرَتُهم مِن مالِ المُضَارَبَةِ؛ لأنَّ مُؤْنَتَهم منها. وحَكَى ابنُ المُنْذِرِ عن الشَّافِعِىِّ، أنَّها على رَبِّ المالِ. ولَنا، أنَّ الفِطْرَةَ تَابِعَةٌ لِلنَّفَقَةِ، وهى من مالِ المُضارَبَةِ، فكذلك الفِطْرَةُ.

стр. 1950

فصل: وتَجِبُ فِطْرَةُ العَبْدِ الحاضِرِ والغائِبِ الذى تُعْلَمُ حَياتُه، والآبِقِ، والصّغِيرِ، والكَبِيرِ، والمَرْهُونِ، والمَغْصُوبِ. قال ابنُ المُنْذِرِ: أجْمَعَ عَوَامُّ أهْلِ العِلْمِ على أنَّ على المَرْءِ زكاةَ الفِطْرِ عن مَمْلُوكِه الحاضِرِ غيرِ المُكاتَبِ، والمَغْصُوبِ، والآبِقِ، وعَبِيدِ التِّجارَةِ. فأمَّا الغائِبُ، فعليه فِطْرَتُه إذا عَلِمَ أنَّه حَىٌّ، سَوَاءٌ رَجَا رَجْعَتَه أو أَيِسَ (١٠) منها، وسَوَاءٌ كان مُطْلَقًا أو مَحْبُوسًا، كالأسِيرِ وغيرِه. قال ابنُ المُنْذِرِ: أكْثَرُ أهْلِ العِلْمِ يَرَوْنَ أن تُؤَدَّى زَكاةُ الفِطْرِ عن الرَّقِيقِ، غَائِبِهم وحَاضِرِهم. لأنَّه مالِكٌ لهم، فوَجَبَتْ فِطْرَتُهم عليه كالحاضِرِينَ. وممَّن أوْجَبَ فِطْرَةَ الآبِقِ الشَّافِعِىُّ، وأبو ثَوْرٍ، وابنُ المُنْذِرِ. وأوْجَبَها الزُّهْرِىُّ إذا عُلِمَ مَكَانُه. والأوْزَاعِىُّ إن كان فى دارِ الإِسلامِ. ومالِكٌ إن كانت غَيْبَتُه قَرِيبَةً. ولم يُوجِبْها عَطاءٌ، والثَّوْرِىُّ، وأصْحابُ الرَّأْىِ؛ لأنَّه لا يَلْزَمُه الإِنْفاقُ عليه، فلا تَجِبُ فِطْرَتُه، كالمَرْأةِ النَّاشِزِ. ولَنا، أنَّه مالٌ له، فوَجَبَتْ زَكاتُه فى حالِ غَيْبَتِه، كمالِ التِّجارَةِ. ويَحْتَمِلُ أنْ لا يَلْزَمَهُ إخْراجُ زَكَاتِه حتى يَرْجِعَ إلى يَدِه، كزَكاةِ الدَّيْنِ والمَغْصُوبِ. ذَكَرَهُ ابنُ عَقِيلٍ. ووَجْهُ القَوْلِ الأوَّلِ، أنَّ زَكاةَ الفِطْرِ تَجِبُ تَابِعَةً لِلنَّفَقَةِ، والنَّفَقَةُ تَجِبُ مع الغَيْبَةِ؛ بِدَلِيلِ أنَّ مَن رَدَّ الآبِقَ رَجَعَ بِنَفَقَتِه. وأمَّا مَن شُكَّ فى حَياتِه منهم، وانْقَطَعَتْ أَخْبَارُه (١١)، لم تَجِبْ فِطْرَتُه، نَصَّ عليه، فى رِوايَةِ صالِحٍ؛ لأنَّه لا يَعْلَمُ بَقاءَ مِلْكِه عليه، ولو أَعتَقَه فى كَفَّارَتِه لم يُجْزِئْهُ، فلم تَجِبْ فِطْرَتُه كالمَيِّتِ. فإن مَضَتْ عليه سِنُونَ، ثم عَلِمَ حَيَاتَه، لَزِمَهُ الإخْرَاجُ لما مَضَى؛ لأنَّه بَانَ له وُجُودُ سَبَبِ الوُجُوبِ فى الزَّمَنِ الماضِى، فوَجَبَ عليه الإخْرَاجُ لما مَضَى، كما لو سَمِعَ بهَلَاكِ مالِهِ الغائِب، ثم بانَ أنَّه كان سَالِمًا. والحُكْمُ فى القَرِيبِ الغائِبِ، كالحُكْمِ فى العَبِيدِ (١٢)؛ لأنَّهم مِمَّنْ تَجِبُ فِطْرَتُهُم

стр. 1951

مع الحُضُورِ، فكذلك مع الغَيْبَةِ كالعَبِيدِ (١٣). ويَحْتَمِلُ أنْ لا تَجِبَ فِطْرَتُهم مع الغَيْبَةِ؛ لأنَّه لا يَلْزَمُه بَعْثُ نَفَقَتهم إليهم، ولا يَرْجِعُونَ بالنَّفَقَةِ الماضِيَةِ. فصل: فأمَّا عَبِيدُ عَبِيدِه؛ فإنْ قُلْنا إنَّ العَبْدَ لا يَمْلِكُهم بالتَّملِيكِ، فالفِطْرَةُ على السَّيِّدِ، لأنَّهم مِلْكُه. وهذا ظاهِرُ كلامِ الخِرَقِىِّ. وقولُ أبى الزِّنادِ، ومالِكٍ، والشَّافِعِىِّ، وأصْحَابِ الرَّأْىِ. وإن قُلْنَا يَمْلِكُ بالتَّملِيكِ، فقد قِيلَ: لا تَجِبُ فِطْرَتُهُم على أحَدٍ؛ لأنَّ السَّيِّدَ لا يَمْلِكُهم، ومِلْكُ العَبْدِ ناقِصٌ. والصَّحِيحُ وُجُوبُ فِطْرَتِهم؛ لأنَّ فِطْرَتَهم تَتْبَعُ النَّفَقَةَ، ونَفَقَتُهم واجِبَةٌ، فكذلك فِطْرَتُهم. ولا يُعْتَبَرُ فى وُجُوبِها كمَالُ المِلْكِ، بِدَلِيلِ وُجُوبِها على المُكاتَبِ عن نَفْسِه وعَبِيدِه، مع نَقْصِ مِلْكِه. فصل: وأمَّا زَوْجَةُ العَبْدِ، فذَكَرَ أصْحابُنا المُتَأَخِّرُونَ أنَّ فِطْرَتَها على نَفْسِها إن كانت حُرَّةً، وعلى سَيِّدِها إن كانت أمَةً. وقياسُ المذهبِ عندى وُجُوبُ فِطْرَتِها على سَيِّدِ العَبْدِ؛ لِوُجُوبِ نَفَقَتِها عليه، ألا تَرَى أنَّه تَجِبُ عليه فِطْرَةُ خَادِمِ امْرَأتِه، مع أنه لا يَمْلِكُها؛ لِوُجُوبِ نَفَقَتِها، وقد قال النَّبِىُّ ﷺ : "أدُّوا صَدَقَةَ الفِطْرِ عَمَّنْ تَمُونُونَ" (١٤). وهذه مِمَّنْ يَمُونُ (١٥). وقد ذَكَرَ أصْحابُنا أنَّه لو تَبَرَّعَ بمُؤْنَةِ شَخْصٍ، لَزِمَتْه فِطْرَتُه، فمَن تَجِبُ عليه أوْلَى. وهكذا لو زَوَّجَ الابنُ أباهُ، وكان مِمَّنْ تَجِبُ عليه نَفَقَتُه ونَفَقَةُ امْرأتِه، فعليه فِطْرَتُهما، واللهُ أعلمُ.

стр. 1952

فصل: وإن تَبَرَّعَ بمُؤْنَةِ إنْسانٍ فى شهرِ رمضانَ، فأكْثَرُ أصْحَابِنَا يَخْتَارُونَ وُجُوبَ الفِطْرَةِ عليه. وقد نَصَّ عليه أحمدُ، فى رِوَايَةِ أبى دَاوُدَ، فى مَن ضَمَّ إلى نَفْسِه يَتِيمَةً يُؤَدِّى عنها؛ وذلك لِقَوْلِه ﵇: "أدُّوا صَدَقَةَ الفِطْرِ عَمَّنْ تَمُونُونَ". وهذا مِمَّنْ يَمُونُ (١٦)، ولأنَّه شَخْصٌ يُنْفِقُ عليه، فلَزِمَتْه فِطْرَتُه كعَبْدِهِ. واخْتَارَ أبو الخَطَّابِ أنَّه (١٧) لا تَلْزَمُه فِطْرَتُه، لأنَّه لا تَلْزَمُه مُؤْنَتُه، فلم تَلْزَمْهُ فِطْرَتُه، كما لو لم يَمُنْه. وهذا قولُ أكْثَرِ أهْلِ العِلْمِ، وهو الصَّحِيحُ إن شاءَ اللهُ تعالى. وكلامُ أحمدَ فى هذا مَحْمُولٌ على الاسْتِحْبَابِ، لا علَى الإيجابِ، والحَدِيثُ مَحْمُولٌ على من تَلْزَمُه مُؤْنَتُه، لا على حَقِيقَةِ المُؤْنَةِ، بِدَلِيلِ أنَّه تَلْزَمُه فِطْرَةُ الآبِقِ ولم (١٨) يَمُنْه، ولو مَلَكَ عَبْدًا عندَ غُرُوبِ الشَّمْسِ، أو تَزَوَّجَ، أو وُلِدَ له وَلَدٌ، لَزِمَتْه فِطْرَتُهُم؛ لِوُجُوبِ مُؤْنَتِهِم عليه، وإن لم يَمُنْهُم، ولو باع عَبْدَهُ، أو طَلَّقَ امْرَأتَه، أو مَاتَا، أو ماتَ وَلَدُه، لم تَلْزَمْهُ فِطْرَتُهُم، وإن مَانَهُم؛ ولأنَّ قَوْلَه: "مِمَّنْ تَمُونُونَ" فِعْلٌ مُضَارِع، فيَقْتَضِى الحالَ أو الاسْتِقْبَال دُونَ الماضِى، ومَن مَانَه فى رمضانَ إنَّما وُجِدَتْ مُؤْنَتُه (١٩) فى الماضِى، فلا يَدْخُلُ فى الخَبَرِ، ولو دَخَلَ فيه لَاقْتَضَى وُجُوبَ الفِطْرَةِ على مَن مَانَه لَيْلَةً واحِدَةً، وليس فى الخَبَرِ ما يُقَيِّدُه بالشَّهْرِ ولا بِغَيْرِه، فالتَّقْيِيد بِمُؤْنَةِ الشَّهْرِ تَحَكُّمٌ. فعلى هذا القول تكونُ فِطْرَةُ هذا المُخْتَلَفِ فيه على نَفْسِه، كما لو لم يَمُنْه. وعلى قَوْلِ أصْحَابِنَا المُعْتَبَرُ الإنْفَاقُ فى جَمِيعِ الشَّهْرِ. وقال ابنُ عَقِيلٍ: قِياسُ مَذْهَبِنَا أنَّه إذا مَانَه آخِرَ لَيْلَةٍ، وَجَبَتْ فِطْرَتُه، قِيَاسًا على من مَلَكَ عَبْدًا عندَ غُرُوبِ الشَّمْسِ. وإنْ (٢٠) مَانَه جَمَاعَةٌ فى الشَّهْرِ كُلِّه، أو مَانَه إنْسَانٌ بعضَ الشَّهْرِ، فعلَى تَخْرِيِجِ (٢١) ابنِ عَقِيلٍ هذا تكونُ

стр. 1953

فِطْرَتُه على من مَانَه آخِرَ لَيْلَةٍ، وعلى قولِ غيرِه يَحْتَمِلُ أنْ لا تَجِبَ فِطْرَتُه على أحَدٍ مِمَّنْ مَانَه؛ لأنَّ سَبَبَ الوُجُوبِ المُؤْنَةُ فى جَمِيعِ الشَّهْرِ ولم يُوجَدْ. ويَحْتَمِلُ أن تَجِبَ على الجَمِيعِ فِطْرَةٌ واحِدَةٌ بالحِصَصِ؛ لأنَّهم اشْتَرَكُوا فى سَبَبِ الوُجُوبِ، فأشْبَه ما لو اشْتَرَكُوا فى مِلْكِ عَبْدٍ. ٤٧٦ - مسألة؛ قال: (إذَا كَانَ عِنْدَهُ فَضْلٌ عَنْ قُوتِ يَوْمِه ولَيْلَتِهِ) وجُمْلَةُ ذلك أنَّ صَدَقَةَ الفِطْرِ واجِبَةٌ على مَن قَدَرَ عليها، ولا يُعْتَبَرُ فى وُجُوبِها نِصابٌ. وبهذا قال أبو هُرَيْرَةَ، وأبو العَالِيَةِ، والشَّعْبِىُّ، وعَطاءٌ، وابنُ سِيرِينَ، والزُّهْرِىُّ، ومالِكٌ، وابنُ المُبَارَكِ، والشَّافِعِىُّ، وأبو ثَوْرٍ. وقال أصْحابُ الرأىِ: لا تَجِبُ إلَّا على من يَمْلِكْ (١) مائتَىْ دِرْهَمٍ، أو ما قِيمَتُه نِصَابٌ فاضِلًا (٢) عن مَسْكَنِه؛ لِقَوْلِ رسولِ اللهِ ﷺ : "لا صَدَقَةَ إلَّا عَنْ ظَهْرِ غِنًى" (٣). والفَقِيرُ لا غِنَى له، فلا تَجِبُ عليه، ولأنَّه تَحِلُّ له الصَّدَقَةُ، فلا تَجِبُ عليه، كمَنْ لا يَقْدِرُ عليها. ولَنا، ما رَوَى ثَعْلَبَةُ بنُ أبِى صُعَيْرٍ، عن أبِيهِ، أنَّ رسولَ اللهِ ﷺ قال: "أَدُّوا صَدَقَةَ الفِطْرِ صَاعًا من قَمْحٍ" أو قال: "بُرٍّ، عَنْ كلِّ إنْسَانٍ، صَغِيرٍ أو كَبِيرٍ، حُرٍّ أو مَمْلُوكٍ، غَنِىٍّ أو فقِيرٍ، ذَكَرٍ أو أُنْثَى، أمَّا غَنِيُّكُم فَيُزَكِّيه اللهُ، وأمَّا فَقِيرُكُم فيَرُدُّ اللهُ عَلَيْهِ أكْثَرَ ممَّا أعْطَى" (٤). وفى رِوَايَةِ أبى دَاوُدَ (٥): "صاعٌ مِنْ بُرٍّ أو قَمْحٍ عَنْ كُلِّ اثْنَيْنِ". ولأنَّه حَقُّ مالٍ لا يَزِيدُ بِزِيَادَةِ المالِ، فلا يُعْتَبَرُ وُجُوبُ النِّصابِ فيه. كالكَفَّارَةِ، ولا يَمْتَنِعُ أن يُؤْخَذَ منه ويُعْطَى،

стр. 1954

كَمَن (٦) وَجَبَ عليه العُشْرُ، والذى قاسُوا عليه عاجزٌ، فلا يَصِحُّ القِيَاسُ عليه، وحَدِيثُهم مَحْمُولٌ على زَكاةِ المالِ. فصل: وإذا لم يَفْضُلْ إلَّا صَاعٌ أخْرَجَهُ عن نَفْسِه؛ لِقَوْلِه ﵇: "ابْدَأْ بِنَفْسِكَ ثمَّ بِمَنْ تَعُولُ" (٧). ولأنَّ الفِطْرَةَ تَنْبَنِى على النَّفَقَةِ، فكما يَبْدَأُ بنَفْسِه فى النَّفَقَةِ فكذلك فى الفِطْرَةِ. فإن فَضَلَ آخَرُ أخْرَجَهُ عن امْرَأتِه؛ لأنَّ نَفَقَتَها آكَدُ، فإنَّها (٨) تَجِبُ على سَبِيلِ المُعَاوَضَةِ مع اليَسارِ والإعْسارِ، ونَفَقَةُ الأقارِبِ صِلَةٌ تَجِبُ مع اليَسارِ دون الإعْسارِ. فإن فَضَلَ آخَرُ، أخْرَجَه عن رَقِيقِه؛ لِوُجُوبِ نَفَقَتِهم فى الإعْسَارِ. وقال ابنُ عَقِيلٍ: يَحْتَمِلُ تَقْدِيمُ الرَّقِيقِ على الزَّوْجَةِ؛ لأنَّ فِطرَتَه مُتَّفَقٌ عليها، وفِطْرَتُها مُخْتَلَفٌ فيها. فإن فَضَلَ آخَرُ أخْرَجَه عن وَلَدِه الصَّغِيرِ، لأنَّ نَفَقَتَه مَنْصُوصٌ عليها ومُجْمَعٌ عليها. وفى الوَالِدِ والوَلَدِ الكَبِيرِ وَجْهانِ؛ أحَدُهُما، يُقَدَّمُ الوَلَدُ؛ لأنَّه كَبَعْضِه. والثانى، الوَالِدُ، لأنَّه كبَعْضِ والدِه. وتُقَدَّمُ فِطْرَةُ الأُمِّ على فِطْرَةِ الأبِ، لأنَّها مُقَدَّمَةٌ فى البِرِّ، بِدَلِيلِ قولِ النَّبِىِّ ﷺ للأعْرَابِىِّ لمَّا سَأَلَهُ: مَنْ أبَرُّ؟ قال: "أُمَّكَ". قال: ثم مَنْ؟ قال: "أُمَّكَ" (٩). قال: ثم مَنْ؟ قال: "أمَّكَ" (٩). قال: ثم مَنْ؟ قال: "ثم أبَاكَ" (١٠). ولأنَّها ضَعِيفَةٌ عن الكَسْبِ. ويَحْتَمِلُ تَقْدِيمَ فِطرَةِ الأبِ؛ لِقَوْلِ النَّبِىِّ

стр. 1955

- ﷺ : "أنْتَ ومَالُكَ لأبِيكَ" (١١). ثم الجَدِّ (١٢)، ثم (١٣) الأقْرَبِ فالأقْرَبِ، على تَرْتِيبِ (١٤) المِيرَاثِ. ويَحْتَمِلُ تَقْدِيمَ فِطْرَةِ الوَلَدِ على فِطْرَةِ المَرْأَةِ؛ لما رَوَى أبو هُرَيْرَةَ، قال: أمَرَ رسولُ اللهِ ﷺ بالصَّدَقَةِ، فقامَ رَجُلٌ فقال: يا رسولَ اللَّه: عِنْدِى دِينَارٌ. قال: "تَصَدَّقْ بِهِ عَلَى نَفْسِكَ". قال: عِنْدِى آخَرُ. قال: "تَصَدَّقْ بِهِ عَلَى وَلَدِكَ". قال: عِنْدِى آخَرُ، قال: "تَصَدَّقْ بهِ عَلَى زَوْجِكَ" (١٥). قال: عِنْدِى آخَرُ، قال: "تَصَدَّقْ بِهِ عَلَى خَادِمِكَ". قال: عِنْدِى آخَرُ، قال: "أنْتَ أبْصَرُ" (١٦). فقَدَّمَ الوَلَدَ فى الصَّدَقَةِ عليه، فكذلك فى (١٧) الصَّدَقَةِ عنه. ولأنَّ الوَلَدَ كبَعْضِه، فيُقَدَّمُ كتَقْدِيمِ نَفْسِه، ولأنَّه إذا ضَيَّعَ وَلَدَه لم يَجِدْ من يُنْفِقُ عليه، فيَضِيعُ، والزَّوْجَةُ إذا لم يُنْفقْ عليها فُرِّقَ بينهما، وكان لها مَن يَمُونُها، من زَوْجٍ أو ذِى رَحِمٍ. ولأنَّ نَفَقَةَ الزَّوْجَةِ على سَبِيلِ المُعاوَضَةِ، فكانتْ أضْعَفَ فى اسْتِتْبَاعِ الفِطْرَةِ من النَّفَقَةِ الوَاجِبَةِ على سَبِيلِ الصِّلَةِ؛ لأنَّ وُجُوبَ العِوَضِ المُقَدَّرِ لا يَقْتَضِى وُجُوبَ زِيَادَةٍ عليه يَتَصَدَّقُ بها عَمَّنْ له العِوَضُ، ولهذا لم تَجِبْ فِطْرَةُ الآخَرِ (١٨) المَشْرُوطِ (١٩) له مُؤْنَتُه، بخِلافِ القَرابَةِ، فإنَّها كما اقْتَضَتْ صِلَتَه بالإنْفَاقِ عليه، اقْتَضَتْ صِلَتَه بِتَطْهِيرِه بإخْرَاجِ الفِطْرَةِ عنه.

стр. 1956

فصل: فإنْ لم يَفْضُلْ إلَّا بعضُ صَاعٍ، فهل يَلْزَمُه إخْرَاجُه؟ على رِوَايَتَيْنِ؛ إحْدَاهُما، لا يَلْزَمُه. اخْتَارَها ابنُ عَقِيلٍ؛ لأنَّها طُهْرَةٌ، فلا تَجِبُ على مَنْ لا يَمْلِكُ جَمِيعَها، كالكَفَّارَةِ. والثانيةُ، يَلْزَمُه إخْرَاجُه؛ لِقَوْلِ النَّبِىِّ ﷺ : "إذَا أَمَرْتُكُمْ بأَمْرٍ فَائْتُوا مِنْهُ مَا اسْتَطَعْتُمْ" (٢٠). ولأنَّها طُهْرَةٌ، فوَجَبَ منها ما قَدَرَ عليه، كالطَّهَارَةِ بالماءِ، ولأنَّ الجُزْءَ من الصَّاعِ يُخْرَجُ عن العَبْدِ المُشْتَرَكِ، فجازَ أن يُخْرَجَ عن غيرِه، كالصَّاعِ. فصل: وإن أعْسَرَ بفِطْرَةِ زَوْجَتِه، فعليها فِطْرَةُ نَفْسِها، أو على سَيِّدِها إن كانتْ مَمْلُوكَةً؛ لأنَّها تُتَحَمَّلُ إذا كان ثَمَّ مُتَحَمَّلٌ، فإذا لم يَكُنْ عَادَ إليها، كالنَّفَقَةِ. ويَحْتَمِلُ أنْ لا يَجِبَ عليها شىءٌ؛ لأنَّها لم تَجِبْ على مَن وُجِدَ سَبَبُ الوُجُوبِ فى حَقِّه لِعُسْرَتِه، فلم تَجِبْ على غيرِه، كَفِطْرَةِ نَفْسِه. وتُفَارِقُ النَّفَقَةَ، فإنَّ وُجُوبَها آكَدُ؛ لأنَّها ممَّا لا بُدَّ منه، وتَجِبُ على المُعْسِرِ، والعاجِزِ، ويُرْجَعُ عليها بها عندَ يَسَارِهِ، والفِطْرَةُ بخِلافِها. فصل: ومَن وَجَبَتْ نفقتُه (٢١) على غَيْرِه، كالمَرْأَةِ والنَّسِيبِ الفَقِيرِ، إذا أخْرَجَ عن نَفْسِه بإذْنِ مَن تَجِبُ عليه، صَحَّ بغيرِ خِلافٍ نَعْلَمُه؛ لأنَّه نائِبٌ عنه. وإن أخْرَجَ بغيرِ إذْنِه، ففيه وَجْهَانِ؛ أحَدُهما، يُجْزِئُه، لأنَّه أخْرَجَ فِطْرَته فأجْزَأهُ، كالتى وَجَبَتْ عليه. والثانى: لا يُجْزِئُه؛ لأنَّه أدَّى ما وَجَبَ على غيرِه بغيرِ إذْنِه، فلم يَصِحَّ، كما لو أدَّى عن غيرِه. فصل: ومَن له دَارٌ يَحْتاجُ إليها لِسُكْناهُ (٢٢)، أو إلى أجْرِهَا لِنَفَقَتِه، أو ثِيَابُ بِذْلَةٍ له، أو لِمَنْ تَلْزَمُه مُؤْنَتُه، أو رَقِيقٌ يَحْتَاجُ إلى خِدْمَتِهم، هو أو مَنْ

стр. 1957

يَمُونُهم (٢٣)، أو بَهَائِمُ يَحْتاجُون (٢٤) إلى رُكُوبِها أو الانْتِفَاعِ (٢٥) بها فى حَوَائِجِهم (٢٦) الأَصْلِيَّةِ، أو سَائِمَةٌ يَحْتَاجُ (٢٧) إلى نَمَائِها كذلك، أو بِضَاعَةٌ يخْتَلُّ رِبْحُها الذى يَحْتَاجُ إليه بإخْرَاجِ الفِطْرَةِ منها، فلا فِطْرَةَ عليه كذلك؛ لأنَّ هذا مما تَتَعَلَّقُ به حاجَتُه الأَصْلِيَّة، فلم يَلْزَمْه بَيْعُه، كمُؤْنَةِ نَفْسِه. ومَن له كُتُبٌ يَحْتاجُ إليها لِلنَّظَرِ فيها أو للحِفْظِ (٢٨) منها، لا (٢٩) يَلْزَمُه بَيْعُها. والمَرْأةُ إذا كان لها حَلْىٌ لِلُبْسٍ أو لِكَراءِ المُحْتاجِ (٣٠) إليه، لم يَلْزَمْها بَيْعُه فى الفِطْرَةِ. وما فَضَلَ من ذلك كُلِّه (٣١) عن حَوَائِجِه الأصْلِيَّةِ، وأمْكَنَ بَيْعُه أو صَرْفُه (٣٢) فى الفِطْرَةِ، وَجَبَتِ الفِطْرَةُ به؛ لأنَّه أمْكَنَ أدَاؤُها مِن غيرِ ضَرَرٍ أصْلِىٍّ، أشْبَهَ ما لو مَلَكَ من الطَّعامِ ما يُؤدِّيه فاضِلًا عن حاجَتِه. ٤٧٧ - مسألة؛ قال: (ولَيْسَ عَلَيْهِ فى مُكَاتَبِهِ زكَاةٌ) وعلى المُكَاتَبِ أن يُخْرِجَ عن نَفْسِه زَكَاةَ الفِطْرِ، وممَّن قال: لا تَجِبُ فِطْرَةُ المُكَاتَبِ على سَيِّدِه، أبُو سَلَمَةَ بنُ عبدِ الرحمنِ، والثَّوْرِىُّ، والشَّافِعِىُّ، وأصْحابُ الرَّأْىِ. وأوْجَبَها على السَّيِّدِ عَطَاءٌ، ومالِكٌ (١)، وابنُ المُنْذِرِ؛ لأنَّه عَبْدٌ، فأشْبَه سائِرَ

стр. 1958

عَبِيدِهِ. ولَنا، قَوْلُه ﵇: "مِمَّنْ تَمُونُونَ" (٢). وهذا لا يَمُونُه، ولأنَّه لا تَلْزَمُه مُؤْنَتُه، فلم تَلْزَمْهُ فِطْرَتُه، كالأجْنَبِىِّ، وبهذا فارَقَ سائِرَ عَبِيدِه. إذا ثَبَتَ هذا، فإنَّ على المُكَاتَبِ فِطْرَةَ نَفْسِه، وفِطْرَةَ من تَلْزَمُه نفقَتُه (٣)، كزَوْجَتِه، ورَقِيقِه. وقال أبو حنيفةَ، والشَّافِعِىُّ: لا تَجِبُ عليه؛ لأنَّه ناقِصُ المِلْكِ، فلم تَجِبْ عليه الفِطْرَةُ، كالقِنِّ، ولأنَّها زَكَاةٌ، فلم تَجِبْ [على المكاتَبِ] (٤) كزكاةِ المالِ. ولَنا، أنَّ النَّبِىَّ ﷺ ، فَرَضَ صَدَقَةَ الفِطْرِ على الحُرِّ والعَبْدِ، والذَّكَرِ والأُنْثَى. وهذا عَبْدٌ، ولا يَخْلُو من كَوْنِه ذَكَرًا أو أُنْثَى، ولأنَّه يَلْزَمُه نَفَقَةُ نَفْسِه، فلَزِمَتْهُ فِطْرَتُها، كالحُرِّ المُوسِرِ، ويُفَارِقُ زَكَاةَ المالِ؛ لأنَّه (٥) يُعْتَبَرُ لها الغِنَى والنِّصَابُ والحَوْلُ، ولا يَحْمِلُها أحَدٌ عن غيرِه، بخِلافِ الفِطْرَةِ. فصل: وتَلْزَمُ المُكَاتَبَ فِطْرَةُ من يَمُونُه، كالحُرِّ؛ لِدُخُولِهم فى عُمُومِ قَوْلِه ﵇: "أَدُّوا صَدَقَةَ الفِطْر عَمَّنْ تَمُونُونَ" (٦). ٤٧٨ - مسألة؛ قال: (وإذا مَلَكَ جَمَاعَةٌ عَبْدًا أخْرَجَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ صَاعًا، وعَنْ أبِى عَبْدِ اللهِ [رِوَايَةٌ أُخْرَى] (١)، صَاعًا عَنِ (٢) الجَمِيعِ) وجُمْلَةُ ذلك أنَّ فِطْرَةَ العَبْدِ المُشْتَرَكِ وَاجِبَةٌ على مَوَالِيه. وبهذا قال مالِكٌ، [ومحمدُ بنُ مَسْلَمَةَ (٣)، وعبدُ المَلكِ، والشَّافِعِىُّ] (٤)، ومحمدُ بنُ الحسنِ، وأبو

стр. 1959

ثوْرٍ. وقال الحسنُ، وعِكْرِمَةُ، والثَّوْرِىُّ، وأبو حنيفةَ، وأبو يوسفَ: لا فِطْرَةَ على وَاحِدٍ منهم؛ لأنَّه ليس عليه لأحَدٍ منهم وِلَايَةٌ تَامَّةٌ، أشْبَهَ المُكاتَبَ. ولَنا، عُمُومُ الأحادِيثِ، ولأنَّه عَبْدٌ مُسْلِمٌ مَمْلُوكٌ لمن يَقْدِرُ على الفِطْرَةِ، وهو من أهْلِها فلَزِمَتْه كَمَمْلُوكِ (٥) الوَاحِدِ، وفارَقَ المكاتَبَ، فإنَّه لا تَلْزَمُ سَيِّدَهُ مُؤْنَتُه، ولأنَّ المُكَاتَبَ يُخْرِجُ عن نَفْسِه زَكاةَ الفِطْرِ، بخِلَافِ القِنِّ، والوِلَايَةُ غيرُ مُعْتَبَرَةٍ فى وُجُوبِ الفِطْرَةِ، بِدَلِيلِ عَبْدِ الصَّبِىِّ، ثم إنَّ وِلَايَتَهُ لِلْجَمِيعِ، فتكونُ فِطْرَتُه عليهم. واخْتَلَفَتِ الرِّوايَةُ فى قَدْرِ الواجِبِ على كُلِّ واحِدٍ منهم، ففى إحْداهما على كُلِّ واحِدٍ صَاعٌ؛ لأنَّها طُهْرَةٌ، فوَجَبَ تَكْمِيلُها على كُلِّ واحِدٍ من الشُّرَكاءِ، ككَفَّارَةِ القَتْلِ. والثانية، على الجَمِيعِ، صَاعٌ وَاحِدٌ على كُلِّ واحِدٍ منهم بِقَدْرِ مِلْكِه فيه. وهذا الظَّاهِرُ عن أحمدَ. قال فَوْزَانُ (٦): رَجَعَ أحمدُ عن هذه المَسْألَةِ، وقال: يُعْطِى كُلُّ وَاحِدٍ منهم (٧) نِصْفَ صَاعٍ. يَعْنِى رَجَعَ عن إيجابِ صَاعٍ كامِلٍ على كُلِّ واحِدٍ. وهذا قولُ سائِرِ من أوْجَبَ فِطْرَتَه على سادَتِه؛ لأنَّ النَّبِىَّ ﷺ أوْجَبَ صَاعًا عن (٨) كلِّ واحِدٍ. وهذا عَامٌّ فى المُشْتَرَكِ وغيرِه، ولأنَّ نَفَقَتَه تُقسَمُ عليهم، فكذلك فِطْرَتُه التَّابِعَةُ لها، ولأنَّه شَخْصٌ وَاحِدٌ، فلم تَجِبْ عنه صِيعَان كسائِرِ الناسِ، ولأنَّها طُهْرَةٌ فوَجَبَتْ على سَادَتِه بالحِصَصِ، كماءِ الغُسْلِ من الجَنابَةِ إذا احْتِيجَ إليه، وبهذا يَنْتَقِضُ ما ذَكَرْنَاهُ لِلرِّوَايَةِ الأُولَى. فصل: ومَن بَعْضُه حُرٌّ، فَفِطْرَتُه عليه وعلى سَيِّدِه. وبهذا قال الشَّافِعِىُّ، وأبو ثَوْرٍ، وقال مالِكٌ: على الحُرِّ بحِصَّتِه، وليس على العَبْدِ شىءٌ. ولَنا، أنَّه عَبْدٌ مُسْلِمٌ [تَلْزَمُ مُؤُنَتُه] (٩) شَخْصَينِ من أهْلِ الفِطْرَةِ، فكانَتْ فِطْرَتُه عليهما

стр. 1960

كالمُشْتَرَكِ، ثم هل يَلْزَمُ كُلَّ واحدٍ منهما صَاعٌ أو بالحِصَصِ؟ يَنْبَنِى على ما ذَكَرْنَا فى العَبْدِ المُشْتَرَكِ، فإن كان أحَدُهما مُعْسِرًا فلا شىءَ عليه، وعلى الآخَرِ القَدْرُ (١٠) الوَاجِبُ عليه، ولو كان "بين السَّيِّدِ والعَبْدِ (١١) مُهَايَأةٌ، أو كان المُشْتَرِكُونَ فى العَبْدِ قد تهايأُوا عليه، لم تَدْخُل الفِطْرَةُ فى المُهَايَأَةِ؛ لأنَّ المُهَايَأَةَ مُعَاوَضَةُ كَسْبٍ بِكَسْبٍ، والفِطْرَةُ حَقٌّ لِلّهِ تعالى، فلا تَدْخُلُ فى ذلك، كالصلاةِ. فصل: ولو ألْحَقَتِ القَافةُ وَلَدًا بِرَجُلَيْنِ أو أكْثَرَ، فالحُكْمُ فى فِطْرَتِه كالحُكْمِ فى العَبْدِ المُشْتَرَكِ. ولو أنَّ شَخْصًا حُرًّا له [قَرابتان أو أكثر] (١٢) عليهم نَفَقَتُه بينهم، كانت فِطْرَتُه عليهِم، كالعَبْدِ المُشْتَرَكِ، على ما ذُكِرَ فيه. ٤٧٩ - مسألة؛ قال: (ويُعْطِى صَدَقَةَ الفِطْرِ لِمَنْ يَجُوزُ أنْ يُعْطَى صَدَقَةَ الأمْوَالِ) إنَّما كان كذلك؛ لأنَّ صَدَقَةَ الفِطْرِ زَكَاةٌ، فكان مَصْرِفُهَا مَصْرِفَ سَائِرِ الزَّكاوَاتِ، ولأنَّها صَدَقَةٌ، فَتَدْخُلُ فى عُمُومِ قَوْلِه تعالى: ﴿إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ﴾ (١). الآية، ولا يجوزُ دَفْعُها إلى مَن لا يجوزُ دَفْعُ زَكَاة المالِ إليه، ولا يَجُوزُ دَفْعُها إلى ذِمِّىٍّ. وبهذا قال مالِكٌ، واللَّيْثُ، والشَّافِعِىُّ، وأبو ثَوْرٍ، وقال أبو حنيفةَ: يجوزُ. وعن عَمْرِو بنِ مَيْمُونٍ، وعمرو بن شرحبيل أبى مَيسرة الهمدانى (٢)، أنَّهم كانوا يُعْطُونَ منها الرُّهْبَانَ. ولَنا، أنَّها زَكَاةٌ، فلم يَجُزْ دَفْعُها إلى غيرِ

стр. 1961

المُسْلِمِينَ (٣)، [كَزَكاةِ المالِ، ولا خِلافَ فى أنَّ زَكاةَ المالِ لا يجوزُ دَفْعُها إلى غيرِ المُسْلِمِينَ] (٤)، قال ابنُ المُنْذِرِ: أجْمَعَ أهْلُ العِلْمِ على أنْ لا يُجْزِئَ أن يُعْطَى من زَكَاةِ المالِ أحَدٌ من أهْلِ الذِّمَّةِ. فصل: ويجوزُ أن يُعْطِىَ مِن أقارِبِه من يجوزُ أن يُعْطِيَهُ من زَكاةِ مَالِه، ولا يُعْطِى منها غَنِيًّا، ولا ذَا قُرْبَى، ولا أحَدًا مِمَّنْ مُنِعَ أخْذَ زَكاةِ المالِ. ويجوزُ صَرْفُها فى الأصْنَافِ الثَّمَانِيَةِ؛ لأنَّها صَدَقَةٌ، فأشْبَهَتْ صَدَقَةَ المالِ. فصل: وإن دَفَعَها إلى مُسْتَحِقِّها، فأخْرَجَها آخِذُها إلى دَافِعِها، أو جُمِعَتِ الصَّدَقَةُ عند الإمامِ، ففَرَّقَها على أهْلِ السُّهْمانِ، فعَادَتْ إلى إنْسَانٍ صَدَقَتُه، فاخْتارَ القاضى، جَوازَ ذلك، قال: لأنَّ أحمدَ قد نَصَّ فى مَن له نِصابٌ من الماشِيَةِ والزُّرُوعِ (٥)، أنَّ الصَّدَقَةَ تُؤْخَذُ منه، وتُرَدُّ إليه (٦)، إذا لم يَكُنْ له قَدْرُ كِفَايَتِه. وهو مذهبُ الشَّافِعِىِّ، لأنَّ (٧) قَبْضَ الإمامِ أو المُسْتَحِقِّ أزَالَ مِلْكَ المُخْرِجِ، وعادَتْ إليه بِسَبِبٍ آخَرَ، فجازَ كما لو عَادَتْ بِمِيرَاثٍ. وقال أبو بكرٍ: مذهبُ أحمدَ أنَّه لا يَحِلُّ له أخْذُها؛ لأنَّها طُهْرَةٌ له، فلم يَجُزْ له أخْذُها كشِرَائِها؛ ولأنَّ عمرَ رَضِىَ اللهُ عنه، أرَادَ أن يَشْتَرِىَ الفَرَسَ الذى حَمَلَ عليه فىْ سَبِيلِ اللهِ. فقال له النَّبِىُّ ﷺ : "لا تَشْتَرِهَا، ولَا تَعُدْ فى صَدَقَتِكَ، فَإنَّ العَائِدَ فِى صَدَقَتِه كالْعَائِدِ فِى قَيْئِهِ" (٨)، فأمَّا إن اشْتَرَاها لم يَجُزْ له ذلك؛ لِلْخَبَرِ. وإن وَرِثَها فله أخْذُها؛ لأنَّها رَجَعَتْ إليه بغيرِ فِعْلٍ منه.

стр. 1962

٤٨٠ - مسألة؛ قال: (ويَجُوزُ أنْ يُعْطِىَ الوَاحِدَ ما يَلْزَمُ الجَمَاعَةَ، والجَمَاعَةَ ما يَلْزَمُ الوَاحِدَ) أمَّا (١) إعْطَاءُ الجَماعَةِ الواحِدَ فلا نَعْلَمُ فيه خِلافًا؛ لأنَّه صَرَفَ الصَّدقةَ (٢) إلى مُسْتَحِقِّها، فبَرِئَ منها، كما لو دَفَعَها إلى وَاحِدٍ؛ وأمَّا إعْطَاءُ الوَاحِدِ صَدَقَةَ الجَماعَةِ، فإنَّ الشَّافِعِىَّ ومَن وَافَقَهُ، أوْجَبُوا تَفْرِقَةَ الصَّدَقَةِ على سِتَّةِ أصْنافٍ، ودَفْعَ حِصَّةِ كُلِّ صِنْفٍ إلي ثَلَاثةٍ منهم، على ما ذَكَرْنَاهُ قبلَ هذا (٣). وقد ذَكَرْنا الدَّلِيلَ عليه، ولأنَّها صَدَقَةٌ لغيرِ مُعَيَّنٍ، فجازَ صَرْفُها إلى واحِدٍ كالتَّطَوُّعِ. وبهذا قال مالِكٌ، وأبو ثَوْرٍ، وابنُ المُنْذِرِ، وأصْحابُ الرَّأْىِ. ٤٨١ - مسألة؛ قال: (ومَنْ أَخْرَجَ عن الجَنِينِ، فحَسَنٌ. وكَانَ عُثْمَانُ ابنُ عَفَّانَ، رَضِىَ اللهُ عَنْهُ، يُخرِجُ عن الجَنِينِ) المذهبُ أنَّ الفِطْرَةَ غيرُ وَاجِبَةٍ على الجَنِينِ. وهو قولُ أكْثَرِ أهْلِ العِلْمِ. قال ابنُ المُنْذِرِ: كُلُّ مَن نَخفَظُ عنه مِن عُلَمَاءِ الأمْصارِ لا يُوجِبُ (١) على الرَّجُلِ زَكاةَ الفِطْرِ عن الجَنِينِ فى بَطْنِ أُمِّه. وعن أحمدَ، رِوَايَةٌ أُخْرَى، أنَّها تَجِبُ عليه؛ لأنَّه آدَمِىٌّ، تَصِحُّ الوَصِيَّةُ له، وبه، ويَرِثُ فيَدْخُلُ فى عُمُومِ الأخْبَارِ، ويُقاسُ على المَوْلُودِ. ولَنا، أنَّه جَنِينٌ، فلم تَتَعَلَّق الزكاةُ به، كأجِنَّةِ البَهَائِمِ، ولأنَّه لم تَثْبُتْ له أحْكامُ الدُّنْيا إلَّا فى الإرْثِ والوَصِيَّةِ، بِشَرْطِ أن يَخْرُجَ حَيًّا. إذا ثَبَتَ هذا، فإنَّه يُسْتَحَبُّ إخْرَاجُها عنه؛ لأن عثمانَ كان يُخْرِجُها عنه، ولأنَّها صَدَقَةٌ عَمَّنْ لا تَجِبُ عليه، فكانت مُسْتَحَبَّةٌ، كسَائِرِ صَدَقَاتِ التَّطَوُّعِ.

стр. 1963

٤٨٢ - مسألة؛ قال: (وَمَنْ كَانَ فِى يَدِهِ ما يُخْرِجُ (١) صَدَقَةَ الفِطْرِ، وعَلَيْهِ دَيْنٌ مِثْلُه، لَزِمَهُ أن يُخْرِجَ، إلَّا أنْ يَكُونَ مُطَالَبًا بالدَّيْنِ، فَعَلَيْه قَضَاءُ الدَّيْنِ، ولَا زكَاةَ عَلَيْهِ) إنَّما لم يَمْنَع الدَّيْنُ الفِطْرَةَ؛ لأنَّها آكَدُ وُجُوبًا، بِدَلِيلِ وُجُوبِها على الفَقِيرِ، وشُمُولِها لِكُلِّ مُسْلِمٍ قَدَرَ على إخْرَاجِها، ووُجُوبِ تَحَمُّلِها عَمَّنْ وَجَبَتْ نَفَقَتُه على غَيْرِه، ولا تَتَعَلَّقُ بِقَدْرٍ من المالِ، فجَرَتْ مَجْرَى النَّفَقَةِ، ولأنَّ زَكَاةَ المالِ تَجِبُ بالمِلْكِ، والدَّيْنُ يُؤَثِّرُ فى المِلْكِ، فأثَّرَ فيها، وهذه تَجِبُ على البَدَنِ، والدَّيْنُ لا يُؤَثِّرُ فيه، وتَسْقُطُ الفِطْرَةُ عندَ المُطَالَبَةِ بالدَّيْنِ، لِوُجُوبِ أدَائِه عندَ المُطَالَبَةِ، وتَأكُّدِه بكَوْنِه حَقَّ آدَمِىٍّ مُعَيَّنٍ لا يَسْقُطُ بالإعْسارِ، وكَوْنُه أسْبَقَ سَبَبًا وأقْدَمَ وُجُوبًا يَأْثَمُ بِتَأْخِيرِه، فإنَّه يُسْقِطُ غيرَ الفِطْرَةِ، وإنْ لم يُطَالَبْ به (٢)؛ لأنَّ تَأثِيرَ المُطالَبَةِ إنَّما هو فى (٣) إلْزَامِ الأدَاءِ، وتحْرِيمِ التَّأْخِيرِ. فصل: وإن ماتَ مَنْ وَجَبَتْ عليه الفِطْرَةُ قبلَ أدائِها، أُخْرِجَتْ من مالِه (٤) فإن كان عليه دَيْنٌ، وله مَالٌ يَفِى بهما، قُضِيَا جميعًا، وإن لم يَفِ بهما، قُسِّمَ بين الدَّيْنِ والصَّدَقَةِ بالحِصَصِ. نَصَّ عليه أحمدُ فى زَكَاةِ المالِ، أنَّ التَّرِكَةَ تُقْسَمُ بينهما، كذا هاهُنا. فإن كان عليه زَكَاةُ مالٍ، وصَدَقَةُ الفِطْرِ (٥)، ودَيْنٌ، فزَكَاةُ الفِطْرِ والمالِ كالشىءِ الواحِدِ، لاتِّحَادِ مَصْرِفِهِما، فيحَاصَّانِ الدَّيْنَ، وأصْلُ هذا أنَّ حَقَّ اللهِ سُبْحَانَه، وحَقَّ الآدَمِىِّ، إذا تَعَلَّقَا بمَحَلٍّ وَاحِدٍ، فكانَا فى الذِّمَّةِ، أو كانَا فى العَيْنِ، تَسَاوَيَا فى الاسْتِيفَاءِ.

стр. 1964

فصل: وإذا ماتَ المُفْلِسُ، وله عَبِيد، فهَلَّ شَوَّالُ قبلَ قِسْمَتِهِم بين الغُرَمَاءِ، ففِطْرَتُهم على الوَرَثَةِ؛ لأنَّ الدَّيْنَ لا يَمْنَعُ نَقْلَ التَّرِكَة، بل غَايَتُه أن (٦) يكونَ رَهْنًا بِالدَّيْنِ، وفِطرةُ الرَّهْنِ على مَالِكِه. فصل: ولو ماتَ عَبِيدُه، أو مَنْ يَمُونُه، بعدَ وُجُوبِ الفِطْرَةِ، لم تَسْقُطْ؛ لأنَّها دَيْنٌ ثَبَتَ فى ذِمَّتِه بِسَبَبِ عَبْدِه، فلم تَسْقُطْ بِمَوْتِه، كما لو اسْتَدَانَ العَبْدُ بإذْنِه دَيْنًا وَجَبَ فى ذِمَّتِه، ولأنَّ زَكاةَ المالِ لا تَسْقُطُ بِتَلَفِه، فالفِطْرَةُ أوْلَى، فإن زَكاةَ المالِ تَتَعَلَّقُ بالعَيْنِ، فى إحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ، وزَكاةُ الفِطْرِ بخِلافِه. فُصُولٌ فى صَدَقَةِ التَّطَوُّعِ: وهى مُسْتَحَبَّةٌ فى جَمِيعِ الأَوْقَاتِ؛ لِقَوْلِه تعالى: ﴿مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا فَيُضَاعِفَهُ لَهُ أَضْعَافًا كَثِيرَةً﴾ (٧). وأمَرَ بالصَّدَقَةِ فى آياتٍ كَثِيرَة، وحَثَّ عليها، ورَغَّبَ فيها. ورَوَى أبو صالِحٍ، عن أبى هُرَيْرَةَ، قال: قال رسولُ اللهِ ﷺ : "مَنْ تَصَدَّقَ بِعِدْلِ تَمْرَةٍ مِنْ كَسْبٍ طَيِّبٍ، وَلَا يَصْعَدُ إلَى اللهِ إلَّا الطَّيِّبُ، فإنَّ اللهَ تَعَالَى يَقْبَلُها بِيَمِينِهِ، ثم يُرَبِّيها لِصَاحِبِها، كَمَا يُرَبِّى أحَدُكُمْ فَلُوَّهُ (٨)، حَتَّى تَكُونَ مِثْلَ الجَبَلِ". مُتَّفَقٌ عليه (٩). وصَدَقَةُ السِّرِّ

стр. 1965

أفْضَلُ من صَدَقَةِ العَلَانِيَةِ؛ لِقَوْلِ اللهِ تعالى: ﴿إِنْ تُبْدُوا الصَّدَقَاتِ فَنِعِمَّا هِيَ وَإِنْ تُخْفُوهَا وَتُؤْتُوهَا الْفُقَرَاءَ فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَيُكَفِّرُ عَنْكُمْ مِنْ سَيِّئَاتِكُمْ﴾ (١٠). ورَوَى أبو هُرَيْرَةَ، عن النَّبِىِّ ﷺ ، أنَّه قال: "سَبْعَةٌ يُظِلُّهُم اللهُ فِى ظِلِّ عَرْشِهِ يَوْمَ لَا ظِلَّ إلَّا ظِلُّه" وذَكَرَ منهم رَجُلًا "تَصَدَّقَ بِصَدَقَةٍ فَأخْفَاهَا، حَتَّى لا تَعْلَمَ شِمَالُهُ ما تُنْفِقُ يَمِينُه". مُتَّفَقٌ عليه (١١). وَرُوِىَ عن النَّبِىِّ ﷺ : "أنَّ صَدَقَةَ السِّرِّ تُطْفِئُ غَضَبَ الرَّبِّ" (١٢). ويُسْتَحَبُّ الإكْثَارُ منها فى أوْقَاتِ الحاجَاتِ؛ لِقَوْلِ اللهِ تعالى: ﴿أَوْ إِطْعَامٌ فِي يَوْمٍ ذِي مَسْغَبَةٍ﴾ (١٣). وفى شهرِ رمضانَ؛ لأنَّ الحَسَنَاتِ تُضَاعَفُ فيه، ولأنَّ فيها (١٤) إعَانَةً على أدَاءِ الصَّوْمِ المَفْرُوضِ. ومن فَطَّرَ صَائِمًا كان له مِثْلُ أجْرِهِ. وتُسْتَحَبُّ الصَّدَقَةُ على ذِى القَرَابَةِ؛ لِقَوْلِ اللهِ تعالى: ﴿يَتِيمًا ذَا مَقْرَبَةٍ﴾ (١٥). وقال النَّبِىُّ ﷺ : "الصَّدَقَةُ عَلَى الْمِسْكِينِ صَدَقَةٌ، وهِىَ عَلَى ذِى الرَّحِم اثْنَتَانِ، صَدَقَةٌ وصِلَةٌ" (١٦). وهذا حَدِيثٌ حَسَنٌ. وسألتْ زينبُ امْرَأَةُ عبدِ اللهِ (١٧) بن مسعودٍ رسولَ اللهِ ﷺ ، هل يَسَعُها (١٨) أن تَضَعَ صَدَقَتَها فى
следующие страницы →