← Фикх ханбали

Фикх ханбали · id 6910

المغني لابن قدامة - ت التركي

ابن قدامة

Полный текст (7 955 стр.). Показаны 1961–2000 · переход к 1966.

стр. 1961

المُسْلِمِينَ (٣)، [كَزَكاةِ المالِ، ولا خِلافَ فى أنَّ زَكاةَ المالِ لا يجوزُ دَفْعُها إلى غيرِ المُسْلِمِينَ] (٤)، قال ابنُ المُنْذِرِ: أجْمَعَ أهْلُ العِلْمِ على أنْ لا يُجْزِئَ أن يُعْطَى من زَكَاةِ المالِ أحَدٌ من أهْلِ الذِّمَّةِ. فصل: ويجوزُ أن يُعْطِىَ مِن أقارِبِه من يجوزُ أن يُعْطِيَهُ من زَكاةِ مَالِه، ولا يُعْطِى منها غَنِيًّا، ولا ذَا قُرْبَى، ولا أحَدًا مِمَّنْ مُنِعَ أخْذَ زَكاةِ المالِ. ويجوزُ صَرْفُها فى الأصْنَافِ الثَّمَانِيَةِ؛ لأنَّها صَدَقَةٌ، فأشْبَهَتْ صَدَقَةَ المالِ. فصل: وإن دَفَعَها إلى مُسْتَحِقِّها، فأخْرَجَها آخِذُها إلى دَافِعِها، أو جُمِعَتِ الصَّدَقَةُ عند الإمامِ، ففَرَّقَها على أهْلِ السُّهْمانِ، فعَادَتْ إلى إنْسَانٍ صَدَقَتُه، فاخْتارَ القاضى، جَوازَ ذلك، قال: لأنَّ أحمدَ قد نَصَّ فى مَن له نِصابٌ من الماشِيَةِ والزُّرُوعِ (٥)، أنَّ الصَّدَقَةَ تُؤْخَذُ منه، وتُرَدُّ إليه (٦)، إذا لم يَكُنْ له قَدْرُ كِفَايَتِه. وهو مذهبُ الشَّافِعِىِّ، لأنَّ (٧) قَبْضَ الإمامِ أو المُسْتَحِقِّ أزَالَ مِلْكَ المُخْرِجِ، وعادَتْ إليه بِسَبِبٍ آخَرَ، فجازَ كما لو عَادَتْ بِمِيرَاثٍ. وقال أبو بكرٍ: مذهبُ أحمدَ أنَّه لا يَحِلُّ له أخْذُها؛ لأنَّها طُهْرَةٌ له، فلم يَجُزْ له أخْذُها كشِرَائِها؛ ولأنَّ عمرَ رَضِىَ اللهُ عنه، أرَادَ أن يَشْتَرِىَ الفَرَسَ الذى حَمَلَ عليه فىْ سَبِيلِ اللهِ. فقال له النَّبِىُّ ﷺ : "لا تَشْتَرِهَا، ولَا تَعُدْ فى صَدَقَتِكَ، فَإنَّ العَائِدَ فِى صَدَقَتِه كالْعَائِدِ فِى قَيْئِهِ" (٨)، فأمَّا إن اشْتَرَاها لم يَجُزْ له ذلك؛ لِلْخَبَرِ. وإن وَرِثَها فله أخْذُها؛ لأنَّها رَجَعَتْ إليه بغيرِ فِعْلٍ منه.

стр. 1962

٤٨٠ - مسألة؛ قال: (ويَجُوزُ أنْ يُعْطِىَ الوَاحِدَ ما يَلْزَمُ الجَمَاعَةَ، والجَمَاعَةَ ما يَلْزَمُ الوَاحِدَ) أمَّا (١) إعْطَاءُ الجَماعَةِ الواحِدَ فلا نَعْلَمُ فيه خِلافًا؛ لأنَّه صَرَفَ الصَّدقةَ (٢) إلى مُسْتَحِقِّها، فبَرِئَ منها، كما لو دَفَعَها إلى وَاحِدٍ؛ وأمَّا إعْطَاءُ الوَاحِدِ صَدَقَةَ الجَماعَةِ، فإنَّ الشَّافِعِىَّ ومَن وَافَقَهُ، أوْجَبُوا تَفْرِقَةَ الصَّدَقَةِ على سِتَّةِ أصْنافٍ، ودَفْعَ حِصَّةِ كُلِّ صِنْفٍ إلي ثَلَاثةٍ منهم، على ما ذَكَرْنَاهُ قبلَ هذا (٣). وقد ذَكَرْنا الدَّلِيلَ عليه، ولأنَّها صَدَقَةٌ لغيرِ مُعَيَّنٍ، فجازَ صَرْفُها إلى واحِدٍ كالتَّطَوُّعِ. وبهذا قال مالِكٌ، وأبو ثَوْرٍ، وابنُ المُنْذِرِ، وأصْحابُ الرَّأْىِ. ٤٨١ - مسألة؛ قال: (ومَنْ أَخْرَجَ عن الجَنِينِ، فحَسَنٌ. وكَانَ عُثْمَانُ ابنُ عَفَّانَ، رَضِىَ اللهُ عَنْهُ، يُخرِجُ عن الجَنِينِ) المذهبُ أنَّ الفِطْرَةَ غيرُ وَاجِبَةٍ على الجَنِينِ. وهو قولُ أكْثَرِ أهْلِ العِلْمِ. قال ابنُ المُنْذِرِ: كُلُّ مَن نَخفَظُ عنه مِن عُلَمَاءِ الأمْصارِ لا يُوجِبُ (١) على الرَّجُلِ زَكاةَ الفِطْرِ عن الجَنِينِ فى بَطْنِ أُمِّه. وعن أحمدَ، رِوَايَةٌ أُخْرَى، أنَّها تَجِبُ عليه؛ لأنَّه آدَمِىٌّ، تَصِحُّ الوَصِيَّةُ له، وبه، ويَرِثُ فيَدْخُلُ فى عُمُومِ الأخْبَارِ، ويُقاسُ على المَوْلُودِ. ولَنا، أنَّه جَنِينٌ، فلم تَتَعَلَّق الزكاةُ به، كأجِنَّةِ البَهَائِمِ، ولأنَّه لم تَثْبُتْ له أحْكامُ الدُّنْيا إلَّا فى الإرْثِ والوَصِيَّةِ، بِشَرْطِ أن يَخْرُجَ حَيًّا. إذا ثَبَتَ هذا، فإنَّه يُسْتَحَبُّ إخْرَاجُها عنه؛ لأن عثمانَ كان يُخْرِجُها عنه، ولأنَّها صَدَقَةٌ عَمَّنْ لا تَجِبُ عليه، فكانت مُسْتَحَبَّةٌ، كسَائِرِ صَدَقَاتِ التَّطَوُّعِ.

стр. 1963

٤٨٢ - مسألة؛ قال: (وَمَنْ كَانَ فِى يَدِهِ ما يُخْرِجُ (١) صَدَقَةَ الفِطْرِ، وعَلَيْهِ دَيْنٌ مِثْلُه، لَزِمَهُ أن يُخْرِجَ، إلَّا أنْ يَكُونَ مُطَالَبًا بالدَّيْنِ، فَعَلَيْه قَضَاءُ الدَّيْنِ، ولَا زكَاةَ عَلَيْهِ) إنَّما لم يَمْنَع الدَّيْنُ الفِطْرَةَ؛ لأنَّها آكَدُ وُجُوبًا، بِدَلِيلِ وُجُوبِها على الفَقِيرِ، وشُمُولِها لِكُلِّ مُسْلِمٍ قَدَرَ على إخْرَاجِها، ووُجُوبِ تَحَمُّلِها عَمَّنْ وَجَبَتْ نَفَقَتُه على غَيْرِه، ولا تَتَعَلَّقُ بِقَدْرٍ من المالِ، فجَرَتْ مَجْرَى النَّفَقَةِ، ولأنَّ زَكَاةَ المالِ تَجِبُ بالمِلْكِ، والدَّيْنُ يُؤَثِّرُ فى المِلْكِ، فأثَّرَ فيها، وهذه تَجِبُ على البَدَنِ، والدَّيْنُ لا يُؤَثِّرُ فيه، وتَسْقُطُ الفِطْرَةُ عندَ المُطَالَبَةِ بالدَّيْنِ، لِوُجُوبِ أدَائِه عندَ المُطَالَبَةِ، وتَأكُّدِه بكَوْنِه حَقَّ آدَمِىٍّ مُعَيَّنٍ لا يَسْقُطُ بالإعْسارِ، وكَوْنُه أسْبَقَ سَبَبًا وأقْدَمَ وُجُوبًا يَأْثَمُ بِتَأْخِيرِه، فإنَّه يُسْقِطُ غيرَ الفِطْرَةِ، وإنْ لم يُطَالَبْ به (٢)؛ لأنَّ تَأثِيرَ المُطالَبَةِ إنَّما هو فى (٣) إلْزَامِ الأدَاءِ، وتحْرِيمِ التَّأْخِيرِ. فصل: وإن ماتَ مَنْ وَجَبَتْ عليه الفِطْرَةُ قبلَ أدائِها، أُخْرِجَتْ من مالِه (٤) فإن كان عليه دَيْنٌ، وله مَالٌ يَفِى بهما، قُضِيَا جميعًا، وإن لم يَفِ بهما، قُسِّمَ بين الدَّيْنِ والصَّدَقَةِ بالحِصَصِ. نَصَّ عليه أحمدُ فى زَكَاةِ المالِ، أنَّ التَّرِكَةَ تُقْسَمُ بينهما، كذا هاهُنا. فإن كان عليه زَكَاةُ مالٍ، وصَدَقَةُ الفِطْرِ (٥)، ودَيْنٌ، فزَكَاةُ الفِطْرِ والمالِ كالشىءِ الواحِدِ، لاتِّحَادِ مَصْرِفِهِما، فيحَاصَّانِ الدَّيْنَ، وأصْلُ هذا أنَّ حَقَّ اللهِ سُبْحَانَه، وحَقَّ الآدَمِىِّ، إذا تَعَلَّقَا بمَحَلٍّ وَاحِدٍ، فكانَا فى الذِّمَّةِ، أو كانَا فى العَيْنِ، تَسَاوَيَا فى الاسْتِيفَاءِ.

стр. 1964

فصل: وإذا ماتَ المُفْلِسُ، وله عَبِيد، فهَلَّ شَوَّالُ قبلَ قِسْمَتِهِم بين الغُرَمَاءِ، ففِطْرَتُهم على الوَرَثَةِ؛ لأنَّ الدَّيْنَ لا يَمْنَعُ نَقْلَ التَّرِكَة، بل غَايَتُه أن (٦) يكونَ رَهْنًا بِالدَّيْنِ، وفِطرةُ الرَّهْنِ على مَالِكِه. فصل: ولو ماتَ عَبِيدُه، أو مَنْ يَمُونُه، بعدَ وُجُوبِ الفِطْرَةِ، لم تَسْقُطْ؛ لأنَّها دَيْنٌ ثَبَتَ فى ذِمَّتِه بِسَبَبِ عَبْدِه، فلم تَسْقُطْ بِمَوْتِه، كما لو اسْتَدَانَ العَبْدُ بإذْنِه دَيْنًا وَجَبَ فى ذِمَّتِه، ولأنَّ زَكاةَ المالِ لا تَسْقُطُ بِتَلَفِه، فالفِطْرَةُ أوْلَى، فإن زَكاةَ المالِ تَتَعَلَّقُ بالعَيْنِ، فى إحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ، وزَكاةُ الفِطْرِ بخِلافِه. فُصُولٌ فى صَدَقَةِ التَّطَوُّعِ: وهى مُسْتَحَبَّةٌ فى جَمِيعِ الأَوْقَاتِ؛ لِقَوْلِه تعالى: ﴿مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا فَيُضَاعِفَهُ لَهُ أَضْعَافًا كَثِيرَةً﴾ (٧). وأمَرَ بالصَّدَقَةِ فى آياتٍ كَثِيرَة، وحَثَّ عليها، ورَغَّبَ فيها. ورَوَى أبو صالِحٍ، عن أبى هُرَيْرَةَ، قال: قال رسولُ اللهِ ﷺ : "مَنْ تَصَدَّقَ بِعِدْلِ تَمْرَةٍ مِنْ كَسْبٍ طَيِّبٍ، وَلَا يَصْعَدُ إلَى اللهِ إلَّا الطَّيِّبُ، فإنَّ اللهَ تَعَالَى يَقْبَلُها بِيَمِينِهِ، ثم يُرَبِّيها لِصَاحِبِها، كَمَا يُرَبِّى أحَدُكُمْ فَلُوَّهُ (٨)، حَتَّى تَكُونَ مِثْلَ الجَبَلِ". مُتَّفَقٌ عليه (٩). وصَدَقَةُ السِّرِّ

стр. 1965

أفْضَلُ من صَدَقَةِ العَلَانِيَةِ؛ لِقَوْلِ اللهِ تعالى: ﴿إِنْ تُبْدُوا الصَّدَقَاتِ فَنِعِمَّا هِيَ وَإِنْ تُخْفُوهَا وَتُؤْتُوهَا الْفُقَرَاءَ فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَيُكَفِّرُ عَنْكُمْ مِنْ سَيِّئَاتِكُمْ﴾ (١٠). ورَوَى أبو هُرَيْرَةَ، عن النَّبِىِّ ﷺ ، أنَّه قال: "سَبْعَةٌ يُظِلُّهُم اللهُ فِى ظِلِّ عَرْشِهِ يَوْمَ لَا ظِلَّ إلَّا ظِلُّه" وذَكَرَ منهم رَجُلًا "تَصَدَّقَ بِصَدَقَةٍ فَأخْفَاهَا، حَتَّى لا تَعْلَمَ شِمَالُهُ ما تُنْفِقُ يَمِينُه". مُتَّفَقٌ عليه (١١). وَرُوِىَ عن النَّبِىِّ ﷺ : "أنَّ صَدَقَةَ السِّرِّ تُطْفِئُ غَضَبَ الرَّبِّ" (١٢). ويُسْتَحَبُّ الإكْثَارُ منها فى أوْقَاتِ الحاجَاتِ؛ لِقَوْلِ اللهِ تعالى: ﴿أَوْ إِطْعَامٌ فِي يَوْمٍ ذِي مَسْغَبَةٍ﴾ (١٣). وفى شهرِ رمضانَ؛ لأنَّ الحَسَنَاتِ تُضَاعَفُ فيه، ولأنَّ فيها (١٤) إعَانَةً على أدَاءِ الصَّوْمِ المَفْرُوضِ. ومن فَطَّرَ صَائِمًا كان له مِثْلُ أجْرِهِ. وتُسْتَحَبُّ الصَّدَقَةُ على ذِى القَرَابَةِ؛ لِقَوْلِ اللهِ تعالى: ﴿يَتِيمًا ذَا مَقْرَبَةٍ﴾ (١٥). وقال النَّبِىُّ ﷺ : "الصَّدَقَةُ عَلَى الْمِسْكِينِ صَدَقَةٌ، وهِىَ عَلَى ذِى الرَّحِم اثْنَتَانِ، صَدَقَةٌ وصِلَةٌ" (١٦). وهذا حَدِيثٌ حَسَنٌ. وسألتْ زينبُ امْرَأَةُ عبدِ اللهِ (١٧) بن مسعودٍ رسولَ اللهِ ﷺ ، هل يَسَعُها (١٨) أن تَضَعَ صَدَقَتَها فى

стр. 1966

زَوْجِها وبَنِى أخٍ لها يَتَامَى؟ قال: "نَعَمْ، لَهَا أجْرَانِ؛ أجْرُ القَرَابَةِ، وأجْرُ الصَّدَقَةِ". رَوَاهُ النَّسَائِىُّ (١٩). وتُسْتَحَبُّ الصَّدَقَةُ على مَن اشْتَدَّتْ حَاجَتُه؛ لِقَوْلِ اللهِ تعالى: ﴿أَوْ مِسْكِينًا ذَا مَتْرَبَةٍ﴾ (٢٠). فصل: والأَوْلَى أنْ يَتَصَدَّقَ من الفاضِلِ عن كِفايَتِه، وكفِايَةِ مَن يَمُونُه على الدَّوَامِ؛ لقَوْلِ النَّبِىِّ ﷺ : "خَيْرُ الصَّدَقَةِ مَا كَانَ عَنْ ظَهْرِ غِنًى، وَابْدَأْ بمَنْ تَعُولُ". مُتَّفَقٌ عليه (٢١). فإن تَصَدَّقَ بما يَنْقُصُ من (٢٢) كِفايَةِ مَن تَلْزَمُه مُؤْنَتُه، ولا كَسْبَ له، أثِمَ؛ لِقَوْلِ النَّبِىِّ ﷺ : "كَفَى بالْمَرْءِ إثْمًا أنْ يُضَيِّعَ مَنْ يَقُوتُ" (٢٣). ولأنَّ نَفَقَةَ من يَمُونُه وَاجبَةٌ، والتَّطَوُّعَ نَافِلَةٌ، وتَقْدِيمُ النَّفْلِ على الواجبِ (٢٤) غيرُ جائِرٍ. فإن كان الرَّجُلُ وَحْدَهُ، أو كان لِمَنْ يَمُونُ (٢٥) كِفَايَتُهم فأرَادَ الصَّدَقَةَ بجَمِيعِ مالِه، وكان ذا مَكْسَبٍ، أو كان وَاثِقًا مِن نَفْسِه، يُحْسِنُ التَّوَكُّلَ والصَّبْرَ على الفَقْرِ، والتَّعَفُّفَ عن المَسْأَلَةِ، فحَسَنٌ؛ لأنَّ النَّبِىَّ ﷺ سُئِلَ عن أفْضَلِ الصَّدَقَةِ، فقال: "جُهْدٌ مِنْ مُقِلٍّ إلى فَقِيرٍ في السِّرِّ" (٢٦). وَرُوِىَ عن

стр. 1967

عمرَ، رَضِىَ اللهُ عنه، قال: أمَرَنَا رسولُ اللهِ ﷺ أن نَتَصَدَّقَ، فوَافَقَ ذلك مالًا عِنْدِى، فقلتُ: اليَوْمَ أسْبِقُ أبا بكرٍ إن سَبَقْتُه يَوْمًا، فجئْتُ (٢٧) بِنِصْفِ مالِى، فقال رسولُ اللهِ ﷺ : "ما أبْقَيْتَ لأَهْلِكَ؟ " قلتُ: أَبْقَيْتُ لَهُمْ مِثْلَه، فأتَى (٢٨) أبو بكرٍ بكُلِّ ما عِنْدَه، فقال له: "ما أَبْقَيْتَ لأَهْلِكَ؟ " قال: اللَّه ورسولَهُ فقلتُ: لا أُسَابِقُكَ إلى شىءٍ بَعْدَه (٢٩) أبَدًا (٣٠). فهذا كان فَضِيلَةً في حَقِّ [أبى بكر] (٣١) الصِّدِّيقِ، رَضِىَ اللَّه عنه، لِقُوَّةِ يَقينه (٣٢)، وكَمَالِ إيمَانِه، وكان أيضا تَاجِرًا ذا مَكْسَبٍ، فإنَّه قال حِينَ وَلِىَ: قد عَلِمَ النَّاسُ أنَّ كَسْبِى لم يَكُنْ لِيَعْجِزَ عن مُؤْنَةِ عِيَالِى. أو كما قال، رَضِىَ اللهُ عنه. وإن لم يُوجَدْ في المُتَصَدِّقِ أحَدُ هذَيْنِ، كُرِهَ؛ لما رَوَى أبو دَاوُدَ (٣٣)، عن جابِرِ بن عبدِ اللهِ، قال: كُنَّا عندَ رسولِ اللَّه ﷺ ، إذْ جاءَ رَجُلٌ بمثلِ بَيْضَةٍ من ذَهَبٍ، فقال: يا رسولَ اللهِ، أصَبْتُ هذه من مَعْدِنٍ، فخُذْها فهى صَدَقَةٌ، ما أمْلِكُ غَيْرَها. فأعْرَضَ عنه رسولُ اللهِ ﷺ ، ثم أتَاهُ مِن قِبَلِ رُكْنِه الأيْمنِ، فقال مِثْلَ ذَلِكَ، فأعْرَضَ عنه، ثم أتَاهُ مِن قِبَلِ رُكْنِه الأَيْسَرِ، [فقال مِثْلَ ذلك] (٣٤)، فأعْرَضَ عنه رسولُ اللهِ ﷺ ، ثم أتاهُ مِن خَلْفِه، فأخَذَها رسولُ اللهِ ﷺ ، فحَذَفَه بها، فلو أصَابَتْه لأوْجَعَتْه، أو لَعَقَرَتْه، وقال رسولُ اللهِ ﷺ : "يَأْتِى أحَدُكُمْ بِمَا يَمْلِكُ، ويَقُولُ: هذِهِ

стр. 1968

صَدَقَةٌ، ثُمَّ يَقْعُدُ يَسْتَكِفُّ النَّاسَ، خَيْرُ الصَّدَقَةِ مَا كَانَ عَنْ ظَهْرِ غِنًى". فقد نَبَّه النَّبِىُّ ﷺ على المَعْنَى الذى كَرِهَ لأجْلِه (٣٥) الصَّدَقَةَ بَجَمِيعِ مَالِه، وهو أن يَسْتَكِفَّ الناسَ، أى يَتَعَرَّض لهم لِلصَّدَقَةِ، أي يَأْخُذَها ببَطْنِ كَفِّه يقال: تَكَفَّفَ، واسْتَكَفَّ. إذا فَعَلَ ذلك (٣٦). ورَوَى النَّسَائِيُّ (٣٧)، أنَّ النَّبِىَّ ﷺ أعْطَى رَجُلًا ثَوْبَيْنِ من الصَّدَقَةِ، ثم حَثَّ على الصَّدَقَةِ، فطَرَحَ الرَّجُلُ أحَدَ ثَوْبَيْهِ، فقال النَّبِيُّ ﷺ : "أَلَمْ تَرَوْا إلَى هذَا، دَخَلَ بهَيْئَةٍ بَذَّةٍ (٣٨) فأعْطَيْتُه ثَوْبَيْنِ، ثُمَّ قُلْتُ: تَصَدَّقُوا. فَطَرَحَ أحَدَ ثَوْبَيْهِ، خُذْ ثَوْبَكَ". وانْتَهَرَهُ. ولأنَّ الإِنسانَ إذا أخْرَجَ جَمِيعَ مالِه، لا يَأْمَنُ فِتْنَةَ الفَقْرِ، وشِدَّةَ نِزَاعِ النَّفْسِ إلى ما خَرَجَ منه، فيَنْدَمُ، فيَذْهَبُ مالُه ويَبْطُلُ أجْرُه، ويَصِيرُ كَلًّا على الناسِ. ويُكْرَهُ لمن لا صَبْرَ له على الإِضَاقَةِ أن يَنْقُصَ نَفْسَهُ من الكِفَايَةِ التَّامَّةِ، واللهُ أعلمُ.

стр. 1969

كتابُ الصِّيامِ الصِّيَامُ في اللُّغَةِ: الإِمْسَاكُ، يُقالُ: صَامَ النَّهَارُ. إذا وَقَفَ سَيْرُ الشَّمْسِ. قال اللهُ تعالى إخْبَارًا عن مَرْيَم: ﴿إِنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمَنِ صَوْمًا﴾ (١). أى صَمْتًا (٢)؛ لأنَّه إمْسَاكٌ عن الكلامِ، وقال الشاعر (٣): خَيْلٌ صِيَامٌ وخَيْلٌ غيرُ صَائِمَةٍ ... تَحْتَ العَجَاجِ وأُخْرَى تَعْلُكُ اللُّجُمَا يَعْنِى بالصَّائِمَةِ: المُمْسِكَةَ عن الصَّهِيلِ. والصَّوْمُ في الشَّرْعِ: عِبارَةٌ عن الإِمْساكِ عن أشْياءَ مَخْصُوصَةٍ، في وَقْتٍ مَخْصُوصٍ، يَأْتِى بَيَانُه إن شاءَ اللهُ تعالى. وصَوْمُ رَمَضَانَ وَاجِبٌ، والأصْلُ في وُجُوبِه الكِتابُ، والسُّنَّةُ، والإِجْماعُ؛ أمَّا الكِتابُ فقَوْلُ اللهِ تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ﴾ إلى قولِه: ﴿فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ﴾ (٤). وأمَّا السُّنَّةُ، فقَوْلُ النَّبِيِّ ﷺ : "بُنِىَ الإِسْلَامُ على خَمْسٍ". ذَكَرَ منها صَوْمَ رمضانَ، وعن طَلْحَةَ بن عُبَيْدِ اللهِ، أنَّ أعْرابِيًّا (٥) جاءَ إلى النَّبِىِّ ﷺ ثائِرَ الرَّأْسِ، فقال: يا رسولَ اللهِ أخْبِرْنِى ماذا فَرَضَ اللهُ عَلَىَّ من الصِّيَامِ؟ قال: "شَهْرَ رمضانَ". قال: هل عَلَىَّ غَيْرُه؟ قال: "لَا، إلَّا أنْ تَطَوَّعَ شَيْئًا". قال: فأخْبِرْنِى ماذا فَرَضَ اللَّه عَلَىَّ من الزَّكَاةِ؟ فأخْبَرَهُ رسولُ اللهِ ﷺ بِشَرَائِع

стр. 1970

الإِسْلَامِ. قال: والذى أَكْرَمَكَ لا أتَطَوَّعُ شَيْئًا، ولا أنْقُصُ ممَّا فَرَضَ اللهُ عَلَىَّ شَيْئًا. فقال النَّبِىُّ ﷺ : "أَفْلَحَ إنْ صَدَقَ" أو "دَخَلَ الجَنَّةَ إنْ صَدَقَ". مُتَّفَقٌ عليهما (٦). وأجْمَعَ المُسْلِمُونَ على وُجُوبِ صِيامِ شَهْرِ رمضانَ. فصل: رُوِىَ عن النَّبِيِّ ﷺ أنَّه قال: "إذا جاءَ رَمَضَانُ فُتِحَتْ أَبْوَابُ الجَنَّةِ". مُتَّفَقٌ عليه (٧). وَرُوِىَ عن أبي هُرَيْرَةَ، عن النَّبِيِّ ﷺ ، أنَّه قال: "لا تَقُولُوا جَاءَ رَمَضَانُ، فَإنَّ رَمَضَانَ اسْمٌ مِنْ أسْمَاءِ اللهِ تَعَالَى" (٨). فيَتَعَيَّنُ حَمْلُ هذا على أنَّه لا يُقالُ ذلك غيرَ مُقْتَرِنٍ بما يَدُلُّ على إرادَةِ الشَّهْرِ، لِئَلَّا يُخالِفَ الأحادِيثَ الصَّحِيحَةَ. والمُسْتَحَبُّ مع ذلك أن يَقُولَ: شَهْرُ رمضانَ، كما قال اللهُ تعالى: ﴿شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ﴾ (٩). واخْتُلِفَ في المَعْنَى الذي لِأجْلِه سُمِّىَ رمضانُ، فرَوَى أنَسٌ عن النَّبِيِّ ﷺ ، أنه قال: "إنَّمَا سُمِّىَ رَمَضَانُ؛ لِأَنَّه يَحْرِقُ الذُّنُوبَ" (١٠). فيَحْتَمِلُ أنَّه أرادَ به (١١) شَرْعَ صَوْمِه دُونَ غَيْرِه، لِيُوَافِقَ اسْمُه مَعْنَاهُ. وقِيلَ: هو اسْمٌ مَوْضُوعٌ لِغَيْرِ مَعْنًى، كسائِرِ الشُّهُورِ، وقِيلَ غير ذلك.

стр. 1971

فصل: والصَّوْمُ المَشْرُوعُ هو الإِمْسَاكُ عن المُفْطِرَاتِ، من طُلُوعِ الفَجْرِ الثانِى إلى غُرُوبِ الشَّمْسِ. رُوِىَ مَعْنَى ذلك عن عمرَ، وابنِ عَبَّاسٍ، وبه قال عَطاءٌ، وعَوَامُّ أهْلِ العِلْمِ. وَرُوِىَ عن علىٍّ، رَضِىَ اللهُ عنه، أنَّه لما صَلَّى الفَجْرَ قال: الآنَ حين تَبَيَّنَ الخَيْطُ الأبْيَضُ من الخَيْطِ الأَسْوَدِ. وعن ابنِ مسعودٍ نَحْوُه. وقال مَسْرُوقٌ: لم يَكُونُوا يَعُدُّونَ الفَجْرَ فَجْرَكُمْ، إنَّما كانوا يَعُدُّونَ الفَجْرَ الذى يَمْلَأُ البُيُوتَ والطُّرُقَ. وهذا قَوْلُ الأعْمَشِ. ولَنا، قَوْلُ اللهِ تعالى: ﴿حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ﴾ (١٢). يعنى بَياضَ النَّهارِ من سَوَادِ اللَّيْلِ. وهذا يَحْصُلُ بِطُلُوعِ الفَجْرِ. قال ابنُ عبدِ البَرِّ، في قولِ النَّبِىِّ ﷺ : "إنَّ بِلَالًا يُؤَذِّنُ بِلَيْلٍ، فَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يُؤَذِّنَ ابنُ أُمِّ مَكْتُومٍ" (١٣). دَلِيلٌ على أن الخَيْطَ الأبْيَضَ هو الصَّبَاحُ، وأنَّ السُّحُورَ لا يكُونُ إلَّا قبلَ الفَجْرِ. وهذا إجْمَاعٌ لم يُخَالِفْ فيه إلَّا الأعْمَشُ وَحْدَهُ، فشَذَّ ولم يُعَرِّجْ أحَدٌ على قَوْلِه. والنَّهَارُ الذى يَجِبُ صِيامُهُ من طُلُوعِ الفَجْرِ إلى غُرُوبِ الشَّمْسِ. قال: هذا قولُ جَماعَةِ عُلَمَاءِ المُسْلِمِينَ. ٤٨٣ - مسألة؛ قال أبو القاسِمِ، ﵀: (وَإِذَا مَضَى مِنْ شَعْبَانَ تِسْعَةٌ وعِشْرُونَ يَوْمًا، طَلَبُوا الْهِلَالَ، فَإنْ كَانَتِ السَّمَاءُ مُصْحِيَةً لَمْ يَصُومُوا ذلِك الْيَوْمَ) وجُمْلَةُ ذلك أنَّه يُسْتَحَبُّ لِلنَّاسِ تَرَائِى الهِلالِ لَيْلَةَ الثَّلَاثِينَ مِن شعبانَ، وتَطَلُّبُه لِيَحْتَاطُوا بذلك لِصِيَامِهم، ويَسْلَمُوا من الاخْتِلافِ. وقد رَوَى التِّرْمِذِيُّ (١)، عن أبى هُرَيْرَةَ، أنَّ النَّبِيَّ ﷺ قال: "أحْصُوا هِلَالَ شَعْبَانَ

стр. 1972

لِرَمَضَانَ". فإذا رَأوْهُ وَجَبَ عليهم الصِّيامُ إجْمَاعًا، وإن لم يَرَوْهُ وكانت السَّمَاءُ مُصْحِيَةً، لم يَكُنْ لهم صِيامُ ذلك اليَوْمِ، إلَّا أن يُوَافِقَ صَوْمًا كانوا يَصُومُونَه، مثل مَنْ عَادَتُه صَوْمُ يَوْمٍ وإفْطارُ يَوْمٍ، أو صَوْمُ يَوْم الخَمِيسِ، أو صَوْمُ آخِر يَوْمٍ من الشَّهْرِ، وشِبْهُ ذلك إذا وَافَقَ صَوْمَهُ، أو مَن صامَ قبلَ ذلك بأيَّامٍ، فلا بَأْسَ بِصَوْمِه؛ لما رَوَى أبو هُرَيْرَةَ أن النبىَّ ﷺ قال: "لَا يَتَقَدَّمَنَّ أحَدُكُمْ رَمَضَانَ بصِيَامِ يَوْمٍ أو يَوْمَيْنِ، إلَّا أنْ يَكُونَ رَجُلٌ كَانَ يَصُومُ صِيَامًا فَلْيَصُمْهُ". مُتَّفَقٌ عليه (٢). وقال عَمَّار: من صَامَ اليَوْمَ الذى يُشَكُّ فيه فقد عَصَى أبا القَاسِمِ ﷺ . قال التِّرمِذِىُّ (٣): هذا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ. وكَرِهَ أهْلُ العِلْمِ صَوْمَ يَوْمِ الشَّكِّ، واسْتِقْبَالَ رمضانَ باليَوْمِ واليَوْمَيْنِ؛ لِنَهْىِ النَّبِيِّ ﷺ عنه (٤). وحُكِىَ عن القَاسِمِ بن محمدٍ، أنَّه سُئِلَ عن صِيامِ آخِر يَوْمٍ من شعبانَ، هل يُكْرَهُ؟ قال: لا، إلَّا أنْ يُغَمَّ (٥) الهِلَالُ. واتِّبَاعُ قَوْلِ رسولِ اللهِ ﷺ أوْلَى. فأمَّا اسْتِقْبَالُ الشَّهْرِ بأكْثَرَ من

стр. 1973

يَوْمَيْنِ فغيرُ مَكْرُوهٍ، فإنَّ مَفْهُومَ حَدِيثِ أبي هُرَيْرَةَ أنَّه غيرُ مَكْرُوهٍ؛ لِتَخْصيصِه النَّهْىَ باليَوْمِ واليَوْمَيْنِ. وقد رَوَى العَلاءُ بنُ عبدِ الرحمنِ، عن أبِيهِ، عن أبى هُرَيْرَةَ، أنَّ النَّبِي ﷺ قال: "إذَا كَانَ النِّصْفُ مِنْ شَعْبَانَ، فَأمْسِكُوا عَنِ الصِّيَامِ، حَتَّى يَكُونَ رَمَضَانُ". قال التِّرْمِذِىُّ (٦): هذا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ. إلَّا أن أحمدَ قال: ليس هو بمَحْفُوظٍ. قال: وسَألْنَا عنه عبدَ الرحمَنِ ابنَ مَهْدِىٍّ، فلم يُصَحِّحْهُ، ولم يُحَدِّثْنِى به، وكان يَتَوَقَّاهُ. قال أحمَدُ: والعَلاءُ ثقَةٌ لا يُنْكَرُ من حَدِيثِه إلَّا هذا؛ لأنَّه خِلَافُ ما رُوِىَ عن النَّبِىِّ ﷺ ، أنَّه كان يَصِلُ شعبانَ بِرمضانَ (٧). [ويُمْكِنُ حَمْلُ] (٨) هذا الحَدِيثِ على نَفْىِ اسْتِحْبابِ الصِّيَامِ في حَقِّ من لم يَصُمْ قبلَ نِصْفِ الشَّهْرِ، وحَدِيثِ عائشةَ في صِلَةِ شعبانَ بِرَمضانَ في حَقِّ مَنْ صامَ الشَّهْرَ كُلَّه (٩)، فإنَّه قد جاءَ ذلك في سِياقِ الخَبَرِ، فلا تَعارُضَ بين الخَبَرَيْنِ إذًا، وهذا أوْلَى من حَمْلِهِما على التَّعارُضِ، وَرَدِّ أحَدِهما بصاحِبِه، واللهُ أعلمُ.

стр. 1974

وفى كَلَامِ الْخِرَقِىِّ اخْتِصَارٌ، وتَقْدِيرُه: طَلَبُوا الهِلَالَ، فإنْ رَأوْهُ صَامُوا، وإن لم يَرَوْهُ وكانتِ السَّمَاءُ مُصْحِيَةً لم يَصُومُوا. فحَذَفَ بَعْضَ الكلامِ لِلْعِلْمِ به اخْتِصَارًا. فصل: ويُسْتَحَبُّ لِمَنْ رَأَى الهِلالَ أن يَقُولَ ما رَوَى ابنُ عمرَ، قال: كان رسولُ اللهِ ﷺ إذا رَأَى الهِلَالَ قال: "اللهُ أكْبَرُ، اللَّهُمَّ أَهِلَّهُ عَلَيْنَا بالأَمْنِ والإِيمَانِ، والسَّلَامَةِ والإِسْلَامِ، والتَّوْفِيقِ لما تُحِبُّ وتَرْضَى، رَبِّى ورَبُّكَ اللهُ". رَوَاهُ الأثْرَمُ (١٠). فصل: وإذا رَأَى الهِلالَ أَهْلُ بَلَدٍ، لَزِمَ جَمِيعَ البِلادِ الصَّوْمُ. وهذا قَوْلُ اللَّيْثِ، وبعضِ أصْحابِ الشَّافِعِىِّ. وقال بَعْضُهم: إنْ كان بينَ البَلَدَيْنِ مَسَافَةٌ قَرِيبَةٌ، لا تَخْتَلِفُ المَطَالِعُ لِأَجْلِها كبَغْدَادَ والبَصْرَةِ، لَزِمَ أهْلَهما الصَّوْمُ بِرُؤْيَةِ الهِلَالِ في أحدِهما، وإن كان بينهما بُعْدٌ، كالعِرَاقِ والحِجَازِ والشَّامِ، فِلكُلِّ أهْلِ بَلَدٍ رُؤْيَتُهم. وَرُوِىَ عن عِكْرِمَةَ، أنَّه قال: لِكُلِّ أهْلِ بَلَدٍ رُؤْيَتُهم. وهو مذهبُ القاسِمِ، وسالِمٍ، وإسحاقَ؛ لما رَوَى كُرَيْبٌ، قال: قَدِمْتُ الشَّامَ، واسْتَهلَّ عَلَىَّ هِلالُ رمضانَ، وأنا بالشَّامِ، فرَأيْنَا الهِلالَ لَيْلَةَ الجُمُعَةِ، ثم قَدِمْتُ المَدِينَةَ في آخِر الشَّهْرِ، فسَألَنِى ابنُ عَبَّاسٍ، ثم ذَكَرَ الهِلالَ، فقال: متى رَأيْتُم الهِلَالَ؟ قلتُ: رَأَيْنَاهُ لَيْلَةَ الجُمُعَةِ. فقال: أنتَ رَأيْتَهُ لَيْلَةَ الجُمُعَةِ؟ قُلْتُ: نعم، ورَآهُ النّاسُ، وصَامُوا، وصامَ مُعَاوِيَةُ. فقال: لكنْ رَأيْنَاهُ لَيْلَةَ السَّبْتِ، فلا نَزَالُ نَصُومُ حتى نُكْمِلَ ثَلَاثِينَ أو نَرَاهُ. فقلتُ: ألا تَكْتَفِى بِرُؤْيَةِ مُعاوِيَةَ وصِيامِهِ؟ فقال: لا، هكذا أمَرَنَا رسولُ اللهِ ﷺ . [رَوَاه مُسلمٌ] (١١) قال التِّرْمِذِىُّ: هذا حَدِيثٌ

стр. 1975

حَسَنٌ صَحِيحٌ غَرِيبٌ. ولَنا، قولُ اللهِ تعالى: ﴿فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ﴾. وقولُ النَّبِىِّ ﷺ لِلْأَعْرَابِيِّ لمَّا قال له: آللهُ أمَرَكَ أن تَصُومَ هذا الشَّهْرَ من السَّنَةِ؟ قال: "نَعَمْ" (١٢). وقَوْلُه للآخَرِ لمَّا قال له: ماذا فَرَضَ اللهُ عَلَىَّ من الصَّوْمِ؟ قال: "شَهْرَ رَمَضَانَ" (١٣). وأجْمَعَ المُسْلِمُونَ على وُجُوبِ صَوْمِ شَهْر رمضانَ، وقد ثَبَتَ أنَّ هذا اليَوْمَ من شَهْرِ رمضانَ، بشهَادَةِ الثِّقَاتِ، فوَجَبَ صَوْمُه على جَمِيعِ المُسْلِمِينَ، ولأنَّ شَهْرَ رمضانَ ما بين الهِلَالَيْنِ، وقد ثَبَتَ أنَّ هذا اليَوْمَ منه في سائِرِ الأحْكامِ، من حُلُولِ الدَّيْنِ، ووُقُوعِ الطَّلَاقِ والعَتَاقِ، ووُجُوبِ النُّذُورِ، وغيرِ ذلك من الأحْكامِ، فيَجِبُ صِيامُه بالنَّصِّ والإِجْماعِ، ولأنَّ البَيِّنَةَ العَادِلَةَ شَهِدَتْ برُؤْيَةِ الهِلالِ، فيَجِبُ الصَّوْمُ، كما لو تَقَارَبَتِ البُلْدَانُ. فأمَّا حَدِيثُ كُرَيْبٍ فإنَّما دَلَّ على أنَّهم لا يُفْطِرُونَ بقولِ كُرَيْبٍ وَحْدَه، ونحنُ نقولُ به، وإنَّما مَحَلُّ الخِلافِ وُجُوبُ قَضاءِ اليَوْمِ الأوَّلِ، وليس هو في الحَدِيثِ. فإن قِيلَ: فقد قُلْتُم إنَّ النَّاسَ إذا صامُوا بِشهَادَةِ واحِدٍ ثلاثِينَ يَوْمًا، ولم يَرَوُا الهِلالَ، أفْطَرُوا في أحَدِ الوَجْهَيْنِ. قُلْنَا: الجَوابُ عن هذا من وَجْهَيْنِ؛ أحَدِهما، أنَّنا إنَّما قُلْنَا يُفْطِرُونَ إذا صامُوا بشهَادَتِه، فيكون فِطْرُهُم مَبْنِيًّا على صَوْمِهِم بشهادَتِه، وهاهُنا لم يَصُومُوا بقَوْلِه، فلم يُوجَدْ ما يجوزُ بناءُ الفِطْرِ عليه. الثانى، أنَّ الحَدِيثَ دَلَّ على صِحَّةِ الوَجْهِ الآخَرِ.

стр. 1976

٤٨٤ - مسألة؛ قال: (وَإِنْ حَالَ دُونَ مَنْظَرِه غَيْمٌ، أو قَتَرٌ وَجَبَ صِيَامُه، وقَدْ أَجْزَأَ إذَا كَانَ مِنْ شَهْرِ رَمَضَانَ) اخْتَلَفَتِ الرِّوَايَةُ عن أحمدَ ﵀ في هذه المَسْألَةِ، فرُوِىَ عنه مِثْلُ ما نَقَلَ الخِرَقِىُّ، اخْتارَها أكْثَرُ شُيُوخِ أصْحَابِنَا، وهو مذهبُ عمرَ، وابْنِهِ، وعَمْرِو بن العَاصِ، وأبى هُرَيْرَةَ، وأنَسٍ، ومُعاوِيَةَ، وعائشةَ، وأسْمَاءَ ابنَتَىْ أبى بكرٍ. وبه قال بَكْرُ بنُ عبدِ اللهِ، وأبو عثمانَ النَّهْدِىُّ (١)، وابنُ أبي مَرْيَمَ (٢)، ومُطَرِّفٌ، ومَيْمُونُ بن مِهْرَانَ، وطاوُسٌ، ومُجاهِدٌ. وَرُوِىَ عنه أنَّ النَّاسَ تَبَعٌ لِلْإِمامِ، فإن صامَ صامُوا، وإن أفْطَرَ أفْطَرُوا. وهذا قولُ الحسنِ، وابنِ سِيرِينَ، لِقَوْلِ النَّبِىِّ ﷺ : "الصَّوْمُ يَوْمَ تَصُومُونَ، والفِطْرُ يَوْمَ تُفْطِرُونَ، والأَضْحَى يَوْمَ تُضَحُّونَ" (٣). قيل مَعْنَاهُ أنَّ الصَّوْمَ والفِطْرَ مع الجَماعَةِ وعُظْمِ (٤) النَّاسِ. قال التِّرْمِذِىُّ: هذا حَدِيثٌ حَسَنٌ غَرِيبٌ. وعن أحْمَدَ، رِوَايَةٌ ثالِثَةٌ: لا يَجِبُ صَوْمُهُ، ولا يُجْزِئُه عن رمضانَ إنْ صَامَهُ. وهو قولُ أكْثَرِ أهْلِ العِلْمِ؛ منهم أبو حنيفةَ، ومالِكٌ، والشَّافِعِىُّ، ومَن تَبِعَهم؛ لما رَوَى أبو هُرَيْرَةَ، قال: قال رسولُ اللهِ ﷺ : "صُومُوا لِرُؤْيَتِه، وَأَفْطِرُوا لِرُؤْيَتِه، فَإنْ غُبِّىَ (٥) عَلَيْكُمْ فَأَكْمِلُوا عِدَّةَ شَعْبَانَ ثَلَاثِينَ" رَوَاهُ البُخَارِىُّ (٦). وعن ابنِ عمرَ، أنَّ النَّبِىَّ ﷺ قال: "صُومُوا لِرُؤْيَتَه، وأفْطِرُوا

стр. 1977

لِرُؤْيَتِه، فإنْ غُمَّ عَلَيْكُمْ فَاقْدُرُوا لَهُ ثَلَاثِينَ". رَوَاهُ مُسْلِمٌ (٧). وقد صَحَّ أنَّ النَّبِيَّ ﷺ نَهَى عن صَوْمِ يَوْمِ الشَّكِّ. مُتَّفَقٌ عليه (٨). وهذا يَوْمُ شَكٍّ. ولأنَّ الأصْلَ بَقاءُ شعبانَ، فلا يُنْتَقَلُ عنه بالشَّكِّ. ولَنا، ما رَوَى نافِعٌ، عن ابنِ عمرَ، قال: قال رسولُ اللهِ ﷺ : "إنَّمَا الشَّهْرُ تِسْعٌ وعِشْرُونَ، فَلَا تَصُومُوا حَتَّى تَرَوُا الهِلَالَ، ولا تُفْطِرُوا حتى تَرَوْهُ، فَإنْ غُمَّ عَلَيْكُمْ فَاقْدِرُوا لَهُ". قال نافِعٌ: كان عبدُ اللهِ (٩) بنُ عمرَ إذا مَضَى من شعبانَ تِسْعَةٌ وعِشْرُونَ يَوْمًا، بَعَثَ مَن يَنْظُرُ له الهِلالَ، فإن رَأَى فذاك، وإن لم يَرَ ولم يَحُلْ دُونَ مَنْظَرِه سَحَابٌ ولا قَتَرٌ أصْبَحَ مُفْطِرًا، وإنْ حالَ دُونَ مَنْظَرِه سَحَابٌ أو قَتَرٌ أصْبَحَ صَائِمًا. [رَواهُ أبو دَاوُدَ] (١٠). ومَعْنَى

стр. 1978

اقْدِرُوا (١١) له: أى ضَيِّقُوا له العَدَدَ مِن قَوْلِه تَعَالَى: ﴿وَمَنْ قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ﴾ (١٢). أى ضُيِّقَ عليه. وقَوْلِه: ﴿يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَقْدِرُ﴾ (١٣). والتَّضْيِيقُ له أن يُجْعَلَ شعبانُ تِسْعَةً وعِشْرِينَ يَوْمًا. وقد فَسَّرَهُ ابنُ عمرَ بِفِعْلِه، وهو رَاوِيه، وأعْلَمُ بِمَعْنَاهُ، فيَجِبُ الرُّجُوعُ إلى تَفْسِيرِه، كما رُجِعَ إليه في تَفْسِيرِ التَّفَرُّقِ في خِيارِ المُتَبايِعَيْنِ. وَرُوِىَ عن عِمْرانَ (١٤)، رَضِىَ اللهُ عنه، أنَّ رسولَ اللهِ ﷺ قال لِرَجُلٍ: "هلَ صُمْتَ مِنْ سَرَرِ شَعْبَانَ شَيْئًا؟ " قال: لا. وفي لَفْظ: "أَصُمْتَ مِنْ سِرَرِ هذا الشَّهْرِ شَيْئًا؟ " قال: لا، قال: "فإذا أفْطَرْتَ فَصُمْ يَوْمَيْنِ". مُتَّفَقٌ عليه (١٥). وَسِرَرُ الشَّهْرِ: آخِرُه لَيالِىَ (١٦) يَسْتَسِرُّ الهِلَالُ فلا يَظْهَرُ. ولأنَّه شَكٌّ في أحَدِ [طَرَفَىِ الشَّهْرِ لم يَظْهَرْ] (١٧) فيه أنَّه من غيرِ رمضانَ، فوَجَبَ الصَّوْمُ كالطَّرَفِ

стр. 1979

الآخَرِ. قال علىٌّ، وأبو هُرَيْرَةَ، وعائشةُ: لأنْ أصُومَ يَوْمًا من شعبانَ، أحَبُّ إلَىَّ مِن أن أُفْطِرَ يَوْمًا مِن رمضانَ. ولأنَّ الصَّوْمَ يُحْتَاطُ له، ولذلك وَجَبَ الصَّوْمُ بخَبَرٍ واحِدٍ، ولم يُفْطَرْ إلَّا بشهَادَةِ اثْنَيْنِ. فأمَّا خَبَرُ أبي هُرَيْرَةَ الذي احْتَجُّوا به، فإنَّه يَرْوِيه محمدُ بنُ زِيادٍ، وقد خَالَفَه سَعِيدُ بن المُسَيَّبِ، فرَوَاهُ عن أبى هُرَيْرَةَ: "فَإنْ غُمَّ عَلَيْكُمْ فَصُومُوا ثَلَاثِينَ". ورِوَايَتُه أوْلَى بِالتَّقْدِيمِ، لإِمامَتِه، واشْتِهَارِ عَدَالَتِه، وثِقَتِه، ومُوَافَقَتِه لِرأْى أبى هُرَيْرَةَ ومَذْهَبه، ولِخَبَرِ ابنِ عمرَ الذي رَوَيْنَاهُ. ورِوَايَةُ ابنِ عمرَ: "فَاقْدُرُوا له ثَلَاثِينَ" مُخَالِفَةٌ لِلرِّوَايَةِ الصَّحِيحَةِ المُتَّفَقِ عليها، ولِمذهبِ ابنِ عمرَ ورَأْيِه. والنَّهْىُ عن صَوْمِ الشَّكِّ مَحْمُولٌ على حالِ الصَّحْوِ، بِدَلِيلِ ما ذَكَرْناهُ، وفي الجُمْلَةِ لا يَجِبُ الصَّوْمُ إلَّا بِرُؤْيَةِ الهِلَالِ، أو كَمَالِ شعبانَ ثلاثِينَ يَوْمًا، أو يَحُولُ دُونَ مَنْظَرِ الهِلَالِ غَيْمٌ أو قَتَرٌ، على ما ذَكَرْنَا من الخِلافِ فيه. ٤٨٥ - مسألة؛ قال: (وَلَا يُجْزِئُه صِيَامُ فَرْضٍ حَتَّى يَنْوِيَهُ أىَّ وَقْتٍ كَانَ مِنَ اللَّيْلِ) وجُمْلَتُه أنَّه لا يَصِحُّ صَوْمٌ إلا بِنِيَّةٍ. إجْمَاعًا، فَرْضًا كان أو تَطَوُّعًا، لأنَّه عِبَادَةٌ مَحْضَةٌ، فافْتَقَرَ إلى النِّيَّةِ، كالصلاةِ، ثم إنْ كان فَرِيضَةً (١) كصِيَامِ رمضانَ في أدَائِه أو قَضائِه، والنَّذْرِ والكَفَّارَةِ، اشْتُرِطَ أن يَنْوِيَه من اللَّيْلِ عندَ إمامِنَا، ومالِكٍ، والشَّافِعِىِّ. وقال أبو حنيفةَ: يُجْزِئُ صِيامُ رمضانَ وكُلُّ صَوْمٍ مُتَعَيِّنٍ بِنِيَّةٍ من النَّهارِ؛ لأنَّ النَّبِىَّ ﷺ أرْسَلَ غَدَاةَ عاشُوراءَ إلى قُرَى الأنْصارِ التى حَوْلَ المَدِينَةِ: "مَنْ كَانَ أصْبَحَ صَائِمًا فَلْيُتِمَّ صَوْمَهُ، وَمَنْ كان أَصْبَحَ مُفْطِرًا فَلْيَصُمْ بَقِيَّةَ يَوْمِه، وَمَنْ لَمْ يَكُنْ أَكَلَ فَلْيَصُمْ". مُتَّفَقٌ عليه (٢). وكان صَوْمًا وَاجِبًا مُتَعَيِّنًا، ولأنَّه غيرُ ثابِتٍ

стр. 1980

في الذِّمَّةِ، فهو كالتَّطَوُّعِ. ولَنا، ما رَوَى ابنُ جُرَيْجٍ، وعبدُ اللهِ بنُ أبى بكرِ بن محمدِ بن عَمْرِو بنِ حَزْمٍ، عن الزُّهْرِىِّ، عن سَالِمٍ، عن أبيهِ، عن حَفْصَةَ، عن النَّبِىِّ ﷺ قال: "مَنْ لَمْ يُبَيِّتِ الصِّيَامَ مِن اللَّيْلِ، فَلَا صِيَامَ لَهُ". وفي لَفْظِ ابنِ حَزْمٍ: "مَنْ لَمْ يُجْمِعِ الصِّيَامَ قَبْلَ الْفَجْرِ، فَلَا صِيَامَ لَهُ". أخْرَجَهُ النَّسائِىُّ، وأبو دَاوُدَ، والتِّرْمِذِىُّ (٣). ورَوَى الدَّارَقُطْنِيُّ (٤) بإسْنَادِهِ، عن عَمْرَةَ عن عائشةَ، عن النَّبِيِّ ﷺ ، قال: "مَنْ لَمْ يُبَيِّتِ الصِّيَامَ قَبْلَ طُلُوعِ الْفَجْرِ، فَلَا صِيَامَ لَهُ"، وقال: إسْنَادُه كلُّهم ثِقَاتٌ. وقال في حَدِيثِ حَفْصَةَ: رَفَعَه عبدُ اللهِ بنُ أبي بكرٍ، عن الزُّهْرِىِّ؛ وهو من الثِّقَاتِ الرُّفَعاءِ. ولأنَّه صَوْمُ فَرْضٍ، فافْتَقَرَ إلى النِّيَّةِ من اللَّيْلِ، كالقَضاءِ. فأمَّا صوْمُ عَاشُورَاءَ، فلم يَثْبُتْ وُجُوبُه، فإنَّ مُعاوِيَةَ قال: سمعتُ رسولَ اللهِ ﷺ يقولُ: "هذَا يَوْمُ عَاشُورَاءَ، ولَمْ يَكْتُبِ اللهُ عَلَيْكُمْ صِيَامَهُ، وأنَا صَائِمٌ، فَمَنْ شَاءَ فَلْيَصُمْ، ومَنْ شَاءَ فَلْيُفْطِرْ". مُتَّفَقٌ عليه (٥). فلو

стр. 1981

كان وَاجِبًا [لم يُبَحْ فِطْرُهُ] (٦)، فإنَّما سُمِّىَ الإِمْسَاكُ صِيَامًا تَجَوُّزًا، بِدَلِيلِ قَوْلِه: "وَمَنْ كَانَ أصْبَحَ مُفُطرًا، فَلْيَصُمْ بَقِيَّةَ يَوْمِهِ". ولم يُفَرِّقْ بين المُفْطِرِ بالأكْلِ وغيرِه. وقد رَوَى البُخَارِىُّ (٧)، أنَّ رسولَ اللهِ ﷺ أمَرَ رَجُلًا: "أنْ أذِّنْ في النَّاسِ أنَّ مَنْ كَانَ أكَلَ فَلْيَصُمْ بَقِيَّةَ يَوْمِه". وإمْساكُ بَقِيَّةِ اليَوْمِ بعد الأكْلِ ليس بصِيامٍ شَرْعِىٍّ، وإنَّما سَمَّاهُ صِيَامًا تَجَوُّزًا. ثم لو ثَبَتَ أنَّه صِيَامٌ فالفَرْقُ بين ذلك وبين رمضانَ، أنَّ وُجُوبَ الصِّيامِ تَجَدَّدَ في أثْناءِ النَّهَارِ، فأجْزَأَتْهُ النِّيَّةُ حين تَجَدَّدَ الوُجُوبُ، كمَن كان صَائِمًا تَطَوُّعًا، فنَذَرَ إتْمامَ صَوْمِ بَقِيَّة يَوْمِه، فإنَّه تُجْزِئُه نِيَّتُه عندَ نَذْرِه، بخِلافِ ما إذا كان النَّذْرُ مُتَقَدِّمًا. والفَرْقُ بينَ التَّطَوُّعِ والفَرْضِ مِن وَجْهَيْنِ؛ أحدِهما، أنَّ التَّطَوُّعَ يُمْكِنُ الإِتْيَانُ به في بَعْضِ النَّهَارِ، بِشَرْطِ عَدَمِ المُفْطِرَاتِ في أوَّلِه، بِدَلِيلِ قَوْلِه ﵇ في حَدِيثِ عَاشُورَاءَ: "فَلْيَصُمْ بَقِيَّةَ يَوْمِه" فإذا نَوَى صَوْمَ التَّطَوُّعِ مِنَ النَّهارِ كان صَائِمًا بَقِيَّةَ النَّهارِ دُونَ أَوَّلِه، والفَرْضُ يجبُ (٨) في جَمِيعِ النَّهَارِ، ولا يكونُ صَائِما بغيرِ النِّيَّةِ. والثانى، أنَّ التَّطَوُّعَ سُومِحَ في نِيَّتِه من اللَّيْلِ تَكْثِيرًا له، فإنَّه قد يَبْدُو له الصَّوْمُ في النَّهَارِ، فاشْتِرَاطُ النِّيَّةِ في اللَّيْلِ يَمْنَعُ ذلك، فسَامَحَ الشَّرْعُ فيها، كمُسَامَحَتِه في تَرْكِ القِيامِ في صلاةِ التَّطَوُّعِ، وتَرْكِ الاسْتِقْبَالِ فيه في السَّفَرِ تَكْثِيرًا له، بخِلافِ الفَرْضِ. إذا ثَبَتَ هذا ففى أيِّ جُزْءٍ من اللَّيْلِ نَوَى أجْزَأَهُ، وسَوَاءٌ فَعَلَ بعد النِّيَّةِ ما يُنافِى الصَّوْمَ من الأكْلِ والشُّرْبِ والجِمَاعِ، أو (٩) لم يَفْعَلْ. واشْتَرَطَ بعضُ أصْحابِ الشَّافِعِيِّ أن لا يَأْتِى بعدَ النِّيَّةِ بِمُنافٍ لِلصَّوْمِ. واشْتَرَطَ بَعْضُهْم وُجُودَ النِّيَّةِ في النِّصْفِ الأَخِيرِ من اللَّيْلِ، كما اخْتَصَّ أذانُ الصُّبْحِ والدَّفْعُ من مُزْدَلِفَةَ به. ولَنا، مَفْهُومُ قَوْلِه عليه

стр. 1982

السَّلَامُ: "لَا صِيَامَ لِمَنْ لَمْ يُبَيِّتِ الصِّيَامَ مِنَ اللَّيْلِ" (١٠). من غير تَفْصِيلٍ، ولأنَّه نَوَى من اللَّيْلِ، فَصَحَّ صَوْمُه، كما لو نَوَى في النِّصْفِ الأخِيرِ ولم يَفْعَلْ ما يُنافِى الصَّوْمَ، ولأنَّ تَخْصِيصَ النِّيَّةِ بالنِّصْفِ الأَخِيرِ يُفْضِى إلى تَفْوِيتِ الصَّوْمِ؛ لأنَّه وَقْتُ النَّوْمِ، وكَثِيرٌ من النّاسِ لا يَنْتَبِهُ فيه، ولا يَذْكُرُ الصَّوْمَ، والشَّارِعُ إنَّما رَخَّصَ في تَقْدِيمِ النِّيَّةِ على ابْتِدَائِه، لِخُروجِ (١١) اعْتِبَارِها عندَه، فلا يَخُصُّها بمَحَلٍّ لا تَنْدَفِعُ المَشَقَّةُ بِتَخْصِيصِها به، ولأنَّ تَخْصِيصَها بالنِّصْفِ الأَخِيرِ تَحَكُّمٌ من غيرِ دَلِيلٍ، ولا يَصِحُّ اعْتِبَارُ الصَّوْمِ بالأذانِ والدَّفْعِ من مُزْدَلِفَةَ؛ لأنَّهما يَجُوزَانِ بعد الفَجْرِ، فلا يُفْضِى مَنْعُهما في النِّصْفِ الأوَّلِ إلى فَوَاتِهِما، بخِلافِ نِيَّةِ الصَّوْمِ، ولأنَّ اخْتصَاصَهما بالنِّصْفِ الأخِيرِ بمعنى تَجْوِيزِهِما فيه، واشْتِرَاطُ النِّيَّةِ بمعنى الإيجابِ والتَّحَتُّمِ، وفَوَاتِ الصَّوْمِ بِفَوَاتِها فيه، وهذا فيه مَشَقَّةٌ ومَضَرَّةٌ، بخِلافِ التَّجْوِيزِ، ولأنَّ مَنْعَهما في النِّصْفِ الأوَّلِ لا يُفْضِى إلى اخْتِصَاصِهما بالنِّصْفِ الأَخِيرِ، لِجَوَازِهما بعدَ الفَجْرِ، والنِّيَّةُ بخِلافِه، فأمَّا إن فسَخ النِّيَّةَ، مثل إن نَوَى الفِطْرَ بعد نِيَّةِ الصِّيامِ، لم تُجْزِئْه تلك النِّيَّة المَفْسُوخَة، لأنَّها زَالَتْ حُكْمًا وحَقِيقَةً. فصل: وإن نَوَى من النَّهارِ صَوْمَ الغَدِ، لم تُجْزِئْه تِلْكَ النِّيَّة، إلَّا أن يَسْتَصْحِبَها إلى جُزْءٍ من اللَّيْلِ. وقد رَوَى ابنُ مَنصورٍ، عن أحمدَ، في (١٢) مَن نَوَى الصَّوْمَ عن قَضاءِ رمضانَ بالنَّهَارِ، ولم يَنْوِ من اللَّيْلِ، فلا بَأْسَ، إلَّا أنْ يكونَ فَسَخَ النِّيَّةَ بعدَ ذلك. فظاهِرُ هذا حُصُولُ الإِجْزاءِ بِنِيَّتِه من النَّهارِ، إلَّا أنَّ القاضىَ قال: هذا مَحْمُولٌ على أنَّه اسْتَصْحَبَ النِّيَّةَ إلى جُزْءٍ من اللَّيْلِ. وهذا صَحِيحٌ؛

стр. 1983

[لظاهِرِ قَوْلِه] (١٣) ﵇: "لَا صِيَامَ لِمَنْ لَمْ يُبَيِّت الصِّيَامَ من اللَّيْلِ" (١٤). ولأنَّه لم يَنْوِ عند ابْتِداءِ العِبَادَةِ، ولا قَريِبًا منها، فلم يَصِحَّ، كما لو نَوَى من اللَّيْلِ صَوْمَ بعدَ غَدٍ. فصل: وتُعْتَبَرُ النِّيَّةُ لكُلِّ يَوْمٍ. وبهذا قال أبو حنيفةَ، والشَّافِعِىُّ، وابنُ المُنْذِرِ. وعن أحمدَ أنَّه تُجْزِئُه نِيَّةٌ واحِدَةٌ لِجَمِيعِ الشَّهْرِ، إذا نَوَى صَوْمَ جَمِيعِه. وهو (١٥) مذهبُ مالِكٍ، وإسحاقَ؛ لأنَّه نَوَى في زَمَنٍ يَصْلُحُ جِنْسُه لِنِيَّةِ الصَّوْمِ، فجَازَ، كما لو نَوَى كُلَّ يَوْمٍ في لَيْلَتِه. ولَنا، أنَّه صَوْمٌ واجِبٌ، فوَجَبَ أن يَنْوِىَ كُلَّ يَوْمٍ من لَيْلَتِه، كالقَضاءِ. ولأنَّ هذه الأَيَّامَ عِبَادَاتٌ لا يَفْسُدُ بَعْضُها بِفَسَادِ بَعْضٍ، ويَتَخَلَّلُها ما يُنَافِيها، فأشْبَهَتِ القَضاءَ، وبهذا فَارَقَتِ اليَوْمَ الأَوَّلَ. وعلى قِياسِ رمضانَ إذا نَذَرَ صَوْمَ شَهْرٍ بِعَيْنِه، فيُخَرَّجُ فيه مثلُ ما ذَكَرْنَاهُ في رمضانَ. فصل: ومَعْنَى النِّيَّة القَصْدُ، وهو اعْتِقَادُ القَلْبِ فِعْلَ شىءٍ، وعَزْمُهُ عليه، من غيرِ تَرَدُّدٍ، فمَتَى خَطَرَ بِقَلْبِه في اللَّيْلِ أنَّ غدًا مِن رمضانَ، وأنَّه صائِمٌ فيه، فقد نَوَى. وإن شَكَّ في أنَّه مِن رمضانَ ولم يَكُنْ له أَصْلٌ يَبْنِى عليه، مثل أن يكونَ لَيْلَةَ الثَّلَاثِينَ من شعبانَ، ولم يَحُلْ دُونَ مَطْلَعِ الهِلَالِ غَيْمٌ ولا قَتَرٌ، فَعَزَمَ أن يَصُومَ غَدًا من رمضانَ، لم تَصِحّ النِّيَّةُ، ولا يُجْزِئُه صِيامُ ذلك اليَوْمِ، لأنَّ النِّيَّةَ قَصْدٌ يَتْبَعُ العِلْمَ، وما لا يَعْلَمُه ولا دَلِيلَ على وُجُودِه ولا هو على ثقَةٍ من اعْتِقَادهِ لا يَصِحُّ قَصْدُه. وبهذا قال حَمَّادٌ، ورَبيعَةُ، ومالِكٌ، وابنُ أبى لَيْلَى، والحسنُ بن صالِحٍ، وابنُ المُنْذِرِ. وقال الثَّوْرِىُّ، والأوْزاعِىُّ: يَصِحُّ إذا نَوَاهُ من اللَّيلِ؛ لأنَّه نَوَى الصِّيَامَ من اللَّيْلِ، فصَحَّ كاليَوْمِ الثانى، وعن الشَّافِعِيِّ كالمَذْهَبَيْنِ. ولنَا، أنَّه لم

стр. 1984

يَجْزِمِ النِّيَّةَ بِصَوْمِه من رمضانَ، فلم يَصِحَّ، كما لو لم يَعْلَمْ إلَّا بعدَ خُرُوجِه. وكذلك لو بَنَى على قَوْلِ المُنَجِّمِينَ وأَهْلِ المَعْرِفَةِ بالحِسَابِ، فوَافَقَ الصَّوَابَ، لم يَصِحَّ صَوْمُه، وإن كَثُرَتْ إصابَتُهم، لأنَّه ليسَ بِدَلِيلٍ شَرْعِيٍّ يَجُوزُ البِنَاءُ عليه، ولا العَمَلُ به، فكان وُجُودُه كعَدَمِه، قال النَّبِىُّ ﷺ : "صُومُوا لِرُؤْيَتِه، وأَفْطِرُوا لِرُؤْيَتِه". وفي رِوَايَةٍ: "لَا تَصُومُوا حَتَّى تَرَوْهُ، ولَا تُفْطِرُوا حَتَّى تَرَوْهُ" (١٦). فأمَّا لَيْلَةُ الثَّلَاثِينَ من رمضانَ، فتَصِحُّ نِيَّتُه، وإن احْتَمَلَ أن يكونَ من شَوَّالَ؛ لأنَّ الأصْلَ بَقَاءُ رمضانَ، وقد أمَرَ النبيُّ ﷺ بِصَوْمِه بِقَوْلِه: "ولَا تُفْطِروا حتى تَرَوْهُ". لكنْ إن قال: إن كان غدًا من (١٧) رمضانَ، فأنا صَائِمٌ، وإن كان مِن شَوَّال فأنا مُفْطِرٌ. فقال ابنُ عَقِيلٍ: لا يَصِحُّ صَوْمُه؛ لأنَّه لم يَجْزِمْ [بِنِيَّةِ الصَّومِ] (١٨)، والنِّيَّةُ اعْتِقَادٌ جَازِمٌ. ويَحْتَمِلُ أن يَصِحَّ؛ لأنَّ هذا شَرْطٌ واقِعٌ، والأصْلُ بَقاءُ رمضانَ. فصل: ويَجِبُ تَعْيِينُ النِّيَّةِ في كلِّ صَوْمٍ واجِبٍ، وهو أن يَعْتَقِدَ أنَّه يَصُومُ غَدًا مِن رمضانَ، أو من قَضَائِه، أو من كَفَّارَتِه، أَو نَذْرِه. نَصَّ عليه أحمدُ، في رِوَايَةِ الأثْرَمِ، فإنَّه قال: قلتُ لأبى عبدِ اللهِ: أَسِيرٌ صامَ في أرضِ الرُّومِ شهرَ رمضانَ، ولا يَعْلَمُ أنَّه رَمضانُ، يَنْوِى التَّطَوُّعَ؟ قال: لا يُجْزِئُه إلَّا بِعَزِيمَةِ أنَّه من رمضانَ. ولا يُجْزِئُه في يَوْمِ الشَّكِّ إذا أصْبَحَ صَائِمًا، وإن كان مِن رمضانَ إلَّا بِعَزِيمَةٍ من اللَّيْلِ أنَّه من رمضانَ. وبهذا قال مالِكٌ، والشَّافِعِىُّ. وعن أحمدَ، رِوَايَةٌ أُخْرَى، أنَّه لا يَجِبُ تَعْيِينُ النِّيَّةِ لِرمضانَ. فإنَّ المَرُّوذِىَّ رَوَى عن أحمدَ، أنَّه قال: يكونُ يَوْمُ الشَّكِّ يَوْمَ غَيْمٍ إذا أجْمَعْنَا على أنَّنا نُصْبِحُ صُيَّامًا يُجْزِئُنَا من رمضانَ، وإن لم نَعْتَقِدْ أنَّه من رمضانَ؟ قال: نعم. قلتُ: فقَوْلُ النَّبِىِّ ﷺ : "إنَّما الْأَعْمَالُ

стр. 1985

بِالنِّيَّاتِ" (١٩). أليس يُرِيدُ أن يَنْوِىَ أنَّه مِن رمضانَ؟ قال: لا، إذا نَوَى من اللَّيْلِ أَنَّه صَائِمٌ أجْزَأهُ. وحَكَى أبو حَفْصٍ العُكْبَرِىُّ، عن بعضِ أصْحابِنَا أنَّه قال: ولو نَوَى (٢٠) أن يَصُومَ تَطَوُّعًا لَيْلَةَ الثَّلَاثِينَ من رمضانَ، فوَافَقَ رمضانَ، أجْزَأَهُ. قال القاضى: وَجَدْتُ هذا الكَلامَ اخْتِيَارًا لأبى القاسمِ، ذَكَرَهُ في "شَرْحِه". وقال أبو حَفْصٍ: لا يُجْزِئُه، إلَّا أن يَعْتَقِدَ من اللَّيْلِ بلا شَكٍّ ولا تَلَوُّمٍ (٢١). فعلَى القَوْلِ الثانِى: لو نَوَى في رمضانَ الصَّوْمَ مُطْلَقًا، أو نَوَى نَفْلًا، وَقَع عن رمضانَ، وصَحَّ صَوْمُه. وهذا قَوْلُ أبى حنيفةَ إذا كان مُقِيمًا؛ لأنَّه فَرْضٌ مُستْحَقٌّ في زَمَنٍ بِعَيْنِه، فلا يَجِبُ تَعْيِينُ النِّيَّةِ له، كطَوَافِ الزِّيَارَةِ. ولَنا، أنَّه صَوْمٌ واجِبٌ، فوَجَبَ تَعْيِينُ النِّيَّةِ له، كالقَضاءِ وطَوافِ الزِّيارَةِ، كمَسْأَلَتِنَا في افْتِقَارِه إلى التَّعْيِينِ، فلو طَافَ يَنْوِى به الوَدَاعَ، أو طَافَ بِنِيَّةِ الطَّوَافِ مُطْلَقًا، لم يُجْزِئْه عن طَوَافِ الزِّيَارَةِ. ثم الحَجُّ [يُخالِفُ الصَّوْمَ] (٢٢)، ولهذا يَنْعَقِدُ مُطْلَقًا، ويَنْصَرِفُ إلى الفَرْضِ. ولو حَجَّ عن غيرِه، ولم يَكُنْ حَجَّ عن نَفْسِه، وَقَعَ عن نَفْسِه. ولو نَوَى الإِحْرامَ بمثل ما أَحْرَمَ به فُلَانٌ، صَحَّ، ويَنْعَقِدُ فَاسِدًا، بخِلافِ الصَّوْمِ. فصل: ولو نَوَى لَيْلَةَ الشَّكِّ، إن كان غَدًا من رمضانَ فأنا صَائِمٌ فَرْضًا، وإلَّا فهو نَفْلٌ. لم يُجْزِئْهُ، على الرِّوَايَةِ الأُولَى، لأنَّه لم يُعَيِّن الصَّوْمَ من رمضانَ جَزْمًا، ويُجْزِئُه على الأُخْرَى؛ لأنَّه قد نَوَى الصَّوْمَ. ولو كان عليه صَوْمٌ من سَنَة خَمْسٍ، فنَوَى أنَّه يَصُومُ عن سَنَة سِتٍّ، أو نَوَى الصَّوْمَ عن يَوْمِ الأحَدِ، وكان الاثْنَيْن، أو ظَنَّ أنَّ غَدًا الأحَدُ، فنَوَاهُ، وكان الاثْنَيْن، صَحَّ صَوْمُه؛ لأنَّ نِيَّةَ الصَّوْمِ لم تَخْتَلَّ،

стр. 1986

وإنَّما أَخْطَأَ (٢٣) في الوَقْتِ. فصل: وإذا عَيَّنَ النِّيَّةَ عن صَوْمِ رمضانَ، أو قَضَائِه أو (٢٤) كَفَّارَةٍ، أو نَذْرٍ، لم يَحْتَجْ أن يَنْوِىَ كَوْنَهُ فَرْضًا. وقال ابنُ حَامِدٍ: يَجبُ ذلك. وقد مَرَّ بَيانُ ذلك في الصلاةِ (٢٥). ٤٨٦ - مسألة؛ قال: (ومَنْ نَوَى صِيَامَ التَّطَوُّعِ من النَّهَارِ، ولم يَكُنْ طَعِمَ، أجْزَأَهُ) وجُمْلَةُ ذلك أنَّ صَوْمَ التَّطَوُّعِ يجوزُ بِنِيَّةٍ من النَّهارِ، عندَ إمامِنَا، وأبى حنيفةَ، والشَّافِعِيِّ. وَرُوِىَ ذلك عن أبِي الدَّرْداء، وأبى طَلْحَةَ وابنِ مسعودٍ، وحُذَيْفَةَ، وسَعِيدِ بنِ المُسَيَّبِ، وسَعِيدِ بن جُبَيْرٍ، والنَّخَعِىِّ، وأصْحابِ الرَّأْىِ. وقال مالِكٌ، ودَاوُدُ: لا يجوزُ إلَّا بِنِيَّةٍ من اللَّيلِ؛ لِقَوْلِه ﵇: "لَا صِيَامَ لِمَنْ لَمْ يُبَيِّتِ الصِّيَامَ مِنَ اللَّيْلِ" (١). ولأنَّ الصلاةَ يَتَّفِقُ وَقْتُ النِّيَّةِ لِفَرْضِها ونَفْلِهَا، فكذلك الصَّوْمُ. ولَنا، ما رَوَتْ عائشةُ، رضِىَ اللهُ عنها، قالت: دَخَلَ عَلَىَّ النَّبِىُّ ﷺ ذاتَ يَوْمٍ، فقال: "هَلْ عِنْدَكُمْ مِنْ (٢) شَىْءٍ؟ " قلنا: لَا. قال: "فَإنِّى إذًا صَائِمٌ". أخْرَجَهُ مُسْلِمٌ، وأبُو دَاوُدَ، والنَّسَائِىُّ (٣). ويَدُلُّ عليه أيضا حَدِيثُ

стр. 1987

عَاشُورَاءَ (٤). ولأنَّ الصلاةَ يُخَفَّفُ نَفْلُها عن فَرْضِها، بِدَلِيلِ أنَّه لا يُشْتَرَطُ القِيَامُ لِنَفْلِها، ويجوزُ في السَّفَرِ على الرَّاحِلَةِ إلى غيرِ القِبْلَةِ، فكذا الصِّيَامُ. وحَدِيثُهُم نَخُصُّه بحَدِيثِنَا، علَى أنَّ حَدِيثَنا أصَحُّ مِن حَدِيثِهم، فإنَّه مِن رِوَايَةِ ابنِ لَهِيعَةَ، ويحيى بن أَيُّوبَ، قال المَيْمُونِىُّ: سَألتُ أحمدَ عنه، فقال: أُخْبِرُكَ ماله عِنْدِى ذاكَ (٥) الإِسْنَادُ، إلَّا أنَّه عن ابن عمرَ وحَفْصَةَ، إسْنَادَانِ جَيِّدَانِ. والصلاةُ يَتَّفِقُ (٦) وَقْتُ النِّيَّةِ لِنَفْلِهَا وفَرْضِهَا؛ لأنَّ اشْتِرَاطَ النِّيَّةِ في أَوَّلِ الصلاةِ لا يُفْضِى إلى تَقْلِيلِهَا، بِخِلافِ الصَّوْمِ، فإنه يَعِنُّ (٧) له الصَّوْمُ من النَّهَارِ، فعُفِىَ عنه، كما (٨) جَوَّزْنَا التَّنَفُّلَ قَاعِدًا وعلى الرَّاحِلَةِ، لهذه العِلَّةِ. فصل: وأىَّ وَقْتٍ من النَّهَارِ نَوَى أجْزَأَهُ، سَوَاءٌ في ذلك ما قَبْلَ الزَّوَالِ وبعدَه. هذا ظَاهِرُ كلامِ أحمدَ، والخِرَقِىِّ. وهو ظاهِرُ قَوْلِ ابنِ مسعُودٍ، فإنَّه قال: أحَدُكُمْ بِأَخْيَرِ النَّظرَيْنِ، ما لم يَأْكُلْ أو يَشْرَبْ. وقال رَجُلٌ لِسَعِيدِ بن المُسَيَّبِ: إنِّى لم آكُلْ إلى الظُّهْرِ، أو إلى العَصْرِ، أفَأَصُومُ بَقِيَّةَ يَوْمِى؟ قال: نعم. واخْتَارَ القاضى، في "المُجَرَّدِ" (٩) أنَّه لا تُجْزِئُه النِّيَّةُ بعدَ الزَّوالِ. وهذا مذهبُ أبى حنيفةَ، والمَشْهُورُ من قَوْلَىِ (١٠) الشَّافِعِيِّ؛ لأنَّ مُعْظَمَ النَّهارِ مَضَى [من غيرِ] (١١) نِيَّةٍ، بخِلافِ الناوِى قبلَ الزَّوَالِ، فإنَّه قد أدْرَكَ مُعْظَمَ العِبَادَةِ، ولهذا تَأْثِيرٌ في الأُصُولِ، بِدَلِيلِ أنَّ من أدْرَكَ الإِمامَ قبل الرَّفْعِ من الرُّكُوعِ أدْرَكَ الرَّكْعَةَ؛

стр. 1988

لإدْرَاكِهِ مُعْظَمَها، ولو أدْرَكَه بعد الرَّفْعِ، لم يَكُنْ مُدْرِكًا لها، ولو أدْرَكَ مع الإِمامِ من الجُمُعَةِ رَكْعَةً، كان مُدْرِكًا لها؛ لأنَّها تَزِيدُ بالتَّشَهُّدِ، ولو أدْرَكَ أقَلَّ من رَكْعَةٍ، لم يَكُنْ مُدْرِكًا لها. ولَنا، أنَّه نَوَى في جُزْءٍ من النَّهارِ، فأشْبَهَ ما لو نَوَى في أوَّلِه، ولأنَّ جَمِيعَ اللَّيْلِ وَقْتٌ لِنِيَّةِ الفَرْضِ، فكذا جَمِيعُ النَّهارِ وَقْتٌ لِنِيَّةِ النَّفْلِ. إذا ثَبَتَ هذا فإنَّه يُحْكَمُ له بالصَّوْمِ الشَّرْعِىِّ المُثَابِ عليه من وَقْتِ النِّيَّةِ، في المَنْصُوصِ عن أحمدَ، فإنَّه قال: مَن نَوَى في التَّطَوُّعِ من النَّهَارِ، كُتِبَ له بَقِيَّةُ يَوْمِه، وإذا أجْمَعَ من اللَّيْلِ كان له يَوْمُه. وهذا قولُ بعضِ أصْحابِ الشَّافِعِيِّ. وقال أبو الخَطَّابِ، في "الهِدَايَةِ": يُحْكَمُ له بذلك من أَوَّلِ النَّهَارِ. وهو قولُ بَعْضِ أصْحابِ الشَّافِعِىِّ؛ لأنَّ الصَّوْمَ لا يَتَبَعَّضُ [فى اليَوْمِ] (١٢)، بدَلِيلِ ما لو أكَلَ في بَعْضِه، لم يَجُزْ له صِيَامُ بَاقِيهِ، فإذا وُجِدَ في بَعْضِ اليَوْمِ دَلَّ على أنَّه صَائِمٌ من أَوَّلِه، ولا يَمْتَنِعُ (١٣) الحُكْمُ بالصَّوْمِ من غير نِيَّةٍ حَقِيقَةً (١٤)، كما لو نَسِىَ الصَّوْمَ بعدَ نِيَّتِه، أو غَفَلَ عنه، ولأنَّه لو أدْرَكَ بعضَ الرَّكْعَةِ أو بعضَ الجماعَةِ كان مُدْرِكًا لِجَمِيعِها. ولَنا، أنَّ ما قَبْلَ النِّيَّةِ لم يَنْوِ صِيامَه، فلا يكونُ صَائِمًا فيه؛ لِقَوْلِه ﵇: "إنَّمَا الْأَعْمَالُ بالنِّيَّاتِ، وإنَّما [لِكُلِّ امْرِئٍ] (١٥) ما نَوَى" (١٦). ولأنَّ الصَّوْمَ عِبادَةٌ مَحْضَةٌ، فلا تُوجَدُ بغير نِيَّةٍ، كسائِرِ العِبادَاتِ المَحْضَةِ. ودَعْوَى أن الصَّوْمَ لا يَتَبَعَّضُ، دَعْوَى مَحَلِّ النِّزَاعِ، وإنَّما يُشْتَرَطُ لِصَوْمِ البَعْضِ أنْ لا تُوجَدَ المُفْطِرَاتُ في شىءٍ من اليَوْمِ، ولهذا قال النَّبِىُّ ﷺ ، في حَدِيثِ عَاشُورَاءَ: "فَلْيَصُمْ بَقِيَّةَ يَوْمِهِ" (١٧). وأمَّا إذا نَسِىَ النِّيَّةَ بعدَ وُجُودِهَا، فإنَّه يكونُ مُسْتَصْحِبًا

стр. 1989

لِحُكْمِها، بخِلافِ ما قَبْلَها، فإنَّها لم تُوجَدْ حُكْمًا، ولا حَقِيقَةً، ولهذا لو نَوَى الفَرْضَ من اللَّيْلِ، ونَسِيَهُ في النَّهارِ، صَحَّ صَوْمُه، ولو لم يَنْوِ من اللَّيْلِ، لم يَصِحَّ صَوْمُه. وأمَّا إدْرَاكُ الرَّكْعَةِ والجَمَاعَةِ، فإنَّما مَعْناهُ أنَّه لا يَحْتاجُ إلى قَضاءِ رَكْعَةٍ، ويَنْوِى أنَّه مَأْمُومٌ، وليس هذا مُسْتَحِيلًا، أمَّا أن يكونَ ما صَلَّى الإِمامُ قَبْلَهُ من الرَّكَعَاتِ مَحْسُوبًا له، بحيثُ يُجْزِئُه عن فِعْلِه فكَلَّا، ولأنَّ مُدْرِكَ الرُّكُوعِ مُدْرِكٌ لِجَمِيعِ أرْكانِ الرَّكْعَةِ، لأنَّ القِيامَ وُجِدَ حِينَ كَبَّرَ وَفَعَلَ سَائِرَ الأرْكانِ مع الإِمامِ. وأمَّا الصَّوْمُ فإنَّ النِّيَّةَ شَرْطٌ أو رُكْنٌ فيه، فلا يُتَصَوَّرُ وُجُودُه بدون شَرْطِه وَرُكْنِه. إذا ثَبَتَ هذا فإنَّ من شَرْطِه أن لا يكونَ طَعِمَ قبل النِّيَّةِ، ولا فَعَلَ ما يُفْطِرُه، فإن فَعَلَ [شيئا مِن] (١٨) ذلك، لم يُجْزِئْه الصِّيَامُ، بغيرِ خِلافٍ نَعْلَمُهُ. ٤٨٧ - مسألة؛ قال: (وَمَنْ نَوَى مِنَ اللَّيْلِ، فأُغْمِىَ عَلَيْهِ قَبْلَ طُلُوعِ الْفَجْرِ، فَلَمْ يُفِقْ حَتَّى غَرَبَتِ الشَّمْسُ، لَمْ يُجْزِهِ صِيَامُ ذلِكَ اليَوْمِ) وجُمْلَةُ ذلك أنَّه مَتَى أُغْمِىَ عليه جميعَ النَّهارِ، فلم يُفِقْ في شىءٍ منه، لم يَصِحَّ صَوْمُهُ، في قَوْلِ إمامِنَا، والشَّافِعِىِّ. وقال أبو حنيفةَ: يَصِحُّ؛ لأنَّ النِّيَّةَ قَد صَحَّتْ، وزَوَالُ الاسْتِشْعَارِ بعدَ ذلك لا يَمْنَعُ صِحَّةَ الصَّوْمِ، كالنَّوْمِ. ولَنا، أنَّ الصَّوْمَ هو الإِمْساكُ مع النِّيَّةِ. قال النَّبِىُّ ﷺ : "يَقُولُ اللهُ تَعَالَى: كُلُّ عَمَلِ ابْنِ آدَمَ لَهُ إلَّا الصِّيَامَ، فَإنَّهُ لِى، وأنَا أَجْزِى بِهِ، يَدَعُ طَعَامَهُ وشَرَابَهُ مِنْ أَجْلِى" مُتَّفَقٌ عليه (١). فأضافَ تَرْكَ الطَّعامِ والشَّرابِ إليه، وإذا كان مُغْمًى عليه، فلا يُضافُ

стр. 1990

الإِمْسَاكُ إليه، فلم يُجْزِئْهُ. ولأنَّ النِّيَّةَ أَحَدُ رُكْنَىِ الصَّوْمِ، فلا تُجْزِئُ وَحْدَها، كالإِمْساكِ وَحْدَه، أمَّا النَّوْمُ فإنَّه عادَةٌ، ولا يُزِيلُ الإِحْسَاسَ بالكُلِّيَّةِ، ومتى نُبِّهَ انْتَبَهَ، والإِغْماءُ عارِضٌ يُزِيلُ العَقْلَ، فأشْبَهَ الجُنُونَ. إذا ثَبَتَ هذا، فزَوَالُ العَقْلِ يَحْصُلُ بِثلاثةِ أشْياء؛ أحدُها، الإِغْماءُ وقد ذَكَرْنَاهُ، ومتى فَسَدَ الصَّوْمُ به فعلَى المُغْمَى عليه القَضَاءُ، بغيرِ خِلافٍ عَلِمْنَاهُ؛ لأنَّ مُدَّتَه لا تَتَطَاوَلُ غَالِبًا، ولا تَثْبُتُ الوِلَايَةُ على صَاحِبهِ، فلم يَزُل به التَّكْلِيفُ وقَضاءُ العِبَاداتِ، كالنَّوْمِ، ومتَى أفَاقَ المُغْمَى عليه في جُزْءٍ من النَّهَارِ، صَحَّ صَوْمُهُ، سواءٌ كان في أَوَّلِه أو آخِرِه. وقال الشَّافِعِىُّ، في أحَدِ قَوْلَيْه: تُعْتَبَرُ الإِفاقَةُ في أَوَّلِ النَّهارِ، لِيَحْصُلَ حُكْمُ النِّيَّة في أوَّلِه. ولَنا، أنَّ الإِفَاقَةَ حَصَلَتْ في جُزْءٍ من النَّهارِ، فأجْزَأَ، كما لو وُجِدَتْ في أوَّلِه، وما ذَكَرُوهُ لا يَصِحُّ؛ فإنَّ النِّيَّةَ قد حَصَلَتْ من اللَّيْلِ، فيُسْتَغْنَى عن ذِكْرِهَا في النَّهارِ، كما لو نامَ أو غَفَلَ عن الصَّوْمِ، ولو كانت النِّيَّةُ إنَّمَا تَحْصُلُ بالإِفاقَةِ في النَّهارِ، لَما صَحَّ منه صَوْمُ الفَرْضِ بالإِفاقَةِ، لأنَّه لا يُجْزِئُ بِنِيَّةٍ من النَّهارِ. الثاني، النَّوْمُ، فلا يُؤَثِّرُ في الصَّوْمِ، سَواءٌ وُجِدَ في جميع النَّهارِ أو بعضِه. الثالث، الجُنُونُ، فَحُكْمُه حُكْمُ الإِغْمَاءِ، إلَّا أنَّه إذا وُجِدَ في جَمِيعِ النَّهارِ، لم يَجِبْ قَضاؤُهُ. وقال أبو حنيفةَ: متى أفاقَ المَجْنُونُ في جُزْءٍ من رمضان، لَزِمَهُ قَضاءُ ما مَضَى منه؛ لأنَّه أدْرَكَ جُزْءًا مِن رمضانَ وهو عَاقِلٌ، فلَزِمَهُ صِيامُه، كما لو أفاقَ في جُزْءٍ من اليَوْمِ. وقال الشَّافِعِيُّ: إذا وُجِدَ الجُنُونُ في جُزْءٍ من النَّهارِ أفْسَدَ الصَّوْمَ؛ لأنَّه مَعْنًى يَمْنَعُ وُجُوبَ الصَّوْمِ، فأفْسَدَهُ وُجُودُه في بَعْضِه، كالحيضِ. ولَنا، أنَّه مَعْنًى

стр. 1991

يَمْنَعُ الوُجُوبَ إذا وُجِدَ في جَمِيعِ الشَّهْرِ، فمنَعَهُ إذا وُجِدَ في جَمِيعِ النَّهارِ، كالصَّبَأ والكُفْرِ، وأمَّا إن أفاقَ في بعضِ اليَوْمِ فلنا مَنْعٌ في وُجُوبِهِ، وإن سَلَّمنْاه فإنَّه قد أدْرَكَ بعضَ وَقْتِ العِبادَةِ، فلَزِمَتْهُ (٢)، كالصَّبِيِّ إذا بَلَغَ، والكافِرِ إذا أسْلَمَ في بعضِ النَّهَارِ، وكما لو أدْرَكَ بعضَ وَقْتِ الصلاةِ. ولَنا، على الشَّافِعِيِّ، أنَّه زَوَالُ عَقْلٍ في بعضِ النَّهارِ، فلم يَمْنَعْ صِحَّةَ الصَّوْمِ، كالإِغْماءِ والنَّوْمِ، ويُفارِقُ الحَيْضَ؛ فإِنَّ الحَيْضَ لا يَمْنَعُ الوُجُوبَ، وإنَّما يُجَوِّزُ تَأْخِيرَ الصَّوْمِ، ويُحَرِّمُ فِعْلَه، ويُوجِبُ الغُسْلَ، ويُحَرِّمُ الصلاةَ والقِرَاءَةَ واللُّبْثَ في المَسْجِدِ والوَطْءَ، فلا يَصِحُّ قِياسُ الجُنُونِ عليه. ٤٨٨ - مسألة؛ قال: (وَإِذَا سَافَرَ مَا يَقْصُرُ فِيهِ الصَّلَاةَ، فَلَا يُفْطِرُ حَتَّى يَتْرُكَ البُيوتَ وَرَاءَ ظَهْرِهِ) وجُمْلَتُه (١) أنَّ لِلْمُسَافِرِ أن يُفْطِرَ في رمضانَ وغيرِه، بِدَلَالَةِ الكِتابِ والسُّنَّةِ والإِجْمَاعِ؛ أمَّا الكِتابُ فقولُ اللهِ تعالى: ﴿فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾ (٢)، وأمَّا السُّنَّةُ فقولُ النَّبِىِّ ﷺ : "إنَّ اللهَ وَضَعَ عَنِ المُسَافِرِ الصَّوْمَ". رَوَاهُ النَّسَائِىُّ، والتِّرْمِذِىُّ (٣)، وقال: حَدِيثٌ حَسَنٌ. في أخْبَارٍ كَثِيرَةٍ سِوَاهُ. وأجْمَعَ المُسلمونَ على إباحَةِ الفِطْرِ لِلْمُسَافِرِ في الجُمْلَةِ، وإنَّما يُباحُ الفِطْرُ في السَّفَرِ الطَّوِيلِ، الذي يُبِيحُ القَصْرَ، وقد ذَكَرْنا قَدْرَهُ في الصلاةِ (٤). ثم لا يَخْلُو المُسَافِرُ من ثلاثةِ أحْوالٍ: أحدُها، أن يَدْخُلَ عليه شهرُ رمضانَ في السَّفَرِ، فلا نَعْلَمُ بين أهْلِ العِلْمِ خِلافًا في إباحَةِ الفِطْرِ له. الثانى، أن يُسَافِرَ في أثْناء الشَّهْرِ لَيْلًا، فله الفِطْرُ في صَبِيحَة اللَّيْلَةِ التى يَخْرُجُ فيها، وما

стр. 1992

بَعْدَها، في قَوْلِ عَامَّةِ أهْلِ العِلْمِ. وقال عَبِيدَةُ السَّلْمانِىُّ، وأبو مِجْلَزٍ، وسُوَيْدُ بنُ غَفَلَةَ: لا يُفْطِرُ مَن سَافَرَ بعد دُخُولِ الشَّهْرِ؛ لِقَوْلِ اللهِ تعالى: ﴿فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ﴾ (٥). وهذا قد شَهِدَهُ. ولَنا، قَوْلُ اللهِ تعالى: ﴿فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾ (٦). ورَوَى ابنُ عَبَّاسٍ، قال: خَرَجَ رسولُ اللهِ ﷺ عامَ الفَتْحِ في شهر رمضانَ، فصَامَ حتى بَلَغَ الكَدِيدَ (٧)، ثم أفْطَرَ وأفْطَرَ الناسُ. مُتَّفَقٌ عليه (٨). ولأنَّه مُسافِرٌ فأُبِيحَ له الفِطْرُ، كما لو سافَرَ قبلَ الشَّهْرِ، والآيةُ تناوَلَتِ الأمْرَ بِالصَّوْمِ لمن شَهِدَ الشَّهْرَ كُلَّه، وهذا لم يَشْهَدْهُ كُلَّهُ. الثالث، أن يُسافِرَ في أثْناءِ يَوْمٍ من رمضانَ، فحُكْمُه في اليَوْمِ الثانى كمَنْ سافَرَ لَيْلًا، وفي إباحَةِ فِطْرِ اليَوْمِ الذي سافَرَ فيه، عن أحمدَ رِوَايَتانِ؛ إحْدَاهُما، له أن يُفْطِرَ. وهو قولُ عَمْرِو بن شُرَحْبِيل، والشَّعْبِىِّ، وإسحاقَ، ودَاوُدَ، وابنِ المُنْذِرِ؛ لما رَوَى عُبَيْدُ بن جُبَيْرٍ، قال: رَكِبْتُ مع أبى بَصْرَةَ الغِفَارِىِّ في (٩) سَفِينَةٍ من الفُسْطَاطِ في شهرِ رمضانَ، فدَفَعَ، ثم قَرَّبَ غَدَاءَهُ، فلم يُجَاوِز البُيُوتَ حتى دَعَا بالسُّفْرَةِ، ثم قال: اقْتَرِبْ. قلتُ: ألستَ تَرَى البُيُوتَ؟ قال أبو بَصْرَةَ: أَتَرْغَبُ عن سُنَّةِ رسولِ اللهِ ﷺ ؟ فأكَلَ. رَوَاهُ أبو دَاوُدَ (١٠). ولأنَّ

стр. 1993

السَّفَرَ معنًى لو وُجِدَ لَيْلًا واسْتَمَرَّ في النَّهَارِ لأَبَاحَ الفِطْرَ، فإذا وُجِدَ في أثْنَائِه أبَاحَه كالمَرَضِ، ولأنَّه أَحَدُ الأمْرَيْنِ المَنْصُوصِ عليهما في إباحَةِ الفِطْرِ بهما، فأباحَهُ في أثْناءِ النَّهَارِ كالآخَرِ. والرِّوَايَةُ الثانيةُ، لا يُبَاحُ له فِطْرُ (١١) ذلك اليَوْمِ، وهو قولُ مَكْحُولٍ، والزُّهْرِىِّ، ويحيى الأَنْصَارِىِّ، ومَالِكٍ، والأوْزاعِيِّ، والشَّافِعِىِّ، وأصْحابِ الرَّأْىِ؛ لأنَّ الصَّوْمَ عِبَادَةٌ تَخْتَلِفُ بالسَّفَرِ والحَضَرِ، فإذا اجْتَمَعَا فيها غَلَبَ حُكْمُ الحَضَرِ، كالصلاةِ، والأوَّلُ أَصَحُّ؛ لِلْخَبَرِ، ولأنَّ الصَّوْمَ يُفارِقُ الصلاة فإنَّ الصلاةَ يَلْزَمُ إتْمَامُها بِنِيَّتِه، بخِلافِ الصَّوْمِ. إذا ثَبَتَ هذا فإنَّه لا يُباحُ له الفِطْرُ حتى يُخَلِّفَ البُيُوتَ وَرَاءَ ظَهْرِه، يَعْنِى أنَّه يُجاوِزُها ويَخْرُجُ من بين بُنْيَانِها. وقال الحسنُ: يُفْطِرُ في بَيْتِه، إن شَاء، يَوْمَ يُرِيدُ أن يَخْرُجَ. وَرُوِىَ نَحْوُه عن عَطاءٍ. قال ابنُ عبدِ البَرِّ: قَوْلُ الحسنِ قَوْلٌ شَاذٌّ، وليس الفِطْرُ لأَحَدٍ في الحَضَرِ في نَظَرٍ ولا أَثَرٍ. وقد رُوِىَ عن الحسنِ خِلافُه. وقد رَوَى مُحَمَّدُ بنُ كَعْبٍ، قال: أَتَيْتُ أنَسَ بنَ مالِكٍ في رمضانَ، وهو يُرِيدُ السَّفَرَ، وقد رُحِّلَتْ له رَاحِلَتُه، ولَبِسَ ثِيابَ السَّفَرِ، فدَعَا بطَعَامٍ فأكَلَ، فَقُلْتُ له: سُنَّةٌ؟ فقال: سُنَّةٌ. ثم رَكِبَ. قال التِّرْمِذِىُّ (١٢): هذا حَدِيثٌ حَسَنٌ. ولَنا، قولُ اللهِ تعالى: ﴿فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ﴾. وهذا شاهِدٌ، ولا يُوصَفُ بِكَوْنِه مُسَافِرًا حتى يَخْرُجَ من البَلَدِ، ومَهْمَا كان في البَلَدِ فله أحْكامُ الحاضِرِينَ، ولذلك لا يَقْصُرُ الصلاةَ. فأمَّا أَنَسٌ فيَحْتَمِلُ أنَّه قد كان بَرَزَ من البَلَدِ خَارِجًا منه، فأتَاهَ محمدُ ابنُ كَعْبٍ في مَنْزِلِه ذلك. فصل: وإن نَوَى المُسافِرُ الصَّوْمَ في سَفَرِهِ، ثم بَدَا له أن يُفْطِرَ، فله ذلك. واخْتَلَفَ قَوْلُ الشَّافِعِيِّ فيه، فقال مَرَّةً: لا يجوزُ له الفِطْرُ، وقال مَرَّةً أُخْرَى: إن

стр. 1994

صَحَّ حَدِيثُ الكَدِيد (١٣) لم أَرَ به بَأْسًا أن يُفْطِرَ. وقال مَالِكٌ: إن أفْطَرَ فعليه القَضاءُ والكَفَّارَةُ؛ لأنَّه أفْطَرَ في صَوْمِ رمضانَ، فلَزِمَهُ ذلك، كما لو كان حَاضِرًا. ولَنا، حَدِيثُ ابنِ عَبَّاسٍ (١٤)، وهو حَدِيثٌ (١٥) صَحِيحٌ مُتَّفَقٌ عليه. وَرَوَى جابِرٌ أنَّ رسولَ اللهِ ﷺ خَرَجَ عَامَ الفَتْحِ، فصَامَ حتى بلَغَ كُرَاعَ الغَمِيمِ (١٦)، وصامَ النَّاسُ معه، فَقِيلَ له: إنَّ النَّاسَ قد شَقَّ عليهم الصِّيَامُ، وإن الناسَ يَنْظُرُونَ ما فَعَلْتَ، فدعَا بِقَدَحٍ من ماءٍ بعدَ العَصْرِ، فشَرِبَ والناسُ يَنْظُرُونَ، فأَفْطَرَ بَعْضُهم، وصَامَ بَعْضُهم، فبَلَغَه أنَّ نَاسًا صَامُوا، فقال: "أُولَئِكَ العُصَاةُ". رَوَاهُ مُسْلِمٌ (١٧). وهذا نَصٌّ صَرِيحٌ لا يُعَرَّجُ على مَن (١٨) خَالَفَه. إذا ثَبَتَ هذا فإنَّ له أن يُفْطِرَ بما شَاءَ من أكْلٍ وشُرْبٍ وغَيْرِهما، إلَّا الجِماعَ، هل له أن يُفْطِرَ به أمْ لَا؟ فإنْ أفْطَرَ بالجماعِ ففى الكَفَّارَةِ رِوايتَانِ؛ الصَّحِيحُ منهما أنَّه لا كَفَّارَةَ عليه. وهو مَذْهَبُ الشَّافِعِىِّ. والثانية، يَلْزَمُه كَفَّارَةٌ؛ لأنَّه أفْطَرَ بجِمَاعٍ فلَزِمَتْه كَفَّارَةٌ، كالحاضِرِ. ولَنا، أنَّه صَوْمٌ لا يَجِبُ المُضِىُّ فيه، فلم تَجِب الكَفَّارَةُ بالجِماعِ فيه، كالتَّطَوُّعِ، وفارَقَ الحاضِرَ الصَّحِيحَ، فإنَّه يَجِبُ عليه المُضِىُّ في الصَّوْمِ، وإن كان مَرِيضًا يُباحُ له الفِطْرُ فهو كالمُسَافِرِ، ولأنَّه يُفْطِرُ بِنِيَّةِ الفِطْرِ، فيقَعُ الجِمَاعُ بعدَ حُصُولِ الفِطْرِ، فأشْبَهَ ما لو أكَلَ ثم جامَعَ. ومتى أفْطَرَ المُسَافِرُ فله فِعْلُ جَمِيعِ

стр. 1995

ما يُنَافِى الصَّوْمَ، من الأكْلِ والشُّرْبِ والجِماعِ وغيرِه؛ لأنَّ حُرْمَتَها بالصَّوْمِ، فتَزُولُ بِزَوَالِه، كما لو زَالَ بمَجِىءِ اللَّيْلِ. فصل: وليس لِلْمُسَافِرِ أن يَصُومَ في رمضانَ عن غيرِه، كالنَّذْرِ والقَضاءِ؛ لأنَّ الفِطْرَ أُبِيحَ رُخْصَةً وتَخْفِيفًا عنه، فإذا لم يُرِدِ التَّخْفِيفَ عن نَفْسِه، لَزِمَه أن يَأْتِىَ بالأصْلِ. فإنْ نَوَى صَوْمًا غيرَ رمضانَ، لم يَصِحَّ صَوْمُه، لا عن رمضانَ، ولا عن ما نَوَاهُ. هذا الصَّحِيحُ في المذهبِ، وهو قولُ أكْثَرِ العُلَمَاءِ. وقال أبو حنيفةَ: يَقَعُ ما نَوَاهُ [إذا كان وَاجِبًا] (١٩)؛ لأنَّه زَمَنٌ أُبِيحَ له فِطْرُه، فكان له صَوْمُه عن واجِبٍ عليه، كغيرِ شهرِ رمضانَ. ولَنا، أنَّه أُبِيحَ له الفِطْرُ لِلْعُذْرِ، فلم يَجُزْ له (٢٠) أن يَصُومَه عن غيرِ رمضانَ، كالمَرِيضِ، وبهذا يَنْتَقِضُ ما ذَكَرُوه، ويُنْقَضُ أيضا بِصَوْمِ التَّطَوُّعِ، فإنَّهم سَلَّمُوه. قال صالِحٌ: قِيلَ لأبي: منَ صامَ شهرَ رمضانَ، وهو يَنْوِى به تَطَوُّعًا، يُجْزِئُه؟ قال: أو يَفْعَلُ هذا مُسْلِمٌ! ٤٨٩ - مسألة؛ قال: (وَمَنْ أَكَلَ أو شَرِبَ، أو احْتَجَمَ، أو اسْتَعَطَ، أو أَدخَلَ إلَى جَوْفِه شِيْئًا مِنْ أىِّ مَوْضِعٍ كَانَ، أوْ قَبَّلَ فَأَمْنَى، أوْ أَمْذَى، أو كَرَّرَ النَّظَرَ فَأَنْزَلَ، أىَّ ذلِكَ فَعَلَ عَامِدًا، وهو ذَاكِرٌ لِصَوْمِهِ، فَعَلَيْهِ القَضَاءُ بِلَا كَفَّارَةٍ، إِذَا كَانَ صَوْمًا وَاجِبًا) في هذه المسألة فُصُولٌ . أحَدُها ، أنَّه يُفْطِرُ بالأَكْلِ والشُّرْبِ بالإِجْماعِ، وبِدَلَالَةِ الكِتابِ والسُّنَّةِ، أمَّا الكِتابُ: فقولُ اللهِ تعالى: ﴿وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ﴾ (١) مَدَّ الأكْلَ والشُّرْبَ إلى تَبَيُّنِ (٢) الفَجْرِ، ثم أمَرَ بالصِّيَامِ عنهما. وأمَّا

стр. 1996

السُّنَّةُ، فقولُ النَّبِيِّ ﷺ : "وَالَّذِى نَفْسِى بِيَدِه لَخُلُوفُ فَمِ الصَّائِمِ، أَطْيَبُ عِنْدَ اللهِ مِنْ رِيحِ المِسْكِ؛ يَتْرُكُ طَعَامَهُ وشَرَابَهُ وشَهْوَتَهُ (٣) مِنْ أجْلِى" (٤). وأجْمَعَ العُلَماءُ على الفِطْرِ بالأكْلِ والشُّرْبِ لما (٥) يُتَغَذَّى به، فأمَّا ما لا يُتَغَذَّى به، فعَامَّةُ أهْلِ العِلْمِ على أنَّ الفِطْرَ يَحْصُلُ به. وقال الحسنُ بن صالِحٍ: لا يُفْطِرُ بما ليس بِطَعامٍ ولا شَرابٍ، وحُكِىَ عن أبى طَلْحَةَ الأنْصَارِيِّ، أنَّه كان يَأْكُلُ البَرَدَ في الصَّوْمِ، ويقولُ: ليسَ بطَعامٍ ولا شَرابٍ. ولَعَلَّ من يَذْهَبُ إلى ذلك يَحْتَجُّ بأنَّ الكتابَ والسُّنَّةَ إنَّما حَرَّمَا الأكْلَ والشُّرْبَ، فما عَدَاهُما يَبْقَى على أصْلِ الإباحَةِ. ولَنا، دَلَالَةُ الكِتابِ والسُّنَّةِ على تَحْرِيمِ الأَكْلِ والشُّرْبِ على العُمُومِ، فيَدْخُلُ فيه مَحَلُّ النِّزَاعِ، ولم يَثْبُتْ عِنْدَنا ما نُقِلَ عن أبى طَلْحَةَ، فلا يُعَدُّ خِلَافًا. الفصل الثاني ، أنَّ الحِجَامَةَ يُفْطِرُ بها الحاجِمُ والمَحْجُومُ. وبه قال إسحاقُ، وابنُ المُنْذِرِ، ومحمدُ [بن إسحاقَ] (٦) بن خُزَيْمَةَ. وهو قَوْلُ عَطاءٍ، وعبدِ الرحمنِ ابن مَهْدِيٍّ. وكان الحسنُ، ومَسْرُوقٌ، وابنُ سِيرِينَ، لا يَرَوْنَ لِلصَّائِم أن يَحْتَجِمَ. وكان جَماعَةٌ من الصَّحابَةِ يَحْتَجِمُونَ لَيْلًا في الصَّوْمِ، منهم ابنُ عمرَ، وابنُ عَبَّاسٍ، وأبو موسى، وأنَسُ [بنُ مالك] (٧)، ورَخَّصَ فيها أبو سعيدٍ الخُدْرِيُّ، وابنُ مسعودٍ، وأُمُّ سَلَمَةَ، وحسينُ بنُ عليٍّ، وعُرْوَةُ، وسَعِيدُ بن جُبَيْرٍ. وقال مالِكٌ، والثَّوْرِيُّ، وأبو حنيفةَ، والشَّافِعِيُّ: يجوزُ لِلصَّائِمِ أن يَحْتَجِمَ، ولا يُفْطرُ؛ لما رَوَى البُخَارِيُّ (٨)، عن ابنِ عَبَّاسٍ، أنَّ النَّبِيَّ ﷺ احْتَجَمَ وهو صَائِمٌ. ولأنَّه دَمٌ خَارِجٌ

стр. 1997

من البَدَنِ، أشْبَهَ الفَصْدَ. ولَنا، قولُ النَّبِيِّ ﷺ : "أَفْطَرَ الحَاجِمُ والمَحْجُومُ" (٩). رَوَاهُ عن النَّبِيِّ ﷺ أحَدَ عَشَرَ نَفْسًا، قال أحمدُ: حَدِيثُ شَدَّادِ بن أوْسٍ مِن أصَحِّ حَدِيثٍ يُرْوَى في هذا البابِ، وإسْنَادُ حَدِيثِ رَافِعٍ إسْنَادٌ جَيِّدٌ. وقال: حَدِيثُ شَدَّادٍ وثَوْبَانَ صَحِيحانِ، وعن عَلِيِّ بن الْمَدِينِيِّ، أنَّه قال: أصَحُّ شىءٍ في هذا البابِ حَدِيثُ شَدَّادٍ وثَوْبانَ. وحَدِيثُهُم مَنْسُوخٌ بحَدِيثِنَا، بِدَلِيلِ ما رَوَى ابنُ عَبَّاسٍ، أنَّه قال: احْتَجَمَ رسولُ اللهِ ﷺ بالقَاحةِ (١٠) بقَرْنٍ ونَابٍ، وهو مُحْرِمٌ صَائِمٌ، فوَجَدَ لذلك ضَعْفًا شَدِيدًا، فنَهَى رسولُ اللهِ ﷺ أن يَحْتَجِمَ الصَّائِمُ. رَوَاهُ أبو إسحاقَ الجُوزَجَانِيّ في "المُتَرْجَمِ" (١١)، وعن الحَكَمِ، قال: احْتَجَمَ رسولُ اللهِ ﷺ وهو صَائِمٌ فضَعُف، ثم كُرِهَتِ الحِجَامَةُ لِلصَّائِمِ. وكان ابنُ عَبّاسٍ، وهو رَاوِى حَدِيثِهم، يُعِدُّ الحَجَّامَ والمَحَاجِمَ، فإذا غَابَتِ الشَّمْسُ

стр. 1998

احْتَجَمَ باللَّيْلِ. كذلك رَوَاهُ الجُوزَجَانِيّ. وهذا يَدُلُّ على أنَّه عَلِمَ نَسْخَ الحَدِيثِ الذى رَوَاهُ. ويَحْتَمِلُ أنَّ النَّبِيَّ ﷺ احْتَجَمَ فأفْطَرَ، كما رُوِىَ عنه ﵇ أنَّه قَاءَ فأفْطَرَ (١٢). فإن قِيلَ: فقد رُوِىَ أنَّ النَّبِيَّ ﷺ رَأَي الحاجِمَ والمُحْتَجِمَ يغْتَابَانِ، فقالَ ذلك، قُلْنا: لم تَثْبُتْ صِحَّةُ هذه الرِّوَايَةِ، مع أنَّ اللَّفْظَ أعَمُّ من السَّبَبِ، فَيجِبُ الأخْذُ (١٣) بعُمُومِ اللَّفْظِ [دونَ خُصوصِ] (١٤) السَّبَبِ، على أنَّنا قد ذَكَرْنَا الحَدِيثَ الذى فيه بَيَانُ عِلَّةِ النَّهْيِّ عن الحِجَامَةِ، وهى الخَوْفُ من الضَّعْفِ، فيَبْطُلُ التَّعْلِيلُ بِسِوَاهُ (١٥)، أو يكونُ كُلُّ واحِدٍ منهما عِلَّةً مُسْتَقِلَّةً. على أنَّ الغِيبَةَ لا تُفَطِّرُ الصَّائِمَ إجْمَاعًا، فلا يَصِحُّ حَمْلُ الحَدِيثِ على ما يُخَالِفُ الإجْماعَ. قال أحمدُ: لأنْ يكونَ الحَدِيثُ كما جاء عن النبىِّ ﷺ : "أَفْطَرَ الحاجِمُ والمَحْجُومُ" (١٦) أحَبُّ إلينا من أن يكونَ من الغِيبَةِ؛ لأنَّ من أرَادَ أن يَمْتَنِعَ من الحِجامَةِ امْتَنَعَ، وهذا أشَدُّ على الناسِ، مَن يَسْلَمُ من الغِيبَةِ! فإن قيل: فإذا كانت عِلَّةُ النَّهْي ضَعْفَ الصَّائِمِ بها فلا يَقْتَضِي ذلك الفِطْرَ، وإنَّما يَقْتَضِي الكَرَاهَةَ، ومَعْنَى قوله: "أفْطَرَ الحاجِمُ والمَحْجُومُ" أى قَرُبَا من الفِطْرِ. قُلْنا: هذا تَأْوِيلٌ يَحْتاجُ إلى دَلِيلٍ، على أنَّه لا يَصِحُّ ذلك في حَقِّ الحاجِمِ، فإنَّه لا ضَعْفَ فيه (١٧). الفصل الثالث ، أنَّه يُفْطِرُ بكُلِّ ما أدْخَلَهُ إلى جَوْفِه، أو مُجَوَّفٍ في جَسَدِهِ،

стр. 1999

كدِمَاغِه وحَلْقِه، ونحوِ ذلك ممَّا يَنْفُذُ إلى مَعِدَتِه، إذا وَصَلَ باخْتِيَارِه، وكان ممَّا يُمْكِنُ التَّحَرُّزُ منه، سواءٌ وَصَلَ من الفَمِ على العادَة، أو غيرِ العادَةِ كالوَجُورِ (١٨) واللَّدُودِ (١٩)، أو من الأنْفِ كالسَّعُوطِ، أو ما يَدْخُلُ من الأُذُنِ إلي الدِّمَاغِ، أو ما يَدْخُلُ من العَيْنِ إلى الحَلْقِ كالكُحْلِ، أو ما يَدْخُلُ إلى الجَوْفِ من الدُّبْرِ بالحُقْنَةِ، أو ما يَصِلُ من مُدَاوَاةِ الجائِفَةِ (٢٠) إلى جَوْفِه، أو من دَوَاءِ المَأْمُومَةِ (٢١) إلى دِمَاغِه، فهذا كُلُّه يُفْطِرُهُ؛ لأنَّه وَاصِلٌ إلى جَوْفِه بِاخْتِيَارِه، فأشْبَه الأَكْلَ، وكذلك لو جَرَحَ نَفْسَه، أو جَرَحَهُ غيرُه باخْتِيَارِه، فوَصَلَ إلى جَوْفِه، سَوَاءٌ اسْتَقَرَّ في جَوْفِه، أو عَادَ فخَرَجَ منه، وبهذا كُلِّه قال الشَّافِعِيِّ. وقال مالِكٌ: لا يُفْطِرُ بالسَّعُوطِ، إلَّا أن يَنْزِلَ إلى حَلْقِه، ولا يُفْطِرُ إذا دَاوَى المَأْمُومَةَ والجَائِفَةَ. واخْتلَفَ عنه (٢٢) في الحُقْنَةِ، واحْتَجَّ له بأنَّه لم يَصِلْ إلى الحَلْقِ منه شىءٌ، أشْبَه ما لم يَصِلْ إلى الدِّمَاغِ ولا الجَوْفِ. ولَنا، أنَّه وَاصِلٌ إلى جَوْفِ الصَّائِمِ بِاخْتِيَارِه، فيُفْطِرُهُ، كالوَاصِلِ إلى الحَلْقِ، والدِّمَاغُ جَوْفٌ، والوَاصِلُ إليه يُغَذِّيه، فيُفْطِرُه، كجَوْفِ البَدَنِ (٢٣). فصل: فأمَّا الكُحْلُ، فما وَجَدَ طَعْمَه في حَلْقِه، أو علم وُصُولَه إليه، فَطَّرَهُ، وإلَّا لم يُفَطِّرْهُ. نَصَّ عليه أحمدُ. وقال ابنُ أبي موسى: ما يجد طَعْمَه كالذَّرُورِ والصَّبِرِ والقَطُورِ، أفْطَرَ. وإن اكْتَحَلَ باليَسيرِ من الإثمِدِ غيرِ المُطَيَّبِ،

стр. 2000

كالمِيلِ ونَحْوِه، لم يُفْطِرْ. نَصَّ عليه أحمدُ. وقال ابنُ عَقِيلٍ: إن كان الكُحْلُ حَادًّا، فَطَّرَهُ، وإلَّا فلا. ونحوَ ما ذَكَرْنَاهُ قال أصْحابُ مالِكٍ. وعن ابْنِ أبِى لَيْلَى، وابْنِ شُبْرُمَةَ، أنَّ الكُحْلَ يُفَطِّرُ الصَّائِمَ. وقال أبو حنيفةَ، والشَّافِعِيُّ: لا يُفَطِّرُه، لما رُوِى عن النَّبِيِّ ﷺ ، أنَّه اكْتَحَلَ في رمضانَ وهو صَائِمٌ (٢٤). ولأنَّ العَيْنَ ليستْ مَنْفَذًا، فلم يُفْطِرْ بالدَّاخِلِ منها، كما لو دَهَنَ رَأسَهُ. ولَنا، أنَّه أوْصَلَ إلى حَلْقِه ما هو مَمْنُوعٌ من تَنَاوُلِه بِفِيهِ فأفْطَرَ به، كما لو أوْصَلَهُ من أنْفِه، وما رَوَوْهُ لم يَصِحَّ، قال التِّرْمِذِىُّ (٢٥): لم يَصِحَّ عن النَّبِيِّ ﷺ في بَابِ الكُحْلِ لِلصَّائِمِ شيءٌ. ثم يَحْمِلُه على أنَّه اكْتَحَلَ بما لا يَصِلُ. وقَوْلُهم: ليستِ العَيْنُ مَنْفَذًا. لا يَصِحُّ، فإنَّه يُوجَدُ طَعْمُه في الحَلْقِ، ويَكْتَحِلُ بالإثْمِدِ فيتَنَخَّعُهُ. قال أحمدُ: حَدَّثَنِى إنْسَانٌ أنَّه اكْتَحَلَ باللَّيْلِ فتَنَخَّعَهُ بالنَّهَارِ. ثم لا يُعْتَبَرُ في الوَاصِلِ أنْ يكونَ من مَنْفَذٍ، بِدَلِيلِ أنَّه (٢٦) لو جَرَحَ نَفْسَه جَائِفَةً، فإنَّه يُفْطِرُ. فصل: وما لا يُمْكِنُ التَّحَرُّزُ منه، كابْتِلَاعِ الرِّيقِ، لا يُفَطِّرُه، لأنَّ اتِّقَاءَ ذلك يَشُقُّ، فأشْبَه غُبَارَ الطَّرِيقِ، وغَرْبَلَةَ الدَّقِيقِ. فإن جَمَعَهُ ثم ابْتَلَعَهُ قَصْدًا لم يُفَطِّرْهُ؛ لأنَّه يَصِلُ إلى جَوْفِهِ من مَعِدَتِه، أَشْبَهَ ما إذا لم يَجْمَعْهُ. وفيه وَجْهٌ آخَرُ، أنَّه يُفَطِّرُه؛ لأنَّه أمْكَنَه التَّحَرُّزُ منه، أشْبَهَ ما لو قَصَدَ ابْتِلَاعَ غُبَارِ الطَّرِيقِ. والأوَّلُ أصَحُّ؛ فإنَّ الرِّيقَ لا يُفَطِّرُ إذا لم يَجْمَعْهُ، وإن قَصَدَ ابْتِلَاعَه، فكذلك إذا جَمَعَه، بخِلافِ غُبارِ الطَّرِيقِ، فإن خَرَجَ رِيقُه إلى ثَوْبِه، أو بين أصَابِعِه، أو بين شَفَتَيْه، ثم عَادَ فَابْتَلَعَه، أو بَلَعَ رِيقَ غيرِه، أفْطَرَ؛ لأنَّه ابْتَلَعَه من غير فَمِهِ، فأَشْبَه
следующие страницы →