← Фикх ханбали

Фикх ханбали · id 6910

المغني لابن قدامة - ت التركي

ابن قدامة

Полный текст (7 955 стр.). Показаны 1996–2035 · переход к 2001.

стр. 1996

السُّنَّةُ، فقولُ النَّبِيِّ ﷺ : "وَالَّذِى نَفْسِى بِيَدِه لَخُلُوفُ فَمِ الصَّائِمِ، أَطْيَبُ عِنْدَ اللهِ مِنْ رِيحِ المِسْكِ؛ يَتْرُكُ طَعَامَهُ وشَرَابَهُ وشَهْوَتَهُ (٣) مِنْ أجْلِى" (٤). وأجْمَعَ العُلَماءُ على الفِطْرِ بالأكْلِ والشُّرْبِ لما (٥) يُتَغَذَّى به، فأمَّا ما لا يُتَغَذَّى به، فعَامَّةُ أهْلِ العِلْمِ على أنَّ الفِطْرَ يَحْصُلُ به. وقال الحسنُ بن صالِحٍ: لا يُفْطِرُ بما ليس بِطَعامٍ ولا شَرابٍ، وحُكِىَ عن أبى طَلْحَةَ الأنْصَارِيِّ، أنَّه كان يَأْكُلُ البَرَدَ في الصَّوْمِ، ويقولُ: ليسَ بطَعامٍ ولا شَرابٍ. ولَعَلَّ من يَذْهَبُ إلى ذلك يَحْتَجُّ بأنَّ الكتابَ والسُّنَّةَ إنَّما حَرَّمَا الأكْلَ والشُّرْبَ، فما عَدَاهُما يَبْقَى على أصْلِ الإباحَةِ. ولَنا، دَلَالَةُ الكِتابِ والسُّنَّةِ على تَحْرِيمِ الأَكْلِ والشُّرْبِ على العُمُومِ، فيَدْخُلُ فيه مَحَلُّ النِّزَاعِ، ولم يَثْبُتْ عِنْدَنا ما نُقِلَ عن أبى طَلْحَةَ، فلا يُعَدُّ خِلَافًا. الفصل الثاني ، أنَّ الحِجَامَةَ يُفْطِرُ بها الحاجِمُ والمَحْجُومُ. وبه قال إسحاقُ، وابنُ المُنْذِرِ، ومحمدُ [بن إسحاقَ] (٦) بن خُزَيْمَةَ. وهو قَوْلُ عَطاءٍ، وعبدِ الرحمنِ ابن مَهْدِيٍّ. وكان الحسنُ، ومَسْرُوقٌ، وابنُ سِيرِينَ، لا يَرَوْنَ لِلصَّائِم أن يَحْتَجِمَ. وكان جَماعَةٌ من الصَّحابَةِ يَحْتَجِمُونَ لَيْلًا في الصَّوْمِ، منهم ابنُ عمرَ، وابنُ عَبَّاسٍ، وأبو موسى، وأنَسُ [بنُ مالك] (٧)، ورَخَّصَ فيها أبو سعيدٍ الخُدْرِيُّ، وابنُ مسعودٍ، وأُمُّ سَلَمَةَ، وحسينُ بنُ عليٍّ، وعُرْوَةُ، وسَعِيدُ بن جُبَيْرٍ. وقال مالِكٌ، والثَّوْرِيُّ، وأبو حنيفةَ، والشَّافِعِيُّ: يجوزُ لِلصَّائِمِ أن يَحْتَجِمَ، ولا يُفْطرُ؛ لما رَوَى البُخَارِيُّ (٨)، عن ابنِ عَبَّاسٍ، أنَّ النَّبِيَّ ﷺ احْتَجَمَ وهو صَائِمٌ. ولأنَّه دَمٌ خَارِجٌ

стр. 1997

من البَدَنِ، أشْبَهَ الفَصْدَ. ولَنا، قولُ النَّبِيِّ ﷺ : "أَفْطَرَ الحَاجِمُ والمَحْجُومُ" (٩). رَوَاهُ عن النَّبِيِّ ﷺ أحَدَ عَشَرَ نَفْسًا، قال أحمدُ: حَدِيثُ شَدَّادِ بن أوْسٍ مِن أصَحِّ حَدِيثٍ يُرْوَى في هذا البابِ، وإسْنَادُ حَدِيثِ رَافِعٍ إسْنَادٌ جَيِّدٌ. وقال: حَدِيثُ شَدَّادٍ وثَوْبَانَ صَحِيحانِ، وعن عَلِيِّ بن الْمَدِينِيِّ، أنَّه قال: أصَحُّ شىءٍ في هذا البابِ حَدِيثُ شَدَّادٍ وثَوْبانَ. وحَدِيثُهُم مَنْسُوخٌ بحَدِيثِنَا، بِدَلِيلِ ما رَوَى ابنُ عَبَّاسٍ، أنَّه قال: احْتَجَمَ رسولُ اللهِ ﷺ بالقَاحةِ (١٠) بقَرْنٍ ونَابٍ، وهو مُحْرِمٌ صَائِمٌ، فوَجَدَ لذلك ضَعْفًا شَدِيدًا، فنَهَى رسولُ اللهِ ﷺ أن يَحْتَجِمَ الصَّائِمُ. رَوَاهُ أبو إسحاقَ الجُوزَجَانِيّ في "المُتَرْجَمِ" (١١)، وعن الحَكَمِ، قال: احْتَجَمَ رسولُ اللهِ ﷺ وهو صَائِمٌ فضَعُف، ثم كُرِهَتِ الحِجَامَةُ لِلصَّائِمِ. وكان ابنُ عَبّاسٍ، وهو رَاوِى حَدِيثِهم، يُعِدُّ الحَجَّامَ والمَحَاجِمَ، فإذا غَابَتِ الشَّمْسُ

стр. 1998

احْتَجَمَ باللَّيْلِ. كذلك رَوَاهُ الجُوزَجَانِيّ. وهذا يَدُلُّ على أنَّه عَلِمَ نَسْخَ الحَدِيثِ الذى رَوَاهُ. ويَحْتَمِلُ أنَّ النَّبِيَّ ﷺ احْتَجَمَ فأفْطَرَ، كما رُوِىَ عنه ﵇ أنَّه قَاءَ فأفْطَرَ (١٢). فإن قِيلَ: فقد رُوِىَ أنَّ النَّبِيَّ ﷺ رَأَي الحاجِمَ والمُحْتَجِمَ يغْتَابَانِ، فقالَ ذلك، قُلْنا: لم تَثْبُتْ صِحَّةُ هذه الرِّوَايَةِ، مع أنَّ اللَّفْظَ أعَمُّ من السَّبَبِ، فَيجِبُ الأخْذُ (١٣) بعُمُومِ اللَّفْظِ [دونَ خُصوصِ] (١٤) السَّبَبِ، على أنَّنا قد ذَكَرْنَا الحَدِيثَ الذى فيه بَيَانُ عِلَّةِ النَّهْيِّ عن الحِجَامَةِ، وهى الخَوْفُ من الضَّعْفِ، فيَبْطُلُ التَّعْلِيلُ بِسِوَاهُ (١٥)، أو يكونُ كُلُّ واحِدٍ منهما عِلَّةً مُسْتَقِلَّةً. على أنَّ الغِيبَةَ لا تُفَطِّرُ الصَّائِمَ إجْمَاعًا، فلا يَصِحُّ حَمْلُ الحَدِيثِ على ما يُخَالِفُ الإجْماعَ. قال أحمدُ: لأنْ يكونَ الحَدِيثُ كما جاء عن النبىِّ ﷺ : "أَفْطَرَ الحاجِمُ والمَحْجُومُ" (١٦) أحَبُّ إلينا من أن يكونَ من الغِيبَةِ؛ لأنَّ من أرَادَ أن يَمْتَنِعَ من الحِجامَةِ امْتَنَعَ، وهذا أشَدُّ على الناسِ، مَن يَسْلَمُ من الغِيبَةِ! فإن قيل: فإذا كانت عِلَّةُ النَّهْي ضَعْفَ الصَّائِمِ بها فلا يَقْتَضِي ذلك الفِطْرَ، وإنَّما يَقْتَضِي الكَرَاهَةَ، ومَعْنَى قوله: "أفْطَرَ الحاجِمُ والمَحْجُومُ" أى قَرُبَا من الفِطْرِ. قُلْنا: هذا تَأْوِيلٌ يَحْتاجُ إلى دَلِيلٍ، على أنَّه لا يَصِحُّ ذلك في حَقِّ الحاجِمِ، فإنَّه لا ضَعْفَ فيه (١٧). الفصل الثالث ، أنَّه يُفْطِرُ بكُلِّ ما أدْخَلَهُ إلى جَوْفِه، أو مُجَوَّفٍ في جَسَدِهِ،

стр. 1999

كدِمَاغِه وحَلْقِه، ونحوِ ذلك ممَّا يَنْفُذُ إلى مَعِدَتِه، إذا وَصَلَ باخْتِيَارِه، وكان ممَّا يُمْكِنُ التَّحَرُّزُ منه، سواءٌ وَصَلَ من الفَمِ على العادَة، أو غيرِ العادَةِ كالوَجُورِ (١٨) واللَّدُودِ (١٩)، أو من الأنْفِ كالسَّعُوطِ، أو ما يَدْخُلُ من الأُذُنِ إلي الدِّمَاغِ، أو ما يَدْخُلُ من العَيْنِ إلى الحَلْقِ كالكُحْلِ، أو ما يَدْخُلُ إلى الجَوْفِ من الدُّبْرِ بالحُقْنَةِ، أو ما يَصِلُ من مُدَاوَاةِ الجائِفَةِ (٢٠) إلى جَوْفِه، أو من دَوَاءِ المَأْمُومَةِ (٢١) إلى دِمَاغِه، فهذا كُلُّه يُفْطِرُهُ؛ لأنَّه وَاصِلٌ إلى جَوْفِه بِاخْتِيَارِه، فأشْبَه الأَكْلَ، وكذلك لو جَرَحَ نَفْسَه، أو جَرَحَهُ غيرُه باخْتِيَارِه، فوَصَلَ إلى جَوْفِه، سَوَاءٌ اسْتَقَرَّ في جَوْفِه، أو عَادَ فخَرَجَ منه، وبهذا كُلِّه قال الشَّافِعِيِّ. وقال مالِكٌ: لا يُفْطِرُ بالسَّعُوطِ، إلَّا أن يَنْزِلَ إلى حَلْقِه، ولا يُفْطِرُ إذا دَاوَى المَأْمُومَةَ والجَائِفَةَ. واخْتلَفَ عنه (٢٢) في الحُقْنَةِ، واحْتَجَّ له بأنَّه لم يَصِلْ إلى الحَلْقِ منه شىءٌ، أشْبَه ما لم يَصِلْ إلى الدِّمَاغِ ولا الجَوْفِ. ولَنا، أنَّه وَاصِلٌ إلى جَوْفِ الصَّائِمِ بِاخْتِيَارِه، فيُفْطِرُهُ، كالوَاصِلِ إلى الحَلْقِ، والدِّمَاغُ جَوْفٌ، والوَاصِلُ إليه يُغَذِّيه، فيُفْطِرُه، كجَوْفِ البَدَنِ (٢٣). فصل: فأمَّا الكُحْلُ، فما وَجَدَ طَعْمَه في حَلْقِه، أو علم وُصُولَه إليه، فَطَّرَهُ، وإلَّا لم يُفَطِّرْهُ. نَصَّ عليه أحمدُ. وقال ابنُ أبي موسى: ما يجد طَعْمَه كالذَّرُورِ والصَّبِرِ والقَطُورِ، أفْطَرَ. وإن اكْتَحَلَ باليَسيرِ من الإثمِدِ غيرِ المُطَيَّبِ،

стр. 2000

كالمِيلِ ونَحْوِه، لم يُفْطِرْ. نَصَّ عليه أحمدُ. وقال ابنُ عَقِيلٍ: إن كان الكُحْلُ حَادًّا، فَطَّرَهُ، وإلَّا فلا. ونحوَ ما ذَكَرْنَاهُ قال أصْحابُ مالِكٍ. وعن ابْنِ أبِى لَيْلَى، وابْنِ شُبْرُمَةَ، أنَّ الكُحْلَ يُفَطِّرُ الصَّائِمَ. وقال أبو حنيفةَ، والشَّافِعِيُّ: لا يُفَطِّرُه، لما رُوِى عن النَّبِيِّ ﷺ ، أنَّه اكْتَحَلَ في رمضانَ وهو صَائِمٌ (٢٤). ولأنَّ العَيْنَ ليستْ مَنْفَذًا، فلم يُفْطِرْ بالدَّاخِلِ منها، كما لو دَهَنَ رَأسَهُ. ولَنا، أنَّه أوْصَلَ إلى حَلْقِه ما هو مَمْنُوعٌ من تَنَاوُلِه بِفِيهِ فأفْطَرَ به، كما لو أوْصَلَهُ من أنْفِه، وما رَوَوْهُ لم يَصِحَّ، قال التِّرْمِذِىُّ (٢٥): لم يَصِحَّ عن النَّبِيِّ ﷺ في بَابِ الكُحْلِ لِلصَّائِمِ شيءٌ. ثم يَحْمِلُه على أنَّه اكْتَحَلَ بما لا يَصِلُ. وقَوْلُهم: ليستِ العَيْنُ مَنْفَذًا. لا يَصِحُّ، فإنَّه يُوجَدُ طَعْمُه في الحَلْقِ، ويَكْتَحِلُ بالإثْمِدِ فيتَنَخَّعُهُ. قال أحمدُ: حَدَّثَنِى إنْسَانٌ أنَّه اكْتَحَلَ باللَّيْلِ فتَنَخَّعَهُ بالنَّهَارِ. ثم لا يُعْتَبَرُ في الوَاصِلِ أنْ يكونَ من مَنْفَذٍ، بِدَلِيلِ أنَّه (٢٦) لو جَرَحَ نَفْسَه جَائِفَةً، فإنَّه يُفْطِرُ. فصل: وما لا يُمْكِنُ التَّحَرُّزُ منه، كابْتِلَاعِ الرِّيقِ، لا يُفَطِّرُه، لأنَّ اتِّقَاءَ ذلك يَشُقُّ، فأشْبَه غُبَارَ الطَّرِيقِ، وغَرْبَلَةَ الدَّقِيقِ. فإن جَمَعَهُ ثم ابْتَلَعَهُ قَصْدًا لم يُفَطِّرْهُ؛ لأنَّه يَصِلُ إلى جَوْفِهِ من مَعِدَتِه، أَشْبَهَ ما إذا لم يَجْمَعْهُ. وفيه وَجْهٌ آخَرُ، أنَّه يُفَطِّرُه؛ لأنَّه أمْكَنَه التَّحَرُّزُ منه، أشْبَهَ ما لو قَصَدَ ابْتِلَاعَ غُبَارِ الطَّرِيقِ. والأوَّلُ أصَحُّ؛ فإنَّ الرِّيقَ لا يُفَطِّرُ إذا لم يَجْمَعْهُ، وإن قَصَدَ ابْتِلَاعَه، فكذلك إذا جَمَعَه، بخِلافِ غُبارِ الطَّرِيقِ، فإن خَرَجَ رِيقُه إلى ثَوْبِه، أو بين أصَابِعِه، أو بين شَفَتَيْه، ثم عَادَ فَابْتَلَعَه، أو بَلَعَ رِيقَ غيرِه، أفْطَرَ؛ لأنَّه ابْتَلَعَه من غير فَمِهِ، فأَشْبَه

стр. 2001

ما لو بَلَعَ غيرَه. فإن قِيلَ: فقد رَوَتْ عائشةُ، أنَّ النَّبِيَّ ﷺ كان يُقَبِّلُها وهو صَائِمٌ، ويَمُصُّ لِسَانَها. رَوَاهُ أبو دَاوُدَ (٢٧). قلنا: قد رُوِىَ عن أبِى دَاوُدَ أنَّه قال: هذا إسْنَادٌ ليس بِصَحِيحٍ. ويجوزُ [أن يكونَ] (٢٨) يُقَبِّلُ في الصَّوْمِ، ويَمُصُّ لِسَانَها في غيرِه. ويجوزُ أن يَمُصَّهُ، ثم لا يَبْتَلِعُهُ، ولأنَّه لم يَتَحَقَّق انْفِصَالُ ما على لِسَانِها من البَلَلِ إلي فَمِهِ، فأشْبَهَ ما لو تَرَكَ حَصَاةً مَبْلُولَةً في فِيهِ، أو لو تَمَضْمَضَ بماءٍ ثم مَجَّهُ. ولو تَرَكَ في فَمِهِ حَصَاةً أو دِرْهَمًا، فأخْرَجَهُ وعليه بَلَّةٌ من الرِّيقِ، ثم أعَادَهُ في فِيهِ، نَظَرْتَ؛ فإن كان ما عَلَيْهِ من الرِّيقِ كَثِيرًا فَابْتَلَعَه أفْطَرَ، وإن كان يَسِيرًا لم يُفْطِرْ بِابْتِلَاعِ رِيقِه. وقال بعضُ أصْحابِنَا: يُفْطِرُ لِابْتِلَاعِه ذلك البَلَلَ الذى كان على الجِسْمِ. ولَنا، أنَّه لا يَتَحَقَّقُ انْفِصَالُ ذلك البَلَلِ، ودُخُولُه إلى حَلْقِه، فلا يُفَطِّرُه، كالمَضْمَضَةِ والتَّسَوُّكِ بالسِّوَاكِ الرَّطْبِ وَالمَبْلُولِ. ويُقَوِّى ذلك، حديثُ عائشةَ في مَصِّ لِسَانِها. ولو أَخْرَجَ لِسَانَه وعليه بَلَّةٌ، ثم عادَ فأدْخَلَهُ وَابْتلَعَ رِيقَهُ، لم يُفْطِرْ. فصل: وإن ابْتَلَعَ النُّخَامَةَ ففيها رِوايَتَانِ، إحْدَاهُما، يُفْطِرُ. قال حَنْبَلٌ: سمعتُ أبا عبدِ اللهِ يَقُولُ: إذا تَنَخَّمَ، ثم ازْدَرَدَهُ، فقد أفْطَرَ. لأنَّ النُّخَامَةَ من الرَّأْسِ تَنْزِلُ، والرِّيقَ من الفَمِ. ولو تَنَخَّعَ من جَوْفِه، ثم ازْدَرَدَهُ، أفْطَرَ. وهذا مذهبُ الشَّافِعِيِّ؛ لأنَّه أمْكَنَ التَّحَرُّزُ منها، أشْبَهَ الدَّمَ، ولأنَّها من غيرِ الفَمِ، أشْبَهَ القَىْءَ. والرِّوَايَةُ الثانيةُ، لا يُفْطِرُ. قال، في رِوَايَةِ المَرُّوذِىِّ: ليس عليك قَضَاءٌ إذا ابْتَلَعْتَ النُّخَامَةَ وأنْتَ صَائِمٌ. لأنَّه مُعْتَادٌ في الفَمِ، غيرُ وَاصِلٍ من خَارِجٍ، أشْبَهَ الرِّيقَ. فصل: فإن سَالَ فَمُه دَمًا، أو خَرَجَ إليه قَلْسٌ (٢٩) أو قَىْءٌ، فَازْدَرَدَهُ أفْطرَ،

стр. 2002

وإن كان يَسيرًا؛ لأنَّ الفَمَ في حُكْمِ الظَّاهِرِ، والأصْلُ حُصُولُ الفِطر بكلِّ وَاصِلٍ منه، لكن عُفِىَ عن الرِّيقِ؛ لِعَدَمِ إمْكَانِ التَّحَرُّزِ منه، فما عَدَاهُ يَبْقَى على الأصْلِ، وإن ألْقَاهُ مِن فيهِ، وبَقِىَ فَمُه نَجِسًا، أو تَنَجَّسَ فَمُهُ بِشىءٍ من خَارِجٍ، فَابْتَلَعَ رِيقَه، فإن كان معه جُزْءٌ من المُنَجَّسِ أفْطَرَ بذلك الجُزْءِ، وإلَّا فلا. فصل: ولا يُفْطِرُ بِالمَضْمَضَةِ، بغيرِ خِلافٍ، سَوَاءٌ كان في الطَّهارَةِ أو غيرِها، وقد رُوِىَ عن النَّبِيِّ ﷺ ، أنَّ عمرَ سَأَلَهُ عن القُبْلَةِ لِلصَّائِمِ؟ فقال النبيُّ ﷺ : " أرَأيْتَ لَوْ تَمَضْمَضْتَ مِنْ إنَاءٍ وأنْتَ صَائِمٌ؟ " قلت: لا بَأْسَ. قال: "فَمَهْ؟ " (٣٠). ولأنَّ الفَمَ في حُكْمِ الظَّاهِرِ، فلا يَبْطُلُ الصَّوْمُ بالوَاصِلِ إليه، كالأنْفِ والعَيْنِ. وإن تَمَضْمَضَ، أو اسْتَنْشَقَ في الطَّهَارَةِ، فسَبَقَ الماءُ إلى حَلْقِه من غيرِ قَصْدٍ ولا إسْرَافٍ، فلا شىءَ عليه. وبه قال الأوْزاعِيُّ، وإسحاقُ، والشَّافِعِيُّ في أحَدِ قَوْلَيْه. ورُوِىَ ذلك عن ابنِ عَبَّاسٍ. وقال مالِكٌ، وأبو حنيفةَ: يُفْطِرُ، لأنَّه أوْصَلَ الماءَ إلى جَوْفِه ذَاكرًا لِصَوْمِه، فأفْطَرَ، كما لو تَعَمَّدَ شُرْبَهُ. ولَنا، أنَّه وَصَلَ إلى حَلْقِه من غيرِ إسْرَافٍ ولا قَصْدٍ، فأشْبَه ما لو طارَتْ ذُبَابَةٌ إلى حَلْقِه، وبهذا فارَقَ المُتَعَمِّدَ. فأمَّا إن أسْرَفَ فزَادَ على الثَّلَاثِ، أو بَالَغَ في الاسْتِنْشَاقِ، فقد فَعَلَ مَكْرُوهًا؛ لِقَوْلِ النَّبِيِّ ﷺ لِلَقِيطِ بن صَبِرَةَ: "وبَالِغْ فى الاسْتِنْشَاقِ، إلَّا أنْ تَكُونَ صَائِمًا" (٣١). حديثٌ صَحِيحٌ. ولأنَّه يَتَعَرَّضُ بذلك لإيصالِ الماءِ إلى حَلْقِه، فإن وَصَلَ إلى حَلْقِه. فقال أحمدُ: يُعْجِبُنِى أن يُعِيدَ الصَّوْمَ. وهل يُفْطِرُ بذلك؟ على وَجْهَيْنِ؛ أحدهما، يُفْطِرُ؛ لأنَّ النَّبِيَّ ﷺ نَهَى

стр. 2003

عن المُبالَغَةِ حِفْظًا لِلصَّوْمِ، فدَلَّ على أنَّه يُفْطِرُ به، ولأنَّه وَصَلَ بِفِعْلٍ مَنْهِيٌّ عنه، فأشْبَهَ المُتَعَمِّدَ (٣٢). والثاني، لا يُفْطِرُ به؛ لأنَّه وَصَلَ من غيرِ قَصْدٍ، فأشْبَهَ غُبَارَ الدَّقِيقِ إذا نَخَلَهُ. فأمَّا المَضْمَضَةُ لغيرِ الطَّهَارَةِ؛ فإن كانت لِحَاجَةٍ، كغَسْلِ فَمِهِ عند الحاجَةِ إليه ونَحْوِه، فَحُكْمُه حُكْمُ المَضْمَضَةِ لِلطَّهارَةِ، وإن كان عَبَثًا (٣٣)، أو تَمَضْمَضَ من أجْلِ العَطَشِ، كُرِهَ. وسُئِلَ أحمدُ عن الصَّائِمِ يَعْطَشُ [فيَتَمَضْمَضُ ثم يَمُجُّهُ] (٣٤). قال: يَرُشُّ على صَدْرِهِ أحَبُّ إلَىَّ. فإن فَعَلَ، فوَصَلَ الماءُ إلى حَلْقِه، أو تَرَكَ الماءَ في فِيهِ عَابِثًا، أو لِلتَّبَرُّدِ، فالحُكْمُ فيه كالحُكْمِ في الزَّائِدِ على الثَّلَاثِ؛ لأنَّه مَكْرُوهٌ. ولا بَأْسَ أن يَصُبَّ الماءَ على رَأْسِه من الحَرِّ والعَطَشِ؛ لما رُوِىَ عن بَعْضِ أصْحابِ رسولِ اللهِ ﷺ ، أنَّه قال: لقد رَأيْتُ رسولَ اللهِ ﷺ بالعَرْجِ (٣٥) يَصُبُّ الماءَ على رَأْسِه وهو صَائِمٌ من العَطَشِ، أو من الحَرِّ. رَوَاهُ أبو دَاوُدَ (٣٦). فصل: ولا بَأْسَ أن يَغْتَسِلَ الصَّائِمُ، فإنَّ عائشةَ، وأُمَّ سَلَمَةَ، قالَتَا: نَشْهَدُ على رسولِ اللهِ ﷺ إنْ كان لَيُصْبِحُ جُنُبًا من غيرِ احْتِلَامٍ، ثم يَغْتَسِلُ، ثم يَصُومُ. مُتَّفَقٌ عليه (٣٧). ورَوَى أبو بكرٍ، بإسْنَادِه، أنَّ ابنَ عَبَّاسٍ دَخَلَ الحَمَّامَ، وهو صَائِمٌ هو وأصْحابٌ له في شهرِ رمضانَ. فأمَّا الغَوْصُ في الماءِ، فقال أحمدُ في الصَّائِمِ يَنْغَمِسُ في الماءِ: إذا لم يَخَفْ أن يَدْخُلَ في مَسَامِعِه. وكَرِهَ الحَسَنُ والشَّعْبِيُّ أنَّ

стр. 2004

يَنْغَمِسَ في الماءِ، خَوْفًا أن يَدْخُلَ في مَسَامِعِه، فإن دَخَلَ في مَسَامِعِه، فوَصَلَ إلى دِمَاغِه من الغُسْلِ المَشْرُوعِ، من غير إسْرَافٍ ولا قَصْدٍ، فلا شىْءَ عليه، كما لو دَخَلَ إلى حَلْقِه من المَضْمَضَةِ في الوُضُوءِ (٣٨). وإن غَاصَ في الماءِ، أو أسْرَفَ، أو كان عَابِثًا، فَحُكْمُه حُكْمُ الدَّاخِلِ إلى الحَلْقِ من المُبَالَغَةِ في المَضْمَضَةِ والاسْتِنْشَاقِ والزَّائِدِ على الثَّلاثِ، واللهُ أعلمُ. فصل: قال إسحاقُ بنُ منصورٍ: قلتُ لأحمدَ: الصَّائِمُ يَمْضُغُ العِلْكَ. قال: لَا. قال أصْحَابُنَا: العِلْكُ ضَرْبَانِ؛ أحَدُهُما، ما يَتَحَلَّلُ منه أجْزَاءٌ، وهو الرَّدِىءُ الذى إذا مَضَغَه يَتَحَلَّلُ، فلا يجوزُ مَضْغُه، [إلَّا أن لا يَبْلَعَ رِيقَه] (٣٩)، فإن فَعَلَ فَنَزَلَ (٤٠) إلى حَلْقِه منه شيءٌ، أفْطَرَ به، كما لو تَعَمَّدَ أكْلَهُ. والثانى، العِلْكُ القَوِيُّ الذى كُلَّما مَضَغَه صَلُبَ وقَوِىَ، فهذا يُكْرَهُ مَضْغُه ولا يَحْرُمُ. ومِمَّنْ كَرِهَهُ الشَّعْبِيُّ، والنَّخَعِيُّ، ومحمدُ بنُ عليٍّ، وقَتَادَةُ، والشَّافِعِيُّ، وإسحاقُ (٤١)، وأصْحابُ الرَّأْىِ؛ وذلك لأنَّه يَحْلُبُ الفَمَ، ويجمَعُ الرِّيقَ، ويُورِثُ العَطَشَ. ورَخَّصَتْ عائشةُ في مَضْغِه. وبه قال عَطاءٌ؛ لأنَّه لا يَصِلُ [منه شيءٌ] (٤٢) إلى الجَوْفِ، فهو كالحصاةِ يَضَعُها (٤٣) في فِيهِ، ومتى مَضَغَهُ ولم يَجِدْ طَعْمَهُ في حَلْقِه، لم يُفْطِرْ. وإن وَجَدَ طَعْمَهُ في حَلْقِه ففِيهِ وَجْهَانِ؛ أحَدُهما، يُفَطِّرُه، كالكُحْلِ إذا وَجَدَ طَعْمَهُ في حَلْقِه. والثانى، لا يُفَطِّرُهُ؛ لأنَّه لم يَنْزِلْ منه شىءٌ، ومُجَرَّدُ الطَّعْمِ لا يُفَطِّرُ، بِدَلِيلِ أنَّه قد قِيلَ: من لَطَخَ بَاطِنَ قَدَمِه بالحَنْظَلِ، وَجَدَ طَعْمَه، ولا يُفْطِرُ، بخِلافِ الكُحْلِ، فإنَّ أجْزَاءَهُ تَصِلُ إلى الحَلْقِ، ويُشَاهَدُ إذا تَنَخَّعَ. قال

стр. 2005

أحمدُ: مَن وَضَعَ في فِيهِ دِرْهَمًا أو دِينارًا وهو صَائِمٌ، ما لم يَجِدْ طَعْمَه في حَلْقِه، فلا بَأْسَ به، وما يَجِدُ طَعْمَه فلا يُعْجِبُنِي. وقال عبدُ اللهِ: سألتُ أبي عن الصَّائِمِ يفْتِلُ الخُيُوطَ، قال: يُعْجِبُنِى أن يَبْزُقَ. فصل: قال أحمدُ: أحَبُّ إلَىَّ أن يَجْتَنِبَ ذَوْقَ الطَّعَامِ، فإن فَعَلَ لم يَضُرَّهُ، ولا بَأْسَ به. قال ابنُ عَبَّاسٍ: لا بَأْسَ أن يَذُوقَ الطَّعامَ الْخَلَّ، والشىءَ يُرِيدُ شِرَاءَهُ. والحَسَنُ كان يَمْضغُ الجَوْزَ لابنِ ابْنِه وهو صَائِمٌ. ورَخَّصَ فيه إبراهيمُ. قال ابنُ عَقِيلٍ: يُكْرَهُ من غيرِ حاجَةٍ، ولا بَأْسَ به مع الحاجةِ، فإن فَعَلَ فوَجَدَ طَعْمَه في حَلْقِه أفْطَرَ، وإلَّا، لم يُفْطِرْ. فصل: قال أحمدُ: لا بَأْسَ بالسِّوَاكِ لِلصَّائِمِ. قال عامِرُ بنُ رَبِيعَةَ: رَأَيْتُ النَّبِيَّ ﷺ ، ما لا أُحْصِى، يَتَسَوَّكُ وهو صَائِمٌ. قال التِّرْمِذِيُّ (٤٤): هذا حَدِيثٌ حَسَنٌ. وقال زِيادُ بن حُدَيْرٍ: ما رأيتُ أحَدًا كان أَدْوَمَ لِسِوَاكٍ رَطْبٍ وهو صَائِمٌ، من عمرَ بن الخَطَّابِ، ولكنه يكونُ عُودًا ذَاويًا. ولم يَرَ أهْلُ العِلْمِ بالسِّوَاك أوَّلَ النَّهَارِ بَأْسًا، إذا كان العُودُ يَابِسًا. واسْتَحَبَّ أحمدُ وإسحاقُ تَرْكَ السِّواكِ بالعَشِىِّ. قال أحمدُ: قال رسولُ اللهِ ﷺ : "خُلُوفُ فَمِ الصَّائِمِ أطْيَبُ عِنْدَ اللهِ مِنْ رِيحِ المِسْكِ الْأذْفَرِ" (٤٥) لتلك الرَّائِحَة لا يُعْجِبُنِى لِلصَّائِمِ أن يَسْتَاكَ بالعَشِيِّ. واخْتَلَفَتِ الرِّوَايَةُ عنه في التَّسَوُّكِ بالعُودِ الرَّطْبِ، فَرُوِيَتْ عنه الكَرَاهَةُ. وهو قَوْلُ قَتادَةَ، والشَّعْبِيِّ، والحَكَمِ (٤٦)، وإسحاقَ، ومالِكٍ في رِوَايَةٍ؛ لأنَّه مُغَرِّرٌ بِصَوْمهِ، لِاحْتِمَالِ أن يَتَحَلَّلَ منه أجْزَاءٌ إلى حَلْقِه، فيُفَطِّرَه. وَرُوِىَ عنه لا يُكْرَهُ. وبه قال الثَّوْرِيُّ، والأوْزَاعِيُّ، وأبو حنيفةَ. وَرُوِىَ ذلك عن عليٍّ، وابنِ عمرَ، وعُرْوَةَ، ومُجاهِدٍ؛ لما رَوَيناهُ من حَدِيثِ عمرَ وغيرِه من الصَّحابَةِ.

стр. 2006

فصل: ومَنْ أصْبَحَ بين أسْنانِه طَعامٌ؛ لم يَخْلُ من حالَيْنِ؛ أحدُهما، أن يكونَ يَسِيرًا لا يُمْكِنهُ لَفْظُهُ، فَازْدَرَدَهُ، فإنه لا يُفْطِرُ به (٤٧)؛ لأنَّه لا يُمْكِنُ التَّحَرُّزُ منه، فأشْبَه الرِّيقَ. قال ابنُ المُنْذِرِ: أجْمَعَ على ذلك أهْلُ العِلْمِ. الثاني، أن يكونَ كَثِيرًا يُمْكِنُه (٤٨) لَفْظُه، فإنْ لَفَظَه فلا شىءَ عليه، وإن ازْدَرَدَه عَامِدًا، فَسَدَ صَوْمُه في قَوْلِ أكْثَر أهْلِ العِلْمِ. وقال أبو حنيفةَ: لا يُفْطِرُ؛ لأنَّه لا بُدَّ له أن يَبْقَى بين أسْنَانِه شيءٌ ممَّا يَأْكُلُه، فلا يُمْكِنُ التَّحَرُّزُ منه، فأشْبَهَ ما يَجْرِى به الرِّيقُ. ولَنا، أنَّه بَلَعَ طَعامًا يُمْكِنُه لَفْظُه بِاخْتِيَارِه، ذَاكِرًا لِصَوْمِه، فأفْطَرَ به، كما لو ابْتَدَأَ الأكْلَ، ويُخَالِفُ ما يَجْرِى به الرِّيقُ، فإنَّه لا يُمْكِنُه لَفْظُه. فإن قِيلَ: يُمْكِنُه أن يَبْصُقَ. قلنا: لا يَخْرُجُ جَمِيعُ الرِّيقِ بِبُصَاقِه، وإن مُنِعَ من ابْتِلَاعِ رِيقِه كُلِّه لم يُمْكِنْهُ. فصل: فإن قَطَّر في إحْلِيلِه دُهْنًا، لم يُفْطِرْ به، سواءٌ وَصَلَ إلى المَثانةِ، أم لم يَصِلْ، وبه قال أبو حنيفةَ. وقال الشَّافِعِيُّ: يُفْطِرُ؛ لأنَّه أوْصَلَ الدُّهْنَ إلى جَوْفٍ في جَسَدِه، فأفْطَرَ، كما لو نَوَى الجائِفَةَ، ولأن المَنِىَّ يَخْرُجُ من الذَّكَرِ فَيُفَطِّره، وما أفْطَرَ بالخَارِجِ منه جَازَ أن يُفْطِرَ بالدَّاخِلِ منه، كالفَمِ. ولَنا، أنَّه ليس بين بَاطِنِ الذَّكَرِ والجَوْفِ مَنْفَذٌ، وإنَّما يَخْرُجُ البَوْلُ رَشْحًا، فالذى يَتْرُكُه فيه لا يَصِلُ إلى الجَوْفِ، فلا يُفْطِرُه، كالذى يَتْرُكُه في فِيهِ ولم يَبْتَلِعْهُ. الفصل الرابع: إذا قَبَّلَ فَأمْنَى أو أمْذَى، ولا يَخْلُو المُقَبِّلُ من ثَلَاثَةِ أحْوَالٍ؛ أحدُها، أن لا يُنْزِلَ، فلا يَفْسُدُ صَوْمُه بذلك، لا نَعْلَمُ فيه خِلافًا؛ لما رَوَتْ عائشةُ، أن النَّبِيَّ ﷺ كان يُقَبِّلُ وهو صَائِمٌ، وكان أمْلَكَكُمْ لِإرْبِه. رَوَاهُ

стр. 2007

البُخَارِيُّ، ومُسْلِمٌ (٤٩). ويُرْوَى بِتَحْرِيكِ الرَّاءِ وسُكُونِها، قال الخَطَّابِيُّ: مَعْنَاهُما واحِدٌ وهو حَاجَةُ النَّفْسِ ووَطرُهَا. وقِيلَ بالتَّسْكِينِ: العُضْوُ. وبِالفَتْحِ: الحاجَةُ. وَرُوِىَ عن عمرَ بن الخَطَّابِ، رَضِىَ اللَّه عنه، أنَّه قال: هَشَشْتُ فَقَبَّلْتُ وأنا صَائِمٌ، فقلتُ: يا رسولَ اللهِ، صَنَعْتُ اليَوْمَ أمْرًا عَظِيمًا، قَبَّلْتُ وأنا صَائِمٌ. فقال: "أرَأَيْتَ لو تَمَضْمَضْتَ مِنْ إنَاءٍ وأنْتَ صَائِمٌ؟ " قلتُ: لا بَأْسَ به، قال: "فَمَهْ؟ ". رَوَاهُ أبو دَاوُدَ (٥٠). شَبَّهَ القُبْلَةَ بالمَضْمَضَةِ من حيثُ إنها من مُقَدِّمَاتِ الشَّهْوَةِ، وإنَّ المَضْمَضَةَ إذا لم يَكُنْ معها نُزُولُ الماءِ لم يُفْطِرْ، وإن كان معها نُزُولُه أفْطَرَ. إلا أن أحْمَدَ ضَعَّفَ هذا الحَدِيثَ، وقال: هذا رِيحٌ، ليس من هذا شيءٌ. الحالُ الثاني، أن يُمْنِىَ فَيُفْطِرَ بغيرِ خِلَافٍ نَعْلَمُه؛ لما ذَكَرْنَاهُ من إِيماءِ الخَبَرَيْنِ، ولأنَّه إنْزَالٌ بِمُباشَرَةٍ، فأشْبَه الإنْزَالَ بالجِماعِ دُونَ الفَرْجِ. الحالُ الثالث، أن يُمْذِىَ فَيُفْطِرَ عند إمَامِنَا ومالِكٍ. وقال أبو حنيفةَ، والشَّافِعِيُّ: لا يُفْطِرُ. ورُوِىَ ذلك عن الحسنِ، والشَّعْبِيِّ، والأوْزاعِيِّ، لأنه خَارِجٌ لا يُوجِبُ الغُسْلَ، أشْبَه البَوْلَ. ولَنا، أنَّه خَارِجٌ تَخَلَّلَهُ الشَّهْوَةُ، خَرَجَ بالمُباشَرَةِ، فأفْسَدَ الصَّوْمَ، كالمَنِيِّ، وفارَقَ البَوْلَ بهذا، واللَّمْسُ لِشَهْوَةٍ كالقُبْلَةِ في هذا. إذا ثَبَتَ هذا، فإنَّ المُقَبِّلَ إنْ (٥١) كان ذا شَهْوَةٍ مُفْرِطَةٍ، بحيثُ يَغْلِبُ على ظَنِّه أنَّه إذا قَبَّلَ أنْزَلَ، لم تَحِلَّ له القُبْلَةُ؛ لأنها مُفْسِدَةٌ لِصَوْمِه، فحرُمَتْ، كَالأكْلِ. وإن كان ذَا شَهْوَةٍ،

стр. 2008

لكنَّه لا يَغْلِبُ على ظَنِّه ذلك، كُرِهَ له التَّقْبِيلُ؛ لأنَّه يُعَرِّضُ صَوْمَه لِلْفِطْرِ، ولا يَأْمَنُ عليه الفَسادَ. وقد رُوِىَ عن عمرَ، أنَّه قال: رَأيتُ رسولَ اللهِ ﷺ في المَنَامِ، فأعْرَضَ عَنِّى، فَقُلْتُ له: مَالِى؟ فقال: "إنَّكَ تُقَبِّلُ وأَنْتَ صَائِمٌ" (٥٢). ولأنَّ العِبادَةَ إذا مَنَعَتِ الوَطْءَ مَنَعَتِ القُبْلَةَ، كالإحْرَامِ. ولا تَحْرُمُ القُبْلَة في هذه الحالِ؛ لما رُوِىَ أن رَجُلًا قَبَّلَ وهو صَائِمٌ، فأرْسَلَ امْرَأَتَهُ، فسألتِ النَّبِىَّ ﷺ فأخْبَرَها النَّبِيُّ ﷺ أنَّه يُقَبِّلُ وهو صَائِمٌ، فقال الرَّجُلُ: إِن رسولَ اللهِ ﷺ ليس مِثْلَنا، قد غَفَرَ اللهُ له ما تَقَدَّمَ من ذَنْبِه وما تَأَخَّرَ. فغَضبَ النَّبِيُّ ﷺ ، وقال: "إنِّي لأَخْشَاكُمْ للهِ، وأعْلَمُكُم بِمَا أتَّقِي". رَوَاهُ مُسْلِمٌ بمعناه (٥٣). ولأنَّ إفْضَاءَهُ إلى إفْسادِ الصَّوْمِ مَشْكُوكٌ فيه، ولا يَثْبُتُ التَّحْرِيمُ بالشَّكِّ، فأمَّا إنْ كان مِمَّنْ لا تُحَرِّكُ القُبْلَةُ شَهْوَتَه، كالشَّيْخِ الهِمِّ (٥٤)، ففيه روايتانِ؛ إحْدَاهما، لا يُكْرَهُ له ذلك. وهو مذهبُ أبى حنيفةَ، والشَّافِعِيُّ؛ لأنَّ النَّبِىَّ ﷺ كان يُقَبِّلُ وهو صَائِمٌ لمَّا كان مَالِكًا لأرَبِه، وغيرُ ذِى الشَّهْوَةِ في مَعْنَاه. وقد رَوَى أبو هُرَيْرَةَ أنَّ رَجُلًا سَألَ النَّبِيَّ ﷺ عن المُبَاشَرَةِ لِلصَّائِمِ، فرَخَّصَ له، فأتَاهُ آخَرُ، فسَألَهُ، فنَهَاهُ، فإذا الذى رَخَّصَ له شَيْخٌ، وإذا الذى نَهَاهُ شَابٌّ. أخْرَجَهُ أبو دَاوُدَ (٥٥). ولأنَّها مُبَاشَرَةٌ لغيرِ شَهْوَةٍ، فأشْبَهَتْ لَمْسَ اليَدِ لِحَاجَةٍ. والثانية، يُكْرَهُ؛ لأنَّه لا يَأْمَنُ حُدُوثَ الشَّهْوَةِ، ولأنَّ الصَّوْمَ عِبادَةٌ تَمْنَعُ الوَطْءَ، فاسْتَوَى في القُبْلَةِ فيها مَن تُحَرِّكُ شَهْوَتَه، وغيرُه، كالإحْرامِ. فأمَّا اللَّمْسُ لغيرِ شَهْوَةٍ، كلَمْسِ يَدِهَا لِيَعْرِفَ

стр. 2009

مَرَضَها، فليس بمَكْرُوهٍ بحالٍ؛ لأنَّ ذلك لا يُكْرَهُ في الإحْرامِ، فلا يُكْرَهُ في الصِّيامِ، كلَمْسِ ثَوْبِها. فصل: ولو اسْتَمْنَى بِيَدِه، فقد فَعَلَ مُحَرَّمًا، ولا يَفْسُدُ صَوْمُه به إلَّا أن يُنْزِلَ، فإن أنْزَلَ فَسَدَ صَوْمُه؛ لأنَّه في مَعْنَى القُبْلَةِ في إثارَةِ الشَّهْوَةِ. فأمَّا إن أنْزَلَ لغيرِ شَهْوَةٍ، كالذى يَخْرُجُ منه المَنِىُّ أو المَذْىُ لِمَرَضٍ، فلا شىْءَ عليه؛ لأنَّه خَارِجٌ لغيرِ شَهْوَةٍ، أشْبَهَ البَوْلَ، ولأنَّه يَخْرُجُ من غيرِ اخْتِيَارٍ منه، ولا تَسَبُّبٍ إليه، فأشْبَهَ الاحْتِلامَ. ولو احْتَلَمَ لم يَفْسُدْ صَوْمُه، لأنَّه عن غيرِ اخْتِيَارٍ منه، فأشْبَهَ مَا لو دَخَلَ حَلْقَهُ شيءٌ وهو نَائِمٌ. ولو جَامَعَ في اللَّيْلِ، فأنْزَلَ بعدَ ما أصْبَحَ، لم يُفْطِرْ؛ لأنَّه لم يَتَسَبَّبْ إليه في النَّهَارِ، فأشْبَهَ ما لو أكَلَ شيئا في اللَّيْلِ، فذَرَعَهُ القَيْءُ في النَّهارِ. الفصل الخامس: إذا كَرَّرَ النَّظَرَ (٥٦) فأنْزَلَ، ولِتَكْرَارِ النَّظَرِ أيضا ثَلَاثَةُ أَحْوَالٍ؛ أحدُها، أنْ لا يَقْتَرِنَ به إنْزَالٌ، فلا يَفْسُدُ الصَّوْمُ بغيرِ اخْتِلافٍ. الثانى، أن يَقْتَرِنَ به إنْزَالُ المَنِىِّ، فيَفْسُدُ الصَّوْمُ في قولِ إمَامِنَا، وعَطاءٍ، والحسنِ البَصْرِيّ، ومالِكٍ، والحسنِ بن صالِحٍ. وقال جابِرُ بن زَيْدٍ، والثَّوْرِىُّ، وأبو حنيفةَ، والشَّافِعِيُّ، وابنُ المُنْذِرِ: لا يَفْسُدُ؛ لأنَّه إنْزَالٌ عن غيرِ مُباشَرَةٍ، أشْبَهَ الإنْزَالَ بالفِكْرِ. ولَنا، أنَّه إنْزَالٌ بِفِعْلٍ يَتَلَذَّذُ به، ويُمْكِنُ التَّحَرُّزُ منه، فأفْسَدَ الصَّوْمَ، كالإنْزَالِ باللَّمْسِ، والفِكْرُ لا يُمْكِنُ التَّحَرُّزُ منه، بِخِلافِ تَكْرَارِ النَّظَرِ. الثالث: مَذَى بتَكْرَارِ النَّظَرِ. فظاهِرُ كَلَامِ أحمدَ، أنَّه لا يُفْطِرُ به؛ لأنَّه لا نَصَّ في الفِطْرِ، ولا يُمْكِنُ قِيَاسُه على إنْزَالِ المَنِيِّ، لِمُخَالَفَتِه إيَّاه في الأحْكامِ، فيَبْقَى على الأصْلِ. فأمَّا إن نَظَرَ، فصَرَفَ بَصَرَهُ، لم يَفْسُدْ صَوْمُه، سَوَاءٌ أنْزَلَ أو لم يُنْزِلْ.

стр. 2010

وقال مَالِكٌ: إن أنْزَلَ فَسَدَ صَوْمُه؛ لأنَّه أنْزَلَ بالنَّظَرِ، أشْبَه ما لو كَرَّرَهُ. ولَنا، أن النَّظْرَةَ الأُولَى لا يُمْكِنُ التَّحَرُّزُ منها، فلا يُفْسِدُ الصَّوْمَ ما أفْضَتْ إليه، كالفِكْرَةِ، وعليه يُخَرَّجُ التَّكْرَارُ، فإذا ثَبَتَ هذا، فإنَّ تَكْرَارَ النَّظَرِ مَكْرُوهٌ لمن يُحَرِّكُ شَهْوَتَه، غيرُ مَكْرُوهٍ لمن لا يُحَرِّكُ شَهْوَتَه، كالقُبْلَةِ. ويَحْتَمِلُ أنْ لا يُكْرَهَ بحالٍ؛ لأنَّ إفْضَاءَهُ إلى الإنْزَالِ المُفْطِرِ بَعِيدٌ جِدًّا، بِخِلافِ القُبْلَةِ، فإنَّ حُصُولَ المَذْيِ بها ليس بِبَعِيدٍ. فصل: فإن فَكَّرَ فأنْزَلَ، لم يَفْسُدْ صَوْمُه. وحُكِىَ عن أبي حفصٍ البَرْمَكِيِّ، أنَّه يَفْسُدُ. واخْتارَهُ ابنُ عَقِيلٍ؛ لأنَّ الفِكْرَةَ تُسْتَحْضَرُ، فتَدْخُلُ تحت الاخْتِيارِ، بِدَليلِ تَأْثِيمِ صَاحِبِها في مُساكَنَتِها (٥٧)، في بِدْعَةٍ وكُفْرٍ، ومَدَحَ اللهُ سُبْحَانَه الَّذِينَ يَتَفَكَّرُونَ في خَلْقِ السَّماوَاتِ والأرْضِ، ونَهَى النَّبِىُّ ﷺ عن التَّفَكُّرِ في ذَاتِ اللهِ، وأمَرَ (٥٨) بالتَّفَكُّرِ في آلائِه، ولو كانت غيرَ مَقْدُورٍ عليها لم يَتَعَلَّقْ ذلك بها، كالاحْتِلَامِ. فأمَّا إن خَطَرَ بِقَلْبِه صُورَةُ الفِعْلِ، فأنْزَلَ، لم يَفْسُدْ صَوْمُهُ؛ لأنَّ الخَاطِرَ لا يمكن دَفْعُه. ولَنا، قولُ النَّبِيِّ ﷺ : "عُفِىَ لأُمَّتِى عَنِ الْخَطَأِ والنِّسْيَانِ، ومَا حَدَّثَتْ بِهِ أنْفُسَهَا، مَا لَمْ تَعْمَلْ أو تَتَكَلَّمْ" (٥٩). ولأنَّه لا نَصَّ في الفِطْرِ به ولا إجْمَاعَ، ولا يُمْكِنُ قِيَاسُه على المُباشَرَةِ، ولا تَكْرَارِ النَّظَرِ، لأنَّه دُونَهما في اسْتِدْعَاءِ الشَّهْوَةِ، وإفْضَائِه إلى الإنْزَالِ، ويُخالِفُهما في التَّحْرِيمِ إذا تَعَلَّقَ ذلك بأجْنَبِيَّةٍ، أو الكَرَاهَةِ إنْ كان في زَوْجَةٍ، فيَبْقَى على الأصْلِ. الفصل السادس: أن المُفْسِدَ لِلصَّوْمِ من هذا كُلِّه ما كان عن عَمْدٍ وقَصْدٍ، فأمَّا ما حَصَلَ منه عن غيرِ قَصْدٍ، كالغُبارِ الذى يَدْخُلُ حَلْقَه من الطَّرِيقِ، ونَخْلِ

стр. 2011

الدَّقِيقِ، والذُّبَابَةِ (٦٠) تَدْخُلُ حَلْقَه، أو يُرَشُّ عليه الماءُ فيَدْخُلُ مَسامِعَهُ، أو أنْفَهُ أو حَلْقَه، أو يُلْقَى فى ماءٍ فيَصِلُ إلى جَوْفِه، أو يَسْبِقُ إلى حَلْقِه مِن ماءِ المَضْمَضَةِ، أو يُصَبُّ فى حَلْقِه أو أنْفِه شىءٌ كَرْهًا، أو تُدَاوَى مَأْمُومَتُه أو جَائِفَتُه بغيرِ اخْتِيارِه، أو يُحْجَمُ كَرْهًا، أو تُقَبِّلُه امْرَأَةٌ بغيرِ اخْتِيَارِه فيُنْزِلُ، أو ما أَشْبَه هذا، فلا يَفْسُدُ صَوْمُه، لا نَعْلَمُ فيه خِلافًا؛ لأنَّه لا فِعْلَ له فلا يُفْطِرُ، كالاحْتِلَامِ. وأمَّا إن أُكْرِهَ على شىءٍ من ذلك بالوَعِيدِ، ففَعَلَهُ، فقال ابنُ عَقِيلٍ: قال أصْحابُنا: لا يُفْطِرُ به أيضا؛ لِقَوْلِ النَّبِىِّ ﷺ : "عُفِىَ لأُمَّتِى عَنِ الخَطَأِ والنِّسْيَانِ، ومَا اسْتُكْرِهُوا عَلَيْهِ". قال: ويَحْتَمِلُ عندى أن يُفْطِرَ؛ لأنَّه فَعَلَ المُفْطِرَ لِدَفْعِ الضَّرَرِ عن نَفْسِه، فأَشْبَه المَرِيضَ يُفْطِرُ لِدَفْعِ المَرَضِ، ومن يَشْرَبُ لِدَفْعِ العَطَشِ، ويُفَارِقُ المُلْجَأَ؛ لأنَّه خَرَجَ بذلك عن حَيِّزِ الفِعْلِ، ولذلك لا يُضَافُ إليه، ولذلك افْتَرَقَا فيما لو أكْرِهَ على قَتْلِ آدَمِىٍّ، وأُلْقِىَ عليه. الفصل السابع: أنَّه مَتَى أفْطَرَ بشىءٍ من ذلك فعليه القَضاءُ، لا نَعْلَمُ فى ذلك خِلافًا؛ لأنَّ الصَّوْمَ كان ثَابِتًا فى الذِّمَّةِ، فلا تَبْرَأُ منه إلَّا بأدَائِه، ولم يُؤَدِّه، فبَقِىَ على ما كان عليه؛ ولا كَفَّارَةَ فى شىءٍ ممَّا ذَكَرْنَاهُ، فى ظَاهِرِ المَذْهَبِ. وهو قولُ سَعِيدِ بن جُبَيْرٍ، والنَّخَعِىِّ، وابنِ سِيرِينَ، وحَمَّادٍ، والشَّافِعِىِّ. وعن أحمدَ أن الكَفَّارَةَ تَجِبُ على مَن أنْزَلَ بِلَمْسٍ أو قُبْلَةٍ أو تَكْرَارِ نَظَرٍ؛ لأنَّه إنْزالٌ عن مُباشَرَةٍ، أشْبَهَ الإِنْزَالَ بالجِمَاعِ. وعنه فى المُحْتَجِمِ، إن كان عَالِمًا بالنَّهْىِ، فعليه الكَفَّارَةُ. وقال عَطاءٌ فى المُحْتَجِمِ: عليه الكَفَّارَةُ. وقال مَالِكٌ: تَجِبُ الكَفَّارَةُ بكلِّ ما كان هَتْكًا لِلصَّوْمِ، إلَّا الرِّدَّةَ؛ لأنَّه إفْطارٌ فى رمضانَ أشْبَه الجِماعَ. [وحُكِىَ عن عَطاءٍ، والحسنِ، والزُّهْرِىِّ، والثَّوْرِىِّ، والأوْزاعِىِّ، وإسحاقَ (٦١)، أن الفِطْرَ بالأكْلِ والشُّرْبِ يُوجِبُ ما يُوجِبُه الجِماعُ] (٦٢). وبه قال

стр. 2012

أبو حنيفةَ، إلَّا أنَّه اعْتَبَرَ ما يُتَغَذَّى به أو يُتَدَاوَى به، فلو ابْتَلَعَ حَصَاةً أو نَوَاةً أو فُسْتُقَةً بِقشْرِهَا، فلا كَفَّارَةَ عليه. واحْتَجُّوا بأنَّه أفْطَرَ بأعْلَى ما فى البابِ من جِنْسِه، فوَجَبَتْ عليه الكَفَّارَةُ كالمُجَامِعِ. ولَنا، أنَّه أفْطَرَ بغير جِمَاعٍ، فلم تُوجبِ الكفَّارَةَ، كبَلْعِ الحَصاةِ أو التُّرَابِ، أو كالرِّدَّةِ عند مالِكٍ، ولأنَّه لا نَصَّ فى إِيجابِ الكَفَّارَة بِهذا ولا إجْماعَ، ولا يَصِحُّ قِيَاسُه على الجِماعِ، لأنَّ الحاجَةَ إلى الزَّجْرِ عنه أَمَسُّ، والحُكْمَ فى التَّعَدِّى به آكَدُ، ولهذا يَجِبُ به (٦٣) الحَدُّ إذا كان مُحَرَّمًا، ويَخْتَصُّ بإفْسادِ الحَجِّ دُونَ سائِرِ مَحْظُورَاتِه، ووُجُوبِ البَدَنَةِ، ولأنَّه فى الغَالِبِ يُفْسِدُ صَوْمَ اثْنَيْنِ، بخِلافِ غيرِه. فصل: والوَاجِبُ فى القَضاءِ عن كُلِّ يَوْمٍ يَوْمٌ، فى قَوْلِ عامَّةِ الفُقَهاءِ. وقال أحمدُ: قال إبراهيمُ، ووَكِيعٌ: يَصُومُ ثَلَاثَةَ آلافِ يَوْمٍ. وعَجِبَ أحمدُ من قَوْلِهما. وقال سَعِيدُ بن المُسَيَّبِ: من أَفْطَرَ يَوْمًا مُتَعَمِّدًا يَصُومُ شَهْرًا. وحُكِىَ عن رَبِيعَةَ أنَّه قال: يَجِبُ مكانَ كُلِّ يَوْمٍ اثْنَا عَشَرَ يَوْمًا؛ لأنَّ رمضانَ يُجْزِئُ عن جَمِيعِ السَّنَةِ، وهى اثْنَا عَشَرَ شَهْرًا. ولَنا، قولُ اللهِ تعالى: ﴿فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾ (٦٤). وقال النَّبِىُّ ﷺ فى قِصَّةِ المُجَامِعِ: "صُمْ يَوْمًا مَكَانَه". رَوَاهُ أبو دَاوُدَ (٦٥). ولأنَّ القَضاءَ يكونُ على حَسَبِ الأدَاءِ، بِدَلِيلِ سائِرِ العِبادَاتِ، ولأنَّ القَضاءَ لا يَخْتَلِفُ بالعُذْرِ وعَدَمِه، بِدَلِيلِ الصلاةِ والحَجِّ، وما ذَكَرُوهُ تَحَكُّمٌ لا دَلِيلَ عليه، والتَّقْدِيرُ لا يُصارُ إليه إلَّا بِنَصٍّ أو إجْمَاعٍ، وليس معهم وَاحِدٌ منهما.

стр. 2013

وقولُ رَبِيعَةَ يَبْطُلُ بِالمَعْذُورِ. وذُكِرَ لأحمدَ حَدِيثُ أبى هُرَيْرَةَ: "مَنْ أَفْطَرَ يَوْمًا من رَمَضَانَ مُتَعَمِّدًا، لم يَقْضِه، ولو صَامَ الدَّهْرَ" (٦٦). فقال: ليس يَصِحُّ هذا الحَدِيثُ. ٤٩٠ - مسألة؛ قال: (وإن فَعَلَ ذلِك ناسِيًا، فَهُوَ عَلَى صَوْمِه، ولَا قَضَاءَ عَلَيْهِ) وجُمْلَتُه أن جَمِيعَ ما ذَكَرَهُ الخِرَقِىُّ فى هذه المَسْأَلَةِ لا يُفْطِرُ الصائمُ بفِعْلِه نَاسِيًا. وَرُوِىَ عن عَلِىٍّ رَضِىَ اللَّه عنه: لا شىءَ على من أكَلَ نَاسِيًا. وهو قَوْلُ أبى هُرَيْرَةَ، وابنِ عمرَ، وعَطاءٍ، وطَاوُسٍ، وابنِ أبى ذِئْبٍ، والأوْزَاعِىِّ، والثَّوْرِىِّ، والشَّافِعِىِّ، وأبى حنيفةَ، وإسحاقَ. وقال رَبِيعَةُ، ومَالِكٌ: يُفْطِرُ؛ لأنَّ ما لا يَصِحُّ الصَّوْمُ مع شىءٍ من جِنْسِه عَمْدًا، لا يجوزُ مع سَهْوِه، كالجِماعِ، وتَرْكِ النِّيَّةِ. ولَنا، ما رَوَى أبو هُرَيْرَةَ قال: قال رسولُ اللهِ ﷺ : "إذا أكَلَ أحَدُكُم أوْ شَرِبَ نَاسِيًا، فَلْيُتِمَّ صَوْمَه، فَإنَّمَا أَطعَمَهُ اللهُ وسَقَاهُ". مُتَّفَقٌ عليه (١) وفى لَفْظٍ: "مَنْ أَكَلَ أوْ شَرِبَ نَاسِيًا، فَلَا يُفْطِرْ، فَإنَّمَا هُوَ رِزْقٌ رَزَقَهُ اللهُ" (٢). ولأنَّها عِبَادَةٌ ذاتُ

стр. 2014

تحْلِيلٍ وتَحْرِيمٍ، فكان فى مَحْظُورَاتِها ما يَخْتَلِفُ عَمْدُه وسَهْوُه، كالصلاةِ والحَجِّ. وأمَّا النِّيَّةُ فليس تَرْكُهَا فِعْلًا، ولأنَّها شَرْطٌ، والشُّرُوطُ لا تَسْقُطُ بِالسَّهْوِ، بخِلافِ المُبْطِلَاتِ، والجِماعُ حُكْمُه أغْلَظُ، ويُمْكِنُ التَّحَرُّزُ عنه. فصل: وإن فَعَلَ شَيْئًا من ذلك، وهو نَائِمٌ، لم يَفْسُدْ صَوْمُه؛ لأنَّه لا قَصْدَ له، ولا عِلْمَ بِالصَّوْمِ، فهو أعْذَرُ مِن النَّاسِى. وذَكَرَ أبو الخَطَّابِ، أن مَن فَعَلَ من هذا شَيْئًا جَاهِلًا بِتَحْرِيمِه، لم يُفْطِرْ، ولم أرَه عن غيرِه. وقولُ النَّبِىِّ ﷺ : "أَفْطَرَ الْحَاجِمُ والمَحْجُومُ" (٣). فى حَقِّ الرَّجُلَيْنِ اللَّذَيْنِ رَآهُما يَحْجُمُ أحَدُهما صَاحِبَه، مع جَهْلِهِمَا بِتَحْرِيمِه، يَدُلُّ على أن الجَهْلَ لا يُعْذَرُ به، ولأنَّه نَوعُ جَهْلٍ، فلم يَمْنَع الفِطْرَ، كالجَهْلِ بِالوَقْتِ فى حَقِّ مَن يَأْكُلُ يَظُنُّ أن الفَجْرَ لم يَطْلُعْ، وقد كان طَلَعَ. ٤٩١ - مسألة؛ قال: (وَمَن اسْتَقَاءَ فَعَلَيْهِ القَضَاءُ، وَمَنْ ذَرَعهُ القَىْءُ فَلَا شَىْءَ عَلَيْهِ) مَعْنَى اسْتَقَاءَ: تَقَيَّأَ مُسْتَدْعِيًا لِلْقَىْءِ. وذَرْعُه: خُرُوجٌ من غَيْرِ (١) اخْتِيَارٍ منه، فمَن اسْتَقَاءَ فعليه القَضاءُ؛ لأنَّ صَوْمَهُ يَفْسُدُ به. ومن ذَرَعَه القَىْءُ (٢) فلا شَىْءَ عليه؛ وهذا قولُ عَامَّةِ أهْلِ العِلْمِ. قال الخَطَّابِىُّ: لا أعْلَمُ بينَ أهْلِ العِلْمِ فيه اخْتِلَافًا. وقال ابنُ المُنْذِرِ: أجْمَعَ أهْلُ العِلْمِ على إبْطالِ صَوْمِ من اسْتَقَاءَ عَامِدًا، وحُكِىَ عن ابنِ مسعودٍ، وابنِ عَبَّاسٍ، أن القَىْءَ لا يُفْطِرُ. وَرُوِىَ أن النَّبِىَّ ﷺ قال: "ثَلَاثٌ لا يُفْطِرْنَ الصَّائِمَ: الْحِجَامَةُ، والقَىْءُ، والاحْتِلَامُ" (٣). ولأنَّ الفِطْرَ بما يَدْخُلُ لا بما

стр. 2015

يَخْرُجُ. ولَنا، ما رَوَى أبو هُرَيْرَةَ، أن النَّبِىَّ ﷺ قال: "مَنْ ذَرَعَهُ القَىْءُ فَلَيْسَ عَلَيْهِ قَضَاءٌ، وَمَن اسْتَقَاءَ عَمْدًا (٤) فَلْيَقْضِ". قال التِّرْمِذِىُّ: هذا حَدِيثٌ حَسَنٌ غَرِيبٌ. ورَوَاهُ أبو دَاوُدَ (٥). وحَدِيثُهمْ غيرُ مَحْفُوظٍ، يَرْوِيهِ عبدُ الرحمنِ بن زَيْدِ بن أسْلَمَ، وهو ضَعِيفٌ فى الحَدِيثِ، قالَه التِّرْمِذِىُّ. والمَعْنَى الذى ذكرَ لهم يَبْطُلُ بالحَيْضِ والمَنِىِّ. فصل: وقَلِيلُ القَىْءِ وكَثِيرُه سَوَاءٌ، فى ظَاهِرِ قَوْلِ الخِرَقِىِّ، وهو إحْدَى الرِّوَايَاتِ عن أحمدَ، والرِّوَايَةُ الثانيةُ؛ لا يُفْطِرُ إلَّا بمِلْءِ الفَمِ. لأنَّه رُوِىَ عن النَّبِىِّ ﷺ أنَّه قال: "وَلكِنْ دَسْعَةٌ تَمْلَأُ الْفَمَ" (٦). ولأَنَّ اليَسِيرَ لا يَنْقُضُ الوُضوءَ، فلا يُفْطِرُ كالبَلْغَمِ. والثالثةُ، نِصْفُ الفَمِ، لأنَّه يَنْقُضُ الوُضُوءَ، فأفْطَرَ به كالكَثِيرِ. والأُولَى أَوْلَى لِظَاهِرِ الحَدِيثِ الذى رَوَيْنَاهُ، ولأنَّ سائِرَ المُفْطِرَاتِ لا فَرْقَ بين قَلِيلِها وكَثِيرِها، وحَدِيثُ الرِّوَايَةِ الثانيةِ لا نَعْرِفُ له أصْلًا. ولا فَرْقَ بين كَوْنِ القَىْءِ طَعَامًا، أو مُرَارًا (٧)، أو بَلْغَمًا، أو دَمًا، أو غيرَه؛ لأنَّ الجَمِيعَ دَاخِلٌ تحت عُمُومِ الحَدِيثِ والمَعْنَى، واللهُ تعالى أعلمُ بالصَّوابِ. ٤٩٢ - مسألة؛ قال: (وَمَن ارْتَدَّ عَنِ الْإِسْلَامِ، فَقَدْ أَفْطَرَ) لا نَعْلَمُ بين أهْلِ العِلْمِ خِلَافًا فى أن من ارْتَدَّ عن الإِسْلامِ فى أَثْنَاءِ الصَّوْمِ، أنَّه

стр. 2016

يَفْسُدُ صَوْمُه، وعليه قَضَاءُ ذلك اليومِ، إذا عادَ إلى الإِسلامِ. سَوَاءٌ أسْلَمَ فى أثْنَاءِ اليومِ، أو بعد انْقِضَائِه، وسَوَاءٌ كانتْ رِدَّتُه باعْتِقَادِه ما يَكْفُرُ به، أو بِشَكِّه (١) فيما يَكْفُرُ بالشَّكِّ فيه، أو بالنُّطْقِ بِكَلِمَةِ الكُفْرِ، مُسْتَهْزِئًا أو غيرَ مُسْتَهْزِئٍ، قال اللهُ تَعَالَى: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ لَيَقُولُنَّ إِنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ قُلْ أَبِاللَّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنْتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ (٦٥) لَا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ﴾ (٢). وذلك لأنَّ الصَّوْمَ عِبادَةٌ من شَرْطِهَا النِّيَّةُ، فأبْطَلَتْها الرِّدَّةُ، كالصلاةِ والحَجِّ، ولأنَّه عِبادَةٌ مَحْضَةٌ، فنَافَاها الكُفْرُ، كالصلاةِ. ٤٩٣ - مسألة؛ قال: (وَمَنْ نَوَى الْإِفْطَارَ فَقَدْ أَفْطَرَ) هذا الظَّاهِرُ من المذهبِ. وهو قولُ الشَّافِعِىِّ، وأبِى ثَوْرٍ، وأصْحابِ الرَّأْىِ، إلَّا أن أصْحابَ الرَّأْىِ قالُوا: إنْ عَادَ فنَوَى قبلَ أن يَنْتَصِفَ النَّهارُ أجْزَأَهُ. بناءً على أصْلِهِم أن الصَّوْمَ يُجْزِئُ بِنِيَّةٍ من النَّهارِ. وحُكِىَ عن ابنِ حامِدٍ أن الصَّوْمَ لا يَفْسُدُ بذلك؛ لأنَّها عِبَادَةٌ يَلْزَمُ المُضِىُّ فى فَاسِدِها، فلم تَفْسُدْ بِنِيَّةِ الخُرُوجِ منها، كالحَجِّ. ولَنا، أنَّها عِبادَةٌ من شَرْطِهَا النِّيَّةُ، ففَسَدَتْ بِنِيَّةِ الخُرُوجِ منها، كالصلاةِ، ولأنَّ الأصْلَ اعْتِبارُ النِّيَّةِ فى جَمِيعِ أجْزَاءِ العِبادَةِ، ولكن لمَّا شَقَّ اعْتِبَارُ حَقِيقَتِها اعْتُبِرَ بَقاءُ حُكْمِها، وهو أنْ لا يَنْوِىَ قَطْعَها، فإذا نَوَاهُ زَالَتْ حَقِيقَةً وحُكْمًا، ففَسَدَ الصَّوْمُ لِزَوَالِ شَرْطِه. وما ذَكَرَهُ ابنُ حَامِدٍ لا يَطَّرِدُ في غيرِ رمضانَ، ولا يَصِحُّ القِياسُ على الحَجِّ، فإنَّه يَصِحُّ بالنِّيَّةِ المُطْلَقَةِ والمُبْهمَةِ، وبالنِّيَّةِ عن غَيْرِه إذا لم يَكُنْ حَجَّ عن نَفْسِه، فافْتَرَقَا. فصل: فأمَّا صَوْمُ النَّافِلَةِ، فإنْ نَوَى الفِطْرَ، ثم لم يَنْوِ الصَّوْمَ بعدَ ذلك، لم يَصِحَّ صَوْمُه؛ لأنَّ النِّيَّةَ انْقَطَعَتْ، ولم تُوجَدْ نِيَّةٌ غيرَها، فأشْبَهَ مَن لم يَنْوِ أصْلًا.

стр. 2017

وإن عَادَ فنَوَى الصَّوْمَ، صَحَّ صَوْمُه، كما لو أصْبَحَ غيرَ ناوٍ لِلصَّوْمِ؛ لأنَّ نِيَّةَ الفِطْرِ إنَّما أبْطَلَتِ الفَرْضَ لما فيه من قَطْعِ النِّيَّةِ المُشْتَرَطَةِ فى جَمِيعِ النَّهارِ حُكْمًا، وخُلُوِّ بعض أجْزَاءِ النَّهارِ عنها، والنَّفْلُ مُخَالِفٌ لِلْفَرْضِ فى ذلك، فلم تَمْنَعْ صِحَّتَهُ نِيَّةُ الفِطْر فى زَمَنٍ لا يُشْتَرَطُ وُجُودُ نِيَّةِ الصَّوْمِ فيه، ولأنَّ نِيَّةَ الفِطْرِ لا تَزِيدُ على عَدَمِ النِّيَّةِ فى ذلك الوَقْت، وعَدَمُها لا يَمْنَعُ صِحَّةَ الصَّوْمِ إذا نَوَى بعدَ ذلك، فكذلك إذا نَوَى الفِطْرَ، ثم نَوَى الصَّوْمَ بعدَه، بخِلَافِ الوَاجِبِ، فإنَّه لا يَصِحُّ بِنِيَّةٍ من النَّهارِ. وقد رُوِىَ عن أحمدَ، أنَّه قال: إذا أَصْبَحَ صَائِمًا، ثم عَزَمَ على الفِطْرِ، فلم يُفْطِرْ حتى بَدَا له، ثم قال: لا، بل أُتِمُّ صَوْمِى من الوَاجِبِ. لم يُجْزِئْه حتى يكونَ عَازِمًا على الصَّوْمِ (١) يَوْمَه كُلَّه، ولو كان تَطوُّعًا كان أَسْهَلَ. وظَاهِرُ هذا مُوَافِقٌ لما ذَكَرْنَاهُ. وقد دَلَّ على صِحَّتِه أن النَّبِىَّ ﷺ كان يَسْأَلُ أهْلَه: "هَلْ مِنْ غَدَاءٍ؟ " فإنْ قالوا: لا. قال: "إنِّى إذًا صَائِمٌ" (٢). فصل: وإن نَوَى أنَّه سَيُفْطِرُ سَاعَةً أُخْرَى. فقال ابنُ عَقِيلٍ: هو كنِيَّةِ الفِطْرِ فى وَقْتِه، وإن تَرَدَّدَ فى الفِطْرِ، فعلَى وَجْهَيْن، كما ذَكَرْنَا فى الصَّلاةِ (٣)، وإن نَوَى أنَّنى إن وَجَدْتُ طَعَامًا أفْطَرْتُ، وإن لم أجِدْ أَتْمَمْتُ صَوْمِى. خُرِّجَ فيه وَجْهَانِ؛ أحَدُهما، يُفْطِرُ؛ لأنَّه لم يَبْقَ جَازِمًا بِنِيَّةِ الصَّوْمِ، وكذلك لا يَصِحُّ ابْتِدَاءُ النِّيَّةِ بِمِثْلِ هذا. والثانى: لا يُفْطِرُ؛ لأنَّه لم يَنْوِ الفِطْرَ نِيَّةً (٤) صَحِيحَةً، فإنَّ النِّيَّةَ لا يَصِحُّ تَعْلِيقُها على شَرْطٍ، ولذلك لا يَنْعَقِدُ الصَّوْمُ بِمِثْلِ هذه النِّيَّةِ.

стр. 2018

٤٩٤ - مسألة؛ قال: (وَمَنْ جَامَعَ فِى الفَرْجِ، فَأَنْزَلَ، أوْ لَمْ يُنْزِلْ، أو دُونَ الفَرْجِ فأَنْزَلَ عَامِدًا أو سَاهِيًا، فَعَلَيْهِ القَضَاءُ والكَفَّارَةُ، إذَا كانَ فى شَهْرِ رَمَضانَ) لا نَعْلَمُ بين أهْلِ العِلْمِ خِلَافًا، فى أنَّ مَن جَامَعَ فى الفَرْجِ فأنْزَلَ (١) أو لم يُنْزِلْ، أو دُونَ الفَرْجِ فأنْزَلَ، أنَّه يَفْسُدُ صَوْمُهُ (٢)، وقد دَلَّتِ الأخْبارُ الصَّحِيحَةُ على ذلك، وهذه المَسْأَلَةُ فيها مَسَائِلُ أرْبَع؛ إحْدَاها، أن مَن أفْسَدَ صَوْمًا وَاجِبًا بِجِمَاعٍ، فعليه القَضَاءُ، سواءٌ كان فى رمضانَ أو غيرِه، وهذا قَوْلُ أكْثَرِ الفُقَهاء. وقال الشَّافِعِىُّ، فى أحَدِ قَوْلَيْه: مَن لَزِمَتْهُ الكَفَّارَةُ لا قَضاءَ عليه؛ لأنَّ النَّبِىَّ ﷺ لم يَأْمُر الأعْرَابِىَّ بالقَضَاءِ. وحُكِىَ عن الأوْزَاعِىِّ أنَّه قال: إن كَفَّرَ بالصِّيامِ فلا قَضاءَ عليه؛ لأنَّه صامَ (٣) شَهْرَيْنِ مُتَتابِعَيْنِ. ولَنا، أن النَّبِىَّ ﷺ قال للْمُجَامِعِ: "وَصُمْ يَوْمًا مَكَانَه". رَوَاهُ أبو دَاوُدَ بإسْنَادِه، وابنُ مَاجه، والأثْرَمُ (٤). ولأنَّه أفْسَدَ يَوْمًا مِن رمضانَ، فلَزِمَهُ قَضَاؤُه، كما لو أفْسَدَهُ بالأكْلِ، أو أفْسَدَ صَوْمَهُ الوَاجِبَ بالجِماعِ (٥)، فلَزِمَهُ قَضاؤُه، كغيرِ رمضانَ. المسألة الثانية، أن الكَفَّارَةَ تَلْزَمُ مَن جامَعَ فى الفَرْجِ فى رمضانَ عَامِدًا، أنْزَلَ أو لم يُنْزِلْ، فى قَوْلِ عَامَّةِ أهْلِ العِلْمِ. وحُكِىَ عن الشَّعْبِىِّ، والنَّخَعِىِّ، وسَعِيدِ بن جُبَيْرٍ: لا كَفَّارَةَ عليه؛ لأنَّ الصَّوْمَ عِبَادَةٌ لا تَجِبُ الكَفَّارَةُ بإفْسَادِ قَضائِها، فلا تَجِبُ فى أدَائِها، كالصَّلاةِ. ولَنا، ما رَوَى الزُّهْرِىُّ، عن حُمَيْدِ بن عبدِ الرحمنِ، عن أبى هُرَيْرَةَ، قال: بَيْنَا نحنُ جُلُوسٌ عندَ النَّبِىِّ ﷺ ، إذْ جَاءَهُ رَجُلٌ فقال: يا رسولَ اللَّه، هَلَكْتُ. قال

стр. 2019

"ما لَكَ؟ ". قال: وَقَعْتُ على امْرَأَتِى وأنا صَائِمٌ. فقال رسولُ اللهِ ﷺ : "هل تَجِدُ رَقَبَةً تَعْتِقُها؟ " قال: لا، قال: "فَهَلْ تَسْتَطِيعُ أنْ تَصُومَ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ؟ " قال: لا، قال: "فَهَلْ تَجِدُ إطْعَامَ سِتِّينَ مِسْكِينًا؟ " قال: لا، قال: فمَكَثَ النَّبِىُّ ﷺ ، فبَيْنَا نحن على ذلك أتِىَ النَّبِىُّ ﷺ بِعَرَقٍ فيه تَمْرٌ. والعَرَق: المِكْتَل (٦)، فقال: "أيْنَ السَّائِلُ؟ " فقال: أنا، قال: "خُذْ هذَا، فتَصَدَّقْ به" فقال الرَّجُلُ: على أفْقَرَ مِنِّى يا رسولَ اللهِ؟ فوَاللهِ ما بين لَابَتَيْهَا أهْلُ بَيْتٍ أفْقَرَ مِن أهْلِ بَيْتِى. فضَحِكَ النَّبِىُّ ﷺ حتى بَدَتْ أَنْيَابُه، ثم قال: "أَطْعِمْهُ أَهْلَكَ". مُتَّفَقٌ عليه (٧). ولا يجوزُ اعْتِبَارُ الأدَاءِ فى ذلك بالقَضاءِ؛ لأنَّ الأدَاءَ يَتَعَلَّقُ بِزَمَنٍ مَخْصُوصٍ يَتَعَيَّنُ به، والقَضَاءُ مَحَلُّه الذِّمَّةُ، والصلاةُ لا يَدْخُلُ فى جُبْرَانِها المالُ، بخِلافِ مَسْألَتِنَا. المسألة الثالثة، أنَّ الجِماعَ دُونَ الفَرْجِ، إذا اقْتَرَنَ به الإِنْزَالُ، فيه عن أحمدَ رِوَايَتَانِ؛ إحْدَاهُما، عليه الكَفَّارَةُ، وهذا قول مَالِكٍ، وعَطاءٍ، والحسنِ، وابنِ المُبارَكِ، وإسحاقَ؛ لأنَّه فِطْرٌ بجِمَاعٍ، فأوْجَبَ الكَفَّارَةَ، كالجِمَاعِ فى الفَرْجِ، والثانية: لا كَفَّارَةَ فيه. وهو مَذْهَبُ الشَّافِعِىِّ،

стр. 2020

وأبى حنيفةَ؛ لأنَّه فِطْرٌ بغيرِ جِماعٍ تَامٍّ، فأشْبَهَ القُبْلَةَ، ولأنَّ الأصْلَ عَدَمُ وُجُوبِ الكَفَّارَةِ، ولا نَصَّ فى وُجُوبِها ولا إجْمَاعَ ولا قِياسَ، ولا يَصِحُّ القِياسُ على الجِمَاعِ فى الفَرْجِ؛ لأنَّه أبْلَغُ، بِدَلِيلِ أنَّه يُوجِبُها من غيرِ إنْزَالٍ، ويَجِبُ به الحَدُّ إذا كان مُحَرَّمًا، ويَتَعَلَّقُ به اثْنَا عَشَرَ حُكْمًا. ولأنَّ العِلَّةَ فى الأصْلِ الجِمَاعُ بدون الإِنْزَالِ، والجِمَاعُ هاهُنا غيرُ مُوجِبٍ، فلم يَصِحَّ اعْتِبارُه به. المسألة الرابعة، أنَّه جَامَعَ نَاسِيًا، فظاهِرُ المذهبِ أنَّه كالعَامِدِ. نَصَّ عليه أحمدُ. وهو قولُ عَطاءٍ، وابْنِ الماجِشُون. ورَوَى أبو دَاوُدَ، عن أحمدَ، أنَّه تَوَقَّفَ عن الجَوَابِ، وقال: أجْبُنُ أنْ أَقُولَ فيه شيئا، وأن أقولَ ليس عليه شىءٌ. قال: سَمِعْتُه غيرَ مَرَّةٍ لا يَنْفُذُ له فيه قَوْلٌ. ونَقَلَ أحمدُ بن القاسِمِ عنه: كُلُّ أمْرٍ غُلِبَ عليه الصَّائِمُ، ليس عليه قَضاءٌ ولا غيرُه. قال أبو الخَطَّابِ: هذا يَدُلُّ على إسْقَاطِ القَضَاءِ والكَفَّارَةِ مع الإِكْرَاهِ والنِّسْيَانِ. وهو قولُ الحسنِ، ومُجاهِدٍ، والثَّوْرِىِّ، والشَّافِعِىِّ، وأصْحابِ الرَّأْىِ؛ لأنَّه مَعْنًى حَرَّمَهُ الصَّوْمُ، فإذا وُجِدَ منه مُكْرَهًا أو نَاسِيًا، لم يُفْسِدْهُ كالأكْلِ. وكان مَالِكٌ، والأوْزاعِىُّ، واللَّيْثُ، يُوجِبُونَ القَضاءَ دون الكَفَّارَةِ؛ لأنَّ الكَفَّارَةَ لِرَفْعِ الإِثْمِ، وهو مَحْطُوطٌ عن النَّاسِى. ولَنا، أنَّ النَّبِىَّ ﷺ أمَرَ الذى قال: وَقَعْتُ عَلَى امْرَأَتِى. بالكَفَّارَةِ، ولم يَسْأَلْهُ عن العَمْدِ، ولو افْتَرَقَ الحالُ لَسألَ واسْتَفْصَلَ، ولأنَّه يَجِبُ التَّعْلِيلُ بما تَنَاوَلَهُ لَفْظُ السَّائِلِ، وهو الوُقُوعُ على المَرْأَةِ فى الصَّوْمِ، ولأنَّ السُّؤَالَ كالمُعاد فى الجَوَابِ، فكأنَّ النَّبِىَّ ﷺ قال: مَنْ وَقَعَ على أهْلِه فى رمضانَ فَلْيُعْتِقْ رَقَبَةً. فإن قِيلَ: ففِى الحَدِيثِ ما يَدُلُّ على العَمْدِ، وهو قولُه: هَلَكْتُ (٨). وَرُوِىَ: احْتَرَقْتُ. قُلْنا: يجوزُ أن يُخْبِرَ عن هَلَكَتِه لما يَعْتَقِدُه فى الجِمَاعِ مع النِّسْيَانِ من إفْسادِ الصَّوْمِ (٩)، وخَوْفِه من غير ذلك، ولأنَّ الصَّوْمَ عِبادَةٌ

стр. 2021

تُحَرِّمُ الوَطْءَ، فَاسْتَوَى فيها عَمْدُه وسَهْوُه، كالحَجِّ، ولأن إفْسادَ الصَّوْمِ ووُجُوبَ الكَفَّارَةِ حُكْمَانِ يَتَعَلَّقانِ بالجِماعِ، لا تُسْقِطُهُما الشُّبْهَةُ، فاسْتَوَى فيهما العَمْدُ والسَّهْوُ، كسائِرِ أحْكامِه. فصل: ولا فَرْقَ بين كَوْنِ الفَرْجِ قُبُلًا أو دُبُرًا، من ذَكَرٍ أو أُنْثَى. وبه قال الشَّافِعِىُّ. وقال أبو حنيفةَ، فى أشْهَرِ الرِّوَايَتَيْنِ عنه: لا كَفَّارَةَ فى الوَطْءِ فى الدُّبُرِ؛ لأنَّه لا يَحْصُلُ به الإِحْلالُ ولا الإِحْصانُ، فلا يُوجِبُ الكَفَّارَةَ، كالوَطْء دُونَ الفَرْجِ. ولَنا، أنَّه أفْسَدَ صَوْمَ رمضانَ بِجِمَاعٍ فى الفَرْجِ، فأوْجَبَ الكَفَّارَةَ، كالوَطْءِ، وأمَّا الوَطْءُ دُونَ الفَرْجِ، فلَنَا فيه مَنْعٌ، وإن سَلَّمْنَا، فلأنَّ الجِماعَ دُونَ الفَرْجِ لا يُفْسِدُ الصَّوْمَ بمُجَرَّدِه؛ بِخِلَافِ الوَطْءِ فى الدُّبُرِ. فصل: فأمَّا الوَطْءُ فى فَرْجِ البَهِيمَةِ. فذَكَرَ القاضى، أنَّه مُوجِبٌ لِلْكَفَّارَةِ؛ لأنَّه وَطْءٌ فى فَرْجٍ مُوجِبٍ لِلْغُسْلِ، مُفْسِدٍ لِلصَّوْمِ، فأشْبَهَ وَطْءَ الآدَمِيَّةِ. وفيه وَجْهٌ آخَرُ، لا تَجِبُ به الكَفَّارَةُ. وذكَرَه أبو الخَطَّابِ؛ لأنَّه لا نَصَّ فيه، ولا هو فى مَعْنَى المَنْصُوصِ عليه، فإنَّه مُخَالِفٌ لِوَطْءِ الآدَمِيَّةِ فى إيجَابِ الحَدِّ على إحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ، وفى كَثِيرٍ من أحْكَامِه. ولا فَرْقَ بين كَوْنِ المَوْطُوءَةِ زَوْجَةً أو أَجنَبِيَّةً، أو كَبِيرَةً أو صَغِيرَةً؛ لأنَّه إذا وَجَبَ بِوَطْءِ الزَّوْجَةِ، فبِوَطْءِ الأَجْنَبِيَّةِ أَوْلَى. فصل: ويَفْسُدُ صَوْمُ المَرْأَةِ بالجِمَاعِ، بغيرِ خِلافٍ نَعْلَمُه فى المذهبِ؛ لأنَّه نَوْعٌ من المُفْطِرَاتِ، فاسْتَوَى فيه الرَّجُلُ والمَرْأةُ، كالأكْلِ، وهل يَلْزَمُها الكَفَّارَةُ؟ على رِوَايَتَيْنِ؛ إحْداهما، يَلْزَمُها. وهو اخْتِيَارُ أبى بكرٍ، وقَوْلُ مالِكٍ، وأبى حنيفةَ، وأبى ثَوْرٍ، وابنِ المُنْذِرِ. ولأنَّها هَتَكَتْ صَوْمَ رمضانَ بالجِماعِ، فوَجَبَتْ عليها الكَفَّارَةُ كالرَّجُلِ. والثانية، لا كَفَّارَةَ عليها. قال أبو دَاوُدَ: سُئِلَ أحمدُ عن مَن أتَى أهْلَهُ فى رمضانَ، أعليها كَفَّارَةٌ؟ قال: ما سَمِعْنَا أنَّ على امْرَأَةٍ كَفَّارَةً. وهذا قولُ الحسنِ، وللشَّافِعِىِّ قَوْلَانِ كَالرِّوَايَتَيْنِ. ووَجْهُ ذلك، أن النَّبِىَّ

стр. 2022

- ﷺ ، أمَرَ الوَاطِئَ فى رمضانَ أن يُعْتِقَ رَقَبَةً. ولم يَأْمُرْ فى المَرْأَةِ بِشىءٍ، مع عِلْمِه بِوُجُودِ ذلك منها، ولأنَّه حَقُّ مَالٍ يَتَعَلَّقُ بالوَطْءِ من بَيْنِ جِنْسِه، فكان على الرَّجُلِ كالمَهْرِ. فصل: وإن أُكْرِهَتِ المَرْأَةُ على الجِماعِ، فلا كَفَّارَةَ عليها، رِوَايَةً واحِدَةً، وعليها القَضَاءُ. قال مُهَنَّا: سألتُ أحمدَ عن امْرَأَةٍ غَصَبَها رَجُلٌ نَفْسَها، فجامَعَها، أعليها القَضاءُ؟ قال: نعم. قلتُ: وعليها كَفَّارَةٌ؟ قال: لا. وهذا قولُ الحسنِ. ونحوُ ذلك قولُ الثَّوْرِىِّ، والأوْزاعِىِّ، وأصْحابِ الرَّأْىِ. وعلى قِياسِ ذلك، إذا وَطِئَها نائِمَةً. وقال مالِكٌ فى النَّائِمَةِ: عليها القَضاءُ بلا كَفَّارَةٍ، والمُكْرَهَةُ عليها القَضاءُ والكَفَّارَةُ. وقال الشَّافِعِىُّ، وأبو ثَوْرٍ، وابنُ المُنْذِرِ: إن كان الإِكْرَاهُ بِوَعِيدٍ حتى فعلَتْ، كقَوْلِنا (١٠). وإن كان إلْجاءً لم تُفْطِرْ. وكذلك إن وَطِئَها وهى (١١) نَائِمَةٌ. ويُخَرَّجُ من قَوْلِ أحمَدَ -فى رِوَايَةِ ابنِ القَاسِمِ-: كلُّ أمْرٍ غُلِبَ عليه الصَّائِمُ، ليسَ عليه قَضاءٌ ولا غيرُه. أنَّه لا قَضَاءَ عليها إذا كانت مُلْجَأةً أو نَائِمَةً؛ لأنَّها لم يُوجَدْ منها فِعْلٌ، فلم تُفْطِرْ، كما لو صَبَّ فى حَلْقِها ماءً بغير اخْتِيَارِها. وَوَجْهُ الأوَّلِ، أنَّه جِمَاعٌ فى الفَرْجِ، فأفْسَدَ الصَّوْمَ، كما لو أكْرِهَتْ بالوَعِيدِ، ولأنَّ الصَّوْمَ عِبادَةٌ يُفْسِدُها الوَطْءُ، ففسَدَت به على كلِّ حَالٍ، كالصلاةِ والحَجِّ. ويُفَارِقُ الأَكْلَ، فإنَّه يُعْذَرُ فيه بالنِّسْيانِ، بخِلافِ الجِماعِ. فصل: فإن تَسَاحَقَتِ امْرَأتَانِ، فلم يُنْزِلَا، فلا شىءَ عليهما. وإن أَنْزَلَتَا، فَسَدَ صَوْمُهما. وهل يكونُ حُكْمُهُما حُكْمَ المُجَامِعِ دون الفَرْجِ إذا أنْزَلَ، أو لا يَلْزَمُهما كَفَّارَةٌ بحالٍ؟ فيه وَجْهَانِ، مَبْنِيَّانِ على أن الجِماعَ من المَرْأَةِ هل يُوجِبُ الكَفَّارَةَ؟ على رِوَايَتَيْنِ، وأصَحُّ الوَجْهَيْنِ، أنَّهما لا كَفَّارَةَ عليهما؛ لأنَّ ذلك ليس

стр. 2023

بِمَنْصُوصٍ عليه، ولا فى مَعْنَى المَنْصُوصِ عليه، فيَبْقَى على الأصْلِ. وإن سَاحَقَ المَجْبُوبُ فأَنْزَلَ، فَحُكْمُه حُكْمُ مَن جَامَعَ دُونَ الفَرْجِ فأنْزَلَ. فصل: وإن جامَعَتِ المَرْأَةُ نَاسِيَةً لِلصَّوْمِ. فقال أبو الخَطَّابِ: حُكْمُ النِّسْيانِ حُكْمُ الإِكْراهِ، ولا كَفَّارَةَ عليها فيهما، وعليها القَضاءُ؛ لأنَّ الجِمَاعَ يَحْصُلُ به الفِطْرُ فى حَقِّ الرَّجُلِ مع النِّسْيَانِ، فكذلك فى حَقِّ المَرْأَةِ. ويَحْتَمِلُ أنْ لا يَلْزَمُها القَضَاءُ؛ لأنَّه مُفْسِدٌ لا يُوجِبُ الكَفَّارَةَ، فأشْبَهَ الأكْلَ. فصل: وإن أُكْرِهَ الرَّجُلُ على الجِمَاعِ، فَسَدَ صَوْمُه؛ لأنَّه إذا أُفْسِدَ صَوْمُ المَرْأَةِ فصَوْمُ الرَّجُلِ أَوْلَى. وأمَّا الكَفَّارَةُ، فقال القاضى: عليه الكَفَّارَةُ؛ لأنَّ الإِكْرَاهَ على الوَطْءِ لا يُمْكِنُ، لأنَّه لا يَطَأُ حتى يَنْتَشِرَ، ولا يَنْتَشِرُ إلَّا عن شَهْوَةٍ، فكان كغيرِ المُكْرَهِ. وقال أبو الخَطَّابِ: فيه رِوَايَتَانِ؛ إحْدَاهُما، لا كَفَّارَةَ عليه. وهو مذهبُ الشَّافِعِىِّ؛ لأنَّ الكَفَّارَةَ إمَّا أن تكونَ عُقُوبَةً، أو ماحِيَةً لِلذَّنْبِ، ولا حاجَةَ إليها مع الإِكْرَاهِ، لِعَدَمِ الإِثْمِ فيه، ولِقَوْلِ النَّبِىِّ ﷺ : "عُفِىَ لأُمَّتِى عَنِ الْخَطَأِ والنِّسْيَانِ، وما اسْتُكْرِهُوا عَلَيْهِ" (١٢). ولأنَّ الشَّرْعَ لم يَرِدْ بوُجُوبِ الكَفَّارَةِ فيه، ولا يَصِحُّ قِياسُه على ما وَرَدَ الشَّرْعُ فيه، لاخْتِلَافِهما فى وُجُودِ العُذْرِ وعَدَمِه. فأمَّا إن كان نَائِمًا، مثل أن كان عُضْوُهُ مُنْتَشِرًا فى حالِ نَوْمِه، فاسْتَدْخَلَتْهُ امْرَأَتُه. فقال ابنُ عَقِيلٍ: لا قَضاءَ عليه ولا كَفَّارَةَ. وكذلك إن كان إلْجَاءً، مثل أنْ (١٣) غَلَبَتْهُ فى حال يَقَظَتِه على نَفْسِه. وهذا مذهبُ الشَّافعِىِّ؛ لأنَّه مَعْنًى حَرَّمَهُ الصَّوْمُ حَصَلَ بغيرِ اخْتِيَارِه، فلم يُفْطِرْ به، كما لو أطَارَتِ الرِّيحُ إلى حَلْقِه ذُبَابَةً. وظاهِرُ كلامِ أحمدَ، أنَّ عليه القَضاءَ؛ لأنَّه قال فى المَرْأَةِ إذا غَصَبَها رَجُلٌ نَفْسَها فجَامَعَها: عليها القَضاءُ. فالرَّجُلُ أَوْلَى. ولأنَّ الصَّوْمَ عِبَادَةٌ يُفْسِدُهَا

стр. 2024

الجِماعُ، فَاسْتَوى فى ذلك حالةُ الاخْتِيَارِ والإِكْرَاهِ، كالحَجِّ، ولا يَصِحُّ قِيَاسُ الجِمَاعِ على غَيْرِه فى عَدَمِ الإفْسَادِ، لِتَأَكُّدِهِ بإيجَابِ الكَفَّارَة، وإفْسَادِهِ لِلْحَجِّ مِن بين سائِرِ مَحْظُورَاتِه، وإيجابِ الحَدِّ به إذا كان زِنًا. فصل: ولا تَجِبُ الكَفَّارَةُ بِالفِطْرِ فى غيرِ رمضانَ، فى قَوْلِ أهْلِ العِلْمِ وجُمْهُورِ الفُقَهَاءِ. وقال قَتَادَةُ: تَجِبُ على مَن وَطِئَ فى قَضاءِ رمضانَ؛ لأنَّه عِبَادَةٌ تَجِبُ الكَفَّارَةُ فى أدَائِها، فوَجَبَتْ فى قَضائِها، كالحَجِّ. ولَنا، أنَّه جَامَعَ (١٤) فى غَيْرِ رمضانَ، فلم تَلْزَمْهُ كَفَارَةٌ، كما لو جامَعَ فى صِيامِ الكَفَّارَةِ، ويُفَارِقُ القَضَاءُ الأدَاءَ؛ لأنَّه مُتَعَيِّنٌ بِزَمانٍ مُحْتَرَمٍ (١٥)، فالجِماعُ فيه هَتْكٌ له، بخِلافِ القَضاءِ. فصل: وإذا جَامَعَ فى أَوَّلِ النَّهارِ، ثم مَرِضَ أو جُنَّ، أو كانتِ امْرَأَةً فحاضَتْ أو نَفِسَتْ فى أثْنَاءِ النَّهَارِ، لم تَسْقُط الكَفَّارَةُ. وبه قال مالِكٌ، واللَّيْثُ، وابْنُ الماجِشُون، وإسحاقُ. وقال أصْحابُ الرَّأْىِ: لا كَفَّارَةَ عليهم. ولِلشَّافِعِىِّ قَوْلَانِ كَالمَذْهَبَيْنِ. واحْتَجُّوا بأنَّ صَوْمَ هذا اليَوْم خَرَجَ عن كَوْنِه مُسْتَحِقًّا، فلم يَجِبْ بالوَطْءِ فيه كَفَّارَةٌ، كصَوْمِ المُسَافِرِ، أو كما لو قَامَتِ البَيِّنَةُ أنَّه من شَوَّالَ. ولَنا، أنَّه مَعْنًى طَرَأَ بعد وُجُوبِ الكَفَّارَةِ، فلم يُسْقِطْهَا، كالسَّفَرِ، ولأنَّه أفْسَدَ صَوْمًا وَاجِبًا فى رمضانَ بجِمَاعٍ تامٍّ، فاسْتَقَرَّتِ الكَفَّارَةُ عليه، كما لو لم يَطْرَأْ عُذْرٌ، والوَطْءُ (١٦) فى صَومِ المُسَافِرِ مَمْنُوعٌ، وإن سُلِّمَ فَالوَطْءُ ثَمَّ لم يُوجِبْ أصْلًا، لأنَّه وَطْءٌ مُباحٌ، [فى سَفَرٍ أُبِيحَ] (١٧) الفِطْرُ فيه، بِخِلافِ مَسْأَلَتِنَا، وكذا إذا تَبَيَّنَ أَنَّه من شَوَّالَ، فإنَّ الوَطْءَ غيرُ مُوجِبٍ، لأنَّا تَبَيَّنَّا أن الوَطْءَ لم يُصادِفْ رمضانَ، والمُوجِبُ إنَّما هو الوَطْءُ المُفْسِدُ لِصَوْمِ رمضانَ.

стр. 2025

فصل: إذا طَلَعَ الفَجْرُ وهو مُجَامِعٌ، فاسْتَدامَ الجِماعَ، فعليه القَضاءُ والكَفَّارَةُ. وبه قال مالِكٌ، والشَّافِعِىُّ. وقال أبو حنيفةَ: يَجِبُ القَضَاءُ دُونَ الكَفَّارَةِ؛ لأنَّ وَطْأَهُ لم يُصَادِفْ صَوْمًا صَحِيحًا، فلم يُوجِب الكَفَّارَةَ، كما لو تَرَكَ النِّيَّةَ وجامَعَ. ولَنا، أنَّه تَرَكَ صَوْمَ رمضانَ بِجِماعٍ أثِمَ به لِحُرْمَةِ الصَّوْمِ، فوَجَبَتْ به الكَفَّارَةُ، كما لو وَطِئَ بعد طُلُوعِ الفَجْرِ؛ وعَكْسُه إذا لم يَنْوِ، فإنَّه يَتْرُكُه لِتَرْكِ النِّيَّةِ لا لِلْجِماعِ (١٨)، ولنا فيه مَنْعٌ أيضا. وأمَّا إن نَزَعَ فى الحالِ مع أَوَّلِ طُلُوعِ الفَجْرِ، فقال ابنُ حامِدٍ، والقاضى: عليه الكَفَّارَةُ أيضا؛ لأنَّ النَّزْعَ جِماعٌ يَلْتَذُّ به، فتَعَلَّقَ به ما يَتَعَلَّقُ بالاسْتِدامَةِ، كالإِيلاجِ. وقال أبو حَفْصٍ: لا قَضاءَ عليه ولا كَفَّارَةَ. وهو قولُ أبى حنيفةَ، والشَّافِعِىِّ؛ لأنَّه تَرْكٌ لِلْجِماعِ، فلا يَتَعَلَّقُ به ما يَتَعَلَّقُ بِالجِماعِ، كما لو حَلَفَ لا يَدْخُلُ دَارًا وهو فيها، فخَرَجَ منها، كذلك هاهُنا. وقال مالكٌ: يَبْطُلُ صَوْمُه، ولا كَفَّارَةَ عليه؛ لأنَّه لا يَقْدِرُ على أكْثَرَ ممَّا فَعَلَهُ فى تَرْكِ الجِماعِ، فأشْبَهَ المُكْرَهَ. وهذه المَسْأَلَةُ تَقْرُبُ من الاسْتِحالَةِ، إذْ لا يَكَادُ يَعْلَمُ أَوَّلَ طُلُوعِ الفَجْرِ على وَجْهٍ يَتَعَقَّبُهُ النَّزْعُ، من غيرِ أن يكونَ قَبْلَه شىءٌ من الجِماعِ، فلا حَاجَةَ إلى فَرْضِها، والكَلَامِ فيها. فصل: ومَن جَامَعَ يَظُنُّ أن الفَجْرَ لم يَطْلُعْ، فتَبَيَّنَ أنَّه كان قد طَلَعَ، فعليه القَضاءُ والكَفَّارَةُ، وقال أصْحابُ الشَّافِعِىِّ: لا كَفَّارَةَ عليه. ولو عَلِمَ فى أثْناءِ الوَطْءِ فَاسْتَدَامَ، فلا كَفَّارَةَ عليه أيضا؛ لأنَّه إذا لم يَعْلَمْ لم يَأْثَمْ، فلا يَجِبُ به كَفَّارَةٌ، كَوَطْءِ النَّاسِى، وإن عَلِمَ فَاسْتَدَامَ فقد حَصَلَ الوَطْءُ الذى يَأْثَمُ به فى غيرِ صَوْمٍ. وَلنا، حَدِيثُ المُجَامِعِ، إذْ أمَرَهُ النَّبِىُّ ﷺ بِالتَّكْفِيرِ، من غيرِ تَفْرِيقٍ ولا تَفْصِيلٍ (١٩). ولأنَّه أفْسَدَ صَوْمَ رمضانَ بِجِمَاعِ تَامٍّ، فوَجَبَتْ عليه الكَفَّارَةُ، كما لو

стр. 2026

عَلِمَ، وَوَطْءُ النَّاسِى مَمْنُوعٌ. ثم لا يَحْصُلُ به الفِطْرُ على الرِّوَايَةِ الأُخْرَى، بِخِلَافِ مَسْألَتِنَا. ٤٩٥ - مسألة؛ قال: (والكَفَّارَةُ عِتْقُ رَقَبَةٍ، فَإنْ لَمْ يُمْكِنْهُ فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ، فَإِنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَإطْعَامُ سِتِّينَ مِسْكِينًا) المشهورُ من مذهبِ أبى عبدِ اللهِ، أنَّ كَفَّارَةَ الوَطْءِ فى رمضانَ ككَفَّارَةِ الظّهَارِ فى التَّرْتِيبِ، يَلْزَمُه العِتْقُ إن أمْكَنَهُ، فإنْ عَجَزَ عنه انْتَقَلَ إلى الصِّيامِ، فإنْ عَجَزَ انْتَقَلَ إلى إطْعَامِ سِتِّينَ مِسْكِينًا. وهذا قولُ جُمْهُورِ العُلَماءِ. وبه يقولُ (١) الثَّوْرِىُّ، والأوْزاعِىُّ، والشَّافِعِىُّ، وأصْحابُ الرَّأْىِ. وعن أحْمَد، رِوَايَةٌ أُخْرَى، أنَّها على التَّخْيِيرِ بين العِتْقِ والصِّيامِ والإطْعامِ، وبِأيِّها كَفَرَ أجْزَأَهُ. وهو رِوَايَةٌ عن مالِكٍ؛ لما رَوَى مالِكٌ وابنُ جُرَيْج، عن الزُّهْرِىِّ، عن حُمَيْدِ بن عَبدِ الرحمنِ، عن أبى هُرَيْرَةَ، أنَّ رَجُلًا أفْطَرَ فى رمضانَ، فأمَرَهُ رسولُ اللهِ ﷺ أنْ يُكَفِّرَ بِعِتْقِ رَقَبَةٍ، أو صِيَامِ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ، أو إطْعَامِ سِتِّينَ مِسْكِينًا. [رَوَاهُ مُسْلِمٌ] (٢). و "أو" حَرْفُ تَخْيِيرٍ. ولأنَّها تَجِبُ بالمُخَالَفَةِ، فكانَتْ على التَّخْيِيرِ، كَكَفَّارَةِ اليَمِينِ. وَرُوِىَ عن مالِكٍ، أنَّه قال: الذى نَأْخُذُ به فى الذى يُصِيبُ أَهْلَهُ فى نَهارِ (٣) رمضانَ، إطْعَامُ سِتِّينَ مِسْكينًا، [أو صِيَامُ] (٤) ذلك اليَوْمِ، وليس التَّحْرِيرُ والصِّيَامُ من كَفَّارَةِ رمضانَ فى شىءٍ. وهذا القولُ ليس بِشىءٍ؛ لِمُخَالَفَتِه الحَدِيثَ الصَّحِيحَ، مع أنَّه ليس له أصْلٌ يَعْتَمِدُ عليه، ولا شىءَ يَسْتَنِدُ إليه، وسُنَّةُ رسولِ اللهِ ﷺ أحَقُّ أنْ تُتَّبَعَ. وأمَّا الدَّلِيلُ على وُجُوبِ التَّرْتِيبِ فالحَدِيثُ الصَّحِيحُ، رَوَاهُ

стр. 2027

مَعْمَرٌ، ويُونُسُ، والأوْزَاعِىُّ، واللَّيْثُ، ومُوسَى بن عُقْبةَ، وعُبَيْدُ اللهِ بن عمرَ، وعِرَاكُ بن مالِكٍ، وإسماعِيلُ بن أُمَيَّةَ، ومحمدُ بن أبى عَتِيقٍ، وغيرُهُمْ، عن الزُّهْرِىِّ، عن حُمَيْدِ بن عبدِ الرحمنِ، عن أبِى هُرَيْرَةَ، أنَّ رسولَ اللهِ ﷺ قال لِلْوَاقِعِ على أهْلِه: "هَلْ تَجِدُ رَقَبَةً تَعْتِقُها؟ " قال: لا. قال: "فَهَلْ تَسْتَطِيعُ أنْ تَصُومَ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ؟ " قال: لا. قال: "فَهَلْ تَجِدُ إطْعَامَ سِتِّينَ مِسْكِينًا؟ " قال: لا. وذَكَرَ سَائِرَ الحَدِيثِ (٥)، وهذا لَفْظُ التَّرْتِيبِ، والأخْذُ بهذا أوْلَى من رِوَايَةِ مالِكٍ؛ لأنَّ أصْحَابَ الزُّهْرِىِّ اتَّفَقُوا على رِوَايَتِه هكذا، سِوَى مالِكٍ وابنِ جُرَيْجٍ، فيما عَلِمْنَا، واحْتِمَالُ الغَلَطِ فيهما أكْثَرُ من احْتِمَالِه فى سائِرِ أصْحَابِه. ولأنَّ التَّرْتِيبَ زِيَادَةٌ، والأخْذُ بالزِّيَادَةِ مُتَعَيِّنٌ. ولأنَّ حَدِيثَنَا لَفْظُ النَّبِىِّ ﷺ ، وحَدِيثُهُم لَفْظُ الرَّاوِى، ويَحْتَمِلُ أنَّه رَوَاهُ بـ "أوْ" لِاعْتِقَادِه أن مَعْنَى اللَّفْظَيْنِ سَوَاءٌ، ولأنَّها كَفَّارَةٌ فيها صَوْمُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ، فكانتْ على التَّرْتِيبِ، ككَفَّارَةِ الظِّهَارِ والقَتْلِ. فصل: فإذا عَدِمَ الرَّقَبَةَ، انْتَقَلَ إلى صِيَامِ شَهْرَيْنِ مُتَتابِعَيْنِ، ولا نَعْلَمُ خِلَافًا فى دُخُولِ الصِّيَامِ فى كَفَّارَةِ الوَطْءِ، إلَّا شُذُوذًا لا يُعَرَّجُ عليه، لِمُخَالَفَةِ (٦) السُّنَّةِ الثَّابِتَةِ. ولا خِلافَ بينَ من أوْجَبَه أنَّه شَهْرَانِ مُتَتابِعَانِ، لِلْخَبَرِ أيضا. فإن لم يَشْرَعْ فى الصِّيامِ حتى وَجَدَ الرَّقَبَةَ لَزِمَهُ العِتْقُ؛ لأنَّ النَّبِىَّ ﷺ سَأَلَ المُوَاقِعَ عمّا يَقْدِرُ عليه، حين أخْبَرَه بالعِتْقِ، ولم يَسْأَلْه عمَّا كان يَقْدِرُ عليه حالَةَ (٧) المُوَاقَعَةِ، وهى حالَةُ الوُجُوبِ، ولأنَّه وَجَدَ المُبْدَلَ قبلَ التَّلَبُّسِ بالبَدَلِ، فلَزِمَهُ، لو كان وَاجِدًا له حالَ الوُجُوبِ. وإن شَرَعَ فى الصَّوْمِ قبل

стр. 2028

القُدْرَةِ على الإعْتَاقِ، ثم قَدَرَ عليه، لم يَلْزَمْهُ الخُرُوجُ إليه، إلَّا أنْ يشاءَ العِتْقَ فيُجْزِئُه، ويكونُ قد فَعَلَ الأوْلَى. وبهذا قال الشَّافِعِىُّ. وقال أبو حنيفةَ: يَلْزَمُه الخُرُوجُ؛ لأنَّه قَدَرَ على الأصْلِ قبلَ أدَاءِ فَرْضِه بِالبَدَلِ، فبَطَلَ حُكْمُ المُبْدَلِ (٨)، كالمُتَيَمِّمِ يَرَى الماءَ. ولَنا، أنَّه شَرَعَ فى الكَفَّارَةِ الواجِبَةِ عليه، فأجْزَأتْهُ، كما لو اسْتَمَرَّ العَجْزُ إلى فَرَاغِها، وفَارَقَ العِتْقُ التَّيَمُّمَ لِوَجْهَيْنِ؛ أحدُهما، أنَّ التَّيَمُّمَ لا يَرْفِعُ الحَدَثَ، وإنَّما يَسْتُرُهُ، فإذا وُجِدَ الماءُ ظَهَرَ حُكْمُه، بخِلَافِ الصَّوْمِ، فإنَّه يَرْفَعُ حُكْمَ الجِماعِ بِالكُلِّيَّةِ. الثانى، أنَّ الصِّيَامَ تَطُولُ مُدَّتُه، فيَشُقُّ إلْزَامُه الجَمْعَ بينه وبين العِتْقِ، بِخِلافِ الوُضوءِ والتَّيَمُّمِ. ٤٩٦ - مسألة؛ قال: (فإنْ لم يَسْتَطِعْ فإطْعَامُ سِتِّينَ مِسْكينًا، لِكُلِّ مِسْكِينٍ مُدٌّ مِنْ (١) بُرٍّ، أو نِصْفُ صَاعٍ مِنْ (٢) تَمْرٍ أوْ شَعِيرٍ) لا نَعْلَمُ خِلافًا بين أهْلِ العِلْمِ فى دُخُولِ الإطْعامِ فى كَفَّارَةِ الوَطْءِ فى رمضانَ فى الجُمْلَةِ، وهو مَذْكُورٌ فى الخَبَرِ، والوَاجِبُ فيه إطْعامُ سِتِّينَ مِسْكِينًا، فى قَوْلِ عَامَّتِهم، وهو فى الخَبَرِ أيضًا، ولأنَّه إطْعَامٌ فى كَفَّارَةٍ فيها صَوْمُ شَهْرَيْنِ مُتَتابِعَيْنِ، فكان إطْعَامَ سِتِّينَ مِسْكينًا، ككَفَّارَةِ الظِّهارِ. واخْتَلَفُوا فى قَدْرِ ما يُطْعَمُ كُلُّ مِسْكِينٍ، فذَهَبَ أحمدُ إلى أنَّ لِكُلِّ مِسْكِينٍ مُدَّ بُرٍّ، وذلك خَمْسَةَ عَشَرَ صاعًا أو نِصْفُ صاعٍ من تَمْرٍ، أو شَعِيرٍ، فيكونُ الجَمِيعُ ثلاثِينَ صاعًا. وقال أبو حنيفةَ: من البُرِّ لِكُلِّ مِسْكِينٍ نِصْفُ صاعٍ، ومن غيرِه صاعٌ؛ لِقَوْلِ النَّبِىِّ ﷺ فى حَدِيثِ سَلَمَةَ بن صَخْرٍ: "فأَطْعِمْ وَسْقًا مِنْ تَمْرٍ". رَوَاهُ أبو دَاوُدَ (٣). وقال أبو هُرَيْرَةَ:

стр. 2029

يُطْعِمُ مُدًّا مِنْ أىِّ الأنْواعِ شاءَ. وبهذا قال عَطاءٌ، والأوْزاعِىُّ، والشَّافِعِىُّ؛ لما رَوَى أبو هُرَيْرَةَ، فى حَدِيثِ المُجَامِعِ، أنَّ النَّبِىَّ ﷺ أُتِىَ بِمِكْتَلٍ من تَمْرٍ، قَدْرُه خَمْسَةَ عَشَرَ صاعًا، فقال: "خُذْ هذَا، فَأطْعِمْهُ عَنْكَ". رَوَاهُ أبو دَاوُدَ (٤). ولَنا، ما رَوَى أحمدُ (٥)، حَدَّثَنا إسماعيلُ، حَدَّثَنَا أيُّوبُ، عن أبى يَزِيدَ (٦) المَدَنِىِّ قال: جاءتِ امرأةٌ مِن بَنِى بَياضَةَ بِنِصْفِ وَسْقِ شَعِيرٍ، فقال رسولُ اللهِ ﷺ لِلْمُظَاهِرِ: "أطْعِمْ هذَا، فَإنَّ مُدَّىْ شَعِيرٍ مَكانَ مُدِّ بُرًّ". ولأنَّ فِدْيَةَ الأذَى نِصْفُ صاعٍ من التَّمْرِ والشَّعِيرِ، بلا خِلافٍ، فكذا هذا. والمُدُّ مِن البُرِّ يَقُومُ مقَامَ نِصْفِ صاعٍ من غيرِه، بِدَلِيلِ حَدِيثِنا، ولأنَّ الإِجْزَاءَ بِمُدٍّ منه قولُ ابنِ عمرَ، وابنِ عَبَّاسٍ، وأبى هُرَيْرَةَ، وزيدٍ، ولا مُخالِفَ لهم فى الصَّحابَةِ. وأمَّا حَدِيثُ سَلَمَةَ بن صَخْرٍ، فقد اخْتُلِفَ فيه، وحَدِيثُ أصْحابِ الشَّافِعِىِّ يجوزُ أنْ يكونَ الذى أُتِىَ به النَّبِىُّ ﷺ قَاصِرًا عن الوَاجِبِ، فَاجْتُزِئَ به لِعَجْزِ المُكَفِّرِ عمَّا سِوَاه. فصل: فإن أخْرَجَ من الدَّقِيقِ أو السَّوِيقِ أجْزَأَ؛ لما ذَكَرْنَاهُ فيما تَقَدَّمَ. وإن غَدَّى المَسَاكِينَ أو عَشَّاهُم، لم يُجْزِئْهُ، فى أظْهَرِ الرِّوَايَتَيْنِ عنه (٧). وهو ظَاهِرُ كلامِ الخِرَقِىِّ؛ لأنَّه قَدَّرَ ما يُجْزِئُ فى الدَّفْعِ بمُدٍّ أو نِصْفِ صاعٍ، وإذا أطْعَمَهم لا يَعْلَمُ أنَّ كُلَّ وَاحِدٍ منهم اسْتَوْفَى الوَاجِبَ له، وَوَجْهُ ذلك أنَّ النَّبِىَّ ﷺ بَيَّنَ قَدْرَ ما يُطْعَمُه كُلُّ مِسْكِينٍ بما ذَكَرْنَا من الأحادِيثِ، وهى مُقَيّدَةٌ لِمُطْلَقِ الإطْعامِ المَذْكُورِ، والمُطْلَقُ يُحْمَلُ على المُقَيَّدِ، ولا يَعْلَمُ أنَّ كُلَّ مِسْكِينٍ اسْتَوْفَى ما

стр. 2030

يَجِبُ له، ولأنَّ الوَاجِبَ تَمْلِيكُ المِسْكِينِ طَعَامَهُ، والإطْعامُ إباحَةٌ، وليس بِتَمْلِيكٍ. فعلَى هذه الرِّوايَةِ؛ إنْ أفْرَدَ لِكُلِّ مِسْكِينٍ قَدْرَ الوَاجِبِ له، فأطْعَمَهُ إيَّاهُ، نَظَرْتَ؛ فإنْ قال (٨): هذا لك تَتَصَرَّفُ فيه كَيْفَ شِئْتَ. أجْزَأَهُ؛ لأنَّه قد مَلَّكَهُ إيَّاهُ. وإن لم يَقُلْ له شَيْئًا، احْتَمَلَ أنْ يُجْزِئَهُ؛ لأنَّه قد أطْعَمَهُ ما يَجِبُ له، فأشْبَهَ ما لو مَلَّكَهُ إيَّاهُ (٩)، واحْتَمَلَ أنْ لا يُجْزِئَهُ؛ لأنَّه لم يُمَلِّكْهُ إيَّاهُ. والرِّوَايَةُ الثانيةُ، يُجْزِئُه أن يَجْمَعَ سِتِّينَ مِسْكِينًا فيُطْعِمَهم. قال أبو دَاوُدَ: سمعتُ أحمدَ يُسْأَلُ عن امْرَأةٍ أفْطَرَتْ رمضانَ، ثم أَدرَكَها رمضانُ آخَرُ، ثم مَاتَتْ. قال: كم أفْطَرَتْ؟ قال: ثلاثِينَ يَوْمًا. قال: فاجْمَعْ ثلاثِينَ مِسْكِينًا، وأطْعِمْهم مَرَّةً وَاحِدَةً، وأشْبِعْهم. وذلك لأنَّ النَّبِىَّ ﷺ قال لِلْمُجَامِعِ: "أَطْعِمْ سِتِّينَ مِسْكِينًا" (١٠). وهذا قد أطْعَمَهم، وقال اللهُ تعالى: ﴿فَإِطْعَامُ سِتِّينَ مِسْكِينًا﴾ (١١). وقال فى كَفَّارَةِ اليَمِينِ: ﴿إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ﴾ (١٢). وهذا قد أطْعَمَهُم. وَرُوِىَ عن أنَسٍ، أنَّه أفْطَرَ فى رمضانَ، فجَمَعَ المَسَاكِينَ، ووَضَعَ جِفَانًا، فأطْعَمَهم. ولأنَّه أَطْعَمَ سِتِّينَ مِسْكِينًا فَأجْزَأهُ، كما لو مَلَّكَهُ إيَّاه. فعلَى هذه الرِّوَايَةِ، إن أطْعَمَهم قَدْرَ الوَاجِبِ لهم أجْزَأَهُ، وإنْ أطْعَمَهم دُونَ ذلك فأشْبَعَهم، فظاهِرُ كلام أحمدَ أنَّه يُجْزِئُه؛ لأنَّه قد أطْعَمَهم. ويَحْتَمِلُ أنْ لا يُجْزِئَه؛ لأنَّه لم يُطْعِمْهم ما وَجَبَ لهم. فصل: ويُجْزِئُ فى الكَفَّارَةِ ما يُجْزِئُ فى الفِطْرَةِ، مِن البُرِّ والشَّعِيرِ ودَقِيقِهما، والتَّمْرِ والزَّبِيبِ، وفى الأقِطِ وَجْهانِ، وفى الخُبْزِ رِوايَتَانِ، وكذلك يُخَرَّجُ فى

стр. 2031

السَّوِيقِ فإنْ كان قُوتُه غيرَ ذلك من الحُبُوبِ، كالدُّخْنِ، والذُّرَةِ، والأُرْزِ، ففيه وَجْهانِ؛ أحَدُهما، لا يُجْزِئُ. ذَكَرَهُ القاضى؛ لأنَّه لا يُجْزِئُ فى الفِطْرَةِ. والثانى، يُجْزِئُ. اخْتَارَهُ أبو الخَطَّابِ؛ لِقَوْلِ اللهِ تعالى: ﴿مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ﴾، ولأنَّ النَّبِىَّ ﷺ أمَرَ بالإطْعَامِ مُطْلَقًا، ولم يَرِدْ تَقْيِيدُه بِشىءٍ من الأجْناسِ، فَوَجَبَ إبْقاؤُهُ على إطْلاقِه، ولأنَّه أطْعَمَ المِسْكِينَ مِن طَعامِه، فأجْزَأَهُ، كما لو كان طَعامُه بُرًّا فأطعَمَه منه، وهذا أظْهَرُ. فصل: وإن عَجَزَ عن العِتْقِ والصِّيامِ والإطْعامِ، سَقَطَتِ الكَفَّارَةُ عنه، فى إحْدَى الرِّوايَتَيْنِ، بِدَلِيلِ أنَّ الْأَعْرَابِىَّ لمَّا دَفَعَ إليه النَّبِىُّ ﷺ التَّمْرَ، وأخْبَرَهُ بحاجَتِه إليه، وقال: "أَطْعِمْهُ أهْلَكَ". ولم يَأْمُرْه بِكَفَّارَةٍ أخرى. وهذا قولُ الأوْزاعِىِّ. وقال الزُّهْرِىُّ: لا بُدَّ من التَّكْفِيرِ، وهذا خَاصٌّ لذلك الأعْرابِىِّ، لا يَتَعَدَّاهُ، بِدَلِيلِ أنَّه أخْبَرَ النَّبِىَّ ﷺ بإعْسارِه قبلَ أن يَدْفَعَ إليه العَرَقَ، ولم يُسْقِطها عنه، ولأنَّها كَفَّارَةٌ وَاجِبَةٌ، فلم تَسْقُطْ بالعَجْزِ عنها، كسَائِرِ الكَفَّاراتِ. وهذا رِوَايةٌ ثانية عن أحمدَ، وهو قياسُ قَوْلِ أبى حنيفةَ، والثَّوْرِىِّ، وأبى ثَوْرٍ. وعن الشَّافِعِىِّ كالمَذْهَبَيْنِ. ولَنا، الحَدِيثُ المَذْكُورُ، وَدَعْوَى التَّخْصِيصِ لا تُسْمَعُ بغيرِ دَلِيلٍ. وقَوْلُهم: إنَّه أخْبَرَ النَّبِىَّ ﷺ بِعَجْزِه فلم يُسْقِطْها. قُلْنَا: قد أسْقَطَها عنه بعدَ ذلك، وهذا آخِرُ الأمْرَيْنِ مِن رسولِ اللهِ ﷺ ، ولا يَصِحُّ القِياسُ على سائِرِ الكَفَّارَاتِ؛ لأنَّه اطِّرَاحٌ لِلنَّصِّ بالقِيَاسِ، والنَّصُّ أوْلَى، والاعْتِبارُ بِالعَجْزِ فى حَالَةِ الوُجُوبِ، وهى حالَةُ الوَطْءِ. ٤٩٧ - مسألة؛ قال: (وَإنْ جَامَعَ، فَلَمْ يُكَفِّرْ حَتَّى جَامَعَ ثانِيَةً، فَكَفَّارَةٌ وَاحِدَةٌ) وجُمْلَتُه أنَّه إذا جامَعَ ثانِيًا قبلَ التَّكْفِيرِ عن الأوَّلِ، لم يَخْلُ مِن أن يكونَ فى يَوْمٍ واحِدٍ، أو فى يَوْمَيْنِ، فإنْ كان فى يَوْمٍ واحِدٍ، فكَفَّارَةٌ واحِدَةٌ تُجْزِئه، بغيرِ خِلافٍ

стр. 2032

بين أهْلِ العِلْمِ، وإن كان فى يَوْمَيْنِ من رمضانَ، ففيه وَجْهانِ؛ أحَدُهما، تُجْزِئُه كَفَّارَةٌ واحِدَةٌ. وهو ظَاهِرُ إطْلَاقِ الخِرَقِىِّ، واخْتِيَارُ أبى بكرٍ، ومذهبُ الزُّهْرِىِّ، والأوْزاعِىِّ، وأصْحابِ الرَّأْى؛ لأنَّها جَزاءٌ عن جِنايَةٍ تَكَرَّرَ سَبَبُها قبلَ اسْتِيفَائِها، فيَجِبُ أنْ تَتَدَاخَلَ كالحَدِّ. والثانى: لا تُجْزِئُ واحِدَةٌ، ويَلْزَمُه كَفَّارَتَانِ. اخْتارَهُ القاضى، وبعضُ أصْحَابِنا. وهو قولُ مالِكٍ، واللَّيْثِ، والشَّافِعِىِّ، وابنِ المُنْذِرِ. ورُوِىَ ذلك عن عَطاءٍ، ومَكْحُولٍ؛ لأنَّ كُلَّ يَوْمٍ عِبادَةٌ مُنْفَرِدَةٌ، فإذا وَجَبَتِ الكَفَّارَةُ بإفْسادِهِ لم تَتَدَاخَلْ، كرَمَضَانَيْنِ، وكالحَجَّتَيْنِ. ٤٩٨ - مسألة؛ قال: (وإن كَفَّرَ، ثُمَّ جَامَعَ ثَانِيَةً، فَكَفَّارَةٌ ثَانِيَةٌ) وجُمْلَتُه أنَّه إذا كَفَّرَ، ثم جامَعَ ثَانِيةً، لم يَخْلُ مِنْ أن يكونَ فى يومٍ واحِدٍ، أو فى يَومَيْنِ، فإن كان فى يومين، فعليه كَفَّارَةٌ ثانيةٌ، بغيرِ خِلَافٍ نَعْلَمُه، وإنْ كان فى يومٍ واحِدٍ. فعليه (١) كَفَّارَةٌ ثانيةٌ. نَصَّ عليه أحمدُ. وكذلك يُخَرَّجُ فى كلِّ مَن لَزِمَهُ الإمْساكُ وحُرِّمَ عليه الجِماعُ فى نَهَارِ رمضانَ. وإن لم يَكُنْ صَائِمًا، مثل مَن لم يَعْلَمْ بِرُؤْيَةِ الهِلَالِ إلَّا بعد طُلُوعِ الفَجْرِ، أو نَسِىَ النِّيَّةَ، أو أكَلَ عَامِدًا، ثم جامَعَ، فإنَّه يَلْزَمُه كَفَّارَةٌ. وقال أبو حنيفةَ، ومَالِكٌ، والشَّافِعِىُّ: لا شىء عليه بذلك الجِمَاعِ؛ لأنَّه لم يُصَادِفِ الصَّوْمَ، ولم يَمْنَعْ صِحَّتَهُ، فلم يُوجِبْ شيئا، كالجِمَاعِ فى اللَّيْلِ. ولَنا، أنَّ الصَّوْمَ فى رمضانَ عِبَادَةٌ تَجِبُ الكَفَّارَةُ بالجِماعِ فيها، فتَكَرَّرَتْ بِتَكَرُّرِ الوَطْءِ إذا كان بعد التَّكْفِيرِ، كالحَجِّ، ولأنَّه وَطْءٌ مُحَرَّمٌ لِحُرْمَةِ رمضانَ، فأوْجَبَ الكَفَّارَةَ كالأوَّلِ (٢)، وفَارَقَ الوَطْءَ فى اللَّيْلِ، فإنَّه غيرُ مُحَرَّمٍ. فإن قيل: الوَطْءُ الأوَّلُ تَضَمَّنَ هَتْكَ الصومِ، وهو مُؤَثِّرٌ فى الإيجابِ، فلا يَصِحُّ إلْحَاقُ غيرِه به. قُلْنا: هو مَلْغِىٌّ بمن طَلَعَ عليه الفَجْرُ وهو مُجامِعٌ فاسْتَدَامَ، فإنَّه

стр. 2033

تَلْزَمُه الكَفَّارَةُ، مع أنَّه لم يَهْتِكِ الصومَ. فصل: إذا أصْبَحَ مُفْطِرًا يَعْتَقِدُ أنَّه من شعبانَ، فقامَتِ البَيِّنَةُ بالرُّؤْيَةِ، لَزِمَهُ الإمْساكُ والقَضاءُ فى قَوْلِ عَامَّةِ الفُقَهاءِ، إلَّا مَا رُوِىَ عن عَطاءٍ أنَّه قال: يَأْكُلُ بَقِيَّةَ يَوْمِه. قال ابنُ عبدِ البَرِّ: لا نَعْلَمُ أحَدًا قَالهُ غيرَ عَطاءٍ. وذَكَرَ أبو الخَطَّابِ ذلك رِوَايَةً عن أحمدَ، ولا أعْلَمُ أحَدًا ذَكَرَها غيرَه، وأظُنُّ هذا غَلَطًا؛ فإنَّ أحمدَ قد نَصَّ على إيجابِ الكَفَّارَةِ على مَنْ وَطِئَ ثم كَفَّرَ ثم عادَ فوَطِئ فى يَوْمِه؛ لأنَّ حُرْمَةَ اليومِ لَم تَذْهَبْ، فإذا أوْجَبَ الكَفَّارَةَ على غيرِ الصَّائِمِ لِحُرْمَةِ اليومِ، فكيفَ يُبِيحُ الأكْلَ، ولا يَصِحُّ قِياسُ هذا على المُسافِرِ إذا قَدِمَ وهو مُفْطِرٌ وأشْبَاهِه؛ لأنَّ المُسافِرَ كان له الفِطْرُ ظاهِرًا وباطِنًا، وهذا لم يكنْ له الفِطْرُ فى الباطِنِ مُباحًا، فأشْبَهَ من أكَلَ يَظُنُّ أنَّ الفَجْرَ لم يَطْلُعْ وقد كان طَلَعَ. فإذا تَقَرَّرَ هذا، فإنْ جامَعَ فيه، فعليه القَضاءُ والكَفَّارَةُ، كالذى أصْبَحَ لا يَنْوِى الصِّيامَ، أو أكَلَ ثم جامَعَ. وإن كان جِمَاعُه قبلَ قِيامِ البَيِّنَةِ فحُكْمُه حُكْمُ مَن جَامَعَ يَظُنُّ أنَّ الفَجْرَ لم يَطْلُعْ وقد كان طَلَعَ، على ما مَضَى فيه. فصل: وكُلُّ من أفْطَرَ والصومُ لَازِمٌ له، كالمُفْطِرِ بغيرِ عُذْرٍ، والمُفْطِرِ يَظُنُّ أنَّ الفَجْرَ لم يَطْلُعْ وقد كان طَلَعَ، أو يَظُنُّ أنَّ الشَّمْسَ قد غابَتْ ولم تَغِبْ، أو النَّاسِى لِنِيَّةِ الصَّوْمِ، وَنحْوِهم، يَلْزَمُهم الإمْساكُ. لا نَعْلَمُ بينهم فيه (٣) اخْتِلافًا. إلَّا أنَّه يُخَرَّجُ على قَوْلِ عَطاءٍ فى المَعْذُورِ فى الفِطْرِ، إبَاحَةُ فِطْرِ بَقِيَّةِ يَوْمِه، قِيَاسًا على قَوْلِه فيما إذا قامَتِ البَيِّنَةُ بالرُّؤْيَةِ. وهو قَوْلٌ شَاذٌّ، لم يُعَرِّجْ عليه أهْلُ العِلْمِ. فصل: فأمَّا مَن يُبَاح له الفِطْرُ فى أوَّلِ النَّهارِ ظَاهِرًا وباطِنًا، كالحائضِ والنُّفَساءِ والمُسافِرِ، والصَّبِىِّ، والمَجْنُونِ، والكَافِرِ، والمَرِيضِ، إذا زالَتْ أعْذَارُهم فى أثْناءِ النَّهارِ، فطَهُرَتِ الحَائِضُ والنُّفَسَاءُ، وأقَامَ المُسافِرُ، وبَلَغَ الصَّبِىُّ، وأفاقَ

стр. 2034

المَجْنُونُ، وأسْلَمَ الكافِرُ، وصَحَّ المَرِيضُ المُفْطِرُ، ففِيهم رِوايَتَانِ؛ إحْدَاهما، يَلْزَمُهم الإمْساكُ فى بَقِيَّةِ اليومِ. وهو قولُ أبى حنيفةَ، والثَّوْرِىِّ، والأوْزَاعِىِّ، والحَسَنِ بن صالِحٍ، والعَنْبَرِىِّ؛ لأنَّه مَعْنًى لو وُجِدَ قبلَ الفَجْرِ أوْجَبَ الصِّيامَ، فإذا طَرَأَ بعد الفَجْرِ أوْجَبَ الإمْساكَ، كقِيامِ البَيِّنَةِ بِالرُّؤْيَةِ. والثانية، لا يَلْزَمُهم الإمْساكُ. وهو قولُ مالِكٍ، والشَّافِعِىِّ. وَرُوِىَ ذلك عن جابِرِ بن زيدٍ، وَرُوِىَ عن ابنِ مسعودٍ أنَّه قال: مَنْ أكَلَ أوَّلَ النَّهارِ فَلْيَأْكُلْ آخِرَهُ. ولأنَّه أُبِيحَ له فِطْرُ أوَّلِ النَّهارِ ظَاهِرًا وباطِنًا، فإذا أفطَرَ كان له أن يَسْتَدِيمَهُ إلى آخِرِ النَّهارِ، كما لو دَامَ العُذْرُ. فإذا جامَعَ أحَدُ هؤلاءِ، بعد زَوَالِ عُذْرِهِ، انْبَنَى على الرِّوَايَتَيْنِ فى وُجُوبِ الإمْساكِ؛ فإنْ قُلْنا: يَلْزَمُه الإمْساكُ. فَحُكْمُه حُكْمُ مَن قامَتِ البَيِّنةُ بالرُّؤْيَةِ فى حَقِّه إذا جامَعَ. وإن قُلْنا: لا يَلْزَمُه الإمْساكُ. فلا شىءَ عليه. فإنْ كان أحَدُ الزَّوْجَيْنِ مِن أحَدِ هؤلاءِ، والآخَرُ لا عُذْرَ له، فلِكُلِّ واحِدٍ حُكْمُ نَفْسِه، على مَا مَضَى. وإن كانا جَمِيعًا مَعْذُورَيْنِ فحُكْمُهما ما ذَكَرْنَاهُ، سواءٌ اتَّفَقَ عُذْرُهما، مثل أن يَقْدَمَا من سَفَرٍ، أو يَصِحَّا من مَرَضٍ، أو اخْتَلَفَ، مثل أنْ يَقْدَمَ الزَّوْجُ مِن سَفَرٍ وتَطْهُرَ المَرْأةُ مِن الحَيْضِ، فيُصِيبَها. وقد رُوِىَ عن جابِرِ بن يَزِيدَ أنَّه قَدِمَ من سَفَرٍ، فوَجَدَ امْرَأتَه قد طَهُرَتْ من حَيْضٍ، فأصَابَها. فأمَّا إن نَوَى الصومَ فى سَفَرِهِ أو مَرَضِه أو صِغَرِه، ثم زَالَ عُذْرُه فى أثْناءِ النَّهارِ، لم يَجُزْ له الفِطْرُ، رِوَايَةً واحِدَةً، وعليه الكَفَّارَةُ إن وَطِئ. وقال بعضُ أصْحابِ الشَّافِعِىِّ، فى المُسَافِرِ خَاصَّةً: وَجْهَانِ؛ أحَدُهما، له الفِطْرُ؛ لأنَّه أُبِيحَ له الفِطْرُ فى (٤) أوَّلِ النَّهارِ ظَاهرًا وبَاطِنًا، فكانتْ له اسْتِدامَتُه، كما لو قَدِمَ مُفْطِرًا. وليس بِصَحِيحٍ؛ فإنَّ سَبَبَ الرُّخْصَةِ زَالَ قبل التَّرَخُّصِ، فلم يَكُنْ له ذلك، كما لو قَدِمَتْ به السَّفِينَةُ قبلَ قَصْرِ الصلاةِ، وكالمَرِيضِ يَبْرأُ، والصَّبِىِّ يَبْلُغُ. وهذا يَنْقُضُ ما ذَكَرُوهُ. ولو عَلِمَ الصَّبِىُّ

стр. 2035

أنَّه يَبْلُغُ فى أثْناء النَّهَارِ بالسِّنِّ، أو عَلِمَ المُسَافِرُ أنَّه يَقْدَمُ، لم يَلْزَمْهما الصِّيامُ قبلَ زَوَالِ عُذْرِهِما؛ لأنَّ سَبَبَ الرُّخْصَةِ مَوْجُودٌ، فَيَثْبُتُ حُكْمُها، كما لو لم يَعْلَما ذلك. فصل: ويلْزَمُ المُسَافِرَ والحَائِضَ والمَرِيضَ القَضَاءُ، إذا أفْطرُوا، بغيرِ خِلافٍ؛ لِقَوْلِ اللهِ تعالى: ﴿فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾ (٥). والتَّقْدِيرُ: فأفْطَرَ. وقالتْ عائشةُ: كُنَّا نَحِيضُ على عَهْدِ رسولِ اللهِ ﷺ ، فنُؤْمَرُ بِقَضاءِ الصَّوْمِ (٦). وإن أفَاقَ المَجْنُونُ، أو بَلَغَ الصَّبِىُّ، أوْ أسْلَمَ الكَافِرُ، فى أثْنَاء النَّهارِ، والصَّبِىُّ مُفْطِرٌ، ففى وُجُوبِ القَضاءِ رِوايَتَانِ؛ إحْدَاهما، لا يَلْزَمُهم ذلك؛ لأنَّهم لم يُدْرِكُوا وَقْتًا يُمْكِنُهم التَّلبُّسُ بالعِبادَةِ فيه، فأشْبَهَ ما لو زَالَ عُذْرُهُمْ بعدَ خُرُوجِ الوَقْتِ. والثانية: يَلْزَمُهم القَضاءُ؛ لأنَّهم أدْرَكُوا بعضَ وَقْتِ العِبادَةِ، فلَزِمَهم القَضاءُ، كما لو أدْرَكُوا بعضَ وَقْتِ الصلاةِ. ٤٩٩ - مسألة؛ قال: (وَإنْ أكَلَ يَظُنُّ أنَّ الفَجْرَ لَمْ يَطْلُعْ، وقَدْ كَانَ طَلَعَ، أو أفْطَرَ يَظُنُّ أنَّ الشَّمْسَ قَدْ غَابَتْ، ولَمْ تَغِبْ، فَعَلَيْهِ القَضَاءُ) هذا قَوْلُ أكْثَرِ أهْلِ العِلْمِ من الفُقَهاءِ وغَيْرِهم. وحُكِىَ عن عُرْوَةَ، ومُجاهِدٍ، والحسنِ، وإسحاقَ: لا قَضاءَ عليهم؛ لما رَوَى زيدُ بنُ وَهْبٍ، قال: كُنْتُ جَالِسًا فى مَسْجِدِ رسولِ اللهِ ﷺ فى رمضانَ، فى زَمَنِ عمرَ بن الخَطَّابِ، فأُتِينَا بِعِسَاسٍ (١) فيها شَرَابٌ من بَيْتِ حَفْصَةَ، فشَرِبْنَا، ونحنُ نَرَى أنَّه من اللَّيْلِ، ثم انْكَشَفَ السَّحابُ، فإذا الشَّمْسُ طَالِعَةٌ. قال: فجَعَلَ النَّاس يَقُولُونَ: نَقْضِى يَوْمًا مَكَانَه. فقال عمرُ: واللهِ لا نَقْضِيه، ما تَجَانَفْنَا (٢) لإثْمٍ (٣). ولأنَّه لم يَقْصِد
следующие страницы →