جائِزٌ، وتَأْخِيرَهُ عنه لا يجوزُ، فالاحْتِيَاطُ فِعْلُ ما لا شَكَّ فيه. ولا يَلْزَمُه الإِحْرامُ حتى يَعْلَمَ أنَّه قد حاذَاهُ؛ لأنَّ الأصْلَ عَدَمُ وُجُوبِه، فلا يَجِبُ بالشَّكِّ. فإن أحْرَمَ، ثم عَلِمَ بعدُ أنَّه قد جاوَزَ ما يُحَاذِيه من المَواقِيتِ غيرَ مُحْرِمٍ، فعليه دَمٌ. وإن شَكَّ فى أقْرَبِ المِيقَاتَيْنِ إليه، فالحُكْمُ في ذلك على ما ذَكَرْنا في المَسْأَلَةِ قبلَها. وإن كانتا مُتَسَاوِيَتَيْنِ في القُرْبِ إليه، أحْرَمَ من حَذْوِ أَبْعَدِهما.
٥٥٠ - مسألة؛ قال: (وَهذِهِ الْمَوَاقِيتُ لِأَهْلِهَا، ولِمَنْ مَرَّ عَلَيْهَا مِنْ غَيْرِ أَهْلِها، مِمَّنْ أرَادَ حَجًّا أوْ عُمْرَةً)
وجُمْلَةُ ذلك أنَّ مَن سَلَكَ طَرِيقًا فيها مِيقَاتٌ فهو مِيقَاتُه، فإذا حَجَّ الشَّامِيُّ من المَدِينَةِ فمَرَّ بذِى الحُلَيْفَة فهى مِيقَاتُه، وإن حَجَّ من اليَمَنِ فمِيقَاتُه يَلَمْلَمُ، وإن حَجَّ من العِرَاقِ فمِيقَاتُه ذَاتُ عِرْقٍ. وهكذا كُلُّ من مَرَّ على مِيقَاتٍ غيرِ مِيقَاتِ بَلَدِه صارَ مِيقَاتًا له. سُئِلَ أحمدُ عن الشَّامِىِّ يَمُرُّ بالمَدِينَةِ يُرِيدُ الحَجَّ، مِن أَيْنَ يُهِلُّ؟ قال: من ذِى الحُلَيْفَة. قيل: فإنَّ بَعْضَ الناسِ يَقُولُ يُهِلُّ من مِيقَاتِه من الجُحْفَةِ. فقال: سُبْحَانَ اللهِ، أليس يَرْوِى ابنُ عَبّاسٍ عن النَّبِيِّ ﷺ : "هُنَّ لَهُنَّ، ولِمَنْ أتَى عَلَيْهِنَّ مِنْ غَيْرِ أَهْلِهِنَّ" (١). وهذا قولُ الشَّافِعِىِّ، وإسحاقَ. وقال أبو ثَوْرٍ في الشَّامِيِّ يَمُرُّ بالمَدِينَةِ: له أن يُحْرِمَ من الجُحْفَةِ. وهو قولُ أصْحابِ الرَّأْىِ. وكانت عائشةُ، ﵂، إذا أرَادَتِ الحَجَّ أحْرَمَتْ من ذِى الحُلَيْفَة، وإذا أرادَتِ العُمْرَةَ أحْرَمَتْ من الجُحْفَةِ. ولَعَلَّهم يَحْتَجُّونَ بأنَّ النَّبِيَّ ﷺ وَقَّتَ لأهْلِ الشَّامِ الجُحْفَةَ. ولَنا، قولُ النَّبِيِّ ﷺ : "فَهُنَّ لَهُنَّ، ولِمَنْ أتَى عَلَيْهِنَّ مِنْ غَيْرِ أَهْلِهِنَّ". ولأنَّه مِيقَاتٌ، فلم يَجُزْ تَجاوُزُه بغيرِ إحْرامٍ لمن يُرِيدُ النُّسُكَ، كسَائِرِ المَوَاقِيتِ. وخَبَرُهم أُرِيدَ به مَنْ لم يَمُرَّ على مِيقاتٍ آخَرَ،
стр. 2207
بِدَلِيلِ ما لو مَرَّ بِمِيقَاتٍ غيرِ ذِى الحُلَيْفَة، لم يَجُزْ له تَجاوُزُه بغيرِ إحْرَامٍ، بغيرِ خِلافٍ. وقد رَوَى سَعِيدٌ، عن سفيانَ، عن هشامِ بن عُرْوَةَ، عن أبِيه، أنَّ رسولَ اللهِ ﷺ وَقَّتَ لمَن سَاحَلَ من أهْلِ الشَّامِ الجُحْفَةَ. ولا فَرْقَ بين الحَجِّ والعُمْرَةِ في هذا؛ لِقَوْلِ النَّبِيِّ ﷺ : "فَهُنَّ لَهُنَّ، ولِمَنْ أتَى عَلَيْهِنَّ مِنْ غَيْرِ أَهْلِهِنَّ، مِمَّنْ كَانَ يُرِيدُ حَجًّا أو عُمْرَةً".
فصل: فإن مَرَّ مِن غيرِ طَرِيقِ ذِى الحُلَيْفَة، فمِيقَاتُه الجُحْفَةُ، سواء كان شَامِيًّا أو مَدَنِيًّا؛ لما رَوَى أبو الزُّبَيْرِ، أنَّه سَمِعَ جابِرًا يُسْأَلُ عن الْمُهَلِّ، فقال: سَمِعْتُه -أَحْسَبُهُ رَفَعَ إلى النَّبِيِّ ﷺ - يقولُ: "مُهَلُّ أَهْلِ المَدِينَةِ مِنْ ذِى الحُلَيْفَةِ، والطَّرِيقُ الآخَرُ من الجُحْفَةِ". رَوَاهُ مُسْلِمٌ (٢). ولأنَّه مَرَّ على أحَدِ المَواقِيتِ دونَ غيرِه، فلم يَلْزَمْهُ الإِحْرامُ قبلَه، كسَائِرِ المَواقِيتِ. ويَحْتَمِلُ أنَّ أبا قتَادَةَ حين أحْرَمَ أصْحَابُه دُونَه في قِصَّةِ صَيْدِه لِلْحِمَارِ الوَحْشِيِّ (٣)، إنَّما تَرَكَ الإِحْرَامَ لِكَوْنِه لم يَمُرَّ على ذِى الحُلَيْفَةِ، فأخَّرَ إحْرَامَه إلى الجُحْفَةِ. إذْ لو مَرَّ عليها لم يَجُزْ له تَجاوُزُها مِن غيرِ إحْرَامٍ. ويُمْكِنُ حَمْلُ حديثِ عائشةَ في تَأْخِيرِها إحْرَامَ العُمْرَةِ إلى الجُحْفَةِ على هذا، وأنَّها لا تَمُرُّ في طَرِيقِها على ذِى الحُلَيْفَةِ؛ لِئَلَّا يكونَ فِعْلُها مُخَالِفًا لِقَوْلِ رسولِ اللهِ ﷺ ، ولِسَائِرِ أهْلِ العِلْمِ.
٥٥١ - مسألة؛ قال: (وَالاخْتِيَارُ أنْ لَا يُحْرِمَ قَبْلَ مِيقَاتِهِ، فَإنْ فَعَلَ فَهُوَ مُحْرِمٌ)
لا خِلافَ في أنَّ مَن أَحْرَمَ قبلَ المِيقَاتِ يَصِيرُ مُحْرِمًا، تَثْبُتُ في حَقِّهِ أحْكامُ الإِحْرامِ. قال ابنُ المُنْذِرِ: أجْمَعَ أهْلُ العِلْمِ على أنَّ مَنْ أحْرَمَ قبلَ المِيقاتِ أنَّه مُحْرِمٌ. ولكنَّ الأفْضَلَ الإِحْرَامُ من المِيقاتِ، ويُكْرَهُ قَبْلَه. رُوِىَ نحوُ ذلك عن
стр. 2208
عمرَ، وعُثْمانَ. رَضِىَ اللَّه عنهما. وبه قال الحسنُ، وعَطاءٌ، ومالِكٌ، وإسحاقُ. وقال أبو حنيفةَ: الأفْضَل الإِحْرامُ مِن بَلَدِه. وعن الشَّافِعِيِّ كالمَذْهَبَيْنِ. وكان عَلْقَمَةُ، والأسْوَدُ، وعبدُ الرحمنِ، وأبو إسحاقَ، يُحْرِمُونَ من بُيُوتِهم. واحْتَجُّوا بما رَوَتْ أُمُّ سَلَمَةَ زَوْجُ النَّبِيِّ ﷺ ، أنَّها سَمِعَتْ رسولَ اللهِ ﷺ يقولُ: "مَنْ أَهَلَّ بحَجَّةٍ أو عُمْرَةٍ مِنَ المَسْجِدِ الْأَقْصَى إلَى المَسْجِدِ الحَرَامِ، غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِه ومَا تَأَخَّرَ، أو وَجَبَتْ لَهُ الجَنَّةُ". شَكَّ عبدُ اللهِ أيَّتَهما (١) قال. رَوَاهُ أبو دَاوُدَ (٢). وفى لَفْظٍ رَوَاهُ ابنُ مَاجَه (٣): "مَنْ أهَلَّ بِعُمْرَةٍ مِنْ بَيْتِ المَقْدِسِ، غُفِرَ لَهُ". وأَحْرَمَ ابنُ عمَرَ مِن إِيلِيَاء (٤). ورَوَى النَّسَائِىُّ، وأبو دَاوُدَ (٥)، بإسْنَادِهِما عن الضَّبِّيِّ بن مَعْبَدٍ، قال: أَهْلَلْتُ بالحَجِّ والعُمْرَةِ، فلمَّا أتَيْتُ العُذَيْبَ لَقِيَنِي سَلْمانُ بن رَبِيعَةَ، وزيدُ بن صُوحَانَ، وأنا أُهِلُّ بهما، فقال أحَدُهما: ما هذا بأَفْقَهَ من بَعِيرِه. فأتَيْتُ عمَرَ، فذَكَرْتُ له ذلك. فقال: هُدِيتَ لِسُنَّةِ نَبِيِّكَ ﷺ . وهذا إحْرَامٌ به قبلَ المِيقَاتِ. وَرُوِىَ عن عمرَ وعليٍّ، رَضِىَ اللَّه عنهما، في قَوْلِه تعالى: ﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ﴾ (٦). إتْمَامُهُما أن تُحْرِمَ بهما من دُوَيْرَةِ أهْلِكَ (٧). ولَنا، أنَّ النَّبِيَّ ﷺ وأصْحابَه أحْرَمُوا من المِيقاتِ، ولا
стр. 2209
يَفْعَلُونَ إلَّا الأفْضَلَ. فإن قيلَ: إنَّما فُعِلَ هذا لِتَبْيِينِ الجَوَازِ، قُلْنا: قد حَصَلَ بَيَانُ الجَوَازِ بِقَوْلِه، كما في سَائِرِ المَوَاقِيتِ. ثم لو كان كذلك لَكان أصْحابُ النَّبِيِّ ﷺ وخُلَفَاؤُه يُحْرِمُونَ من بُيُوتِهم، ولَما تَوَاطَأُوا على تَرْكِ الأفْضَل، واخْتِيَارِ الأدْنَى، وهم أهْلُ التَّقْوَى والفَضْلِ، وأفْضَلُ الخَلْقِ، ولهم من الحِرْصِ على الفَضَائِلِ والدَّرَجاتِ ما لهم. وقد رَوَى أبو يَعْلَى المَوْصِلِيُّ، في "مُسْنَدِه"، عن أبي أيُّوبَ، قال: قال رسولُ اللهِ ﷺ : "يَسْتَمْتِعُ أحَدُكُم بِحِلِّهِ مَا اسْتَطَاعَ، فَإنَّهُ لَا يَدْرِى مَا يَعْرِضُ لَهُ في إحْرَامِهِ" (٨). ورَوَى الحسنُ، أنَّ عِمْرانَ بن حُصَيْنٍ أحْرَمَ من مِصْرِه، فبَلَغ ذلك عمرَ، رَضِىَ اللَّه عنه، فغَضِبَ، وقال: يَتَسَامَعُ الناسُ أنَّ رَجُلًا من أصْحابِ رسولِ اللهِ ﷺ أحْرَمَ من مِصْرِهِ. وقال: إن عبدَ اللهِ بنَ عَامِرٍ أحْرَمَ من خُرَاسَانَ، فلما قَدِمَ على عثمانَ لَامَهُ فيما صَنَعَ، وكَرِهَهُ له. رَوَاهُما سَعِيدٌ، والأثْرَمُ (٩)، وقال البُخَارِىُّ: كَرِهَ عثمانُ أنْ يُحْرِمَ من خُرَاسَانَ أوَ كِرْمَانَ. ولأنَّه أحْرَمَ قبلَ المِيقَاتِ، فكُرِهَ، كالإِحْرَامِ بالحَجِّ قبلَ أشْهُرِه. ولأنَّه تَغْرِيرٌ بالإِحْرَامِ، وتَعَرُّضٌ لِفِعْلِ مَحْظُورَاتِه، وفيه مَشَقَّةٌ على النَّفْسِ، فكُرِهَ، كالوِصَالِ في الصَّوْمِ. قال عَطاءٌ: انْظُرُوا هذه المَوَاقِيتَ التي وُقِّتَتْ لكم، فخُذُوا بِرُخْصَةِ اللهِ فيها، فإنَّه عَسَى أن يُصِيبَ أحَدُكم ذَنْبًا في إحْرَامِه، فيكونَ أعْظَمَ لِوزْرِه، فإنَّ الذَّنْبَ في الإِحْرَامِ أَعْظَمُ مِن ذلك. فأمَّا حَدِيثُ الإِحْرامِ من بَيْتِ المَقْدِسِ، ففيه
стр. 2210
ضَعْفٌ، يَرْوِيه ابنُ أبي فُدَيْكٍ، ومحمدُ بنُ إسحاقَ؛ وفيهما مَقَالٌ. ويَحْتَمِلُ اخْتِصَاصَ هذا بِبَيْتِ المَقْدِسِ دونَ غيرِه، لِيَجْمَعَ بين الصلاةِ في المَسْجِدَيْنِ في إحْرَامٍ واحِدٍ، ولذلك أحْرَمَ ابنُ عمرَ منه، ولم يكن يُحْرِم من غيرِه إلَّا من المِيقَاتِ. وقولُ عمرَ لِلضَّبِّيِّ: هُدِيتَ لِسُنَّةِ نَبِيِّكَ. يعني في القِرَانِ، والجَمْعِ بين الحَجِّ والعُمْرَةِ، لَا في الإِحْرَامِ من قَبْلِ المِيقَاتِ، فإنَّ سُنَّةَ النَّبِيِّ ﷺ الإِحْرَامُ من المِيقَاتِ، بَيَّنَ ذلك بِفِعْلِه وقَوْلِه، وقد بَيَّنَ أنَّه لم يُرِدْ ذلك إنْكَارُه على عِمْرَانَ بنِ حُصَيْنٍ إحْرَامَهُ من مِصْرِهِ. وأمَّا قولُ عمَرَ وعليٍّ، فإنَّما (١٠) قالا: إتْمَامُ العُمْرَةِ أنْ تُنْشِئَها من بَلَدِكَ. ومعناه أن تُنْشِئَ لها سَفَرًا مِن بَلَدِكَ، تَقْصِدُ له، ليس أن تُحْرِمَ بها من أهْلِكَ. قال أحمدُ: كان سفيانُ يُفَسِّرُه بهذا. وكَذَلِكَ فَسَّرَهُ به أحمدُ. ولا يَصِحُّ أن يُفَسَّرَ بِنَفْسِ الإِحْرامِ؛ لأنَّ (١١) النَّبِيَّ ﷺ وأصْحابَه ما أحْرَمُوا بها مِن بُيُوتِهم، وقد أمَرَهم اللهُ بإتْمَامِ العُمْرَةِ، فلو حُمِلَ قَوْلُهم على ذلك لَكان النَّبِيُّ ﷺ وأصْحَابُه تَارِكِينَ لِأمْرِ اللهِ. ثم إنَّ عمرَ وعليًّا ما كانا يُحْرِمَانِ إلَّا من المِيقاتِ, أفَتَرَاهما يَرَيَانِ أنَّ ذلك ليس بإتْمامٍ لهما (١٢) ويَفْعَلَانِه! هذا لا يَنْبَغِى أن يَتَوَهَّمَهُ أحَدٌ. ولذلك أنْكَرَ عمرُ على عِمْرَانَ إحْرَامَه من مِصْرِه، واشْتَدَّ عليه، وكَرِهَ أن يَتَسَامَعَ النّاسُ، مخَافَةَ أن يُؤْخَذَ به. أفَتَرَاهُ كَرِهَ إتْمَامَ العُمْرَةِ واشْتَدَّ عليه أن يَأْخُذَ الناسُ بالأفْضَلِ! هذا لا يجوزُ، فيَتَعَيَّنُ حَمْلُ قَوْلِهما في ذلك على ما حَمَلَهُ عليه الأئِمَّةُ، واللهُ أعلمُ.
٥٥٢ - مسألة؛ قال: (وَمَنْ أرَادَ الْإِحْرَامَ، فَجاوَزَ المِيقَاتَ غيرَ مُحْرِمٍ، رَجَعَ فَأَحْرَمَ مِنَ المِيقَاتِ، فإنْ أَحْرَمَ مِنْ مَكَانِه فعَلَيْه دَمٌ، وإنْ رَجَعَ مُحْرِمًا إلَى المِيقَاتِ)
стр. 2211
وجُمْلَةُ ذلك أنَّ مَن جاوَزَ المِيقاتَ مُرِيدًا لِلنُّسُكِ غيرَ مُحْرِمٍ، فعليه أن يَرْجِعَ إليه لِيُحْرِمَ منه، [إنْ أَمْكَنَه] (١)، سواءٌ تَجاوَزَه عالِمًا به أو جاهِلًا، عَلِمَ تَحْرِيمَ ذلك أو جَهِلَه. فإنْ رَجَعَ إليه، فأَحْرَمَ منه، فلا شىءَ عليه. لا نَعْلَمُ في ذلك خِلَافًا. وبِه يقولُ (٢) جابِرُ بن زيدٍ، والحسنُ، وسَعِيدُ بن جُبَيْرٍ، والثَّوْرِىُّ، والشَّافِعِىُّ، وغَيْرُهم؛ لأنَّه أحْرَمَ من المِيقاتِ الذي أُمِرَ بالإِحْرامِ منه، فلم يَلْزَمْهُ شىءٌ، كما لو لم يَتَجَاوَزْهُ. وإن أحْرَمَ مِن دون المِيقاتِ، فعليه دَمٌ، سواءٌ رَجَعَ إلى المِيقَاتِ أو لم يَرْجِعْ. وبهذا قال مالِكٌ، وابنُ المُبارَكِ. وظاهِرُ مَذْهَبِ الشَّافِعِيِّ أنَّه إن رَجَعَ إلى المِيقَاتِ، فلا شىءَ عليه، إلَّا أن يكونَ قد تَلَبَّسَ بشيءٍ من أفْعالِ الحَجِّ، كالوُقُوفِ، وطَوَافِ القُدُومِ، فَيَسْتَقِرُّ الدَّمُ عليه؛ لأنَّه حَصَلَ مُحْرِمًا في المِيقَاتِ قبلَ التَلَبُّسِ بأفْعَالِ الحَجِّ، فلم يَلْزَمْهُ دَمٌ، كما لو أَحْرَمَ منه. وعن أبي حنيفةَ: إنْ رَجَعَ إلى المِيقاتِ، فَلَبَّى، سَقَطَ عنه الدَّمُ، وإنْ لم يُلَبِّ، لم يَسْقُطْ. وعن عَطاءٍ، والحسنِ، والنَّخَعِيِّ: لا شىءَ على مَن تَرَكَ المِيقاتَ. وعن سَعِيدِ بن جُبَيْرٍ: لا حَجَّ لمن تَرَكَ المِيقاتَ. ولَنا، ما رَوَى ابنُ عَبَّاسٍ، عن النَّبِيِّ ﷺ ، أنَّه قال: "مَنْ تَرَكَ نُسُكًا، فَعَلَيْهِ دَمٌ". رُوِىَ مَوْقُوفًا ومَرْفُوعًا (٣). ولأنَّه أحْرَمَ دونَ مِيقَاتِه، فاسْتَقَرَّ عليه الدَّمُ، كما لو لم يَرْجِعْ، أو كما لو طافَ عندَ الشَّافِعِيِّ، أو كما لو لم يُلَبِّ عند أبي حنيفةَ، ولأنَّه تَرَكَ الإِحْرامَ مِن مِيقَاتِه، فلَزِمَهُ الدَّمُ، كما ذَكَرْنَا، ولأنَّ الدَّمَ وَجَبَ لِتَرْكِه الإِحْرامَ من المِيقاتِ، ولا يَزُولُ هذا بِرُجُوعِه ولا بِتَلْبِيَتِه،
стр. 2212
وفارَقَ ما إذا رَجَعَ قبلَ إحْرامِه فأحْرَم منه، فإنَّه لم يَتْرُكِ الإِحْرامَ منه، ولم يَهْتِكْهُ.
فصل: ولو أفْسَدَ المُحْرِمُ مِن دُونِ المِيقاتِ حَجَّهُ، لم يَسْقُطْ عنه الدَّمُ. وبه قال الشَّافِعِىُّ، وإسحاقُ، وأبو ثَوْرٍ، وابنُ المُنْذِرِ. وقال الثَّوْرِىُّ، وأصْحابُ الرَّأْىِ: يَسْقُطُ؛ لأنَّ القَضاءَ وَاجِبٌ. ولَنا، أنَّه وَاجِبٌ عليه بمُوجِبِ هذا الإِحْرامِ، فلم يَسْقُطْ بِوُجُوبِ القَضاءِ، كَبَقِيَّةِ المَنَاسِكِ، وكجَزَاءِ الصَّيْدِ.
فصل: فأمَّا المُجاوِزُ لِلْمِيقاتِ، مِمَّنْ لا يُرِيدُ النُّسُكَ، فعلَى قِسْمَيْنِ؛ أحدُهما، لا يُرِيدُ دُخُولَ الحَرَمِ، بل يُرِيدُ حَاجَةً فيما سِوَاه، فهذا لا يَلْزَمُه الإِحْرامُ بغيرِ خِلافٍ، ولا شىءَ عليه في تَرْكِ الإِحْرامِ، وقد أتَى النَّبِيُّ ﷺ وأصْحابُه بَدْرًا مَرَّتَيْنِ، وكانوا يُسافِرُونَ لِلْجِهادِ وغيرِه، فيَمُرُّونَ بذِى الحُلَيْفَةِ، فلا يُحْرِمُونَ، ولا يَرَوْنَ بذلك بَأْسًا. ثم مَتَى بدا لهذا الإِحْرامُ، وتَجَدَّدَ له العَزْمُ عليه، أحْرَمَ من مَوْضِعِه، ولا شىءَ عليه. هذا ظَاهِرُ كلامِ الخِرَقِيِّ. وبه يقولُ مالِكٌ، والثَّوْرِىُّ، والشَّافِعِىُّ، وصاحِبَا أبى حنيفةَ. وحَكَى ابنُ المُنْذِرِ، عن أحمدَ، في الرَّجُلِ يَخْرُجُ لِحاجَةٍ، وهو لا يُرِيدُ الحَجَّ، فجاوَزَ ذا الحُلَيْفَة، [ثم أرَادَ الحَجَّ، يَرْجِعُ إلى ذِى الحلَيْفَة] (٤)، فيُحْرِمُ. وبه قال إسحاقُ. ولأنَّه أحْرَمَ مِن دُون المِيقاتِ، فلَزِمَهُ الدَّمُ، كالذى يُرِيدُ دُخُولَ الحَرَمِ. والأوَّلُ أصَحُّ. وكلامُ أحمدَ يُحْمَلُ على مَن يُجاوِزُ المِيقاتَ مِمَّنْ يَجِبُ عليه الإِحْرامُ؛ لِقَوْلِ النَّبِيِّ ﷺ : "فَهُنَّ لَهُنَّ، وَلِمَنْ أتَى عَلَيْهِنَّ مِنْ غَيْرِ أَهْلِهِنَّ مِمَّنْ كَانَ يُرِيدُ حَجًّا أوْ عُمْرَةً" (٥). ولأنَّه حَصَل دون المِيقاتِ على وَجْهٍ مُبَاحٍ، فكان له الإِحْرامُ منه، كأهْلِ ذلك المكانِ. ولأنَّ هذا القولَ يُفْضِى إلى أنَّ مَن كان مَنْزِلُه دُونَ المِيقاتِ، إذا خَرَجَ إلى المِيقَاتِ، [ثم عَادَ إلى مَنْزِلِه، وأرَادَ الإِحْرَامَ، لَزِمَهُ الخُرُوجُ إلى المِيقَاتِ] (٦)، ولا قَائِلَ به. وهو مُخَالِفٌ لِقَوْلِ رسولِ اللهِ ﷺ : "وَمَنْ كَانَ مَنْزِلُه دُونَ المِيقَاتِ، فمُهَلُّهُ مِنْ أهْلِه" (٥). القسم الثاني، من يُرِيدُ دُخُولَ الحَرَمِ، إمَّا إلى مَكَّةَ أو غيرِها، فهم على
стр. 2213
ثلاثةِ أضْرُبٍ؛ أحدُها، مَن يَدْخُلُها لِقِتَالٍ مُباحٍ، أو من خَوْفٍ، أو لِحاجَةٍ مُتَكَرِّرَةٍ، كالحَشَّاشِ، والحَطَّابِ، ونَاقِلِ المِيرَةِ (٧)، والفَيْجِ (٨)، ومَن كانت له ضَيْعَةٌ يَتَكَرَّرُ دُخُولُه وخُرُوجُه (٩) إليها، فهؤلاء لا إحْرامَ عليهم؛ لأنَّ النَّبِيَّ ﷺ دَخَلَ يَوْمَ الفَتْحِ مَكَّةَ حَلَالًا وعلى رَأْسِه المِغْفَرُ، وكذلك أصْحابُه، ولم نَعْلَمْ أحَدًا منهم أحْرَمَ يَوْمَئِذٍ، ولو أوْجَبْنَا الإِحْرامَ على كلِّ مَن يَتَكَرَّرُ دُخُولُه، أفْضَى إلى أن يكونَ جَمِيعَ زَمَانِه مُحْرِمًا، فسَقَطَ لِلْحَرَجِ. وبهذا قال الشَّافِعِىُّ. وقال أبو حنيفةَ: لا يجوزُ لأحَدٍ دُخُولُ الحَرَمِ بغيرِ إحْرَامٍ، إلَّا مَن كان دُونَ المِيقَاتِ؛ لأنَّه يُجَاوِزُ المِيقاتَ مُرِيدًا لِلْحَرَمِ، فلم يَجُزْ بغيرِ إحْرَامٍ كغيرِه. ولَنا، ما ذَكَرْنَاهُ، وقد رَوَى التِّرْمِذِىُّ (١٠)، أنَّ النبيَّ ﷺ دَخَلَ يَوْمَ الفَتْحِ مَكَّةَ وعلى رَأْسِه عِمَامَةٌ سَوْدَاءُ. وقال: هذا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ. ومتى أرَادَ هذا النُّسُكَ بعد مُجَاوَزَةِ المِيقَاتِ أحْرَمَ من مَوْضِعِه كالقِسْمِ الذي قَبْلَه، وفيه من الخِلافِ ما فيه. النوع الثاني: مَن لا يُكَلَّفُ الحَجَّ كالعَبْدِ، والصَّبِيِّ، والكافِرِ إذا أَسْلَمَ بعد مُجاوَزَةِ المِيقَاتِ، أو عَتَقَ العَبْدُ، وبَلَغَ الصَّبِىُّ، وأرادُوا الإِحْرامَ، فإنَّهم يُحْرِمُونَ من مَوْضِعِهم، ولا دَمَ عليهم. وبهذا قال عَطاءٌ، ومَالِكٌ، والثَّوْرِيُّ، والأوْزَاعِىُّ، وإسحاقُ، وهو قولُ أصْحابِ الرَّأْىِ في الكافِرِ يُسْلِمُ (١١)، والصَّبِىِّ يَبْلُغُ، وقالوا في العَبْدِ: عليه دَمٌ.
стр. 2214
وقال الشَّافِعِىُّ في جَمِيعِهم: على كُلِّ واحِدٍ منهم دَمٌ. وعن أحمدَ، في الكافِرِ يُسْلِمُ، كقَوْلِه. ويَتَخَرَّجُ في الصَّبِىِّ والعَبْدِ كذلك، قِيَاسًا على الكافِرِ يُسْلِمُ؛ لأنَّهم تَجاوَزُوا المِيقاتَ بغيرِ إحْرامٍ وأحْرَمُوا دُونَه، فلزِمَهُم (١٢) الدَّمُ، كالمُسْلِمِ البالِغِ الحُرِّ (١٣). ولَنا، أنَّهم أحْرَمُوا من المَوْضِعِ الذي وَجَبَ عليهم الإِحْرامُ منه، فأشْبَهُوا المَكِّىَّ، ومَنْ قَرْيَتُه دُونَ المِيقَاتِ إذا أحْرَمَ منها، وفارَقَ مَن يَجِبُ عليه الإِحْرامُ إذا تَرَكَهُ؛ لأنَّه تَرَكَ الواجِبَ عليه. النوع الثالث: المُكَلَّفُ الذي يَدْخُلُ لغيرِ قِتالٍ ولا حاجَةٍ مُتَكَرِّرَةٍ، فلا يجوزُ له تَجاوُزُ المِيقاتِ غيرَ مُحْرِمٍ. وبه قال أبو حنيفةَ، وبعضُ أصْحابِ الشَّافِعِيِّ. وقال بَعْضُهم: لا يَجِبُ الإِحْرامُ عليه. وعن أحمدَ ما يَدُلُّ على ذلك. وقد رُوِىَ عن ابنِ عمرَ أنَّه دَخَلَها بغيرِ إحْرامٍ. ولأنَّه أحَدُ الحَرَمَيْنِ، فلم يَلْزَمِ الإِحْرامُ لِدُخُولِه، كحَرَمِ المَدِينَةِ، ولأنَّ الوُجُوبَ من الشَّرْعِ، ولم يَرِدْ من الشَّارِعِ إيجابُ ذلك على كُلِّ داخِلٍ، فبَقِىَ على الأصْلِ. وَوَجْهُ الأُولَى أنَّه لو نَذَرَ دُخُولَها، لَزِمَهُ الإِحْرامُ، ولو لم يكنْ وَاجِبًا لم يَجِبْ بِنَذْرِ الدُّخُولِ، كسائِرِ البُلْدانِ. إذا ثَبَتَ هذا فمتَى أرَادَ هذا الإِحْرَامَ بعدَ تَجَاوُزِ المِيقَاتِ، رَجَعَ فأحْرَمَ منه، فإن أحْرَمَ مِن دُونِه، فعليه دَمٌ، كالمُرِيد لِلنُّسُكِ.
فصل: ومن دَخَلَ الحَرَمَ بغيرِ إحْرامٍ، مِمَّنْ يَجِبُ عليه الإِحْرامُ، فلا قَضاءَ عليه. هذا قولُ الشَّافِعِىِّ. وقال أبو حنيفةَ: يَجِبُ عليه أن يَأْتِىَ بحَجَّةٍ أو عُمْرَةٍ، فإنْ أتَى بِحَجَّةِ الإِسلامِ في سَنَتِه، أو مَنْذُورَةٍ، أو عُمْرَةٍ، أجْزَأَهُ عن عُمْرَةِ الدُّخُولِ اسْتِحْسَانًا؛ لأنَّ مُرُورَه على المِيقاتِ مُرِيدًا لِلْحَرَمِ يُوجِبُ الإِحْرامَ، فإذا لم يَأْتِ به وَجَبَ قَضاؤُه، كالمَنْذُورِ (١٤). ولَنا، أنَّه مَشْرُوعٌ لِتَحِيَّةِ البُقْعَةِ، فإذا لم يَأْتِ به سَقَطَ، كتَحِيَّةِ المسجدِ. فإن قيل: تَحِيَّةُ المسجِدِ غيرُ وَاجِبَةٍ. قُلْنا:
стр. 2215
إلَّا (١٥) أنَّ النَّوَافِلَ المُرَتَّبَات تُقْضَى، وإنَّما سَقَطَ القَضاءُ لما ذَكَرْنَا، فأمَّا إنْ تَجاوَزَ المِيقاتَ ورَجَعَ ولم يَدْخُل الحَرَمَ، فلا قَضاءَ عليه، بغيرِ خِلافٍ نَعْلَمُه، سواءٌ أرَادَ النُّسُكَ، أو لم يُرِدْهُ.
فصل: ومَن كان مَنْزِلُه دُونَ المِيقاتِ خَارِجًا من الحَرَمِ، فحُكْمُه في مُجاوَزَةِ قَرْيَتِه إلى ما يَلِى الحَرَمَ، حُكْمُ المُجاوِزِ لِلْمِيقاتِ في هذه الأحْوالِ الثَّلَاث؛ لأنَّ مَوْضِعَه مِيقَاتُه، فهو في حَقِّه كالمَواقِيتِ الخَمْسَة في حَقِّ الآفَاقِيِّ.
٥٥٣ - مسألة؛ قال: (وَمَنْ جَاوَزَ الْمِيقَاتَ غَيْرَ مُحْرِمٍ، فَخشِىَ إنْ رَجَعَ إلَى الْمِيقَاتِ فاتَهُ الحَجُّ، أَحْرَمَ مِنْ مَكَانِه، وعَلَيْهِ دَمٌ)
لا خِلافَ في أنَّ مَن خَشِىَ فَوَاتَ الحَجِّ بِرُجُوعِه إلى المِيقَاتِ، أنَّه يُحْرِمُ مِن مَوْضِعِه، فيما نَعْلَمُه. إلَّا أنَّه رُوِىَ عن سَعِيدِ بن جُبَيْرٍ: مَن تَرَكَ المِيقاتَ، فلا حَجَّ له. وما عليه الجُمْهُورُ أوْلَى؛ فإنَّه لو كان من أرْكانِ الحَجِّ، لم يَخْتَلِفْ باخْتِلافِ الناسِ والأماكِنِ، كالوُقُوفِ والطَّوَافِ. وإذا أحْرَمَ مِن دُونِ المِيقَاتِ عندَ خَوْفِ الفَوَاتِ، فعليه دَمٌ. لا نَعْلَمُ فيه خِلَافًا عندَ مَن أوْجَبَ الإحْرَامَ من المِيقَاتِ؛ لِقَوْلِ النَّبِيِّ ﷺ : "مَنْ تَرَكَ نُسُكًا، فَعَلَيْهِ دَمٌ" (١). وإنَّما أبَحْنَا له الإِحْرامَ مِن مَوْضِعِه، مُرَاعَاةً لإِدْرَاكِ الحَجِّ، فَإنَّ مُرَاعَاةَ ذلك أَوْلَى مِن مُرَاعاةِ واجِبٍ فيه مع فَواتِه. ومَن لم يُمْكِنْه الرُّجُوعُ؛ لِعَدَمِ الرُّفْقَةِ، أو الخَوْفِ من عَدُوٍّ أو لِصٍّ أو مَرَضٍ، أو لا يَعْرِفُ الطَّرِيقَ، ونحوِ هذا ممَّا يَمْنَعُ الرُّجُوعَ، فهو كخائِفِ الفَواتِ، في أنَّه يُحْرِمُ مِن مَوْضِعِه، وعليه دَمٌ.
стр. 2216
بابُ ذِكْرِ الإِحْرامِ
٥٥٤ - مسألة؛ قال أبو القاسم: (وَمَنْ أرَادَ الحَجَّ، وقَد دَخَلَ أَشْهُرُ الْحَجِّ، فَإذَا بَلَغَ الْمِيقَاتَ، فَالاخْتِيَارُ لَهُ أنْ يَغْتَسِلَ)
قولُه: "وقد دَخَلَ أشْهُرُ الحَجِّ". يَدُلُّ على أنَّه لا يَنْبَغِى أن يُحْرِمَ بالحَجِّ قبلَ أشْهُرِه، وهذا هو الأوْلَى، فإنَّ الإِحْرامَ بالحَجِّ قبل أشْهُرِه مَكْرُوهٌ؛ لِكَوْنِه إحْرامًا به قبلَ وَقْتِه، فأشْبَهَ الإحْرامَ به قبلَ مِيقَاتِه، ولأنَّ في صِحَّتِه اخْتِلافًا، فإن أحْرَمَ به قبلَ أشْهُرِه صَحَّ، وإذا بَقِىَ على إحْرَامِه إلى وَقْتِ الحَجِّ، جازَ. نَصَّ عليه أحمدُ. وهو قولُ النَّخَعِيِّ، ومالِكٍ، والثَّوْرِىِّ، وأبى حنيفةَ، وإسحاقَ. وقال عَطاءٌ، وطاوُسٌ، ومُجاهِدٌ، والشَّافعِىُّ: يَجْعَلُه عُمْرَةً؛ لِقَوْلِ اللهِ تعالى: ﴿الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ﴾ (١). تَقْدِيرُه وَقْتُ الحَجِّ أشْهُرٌ، [أو أَشْهُرُ الحَجِّ أشْهُرٌ] (٢) مَعْلُومَاتٌ. فحَذَفَ المُضافَ، وأقامَ المُضافَ إليه مُقَامَه، ومتى ثَبَتَ أنَّه وَقَّتَه، لم يَجُزْ تَقْدِيمُ إحْرَامِه عليه، كأوْقاتِ الصَّلَوَاتِ. ولَنا، قولُ اللهِ تعالى: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَهِلَّةِ قُلْ هِيَ مَوَاقِيتُ لِلنَّاسِ وَالْحَجِّ﴾ (٣). فدَلَّ على أنَّ جَمِيعَ الأشْهُرِ (٤) مِيقاتٌ. ولأنَّه أحَدُ نُسُكَىِ القِرَانِ، فجَازَ الإِحْرَامُ به في جَمِيعِ السَّنَةِ، كالعُمْرَةِ، أو أحدُ المِيقاتَيْنِ، فصَحَّ الإِحْرَامُ قبلَه كمِيقاتِ المَكَانِ، والآيةُ مَحْمُولَةٌ على أنَّ الإِحْرامَ
стр. 2217
به إنَّما يُسْتَحَبُّ فيها. وعلى كلِّ حالٍ، فمَن أرَادَ الإِحْرامَ، اسْتُحِبَّ له أن يَغْتَسِلَ قبلَه، في قَوْلِ أكْثَرِ أهْلِ العِلْمِ؛ منهم طاوُسٌ، والنَّخَعِىُّ، ومالِكٌ، والثَّوْرِىُّ، والشَّافِعِىُّ، وأصْحابُ الرَّأْىِ؛ لما رَوَى خَارِجَةُ بن زيدِ بن ثابِتٍ، عن أبِيه، أنَّه رَأى النَّبِيَّ ﷺ تَجَرَّدَ لإِهْلَالِه، واغْتَسَلَ. رَوَاهُ التِّرْمِذِىُّ (٥)، وقال: حَدِيثٌ حَسَنٌ غَرِيبٌ. وثَبَتَ أنَّ النَّبِيَّ ﷺ أمَرَ أسْماءَ بنتَ عُمَيْسٍ، وهى نُفَسَاءُ، أن تَغْتَسِلَ عندَ الإِحْرَامِ (٦). وأمَرَ عائشةَ أن تَغْتَسِلَ عند الإِهْلالِ بالحَجِّ، وهي حائِضٌ (٧). ولأنَّ هذه العِبادَةَ يَجْتَمِعُ (٨) لها الناسُ، فسُنَّ لها الاغْتِسالُ، كالجُمُعَةِ، وليس ذلك وَاجِبًا في قَوْلِ عَامَّةِ أهْلِ العِلْمِ. قال ابنُ المُنْذِرِ: أجْمَعَ أهْلُ العِلْمِ على أنَّ الإِحْرامَ جائِزٌ بغير اغْتِسَالٍ، وأنَّه غيرُ وَاجِبٍ. وحُكِىَ عن الحَسَنِ أنَّه قال: إذا نَسِىَ الغُسْلَ، يَغْتَسِلُ إذا ذَكَرَ. وقال الأَثْرَمُ: سمعتُ أبا عبدِ اللَّه قِيلَ له عن بعضِ أهْلِ المَدِينَةِ: مَنْ تَرَكَ الاغْتِسَالَ (٩) عندَ الإِحْرَامِ، فعليه دَمٌ؛ لِقَوْلِ النَّبِيِّ ﷺ لأسْماءَ وهي نُفَسَاء: "اغْتَسِلِى". فكيف الطَّاهِرُ؟ فأظْهَرَ التَّعَجُّبَ من هذَا القَوْلِ. وكان ابنُ عمرَ يَغْتَسِلُ أحْيَانًا، وَيتَوَضَّأُ أحْيَانًا. وأىُّ ذلك فَعَلَ أجْزَأَهُ، ولا يَجِبُ الاغْتِسَالُ، ولا نُقِلَ الأمْرُ به إلَّا لِحَائِضٍ أو
стр. 2218
نُفَسَاءَ، ولو كان واجِبًا لأمَرَ به غَيْرَهما (١٠)، ولأنَّه لأمْرٍ مُسْتَقْبَلٍ، فأشْبَهَ غُسْلَ الجُمُعَةِ.
فصل: فإن لم يَجِدْ ماءً، لم يُسَنَّ له التَّيَمُّمُ. وقال القاضي: يَتَيَمَّمُ؛ لأنَّه غُسْلٌ مَشْرُوعٌ، فنابَ عنه التَّيَمُّمُ، كالواجِبِ. ولَنا، أنَّه غُسْلٌ مَسْنُونٌ، فلم يُسْتَحَبَّ التَّيَمُّمُ عندَ عَدَمِه، كغُسْلِ الجُمُعَةِ، وما ذَكَرَهُ مُنْتَقِضٌ بِغُسْلِ الجُمُعَةِ ونَحْوِه من الأغْسَالِ المَسْنُوَنَةِ، والفَرْقُ بين الواجِبِ والمَسْنُونِ، أنَّ الوَاجِبَ يُرَادُ لإِبَاحَةِ الصلاةِ، والتَّيَمُّمُ يَقُومُ مَقَامَه في ذلك، والمَسْنُونَ يُرَادُ لِلتَّنْظِيفِ وقَطْعِ الرَّائِحَةِ، والتَّيَمُّمُ لا يُحَصِّل هذا، بل يَزِيدُ شَعَثًا وتَغْبِيرًا، ولذلك افْتَرَقَا في الطَّهَارَةِ الصُّغْرَى، فلم يُشْرَعْ تَجْدِيدُ التَّيَمُّمِ، ولا تَكْرَارُ المَسْحِ به.
فصل: ويُسْتَحَبُّ التَّنَظُّفُ بإزَالَةِ الشَّعَثِ، وقَطْعِ الرَّائِحَةِ، ونَتْفِ الْإِبِطِ، وقَصِّ الشَّارِبِ، وقَلْمِ الأظْفَارِ، وحَلْقِ العَانَةِ؛ لأنَّه أمْرٌ يُسَنُّ له الاغْتِسَالُ والطِّيبُ، فسُنَّ (١١) له هذا كالجُمُعَةِ، ولأنَّ الإِحْرَامَ يَمْنَعُ قَطْعَ الشَّعْرِ وقَلْمَ الأَظْفَارِ، فاسْتُحِبَّ فِعْلُه قبلَه؛ لِئَلَّا يَحْتَاجَ إليه في إحْرَامِه، فلا يَتَمَكَّنُ منه.
٥٥٥ - مسألة؛ قال: (ويَلْبَسُ ثَوْبَيْنِ نَظِيفَيْنِ)
يعني إزَارًا ورِدَاءً، فإنَّ رسولَ اللهِ ﷺ قال: "ولْيُحْرِمْ أحَدُكُمْ فِي إزَارٍ ورِدَاءٍ ونَعْلَيْنِ" (١). قال ابنُ المُنْذِرِ: ثَبَتَ ذلك عن رسولِ اللهِ ﷺ ، وثَبَتَ أيضًا أنَّ رسولَ اللَّه ﷺ قال: "إذَا لَمْ يَجِدْ إزَارًا، فَلْيَلْبَسِ السَّرَاوِيلَ، وَإِذَا لَمْ يَجِدِ النَّعْلَيْنِ فَلْيَلْبَسِ الخُفَّيْنِ" (٢). ولأنَّ المُحْرِمَ مَمْنُوعٌ من لُبْسِ المَخِيطِ في شيءٍ من بَدَنِه،
стр. 2219
يَعْنِى بذلك ما يُخَاط على قَدْرِ المَلْبُوسِ عليه، كالقَمِيصِ والسَّرَاوِيلِ. ولو لَبِسَ إزَارًا مُوَصَّلًا، أو اتَّشَحَ بِثَوْبٍ مَخِيطٍ، جَازَ. ويُسْتَحَبُّ أن يَكُونَا نَظِيفَيْنِ؛ إمَّا جَدِيدَيْنِ، وإمَّا غَسِيلَيْن؛ لأنَّنا أحْبَبْنَا له التَّنَظُّفَ (٣) في بَدَنِه، فكذلك في ثِيَابِه، كشَاهِدِ الجُمُعَةِ، والأوْلَى أن يكونَا أَبْيَضَيْنِ؛ لِقَوْلِ النَّبِيِّ ﷺ : "خَيْرُ ثِيَابِكُم الْبَيَاضُ، فَألْبِسُوهَا أحْيَاءَكُمْ، وكَفِّنُوا فِيهَا مَوْتَاكُمْ" (٤).
٥٥٦ - مسألة؛ قال: (ويَتَطَيَّبُ)
وجُمْلَةُ ذلك أنَّه يُسْتَحَبُّ لمَن أرَادَ الإِحْرامَ أن يَتَطَيَّبَ في بَدَنِه خاصَّةً، ولا فَرْقَ بين ما يَبْقَى عَيْنُه كالمِسْكِ والغالِيَةِ (١)، أو أَثَرُهُ كالعُودِ والبَخُورِ ومَاءِ الوَرْدِ. هذا قولُ ابنِ عَبَّاسٍ، وابنِ الزُّبَيْرِ، وسَعْدِ بن أبي وَقَّاص، وعائشةَ، وأُمِّ حَبِيبَةَ، ومُعاوِيَةَ. وَرُوِىَ عن محمدِ بن الْحَنَفِيَّةِ، وأبي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ، وعُرْوَةَ، والقاسِمِ، والشَّعْبِيِّ، وابنِ جُرَيْج. وكان عَطاءٌ يَكْرَهُ ذلك، وهو قولُ مالِكٍ. وَرُوِىَ ذلك عن عمرَ، وعثمانَ، وابن عمرَ، ﵃. واحْتَجَّ مالِكٌ بما رَوَى يَعْلَى بن
стр. 2220
أُمَيَّةَ، أنَّ رَجُلًا أتَى النَّبِيَّ ﷺ ، فقال: يا رسولَ اللهِ، كَيْفَ تَرَى في رَجُلٍ أحْرَمَ بِعُمْرَةٍ، وهو مُتَضَمِّخٌ بِطِيبٍ؟ فسَكَتَ النَّبِيُّ ﷺ . يَعْنِى سَاعَةً. ثم قال: "اغْسِلِ الطِّيبَ الَّذِى بِكَ". ثَلَاثَ مَرَّاتٍ "وَانْزِعْ عَنْكَ الْجُبَّةَ، واصْنَعْ فِي عُمْرَتِكَ كَمَا (٢) تَصْنَعُ في حَجِّكَ (٣) ". مُتَّفَقٌ عليه (٤). ولأنَّه يُمْنَعُ من ابْتِدَائِه، فمُنِعَ اسْتِدَامَتهُ كاللُّبْسِ. ولَنا، قولُ عائشةَ: كُنْتُ أُطَيِّبُ رسولَ اللهِ ﷺ لإِحْرَامِه قبلَ أن يُحْرِمَ، ولِحِلِّه قبلَ أن يَطُوفَ بالبَيْتِ. قالت: وكأنِّى أنْظُرُ إلى وَبِيصِ (٥) الطِّيبِ في مَفَارِقِ (٦) رسولِ اللهِ ﷺ وهو مُحْرِمٌ. مُتَّفَقٌ عليه (٧). وفي لَفْظٍ
стр. 2221
لِمُسْلِمٍ: طَيَّبْتُه بأَطْيَبِ الطِّيبِ. وقالتْ: بِطِيبٍ فيه مِسْكٌ. وفي لَفْظٍ لِلنَّسَائِيِّ: كأنِّي أنْظُرُ إلى وَبِيصِ طِيبِ المِسْكِ في مَفْرِقِ رسولِ اللهِ ﷺ . وحَدِيثُهم في بعضِ ألْفَاظِه: عليه جُبَّةٌ بها أثَرُ خَلُوقٍ (٨). رَوَاهُ مُسْلِمٌ. وفي بَعْضِها: وهو مُتَضَمِّخٌ بالْخَلُوقِ. وفي بَعْضِها: عليه رَدْعٌ (٩) مِن زَعْفَرَان. وهذه الألْفَاظُ تَدُلُّ على أنَّ طِيبَ الرَّجُلِ كان من الزَّعْفَرَانِ، وهو مَنْهِىٌّ عنه لِلرِّجَالِ في غيرِ الإحْرَامِ، ففيهِ أوْلَى. وقد رَوَى البُخَارِىُّ (١٠)، أنَّ النَّبِيَّ ﷺ نَهَى أن يَتَزَعْفَرَ الرَّجُلُ. ولأنَّ حَدِيثَهم في سنة ثَمانٍ، وحَدِيثُنا في سنة عَشْرٍ. قال ابنُ جُرَيجٍ: كان شَأْنُ (١١) صاحِبِ الجُبَّةِ قبلَ حَجَّةِ الوَدَاعِ. قال ابن عبدِ البَرِّ: لا خِلَافَ بين جَمَاعَةِ أهْلِ العِلْمِ بالسِّيَرِ والآثَارِ، أن قِصَّةَ صَاحِبِ الجُبَّةِ كانت عامَ حُنَيْنٍ، بالْجِعْرَانَةِ سنةَ ثَمَانٍ، وحَدِيثَ عائشةَ في حَجَّةِ الوَدَاعِ سنةَ عَشْرٍ، فعندَ ذلك إن قدِّرَ التَّعَارُضُ، فحَدِيثُنا نَاسِخٌ لِحَدِيثِهم. فإن قِيلَ: فقد رَوَى محمدُ بن المُنْتَشِرِ، قال: سألتُ (١٢) ابنَ عمرَ (١٣) عن الطِّيبِ عندَ الإحْرَامِ، فقال: لأَنْ أُطْلَى بالقَطِرَانِ
стр. 2222
أحَبُّ إلىَّ مِن ذلك. قُلْنا: تَمامُ الحَدِيثِ، قال: فذكَرْتُ ذلك لعائِشةَ، فقالتْ: يَرْحَمُ (١٤) اللهُ أبا عبدِ الرحمنِ، قد كنتُ أُطَيِّبُ رسولَ اللهِ ﷺ ، فيَطُوفُ في نِسَائِه، ثم يُصْبِحُ يَنْضَحُ طِيبًا (١٥). فإذًا صَارَ الخَبَرُ حُجَّةً على مَن احْتَجَّ به، فإنَّ فِعْلَ النَّبِيِّ ﷺ حُجَّةٌ على ابنِ عمرَ وغيرِه، وقِيَاسُهم يَبْطُلُ بِالنِّكَاحِ، فإنَّه يَمْنَعُ ابْتِدَاءَهُ دُونَ اسْتِدَامَتِه.
فصل: وإن طَيَّبَ ثَوْبَهُ، فله اسْتِدَامَةُ لُبْسِه، ما لم يَنْزِعْهُ، فإن نَزَعَهُ لم يكنْ له أن يَلْبَسَهُ، فإنْ لَبِسَهُ افْتَدَى؛ لأنَّ الإحْرامَ يَمْنَعُ ابْتِدَاءَ الطِّيبِ، ولُبْسُ المُطَيَّبِ دُونَ الاسْتِدَامَةِ، وكذلك إن نَقَلَ الطِّيبَ من مَوْضِعٍ مِن بَدَنِهِ إلى مَوْضِعٍ آخَرَ، افْتَدَى؛ لأنَّه تَطَيَّبَ في إحْرَامِه، وكذا إن تَعَمَّدَ مَسَّهُ بِيَدِه، أو نَحَّاهُ من مَوْضِعِه، ثم رَدَّهُ إليه، فأمَّا إن عَرِقَ الطِّيبُ، أو ذَابَ بِالشَّمْسِ، فسَالَ من مَوْضِعِه إلى مَوْضِعٍ آخَرَ، فلا شىءَ عليه؛ لأنَّه ليس من فِعْلِه، فجَرَى مَجْرَى النَّاسِي. قالت عائشةُ: كُنَّا نَخْرُجُ مع النَّبِيِّ ﷺ إلى مَكَّةَ فنُضَمِّدُ جِبَاهَنا بالمِسْكِ المُطَيَّبِ عندَ الإِحْرامِ، فإذا عَرِقَتْ إحْدَانَا سَالَ على وَجْهِها، فيرَاهَا النَّبِيُّ ﷺ ، فلا يَنْهَاهَا. رَوَاهُ أبو دَاوُدَ (١٦).
٥٥٧ - مسألة؛ قال: (فَإنْ حَضَرَ وَقْتُ صَلَاةٍ مَكْتُوبَةٍ، وإلَّا صَلَّى رَكْعَتَيْنِ)
المُسْتَحَبُّ أنْ يُحْرِمَ عَقِيبَ الصلاةِ، فإن حَضَرَتْ صلاةٌ مَكْتُوَبةٌ، أحْرَمَ
стр. 2223
عَقِيبَها، وإلَّا صَلَّى رَكْعَتَيْنِ تَطَوُّعًا وأحْرَمَ عَقِيبَهما. اسْتَحَبَّ ذلك عَطاءٌ، وطاوُسٌ، ومالِكٌ، والشَّافِعِيُّ، والثَّوْرِيُّ، وأبو حنيفةَ، وإسحاقُ، وأبو ثَوْرٍ، وابنُ المُنْذِرِ. ورُوِىَ ذلك عن ابنِ عمرَ، وابنِ عَبَّاسٍ. وقد رُوِىَ عن أحمدَ أنَّ الإِحْرامَ عَقِيبَ الصلاةِ، وإذا اسْتَوَتْ به رَاحِلَتُه، وإذا بَدَا بِالسَّيْرِ، سَوَاءٌ؛ لأنَّ الجَمِيعَ مَرْوِيٌّ (١) عن النَّبِيِّ ﷺ مِن طُرُقٍ صَحِيحَةٍ، قال الأثْرَمُ: سألتُ أبا عبدِ اللهِ، أيُّمَا أحَبُّ إليك: الإِحْرامُ في دُبُرِ الصلاةِ، أو إذا اسْتَوَتْ به ناقتُه (٢)؟ فقال: كلٌّ (٣) قد جاءَ، في دُبُرِ الصلاةِ، وإذا عَلَا البَيْدَاءَ، وإذا اسْتَوَتْ به نَاقَتُه، فوَسَّعَ في ذلك كُلِّه. قال ابنُ عَبَّاسٍ: رَكِبَ النَّبِيُّ ﷺ رَاحِلَتَه، حتى اسْتَوَى (٤) على البَيْدَاءِ أهَلَّ هو وأصْحابُه، وقال أنَسٌ: لمَّا رَكِبَ رَاحِلَتَه، واسْتَوَتْ به، أَهَلَّ. وقال ابنُ عمرَ: أهَلَّ النَّبِىُّ ﷺ حين اسْتَوَتْ به رَاحِلَتُه قَائِمَةً. رَوَاهُنَّ البُخَارِيُّ (٥)، والأوْلَى الإِحْرامُ عَقِيبَ الصلاةِ، لما رَوَى سَعِيدُ بن جُبَيْرٍ قال: ذَكَرْتُ لابنِ عَبَّاسٍ إهْلَالَ رسولَ اللهِ ﷺ ، فقال: أوْجَبَ رسولُ اللهِ ﷺ الإِحْرامَ حين فَرَغَ من صَلَاتِه، ثم خَرَجَ، فلما رَكِبَ رسولُ اللهِ ﷺ رَاحِلَتَه، وَاسْتَوَتْ به قَائِمَةً،
стр. 2224
أهَلَّ، فأدْرَكَ ذلك منه قَوْمٌ، فقالوا: أَهَلَّ حين اسْتَوَتْ به رَاحِلَتُه (٦)، وذلك أنَّهم لم يُدْرِكوا إلَّا ذلك، ثم سَارَ حتى عَلَا البَيْدَاءَ، فأهَلَّ، فأدْرَكَ ذلك منه قَوْمٌ، فقالوا: أَهَلَّ حين عَلَا البَيْدَاءَ. رَوَاهُ أبو دَاوُدَ (٧)، والأَثْرَمُ. وهذا لَفْظُ الأَثْرَمِ. وهذا فيه بَيَانٌ وَزِيَادَةُ عِلْمٍ، فيتَعَيَّنُ حَمْلُ الأمْرِ عليه، ولو لم يَقُلْهُ ابنُ عَبَّاسٍ لَتَعَيَّنَ حَمْلُ الأَمْرِ عليه، جَمْعًا بين الأخْبارِ المُخْتَلِفَةِ، وهذا على سَبِيلِ الاسْتِحْبَابِ، فكيفما أحْرَمَ جَازَ، لا نَعْلَمُ أَحَدًا خَالَفَ في ذلك.
٥٥٨ - مسألة؛ قال: (فَإنْ أرَادَ التَّمَتُّعَ، وَهُوَ اختِيَارُ أبِي عَبْدِ اللهِ، فَيَقُولُ: اللَّهُمَّ إنِّي أُرِيدُ العُمْرَةَ)
وجُمْلَةُ ذلك أنَّ الإِحْرامَ يَقَعُ بِالنُّسُكِ من وُجُوهٍ ثلاثةٍ؛ تَمَتُّعٍ، وإفْرَادٍ، وقِرَانٍ. فَالتَّمَتُّعُ أن يُهِلَّ بِعُمْرَةٍ مُفْرَدَةٍ من المِيقَاتِ في أَشْهُرِ الحَجِّ، فإذا فَرَغَ فها أحْرَمَ بالحَجِّ مِن عَامِهِ. والإِفْرَادُ أن يُهِلَّ بِالحَجِّ مُفْرَدًا. والقِرَانُ أن يَجْمَعَ بينهما في الإِحْرَامِ بهما، أو يُحْرِمَ بِالعُمْرَةِ، ثم يُدْخِلَ عليها الحَجَّ قبلَ الطَّوَافِ. فأيُّ ذلك أَحْرَمَ به جَازَ. قالت عائشةُ: خَرَجْنَا مع رسولِ اللهِ ﷺ ، فَمِنَّا مَن أهَلَّ بِعُمْرَةٍ، ومِنَّا مَن أهَلَّ بِحَجٍّ وعُمْرَةٍ، ومِنَّا مَن أهَلَّ بِحَجٍّ. مُتَّفَقٌ عليه (١). فهذا هو التَّمَتُّعُ والإِفْرَادُ والقِرَانُ. وأَجْمَعَ أهْلُ العِلْمِ على جَوازِ الإِحْرامِ بأيّ الأنْسَاكِ الثَّلَاثَةِ شاءَ، واخْتَلَفُوا في أَفْضَلِها، فاخْتارَ إمَامُنَا التَّمَتُّعَ، ثم الإِفْرَادَ، ثم القِرَانَ. وممَّن رُوِىَ عنه اخْتِيَارُ التَّمَتُّعِ ابن عمرَ، وابنُ عَبَّاسٍ، وابنُ الزُّبَيْرِ، وعائشةُ، والحسنُ، وعَطاءٌ، وطَاوُسٌ، ومُجَاهِدٌ، وجَابِرُ بنُ زيدٍ، وسَالِمٌ، وعِكْرِمَةُ. وهو أحَدُ قَوْلَىِ
стр. 2225
الشَّافِعِيِّ. ورَوَى المَرُّوذِيُّ عن أحمدَ: إنْ سَاقَ الهَدْىَ، فالقِرَانُ أَفْضَلُ، وإن لم يَسُقْهُ فالتَّمَتُّعُ أفْضَلُ؛ لأنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَرَنَ حين سَاقَ الهَدْىَ ومَنَعَ كُلَّ من سَاقَ الهَدْىَ من الحِلِّ حتى يَنْحَرَ هَدْيَهُ. وَذهَبَ (٢) الثَّوْرِيُّ، وأصْحَابُ الرَّأْىِ إلى اخْتِيَارِ القِرَانِ؛ لما رَوَى أنَسٌ قال: سمعتُ رسولَ اللهِ ﷺ أَهَلَّ بهما جَمِيعًا: "لَبَّيْكَ عُمْرَةً وحَجًّا، لَبَّيْكَ عُمْرَةً وحَجًّا". مُتَّفَقٌ عليه (٣). وحَدِيثُ الضَّبِّيِّ بن مَعْبَدٍ، حين لَبَّى بهما، ثم أتَى عمرَ فسَألَهُ فقال: هُدِيتَ لِسُنَّةِ نَبِيِّكَ ﷺ (٤). وَرُوِىَ عن مَرْوَانَ بن الحَكَمِ، قال: كنتُ جَالِسًا عند عثمانَ بن عفان، فسَمِعَ عليًّا يُلَبِّى بِعُمْرَةٍ وحَجٍّ، فأرْسَلَ إليه، فقال: ألم نَكُنْ نَهَيْنا عن هذا؟ قال: بَلَى، ولكنْ سمعتُ رسولَ اللهِ ﷺ يُلَبِّى بهما جَمِيعًا، فلم أكُنْ أَدَعُ قَوْلَ رسولِ اللَّه ﷺ لِقَوْلِكَ. رَوَاهُ سَعِيدٌ (٥). ولأنَّ القِرَانَ مُبَادَرَةٌ إلى فِعْلِ العِبادَةِ، وإحْرَامٌ بِالنُّسُكَيْنِ من المِيقَاتِ، وفيه زِيادَةُ نُسُكٍ هو الدَّمُ، فكان أوْلَى. وذَهَبَ مالِكٌ، وأبو ثَوْرٍ، إلى اخْتِيَارِ الإِفْرَادِ. وهو ظَاهِرُ مَذْهَبِ الشَّافِعِيِّ. وَرُوِىَ ذلك عن عمرَ، وعثمانَ، وابنِ عمرَ، وجابِرٍ، وعائشةَ؛ لما رَوَتْ عائشةُ، وجابِرٌ، أنَّ النَّبِيَّ ﷺ أفْرَدَ الحَجَّ. مُتَّفَقٌ عليهما (٦). وعن ابنِ عمرَ وابنِ عَبَّاسٍ مثلُ ذلك. مُتَّفَقٌ
стр. 2226
عليهما (٧). ولأنَّه يَأْتِي بِالحَجِّ تَامًّا من غيرِ احْتِيَاجٍ إلى جَبْرٍ، فكان أوْلَى. قال عثمانُ: ألَا إنَّ الحَجَّ التَّامَّ من أهْلِيكُم، والعُمْرَةَ التّامَّةَ من أهْلِيكُمْ. وقال إبْراهيمُ: إنَّ أبا بكرٍ، وعمرَ، وابنَ مسعودٍ، وعائشةَ، كانوا يُجَرِّدُونَ الحَجَّ. ولَنا، ما رَوَى ابنُ عَبَّاسٍ، وجابِرٌ، وأبو موسى، وعائشةُ، أنَّ النَّبِيَّ ﷺ أمَرَ أصْحابَه [لمَّا طَافُوا بِالبَيْتِ، أن يَحِلُّوا، ويَجْعَلُوهَا عُمْرَةً (٨). فنَقَلَهُم من الإفْرَادِ والقِرَانِ إلى المُتْعَةِ، ولا يَنْقُلُهم إلَّا إلى الأفْضَلِ. وهذه الأحادِيثُ مُتَّفَقٌ عليها، ولم يخْتلِفْ عن النَّبِىِّ ﷺ أنَّه لمَّا قَدِمَ مَكَّةَ، أمَرَ أصْحَابَه] (٩) أن يَحِلُّوا، إلَّا مَن سَاقَ هَدْيًا، وثَبَتَ على إحْرَامِه، وقال: "لَوِ اسْتَقْبَلْتُ مِنْ أمْرِى مَا اسْتَدْبَرْتُ، مَا سُقْتُ الهَدْىَ، ولَجَعَلْتُها عُمْرَةً". قال جابِرٌ: حَجَجْنَا مع النَّبِيِّ ﷺ يَوْمَ سَاقَ البُدْنَ معه، وقد أهَلُّوا بِالحَجِّ مُفْرَدًا، فقال لهم: "حِلُّوا مِنْ إحْرَامِكُمْ، بِطَوَافٍ بالبَيْتِ، وَبيْنَ الصَّفَا وَالمَرْوَةِ، ثُمَّ أقِيمُوا حَلَالًا، حَتَّى إذا كَانَ يَوْمُ التَّروِيَةِ، فَأَهِلُّوا بِالْحَجِّ، واجْعَلُوا الَّتِى قَدِمْتُمْ بِهَا مُتْعَةً". فقالوا: كيف نَجْعَلُها مُتْعَةً وقد سَمَّيْنَا الحَجَّ؟ فقال: "افْعَلُوا مَا أمَرْتُكُم بِهِ، فَلَوْلَا أَنِّى سُقْتُ الهَدْىَ، لَفَعَلْتُ مِثْلَ الَّذِى أمَرْتُكُمْ بِهِ". وفي لَفْظٍ: فقامَ رسولُ اللهِ ﷺ ، فقال: "قَدْ عَلِمْتُمْ أنِّى أتْقَاكُمْ للهِ،
стр. 2227
وأصْدَقُكُمْ، وأَبَرُّكُمْ، ولَوْلَا هَدْيِى لحَلَلْتُ كَمَا تَحِلُّونَ، ولَو اسْتَقْبَلْتُ مِنْ أَمْرِى مَا اسْتَدْبَرْتُ، مَا أَهْدَيْتُ". فحَلَلْنَا، وسَمِعْنَا، وأطَعْنَا، مُتَّفَقٌ عليهما (١٠) فنَقَلَهم إلى التَّمَتُّعِ، وتَأَسَّفَ إذْ لم يُمْكِنْه ذلك، فدَلَّ على فَضْلِه. ولأنَّ التَّمَتُّعَ مَنْصُوصٌ عليه في كِتَابِ اللَّه تعالى بِقَوْلِه: ﴿فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ﴾ (١١) دُونَ سائِرِ الأنْساكِ. ولأنَّ المُتَمَتِّعَ يَجْتَمِعُ له الحَجُّ والعُمْرَةُ في أشْهُرِ الحَجِّ مع كمالِهِما، وكَمَالِ أفْعَالِهما على وَجْهِ اليُسْرِ والسُّهُولَةِ، مع زِيَادَةِ نُسُكٍ، فكان ذلك أوْلَى، فأمَّا القِرَانُ فإنَّما يُؤْتَى فيه بأفْعَالِ الحَجِّ، وتَدْخُلُ أفْعَالُ العُمْرَةِ فيه، والمُفْرِدُ فإنَّما يَأْتِي بالحَجِّ وَحْدَهُ، وإن اعْتَمَرَ بعدَه من التَّنْعِيمِ، فقد اخْتُلِفَ في إجْزَائِها عن عُمْرَةِ الإِسلامِ، وكذلك اخْتُلِفَ في إجْزَاءِ عُمْرَةِ القِرَانِ، ولا خِلافَ في إجْزَاءِ التَّمَتُّعِ عن الحَجِّ والعُمْرَةِ جَمِيعًا، فكان أوْلَى. فأمَّا حُجَّتُهم، فإنَّما احْتَجُّوا بفِعْلِ النَّبِيِّ ﷺ ، والجَوابُ عنها (١٢) من أوْجُهٍ: الأَوَّل، أنَّا نَمْنَعُ أن يكونَ النَّبِيُّ ﷺ مُحْرِمًا بغير التَّمَتُّعِ، ولا يَصِحُّ الاحْتِجاجُ بأحادِيثِهم لأمُورٍ؛ أحدُها، أنَّ
стр. 2228
رُوَاةَ أحَادِيثِهم قد رَوَوْا أنَّ النَّبِيَّ ﷺ تَمَتَّعَ بِالعُمْرَةِ إلى الحَجِّ، رَوَى ذلك ابنُ عمرَ، وجابِرٌ، وعائشةُ، من طُرُقٍ صِحَاحٍ، فسَقَطَ الاحْتِجَاجُ بها. الثاني، أنَّ رِوَايَتَهم اخْتَلَفَتْ، فرَوَوْا مَرَّةً أنَّه أفْرَدَ، ومَرَّةً أنَّه تَمَتَّعَ، ومَرَّةً أنَّه قَرَنَ، والقَضِيَّةُ واحِدَةٌ، ولا يمكنُ الجَمْعُ بينها، فيَجِبُ اطِّرَاحُها كلِّها، وأحادِيثُ القِرَانِ أصَحُّها حديثُ أنَسٍ، وقد أنْكَرَهُ ابنُ عمرَ، فقال: رَحِمَ (١٣) اللهُ أنَسًا، ذَهَلَ أنَسٌ. مُتَّفَقٌ عليه (١٤). وفي رِوَايَةٍ: كان أنَسٌ يَتَوَلَّجُ على النِّسَاءِ. يَعْنِى أنَّه كان صَغِيرًا. وحديثُ عليٍّ (١٥) رَوَاهُ حَفْصُ بن أبي دَاوُدَ، وهو ضَعِيفٌ، عن ابنِ أبِى لَيْلَى، وهو كَثِيرُ الوَهَمِ. قالَه الدَّارَقُطْنِيُّ. الثالث، أنَّ أكْثَرَ الرِّوَايَاتِ، أن النَّبِيَّ ﷺ كان مُتَمَتِّعًا. رَوَى ذلك عمرُ، وعليٌّ، وعثمانُ، وسعدُ بنُ أبي وَقَّاصٍ، وابنُ عَبَّاسٍ، وابنُ عمرَ، ومُعاوِيَةُ، وأبو موسى، وجابِرٌ، وعائشةُ، وحَفْصَةُ، بأحَادِيثَ صَحِيحَةٍ، وإنَّما مَنَعَهُ (١٦) من الحِلّ الهَدْىُ الذى كان معه، ففى حديثِ عمرَ، أنَّه قال: إنِّى لَا أنْهَاكُمْ عَنِ المُتْعَةِ، وإنَّهَا لفِى كِتَابِ اللَّه، ولقد صَنَعَها رسولُ اللهِ ﷺ (١٧). يَعْنِي العُمْرَةَ في الحَجِّ. وفي حديثِ عليٍّ، أنَّه اخْتَلَفَ هو وعُثمانُ في المُتْعَةِ بِعُسْفَانَ (١٨)، فقال عليٌّ: ما تُرِيدُ إلى أمْرٍ فَعَلَهُ رسولُ اللهِ ﷺ ، تَنْهَى عنه. مُتَّفَقٌ عليه (١٩). ولِلنَّسَائِيِّ، وقال عَلِيٌّ لِعُثْمَانَ: ألم تَسْمَعْ رسولَ اللهِ ﷺ تَمَتَّعَ؟
стр. 2229
قال: بَلَى. وعن ابنِ عمرَ، قال: تَمَتَّعَ رسولُ اللهِ ﷺ في حَجَّةِ الوَدَاعِ بِالعُمْرَةِ إلى الحَجِّ. وعنه أنَّ حَفْصَةَ قالتْ لِرسولِ اللهِ ﷺ : ما شَأْنُ النَّاسِ حَلُّوا ولم تَحْلِلْ (٢٠) أنْتَ من عُمْرَتِكَ؟ فقال: "إنِّي لَبَّدْتُ رَأْسِي، وقَلَّدْتُ هَدْيِي، فَلَا أحِلُّ حَتَّى أَنْحَرَ". مُتَّفَقٌ عليهما (٢١). وقال سعدٌ: صَنَعَها رسولُ اللهِ ﷺ ، وصَنَعْنَاهَا معه (٢٢). وهذه الأحادِيثُ رَاجِحَةٌ؛ لأنَّ رُوَاتَها أكْثَرُ وأعْلَمُ بالنَّبِيِّ ﷺ ، ولأنَّ النَّبِىَّ ﷺ أَخْبَرَ بِالمُتْعَةِ عن نَفْسِه، في حديثِ حَفْصَةَ، فلا تُعَارَضُ بِظَنِّ غيرِه. ولأنَّ عائشةَ كانت مُتَمَتِّعَةً بغيرِ خِلافٍ، وهى مع النَّبِيِّ ﷺ ، ولا تُحْرِمُ إلَّا بِأمْرِه، ولم يكنْ يأْمُرُها (٢٣) بأمْرٍ، ثم يُخَالِفُ إلى غيرِه. ولأنَّه يُمْكِنُ الجَمْعُ بين الأحادِيثِ، بأن يكونَ النَّبِىُّ ﷺ أحْرَمَ بِالعُمْرَةِ، ثم لم يَحِلَّ منها لأجْلِ هَدْيِهِ، حتى أحْرَمَ بِالحَجِّ، فصارَ قَارِنًا، وسَمَّاهُ مَن سَمَّاهُ مُفْرِدًا؛ لأنَّه اشْتَغَلَ بأَفْعالِ الحَجِّ وَحْدَها، بعد فَرَاغِه من أفْعَالِ العُمْرَةِ، فإنَّ الجَمْعَ بين
стр. 2230
الأحادِيثِ مهما أمْكَنَ أوْلَى من حَمْلِهَا على التَّعارُضِ. الوجه الثاني في الجَوَابِ، أنَّ النَّبِىَّ ﷺ قد أمَرَ أصْحابَهُ بِالانتِقالِ إلى المُتْعَةِ عن الإفْرَادِ والقِرَانِ، ولا يَأْمُرُهم إلَّا بِالانتِقَالِ إلى الأفْضَلِ، فإنَّه من المُحالِ أن يَنْقُلَهم من الأفْضَلِ إلى الأدْنَى، وهو الدَّاعِى إلى الخَيْرِ، الهَادِى إلى الفَضْلِ، ثم أكَّدَ ذلك بِتَأسُّفِه على فَوَاتِ ذلك في حَقِّهِ، وأنَّه لا يَقْدِرُ على انْتِقَالِه وحِلِّه، لِسَوْقِه الهَدْىَ، وهذا ظَاهِرُ الدَّلالَةِ. الثالث، أنَّ ما ذَكَرْنَاهُ قَوْلُ النَّبِيِّ ﷺ ، وهم يَحْتَجُّونَ بِفِعْلِه، وعندَ التَّعَارُضِ يَجِبُ تَقْدِيمُ القَوْلِ، لِاحْتِمَالِ اخْتِصَاصِه بِفِعْلِه دُونَ غيرِه، كَنَهْيِه عن الوِصالِ مع فِعْلِه له، ونِكاحِه بغيرِ وَلِيٍّ ولا شُهُودٍ، مع قَوْلِه: "لَا نِكَاحَ إلَّا بوَلِيٍّ" (٢٤). فإنْ قِيلَ: فقد قال أبُو ذَرٍّ: كانت مُتْعَةُ الحَجِّ لأصْحَابِ مُحمدٍ ﷺ خَاصَّةً. رَوَاهُ مُسْلِمٌ (٢٥). قُلْنا: هذا قَوْلُ صَحَابِيٍّ، يُخَالِفُ الكِتابَ والسُّنَّةَ والإجْماعَ وقولَ مَن هو خَيْرٌ منه وأعْلَم؛ أمَّا الكِتَابُ فقَوْلُه تعالى: ﴿فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ﴾ (٢٦) وهذا عَامٌّ. وأجْمَعَ المُسْلِمُونَ على إباحَةِ التَّمَتُّعِ في جَمِيعِ الأعْصَارِ، وإنَّما اخْتَلَفُوا في فَضْلِه، وأما السُّنَّةُ [فما روَى] (٢٧) سَعِيدٌ، حَدَّثَنا هُشَيْمٌ، أنْبَأنا حَجَّاجٌ، عن عَطاءٍ، عن جابِرٍ، أن سُرَاقَةَ بن مالِكٍ سأل النَّبِيَّ ﷺ ، المُتْعَةُ لنا
стр. 2231
خَاصَّةً، أو هى لِلْأَبَدِ؟ فقال: "بَلْ هِىَ لِلْأبَدِ". وفي لَفْظٍ قال: ألِعَامِنا أو لِلْأبَدِ؟ قال: "بَلْ لأَبَدِ الْأَبَدِ، دَخَلَتِ العُمْرَةُ فِى الْحَجِّ إلَى يَوْمِ الْقِيامَةِ" (٢٨). وفي حديثِ جابِرٍ الذى رَواهُ مُسْلِمٌ (٢٩) في صِفَةِ حَجِّ النبيِّ ﷺ نحوُ هذا، ومَعْنَاهُ، واللهُ أعْلَمُ، أنَّ أهْلَ الجَاهِلِيَّةِ كانوا لا يُجيزُونَ التَّمَتُّعَ، ويَرَوْنَ العُمْرَةَ في أشْهُرِ الحَجِّ من أفْجَرِ الفُجُورِ، فبَيَّنَ النَّبِىُّ ﷺ أنَّ اللَّه تعالى قد شَرَعَ العُمْرَةَ في أشْهُرِ الحَجِّ، وجَوَّزَ المُتْعَةَ إلى يَوْمِ القِيَامَةِ. وقال طاوُسٌ: كان أهْلُ الجَاهِلِيَّةِ يَرَوْنَ العُمْرَةَ في أشْهُرِ الحَجِّ أفْجَرَ الفُجُورِ، ويقولون: إذا انْفَسَخَ صَفَر، وَبرَأَ الدَّبَرُ (٣٠)، وعَفَا الأثَرُ، حَلَّتِ العُمْرَةُ لمن اعْتَمَرَ. فلمَّا كان الإسلامُ أُمِرَ النَّاسُ أن يَعْتَمِرُوا في أشْهُرِ الحَجِّ، فدَخَلَتِ العُمْرَة في أشْهُرِ الحَجِّ إلى يَوْمِ القِيَامَةِ. رَوَاهُ سَعِيدٌ. وقد خَالَفَ أبا ذَرٍّ عليٌّ، وسَعْدٌ، وابنُ عَبَّاسٍ، وابنُ عمرَ، وعِمْرَانُ بن حُصَيْنٍ، وسائِرُ الصَّحابَةِ، وسَائِرُ المُسْلِمِينَ، قال عِمْرَانُ: تَمَتَّعْنَا مع رسولِ اللهِ ﷺ ، وَنزَلَ فيه القُرْآنُ، ولم يَنْهَنَا عنه رسولُ اللهِ ﷺ ، ولم يَنْسَخْهَا شىءٌ، فقال فيها رَجُلٌ بِرَأْيِه ما شاءَ. مُتَّفَقٌ عليه (٣١). وقال سعدُ بنُ أبِى وَقَّاصٍ: فَعَلْنَاها مع
стр. 2232
رسولِ اللهِ ﷺ -يَعْنِى المُتْعَةَ- وهذا يَوْمَئِذٍ كَافِرٌ بِالعُرْشِ. يَعْنِى الذى نَهَى عنها، والعُرْشُ: بُيُوت مَكَّةَ. وقال أحمدُ، حين ذُكِرَ له حديثُ أبي ذَرٍّ: أفيَقُولُ بهذا أحَدٌ! المُتْعَةُ في كِتابِ اللهِ، وقد أجْمَعَ المُسلمون على جَوَازِها. فإن قِيلَ: فقد رَوَى أبو دَاوُدَ (٣٢)، بإسْنَادِه عن سعيدِ بن المُسَيَّبِ، أن رجلًا من أصْحابِ رسولِ اللهِ ﷺ أتَى عمرَ، فشَهِدَ عنده أنَّه سَمِعَ رسولَ اللهِ ﷺ يَنْهَى عن العُمْرَةِ قبل الحَجِّ. قُلْنا: هذا حَالُه في مُخالَفَة الكِتابِ والسُّنَّةِ والإِجْمَاعِ، كحال حَدِيثِ أبِى ذَرٍّ، بل هو أدْنَى حالًا، فإنَّ في إسْنَادِه مَقَالًا. فإن قِيلَ: فقد نَهَى عنها عمرُ، وعثمانُ، ومُعاوِيَةُ. قُلْنا: فقد أنْكَرَ عليهم عُلمَاءُ الصَّحابَةِ نَهْيَهم عنها، وخَالَفُوهم في فِعْلِها، والحَقُّ مع المُنْكِرِينَ عليهم دُونَهم، وقد ذَكَرْنا إنْكارَ عليٍّ علَى عثمانَ، واعْتِرَافَ عُثمانَ له، وقَوْلَ عِمْرَانَ بن حُصَيْنٍ مُنْكِرًا لِنَهْىِ مَن نَهَى، وقَوْلَ سَعْدٍ عَائِبًا على مُعاوِيَةَ نَهْيَهُ عنها، وَرَدَّهم عليهم بِحُجَجٍ لم يكُنْ لهم جَوَابٌ عنها، بل قد ذَكَرَ بعضُ مَن نَهَى عنها في كَلَامِه، ما يَرُدُّ نَهْيَه، فقال عمرُ: واللهِ إنِّي لأنْهَاكم عنها، وإنَّها لَفِى كِتابِ اللهِ، وقد صَنَعَها رسولُ اللهِ ﷺ . ولا خِلافَ في أنَّ مَن خَالَفَ كِتابَ اللهِ وسُنَّةَ رَسُولِه، ونَهَى عمَّا فيهما، حَقِيقٌ بأن لا يُقْبَلَ نَهْيُه، ولا يُحْتَجَّ به، مع أنَّه قد سُئِلَ سالِمُ بن عبدِ اللهِ بن عمرَ، أنَهَى عمرُ عن المُتْعَةِ؟ قال: لا، واللهِ ما نَهَى عنها عمرُ، ولكن قد نَهَى عثمانُ. وسُئِلَ ابنُ عمرَ عن مُتْعَةِ الحَجِّ، فأمَرَ بها، فقيلَ: إنَّك تُخَالِفُ أبَاكَ. قال: إنَّ عمرَ لم يَقُلْ الذى يقولون. ولمَّا نَهَى مُعاوِيَةُ عن المُتْعَةِ، أمَرَتْ عائشةُ حَشَمَها ومَوَالِيها أن يُهِلُّوا بها، فقال معاوِيَةُ: مَن هَؤلاء؟ فقِيلَ: حَشَمُ أو مَوَالِى عائشةَ. فأرْسَلَ إليها: ما حَمَلَكِ على ذلك؟ قالتْ: أحْبَبْتُ أن يُعْلَمَ أنَّ الذى قُلْتَ ليس كما قُلْتَ. وقيل لابنِ عَبَّاسٍ: إن فُلَانًا يَنْهَى عن المُتْعَةِ. قال: انْظُرُوا في كِتابِ اللهِ،
стр. 2233
فإن وَجَدْتُموها فيه، فقد كَذبَ على اللهِ وعلى رسولِه، وإن لم تَجِدُوها فيه (٣٣) فقد صَدَقَ. فأيُّ الفَرِيقَيْنِ أحَقُّ بالاتِّباعِ، وأوْلَى بِالصَّوَابِ، الذين معهم كِتابُ اللهِ وسُنَّةُ رَسُولِه، أم الذين خَالَفُوهما؟ ثم قد ثَبَتَتْ (٣٤) عن النَّبِيِّ ﷺ ، الذى قولُه حُجَّةٌ على الخَلْقِ أجْمَعِينَ، فكيف يُعارَضُ بِقَوْلِ غيرِه؟ قال سَعِيدُ بن جُبَيْرٍ، عن ابنِ عَبَّاسٍ، قال: تَمَتَّعَ النَّبِيُّ ﷺ ، فقال عُرْوَةُ: نَهَى أبو بكرٍ وعمرُ عن المُتْعَةِ. فقال ابنُ عَبَّاسٍ: أرَاهُم سيَهْلَكون، أقولُ: قال النَّبِيُّ ﷺ ، ويَقُولون: نَهَى عنها أبو بكرٍ وعمرُ. وسُئِلَ ابنُ عمرَ عن مُتْعَةِ الحَجِّ، فأمَرَ بها، فقال (٣٥): إنَّك تُخَالِفُ أبَاكَ، فقال: عمرُ لم يَقُل الذى يقولون. فلما أكْثَرُوا عليه، قال: أفكِتابُ اللهِ أحَقُّ أن تَتَّبِعُوا أم عمر! . رَوَى الأثْرمُ هذا كُلَّه.
فصل: فمَن أرَادَ الإحْرامَ بِعُمْرَةٍ، اسْتُحِبَّ (٣٦) أن يقولَ: اللَّهُمَّ إنِّي أُريِدُ العُمْرَةَ فيَسِّرْهَا لى، وتَقَبَّلْهَا (٣٧) مِنِّي، ومَحِلِّي حَيْثُ تَحْبِسُنِي. فإنَّه يُسْتَحَبُّ لِلْإِنْسانِ النُّطْقُ بما أحْرَمَ به، لِيَزُولَ الالْتِبَاسُ، فإن لم يَنْطِقْ بِشىءٍ، واقْتَصَرَ على مُجَرَّدِ النِّيَّةِ، كَفَاهُ، في قَوْلِ إمَامِنَا، ومَالِكٍ، والشَّافِعِيِّ، وقال أبو حنيفةَ: لا يَنْعَقِدُ بِمُجَرَّدِ النِّيَّةِ، حتى تَنْضافَ إليها التَّلْبِيَةُ، أو سَوْقُ الهَدْىِ؛ لما رَوَى خَلَّادُ ابن السَّائِبِ الأنْصَارِيُّ، عن أبِيهِ، عن رسولِ اللَّه ﷺ ، قال: "جَاءَنِي جِبْرِيلُ، فَقَالَ: يا مُحَمَّدُ، مُرْ أصْحَابَكَ أن يَرْفَعُوا أصْوَاتَهُمْ بالتَّلْبِيَةِ". رَوَاهُ النَّسَائِيُّ، وقال التِّرْمِذِيُّ (٣٨): هو حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ. ولأنَّها عِبادَةٌ ذاتُ تَحْرِيمٍ
стр. 2234
وتَحْلِيلٍ، فكان لها نُطْقٌ وَاجِبٌ كالصلاةِ، ولأنَّ الهَدْىَ والأُضْحِيَةَ لا يَجِبانِ بمُجَرَّدِ النِّيَّةِ كذلك النُّسُكُ. ولَنا، أنَّها عِبادَةٌ ليس في آخِرِها نُطْقٌ وَاجِبٌ، فلم يَكُنْ في أوَّلِها، كالصيامِ، والخَبَرُ المُرادُ به الاسْتِحْبَابُ، فإنَّ مَنْطُوقَه رَفعُ الصَّوْت، ولا خِلافَ في أنَّه غيرُ واجِبٍ، فما هو من ضَرُورَتِه أوْلَى، ولو وَجَبَ النُّطقُ، لم يَلْزَمْ كَوْنُه شَرْطًا، فإنَّ كَثِيرًا من وَاجِبَاتِ الحَجِّ غيرُ مُشْتَرَطة فيه، والصلاةُ في آخِرِهَا نُطْقٌ وَاجِبٌ، بخِلافِ الحَجِّ والعُمْرَةِ. وأمَّا الهَدْىُ والأُضْحِيةُ، فإيجابُ مالٍ، فأشْبَهَ النَّذْرَ، بخِلافِ الحَجِّ، فإنَّه عِبادَةٌ بَدَنِيَّةٌ. فعلى هذا لو نَطَقَ بغيرِ ما نَوَاهُ، نحو أن يَنْوِىَ العُمْرَةَ، فيَسْبِقَ لِسَانُه إلى الحَجِّ، أو بالعَكْسِ، انْعَقَدَ ما نَوَاهُ دُونَ ما لَفَظَ به. قال ابنُ المُنْذِرِ: أجْمَعَ كُلُّ مَن نَحْفَظُ عنه مِن أهْلِ العِلْمِ، على هذا. وذلك لأنَّ الوَاجِبَ النِّيَّةُ، وعليها الاعْتِمادُ، واللَّفْظُ لا عِبْرَةَ به، فلم يُؤَثِّرْ، كما لا يُؤَثِّرُ اخْتِلافُ النِّيَّةِ فيما يُعْتَبَرُ له اللَّفْظُ دُونَ النِّيَّةِ.
فصل: فإنْ لَبَّى، أو سَاقَ الهَدْىَ، مِن غيرِ نِيَّةٍ، لم يَنْعَقِدْ إحْرَامُه؛ لأنَّ ما اعْتُبِرَتْ له النِّيَّةُ يَنْعَقِدْ بِدُونِها، كالصومِ والصلاةِ، واللهُ أعلمُ.
٥٥٩ - مسألة؛ قال: (ويَشْتَرِطُ فَيَقُولُ: إنْ حَبَسَنِى حَابِسٌ فَمَحِلِّي حَيْثُ حَبَسْتَنِي. فَإنْ حُبِسَ حَلَّ مِنَ المَوْضِعِ الَّذِى حُبِسَ فيهِ (١)، ولَا شَىْءَ عَلَيْهِ)
يُسْتَحَبُّ لمن أحْرَمَ بِنُسُكٍ، أن يَشْتَرِطَ عندَ إحْرَامِه، فيقولَ: إنْ حَبَسَنِي حَابِسٌ، فمَحلِّي حيثُ حَبَسْتَنِي (٢). ويُفِيدُ هذا الشَّرْطُ شَيْئَيْنِ: أحدُهما، أنَّه إذا
стр. 2235
عاقَهُ عائِقٌ من عَدُوٍّ، أو مَرَضٍ، أو ذهَابِ نَفَقَةٍ، ونحوه، أنَّ له التَّحَلُّلَ. والثاني، أنَّه متى حَلَّ بذلك، فلا دَمَ عليه ولا صَوْمَ. ومِمَّنْ رُوِىَ عنه أنَّه رَأى الاشْتِراطَ عندَ الإِحْرامِ؛ عمرُ، وعليٌّ، وابنُ مسعودٍ، وعَمَّارٌ. وذَهَبَ إليه عَبِيدَةُ السَّلْمَانِيُّ، وعَلْقَمَةُ، والأسْوَدُ، وشُرَيْحٌ، وسَعِيدُ بن المُسَيَّبِ، وعطَاءُ بن أبي رَباحٍ، وعَطاءُ ابنُ يَسارٍ، وعِكْرِمَةُ، والشَّافِعِيُّ إذْ هو بالعِرَاقِ. وأنْكَرَهُ ابنُ عمرَ، وطاوُسٌ، وسَعِيدُ بن جُبَيْرٍ، والزُّهْرِيُّ، ومالِكٌ، وأبو حنيفةَ. وعن أبي حنيفةَ أنَّ الاشْتِرَاطَ يُفِيدُ سُقُوطَ الدَّمِ، فأمَّا التَّحَلُّلُ فهو ثَابِتٌ عندَه بكلِّ إحْصَارٍ. واحْتَجُّوا بأنَّ ابنَ عمرَ كان يُنْكِرُ الاشْتِراطَ، ويقول: حَسْبُكم سُنَّةُ نَبِيِّكم ﷺ . ولأنَّها عِبادَةٌ تَجِبُ بأصْلِ الشَّرْعِ، فلم يُفِد الاشْتِراطُ فيها، كالصومِ والصلاةِ. ولَنا، ما رَوَتْ عائشةُ، رَضِىَ اللهُ عنها، قالت: دَخَلَ النَّبِيُّ ﷺ علَى ضُباعَةَ بنتِ الزُّبَيْرِ، فقالتْ: يا رسولَ اللهِ، إنِّي أُرِيدُ الحَجَّ، وأنا شَاكِيَةٌ. فقال النَّبِيُّ ﷺ : "حُجِّى، واشْتَرِطِى أَنَّ مَحِلِّي حَيْثُ حَبَسْتَنِي". مُتَّفَقٌ عليه (٣). وعن ابنِ عَبَّاسٍ، أنَّ ضُباعَةَ أتَتِ النَّبِيَّ ﷺ ، فقالتْ: يا رسولَ اللهِ، إنِّى أُرِيدُ الحَجَّ، فكيف أقولُ؟ قال: "قُولِي لَبَّيْكَ اللَّهُمَّ لَبَّيْكَ، ومَحِلِّي مِنَ الأَرْضِ حَيْثُ تَحْبِسُنِي. فَإنَّ لَكِ عَلَى رَبِّكِ مَا اسْتَثْنَيْتِ" رَوَاهُ مُسْلِمٌ (٤). ولا قَوْلَ لأحَدٍ مع
стр. 2236
قَوْلِ رسولِ اللهِ ﷺ ، فكيف يُعارَضُ بقولِ ابنِ عمرَ، ولو لم يكنْ فيه حَدِيثٌ لكان قولُ الخَلِيفَتَيْنِ الرَّاشِدَيْنِ مع من قد ذَكَرْنَا قَوْلَه من فُقهاءِ الصَّحَابَةِ، أَوْلَى من قَوْلِ ابنِ عمرَ، وغيرُ هذا اللَّفْظِ، ممَّا (٥) يُؤدِّى معناه، يقُومُ مَقَامَهُ؛ لأنَّ المَقْصُودَ المَعْنَى، والعِبارَةُ إنَّما تُعْتَبَرُ لِتَأْدِيَةِ المَعْنَى. قال إبراهيمُ: خَرَجْنا مع عَلْقَمَةَ، وهو يُرِيدُ العُمْرَة، فقال: اللَّهُمَّ إنِّى أُرِيدُ العُمْرَةَ إن تَيَسَّرَتْ، وإلَّا فلا حَرَجَ عَلَىَّ. وكان شُرَيْحٌ يَشْتَرِطُ: اللَّهُمَّ قد عَرَفْتَ نِيَّتِى، وما أُرِيدُ، فإن كان أمْرًا تُتِمُّه فهو أحَبُّ إلىَّ، وإلَّا فلَا حَرَجَ عَلَىَّ. ونحوُه عن الأسْوَدِ. وقالت عائشةُ لِعُرْوَةَ: قُلْ: اللَّهُمَّ إنِّى أُرِيدُ الحَجَّ، وإيَّاهُ نَوَيْتُ، فإن تَيَسَّرَ، وإلَّا فعُمْرَةٌ. ونحوُه عن عُمَيْرَةَ بنتِ (٦) زِيادٍ.
فصل: فإن نَوَى الاشْتِرَاطَ، ولم يَتَلَفَّظْ به، احْتَمَل أن يَصِحَّ؛ لأنَّه تَابعٌ لِعَقْدِ الإحْرامِ، والإحْرَامُ (٧) يَنْعَقِدُ بِالنِّيَّةِ، فكذلك تَابِعُه، واحْتَمَلَ أنْ يُعْتَبَرَ فيه القَوْلُ لأنَّه اشْتِرَاطٌ، فاعْتُبِرَ فيه القَوْلُ، كالاشتِرَاطِ فى النَّذْر والوَقْفِ والاعْتِكَافِ، ويَدُلُّ عليه ظَاهِرُ قَوْلِ النَّبِىِّ ﷺ ، فى حَدِيثِ ابنِ عَبَّاسٍ: " قُولِى مَحِلِّى مِنَ الْأرْضِ حَيْثُ تَحْبِسُنِى".
٥٦٠ - مسألة؛ قال: (وإنْ أرَادَ الْإفْرَادَ، قَالَ: اللَّهُمَّ إنِّى أُرِيدُ الحَجَّ. ويَشْتَرِطُ)
الإفْرادُ: هو الإحْرَامُ بِالحَجِّ مُفْرَدًا مِن المِيقَاتِ، وهو أحَدُ الأنْساكِ الثَّلاثةِ، والحُكْمُ فى إحْرامِه كالحُكْمِ فى إحْرامِ العُمْرَةِ، سَوَاءٌ، فيما يَجِبُ ويُسْتَحَبُّ (١)
стр. 2237
وحُكْمِ الاشْتِرَاطِ.
٥٦١ - مسألة؛ قال: (وَإنْ أرَادَ القِرَانَ، قَالَ: اللَّهُمَّ إنِّى أُرِيدُ العُمْرَةَ والحَجَّ. ويَشْتَرِطُ)
مَعْنَى القِرَانِ: الإحْرامُ بِالعُمْرَةِ والحَجِّ معًا، أو يُحْرِمُ بِالعُمْرَةِ ثم يُدْخِلُ عليها الحَجَّ. وهو أحَدُ الأنْساكِ المَشْرُوعَةِ، الثابِتَةِ بالنَّصِّ والإِجْمَاعِ. وقد رُوِىَ أنَّ مُعاوِيَةَ قال لأصْحابِ النَّبِىِّ ﷺ : هل تَعْلَمُونَ أنًّ رسولَ اللَّه ﷺ نَهَى أن يُقْرَنَ بين الحَجِّ والعُمْرَةِ؟ قالوا: أمَّا هذا فلا. قال: إنَّها مَعَهُنَّ -يعنى مع المَنْهِيَّاتِ- ولَكِنَّكُم نَسيِتُم (١). وهذا ممَّا لم يُوَافِقِ الصَّحَابَةُ مُعاوِيَةَ عليه، مع ما يَتَضَمَّنُه من مُخالَفَةِ الأحادِيثِ الصَّحِيحَةِ والإجْمَاعِ، قال الخَطَّابِىُّ (٢): ويُشْبِهُ أن يكونَ ذَهَبَ إلى تَأوِيلِ قَوْلِه ﵇، حين أمَرَ أصْحابَه فى حَجَّتِه بِالإحْلالِ، وقال: "لَوِ اسْتَقْبَلْتُ مِنْ أمْرِى مَا اسْتَدْبَرْتُ، لَما سُقْتُ الهَدْىَ" (٣). وكان قَارِنًا، فحَمَلَه مُعاوِيَةُ على النَّهْىِ. واللهُ أعلمُ.
فصل: ويُسْتَحَبُّ أنْ يُعَيِّنَ ما أحْرَمَ به. وبه قال مالِكٌ. وقال الشَّافِعِىُّ، فى أحَدِ قَوْلَيْهِ: الإطْلَاقُ أوْلَى؛ لما رَوَى طاوُسٌ، قال: خَرَجَ النَّبِىُّ ﷺ من المَدِينَةِ، لا يُسَمِّى حَجًّا، يَنْتَظِرُ القَضَاءَ، فنَزَلَ عليه القَضاءُ وهو بين الصَّفَا والمَرْوَةِ، فأمَرَ أصْحابَهُ مَن كان منهم أهَلَّ، ولم يكنْ معه هَدْىٌ، أن يَجْعَلُوهَا عُمْرَةٌ (٤). ولأنَّ ذلك أحْوَطُ؛ لأنَّه لا يَأْمَنُ الإحْصارَ، أو تَعَذُّرَ فِعْلِ الحَجِّ عليه،
стр. 2238
فيَجْعَلُها عُمْرَةً، ولَنا، أنَّ النَّبىَّ ﷺ أمَرَ أصْحابَه بالإحْرامِ (٥) بنُسُكٍ مُعَيَّنٍ، فقال: "مَنْ شَاءَ مِنْكُمْ أنْ يُهِلَّ بِحَجٍّ وعُمْرَةٍ، فَلْيُهِلَّ، وَمَنْ أرَادَ أَنْ يُهِلَّ بِحَجٍّ، فَلْيُهِلَّ، وَمَنْ أرَادَ أنْ يُهِلَّ بِعُمْرَةٍ، فَلْيُهِلَّ" (٦). والنَّبِىُّ ﷺ وأصْحابُه إنَّما أحْرَمُوا بِمُعَيَّنٍ، على ما ذَكَرْنَا فى الأحادِيثِ الصَّحِيحَةِ، وأصْحابُ النَّبِىِّ ﷺ ، الذين كانوا معه فى حَجَّتِه (٧)، يَطَّلِعُونَ (٨) على أحْوَالِه، ويَقْتَدُونَ (٩) بِأفْعالِه، ويَقِفُونَ على ظاهِرِ أمْرِه وباطِنِه، أعْلَمُ به مِن طاوُسٍ، وحَدِيثُه مُرْسَلٌ، والشَّافِعِىُّ لا يَحْتَجُّ بِالمَرَاسِيلِ المُفْرَدَةِ، فكيف يَصِيرُ إلى هذا، مع مُخَالَفَتِه لِلرِّوَايَاتِ المُسْتَفِيضَةِ المُتَّفَقِ عليها! والاحْتِياطُ مُمْكِنٌ، بأن يَجْعَلَها عُمْرَةً، فإن شاء كان مُتَمَتِّعًا، وإن شاءَ أَدْخَلَ الحَجَّ عليها، فكان قَارِنًا.
فصل: فإن أطْلَقَ الإحْرامَ، [فنَوَى الإحْرَامَ] (١٠) بِنُسُكٍ، ولم يُعَيِّنْ حَجًّا ولا عُمْرَةً، صَحَّ، وصارَ مُحْرِمًا؛ لأنَّ الإحْرامَ يَصِحُّ مع الإبْهامِ، فصَحَّ مع الإطْلاقِ. فإذا أحْرَمَ مُطْلَقًا، فله صَرْفُه إلى أىِّ الأنْسَاكِ شاءَ؛ لأنَّ له أن يَبْتَدِئ الإحْرامَ بما شاءَ منها، فكان له صَرْفُ المُطْلَقِ إلى ذلك، والأوْلَى صَرْفُه إلى العُمْرَةِ؛ لأنَّه إنْ كان فى غير أشْهُرِ الحَجِّ، فالإحْرامُ بِالحَجِّ مَكْرُوهٌ أو مُمْتَنِعٌ، وإنْ كان فى أشْهُرِ الحَجِّ. فالعُمْرَةُ أوْلَى؛ لأنَّ التَّمَتُّعَ أفْضَلُ. وقد قال أحمدُ، ﵀: يَجْعَلُه (١١) عُمْرَةً؛ لأنَّ النَّبِىَّ ﷺ أمَرَ أبا موسى، حين أحْرَمَ بما أهَلَّ به رسولُ اللهِ ﷺ ، أن يَجْعَلَهُ عُمْرَةً. كذا هاهُنا.
стр. 2239
فصل: ويَصِحُّ إبْهامُ الإحْرامِ، وهو أن يُحْرِمَ بما أحْرَمَ به فلانٌ؛ لما رَوَى أبو موسى، قال: قَدِمْتُ علَى رسولِ اللَّه ﷺ ، وهو مُنِيخٌ بالبَطْحاءِ، فقال لى: "بِمَ أهْلَلْتَ؟ ". قلتُ: لَبَّيْكَ بإهْلالٍ كإهْلالِ رسولِ اللَّه ﷺ . قال: "أحْسَنْتَ". فأمَرَنِى فطُفْتُ بِالبَيْتِ وبالصَّفَا والمَروَةِ، ثم قال: "أحِلَّ" (١٢). مُتَّفَقٌ عليه (١٣). ورَوَى جابِرٌ، وَأنَسٌ، أنَّ عليًّا قَدِمَ من اليَمَنِ على رسولِ اللَّه ﷺ ، [فقال له النَّبِى ﷺ : "بِمَ أهْلَلْتَ؟ " قال: أهْلَلْتُ بما أهَلَّ به رسولُ اللهِ ﷺ ] (١٤). قال جابِرٌ فى حَدِيثِه، قال: "فَاهْدِ، وَامْكُثْ حَرَامًا". وقال أنَسٌ: قال رسولُ اللَّه ﷺ : "لَوْلَا أنَّ مَعِى هَدْيًا لَحَلَلْتُ". مُتَّفَق عليهما (١٥). ثم
стр. 2240
لا يَخْلُو مَنْ أبْهَمَ إحْرامَه من أحْوَالٍ أرْبَعَةٍ: أحدُها، أن يَعْلَمَ ما أحْرَمَ به فلانٌ، فيَنْعَقِدُ إحْرامُه بمِثْلِه؛ فإنَّ عليًّا قال له النَّبِىُّ ﷺ : "مَاذَا قُلْتَ حِينَ فَرَضْتَ الحَجَّ؟ " قال: قلتُ: اللَّهُمَّ إنِّى أُهِلُّ بما أهَلَّ به رسولُ اللهِ ﷺ ، قال: "فَإنَّ مَعِى الهَدْىَ، فَلَا تَحِلَّ" (١٦). الثاني، أن لا يَعْلَمَ ما أحْرَمَ به فلانٌ، فيكون حُكْمُه حُكْمَ النَّاسِى، على ما سَنُبَيِّنُه. الثالث، أن لا يكونَ فلانٌ أحْرَمَ، فيكونَ إحْرَامُه مُطْلَقًا، حُكْمُه حُكْمُ ال فَصْلِ الذى قبلَه. الرابع، أن لا يَعْلَمَ هل أحْرَمَ فلانٌ، أو لا، فَحُكْمُه حُكْمُ من لم يُحْرِمْ؛ لأنَّ الأصْلَ عَدَمُ إحْرامِه، فيكون إحْرامُه هاهُنا مُطْلَقًا، يَصْرِفُه إلى ما شاءَ، فإنْ صَرَفَه قبلَ الطَّوَافِ، فَحَسَنٌ، وإن طافَ قبل صَرْفِه، لم يُعْتَدَّ بِطَوَافِه؛ لأنَّه طافَ لا فى حَجٍّ ولا عُمْرَةٍ.
فصل: إذا أحْرَمَ بِنُسُكٍ، ثم نَسِيَهُ قبلَ الطَّوَافِ، فله صَرْفُه إلى أىِّ الأنْسَاكِ شاءَ، فإنَّه إن صَرَفَهُ إلى عُمْرَةٍ، وكان المَنْسِىُّ عُمْرَةً، فقد أصابَ، وإن كان حَجًّا مُفْرَدًا أو قِرَانًا (١٧) فله فَسْخُهُما إلى العُمْرَةِ، على ما سَنَذْكُرُه، وإنْ صَرَفَهُ إلى القِرَانِ، وكان المَنْسِىُّ قِرَانًا، فقد أصابَ، وإن كان عُمْرَةً، فإدْخَالُ الحَجِّ على العُمْرَةِ جَائِزٌ قبلَ الطَّوَافِ، فيَصِيرُ قَارِنًا، وإن كان مُفْرِدًا، لَغَا إحْرَامُه بالعُمْرَةِ، وصَحَّ حَجُّهُ (١٨)، وسَقَطَ فَرْضُه، وإن صَرَفَهُ إلى الإفْرَادِ، وكان مُفْرِدًا، فقد أصابَ، وإن كان مُتَمَتِّعًا، فقد أدْخَلَ الحَجَّ على العُمْرَةِ، وصارَ قَارِنًا فى الحُكْمِ، وفيما بَيْنَه وَبيْنَ اللهِ تعالى، وهو يَظُنُّ أنَّه مُفْرِدٌ، وإن كان قَارِنًا فكذلك، والمَنْصُوصُ عن أحمدَ، أَنَّه يَجْعَلُه عُمْرَةً. قال القاضى: هذا على سَبِيلِ الاسْتِحْبَابِ؛ لأنَّه إذا اسْتُحِبَّ ذلك فى حال العِلْمِ، فمَعَ عَدَمِه أوْلَى. وقال أبو
стр. 2241
حنيفةَ: يَصْرِفُه إلى القِرَانِ. وهو قَوْلُ الشَّافِعِىِّ فى الجَدِيدِ، وقال فى القَدِيمِ: يَتَحَرَّى، فيَبْنِى على غالِبِ ظَنِّه؛ لأنَّه مِن شَرائِط العِبادَةِ، فيَدْخُلُه التَّحَرِّى كالقِبْلَةِ. ومَبْنَى (١٩) الخِلافِ على فَسْخِ الحَجِّ إلى العُمْرَةِ، فإنَّه جائِزٌ عِنْدَنا، وغيرُ جَائِزٍ عِنْدَهم، فعَلَى هذا إنْ صَرَفَهُ إلى المُتْعَةِ فهو مُتَمَتِّعٌ. عليه دَمُ المُتْعَةِ، ويُجْزِئُه عن الحَجِّ والعُمْرَةِ جميعًا، وإن صَرَفَهُ إلى إفْرادٍ أو قِرانٍ، لم يُجْزِئْهُ عن العُمْرَةِ، إذ من المُحْتَمِلِ أن يكونَ المَنْسِىُّ حَجًّا مُفْرَدًا، وليس له إدْخالُ العُمْرَةِ على الحَجِّ، فتكونُ صِحَّةُ العُمْرَةِ مَشْكُوكًا فيها، فلا تَسْقُطُ من ذِمَّتِه بالشَّكِّ، ولا دَمَ عليه لذلك؛ فإنَّه لم يَثْبُتْ حُكْمُ القِرانِ يَقِينًا، ولا يَجِبُ الدَّمُ مع الشَّكِّ فى سَبَبِه. ويَحْتَمِلُ أن يَجِبَ. فأمَّا إن شَكَّ بعد الطَّوافِ، لم يَجُزْ صَرْفُه إلَّا إلى العُمْرَةِ؛ لأنَّ إدْخالَ الحَجِّ على العُمْرَةِ بعدَ الطَّوافِ غيرُ جائِزٍ. فإن صَرَفَه إلى حَجٍّ أو قِرانٍ، فإنَّه يَتَحَلَّلُ بِفِعْلِ الحَجِّ ولا يُجْزِئُه عن وَاحِدٍ من النُّسُكَيْنِ؛ لأنَّه يَحْتَمِلُ أن يكونَ المَنْسِىُّ عُمْرَةً، فلم يَصِحَّ إدْخالُ الحَجِّ عليها بعدَ طَوَافِها، ويَحْتَمِلُ أن يكونَ حَجًّا، وإدْخالُ العُمْرَةِ عليه غيرُ جائِزٍ، فلم يُجْزِئْه واحِدٌ منهما مع الشَّكِّ، ولا دَمَ عليه؛ لِلشَّكِّ فيما يُوجبُ الدَّمَ، ولا قَضَاءَ عليه، لِلشّكِّ فيما يُوجِبُه. وإن شَكَّ وهو فى الوُقُوفِ بعدَ أن طافَ وسَعَى، جَعَلَهُ عُمْرَةً، فقَصَرَ، ثم أحْرَمَ بالحَجِّ، فإنَّه إن كان المَنْسِىُّ عُمْرَةً فقد أصابَ وكان مُتَمَتِّعًا، وإن كان إفْرَادًا أو قِرانًا لم يَنْفَسِخْ بتَقْصِيرِه، وعليه دَمٌ بكلِّ حالٍ، فإنَّه لا يَخْلُو مِن أن يكونَ مُتَمَتِّعًا عليه دَمُ المُتْعَةِ، أو غيرَ مُتَمَتِّعٍ فيَلْزَمُه دَمٌ لِتَقْصِيرِه. وإن شَكَّ، ولم يَكُنْ طافَ وسَعَى، جَعَلَهُ قِرَانًا؛ لأنَّه إن كان قَارِنًا فقد أصابَ، وإن كان مُعْتَمِرًا فقد أدْخَلَ الحَجَّ على العُمْرَةِ، وصارَ قَارِنًا، وإن كان مُفْرِدًا لَغَا إحْرَامُهُ بِالعُمْرَةِ، وصَحَّ إحْرَامُهُ بالحَجِّ، وإن صَرَفَهُ إلى الحَجِّ جَازَ أيضا، ولا يُجْزِئُه عن العُمْرَةِ فى هذه المَوَاضِعِ؛
стр. 2242
لاحْتِمالِ أن يكونَ مُفْرِدًا، وإدْخَالُ العُمْرَةِ على الحَجِّ غيرُ جَائِزٍ، ولا دَمَ عليه؛ لِلشَّكِّ فى وُجُودِ سَبَبِه.
فصل: وإن أحْرَمَ بِحَجَّتَيْنِ أو عُمْرَتَيْنِ، انْعَقَدَ بإحْدَاهما، ولَغَتِ الأُخْرَى. وبه قال مَالِكٌ، والشَّافِعِىُّ، [وقال أبو حنيفةَ] (٢٠)، يَنْعَقِدُ بهما، وعليه قضاءُ إحْدَاهما؛ لأنَّه أحْرَمَ بها، ولم يُتِمَّها. ولَنا، أنَّهما عِبادَتانِ لا يَلْزَمُه المُضِىُّ فيهما، فلم يَصِحَّ الإحْرامُ بهما، كَالصلاتَيْنِ، وعلى هذا لو أفْسَدَ حَجَّه (٢١) أو عُمْرَتَه، لَمْ يَلْزَمْه إلَّا قَضاؤُها. وعندَ أبى حنيفةَ يَلْزَمُه قضاؤُهما مَعًا؛ بنَاءً على صِحَّةِ إحْرَامِه بهما.
٥٦٢ - مسألة؛ قال: (فَإذَا اسْتَوَى عَلَى رَاحِلَتِهِ لَبَّى)
التَّلْبِيَةُ فى الإحْرامِ مَسْنُونَةٌ؛ لأنَّ النَّبِىَّ ﷺ فعَلَها، وأمَرَ بِرَفْعِ الصَّوْتِ بها، وأقَلُّ أحْوالِ ذلك الاسْتِحْبابُ، وسُئِلَ النَّبِىُّ ﷺ ، أىُّ الحَجِّ أفْضَلُ؟ قال: "العَجُّ، والثَّجُّ" (١). وهذا حَدِيثٌ غَرِيبٌ. ومعنى العَجِّ رَفْعُ الصَّوْتِ بِالتَّلْبِيَةِ، والثَّجِّ إسالَةُ الدِّمَاءِ بِالذَّبْحِ والنَّحْرِ. ورَوَى سَهْلُ بنُ سَعْدٍ، قال: قال رسولُ اللهِ ﷺ : "مَا مِنْ مُسْلِمٍ يُلَبِّى، إلَّا لَبَّى مَا عَنْ يَمِينِه مِنْ حَجَرٍ أوْ شَجَرٍ أوْ مَدَرٍ (٢)، حَتَّى تَنْقَطِعَ الْأرْضُ مِنْ هاهُنَا وهاهُنَا". رَوَاهُ ابنُ مَاجَه (٣)، ولَيْسَتْ وَاجِبَةً،
стр. 2243
وبهذا قال الحسنُ ابن حَىٍّ، والشَّافِعِىُّ. وعن أصْحابِ مَالِكٍ أنَّها وَاجِبَةٌ، يَجِبُ بِتَرْكِها دَمٌ. وعن الثَّوْرِيِّ، وأبى حنيفةَ، أنَّها من شَرْطِ الإحْرامِ، لا يَصِحُّ إلَّا بها، كَالتَّكْبِيرِ لِلصلاةِ، لأنَّ ابنَ عَبَّاسٍ، قال فى قَوْلِه تعالى: ﴿فَمَنْ فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ﴾ (٤)، قال ابنُ عَبَّاسٍ: الإهْلالُ. وعن عَطاءٍ، وطَاوُسٍ، وعِكْرِمَةَ: هو التَّلْبِيَةُ. ولأنَّ النُّسُكَ عِبادَةٌ ذاتُ إحْرامٍ وإحْلالٍ، فكان فيها ذِكْرٌ وَاجِبٌ، كالصلاةِ. ولَنا، أنَّها ذِكْرٌ، فلم تَجِبْ فى الحَجِّ، كسائِرِ الأذْكَارِ. وفَارَقَ الصلاةَ، فإنَّ النُّطْقَ يَجِبُ فى آخِرِها؛ فوَجَبَ فى أوَّلِها، والحَجُّ بِخِلافِه. ويُسْتَحَبُّ البِدَايَةُ بها إذا اسْتَوَى على رَاحِلَتِه؛ لما رَوَى أنَسٌ، وابنُ عمرَ، أنَّ النَّبِىَّ ﷺ لمَّا رَكِبَ رَاحِلَتَه، واسْتَوَتْ به، أهَلَّ. رَوَاهُما البُخارِىُّ (٥). وقال ابنُ عَبَّاسٍ: أوْجَبَ رسولُ اللهِ ﷺ الإحْرامَ حين فَرَغَ من صَلَاتِه، فلمَّا رَكِبَ رَاحِلَتَه، واسْتَوَتْ به قَائِمَةً، أهَلَّ (٦). يَعْنِى لَبَّى، ومَعْنَى الإهْلَالِ رَفْعُ الصَّوْتِ بِالتَّلْبِيَةِ (٧)، من قَوْلِهِم: اسْتَهَلَّ الصَّبِىُّ. إذا صَاحَ. والأصْلُ فيه أنَّهم كانوا إذا رُئِىَ الهِلَالُ صَاحُوا. فيُقال: اسْتَهَلَّ الهِلالُ. ثم قيل لِكُلٍّ صَائِحٍ مُسْتَهِلٌّ، وإنَّما يَرْفَعُ الصَّوْتَ بِالتَّلْبِيَةِ.
فصل: ويَرْفَعُ صَوْتَه بالتَّلْبِيَةِ؛ لما رُوِىَ عن النَّبِىِّ ﷺ ، أنَّه قال: "أتَانِى جِبْرِيلُ، فَأمَرَنِى أنْ آمُرَ أَصْحَابِى أنْ يَرْفَعُوا أَصْوَاتَهُم بالإهْلَالِ والتَّلْبِيَةِ". رَوَاهُ النَّسَائِىُّ، وأبو دَاوُدَ، والتِّرمِذِىُّ (٨)، وقال: حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ. وقال أنسٌ:
стр. 2244
سَمِعْتُهم يَصْرُخُونَ بهما صُرَاخًا (٩). وقال أبو حازِمٍ: كان أصْحابُ رسولِ اللهِ ﷺ لا يَبْلُغُونَ الرَّوْحَاءَ (١٠)، حتى تُبَحَّ حُلُوقُهم مِن التَّلْبِيَةِ. وقال سالِمٌ: كان ابنُ عمرَ يَرْفَعُ صَوْتَه بِالتَّلْبِيَةِ، فلا يَأْتِى الرَّوْحاءَ حتى يَصْحَلَ (١١) صَوْتُه. ولا يُجْهِدُ نَفْسَه فى رَفْعِ الصَّوْتِ زِيَادَةً على الطَّاقَةِ؛ لِئَلَّا يَنْقَطِعَ صَوْتُه وتَلْبِيَتُه.
٥٦٣ - مسألة؛ قال: (فَيقُولُ: لَبَّيْكَ اللَّهُمَّ لَبَّيْكَ، لَبَّيْكَ لَا شَرِيكَ لَكَ لَبَّيْكَ، إنَّ الحَمْدَ والنِّعْمَةَ لَكَ والمُلْكَ، لَا شَرِيكَ لَكَ)
هذه تَلْبيَةُ رسولِ اللهِ ﷺ ، جاءَ فى الصَّحِيحَيْنِ (١) عن ابنِ عمرَ، أنَّ تَلْبِيَةَ رسولِ اللهِ ﷺ : "لَبَّيْكَ اللَّهُمَّ لَبَّيْكَ، لَبَّيْكَ لَا شَرِيكَ لَكَ لَبَّيْكَ، إنَّ الحَمْدَ والنِّعْمَةَ لَكَ والْمُلْكَ، لَا شَرِيكَ لَكَ" ورواه البُخَارِىُّ، عن عائشةَ، ومُسْلِمٌ عن جابِرٍ (٢). والتَّلْبِيَةُ مَأخُوذَةٌ من لَبَّ بالمَكانِ. إذا لَزِمَهُ، فكأنَّه قال: أنا مُقِيمٌ على
стр. 2245
طاعَتِكَ وأَمْرِكَ، غيرُ خَارِجٍ عن ذلك، ولا شَارِدٌ عليك. هذا أو ما أشْبَهه، وثَنَّوْها وكَرَّرُوها؛ لأنَّهم أرَادُوا إقَامَةً بعد إقَامَةٍ، كما قالوا: حَنَانَيْكَ. أى رَحْمَةً بعد رَحْمَةٍ، أو رَحْمَةً مع رَحْمَةٍ، أو ما أشْبَهَهُ. وقال جَمَاعَةٌ من أهْلِ العِلْمِ: مَعْنَى التَّلْبِيَةِ إجابَةُ نِدَاءِ إبراهيمَ ﵇، حين نَادَى بِالحَجِّ. وَرُوِىَ عن ابنِ عَبَّاسٍ قال: لمَّا فَرَغَ إبراهِيمُ، ﵇، من بِنَاءِ البَيْتِ، قِيلَ له: أذِّنْ فى النَّاسِ بِالحَجِّ. فقال: رَبِّ وما يَبْلُغُ صَوْتِى. قال: أذِّنْ، وعَلَىَّ البَلَاغُ. فنادَى إبراهيمُ: أيُّها الناسُ، كُتِبَ عليكم الحَجُّ. قال: فسَمِعَهُ ما بين السَّماءِ والأرْضِ. أفلا تَرَى النَّاس يَجِيئُونَ من أقْطَارِ الأرْضِ يُلَبُّونَ (٣). ويقول (٤): لبَّيْكَ، إنَّ الحَمْدَ. بِكَسْرِ الألِفِ. نَصَّ عليه أحمدُ والفَتْحُ جَائزٌ، إلَّا أن الكَسْرَ أجْوَدُ. قال ثَعْلَبٌ: مَن قال "أنَّ" بِفَتْحِها فقد خَصَّ، ومن قال بِكَسْرِ الألِف فقد عَمَّ. يَعْنِى أنَّ من كَسَرَ جَعَلَ الحَمْدَ للهِ على كل حَالٍ، ومن فَتَحَ فمَعْنَاهُ لَبَّيْكَ؛ لأنَّ الحَمْدَ لك، أى لهذا السَّبَبَ.
فصل: ولا تُسْتَحَبُّ الزِّيادَةُ على تَلْبِيَةِ رسولِ اللهِ ﷺ ، ولا تُكْرَهُ. ونحوَ ذلك قال الشَّافِعِىُّ، وابنُ المُنْذِرِ؛ وذلك لِقَوْلِ جابِرٍ: فأهَلَّ رسولُ اللهِ ﷺ بِالتَّوْحِيدِ: "لَبَّيْكَ اللَّهُمَّ لَبَّيْكَ، لَبَّيْكَ لَا شَرِيكَ لَكَ لَبَّيْكَ، إنَّ الْحَمْدَ والنِّعْمَةَ لَكَ، والْمُلْكَ، لَا شَرِيكَ لَكَ". وأهَلَّ النّاسُ بهذا الذى يُهِلُّونَ، ولَزِمَ رسولُ اللهِ ﷺ تَلْبِيَتَه، وكان ابنُ عمرَ يُلَبِّى تَلْبِيَة (٥) رسولِ اللَّه ﷺ ، ويَزِيدُ مع هذا: لَبَّيْكَ، لَبَّيْكَ، لَبَّيْكَ وسَعْدَيْكَ، والخيرُ بِيَدَيْكَ، والرَّغْبَاءُ (٦) إلَيْكَ والعَمَلُ. مُتَّفَقٌ عليه (٧). وَزادَ عمرُ: لَبَّيْكَ ذا النَّعْمَاءِ والفَضْلِ، لَبَّيْكَ لَبَّيْكَ مَرْهُوبًا ومَرْغُوبًا إلَيْكَ،