← Фикх ханбали

Фикх ханбали · id 6910

المغني لابن قدامة - ت التركي

ابن قدامة

Полный текст (7 955 стр.). Показаны 2241–2280 · переход к 2246.

стр. 2241

حنيفةَ: يَصْرِفُه إلى القِرَانِ. وهو قَوْلُ الشَّافِعِىِّ فى الجَدِيدِ، وقال فى القَدِيمِ: يَتَحَرَّى، فيَبْنِى على غالِبِ ظَنِّه؛ لأنَّه مِن شَرائِط العِبادَةِ، فيَدْخُلُه التَّحَرِّى كالقِبْلَةِ. ومَبْنَى (١٩) الخِلافِ على فَسْخِ الحَجِّ إلى العُمْرَةِ، فإنَّه جائِزٌ عِنْدَنا، وغيرُ جَائِزٍ عِنْدَهم، فعَلَى هذا إنْ صَرَفَهُ إلى المُتْعَةِ فهو مُتَمَتِّعٌ. عليه دَمُ المُتْعَةِ، ويُجْزِئُه عن الحَجِّ والعُمْرَةِ جميعًا، وإن صَرَفَهُ إلى إفْرادٍ أو قِرانٍ، لم يُجْزِئْهُ عن العُمْرَةِ، إذ من المُحْتَمِلِ أن يكونَ المَنْسِىُّ حَجًّا مُفْرَدًا، وليس له إدْخالُ العُمْرَةِ على الحَجِّ، فتكونُ صِحَّةُ العُمْرَةِ مَشْكُوكًا فيها، فلا تَسْقُطُ من ذِمَّتِه بالشَّكِّ، ولا دَمَ عليه لذلك؛ فإنَّه لم يَثْبُتْ حُكْمُ القِرانِ يَقِينًا، ولا يَجِبُ الدَّمُ مع الشَّكِّ فى سَبَبِه. ويَحْتَمِلُ أن يَجِبَ. فأمَّا إن شَكَّ بعد الطَّوافِ، لم يَجُزْ صَرْفُه إلَّا إلى العُمْرَةِ؛ لأنَّ إدْخالَ الحَجِّ على العُمْرَةِ بعدَ الطَّوافِ غيرُ جائِزٍ. فإن صَرَفَه إلى حَجٍّ أو قِرانٍ، فإنَّه يَتَحَلَّلُ بِفِعْلِ الحَجِّ ولا يُجْزِئُه عن وَاحِدٍ من النُّسُكَيْنِ؛ لأنَّه يَحْتَمِلُ أن يكونَ المَنْسِىُّ عُمْرَةً، فلم يَصِحَّ إدْخالُ الحَجِّ عليها بعدَ طَوَافِها، ويَحْتَمِلُ أن يكونَ حَجًّا، وإدْخالُ العُمْرَةِ عليه غيرُ جائِزٍ، فلم يُجْزِئْه واحِدٌ منهما مع الشَّكِّ، ولا دَمَ عليه؛ لِلشَّكِّ فيما يُوجبُ الدَّمَ، ولا قَضَاءَ عليه، لِلشّكِّ فيما يُوجِبُه. وإن شَكَّ وهو فى الوُقُوفِ بعدَ أن طافَ وسَعَى، جَعَلَهُ عُمْرَةً، فقَصَرَ، ثم أحْرَمَ بالحَجِّ، فإنَّه إن كان المَنْسِىُّ عُمْرَةً فقد أصابَ وكان مُتَمَتِّعًا، وإن كان إفْرَادًا أو قِرانًا لم يَنْفَسِخْ بتَقْصِيرِه، وعليه دَمٌ بكلِّ حالٍ، فإنَّه لا يَخْلُو مِن أن يكونَ مُتَمَتِّعًا عليه دَمُ المُتْعَةِ، أو غيرَ مُتَمَتِّعٍ فيَلْزَمُه دَمٌ لِتَقْصِيرِه. وإن شَكَّ، ولم يَكُنْ طافَ وسَعَى، جَعَلَهُ قِرَانًا؛ لأنَّه إن كان قَارِنًا فقد أصابَ، وإن كان مُعْتَمِرًا فقد أدْخَلَ الحَجَّ على العُمْرَةِ، وصارَ قَارِنًا، وإن كان مُفْرِدًا لَغَا إحْرَامُهُ بِالعُمْرَةِ، وصَحَّ إحْرَامُهُ بالحَجِّ، وإن صَرَفَهُ إلى الحَجِّ جَازَ أيضا، ولا يُجْزِئُه عن العُمْرَةِ فى هذه المَوَاضِعِ؛

стр. 2242

لاحْتِمالِ أن يكونَ مُفْرِدًا، وإدْخَالُ العُمْرَةِ على الحَجِّ غيرُ جَائِزٍ، ولا دَمَ عليه؛ لِلشَّكِّ فى وُجُودِ سَبَبِه. فصل: وإن أحْرَمَ بِحَجَّتَيْنِ أو عُمْرَتَيْنِ، انْعَقَدَ بإحْدَاهما، ولَغَتِ الأُخْرَى. وبه قال مَالِكٌ، والشَّافِعِىُّ، [وقال أبو حنيفةَ] (٢٠)، يَنْعَقِدُ بهما، وعليه قضاءُ إحْدَاهما؛ لأنَّه أحْرَمَ بها، ولم يُتِمَّها. ولَنا، أنَّهما عِبادَتانِ لا يَلْزَمُه المُضِىُّ فيهما، فلم يَصِحَّ الإحْرامُ بهما، كَالصلاتَيْنِ، وعلى هذا لو أفْسَدَ حَجَّه (٢١) أو عُمْرَتَه، لَمْ يَلْزَمْه إلَّا قَضاؤُها. وعندَ أبى حنيفةَ يَلْزَمُه قضاؤُهما مَعًا؛ بنَاءً على صِحَّةِ إحْرَامِه بهما. ٥٦٢ - مسألة؛ قال: (فَإذَا اسْتَوَى عَلَى رَاحِلَتِهِ لَبَّى) التَّلْبِيَةُ فى الإحْرامِ مَسْنُونَةٌ؛ لأنَّ النَّبِىَّ ﷺ فعَلَها، وأمَرَ بِرَفْعِ الصَّوْتِ بها، وأقَلُّ أحْوالِ ذلك الاسْتِحْبابُ، وسُئِلَ النَّبِىُّ ﷺ ، أىُّ الحَجِّ أفْضَلُ؟ قال: "العَجُّ، والثَّجُّ" (١). وهذا حَدِيثٌ غَرِيبٌ. ومعنى العَجِّ رَفْعُ الصَّوْتِ بِالتَّلْبِيَةِ، والثَّجِّ إسالَةُ الدِّمَاءِ بِالذَّبْحِ والنَّحْرِ. ورَوَى سَهْلُ بنُ سَعْدٍ، قال: قال رسولُ اللهِ ﷺ : "مَا مِنْ مُسْلِمٍ يُلَبِّى، إلَّا لَبَّى مَا عَنْ يَمِينِه مِنْ حَجَرٍ أوْ شَجَرٍ أوْ مَدَرٍ (٢)، حَتَّى تَنْقَطِعَ الْأرْضُ مِنْ هاهُنَا وهاهُنَا". رَوَاهُ ابنُ مَاجَه (٣)، ولَيْسَتْ وَاجِبَةً،

стр. 2243

وبهذا قال الحسنُ ابن حَىٍّ، والشَّافِعِىُّ. وعن أصْحابِ مَالِكٍ أنَّها وَاجِبَةٌ، يَجِبُ بِتَرْكِها دَمٌ. وعن الثَّوْرِيِّ، وأبى حنيفةَ، أنَّها من شَرْطِ الإحْرامِ، لا يَصِحُّ إلَّا بها، كَالتَّكْبِيرِ لِلصلاةِ، لأنَّ ابنَ عَبَّاسٍ، قال فى قَوْلِه تعالى: ﴿فَمَنْ فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ﴾ (٤)، قال ابنُ عَبَّاسٍ: الإهْلالُ. وعن عَطاءٍ، وطَاوُسٍ، وعِكْرِمَةَ: هو التَّلْبِيَةُ. ولأنَّ النُّسُكَ عِبادَةٌ ذاتُ إحْرامٍ وإحْلالٍ، فكان فيها ذِكْرٌ وَاجِبٌ، كالصلاةِ. ولَنا، أنَّها ذِكْرٌ، فلم تَجِبْ فى الحَجِّ، كسائِرِ الأذْكَارِ. وفَارَقَ الصلاةَ، فإنَّ النُّطْقَ يَجِبُ فى آخِرِها؛ فوَجَبَ فى أوَّلِها، والحَجُّ بِخِلافِه. ويُسْتَحَبُّ البِدَايَةُ بها إذا اسْتَوَى على رَاحِلَتِه؛ لما رَوَى أنَسٌ، وابنُ عمرَ، أنَّ النَّبِىَّ ﷺ لمَّا رَكِبَ رَاحِلَتَه، واسْتَوَتْ به، أهَلَّ. رَوَاهُما البُخارِىُّ (٥). وقال ابنُ عَبَّاسٍ: أوْجَبَ رسولُ اللهِ ﷺ الإحْرامَ حين فَرَغَ من صَلَاتِه، فلمَّا رَكِبَ رَاحِلَتَه، واسْتَوَتْ به قَائِمَةً، أهَلَّ (٦). يَعْنِى لَبَّى، ومَعْنَى الإهْلَالِ رَفْعُ الصَّوْتِ بِالتَّلْبِيَةِ (٧)، من قَوْلِهِم: اسْتَهَلَّ الصَّبِىُّ. إذا صَاحَ. والأصْلُ فيه أنَّهم كانوا إذا رُئِىَ الهِلَالُ صَاحُوا. فيُقال: اسْتَهَلَّ الهِلالُ. ثم قيل لِكُلٍّ صَائِحٍ مُسْتَهِلٌّ، وإنَّما يَرْفَعُ الصَّوْتَ بِالتَّلْبِيَةِ. فصل: ويَرْفَعُ صَوْتَه بالتَّلْبِيَةِ؛ لما رُوِىَ عن النَّبِىِّ ﷺ ، أنَّه قال: "أتَانِى جِبْرِيلُ، فَأمَرَنِى أنْ آمُرَ أَصْحَابِى أنْ يَرْفَعُوا أَصْوَاتَهُم بالإهْلَالِ والتَّلْبِيَةِ". رَوَاهُ النَّسَائِىُّ، وأبو دَاوُدَ، والتِّرمِذِىُّ (٨)، وقال: حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ. وقال أنسٌ:

стр. 2244

سَمِعْتُهم يَصْرُخُونَ بهما صُرَاخًا (٩). وقال أبو حازِمٍ: كان أصْحابُ رسولِ اللهِ ﷺ لا يَبْلُغُونَ الرَّوْحَاءَ (١٠)، حتى تُبَحَّ حُلُوقُهم مِن التَّلْبِيَةِ. وقال سالِمٌ: كان ابنُ عمرَ يَرْفَعُ صَوْتَه بِالتَّلْبِيَةِ، فلا يَأْتِى الرَّوْحاءَ حتى يَصْحَلَ (١١) صَوْتُه. ولا يُجْهِدُ نَفْسَه فى رَفْعِ الصَّوْتِ زِيَادَةً على الطَّاقَةِ؛ لِئَلَّا يَنْقَطِعَ صَوْتُه وتَلْبِيَتُه. ٥٦٣ - مسألة؛ قال: (فَيقُولُ: لَبَّيْكَ اللَّهُمَّ لَبَّيْكَ، لَبَّيْكَ لَا شَرِيكَ لَكَ لَبَّيْكَ، إنَّ الحَمْدَ والنِّعْمَةَ لَكَ والمُلْكَ، لَا شَرِيكَ لَكَ) هذه تَلْبيَةُ رسولِ اللهِ ﷺ ، جاءَ فى الصَّحِيحَيْنِ (١) عن ابنِ عمرَ، أنَّ تَلْبِيَةَ رسولِ اللهِ ﷺ : "لَبَّيْكَ اللَّهُمَّ لَبَّيْكَ، لَبَّيْكَ لَا شَرِيكَ لَكَ لَبَّيْكَ، إنَّ الحَمْدَ والنِّعْمَةَ لَكَ والْمُلْكَ، لَا شَرِيكَ لَكَ" ورواه البُخَارِىُّ، عن عائشةَ، ومُسْلِمٌ عن جابِرٍ (٢). والتَّلْبِيَةُ مَأخُوذَةٌ من لَبَّ بالمَكانِ. إذا لَزِمَهُ، فكأنَّه قال: أنا مُقِيمٌ على

стр. 2245

طاعَتِكَ وأَمْرِكَ، غيرُ خَارِجٍ عن ذلك، ولا شَارِدٌ عليك. هذا أو ما أشْبَهه، وثَنَّوْها وكَرَّرُوها؛ لأنَّهم أرَادُوا إقَامَةً بعد إقَامَةٍ، كما قالوا: حَنَانَيْكَ. أى رَحْمَةً بعد رَحْمَةٍ، أو رَحْمَةً مع رَحْمَةٍ، أو ما أشْبَهَهُ. وقال جَمَاعَةٌ من أهْلِ العِلْمِ: مَعْنَى التَّلْبِيَةِ إجابَةُ نِدَاءِ إبراهيمَ ﵇، حين نَادَى بِالحَجِّ. وَرُوِىَ عن ابنِ عَبَّاسٍ قال: لمَّا فَرَغَ إبراهِيمُ، ﵇، من بِنَاءِ البَيْتِ، قِيلَ له: أذِّنْ فى النَّاسِ بِالحَجِّ. فقال: رَبِّ وما يَبْلُغُ صَوْتِى. قال: أذِّنْ، وعَلَىَّ البَلَاغُ. فنادَى إبراهيمُ: أيُّها الناسُ، كُتِبَ عليكم الحَجُّ. قال: فسَمِعَهُ ما بين السَّماءِ والأرْضِ. أفلا تَرَى النَّاس يَجِيئُونَ من أقْطَارِ الأرْضِ يُلَبُّونَ (٣). ويقول (٤): لبَّيْكَ، إنَّ الحَمْدَ. بِكَسْرِ الألِفِ. نَصَّ عليه أحمدُ والفَتْحُ جَائزٌ، إلَّا أن الكَسْرَ أجْوَدُ. قال ثَعْلَبٌ: مَن قال "أنَّ" بِفَتْحِها فقد خَصَّ، ومن قال بِكَسْرِ الألِف فقد عَمَّ. يَعْنِى أنَّ من كَسَرَ جَعَلَ الحَمْدَ للهِ على كل حَالٍ، ومن فَتَحَ فمَعْنَاهُ لَبَّيْكَ؛ لأنَّ الحَمْدَ لك، أى لهذا السَّبَبَ. فصل: ولا تُسْتَحَبُّ الزِّيادَةُ على تَلْبِيَةِ رسولِ اللهِ ﷺ ، ولا تُكْرَهُ. ونحوَ ذلك قال الشَّافِعِىُّ، وابنُ المُنْذِرِ؛ وذلك لِقَوْلِ جابِرٍ: فأهَلَّ رسولُ اللهِ ﷺ بِالتَّوْحِيدِ: "لَبَّيْكَ اللَّهُمَّ لَبَّيْكَ، لَبَّيْكَ لَا شَرِيكَ لَكَ لَبَّيْكَ، إنَّ الْحَمْدَ والنِّعْمَةَ لَكَ، والْمُلْكَ، لَا شَرِيكَ لَكَ". وأهَلَّ النّاسُ بهذا الذى يُهِلُّونَ، ولَزِمَ رسولُ اللهِ ﷺ تَلْبِيَتَه، وكان ابنُ عمرَ يُلَبِّى تَلْبِيَة (٥) رسولِ اللَّه ﷺ ، ويَزِيدُ مع هذا: لَبَّيْكَ، لَبَّيْكَ، لَبَّيْكَ وسَعْدَيْكَ، والخيرُ بِيَدَيْكَ، والرَّغْبَاءُ (٦) إلَيْكَ والعَمَلُ. مُتَّفَقٌ عليه (٧). وَزادَ عمرُ: لَبَّيْكَ ذا النَّعْمَاءِ والفَضْلِ، لَبَّيْكَ لَبَّيْكَ مَرْهُوبًا ومَرْغُوبًا إلَيْكَ،

стр. 2246

لبَّيْكَ. هذا مَعْنَاهُ. رَوَاهُ الأثْرَمُ. ويُرْوَى أنَّ أنَسًا كان يَزيدُ: لبَّيْكَ حَقًّا حَقًّا، تَعَبُّدًا ورِقَّا (٨). وهذا يَدُلُّ على أنَّه لا بَأْسَ بِالزِّيادَةِ، ولا تُسْتَحَبُّ، لأنَّ النَّبِىَّ ﷺ لَزِمَ تَلْبِيَتَه فكَرَّرَها، ولم يَزِدْ عليها. وقد رُوِىَ أن سَعْدًا سَمِعَ بعضَ بنى أخيه وهو يُلَبِّى: ياذا المعَارِجِ. فقال: إنَّه لَذُو المَعَارِجِ، وما هكذا كُنَّا نُلبِّى على عهدِ رسولِ اللَّه ﷺ (٩). فصل: ويُسْتَحَبُّ ذِكْرُ ما أحْرَمَ به فى تَلْبِيَتِه. قال أحمدُ: [إن شِئْتَ لَبَّيْتَ بالحَجِّ] (١٠)، وإن شِئْتَ لَبَّيْتَ بالحَجِّ والعُمْرَةِ، وإن شِئْتَ بِعُمْرَةٍ، وإن لَبَّيْتَ بِحَجٍّ وعُمْرَةٍ بَدَأْتَ بالعُمْرَةِ، فقلتَ: لَبَّيْكَ بِعُمْرَةٍ وحَجَّةٍ. وقال أبو الخَطَّابِ: لا يُسْتَحَبُّ ذلك. وهو اخْتِيارُ ابنِ عمرَ، وقولُ الشَّافِعِىِّ؛ لأنَّ جابِرًا قال: ما سَمَّى النَّبِىُّ ﷺ فى تَلْبِيَتِه حَجًّا، ولا عُمْرَةً (١١). وسَمِعَ ابنُ عُمَرَ رَجُلًا يقول: لَبَّيْكَ بِعُمْرَةٍ. فضَرَبَ صَدْرَهُ، وقال: تُعْلِمُه ما فى نَفْسِكَ (١٢). ولَنا، ما رَوَى أنَسٌ، قال: سمِعتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يقول: "لَبَّيْكَ عُمْرَةً وحَجًّا". وقال جابِرٌ: قَدِمْنَا مع النَّبِىِّ ﷺ ، ونحن نقولُ: لَبَّيْكَ بِالحَجِّ. وقال ابنُ عَبَّاسٍ: قَدِمَ رسولُ اللَّه ﷺ وأصْحابُه، وهم يُلَبُّونَ بِالحَجِّ. وقال ابنُ عمرَ: بَدَأ رسولُ اللهِ ﷺ فأهَلَّ بِالعُمْرَةِ، ثم أهَلَّ بالحَجِّ. مُتَّفَقٌ على هذه الأحادِيثِ (١٣). وقالَ أنَسٌ:

стр. 2247

سَمِعْتُهُم يَصْرُخُونَ بهما صُرَاخًا. رَوَاهُ البُخَارِىُّ (١٤). وقال أبو سَعِيدٍ: خَرَجْنَا مع النَّبِىِّ ﷺ نَصْرُخُ بِالحَجِّ فحَلَلْنَا، فلما كان يَوْمُ التَّرْوِيةِ لبَّيْنَا بِالحَجِّ، وانْطَلَقْنَا إلى مِنًى (١٥). وهذه الأحادِيثُ أصَحُّ وأكْثَرُ من حَدِيثِهم. وقولُ ابنِ عمرَ يُخَالِفُه قَوْلُ أبِيه؛ فإنَّ النَّسَائِىَّ رَوَى بإسْنَادِه، عن الضَّبِّىِّ بن مَعْبَدٍ، أنَّه أوَّلَ ما حَجَّ لَبَّى بالحَجِّ والعُمْرَةِ جَمِيعًا، ثم ذَكَرَ ذلك لِعمرَ. فقال: هُدِيتَ لِسُنَّةِ نَبِيِّكَ (١٦). وإن لم يَذْكُرْ ذلك فى تَلْبِيَتِه، فلا بَأْسَ؛ فإنَّ النِّيَّةَ مَحَلُّهَا القَلْبُ، واللهُ أعْلَمُ (١٧) بها. فصل: وإن حَجَّ عن غيرِه، كَفَاهُ مُجَرَّدُ النِّيَّةِ عنه. قال أحمدُ: لا بَأْسَ بالحَجِّ عن الرَّجُلِ، ولا يُسَمِّيه. وإن ذَكَرَهُ فى التَّلْبِيَةِ، فحَسَنٌ. قال أحمدُ: إذا حَجَّ عن رَجُلٍ يَقُولُ أوَّلَ ما يُلَبِّى: عن فُلَانٍ. ثم لا يُبَالِى أن لا يَقُولَ بعدُ. وذلك لِقَوْلِ النَّبِىِّ ﷺ ، لِلَّذِى سَمِعَه يُلَبِّى عن شُبْرُمَةَ: "لَبِّ عن نَفْسِكَ، ثُمَّ لَبِّ عَنْ شُبْرُمَةَ" (١٨). ومتى أتَى بهما جميعا، بَدَأ بِذِكْرِ العُمْرَةِ. نَصَّ عليه أحمدُ فى مَوَاضِعَ؛ وذلك لِقَوْلِ أنَسٍ: إنَّ النَّبِىَّ ﷺ قال: "لبَّيْكَ بِعُمْرَةٍ وحَجٍّ" (١٩). ٥٦٤ - مسألة؛ قال: (ثُمَّ لَا يَزَالُ يُلَبِّى إذَا عَلَا نَشْزًا، أوْ هَبَطَ وَادِيًا، وإذَا الْتَقَتِ الرِّفَاقُ، وإذَا غَطَّى رَأْسَه ناسِيًا، وفِى دُبُرِ الصَّلَوَاتِ الْمَكتوبَةِ) يُسْتَحَبُّ اسْتدامَةُ التَّلْبِيَةِ، والإكْثَارُ منها على كُلِّ حالٍ؛ لما رَوَى ابنُ مَاجَه (١)،

стр. 2248

عن عبدِ اللهِ بن عامِرِ بن رَبِيعَةَ، قال: قال رسولُ اللَّه ﷺ : "مَا مِنْ مُسْلِمٍ يَضْحَى للَّه، يُلَبِّى حَتَّى تَغِيبَ الشَّمْسُ، إلَّا غَابَتْ بِذُنُوبِهِ، فَعَادَ كَمَا وَلَدَتْهُ أُمُّهُ". وهى أشَدُّ اسْتِحْبَابًا فى المَوَاضِعِ التى سَمَّى الْخِرَقِىُّ؛ لما رَوَى جَابِرٌ، قال: كان رسولُ اللهِ ﷺ يُلَبِّى فى حَجَّتِه إذا لَقِىَ رَاكِبًا، أو عَلَا أكَمَةً (٢)، أو هَبَطَ وَادِيًا، وفى أدْبَارِ الصَّلَوَاتِ المَكْتُوبَةِ، ومن آخرِ اللَّيْلِ (٣). وقال إبْراهيمُ النَّخَعِىُّ: كانوا يَسْتَحِبُّونَ التَّلْبِيَةَ دُبُرَ الصلاةِ المَكْتُوبَةِ، وإذا هَبَطَ وَادِيًا، وإذا عَلَا نَشْزًا (٤)، وإذا لَقِىَ رَاكِبًا، وإذا اسْتَوَتْ به رَاحِلَتُه. وبهذا قال الشَّافِعِىُّ. وقد كان قبلُ يقولُ مثلَ قَوْلِ مالِكٍ: لا يُلَبّى عندَ اصْطِدَامِ الرِّفاقِ. وقولُ النَّخَعِىِّ يَدُلُّ على أنَّ السَّلَفَ، ﵏، كانوا يَسْتَحِبُّونَ ذلك، والحَدِيثُ يَدُلُّ عليه أيضا. فصل: ويُجْزِئُ من التَّلْبِيَةِ فى دُبُرِ الصلاةِ مَرَّةٌ واحِدَةٌ. قال الأثْرَمُ: قلتُ لأبى عبدِ اللهِ: ما شىءٌ يَفْعَلُه العَامَّةُ، يُلبُّونَ فى دُبُرِ الصلاةِ ثلاثَ مَرَّاتٍ؟ فتَبَسَّمَ، وقال: ما أدْرِى مِن أينَ جاءُوا به؟ قلتُ: أليس يُجْزِئُه مَرَّةٌ وَاحِدَةٌ؟ قال: بَلَى. وهذا لأنَّ المَرْوِىَّ التَّلْبِيَةُ مُطْلَقًا مِن غير تَقْيِيدٍ، وذلك يَحْصُلُ بِمَرَّةٍ وَاحِدَةٍ، وهكذا التَّكْبِيرُ فى أدْبارِ الصَّلَوَاتِ فى أيَّامِ الأضْحَى وأَيَّامِ التَّشْرِيقِ. ولا بَأْسَ بالزِّيادَةِ على مَرَّةٍ؛ لأنَّ ذلك زِيَادَةُ ذِكْرٍ وخَيْر، وتَكْرَارُه ثلاثًا حَسَنٌ؛ فإنَّ اللهَ وِتْرٌ يُحِبُّ الوِتْرَ. فصل: ولا يُسْتَحَبُّ رَفْعُ الصَّوْتِ بِالتَّلْبِيَةِ فى الأمْصَارِ، ولا فى مَساجِدِها، إلَّا فى مَكَّةَ والمَسْجِدِ الحَرامِ؛ لما رُوِىَ عن ابنِ عَبَّاسٍ، أنَّه سَمِعَ رَجُلًا يُلَبِّى بالمَدِينَةِ، فقال: إنَّ هذا لَمَجْنونٌ، إنَّما التَّلْبِيَة إذا بَرَزْتَ. وهذا قَوْلُ مَالِكٍ. وقال الشَّافِعِىُّ: يُلَبِّى فى المَساجِدِ كُلِّها، ويَرْفَعُ صَوْتَهُ، أخْذًا من عُمُومِ الحديثِ.

стр. 2249

ولَنا، قولُ ابنِ عَبَّاسٍ، ولأنَّ المَساجِدَ إنَّما بُنِيَتْ لِلصلاةِ، وجاءَتِ الكَراهَةُ لِرَفْعِ الصَّوْتِ فيها عَامًّا إلَّا الإمامَ خَاصَّةً، فوَجَبَ إبْقاؤُها على عُمُومِها. فأمَّا مَكَّةُ فتُسْتَحَبُّ التَّلْبِيَةُ فيها؛ لأنَّها مَحَلُّ النُّسُكِ، وكذلك المسجدُ الحرامُ، وسائِرُ مَساجدِ الحَرَمِ، كمسجدِ مِنًى، وفى عَرَفَاتٍ أيضا. فصل: ولا يُلَبِّى بغيرِ العَرَبِيَّةِ، إلَّا أن يَعْجِزَ عنها، لأَنَّه ذِكْرٌ مَشْرُوعٌ، فلا يُشْرَعُ بغيرِ العَرَبِيَّةِ، كالأذانِ والأذْكارِ المَشْرُوعَةِ فى الصلاةِ. فصل: ولا بَأْسَ بِالتَّلْبِيَةِ فى طَوافِ القُدُومِ. وبه يقولُ ابنُ عَبَّاسٍ، وعَطاءُ بن السَّائِبِ، ورَبِيعَةُ بن [أبى] عبدِ الرحمنِ، وابنُ أبى لَيْلَى، ودَاوُدُ، والشَّافِعِىُّ. وَرُوِىَ عن سالمِ بن عبدِ اللهِ أنَّه قال: لا يُلَبِّى حَوْلَ الْبَيْتِ (٥). وقال ابنُ عُيَيْنَةَ: ما رَأيْنا أحَدًا [يُقْتَدَى به] (٦) يُلَبِّىَ حَوْلَ البَيْتِ إلَّا عَطَاءَ بن السَّائِبِ. وذَكَرَ أبو الخَطَّابِ، أنَّه لا يُلَبِّى. وهو قولٌ لِلشَّافِعِىِّ؛ لأنَّه مُشْتَغِلٌ بِذِكْرٍ يَخُصُّه، فكان أوْلَى. ولَنا، أنَّه زَمَنُ التَّلْبِيَةِ، فلم يُكْرَهْ له، كما لو لم يَكُنْ حَوْلَ البَيْتِ، ويُمْكِنُ الجَمْعُ بين التَّلْبِيَةِ والذِّكْرِ المَشْرُوعِ فى الطَّوافِ. ويُكْرَهُ له رَفْعُ الصَّوْتِ بِالتَّلْبِيَةِ، لئَلَّا يَشْغَلَ الطَّائِفِينَ عن طَوَافِهِم وأذْكارِهِم. وإذا فَرَغَ من التَّلْبِيَةِ صَلَّى علَى النَّبِىِّ ﷺ ، ودَعا بما أحَبَّ من خَيْرِ الدُّنْيَا والآخِرَةِ؛ لما رَوَى الدَّارَقُطنِىُّ (٧)، بإسْنادِه عن خُزَيْمَةَ بن ثابِتٍ، أنَّ رسولَ اللهِ ﷺ ، كان إذا فَرَغَ من تَلْبِيَتِه، سَألَ اللهَ مَغْفِرَتَه وَرِضْوَانَه، واسْتَعَاذَه بِرَحْمَتِه من النَّارِ. وقال القاسمُ بن محمدٍ: يُسْتَحَبُّ لِلرَّجُلِ إذا فَرَغَ من تَلْبِيَتِه، أن يُصَلِّىَ على محمدٍ ﷺ . وجاءَ [فى التَّفْسِيرِ] (٨)، فى تَأْوِيلِ قَوْلِه تعالى: ﴿وَرَفَعْنَا

стр. 2250

لَكَ ذِكْرَكَ﴾ (٩): لا أُذْكَرُ إلَّا ذُكِرْتَ مَعِى (١٠). ولأنَّ أكْثَرَ المَواضِع التى شُرِعَ (١١) فيها ذِكْرُ اللهِ تعالى، شُرِعَ فيها ذِكْرُ نَبِيِّهِ ﵇، كالأذانِ والصلاةِ. فصل: ولا بَأْسَ أن يُلَبِّىَ الحَلالُ. وبه قال الحسنُ، والنَّخَعِىُّ، وعَطاءُ بن السَّائِبِ، والشَّافِعِىُّ، وأبو ثَوْرٍ، وابنُ المُنْذِرِ، وأصْحابُ الرَّأْىِ. وكَرِهَهُ مالِكٌ. ولَنا، أنَّه ذِكْرٌ يُسْتَحَبُّ لِلْمُحْرِمِ، فلم يُكْرَه لِغَيْرِه، كسائِرِ الأذْكارِ. ٥٦٥ - مسألة؛ قال: (وَالْمَرْأَةُ يُسْتَحَبُّ لَهَا أنْ تَغْتَسِلَ عِنْدَ الْإحْرَامِ, وَإنْ كَانَتْ حَائِضًا أو نُفَسَاءَ؛ لِأنَّ النَّبِىَّ ﷺ أمَرَ أسْمَاءَ بِنْتَ عُمَيْسٍ وَهِىَ نُفَسَاءُ أنْ تَغتَسِلَ) وجُمْلَةُ ذلك أنَّ الاغْتِسالَ مَشْرُوعٌ لِلنِّساءِ عندَ الإحْرامِ، كما يُشْرَعُ لِلرِّجالِ؛ لأنَّه نُسُكٌ، وهو فى حَقِّ الحائِضِ والنُّفَساءِ آكَدُ؛ لِوُرُودِ الخَبَرِ فِيهما. قال جابِرٌ: حتَّى أتَيْنَا ذا الحُلَيْفَة، فوَلَدَتْ أسْماءُ بنتُ عُمَيْسٍ محمدَ بن أبى بكرٍ، فأرْسَلَتْ إلى رسولِ اللهِ ﷺ : كيف أصْنَعُ؟ قال: "اغْتَسِلِى، وَاسْتَثْفِرِى بِثَوْبٍ، وأحْرِمِى". رَوَاهُ مُسْلِمٌ (١). وعن ابن عَبَّاسٍ، عن النَّبِىِّ ﷺ ، قال: "النُّفَسَاءُ والحائِضُ، إذَا أتَيَا على الوَقْتِ (٢)، يَغْتَسِلَانِ، ويُحْرِمَانِ، ويَقْضِيَانِ المَنَاسِكَ

стр. 2251

كُلَّها، غَيْرَ الطَّوَافِ بِالْبَيْتِ". رواه أبو دَاوُدَ (٣). وأمَرَ النَّبِىُّ ﷺ عائشةَ أن تَغْتَسِلَ لإهْلَالِ الحَجِّ، وهى حَائِضٌ (٤). وإن رَجَتِ الحائِضُ الطُّهْرَ قبلَ الخُرُوجِ من المِيقَاتِ، أو النُّفَسَاءُ، اسْتُحِبَّ لها تَأْخِيرُ الاغْتِسَالِ حتى تَطْهُرَ؛ لِيكونَ أكْمَلَ لها، فإن خَشِيَتِ الرَّحِيلَ قبلَه، اغْتَسَلَتْ، وأحْرَمَتْ. ٥٦٦ - مسألة؛ قال: (وَمَنْ أحْرَمَ وَعَلَيْهِ قَمِيصٌ خلَعَهُ، ولَمْ يَشُقَّهُ) هذا قولُ أكْثَرِ أهْلِ العِلْمِ. وحُكِىَ عن الشَّعْبِىِّ، والنَّخَعِىِّ، وأبى قِلابَةَ، وأبى صالِحٍ ذَكْوَانَ (١)، أنَّه يَشُقُّ ثِيابَه؛ لِئَلَّا يَتَغطَّى رَأسُه حين يَنْزِعُ القَمِيصَ منه. ولَنا، ما رَوَى يَعْلَى بن أمَيَّةَ، أنَّ رَجُلًا أتَى النَّبِىَّ ﷺ ، فقال: يا رسولَ اللهِ، كيف تَرَى فى رَجُلٍ أحْرَمَ بِعُمْرَةٍ فى جُبَّةٍ، بعدَ ما تَضَمَّخَ بِطِيبٍ؟ فنَظَرَ إليه النَّبِىُّ ﷺ سَاعَةً، ثم سَكَتَ، فجاءَهُ الوَحْىُ، فقال له النَّبِىُّ ﷺ : "أمَّا الطِّيبُ الَّذِى بِكَ فَاغْسِلْهُ، وأمَّا الجُبَّةُ فَانْزِعْها، ثُمَّ اصْنَعْ فِى عُمْرَتِكَ ما تَصْنَعُ فِى حَجِّكَ". مُتَّفَقٌ عليه (٢). وهذا لَفْظُ مُسْلِمٍ. قال عَطاءٌ: كُنَّا قبلَ أن نَسْمَعَ هذا الحَدِيث نقولُ فى مَن أحْرَمَ وعليه قَمِيصٌ أو جُبَّةٌ، فلْيَخْرِقُها عنه. فلما بَلَغَنَا هذا الحَدِيثُ، أخَذْنَا به، وتَرَكْنَا ما كُنَّا نُفْتِى به قبلَ ذلك. ولأنَّ فى شَقِّ الثَّوْبِ إضاعَةَ مَالِيَّتِه، وقد نَهَى النَّبِىُّ ﷺ عن إضاعَةِ المالِ. فصل: وإذا نَزَعَ فى الحالِ، فلا فِدْيَةَ عليه؛ لأنَّ النَّبِىَّ ﷺ لم يَأْمُر الرَّجُلَ

стр. 2252

بِفِدْيَةٍ. وإن اسْتَدامَ اللِّبْسَ بعدَ إمْكانِ نَزْعِه، فعليه الفِدْيَةُ؛ لأنَّ اسْتِدامَةَ اللِّبْسِ مُحَرَّمٌ كابْتِدَائِه، بِدَلِيلِ أنَّ النَّبِىَّ ﷺ أمَرَ الرَّجُلَ بِنَزْعِ جُبَّتِه، وإنَّما لم يَأمُرْهُ بِفِدْيَةٍ لما مَضَى فيما نَرَى (٣)؛ لأنَّه كان جَاهِلًا بِالتَّحْرِيمِ، فجَرَى مَجْرَى النَّاسِى. ٥٦٧ - مسألة؛ قال: (وأشْهُرُ الْحَجِّ: شَوَّالٌ، وذُو القَعْدَةِ، وعَشْرٌ مِنْ ذِى الْحِجَّةِ) هذا قولُ ابنِ مسعودٍ، وابنِ عَبَّاسٍ، وابنِ عمرَ، وابنِ الزُّبَيْرِ، وعَطاءٍ، ومُجاهِدٍ، والحسنِ، والشَّعْبِىِّ، والنَّخَعِىِّ، وقَتَادَةَ، والثَّوْرِىِّ، وأصْحابِ الرَّأْىِ. ورُوِىَ عن عمرَ، وابْنِه، وابنِ عَبَّاسٍ: أشْهُرُ الحجِّ شَوَّالٌ، وذُو القَعْدَةِ، وذُو الحِجَّةِ (١). وهو قولُ مَالِكٍ؛ لأنَّ أقَلَّ الجَمْعِ ثلاثةٌ. وقال الشَّافِعِىُّ: آخِرُ أشْهُرِ الحَجِّ لَيْلَةُ النَّحْرِ، وليس يومُ النَّحْرِ منها؛ لِقَوْلِه تعالى: ﴿فَمَنْ فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ﴾ (٢). ولا يُمْكِنُ فَرْضُه بعدَ لَيْلَةِ النَّحْرِ. ولَنا، قَوْلُ النَّبِىِّ ﷺ : "يَوْمُ الحَجِّ الأَكْبَرِ يَوْمُ النَّحْرِ". رَوَاهُ أبو دَاوُدَ (٣). فكيف يجوزُ أن يكونَ يَوْمُ الحَجِّ

стр. 2253

الأكْبَرِ ليسَ من أشْهُرِه! وأيضا فإنَّه قَوْلُ مَن سَمَّيْنَا من الصَّحابَةِ، ولأنَّ يَوْمَ النَّحْرِ فيه رُكْنُ الحَجِّ، وهو طَوافُ الزِّيارَةِ، وفيه كَثِيرٌ من أفْعالِ الحَجِّ، منها: رَمْىُ جَمْرَةِ العَقَبَةِ، والنَّحْرُ، والحَلْقُ، والطَّوافُ، والسَّعْىُ، والرُّجُوعُ إلى مِنًى، وما بعدَه ليس من أشْهُرِه، لأنَّه ليس بِوَقْتٍ لِإحْرَامِه، ولا لأرْكانِه، فهو كالمُحَرَّمِ، ولا يَمْتَنِعُ التَّعْبِيرُ بِلَفْظِ الجَمْعِ عن شَيْئَيْنِ، وبَعضِ الثَّالِثِ (٤)، فقد قال بَعضُ أهْلِ العَرَبِيَّةِ: عِشْرُونَ جَمْعُ عَشْرٍ. وإنَّما هى عَشْرانِ وبَعْضُ الثَّالِثِ، وقال اللهُ تعالى: ﴿يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ﴾ (٥). والقُرْءُ الطُّهْرُ عندَه، ولو طَلَّقَها فى طُهْرٍ احْتَسَبَتْ بِبَقِيَّتِه. وتَقُولُ العَربُ: ثَلَاثٌ خَلَوْنَ مِن ذِى الحِجَّةِ، وهم فى الثَّالِثَةِ. وقولُه: ﴿فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ﴾. أى فى أكْثَرِهِنَّ، واللهُ أعلمُ.

стр. 2254

بابُ ما يَتَوَقَّى المُحْرِمُ، وما أُبِيحَ له ٥٦٨ - مسألة؛ قال أبو القاسم: (ويَتَوَقَّى فِى إحْرَامِهِ مَا نَهَاهُ اللهُ عَنْهُ، مِنَ الرَّفَثِ، وهُوَ الْجِمَاعُ، والفُسُوقِ، وهُوَ السِّبَابُ، والجِدَالِ، وهو الْمِرَاءُ) يَعْنِى بِقَوْلِه: "ما نَهَاهُ اللهُ عنه" قَوْلَه سُبحانَه: ﴿الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ فَمَنْ فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ فَلَا رَفَثَ وَلَا فُسُوقَ وَلَا جِدَالَ فِي الْحَجِّ﴾ (١). وهذا صِيغَتُه صِيغَةُ النَّفْىِ أُرِيدَ به النَّهْىُ، كقولِه سبحانه: ﴿لَا تُضَارَّ وَالِدَةٌ بِوَلَدِهَا﴾ (٢). والرَّفَثُ: هو الجِماعُ. رُوِىَ ذلك عن ابنِ عَبَّاسٍ، وابنِ عمرَ، وعَطاءِ بن أبى رَباحٍ، وعَطاءِ بن يَسَارٍ، ومُجاهِدٍ، والحسنِ، والنَّخَعِىِّ، والزُّهْرِىِّ، وقَتادَةَ (٣). ورُوِىَ عن ابنِ عَبَّاسٍ، أنَّه قال: الرَّفَثُ: غِشْيَانُ النِّسَاءِ، والتَّقْبِيلُ، والغَمْزُ، وأن يَعْرِضَ لها بالفُحْش (٤) من الكَلَامِ. وقال أبو عُبَيْدَةَ: الرَّفَثُ: لَغَا الكلامِ. وأنْشَدَ قَوْلَ العَجَّاجِ (٥): * عَنِ اللَّغَا ورَفَثِ التَّكَلُّمِ * وقيل: الرَّفَثُ؛ هو ما يُكْنَى عنه من ذِكْرِ الجِماعِ. وَرُوِىَ عن ابنِ عَبَّاسٍ، أنَّه أنْشَدَ بَيْتًا فيه التَّصْرِيحُ بما يُكْنَى عنه من الجِماعِ وهو مُحْرِمٌ (٦)، فقِيلَ له فى ذلك،

стр. 2255

فقال: إنَّما الرَّفَثُ ما رُوجِعَ به النِّساءُ. وفى لَفْظٍ: ما قِيلَ من ذلك عندَ النِّساءِ. وكلُّ ما فُسِّرَ به الرَّفَثُ يَنْبَغِى لِلمُحْرِمِ أن يَجْتَنِبَهُ، إلَّا أنَّه فى الجِماعِ أظْهَرُ؛ لما ذَكَرْنَا من تَفْسِيرِ الأئِمَّةِ له بذلك، ولأنَّه قد جاءَ فى الكِتابِ فى مَوْضِعٍ آخَرَ، وأُرِيدَ به الجِماعُ، قال اللهُ تعالى: ﴿أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ الرَّفَثُ إِلَى نِسَائِكُمْ﴾ (٧) فأمَّا الفُسُوقُ: فهو السِّبَابُ؛ لِقَوْلِ النَّبِىِّ ﷺ : "سِبَابُ المُسْلِمِ فُسُوقٌ". مُتَّفَقٌ عليه (٨). وقِيلَ: الفُسُوقُ: المَعَاصِى. رُوِىَ ذلك عن ابنِ عَبَّاسٍ، وابنِ عمرَ، وعَطاءٍ، وإبراهيمَ. وقالوا أيضًا: الجِدَالُ: المِرَاءُ. وقال ابنُ عَبَّاسٍ: هو أن تُمَارِىَ صَاحِبَكَ حتى تُغْضِبَهُ. والمُحْرِمُ مَمْنُوعٌ مِن ذلك كُلِّه، قال النَّبِىُّ ﷺ : "مَنْ حَجَّ، فَلَمْ يَرْفُثْ، ولَمْ يَفْسُقْ، خَرَجَ مِنْ ذُنُوبِه، كَيَوْمِ وَلَدَتْهُ أُمُّهُ". مُتَّفَقٌ عليه (٩). وقال مُجاهِدٌ، فى قَوْلِه تعالى: ﴿وَلَا جِدَالَ فِي الْحَجِّ﴾ (١٠). أى: لا مُجَادَلَةَ، ولا شَكَّ فى الحَجِّ أنَّه فى ذِى الْحِجَّةِ. وقَوْلُ الجُمْهُورِ أَوْلَى. ٥٦٩ - مسألة؛ قال: (ويُسْتَحَبُّ له قِلَّةُ الكَلَامِ، إلَّا فِيمَا يَنْفَعُ، وقَدْ رُوِىَ عَنْ شُرَيْحٍ، أنَّه كَانَ إذَا أَحْرَمَ كَأنَّهُ حَيَّةٌ صَمَّاءُ)

стр. 2256

وجُمْلَةُ ذلك أنَّ قِلَّةَ الكلامِ فيما لا يَنْفَعُ مُسْتَحَبَّةٌ فى كل حالٍ، صِيَانَةً لِنَفْسِه عن اللَّغْوِ، والوُقُوعِ فى الكَذِبِ، وما لا يَحِلُّ، فإنَّ مَن كَثُرَ كَلَامُه كَثُرَ سَقَطُهُ، وفى الحديثِ، عن أبى هُرَيْرَةَ، عن رسولَ اللهِ ﷺ ، أنَّه قال: "مَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ، فَلْيَقُلْ خَيْرًا أوْ لِيَصْمُتْ" (١). قال التِّرْمِذِىُّ: هذا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ. مُتَّفَقٌ عليه. وعنه قال: قال رسولُ اللهِ ﷺ : "مِنْ حُسْنِ إسْلَامِ المَرْءِ، تَرْكُهُ مَا لَا يَعْنِيهِ" (٢). رَوَاهُ ابنُ عُيَيْنَةَ، عن الزُّهْرِىِّ، عن أبِى سَلَمَةَ، عن أبِى هُرَيْرَةَ. وَرُوِىَ فى "المُسْنَدِ" (٣)، عن الحسينِ بنِ علىٍّ، عن النَّبِىِّ ﷺ . وقال أَبو دَاوُدَ: أُصُولُ السُّنَنِ أرْبَعَةُ أحادِيثَ، هذا أحَدُها. وهذا فى حالِ الإحْرامِ أشَدُّ اسْتِحْبَابًا؛ لأنَّه حالُ (٤) عِبادَةٍ واسْتِشْعَارٍ بِطَاعَةِ اللهِ ، فَيُشْبِهُ الاعْتِكافَ، وقد احْتَجَّ أحمدُ على ذلك، بأنَّ شُرَيْحًا، ﵀، كان إذا أحْرَم كَأنَّه حَيَّةٌ صَمَّاءُ. فيُسْتَحَبُّ لِلْمُحْرِمِ أن يَشْتَغِلَ بِالتَّلْبيَةِ، وَذِكْرِ اللهِ تعالى، أو قِراءَةِ القُرْآنِ، أو أمْرٍ بِمَعْرُوفٍ، أو نَهْى عن مُنْكَرٍ، أَو تَعْلِيمٍ لِجَاهِلٍ، أو يَأْمُرَ بِحَاجَتِه، أو يَسْكُتَ، وإن تَكَلَّمَ بما لا مَأثَمَ فيه، أو أنْشَدَ شِعْرًا لا يَقْبُحُ، فهو

стр. 2257

مُباحٌ، ولا يُكْثِرْ، فقد رُوِىَ عن عمرَ، رَضِىَ اللهُ عنه، أنَّه كان على نَاقَةٍ له وهو مُحْرِمٌ، فجَعَلَ يقولُ (٥): كأنَّ رَاكِبَها غُصْنٌ بِمَرْوَحَةٍ ... إذا تَدَلَّتْ به أو شارِبٌ ثَمِلُ (٦) اللهُ أكْبَرُ، اللهُ أكْبَرُ (٧). وهذا يَدُلُّ على الإباحَةِ، والفَضِيلَةُ (٨) الأوَّلُ. ٥٧٠ - مسألة؛ قال: (وَلَا يَتَفَلَّى المُحْرِمُ، ولَا يَقْتُلُ الْقَمْلَ، ويَحُكُّ رَأسَهُ وجَسَدَهُ حَكًّا رَفِيقًا) اخْتَلَفَتِ الرِّوَايَةُ عن أحمدَ، ﵀، فى إباحَةِ قَتْلِ القَمْلِ، فعنهُ إباحَتُه؛ لأنَّه من أكْثَرِ الهَوَامِّ أذًى، فأُبِيحَ قَتْلُه، كالبَراغِيثِ وسائِرِ ما يُؤْذِى، وقولُ النَّبِىِّ ﷺ : "خَمْسٌ فَوَاسِقُ يُقْتَلْنَ فِى الحِلِّ والحَرَمِ" (١). يَدُلُّ بِمَعْنَاه على إباحَةِ قَتْلِ كُلِّ ما يُؤْذِى بنِى آدَمَ فى أنْفُسِهِمْ وأمْوالِهم. وعنه أنَّ قَتْلَهُ مُحَرَّمٌ. وهو ظاهِرُ كلامِ الخِرَقِىِّ، لأنَّه يَتَرَفَّهُ بإِزَالَتِه عنه، فحُرِّمَ كقَطْعِ الشَّعْرِ، ولأنَّ النَّبِىَّ ﷺ رأى كَعْبَ ابن عُجْرَةَ والقَمْلُ يَتَنَاثَرُ على وَجْهِه، فقال له: "احْلِقْ رَأسَكَ" (٢). فلو

стр. 2258

كان قَتْلُ القَمْلِ أو إزَالَتُه مُبَاحًا، لم يكنْ كَعْبٌ لِيَتْرُكَه حتى يَصِيرَ كذلك، أو لَكان النَّبِىُّ ﷺ أمَرَهُ بإزَالَتِه خَاصَّةً. والصِّئْبَانُ كالقَمْلِ فى ذلك، ولا فَرْقَ بين قَتْلِ القَمْلِ، أو إزَالَتِه بإلْقائِه على الأرْضِ، أو قَتْلِه بالزِّئْبَقِ، فإنَّ قَتْلَهُ لم يَحْرُمْ لِحُرْمَتِه، لكن لِما فيه من التَّرَفُّهِ، فعَمَّ المَنْعُ إزَالَتَه كيفما كانتْ (٣). ولا يَتَفَلَّى، فإنَّ التَّفَلِّى عِبارَةٌ عن إزَالَةِ القَمْلِ، وهو مَمْنُوعٌ منه. ويجوزُ له حَكُّ رَأْسِه، ويَرْفُقُ فى الحَكِّ، كيلا يَقْطَعَ شَعْرًا، أو يَقْتُلَ قَمْلَةً، فإن حَكَّ فرَأى فى يَدِه شَعْرًا، أحْبَبْنَا أن يَفْدِيَهُ احْتِيَاطًا، ولا يَجِبُ عليه حتى يَسْتَيْقِنَ أنَّه قَلَعَهُ. قال بعضُ أصْحابِنا: إنَّما اخْتَلَفَتِ الرِّوَايَةُ فى القَمْلِ الذى فى شَعْرِهِ، فأمَّا ما ألْقاهُ من ظاهِرِ بَدَنِه، فلا فِدْيَةَ فيه. فصل: فإن خَالَفَ وتَفَلَّى، أو قَتَلَ قَمْلًا، فلا فِدْيَةَ فيه؛ فإنَّ كَعْبَ بن عُجْرَةَ حين حَلَقَ رَأْسَه، قد أذْهَبَ قَمْلًا كَثِيرًا، ولم يَجِبْ عليه لذلك شىءٌ، وإنَّما وَجَبَتِ الفِدْيَةُ بِحَلْقِ الشَّعْرِ، ولأنَّ القَمْلَ لا قِيمَةَ له، فأشْبَهَ البَعُوضَ والبَراغِيثَ، ولأنَّه ليس بِصَيْدٍ، ولا هو مَأْكُولٌ، وحُكِىَ عن ابنِ عمرَ قال: هى أهْوَنُ مَقْتُولٍ. وسُئِلَ ابنُ عَبَّاسٍ، عن مُحْرِمٍ ألْقَى قَمْلَةً، ثم طَلَبَها فلم يَجِدْها. فقال: تِلْكَ ضَالَّةٌ لا تُبتَغَى. وهذا قولُ طاوُسٍ، وسَعِيدِ بن جُبَيْرٍ، وعَطاءٍ، وأبى ثَوْرٍ، وابنِ المُنْذِرِ.

стр. 2259

وعن أحمدَ فى مَن قَتَلَ قَمْلَةً، قال: يُطْعِمُ شيئًا. فعلى هذا أىُّ شىءٍ تَصَدَّقَ به أجْزَأهُ، سواءٌ قَتَلَ كثِيرًا أو قَلِيلًا. وهذا قولُ أصْحابِ الرَّأْىِ. وقال إسحاقُ: تَمْرَةٌ فما فَوْقَها. وقال مَالِكٌ: حَفْنَةٌ من طَعَامٍ. ورُوِىَ ذلك عن ابنِ عمرَ. وقال عَطاءٌ: قَبْضَةٌ من طَعَامٍ. وهذه الاْقْوَالُ كلُّها تَرْجِعُ إلى ما قُلْنَاهُ، فإنَّهم لم يُرِيدُوا بذلك التَّقْدِيرَ، وإنَّما هو على التَّقْرِيبِ لِأقَلِّ ما يُتَصَدَّقُ به. فصل: ولا بَأْسَ أن يَغْسِلَ المُحْرِمُ رَأسَهُ وبَدَنَهُ بِرِفْقٍ، فَعَلَ ذلك عمرُ، وابْنُه، وَرَخَّصَ فيه علىٌّ، وجابِرٌ، وسعيدُ (٤) بن جُبَيْرٍ، والشَّافِعِىُّ، وأبو ثَوْرٍ، وأصْحابُ الرَّأْىِ. وكَرِهَ مَالِكٌ لِلْمُحرِمِ أن يَغْطِسَ فى الماءِ، ويُغَيِّبَ فيه رَأْسَه. ولَعَلَّه ذَهَبَ إلى أنَّ ذلك سِتْرٌ له، والصَّحِيحُ أنَّه لا بَأْسَ بذلك، وليس ذلك بِسِتْرٍ، ولهذا لا يَقُومُ مَقامَ السُّتْرَةِ فى الصلاةِ، وقد رُوِىَ عن ابنِ عَبَّاسٍ، قال: رُبَّما قال لى عمرُ ونحن مُحْرِمُونَ بالجُحْفَةِ: تَعَال أُبَاقِيكَ (٥) أيُّنَا أَطْوَلُ نَفَسًا فى الماءِ. وقال: رُبَّما قامَسْتُ (٦) عمرَ بن الخَطَّابِ بالْجُحْفَةِ ونحن مُحْرِمُونَ. رَوَاهُما سَعِيدٌ. ولأنَّه ليس بسِتْرٍ مُعْتادٍ، أشْبَهَ صَبَّ الماءِ عليه، أو وَضْعَ يَدَيهِ عليه. وقد رَوَى عبدُ اللهِ ابن حُنَيْنٍ (٧)، قال: أرْسَلَنِى ابنُ عَبّاسٍ إلى أبى أيُّوبَ الأنْصَارِىِّ، فأتَيْتُه وهو يَغْتَسِلُ، فسَلَّمْتُ عليه، فقال: مَن هذا؟ فقلتُ: أنا عبدُ اللهِ بن حُنَيْنٍ (٧)، أرْسَلَنِى إليك عبدُ اللهِ بن عَبَّاسٍ يَسْأَلُكَ: كيف كان رسولُ اللهِ ﷺ يَغْسِلُ رَأْسَهُ وهو مُحْرِمٌ؟ فوَضَعَ أبو أيُّوبَ يَدَهُ على الثَّوْبِ، فطَأْطَأَهُ حتى بَدَا لى رَأْسُه، ثم قال

стр. 2260

لإنْسَانٍ يَصُبُّ عليه الماءَ: صُبَّ. فصَبَّ على رَأْسِه، ثم حَرَّكَ رَأسَه بِيَدَيْه، فأقبَلَ بهما وأدْبَرَ، ثم قال: هكذا رَأيْتُ رسولَ اللهِ ﷺ يَفْعَلُ. مُتَّفَقٌ عليه (٨). وأجْمَعَ أهْلُ العِلْمِ على أن المُحْرِمَ يَغْتَسِلُ من الجَنَابَةِ. فصل: ويُكْرَهُ له غَسْلُ رَأْسِه بالسِّدْرِ (٩) والخِطْمِىِّ (١٠) وَنحْوِهِما؛ لما فيه من إزَالَةِ الشَّعَثِ، والتَّعَرُّضِ لِقَلْعِ الشَّعْرِ. وكَرِهَهُ جابِرُ بنُ عبدِ اللهِ، ومَالِكٌ، والشَّافِعِىُّ، وأصْحابُ الرَّأْىِ. فإن فَعَلَ فلا فِدْيَةَ عليه. وبهذا قال الشَّافِعِىُّ، وأبو ثَوْرٍ، وابنُ المُنْذِرِ. وعن أحمدَ: عليه الفِدْيَةُ. وبه قال مالِكٌ، وأبو حنيفةَ. وقال صَاحِبَاهُ: عليه صَدَقَةٌ؛ لأنَّ الَخِطْمِىَّ تُسْتَلَذُّ رَائِحَتُه، وتُزِيلُ الشَّعَثَ، وتَقْتُلُ الهَوَامَّ، فوَجَبَتْ به الفِدْيَةُ كالوَرْسِ (١١). ولَنا، أنَّ النَّبِىَّ ﷺ قال، فى المُحْرِمِ الذى وَقَصَهُ بَعِيرُه (١٢): "اغْسِلُوهُ بِمَاءٍ وَسِدْرٍ، وكَفِّنُوهُ فى ثَوْبَيْهِ، ولَا تُحَنِّطُوهُ، ولا تُخَمِّرُوا رَأْسَهُ؛ فَإنَّهُ يُبْعَثُ يَوْمَ القِيَامَةِ مُلَبِّيًا". مُتَّفَقٌ عليه (١٣). فأمَرَ بِغَسْلِه بالسِّدْرِ، مع إثْباتِ حُكْمِ الإحْرامِ فى حَقِّهِ، والخِطْمِىُّ كَالسِّدْرِ. ولأنَّه ليس بِطِيبٍ، فلم تَجِب الفِدْيَةُ بِاسْتِعْمَالِه كالتُّرَابِ. وقَوْلُهم: تُسْتَلَذُّ رَائِحَتُه.

стр. 2261

مَمْنُوعٌ، ثم يَبْطُلُ بالفَاكِهَةِ ونَفْضِ (١٤) التُّرَابِ. وإزَالَةُ الشَّعَثِ تَحْصُلُ بذلك أيضًا، وقَتْلُ الهَوَامِّ لا يُعْلَمُ حُصُولُه، ولا يَصِحُّ قِيَاسُه على الوَرْسِ؛ لأنَّه طِيبٌ، ولذلك لو اسْتَعْمَلَهُ فى غيرِ الغَسْلِ، أو فى ثَوْبٍ لَمُنِعَ (١٥) منه، بِخِلافِ مَسْألَتِنَا. ٥٧١ - مسألة؛ قال: (وَلَا يَلْبَسُ الْقَمِيصَ (١)، ولَا السَّرَاوِيلَ، ولَا البُرْنُسَ) قال ابنُ المُنْذِرِ: أجْمَعَ أهْلُ العِلْمِ على أنَّ المُحْرِمَ مَمْنُوعٌ من لُبْسِ القُمُص (٢)، والعَمائمِ، والسَّرَاوِيلاتِ، والخِفافِ، والبَرَانِسِ. والأصْلُ فى هذا ما رَوَى ابنُ عمرَ، أنَّ رجلًا سألَ رسولَ اللهِ ﷺ : ما يَلْبَسُ المُحْرِمُ من الثِّيابِ؟ فقال رسولُ اللهِ ﷺ : "لا يَلْبَسُ القُمُصَ، ولَا العَمَائِمَ، ولَا السَّرَاوِيلَاتِ، ولَا البَرَانِسَ، ولَا الخِفَافَ، إلَّا أحَدًا لا يَجِدُ نَعْلَيْن، فَلْيَلْبَسِ الْخُفَّيْنِ، ولْيَقْطَعْهُمَا أسْفَلَ مِنَ الكَعْبَيْنِ، ولا يَلْبَسْ مِنَ الثِّيَابِ شَيْئًا مَسَّهُ الزَّعْفَرَانُ، ولَا الوَرْسُ". مُتَّفَقٌ عليه (٣). نَصَّ النَّبِىُّ ﷺ على هذه الأشْياءِ، وألْحَقَ بها أهْلُ العِلْمِ ما فى مَعْناهَا، مثلَ الجُبَّةِ، والدُّرَّاعَةِ (٤)، والتُّبَّانِ (٥)، وأشْباهِ ذلك. فليس لِلْمُحْرِمِ سَتْرُ بَدَنِه بما عُمِلَ على قَدْرِه، ولا سَتْرُ [عُضْوٍ من] (٦) أعْضائِه بما عُمِلَ على قَدْرِه، كالقَمِيصِ لِلْبَدَنِ، [والسَّرَاوِيلِ لِبَعْضِ البَدَنِ] (٧)، والقُفَّازَيْنِ لِلْيَدَيْنِ، والخُفَّيْنِ لِلرِّجْلَيْنِ، ونحوِ

стр. 2262

ذلك، وليس فى هذا كله اخْتِلَافٌ. قال ابنُ عبدِ البَرِّ: لا يجوزُ لباسُ شىءٍ مِن المَخِيطِ عندَ جَمِيعِ أهْلِ العِلْمِ، وأجْمَعُوا على أنَّ المُرَادَ بهذا الذُّكُورُ دُونَ النِّساءِ. ٥٧٢ - مسألة؛ قال: (فَإنْ لم يَجِدْ إزَارًا، لَبِسَ السَّرَاوِيلَ، وَإنْ لَمْ يَجِدْ نَعْلَيْنِ، لَبِسَ الخُفَّيْنِ، ولَا يَقْطَعْهُما، ولَا فِدَاءَ عَلَيْهِ) لا نَعْلَمُ خِلافًا بين أهْلِ العِلْمِ، فى أنَّ لِلْمُحْرِمِ أن يَلْبَسَ السَّراوِيلَ، إذا لم يَجِدِ الإزارَ، والخُفَّيْنِ إذا لم يَجِدْ نَعْلَيْنِ. وبهذا قال عَطاءٌ، وعِكْرِمَةُ، والثَّوْرِىُّ، ومَالِكٌ، والشَّافِعِىُّ، وإسحاقُ، وأصْحابُ الرَّأْىِ، وغَيْرُهم. والأصْلُ فيه ما رَوَى ابن عَبَّاسٍ، قال: سمعتُ النَّبِىَّ ﷺ يَخْطُبُ بِعَرَفَاتٍ، يقولُ: "مَنْ لَمْ يَجِدْ نَعْلَيْنِ فَلْيَلْبَس الخُفَّيْنِ، وَمَنْ لَمْ يَجِدْ إزَارًا فَلْيَلْبَس سَرَاوِيلَ لِلْمُحْرِمِ". مُتَّفَقٌ عليه (١). ورَوَى جابِرٌ، عن النَّبِىِّ ﷺ مِثْلَ ذلك. أخْرَجَهُ مُسْلِمٌ (١). ولا فِدْيَةَ عليه فى لُبْسِهما عندَ ذلك، فى قَوْلِ مَن سَمَّيْنَا، إلَّا مَالِكًا وأبا حنيفةَ، قالا: على كُلِّ (٢) مَن لَبِسَ السَّرَاوِيلَ الفِدْيَةُ؛ لِحديثِ ابنِ عمرَ الذى قَدَّمْناهُ (٣). ولأنَّ ما وَجَبَتِ الفِدْيَةُ بِلُبْسِه مع وُجُودِ الإزَارِ، وَجَبَتْ مع عَدَمِه، كالقَمِيصِ. ولَنا، خَبَرُ ابنِ عَبّاسٍ، وهو صَرِيحٌ فى الإباحةِ، ظَاهِرٌ فى إسْقِاطِ الفِدْيَةِ، لأنَّه أُمرَ بِلُبْسِه، ولم يَذْكُرْ فِدْيَةً، ولأنَّه يَخْتَصُّ لُبْسُه بِحالَةِ عَدَمِ غَيْرِه، فلم تَجِبْ به فِدْيَةٌ، كالخُفَّيْنِ المَقْطُوعَيْنِ. وحديثُ ابنِ عمرَ مَخْصُوصٌ بِحديثِ ابنِ عَبَّاسٍ وجابِرٍ. فأمَّا القَمِيصُ فيُمْكِنُه أن يَتَّزِرَ به من غير لُبْسٍ، ويَسْتَتِرَ، بِخِلافِ السَّرَاوِيلِ. فصل: وإذا لَبِسَ الخُفَّيْنِ، لِعَدَمِ النَّعْلَيْنِ، لم يَلْزَمْهُ قَطْعُهما، فى المَشْهُورِ عن أحمدَ، ويُرْوَى ذلك عن علىِّ بن أبِى طالِب، رضِىَ اللهُ عنه. وبه قال عَطاءٌ،

стр. 2263

وعِكْرِمَةُ، وسَعِيدُ بن سَالِمٍ القَدَّاحُ (٤). وعن أحمَدَ، أنَّه يَقْطَعُهما، حتى يَكُونا أسْفَلَ من الكَعْبَيْنِ، فإنْ لَبِسَهما من غيرِ قَطْعٍ، افْتَدَى. وهذا قولُ عُرْوَةَ بن الزُّبَيْرِ، ومالِكٍ، والثَّوْرِىِّ، والشَّافِعِىِّ، وإسحاقَ، وابنِ المُنْذِرِ، وأصْحابِ الرَّأْىِ؛ لما رَوَى ابنُ عمرَ، عن النَّبِىِّ ﷺ ، أنَّه قال: "فَمَنْ لَمْ يَجِدْ نَعْلَيْنِ، فَلْيَلْبَس الخُفَّيْنِ، ولْيَقْطَعْهُمَا، حَتَّى يَكُونَا أسْفَلَ مِنَ الكَعْبَيْنِ". مُتَّفَقٌ عليه (٥)، وهو مُتَضَمِّنٌ لِزيادَةٍ على حديثِ ابنِ عَبّاسٍ، وجابِرٍ، والزِّيادَةُ من الثِّقَةِ مَقْبُولَةٌ. قال الخَطَّابِىُّ (٦): العَجَبُ من أحمدَ فى هذا، فإنَّه لا يَكادُ يُخَالِفُ سُنَّةً تَبْلُغُه، وقَلَّتْ سُنَّةٌ لم تَبْلُغْهُ. واحْتَجَّ أحمدُ بِحديثِ ابنِ عَبَّاسٍ، وجابِرٍ: مَنْ لَمْ يَجِدْ نَعْلَيْنِ، فَلْيَلْبَسْ خُفَّيْنِ". مع قولِ علىٍّ رَضِىَ اللهُ عنه: قَطْعُ الخُفَّيْنِ فَسَادٌ، يَلْبَسُهما كما هما. مع مُوافَقَةِ القِياس، فإنَّه مَلْبُوسٌ أُبِيحَ لِعَدَمِ غيرِه، فأشْبَهَ السَّرَاوِيلَ، وقَطْعُه لا يُخْرِجُهُ عن حَالَةِ الحَظْرِ (٧)، فإنَّ لُبْسَ المَقْطُوعِ مُحَرَّمٌ مع القُدْرَةِ على النَّعْلَيْنِ، كلُبْسِ الصَّحِيحِ، وفيه إتْلافُ مَالِه، وقد نَهَى النَّبِىُّ ﷺ عن إضَاعَتِه. فأمَّا حديثُ ابنِ عمرَ، فقد قِيلَ إنَّ قَوْلَه: "ولْيَقْطَعْهُما" مِن كلامِ نَافِعٍ. كذلك رَويْنَاهُ فى "أمالِى أبى القَاسِمِ بن بِشْرَانَ" (٨)، بإسْنادٍ صَحِيحٍ، أنَّ نَافِعًا قال بعدَ رِوَايَتِه لِلْحَدِيثِ: وْليَقْطَع الخُفَّيْنِ أسْفَلَ من الكَعْبَيْنِ. ورَوَى ابنُ أبى موسى، عن صَفِيَّةَ بنت أبِى عُبَيْدٍ، عن عائشةَ، رَضِىَ اللهُ عنها، أنَّ رسولَ اللهِ ﷺ ، رَخَّصَ لِلْمُحْرِمِ أنْ يَلْبَسَ الخُفَّيْنِ، ولا يَقْطَعَهُما، وكان ابنُ عمرَ يُفْتِى

стр. 2264

بِقَطْعِهما، قالتْ صَفِيَّة: فلما أخْبَرْتُه بهذا رَجَعَ (٩). ورَوَى أبو حَفْصٍ، فى "شَرْحِه" بإسْنَادِه عن عبدِ الرحمنِ بن عَوْفٍ، أنَّه طافَ وعليه خُفَّانِ، فقال له عمرُ: والخُفَّانِ مع القَبَاءِ! فقال: قد لَبِسْتُهما مع مَنْ هو خَيْرٌ منك (١٠). يَعْنِى رسولَ اللهِ ﷺ . ويَحْتَمِلُ أن يكونَ الأمْرُ بِقَطْعِهما مَنْسُوخًا؛ فإنَّ عَمْرَو بنَ دِينَارٍ رَوَى الحَدِيثَيْنِ جميعا، وقال: انْظُرُوا أيَّهما كان قَبْلُ. قال الدَّارَقُطْنِىُّ، قال أبو بكرٍ النَّيْسَابُورِىُّ: حَدِيثُ ابنِ عمرَ قَبْلُ؛ لأنَّه قد جاءَ فى بعضِ رِوَايَاتِه، قال: نَادَى رَجلٌ رسولَ اللهِ ﷺ ، وهو فى المَسْجِدِ، يَعْنِى بالمَدِينَةِ، فكأنَّهُ كان قبلَ الإحْرامِ. وفى حَدِيثِ ابنِ عَبّاسٍ يقولُ: سمعتُ رسولَ اللهِ ﷺ يَخْطُبُ بِعَرَفَات، يقولُ: "مَنْ لَمْ يَجِدْ نَعْلَيْنِ، فَلْيَلْبَسْ خُفَّيْنِ" (١١). فيَدُلُّ على تَأخُّرِهِ عن حديثِ ابنِ عمرَ فيكون نَاسِخًا له، ثُمَّ (١٢) لو كان القَطْعُ وَاجِبًا لَبَيَّنَهُ لِلنَّاسِ، إذْ لا يجوزُ تَأخِيرُ البَيانِ عن وَقْتِ الحَاجَةِ إليه، والمَفْهُومُ من [إطْلَاقِ الحديثِ لُبْسُهما] (١٣) على حَالِهما مِن غيرِ قَطْعٍ، والأوْلَى قَطْعُهما، عَمَلًا بِالحَدِيثِ الصَّحِيح، وخُرُوجًا من الخِلافِ، وأخْذًا بِالاحْتِياطِ. فصل: فإنْ لَبِسَ المَقْطُوعَ، مع وُجُودِ النَّعْلِ، فعليه الفِدْيَةُ، ولَيس له لُبْسُه. نَصَّ عليه أحمدُ. وبهذا قال مالِكٌ. وقال أبو حنيفةَ: لا فِدْيَةَ عليه؛ لأنَّه لو كان لُبْسُه مُحَرَّمًا، وفيه فِدْيَةٌ، لم يَأْمُرِ النَّبِىُّ ﷺ بِقَطْعِهما، لِعَدَمِ الفَائِدَةِ فيه. وعن الشَّافِعِىِّ كالمَذْهَبَيْنِ. ولَنا، أنَّ النَّيِىَّ ﷺ شَرَطَ فى إباحَةِ لُبْسِهما عَدَمَ النَّعلَيْنِ،

стр. 2265

فدَلَّ على أنَّه لا يَجوزُ مع وُجُودِهما، ولأنَّه مَخِيطٌ لِعُضْوٍ على قَدْرِه، فوَجَبَتْ على المُحْرِمِ الفِدْيَةُ بِلُبْسِه، كالقُفَّازَيْنِ. فصل: فأمَّا اللَّالِكَةُ (١٤)، والجُمْجُمُ (١٥)، ونحوُهما، فقِياسُ قَوْلِ أحمدَ، أنَّه لا يَلْبَسُ ذلك، فإنَّه قال: لا يَلْبَسُ النَّعْلَ التى لها قَيْدٌ. وهذا أشَدُّ من النَّعْلِ التى لها قَيْدٌ. وقد قال فى رَأسِ الخُفِّ الصَّغِيرِ: لا يَلْبَسُه. وذلك (١٦) لأنَّه يَسْتُرُ القَدَمَ، وقد عُمِلَ لها على قَدْرِها، فأشْبَهَ الخُفَّ. فإن عَدِمَ النَّعْلَيْنِ، كان له لُبْسُ ذلك، ولا فِدْيَةَ عليه؛ لأنَّ النَّبِىَّ ﷺ أباحَ لُبْسَ الخُفِّ عندَ ذلك، فما دُونَ الخُفِّ أوْلَى. فصل: فأمَّا النَّعْلُ، فيُباحُ لُبْسُها كيفما كانتْ، ولا يَجِبُ قَطْعُ شىءٍ منها؛ لأنَّ إباحَتَها وَرَدَتْ مُطْلَقًا. ورُوِىَ عن أحمدَ فى القَيْدِ فى النَّعْلِ: يَفْتَدِى؛ لأنَّنَا لا نَعْرِفُ النِّعَالَ هكذا. وقال: إذا أحْرَمْتَ فاقْطَع المَحْمَلَ الذى على النِّعَالِ، والعَقِبَ الذى يُجْعَلُ لِلنَّعْلِ، فقد كان عَطاءٌ يقولُ: فيه دَمٌ. وقال ابنُ أبى موسى، فى "الإرْشَادِ": فى القَيْدِ والعَقِبِ الفِدْيَةُ، والقَيْدُ: هو السَّيْرُ المُعْتَرِضُ على الزِّمَامِ. قال القاضى: إنَّما كَرِهَهما إذا كَانَا عَرِيضَيْنِ. وهذا هو الصَّحِيحُ؛ فإنَّه إذا لم يَجِبْ قَطْعُ الخُفَّيْنِ السَّاتِرَيْنِ لِلْقَدَمَيْنِ والسَّاقَيْنِ فقَطْعُ سَيْرِ النَّعْلِ أوْلَى أنْ لا يَجِبَ. ولأنَّ ذلك مُعْتَادٌ فى النَّعْلِ، فلم تَجِبْ إزَالَتُه، كسائِرِ سُيُورِها، ولأنَّ قَطْعَ القَيْدِ والعَقِبِ رُبَّما تَعَذَّرَ معه المَشْىُ فى النَّعْلَيْنِ؛ لِسُقُوطِهما بِزَوَالِ ذلك، فلم يَجِبْ، كقَطْعِ القِبَالِ (١٧). فصل: وإنْ وَجَدَ نَعْلًا لم يُمْكِنْه لُبْسُها، فله لُبْسُ الخُفِّ، ولا فِدْيَةَ عليه؛ لأن ما لا يُمْكِنُ اسْتِعْمَالُه كَالمَعْدُومِ، كما لو كانتِ النَّعْلُ لغيرِه، أو صَغِيرَةً، وكالماءِ فى

стр. 2266

التَّيَمُّمِ، والرَّقَبَةِ التى لا يُمْكِنُه عِتْقُها، ولأنَّ العَجْزَ عن لُبْسِها قَام مَقامَ العَدَمِ، في إبَاحَةِ لُبْسِ الخُفِّ، فكذلك في إسْقَاطِ الفِدْيَةِ. والمَنصُوصُ أنَّ عليه الفِدْيَةَ؛ لِقَوْلِه: "مَنْ لم يَجِدْ نَعْلَيْنِ، فَلْيَلْبس الخُفَّيْنِ" (١٨). وهذا وَاجِدٌ. فصل: وليس لِلْمُحْرِمِ أن يَعْقِدَ عليه الرِّداءَ، ولا غيرَه، إلَّا الإزارَ والهِمْيَانَ (١٩). وليس له أن يَجْعَلَ لذلك زِرًّا وعُرْوَةً، ولا يَخُلُّه (٢٠) بِشَوْكَةٍ ولا إبْرَةٍ ولا خَيْطٍ؛ لأنَّه في حُكْمِ المَخِيط. رَوَى الأثْرَمُ، عن مُسْلِمِ بن جُنْدُبٍ، عن ابنِ عمرَ، قال: جاءَ رجلٌ يَسْألُه وأنا معه، أُخَالِفُ بين طَرَفَىْ ثَوْبِى مِن وَرَائِى، ثم أعْقِدُه؟ وهو مُحْرِمٌ، فقال ابنُ عمرَ: لا تَعْقِدْ عليه (٢١) شيئًا (٢٢). وعن أبي مَعْبَدٍ، مَوْلَى ابنِ عَبَّاسٍ، أنَّ ابنَ عَبَّاسٍ قال له: يا أبا مَعْبَدٍ، زِرّ علَىَّ طَيْلَسَانِى. وهو مُحْرِمٌ، فقال له: كُنْتَ تَكْرَهُ هذا. قال: إنِّى أُرِيدُ أنْ أفْتَدِىَ. ولا بَأْسَ أن يَتَّشِحَ بِالقَمِيصِ، ويَرْتَدِىَ به، ويَرْتَدِىَ بِرِدَاءٍ مُوَصَّلٍ، ولا يَعْقِدُه؛ لأنَّ المَنْهِىَّ عنه المَخِيطُ على قَدْرِ العُضْوِ. فصل: ويجوزُ أنَّ يَعْقِدَ إزارَه عليه؛ لأنَّه يَحْتاجُ إليه لِسَتْرِ العَوْرَةِ فيُباحُ (٢٣)، كاللِّبَاسِ لِلْمَرْأةِ. وإن شَدَّ وَسَطَهُ بالمِنْدِيلِ، أو بِحَبْلٍ، أو سَرَاوِيلَ، جازَ إذا لم يَعْقِدْهُ. قال أحمدُ، في مُحْرِمٍ حَزَمَ عِمَامَةً على وَسَطِه: لا تَعْقِدْها. ويُدْخِلُ بعضَها في بعضٍ. قال طاوُسٌ: رأيتُ ابنَ عمرَ يَطُوفُ بالبَيْتِ، [وعليه عِمَامَةٌ] (٢٤) قد شَدَّهَا على وَسَطِه، فأدْخَلَها هكذا. ولا يجوزُ أن يَشُقَّ أسْفَلَ إزَارِه

стр. 2267

نِصْفَيْنِ، ويَعْقِدَ كُلَّ نِصْفٍ على ساقٍ؛ لأنَّه يُشْبِهُ السَّرَاوِيلَ. ولا يَلْبَسُ الرَّأنَ (٢٥)؛ لأنَّه في مَعْنَاه، ولأنَّه مَعْمُولٌ على قَدْرِ العُضْوِ المَلْبُوسِ فيه، فأشْبَهَ الخُفَّ. ٥٧٣ - مسألة؛ قال: (ويَلْبَسُ الْهِمْيَانَ، ويُدْخِلُ السُّيُورَ بَعْضَها فِى بَعْضٍ، ولا يَعْقِدُهَا) وجُمْلَةُ ذلك أنَّ لُبْسَ الهِمْيانِ مُبَاحٌ لِلْمُحْرِمِ، في قولِ أكْثَر أَهلِ العِلْمِ. رُوِىَ ذلك عن ابنِ عَبَّاسٍ، وابنِ عمرَ، وسَعِيدِ بن المُسَيَّبِ، وعَطاءٍ، ومُجاهِدٍ، طاوُسٍ، والقاسِمِ، والنَّخَعِيِّ، والشَّافِعِيِّ، وإسحاقَ، وأبى ثَوْرٍ، وأصْحابِ الرَّأْىِ. قال ابنُ عبدِ البَرِّ: أجازَ ذلك جَمَاعَةُ فُقَهاءِ الأمْصارِ، مُتَقَدِّمُوهم ومُتَأخِّرُوهم. ومتى أمْكَنَه أن يُدْخِلَ السُّيُورَ بعضَها في بعضٍ، ويَثْبُتَ بذلك، لم يَعْقِدْه؛ لأنَّه لا حاجَةَ إلى عَقْدِه، وإن لم يَثْبُتْ إلَّا بعَقْدِه (١) عَقَدَهُ. نَصَّ عليه أحمدُ. وهو قولُ إسحاقَ. وقال إبراهيمُ: كانوا يُرَخِّصُونَ في عَقْدِ الهِمْيانِ لِلْمُحْرِمِ، ولا يُرَخِّصُونَ في عَقْدِ غيرِه. وقالتْ عائشةُ: أوْثِقْ عليك نَفَقَتَكَ (٢). وذَكَرَ القاضي، في "الشَّرْحِ"، أنَّ ابنَ عَبَّاسٍ قال: رَخَّصَ رسولُ اللهِ ﷺ لِلْمُحْرِمِ فى الهِمْيانِ أن يَرْبِطَهُ، إذا كانت فيه نَفَقَتُه. وقال ابنُ عَبّاسٍ: أوْثِقُوا عليكم نَفَقَاتِكم. ورَخَّصَ في الخَاتَمِ والهِمْيَانِ لِلْمُحْرِمِ (٣). وقال مُجاهِدٌ، عن ابنِ عمرَ، أنَّه سُئِلَ عن المُحْرِمِ يَشُدُّ الهِمْيانَ عليه، فقال: لا بَأْسَ به، إذا كانت فيه نَفَقَتُهُ، [يَسْتَوْثِقُ من نَفَقَتِه] (٤). ولأنَّه ممَّا تَدْعُو الحاجَةُ إلى شَدِّهِ، فجازَ،

стр. 2268

كَعَقْدِ الإزارِ. فإن لم يَكُنْ في الهِمْيانِ نَفَقَةٌ، لم يَجُزْ عَقْدُه، لِعَدَمِ الحاجَةِ إليه، وكذلك المِنْطَقَةُ. وقد رُوِىَ عن ابنِ عمرَ أنَّه كَرِهَ الهِمْيانَ والمِنْطَقَةَ لِلْمُحْرِمِ، وكَرِهَهُ نَافِعٌ مَوْلَاه. وهو مَحْمُولٌ على ما لبس فيه نَفَقَةٌ؛ لما تَقَدَّمَ من الرُّخْصَةِ فيما فيه النَّفَقَةُ، وسُئِلَ أحمدُ عن المُحْرِمِ يَلْبَسُ المِنْطَقَةَ من وَجَعِ الظَّهْرِ، أو حَاجَةٍ إليها. قال: يَفْتَدِى. فقِيلَ له: أفلا تَكُونُ مثلَ الهِمْيانِ؟ قال: لا. وعن ابنِ عمرَ، أنَّه كَرِهَ المِنْطَقَةَ لِلْمُحْرِمِ، وأنَّه أباحَ شَدَّ الهِمْيانِ، إذا كانت فيه النَّفَقَةُ، والفَرْقُ بينهما أنَّ الهِمْيانَ تكونُ فيه النَّفَقَةُ، والمِنْطَقَةُ لا نَفَقَةَ فيها، فَأُبِيحَ شَدُّ ما فيه النَّفَقَةُ، لِلْحَاجَةِ إلى حِفْظِها، ولم يُبَحْ شَدُّ ما سِوَى ذلك. فإن كانت فيهما نَفَقَةٌ، أو لم يكنْ فيهما نَفَقَةٌ، فهما سَوَاءٌ. وقد قالت عائشةُ في المِنْطَقَةِ لِلْمُحْرِمِ: أوْثِقْ عليكَ نَفَقَتَكَ. فرَخَّصَتْ فيها إذا كانت فيها النَّفَقَةُ. ولم يُبِحْ أحمدُ شَدَّ المِنْطَقَةِ لِوَجَعِ الظَّهْرِ، إلَّا أن يَفْتَدِىَ؛ لأنَّ المِنْطَقَةَ ليستْ مُعَدَّةً لذلك، ولأنَّه فِعْلٌ لِمَحْظُورٍ في الإحْرامِ لِدَفْعِ الضَّرَرِ عن نَفْسِه، أشْبَهَ من لَبِسَ المَخِيطَ لِدَفْعِ البَرْدِ، أو حَلَقَ رَأْسَه لِإزَالَةِ أَذَى القَمْلِ، أو تَطَيَّبَ لأجْلِ المَرَضِ. ٥٧٤ - مسألة؛ قال: (وَلَهُ أنْ يَحْتَجِمَ، ولَا يَقْطَعُ شَعْرًا) أمَّا الحِجَامَةُ إذا لم يَقْطَعْ شَعْرًا فَمُبَاحَةٌ مِن غيرِ فِدْيَةٍ، في قولِ الجُمْهُورِ؛ لأنَّه تَدَاوٍ بإخْرَاجِ دَمٍ، فأشْبَهَ الفَصْدَ، وبَطَّ الجُرْحِ (١). وقال مالِكٌ: لا يَحْتَجِمُ إلَّا من ضَرُورَةٍ، وكان الحسنُ يَرَى في الحِجامَةِ دَمًا. ولَنا، أنَّ ابنَ عَبَّاسٍ رَوَى أنَّ النَّبِيَّ ﷺ ، احْتَجَمَ وهو مُحْرِمٌ. مُتَّفَقٌ عليه (٢). ولم يَذْكُرْ فِدْيَةً، ولأنَّه لا

стр. 2269

يَتَرَفَّهُ بذلك، فأشْبَهَ شُرْبَ الأدْوِيَةِ. وكذلك الحُكْمُ في قَطْعِ العُضْوِ عندَ الحاجَةِ، والخِتَانِ، كلُّ ذلك مُبَاحٌ مِن غيرِ فِدْيَةٍ. فإن احْتَاجَ في الحِجَامَةِ إلى قَطْعِ شَعْرٍ، فله قَطْعُه؛ لما رَوَى عبدُ اللهِ بن بُحَيْنَةَ، أنَّ رسولَ اللهِ ﷺ احْتَجَمَ بِلَحْىِ جَمَلٍ (٣)، في طَرِيقِ مَكَّةَ وهو مُحْرِمٌ، وَسَطَ رَأْسِه. مُتَّفَقٌ عليه (٤). ومن ضَرُورَةِ ذلك قَطْعُ الشَّعْرِ. ولأنَّه يُباحُ حَلْقُ الشَّعْرِ لإزَالَةِ أذَى القَمْلِ، فكذلك هاهُنا. وعليه الفِدْيَةُ. وبهذا قال مالِكٌ، والشَّافِعِيُّ، وأبو حنيفةَ، وأبو ثَوْرٍ، وابنُ المُنْذِرِ. وقال صَاحِبَا أبي حنيفةَ: يَتَصَدَّقُ بِشىءٍ. ولَنا، قَوْلُه تعالى: ﴿فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ بِهِ أَذًى مِنْ رَأْسِهِ فَفِدْيَةٌ﴾ (٥). الآية، ولأنَّه حَلْقُ شَعْرٍ لإزَالَةِ ضَرَرٍ غيرِه، فلَزِمَتْهُ الفِدْيَةُ، كما لو حَلَقَهُ لإزَالَةِ قَمْلِه. فأمَّا إن قَطَعَ عُضْوًا عليه شَعْرٌ، أو جِلْدَةٌ عليها شَعْرٌ، فلا فِدْيَةَ عليه، لأنَّه زَالَ تَبَعًا لما لا فِدْيَةَ فيه.

стр. 2270

٥٧٥ - مسألة؛ قال: (وَيتَقَلَّدُ بِالسَّيْفِ عِنْدَ الضَّرُورَةِ) وجُمْلَةُ ذلك أنَّ المُحْرِمَ إذا احْتاجَ إلى تَقَلُّدِ السَّيْفِ، فله ذلك. وبهذا قال مالِكٌ. وأباحَ عَطاءٌ، والشَّافِعِيُّ، وابنُ المُنْذِرِ تَقَلُّدَهُ. وكَرِهَهُ الحسنُ. والأوَّلُ أوْلَى؛ لما رَوَى أبو دَاوُدَ (١)، بإسْنَادِه عن البَرَاءِ، قال: لمَّا صَالَحَ رسولُ اللهِ ﷺ أهْلَ الحُدَيْبِيَةِ، صَالَحَهم على أنْ لا يَدْخُلُوها إلَّا بِجُلْبَانِ السِّلَاحِ. -القِرَابُ بما فيه- وهذا ظَاهِرٌ في إباحَةِ حَمْلِه عند الحاجَةِ؛ لأنَّهم لم يكونُوا يَأْمَنُونَ أهْلَ مَكَّةَ أن يَنْقُضُوا العَهْدَ، ويَخْفِرُوا الذِّمَّةَ، واشْتَرَطُوا حَمْلَ السِّلَاحِ في قِرَابِه. فأمَّا مِن غيرِ خَوْفٍ، فإنَّ أحمدَ قال: لا، إلَّا مِن ضَرُورَةٍ. وإنَّما مَنَعَ منه؛ لأنَّ ابْنَ عمرَ قال: لا يَحْمِلُ المُحْرِمُ السِّلاحَ في الحَرَمِ. والقِياسُ إبَاحَتُه؛ لأنَّ ذلك ليس هو في مَعْنَى المَلْبُوسِ المَنْصُوصِ على تَحْرِيمِه، ولذلك لو حَمَلَ قِرْبَةً في عُنُقِه، لا يَحْرُمُ عليه ذلك، ولا فِدْيَةَ عليه فيه. وسُئِلَ أحمدُ عن المُحْرِمِ يُلْقِى جِرَابَه في رَقَبَتِه، كهَيْئَةِ القِرْبَةِ. قال: أرْجُو أن لا يكونَ به بَأْسٌ. ٥٧٦ - مسألة؛ قال: (وَإنْ طَرَحَ عَلَى كَتِفَيْهِ الْقَبَاءَ والدُّوَاجَ (١)، فَلَا يُدْخِلْ يَدَيْهِ في الكُمَّيْنِ) ظَاهِرُ هذا اللَّفْظِ إباحَةُ لُبْسِ القَبَاءِ، ما لم يُدْخِلْ يَدَيْهِ في كُمَّيْهِ، وهو قولُ الحسنِ، وعَطاءٍ، وإبْرَاهيمَ، وبه قال أبو حنيفةَ. وقال القاضي، وأبو الخَطَّابِ: إذا أدْخَلَ كَتِفَيْهِ [في القَبَاءِ] (٢)، فعليه الفِدْيَةُ، وإن لم يُدْخِلْ يَدَيْهِ في كُمَّيْهِ. وهو مذهبُ

стр. 2271

مالِكٍ، والشَّافِعِيِّ؛ لأنَّه مَخِيطٌ لَبِسَهُ المُحْرِمُ على العَادَةِ في لُبْسِه، فلَزِمَتْه الفِدْيَةُ إذا كان عَامِدًا، كالقَمِيصِ. ورَوَى ابنُ المُنْذِرِ، أنَّ النَّبِىَّ ﷺ نَهَى عن لُبْسِ الأقْبِيَةِ (٣). وَوَجْهُ قَوْلِ الخِرَقِيِّ، ما تَقَدَّمَ من حديثِ عبدِ الرحمنِ بن عَوْفٍ، في مَسْأَلَة إذا (٤) لم يَجِدْ إزَارًا لَبِسَ السَّرَاوِيلَ، وإن لم يَجِدْ نَعْلَيْنِ لَبِسَ الخُفَّيْنِ. ولأنَّ القَبَاءَ لا يُحِيطُ بِالبَدَنِ، فلم تَلْزَمْهُ الفِدْيَةُ بِوَضْعِه على كَتِفَيْهِ، إذا لم يُدْخِلْ يَدَيْهِ في كُمَّيْهِ، كالقَمِيصِ يَتَّشِحُ به، وقِياسُهم مَنْقُوضٌ بِالرِّدَاءِ المُوَصَّلِ، والخَبَرُ مَحْمُولٌ على لُبْسِه مع إدْخَالِ يَدَيْهِ في كُمَّيْهِ. ٥٧٧ - مسألة؛ قال: (وَلَا يُظَلِّلُ عَلَى رَأْسِه فِى المَحْمِلِ، فَإنْ فَعَلَ فَعَلَيْهِ دَمٌ) كَرِهَ أحمَدُ الاسْتِظْلالَ في المَحْمِلِ خَاصَّةً، وما كان في مَعْنَاهُ، كالهَوْدَجِ والعَمَّارِيَّة (١) والكنيسةِ (٢) ونحو ذلك على البَعِيرِ. وكَرِهَ ذلك ابنُ عمرَ، ومالِكٌ (٣) وعبدُ الرحمنِ ابن مَهْدِيٍّ، وأهْلُ المَدِينَةِ. وكان سُفْيَانُ بنُ عُيَيْنَةَ يقول: لا يَسْتَظِلُّ البَتَّةَ. وَرَخَّصَ فيه رَبِيعَةُ، والثَّوْرِيُّ، والشَّافِعِيُّ. ورُوِىَ ذلك عن عُثمانَ، وعَطاءٍ؛ لما رَوَتْ أُمُّ الحُصَيْنِ، قالتْ: حَجَجْتُ مع رسولِ اللهِ ﷺ حِجَّةَ الوَدَاعِ، فرَأَيْتُ أُسامَةَ وبِلَالًا، وأحَدُهما آخِذٌ بِخِطَامِ نَاقَةِ النَّبِيِّ ﷺ ، والآخَرُ رَافِعٌ ثَوْبَه يَسْتُرُه مِن الحَرِّ، حتى رَمَى جَمْرَةَ العَقَبَةِ. رَوَاهُ مُسْلِمٌ وغيرُه (٤). ولأنَّه يُباحُ له

стр. 2272

التَّظَلُّلُ في البَيْتِ والخِبَاءِ، فجازَ في حَالِ الرُّكُوبِ، كالْحَلال، ولأنَّ ما حَلَّ للْحَلالِ حَلَّ لِلْمُحْرِمِ، إلَّا ما قَامَ على تَحْرِيمِه دَلِيلٌ. واحْتَجَّ أحمدُ بقولِ ابنِ عمرَ، رَوَى عَطاءٌ قال: رَأى ابنُ عمرَ على رَحْلِ عمرَ بن عبدِ اللَّه (٥) بن أبى رَبِيعَةَ عُودًا يَسْتُرُه من الشَّمْسِ (٦)، فنَهَاهُ. وعن نافِعٍ، عن ابنِ عمرَ، أنَّه رَأى رَجُلًا مُحْرِمًا على رَحْلٍ، قد رَفَعَ ثَوْبًا على عُودٍ يَسْتَتِرُ به من الشَّمْسِ، فقال: أضْحِ لِمن أحْرَمْتَ له. أى ابْرُزْ لِلشَّمْسِ. رَوَاهُما الأثْرَمُ (٧). ولأنَّه سَتَرَ بما يَقْصِدُ به التَّرَفُّهَ، أشْبَهَ ما لو غَطَّاهُ. والحَدِيثُ ذَهَبَ إليه أحمدُ، فلم يَكْرَهْ أن يَسْتَتِرَ بِثَوْبٍ ونحوِه، فإنَّ ذلك لا يُقْصَدُ للاسْتِدَامَةِ، والهَوْدَجُ بِخِلَافِه، والخَيْمَةُ والبَيْتُ يُرَادَانِ لِجَمْعِ الرَّحْلِ وحِفْظِه، لا لِلتَّرَفُّهِ. وظَاهِرُ كَلَامِ أحمدَ، أنَّه إنَّما كَرِهَ ذلك كَرَاهَةَ تَنْزِيهٍ، لِوُقوعِ الخِلَافِ فيه، وقولِ ابنِ عُمَرَ، ولم يَرَ ذلك حَرَامًا، ولا مُوجِبًا لِفِدْيَةٍ. قال الأثْرَمُ: سمِعتُ أبا عبدِ اللهِ يُسْأَلُ عن المُحْرِمِ يَسْتَظِلُّ على المَحْمِلِ؟ قال: لا. وذَكَرَ حديثَ ابنِ عمرَ: أَضْحِ لِمن أحْرَمْتَ له. قِيلَ له: فإنْ فَعَلَ أَيُهْرِيقُ دَمًا؟ قال: أمَّا الدَّمُ فلا. قيل: فإنَّ أهْلَ المَدِينَةِ يَقُولُونَ: عليه دَمٌ. قال: نعم، أهْلُ المَدِينَةِ يُغَلِّظُونَ (٨) فيه. وقد رُوِىَ ذلك عن أحمدَ، وهو اخْتِيَارُ الخِرَقِيِّ؛ لأنَّه سَتَرَ رَأْسَهُ بما يُسْتَدَامُ ويُلَازِمُه غالِبًا، فأشْبَهَ ما لو سَتَرَهُ بشىءٍ يُلَاقِيه. ويُرْوَى عن

стр. 2273

الرّيَاشِىِّ (٩) قال: رأيتُ أحمدَ بن الْمَعَذَّلِ (١٠) في المَوْقِفِ، في يَوْمٍ [شدِيدِ الحَرِّ] (١١)، وقد ضَحَى لِلشَّمْسِ، فقلتُ له: يا أبا الفَضْلِ: هذا أمْرٌ قد اخْتُلِفَ فيه، فلو أخَذْتَ بِالتَّوْسِعَةِ. فأنْشَأ يقولُ: ضَحَيْتُ لَهُ كَىْ أسْتَظِلَّ بِظِلِّهِ ... إذا الظِّلُّ أضْحَى في القِيَامَةِ قَالِصَا فَوَا أسَفَا إنْ كان سَعْيُكَ بَاطِلًا ... ويَا حَسْرَتَا إنْ كان حَجُّكَ نَاقِصَا فصل: ولا بَأْسَ أن يَسْتَظِلَّ بِالسَّقْفِ والحائِطِ والشَّجَرَةِ والخِبَاءِ، وإن نَزَلَ تَحْتَ شَجَرَةٍ، فلا بَأْسَ أن يَطْرَحَ عليها ثَوْبًا يَسْتَظِلُّ به، عند جَمِيعِ أهْلِ العِلْمِ. وقد صَحَّ به النَّقْلُ، فإنَّ جابِرًا قال في حَدِيثِ حَجَّةِ النَّبِيِّ ﷺ : وأمَرَ بِقُبَّةٍ من شَعْرٍ، فضُرِبَتْ له بِنَمِرَةَ (١٢)، فأتَى عَرَفَةَ، فوَجَدَ القُبَّةَ قد ضُرِبَتْ له بِنَمِرَةَ، فنَزَلَ بها، حتى إذا زَاغَتِ الشَّمْسُ. رَوَاهُ مُسْلِمٌ، وابنُ مَاجَه، وغيرُهما (١٣). ولا بَأْسَ أيضا أنَّ يَنْصِبَ حِيَالَه ثَوْبًا يَقِيهِ الشَّمْسَ والبَرْدَ، إمَّا أن يُمْسِكَه إنْسَانٌ، أو يَرْفَعَهُ على عُودٍ، على نحوِ ما رُوِىَ في حديثِ أُمِّ الحُصَيْنِ، أنَّ بِلَالًا أو أُسَامَةَ كان رَافِعًا ثَوْبًا يَسْتُرُ به النَّبِىَّ ﷺ من الحَرِّ (١٤). ولأنَّ ذلك لا يُقْصَدُ به الاسْتِدَامَةُ، فلم يَكُنْ به بَأْسٌ، كالاسْتِظْلَالِ بِحائِطٍ.

стр. 2274

٥٧٨ - مسألة؛ قال: (وَلَا يَقْتُلُ الصَّيْدَ، وَلَا يَصِيدُهُ، وَلَا يُشِيرُ إلَيْهِ، وَلَا يَدُلُّ عَلَيْهِ، حَلَالًا ولا مُحْرِمًا (١)) لا خِلَافَ بين أهْلِ العِلْمِ، في تَحْرِيمِ قَتْلِ الصَّيْدِ واصْطِيَادِه على المُحْرِمِ. وقد نَصَّ اللهُ تعالى عليه (٢) في كِتَابِه، فقال سبحانه: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقْتُلُوا الصَّيْدَ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ﴾ (٣). وقال تعالى: ﴿وَحُرِّمَ عَلَيْكُمْ صَيْدُ الْبَرِّ مَا دُمْتُمْ حُرُمًا﴾ (٤). وتَحْرُمُ عليه الإشارَةُ إلى الصَّيْدِ، والدَّلَالَةُ عليه؛ فإنَّ في حديثِ أبي قَتَادَةَ (٥) لمَّا صادَ الحِمارَ الوَحْشِىَّ، وأصْحَابُه مُحْرِمُونَ، قال النَّبِيُّ ﷺ لأصْحَابِه: "هَلْ مِنْكُمْ أحَدٌ أمَرَهُ أنْ يَحْمِلَ عَلَيْهَا، أوْ أشَارَ إلَيْهَا؟ ". وفي لَفْظٍ مُتَّفَقٍ عليه: فأبْصَرُوا حِمَارًا وَحْشِيًّا، وأنا مَشْغُولٌ أخْصِفُ نَعْلِى، فلم يُؤْذِنُونِي، وأَحَبُّوا لو أنِّي أبْصَرْتُه. وهذا يَدُلُّ على أنَّهم اعْتَقَدُوا تَحْرِيمَ الدَّلَالَةِ عليه. وسُؤالُ النَّبِيِّ ﷺ لهم: "هَلْ مِنْكُمْ أحَدٌ أمَرَه أنْ يَحْمِلَ عَلَيْهَا، أوْ أشَارَ إلَيْهَا؟ " يَدُلُّ على تَعَلُّقِ التَّحْرِيمِ بذلك لو وُجِدَ منهم. ولأنَّه تَسَبَّبَ إلى مُحَرَّمٍ عليه، فحُرِّمَ، كَنَصْبِه الأُحْبُولَةَ. فصل: ولا تَحِلُّ له الإعانَةُ على الصَّيْدِ بِشىءٍ، فإنَّ في حَدِيثِ أبي قَتَادَةَ المُتَّفَقِ عليه: ثم رَكِبْتُ، ونَسِيتُ السَّوْطَ والرُّمْحَ، فقلتُ لهم: نَاوِلُونِى السَّوْطَ والرُّمْحَ،

стр. 2275

قالوا: واللهِ لا نُعِينُكَ عليه. وفي رِوَايَةٍ: فَاسْتَعَنْتُهُمْ، فأَبَوْا أن يُعِينُونِى. وهذا يَدُلُّ على أنَّهم اعْتَقَدُوا تَحْرِيمَ الإعانَةِ، والنَّبِيُّ ﷺ أقَرَّهم على ذلك. ولأنَّه إعانَةٌ على مُحَرَّمٍ، فحُرِّمَ، كالإعانَةِ على قَتْلِ الآدَمِيِّ. فصل: ويُضْمَنُ الصَّيْدُ بِالدَّلَالَةِ، فإذا دَلَّ المُحْرِمُ حَلالًا على الصَّيْدِ فأتْلَفَهُ، فَالجَزاءُ كُلُّه على المُحْرِمِ. رُوِىَ ذلك عن علىٍّ وابنِ عَبَّاسٍ وعَطاءٍ ومُجاهِدٍ وبَكْرٍ المُزَنِيِّ، وإسحاقَ، وأصْحابِ الرَّأْيِ. وقال مالِكٌ، والشَّافِعِيُّ: لا شىءَ على الدَّالِّ؛ لأنَّه يُضْمَنُ بالجِنايَةِ، فلا يُضْمَنُ بالدَّلَالَةِ، كالآدَمِيِّ (٦). ولَنا، قولُ النَّبِيِّ ﷺ لأصْحابِ أبِى قَتادَةَ: "هَلْ مِنْكُمْ أحَدٌ أمَرَهُ أنْ يَحْمِلَ عَلَيْهَا، أوْ أشَارَ إلَيْهَا؟ " ولأنَّه سَبَبٌ يُتَوَصَّلُ به إلى إتلافِ الصَّيْدِ، فتَعَلَّقَ به الضَّمانُ، كما لو نَصَبَ أُحْبُولَةً، ولأنَّه قولُ علىٍّ وابنِ عَبَّاسٍ. ولا نَعْرِفُ لهما مُخَالِفًا في الصَّحابَةِ. فصل: فإن دَلَّ مُحْرِمًا على الصَّيْدِ، فقَتَلَهُ فالجَزَاءُ بينهما. وبه قال عَطاءٌ، وحَمَّادُ بنُ أبي سليمانَ. وقال الشَّعْبِيُّ، وسعيدُ بن جُبَيْرٍ، والحارِثُ العُكْلِيُّ، وأصْحابُ الرَّأْيِ: على كلِّ واحِدٍ جَزاءٌ؛ لأنَّ كُلَّ واحِدٍ من الفِعْلَيْنِ يَسْتَقِلُّ بِجزاءٍ كامِلٍ إذا كان مُنْفَرِدًا. فكذلك إذا انْضَمَّ إليه غيرُه. وقال مَالِكٌ، والشَّافِعِيُّ: لا ضَمَانَ على الدَّالِّ. ولَنا، أنَّ الوَاجِبَ جَزاءُ المُتْلَفِ، وهو واحدٌ (٧)، فيكون الجَزاءُ وَاحِدًا، وعلى قولِ (٨) مالِكٍ والشَّافِعِيِّ ما سَبَقَ، ولا فَرْقَ في جَمِيعِ ذلك بين كَوْنِ المَدْلُولِ [عليه] ظَاهِرًا أو خَفِيًّا لا يَرَاهُ إلَّا بالدَّلَالَةِ عليه. ولو دَلَّ مُحْرِمٌ مُحْرِمًا على صَيْدٍ، ثم دَلَّ الآخَرُ آخَرَ، ثم (٨) كذلك إلى عَشَرَةٍ، فقَتَلَهُ العاشِرُ، كان الجَزاءُ على جَمِيعِهم. وإن قَتَلَهُ الأوَّلُ، لم يَضْمَنْ غيرُه؛ لأنَّه لم يَدُلَّهُ عليه أحَدٌ، فلا يُشَارِكُه

стр. 2276

في ضَمانِهِ أحَدٌ. ولو كان المَدْلُولُ رَأى الصَّيْدَ قبل الدَّلَالَةِ والإشَارَةِ، فلا شىءَ على الدَّالِّ وَالمُشِيرِ؛ لأنَّ ذلك لم يَكُنْ سَبَبًا في تَلَفِه، ولأنَّ هذه ليستْ دَلَالَةً على الحَقِيقَةِ، وكذلك إن وُجِدَ من المُحْرِمِ حَدَثٌ عندَ رُؤْيَةِ الصَّيْدِ، من ضَحِكٍ، أو اسْتِشْرَافٍ إلى الصَّيْدِ، ففَطِنَ له غيرُه فصَادَهُ، فلا شىءَ على المُحْرِمِ؛ بِدَلِيلِ ما جاءَ في حديثِ أبِى قَتَادَةَ (٩) قال: خَرَجْنَا مع رسولِ اللهِ ﷺ ، حتى إذا كُنَّا بالقَاحَةِ (١٠)، ومِنَّا المُحْرِمُ، ومنَّا غيرُ المُحْرِمِ، إذْ بَصُرْتُ بأصْحَابِى يَتَرَاءَونَ شيئا، فنَظَرْتُ، فإذا حِمَارُ وَحْشٍ. وفي لَفْظٍ: فَبَيْنَا أنا مع أصْحَابِى يَضْحَكُ بعضُهم، إذ نَظَرْتُ، فإذا أنا بِحِمَارِ وَحْشٍ. وفي لفظ: فلما كُنَّا بالصِّفَاحِ (١١) فإذا هم يَتَراءَونَ. فقلتُ: أيَّ شىءٍ تَنْظُرُون؟ فلم يُخْبِرُونِى. مُتَّفَقٌ عليه. فصل: فإن أعارَ قَاتِلَ الصَّيْدِ سِلَاحًا، فقَتَلَهُ به، فهو كما لو دَلَّهُ عليه، سواءٌ كان المُسْتَعَارُ ممَّا لا يَتِمُّ قَتْلُه إلَّا به، أو أعارَه شيئا هو مُسْتَغْنٍ عنه، مثلَ أن يُعِيرَهُ رُمْحًا ومعه رُمْحٌ، وكذلك لو أعَانَه عليه بِمُنَاوَلَتِه سَوْطَه أو رُمْحَه، أو أمَرَهُ بِاصْطِيَادِه؛ لما ذَكَرْنا من حَدِيثِ أبي قَتَادَةَ، وقولِ أصْحابِه: واللهِ لا نُعِينُكَ عليه بِشىءٍ. وقولِ النَّبِيِّ ﷺ : "هَلْ مِنْكُمْ أحَدٌ أمَرَهُ أنْ يَحْمِلَ عَلَيْهَا، أوْ أشَارَ إلَيْهَا؟ ". وكذلك إن أعَارَهُ سِكِّينًا، فذَبَحَهُ بها. فإن أعَارَهُ آلةً لِيَسْتَعْمِلَها في غيرِ الصَّيْدِ، فاسْتَعْمَلَها في الصَّيْدِ، لم يَضْمَنْ؛ لأنَّ ذلك غيرُ مُحَرَّمٍ عليه، فأشْبَهَ ما لو ضَحِكَ عند رُؤْيَةِ الصَّيْدِ، ففَطِنَ له إنْسَانٌ، فصَادَهُ. فصل: وإن دَلَّ الْحَلالُ مُحْرِمًا على الصَّيْدِ، فقَتَلَهُ، فلا شىءَ على الْحَلالِ؛ لأنَّه لا يَضْمَنُ الصَّيْدَ بالإتْلَافِ، فبِالدَّلَالَةِ أوْلَى، إلَّا أن يكونَ ذلك في الحَرَمِ،

стр. 2277

فيُشَارِكَه في الجَزَاءِ؛ لأنَّ صَيْدَ الحَرَمِ حَرامٌ على الْحَلالِ والحرامِ. نَصَّ عليه أحمدُ. فصل: وإن صَادَ المُحْرِمُ صَيْدًا لم يَمْلِكْهُ، فإن تَلِفَ في يَدِه، فعليه جَزَاؤُهُ، وإن أمْسَكَهُ حتى حلَّ، لَزِمَهُ إرْسَالُه، وليس له ذَبْحُه، فإن فَعَلَ، أو تَلِفَ الصَّيْدُ، ضَمِنَهُ، وحَرُمَ أكلُه؛ لأنَّه صَيْدٌ ضَمِنَه بِحُرْمَةِ الإحْرَامِ، فلم يُبَحْ أكْلُه، كما لو ذَبَحَهُ حالَ إحْرَامِهِ، ولأنَّها ذَكَاةٌ مُنِعَ منها بِسَبَبِ الإحْرَامِ، فأشْبَهَتْ ما لو كان الإحْرامُ بَاقِيًا. واخْتَارَ أبو الخَطَّابِ أنَّ له أكْلَهُ وعليه ضَمَانَهُ؛ لأنَّه ذَبَحَهُ وهو من أهْلِ ذَبْحِ الصَّيْدِ، فأَشْبَهَ ما لو صَادَهُ بعد الحلِّ. والفَرْقُ ظَاهِرٌ؛ لأنَّ هذا يَلْزَمُه ضَمَانُه والذى صَادَه بعدَ الحِلِّ لا ضَمَانَ عليه فيه. ٥٧٩ - مسألة؛ قال: (وَلَا يَأَكُلُه إذَا صَادَهُ الْحَلَالُ لِأَجْلِهِ) لا خِلَافَ في تَحْرِيمِ الصَّيْدِ على المُحْرِمِ إذا صادَهُ أو ذَبَحَهُ. وقد قال اللَّه تعالى: ﴿وَحُرِّمَ عَلَيْكُمْ صَيْدُ الْبَرِّ مَا دُمْتُمْ حُرُمًا﴾ (١). وإن صَادَهُ حلالٌ وذَبَحَهُ، وكان من المُحْرِمِ إعَانَةٌ فيه، أو دَلَالَةٌ عليه، أو إشَارَةٌ إليه، لم يُبَحْ أيضا. وإن صِيدَ من أجْلِه، لم يُبَحْ له أيضا أكْلُه. ورُوِىَ ذلك عن عثمانَ بن عفانَ (٢). وهو قولُ مالِكٍ، والشَّافِعِيُّ. وقال أبو حنيفةَ: له أكْلُه؛ لقولِ النَّبِيِّ ﷺ في حديثِ أبي قَتَادَةَ: "هَلْ مِنْكُمْ أحَدٌ أمَرَهُ، أوْ أشَارَ إلَيْه بِشَىْءٍ؟ " قالوا: لا. قال: "فَكُلُوا مَا بَقِىَ مِنْ لَحْمِهَا". مُتَّفَقٌ عليه (٣). فَدَلَّ على أنَّ التَّحْرِيمَ إنَّما يَتَعَلَّقُ بالإشَارَةِ والأمْرِ والإعانَةِ، ولأنَّه صَيْدٌ مُذَكَّى، لم يَحْصُلْ فيه ولا في سَبَبِه صُنْعٌ منه، فلم يَحْرُمْ عليه أكْلُه، كما لو لم يُصَدْ له. وحُكِىَ عن عليٍّ، وابنِ عمرَ، وعائشةَ، وابنِ عَبَّاسٍ، أنَّ لَحْمَ الصَّيْدِ يَحْرُمُ على المُحْرِمِ بكلِّ حالٍ، وبه قال

стр. 2278

طاوُسٌ. وكَرِهَهُ الثَّوْرِيُّ، وإسحاقُ؛ لِعُمُومِ قَوْلِه: ﴿وَحُرِّمَ عَلَيْكُمْ صَيْدُ الْبَرِّ مَا دُمْتُمْ حُرُمًا﴾. وَرَوَى (٤) ابنُ عَبَّاسٍ، عن الصَّعْبِ بن جَثَّامةَ اللَّيْثِىِّ، أنَّه أهْدَى إلى النَّبِىِّ ﷺ حِمَارًا وَحْشِيًّا، وهو بالأبْوَاءِ (٥) أو بِوَدَّانَ (٦)، فرَدَّهُ عليه رسولُ اللهِ ﷺ ، فلمَّا رَأَى رسولُ اللهِ ﷺ ما في وَجْهِه (٧)، قال: "إنَّا لَمْ نَرُدَّه عَلَيْكَ إلَّا أنَّا حُرُمٌ". مُتَّفَقٌ عليه (٨). وفي لَفْظٍ: أهْدَى الصَّعبُ بنُ جَثَّامَةَ إلى النَّبِيِّ ﷺ رِجْلَ حِمَارٍ (٩). وفي رِوَايَةٍ: عَجُزَ حِمَارٍ. وفي رِوَايَةٍ: شِقَّ حِمَارٍ. رَوَى ذلك كُلَّه مُسْلِمٌ. ورَوَى أبو دَاوُدَ (١٠)، بإسْنَادِه عن عبدِ اللهِ بنِ الحارِثِ، عن أبِيهِ قال: كان الحارِثُ خَلِيفَةَ عثمانَ على الطَّائِفِ، فصَنَعَ له طَعَامًا، وصَنَعَ فيه الحَجَلَ (١١) واليَعَاقِيبَ (١٢) ولَحْمَ الوَحْشِ، فبَعَثَ إلى علىِّ بن أبي طَالِبٍ، فجَاءَه

стр. 2279

فقال: أطْعِمُوهُ قَوْمًا حَلالًا، فإنَّا حُرُمٌ. ثم قال علىٌّ: أَنْشُدُ اللَّه مَن كان هاهُنا مِن أشْجَعَ، أَتَعْلَمُونَ أنَّ رسولَ اللَّه ﷺ أهْدَى إليه رَجُلٌ حِمَارَ وَحْشٍ، فأَبَى أن يَأْكُلَهُ؟ قالوا: نعم. ولأنَّه لَحْمُ صَيْدٍ فحَرُمَ على المُحْرِمِ، كما لو دَلَّ عليه. ولَنا، ما رَوَى جابِرٌ، قال: سمِعتُ رسولَ اللهِ ﷺ يقولُ: "صَيْدُ الْبَرِّ لَكُمْ حَلَالٌ مَا لَمْ تَصِيدُوه، أو يُصَدْ لَكُمْ". رَوَاهُ أبو دَاوُدَ، والنَّسَائِىُّ، والتِّرمِذِيُّ (١٣)، وقال: هو أحْسَنُ حَدِيثٍ في البابِ. وهذا صَرِيحٌ في الحُكْمِ، وفيه جَمْعٌ بين الأحادِيثِ، وبَيَانُ المُخْتَلِفِ منها، فإنَّ تَرْكَ النَّبِيِّ ﷺ لِلْأَكْلِ ممَّا أُهْدِىَ إليه، يَحْتَمِلُ أن يكونَ لِعِلْمِه أنَّه صِيدَ من أجْلِه أو ظَنِّه، ويَتَعَيَّنُ حَمْلُه على ذلك، لِمَا [قد ثَبَتَ] (١٤) من حديثِ أبي قَتَادَةَ، وأمْرِ النَّبِيِّ ﷺ أصْحَابَه بأكْلِ الحِمَارِ الذى صَادَه. وعن طَلْحَةَ، أنَّه أُهْدِىَ له طَيْرٌ، وهو رَاقِدٌ، فأكَلَ بعضُ أصْحَابِه وهم مُحْرِمُونَ، وتَوَرَّعَ بعضٌ، فلمَّا اسْتَيْقَظَ طَلْحَةُ وَفَّقَ (١٥) مَن أكَلَهُ، وقال: أكَلْنَاهُ مع رسولِ اللهِ ﷺ . رَوَاهُ مُسْلِمٌ (١٦). وفي "المُوَطَّأِ" (١٧)، أنَّ رسولَ اللهِ ﷺ خَرَجَ يُرِيدُ مَكَّةَ

стр. 2280

وهو مُحْرِمٌ، حتى إذا كان بالرَّوْحَاءِ (١٨)، إذا حِمَارٌ وَحْشِيٌّ عَقِيرٌ، فجاء البَهْزِيُّ وهو صَاحِبُه، فقال: يا رسولَ اللَّه، شَأْنَكم بهذا الحِمَارِ. فأمَرَ رسولُ اللهِ ﷺ أبا بكرٍ فقَسَمَهُ بين الرِّفَاقِ. وهو حَدِيثٌ صَحِيحٌ. وأحَادِيثُهم إن لم يَكُنْ فيها ذِكْرُ أنَّه صِيدَ من أجْلِهم، فيتَعيَّنُ (١٩) ضَمُّ هذا القَيْدِ إليها لِحَدِيثِنا، وجَمْعًا بين الأحادِيثِ، ودَفْعًا لِلتَّنَاقُضِ عنها، ولأنَّه صِيدَ لِلْمُحْرِمِ، فحُرِّمَ، كما لو أمَرَ أو أعَانَ. فصل: وما حَرُمَ على المُحْرِمِ، لِكَوْنِه صِيدَ من أجْلِه، أو دَلَّ عليه، أو أعَانَ عليه، لم يَحْرُمْ على الْحَلالِ أكْلُه؛ لِقَوْلِ علىٍّ، أَطْعِمُوهُ حَلالًا (٢٠). وقد بَيَّنَّا حَمْلَهُ على أنَّه صِيدَ من أجْلِهم، وحَدِيثِ الصَّعبِ بن جَثَّامَةَ، حين رَدَّ النَّبِىُّ ﷺ الصَّيْدَ عليه، ولم يَنْهَهُ عن أكْلِه. ولأنَّه صَيْدٌ حَلالٌ، فأُبِيحَ لِلْحَلالِ أكْلُه، كما لو صِيدَ لهم. وهل يُبَاحُ أكْلُه لِمُحْرِمٍ آخَرَ؟ ظَاهِرُ الحَدِيثِ إبَاحَتُه له؛ لِقَوْلِه: "صَيْدُ البَرِّ لَكُمْ حَلَالٌ، مَا لَمْ تَصِيدُوهُ، أو يُصَدْ لَكُمْ". وهو قولُ عثمانَ بن عفانَ، رَضِىَ اللهُ عنه؛ لأنَّه رُوِىَ أنَّه أُهْدِىَ إليه صَيْدٌ، وهو مُحْرِمٌ، فقال لأصْحَابِه: كُلُوا. ولم يَأْكُلْ هو، وقال: إنَّما صِيدَ من أجْلِى (٢١). ولأنَّه لم يُصَدْ من أجْلِه، فحَلَّ له كما لو (٢٢) صَادَهُ الْحَلالُ لِنَفْسِه. ويَحْتَمِلُ أن يَحْرُمَ عليه. وهو ظَاهِرُ قَوْلِ عليٍّ، رَضِىَ اللَّه عنه؛ لِقَوْلِه: أطْعِمُوهُ حَلالًا، فإنَّا حُرُمٌ (٢٠). ولِقَوْلِ
следующие страницы →