في ضَمانِهِ أحَدٌ. ولو كان المَدْلُولُ رَأى الصَّيْدَ قبل الدَّلَالَةِ والإشَارَةِ، فلا شىءَ على الدَّالِّ وَالمُشِيرِ؛ لأنَّ ذلك لم يَكُنْ سَبَبًا في تَلَفِه، ولأنَّ هذه ليستْ دَلَالَةً على الحَقِيقَةِ، وكذلك إن وُجِدَ من المُحْرِمِ حَدَثٌ عندَ رُؤْيَةِ الصَّيْدِ، من ضَحِكٍ، أو اسْتِشْرَافٍ إلى الصَّيْدِ، ففَطِنَ له غيرُه فصَادَهُ، فلا شىءَ على المُحْرِمِ؛ بِدَلِيلِ ما جاءَ في حديثِ أبِى قَتَادَةَ (٩) قال: خَرَجْنَا مع رسولِ اللهِ ﷺ ، حتى إذا كُنَّا بالقَاحَةِ (١٠)، ومِنَّا المُحْرِمُ، ومنَّا غيرُ المُحْرِمِ، إذْ بَصُرْتُ بأصْحَابِى يَتَرَاءَونَ شيئا، فنَظَرْتُ، فإذا حِمَارُ وَحْشٍ. وفي لَفْظٍ: فَبَيْنَا أنا مع أصْحَابِى يَضْحَكُ بعضُهم، إذ نَظَرْتُ، فإذا أنا بِحِمَارِ وَحْشٍ. وفي لفظ: فلما كُنَّا بالصِّفَاحِ (١١) فإذا هم يَتَراءَونَ. فقلتُ: أيَّ شىءٍ تَنْظُرُون؟ فلم يُخْبِرُونِى. مُتَّفَقٌ عليه.
فصل: فإن أعارَ قَاتِلَ الصَّيْدِ سِلَاحًا، فقَتَلَهُ به، فهو كما لو دَلَّهُ عليه، سواءٌ كان المُسْتَعَارُ ممَّا لا يَتِمُّ قَتْلُه إلَّا به، أو أعارَه شيئا هو مُسْتَغْنٍ عنه، مثلَ أن يُعِيرَهُ رُمْحًا ومعه رُمْحٌ، وكذلك لو أعَانَه عليه بِمُنَاوَلَتِه سَوْطَه أو رُمْحَه، أو أمَرَهُ بِاصْطِيَادِه؛ لما ذَكَرْنا من حَدِيثِ أبي قَتَادَةَ، وقولِ أصْحابِه: واللهِ لا نُعِينُكَ عليه بِشىءٍ. وقولِ النَّبِيِّ ﷺ : "هَلْ مِنْكُمْ أحَدٌ أمَرَهُ أنْ يَحْمِلَ عَلَيْهَا، أوْ أشَارَ إلَيْهَا؟ ". وكذلك إن أعَارَهُ سِكِّينًا، فذَبَحَهُ بها. فإن أعَارَهُ آلةً لِيَسْتَعْمِلَها في غيرِ الصَّيْدِ، فاسْتَعْمَلَها في الصَّيْدِ، لم يَضْمَنْ؛ لأنَّ ذلك غيرُ مُحَرَّمٍ عليه، فأشْبَهَ ما لو ضَحِكَ عند رُؤْيَةِ الصَّيْدِ، ففَطِنَ له إنْسَانٌ، فصَادَهُ.
فصل: وإن دَلَّ الْحَلالُ مُحْرِمًا على الصَّيْدِ، فقَتَلَهُ، فلا شىءَ على الْحَلالِ؛ لأنَّه لا يَضْمَنُ الصَّيْدَ بالإتْلَافِ، فبِالدَّلَالَةِ أوْلَى، إلَّا أن يكونَ ذلك في الحَرَمِ،
стр. 2277
فيُشَارِكَه في الجَزَاءِ؛ لأنَّ صَيْدَ الحَرَمِ حَرامٌ على الْحَلالِ والحرامِ. نَصَّ عليه أحمدُ.
فصل: وإن صَادَ المُحْرِمُ صَيْدًا لم يَمْلِكْهُ، فإن تَلِفَ في يَدِه، فعليه جَزَاؤُهُ، وإن أمْسَكَهُ حتى حلَّ، لَزِمَهُ إرْسَالُه، وليس له ذَبْحُه، فإن فَعَلَ، أو تَلِفَ الصَّيْدُ، ضَمِنَهُ، وحَرُمَ أكلُه؛ لأنَّه صَيْدٌ ضَمِنَه بِحُرْمَةِ الإحْرَامِ، فلم يُبَحْ أكْلُه، كما لو ذَبَحَهُ حالَ إحْرَامِهِ، ولأنَّها ذَكَاةٌ مُنِعَ منها بِسَبَبِ الإحْرَامِ، فأشْبَهَتْ ما لو كان الإحْرامُ بَاقِيًا. واخْتَارَ أبو الخَطَّابِ أنَّ له أكْلَهُ وعليه ضَمَانَهُ؛ لأنَّه ذَبَحَهُ وهو من أهْلِ ذَبْحِ الصَّيْدِ، فأَشْبَهَ ما لو صَادَهُ بعد الحلِّ. والفَرْقُ ظَاهِرٌ؛ لأنَّ هذا يَلْزَمُه ضَمَانُه والذى صَادَه بعدَ الحِلِّ لا ضَمَانَ عليه فيه.
٥٧٩ - مسألة؛ قال: (وَلَا يَأَكُلُه إذَا صَادَهُ الْحَلَالُ لِأَجْلِهِ)
لا خِلَافَ في تَحْرِيمِ الصَّيْدِ على المُحْرِمِ إذا صادَهُ أو ذَبَحَهُ. وقد قال اللَّه تعالى: ﴿وَحُرِّمَ عَلَيْكُمْ صَيْدُ الْبَرِّ مَا دُمْتُمْ حُرُمًا﴾ (١). وإن صَادَهُ حلالٌ وذَبَحَهُ، وكان من المُحْرِمِ إعَانَةٌ فيه، أو دَلَالَةٌ عليه، أو إشَارَةٌ إليه، لم يُبَحْ أيضا. وإن صِيدَ من أجْلِه، لم يُبَحْ له أيضا أكْلُه. ورُوِىَ ذلك عن عثمانَ بن عفانَ (٢). وهو قولُ مالِكٍ، والشَّافِعِيُّ. وقال أبو حنيفةَ: له أكْلُه؛ لقولِ النَّبِيِّ ﷺ في حديثِ أبي قَتَادَةَ: "هَلْ مِنْكُمْ أحَدٌ أمَرَهُ، أوْ أشَارَ إلَيْه بِشَىْءٍ؟ " قالوا: لا. قال: "فَكُلُوا مَا بَقِىَ مِنْ لَحْمِهَا". مُتَّفَقٌ عليه (٣). فَدَلَّ على أنَّ التَّحْرِيمَ إنَّما يَتَعَلَّقُ بالإشَارَةِ والأمْرِ والإعانَةِ، ولأنَّه صَيْدٌ مُذَكَّى، لم يَحْصُلْ فيه ولا في سَبَبِه صُنْعٌ منه، فلم يَحْرُمْ عليه أكْلُه، كما لو لم يُصَدْ له. وحُكِىَ عن عليٍّ، وابنِ عمرَ، وعائشةَ، وابنِ عَبَّاسٍ، أنَّ لَحْمَ الصَّيْدِ يَحْرُمُ على المُحْرِمِ بكلِّ حالٍ، وبه قال
стр. 2278
طاوُسٌ. وكَرِهَهُ الثَّوْرِيُّ، وإسحاقُ؛ لِعُمُومِ قَوْلِه: ﴿وَحُرِّمَ عَلَيْكُمْ صَيْدُ الْبَرِّ مَا دُمْتُمْ حُرُمًا﴾. وَرَوَى (٤) ابنُ عَبَّاسٍ، عن الصَّعْبِ بن جَثَّامةَ اللَّيْثِىِّ، أنَّه أهْدَى إلى النَّبِىِّ ﷺ حِمَارًا وَحْشِيًّا، وهو بالأبْوَاءِ (٥) أو بِوَدَّانَ (٦)، فرَدَّهُ عليه رسولُ اللهِ ﷺ ، فلمَّا رَأَى رسولُ اللهِ ﷺ ما في وَجْهِه (٧)، قال: "إنَّا لَمْ نَرُدَّه عَلَيْكَ إلَّا أنَّا حُرُمٌ". مُتَّفَقٌ عليه (٨). وفي لَفْظٍ: أهْدَى الصَّعبُ بنُ جَثَّامَةَ إلى النَّبِيِّ ﷺ رِجْلَ حِمَارٍ (٩). وفي رِوَايَةٍ: عَجُزَ حِمَارٍ. وفي رِوَايَةٍ: شِقَّ حِمَارٍ. رَوَى ذلك كُلَّه مُسْلِمٌ. ورَوَى أبو دَاوُدَ (١٠)، بإسْنَادِه عن عبدِ اللهِ بنِ الحارِثِ، عن أبِيهِ قال: كان الحارِثُ خَلِيفَةَ عثمانَ على الطَّائِفِ، فصَنَعَ له طَعَامًا، وصَنَعَ فيه الحَجَلَ (١١) واليَعَاقِيبَ (١٢) ولَحْمَ الوَحْشِ، فبَعَثَ إلى علىِّ بن أبي طَالِبٍ، فجَاءَه
стр. 2279
فقال: أطْعِمُوهُ قَوْمًا حَلالًا، فإنَّا حُرُمٌ. ثم قال علىٌّ: أَنْشُدُ اللَّه مَن كان هاهُنا مِن أشْجَعَ، أَتَعْلَمُونَ أنَّ رسولَ اللَّه ﷺ أهْدَى إليه رَجُلٌ حِمَارَ وَحْشٍ، فأَبَى أن يَأْكُلَهُ؟ قالوا: نعم. ولأنَّه لَحْمُ صَيْدٍ فحَرُمَ على المُحْرِمِ، كما لو دَلَّ عليه. ولَنا، ما رَوَى جابِرٌ، قال: سمِعتُ رسولَ اللهِ ﷺ يقولُ: "صَيْدُ الْبَرِّ لَكُمْ حَلَالٌ مَا لَمْ تَصِيدُوه، أو يُصَدْ لَكُمْ". رَوَاهُ أبو دَاوُدَ، والنَّسَائِىُّ، والتِّرمِذِيُّ (١٣)، وقال: هو أحْسَنُ حَدِيثٍ في البابِ. وهذا صَرِيحٌ في الحُكْمِ، وفيه جَمْعٌ بين الأحادِيثِ، وبَيَانُ المُخْتَلِفِ منها، فإنَّ تَرْكَ النَّبِيِّ ﷺ لِلْأَكْلِ ممَّا أُهْدِىَ إليه، يَحْتَمِلُ أن يكونَ لِعِلْمِه أنَّه صِيدَ من أجْلِه أو ظَنِّه، ويَتَعَيَّنُ حَمْلُه على ذلك، لِمَا [قد ثَبَتَ] (١٤) من حديثِ أبي قَتَادَةَ، وأمْرِ النَّبِيِّ ﷺ أصْحَابَه بأكْلِ الحِمَارِ الذى صَادَه. وعن طَلْحَةَ، أنَّه أُهْدِىَ له طَيْرٌ، وهو رَاقِدٌ، فأكَلَ بعضُ أصْحَابِه وهم مُحْرِمُونَ، وتَوَرَّعَ بعضٌ، فلمَّا اسْتَيْقَظَ طَلْحَةُ وَفَّقَ (١٥) مَن أكَلَهُ، وقال: أكَلْنَاهُ مع رسولِ اللهِ ﷺ . رَوَاهُ مُسْلِمٌ (١٦). وفي "المُوَطَّأِ" (١٧)، أنَّ رسولَ اللهِ ﷺ خَرَجَ يُرِيدُ مَكَّةَ
стр. 2280
وهو مُحْرِمٌ، حتى إذا كان بالرَّوْحَاءِ (١٨)، إذا حِمَارٌ وَحْشِيٌّ عَقِيرٌ، فجاء البَهْزِيُّ وهو صَاحِبُه، فقال: يا رسولَ اللَّه، شَأْنَكم بهذا الحِمَارِ. فأمَرَ رسولُ اللهِ ﷺ أبا بكرٍ فقَسَمَهُ بين الرِّفَاقِ. وهو حَدِيثٌ صَحِيحٌ. وأحَادِيثُهم إن لم يَكُنْ فيها ذِكْرُ أنَّه صِيدَ من أجْلِهم، فيتَعيَّنُ (١٩) ضَمُّ هذا القَيْدِ إليها لِحَدِيثِنا، وجَمْعًا بين الأحادِيثِ، ودَفْعًا لِلتَّنَاقُضِ عنها، ولأنَّه صِيدَ لِلْمُحْرِمِ، فحُرِّمَ، كما لو أمَرَ أو أعَانَ.
فصل: وما حَرُمَ على المُحْرِمِ، لِكَوْنِه صِيدَ من أجْلِه، أو دَلَّ عليه، أو أعَانَ عليه، لم يَحْرُمْ على الْحَلالِ أكْلُه؛ لِقَوْلِ علىٍّ، أَطْعِمُوهُ حَلالًا (٢٠). وقد بَيَّنَّا حَمْلَهُ على أنَّه صِيدَ من أجْلِهم، وحَدِيثِ الصَّعبِ بن جَثَّامَةَ، حين رَدَّ النَّبِىُّ ﷺ الصَّيْدَ عليه، ولم يَنْهَهُ عن أكْلِه. ولأنَّه صَيْدٌ حَلالٌ، فأُبِيحَ لِلْحَلالِ أكْلُه، كما لو صِيدَ لهم. وهل يُبَاحُ أكْلُه لِمُحْرِمٍ آخَرَ؟ ظَاهِرُ الحَدِيثِ إبَاحَتُه له؛ لِقَوْلِه: "صَيْدُ البَرِّ لَكُمْ حَلَالٌ، مَا لَمْ تَصِيدُوهُ، أو يُصَدْ لَكُمْ". وهو قولُ عثمانَ بن عفانَ، رَضِىَ اللهُ عنه؛ لأنَّه رُوِىَ أنَّه أُهْدِىَ إليه صَيْدٌ، وهو مُحْرِمٌ، فقال لأصْحَابِه: كُلُوا. ولم يَأْكُلْ هو، وقال: إنَّما صِيدَ من أجْلِى (٢١). ولأنَّه لم يُصَدْ من أجْلِه، فحَلَّ له كما لو (٢٢) صَادَهُ الْحَلالُ لِنَفْسِه. ويَحْتَمِلُ أن يَحْرُمَ عليه. وهو ظَاهِرُ قَوْلِ عليٍّ، رَضِىَ اللَّه عنه؛ لِقَوْلِه: أطْعِمُوهُ حَلالًا، فإنَّا حُرُمٌ (٢٠). ولِقَوْلِ
стр. 2281
النَّبِىِّ ﷺ فى حَدِيثِ أبِى قَتَادَةَ: "هَلْ مِنْكُمْ أحَدٌ أمَرَهُ أنْ يَحْمِلَ عَلَيْهَا، أوْ أشَارَ إلَيْهَا؟ " قالوا: لا، قال: "فَكُلُوهُ" (٢٣). فمَفْهُومُهُ أنَّ إشَارَةَ واحِدٍ منهم تُحَرِّمُهُ عليهم.
فصل: إذا قَتَلَ المُحْرِمُ الصَّيْدَ، ثم أكَلَه، ضَمِنَه لِلْقَتْلِ دُونَ الأكْلِ. وبه قال مالِكٌ، والشَّافِعِىُّ. وقال عَطاءٌ، وأبو حنيفةَ: يَضْمَنُه لِلْأَكْلِ أيضا؛ لأنَّه أكَلَ من صَيْدٍ مُحَرَّمٍ عليه، فَيَضْمَنُه (٢٤)، كما لو أكَلَ ممَّا صِيدَ لِأجْلِه. ولَنا، أنَّه صَيْدٌ مَضْمُونٌ بِالجَزاءِ، فلم يُضْمَنْ ثَانِيًا، كما لو أتْلَفَهُ بغيرِ الأكْلِ، وكصَيْدِ الحَرَمِ إذا قَتَلَهُ الْحَلالُ وأكَلَه، وكذلك إن قَتَلَهُ مُحْرِمٌ آخَرُ، ثم أكَلَ هذا منه، لم يَجِبْ عليه الجَزَاءُ؛ لما ذَكَرْنَا. ولأنَّ تَحْرِيمَهُ لكَوْنِه مَيْتَةً، والمَيتَةُ لا تُضْمَنُ بِالجَزاءِ. وكذلك إن حُرِّمَ عليه أكْلُه لِلدَّلَالَةِ عليه، أو الإِعَانَةِ (٢٥) عليه، فأكَلَ منه، لم يَضْمَنْ؛ لأنَّه صَيْدٌ مَضْمُونٌ بِالجَزَاءِ مَرَّةً، فلا يَجِبُ به جَزَاءٌ ثَانٍ، كما لو أتْلَفَهُ. وإن أكَلَ ممَّا صِيدَ لأَجْلِه، ضَمِنَهُ. وهو قولُ مَالِكٍ. وقالَه الشَّافِعِىُّ فى القَدِيمِ. وقال فى الجَدِيدِ: لا جَزَاءَ عليه؛ لأنَّه أكْلٌ لِلصَّيْدِ، فلم يَجِبْ به الجَزاءُ، كما لو قَتَلَهُ ثم أكَلَهُ. ولَنا، أنَّه إتْلَافٌ مَمْنُوعٌ منه لِحُرْمَةِ الإِحْرامِ، فتَعَلَّقَ به الضَّمَانُ، كَالقَتْلِ. أمَّا إذا قَتَلَهُ، ثم أكَلَهُ، لا يُحَرَّمُ لِلإِتْلَافِ، إنما حُرِّمَ لِكَوْنِه مَيْتَةً. إذا ثَبَتَ هذا فإنَّه يَضْمَنُه بمِثْلِه من اللَّحْمِ؛ لأنَّ أصْلَه مَضْمُونٌ بمِثْلِه من النَّعَمِ، فكذلك أبْعاضُه تُضْمَنُ بمِثْلِها، بِخِلَافِ حَيَوانِ الآدَمِىِّ، فإنَّه يُضْمَنُ (٢٦) بِقِيمَتِه، فكذلك أبْعاضُه.
فصل: وإذا ذَبَحَ المُحْرِمُ الصَّيْدَ صَارَ مَيْتَةً، يَحْرُمُ أَكْلُه على جَمِيعِ النَّاسِ. وهذا قولُ الحسنِ، والقَاسِمِ، وسَالِمٍ، ومَالِكٍ، والأوْزَاعِىِّ، والشَّافِعِىِّ،
стр. 2282
وإسحاقَ، وأصْحَابِ الرَّأْىِ. وقال الحَكَمُ، والثَّوْرِىُّ، وأبو ثَوْرٍ: لا بَأْسَ بِأكْلِه. قال ابنُ المُنْذِرِ: وهو بِمَنْزِلَةِ ذَبِيحَةِ السَّارِقِ. وقال عَمْرُو بن دِينَارٍ، وأيُّوبُ السَّخْتِيَانِىُّ: يَأْكُلُه الْحَلالُ. وحُكِىَ عن الشَّافِعِىِّ قَوْلٌ قَدِيمٌ، أنَّه يَحِلُّ لِغَيْرِه الأَكْلُ منه؛ لأنَّ من أباحَتْ ذَكَاتُه غيرَ الصَّيْدِ أبَاحَتِ الصَّيْدَ، كالْحَلالِ. ولَنا، أنَّه حَيَوانٌ حُرِّمَ عليه ذَبْحُهُ لِحَقِّ اللهِ تَعَالى، فلم يَحلَّ بِذَبْحِه كالمَجُوسِىِّ، وبهذا فارَقَ سَائِرَ الحَيَوانَاتِ، وفارَقَ غيرَ الصَّيْدِ، فإنَّه لا يَحْرُمُ ذَبْحُه، وكذلك الحُكْمُ فى صَيْدِ الحَرَمِ إذا ذَبَحَهُ الْحَلالُ.
فصل: إذا اضْطُرَّ المُحْرِمُ، فوَجَدَ صَيْدًا ومَيْتَةً، أكَلَ المَيْتَةَ. وبهذا قال الحسنُ، والثَّوْرِىُّ، ومَالِكٌ. وقال الشَّافِعِىُّ، وإسحاقُ، وابنُ المُنْذِرِ: يَأْكُلُ الصَّيْدَ. وهذه المَسْألَةُ مَبْنِيَّةٌ على أنَّه إذا ذُبِحَ الصَّيْدُ كان مَيْتَةً، فيُسَاوِى المَيْتَةَ فى التَّحْرِيمِ، ويَمْتَازُ بإيجَابِ الجَزَاءِ، وما يَتَعَلَّقُ به من هَتْكِ حُرْمَةِ الإحْرامِ، فلذلك كان أكْلُ المَيْتَةِ أَوْلَى، إلَّا أن لا تَطِيبَ نَفْسُه بِأكْلِها، فيَأْكُلُ الصَّيْدَ، كما لو لم يَجِدْ غَيْرَه.
٥٨٠ - مسألة؛ قال: (وَلَا يَتَطَيَّبُ المُحْرِمُ)
أجْمَعَ أهْلُ العِلْمِ على أنَّ المُحْرِمَ مَمْنُوعٌ من الطِّيبِ. وقد قال النَّبِىُّ ﷺ فى (١) المُحْرِمِ الذى وَقَصَتْهُ رَاحِلَتُه (٢): "لَا تَمَسُّوهُ بِطِيبٍ". رَوَاهُ مُسْلِمٌ (٣). وفى لَفْظٍ: "لا تُحَنِّطُوهُ". مُتَّفَقٌ عليه (٣). فلمَّا مُنِعَ المَيِّتُ من الطِّيبِ لإِحْرَامِهِ، فالحَىُّ أوْلَى. ومتى تَطَيَّبَ، فعليه الفِدْيَةُ؛ لأنَّه اسْتَعْمَلَ ما حَرَّمَهُ الإِحْرامُ، فوَجَبَتْ عليه الفِدْيَةُ، كاللِّبَاسِ. ومَعْنَى الطِّيبِ: ما تَطيبُ رَائِحَتُه، ويُتَّخَذُ
стр. 2283
لِلشَّمِّ، كَالمِسْكِ، والعَنْبَرِ، والكَافُورِ، والغَالِيةِ، والزَّعْفَرَان، ومَاءِ الوَرْدِ، والأَدْهَانِ المُطيَبةِ، كدُهْنِ البَنَفْسَجِ ونحوِه.
فصل: والنَّبَاتُ الذى تُسْتَطَابُ رَائِحَتُه على ثلاثةِ أضْرُبٍ: أحدُها، ما لا يَنْبُتُ لِلطِّيبِ، ولا يُتَّخَذُ منه، كنَبَاتِ الصَّحرَاءِ، من الشِّيحِ والقَيْصُومِ والخُزَامَى، والفَوَاكِه كلِّها من الأُتْرُجِّ والتُّفّاحِ والسَّفَرْجَلِ وغيرِه، وما يُنْبِتُه الآدَمِيُّونَ لغيرِ قَصْدِ الطِّيبِ، كالحِنَّاءِ والعُصْفُرِ، فَمُبَاحٌ شَمُّه، ولا فِدْيَةَ فيه. ولا نَعْلَمُ فيه خِلَافًا، إلَّا ما رُوِىَ عن ابن عمرَ، أنَّه كان يَكْرَهُ لِلْمُحْرِمِ أن يَشمَّ شَيْئًا من نَبْتِ (٤) الأرْضِ، من الشِّيحِ والقَيْصُومِ وغَيْرِهِما. ولا نَعْلَمُ أحَدًا أوْجَبَ فى ذلك شيئا، فإنَّه لا يُقْصَدُ لِلطِّيبِ، ولا يُتَّخَذُ منه طِيبٌ، أَشْبَهَ [سائرَ نَبْتِ] (٥) الأرْضِ. وقد رُوِىَ أنَّ أزْوَاجَ رسولِ اللهِ ﷺ كُنَّ يُحْرِمْنَ فى المُعَصْفَرَاتِ (٦). الثانى، ما يُنْبِتُه الآدَمِيُّونَ لِلطِّيبِ، ولا يُتَّخَذُ منه طِيبٌ، كالرَّيْحَانِ الفَارِسِىِّ، والمَرْزَجُوشِ (٧) والنَّرْجِسِ، والبَرَمِ (٨)، فَفِيه وَجْهَانِ؛ أحَدُهما، يُبَاحُ بغيرِ فِدْيَةٍ. قالَه عثمانُ بن عفانَ، وابنُ عَبَّاسٍ، والحسنُ، ومُجاهِدٌ، وإسحاقُ. والآخَرُ، يَحْرُمُ شَمُّهُ، فإن فَعَلَ فعليه الفِدْيَةُ. وهو قولُ جابِرٍ، وابنِ عمرَ، والشَّافِعِىِّ، وأبى ثَوْرٍ؛ لأنَّه يُتَّخَذُ لِلطِّيبِ، فأَشْبَهَ الوَرْدَ. وكَرِهَهُ مَالِكٌ، وأصْحابُ الرَّأْىِ، ولم يُوجِبُوا فيه
стр. 2284
شيئا. وكلامُ أحمدَ فيه مُحْتَمِلٌ لهذا؛ فإنَّه قال فى الرَّيْحَانِ: ليس من آلةِ المُحْرِمِ. ولم يَذْكُرْ فِدْيَتَه (٩)؛ وذلك لأنَّه لا يُتَّخَذُ منه طِيبٌ، فأشْبَهَ العُصْفُرَ. الثالث، ما يَنْبُتُ لِلطِّيبِ، ويُتَّخَذُ منه طِيبٌ، كَالوَرْدِ والبَنَفْسَجِ واليَاسَمِينِ والخِيرِىِّ (١٠)، فهذا إذا اسْتَعْمَلَهُ وشَمَّهُ، ففيه الفِدْيَةُ؛ لأنَّ الفِدْيَةَ تَجِبُ فيما يُتَّخَذُ منه، فكذلك فى أصْلِهِ. وعن أحمدَ، رِوَايَةٌ أُخْرَى فى الوَرْدِ: لا فِدْيَةَ عليه فى شَمِّهِ؛ لأنَّه زَهْرٌ شَمَّه على جِهَتِه، أشْبَهَ زَهْرَ سائِرِ الشَّجرِ. وذَكَرَ أبو الخَطَّابِ فى هذا والذى قبلَه رِوَايَتَيْنِ. والأَوْلَى تَحْرِيمُه؛ لأنَّه يَنْبُتُ لِلطِّيبِ، ويُتَّخَذُ منه، أشْبَهَ الزَّعْفَرَانَ والعَنْبَرَ. قال القاضى: يُقالُ: إن العَنْبَرَ ثَمَرُ شَجَرٍ، وكذلك الكافُور.
فصل: ومَن (١١) مَسَّ من الطِّيبِ ما يَعْلَقُ بِيَدِه، كالغَالِيةِ، ومَاءِ الوَرْدِ، والمِسْكِ المَسْحُوقِ الذى يَعْلَقُ بأَصَابِعِه، فعليه الفِدْيَةُ؛ لأنَّه مُسْتَعْمَلٌ (١٢) لِلطِّيبِ. وإن مَسَّ ما لا يَعْلَقُ بيَدِه، كالمِسْكِ غيرِ المَسْحُوقِ، وقِطَعِ (١٣) الكَافُورِ، والعَنْبَرِ، فلا فِدْيَةَ؛ لأَنَّه غَيْرُ مُسْتَعْمَلٍ لِلطِّيبِ. فإن شَمَّه، فعليه الفِدْيَةُ؛ لأنَّه يُسْتَعْمَلُ هكذا. وإن شَمَّ العُودَ، فلا فِدْيَةَ عليه؛ لأنَّه لا يُتَطَيَّبُ به هكذا.
٥٨١ - مسألة؛ قال: (وَلَا يَلْبَسُ ثَوْبًا مَسَّهُ وَرْسٌ وَلَا زعْفَرَانٌ وَلَا طِيبٌ)
لا نَعْلَمُ بين [أهْلِ العِلْمِ] (١) خِلَافًا فى هذا. وهو قولُ جابِرٍ، وابنِ عمرَ، ومالِكٍ، والشَّافِعِىِّ، وأبى ثَوْرٍ، وأصْحابِ الرَّأْىِ. قال ابنُ عبدِ البَرِّ: لا خِلَافَ
стр. 2285
فى هذا بين العُلَمَاءِ، وقد قال النَّبِىُّ ﷺ : "لا تَلْبَسُوا مِنَ الثِّيَابِ شَيْئًا مَسَّهُ الزَّعْفَرَانُ، ولَا الوَرْسُ". مُتَّفَقٌ عليه (٢). فَكُلُّ ما صُبِغَ بِزَعْفَرَان أو وَرْسٍ، أو غُمِسَ فى ماءِ وَرْدٍ، أو بُخِّرَ بِعُودٍ، فليسَ لِلْمُحْرِمِ لُبْسُه، [ولا الجُلُوسُ عليه، ولا النَّوْمُ عليه. [نَصَّ أحمدُ عليه] (٣). وذلك لأنَّه اسْتِعْمَالٌ له، فأَشْبَهَ لُبْسَه] (٤). ومتى لَبِسَهُ، أو اسْتَعْمَلَهُ، فعليه الفِدْيَةُ. وبذلك قال الشَّافِعِىُّ. وقال أبو حنيفةَ: إن كان رَطْبًا يَلِى بَدَنَهُ، أو يَابِسًا يُنْفَضُ، فعليه الفِدْيَةُ، وإلَّا فلا؛ لأنَّه ليس بِمُتَطيِّبٍ. ولَنا، أنَّه مَنْهِىٌّ عنه لأجْلِ الإِحْرامِ فلَزِمَتْهُ الفِدْيَةُ به (٥)، كاسْتِعْمَالِ الطِّيبِ فى بَدَنِه. ولأنَّه مُحْرِمٌ اسْتَعْمَلَ ثَوْبًا مُطَيَّبًا، فلَزِمَتْهُ الفِدْيَةُ به كالرَّطْبِ. فإن غَسَلَهُ حتى ذَهَبَ ما فيه من ذلك، فلا بَأْسَ به عندَ جَمِيعِ العُلَمَاءِ.
فصل: وإن انْقَطَعَتْ رَائِحَةُ الثَّوْبِ، لِطُولِ الزَّمَنِ عليه، أو لِكَوْنِه صُبِغَ بغيرِه، فغَلَبَ عليه، بحيثُ لا يَفُوحُ له رَائِحَةٌ إذا رُشَّ فيه الماءُ، فلا بَأْسَ بِاسْتِعْمَالِه، لِزَوَالِ الطِّيبِ منه. وبهذا قال سَعِيدُ بنُ المُسَيَّبِ، والحسنُ، والنَّخَعِىُّ، والشَّافِعِىُّ، وأبو ثَوْرٍ، وأصْحابُ الرَّأى. ورُوِىَ ذلك عن عَطاءٍ، وطاوُسٍ. وكَرِهَ ذلك (٦) مَالِكٌ إلَّا أن يُغْسَلَ ويَذْهَبَ لَوْنُه؛ لأنَّ عَيْنَ الزَّعْفَرَانِ ونَحْوِه فيه. ولَنا، أنَّه إنَّما نُهِىَ عنه من أجْلِ رَائِحَتِه، وقد ذَهَبَتْ بِالكُلِّيَّةِ. فأمَّا إن لم يكنْ له رَائِحَةٌ فى الحالِ، لكن كان (٧) بحيثُ إذا رُشَّ فيه ماءٌ فَاحَ رِيحُه، ففيه الفِدْيَةُ؛ لأنَّه مُطَيَّبٌ (٨) بِطِيبٍ، بِدَلِيلِ أن رَائِحَتَهُ تَظْهَرُ عند رَشِّ الماءِ فيه، والماءُ لا رَائِحَةَ
стр. 2286
له، وإنَّما هى من الصِّبْغِ الذى فيه. فأمَّا إنْ فَرَشَ فَوْقَ الثَّوْبِ ثَوْبًا صَفِيقًا يَمنَعُ الرَّائِحَةَ والمُبَاشَرَةَ، فلا فِدْيَةَ عليه بالجُلُوسِ والنَّوْمِ عليه. وإن كان الحَائِلُ بينهما ثِيَابَ بَدَنِه، ففيه الفِدْيَةُ؛ لأنَّه يُمْنَعُ من اسْتِعْمَالِ الطِّيبِ فى الثَّوْبِ (٩) الذى عليه، كمَنْعِهِ من اسْتِعْمَالِه فى بَدَنِه.
٥٨٢ - مسألة؛ قال: (وَلَا بَأْسَ بِمَا صُبِغَ بالْعُصْفُرِ)
وجُمْلَةُ ذلك أنَّ العُصْفُرَ ليس بِطِيبٍ، ولا بَأْسَ بِاسْتِعْمَالِه وشَمِّه، ولا بما صُبِغَ به. وهذا قولُ جابِرٍ، وابنِ عمرَ، وعبدِ اللهِ بن جعفرٍ، وعَقِيلِ بن أبى طالِبٍ. وهو مذهبُ الشَّافِعِىِّ. وعن عائشةَ، وأسْمَاءَ، وأَزْوَاجِ النَّبِىِّ ﷺ ، أَنَّهُنَّ كُنَّ يُحْرِمْنَ فى المُعَصْفَرَاتِ (١). وكَرِهَهُ مَالِكٌ إذا كان يَنْتَفِضُ فى جَسَدِه (٢)، ولم يُوجِبْ فيه فِدْيَةً. ومَنَعَ منه الثَّوْرِيُّ، وأبو حنيفةَ، ومحمدُ بن الحسنِ، وشَبَّهُوهُ بالمُوَرَّسِ والمُزَعْفَرِ؛ لأنَّه صِبْعٌ طَيِّبُ الرَّائِحَةِ، فأشْبَهَ ذلك. ولَنا، ما رَوَى أبو دَاوُدَ (٣)، بإسْنَادِهِ عن ابنِ عمرَ، أنَّه سَمِعَ رسولَ اللهِ ﷺ نَهَى النِّسَاءَ فى إحْرَامِهِنَّ عن القُفَّازَيْنِ والنِّقَابِ، وما مَسَّ الوَرْسَ والزَّعْفَرَانَ من الثِّيَابِ، ولْتَلْبَس بعدَ ذلك ما أحَبَّتْ من أَلْوَانِ الثِّيَابِ، من مُعَصْفَرٍ، أو خَزٍّ، أو حَلْىٍ، أو سَرَاوِيلَ، أو قَمِيصٍ، أو خُفٍّ. ورَوَى (٤) الإِمامُ أحمدُ، فى المَنَاسِكِ، بإسْنَادِه عن عائشةَ بِنْتِ سَعْدٍ (٥)، قالتْ: كُنَّ (٦) أزْوَاجَ النَّبِىِّ ﷺ يُحْرِمْنَ (٧) فى المُعَصْفَرَاتِ. ولأنَّه
стр. 2287
قولُ مَن سَمَّيْنَا من الصَّحَابَةِ، ولم نَعْرِفْ لهم مُخَالِفًا، ولأنَّه ليس بِطِيبٍ، فلم يُكْرَهْ ما صُبِغَ به، كالسَّوَادِ، والمَصْبُوغِ بالمَغْرَةِ (٨)، وأما الوَرْسُ والزَّعْفَرَانُ فإنَّه طِيبٌ، بِخِلَافِ مَسْأَلَتِنَا.
فصل: ولا بَأْسَ بالمُمَشَّقِ، وهو المَصْبُوغُ بِالمَغْرَةِ؛ لأنَّه مَصْبُوغٌ بِطِينٍ لا بِطِيبٍ، وكذلك المَصْبُوغُ بِسَائِرِ الأصْبَاغِ، سِوَى ما ذَكَرْنَا؛ لأنَّ الأصْلَ الإِباحَةُ، إلَّا ما وَرَدَ الشَّرْعُ بِتَحْرِيمِه، أو ما (٩) كان فى مَعْنَاه، وليس هذا كذلك. وأمَّا المَصْبُوغُ بِالرَّيَاحِين، فهو مَبْنِىٌّ على الرَّيَاحِينِ فى نَفْسِها، فما مُنِعَ المُحْرِمُ مِن اسْتِعْمَالِه، مُنِعَ (١٠) لُبْسَ المَصْبُوغِ به، إذا ظَهَرَتْ رَائِحَتُه، وإلَّا فلا.
٥٨٣ - مسألة؛ قال: (وَلَا يَقْطَعُ شَعْرًا مِنْ رَأْسِهِ، وَلَا جَسَدِهِ)
أجْمَعَ أهْلُ العِلْمِ على أنَّ المُحْرِمَ مَمْنُوعٌ من أَخْذِ شَعْرِهِ، إلَّا من عُذْرٍ. والأصْلُ فيه قولُ اللهِ تعالى: ﴿وَلَا تَحْلِقُوا رُءُوسَكُمْ حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ﴾ (١). ورَوَى كَعْبُ بن عُجْرَةَ، عن رسولِ اللهِ ﷺ ، أنَّه قال: "لَعَلَّكَ يُؤْذِيكَ هَوَامُّ رَأْسِكَ؟ " قال: نعم، يا رسولَ اللهِ. فقال رسولُ اللهِ ﷺ : "احْلِقْ رَأْسَكَ، وَصُمْ ثَلَاثَةَ أيَّامٍ، أوْ أَطْعِمْ سِتَّةَ مَسَاكِينَ، أوْ انْسُكْ شَاةً". مُتَّفَقٌ عليه (٢). وهذا يَدُلُّ على أنَّ الحَلْقَ كان قبلَ ذلك مُحَرَّمًا، وشَعْرُ الرَّأْسِ والجَسَدِ فى ذلك سَوَاءٌ.
فصل: فإنْ كان له عُذْرٌ، من مَرَضِ، أو وَقَعَ فى رَأْسِه قَمْلٌ، أو غيرُ ذلك ممَّا يَتَضَرَّرُ بإبْقَاءِ الشَّعْرِ، فله إزَالَتُه، لِلْآيَةِ والخَبَرِ. قال ابنُ عباس: ﴿فَمَنْ كَانَ
стр. 2288
مِنْكُمْ مَرِيضًا﴾ (٣). أى بِرَأْسِه قُرُوحٌ، ﴿أَوْ بِهِ أذًى مِنْ رَأْسِهِ﴾ (٣). أى قَمْلٌ. ثم يَنْظُرُ؛ فإن كان الضَّرَرُ اللَّاحِقُ به من نَفْسِ الشَّعْرِ، مثل أن يَنْبُتَ فى عَيْنَيْه (٤)، أو طَالَ حَاجِبَاهُ فَغَطَّيَا عَيْنَيْهِ، فله قَلْعُ ما فى العَيْنِ، وقَطْعُ مَا اسْتَرْسَلَ على عَيْنَيْهِ، ولا فِدْيَةَ عليه؛ لأنَّ الشَّعْرَ آذَاهُ، فكان له دَفْعُ أَذِيَّتِه بغيرِ فِدْيَةٍ، كالصَّيْدِ إذا صَالَ عليه، وإن كان الأذَى من غيرِ الشَّعْرِ، لكن لا يَتَمَكَّنُ من إزالَةِ الأذَى إلَّا بإزَالَةِ الشَّعْرِ، كالقَمْلِ والقُرُوحِ بِرأْسِه، أو صُدَاعٍ بِرَأْسِه، أو شِدَّةِ الحَرِّ عليه لِكَثْرَةِ شَعْرِهِ، فعليه الفِدْيَةُ؛ لأنَّه قَطَعَ الشَّعْرَ لإِزَالَةِ ضَرَرٍ غَيْرِه، فأَشْبَهَ أَكْلَ الصَّيْدِ لِلْمَخْمَصَةِ. فإن قيلَ: فالقَمْلُ من ضَرَرِ الشَّعْرِ، والحَرُّ سَبَبُه كَثْرَةُ الشَّعْرِ. قُلنا: ليس القَمْلُ من الشَّعْرِ، وإنَّما لا يَتَمَكَّنُ من المُقَامِ فى الرَّأْسِ إلَّا به، فهو مَحَلٌّ له، لا سَبَبٌ فيه. وكَذَلِكَ الحَرُّ من الزَّمَانِ، بِدَلِيلِ أنَّ الشَّعْرَ يُوجَدُ في زَمَنِ البَرْدِ، فلا يَتَأَذَّى به، واللهُ أعلمُ.
٥٨٤ - مسألة؛ قال: (وَلَا يَقْطَعُ ظُفْرًا إلا أنْ يَنْكَسِرَ)
أجْمَعَ أهْلُ العِلْمِ على أنَّ المُحْرِمَ مَمْنُوعٌ من قَلْمِ أَظْفَارِه، إلَّا من عُذْرٍ؛ لأنَّ قَطْعَ الأظْفَارِ إزَالَةُ جُزْءٍ يَتَرَفَّهُ به، فَحُرِّم، كإزَالَةِ الشَّعْرِ. فإن انْكَسَرَ، فله إزَالَتُه من غيرِ فِدْيَةٍ تَلْزَمُهُ. قال ابنُ المُنْذِرِ: أجْمَعَ كُلُّ مَن نَحْفَظُ عنه من أهْلِ العِلْمِ، أنَّ لِلْمُحْرِمِ أنْ يُزِيلَ ظُفْرَهُ بِنَفْسِه إذا انْكَسَرَ. ولأنَّ ما انْكَسَرَ يُؤْذِيه ويُؤْلِمُه، فأشْبَهَ الشَّعْرَ النّابِتَ فى عَيْنِه، والصَّيْدَ الصَّائِلَ عليه. فإن قَصَّ أكْثَرَ ممَّا انْكَسَرَ، فعليه الفِدْيَةُ لذلك الزَّائِدِ، كما لو قَطَعَ من الشَّعْرِ أكْثَرَ ممَّا يَحْتَاجُ إليه. وإن احْتَاجَ إلى مُدَاوَاةِ قرْحَةٍ (١)، فلم يُمْكِنْهُ إلَّا بِقَصِّ أَظْفَارِه، فعليه الفِدْيَةُ لذلك. قال ابنُ
стр. 2289
القَاسِمِ (٢)، صَاحِبُ مَالِكٍ: لا فِدْيَةَ عليه. ولَنا، أنَّه أزَالَ ما مُنِعَ إزَالَتَه لِضَرَرٍ فى غيرِه، فأَشْبَهَ حَلْقَ رَأْسِه دَفْعًا لِضَرَرِ قَمْلِهِ. وإن وَقَعَ فى أَظْفَارِه مَرَضٌ، فأزَالَها لذلك المَرَضِ، فلا فِدْيَةَ عليه، لأنَّه أزَالَها لإزَالَةِ مَرَضِها، فأَشْبَهَ قَصَّهَا لِكَسْرِها.
٥٨٥ - مسألة؛ قال: (وَلَا يَنْظُرُ فِى الْمِرْآةِ لإصْلَاحِ شَىْءٍ)
يَعْنِى لا يَنْظُرُ فيها لإِزَالَةِ شَعَثٍ، أو تَسْوِيَةِ شَعْرٍ، أو شىءٍ من الزِّينَةِ. قال أحمدُ: لا بَأْسَ أن يَنْظُرَ فى المِرْآةِ، ولا يُصْلِحُ شَعَثًا، ولا يَنْفُضُ عنه غُبَارًا. وقال أيضا: إذا كان يُرِيدُ به زِينَةً فلا. قيل: فكيف يُرِيدُ زِينَةً؟ قال: يَرَى شَعْرَةً فيُسَوِّيهَا. ورُوِىَ نحوُ ذلك عن عَطاءٍ. والوَجْهُ فى ذلك أنَّه قد رُوِىَ فى حَدِيثٍ: "إن المُحْرِمَ الأَشْعَث الأَغْبَر". وفى آخَرَ: "إنَّ اللهَ يُبَاهِى بِأَهْلِ عَرَفَةَ مَلَائِكَتَهُ، فَيَقُولُ: يَا مَلَائِكَتِى، انْظُرُوا إلَى عِبَادِى، قَدْ أَتَوْنِى شُعْثًا غُبْرًا ضَاحِينَ" (١). أو كما جاءَ لَفْظُ (٢) الحَدِيثِ. فإن نَظَرَ فيها لِحَاجَةٍ، كَمُدَاوَاةِ جُرْحٍ، أو إزَالَةِ شَعْرٍ يَنْبُتُ فى عَيْنِه، ونحوِ ذلك ممَّا أباحَ الشَّرْعُ له فِعْلَهُ، فلا بَأْسَ، ولا فِدْيَةَ عليه بالنَّظَرِ فى المِرْآةِ على كل حالٍ، وإنَّمَا ذلك أَدَبٌ لا شىءَ على تَارِكِه. لا نَعْلَمُ أَحَدًا أوْجَبَ فى ذلك شيئا. وقد رُوِىَ عن ابنِ عمرَ، وعمرَ بن عبدِ العزيزِ، أنَّهما كانا يَنْظُرَانِ فى المِرْآةِ، وهما مُحْرِمَانِ.
٥٨٦ - مسألة؛ قال: (ولا يَأْكُلُ مِنَ الزَّعْفَرَانِ مَا يَجِدُ رِيحَهُ)
وجُمْلَةُ ذلك أنَّ الزَّعْفَرَانَ وغيرَه من الطِّيبِ، إذا جُعِلَ فى مَأْكُولٍ أو مَشْرُوبٍ،
стр. 2290
فلم تَذْهَبْ رَائِحَتُه، لم يُبَحْ لِلْمُحْرِمِ تَناوُلُه، نيئًا كان أو قد مسَّتْهُ النَّارُ. وبهذا قال الشَّافِعِىُّ. وكان مالِكٌ وأصْحَابُ الرَّأْىِ لا يَرَوْنَ بما مَسَّتِ النَّارُ من الطَّعَامِ بَأْسًا، [سَوَاءٌ ذَهَبَ لَوْنُه ورِيحُه وطَعْمُه، أو بَقِىَ ذلك كُلُّه؛ لأنَّه بِالطَّبْخِ. اسْتَحَالَ عن كَوْنِه طِيبًا. وَرُوِىَ عن ابنِ عمرَ، وعَطاءٍ، ومُجاهِدٍ، وسَعِيدِ بن جُبَيْرٍ، وطَاوُسٍ، أنَّهم لم يكونُوا يَرَوْنَ بِأَكْلِ الخُشْكَنَانَجِ (١) الأصْفَرِ بَأْسًا] (٢)، وكَرِهَهُ القاسمُ ابنُ محمدٍ، وجعفرُ بنُ محمدٍ. ولَنا، أنَّ الاسْتِمْتاعَ به، والتَّرَفُّهَ به، حَاصِلٌ من حَيْثُ المُبَاشَرَةُ، فأشْبَهَ ما لو كان نِيئًا، ولأنَّ المَقْصُودَ من الطِّيبِ رَائِحَتُه، وهى بَاقِيَةٌ، وقولُ من أباحَ الخُشْكَنَانَجَ الأصْفَرَ مَحْمُولٌ على ما لم يَبْقَ فيه رَائِحَةٌ، فإنَّ ما ذَهَبَتْ رَائِحَتُه وطَعْمُه، ولم يَبْقَ فيه إلَّا اللَّوْنُ ممَّا مسَّتْهُ النَّارُ، لا بَأْسَ بِأكْلِه. لا نَعْلَمُ فيه خِلَافًا، سِوَى أنَّ القاسمَ وجعفرَ بن مُحَمَّدٍ، كَرِهَا الخُشْكَنَانَجَ الأصْفَرَ. ويُمْكِنُ حَمْلُه على ما بَقِيَتْ رَائِحَتُه؛ لِيَزُولَ الخِلَافُ. فإن لم تَمَسَّهُ النَّارُ، لكنْ ذَهَبَتْ رَائِحَتُه وطَعْمُه، فلا بَأْسَ به. وهو قَوْلُ الشَّافِعِىِّ. وكَرِهَ مَالِكٌ، والْحُمَيْدِىُّ، وإسحاقُ، وأصْحابُ الرَّأْىِ، المِلْحَ الأصْفَرَ، وفرَّقُوا بين مَا مَسَّتْهُ النَّارُ، وما لم تَمَسَّهُ. ولَنا، أنَّ المَقْصُودَ الرَّائِحَةُ، فإنَّ الطِّيبَ إنَّما كان طِيبًا لِرَائِحَتِه، لا لِلَوْنِه، فوَجَبَ دَوَرَانُ الحُكْمِ معها دُونَهُ.
فصل: فإن ذَهَبَتْ رَائِحَتُه، وبَقِىَ لَوْنُه وطَعْمُه، فظاهِرُ كلامِ الْخِرَقِىِّ إباحَتُه؛ لما ذَكَرْنَا من أنَّها المَقْصُود، فيَزُولُ المَنْعُ بِزَوَالِها. وظاهِرُ كلامِ أحمدَ، فى رِوَايَةِ صَالِحٍ، تَحْرِيمُه. وهو مَذْهَبُ الشَّافِعِىِّ. قال القاضى: مُحَالٌ أن تَنْفَكَّ الرَّائِحَةُ عن الطَّعْمِ، فمتى بَقِىَ الطَّعْمُ دَلَّ على بَقَائِها، فلذلك وَجَبَتِ الفِدْيَةُ بِاسْتِعْمَالِه.
стр. 2291
٥٨٧ - مسألة؛ قال: (ولَا يَدَّهِنُ بِمَا فِيهِ طِيبٌ، ومَالَا طِيبَ فِيه)
أمَّا المُطيَّبُ من الأدْهَانِ، كدُهْنِ الوَرْدِ والبَنَفْسَجِ والزَّنْبَقِ والخِيرِىِّ واللَّيْنُوفَر (١)، فليسَ فى تَحْرِيمِ الادِّهانِ به خِلافٌ فى المذهبِ. وهو قَوْلُ الأوْزَاعِىِّ. وكَرِهَ مَالِكٌ، وأبو ثَوْرٍ، وأصْحَابُ الرَّأىِ، الادِّهَانَ بِدُهْنِ البَنَفْسَجِ. وقال الشَّافِعِىُّ: ليسَ بِطِيبٍ. ولَنا، أنَّه يُتَّخَذُ لِلطِّيبِ، وتُقْصَدُ رَائِحَتُه، فكان طِيبًا، كماءِ الوَرْدِ. فأمَّا ما لا طِيبَ فيه، كالزَّيْتِ والشَّيْرَجِ والسَّمْنِ والشَّحْمِ وَدُهْنِ البَانِ (٢) السَّاذَجِ، فنَقَلَ الأثْرَمُ، قال: سمعتُ أبا عبدِ اللهِ يُسْأَلُ عن المُحْرِمِ يَدَّهِنُ بِالزَّيْتِ والشَّيْرَجِ؟ فقال: نعم، يَدَّهِنُ به إذا احْتَاجَ إليه. ويَتَدَاوَى المُحْرِمُ بما يَأْكُلُ. قال ابنُ المُنْذِرِ: أجْمَعَ عَوَامُّ أهْلِ العِلْمِ، على أنَّ لِلْمُحْرِمِ أن يَدْهُنَ بَدَنَه بِالشَّحْمِ والزَّيْتِ والسَّمْنِ. ونَقَلَ الأثْرَمُ جَوَازَ ذلك عن ابنِ عَبّاسٍ، وأبِى ذَرٍّ، والأسْوَدِ بن يَزِيدَ، وعَطاءٍ، والضَّحَّاكِ، وغيرِهم. ونَقَلَ أبو دَاوُدَ، عن أحمدَ، أنَّه قال: الزَّيْتُ الذى يُؤْكَلُ لا يَدْهُنُ المُحْرِمُ به رَأْسَهُ. فظاهِرُ هذا، أنَّه لا يَدْهُنُ رَأْسَه بِشىءٍ من الأدْهانِ. وهو قولُ عَطاءٍ، ومالِكٍ، والشَّافِعِىِّ، وأبِى ثَوْرٍ، وأصْحابِ الرَّأْىِ؛ لأنَّه يُزِيلُ الشَّعَثَ، ويُسَكِّنُ الشَّعْرَ. فأمَّا دَهْنُ سَائِرِ البَدَنِ، فلا نَعْلَمُ عن أحمدَ فيه مَنْعًا. وقد ذَكَرْنَا إجْماعَ أهْلِ العِلْمِ على إبَاحَتِه فى البَدَنِ (٣). وإنَّما الكَرَاهَةُ فى الرَّأْسِ خَاصَّةً؛ لأنَّه مَحَلُّ الشَّعْرِ. وقال القاضى: فى إبَاحَتِه فى جَمِيعِ البَدَنِ رِوَايَتَانِ؛ فإن فَعَلَه فلا فِدْيَةَ فيه، فى ظَاهِرِ كلامِ أحمدَ، سواءٌ دَهَنَ رَأْسَه أو غيرَه، إلَّا أن يكونَ مُطَيَّبًا. وقد رُوِىَ عن ابنِ عمرَ أنَّه صُدِعَ وهو مُحْرِمٌ، فقالوا: ألا نَدْهُنُكَ بِالسَّمْنِ؟ قال: لا. قالوا: أليس تَأْكُلُه؟ قال: ليسَ أَكْلُه كالادِّهَانِ به. وعن مُجاهِدٍ، قال: إنْ تَدَاوَى به فعليه الكَفَّارَةُ. وقال الذين مَنَعُوا
стр. 2292
مِن دَهْنِ الرَّأْسِ: فيه الفِدْيَةُ؛ لأنَّه [مُزِيلٌ لِلشَّعَثِ] (٤)، أشْبَهَ ما لو كان مُطَيَّبًا. ولَنا، أنَّ وُجُوبَ الفِدْيَةِ يَحْتاجُ إلى دَلِيلٍ، ولا دَلِيلَ فيه مِن نَصٍّ ولا إجْمَاعٍ، ولا يَصِحُّ قِيَاسُه على الطِّيبِ، فإنَّ الطِّيبَ يُوجِبُ الفِدْيَةَ، وإن لم يُزِلْ شَعَثًا، ويَسْتَوِى فيه الرَّأْسُ وغيرُه، والدَّهْنُ بِخِلَافِه، ولأنَّه مَائِعٌ لا تَجِبُ الفِدْيَةُ بِاسْتِعْمَالِه فى البَدَنِ (٥)، فلم تَجِبْ بِاسْتِعْمَالِه فى الرَّأْسِ، كالماءِ.
٥٨٨ - مسألة؛ قال: (وَلَا يَتَعَمَّدُ لِشَمِّ الطِّيبِ)
أى لا يَقْصِدُ شَمَّه مِن غيرِه بِفِعْلٍ منه، نحو أن يَجْلِسَ عندَ العَطَّارِينَ لذلك، أو يَدْخُلَ الكَعْبَةَ حال تَجْمِيرِها، لِيَشمَّ طِيبَها، أو يَحْمِلَ معه عُقْدَةً فيها مِسْكٌ لِيَجِدَ رِيحَها. قال أحمدُ: سُبْحَانَ اللهِ، كيف يجوزُ هذا؟ وأباحَ الشَّافِعِىُّ ذلك، إلَّا العُقْدَةَ تكونُ معه يَشمُّها، فإنَّ (١) أصْحَابَه اخْتَلَفُوا فيها؛ لأنَّه يَشَمُّ الطِّيبَ من غيرِه، أشْبَهَ ما لو لم يَقْصِدْهُ. ولَنا، أنَّه شَمَّ الطِّيبَ قَاصِدًا مُبْتَدِئًا به فى الإِحْرَامِ، فحُرِّمَ، كما لو بَاشَرَهُ، يُحَقِّقُه أنَّ القَصْدَ شَمُّه لا مُباشَرَتُه، بِدَلِيلِ ما لو مَسَّ اليابِسَ الذى لا يَعْلَقُ بِيَدِه لم يكنْ عليه شىءٌ، ولو رَفَعَهُ بِخِرْقَةٍ وشَمَّهُ لَوَجَبَتْ عليه الفِدْيَةُ، ولو لم يُبَاشِرْهُ، فأمَّا شَمُّه من غيرِ قَصْدٍ، كالجالِسِ عندَ العَطَّارِ لِحَاجَتِه، ودَاخِلِ السُّوقِ، أو دَاخِلِ الكَعْبَةِ لِلتَّبَرُّكِ بها (٢)، ومَن يَشْتَرِى طِيبًا لِنَفْسِه أو لِلتِّجَارَةِ (٣) ولا يَمَسُّهُ، فغيرُ مَمْنُوعٍ منه؛ لأنَّه لا يُمْكِنُ التَّحَرُّزُ من هذا، فعُفِىَ عنه، بِخِلافِ الأوَّلِ.
٥٨٩ - مسألة؛ قال: (وَلَا يُغَطِّى شَيْئًا مِنْ رَأْسِه، وَالْأُذُنَانِ مِنَ الرَّأْسِ)
قال ابنُ المُنْذِرِ: أجْمَعَ أهْلُ العِلْمِ علَى أنَّ المُحْرِمَ مَمْنُوعٌ من تَخْمِيرِ رَأْسِه.
стр. 2293
والأصْلُ فى ذلك نَهْىُ النَّبِيِّ ﷺ عن لُبْسِ العَمَائِمِ والبَرَانِسِ (١). وقَوْلُه فى المُحْرِمِ الذى وَقَصَتْهُ رَاحِلَتُه: "لَا تُخَمِّرُوا رَأْسَه، فَإنَّهُ يُبْعَثُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مُلَبِّيًا" (٢). عَلَّلَ مَنْعَ تَخْمِيرِ رَأْسِه بِبَقَائِه على إحْرَامِه، فعُلِمَ أنَّ المُحْرِمَ مَمْنُوعٌ مِن (٣) ذلك. وكان ابنُ عمرَ يقولُ: إحْرَامُ الرَّجُلِ فى رَأْسِه. وذَكَرَ القاضى، فى "الشَّرْحِ"، أنَّ النَّبِىَّ ﷺ قال: "إحْرَامُ الرَّجُلِ فى رَأْسِه، وإحْرَامُ المَرْأةِ فِى وَجْهِهَا" (٤). وأنَّه ﵇ نَهَى أنْ يَشُدَّ المُحْرِمُ رَأْسَه بالسَّيْرِ. وقولُ الْخِرَقِىِّ: "والأُذُنَانِ مِن الرَّأْسِ". فائِدَتُه تَحْرِيمُ تَغْطِيَتِهمَا. وأباحَ ذلك الشَّافِعِىُّ. وقد رُوِىَ عن النَّبِىِّ ﷺ ، أنَّه قال: "الأُذُنَانِ مِنَ الرَّأْسِ" (٥). وقد ذَكَرْنَاهُ فى الطَّهارَةِ. وإذا ثَبَتَ هذا فإنَّه يُمْنَعُ من تَغْطِيَةِ بعضِ رَأْسِه، كما يُمْنَعُ من تَغْطِيَةِ جَمِيعِه؛ لأنَّ النَّبِىَّ ﷺ قال: "لا تُخَمِّرُوا رَأْسَهُ" (٢). والمَنْهِىُّ عنه يَحْرُمُ فِعْلُ بَعْضِه، ولذلك لمَّا قال تعالى: ﴿وَلَا تَحْلِقُواْ رُءُوسَكُمْ﴾ (٧). حَرُمَ حَلْقُ بَعْضِه. وسَوَاءٌ غَطَّاهُ بِالمَلْبُوسِ المُعْتَادِ أو بغيرِه، مثل أن عَصَبَهُ بِعِصَابَةٍ، أو شَدَّهُ بِسَيْرٍ، أو جَعَلَ عليه قِرْطاسًا فيه دَوَاءٌ أو لا دَوَاءَ فيه، أو خَضَبَهُ بِحِنَّاءٍ، أو طَلَاهُ بِطِينٍ أو نُورَةٍ، أو جَعَلَ عليه دَوَاءً، فإنَّ جَمِيعَ ذلك سَتْرٌ له، وهو مَمْنُوعٌ منه. وسَوَاء كان ذلك لِعُذْرٍ أو غيرِه؛ فإنَّ العُذْرَ لا يُسْقِطُ الفِدْيَةَ، بِدَلِيلِ قَوْلِه تعالى: ﴿فَمَنْ كَانَ مِنْكُم مَرِيضًا أوْ بِهِ أَذّى مِنْ رَأْسِهِ فَفِدْيَةٌ﴾ (٦). وقِصَّةِ كَعْبِ بن عُجْرَةَ. وبهذا كلِّه قال الشَّافِعِىُّ. وكان عَطاءٌ يُرَخِّصُ فى العِصابَةِ من الضَّرُورَةِ. والصَّحِيحُ أنَّه لا تَسْقُطُ الفِدْيَةُ عنه بِالعُذْرِ، كما
стр. 2294
لو لَبِسَ قَلَنْسُوَةً من أجْلِ البَرْدِ.
فصل: فإن حَمَلَ على رَأْسِه مِكْتَلًا (٧) أو طَبَقًا أو نَحْوَه؛ فلا فِدْيَةَ عليه، وبهذا قال عَطاءٌ، ومالِكٌ. وقال الشَّافِعِىُّ: عليه الفِدْيَةُ؛ لأنَّه سَتَرَهُ. ولَنا، أنَّ هذا لا يُقْصَدُ به السَّتْرُ غَالِبًا، فلم تَجِبْ به الفِدْيَةُ، كما لو وَضَعَ يَدَيْهِ (٨) عليه. وسَوَاءٌ قَصَدَ به السَّتْرَ أو لم يَقْصِدْ؛ لأنَّ ما تَجِبُ به الفِدْيَةُ لا يَخْتَلِفُ بِالقَصْدِ وعَدَمِه، فكذلك ما لا تَجِبُ به الفِدْيَةُ. واخْتَارَ ابنُ عَقِيلٍ وُجُوبَ الفِدْيَةِ عليه إذا قَصَدَ به السَّتْرَ؛ لأنَّ الحِيَلَ لا تُحِيلُ الحُقُوقَ (٩). وإن سَتَرَ رَأْسَهُ بِيَدَيْهِ، فلا شىءَ عليه؛ لما ذَكَرْنَا، ولأنَّ السَّتْرَ بما هو مُتَّصِلٌ به لا يَثْبُتُ له حُكْمُ السَّتْرِ، ولذلك لو وَضَعَ يَدَيْهِ على فَرْجِه، لم تُجْزِئْهُ فى السَّتْرِ، ولأنَّ المُحْرِمَ مَأْمُورٌ بِمَسْحِ رَأْسِه، وذلك يكونُ بِوَضْعِ يَدَيْهِ أو إحْدَاهما عليه. وإن طَلَى رَأْسَهُ بِعَسَلٍ أو صَمْغٍ؛ لِيَجْتَمِعَ الشَّعْرُ ويَتَلَبَّدَ، فلا يَتَخَلَّلُه الغُبَارُ، ولا يُصِيبُه الشَّعَثُ، ولا يَقَعُ فيه الدَّبِيبُ، جَازَ. وهو التَّلْبِيدُ الذى جَاءَ فى حديثِ ابنِ عمرَ: رأيتُ رسولَ اللهِ ﷺ يُهلُّ مُلَبَّدًا. رَوَاهُ البُخَارِيُّ. وعن حَفْصَةَ، أنَّها قالتْ لِرسولِ اللهِ ﷺ : ما شأْنُ النّاسِ، حَلُّوا ولم تَحْلُلْ أنْتَ من عُمْرَتِكَ؟ قال: "إنِّى لَبَّدْتُ رَأْسِي، وَقَلَّدْتُ هَدْيِى، فَلَا أُحِلُّ حَتَّى أَنْحَرَ". مُتَّفَقٌ عليهما (١٠). وإن كان فى رَأْسِه طِيبٌ ممَّا جَعَلَهُ فيه
стр. 2295
قبلَ الإِحْرامِ، فلا بَأْسَ؛ لما رُوِىَ عن عائشةَ، قالتْ: كأَنِّى أَنْظُرُ إلى وَبِيصِ الطِّيبِ فى رَأْسِ رسولِ اللهِ ﷺ (١١). وكان على رَأْسِ ابنِ عَبَّاسٍ مثلُ الرُّبِّ (١٢) من الغَالِيَةِ، وهو مُحْرِمٌ.
فصل: وفى تَغْطِيَةِ المُحْرِمِ وَجْهَهُ رِوَايَتانِ: إحْدَاهما، يُباحُ. رُوِىَ ذلك عن عثمانَ بن عفانَ، وعبد الرحمنِ بن عَوْفٍ، وزيدِ بن ثَابِتٍ، وابنِ الزُّبَيْرِ، وسَعْدِ بن أبى وَقَّاصٍ، وجابِرٍ، والقاسمِ، وطَاوُسٍ، والثَّوْرِىِّ، والشَّافِعِىِّ. والثانية، لا يُبَاحُ. وهو مذهبُ أبى حنيفةَ، ومَالِكٍ؛ لما رُوِىَ عن ابنِ عَبّاسٍ، أن رَجُلًا وَقَعَ عن رَاحِلَتِه، فوَقَصَتْهُ، فقال رسولُ اللهِ ﷺ : "اغْسِلُوهُ بِمَاءٍ وَسِدْرٍ، وكَفِّنُوهُ فى ثَوْبَيْهِ، ولا تُخَمِّرُوا وَجْهَهُ ولا رَأْسَه، فَإنَّهُ يُبْعَثُ يَوْمَ القِيَامَةِ يُلَبِّى" (١٣). ولأنَّه مُحَرَّمٌ على المَرْأَةِ، فحُرِّمَ على الرَّجُلِ، كَالطِّيبِ. ولَنا، ما ذَكَرْنَا من قَوْلِ الصَّحابَةِ، ولم نَعْرِفْ لهم مُخَالِفًا فى عَصْرِهم، فيكونُ إجْمَاعًا، ولِقَوْلِه ﵇: "إحْرَامُ الرَّجُلِ فى رَأْسِه، وإحْرَامُ المَرْأةِ فى وَجْهِهَا" (١٤). وحَدِيثُ ابنِ عَبَّاسٍ المَشْهُورُ فيه: "ولا تُخَمِّرُوا رَأْسَه" هذا المُتَّفَقُ عليه. وقَوْلُه: "وَلَا تُخَمِّرُوا وَجْهَهُ". فقال شُعْبَةُ: حَدَّثَنِيهِ أبو بشْرٍ. ثم سألتُه عنه بعدَ عَشْرِ سِنِينَ، فجاءَ بِالحَدِيثِ كما كان يُحَدِّثُ، إلَّا أنَّه قال: "ولا تُخَمِّرُوا وَجْهَهُ وَرَأْسَه". وهذا يَدُلُّ على أنَّه ضَعَّفَ هذه الزِّيَادَة. وقد رُوِىَ فى بَعْضِ ألْفَاظِه: "خَمِّرُوا وَجْهَهُ، ولا تُخَمِّرُوا رَأْسَهُ" فتتعَارَضُ الرِّوَايَتانِ. وما ذَكَرُوه يَبْطُلُ بِلُبْسِ القُفَّازَيْنِ.
стр. 2296
٥٩٠ - مسألة؛ قال: (وَالمَرْأَةُ إحْرَامُها فى وَجْهِهَا، فَإنِ احْتَاجَتْ سَدَلَتْ عَلَى وَجْهِهَا)
وجُمْلَةُ ذلك أنَّ المَرْأةَ يَحْرُمُ عليها تَغْطِيَةُ وَجْهِهَا فى إحْرَامِها، كما يَحْرُمُ على الرجلِ تَغْطِيَةُ رَأْسِه. لا نَعْلَمُ فى هذا خِلَافًا، إلَّا ما رُوىَ عن أسْماء، أنَّها كانتْ تُغَطِّى وَجْهَها وهى مُحْرِمَةٌ (١). ويَحْتَمِلُ أنَّها كانتْ تُغَطِّيه بالسّدْلِ (٢) عند الحاجَةِ، فلا يكونُ اخْتِلَافًا. قال ابنُ المُنْذِرِ: وكَرَاهِيَةُ البُرْقُعِ ثَابِتَةٌ عن سعدٍ وابنِ عمرَ وابنِ عَبَّاسٍ وعائشةَ، ولا نَعْلَمُ أحَدًا خَالَفَ فيه. وقد رَوَى البُخَارِىُّ وغيرُه (٣)، أنَّ النَّبِىَّ ﷺ ، قال: "وَلَا تَنْتَقِبُ الْمَرْأةُ، ولَا تَلْبَسُ القُفَّازَيْنِ". فأمَّا إذا احْتاجَت إلى سَتْرِ وَجْهِهَا، لِمُرُورِ الرِّجَالِ قَرِيبًا منها، فإنَّها تَسْدُلُ الثَّوْبَ مِن فَوْقِ رَأْسِها على وَجْهِهَا. رُوِىَ ذلك عن عثمانَ وعائشةَ. وبه قال عَطاءٌ ومالِكٌ، والثَّوْرِىُّ، والشَّافِعِىُّ، وإسحاقُ، ومحمدُ بن الحسنِ. ولا نَعْلَمُ فيه خِلَافًا؛ وذلك لما رُوِىَ عن عائشةَ، رَضِىَ اللَّه عنها، قالت: كان الرُّكْبَانُ يَمُرُّونَ بِنَا، ونَحْنُ مُحْرِمَاتٌ مع رَسُولِ اللهِ ﷺ ، فإذا [حَاذَوا بنا] (٤)، سَدَلَتْ إحْدَانَا جِلْبَابَها مِن رَأْسِها علي وَجْهِهَا، فإذا جَاوَزُونَا كَشَفْنَاهُ. رَوَاهُ أبو دَاوُدَ، والأثْرَمُ (٥). ولأنَّ بِالمَرْأَةِ حَاجَةً
стр. 2297
إلى سَتْرِ وَجْهِهَا، فلم يَحْرُمْ عليها سَتْرُهُ على الإطْلَاقِ، كالعَوْرَةِ. وذَكَرَ القاضى أنَّ الثَّوْبَ يكونُ مُتَجَافِيًا عن وَجْهِهَا، بحيثُ لا يُصِيبُ البَشَرَةَ، فإنْ أصَابَها، ثمَّ زَالَ أو أزَالَتْه بِسُرْعَةٍ، فلا شىءَ عليها، كما لو أطارَتِ الرِّيحُ الثَّوْبَ عن عَوْرَةِ المُصَلِّى، ثمَّ عَادَ بِسُرْعَةٍ، لا تَبْطُلُ الصلاةُ. وإنْ لم تَرْفَعْهُ مع القُدْرَةِ، افْتَدَتْ؛ لأنَّها اسْتَدامَتِ السَّتْرَ. ولم أرَ هذا الشَّرْطَ عن أحمدَ، ولا هو فى الخَبَرِ، مع أنَّ الظَّاهِرَ خِلَافُه، فإنَّ الثَّوْبَ المَسْدُولَ لا يَكَادُ يَسْلَمُ من إصَابَةِ البَشَرَةِ، فلو كان هذا شَرْطًا لَبُيِّنَ (٦)، وإنَّما مُنِعَتِ المَرأةُ من البُرْقُعِ والنِّقَابِ ونَحْوِهِما، ممَّا يُعَدُّ لِسَتْرِ الوَجْهِ. قال أحمدُ: إنَّما لها أن تَسْدُلَ على وَجْهِهَا مِن فوق، وليس لها أن تَرْفَعَ الثَّوْبَ من أسْفَل. كأنَّه يقول: إنَّ النِّقَابَ من أسْفَلَ على وَجْهِها.
فصل: ويَجْتَمِعُ فى حَقِّ المُحْرِمَةِ وُجُوبُ تَغْطِيَةِ الرَّأْسِ، وتَحْرِيمُ تَغْطِيَةِ الوَجْهِ. ولا يُمْكِنُ تَغْطِيَةُ جَمِيعِ الرَّأْسِ إلَّا بِجُزْءٍ من الوَجْهِ، ولا كَشْفُ جَمِيعِ الوَجْهِ إلَّا بِكَشْفِ جُزْءٍ من الرَّأْسِ، فعند ذلك سَتْرُ الرَّأْسِ كُلِّه أوْلَى؛ لأنَّه آكَدُ، إذْ هو عَوْرَةٌ، لا يَخْتَصُّ تَحْرِيمُه حالَةَ الإِحْرَامِ، وكَشْفُ الوَجْهِ بِخِلافِه، وقد أبَحْنَا سَتْرَ جُمْلَتِه لِلْحَاجَةِ العَارِضَةِ، فسَتْرُ جُزْءٍ منه لِسَتْرِ العَوْرَةِ أوْلَى.
فصل: ولا بَأْسَ أنْ تَطُوفَ المَرْأَةُ مُتَنَقِّبةً (٧)، إذا كانت غيرَ مُحْرِمَةٍ، وطَافَتْ عائشةُ وهى مُتَنَقِّبةٌ (٧). وكَرِهَ ذلك عَطَاءٌ، ثمَّ رَجَعَ عنه. وذَكَرَ أبو عبدِ اللهِ حديثَ ابن جُرَيْجٍ، أنَّ عَطاءً كان يَكْرَهُ لغير المُحْرِمَةِ أن تَطُوفَ مُتَنَقِّبةً، حتَّى حَدَّثْتُه عن الحسنِ بن مُسْلِمٍ، عن صَفِيَّةَ بنتَ شَيْبَةَ، أنَّ عائشةَ طَافَتْ وهى مُتَنَقِّبةٌ، فأخَذَ
стр. 2298
٥٩١ - مسألة؛ قال؛ (وَلَا تَكْتَحِلُ بِكُحْلٍ أَسْوَدَ)
الكُحْلُ بالإِثْمِدِ فى الإِحْرَامِ مَكْرُوهٌ لِلْمَرْأةِ والرَّجُلِ، وإنَّما خَصَّ المَرْأَةَ بِالذِّكْرِ لأنَّها مَحَلُّ الزِّينَةِ، وهو فى حَقِّها أَكْثَرُ من الرَّجُلِ. ويُرْوَى هذا عن عَطاءٍ، والحسنِ، ومُجاهِدٍ. قال مُجاهِدٌ: هو زِينَةٌ. وَرُوِىَ عن ابنِ عمرَ أنَّه قال: يَكْتَحِلُ المُحْرِمُ بكُلِّ كُحْلٍ ليس فيه طِيبٌ. قال مالِكٌ: لا بَأْسَ أن يَكْتَحِلَ المُحْرِمُ من حَرٍّ يَجِدُه فى عَيْنَيْهِ بالإثْمِدِ وغيرِه. وَرُوِىَ عن أحمدَ، أنَّه قال: يَكْتَحِلُ المُحْرِمُ، ما لم يُرِدْ به الزِّينَةَ. قِيلَ له: الرِّجَالُ والنِّسَاءُ؟ قال: نعم. والدَّلِيلُ على كَرَاهَتِه ما رُوِىَ عن جابِرٍ، أنَّ عليًّا قَدِمَ من اليَمَنِ، فوَجَدَ فَاطِمَةَ ممَّن حَلَّ، فلَبِسَتْ ثِيَابًا صَبِيغًا (١)، واكْتَحَلَتْ، فأنْكَر ذلك عليها، فقالت: أبِى أمَرَنِى بهذا. فقال النَّبِىُّ ﷺ : "صَدَقَتْ، صَدَقَتْ". رَوَاهُ مُسْلِمٌ وغيرُه (٢). وهذا يَدُلُّ على أنَّها كانت مَمْنُوعَةً من ذلك. ورُوِىَ عن عائشةَ أنَّها قالت لامْرأةٍ: اكْتَحِلِى بأيِّ كُحْلٍ شِئْتِ، غيرِ الْإثمِدِ أو الأسْوَدِ. إذا ثَبَتَ هذا فإنَّ الكُحْلَ بالإثْمِدِ مَكْرُوهٌ، ولا فِدْيَةَ فيه. ولا أعْلَمُ فيه خلافًا، ورَوَتْ شُمَيْسَةُ، عن عائشةَ، قالتْ: اشْتَكَيْتُ عَيْنَىَّ وأنا مُحْرِمَةٌ، فسألتُ عائشةَ، فقالت: اكْتَحِلِى بأىِّ كُحْلٍ شِئْتِ غيرِ الإثْمِدِ، أمَا إنَّه ليس بِحَرامٍ، ولكنَّه زِينَةٌ، فنحنُ نَكْرَهُه. قال الشَّافِعِىُّ: إن فَعَلَا فلا أعْلَمُ عليهما فيه فِدْيَةً بِشىءٍ.
فصل: فأمَّا الكُحْلُ بغيرِ الإثْمِدِ، فلا كَرَاهَةَ فيه، ما لم يَكُنْ فيه طِيبٌ؛ لما
стр. 2299
ذَكَرْنَا من حديثِ عائشةَ، وقولِ ابنِ عمرَ. وقد رَوَى مُسْلِمٌ (٣)، عن نُبَيْهِ بن وَهْبٍ، قال: خَرَجْنَا مع أبَانَ بنِ عثمانَ، حتَّى إذا كُنَّا بِمَلَل (٤)، اشْتَكَى عمرُ بن عُبَيْدِ اللهِ عَيْنَيْهِ، فأرْسَلَ إلى أبَانَ بنِ عثمانَ، لِيَسْأَلَه، فأرْسَلَ إليه: أن اضْمِدْهَا بِالصَّبِرِ، فإنَّ عثمانَ حَدَّثَ عن رسولِ اللهِ ﷺ ، فى الرَّجُلِ إذا اشْتَكَى عَيْنَيْهِ وهو مُحْرِمٌ، ضَمَّدَهما (٥) بالصَّبِر. ففى هذا دَلِيلٌ على إباحَةِ ما فى مَعْنَاه، ممَّا ليس فيه زِينَةٌ ولا طِيبٌ. وكان إبراهيمُ لا يَرَى بِالذَّرُورِ الأحْمَرِ بَأْسًا.
٥٩٢ - مسألة؛ قال: (وتَجْتَنِبُ كُلَّ ما يَجْتَنِبُهُ الرَّجُلُ، إلَّا فِى اللِّبَاسِ، وتَظْلِيلِ المَحْمِلِ)
قال ابنُ المُنْذِرِ: أجْمَعَ كُلُّ مَنْ نَحْفَظُ عنه، من أهْلِ العِلْمِ، على أنَّ المَرْأةَ مَمْنُوعَةٌ ممَّا مُنِعَ منه الرِّجالُ، إلَّا بعضَ اللِّباسِ، وأجْمَعَ أهْلُ العِلْمِ، على أنَّ لِلْمُحْرِمَةِ لُبْسَ القُمُصِ (١) والدُّرُوعِ والسَّرَاوِيلَاتِ والخُمُرِ والخِفَافِ. وإنَّما كان كذلك، لأنَّ أمْرَ رسولِ اللهِ ﷺ [المُحْرِمَ بأمْرٍ] (٢)، وحُكْمَهُ عليه، يَدْخُلُ فيه الرِّجَالُ والنِّسَاءُ، وإنَّما اسْتُثْنِىَ منه اللِّبَاسُ لِلْحَاجَةِ إلى سَتْرِ المَرْأَةِ، لِكَوْنِها عَوْرَةً، إلَّا وَجْهَها، فتَجَرُّدُها يُفْضِى إلى انْكِشَافِها، فأُبِيحَ لها اللِّبَاسُ لِلسَّتْرِ، كما أُبِيحَ لِلرَّجُلِ عَقْدُ الإِزَارِ، كيلا يَسْقُطَ، فتَنْكَشِفَ (٣) العَوْرَةُ، ولم يُبَحْ عَقْدُ الرِّدَاءِ. وقد رَوَى ابنُ عمرَ، أنَّه سَمِعَ رسولَ اللهِ ﷺ نَهَى النِّسَاءَ فى إحْرَامِهِنَّ عن
стр. 2300
القُفَّازَيْنِ والنِّقَابِ، وما مَسَّ الوَرْسَ والزَّعْفَرَانَ مِن الثِّيَابِ، ولْتَلْبَسْ بعدَ ذلك ما أحَبَّتْ من أَلْوَانِ الثِّيَابِ، مِن مُعَصْفَرٍ أو خَزٍّ أو حَلْي أو سَرَاوِيلَ أو قَمِيصٍ أو خُفٍّ (٤). وهذا صَرِيحٌ، والمُرَادُ باللِّبَاسِ هاهُنا المَخِيطُ من القَمِيصِ والدُّرُوعِ والسَّرَاوِيلَاتِ والخِفَافِ، وما يَسْتُرُ الرَّأْسَ، ونَحْوَه.
فصل: ويُسْتَحَبُّ لِلْمَرأةِ ما يُسْتَحَبُّ لِلرَّجُلِ؛ من الغُسْلِ عند الإِحْرَامِ، والتَّطَيُّبِ، والتَّنَظُّفِ؛ لما ذَكَرْنا من حديثِ عائشةَ، أنَّها قالتْ: "كُنَّا نَخْرُجُ مع رسولِ اللهِ ﷺ ، فنُضَمِّدُ جِبَاهَنا بِالمِسْكِ المُطَيَّبِ عندَ الإِحرامِ، فإذا عَرِقَتْ إحْدَانَا، سَالَ على وَجْهِهَا، فيَرَاهَا النَّبِىُّ ﷺ فلا يُنْكِرُهُ عليها (٥). والشَّابَّةُ والكَبِيرَةُ فى هذا سَوَاءٌ، فإنَّ عائشةَ كانت تَفْعَلُه فى عَهْدِ النَّبِيِّ ﷺ ، وهى شَابَّةٌ. فإن قيل: أليسَ قد كُرِهَ ذلك فى الجُمُعَةِ؟ قُلنا: لأنَّها فى الجمعةِ تَقرُبُ من الرِّجَالِ، فيُخَافُ الافْتِتَانُ بها، بِخِلافِ مَسْألَتِنَا. ولهذا يَلْزَمُ الحَجُّ النِّسَاءَ، ولا تَلْزَمُهُنَّ الجمعةُ. وكذلك يُسْتَحَبُّ لها قِلَّةُ الكَلَامِ فيما لا يَنْفَعُ، والإِكْثَارُ من التَّلْبِيَةِ، وذِكْرِ اللَّه تعالى.
٥٩٣ - مسألة؛ قال: (وَلَا تَلْبَسُ القُفَّازَيْنِ، وَلَا الخلْخالَ، وَمَا أشْبَهَهُ)
القُفَّازَانِ: شىءٌ يُعْمَلُ لِلْيَدَيْنِ، تُدْخِلُهُما فيهما من خَرْقٍ، تَسْتُرُهما من الحَرِّ، مثل ما يُعْمَلُ لِلْبَرْدِ، فيَحْرُمُ على المَرْأَةِ لُبْسُه فى يَدَيْها فى حال إحْرَامِها. وهذا قولُ ابنِ عمرَ. وبه قال عَطاءٌ، وطَاوُسٌ، ومُجاهِدٌ، والنَّخَعِىُّ، ومالكٌ، وإسحاقُ. وكان سعدُ (١) بن أبى وَقَّاص يُلْبِسُ بَنَاتَهُ القُفَّازَيْنِ وهُنَّ مُحْرِمَاتٌ. ورَخَّصَ فيه عليٌّ، وعائشةُ، وعَطاءٌ. وبه قال الثَّوْرِىُّ، وأبو حنيفةَ. ولِلشَّافِعِىِّ
стр. 2301
كالمَذْهَبَيْنِ. واحْتَجُّوا بما رُوِىَ عن النَّبِيِّ ﷺ ، أنَّه قال: "إحْرَامُ المَرْأَةِ فى وَجْهِهَا" (٢). وأنَّه عُضْوٌ يجوزُ سَتْرُهُ بغيرِ الْمَخِيطِ، فجازَ سَتْرُه به كالرِّجْلَيْنِ. ولَنا، ما رَوى ابنُ عمرَ، عن النَّبِىِّ ﷺ ، أنَّه قال: "لا تَنْتَقِبُ الْمَرْأَةُ الحَرَامُ، وَلَا تَلْبَسُ القُفَّازَيْنِ". رَوَاهُ البُخَارِىُّ (٣). ورَوَى أيضًا أنَّ النَّبِىَّ ﷺ نَهَى النِّسَاءَ فى إحْرَامِهِنَّ عن القُفَّازَيْنِ والخَلْخَالِ (٤). ولأنَّ الرجلَ لمَّا وَجَبَ عليه كَشْفُ رَأْسِهِ، تَعَلَّقَ حُكْمُ إحْرَامِه بغيرِه، فَمُنِعَ مِن لُبْسِ المَخِيطِ فى سَائِرِ بَدَنِه، كذلك المَرْأَةُ لمَّا لَزِمَها كَشْفُ وَجْهِهَا، يَنْبَغِى أن يَتَعَلَّقَ حُكْمُ الإحْرَامِ بغيرِ ذلك البعضِ، وهو اليَدَانِ. وحَدِيثُهُم المُرَادُ به الكَشْفُ. فأمَّا السَّتْرُ بغيرِ المَخِيطِ، فيجوزُ لِلرَّجُلِ، ولا يجوزُ بِالمَخِيطِ. فأمَّا الخَلْخَالُ، وما أشْبَهَهُ من الحَلْىِ، مثل السِّوَارِ والدُّمْلُوجِ (٥)، فظاهِرُ كَلَامِ الخِرَقِىِّ أنَّه لا يجوزُ لُبْسُه. وقد قال أحمدُ: المُحْرِمَةُ، والمُتَوَفَّى عنها زَوْجُها، يَتْرُكَانِ الطِّيبَ والزِّينَةَ، ولهما ما سِوَى ذلك. ورُوِىَ عن عَطاءٍ: أنَّه كان يَكْرَهُ لِلْمُحْرِمَةِ الحَرِيرَ والحَلْىَ. وكَرِهَهُ الثَّوْرِىُّ، وأبو ثَوْرٍ. وَرُوِىَ عن قَتَادَةَ أنَّه كان لا يَرَى بَأْسًا، أن تَلْبَسَ المَرْأةُ الخاتِمَ والقُرْطَ وهى مُحْرِمَةٌ. وكَرِهَ السِّوَارَيْنِ والدُّمْلُجَيْنِ والخَلْخَالَيْنِ. وظَاهِرُ مذهبِ أحمدَ الرُّخْصَةُ فيه. وهو قولُ ابنِ عمرَ وعائشةَ وأصْحابِ الرَّأْىِ. قال أحمدُ، فى رِوَايَةِ حَنْبَلٍ: تَلْبَسُ المُحْرِمَةُ الحَلْىَ والمُعَصْفَرَ. وقال عن نَافِعٍ: كُنَّ (٦) نِسَاءُ ابنِ عمرَ وبَنَاتُه يَلْبَسْنَ الحَلْىَ والمُعَصْفَرَ، وهُنَّ مُحْرِمَاتٌ، لا يُنْكِرُ ذلك عبدُ اللهِ. ورَوَى أحمدُ فى
стр. 2302
"المَنَاسِكِ"، عن عائشةَ، أنَّها قالتْ: تَلْبَسُ المُحْرِمَةُ ما تَلْبَسُ وهى حَلَالٌ، من خَزِّهَا وقَزِّهَا وحَلْيِهَا. وقد ذَكَرْنَا حَدِيثَ ابن عمرَ، أنَّه سَمِعَ النَّبِىَّ ﷺ قال: "وَلْتَلْبَسْ بَعْدَ ذلِكَ مَا أَحَبَّتْ مِنْ أَلْوَانِ الثِّيَابِ، مِنْ مُعَصْفَرٍ، أو خَزٍّ، أو حَلْي" (٧). قال ابنُ المُنْذِرِ: لا يجوزُ المَنْعُ منه بغيرِ حُجَّةٍ. ويُحْمَلُ كلامُ أحمدَ والخِرَقِىِّ فى المَنْعِ على الكَرَاهَةِ؛ لما فيه من الزِّينَةِ، وشِبْهِهِ بالكُحْلِ بالإِثْمِدِ، ولا فِدْيَةَ فيه، كما لا فِدْيَةَ فى الكُحْلِ. وأمَّا لُبْسُ القُفَّازَيْنِ، ففيه الفِدْيَةُ؛ لأنَّها لَبِسَتْ ما نُهِيَتْ عن لُبْسِه فى الإحْرَامِ، فَلَزِمَتْها الفِدْيَةُ، كالنِّقابِ.
فصل: قال القاضى: يَحْرُمُ عليها شَدُّ يَدَيْهَا بِخِرْقَةٍ؛ لأنَّه سَتْرٌ لِبَدَنِها بما يَخْتَصُّ بها، أشْبَهَ القُفَّازَيْنِ، وكما لو شَدَّ الرَّجُلُ على جَسَدِه شيئًا. وإن لَفَّتْ يَدَيْها مِن غيرِ شَدٍّ، فلا فِدْيَةَ؛ لأنَّ المُحَرَّمَ هو (٨) اللُّبْسُ، لا تَغْطِيَتُهما، كبَدَنِ الرجلِ.
٥٩٤ - مسألة؛ قال: (وَلَا تَرْفَعُ المَرْأَةُ صَوْتَها بِالتَّلْبِيَةِ، إلَّا بِمِقْدارِ مَا تُسْمِعُ رَفِيقَتَهَا)
قال ابنُ عبدِ البَرِّ: أجْمَعَ العُلَمَاءُ على أنَّ السُّنَّةَ فى المَرْأةِ أنْ لا تَرْفَعَ صَوْتَها، وإنَّما عليها أن تُسْمِعَ نَفْسَهَا. وبهذا قال عَطاءٌ، ومالِكٌ، والأَوْزَاعِىُّ، والشَّافِعِىُّ، وأصْحابُ الرَّأْىِ. ورُوِىَ عن سليمانَ بن يَسَارٍ أنَّه (١) قال: السُّنَّةُ عِنْدَهُم أنَّ المَرْأةَ لا تَرْفَعُ صَوْتَها بالإهْلَالِ. وإنَّما كُرِهَ لها رَفْعُ الصَّوْتِ مَخَافَةَ الفِتْنَةِ بها، ولهذا لا يُسَنُّ لها أذَانٌ ولا إقَامَةٌ، والمَسْنُونُ لها فى التَّنْبِيهِ فى الصلاةِ التَّصْفِيقُ دُونَ التَّسْبِيحِ.
فصل: ويُسْتَحَبُّ لِلْمَرْأةِ أن تَخْتَضِبَ بِالحِنَّاءِ عند الإِحْرامِ؛ لما رُوِىَ عن ابنِ
стр. 2303
عمرَ، أنَّه قال: من السُّنَّةِ أن تَدْلُكَ المَرْأةُ يَدَيْهَا فى حِنَّاءٍ. ولأنَّ هذا من زِينَةِ النِّسَاءِ، فَاسْتُحِبَّ عندَ الإحْرَامِ، كالطِّيبِ. ولا بَأْسَ بِالخِضَابِ فى حالِ إحْرَامِها. وقال القاضى: يُكْرَهُ؛ لِكَوْنِه من الزِّينَةِ، فأشْبَهَ الكُحْلَ بالإِثْمِدِ. فإنْ فَعَلَتْهُ (٢)، ولم تَشُدّ يَدَيْهَا بالْخِرَقِ، فلا فِدْيَةَ. وبهذا قال الشَّافِعِىُّ، وابنُ المُنْذِرِ. وكان مالِكٌ ومحمدُ بنُ الحسنِ، يَكْرَهَانِ الخِضَابَ لِلْمُحْرِمَةِ، وأَلْزَمَاها الفِدْيَةَ. ولَنا، ما رَوَى عِكْرِمَةُ، أنَّه قال: كانتْ عائشةُ، وأزْوَاجُ النَّبِىِّ ﷺ ، يَخْتَضِبْنَ بالحِنَّاءِ، وهُنَّ حُرُمٌ. ولأنَّ الأصْلَ الإِباحَةُ، وليس هاهُنا دَلِيلٌ يَمْنَعُ من نَصٍّ ولا إجْمَاعٍ، ولا هى فى مَعْنَى المَنْصُوصِ (٣).
فصل: إذا أحْرَمَ الخُنْثَى المُشْكِلُ، لم يَلْزَمْهُ اجْتِنَابُ المَخِيطِ؛ لأنَّنَا لا نَتَيَقَّنُ الذُّكُورِيَّةَ المُوجِبَةَ لذلك. وقال ابنُ المُبَارَكِ: يُغَطِّى رَأْسَهُ ويُكَفِّرُ. والصَّحِيحُ أنَّ الكَفَّارَةَ لا تَلْزَمُهُ؛ لأنَّ الأصْلَ عَدَمُها، فلا نُوجِبُها بِالشَّكِّ. وإن غَطَّى وَجْهَهُ وَحْدَهُ، لم يَلْزَمْهُ فِدْيَةٌ لذلك. وإن جَمَعَ بين تَغْطِيَةِ وَجْهِه بِنِقَابٍ أو بُرْقُعٍ، وبين تَغْطِيَةِ رَأْسِه أو لُبْسِ المَخِيطِ على بَدَنِه لَزِمَتْهُ الفِدْيَةُ؛ لأنَّه لا يَخْلُو أن يَكُونَ رجلًا أو امْرَأَةً.
فصل: ويُسْتَحَبُّ لِلْمَرأَةِ الطَّوَافُ لَيْلًا؛ لأنَّه أسْتَرُ لها، وأقَلُّ لِلزِّحَامِ، فيُمْكِنُها أن تَدْنُوَ من البَيْتِ، وتَسْتَلِمَ الحَجَرَ. وقد رَوَى حَنْبَلٌ، في "المَنَاسِكِ" بإسْنَادِه عن أبي الزُّبَيْرِ، أنَّ عائشةَ كانتْ تَطُوفُ بعد العِشاءَ أُسْبُوعًا أو أُسْبُوعَيْنِ، وتُرْسِلُ إلى أهْلِ المَجَالِسِ فى المَسْجِدِ: ارْتَفِعُوا إلى أهْلِيكُم، فإنَّ لهم عَلَيْكُمْ حَقًّا. وعن محمدِ بن السَّائِبِ بن بَرَكَةَ، عن أُمِّهِ، عن عائشةَ، أَنَّها أرْسَلَتْ إلى
стр. 2304
أَصْحَابِ المَصَابِيحِ، أن يُطْفِئُوهَا، فأطْفَؤُوهَا، فَطُفْتُ معها فى سِتْرٍ أو حِجَابٍ، فكانت كلَّما فَرَغَتْ من أُسْبُوعٍ (٤) اسْتَلَمَتِ الرُّكْنَ الأَسْوَدَ، وَتَعَوَّذَتْ بين الرُّكْنِ والبَابِ، حتَّى إذا فَرغَتْ من ثَلَاثَةِ أسَابِيع، ذَهَبَتْ إلى دُبُرِ سِقَايَةِ زَمْزَم، ممَّا يَلِى النَّاسَ، فَصَلَّتْ سِتَّ رَكَعَاتٍ، كلّما رَكَعَتْ رَكْعَتَيْنِ انْحَرَفَتْ إلى النِّسَاءِ، فكَلَّمَتْهُنَّ، تَفْصِلُ بذلك صَلَاتَها، حتَّى فَرَغَتْ.
٥٩٥ - مسألة؛ قال: (وَلَا يَتَزَوَّجُ المُحْرِمُ، ولَا يُزَوِّجُ، فَإنْ فَعَلَ، فَالنِّكَاحُ بَاطِلٌ)
قولُه: "لا يَتَزَوَّجُ" أى لا يَقْبَلُ النِّكَاحَ لِنَفْسِه، "ولَا يُزَوِّجُ" أى لا يكون وَلِيًّا فى النِّكَاحِ ولا وَكِيلًا فيه. ولا يجوزُ تَزْوِيجُ المُحْرِمَةِ أيضًا. رُوِىَ ذلك عن عمرَ، وابْنِه، وزيدٍ بن ثَابِتٍ، رَضِىَ اللهُ عنهم. وبه قال سَعِيدُ بنُ المُسَيَّبِ، وسليمانُ بنُ يَسَارٍ، والزُّهْرِىُّ، والأوْزَاعِىُّ، ومَالِكٌ، والشَّافِعِىُّ. وأجازَ ذلك كُلَّه (١) ابنُ عَبّاسٍ. وهو قَوْلُ أبي حنيفةَ؛ لما رَوَى ابنُ عَبَّاسٍ، أنَّ النَّبِىَّ ﷺ تَزَوَّجَ مَيْمُونَةَ وهو مُحْرِمٌ. [مُتَّفَقٌ عليه] (٢). ولأنَّه عَقْدٌ يَمْلِكُ به الاسْتِمْتَاعَ، فلا يُحَرِّمُه الإِحْرَامُ، كشِرَاءِ الإِماءِ. ولَنا، ما رَوَى أبانُ بن عُثمانَ، عن عُثمانَ بن عفانَ، رَضِىَ اللَّه عنه، قال: قال رسولُ اللَّه ﷺ : "لَا يَنْكِحُ المُحْرِمُ، وَلَا
стр. 2305
يُنْكِحُ، ولا يَخْطُبُ". [رَوَاهُ مُسْلِمٌ] (٣). ولأنَّ الإِحْرامَ يُحَرِّمُ الطِّيبَ، فيُحَرِّمُ النِّكاحَ، كالعِدَّةِ. فأمَّا حَدِيثُ ابنِ عَبَّاسٍ، فقد رَوَى يَزِيدُ بن الأصَمّ، عن مَيْمُونَةَ، أنَّ النَّبِىَّ ﷺ تَزَوَّجَها حَلَالًا، [وبَنَى بها حَلَالًا] (٤)، وماتَتْ بِسَرِفٍ (٥)، فى الظُّلَّةِ التى بَنَى بها فيها. رَوَاهُ أبو دَاوُدَ، والأثْرَمُ (٦). وعن أبي رَافِعٍ، قال: تَزَوَّجَ رسُولُ اللهِ ﷺ مَيْمُونَةَ وهو حَلَالٌ، وبَنَى بها وهو حَلالٌ، وكنتُ أنا الرسولَ بينهما (٧). قال التِّرْمِذِىُّ: هذا حَدِيثٌ حَسَنٌ. ومَيْمُونَةُ أعْلَمُ بِنَفْسِها،
стр. 2306
وأَبُو رَافِعٍ صَاحِبُ القِصَّةِ (٨)، وهو السَّفِيرُ فيها، فهما أَعْلَمُ بذلك من ابنِ عَبَّاسٍ، وأوْلَى بِالتَّقْدِيمِ لو كان ابنُ عَبَّاسٍ كَبِيرًا، فكيف وقد كان صَغِيرًا لا يَعْرِفُ حَقَائِقَ الأُمُورِ، ولا يَقِفُ عليها، وقد أُنْكِرَ عليه هذا القَوْلُ. وقال سَعِيدُ بنُ المُسَيَّبِ: وَهِمَ ابنُ عَبّاسٍ، وما تَزَوَّجَهَا النَّبِىُّ ﷺ إلَّا حَلَالًا. فكيف يُعْمَلُ بِحَدِيثٍ هذا حَالُه؟ ويُمْكِنُ حَمْلُ قَوْلِه: "وهو مُحْرِمٌ". أى فى الشَّهْرِ الحَرَامِ، أو فى البَلَدِ الحَرَامِ، كما قِيلَ:
* قَتَلُوا ابنَ عَفَّان الخَلِيفَةَ مُحْرِمًا (٩) *
وقيل: تَزَوَّجَها حَلَالًا، [وظَهر أمْرُ تَزْوِيجِها] (١٠) وهو مُحْرِمٌ. ثمَّ لو صَحَّ الحَدِيثانِ، كان تَقْدِيمُ حَدِيثِنا أوْلَى؛ لأنَّه قولُ النَّبِيِّ ﷺ ، وذلك فِعْلُه، والقَوْلُ آكَدُ؛ لأنَّه يَحْتَمِلُ أن يكونَ مُخْتَصًّا بما فَعَلَهُ. وعَقْدُ النِّكَاحِ يُخَالِفُ شِراءَ الأَمَةِ، فإنَّه يَحْرُمُ بالعِدَّةِ والرِّدَّةِ واخْتِلَافِ الدِّينِ، وكَوْنِ المَنْكُوحَةِ أُخْتًا له من الرَّضَاعِ، ويُعْتَبَرُ له شُرُوطٌ غيرُ مُعْتَبَرَةٍ فى الشِّرَاءِ.
فصل: ومَتَى تَزَوَّجَ المُحْرِمُ، أو زَوَّجَ، أو زُوِّجَتْ مُحْرِمَةٌ، فالنِّكَاحُ بَاطِلٌ، سواءٌ كان الكُلُّ مُحْرِمِينَ أو بعضُهم؛ لأنَّه مَنْهِيٌّ عنه، فلم يَصِحَّ، كنِكاحِ المَرْأَةِ على عَمَّتِها أو خَالَتِها. وعن أحمدَ: إن زَوَّجَ المُحْرِمُ لم أَفْسَخِ النِّكَاحَ. قال بعضُ أصْحَابِنَا: هذا يَدُلُّ على أنَّه إذا كان الوَلِىُّ بِمُفْرَدِه أو الوَكِيلُ مُحْرِمًا، لم يَفْسُدِ النِّكَاحُ. والمذهبُ الأوَّلُ. وكلامُ أحمدَ يُحْمَلُ على أنَّه لا يَفْسَخُه لِكَوْنِه مُخْتَلَفًا فيه. قال القاضى: ويُفَرِّقُ بينهما بِطَلْقَةٍ. وهكذا كلُّ نِكَاحٍ مُخْتَلَفٍ فيه.
стр. 2307
قال أحمدُ، في رِوَايَةِ أبِى طَالِبٍ: إذا تَزَوَّجَتْ بغيرِ وَلِىٍّ، لم يكن لِلْوَلِىِّ أن يُزَوِّجَها من غيرِه حتَّى يُطَلِّقَ. ولأنَّ تَزْوِيجَها من غيرِ طَلَاقٍ يُفْضِى إلى أن يَجْتَمِعَ لِلْمَرْأةِ زَوْجَانِ، كُلُّ وَاحِدٍ منهما يَعْتَقِدُ حِلَّها.
فصل: وتُكْرَهُ الخِطْبَةُ لِلْمُحْرِمِ، [وخِطْبَةُ المُحْرِمَةِ، ويُكْرَهُ لِلْمُحْرِمِ] (١١) أن يَخْطُبَ لِلْمُحِلِّينَ؛ لأنَّه قد جاء في بعضِ ألْفَاظِ حَدِيثِ عثمانَ: "لا يَنْكِحُ المُحْرِمُ، ولا يُنْكِحُ، ولا يَخْطُبُ". رَوَاهُ مُسْلِمٌ (١٢). ولأنَّه تَسَبُّبٌ إلى الحَرامِ، فأشْبَهَ الإِشَارَةَ إلى الصَّيْدِ. والإِحْرَامُ الفَاسِدُ كَالصَّحِيحِ فى مَنْعِ النِّكَاحِ، وسَائِرِ المَحْظُورَاتِ، لأنَّ حُكْمَهُ بَاقٍ فى وُجُوبِ ما يَجِبُ في الإحْرَامِ، فكذلك ما يَحْرُمُ به.
فصل: ويُكْرَهُ أن يَشْهَدَ فى (١٣) النِّكاحِ؛ لأنَّه مُعاوَنَةٌ على النِّكاحِ، فأشْبَهَ الخِطْبَةَ. وإن شَهِدَ أو خَطَبَ، لم يَفْسُدِ النِّكَاحُ. وقال بعضُ أصْحابِ الشَّافِعِىِّ: لا يَنْعَقِدُ النِّكَاحُ بِشَهَادَةِ المُحْرِمين؛ لأنَّ فى بعض الرِّوَايَاتِ: "ولا يَشْهَدُ". ولَنا، أنَّه لا مَدْخَلَ لِلشَّاهِدِ في العَقْدِ، فأشْبَهَ الخَطِيبَ (١٤)، وهذه اللَّفْظَةُ غيرُ مَعْرُوفَةٍ، فلم يَثْبُتْ بها حُكْمٌ. ومتى تَزَوَّجَ المُحْرِمُ، أو زَوَّجَ، أو زُوِّجَتْ مُحْرِمَةٌ، لم يَجِبْ بذلك فِدْيَةٌ؛ لأنَّه عَقْدٌ فسَدَ لأجْلِ الإِحْرامِ، فلم تَجِبْ به فِدْيَةٌ، كَشِرَاءِ الصَّيْدِ.
٥٩٦ - مسألة؛ قال: (فَإنْ وَطِئ المُحْرِمُ فى الفَرْجِ فأَنْزَلَ، أو لَمْ يُنْزِلْ، فَقَدْ فَسَد حَجُّهُمَا، وَعَلَيْهِ بَدَنَةٌ إنْ كَانَ استَكْرَهَهَا، وإنْ كَانَتْ طَاوَعَتْهُ، فعَلَى كُلِّ واحِدٍ مِنْهُمَا بَدنَةٌ)
стр. 2308
أمَّا فَسادُ الحَجِّ بِالجِماعِ فى الفَرْجِ، فليس فيه اخْتِلَافٌ. قال ابنُ المُنْذِرِ: أجْمَعَ أهْلُ العِلْمِ على أنَّ الحَجَّ لا يَفْسُدُ بإتْيَانِ شىءٍ فى حال الإِحْرَامِ إلَّا الجِمَاعَ. والأَصْلُ فى ذلك ما رُوِىَ عن ابنِ عمرَ، أنَّ رَجُلًا سَأَلَهُ، فقال: إنِّى وَقَعْتُ بِامْرَأَتِى، ونحن مُحْرِمَانِ. فقال: أفْسَدْتَ حَجَّكَ، انْطَلِقْ أنتَ وأهْلُكَ مع النَّاسِ، فَاقْضُوا ما يَقْضُونَ، وحِلَّ إذا حَلُّوا، فإذا كان فى العام المُقْبِلِ فَاحْجُجْ أنتَ وامْرَأَتُكَ، واهْدِيَا هَدْيًا، فإن لم تَجِدَا، فصُومَا ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ فى الحَجِّ، وسَبْعَةً إذا رَجَعْتُمْ. وكذلك قال ابنُ عَبَّاسٍ، وعبدُ اللهِ بنُ عمرو (١). ولم نعْلَمْ لهم فى عَصْرِهم مُخَالِفًا. رَوَى حَدِيثَهم (٢) الأَثْرَمُ فى "سُنَنِه" (٣)، وفى حَدِيثِ ابنِ عَبّاسٍ: "ويَتَفَرَّقَانِ مِنْ حَيْثُ يُحْرِمَانِ، حَتَّى يَقْضِيَا حَجَّهُمَا". [قال ابنُ المُنْذِرِ: قولُ ابنِ عَبَّاسٍ أعْلَى شىءٍ رُوِىَ فى مَن وَطِئ فى حَجِّهِ] (٤). ورُوِىَ ذلك عن عمرَ، رَضِىَ اللَّه عنه. وبه قال ابنُ المُسَيَّبِ، وعَطاءٌ، والنَّخَعِىُّ، والثَّوْرِىُّ، والشَّافِعِىُّ، وإسحاقُ، وأبو ثَوْرٍ، وأصْحابُ الرَّأْىِ. ولا فَرْقَ بين ما قبلَ الوُقُوفِ وبعدَه. وقال أبو حنيفةَ: إن جَامَعَ قبلَ الوُقُوفِ فَسَدَ حَجُّهُ، وإن جَامَعَ بعدَه لم يَفْسُدْ؛ لِقَوْلِ النَّبِيِّ ﷺ : "الْحَجُّ عَرَفَةُ" (٥). ولأنَّه مَعْنًى يَأْمَنُ به الفَوَاتَ، فأَمِنَ به
стр. 2309
الفَسادَ، كالتَّحَلُّلِ. ولَنا، أنَّ قَوْلَ الصَّحابَةِ الذين رَوَيْنَا قَوْلَهم، مُطْلَقٌ فى مَن وَاقَعَ مُحْرِمًا، ولأَنَّه جِماعٌ صَادَفَ إحْرَامًا تَامًّا، فأفْسَدَهُ، كما قبلَ الوُقُوفِ. وقَوْلُه ﵇: "الحَجُّ عَرَفَةُ" يَعْنِى: مُعْظَمه. أو أنَّه رُكْنٌ مُتَأكَّدٌ فيه. ولا يَلْزَمُ مِن أَمْنِ الفَوَاتِ أَمْنُ الفَسَاد، بِدَلِيلِ العُمْرَةِ. إذا ثَبَتَ هذا فإنَّه يَجِبُ على المُجَامِعِ بَدَنَةٌ. رُوِىَ ذلك عن ابْنِ عَبَّاسٍ، وعَطاءٍ، وطاوُسٍ، ومُجاهِدٍ، ومالِكٍ، والشَّافِعِىِّ، وأبي ثَوْرٍ. وقال الثَّوْرِىُّ، وإسحاقُ: عليه بَدَنَةٌ، فإن لم يَجِدْ فشَاةٌ. وقال أصْحَابُ الرَّأْىِ: إن جَامَعَ قبلَ الوُقوفِ فَسَدَ حَجُّهُ، وعليه شَاةٌ، وإن كان بعدَه فعليه بَدَنَةٌ، وحَجُّهُ صَحِيحٌ؛ لأنَّه قبلَ الوُقُوفِ معنًى يُوجِبُ القَضَاءَ، فلم يَجِبْ به بَدَنَةٌ، كالفَوَاتِ. ولَنا، أنَّه جِمَاعٌ صَادَفَ إحْرَامًا تَامًّا، فوَجَبَتْ به البَدَنَةُ، كبَعْد الوُقُوفِ، ولأنَّه قَوْلُ مَن سَمَّيْنَا من الصَّحابَةِ، ولم يُفَرِّقُوا بين قبْلَ (٦) الوُقُوفِ وبعدَه. وأمَّا الفَواتُ فهو مُفَارِقٌ لِلْجِماعِ بِالإِجْماعِ، ولذلك لا يُوجِبُونَ فيه الشَّاةَ، بِخِلافِ الجِماعِ. وإذا كانت المَرْأَةُ مُكْرَهَةً على الجِمَاعِ، فلا هَدْىَ عليها، ولا على الرَّجُلِ أن يُهْدِىَ عنها. نَصَّ عليه أحمدُ؛ لأنَّه جِمَاعٌ يُوجِبُ الكَفَّارَةَ، فلم تُوجَبْ (٧) حالَ الإِكْرَاهِ أَكْثَرُ مِن كَفَّارَةٍ واحِدَةٍ، كما فى الصيامِ. وهذا قولُ إسحاقَ، وأبي ثَوْرٍ، وابنِ المُنْذِرِ. وعن أحمدَ، رِوَايَةٌ أُخْرَى: أنَّ عليه أن يُهْدِىَ عنها. وهو قولُ عَطاءٍ، ومالِكٍ؛ لأنَّ إفْسادَ الحَجِّ وُجِدَ منه فى حَقِّهِما، فكان عليه لإفْسَادِهِ حَجَّهَا هَدْىٌ، قِيَاسًا على حَجِّهِ. وعنه ما يَدُلُّ على أنَّ الهَدْىَ عليها؛ لأنَّ فَسَادَ الحَجِّ ثَبَتَ (٨) بِالنِّسْبَةِ إليها، فكان الهَدْىُ عليها، كما لو طَاوَعَتْ. ويَحْتَمِلُ أنَّه أرادَ أنَّ الهَدْىَ عليها، يَتَحَمَّلُهُ الزَّوْجُ عنها، فلا يكونُ رِوَايَةً ثَالِثَةً. فأمَّا حالَ المُطَاوَعَةِ، فعلى كلِّ واحِدٍ منهما
стр. 2310
بَدَنَةٌ. هذا قولُ ابنِ عَبَّاسٍ، وسَعِيدِ بنِ المُسَيَّبِ، والنَّخَعِىِّ، والضَّحَّاكِ، ومَالِكٍ، والحَكَمِ، وحَمَّادٍ؛ لأنَّ ابنَ عَبَّاسٍ قال: اهْدِ نَاقَةً، ولْتُهْدِ نَاقَةً (٩). لأنَّها أحَدُ المُتَجَامِعَيْنِ مِن غيرِ إكْراهٍ، فَلَزِمَتْها بَدَنَةٌ كالرجلِ. وعن أحمدَ أنَّه قال: أرْجُو أن يُجْزِئَهما هَدْىٌ واحِدٌ. ورُوِىَ ذلك عن عَطاءٍ، وهو مذهبُ الشَّافِعِىِّ؛ لأنَّه جِمَاعٌ وَاحِدٌ فلم يُوجِبْ أَكْثَرَ من بَدَنَةٍ، كحالة الإِكْرَاهِ، والنَّائِمَةُ كَالمُكْرَهَةِ فى هذا. وأَمَّا فَسَادُ الحَجِّ، فلا فَرْقَ فيه بينَ حالِ الإِكْرَاهِ والمُطَاوَعَةِ. لا نَعْلَمُ فيه خِلَافًا.
فصل: ولا فَرْقَ بين الوَطْءِ فى القُبُلِ والدُّبُرِ، مِن آدَمِيٍّ أو بَهِيمَةٍ. وبه قال الشَّافِعِىُّ، وأبو ثَوْرٍ. ويَتَخَرَّجُ فى وَطْءِ البَهِيمَةِ أنَّ الحَجَّ لا يَفْسُدُ به. وهو قولُ مَالِكٍ، وأبِى حنيفةَ؛ لأنَّه لا يُوجِبُ الحَدَّ، فأشْبَهَ الوَطْءَ دونَ الفَرْجِ. وحَكَى أبو ثَوْرٍ عن أبى حنيفةَ أنَّ اللِّوَاطَ والوَطْءَ فى الدُّبُرِ لا يُفْسِدُ الحَجَّ؛ لأنَّه لا يَثْبُتُ به (١٠) الإِحْصَانُ، فلم يُفسِدِ الحَجِّ كالوَطْءِ دُونَ الفَرْجِ. ولَنا، أنَّه وَطْءٌ فى فَرْجٍ يُوجِبُ الاغْتِسَالَ، فأَفْسَدَ الحَجَّ، كَوَطْءِ الآدَمِيَّةِ فى القُبُلِ. ويُفَارِقُ الوَطْءَ دُونَ الفَرْجِ، فإنَّه ليس من الكَبائِرِ فى الأجْنَبِيَّةِ. ولا يُوجِبُ مَهْرًا، ولا عِدَّةً، ولا حَدًّا، ولا غُسْلًا إلَّا أن يُنْزِلَ، فيكونَ كمَسْأَلَتِنا، فى رِوَايَةٍ.
فصل: إذا تَكَرَّرَ الجِماعُ، فإن كَفَّرَ عن الأوَّلِ، فعليه لِلثَّانِى كَفَّارَةٌ ثَانِيَةٌ، كالأُولَى (١١)، وإن لم يكنْ كَفَّرَ عن الأَوَّلِ، فكَفَّارَةٌ وَاحِدَةٌ. وعنه أنَّ لِكُلِّ وَطْءٍ كَفَّارَةً؛ لأنَّه سَبَبٌ لِلْكَفَّارَةِ، فأوْجَبَها كالأوَّلِ. والمذهبُ الأوَّلُ؛ لأنَّه جِماعٌ مُوجِبٌ لِلْكَفَّارَةِ، فإذا تَكَرَّرَ قبلَ التَّكْفِيرِ عن الأَوَّلِ، لم يُوجِبْ كَفَّارَةً ثَانِيَةً، كما فى الصِّيامِ. وقال أبو حنيفةَ: عليه لِلْوَطْءِ الثاني شَاةٌ، سَوَاءٌ كَفَّرَ عن الأَوَّلِ أو لم
стр. 2311
يُكَفِّرْ، إلَّا أن يَتَكَرَّرَ الوَطْءُ فى مَجْلِسٍ وَاحِدٍ، على وَجْهِ الرَّفْضِ للإِحْرامِ؛ لأنَّه وَطْءٌ صَادَفَ إحْرَامًا نَاقِصَ الحُرْمَةِ، فأوْجَبَ شَاةً، كالوَطْءِ بعدَ التَّحَلُّلِ الأَوَّلِ. وقال مالِكٌ: لا يَجِبُ بِالثانِى شىءٌ. ورُوِىَ ذلك عن (١٢) عَطاءٍ؛ لأنَّه لا يُفْسِدُ الحَجَّ، فلا يَجِبُ به شىءٌ، كما لو كان قبلَ التَّكْفِيرِ. وقال الشَّافِعِىُّ، كقَوْلِنَا، وقَرِيبًا من قَوْلِ أبى حنيفةَ. ولَنا، على وُجُوبِ البَدَنَةِ إذا كَفَّرَ، أنَّه وَطِئَ فى إحْرامٍ، ولم يَتَحَلَّلْ منه، ولا أَمْكَنَ تَدَاخُل كَفَّارَتِه فى غيرِه، فأشْبَهَ الوَطْءَ الأوَّل. ولأنَّ الإحْرامَ الفَاسِدَ كالصَّحِيحِ فى سَائِرِ الكَفَّارَاتِ، فكذلك فى الوَطْءِ، ولأنَّه إذا لم يُكَفِّرْ عن الأوَّلِ، فتَتَدَاخَلُ كَفَّارَاتُه، كما يَتَدَاخَلُ حُكْمُ المَهْرِ والحَدِّ، وَالتَّحْدِيدُ بعدمِ التَّكْفِيرِ أَوْلَى من التَّحْدِيدِ بِالمَجْلِسِ الوَاحِدِ؛ لما ذَكَرْنَا من المَهْرِ والحَدِّ والتَّكْفِيرِ فى اليَمِينِ والظِّهَارِ وغَيْرِهما.
٥٩٧ - مسألة؛ قال: "وَإِنْ وَطِئَ دُونَ الْفَرْجِ، فَلَمْ يُنْزِلْ، فَعَلَيْهِ دَمٌ، وإِنْ أَنْزَلَ فَعَلَيْهِ بَدَنَةٌ، وقَدْ فَسَدَ حَجُّهُ)
أمَّا إذا لم يُنْزِلْ، فإنَّ حَجَّهُ لا يَفْسُدُ بذلك. لا نَعْلَمُ أحَدًا قال بِفَسادِ حَجِّهِ؛ لأنَّها مُبَاشَرَةٌ دون الفَرْجِ عَرِيَتْ عن الإِنْزَالِ، فلم يَفْسُدْ بها الحَجُّ، كاللَّمْسِ، أو مُبَاشَرَةٌ لا تُوجِبُ الاغْتِسَالَ، أشْبَهَتِ اللَّمْسَ، وعليه شَاةٌ. وقال الحسنُ فى مَن ضَرَبَ بِيَدِه على فَرْجِ جَارِيَتِه: عليه بَدَنَةٌ. ليعن سَعِيدِ بن جُبَيْرٍ: إذا نَالَ منها ما دُونَ الجِماعِ، ذَبَحَ بقَرَةً. ولَنا، أنَّها مُلامَسَةٌ مِن غيرِ إنْزَالٍ، فأشْبَهَتْ لَمْسَ غيرِ الفَرْجِ. فأمَّا إن أنْزَلَ، فعليه بَدَنَةٌ. وبذلك قال الحسنُ، وسَعِيدُ بن جُبَيْرٍ، والثَّوْرِىُّ، وأبو ثَوْرٍ. وقال الشَّافِعِىُّ، وأصْحَابُ الرَّأَىِ، وابنُ المُنْذِرِ: عليه شَاةٌ؛ لأنَّها مُبَاشَرَةٌ دونَ الفَرْجِ، فأشْبَهَ ما لو لم يُنْزِلْ. ولَنا، أنَّه جِمَاعٌ أوْجَبَ الغُسْلَ، فأوْجَبَ بَدَنَةً، كالوَطْءِ فى الفَرْجِ. وفى فَسَادِ حَجِّه بذلك رِوَايَتَانِ: إحْدَاهُما،
стр. 2312
يَفْسُدُ. اخْتَارَها الخِرَقِىُّ، وأبو بكرٍ. وهو قَوْلُ عَطاءٍ، والحسنِ، والقاسِمِ بن محمدٍ، ومَالِكٍ، وإسحاقَ؛ لأنَّها عِبَادَةٌ يُفْسِدُهَا الوَطْءُ، فأَفْسَدَها الإِنْزَالُ عن مُبَاشَرَةٍ، كالصِّيامِ. والثانية، لا يَفْسُدُ الحَجُّ. وهو قَوْلُ الشَّافِعِىِّ، وأصْحابِ الرَّأْىِ، وابْنِ المُنْذِرِ، وهى الصَّحِيحُ (١) إن شَاءَ اللهُ؛ لأنَّه اسْتِمْتاعٌ لا يَجِبُ بِنَوْعِه الحَدُّ، فلم يُفْسِدِ الحَجَّ. كما لو لم يُنْزِلْ، ولأنَّه لا نَصَّ فيه ولا إجْمَاعَ ولا هو فى مَعْنَى المَنْصُوصِ عليه، لأنَّ الوَطْءَ فى الفَرْجِ يَجِبُ بِنَوْعِه الحَدُّ، ويَتَعَلَّقُ به اثْنَا عَشَرَ حُكْمًا (٢)، ولا يَفْتَرِقُ فيه الحالُ بين الإِنْزَالِ وعَدَمِه، والصِّيَامُ يُخَالِفُ الحَجَّ فى المُفْسِدَاتِ، ولذلك يَفْسُدُ بِتَكْرَارِ النَّظَرِ مع الإِنْزَالِ والمَذْىِ وسَائِرِ مَحْظُورَاتِه، والحَجُّ لا يَفْسُدُ بِشىءٍ من سائِرِ (٣) مَحْظُورَاتِه غيرِ الجِمَاعِ، فَافْتَرَقَا. والمَرْأَةُ كَالرَّجُلِ فى هذا، إذا كانت ذاتَ شَهْوَةٍ، وإلَّا فلا شىءَ عليها، كالرَّجُلِ إذا لم يَكُنْ له شَهْوَةٌ.
٥٩٨ - مسألة؛ قال: (فَإنْ قَبَّلَ فَلَمْ يُنْزِلْ، فَعَلَيْهِ دَمٌ، وَإِنْ أَنْزَلَ فَعَلَيْهِ بَدنَةٌ، وعَنْ أبِى عَبْدِ اللهِ، ﵀، رِوَايَةٌ أُخْرَى: إنْ أَنَزَلَ فَسَدَ حَجُّهُ)
وجُمْلَةُ ذلك أنَّ حُكْمَ القُبْلَةِ حُكْمُ المُبَاشَرَةِ دُونَ الفَرْجِ، سواءٌ، إلَّا أنَّ الْخِرَقِىَّ ذَكَرَ فى هذه المَسْأَلَةِ رِوَايَتَيْنِ فى إفْسَادِ الحَجِّ عندَ الإِنْزَالِ، ولم يَذْكُرْ فى إفْسَادِ الحَجِّ فى الوَطْءِ دُونَ الفَرْجِ إلَّا رِوَايَةً وَاحِدَةً، وقد ذَكَرْنَا أن فيها أيضا رِوَايَتَيْنِ، وذَكَرْنَا الخِلَافَ فيه، لكن نُشِيرُ إلى الفَرْقِ تَوْجيهًا لِقَوْلِ الخِرَقِىِّ فنَقُولُ: إنْزَالٌ بِغَيْرِ وَطْءٍ فلم يَفْسُدْ به الحَجُّ، كَالنَّظَرِ، ولأنَّ اللَّذَّةَ بِالوَطْءِ فوقَ اللَّذَّةِ بِالقُبْلَةِ، فكانت فَوْقَها فى الوَاجِبِ؛ فإنَّ (١) مَرَاتِبَ أحْكامِ الاسْتِمْتَاعِ على وَفْقِ ما
стр. 2313
يَحْصُلُ به مِن اللَّذَّةِ، فَالوَطْءُ فى الفَرْجِ أَبْلَغُ فى (٢) الاسْتِمْتَاعِ، فأفْسَدَ الحَجَّ مع الإِنْزَالِ وعَدَمِهِ، والوَطْءُ دُونَ الفَرْجِ دُونَهُ، فأوْجَبَ البَدَنةَ، وأفْسَدَ الحَجَّ عندَ الإِنْزَالِ، والدَّمَ عندَ عَدَمِه، والقُبْلَةُ دُونَهُما، فتكونُ دونَهما فيما يَجِبُ بها، فيَجِبُ بها بَدَنَةٌ عندَ الإِنْزَالِ مِن غيرِ إفْسَادٍ، وتَكْرَارُ النَّظَرِ دُونَ الجَمِيعِ، فيَجِبُ به الدَّمُ عندَ الإِنْزَالِ، ولا يَجِبُ عندَ عَدَمِهِ شىءٌ. ومن جَمَعَ بين الوَطْءِ دُونَ الفَرْجِ والقُبْلَةِ، قال: كِلَاهما مُبَاشَرَةٌ، فاسْتَوَى حُكْمُهما فى الوَاجِبِ بهما. وقد رُوِىَ عن ابنِ عَبَّاسٍ، أنَّه قال لِرَجُلٍ قَبَّلَ زَوْجَتَهُ: أفْسَدْتَ حَجَّتَكَ (٣). ورُوِىَ ذلك عن سَعِيدِ بن جُبَيْرٍ. وقال سَعِيدُ بن المُسَيَّبِ، وعَطاءٌ، وابنُ سِيرِينَ، والزُّهْرِىُّ، وقَتَادَةُ، ومَالِكٌ، والثَّوْرِىُّ، والشَّافِعِىُّ، وأبُو ثَوْرٍ، وأصْحابُ الرَّأْىِ: عليه دَمٌ. ورُوِىَ ذلك عن الشَّعْبِىِّ، وسعيدِ بن جُبَيْرٍ. ورَوَى الأثرَمُ بإِسْنَادِه عن عبدِ الرحمنِ ابن الحَارِثِ، أنَّ عمرَ بن عُبَيْد اللهِ (٤) قَبَّلَ عائشةَ بنتَ طَلْحَةَ مُحْرِمًا، فسَألَ، فأُجْمِعَ له على أن يُهْرِيقَ دَمًا. والظَّاهِرُ أنَّه لم يكنْ أنْزَلَ؛ لأنَّه لم يُذْكَرْ. وسواءٌ مَذَى (٥) أو لم يَمْذِ. قال سَعِيدُ بن جُبَيْرٍ: إنْ قَبَّلَ فَمَذَى أو لم يَمْذِ، فعليه دَمٌ. وسَائِرُ اللَّمْسِ لِشَهْوَةٍ كالقُبْلَةِ فيما ذَكَرْنَا؛ لأنَّه اسْتِمْتَاعٌ يَلْتَذُّ به، فهو كالقُبْلَةِ. قال أحمدُ، فى مَن قَبَضَ على فَرْجِ امْرَأَتِه، وهو مُحْرِمٌ: فإنَّه يُهْرِيقُ دَمَ شَاةٍ. وقال عَطاءٌ: إذا قَبَّلَ المُحْرِمُ، أو لَمَسَ، فلْيُهْرِقْ دَمًا.
٥٩٩ - مسألة؛ قال: (وَإِنْ نَظَر، فَصَرَف بَصَرَه، فَأَمْنَى، فَعَلَيْهِ دَمٌ، وَإِنْ كَرَّرَ النَّظَرَ حَتَّى أَمْنَى، فَعَلَيْهِ بَدَنَةٌ)
وجُمْلَةُ ذلك، أنَّ الحَجَّ لا يَفْسُدُ بِتَكْرَارِ النَّظَرِ، أنْزَلَ أو لم يُنْزِلْ. رُوِىَ ذلك عن ابنِ عَبَّاسٍ. وهو قولُ أبى حنيفةَ، والشَّافِعِىِّ. ورُوِىَ عن الحسنِ، وعَطاءٍ،
стр. 2314
ومَالِكٍ، فى مَن رَدَّدَ النَّظَرَ حتى أَمْنَى: عليه حَجٌّ مِن (١) قَابِلٍ؛ لأنَّه أنْزَلَ بِفِعْلٍ مَحْظُورٍ، أشْبَهَ الإِنْزَالَ بِالمُباشَرَةِ. ولَنا، أنَّه إنْزَالٌ عن غيرِ مُباشَرَةٍ، فأشْبَهَ الإِنزالَ بِالفِكْرِ والاحْتِلَامِ، والأصْلُ الذى قَاسُوا عليه مَمْنُوعٌ. ثم إنَّ المُبَاشَرَةَ أَبْلَغُ فى اللَّذَّةِ، وآكَدُ فى اسْتِدْعَاءِ الشَّهْوَةِ، فلا يَصِحُّ القِيَاسُ عليه. فأمَّا إن نَظَرَ ولم يُكَرِّرْ، فأَمْنَى، فعليه شَاةٌ. وإن كَرَّرَهُ، فأَنْزَلَ، ففيه رِوَايَتَانِ؛ إحْدَاهما، عليه بَدَنَةٌ. رُوِىَ ذلك عن ابنِ عَبّاسٍ. والثانيةُ، عليه شَاةٌ. وهو قولُ سَعِيدِ بن جُبَيْرٍ، وإسحاقَ، وَرِوَايَةٌ ثانية عن ابنِ عَبَّاسٍ. وقال أبو ثَوْرٍ: لا شىءَ عليه. وحُكِىَ ذلك عن أبى حنيفةَ، والشَّافِعِىِّ؛ لأنَّه ليس بِمُبَاشَرَةٍ، أشْبَهَ الفِكْرَ. ولَنا، أنَّه إنْزَالٌ بِفِعْلٍ مَحْظُورٍ، فأَوْجَبَ الفِدْيَةَ، كاللَّمْسِ. وقد رَوَى الأثْرَمُ، عن ابنِ عَبّاسٍ، أنَّه قال له رجلٌ: فَعَلَ اللهُ بهذه وفَعَلَ، إنَّها تَطَيَّبَتْ لى، فَكَلَّمَتْنِى، وحَدَّثَتْنِى، حتى سَبَقَتْنِى الشَّهْوَةُ. فقال ابنُ عَبَّاسٍ: أتْمِمْ حَجَّكَ، وأهْرِقْ دَمًا (٢). ورَوَى حَنْبَلٌ، فى "المَنَاسِكِ"، عن مُجَاهِدٍ، أنَّ مُحْرِمًا نَظَرَ إلى امْرَأَتِه حتى أَمْذَى، فجَعَلَ يَشْتُمُها. فقال ابنُ عَبَّاسٍ: أَهْرِقْ دَمًا، ولا تَشْتُمْهَا.
فصل: فإن كَرَّرَ النَّظَرَ حتى أَمْذَى، فقال أبو الخَطَّابِ: عليه دَمٌ. وقال القاضى: ذَكَرَهُ الخِرَقِىُّ. قال القاضى: لأنَّه جُزْءٌ من المَنِىِّ، ولأنَّه حَصَل به الْتِذَاذٌ، فهو كاللَّمْسِ. وإن لم يَقْتَرِنْ بِالنَّظَرِ مَنِىٌّ أو مَذْىٌ، فلا شىءَ عليه، سواءٌ كَرَّرَ النَّظَرَ أو لم يُكَرِّرْهُ. وقد رُوِىَ عن أحمدَ، فى مَن جَرَّدَ امْرَأَتَه، ولم يَكُنْ منه غيرُ التَّجْرِيد، أنَّ عليه شَاةً، وهذا مَحْمُولٌ على أنَّه لَمَسَ، فإنَّ التَّجْرِيدَ لا يَعْرَى عن اللَّمْسِ ظَاهِرًا، أو على أنَّه أَمْنَى أو أَمْذَى، أمَّا مُجَرَّدُ النَّظَرِ، فلا شىء فيه، فقد كان النَّبِىُّ ﷺ يَنْظُرُ إلى نِسَائِه وهو مُحْرِمٌ، وكذلك أصْحابُه.
стр. 2315
فصل: فإن فَكَّرَ فأنْزَلَ، فلا شىءَ عليه؛ فإنَّ الفِكْرَ يَعْرِضُ لِلإِنْسانِ من غير إرَادَةٍ ولا اخْتِيَارٍ، فلم يَتَعَلَّقْ به حُكْمٌ، كما فى الصيامِ، وقد قال النَّبِىُّ ﷺ : "إنَّ اللهَ تَجَاوَزَ [لِأُمَّتِى مَا] (٣) حَدَّثَتْ بِهِ أَنْفُسَهَا، مَا لَمْ تَعْمَلْ بِهِ، أوْ تَكَلَّمْ بِهِ". مُتَّفَقٌ عليه (٤).
فصل: والعَمْدُ والنِّسْيَانُ فى الوَطْءِ سَوَاءٌ. نَصَّ عليه أحمدُ. فقال: إذا جَامَعَ أهْلَه بَطَلَ حَجُّهُ؛ لأنَّه شىءٌ لا يَقْدِرُ على رَدِّهِ، والشَّعْرُ إذا حَلَقَهُ، فقد ذَهَبَ، لا يَقْدِرُ على رَدِّهِ، والصَّيْدُ إذا قَتَله، فقد ذَهَبَ، لا يَقْدِرُ على رَدِّهِ، فهذه الثَّلَاثَةُ العَمْدُ والنِّسْيَانُ فيها سَوَاءٌ. ولم يَذْكُر الخِرَقِىُّ النِّسْيَانَ هاهُنا، ولكنْ ذَكَرَهُ فى الصيامِ، وَبيَّنَ أنَّ الوَطْءَ فى الفَرْجِ أو دونَ الفَرْجِ مع الإِنْزَالِ يَسْتَوِى عَمْدُهُ وسَهْوُهُ، وما عَدَاهُ من القُبْلَةِ واللَّمْسِ والمَذْىِ بتَكْرَارِ النَّظَرِ يَخْتَلِفُ حُكْمُ عَمْدِهِ وسَهْوِهِ، فهاهُنا يَنْبَغِى أن يكونَ مِثْلَهُ؛ لأنَّ الوَطْءَ لا يكادُ يَتَطَرَّقُ النِّسْيَانُ إليه دونَ غيرهِ، ولأنَّ الجِمَاعَ مُفْسِدٌ لِلصَّوْمِ (٥) دونَ غيره، فاسْتَوَى عَمْدُهُ وسَهْوُهُ، كالفَوَاتِ، بِخِلَافِ ما دونَه. والجَاهِلُ بِالتَّحْرِيمِ والمُكْرَهُ فى حُكْمِ النَّاسِى؛ لأنَّه مَعْذُورٌ. وممَّن قال: إنَّ