يُكَفِّرْ، إلَّا أن يَتَكَرَّرَ الوَطْءُ فى مَجْلِسٍ وَاحِدٍ، على وَجْهِ الرَّفْضِ للإِحْرامِ؛ لأنَّه وَطْءٌ صَادَفَ إحْرَامًا نَاقِصَ الحُرْمَةِ، فأوْجَبَ شَاةً، كالوَطْءِ بعدَ التَّحَلُّلِ الأَوَّلِ. وقال مالِكٌ: لا يَجِبُ بِالثانِى شىءٌ. ورُوِىَ ذلك عن (١٢) عَطاءٍ؛ لأنَّه لا يُفْسِدُ الحَجَّ، فلا يَجِبُ به شىءٌ، كما لو كان قبلَ التَّكْفِيرِ. وقال الشَّافِعِىُّ، كقَوْلِنَا، وقَرِيبًا من قَوْلِ أبى حنيفةَ. ولَنا، على وُجُوبِ البَدَنَةِ إذا كَفَّرَ، أنَّه وَطِئَ فى إحْرامٍ، ولم يَتَحَلَّلْ منه، ولا أَمْكَنَ تَدَاخُل كَفَّارَتِه فى غيرِه، فأشْبَهَ الوَطْءَ الأوَّل. ولأنَّ الإحْرامَ الفَاسِدَ كالصَّحِيحِ فى سَائِرِ الكَفَّارَاتِ، فكذلك فى الوَطْءِ، ولأنَّه إذا لم يُكَفِّرْ عن الأوَّلِ، فتَتَدَاخَلُ كَفَّارَاتُه، كما يَتَدَاخَلُ حُكْمُ المَهْرِ والحَدِّ، وَالتَّحْدِيدُ بعدمِ التَّكْفِيرِ أَوْلَى من التَّحْدِيدِ بِالمَجْلِسِ الوَاحِدِ؛ لما ذَكَرْنَا من المَهْرِ والحَدِّ والتَّكْفِيرِ فى اليَمِينِ والظِّهَارِ وغَيْرِهما.
٥٩٧ - مسألة؛ قال: "وَإِنْ وَطِئَ دُونَ الْفَرْجِ، فَلَمْ يُنْزِلْ، فَعَلَيْهِ دَمٌ، وإِنْ أَنْزَلَ فَعَلَيْهِ بَدَنَةٌ، وقَدْ فَسَدَ حَجُّهُ)
أمَّا إذا لم يُنْزِلْ، فإنَّ حَجَّهُ لا يَفْسُدُ بذلك. لا نَعْلَمُ أحَدًا قال بِفَسادِ حَجِّهِ؛ لأنَّها مُبَاشَرَةٌ دون الفَرْجِ عَرِيَتْ عن الإِنْزَالِ، فلم يَفْسُدْ بها الحَجُّ، كاللَّمْسِ، أو مُبَاشَرَةٌ لا تُوجِبُ الاغْتِسَالَ، أشْبَهَتِ اللَّمْسَ، وعليه شَاةٌ. وقال الحسنُ فى مَن ضَرَبَ بِيَدِه على فَرْجِ جَارِيَتِه: عليه بَدَنَةٌ. ليعن سَعِيدِ بن جُبَيْرٍ: إذا نَالَ منها ما دُونَ الجِماعِ، ذَبَحَ بقَرَةً. ولَنا، أنَّها مُلامَسَةٌ مِن غيرِ إنْزَالٍ، فأشْبَهَتْ لَمْسَ غيرِ الفَرْجِ. فأمَّا إن أنْزَلَ، فعليه بَدَنَةٌ. وبذلك قال الحسنُ، وسَعِيدُ بن جُبَيْرٍ، والثَّوْرِىُّ، وأبو ثَوْرٍ. وقال الشَّافِعِىُّ، وأصْحَابُ الرَّأَىِ، وابنُ المُنْذِرِ: عليه شَاةٌ؛ لأنَّها مُبَاشَرَةٌ دونَ الفَرْجِ، فأشْبَهَ ما لو لم يُنْزِلْ. ولَنا، أنَّه جِمَاعٌ أوْجَبَ الغُسْلَ، فأوْجَبَ بَدَنَةً، كالوَطْءِ فى الفَرْجِ. وفى فَسَادِ حَجِّه بذلك رِوَايَتَانِ: إحْدَاهُما،
стр. 2312
يَفْسُدُ. اخْتَارَها الخِرَقِىُّ، وأبو بكرٍ. وهو قَوْلُ عَطاءٍ، والحسنِ، والقاسِمِ بن محمدٍ، ومَالِكٍ، وإسحاقَ؛ لأنَّها عِبَادَةٌ يُفْسِدُهَا الوَطْءُ، فأَفْسَدَها الإِنْزَالُ عن مُبَاشَرَةٍ، كالصِّيامِ. والثانية، لا يَفْسُدُ الحَجُّ. وهو قَوْلُ الشَّافِعِىِّ، وأصْحابِ الرَّأْىِ، وابْنِ المُنْذِرِ، وهى الصَّحِيحُ (١) إن شَاءَ اللهُ؛ لأنَّه اسْتِمْتاعٌ لا يَجِبُ بِنَوْعِه الحَدُّ، فلم يُفْسِدِ الحَجَّ. كما لو لم يُنْزِلْ، ولأنَّه لا نَصَّ فيه ولا إجْمَاعَ ولا هو فى مَعْنَى المَنْصُوصِ عليه، لأنَّ الوَطْءَ فى الفَرْجِ يَجِبُ بِنَوْعِه الحَدُّ، ويَتَعَلَّقُ به اثْنَا عَشَرَ حُكْمًا (٢)، ولا يَفْتَرِقُ فيه الحالُ بين الإِنْزَالِ وعَدَمِه، والصِّيَامُ يُخَالِفُ الحَجَّ فى المُفْسِدَاتِ، ولذلك يَفْسُدُ بِتَكْرَارِ النَّظَرِ مع الإِنْزَالِ والمَذْىِ وسَائِرِ مَحْظُورَاتِه، والحَجُّ لا يَفْسُدُ بِشىءٍ من سائِرِ (٣) مَحْظُورَاتِه غيرِ الجِمَاعِ، فَافْتَرَقَا. والمَرْأَةُ كَالرَّجُلِ فى هذا، إذا كانت ذاتَ شَهْوَةٍ، وإلَّا فلا شىءَ عليها، كالرَّجُلِ إذا لم يَكُنْ له شَهْوَةٌ.
٥٩٨ - مسألة؛ قال: (فَإنْ قَبَّلَ فَلَمْ يُنْزِلْ، فَعَلَيْهِ دَمٌ، وَإِنْ أَنْزَلَ فَعَلَيْهِ بَدنَةٌ، وعَنْ أبِى عَبْدِ اللهِ، ﵀، رِوَايَةٌ أُخْرَى: إنْ أَنَزَلَ فَسَدَ حَجُّهُ)
وجُمْلَةُ ذلك أنَّ حُكْمَ القُبْلَةِ حُكْمُ المُبَاشَرَةِ دُونَ الفَرْجِ، سواءٌ، إلَّا أنَّ الْخِرَقِىَّ ذَكَرَ فى هذه المَسْأَلَةِ رِوَايَتَيْنِ فى إفْسَادِ الحَجِّ عندَ الإِنْزَالِ، ولم يَذْكُرْ فى إفْسَادِ الحَجِّ فى الوَطْءِ دُونَ الفَرْجِ إلَّا رِوَايَةً وَاحِدَةً، وقد ذَكَرْنَا أن فيها أيضا رِوَايَتَيْنِ، وذَكَرْنَا الخِلَافَ فيه، لكن نُشِيرُ إلى الفَرْقِ تَوْجيهًا لِقَوْلِ الخِرَقِىِّ فنَقُولُ: إنْزَالٌ بِغَيْرِ وَطْءٍ فلم يَفْسُدْ به الحَجُّ، كَالنَّظَرِ، ولأنَّ اللَّذَّةَ بِالوَطْءِ فوقَ اللَّذَّةِ بِالقُبْلَةِ، فكانت فَوْقَها فى الوَاجِبِ؛ فإنَّ (١) مَرَاتِبَ أحْكامِ الاسْتِمْتَاعِ على وَفْقِ ما
стр. 2313
يَحْصُلُ به مِن اللَّذَّةِ، فَالوَطْءُ فى الفَرْجِ أَبْلَغُ فى (٢) الاسْتِمْتَاعِ، فأفْسَدَ الحَجَّ مع الإِنْزَالِ وعَدَمِهِ، والوَطْءُ دُونَ الفَرْجِ دُونَهُ، فأوْجَبَ البَدَنةَ، وأفْسَدَ الحَجَّ عندَ الإِنْزَالِ، والدَّمَ عندَ عَدَمِه، والقُبْلَةُ دُونَهُما، فتكونُ دونَهما فيما يَجِبُ بها، فيَجِبُ بها بَدَنَةٌ عندَ الإِنْزَالِ مِن غيرِ إفْسَادٍ، وتَكْرَارُ النَّظَرِ دُونَ الجَمِيعِ، فيَجِبُ به الدَّمُ عندَ الإِنْزَالِ، ولا يَجِبُ عندَ عَدَمِهِ شىءٌ. ومن جَمَعَ بين الوَطْءِ دُونَ الفَرْجِ والقُبْلَةِ، قال: كِلَاهما مُبَاشَرَةٌ، فاسْتَوَى حُكْمُهما فى الوَاجِبِ بهما. وقد رُوِىَ عن ابنِ عَبَّاسٍ، أنَّه قال لِرَجُلٍ قَبَّلَ زَوْجَتَهُ: أفْسَدْتَ حَجَّتَكَ (٣). ورُوِىَ ذلك عن سَعِيدِ بن جُبَيْرٍ. وقال سَعِيدُ بن المُسَيَّبِ، وعَطاءٌ، وابنُ سِيرِينَ، والزُّهْرِىُّ، وقَتَادَةُ، ومَالِكٌ، والثَّوْرِىُّ، والشَّافِعِىُّ، وأبُو ثَوْرٍ، وأصْحابُ الرَّأْىِ: عليه دَمٌ. ورُوِىَ ذلك عن الشَّعْبِىِّ، وسعيدِ بن جُبَيْرٍ. ورَوَى الأثرَمُ بإِسْنَادِه عن عبدِ الرحمنِ ابن الحَارِثِ، أنَّ عمرَ بن عُبَيْد اللهِ (٤) قَبَّلَ عائشةَ بنتَ طَلْحَةَ مُحْرِمًا، فسَألَ، فأُجْمِعَ له على أن يُهْرِيقَ دَمًا. والظَّاهِرُ أنَّه لم يكنْ أنْزَلَ؛ لأنَّه لم يُذْكَرْ. وسواءٌ مَذَى (٥) أو لم يَمْذِ. قال سَعِيدُ بن جُبَيْرٍ: إنْ قَبَّلَ فَمَذَى أو لم يَمْذِ، فعليه دَمٌ. وسَائِرُ اللَّمْسِ لِشَهْوَةٍ كالقُبْلَةِ فيما ذَكَرْنَا؛ لأنَّه اسْتِمْتَاعٌ يَلْتَذُّ به، فهو كالقُبْلَةِ. قال أحمدُ، فى مَن قَبَضَ على فَرْجِ امْرَأَتِه، وهو مُحْرِمٌ: فإنَّه يُهْرِيقُ دَمَ شَاةٍ. وقال عَطاءٌ: إذا قَبَّلَ المُحْرِمُ، أو لَمَسَ، فلْيُهْرِقْ دَمًا.
٥٩٩ - مسألة؛ قال: (وَإِنْ نَظَر، فَصَرَف بَصَرَه، فَأَمْنَى، فَعَلَيْهِ دَمٌ، وَإِنْ كَرَّرَ النَّظَرَ حَتَّى أَمْنَى، فَعَلَيْهِ بَدَنَةٌ)
وجُمْلَةُ ذلك، أنَّ الحَجَّ لا يَفْسُدُ بِتَكْرَارِ النَّظَرِ، أنْزَلَ أو لم يُنْزِلْ. رُوِىَ ذلك عن ابنِ عَبَّاسٍ. وهو قولُ أبى حنيفةَ، والشَّافِعِىِّ. ورُوِىَ عن الحسنِ، وعَطاءٍ،
стр. 2314
ومَالِكٍ، فى مَن رَدَّدَ النَّظَرَ حتى أَمْنَى: عليه حَجٌّ مِن (١) قَابِلٍ؛ لأنَّه أنْزَلَ بِفِعْلٍ مَحْظُورٍ، أشْبَهَ الإِنْزَالَ بِالمُباشَرَةِ. ولَنا، أنَّه إنْزَالٌ عن غيرِ مُباشَرَةٍ، فأشْبَهَ الإِنزالَ بِالفِكْرِ والاحْتِلَامِ، والأصْلُ الذى قَاسُوا عليه مَمْنُوعٌ. ثم إنَّ المُبَاشَرَةَ أَبْلَغُ فى اللَّذَّةِ، وآكَدُ فى اسْتِدْعَاءِ الشَّهْوَةِ، فلا يَصِحُّ القِيَاسُ عليه. فأمَّا إن نَظَرَ ولم يُكَرِّرْ، فأَمْنَى، فعليه شَاةٌ. وإن كَرَّرَهُ، فأَنْزَلَ، ففيه رِوَايَتَانِ؛ إحْدَاهما، عليه بَدَنَةٌ. رُوِىَ ذلك عن ابنِ عَبّاسٍ. والثانيةُ، عليه شَاةٌ. وهو قولُ سَعِيدِ بن جُبَيْرٍ، وإسحاقَ، وَرِوَايَةٌ ثانية عن ابنِ عَبَّاسٍ. وقال أبو ثَوْرٍ: لا شىءَ عليه. وحُكِىَ ذلك عن أبى حنيفةَ، والشَّافِعِىِّ؛ لأنَّه ليس بِمُبَاشَرَةٍ، أشْبَهَ الفِكْرَ. ولَنا، أنَّه إنْزَالٌ بِفِعْلٍ مَحْظُورٍ، فأَوْجَبَ الفِدْيَةَ، كاللَّمْسِ. وقد رَوَى الأثْرَمُ، عن ابنِ عَبّاسٍ، أنَّه قال له رجلٌ: فَعَلَ اللهُ بهذه وفَعَلَ، إنَّها تَطَيَّبَتْ لى، فَكَلَّمَتْنِى، وحَدَّثَتْنِى، حتى سَبَقَتْنِى الشَّهْوَةُ. فقال ابنُ عَبَّاسٍ: أتْمِمْ حَجَّكَ، وأهْرِقْ دَمًا (٢). ورَوَى حَنْبَلٌ، فى "المَنَاسِكِ"، عن مُجَاهِدٍ، أنَّ مُحْرِمًا نَظَرَ إلى امْرَأَتِه حتى أَمْذَى، فجَعَلَ يَشْتُمُها. فقال ابنُ عَبَّاسٍ: أَهْرِقْ دَمًا، ولا تَشْتُمْهَا.
فصل: فإن كَرَّرَ النَّظَرَ حتى أَمْذَى، فقال أبو الخَطَّابِ: عليه دَمٌ. وقال القاضى: ذَكَرَهُ الخِرَقِىُّ. قال القاضى: لأنَّه جُزْءٌ من المَنِىِّ، ولأنَّه حَصَل به الْتِذَاذٌ، فهو كاللَّمْسِ. وإن لم يَقْتَرِنْ بِالنَّظَرِ مَنِىٌّ أو مَذْىٌ، فلا شىءَ عليه، سواءٌ كَرَّرَ النَّظَرَ أو لم يُكَرِّرْهُ. وقد رُوِىَ عن أحمدَ، فى مَن جَرَّدَ امْرَأَتَه، ولم يَكُنْ منه غيرُ التَّجْرِيد، أنَّ عليه شَاةً، وهذا مَحْمُولٌ على أنَّه لَمَسَ، فإنَّ التَّجْرِيدَ لا يَعْرَى عن اللَّمْسِ ظَاهِرًا، أو على أنَّه أَمْنَى أو أَمْذَى، أمَّا مُجَرَّدُ النَّظَرِ، فلا شىء فيه، فقد كان النَّبِىُّ ﷺ يَنْظُرُ إلى نِسَائِه وهو مُحْرِمٌ، وكذلك أصْحابُه.
стр. 2315
فصل: فإن فَكَّرَ فأنْزَلَ، فلا شىءَ عليه؛ فإنَّ الفِكْرَ يَعْرِضُ لِلإِنْسانِ من غير إرَادَةٍ ولا اخْتِيَارٍ، فلم يَتَعَلَّقْ به حُكْمٌ، كما فى الصيامِ، وقد قال النَّبِىُّ ﷺ : "إنَّ اللهَ تَجَاوَزَ [لِأُمَّتِى مَا] (٣) حَدَّثَتْ بِهِ أَنْفُسَهَا، مَا لَمْ تَعْمَلْ بِهِ، أوْ تَكَلَّمْ بِهِ". مُتَّفَقٌ عليه (٤).
فصل: والعَمْدُ والنِّسْيَانُ فى الوَطْءِ سَوَاءٌ. نَصَّ عليه أحمدُ. فقال: إذا جَامَعَ أهْلَه بَطَلَ حَجُّهُ؛ لأنَّه شىءٌ لا يَقْدِرُ على رَدِّهِ، والشَّعْرُ إذا حَلَقَهُ، فقد ذَهَبَ، لا يَقْدِرُ على رَدِّهِ، والصَّيْدُ إذا قَتَله، فقد ذَهَبَ، لا يَقْدِرُ على رَدِّهِ، فهذه الثَّلَاثَةُ العَمْدُ والنِّسْيَانُ فيها سَوَاءٌ. ولم يَذْكُر الخِرَقِىُّ النِّسْيَانَ هاهُنا، ولكنْ ذَكَرَهُ فى الصيامِ، وَبيَّنَ أنَّ الوَطْءَ فى الفَرْجِ أو دونَ الفَرْجِ مع الإِنْزَالِ يَسْتَوِى عَمْدُهُ وسَهْوُهُ، وما عَدَاهُ من القُبْلَةِ واللَّمْسِ والمَذْىِ بتَكْرَارِ النَّظَرِ يَخْتَلِفُ حُكْمُ عَمْدِهِ وسَهْوِهِ، فهاهُنا يَنْبَغِى أن يكونَ مِثْلَهُ؛ لأنَّ الوَطْءَ لا يكادُ يَتَطَرَّقُ النِّسْيَانُ إليه دونَ غيرهِ، ولأنَّ الجِمَاعَ مُفْسِدٌ لِلصَّوْمِ (٥) دونَ غيره، فاسْتَوَى عَمْدُهُ وسَهْوُهُ، كالفَوَاتِ، بِخِلَافِ ما دونَه. والجَاهِلُ بِالتَّحْرِيمِ والمُكْرَهُ فى حُكْمِ النَّاسِى؛ لأنَّه مَعْذُورٌ. وممَّن قال: إنَّ
стр. 2316
عَمْدَ الوَطْءِ ونِسْيَانَه سَوَاءٌ. أبو حنيفةَ، ومَالِكٌ، والشَّافِعِىُّ فى قَدِيمِ قَوْلَيْه. وقال فى الجَدِيدِ: لا يُفْسِدُ الحَجَّ، ولا يَجِبُ عليه شىءٌ مع النِّسْيَانِ والجَهْلِ؛ لأنَّها عِبَادَةٌ يَجِبُ بإِفْسَادِهَا الكَفَّارَةُ، فَافْتَرَقَ فيها وَطْءُ العَامِدِ والنَّاسِى، كالصَّوْمِ. ولَنا، أنَّه سَبَبٌ يَتَعَلَّقُ به وُجُوبُ القَضَاءِ فى الحَجِّ، فَاسْتَوَى عَمْدُهُ وسَهْوُهُ، كالفَوَاتِ، والصَّومُ مَمْنُوعٌ. ثم إنَّ الصَّوْمَ لا تَجِبُ الكَفَّارَةُ فيه (٦) بالإِفْسَادِ؛ لأنَّ (٧) إفْسَادَهُ بكلِّ ما عَدَا الجِمَاعَ لا يُوجِبُ كَفَّارَةً، وإنَّما تَجِبُ بِخُصُوصِ الجِمَاعِ، فافْتَرَقَا.
٦٠٠ - مسألة؛ قال: (ولِلْمُحْرِمِ أنْ يَتَّجِرَ، ويَصْنَعَ الصَّنَائِعَ، ويَرْتَجِعَ زَوْجَتَهُ)
وعن أبى عبدِ اللهِ، ﵀، رِوَايَةٌ أُخْرَى فى الارْتِجَاعِ، أنْ لا يَفْعَلَ. أمَّا التِّجَارَةُ والصِّنَاعَةُ فلا نَعْلَمُ فى إبَاحَتِهِمَا اخْتِلَافًا. وقد رَوَى ابنُ عَبّاسٍ، قال: كان ذُو المَجَازِ وعُكَاظٌ مُتَّجَرَ النّاسِ فى الجَاهِلِيَّةِ، فلمَّا جَاءَ الإِسلامُ كأنَّهم كَرِهُوا ذلك، حتى نَزَلَتْ: ﴿لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَبْتَغُوا فَضْلًا مِنْ رَبِّكُمْ﴾ (١). فى مَوَاسِم الحَجِّ. فأمَّا الرَّجْعَةُ، فالمَشْهُورُ إباحَتُها. وهو قولُ أكْثَرِ أهْلِ العِلْمِ. وفيه رِوَايَةٌ ثَانِيَةٌ، أنَّها لا تُبَاحُ؛ لأنَّها اسْتِبَاحَةُ فَرْجٍ مَقْصُودٍ بِعَقْدٍ، فلا تُبَاحُ لِلْمُحْرِمِ، كالنِّكَاحِ. ووَجْهُ الرِّوَايَةِ الصَّحِيحَةِ، أنَّ الرَّجْعِيَّةَ زَوْجَةٌ، والرَّجْعَةُ إمْسَاكٌ، بِدَلِيلِ قَوْلِه تعالى: ﴿فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ﴾ (٢). فأُبِيحَ ذلك كالإِمْسَاكِ قبل الطَّلَاقِ. ولا نُسَلِّمُ أن الرَّجْعَةَ اسْتِبَاحَةٌ، فإن الرَّجْعِيَّةَ مُبَاحَةٌ، وإن سَلَّمْنَا أنَّها اسْتِبَاحَةٌ،
стр. 2317
فتَبْطُلُ بشِرَاء الأمَةِ للتَّسَرِّى (٣)، ولأنَّ ما يَتَعَلَّقُ به إبَاحَةُ الزَّوْجَةِ مُبَاحٌ فى النِّكَاحِ، كالتَّكْفِيرِ فى الظِّهَارِ. وأمَّا شِرَاءُ الإِماءِ فمُبَاحٌ، وسَوَاءٌ قَصَدَ به التَّسَرِّىَ أو لم يَقْصِدْ. لا نَعْلَمُ فيه خِلَافًا، فإنَّه ليس بِمَوْضُوعٍ للاسْتِبَاحَةِ (٤) فى البُضْعِ، فأشْبَهَ شِرَاءَ العَبِيدِ والبَهائِمِ، ولذلك أُبِيحَ شِرَاءُ مَنْ لا يَحِلُّ وَطْؤُها، فلذلك لم يَحْرُمْ فى حَالَةٍ يَحْرُمُ فيها الوَطْءُ.
٦٠١ - مسألة؛ قال: (ولَهُ أنْ يَقْتُلَ الحِدَأَةَ، والغُرَابَ، والفَأْرَةَ، والعَقْرَبَ، والكَلْبَ العَقُورَ، وكُلَّ ما عَدَا عَلَيْهِ، أوْ آذَاهُ، وَلَا فِدَاءَ عَلَيْهِ)
هذا قولُ أكْثَرِ أهْلِ العِلْمِ؛ منهم الثَّوْرِىُّ، والشَّافِعِىُّ، وإسحاقُ، وأصْحابُ الرَّأْىِ، وحُكِىَ عن النَّخَعِىِّ أنَّه مَنَعَ قَتْلَ الفَأْرَةِ. والحَدِيثُ صَرِيحٌ فى حِلِّ قَتْلِهَا، فلا يُعَوَّلُ على ما خَالَفَه. والمُرَادُ بِالغُرَابِ الأبْقَعِ غُرَابُ البَيْنِ. وقال قَوْمٌ: لا يُبَاحُ من الغِرْبَانِ إلَّا الأَبْقَعُ خَاصَّةً، لأنَّه قد رُوِىَ: "خَمْسٌ فَوَاسِقُ، يُقْتَلْنَ فِى الحِلِّ والحَرَمِ: الحَيَّةُ، والغُرَابُ الْأَبْقَعُ، والفَأْرَةُ، والكَلْبُ العَقُورُ، والحُدَيَّا (١) ". رَوَاهُ مُسْلِمٌ (٢). وهذا يُقَيِّدُ المُطْلَقَ فى الحَدِيثِ الآخَرِ، ولا يُمْكِنُ حَمْلُهُ على العُمُومِ؛ بِدَلِيلِ أنَّ المُبَاحَ من الغِرْبَانِ لا يَحِلُّ قَتْلُهُ. ولَنا، ما رَوَتْ عائشةُ، قالتْ: أمَرَ رسولُ اللهِ ﷺ بِقَتْلِ خَمْسٍ فَوَاسِقَ فى [الْحِلِّ وَ] (٣) الحَرَمِ: الحِدَأَةِ، والغُرَابِ، والفَأْرَةِ، والعَقْرَبِ، والكَلْبِ العَقُورِ. وعن ابنِ عمر، أنَّ رسولَ اللهِ ﷺ قال: "خَمْسٌ مِنَ الدَّوَابِّ، لَيْسَ عَلَى المُحْرِمِ جُنَاحٌ
стр. 2318
فِى قَتْلِهِنَّ". وذَكَرَ مِثْلَ حديث عائشةَ. مُتَّفَقٌ عليهما (٤). وفى لَفْظٍ لِمُسْلِمٍ، فى حَدِيثِ ابنِ عمرَ: "خَمْسٌ لا جُنَاحَ عَلَى مَنْ قَتَلَهُنَّ فى الحَرَمِ والإِحْرَامِ". وهذا عَامٌّ فى الغُرَابِ، وهو أصَحُّ من الحَدِيثِ الآخَرِ. ولأنَّ غُرَابَ البَيْنِ مُحَرَّمُ الأكْلِ، يَعْدُو على أمْوَالِ النّاس، فلا وَجْهَ لإِخْرَاجِه من العُمُومِ. وفَارَقَ ما أُبِيحَ أَكْلُه، فإنَّه مُبَاحٌ ليس هو فى مَعْنَى ما أُبِيحَ قَتْلُه، فلا يَلْزَمُ من تَخْصِيصِهِ تَخْصِيصُ ما ليس في مَعْنَاه. وقَوْلُ الخِرَقِىِّ: "وكلَّ ما عَدَا عليه أو آذَاهُ". يَحْتَمِلُ أنَّه أرَادَ ما يَبْدأُ المُحْرِمَ، فَيَعْدُو عليه فى نَفْسِه أو مَالِه، فهذا لا جُنَاحَ على قَاتِلِه، سَوَاء كان من جِنْسٍ طَبْعُه الأذَى، أو لم يَكُنْ. قال ابنُ المُنْذِرِ: أجْمَعَ كُلُّ مَن يُحْفَظُ عنه من أَهْلِ العِلْمِ، على أنَّ السَّبُعَ إذا بَدَأَ المُحْرِمَ، فقَتَلَهُ، لا شىءَ عليه. ويَحْتَمِلُ أنَّه أرَادَ ما كان طَبْعُه الأَذَى والعُدْوَانَ، وإن لم يُوجَدْ منه أَذًى فى الحالِ. قال مَالِكٌ: الكَلْبُ العَقُورُ، ما عَقَرَ النَّاسَ وعَدَا عليهم، مثل الأسَدِ والنَّمِرِ والفَهْدِ والذِّئْبِ. فعلَى هذا يُبَاحُ قَتْلُ (٥) كُلِّ ما فيه أَذًى لِلنَّاسِ فى أَنْفُسِهم أو فى أَمْوَالِهم، مثل سِبَاعِ البَهَائِمِ كُلِّها، المُحَرَّمِ أكْلُهَا، وجَوَارِحِ الطَّيْرِ، كالبَازِىِّ، والعُقَابِ، والصَّقْرِ،
стр. 2319
والشَّاهِين، ونحوِها، والحَشَرَاتِ المُؤْذِيَةِ، والزُّنْبُورِ، والبَقِّ، والبَعُوضِ، والبَرَاغِيث، والذُّبَابِ. وبهذا قال الشَّافِعِىُّ. وقال أصْحَابُ الرَّأْى: يَقْتُلُ ما جَاءَ فى الخَبَرِ، والذِّئْبَ، قِيَاسًا عليه. ولَنا، أنَّ الخَبَرَ نَصَّ مِن كُلِّ جِنْسٍ على صُورَةٍ من أدْنَاه، تَنْبِيهًا على ما هو أعْلَى منها، ودَلَالَةً علَى ما كان فى مَعْنَاها، فنَصُّه على الحِدَأَةِ والغُرَابِ تَنْبِيهٌ على البَازِىِّ ونحوِه، وعلى الفَأْرَةِ تَنْبِيهٌ على الحَشَرَاتِ، وعلى العقْرَبِ تَنْبِيهٌ على الحَيَّةِ، وعلى الكَلْبِ العَقُورِ تَنْبِيهٌ على السِّبَاعِ التى هى أعْلَى منه، ولأنَّ ما لا يُضْمَنُ بِمِثْلِه، ولا بِقِيمَتِه، لا يُضْمَنُ، كالحَشَرَاتِ.
فصل: وما لا يُؤْذِى بِطَبْعِه، ولا يُؤْكَلُ كالرَّخَمِ، والدِّيدَانِ، فلا أثَرَ لِلْإِحْرَامِ فيه، ولا جَزَاءَ فيه إن قَتَلَه. وبهذا قال الشَّافِعِىُّ. وقال مالِكٌ: يَحْرُمُ قَتْلُها، وإن قَتَلَها فَدَاهَا، وكذلك كلُّ سَبُعٍ لا يَعْدُو على النّاسِ. وإذا وَطِئَ الذُّبَابَ والنَّمْلَ أو الذَّرَّ، أو قَتَلَ (٦) الزُّنْبُورَ، تَصَدَّقَ بِشىءٍ من الطَّعَامِ. ولَنا، أنَّ اللَّه تعالى إنَّما أوْجَبَ الجَزاءَ فى الصَّيْدِ، وليس هذا بصَيْدٍ. قال بعضُ أهْلِ اللُّغَةِ: الصَّيْدُ ما جَمَعَ ثلاثةَ أشْياء، فيكونُ مُبَاحًا وَحْشِيًّا مُمْتَنِعًا. ولأنَّه لا مِثْلَ له ولا قِيمَةَ، والضَّمَانُ إنَّما يكونُ بأحَدِ هذين الشَّيْئَيْنِ. ورُوِىَ عن عمرَ، أنَّه قَرَّدَ بَعِيرَهُ بالسُّقْيَا (٧) وهو مُحْرِمٌ. ومَعْنَاهُ أنَّه نَزَعَ القُرَادَ (٨) عنه، ورَمَاهُ. وهذا قولُ جابِرِ بن زيدٍ، وعَطاءٍ. ورُوِىَ أنَّ ابْنَ عَبّاسٍ قال لِعِكْرِمَةَ وهو مُحْرِمٌ: قَرِّدِ البَعِيرَ. فَكَرِهَ ذلك. فقال: قُمْ فانْحَرْهُ. فنَحَرَهُ. فقال له ابنُ عَبَّاسٍ: لا أُمَّ لك، كم قَتَلْتَ فيها من قُرَادٍ وحَلَمَةٍ (٩) وحَمْنَانَة (١٠)؟ يعنى كِبَارَ القُرَادِ. رَوَاهُ كلَّه سَعِيدٌ.
стр. 2320
فصل: ولا تَأْثِيرَ لِلإِحْرَامِ ولا لِلْحَرَمِ فى تَحْرِيمِ شىءٍ من الحَيَوَانِ الأهْلِىِّ، كبَهِيمَة الأنْعامِ ونحوِها؛ لأنَّه ليس بِصَيْدٍ، وإنَّما حَرَّمَ اللهُ تعالى الصَّيْدَ، وقد كان النَّبِىُّ ﷺ يَذْبَحُ البُدْنَ فى إحْرَامِه فى الحَرَمِ، يَتَقَرَّبُ إلى اللهِ سُبْحَانَه بذلك، وقال: "أفْضَلُ الحَجِّ العَجُّ والثَّجُّ" (١١). يعنى إسَالَةَ الدِّمَاءِ بِالذَّبْحِ والنَّحْرِ. وليس فى هذا اخْتِلافٌ.
فصل: ويَحِلُّ لِلْمُحْرِمِ صَيْدُ البَحْرِ؛ لِقَوْلِه تعالى: ﴿أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ الْبَحْرِ وَطَعَامُهُ مَتَاعًا لَكُمْ وَلِلسَّيَّارَةِ﴾ (١٢). قال ابنُ عَبّاسٍ وابنُ عمرَ: طعامُه ما ألْقاهُ. وعن ابنِ عَبَّاسٍ: طعامُه مِلْحُه. وعن سَعِيدِ بن المُسَيَّبِ، وسَعِيدِ بن جُبَيْرٍ: طعامُه المالحُ (١٣)، وصَيْدُه ما اصْطَدْتَ (١٤). وأجْمَعَ أهْلُ العِلْمِ على أنَّ صَيْدَ البَحْرِ مُبَاحٌ لِلْمُحْرِمِ اصْطِيَادُه وأَكْلُه وبَيْعُه وشِرَاؤُه. وصَيْدُ البَحْرِ: الحَيَوَانُ الذى يَعِيشُ فى الماءِ، ويَبِيضُ فيه، ويُفْرِخُ فيه، كالسَّمَكِ والسُّلَحْفَاةِ والسَّرَطَانِ، ونحو ذلك. وحُكِىَ عن عَطاءٍ فيما يَعِيشُ فى البَرِّ، مِثْلَىِ السُّلَحْفَاةِ والسَّرَطَانِ، [الجَزَاءُ؛ لأنَّه يعيشُ فى البَرِّ] (١٥)، فأشْبَهَ طَيْرَ الماءِ. ولَنا، أنَّه يَبِيضُ فى الماءِ، ويُفْرِخُ فيه، فأشْبَهَ السَّمَكَ. فأمَّا طَيْرُ الماءِ، كالبَطِّ ونحوِه، فهو من صَيْدِ البَرِّ، فى قولِ عَامَّةِ أهْلِ العِلْمِ. وفيه الجَزَاءُ. وحُكِىَ عن عَطاءٍ أنَّه قال: حيثُ يكونُ أَكْثَرَ، فهو صَيْدُه. وقولُ عَامَّةِ أهْلِ العِلْمِ أوْلَى؛ فإنَّه (١٦) يَبِيضُ فى البَرِّ، ويُفْرِخُ فيه، فكان من صَيْدِ البَرِّ، كسائِرِ طَيْرِه، وإنَّما إقَامَتُه فى البَحْرِ لِطَلَبِ الرِّزْقِ،
стр. 2321
والمَعِيشَةِ منه، كالصَّيَّادِ. فإن كان جِنْسٌ من الحَيَوانِ، نَوْعٌ منه فى البَحْرِ، وَنوْعٌ فى البَرِّ، كالسُّلَحْفَاةِ، فلكلِّ نَوْعٍ حُكْمُ نَفْسِه، كالبَقَرِ، منها الوَحْشِىُّ مُحَرَّمٌ، والأهْلِىُّ مُبَاحٌ.
٦٠٢ - مسألة؛ قال: (وصَيْدُ الْحَرَمِ حَرَامٌ عَلَى الحَلَالِ والمُحْرِمِ)
الأصْلُ فى تَحْرِيمِ صَيْدِ الحَرَمِ النَّصُ والإِجْمَاعُ؛ أمَّا النَّصُّ، فما رَوَى ابنُ عَبَّاسٍ، قال: قال رسولُ اللهِ ﷺ يَوْمَ فَتْحِ مَكَّةَ: "إنَّ هذَا الْبَلَدَ حَرَّمَهُ اللهُ يَوْمَ خَلَقَ السَّمَوَاتِ والأَرْضَ، فَهُوَ حَرَامٌ بحُرْمَةِ اللهِ إلَى يَوْمِ القِيَامَةِ، وَإنَّهُ لَمْ يَحِلَّ القِتَالُ فِيهِ لأَحَدٍ قَبْلِى، وَلَمْ يَحِلَّ لى إلَّا سَاعَةً مِنْ نَهَارٍ، فَهُوَ حَرَامٌ بِحُرْمَةِ اللهِ إلَى يَوْمِ القِيَامَةِ، لا يُخْتَلَى خَلَاهَا (١)، ولا يُعْضَدُ (٢) شَوْكُهَا، ولا يُنَفَّرُ صَيْدُهَا، ولا تُلْتَقَطُ لُقَطَتُهَا، إلَّا مَنْ عَرَّفَهَا". فقال العَبَّاسُ: يا رسولَ اللهِ، إلَّا الإِذْخِرَ (٣)، فإنَّه لِقَيْنِهم (٤) وبُيُوتِهم. فقال رسولُ اللهِ ﷺ : "إلَّا الْإذْخِرَ". مُتَّفَقٌ عليه (٥). وأَجْمَعَ المُسْلِمُونَ على تَحْرِيمِ صَيْدِ الحَرَمِ على الحَلَالِ والمُحْرِمِ.
فصل: وفيه الجَزاءُ على من يَقْتُلُه، ويُجْزَى بمِثْلِ ما يُجْزَى به الصَّيْدُ فى
стр. 2322
الإِحْرَامِ. وحُكِىَ عن دَاوُدَ، أنَّه لا جَزَاءَ فيه؛ لأنَّ الأَصْلَ بَرَاءَةُ الذِّمَّةِ، ولم يَرِدْ فيه نَصٌّ فيَبْقَى بحَالِه. ولَنا، أنَّ الصَّحَابَةَ، رَضِىَ اللهُ عنهم، قَضَوْا فى حَمَامِ الحَرَمِ بِشَاةٍ شاة. رُوِىَ ذلك عن عمرَ، وعثمانَ، وابنِ عمرَ، وابنِ عَبَّاسٍ. ولم يُنْقَلْ عن غيرِهم خِلَافُهم، فيكونُ إجْمَاعًا. ولأنَّه صَيْدٌ مَمْنُوعٌ منه لِحَقِّ اللهِ تعالى، أشْبَهَ الصَّيْدَ فى حَقِّ المُحْرِمِ.
فصل: وما يَحْرُمُ ويُضْمَنُ فى الإِحْرَامِ يَحرمُ ويُضْمَنُ فى الحَرَمِ، ومالا فلا، إلَّا شَيْئَيْنِ؛ أحدُهما، القَمْلُ. مُخْتَلَفٌ فى قَتْلِه فى الإِحْرامِ، وهو مُبَاحٌ فى الحَرَمِ بلا اخْتِلَافٍ؛ لأنَّه حُرِّمَ فى الإِحْرَامِ لِلتَّرَفُّهِ بِقَتْلِه وإزَالَتِه، لا لِحُرْمَتِه، ولا يَحْرُمُ التَّرَفُّهُ فى الحَرَمِ (٦)، فأشْبَهَ ذلك قَصَّ (٧) الشَّعْرِ وتَقْلِيمَ الظُّفْرِ. الثانى، صَيْدُ البَحْرِ. مُبَاحٌ فى الإِحْرَامِ بغير خِلَافٍ، ولا يَحِلُّ صَيْدُه من آبَارِ الحَرَمِ وعُيُونِه. وكَرِهَهُ جابِرُ بنُ عبدِ اللهِ؛ لِعُمُومِ قَوْلِه ﵇: "لَا يُنَفَّرُ صَيْدُها". ولأنَّ الحُرْمَةَ تَثْبُتُ لِلصَّيْدِ، كحُرْمَةِ المكانِ، وهو شَامِلٌ لِكُلِّ صَيْدٍ، ولأنَّه صَيْدٌ غيرُ مُؤْذٍ، فأَشْبَهَ الظِّبَاءَ. وعن أحمدَ، رِوَايَةٌ أُخْرَى: أنَّه مُبَاحٌ؛ لأنَّ الإِحْرَامَ لا يُحَرِّمُه، فأشْبَهَ السِّبَاعَ والحَيَوَانَ الأهْلِىَّ.
فصل: ويُضْمَنُ صَيْدُ الحَرَمِ فى حَقِّ المُسْلِمِ والكَافِرِ، والكَبِيرِ والصَّغِيرِ، والحُرِّ والعَبْدِ؛ لأنَّ الحُرْمَةَ تَعَلَّقَتْ بِمَحَلِّه بِالنِّسْبَةِ إلى الجَمِيعِ، فوَجَبَ ضَمَانُه كالآدَمِىِّ.
فصل: ومن مَلَكَ صَيْدًا فى الحِلِّ، فأدْخَلَهُ الحَرَمَ، لَزِمَهُ رَفْعُ يَدِهِ عنه وإرْسَالُه، فإن تَلِفَ فى يَدِهِ، أو أتْلَفَه، فعليه ضَمَانُه، كصَيْدِ الحِلِّ فى حَقِّ المُحْرِمِ. قال عَطاءٌ: إن ذَبَحَهُ، فعليه الجَزَاءُ. ورُوِىَ ذلك عن ابنِ عمرَ. وممَّن
стр. 2323
كَرِهَ إدْخَالَ الصَّيْدِ الحَرَمَ، ابنُ عمرَ، وابنُ عَبّاسٍ، وعائشةُ، وعَطاءٌ (٨)، وطاوُسٌ، وإسحاقُ، وأصْحابُ الرَّأْىِ. ورَخَّصَ فيه جابِرُ بن عبدِ اللهِ، ورُوِيَتْ عنه الكَرَاهَةُ له. أخْرَجَهُ سَعِيدٌ. وقال هِشامُ بن عُرْوَةَ: كان ابنُ الزُّبَيْرِ تِسْعَ سِنِين يَرَاهَا فى الأقْفاصِ، وأصْحابُ النَّبِىِّ ﷺ لا يَرَوْنَ به بَأْسًا. ورَخَّصَ فيه سَعِيدُ بن جُبَيْرٍ، ومُجاهِدٌ، ومالِكٌ، والشَّافِعِىُّ، وأبو ثَوْرٍ، وابنُ المُنْذِرِ؛ لأنَّه مَلَكَهُ خَارِجًا، وحَلَّ له التَّصَرُّفُ فيه، فجازَ له ذلك داخلَ (٩) الحَرَمِ، كصَيْدِ المَدِينَةِ إذا أدْخَلَهُ حَرَمَها. ولَنا، أنَّ الحَرَمَ سَبَبٌ مُحَرِّمٌ لِلصَّيْدِ، ويُوجِبُ ضَمَانَه، فحَرَّمَ اسْتِدَامَةَ إمْسَاكِهِ كالإِحْرَامِ، ولأنَّه صَيْدٌ ذَبَحَهُ فى الحَرَمِ، فلَزِمَهُ جَزَاؤُه، كما لو صَادَه منه، وصَيْدُ المَدِينَةِ لا جَزَاءَ فيه، بِخِلَافِ صَيْدِ الحَرَمِ.
فصل: ويُضْمَنُ صَيْدُ الحَرَمِ بالدِّلَالَةِ والإِشَارَةِ، كصَيْدِ الإِحْرامِ، والواجبُ عليهما جَزَاءٌ وَاحِدٌ. نَصَّ عليه أحمدُ. وظَاهِرُ كَلَامِه أنَّه لا فَرْقَ بين كَوْنِ الدَّالِّ فى الحِلِّ أو فى (١٠) الحَرَمِ. وقال القاضى: لا جَزَاءَ على الدَّالِّ إذا كان فى الحِلِّ، والجَزاءُ على المَدْلُولِ وَحْدَه، كالحَلالِ إذا دَلَّ مُحْرِمًا على صَيْدِهِ. ولَنا، أنَّ قَتْلَ الصَّيْدِ الحَرَمِىِّ حَرَامٌ على الدَّالِّ, فيَضْمَنُه بالدِّلالَةِ، كما لو كان فى الحَرَمِ، يُحَقِّقُه أنَّ صَيْدَ الحَرَمِ مُحَرَّمٌ على كلِّ أحَدٍ؛ لِقَوْلِه ﵇: "لا يُنَفَّرُ صَيْدُهَا". وفى لَفْظٍ: "لَا يُصَادُ صَيْدُهَا". وهذا عَامٌّ فى حَقِّ كلِّ واحِدٍ، ولأنَّ صَيْدَ الحَرَمِ مَعْصُومٌ بمَحَلِّه، فَحُرِّمَ قَتْلُه عليهما كالمُلْتَجِىءِ إلى الحَرَمِ. وإذا ثَبَتَ تَحْرِيمُه عليهما فيُضْمَنُ بالدِّلَالَةِ ممَّن يَحْرُمُ عليه قَتْلُه، كما يُضْمَنُ بِدِلَالَةِ المُحْرِمِ عليه.
فصل: وإذا رَمَى الحَلالُ من الحِلِّ صَيْدًا فى الحَرَمِ، فقَتَلَهُ، أو أرْسَلَ كَلْبَهُ
стр. 2324
عليه، فَقَتَلَهُ، أو قَتَلَ صَيْدًا على فَرْعٍ فى الحَرَمِ أصلُه فى الحِلِّ، ضَمِنَه. وبهذا قال الثَّوْرِىُّ، والشَّافِعِىُّ، وأبو ثَوْرٍ، وابنُ المُنْذِرِ، وأصْحابُ الرَّأْىِ. وحَكَى أبو الخَطَّابِ عن أحمدَ رِوَايَةً أُخْرَى، لا جَزَاءَ عليه فى جَمِيعِ ذلك؛ لأنَّ القَاتِلَ حَلَالٌ فى الحِلِّ. وهذا لا يَصِحُّ؛ فإنَّ النَّبِىَّ ﷺ قال: "لَا يُنَفَّرُ صَيْدُهَا". ولم يُفَرِّقْ بينَ من هو فى الحِلِّ والحَرَمِ، وقد أجْمَعَ المُسْلِمُونَ على تَحْرِيمِ صَيْدِ الحَرَمِ، وهذا مِن صَيْدِه، ولأنَّ صَيْدَ الحَرَمِ مَعْصُومٌ بِمَحَلِّه لِحُرْمةِ (١١) الحَرَمِ، فلا يَخْتَصُّ تَحْرِيمُه بمن فى الحَرَمِ، وكذلك الحُكْمُ إن أمْسَكَ طَائِرًا فى الحِلِّ، فهَلَكَ فِرَاخُه فى الحَرَمِ، ضَمِنَ الفِرَاخَ؛ لما ذَكَرْنَا، ولا يَضْمَنُ الأُمَّ؛ لأنَّها من صَيْدِ الحِلِّ، وهو حَلَالٌ. وإن انْعَكَسَتِ الحالُ، فرَمَى من الحَرَمِ صَيْدًا فى الحِلِّ، أو أرْسَلَ كَلْبَه عليه، أو قَتَلَ صَيْدًا على غُصْنٍ فى الحِلِّ أصْلُه فى الحَرَمِ، أو أَمْسَكَ حَمَامَةً فى الحَرَمِ، فهَلَكَ فِرَاخُها فى الحِلِّ، فلا ضَمانَ عليه، كما فى الحِلِّ. قال أحمدُ، فى مَن أرْسَلَ كَلْبَه فى الحَرَمِ، فصادَ فى الحِلِّ: فلا شىءَ عليه. وحُكِىَ عنه، رِوَايَةٌ أُخْرَى، فى جَمِيعِ الصُّوَرِ: يَضْمَنُ. وعن الشَّافِعِىُّ ما يَدُلُّ عليه. وذَهَبَ الثَّوْرِىُّ، والشَّافِعِىُّ، وأبو ثَوْرٍ، وابنُ المُنْذِرِ، فى مَن قَتَلَ طَائِرًا على غُصْنٍ فى الحِلِّ، أَصْلُه فى الحَرَمِ: لا جَزَاءَ عليه. وهو ظَاهِرُ قَوْلِ أصْحَابِ الرَّأْىِ. وقال ابنُ المَاجِشُون، وإسحاقُ: عليه الجَزاءُ؛ لأنَّ الغُصْنَ تَابِعٌ لِلْأَصْلِ، وهو فى الحَرَمِ. ولَنا، أن الأصْلَ حِلُّ الصَّيْدِ، فحُرِّمَ صَيْدُ الحَرَمِ بقَوْلِه ﵇: "لَا يُنَفَّرُ صَيْدُهَا". وبالإِجْماعِ، فبَقِىَ ما عَدَاهُ على الأصْلِ، ولأنَّه صَيْدُ حِلٍّ صَادَهُ حَلالٌ، فلم يُحَرَّمْ، كما لو كانا فى الحِلِّ، ولأنَّ الجَزَاءَ إِنَّما يَجِبُ فى صَيْدِ الحَرَمِ، أو صَيْدِ المُحْرِمِ، وليس هذا بواحِدٍ منهما.
فصل: فإن كان الصَّيْدُ والصَّائِدُ فى الحِلِّ، فرَمَى الصَّيْدَ بِسَهْمِه، أو أرْسَلَ
стр. 2325
عليه (١٢) كَلْبَهُ، فدَخل الحَرَمَ، ثم خَرَجَ فقَتَلَ الصَّيْدَ فى الحِلِّ، فلا جَزاءَ عليه (١٣). وبهذا قال أصْحابُ الرَّأْىِ، وأبو ثَوْرٍ، وابنُ المُنْذِرِ. وحَكَى أبو ثَوْرٍ عن الشَّافِعِىِّ، أنَّ عليه الجَزَاءَ. ولَنا، ما ذَكَرْنَاهُ. قال القاضى: لا يَزِيدُ سَهْمُهُ على نَفْسِه، ولو عَدَا بِنَفْسِه، فسَلَكَ الحَرَمَ فى طَرِيقِه، ثم قَتَلَ صَيْدًا فى الحِلِّ، لم يَكُنْ عليه شىءٌ، فَسَهْمُه أَوْلَى.
فصل: وإن رَمَى من الحِلِّ صَيْدًا فى الحِلِّ، فقَتَلَ صَيْدًا فى الحَرَمِ، فعليه جَزَاؤُه. وبهذا قال الثَّوْرِىُّ، وإسحاقُ، وأصْحابُ الرَّأْىِ. وقال أبو ثَوْرٍ: لا جَزَاءَ عليه. وليس بِصَحِيحٍ؛ لأنَّه قَتَلَ صَيْدًا حَرَمِيًّا، فَلَزِمَهُ جَزَاؤُه، كما لو رَمَى حَجَرًا فى الحَرَمِ فقَتَلَ صَيْدًا، يُحَقِّقُه أنَّ الخَطَأَ كَالعَمْدِ فى وُجُوبِ الجَزاءِ، وهذا لا يَخْرُجُ عن كَوْنِه وَاحِدًا منهما. فأمَّا إن أَرْسَلَ كَلْبَه على صَيْدٍ فى الحِلِّ، فدَخَلَ الكَلْبُ الحَرمَ، فقَتَلَ صَيْدًا آخَرَ، لم يَضْمَنْه. وهذا قولُ الثَّوْرِىِّ، والشَّافِعِىِّ، وأصْحابِ الرَّأْىِ، وأبى ثَوْرٍ، وابْنِ المُنْذِرِ؛ لأنَّه لم يُرْسِل الكَلْبَ على ذلك الصَّيْدِ، وإنَّما دَخَلَ بِاخْتِيَارِ نَفْسِهِ، فهو كما لو اسْتَرْسَلَ بِنَفْسِه مِن غير إرْسَالِهِ (١٤). وإنْ أرْسَلَه على صَيْدٍ، فدَخَلَ الصَّيْدُ الحَرَمَ، ودَخَلَ الكَلْبُ خَلْفَه، فَقَتَلَهُ فى الحَرَمِ، فكذلك. نَصَّ عليه أحمدُ. وهو قَوْلُ الشَّافِعِىِّ، وأبى ثَوْرٍ، وابنِ المُنْذِرِ. وقال عَطَاءٌ، وأبو حنيفةَ، وصَاحِبَاهُ: عليه الجَزَاءُ؛ لأنَّه قَتَلَ صَيْدًا حَرَمِيًّا، بإِرْسَالِ كَلْبِه عليه، فَضَمِنَهُ، كما لو قَتَلَهُ بِسَهْمِهِ. واخْتَارَهُ أبو بَكرٍ عبدُ العزيزِ. وحَكَى صَالِحٌ، عن أحمدَ: أنَّه قال: إن كان الصَّيْدُ قَرِيبًا من الحَرَمِ، ضَمِنَه؛ لأنَّه فَرَّطَ بإِرْسَالِه فى مَوْضِعٍ يَظْهَرُ أنَّه يَدْخُلُ الحَرَمَ، وإن كان بَعِيدًا، لم يَضْمَنْ؛ لِعَدَمِ التَّفْرِيطِ. وهذا قولُ مَالِكٍ. ولَنا، أنَّه أرْسَلَ الكَلْبَ على صَيْدٍ
стр. 2326
مُباحٍ، فلم يَضْمَنْ. كما لو قَتَلَ صَيْدًا سِوَاهُ، وفَارَقَ السَّهْمَ؛ لأنَّ الكَلْبَ له قَصْدٌ واخْتِيَارٌ، ولهذا يَسْتَرْسِلُ بِنَفْسِه، ويُرْسِلُهُ إلى جِهَةٍ فيَمْضِى إلى غَيْرِها، والسَّهْمُ بِخِلافِه. إذا ثَبَتَ هذا فإنَّه لا يَأْكُلُ الصَّيْدَ فى هذه المَوَاضِعِ كُلِّها، ضَمِنَهُ أو لم يَضْمَنْهُ؛ لأنَّه صَيْدٌ حَرَمِىٌّ، قُتِلَ فى الحَرَمِ، فحُرِّمَ، كما لو ضَمِنَه، ولأنَّنَا إذا قَطَعْنَا فِعْلَ الآدَمِىِّ، صَارَ كأنَّ الكَلْبَ اسْتَرْسَلَ بِنَفْسِه، فقَتَلَهُ. ولكن لو رَمَى الْحَلالُ مِن الحِلِّ صَيْدًا فى الحِلِّ، فَجَرَحَهُ، وتَحَامَلَ الصَّيْدُ فدَخَلَ الحَرَمَ، فماتَ فيه، حَلَّ أكْلُه، ولا جَزاءَ فيه؛ لأنَّ الذَّكاةَ حَصَلَتْ فى الحِلِّ، فأشْبَهَ ما لو جَرَحَ صَيْدًا، ثمَّ أحْرَمَ، فماتَ (١٥) الصَّيْدُ بعدَ إحْرَامِهِ. ويُكْرَهُ أَكْلُه؛ لِمَوْتِهِ فى الحَرَمِ.
فصل: وإن وَقَفَ صَيْدٌ، بَعْضُ قَوَائِمِه فى الحِلِّ، وبَعْضُها فى الحَرَمِ، فقَتَلَهُ قَاتِلٌ، ضَمِنَهُ تَغلِيبًا لِلْحَرَمِ. وبه قال أبو ثَوْرٍ، وأصْحَابُ الرَّأْىِ. وإن نَفَّرَ صَيْدًا مِن الحَرَمِ، فأصَابَهُ شىءٌ فى حال نُفُورِهِ، ضَمِنَهُ؛ لأنَّه تَسَبَّبَ إلى إتْلَافِه، فأشْبَهَ مَا لو تَلِفَ بِشَرَكِه أو شَبَكَتِه. وإن سَكَنَ من نُفُورِهِ، ثمَّ أصَابَه شىءٌ، فلا شَىءَ على مَن نَفَّرَهُ. نَصَّ عليه أحمدُ. وهو قولُ الثَّوْرِىِّ؛ لأنَّه لم يَكُنْ سَبَبًا لإِتْلَافِه، وقد رُوِىَ عن عمرَ، أنَّه وَقَعَتْ على رِدَائِه حَمَامَةٌ، فأطَارَها، فوَقَعَتْ على وَاقِفٍ فانتهَزَتْهَا (١٦) حَيَّةٌ، فاسْتَشارَ فى ذلك عثمانَ ونَافِعَ بن عبدِ الحارِث، فحَكَما عليه بِشَاةٍ. وهذا يَدُلُّ على أنَّهم رَأوْا عليه الضَّمَانَ بعد سُكُونِه. لكن لو انْتَقَلَ عن المَكَانِ الثانِي، فأصَابَه شىءٌ، فلا ضَمَانَ عليه؛ لأنَّه خَرَجَ عن المكانِ الذى طُرِدَ إليه، وقَوْلُ الثَّوْرِىِّ وأحمَدَ إنَّما يَدُلُّ على هذا؛ لأنَّ سفيان قال: إذا طَرَدْتَ فى الحَرَمِ شيئًا، فأصابَ شيئًا قبلَ أن يَقَعَ، أو حِينَ وَقَع، ضَمِنْتَ، وإن وَقَعَ من ذلك المكانِ إلى مَكَانٍ آخَرَ، فليس عليكَ شىءٌ. فقال أحْمَدُ: جَيِّدٌ.
стр. 2327
٦٠٣ - مسألة؛ قال: (وكَذَلِك شَجَرُهُ ونَبَاتُهُ، إلَّا الإِذْخِرَ، ومَا زَرَعَهُ الإنْسَانُ)
أَجْمَعَ أهْلُ العِلْمِ على تَحْرِيمِ قَطْعِ شَجَرِ الحَرَمِ، وإباحَةِ أخْذِ الإِذْخِر، وما أَنْبَتَهُ الآدَمِىُّ من البُقُولِ والزُّرُوعِ والرَّيَاحِينِ. حَكَى ذلك ابنُ المُنْذِرِ، والأصْلُ فيه ما رَوَيْنَا من حديثِ ابنِ عَبّاسٍ. ورَوَى أبو شُرَيْحٍ، وأبو هُرَيَرْةَ نَحْوًا من حديثِ ابنِ عَبَّاسٍ، وكُلُّها مُتَّفَقٌ عليها (١). وفى حديثِ أَبى هُرَيْرَةَ: "ألَا وَإنَّها سَاعَتِى هذِهِ حَرَامٌ، لا يُخْتَلَى شَوْكُهَا، وَلَا يُعْضَدُ شَجَرُهَا". وفى حديثِ أبي شُرَيْحٍ، أنَّه سَمِعَ رسولَ اللهِ ﷺ يَوْمَ الفَتْحِ، قال: "إنَّ مَكَّةَ حَرَّمَهَا اللهُ، وَلَمْ يُحَرِّمْهَا النَّاسُ، فَلَا يَحِلُّ لِأحَدٍ يُؤْمِنُ بِاللهِ واليَوْمِ الآخِرِ أنْ يَسْفِكَ بِهَا دَمًا، وَلا يَعْضُدَ بِهَا شَجَرَةً". ورَوَى الأَثْرَمُ حديثَ أبي هُرَيْرَةَ، فى "سُنَنِه"، وفيه: "لَا يُعْضَدُ شَجَرُهَا، وَلَا يُحْتَشُّ حَشِيشُهَا، وَلَا يُصَادُ صَيْدُهَا". فَأمَّا ما أَنْبَتَهُ الآدَمِىُّ من الشَّجَرِ، فقال أبو الخَطَّابِ، وابنُ عَقِيلٍ: له قَلْعُهُ من غيرِ ضَمَانٍ، كالزَّرْعِ. وقال القاضى: ما نَبَتَ فى الحِلِّ، ئم غُرِسَ فى الحَرَمِ، فلا جَزَاءَ فيه، وما نَبَتَ أصْلُه فى الحَرَمِ، ففيه الجَزَاءُ بِكُلِّ حالٍ. وقال الشَّافِعِىُّ: فى شَجَرِ الحَرَمِ الجَزَاءُ
стр. 2328
بكل حالٍ، أنْبَتَهُ الآدَمِيُّونَ، أو نَبَتَ بِنَفْسِه؛ لِعُمُومِ قَوْلِه ﵇: "لَا يُعْضَدُ شَجَرُهَا". ولأنَّها شَجَرَةٌ نَابِتَةٌ فى الحَرَمِ، أشْبَهَ ما لم يُنْبِتْه الآدَمِيُّونَ. وقال أبو حنيفةَ: لا جَزَاءَ فيما يُنْبِتُ الآدَمِيُّونَ جِنْسَه، كالجَوْزِ واللَّوْزِ والنَّخْلِ ونحوِه، ولا يَجِبُ فيما يُنْبِتُه الآدَمِيُّ مِن غيرِه، كَالدَّوْحِ وَالسَّلَمِ والعِضَاهِ (٢)؛ لأنَّ الحَرَمَ يَخْتَصُّ تَحْرِيمُه ما كان وَحْشِيًّا من الصَّيْدِ، كذلك الشَّجَرُ. وقَوْلُ الخِرَقِىِّ: "ومَا زَرَعَهُ الإِنْسَانُ" يَحْتَمِلُ اخْتِصَاصَه بِالزَّرْعِ دُونَ الشَّجَرِ، فيكونُ كقَوْلِ الشَّافِعِىِّ. ويَحْتَمِلُ أن يَعُمَّ جَمِيعَ ما يُزْرَعُ، فيَدْخُلُ فيه الشَّجَرُ، ويَحْتَمِلُ أن يُرِيدَ ما يُنْبِتُ الآدَمِيُّونَ جِنْسَه. والأوْلَى الْأخْذُ بِعُمُومِ الحَدِيثِ فى تَحْرِيمِ الشَّجَرِ كُلِّهِ، بِقَوْلِه ﵇: "لَا يُعْضَدُ شَجَرُهَا". إلَّا ما أَنْبَتَه الآدَمِىُّ مِن جِنْسِ شَجَرِهِم، بِالقِياسِ على ما أَنْبَتُوهُ من الزَّرْعٍ، والأَهْلِيِّ من الحَيَوانِ، فإنَّنا إنَّما أخْرَجْنَا من الصَّيْدِ ما كان أَصْلُه إِنْسِيًّا، دون ما تَأَنَّسَ من الوَحْشِىِّ، كذا هاهُنا.
فصل: ويَحْرُمُ قَطْعُ الشَّوْكِ، والعَوْسَجِ (٣). وقال القاضى، وأبو الخَطَّابِ: لا يَحْرُمُ. ورُوِىَ ذلك عن عَطاءٍ، ومُجاهِدٍ، وعمرو بن دِينَارٍ، والشَّافِعِىِّ، لأنَّه يُؤْذِى بِطَبْعِه، فأشْبَه السِّبَاعَ من الحَيَوَانِ. ولَنا، قَوْلُ النَّبِىِّ ﷺ : "لَا يُعْضَدُ شَوْكُها (٤) ". وفى حديثِ أبي هُرَيْرَةَ: "لَا يُخْتَلَى شَوْكُها" (٥). وهذا صَرِيحٌ. ولأنَّ الغَالِبَ فى شَجَرِ الحَرَمِ الشَّوْكُ، فلما حَرَّمَ النَّبِىُّ ﷺ قَطْعَ شَجَرِها، والشَّوْكُ غَالِبُه، كان ظَاهِرًا فى تَحْرِيمِه.
فصل: ولا بَأْسَ بِقَطْعِ اليَابِسِ من الشَّجَرِ والحَشِيشِ؛ لأنَّه بِمَنْزِلَةِ المَيِّتِ. ولا
стр. 2329
بِقَطْعِ ما انْكَسَرَ ولم يَبِنْ؛ لأنَّه قد تَلِفَ، فهو بِمَنْزِلَةِ الظُّفْرِ المُنْكَسِرِ. ولا بَأْسَ بِالانتِفَاعِ بما انْكَسَرَ من الأغْصَانِ، وانْقَلَعَ من الشَّجَرِ بغيرِ فِعْلِ آدَمِىٍّ، ولا ما سَقَطَ من الوَرَقِ. نَصَّ عليه أحمدُ. ولا نَعْلَمُ فيه خِلَافًا؛ لأنَّ الخَبَرَ إنَّما وَرَدَ فى القَطْعِ، وهذا لم يُقْطَعْ. فأمَّا إن قَطَعَهُ آدمِىٌّ، فقال أحمدُ: لم أسْمَعْ، إذا قُطِعَ يُنْتَفَعُ به. وقال فى الدَّوْحَةِ تُقْلَعُ: مَن شَبَّهَهُ بِالصَّيْدِ، لم يَنْتَفِعْ بِحَطَبِها. وذلك لأنَّه مَمْنُوعٌ من إتْلَافِه؛ لِحُرْمَةِ الحَرَمِ، فإذا قَطَعَهُ مَن يَحْرُم عليه قَطْعُه، لم يُنْتَفَعْ به، كَالصَّيْدِ يَذْبَحُهُ المُحْرِمُ. ويَحْتَمِلُ أن يُبَاحَ لغيرِ القَاطِعِ الانْتِفَاعُ به؛ لأنَّه انْقَطَعَ بغيرِ فِعْلِه، فأُبِيحَ له الانْتِفَاعُ به، كما لو قَطَعَه حَيَوَانٌ بَهِيمِىٌّ، ويُفَارِقُ الصَّيْدَ الذى ذَبَحَهُ، لأنَّ الذَّكَاةَ تُعْتَبَرُ لها الأَهْلِيَّةُ، ولهذا لا يَحْصُلُ بِفِعْلِ بَهِيمَةٍ، بِخِلافِ هذا.
فصل: وليس له أخْذُ وَرَقِ الشَّجَرِ. وقال الشَّافِعِىُّ: له أخْذُهُ؛ لأنَّه لا يَضُرُّ به. وكان عَطَاءٌ يُرَخِّصُ فى أَخْذِ وَرَقِ السَّنَى (٦)، يُسْتَمْشَى به، ولا يُنْزَعُ من أصْلِهِ. وَرَخَّصَ فيه عَمْرُو بنُ دِينَارٍ. ولَنا، أنَّ النَّبِىَّ ﷺ ، قال: "لَا يُخْبَطُ شَوْكُهَا، وَلَا يُعْضَدُ شَجَرُهَا". رَوَاهُ مُسْلِمٌ (٧). ولأنَّ ما حُرِّمَ أخْذُه حُرِّمَ كُلُّ شىءٍ منه، كرِيشِ الطَّائِرِ. وقَوْلُهُم: لا يَضُرُّ به. لا يَصِحُّ فإنَّه يُضْعِفُها، وَرُبَّما آل إلى تَلَفِهَا.
فصل: ويَحْرُمُ قَطْعُ حَشِيشِ الحَرَمِ، إلَّا ما اسْتَثْنَاهُ الشَّرْعُ من الإذْخِرِ، وما أَنْبَتَهُ الآدَمِيُّونَ، واليَابِسَ؛ لِقَولِه ﵇: "لَا يُخْتَلَى خَلَاهَا". وفى لَفْظٍ: "لَا يُحْتَشُّ حَشِيشُهَا". وفى اسْتِثْنَاءِ النَّبِىِّ ﷺ الإِذْخِرَ دَلِيلٌ على تَحْرِيمِ ما عدَاهُ، وفى جَوَازِ رَعْيهِ وَجْهَانِ؛ أحدُهما، لا يجوزُ، وهو مذهبُ أبي حنيفةَ؛
стр. 2330
لأنَّ ما حَرُمَ إِتْلَافُه، لم يَجُزْ أن يُرْسَلَ عليه ما يُتْلِفُه، كالصَّيْدِ. والثاني، يجوزُ. وهو مذهبُ عَطاءٍ، والشَّافِعِىِّ؛ لأنَّ الهَدَايا (٨) كانت تَدْخُلُ الحَرَمَ، فتَكْثُرُ فيه، فلم يُنْقَلْ أنَّه كانت تُشَدُّ (٩) أفْواهُها، ولأنَّ بهم حَاجَةً إِلى ذلك، أشْبَهَ قَطْعَ الإِذْخِرِ.
فصل: ويُباحُ أخْذُ الكَمْأَةِ (١٠) من الحَرَمِ، وكذلك الفَقْعُ (١١)؛ لأنَّه لا أصْلَ له، فأشْبَهَ الثَّمَرَةَ. ورَوَى حَنْبَلٌ، قال: يُؤْكَلُ من شَجَرِ الحَرَمِ الضَّغَابِيسُ (١٢)، والعِشْرِق (١٣)، وما سَقَطَ من الشَّجَرِ، وما أَنْبَتَ النّاسُ.
فصل: ويَجِبُ فى إِتْلَافِ الشَّجَرِ والحَشِيشِ الضَّمَانُ. وبه قال الشَّافِعِىُّ، وأصْحابُ الرَّأْىِ. ورُوِىَ ذلك عن ابنِ عَبَّاسٍ، وعَطاءٍ. وقال مَالِكٌ، وأبو ثَوْرٍ، ودَاوُدُ، وابنُ المُنْذِرِ: لا يَضْمَنُ؛ لأنَّ المُحْرِمَ لا يَضْمَنُه فى الحِلِّ، فلا يَضْمَنُ فى الحَرَمِ، كَالزَّرْعِ. وقال ابنُ المُنْذِرِ: لا أجِدُ دلالةً (١٤) أُوجِبُ بها (١٥) فى شَجَرِ الحَرَمَ فَرْضًا مِن كِتابٍ، ولا سُنَّةٍ، ولا إِجْمَاعٍ، وأقُولُ كما قال مَالِكٌ: نَسْتَغْفِرُ اللهَ تعالى. ولَنا، ما رَوَى أبو هَشِيمةَ، قال: رأيتُ عمرَ بنَ الخطَّابِ، أمَرَ بِشَجَرٍ كان فى المَسْجِدِ يَضُرُّ بأَهْلِ الطَّوَافِ، فقُطِعَ، وفُدِىَ. قال: وذكر البَقَر (١٦). رَوَاهُ حَنبَلٌ فى "المَنَاسِكِ". وعن ابنِ عَبّاسٍ، أنَّه قال: فى الدَّوْحَةِ بَقَرَةٌ، وفى الْجَزْلَة شَاةٌ. والدَّوْحَةُ: الشَّجَرَةُ العَظِيمَةُ. والْجَزْلَة: الصَّغِيرَةُ. وعن عَطاءٍ نحوُه. ولأنَّه
стр. 2331
مَمْنُوعٌ من إتْلَافِه لِحُرْمَةِ الحَرَمِ، فكان مَضْمُونًا كالصَّيْدِ، ويُخَالِفُ المُحْرِمَ، فإِنَّه لا يَمْتَنِعُ من قَطْعِ شَجَرِ الحِلِّ، ولا زَرْعِ الحَرَمِ. إذا ثَبَتَ هذا، فإنَّه يَضْمَنُ الشَّجَرَةَ الكَبِيرَة بِبَقَرَةٍ، والصَّغِيرَةَ بِشَاةٍ، والحَشِيشَ بِقِيمَتِه، والغُصْنَ بما نَقَصَ. وبهذا قال الشَّافِعِىُّ. وقال أصْحابُ الرَّأْىِ: يَضْمَنُ الكُلَّ بِقِيمَتِه؛ لأنَّه لا مُقَدَّرَ فيه، فأَشْبَهَ الحَشِيشَ. ولَنا، قَوْلُ ابنِ عَبَّاسٍ وعَطاءٍ، ولأنَّه أَحَدُ نَوْعَىْ ما يَحْرُمُ إتْلَافُه، فكان فيه ما يُضْمَنُ بِمُقَدَّرٍ كالصَّيْدِ. فإن قَطَعَ غُصْنًا أو حَشِيشًا، فَاسْتَخْلَفَ، احْتَمَلَ سُقُوطَ ضَمَانِه، كما إذا جَرَحَ صَيْدًا فانْدَمَلَ، أو قَطَعَ شَعْرَ آدَمِىٍّ فنَبَتَ، واحْتَمَلَ أن يَضْمَنَه؛ لأنَّ الثانىَ غيرُ الأَوَّلِ.
فصل: مَن قَلَعَ شَجَرَةً من الحَرَمِ، فَغَرَسَهَا فى مكانٍ آخَرَ، فيَبِسَتْ، ضَمِنَها؛ لأنَّه أَتْلَفَها. وإن غَرَسَها فى مكانٍ من الحَرَمِ، فنَبَتَتْ، لم يَضْمَنْها؛ لأنَّه لم يُتْلِفْها، ولم يُزِلْ حُرْمَتَها. وإن غَرَسَها فى الحِلِّ، فنَبَتَتْ، فعليه رَدُّها إليه؛ لأنَّه أزَالَ حُرْمَتَها. فإن تَعَذَّرَ رَدُّهَا، أو رَدَّهَا فَيَبِسَتْ، ضَمِنَها. وإن قَلَعَها غيرُه من الحِلِّ، فقال القاضى: الضَّمَانُ على الثَّانِى؛ لأنَّه المُتْلِفُ لها. فإنْ قيل: فلم لا يَجِبُ على المُخْرِجِ، كالصَّيْدِ إذا نَفَّرَهُ. من الحَرَمِ، فقَتَلَهُ إنْسَانٌ فى الحِلِّ، فإنَّ الضَّمَانَ على المُنَفِّرِ؟ قُلْنا: الشَّجَرُ لا يَنْتَقِلُ بِنَفْسِه، ولا تَزُولُ حُرْمَتُه بإِخْراجِه، ولهذا وَجَبَ على قَالِعِه رَدُّهُ، والصَّيْدُ يكونُ فى الحَرَمِ تَارَةً وفى الحِلِّ أُخْرَى، فمَن نَفَّرَهُ فقد فَوَّتَ حُرْمَتَه، فلَزِمَه جَزَاؤُه، وهذا لم يُفَوِّتْ حُرْمَتَه بالإِخْرَاجِ، فكان الجَزَاءُ على مُتْلِفِه، لأنَّه أَتْلَفَ شَجَرًا حَرَميًّا مُحَرَّمًا إتْلَافُه.
فصل: وإذا كانتْ شَجَرَةٌ فى الحَرَمِ، وغُصْنُها فى الحِلِّ، فعلى قَاطِعِه الضَّمانُ؛ لأنَّه تَابِعٌ لأصْلِه. وإن كانت فى الحِلِّ، وغُصْنُها فى الحَرَمِ، فقَطَعَه، ففيه وَجْهانِ: أحدُهما: لا ضَمانَ فيه. وهو قولُ القاضى أبي يَعْلَى؛ لأنَّه تَابِعٌ لأصْلِه، كالتى قَبْلَها. والثانى، يَضْمَنُه. اخْتَارَهُ ابنُ أبي موسى؛ لأنَّه فى الحَرَمِ. فإن كان بعضُ الأصْلِ فى الحِلِّ وبعضُه فى الحَرَمِ، ضَمِنَ الغُصْنَ بكلِّ حالٍ، سواءٌ
стр. 2332
كان فى الحِلِّ أو فى الحَرَمِ، تَغْلِيبًا لِحُرْمَةِ الحَرَمِ، كما لو وَقَفَ صَيْدٌ، بعضُ قَوَائِمِه فى الحِلِّ، وبَعْضُها فى الحَرَمِ.
فصل: ويَحْرُمُ صَيْدُ المَدِينَةِ وشَجَرُها وحَشِيشُها. وبهذا قال مَالِكٌ، والشَّافِعِىُّ. وقال أبو حنيفةَ: لا يَحْرُمُ؛ لأنَّه لو كان مُحَرَّمًا لَبَيَّنَهُ النَّبِىُّ ﷺ بَيَانًا عَامًّا، ولَوَجَبَ فيه الجَزاءُ، كصَيْدِ الحَرَمِ. ولَنا، ما رَوَى علىٌّ، رَضِىَ اللهُ عنه، أنَّ النَّبِىَّ ﷺ قال: "المَدِينَةُ حَرَمٌ، مَا بَيْنَ ثَوْرٍ إلَى عَيْرٍ" (١٧). مُتَّفَقٌ عليه (١٨). ورَوَى تَحْرِيمَ المَدِينَةِ أبو هُرَيْرَةَ، ورَافِعٌ، وعبدُ اللهِ بن زيْدٍ. مُتَّفَقٌ على أحَادِيثِهم (١٩). ورَوَاهُ مُسْلِمٌ (٢٠)، عن سَعْدٍ، وجابِرٍ، وأَنَسٍ، وهذا يَدُلُّ على تَعْمِيمِ البَيانِ، وليس هو فى الدَّرَجَةِ دُونَ أخْبَارِ تَحْرِيمِ الحَرَمِ، وقد قَبلُوهُ
стр. 2333
وأَثْبَتُوا أحْكَامَهُ، على أنَّه ليس بمُمْتَنِعٍ أن يُبَيِّنَه بَيَانًا خَاصًّا، أو يُبَيِّنَهُ بَيَانًا عَامًّا، فيُنْقَلُ نَقْلًا خَاصًّا، كصِفَةِ الأذَانِ والوِتْرِ والإِقامَةِ.
فصل: وحَرَمُ المَدِينَةِ ما بَيْنَ لَابَتَيْهَا؛ لما رَوَى أبو هُرَيْرَةَ قال: قال رسولُ اللَّه ﷺ : "مَا بَيْنَ لَابَتَيْهَا حَرَامٌ". وكان أبو هُرَيْرَةَ يقول: لو رَأَيْتُ الظِّبَاءَ تَرْتَعُ بِالمَدِينَةِ ما ذَعَرْتُها. مُتَّفَقٌ عليه (٢١). واللَّابَةُ: الحَرَّةُ، وهى أَرْضٌ فيها حِجَارَةٌ سُودٌ. قال أحمدُ: ما بين لَابَتَيْهَا حَرَامٌ". بَرِيدٌ فى بَرِيدٍ، كذا فَسَّرَهَ مَالِكُ بن أَنَسٍ. ورَوَى أبو هُرَيْرَةَ، أنّ رسولَ اللهِ ﷺ جَعَلَ حَوْلَ المَدِينَةِ اثْنَىْ عَشَرَ ميلًا حِمًى. رَوَاهُ مُسْلِمٌ (٢٢). فأمَّا قَوْلُه: "مَا بَيْنَ ثَوْرٍ إلَى عَيْرٍ". فقال أهْلُ العِلْمِ بالمَدِينَةِ: لا نَعْرِفُ بها ثَوْرًا ولا عَيْرًا. وإنَّما هما جَبَلَانِ بِمَكَّةَ، فيَحْتَمِلُ أنَّ النَّبِىَّ ﷺ أَرَادَ قَدْرَ ما بين ثَوْرٍ وعَيْرٍ، ويَحْتَمِلُ أنَّه أَرَادَ جَبَلَيْنِ بِالمَدِينَةِ (٢٣)، وسَمَّاهُمَا ثَوْرًا وعَيْرًا، تَجَوُّزًا.
فصل: فمن فَعَلَ ممَّا حُرِّمَ عليه شيئًا، ففيه رِوَايتَانِ: إحْدَاهما، لا جَزَاءَ فيه. وهذا قولُ أَكْثَرِ أَهْلِ العِلْمِ. وهو قَوْلُ مَالِكٍ، والشَّافِعِىِّ فى الجَدِيدِ؛ لأنَّه مَوْضِعٌ يجوزُ دُخُولُه بغيرِ إحْرامٍ، فلم يَجِبْ فيه جَزَاءٌ، كصَيْدِ وَجّ (٢٤). والثانية، يَجِبُ
стр. 2334
فيه الجَزاءُ. وَرُوِىَ ذلك عن ابنِ أبي ذِئْبٍ. وهو قَوْلُ الشَّافِعِىِّ فى القَدِيمِ، وابنِ المُنْذِرِ؛ لأنَّ رسولَ اللهِ ﷺ قال: "إِنِّى أُحَرِّمُ المَدِينَةَ، مِثْلَ ما حَرَّمَ إبْرَاهِيمُ مَكَّةَ (٢٥) ". ونهى أن يُعْضَدَ شَجَرُهَا، ويُؤْخَذَ طَيْرُهَا (٢٦)، فوَجَبَ فى هذا الحَرَمِ الجَزاءُ، كما وَجَبَ فى ذلك، إذْ لم يَظْهَرْ بينهما فَرْقٌ، وجَزَاؤُهُ إبَاحَةُ سَلَبِ القَاتِلِ لمن أخَذَه؛ لما رَوَى مُسْلِمٌ (٢٧)، بإسْنَادِه عن عامِرِ بن سَعْدٍ، أن سَعْدًا رَكِبَ إلى قَصْرِه بالعَقِيقِ، فوَجَدَ عَبْدًا يَقْطَعُ شَجَرًا، أو يَخْبِطُه، فسَلَبَه، فلمَّا رَجَعَ سَعْدٌ جاءَ أهْلُ العَبْدِ، فكَلَّمُوهُ أن يَرُدَّ على غُلَامِهم، أو عليهم، فقال: معَاذَ اللهِ أن أَرُدَّ شَيْئًا نَفَّلَنِيهِ رسولُ اللَّه ﷺ . وأبَى أن يَرُدَّ عليهم. وعن سَعْدٍ، أنَّ رسولَ اللهِ ﷺ قال: "مَنْ وَجَدَ (٢٨) أحَدًا يَصِيدُ (٢٩) فِيهِ، فَلْيَسْلُبْهُ" رَوَاهُ أبو دَاوُدَ (٣٠). فعلى هذا يُباحُ لمن وَجَدَ آخِذَ الصَّيْدِ أو قَاتِلَه، أو قَاطِعَ الشَّجَرِ، سَلْبُهُ، وهو أخْذُ ثِيَابِه حتَّى سَرَاوِيلِه. فإن كان على دَابَّةٍ لم يَمْلِكْ أخْذهَا؛ لأنَّ الدَّابَّةَ ليستْ من السَّلَبِ، وإنَّما أخَذَهَا قَاتِلُ الكَافِرِ فى الجِهَادِ؛ لأنَّه يُسْتَعانُ بها على الحَرْبِ، بِخِلافِ مَسْأَلَتِنَا.
стр. 2335
وإن لم يَسْلُبْهُ أحَدٌ، فلا شىءَ عليه، سِوَى الاسْتِغْفَارِ والتَّوْبَةِ.
فصل: ويُفَارِقُ حَرَمُ المَدِينَةِ حَرَمَ مَكَّةَ فى شَيْئَيْنِ: أحدُهما، أنَّه يجوزُ أن يُؤْخَذَ من شَجَرِ حَرَمِ المَدِينَةِ ما تَدْعُو الحاجَةُ إليه، لِلْمَسَانِدِ والوَسَائِدِ وَالرَّحْلِ، ومن حَشِيشِها ما تَدْعُو الحَاجَةُ إليه لِلْعَلْفِ؛ لما رَوَى الإِمامُ أحمدُ (٣١)، عن جابِرِ بن عبدِ اللَّه، أنَّ النَّبِىَّ ﷺ لمَّا حَرَّمَ المَدِينَةَ، قالوا: يا رسولَ اللَّه، إنَّا أصْحابُ عَمَلٍ، وأصْحَابُ نَضْحٍ (٣٢)، وإنَّا لا نَسْتَطِيعُ أرْضًا غيرَ أَرْضِنَا، فَرَخِّصْ لنا، فقال: "القَائِمَتَانِ، والوِسادَةُ، والعَارِضَةُ، والمَسَدُّ (٣٣)، فأمَّا غَيْرُ ذلِكَ فَلَا يُعْضَدُ، ولَا يُخْبَطُ مِنْهَا شَىْءٌ". قال إسماعيلُ بن أبي أُوَيْسٍ، قال خَارِجَةُ: المَسَدُّ (٣٣) مِزْوَدُ البَكَرَةِ. فَاسْتَثْنَى ذلك، وجَعَلَهُ مُبَاحًا، كاسْتِثْنَائِه (٣٤) الإِذْخِرَ بمَكَّةَ. وعن عليٍّ، عن النَّبِيِّ ﷺ ، قال: "المَدِينَةُ حَرَامٌ، مَا بَيْنَ عَائِرٍ (٣٥) إلى ثَوْرٍ، لَا يُخْتَلَى خَلَاهَا، وَلَا يُنَفَّرُ صَيْدُهَا، وَلَا يَصْلُحُ أنْ يُقْطَعَ مِنْهَا شَجَرَةٌ، إلَّا أنْ يَعْلِفَ رَجُلٌ بَعِيرَهُ". وعن جابرٍ، أنَّ رسولَ اللهِ ﷺ قال: "لا يُخْبَطُ وَلَا يُعْضَدُ حِمَى رَسُولِ اللهِ ﷺ ، ولَكِنْ يُهَشُّ هَشًّا رَفِيقًا". رَوَاهُمَا أبو دَاوُدَ (٣٦). ولأنَّ المَدِينَةَ يَقرُبُ منها شَجَرٌ وزَرْعٌ، فلو مَنَعْنَا مِن احْتِشَاشِها، مع الحَاجَةِ، أفْضَى إلى الضَّرَرِ، بِخِلَافِ مَكَّةَ. الثانى، أنَّ مَن صَادَ صَيْدًا خَارِجَ المَدِينَةِ، ثمَّ أَدْخَلَهُ إليها، لم يَلْزَمْهُ إرْسَالُه. نَصَّ عليه أحمدُ؛ لأنَّ النَّبِىَّ ﷺ كان يقول: "يَا أَبَا
стр. 2336
عُمَيْرٍ، مَا فَعَلَ النُّغَيْرُ؟ " (٣٧). وهو طَائِرٌ صَغِيرٌ. فظَاهِرُ هذا أنَّه أباحَ إمْسَاكَه بِالمَدِينَةِ، إذْ لم يُنْكِرْ ذلك، وحُرْمَةُ مَكَّةَ أعْظَمُ مِن حُرْمَةِ المَدِينَةِ، بِدَلِيلِ أنَّه لا يَدْخُلُها إلَّا مُحْرِمٌ.
فصل: صَيْدُ وَجٍّ وشَجَرُهُ مُبَاحٌ؛ وهو وَادٍ بالطَّائِفِ. وقال أصْحابُ الشَّافِعِىِّ: هو مُحَرَّمٌ؛ لأنَّ النَّبِيَّ ﷺ قال: "صَيْدُ وَجٍّ وعِضَاهُها مُحرَّمٌ". رَوَاهُ أحمدُ، فى "المُسْنَدِ" (٣٨). ولَنا، أنَّ (٣٩) الأصْلَ الإباحَةُ، والحَدِيثُ ضَعِيفٌ، ضَعَّفَهُ أحمدُ. ذَكَرَهُ أبو بُكَرٍ الخَلَّالُ، فى كتابِ "العِلَلِ" (٤٠).
٦٠٤ - مسألة؛ قال: (وَإنْ حُصِرَ بِعَدُوٍّ، نَحَرَ مَا مَعَهُ مِنَ الهَدْىِ، وحَلَّ)
أجْمَعَ أهْلُ العِلْمِ علَى أنَّ المُحْرِمَ إذا حَصَرَهُ عَدُوٌّ مِن المُشْرِكِينَ، أو غيرِهم، فمَنَعُوهُ الوُصُولَ إلى البَيْتِ، ولم يَجِدْ طَرِيقًا آمِنًا، فله التَّحَلُّلُ. وقد نَصَّ اللَّه تعالى عليه بقَوْلِه: ﴿فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ﴾ (١). وثَبَتَ أنَّ النَّبِىَّ ﷺ أَمَرَ أصْحَابَه يَوْمَ حُصِرُوا فى الحُدَيْبِيةِ أنْ يَنْحَرُوا، ويَحْلِقُوا، ويَحِلُّوا (٢).
стр. 2337
وسَوَاءٌ كان الإحْرَامُ بِحَجٍّ أو بعُمْرَةٍ (٣)، أو بِهما، فى قولِ إِمامِنَا، وأبِى حنيفةَ، والشَّافِعِىّ. وحُكِىَ عن مالِكٍ أنَّ المُعْتَمِرَ لا يَتَحَلَّلُ؛ لأنَّه لا يَخافُ الفَوَاتَ. وليس بِصَحِيحٍ؛ لأنَّ الآيةَ إنَّما نَزَلَتْ فى حَصْرِ الحُدَيْبِيَةِ، وكان النَّبِىُّ ﷺ وأصْحَابُه مُحْرِمِينَ بِعُمْرَةٍ، فحَلُّوا جَمِيعًا. وعلى مَن تَحَلَّلَ بالإِحْصَارِ الهَدْىُ، فى قَوْلِ أَكْثَرِ أهْلِ العِلْمِ، وحُكِىَ عن مالِكٍ، ليس عليه هَدْىٌ؛ لأنَّه تَحَلُّلٌ أُبِيحَ له (٤) مِن غيرِ تَفْرِيطٍ، أشْبَهَ مَن أَتَمَّ حَجَّهُ. وليس بِصَحِيحٍ؛ لأنَّ اللهَ تعالى قال: ﴿فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ﴾. قال الشَّافِعِىُّ: لا خِلافَ بين أهْلِ التَّفْسِيرِ أنَّ هذه الآيَةَ نَزَلَتْ فى حَصْرِ الحُدَيْبِيَةِ. ولأنَّه أُبِيحَ له التَّحَلُّلُ قبلَ إتْمَامِ نُسُكِهِ، فكان عليه الهَدْىُ، كالذى فَاتَه الحَجُّ، وبهذا فَارَقَ مَن أَتَمَّ حَجَّهُ.
فصل: ولا فَرْقَ بين الحَصْرِ العَامِّ فى حَقِّ الحَاجِّ كله، وبين الخَاصِّ فى حَقِّ شَخْصٍ وَاحِدٍ، مثل أن يُحْبَسَ بغيرِ حَقٍّ، أو أخَذَتْهُ اللُّصُوصُ وَحْدَهُ؛ لِعُمُومِ النَّصِّ، وَوُجُودِ المَعْنَى فى الكُلِّ. فأمَّا مَن حُبِسَ بِحَقٍّ عليه، يُمْكِنُه الخُرُوجُ منه، لم يكُنْ له التَّحَلُّلُ؛ لأنَّه لا عُذْرَ له فى الحَبْسِ. وإن كان مُعْسِرًا به عاجِزًا عن أدَائِه، فحَبَسَهُ بغيرِ حَقٍّ، فله التَّحَلُّلُ، كَمَنْ ذَكَرْنَا. وإن كان عليه دَيْنٌ مُؤَجَّلٌ، يَحِلُّ قبلَ قُدُومِ الحَاجِّ، فَمنَعَهُ صَاحِبُه من الحَجِّ، فله التَّحَلُّلُ أيضًا؛ لأنَّه مَعْذُورٌ. ولو أحْرَمَ العَبْدُ بغيرِ إذْنِ سَيِّدِه أو المَرْأَةُ لِلتَّطَوُّعِ بغيرِ إذْنِ زَوْجِها، فلهما مَنْعُهما، وحُكْمُهما حُكْمُ المُحْصَرِ.
стр. 2338
فصل: وإن أَمْكَنَ المُحْصَرَ الوُصُولُ من طَرِيقٍ أُخْرَى، لم يُبَحْ له التَّحَلُّلُ، ولَزِمَهُ سُلُوكُها، بَعُدَتْ أو قَرُبَتْ، خَشِىَ الفَوَاتَ أو لَمْ يَخْشَهُ، فإن كان مُحْرِمًا بِعُمْرَةٍ لم يَفُتْ، وإن كان بِحَجٍّ ففَاتَهُ، تَحَلَّلَ بِعُمْرَةٍ. وكذا لو لم يَتَحَلَّلِ المُحْصَرُ حتَّى خُلِّىَ عنه، لَزِمَهُ السَّعْىُ، وإن كان بعدَ فَوَاتِ الحَجِّ، لِيَتَحَلَّلَ بِعُمْرَةٍ، ثمَّ هل يَلْزَمُه القَضَاءُ إن فَاتَهُ الحَجُّ؟ فيه رِوَايتانِ: إحداهُما، يَلْزَمُهُ، كمَن فَاتَه بِخَطَأِ الطَّرِيقِ. والثانية، لا يَجِبُ؛ لأنَّ سَبَبَ الفَوَاتِ الحَصْرُ، أشْبَهَ من لم يَجِدْ طَرِيقًا أُخْرَى (٥)، بِخِلَافِ المُخْطِئ.
فصل: فأمَّا مَن لم يَجِدْ طَرِيقًا أُخْرَى، فتَحَلَّلَ، فلا قَضاءَ عليه، إلَّا أن يكونَ وَاجِبًا يَفْعَلُه بِالوُجُوبِ السَّابِقِ، فى الصَّحِيحِ من المذهبِ. وبه قال مالِكٌ، والشَّافِعِىُّ. وعن أحمدَ، أنَّ عليه القَضاءَ. رُوِىَ ذلك عن مُجاهِدٍ، وعِكْرِمَةَ، والشَّعْبِىِّ. وبه قال أبو حنيفةَ؛ لأنَّ النَّبِىَّ ﷺ لمَّا تَحَلَّلَ زَمَنَ الحُدَيْبِيَةِ، قَضَى مِن قَابِلٍ، وسُمِّيَتْ عُمْرَةَ القَضِيَّةِ، ولأنَّه حَلَّ من إحْرَامِه قبلَ إتْمَامِه، فلَزِمَهُ القَضاءُ، كما لو فَاتَهُ الحَجُّ. ووَجْهُ الأُولَى أَنَّه تَطَوُّعٌ جازَ التَّحَلُّلُ منه، مع صَلَاحِ الوَقْتِ له، فلم يَجِبْ قَضاؤُهُ، كما لو دَخَلَ فى الصَّوْمِ يَعْتَقِدُ أنَّه وَاجِبٌ، فلم يَكُنْ، فأمَّا الخَبَرُ، فإنَّ الذينَ صُدُّوا كانوا ألْفًا وأرْبَعَمائةٍ، والذين اعْتَمَرُوا مع النَّبِيِّ ﷺ كانوا نَفَرًا يَسِيرًا، ولم يُنْقَلْ إلينا أنَّ النَّبِىَّ ﷺ أمَرَ أحَدًا بالقَضاءِ، وأمَّا تَسْمِيَتُها عُمْرَةَ القَضِيَّةِ، فإنَّما يعنى بها القَضِيَّةَ التى اصْطَلَحُوا عليها، واتَّفَقُوا عليها، ولو أرَادُوا غيرَ ذلك لَقَالُوا: عُمْرَةَ القَضاءِ. ويُفَارِقُ الفَوَاتَ، فإنَّه مُفَرِّطٌ، بِخِلافِ مَسْأَلَتِنَا.
فصل: وإذا قَدَرَ المُحْصَرُ على الهَدْىِ، فليس له الحِلُّ قبلَ ذَبْحِه. فإنْ كان معه هَدْىٌ قد سَاقَهُ أجْزَأَهُ، وإن لم يَكنْ معه لَزِمَهُ شِرَاؤُهُ إن أمْكَنَهُ، ويُجْزِئُهُ أَدْنَى
стр. 2339
الهَدْىِ، وهو شَاةٌ، أو سُبْعُ بَدَنَةٍ؛ لِقَوْلِه تعالى: ﴿فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ﴾. وله نَحْرُهُ فى مَوْضِعِ حَصْرِهِ، من حِلٍّ أو حَرَمٍ. نَصَّ عليه أحمدُ. وهو قولُ مَالِكٍ، والشَّافِعِىِّ، إلَّا أن يكونَ قَادِرًا على أطْرَافِ الحَرَمِ، ففيهِ وَجْهانِ: أحَدُهما، يَلْزَمُه نَحْرُهُ فيه؛ لأنَّ الحَرَمَ كلَّه مَنْحَرٌ، وقد قَدَرَ عليه. والثانى، يَنْحَرُهُ في مَوْضِعِه؛ لأنَّ النَّبِيَّ ﷺ نَحَرَ هَدْيَهُ فى مَوْضِعِه. وعن أحمدَ: ليس لِلْمُحْصَرِ نَحْرُ هَدْيِهِ إلَّا في الحَرَمِ، فَيَبْعَثُهُ، ويُوَاطِئُ رَجُلًا على نَحْرِهِ فى وَقْتٍ يَتَحَلَّلُ فيه. وهذا يُرْوَى عن ابنِ مسعودٍ، في مَنْ لُدِغَ في الطَّرِيقِ. ورُوِىَ نحوُ ذلك عن الحسنِ، والشَّعْبِىِّ، والنَّخَعِىِّ، وعَطاءٍ. وهذا، واللَّه أَعْلَمُ، فى مَن كان حَصْرُهُ خَاصًّا، وأمَّا الحَصْرُ العامُّ فلا يَنْبَغِى أن يَقُولَهُ أحَدٌ؛ لأنَّ ذلك يُفْضِى إلى تَعَذُّرِ [الحِلِّ، لِتَعَذُّرِ] (٦) وُصُولِ الهَدْىِ إلى مَحِلِّهِ، ولأنَّ النَّبِىَّ ﷺ وأصْحَابَهُ نَحَرُوا هَدَايَاهُم في الحُدَيْبِيَةِ، وهى من الحِلِّ. قال البُخارِىُّ: قال مَالِكٌ (٧) وغيرُه: إنَّ النَّبِىَّ ﷺ وأصْحَابَه حَلَقُوا، وحَلُّوا من كل شيْءٍ، قبلَ الطَّوَافِ، وقبلَ أن يَصِلَ الهَدْىُ إلى البَيْتِ. ولم يُذْكَرْ أنَّ النَّبِىَّ ﷺ أمَر أحَدًا أن يَقْضِىَ شيئًا، ولا أن يَعُودُوا له. ورُوِىَ (٨) أنَّ النَّبِىَّ ﷺ نَحَرَ هَدْيَهُ عندَ الشَّجَرَةِ التى كانت تَحْتَها بَيْعَةُ الرِّضْوَانِ (٩). وهى من الحِلِّ بِاتِّفَاقِ أهْلِ السِّيرَةِ والنقْلِ. قال اللهُ تعالى: ﴿وَالْهَدْيَ مَعْكُوفًا أَنْ يَبْلُغَ مَحِلَّهُ﴾ (١٠). ولأنَّه مَوْضِعُ حِلِّه، فكان مَوْضِعَ نَحْرِه، كالحَرَمِ، وسائِرُ الهَدَايَا يجوزُ لِلْمُحْصَرِ نَحْرُها فى مَوْضِعِ تَحَلُّلِهِ. فإن قيل: فقد قال اللهُ تعالى: ﴿وَلَا
стр. 2340
تَحْلِقُوا رُءُوسَكُمْ حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ﴾ (١١). وقال: ﴿ثُمَّ مَحِلُّهَا إِلَى الْبَيْتِ الْعَتِيقِ﴾ (١٢). ولأنَّه ذَبْحٌ يَتَعَلَّقُ بِالإحْرامِ، فلم يَجُزْ فى غيرِ الحَرَمِ، كدَمِ الطِّيبِ واللِّبَاسِ. قُلْنا: الآيةُ فى حَقِّ غيرِ المُحْصَرِ، ولا يُمْكِنُ قِياسُ المُحْصَرِ عليه؛ لأَنَّ تَحَلُّلَ المُحْصَرِ فى الحِلِّ، وتَحَلُّلَ غيرِه فى الحَرَمِ، فكلٌّ منهما يَنْحَرُ فى مَوْضِعِ تَحَلُّلِهِ. وقِيلَ فى قَوْلِه: ﴿حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْىُ مَحِلَّهُ﴾. أى حتَّى يُذْبَحَ، وذَبْحُهُ فى حَقِّ المُحْصَرِ فى مَوْضِعِ حِلِّهِ، اقْتِدَاءً بِالنَّبِىِّ ﷺ ".
فصل: ومتى كان المُحْصَرُ مُحْرِمًا بِعُمْرَةٍ، فله التَّحَلُّلُ ونَحْرُ هَدْيهِ وَقْتَ حَصْرِهِ؛ لأنَّ النَّبِىَّ ﷺ وأصْحَابَه زَمَنَ الحُدَيْبِيَةِ، حَلُّوا ونَحَرُوا هَدَايَاهُمْ بها (١٣) قبلَ يَوْمِ النَّحْرِ. وإن كان مُفْرِدًا أو قَارِنًا، فكذلك فى إحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ؛ لأنَّ الحَجَّ أحَدُ النُّسُكَيْنِ، فَجازَ الحِلُّ منه ونَحْرُ هَدْيِهِ وَقْتَ حَصْرِهِ، كالعُمْرَةِ، ولأنَّ العُمْرَةَ لا تَفُوتُ، وجَمِيعُ الزَّمانِ وَقْتٌ لها، فإذا جَازَ الحِلُّ منها ونَحْرُ هَدْيِهَا من غيرِ خَشْيَةِ فَوَاتِها، فالحَجُّ الذى يُخْشَى فَواتُه أَوْلَى. والرِّوَايَةُ الثَّانِيَةُ، لا يَحِلُّ، ولا يَنْحَرُ هَدْيَهُ إلى يَوْمِ النَّحْرِ. نَصَّ عليه فى رِوَايَةِ الأثْرَمِ، وحَنْبَلٍ؛ لأنَّ لِلْهَدْىِ مَحِلَّ زَمَانٍ ومَحِلَّ مَكَانٍ. فإنْ عَجَزَ مَحِلُّ الْمَكَانِ فسَقَطَ، بَقِىَ مَحِلُّ الزَّمَانِ وَاجِبًا لإِمْكَانِه، وإذا لم يَجُزْ له نَحْرُ الهَدْىِ قبلَ يَوْمِ النَّحْرِ، لم يَجُز التَّحَلُّلُ؛ لِقَوْلِه سُبْحَانَه: ﴿وَلَا تَحْلِقُوا رُءُوسَكُمْ حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ﴾. وإذا قُلْنَا بِجَوازِ التَّحَلُّلِ قبلَ يَوْمِ النَّحْرِ، فالمُسْتَحَبُّ له مع ذلك الإقامَةُ مع إحْرَامِهِ، رَجاءَ زَوَالِ الحَصْرِ، فمتى زَالَ قبلَ تَحَلُّلِه، فعليه المُضِىُّ لإتْمَامِ نُسُكِه، بغير خِلَافٍ نَعْلَمُهُ. قال ابْنُ المُنْذِرِ: قال كُلُّ مَن أحْفَظُ عنه من أهْلِ العِلْمِ: إنَّ مَن يَئِسَ أن
стр. 2341
يَصِلَ إلى البَيْتِ، فجَازَ له أن يَحِلَّ، فلم يَفْعَلْ حتى خُلِّىَ سَبِيلُه، إنَّ عليه أن يَقْضِىَ مَنَاسِكَهُ، وإن زَالَ الحَصْرُ بعدَ فَواتِ الحَجِّ، تَحَلَّلَ بِعَمَلِ عُمْرَةٍ، فإن فَاتَ الحَجُّ قبلَ زَوَالِ الحَصْرِ، تَحَلَّلَ بِهَدْىٍ. وقيل: عليه هاهُنا هَدْيانِ؛ هَدْىٌ لِلْفَوَاتِ، وهَدْىٌ لِلْإحْصَارِ. ولم يَذْكُرْ أحمدُ، فى رِوَايَةِ الأثْرَمِ، هَدْيًا ثَانِيًا فى حَقِّ مَن لا يَتَحَلَّلُ إلى يَوْمِ النَّحْرِ.
فصل: فإن أُحْصِرَ عن البَيْتِ بعدَ الوُقُوفِ بِعَرَفَةَ، فله التَّحَلُّلُ؛ لأنَّ الحَصْرَ يُفيدُه التَّحَلُّلَ من جَمِيعِه، فأفَادَ التَّحَلُّلَ من بَعْضِه. وإن كان ما حُصِرَ عنه ليس من أركَانِ الحَجِّ، كالرَّمْىِ، وطَوَافِ الوَدَاعِ، والمَبِيتِ بِمُزْدَلِفَةَ أو بِمِنًى فى لَيَالِيها، فليس له التحَلُّلُ به (١٤)؛ لأنَّ صِحَّةَ الحَجِّ لا تَقِفُ على ذلك، ويكونُ عليه دَمٌ؛ لِتَرْكِه ذلك، وحَجُّهُ صَحِيحٌ، كما لو تَرَكَهُ من غيرِ حَصْرٍ. وإن أُحْصِرَ (١٥) عن طَوافِ الإفَاضَةِ بعد رَمْى الجَمرةِ، فليس له أن يَتَحَلَّلَ أيضا؛ لأنَّ إحْرامَهُ إنَّما هو عن النِّساءِ، والشَّرْعُ إنما وَرَدَ بِالتَّحَلُّلِ من الإحْرَامِ التَّامِّ، الذى يُحَرِّمُ جَمِيعَ مَحْظُورَاتِه، فلا يَثْبُتُ بما ليس مثلَه، ومَتَى زَالَ الحَصْرُ أتَى بِالطَّوَافِ، وقد تَمَّ حَجُّهُ.
فصل: فأمَّا مَن يَتَمَكَّنُ من البَيْتِ ويُصَدُّ عن عَرَفَةَ، فله أن يَفْسَخَ نِيَّةَ الحَجِّ، ويَجْعَلَهُ عُمْرَةً، ولا هَدْىَ عليه؛ لأنَّنا أبَحْنَا له ذلك من غيرِ حَصْرٍ، فمَعَ الحَصْرِ أوْلَى. فإن كان قد طَافَ وسَعَى لِلْقُدُومِ، ثم أُحْصِرَ، أو مَرِضَ حتى فَاتَهُ الحَجُّ، تَحَلَّلَ بِطَوَافٍ وسَعْىٍ آخَرَ؛ لأنَّ الأَوَّلَ لم يَقْصِدْ به طَوافَ العُمْرَةِ، ولا سَعْيَها، وليس عليه أن يُجَدِّدَ إحْرَامًا. وبهذا قال الشَّافِعِىُّ، وأبو ثَوْرٍ. وقال الزُّهْرِىُّ: لا بُدَّ أن يَقِفَ بِعَرَفَةَ. وقال محمدُ بنُ الحسنِ: لا يكونُ مُحْصَرًا بمَكَّةَ. ورُوِىَ ذلك عن
стр. 2342
أحمدَ. فإن فَاتَهُ الحَجُّ، فحُكْمُه حُكْمُ مَن فَاتَهُ بغيرِ حَصْرٍ. وقال مالِكٌ: يَخْرُجُ إلى الحِلِّ، ويَفْعَلُ ما يَفْعَلُ المُعتَمِرُ، فإن أحَبَّ أن يَسْتَنِيبَ مَنْ يُتَمِّمُ (١٦) عنه أفْعالَ الحَجِّ، جَازَ فى التَّطوُّعِ؛ لأنَّه جازَ أن يَسْتَنِيبَ فى جُمْلَتِه، فجَازَ فى بَعْضِه، ولا يجوزُ فى حَجِّ الفَرْضِ، إلَّا إن يَئِسَ من القُدْرَةِ عليه فى جَمِيعِ العُمْرِ، كما فى الحَجِّ كلِّه.
فصل: وإذا تَحَلَّلَ المُحْصَرُ مِن الحَجِّ، فزَالَ الحَصْرُ، وأمْكَنَهُ الحَجُّ، لَزِمَهُ ذلك إن كانتْ حَجَّةَ الإسلامِ، أو قُلْنَا بِوُجُوبِ القَضاءِ، أو كانتِ الحَجَّةُ وَاجِبَةً فى الجُمْلَةِ؛ لأنَّ الحَجَّ يَجِبُ على الفَوْرِ. وإن لم تَكُن الحَجَّةُ وَاجِبَةً، ولا قُلْنَا بِوُجُوبِ القَضاءِ، فلا شىءَ عليه، كمَن لم يُحْرِمْ.
فصل: وإن أُحْصِرَ فى حَجٍّ فاسِدٍ، فله التحَلُّلُ؛ لأنَّه إذا أُبِيحَ له التَّحَلُّلُ فى الحَجِّ الصَّحيحِ، فالفاسِدُ أوْلَى. فإن حَلَّ، ثم زَالَ الحَصْرُ وفى الوَقْتِ سَعَةٌ، فله أن يَقْضِىَ فى ذلك العامِ. وليس يُتَصَوَّرُ القَضاءُ فى العَامِ الذى أُفْسِدَ الحَجُّ فيه فى غيرِ هذه المَسْأَلَةِ.
٦٠٥ - مسألة؛ قال: (فَإنْ لَمْ يَكُنْ مَعَهُ هَدْىٌ، وَلَا يَقْدِرُ عَلَيْهِ، صَامَ عَشَرَةَ أَيَّامٍ، ثُمَّ حَلَّ)
وجُمْلَةُ ذلك أنَّ المُحْصَرَ، إذا عَجَزَ عن الهَدْىِ، انْتَقَلَ إلى صَوْمِ عَشَرَةِ أيَّامٍ، ثم حَلَّ. وبهذا قال الشَّافِعِىُّ، فى أحَدِ قَوْلَيْهِ. وقال مَالِكٌ، وأبو حنيفةَ: ليس له بَدَلٌ؛ لأنَّه لم يُذْكَرْ فى القُرْآنِ. ولَنا، أنَّه دَمٌ وَاجِبٌ لِلْإحْرَامِ، فكان له بَدَلٌ، كدَمِ التَّمَتُّعِ والطِّيبِ واللِّبَاسِ، وتَرْكُ النَّصِّ عليه لا يَمْنَعُ قِيَاسَه على غيرِه فى ذلك، ويَتَعَيَّنُ الانْتِقَالُ إلى صِيامِ عَشَرَةِ أيَّامٍ، كبَدَلِ هَدْىِ التَّمَتُّعِ، وليس له أن
стр. 2343
يَتَحَلَّلَ إلَّا بعد الصِّيامِ، كما لا يَتَحلَّلُ وَاجِدُ الهَدْىِ إلَّا بِنَحْرِهِ (١). وهل يَلْزَمُهُ الحَلْقُ أو التَّقصِيرُ مع ذَبْحِ الهَدْىِ أو الصِّيَامِ؟ ظاهِرُ كَلَامِ الخِرَقِىِّ، أنَّه لا يَلْزَمُهُ؛ لأنَّه لم يَذكُرْهُ. وهو إحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ عن أحمدَ؛ لأنَّ اللهَ تعالى ذَكَرَ الهَدْىَ وَحْدَهُ، ولم يَشْرُطْ سِوَاهُ. والثانية، عليه الحَلْقُ أو التَّقْصِيرُ؛ لأنَّ النَّبِىَّ ﷺ حَلَقَ يَوْمَ الحُدَيْبِيَةِ، وفِعلُه فى النُّسُكِ دَلَّ على الوُجُوبِ. ولَعَلَّ هذا يَنْبَنِى على أن الحِلَاقَ نُسُكٌ أو إطْلَاقٌ من مَحْظُورٍ، على ما يُذكَرُ فى مَوْضِعِه، إن شاءَ اللهُ.
فصل: ولا يَتَحَلَّلُ إلَّا بِالنِّيَّةِ، على (٢) ما ذَكَرْنَا، فيَحْصُلُ الحِلُّ بِشَيْئَيْنِ؛ النَّحْرُ، أو الصَّوْمُ والنِّيَّةُ، إن قُلْنَا: الحِلَاقُ ليس بِنُسُكٍ. وإن قُلْنَا: هو نُسُكٌ. حَصَلَ بِثلاثةِ أشْيَاءَ؛ الحِلَاقُ مع ما ذَكَرْنَا. فإن قِيلَ: فلِمَ اعْتَبَرْتُم النِّيَّةَ هاهُنا، وهى فى غير المُحْصَرِ غيرُ مُعْتَبَرَةٍ؟ قُلْنا: لأنَّ من أتَى بِأفْعالِ النُّسُكِ، فقد أتَى بما عليه، فيَحِلُّ منها بإكْمَالِها، فلم يَحْتَجْ إلى نِيَّةٍ، بخِلافِ المُحْصَرِ (٣)، فإنَّهُ يُرِيدُ الخُرُوجَ من العِبَادَةِ قبلَ إكْمَالِهَا، فَافْتَقَرَ إلى قَصْدِه، ولأنَّ الذَّبْحَ قد يكونُ لغيرِ الحِلِّ (٤)، فلم يَتَخَصَّصْ إلَّا بِقَصْدِهِ، بِخِلافِ الرَّمْي، فإنَّه لا يكونُ إلَّا لِلنُّسُكِ، فلم يَحْتَجْ إلى قَصْدِهِ (٥).
فصل: فإن نَوَى التَّحَلُّلَ قبلَ الهَدْىِ أو الصِّيَامِ، لم يَتَحَلَّلْ، وكان على إحرَامِهِ حتى يَنْحَرَ الهَدْىَ أو يَصُومَ؛ لأنَّهما أُقِيمَا مُقامَ أفْعَالِ الحَجِّ، فلم يَحِلَّ قَبْلَهما، كما لا يَتَحَلَّلُ القَادِرُ على أفْعالِ الحَجِّ [قَبْلَها. وليس عليه فى نِيَّةِ الحِلِّ فِدْيَةٌ؛ لأنَّها لم تُؤَثِّرْ فى العِبادَةِ، فإن فَعَلَ شيئا من مَحْظُورَاتِ الإحْرَامِ قبلَ ذلك، فعليه فِدْيَتُهُ، كما لو فَعَلَ القادِرُ ذلك (٦) قبلَ أفعالَ الحَجِّ] (٧).
стр. 2344
فصل: وإذا كان العَدُوُّ الذى حَصَرَ الحَاجَّ مُسْلِمِينَ، فأمْكَنَ الانصِرافُ، كان أوْلَى مِن قِتَالِهِم؛ لأنَّ فى قِتَالِهِم مُخَاطَرَةً بِالنَّفْسِ والمَالِ وقَتْلَ مُسْلِم، فكان تَرْكُه أوْلَى. ويجوزُ قِتَالُهم؛ لأنَّهم تَعَدَّوْا على المُسْلِمِينَ بِمَنْعِهم طَرِيقَهم، فأشْبَهُوا سائِرَ قُطَّاعِ الطَّرِيقِ. وإن كانُوا مُشْرِكِينَ، لم يَجِبْ قِتَالُهم؛ لأنَّه إنَّما يَجِبُ أحَدُ أمْرَيْنِ؛ إذا بَدَأُوا بِالقِتَالِ، أو وَقَعَ النَّفِيرُ فاحْتِيجَ إلى مَدَدٍ، وليس هاهُنا وَاحِدٌ منهما. لكن إن غَلَبَ على ظَنِّ المُسْلِمِينَ الظَّفَرُ بهم، اسْتُحِبَّ قِتَالُهم؛ لما فيه من الجِهَادِ، وحُصُولِ النَّصْرِ، وإتْمَامِ النُّسُكِ. وإن غَلَبَ على ظَنِّهم ظَفَرُ الكُفَّارِ، فالأَوْلَى الانصِرَافُ؛ لِئَلَّا يُغَرِّرُوا بِالمُسْلِمِينَ. ومَتَى احْتَاجُوا فى القِتَالِ إلى لُبْسِ ما تَجِبُ (٨) فيه الفِدْيَةُ كالدِّرْعِ والمِغْفَرِ، فَعَلُوا، وعليهم الفِدْيَةُ؛ لأنَّ لُبْسَهم لِأجْلِ أنْفُسِهِم، فأشْبَهَ ما لو لَبِسُوا للاسْتِدْفَاءِ مِن دَفْعِ بَرْدٍ.
فصل: فإن أذِنَ لهم العَدُوُّ فى العُبُورِ، فلم يَثِقُوا بهم، فلهم الانصِرَافُ؛ لأنَّهم خَائِفُونَ على أنْفُسِهِم، فكأنَّهم لم يَأْمَنُوهم، وإن وَثِقُوا بِأمَانِهم، وكانوا مَعْرُوفِينَ بِالوَفَاء، لَزِمَهم المُضِىُّ على إحْرَامِهم؛ لأنَّه قد زَالَ حَصْرُهُم، وإن طَلَبَ العَدُوُّ خُفَارَةً (٩) على تَخْلِيَةِ الطَّرِيقِ، وكان مِمَّنْ لا يُوثَقُ بأمَانِه، لم يَلْزَمْهُمْ بَذْلُهُ؛ لأنَّ الخَوْفَ بَاقٍ مع البَذْلِ، وان كان مَوْثُوقًا بِأمَانِه والخُفَارَةُ كَثِيرَةٌ، لم يَجِبْ بَذْلُه، بل يُكْرَهُ إن كان العَدُوُّ كَافِرًا؛ لأنَّ فيه صَغارًا وتَقْوِيَةً لِلْكُفَّارِ، وإن كانتْ يَسِيرَةً، فقِياسُ المذهبِ وُجُوبُ بَذْلِه، كالزِّيادَةِ فى ثَمَنِ الماءِ لِلْوُضُوءِ. وقال بعضُ أصْحابِنَا: لا يَجِبُ بَذْلُ خُفارَةٍ بِحَالٍ، وله التَّحَلُّلُ، كما أنَّه فى ابتِدَاءِ الحَجِّ لا يَلْزَمُه إذا لم يَجِدْ طَرِيقًا آمِنًا مِن غيرِ خُفارَةٍ.
٦٠٦ - مسألة؛ قال: (وإنْ مُنِعَ مِنَ الوُصُولِ إلَى البَيْتِ بِمَرَضٍ، أو
стр. 2345
ذَهَابِ نَفَقَةٍ، بَعَثَ بِهَدْىٍ، إنْ كَانَ مَعَهُ، لِيَذْبَحَهُ بمَكَّةَ، وَكَانَ عَلَى إحْرَامِهِ حَتَّى يَقْدِرَ عَلَى البَيْتِ)
المَشْهُورُ فى المذهبِ أنَّ مَن يَتَعَذَّر عليه الوُصُولُ إلى البَيْتِ لِغيرِ (١) حَصْرِ العَدُوِّ، من مَرَضٍ، أو عَرَجٍ (٢)، أو ذَهَابِ نفَقَةٍ، ونحوِه، أنَّه لا يجوزُ له التَّحَلُّلُ بذلك. رُوِىَ ذلك عن ابنِ عمرَ، وابنِ عَبَّاسٍ، ومَرْوَانَ. وبه قال مَالِكٌ، والشَّافِعِىُّ، وإسحاقُ. وعن أحمدَ، رِوَايَةٌ أُخْرَى: له التَّحَلُّلُ بذلك. رُوِىَ نحوُه عن ابنِ مسعودٍ، وهو قولُ عَطَاءٍ، والنَّخَعِىِّ، والثَّوْرِىِّ، وأصْحابِ الرَّأىِ، وأبى ثَوْرٍ؛ لأنَّ النبىَّ ﷺ قال: "مَن كُسِرَ، أو عَرِجَ فَقَدْ حَلَّ، وَعَلَيْهِ حَجَّةٌ أُخْرَى". رَوَاهُ النَّسَائِىُّ (٣). ولأنَّه مُحْصَرٌ يَدْخُلُ فى عُمُومِ قوْلِه تعالى: ﴿فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ﴾ (٤). يُحَقِّقُه أنّ لَفْظَ الإحْصَارِ إنَّما هو للمَرَضِ ونَحْوِهِ، يقال: أحْصَرَهُ المَرَضُ إحْصارًا، فهو مُحْصَرٌ، وحَصَرَهُ العَدُوُّ، حَصْرًا، فهو مَحْصُورٌ. فيكونُ اللَّفْظُ صَرِيحًا فى مَحَلِّ النِّزَاعِ، وحَصْرُ العَدُوِّ مَقِيسٌ عليه. ولأنَّه مَصْدُودٌ عن البَيْتِ، أشْبَهَ مَن صَدَّهُ عَدُوٌّ. وَوَجْهُ الأُولَى أنَّه لا يَسْتَفِيدُ بالإحْلالِ الانتقالَ من حَالِهِ، ولا التَّخَلُّصَ من الأذَى الذى به، بخِلَافِ حَصْرِ العَدُوِّ. ولأنَّ النَّبِىَّ ﷺ دَخَلَ على ضُبَاعَةَ بِنْت الزُّبَيْرِ، فقالتْ: إنِّى أُرِيدُ الحَجَّ، وأنا شَاكِيَةٌ. فقال: "حُجِّى، وَاشْتَرِطِى أنَّ مَحِلِّى
стр. 2346
حَيْثُ حَبَسْتَنِى" (٥). فلو كان المَرَضُ يُبيحُ الحِلَّ، ما احْتَاجَتْ إلى شَرْطٍ. وحَدِيثُهم مَتْرُوكُ الظَّاهِرِ، فإنَّ مُجَرَّدَ الكَسْرِ والعَرَجِ لا يَصِيرُ به (٦) حَلالا، فإن حَمَلُوهُ على أنَّه يُبِيحُ التَّحَلُّلَ، حَمَلْنَاهُ على ما إذا اشْتَرَطَ الحِلَّ بذلك، على أنَّ فى حَدِيثِهم كلامًا، فإنَّه يَرْوِيهِ ابنُ عَبَّاسٍ، ومذهبُه خِلافُه. فإن قُلْنا: يَتَحَلَّلُ. فحُكمُهُ حُكْمُ من أُحْصِرَ بِعَدُوٍّ (٧) على ما مَضَى. وإن قُلْنَا: لا يَتَحَلَّلُ. فإنَّه يُقِيمُ على إحْرَامِه، ويَبْعَثُ ما معه من الهَدْىِ لِيُذْبَحَ بمَكَّةَ، وليس له نَحْرُه فى مَكَانِه؛ لأنَّه لم يَتَحَلَّلْ. [فإن فَاتَهُ الحَجُّ، تَحَلَّلَ] (٨) بِعُمْرَةٍ، كغيرِ المَرِيضِ.
فصل: وإن شَرَطَ فى ابتِدَاءِ إحْرَامِه أن يَحِلَّ متى مَرِضَ، أو ضَاعَتْ نَفَقَتُه، أو نَفِدَتْ، أو نحوه، أو قال: إن حَبَسَنِى حَابِسٌ، فمَحَلِّى حَيْثُ حَبَسْتَنِى (٩). فله الحِلُّ متى وَجَدَ ذلك، ولا شىءَ عليه، لا هَدْىٌ، ولا قَضَاءٌ، ولا غَيْرُه، فإن لِلشَّرْطِ تَأْثِيرًا فى العِبَادَاتِ، بِدَلِيلِ أنَّه لو قال: إن شَفَى اللهُ مَرِيضِى (١٠) صُمْتُ شَهْرًا مُتَتابِعًا، أو مُتَفَرِّقًا. كان على ما شَرَطَهُ. وإنَّما لم يَلْزَمْهُ الهَدْىُ والقَضَاءُ؛ لأنَّه إذا شَرَطَ شَرْطًا كان إحْرَامُه الذى فَعَلَهُ إلى (١١) حين وُجُودِ الشَّرْطِ، فصارَ بِمَنْزِلَةِ مَن أكْمَلَ أفْعالَ الحَجِّ، ثم يُنْظَرُ فى صِيغَةِ الشَّرْطِ، فإن قال: إن مَرِضْتُ فَلِى أن أحِلَّ، وإن حَبَسَنِى حَابِسٌ فمحلِّى حيث حَبَسْتَنِى (١٢). فإذا حُبِسَ كان بِالخِيَارِ بين الحِلِّ وبين البَقاءِ على الإحْرامِ. وإن قال: إن مَرِضْتُ فأنا حلالٌ. فمتى وُجِدَ
стр. 2347
الشَّرْطُ، حَلَّ بِوُجُودِه (١٣). لأنَّه شَرْطٌ صَحِيحٌ، فكان على ما شَرَطَ.
٦٠٧ - مسألة؛ قال: (فَإنْ قَالَ: أنا أرْفُضُ إحْرَامِى وَأحِلُّ. فَلَبِسَ الثِّيَابَ، وذَبَحَ الصَّيْدَ، وعَمِلَ ما يَعْمَلُه الحَلالُ، كَانَ عَلَيْهِ فى كُلِّ فِعْلٍ فَعَلَهُ دَمٌ، وإنْ كَانَ وَطِئَ، فَعَلَيْهِ لِلْوَطْءِ بَدَنَةٌ، مَعَ ما يَجِبُ عَلَيْهِ مِنَ الدِّمَاءِ .)
وجُمْلَةُ ذلك أنَّ التَّحَلُّلَ من الحَجِّ لا يَحْصُلُ إلَّا بِأحَدِ ثلاثة أشْياءَ؛ كَمالِ أفْعالِهِ، أو التَّحَلُّلِ عند الحَصْرِ، أو بالعُذْرِ إذا شَرَطَ، وما عَدَا هذا فليس له أن يَتَحَلَّلَ به. فإن نَوَى التَّحَلُّلَ لم يَحِلَّ، ولا يَفْسُدُ الإحْرامُ بِرَفْضِه؛ لأنَّه عِبادَةٌ لا يَخْرُجُ منها بِالفَسادِ، فلا يَخْرُجُ منها بِرَفْضِهَا، بخِلافِ سائِرِ العِباداتِ، ويكونُ الإحْرامُ بَاقِيًا فى حَقِّه، تَلْزَمُهُ أحْكامُه، ويَلْزَمُه جَزاءُ كلِّ جِنَايَةٍ جَناهَا عليه. وإن وَطِئَ أفْسَدَ حَجَّهُ، وعليه لذلك بَدَنَةٌ، مع ما وَجَبَ عليه من الدِّمَاءِ، سواءٌ كان الوَطْءُ قبلَ الجِناياتِ أو بعدَها، فإنَّ الجِنايةَ على الإحْرَامِ الفاسِدِ تُوجِبُ الجَزاءَ، كالجِنايةِ على الصَّحِيحِ. وليس عليه لِرَفْضِه الإحْرامَ شىءٌ؛ لأنَّه مُجَرَّدُ نِيَّةٍ لم تُؤَثِّرْ شيئا.
٦٠٨ - مسألة؛ قال: (ويَمْضِى فِى [الْحَجِّ الفَاسِدِ] (١)، ويَحُجُّ مِنْ قَابِلٍ)
وجُمْلَةُ ذلك أنَّ الحَجَّ لا يَفْسُدُ إلَّا بِالجِماعِ، فإذا فَسَدَ فعليه إتْمَامُه، وليس له الخُرُوجُ منه. رُوِىَ ذلك عن عمرَ، وعلىٌّ، وأبى هُرَيْرَةَ، وابنِ عَبَّاسٍ، رَضِىَ اللَّه عنهم. وبه قال أبو حنيفةَ، والشَّافِعِىُّ. وقال الحسنُ، ومَالِكٌ: يَجْعَلُ الحَجَّةَ عُمْرَةً، ولا يُقِيمُ على حَجَّةٍ فَاسِدَةٍ. وقال دَاوُدُ: يَخْرُجُ بالإفسادِ من الحَجِّ والعُمْرَةِ؛ لِقَوْلِ النَّبِىِّ ﷺ : "مَنْ عَمِلَ عَمَلًا لَيْسَ عَلَيْهِ أمْرُنَا فَهُوَ رَدٌّ" (٢).
стр. 2348
ولَنا، عُمُومُ قَوْلِه تعالى: ﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ﴾ (٣). ولأنَّه قَوْلُ مَن سَمَّيْنا من الصَّحابَةِ، ولم نَعْرِفْ لهم مُخالِفًا، ولأنَّه مَعْنًى يَجِبُ به القَضاءُ، فلم يَخْرُجْ به منه، كالفَواتِ، والخَبَرُ لا يُلْزِمُنَا؛ لأنَّ المُضِىَّ (٤) فيه بِأمْرِ اللهِ، وإنَّما وَجَبَ القَضاءُ؛ لأنَّه لم يَأْتِ به على الوَجْهِ الذى يَلْزَمُه بِالإحْرامِ. ونَخُصُّ مَالِكًا بأنَّها حَجَّةٌ لا يُمْكِنُهُ الخُرُوجُ منها بالإخْرَاجِ (٥)، فلا يَخْرُجُ منها إلى عُمْرَةٍ كالصَّحِيحَةِ. إذا ثَبَتَ هذا فإنَّه لا يَحِلُّ من الفاسِدِ، بل يَجِبُ عليه أن يَفْعَلَ بعدَ الإفْسادِ كُلَّ ما يَفْعَلُه قَبْلَهُ، ولا يَسْقُطُ عنه توابعُ الوُقُوفِ، من المَبِيتِ بِمُزْدَلِفَةَ، والرَّمْى، ويَجْتَنِبُ بعدَ الفَسادِ كُلَّ ما يَجْتَنِبُه قَبْلَهُ، من الوَطْءِ ثَانِيًا، وقَتْلِ الصَّيْدِ، والطِّيبِ، واللِّبَاسِ، ونحوِه، وعليه الفِدْيَةُ فى الجِنايَةِ على الإحْرامِ [الفَاسِدِ، كالفِدْيَةِ فى الجِنايَةِ على الإحْرَامِ] (٦) الصَّحِيحِ. فأمَّا الحَجُّ من قَابِلٍ، فَيَلْزَمُه بكلِّ حَالٍ، لكنْ إن كانتِ الحَجَّةُ التى أفْسَدَها وَاجِبَةً بِأصْلِ الشَّرْعِ، أو بِالنَّذْرِ، أو قَضاءً، كانت الحَجَّةُ مِن قَابِلٍ مُجْزِئَةً؛ لأنَّ الفَاسِدَ إذا انْضَمَّ إليه القَضَاءُ، أجْزَأهُ (٧) عمَّا يُجْزِئُ عنه الأوَّلُ، لو لم يُفْسِدْهُ، وإن كانت الفاسِدَةُ تَطَوُّعًا، وَجَبَ قَضَاؤُها؛ لأنَّه بِالدُّخُولِ فى الإحْرامِ صار الحَجُّ عليه وَاجِبًا، فإذا أفْسَدَهُ، وَجَبَ قَضَاؤُه، كالمَنْذُورِ، ويكونُ القَضاءُ على الفَوْرِ. ولا نَعْلَمُ فيه مُخالِفًا؛ لأنَّ
стр. 2349
الحَجَّ الأصْلِىَّ وَاجِبٌ على الفَوْرِ، فهذا أوْلَى؛ لأنَّه قد تَعَيَّنَ بِالدُّخُولِ فيه، والوَاجِبُ بِأصْلِ الشَّرْعِ لم يَتَعَيَّنْ بذلك.
فصل: ويُحْرِمُ بِالقَضاءِ مِن أبعَدِ المَوْضِعَيْنِ: المِيقَاتِ، أو مَوْضِعِ إحْرَامِه الأوَّلِ؛ لأنَّه إن كان المِيقاتُ أبْعَدَ، فلا يجوزُ له تَجاوُزُ المِيقاتِ بغيرِ إحْرامٍ، وإن كان مَوْضِعُ إحْرَامِه أبْعَد، فعليه الإحْرَامُ بِالقَضاءِ منه. نَصَّ عليه أحمدُ. ورُوِىَ ذلك عن ابنِ عَبَّاسٍ، وسَعِيدِ بن المُسَيِّبِ، والشَّافِعِىِّ، وإسحاقَ. واخْتَارَهُ ابنُ المُنْذِرِ. وقال النَّخَعِىُّ: يُحْرِمُ من مَوْضِعِ الجِماعِ؛ لأنَّه مَوْضِعُ الإفْسادِ. ولَنا، أنَّها عِبَادَةٌ فكان قَضاؤُها على حَسَبِ أدَائِها، كالصلاةِ.
فصل: وإذا قَضَيَا، تَفَرَّقَا من مَوْضِعِ الجِماعِ حتى يَقْضِيَا حَجَّهُما. رُوِىَ هذا عن عمرَ، وابنِ عَبَّاسٍ. [ورَوَى سَعِيدٌ، والأثْرَمُ، بإسْنَادَيْهِمَا عن عمرَ، أنَّه سُئِلَ عن رَجُلٍ وَقَعَ بِامْرَأتِه، وهما مُحْرِمَانِ. فقال: أتِمَّا حَجَّكُمَا، فإذا كان عَامُ قَابِلٍ، فحُجَّا وأهْدِيَا، حتى إذا بَلَغْتُما المَكَانَ الذى أصَبْتُما فيه ما أصَبْتُما، فتَفرَّقَا حتى تحِلَّا (٨). ورَوَيَا عن ابنِ عَبَّاسٍ (٨) مِثْلَ ذلك] (٩). وبه قال سَعِيدُ بنُ المُسَيَّبِ، وعَطاءٌ، والنَّخَعِىُّ، والثَّوْرِىُّ، والشَّافِعِىُّ، وأصْحابُ الرَّأْىِ. ورُوِىَ عن أحمدَ، أنَّهما يَتَفَرَّقَانِ من حيثُ يُحْرِمَانِ حتى يَحِلَّا. ورَوَاهُ مَالِكٌ فى "المُوَطَّإِ" (١٠) عن علىٍّ رَضِىَ اللَّه عنه. ورُوِىَ عن ابنِ عَبَّاسٍ. وهو قَوْلُ مَالِكٍ؛ لأنَّ التَّفْرِيقَ بينهما خَوْفًا (١١) من مُعَاوَدَةِ المَحْظُورِ، وهو يوُجَدُ فى جَمِيعِ إحْرَامِهما. ووَجْهُ الأوَّلِ أنَّ ما قبلَ مَوْضِعِ الإفْسادِ كان إحْرَامُهما فيه صَحِيحًا، فلم يَجِبِ التَّفَرُّقُ فيه،
стр. 2350
كالذى لم يَفْسُدْ، وإنَّما اخْتَصَّ التَّفْرِيقَ بمَوْضِعِ الجِماعِ، لأنَّه رُبَّما يذكرُه بِرُؤْيَةِ مَكانِه، فيَدْعُوهُ ذلك إلى فِعْلِه. ومَعْنَى التَّفَرُّقِ أن لا يَرْكَبَ معها فى مَحْمِلٍ، ولا يَنْزِلَ معها فى فُسْطَاطٍ ونَحْوهِ. قال أحمدُ: يَتَفَرَّقَانِ فى النُّزُولِ، وفى المَحْمِلِ والفُسْطَاطِ، ولكن يكون بِقُرْبِها (١٢). وهل يَجِبُ التَّفَرُّقُ (١٣) أو يُسْتَحَبُّ؟ فيه وَجْهانِ: أحدُهما، لا يَجِبُ. وهو قولُ أبى حنيفةَ؛ لأنَّه لا يَجِبُ التَّفَرُّقُ فى قَضاءِ رمضانَ إذا أفْسَدَهُ، كذلك الحَجُّ. والثانى: يَجِبُ؛ لأنَّه رُوِىَ عَمَّنْ سَمَّيْنا من الصَّحابَةِ الأمْرُ به، ولم نَعْرِفْ لهم مُخَالِفًا، ولأنَّ الاجْتِماعَ فى ذلك المَوْضِعِ يُذَكِّرُ الجِماعَ، فيكُونُ مِن دَوَاعِيهِ. والأوَّلُ أوْلَى؛ [لأنَّ حِكْمَةَ التَّفْرِيقِ الصِّيَانَةُ عمَّا يُتَوَهَّم من مُعَاوَدَةِ الوِقَاعِ عندَ تَذَكُّرِه بِرُؤْيَةِ مَكَانِه، وهذا وَهْمٌ بَعِيدٌ لا يَقْتَضِى الإيجابَ] (١٤).
فصل: والعُمْرَةُ فيما ذَكَرْنَاهُ كالحَجِّ، فإن كان المُعْتَمِرُ مَكِّيًّا، أحرَمَ بها من الحِلِّ، أحْرَمَ لِلْقَضاءِ من الحِلِّ، وإن كان أحْرَمَ بها من الحَرَمِ، أحْرَمَ لِلْقَضاءِ من الحِلِّ، ولا فَرْقَ بين المَكِّىِّ ومَن حَصَلَ (١٥) بها من المُجَاوِرِينَ. وإن أفْسَدَ المُتَمَتِّعُ عُمْرَتَهُ، ومَضَى فى فَاسِدِها، فأتَمَّهَا، فقال أحمدُ: يَخْرُجُ إلى المِيقَاتِ، فيُحْرِمُ منه لِلْحَجِّ، فإن خَشِىَ الفَواتَ أحْرَمَ من مَكَّةَ، وعليه دَمٌ، فإذا فَرَغَ من حَجِّه خَرَجَ إلى المِيقَاتِ فأحْرَمَ منه بِعُمْرَةٍ مَكانَ التى أفْسَدَها، وعليه هَدْىٌ يَذْبَحُه إذا قَدِمَ مَكَّةَ، لِمَا أفْسَدَ من عُمْرَتِه. ولو أفْسَدَ الحاجُّ حَجَّتَه، وأتَمَّها، فله الإحْرامُ بِالعُمْرَةِ من أدْنَى الحِلِّ، كالمَكِّيِّينَ.
فصل: وإذا أفْسَدَ القَضاءَ، لم يَجِبْ عليه قَضَاؤُهُ، وإنَّما يَقْضِى عن الحَجِّ الأوَّلِ، كما لو أفْسَدَ قَضاءَ الصلاةِ والصيامِ، وَجَبَ القَضَاءُ لِلْأَصْلِ، دُونَ القَضاءِ، كذا هاهُنا؛ وذلك لأنَّ الوَاجبَ لا يَزْدادُ بِفَوَاتِه، وإنَّما يَبْقَى ما كان وَاجِبًا فى الذِّمَّةِ علَى ما كان عليه، فيُؤَدِّيه القَضاءُ.