← Фикх ханбали

Фикх ханбали · id 6910

المغني لابن قدامة - ت التركي

ابن قدامة

Полный текст (7 955 стр.). Показаны 2346–2385 · переход к 2351.

стр. 2346

حَيْثُ حَبَسْتَنِى" (٥). فلو كان المَرَضُ يُبيحُ الحِلَّ، ما احْتَاجَتْ إلى شَرْطٍ. وحَدِيثُهم مَتْرُوكُ الظَّاهِرِ، فإنَّ مُجَرَّدَ الكَسْرِ والعَرَجِ لا يَصِيرُ به (٦) حَلالا، فإن حَمَلُوهُ على أنَّه يُبِيحُ التَّحَلُّلَ، حَمَلْنَاهُ على ما إذا اشْتَرَطَ الحِلَّ بذلك، على أنَّ فى حَدِيثِهم كلامًا، فإنَّه يَرْوِيهِ ابنُ عَبَّاسٍ، ومذهبُه خِلافُه. فإن قُلْنا: يَتَحَلَّلُ. فحُكمُهُ حُكْمُ من أُحْصِرَ بِعَدُوٍّ (٧) على ما مَضَى. وإن قُلْنَا: لا يَتَحَلَّلُ. فإنَّه يُقِيمُ على إحْرَامِه، ويَبْعَثُ ما معه من الهَدْىِ لِيُذْبَحَ بمَكَّةَ، وليس له نَحْرُه فى مَكَانِه؛ لأنَّه لم يَتَحَلَّلْ. [فإن فَاتَهُ الحَجُّ، تَحَلَّلَ] (٨) بِعُمْرَةٍ، كغيرِ المَرِيضِ. فصل: وإن شَرَطَ فى ابتِدَاءِ إحْرَامِه أن يَحِلَّ متى مَرِضَ، أو ضَاعَتْ نَفَقَتُه، أو نَفِدَتْ، أو نحوه، أو قال: إن حَبَسَنِى حَابِسٌ، فمَحَلِّى حَيْثُ حَبَسْتَنِى (٩). فله الحِلُّ متى وَجَدَ ذلك، ولا شىءَ عليه، لا هَدْىٌ، ولا قَضَاءٌ، ولا غَيْرُه، فإن لِلشَّرْطِ تَأْثِيرًا فى العِبَادَاتِ، بِدَلِيلِ أنَّه لو قال: إن شَفَى اللهُ مَرِيضِى (١٠) صُمْتُ شَهْرًا مُتَتابِعًا، أو مُتَفَرِّقًا. كان على ما شَرَطَهُ. وإنَّما لم يَلْزَمْهُ الهَدْىُ والقَضَاءُ؛ لأنَّه إذا شَرَطَ شَرْطًا كان إحْرَامُه الذى فَعَلَهُ إلى (١١) حين وُجُودِ الشَّرْطِ، فصارَ بِمَنْزِلَةِ مَن أكْمَلَ أفْعالَ الحَجِّ، ثم يُنْظَرُ فى صِيغَةِ الشَّرْطِ، فإن قال: إن مَرِضْتُ فَلِى أن أحِلَّ، وإن حَبَسَنِى حَابِسٌ فمحلِّى حيث حَبَسْتَنِى (١٢). فإذا حُبِسَ كان بِالخِيَارِ بين الحِلِّ وبين البَقاءِ على الإحْرامِ. وإن قال: إن مَرِضْتُ فأنا حلالٌ. فمتى وُجِدَ

стр. 2347

الشَّرْطُ، حَلَّ بِوُجُودِه (١٣). لأنَّه شَرْطٌ صَحِيحٌ، فكان على ما شَرَطَ. ٦٠٧ - مسألة؛ قال: (فَإنْ قَالَ: أنا أرْفُضُ إحْرَامِى وَأحِلُّ. فَلَبِسَ الثِّيَابَ، وذَبَحَ الصَّيْدَ، وعَمِلَ ما يَعْمَلُه الحَلالُ، كَانَ عَلَيْهِ فى كُلِّ فِعْلٍ فَعَلَهُ دَمٌ، وإنْ كَانَ وَطِئَ، فَعَلَيْهِ لِلْوَطْءِ بَدَنَةٌ، مَعَ ما يَجِبُ عَلَيْهِ مِنَ الدِّمَاءِ .) وجُمْلَةُ ذلك أنَّ التَّحَلُّلَ من الحَجِّ لا يَحْصُلُ إلَّا بِأحَدِ ثلاثة أشْياءَ؛ كَمالِ أفْعالِهِ، أو التَّحَلُّلِ عند الحَصْرِ، أو بالعُذْرِ إذا شَرَطَ، وما عَدَا هذا فليس له أن يَتَحَلَّلَ به. فإن نَوَى التَّحَلُّلَ لم يَحِلَّ، ولا يَفْسُدُ الإحْرامُ بِرَفْضِه؛ لأنَّه عِبادَةٌ لا يَخْرُجُ منها بِالفَسادِ، فلا يَخْرُجُ منها بِرَفْضِهَا، بخِلافِ سائِرِ العِباداتِ، ويكونُ الإحْرامُ بَاقِيًا فى حَقِّه، تَلْزَمُهُ أحْكامُه، ويَلْزَمُه جَزاءُ كلِّ جِنَايَةٍ جَناهَا عليه. وإن وَطِئَ أفْسَدَ حَجَّهُ، وعليه لذلك بَدَنَةٌ، مع ما وَجَبَ عليه من الدِّمَاءِ، سواءٌ كان الوَطْءُ قبلَ الجِناياتِ أو بعدَها، فإنَّ الجِنايةَ على الإحْرَامِ الفاسِدِ تُوجِبُ الجَزاءَ، كالجِنايةِ على الصَّحِيحِ. وليس عليه لِرَفْضِه الإحْرامَ شىءٌ؛ لأنَّه مُجَرَّدُ نِيَّةٍ لم تُؤَثِّرْ شيئا. ٦٠٨ - مسألة؛ قال: (ويَمْضِى فِى [الْحَجِّ الفَاسِدِ] (١)، ويَحُجُّ مِنْ قَابِلٍ) وجُمْلَةُ ذلك أنَّ الحَجَّ لا يَفْسُدُ إلَّا بِالجِماعِ، فإذا فَسَدَ فعليه إتْمَامُه، وليس له الخُرُوجُ منه. رُوِىَ ذلك عن عمرَ، وعلىٌّ، وأبى هُرَيْرَةَ، وابنِ عَبَّاسٍ، رَضِىَ اللَّه عنهم. وبه قال أبو حنيفةَ، والشَّافِعِىُّ. وقال الحسنُ، ومَالِكٌ: يَجْعَلُ الحَجَّةَ عُمْرَةً، ولا يُقِيمُ على حَجَّةٍ فَاسِدَةٍ. وقال دَاوُدُ: يَخْرُجُ بالإفسادِ من الحَجِّ والعُمْرَةِ؛ لِقَوْلِ النَّبِىِّ ﷺ : "مَنْ عَمِلَ عَمَلًا لَيْسَ عَلَيْهِ أمْرُنَا فَهُوَ رَدٌّ" (٢).

стр. 2348

ولَنا، عُمُومُ قَوْلِه تعالى: ﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ﴾ (٣). ولأنَّه قَوْلُ مَن سَمَّيْنا من الصَّحابَةِ، ولم نَعْرِفْ لهم مُخالِفًا، ولأنَّه مَعْنًى يَجِبُ به القَضاءُ، فلم يَخْرُجْ به منه، كالفَواتِ، والخَبَرُ لا يُلْزِمُنَا؛ لأنَّ المُضِىَّ (٤) فيه بِأمْرِ اللهِ، وإنَّما وَجَبَ القَضاءُ؛ لأنَّه لم يَأْتِ به على الوَجْهِ الذى يَلْزَمُه بِالإحْرامِ. ونَخُصُّ مَالِكًا بأنَّها حَجَّةٌ لا يُمْكِنُهُ الخُرُوجُ منها بالإخْرَاجِ (٥)، فلا يَخْرُجُ منها إلى عُمْرَةٍ كالصَّحِيحَةِ. إذا ثَبَتَ هذا فإنَّه لا يَحِلُّ من الفاسِدِ، بل يَجِبُ عليه أن يَفْعَلَ بعدَ الإفْسادِ كُلَّ ما يَفْعَلُه قَبْلَهُ، ولا يَسْقُطُ عنه توابعُ الوُقُوفِ، من المَبِيتِ بِمُزْدَلِفَةَ، والرَّمْى، ويَجْتَنِبُ بعدَ الفَسادِ كُلَّ ما يَجْتَنِبُه قَبْلَهُ، من الوَطْءِ ثَانِيًا، وقَتْلِ الصَّيْدِ، والطِّيبِ، واللِّبَاسِ، ونحوِه، وعليه الفِدْيَةُ فى الجِنايَةِ على الإحْرامِ [الفَاسِدِ، كالفِدْيَةِ فى الجِنايَةِ على الإحْرَامِ] (٦) الصَّحِيحِ. فأمَّا الحَجُّ من قَابِلٍ، فَيَلْزَمُه بكلِّ حَالٍ، لكنْ إن كانتِ الحَجَّةُ التى أفْسَدَها وَاجِبَةً بِأصْلِ الشَّرْعِ، أو بِالنَّذْرِ، أو قَضاءً، كانت الحَجَّةُ مِن قَابِلٍ مُجْزِئَةً؛ لأنَّ الفَاسِدَ إذا انْضَمَّ إليه القَضَاءُ، أجْزَأهُ (٧) عمَّا يُجْزِئُ عنه الأوَّلُ، لو لم يُفْسِدْهُ، وإن كانت الفاسِدَةُ تَطَوُّعًا، وَجَبَ قَضَاؤُها؛ لأنَّه بِالدُّخُولِ فى الإحْرامِ صار الحَجُّ عليه وَاجِبًا، فإذا أفْسَدَهُ، وَجَبَ قَضَاؤُه، كالمَنْذُورِ، ويكونُ القَضاءُ على الفَوْرِ. ولا نَعْلَمُ فيه مُخالِفًا؛ لأنَّ

стр. 2349

الحَجَّ الأصْلِىَّ وَاجِبٌ على الفَوْرِ، فهذا أوْلَى؛ لأنَّه قد تَعَيَّنَ بِالدُّخُولِ فيه، والوَاجِبُ بِأصْلِ الشَّرْعِ لم يَتَعَيَّنْ بذلك. فصل: ويُحْرِمُ بِالقَضاءِ مِن أبعَدِ المَوْضِعَيْنِ: المِيقَاتِ، أو مَوْضِعِ إحْرَامِه الأوَّلِ؛ لأنَّه إن كان المِيقاتُ أبْعَدَ، فلا يجوزُ له تَجاوُزُ المِيقاتِ بغيرِ إحْرامٍ، وإن كان مَوْضِعُ إحْرَامِه أبْعَد، فعليه الإحْرَامُ بِالقَضاءِ منه. نَصَّ عليه أحمدُ. ورُوِىَ ذلك عن ابنِ عَبَّاسٍ، وسَعِيدِ بن المُسَيِّبِ، والشَّافِعِىِّ، وإسحاقَ. واخْتَارَهُ ابنُ المُنْذِرِ. وقال النَّخَعِىُّ: يُحْرِمُ من مَوْضِعِ الجِماعِ؛ لأنَّه مَوْضِعُ الإفْسادِ. ولَنا، أنَّها عِبَادَةٌ فكان قَضاؤُها على حَسَبِ أدَائِها، كالصلاةِ. فصل: وإذا قَضَيَا، تَفَرَّقَا من مَوْضِعِ الجِماعِ حتى يَقْضِيَا حَجَّهُما. رُوِىَ هذا عن عمرَ، وابنِ عَبَّاسٍ. [ورَوَى سَعِيدٌ، والأثْرَمُ، بإسْنَادَيْهِمَا عن عمرَ، أنَّه سُئِلَ عن رَجُلٍ وَقَعَ بِامْرَأتِه، وهما مُحْرِمَانِ. فقال: أتِمَّا حَجَّكُمَا، فإذا كان عَامُ قَابِلٍ، فحُجَّا وأهْدِيَا، حتى إذا بَلَغْتُما المَكَانَ الذى أصَبْتُما فيه ما أصَبْتُما، فتَفرَّقَا حتى تحِلَّا (٨). ورَوَيَا عن ابنِ عَبَّاسٍ (٨) مِثْلَ ذلك] (٩). وبه قال سَعِيدُ بنُ المُسَيَّبِ، وعَطاءٌ، والنَّخَعِىُّ، والثَّوْرِىُّ، والشَّافِعِىُّ، وأصْحابُ الرَّأْىِ. ورُوِىَ عن أحمدَ، أنَّهما يَتَفَرَّقَانِ من حيثُ يُحْرِمَانِ حتى يَحِلَّا. ورَوَاهُ مَالِكٌ فى "المُوَطَّإِ" (١٠) عن علىٍّ رَضِىَ اللَّه عنه. ورُوِىَ عن ابنِ عَبَّاسٍ. وهو قَوْلُ مَالِكٍ؛ لأنَّ التَّفْرِيقَ بينهما خَوْفًا (١١) من مُعَاوَدَةِ المَحْظُورِ، وهو يوُجَدُ فى جَمِيعِ إحْرَامِهما. ووَجْهُ الأوَّلِ أنَّ ما قبلَ مَوْضِعِ الإفْسادِ كان إحْرَامُهما فيه صَحِيحًا، فلم يَجِبِ التَّفَرُّقُ فيه،

стр. 2350

كالذى لم يَفْسُدْ، وإنَّما اخْتَصَّ التَّفْرِيقَ بمَوْضِعِ الجِماعِ، لأنَّه رُبَّما يذكرُه بِرُؤْيَةِ مَكانِه، فيَدْعُوهُ ذلك إلى فِعْلِه. ومَعْنَى التَّفَرُّقِ أن لا يَرْكَبَ معها فى مَحْمِلٍ، ولا يَنْزِلَ معها فى فُسْطَاطٍ ونَحْوهِ. قال أحمدُ: يَتَفَرَّقَانِ فى النُّزُولِ، وفى المَحْمِلِ والفُسْطَاطِ، ولكن يكون بِقُرْبِها (١٢). وهل يَجِبُ التَّفَرُّقُ (١٣) أو يُسْتَحَبُّ؟ فيه وَجْهانِ: أحدُهما، لا يَجِبُ. وهو قولُ أبى حنيفةَ؛ لأنَّه لا يَجِبُ التَّفَرُّقُ فى قَضاءِ رمضانَ إذا أفْسَدَهُ، كذلك الحَجُّ. والثانى: يَجِبُ؛ لأنَّه رُوِىَ عَمَّنْ سَمَّيْنا من الصَّحابَةِ الأمْرُ به، ولم نَعْرِفْ لهم مُخَالِفًا، ولأنَّ الاجْتِماعَ فى ذلك المَوْضِعِ يُذَكِّرُ الجِماعَ، فيكُونُ مِن دَوَاعِيهِ. والأوَّلُ أوْلَى؛ [لأنَّ حِكْمَةَ التَّفْرِيقِ الصِّيَانَةُ عمَّا يُتَوَهَّم من مُعَاوَدَةِ الوِقَاعِ عندَ تَذَكُّرِه بِرُؤْيَةِ مَكَانِه، وهذا وَهْمٌ بَعِيدٌ لا يَقْتَضِى الإيجابَ] (١٤). فصل: والعُمْرَةُ فيما ذَكَرْنَاهُ كالحَجِّ، فإن كان المُعْتَمِرُ مَكِّيًّا، أحرَمَ بها من الحِلِّ، أحْرَمَ لِلْقَضاءِ من الحِلِّ، وإن كان أحْرَمَ بها من الحَرَمِ، أحْرَمَ لِلْقَضاءِ من الحِلِّ، ولا فَرْقَ بين المَكِّىِّ ومَن حَصَلَ (١٥) بها من المُجَاوِرِينَ. وإن أفْسَدَ المُتَمَتِّعُ عُمْرَتَهُ، ومَضَى فى فَاسِدِها، فأتَمَّهَا، فقال أحمدُ: يَخْرُجُ إلى المِيقَاتِ، فيُحْرِمُ منه لِلْحَجِّ، فإن خَشِىَ الفَواتَ أحْرَمَ من مَكَّةَ، وعليه دَمٌ، فإذا فَرَغَ من حَجِّه خَرَجَ إلى المِيقَاتِ فأحْرَمَ منه بِعُمْرَةٍ مَكانَ التى أفْسَدَها، وعليه هَدْىٌ يَذْبَحُه إذا قَدِمَ مَكَّةَ، لِمَا أفْسَدَ من عُمْرَتِه. ولو أفْسَدَ الحاجُّ حَجَّتَه، وأتَمَّها، فله الإحْرامُ بِالعُمْرَةِ من أدْنَى الحِلِّ، كالمَكِّيِّينَ. فصل: وإذا أفْسَدَ القَضاءَ، لم يَجِبْ عليه قَضَاؤُهُ، وإنَّما يَقْضِى عن الحَجِّ الأوَّلِ، كما لو أفْسَدَ قَضاءَ الصلاةِ والصيامِ، وَجَبَ القَضَاءُ لِلْأَصْلِ، دُونَ القَضاءِ، كذا هاهُنا؛ وذلك لأنَّ الوَاجبَ لا يَزْدادُ بِفَوَاتِه، وإنَّما يَبْقَى ما كان وَاجِبًا فى الذِّمَّةِ علَى ما كان عليه، فيُؤَدِّيه القَضاءُ.

стр. 2351

بابُ ذِكْرِ الحَجِّ ودُخُولِ مَكَّةَ يُسْتَحَبُّ الاغْتِسَالُ لِدُخُولِ مَكَّةَ؛ لأنَّ عَبْدَ اللهِ بنَ عمرَ كان يَغْتَسِلُ، ثم يَدْخُلُ مَكَّةَ نَهَارًا، ويُذْكَرُ أنَّ النَّبِىَّ ﷺ كان يَفْعَلُه. مُتَّفَقٌ عليه (١). ولِلْبُخَارِىِّ، أنَّ ابنَ عمرَ، كان إذا دَخَلَ أدْنَى الحَرَمِ، أمْسَكَ عن التَّلْبِيَةِ، ثم يَبِيتُ بِذِى طُوَى، ثم يُصَلِّى الصُّبْحَ ويَغْتَسِلُ، ويُحَدِّثُ أنَّ النَّبِىَّ ﷺ كان يَفْعَلُ ذلك. ولأنَّ مَكَّةَ مَجْمَعُ أهْلِ النُّسُكِ، فإذا قَصَدَها اسْتُحِبَّ له الاغْتِسَالُ، كالخَارِجِ إلى الجمعةِ. والمَرْأةُ كالرَّجُلِ، وإن كانت حَائِضًا أو نُفَسَاءَ، لِقَوْلِ رسولِ اللهِ ﷺ لِعائشةَ وقد حَاضَتْ: "افْعَلِى مَا يَفعَلُ الْحَاجُّ غَيْرَ أنْ لَا تَطُوفِى بِالْبَيْتِ" (٢). ولأنَّ الغُسْلَ يُرادُ لِلتَّنْظِيفِ، وهذا يَحْصُلُ مع الحَيْضِ، فاسْتُحِبَّ لها ذلك. وهذا مذهبُ

стр. 2352

الشَّافِعِىِّ. وفَعَلَهُ عُرْوَةُ، والأسْوَدُ بن يَزِيدَ، وعَمْرُو بن مَيْمُون، والحارِثُ بن سُوَيدٍ. فصل: ويُسْتَحَبُّ أن يَدْخُلَ مَكَّةَ من أعْلَاها؛ لما رَوَى ابنُ عمرَ، أنَّ رسولَ اللهِ ﷺ دَخَلَ مَكَّةَ من الثَّنِيَّةِ العُلْيَا التى بِالبَطْحَاءِ، وخَرَجَ من الثَّنِيَّةِ السُّفْلَى. ورَوَتْ عائشةُ، أنَّ النَّبِىَّ ﷺ لمَّا جاءَ مَكَّةَ، دَخَلَ من أعْلَاهَا، وخَرَجَ من أسْفَلِهَا. مُتَّفَقٌ عليهما (٣). ولا بَأْسَ أن يَدْخُلَها لَيْلًا أو نَهَارًا؛ لأنَّ النَّبِىَّ ﷺ دَخَلَ مَكَّةَ لَيْلًا ونَهَارًا. رَوَاهُما النَّسَائِىُّ (٤). ٦٠٩ - مسألة؛ قال أبو القاسمِ، ﵀: فَإذَا دَخَلَ الْمَسْجِدَ، فَالِاسْتِحْبَابُ لَهُ أنْ يَدْخُلَ مِنْ بَابِ بَنِى شَيْبَةَ، [فإذَا رَأَى البَيْتَ رَفَعَ يَدَيْهِ وَكَبَّرَ) إنَّما اسْتُحِبَّ دُخُولُ المَسْجِدِ من بابِ بنِى شَيْبَةَ] (١)؛ لأنَّ النَّبِىَّ ﷺ دَخَلَ منه،

стр. 2353

وفى حَدِيثِ جابِرٍ، الذى رَوَاهُ مُسْلِمٌ وغيرُه (٢)، أنَّ النَّبِىَّ ﷺ دَخَلَ مَكَّةَ ارْتِفَاعَ الضُّحَى، وأنَاخَ رَاحِلَتَهُ عند بابِ بنى شَيْبَةَ، ودَخَلَ المَسْجِدَ. ويُسْتَحَبُّ رَفْعُ اليَدَيْنِ عندَ رُؤْيَةِ البَيْتِ. رُوِىَ ذلك عن ابنِ عمَرَ، وابنِ عَبَّاسٍ. وبه قال الثَّوْرِىُّ، وابنُ المُبارَكِ، والشَّافِعِىُّ، وإسحاقُ. وكان مالِكٌ لا يَرَى رَفْعَ اليَدَيْنِ؛ لما رُوِىَ عن المُهَاجِرِ المَكِّىِّ، قال: سُئِلَ جابِرُ بن عَبْدِ اللهِ، عن الرَّجُلِ يَرَى البَيْتَ، أيَرْفَعُ يَدَيْهِ؟ قال: ما كُنْتُ أظُنُّ أحَدًا يفْعلُ (٣) هذا إلَّا اليَهُودَ، حَجَجْنَا مع رسولِ اللهِ ﷺ ، فلم يَكُنْ يَفْعَلُه. رَوَاهُ النَّسَائِىُّ (٤). ولَنا، مَا رَوَى أبو بكرِ ابن المُنْذِرِ، عن النَّبِىِّ ﷺ ، أنَّه قال: "لَا تُرْفَعُ الْأَيْدى إلَّا فى سَبْعِ مَوَاطِنَ: افْتِتَاحِ الصَّلَاةِ، واسْتِقْبَالِ البَيْتِ، وعَلَى الصَّفَا والمَرْوَةِ (٥)، وعَلَى المَوْقِفَيْنِ والجَمْرَتَيْنِ" (٦). وهذا مِن قَوْلِ النَّبِىِّ ﷺ ، وذاك من قَوْلِ جابِرٍ، وخَبَرُه عن ظَنِّه وفِعْلِه، وقد خَالَفَه ابنُ عمرَ، وابنُ عَبَّاسٍ. ولأنَّ الدُّعَاءَ مُسْتَحَبٌّ عند رُؤيَةِ البَيْتِ، وقد أُمِرَ بِرَفْعِ اليَدَيْنِ عندَ الدُّعَاءِ. فصل: ويُسْتَحَبُّ أن يَدْعُوَ عندَ رُؤْيَةِ البَيْتِ، فيَقُولَ: اللَّهُمَّ أنْتَ السَّلَامُ، ومِنْكَ السَّلَامُ، حَيِّنَا رَبَّنَا بِالسَّلَامِ، اللَّهُمَّ زِدْ هذا البَيْتَ تَعْظِيمًا، وتَشْرِيفًا، وتَكْرِيمًا، ومَهَابَةً، وبِرًّا، وزِدْ مَن عَظَّمَهُ وشَرَّفَهُ، مِمَّنْ حَجَّهُ واعْتَمَرَهُ تَعْظِيمًا،

стр. 2354

وتَشْرِيفًا، وتَكْرِيمًا، ومَهَابَةً، وبِرًّا، الْحَمْدُ للهِ رَبِّ العَالَمِينَ كَثِيرًا، كما هُوَ أهْلُه، وكما يَنْبَغِى لِكَرَمِ وَجْهِه، وعِزِّ جَلَالِهِ، الحَمْدُ للهِ الذى بَلَّغَنِى بَيْتَهُ، ورَآنِى لذلك أهْلًا، والحَمْدُ للهِ على كلِّ حَالٍ، اللَّهُمَّ إنَّكَ دَعَوْتَ إلى حَجِّ بَيْتِكَ الحَرَامِ، وقد جئتُكَ لذلك، اللَّهُمَّ تَقَبَّلْ مِنِّى، واعْفُ عَنِّى، وأصْلِحْ لى شَأْنِى كُلَّه، لَا إلهَ إلَّا أنْتَ. قال الشَّافِعِىُّ، فى "مُسْنَدِهِ" (٧): أخْبَرَنَا سَعِيدُ بنُ سالِمٍ، عن ابنِ جُرَيْجٍ، أنَّ رسولَ اللهِ ﷺ كان إذا رَأَى البَيْتَ رَفَعَ يَدَيْهِ، وقال: "اللَّهُمَّ زِدْ هذَا الْبَيْتَ تَشْرِيفًا، وتكْرِيمًا (٨)، وتَعْظِيمًا، ومَهابَةً، وَبِرًّا، وزِدْ مَنْ شَرَّفَهُ، مِمَّنْ حَجَّهُ واعْتَمَرَهُ تَشْرِيفًا، وتَكْرِيمًا، وتَعْظِيمًا، وَبِرًّا". ورَوَى (٩) بإسْنَادِهِ عن سَعِيدِ بن المُسَيَّبِ، أنَّه كان حين يَنْظُرُ إلى البَيْتِ، يقول: "اللَّهُمَّ أنْتَ السَّلَامُ، ومِنْكَ السَّلَامُ حَيِّنَا رَبَّنَا بِالسَّلامِ". قال بعضُ أصْحَابِنَا: يَرْفَعُ صَوْتَهُ بذلك. فصل: وإذا دَخَلَ المَسْجِدَ، فذَكَرَ فَرِيضَةً أو فَائِتَةً، أو أُقِيمَتِ الصلاةُ المَكْتُوبَةُ، قَدَّمَهُما على الطَّوَافِ، لأنَّ ذلك فَرْضٌ، والطَّوَافُ تَحِيَّةٌ، ولأنَّه لو أُقِيمَتِ الصلاةُ فى أثْناءِ طَوَافِه، قَطَعَهُ لأجْلِها، فلَأن يَبْدَأ بها أوْلَى. وإن خَافَ فَوْتَ رَكْعَتَىِ الفَجْرِ، أو الوِتْرِ، أو أُحْضِرَتْ جِنَازَةٌ، قَدَّمَها؛ لأنَّها سُنَّةٌ يُخَافُ فَوتُها، والطَّوَافُ لا يَفُوتُ. ٦١٠ - مسألة؛ قال: (ثُمَّ أتَى الْحَجَرَ الْأسْوَدَ، إنْ كَانَ، فَاستَلَمَهُ إنِ اسْتَطَاعَ، وقَبَّلَهُ) مَعْنَى "اسْتَلَمَهُ" أى مَسَحَهُ بِيَدِه (١)، مَأْخُوذٌ من السَّلَامِ، وهى الحِجَارَةُ، فإذا مَسَحَ الحَجَرَ قِيلَ اسْتَلَمَ، أى: مَسَّ السَّلَامَ. قالَه ابنُ قُتَيْبَةَ (٢). والمُسْتَحَبُّ

стр. 2355

لمن دَخَلَ المَسْجِدَ أن لا يُعَرِّجَ على شىءٍ قَبْلَ الطَّوَافِ بِالبَيْتِ، اقْتِدَاءً بِرسولِ اللهِ ﷺ ، فإنَّه كان يَفْعَلُ ذلك، قال جابِرٌ فى حَدِيثِه الصَّحِيحِ: حتى أتَيْنَا البَيْتَ معه، استَلَمَ الرُّكْنَ، فرَمَلَ ثَلَاثًا، ومَشَى أرْبَعًا (٣). وعن عُرْوَةَ بن الزُّبَيْرِ، عن عائشةَ، أنَّ النَّبِىَّ ﷺ حين قَدِمَ مَكَّةَ، تَوَضَّأَ، ثم طَافَ بِالبَيْتِ. مُتَّفَقٌ عليه (٤). ورَوَى ذلك عُرْوَةُ عن أبى بكرٍ، وعمرَ، وعثمانَ، وعبدِ اللهِ بن عمرَ، ومُعاوِيَةَ، وابنِ الزُّبَيْرِ، والمُهَاجِرِينَ (٥)، وعائشةَ، وأسْماءَ، ابنَتَىْ أبى بكرٍ، ولأنَّ الطَّوَافَ تَحِيَّةُ المَسْجِدِ الحَرامِ، فاسْتُحِبَّ البدايةُ (٦) به، كما اسْتُحِبَّ لِدَاخِلِ غيرِه من المَسَاجِدِ أن يُصَلِّىَ رَكْعَتَيْنِ. ويَبْتَدِئُ الطَّوَافَ بِالحَجَرِ الأسْوَدِ، فَيَستَلِمُه، وهو أن يَمْسَحَهُ بِيَدِه، ويُقَبِّلَهُ. قال أسْلَمُ: رَأيْتُ عمرَ بنَ الخَطَّابِ، رَضِىَ اللهُ عنه، قَبَّلَ الحَجَرَ، وقال: إنِّى لأَعْلَمُ أنَّكَ حَجَرٌ، لا تَضُرُّ ولا تَنْفَعُ، ولَوْلَا أنِّى رَأَيْتُ رسولَ اللهِ ﷺ قبَّلَكَ ما قبَّلْتُكَ. مُتَّفَقٌ عليه (٧). ورَوَى ابنُ مَاجَه (٨)، عن ابنِ

стр. 2356

عمرَ، قال: اسْتَقْبَلَ رسولُ اللهِ ﷺ الحَجَرَ، ثم وضَعَ شَفَتَيْهِ عليه يَبْكِى طَوِيلًا، ثم الْتَفَتَ، فإذا هو بِعمرَ بن الخَطَّابِ، رَضِىَ اللهُ عنه، يَبْكِى، فقال: "يا عمرُ، هاهُنَا تُسْكَبُ العَبَرَاتُ". وقَوْلُ الخِرَقِىِّ: "إن كان" يَعْنِى إن كان الحَجَرُ في مَوْضِعِه لم يُذْهَبْ به، كما ذَهَبَ به القَرَامِطَةُ (٩) مَرَّةً، حين ظَهَرُوا على مَكَّةَ، فإذا كان ذلك، والْعِيَاذُ بِاللهِ، فإنَّه يَقِفُ مُقَابِلًا لِمَكَانِه، ويَسْتَلِمُ الرُّكْنَ. وإن كان الحَجَرُ مَوْجُودًا في مَوْضِعِه، اسْتَلَمَهُ وقَبَّلَهُ. فإن لم يُمْكِنْهُ اسْتِلَامُهُ وتَقْبِيلُه، قامَ حِيَالَه، أى بحِذَائِه، واسْتَقْبَلَهُ بِوَجْهِه، فكَبَّرَ، وهَلَّلَ. وهكذا إن كان رَاكِبًا، فقد رَوَى البُخَارِىُّ (١٠)، عن ابنِ عَبَّاسٍ، قال: طَافَ النَّبِىُّ ﷺ على بَعِيرٍ، كلَّما أتَى الحَجَرَ أشارَ إليه بِشىءٍ في يَدِهِ، وكَبَّرَ. ورُوِىَ عن النَّبِىِّ ﷺ ، أنَّه قال لِعمرَ: "إنَّكَ لَرَجُلٌ شَدِيدٌ، تُؤْذِى الضَّعِيفَ إذَا طُفْتَ بِالبَيْتِ، فَإِذَا رَأَيْتَ خَلْوَةً مِنَ الحَجَرِ فَادْنُ مِنْهُ، وإلَّا فَكَبِّرْ، ثُمَّ امْضِ" (١١). فإن أمْكَنَهُ اسْتِلَامُ الحَجَرِ بِشىءٍ في يَدِه، كالعَصَا ونَحْوِها، فَعَلَ، فقد رَوَى ابنُ عَبّاسٍ، أنَّ رسولَ اللهِ ﷺ طَافَ في حَجَّةِ الوَدَاعِ، يَسْتَلِمُ الرُّكْنَ بِمِحْجَنٍ (١٢). وهذا كله

стр. 2357

مُسْتَحَبٌّ. ويقولُ عندَ اسْتِلَامِ الحَجَرِ: "بِاسْمِ اللهِ، وَاللهُ أكْبَرُ، إِيمَانًا بِكَ، وتَصْديقًا بِكِتَابِكَ، وَوَفَاءً بِعَهْدِكَ، واتِّبَاعًا لِسُنَّةِ نَبِيِّكَ مُحَمَّدٍ ﷺ ". رَوَاهُ عبدُ اللهِ بن السَّائِبِ، عن النَّبِىِّ ﷺ (١٣). فصل: ويُحَاذِى الحَجَرَ بِجَمِيعِ بَدَنِه، فإنْ حَاذَاهُ بِبَعْضِه، احْتَمَلَ أن يُجْزِئَهُ؛ لأنَّه حُكْمٌ يَتَعَلَّقُ بِالبَدَنِ، فأجْزَأَ فيه بَعْضُه، كالحَدِّ، ويَحْتَمِلُ أن لا يُجْزِئَهُ؛ لأنَّ النَّبِىَّ ﷺ اسْتَقْبَلَ الحَجَرَ واسْتَلَمَهُ، وظَاهِرُ هذا أنَّه اسْتَقْبَلَهُ بِجَمِيعِ بَدَنِه، ولأنَّ ما لَزِمَهُ اسْتِقْبَالُه، لَزِمَهُ (١٤) بِجَمِيعِ بَدَنِه، كالقِبْلَةِ، فإذا قُلْنَا بِوُجُوبِ ذلك فلم يَفْعَلْهُ، أو بَدَأ بِالطَّوَافِ مِن دون الرُّكْنِ، كالبابِ ونَحْوِه، لم يُحْتَسَبْ له بذلك الشَّوْطِ، ويُحْتَسَبُ بِالشَّوْطِ الثاني وما بَعْدَه، ويَصِيرُ الثَّانِى أَوَّله؛ لأنَّه قد حَاذَى فيه الحَجَرَ بِجَميعِ بَدَنِه، وأتَى على جَمِيعِه، فإذا أكْمَلَ سَبْعَةَ أَشْوَاطٍ غيرَ الأَوَّلِ، صَحَّ طَوَافُهُ، وإلَّا لم يَصِحَّ. فصل: والمَرْأَةُ كالرَّجُلِ، إلَّا أنَّها إذا قَدِمَتْ مَكَّةَ نَهَارًا، فأَمِنَتِ الحَيْضَ والنِّفَاسَ، اسْتُحِبَّ لها تَأْخِيرُ الطَّوَافِ إلى اللَّيْلِ، لِيكونَ أسْتَرَ لها. ولا يُسْتَحَبُّ لها مُزَاحَمَةُ الرِّجَالِ لِاسْتِلَامِ الحَجَرِ، لكن تُشِيرُ بِيَدِها إليه، كالذى لا يُمْكِنُه الوُصُولُ إليه، كما رَوَى عَطاءٌ، قال: كانت عَائِشَةُ تَطُوفُ حُجْزَةً (١٥) من الرِّجَالِ، لا تُخَالِطُهم، فقالتِ امْرَأَةٌ: انْطَلِقِى نَسْتَلِمْ يا أُمَّ المُؤْمِنِينَ. قالت:

стр. 2358

انْطَلِقِى عنكِ (١٦). وأبَتْ (١٧). وإن خَافَتْ حَيْضًا أو نِفَاسًا، اسْتُحِبَّ لها تَعْجِيلُ الطَّوَافِ، كى لا يَفُوتَها. ٦١١ - مسألة؛ قال: (ويَضْطَبِعُ بِرِدَائِه) مَعْنَى الاضْطِبَاع أنْ يَجْعَلَ وَسَطَ الرِّدَاءِ تَحْتَ كَتِفِه اليُمْنَى، ويَرُدَّ طَرَفَيْهِ على كَتِفِه اليُسْرَى، ويُبْقِىَ كَتِفَهُ اليُمْنَى مَكْشُوفَةً. وهو مَأْخُوذٌ من الضَّبْعِ، وهو عَضُد الإِنْسانِ، افْتِعَالٌ منه، وكان أصْلُه اضْتَبَعَ، فَقَلَبُوا التَّاءَ طاءً؛ لأنَّ التَّاءَ متى وُضِعَتْ بعد ضَادٍ أو صَادٍ أو طَاءٍ سَاكِنَةٍ قُلِبَتْ طَاءً. ويُسْتَحَبُّ الاضْطِبَاعُ في طَوَافِ القُدُومِ؛ لما رَوَى أبو دَاوُدَ، وابنُ مَاجَه (١)، عن يَعْلَى بن أُمَيَّةَ، أنَّ النَّبِىَّ ﷺ طَافَ مُضْطَبِعًا. وَرَوَيَا أيضا (٢)، عن ابنِ عَبّاسٍ، أنَّ النَّبِيَّ ﷺ وأصْحَابَهُ اعْتَمَرُوا مِن الجِعْرَانَة، فرَمَلُوا بِالبَيْتِ، وجَعَلُوا أرْدِيَتَهم تحتَ آبَاطِهم، ثم قَذَفُوها على عَوَاتِقِهم اليُسْرَى. وبهذا قال الشَّافِعِيُّ، وكَثِيرٌ من أَهْلِ العِلْمِ. وقال مَالِكٌ: ليس الاضْطِباعُ بِسُنَّةٍ. [وقال: لم أسْمَعْ أحَدًا من أهْلِ العِلْمِ بِبَلَدِنَا يَذْكُرُ أنَّ الاضْطِباعَ سُنَّةٌ] (٣). وقد ثَبَتَ بما رَوَيْنَا أنَّ النَّبِيَّ ﷺ وأصْحَابَهُ فَعَلُوهُ، وقد أمَرَ اللَّه

стр. 2359

تَعَالَى بِاتِّبَاعِهِ، وقال: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ﴾ (٤). وقد رَوَى أسْلَمُ، عن عمرَ بن الخَطَّابِ، أنَّه اضْطَبَعَ ورَمَلَ، وقال: فَفِيمَ الرَّمَلُ، ولِمَ نُبْدِى مَنَاكِبَنَا وقد نَفَى اللهُ المُشْرِكِينَ؟ بَلَى، لن نَدَعَ شيئا فَعَلْنَاهُ على عَهْدِ رسولِ اللهِ ﷺ . رَوَاهُ أبو دَاوُدَ (٥). وإذا فَرَغَ من الطَّوَافِ سَوَّى رِدَاءَهُ؛ لأنَّ الاضْطِبَاعَ غيرُ مُسْتَحَبٍّ في الصلاةِ. وقال الأثْرَمُ: إذا فَرَغَ من الأشْوَاطِ التى يَرْمُلُ فيها، سَوَّى رِدَاءَهُ. والأوَّلُ أَوْلَى؛ لأنَّ قَوْلَه: طَافَ النَّبِىُّ ﷺ مُضْطَبِعًا. يَنْصَرِفُ إلى جَمِيعِه. ولا يَضْطَبِعُ في غيرِ هذا الطَّوَافِ، ولا يَضْطَبِعُ في السَّعْىِ. وقال الشَّافِعِىُّ: يَضْطَبِعُ فيه؛ لأنَّه أحَدُ الطَّوَافَيْنِ، فأشْبَهَ الطَّوَافَ بِالبَيْتِ. ولَنا، أنَّ النَّبِىَّ ﷺ لم يضْطَبِعْ فيه، والسُّنَّةُ في الاقْتِدَاءِ به. قال أحمدُ: ما سَمِعْنَا فيه شيئا. والقِيَاسُ لا يَصِحُّ إلَّا فيما عُقِلَ (٦) مَعْنَاهُ، وهذا تَعَبُّدٌ مَحْضٌ. ٦١٢ - مسألة؛ قال: (ورَمَلَ ثَلَاثَةَ أَشْوَاطٍ، ومَشَى أَرْبَعَةً، كُلَّ (١) ذلِكَ مِنَ الْحَجَرِ الْأَسْوَدِ إلَى الْحَجَرِ الْأَسْوَدِ) مَعْنَى الرَّمَلِ إسْرَاعُ المَشْىِ مع مُقَارَبَةِ الخَطْوِ من غيرِ وَثْبٍ. وهو سُنَّةٌ في الأشْوَاطِ الثَّلَاثَةِ الأُوَلِ من طَوَافِ القُدُومِ. ولا نَعْلَمُ فيه بين أهْلِ العِلْمِ خِلَافًا. وقد ثَبَتَ أنَّ النَّبِىَّ ﷺ رَمَلَ ثَلَاثًا، ومَشَى أَرْبَعًا. رَوَاهُ جابِرٌ، وابنُ عَبّاسٍ، وابنُ عمرَ، وأحَادِيثُهم مُتَّفَقٌ عليها (٢). فإن قِيلَ: إنَّما رَمَلَ النَّبِىُّ ﷺ وأصْحَابُه

стр. 2360

لإِظْهَارِ الجَلَدِ لِلْمُشْرِكِينَ، ولم يَبْقَ ذلك المَعْنَى، إذْ قد نَفَى اللهُ المُشْرِكِينَ، فَلِمَ قُلْتُمْ: إنَّ الحُكْمَ يَبْقَى (٣) بعدَ زَوَالِ عِلَّتِهِ؟ قُلْنَا: قد رمَلَ النَّبِيُّ ﷺ وأصْحَابُه، واضْطَبَعَ في حَجَّةِ الوَدَاعِ بعدَ الفَتْحِ، فثَبَتَ أنَّها سُنَّةٌ ثَابِتَةٌ. وقال ابنُ عَبّاسٍ: رَمَلَ النَّبِىُّ ﷺ في عُمَرِهِ كُلِّها، وفي حَجِّهِ، وأبو بكرٍ، وعمرُ، وعثمانُ، والخُلَفَاءُ من بَعْدِه. رَوَاهُ أحمدُ، في "المُسْنَدِ" (٤). وقد ذَكَرْنَا حديثَ عمرَ (٥). إذا ثَبَتَ هذا، فإنَّ الرَّمَلَ سُنَّةٌ في الأشْوَاطِ الثَّلَاثَةِ بِكَمَالِها، يَرْمُلُ من الحَجَرِ إلى أنْ يَعُودَ إليه، لا يَمْشِى في شىءٍ منها. رُوِىَ ذلك عن عمرَ، [وابنِ عمرَ] (٦)، وابنِ مسعودٍ، وابنِ الزُّبَيْرِ، رَضِىَ اللهُ عنهم. وبه قال عُرْوَةُ، والنَّخَعِىُّ، ومَالِكٌ، والثَّوْرِىُّ، والشَّافِعِىُّ، وأصْحابُ الرَّأْىِ. وقال طَاوُسٌ، وعَطاءٌ، والحسنُ، وسَعِيدُ ابن جُبَيْرٍ، والقاسمُ بن محمدٍ، وسَالِمُ بن عبد اللهِ: يَمْشِى ما بين الرُّكْنَيْنِ؛ لما رَوَى ابنُ عَبَّاسٍ، قال: قَدِمَ رسولُ اللهِ ﷺ وأصْحابُه مَكَّةَ، وقد وَهَنَتْهُم الحُمَّى، فقال المُشْرِكُونَ: إنَّه يَقْدَمُ عَلَيْكمْ قَوْمٌ قد وَهَنَتْهم حُمَّى يَثْرِبَ، ولَقَوْا منها شَرًّا. فأطْلَعَ اللهُ نَبِيَّهُ ﷺ على ما قَالُوا، فلما قَدِمُوا قَعَدَ المُشْرِكُونَ ممَّا يَلِى

стр. 2361

الحِجْرِ، فأمَرَ النَّبِىُّ ﷺ أصْحَابَهُ أن يَرْمُلُوا الأَشْوَاطَ الثَّلَاثَةَ، ويَمْشُوا ما بين الرُّكْنَيْنِ، لِيَرَى المُشْرِكُونَ جَلَدَهم، فلما رَأَوْهم رَمَلُوا، قال المُشْرِكُونَ: هؤلاء الذين زَعَمْتُمْ أنَّ الحُمَّى قد وَهَنَتْهم! هَؤُلَاءِ أَجْلَدُ منا. قال ابنُ عَبّاسٍ: ولم يَمْنَعْهُ أن يَأْمُرَهم أن يَرْمُلُوا الأشْوَاطَ كُلَّها، إلَّا الإِبْقَاءُ عليهم. [مُتَّفَقٌ عليه] (٧). ولَنا، ما رَوَى ابنُ عمَرَ، أنَّ النَّبِىَّ ﷺ رَمَلَ من الحَجَرِ إلى الحَجَرِ (٨). وفي مُسْلِمٍ (٩)، عن جَابِرٍ، قال: رأيتُ رسولَ اللهِ ﷺ رَمَلَ من الحَجَرِ، حتى انْتَهَى إليه. وهذا يُقَدَّمُ على حديثِ ابنِ عَبّاسٍ؛ لِوُجُوهٍ، منها أنَّ هذا إثْبَاتٌ، ومنها أنَّ رِوَايَةَ ابن عَبّاسٍ إخْبَارٌ عن عُمْرَةِ القضيَّةِ، وهذا إخْبَارٌ عن فِعْلٍ في حَجَّةِ الوَدَاعِ، فيكون مُتَأَخِّرًا، فيَجِبُ العَمَلُ به وتَقْدِيمُه، الثَّالِثُ أنَّ ابنَ عَبَّاسٍ كان في تلك الحالِ صَغِيرًا، لا يَضْبِطُ مثلَ جَابِرٍ وابن عمَرَ، فإنَّهما كانا رَجُلَيْنِ، يتَتَبَّعان (١٠) أفْعَالَ النَّبِيِّ ﷺ ، ويَحْرِصَانِ على حِفْظِهَا، فهما أعْلَمُ، ولأنَّ جلَّةَ الصَّحَابَةِ عَمِلُوا بما ذَكَرْنَا، ولو عَلِمُوا من النَّبِىِّ ﷺ ما قال ابنُ عَبَّاسٍ ما عَدَلُوا عنه إلى غيرِه، ويَحْتَمِلُ أن يكونَ ما رَوَاهُ ابنُ عَبّاسٍ اخْتَصَّ بالَّذِينَ كانُوا في عُمْرَةِ القَضِيَّة؛ لِضَعْفِهِم،

стр. 2362

والإِبْقاءِ عليهم، وما رَوَيْنَاهُ سُنَّةٌ في سائِرِ النَّاسِ. فصل: يُسْتَحَبُّ الدُّنُوُّ من البَيْتِ؛ لأنَّه هو المَقْصُودُ، فإن كان قُرْب البَيْتِ زِحامٌ فظَنَّ أنَّه إذا وَقَفَ لم يُؤْذِ أحَدًا، وتَمَكَّنَ من الرَّمَلِ، وَقَفَ لِيَجْمَعَ بين الرَّمَلِ والدُّنُوِّ من البَيْتِ. وإن لم يَظُنّ ذلك، وظَنَّ أنَّه إذا كان في حَاشِيَةِ النّاسِ تَمَكَّنَ من الرَّمَلِ، فَعَلَ، وكان أَوْلَى من الدُّنُوِّ. وإن كان لا يَتَمَكَّنُ من الرَّمَلِ أيضا، أو يَخْتَلِطُ بِالنِّسَاءِ، فَالدُّنُوُّ أَوْلَى، ويَطُوفُ كَيْفَمَا أَمْكَنَه، وإذا وَجَدَ فُرْجَةً رَمَلَ فيها. وإن تَبَاعَدَ من البَيْتِ في الطَّوَافِ أجْزَأَهُ ما لم يَخْرُجْ من المَسْجِدِ، سواء حَالَ بَيْنَه وبين البَيْتِ حَائِلٌ، مَنْ فيه أو غيره، أو لم يَحُلْ؛ لأنَّ الحَائِلَ في المَسْجِدِ لا يَضُرُّ، كما لو صَلَّى في المَسْجِدِ مُؤْتَمًّا بالإِمامِ من وَرَاءِ حَائِلٍ، وقد رَوَتْ أُمُّ سَلَمَةَ، قالتْ: شَكَوْتُ إلى رسولِ اللهِ ﷺ أنِّى أَشْتَكِى، فقال: "طُوفِى مِنْ وَرَاءِ النَّاسِ، وأَنْتِ رَاكِبَةٌ". قالتْ: فَطُفْتُ ورسولُ اللهِ ﷺ حِينَئِذٍ يُصَلِّى إلى جَنْبِ البَيْتِ. مُتَّفَقٌ عليه (١١). ٦١٣ - مسألة؛ قال: (وَلَا يَرْمُلُ فِى جَمِيعِ طَوَافِه إلَّا هذَا) وجُمْلَةُ ذلك أنَّ الرَّمَلَ لا يُسَنُّ في غيرِ الأشْوَاطِ الثَّلَاثَةِ الأُوَلِ من طَوافِ القُدُومِ، أو طَوَافِ العُمْرَةِ، فإنْ تَرَكَ الرَّمَلَ فيها لم يَقْضِه في الأرْبَعَةِ البَاقِيَةِ؛ لأنَّها هَيْئَةٌ فَاتَ مَوْضِعُها، فسَقَطَتْ، كَالجَهْر في الرَّكْعَتَيْنِ الأوَّلَتَيْنِ، ولأنَّ المَشْىَ هَيْئَةٌ

стр. 2363

في الأرْبَعَةِ، كما أنَّ الرَّمَلَ هَيْئَةٌ في الثَّلَاثَةِ، فإذا رَمَلَ في الأَرْبَعَةِ الأَخِيرَةِ، كان تَارِكًا لِلْهَيْئَةِ في جَمِيعِ طَوَافِه، كتَارِكِ الجَهْرِ في الرَّكْعَتَيْنِ الأَوَّلَتَيْنِ من العِشَاءِ، إذا جَهَرَ في الآخِرَتَيْنِ. ولا يُسَنُّ الرَّمَلُ والاضْطِبَاعُ في طَوَافٍ سِوَى ما ذَكَرْنَاهُ؛ لأنَّ النَّبِىَّ ﷺ وأصْحَابَه إنَّما رَمَلُوا واضْطَبَعُوا في ذلك. وذَكَرَ القاضى أنَّ مَن تَرَكَ الرَّمَلَ والاضْطِبَاعَ في طَوَافِ القُدُومِ، أَتَى بهما في طَوافِ الزِّيارَةِ؛ لأنَّهما سُنَّةٌ أمْكَنَ قَضَاؤُها، فتُقْضَى كسُنَنِ الصَّلاةِ. وهذا لا يَصِحُّ؛ لما ذَكَرْنَا في مَن تَرَكَهُ في الثَّلَاثَةِ الأُوَلِ، لا يَقْضِيهِ في الأَرْبَعَةِ، وكذلك من تَرَكَ الجَهْرَ في صَلَاةِ الجَهْرِ، لا يَقْضِيهِ في صَلَاةِ الظُّهْرِ، ولا يَقْتَضِى القِياسُ أن تُقْضَى هَيْئَةُ عِبادَةٍ في عِبادَةٍ أُخْرَى. قال القاضى: ولو طَافَ فرَمَلَ واضْطَبَعَ، ولم يَسْعَ بين الصَّفَا والمَرْوَةِ، فإذا طَافَ بعد ذلك لِلزِّيَارَةِ، رَمَلَ في طَوَافِه؛ لأنَّه يَرْمُلُ في السَّعْىِ بعدَه، وهو تَبَعٌ لِلطَّوَافِ، فلو قُلْنَا: لا يَرْمُلُ في الطَّوَافِ، أفْضَى إلى أن يكونَ التَّبَعُ أكْمَلَ من المَتْبُوعِ. وهذا قولُ مُجاهِدٍ، والشَّافِعِيِّ. وهذا لا يَثْبُتُ بمثلِ هذا الرَّأْىِ الضَّعِيفِ؛ فإنَّ المَتْبُوعَ لا تَتَغَيَّرُ هَيْئَتُه تَبَعًا لِتَبَعِهِ، ولو كانا مُتَلَازِمَيْنِ، لكان تَرْكُ الرَّمَلِ في السَّعْىِ تَبَعًا لِعَدَمِه في الطَّوَافِ أَوْلَى من الرَّمَلِ في الطَّوَافِ تَبَعًا لِلسَّعْىِ. فصل: فإن تَرَكَ الرَّمَلَ في شَوْطٍ من الثَّلاثةِ الأُوَلِ، أَتَى به في الاثْنَيْنِ البَاقِيَيْنِ. وإن تَرَكَهُ في اثْنَيْن أتَى به في الثَّالِثِ. [وإنْ تركَه في الثَّلاثةِ سَقَطَ] (١). كذلك قال الشَّافِعِىُّ، وأبو ثَوْرٍ، وأصْحَابُ الرَّأْىِ؛ لأنَّ تَرْكَهُ لِلْهَيْئَةِ في بعضِ مَحلِّها لا يُسْقِطُها في بَقِيَّةِ مَحلِّها، كتَارِكِ الجَهْرِ في إحْدَى الرَّكْعَتَيْنِ الأوَّلَتَيْنِ، لا يُسْقِطُهُ في الثَّانِيَةِ. ٦١٤ - مسألة؛ قال: (ولَيْسَ عَلَى أَهْلِ مَكَّةَ رَمَلٌ) وهذا قولُ ابنِ عَبّاسٍ، وابنِ عمرَ، رَحْمَةُ اللَّه عَلَيْهِما. وكان ابنُ عمرَ إذا أحْرَمَ

стр. 2364

من مَكَّةَ لم يَرْمُلْ. وهذا لأنَّ الرَّمَلَ إنَّما شُرِعَ في الأصْلِ لإِظْهَارِ الجَلَدِ والقُوَّةِ لأَهْلِ البَلَدِ، وهذا المَعْنَى مَعْدُومٌ في أهْلِ البَلَدِ، والحُكْمُ في مَن أحْرَمَ من مَكَّةَ حُكْمُ أَهْلِ مَكَّةَ؛ لما ذَكَرْنَا عن ابنِ عمرَ، ولأنَّه أحْرَمَ من مَكَّةَ، أشْبَهَ أهْلَ البَلَدِ. والمُتَمَتِّعُ إذا أَحْرَمَ بِالحَجِّ من مَكَّةَ، ثم عَادَ، وقُلْنا: يُشْرَعُ في حَقِّهِ طَوَافُ القُدُومِ. لم يَرْمُلْ فيه. قال أحمدُ: ليس على أهْلِ مَكَّةَ رَمَلٌ عند البَيْتِ، ولا بين الصَّفَا والمَرْوَةِ. ٦١٥ - مسألة؛ قال: (ومَنْ نَسِىَ الرَّمَلَ، فَلَا إعَادَةَ عَلَيْهِ) إنَّما كان كذلك لأنَّ الرَّمَلَ هَيْئَةٌ، فلا يَجِبُ بِتَرْكِهِ إعادَةٌ، ولا شىءٌ، كهَيْئَاتِ الصلاةِ، وكالاضْطِبَاعِ في الطوافِ. ولو تَرَكَهُ عَمْدًا، لم يَلْزَمْهُ شئٌ أيضا. وهذا قولُ عَامَّةِ الفُقَهاءِ، إلَّا ما حُكِىَ عن الحسنِ، والثَّوْرِيِّ، وعبدِ المَلكِ بن (١) الماجِشُون، أنَّ عليه دَمًا؛ لأنَّه نُسُكٌ. [وقد جاءَ في حديثٍ عن النَّبِىِّ ﷺ : "مَنْ تَرَكَ نُسُكًا] (٢)، فَعَلَيْهِ دَمٌ" (٣). ولَنا، أنَّه هَيْئَةٌ غيرُ وَاجِبَةٍ، فلم يَجِبْ بِتَرْكِها شىءٌ، كالاضْطِباعِ، والخَبَرُ إنَّما يَصِحُّ عن ابنِ عَبّاسٍ، وقد قال ابنُ عَبّاسٍ: مَن تَرَكَ الرَّمَلَ، فلا شىءَ عليه. ثم هو مَخْصُوصٌ بما ذَكَرْنَا؛ ولأنَّ طَوَافَ القُدُومِ لا يَجِبُ بِتَرْكِه شىءٌ، فتَرْكُ صِفَةٍ فيه أَوْلَى أن لا يَجِبَ بها؛ لأنَّ ذلك لا يَزِيدُ على تَرْكِهِ. ٦١٦ - مسألة؛ قال: (ويَكُونُ طَاهِرًا فِى ثَيِابٍ طَاهِرَةٍ) يَعْنِى في الطَّوَافِ؛ وذلك لأنَّ الطَّهارَةَ من الحَدَثِ والنَّجَاسَةِ والسِّتَارَةَ شَرَائِطُ (١)

стр. 2365

لِصِحَّةِ الطَّوَافِ، في المَشْهُورِ عن أحمدَ. وهو قولُ مَالِكٍ، والشَّافِعِىِّ. وعن أحمدَ أنَّ الطَّهارةَ ليستْ شَرْطًا، فمتى طافَ لِلزِّيَارَةِ غيرَ مُتَطَهِّرٍ أعادَ ما كان بمَكَّةَ، فإن خَرَجَ إلى بَلَدِهِ، جَبَرَهُ بِدَمٍ. وكذلك يُخَرَّج في الطَّهارَةِ من النَّجَسِ والسِّتَارَةِ. وعنه، في مَن طافَ لِلزِّيَارَةِ، وهو نَاسٍ لِلطهارَةِ: لا شىءَ عليه. وقال أبو حنيفةَ: ليس شىءٌ من ذلك شَرْطًا. واخْتَلَفَ أصْحَابُه، فقال بَعْضُهم: هو وَاجِبٌ. وقال بَعْضُهم: هو سُنَّةٌ؛ لأنَّ الطَّوَافَ رُكْنٌ لِلْحَجِّ؛ فلم يُشْتَرَطْ له الطهارةُ، كالوُقُوفِ. ولَنا، ما رَوَى ابنُ عَبّاسٍ، أنَّ النَّبِىَّ ﷺ قال: "الطَّوَافُ بِالْبَيْتِ صَلَاةٌ، إلَّا أنَّكُمْ تَتَكَلَّمُونَ فِيهِ". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ (٢)، والأثْرَمُ. وعن أبي هُرَيْرَةَ، أنَّ أبا بكرٍ الصِّدِّيقَ بَعَثَهُ في الحَجَّةِ التى أمَّرَهُ عليها رسولُ اللهِ ﷺ ، قبل حَجَّةِ الوَدَاعِ يَوْمَ النَّحْرِ، يُؤَذِّنُ: "لا يَحُجُّ بعدَ العَامِ مُشْرِكٌ، ولا يَطُوفُ بِالْبَيْتِ عُرْيَانٌ" (٣). ولأنَّها عِبَادَةٌ مُتَعَلِّقَةٌ بِالبَيْتِ، فكانتِ الطهارَةُ والسّتَارَةُ فيها شَرْطًا، كالصلاةِ، وعَكْسُ ذلك الوُقُوفُ. فصل: ولا بَأْسَ بِقِرَاءَةِ القُرْآنِ في الطَّوَافِ. وبذلك قال عَطاءٌ، ومُجاهِدٌ، والثَّوْرِىُّ، وابنُ المُبَارَكِ، والشَّافِعِىُّ، وأبو ثَوْرٍ، وأصْحابُ الرَّأْىِ. وعن أحمدَ أنَّه يُكْرَهُ. ورُوِىَ ذلك عن عُرْوَةَ، والحسنِ، ومالِكٍ. ولَنا، أنَّ عائشةَ رَوَتْ، أنَّ النَّبِىَّ ﷺ كان يقولُ في طَوَافِه: ﴿رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ﴾ (٤). وكان عمرُ وعبدُ الرحمنِ بن عَوْفٍ يقولانِ ذلك في

стр. 2366

الطَّوَافِ، وهو قُرْآنٌ، ولأنَّ الطَّوَافَ صَلَاةٌ، ولا تُكْرَهُ القِرَاءَةُ في الصلاةِ. قال ابنُ المُبَارَكِ (٥): ليس شىءٌ أفْضَلَ من قِرَاءَةِ القُرْآنِ. ويُسْتَحَبُّ الدُّعَاءُ في الطَّوَافِ، والإِكْثَارُ من ذِكْرِ اللهِ تعالى؛ لأنَّ ذلك مُسْتَحَبٌّ في جَمِيعِ الأَحْوَالِ، ففى حالِ تَلَبُّسِهِ بهذه العِبَادَةِ أوْلَى. ويُسْتَحَبُّ أن يَدَعَ الحَدِيثَ، إلَّا ذِكْرَ اللهِ تعالى، أو قِرَاءَةَ القُرْآنِ، أو أمْرًا بِمَعْرُوفٍ، أو نَهْيًا عن مُنْكَرٍ، أو ما لا بُدَّ منه؛ لِقَوْلِ النَّبِىِّ ﷺ : "الطَّوَافُ بِالبَيْتِ صَلَاةٌ، فَمَنْ تَكَلَّمَ فَلَا يَتَكَلَّمْ إلَّا بِخَيْرٍ" (٦). ولا بَأْسَ بِالشُّرْبِ في الطَّوَافِ؛ لأنَّ النَّبِىَّ ﷺ شَرِبَ في الطَّوَافِ. رَوَاهُ ابنُ المُنْذِرِ، وقال: لا أعْلَمُ أحَدًا مَنَعَ منه (٧). فصل: إذا شَكَّ في الطهارةِ، وهو في الطَّوَافِ، لم يَصِحَّ طَوَافُه ذلك؛ لأنَّه شَكَّ في شَرْطِ العِبادَةِ قبلَ الفَراغِ منها، فأشْبَه ما لو شَكَّ في الطهارةِ في الصلاةِ وهو فيها. وإن شَكَّ بعدَ الفَرَاغِ منه، لم يَلْزَمْهُ شىءٌ؛ لأنَّ الشَّكَّ في شَرْطِ العِبادَةِ بعد فَرَاغِها لا يُؤَثِّرُ فيها. وإن شَكَّ في عَدَدِ الطَّوَافِ، بَنَى على اليَقِينِ. قال ابنُ المُنْذِرِ: أجْمَعَ كُلُّ مَن نَحْفَظُ عنه من أهْلِ العِلْمِ على ذلك. ولأنَّها عِبَادَةٌ، فمتى شَكَّ فيها وهو فيها، بَنَى على اليَقِينِ كالصلاةِ. وإن أخْبَرَهُ ثِقَةٌ عن (٨) عَدَدِ طَوَافِه، رَجَعَ إليه إذا كان عَدْلًا. وإن شَكَّ في ذلك بعدَ فَرَاغِه من الطَّوَافِ، لم يَلْتَفِتْ إليه، كما لو شَكَّ في عَدَدِ الرَّكَعَاتِ بعدَ فَرَاغِ الصلاةِ. قال أحمدُ: إذا كان رَجُلانِ

стр. 2367

يَطُوفانِ، فاخْتَلَفَا في الطَّوافِ، بَنَيَا على اليَقِينِ. وهذا مَحْمُولٌ على أنَّهما شَكَّا، فأمَّا إن كان أحَدُهما تَيَقَّنَ حالَ نَفْسِه، لم يَلْتَفِتْ إلى قَوْلِ غيرِه. فصل: وإذا فَرَغَ المُتَمَتِّعُ، ثم عَلِمَ أنَّه كان على غيرِ طَهارةٍ في أحَدِ الطَّوَافَيْنِ، لا بِعَيْنِه، بَنَى الأمْرَ على الأشَدِّ، وهو أنَّه كان مُحْدِثًا في طَوَافِ العُمْرَةِ، فلم (٩) يَصِحَّ، ولم يَحِلَّ منها، فيَلْزَمُه دَمٌ لِلْحَلْقِ، ويكونُ قد أدْخَلَ الحَجَّ على العُمْرَةِ، فيَصِيرُ قَارِنًا، ويُجْزِئُه الطَّوافُ لِلْحَجِّ عن النُّسُكَيْنِ، ولو قَدَّرْنَاهُ من الحَجِّ لَزِمَهُ إعَادَةُ الطَّوَافِ، ويَلْزَمُه إعَادَةُ السَّعْىِ على التَّقْدِيرَيْنِ؛ لأنَّه وُجِدَ بعد طَوَافٍ غيرِ مُعْتَدٍّ به. وإن كان وَطِئَ بعد حِلِّهِ من العُمْرَةِ، حَكَمْنَا بأنَّه أدْخَلَ حَجًّا على عُمْرَةٍ، [فأفْسَدَه، فلا] (١٠) تَصِحُّ، ويَلْغُو ما فَعَلَهُ من أفْعَالِ الحَجِّ، ويَتَحَلَّلُ بِالطَّوَافِ الذى قَصَدَهُ لِلْحَجِّ من عُمْرَتِه الفَاسِدَةِ، وعليه دَمٌ لِلْحَلْقِ، ودَمٌ لِلْوَطْءِ في عُمْرَتِه، ولا يَحْصُلُ له حَجٌّ ولا عُمْرَةٌ. ولو قَدَّرْنَاهُ من الحَجِّ، لم يَلْزَمْهُ أكْثَرُ من إعادَةِ الطَّوَافِ والسَّعْى، ويَحْصُلُ له الحَجُّ والعُمْرَةُ. ٦١٧ - مسألة؛ قال: (وَلا يَسْتَلِمُ، وَلَا يُقَبِّلُ مِنَ الْأَرْكَانِ إلَّا الْأَسْوَدَ والْيَمَانِيَّ) الرُّكْنُ اليَمَانِىّ قِبْلَةُ أَهْلِ اليَمَنِ، ويَلِى الرُّكْنَ الذى فيه الحَجَرُ الأسْوَدُ، وهو آخِرُ ما يَمُرُّ عليه من الأرْكَانِ في طَوَافِه، وذلكِ أنَّه يَبْدَأُ بِالرُّكْنِ الذى فيه الحَجَرُ الأسْوَدُ، وهو قِبْلَةُ أهْلِ خُرَاسَانَ، فيَسْتَلِمُه ويُقَبِّلُه، ثم يَأْخُذُ على يَمِينِ نَفْسِه، ويَجْعَلُ البَيْتَ على يَسَارِهِ، فإذا انْتَهَى إلى الرُّكْنِ الثَّانِى، وهو العِرَاقِيّ، لم يَسْتَلِمْهُ، فإذا مَرَّ بِالثَّالِثِ، وهو الشَّامِيُّ، لم يَسْتَلِمْهُ أيضا، وهذان الرُّكْنَانِ يَلِيَانِ

стр. 2368

الحَجَرِ، فإذا وَصَلَ إلى الرَّابِعِ، وهو الرُّكْنُ اليَمَانِيُّ، اسْتَلَمَهُ. قال الخِرَقِىُّ: "ويُقَبِّلُه". والصَّحِيحُ عن أحمدَ أنَّه لا يُقَبِّلُه. وهو قَوْلُ (١) أكْثَرِ أهْلِ العِلْمِ. وحُكِىَ عن أبى حنيفة أنَّه لا يَسْتَلِمُه. قال ابنُ عبدِ البَرِّ (٢): جَائِزٌ عندَ أهْلِ العِلْمِ أن يَسْتَلِمَ الرُّكْنَ [اليَمَانِىَّ، والرُّكْنَ] (٣) الأسْوَدَ، لا يَخْتَلِفُونَ في شىءٍ من ذلك، وإنَّما الذي فَرَّقُوا به (٤) بينهما التَّقْبِيلُ، فرَأَوا تَقْبِيلَ الأسْوَدِ، ولم يَرَوْا تَقْبِيلَ اليَمَانِيِّ، وأما اسْتِلَامُهُما فأمْرٌ مُجْمَعٌ عليه. قال (١): وقد رَوَى مُجَاهِدٌ، عن ابنِ عَبّاسٍ، قال: رأيتُ رسولَ اللهِ ﷺ إذا اسْتَلَمَ الرُّكْنَ قَبَّلَهُ، ووَضَعَ خَدَّهُ الأيْمَنَ عليه (٥). قال: وهذا لا يَصِحُّ. وإنَّما يُعْرَفُ التَّقْبِيلُ في الحَجَرِ الأسْوَدِ وَحْدَه، وقد رَوَى ابنُ عمرَ، أنَّ رسولَ اللهِ ﷺ كان لا يَسْتَلِمُ إلَّا الحَجَرَ، والرُّكْنَ اليَمَانِيَّ. وقال ابنُ عمرَ: ما تَرَكْتُ اسْتِلَامَ هذينِ الرُّكْنَيْنِ اليَمَانِىِّ والحَجَرِ، منذُ رأيتُ رسولَ اللهِ ﷺ يَسْتَلِمُهما، في شِدَّةٍ، ولا رَخَاءٍ. رَوَاهُما مُسْلِمٌ (٦). ولأنَّ الرُّكْنَ اليَمَانِىَّ

стр. 2369

مَبْنِىٌّ على قَوَاعِدِ إبراهيمَ، ﵇، فسُنَّ اسْتِلَامُه، كالذى فيه الحَجَرُ. وأمَّا تَقْبِيلُه فلم يَصِحَّ عن النَّبِيِّ ﷺ ، فلا يُسَنُّ. وأما الرُّكْنَانِ اللَّذَانِ يَلِيَانِ الحَجَرَ، فلا يُسَنُّ اسْتِلَامُهما في قَوْلِ أكْثَرِ أهْلِ العِلْمِ. ورُوِىَ عن مُعاوِيَةَ، وجابِرٍ، وابنِ الزُّبَيْرِ، والحسنِ، والحُسينِ، وأنَسٍ، وعُرْوَةَ، اسْتِلَامُهما. وقال مُعاوِيَةُ: ليس شىءٌ من البَيْتِ مَهْجُورًا. ولَنا، قولُ ابنِ عمرَ: إن رسولَ اللهِ ﷺ كان لا يَسْتَلِمُ إلَّا الحَجَرَ، والرُّكْنَ اليَمَانِىَّ. وقال: ما أرَاهُ -يَعْنِى النَّبِىَّ ﷺ - لم يَسْتَلِمِ الرُّكْنَيْنِ اللَّذَيْنِ يَلِيَانِ الحَجَرَ، إلَّا أنَّ البَيْتَ لم يَتِمَّ على قَوَاعِد إبراهيمَ، ولا طَافَ النَّاسُ من وَرَاءِ الحِجْرِ إلَّا لذلك. وَرُوِىَ عن ابنِ عَبّاسٍ، أنَّ مُعَاوِيَةَ طَافَ، فجَعَلَ يَسْتَلِمُ الأَرْكَانَ كُلَّها، فقال له ابنُ عَبّاسٍ: لِمَ تَسْتَلِمُ هذَيْنِ الرُّكْنَيْنِ، ولم يَكُن النَّبِىُّ ﷺ يَسْتَلِمُهما؟ فقال مُعاوِيَةُ: ليس شىءٌ من البَيْتِ مَهْجُورًا. فقال ابنُ عَبّاسٍ: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ﴾ (٧). فقال مُعاوِيَةُ: صَدَقْتَ. ولأنَّهما لم يَتِمَّا على قَوَاعِد إبراهيمَ، فلم يُسَنَّ اسْتِلَامُهما، كالحَائِطِ الذى يَلِى الحِجْرَ. فصل: ويَسْتَلِمُ الرُّكْنَيْنِ الأسْوَدَ واليَمَانِىَّ في كلِّ طَوَافِه؛ لأنَّ ابنَ عمرَ قال: كان رسولُ اللهِ ﷺ لا يَدَعُ أن يَسْتَلِمَ الرُّكْنَ اليَمَانِىَّ والحَجَرَ، في كلِّ طَوَافِه. قال نافِعٌ: وكان ابنُ عمرَ يَفْعَلُه. رَوَاهُ أبو دَاوُدَ (٨). وإن لم يَتَمَكَّنْ من تَقْبِيلِ الحَجَرِ، اسْتَلَمَهُ، وقَبَّلَ يَدَهُ. وممَّن رَأَى تَقْبِيلَ اليَدِ عندَ اسْتِلَامِه ابنُ عمرَ، وجابِرٌ، وأبُو هُرَيْرَةَ، وأبو سعيدٍ، وابنُ عَبّاسٍ، وسَعِيدُ بن جُبَيْرٍ، وعَطاءٌ،

стр. 2370

وعُرْوَةُ، وأيُّوبُ، والثَّوْرِىُّ، والشَّافِعِىُّ، وإسحاقُ. وقال مالِكٌ: يَضَعُ يَدَهُ على فِيهِ من غيرِ تَقْبِيلٍ. وَرُوِىَ أيضا عن القاسمِ بن محمدٍ. ولَنا، أنَّ النَّبِىَّ ﷺ اسْتَلَمَهُ، وقَبَّلَ يَدَهُ. أخْرَجَهُ مُسْلِمٌ (٩). وفَعَلَهُ أصْحابُ النَّبِىِّ ﷺ ، وتَبِعَهم أهْلُ العِلْمِ على ذلك، فلا يُعْتَدُّ بمَن خَالَفَهم. وإن كان في يَدِهِ شىءٌ يُمْكِنُ أن يَسْتَلِمَ الحَجَرَ به، اسْتَلَمَهُ وقَبَّلَهُ؛ لما رُوِىَ عن ابنِ عَبَّاسٍ، قال: رأيتُ رسولَ اللهِ ﷺ يَطُوفُ بِالبَيْتِ، ويَسْتَلِمُ الرُّكْنَ بمِحْجَنٍ معه، ويُقَبِّلُ المِحْجَنَ. رَوَاهُ مُسْلِمٌ (١٠). فإن لم يُمْكِنْهُ اسْتِلَامُه، أشَارَ إليه وكَبَّرَ؛ لما رَوَى البُخَارِيُّ (١١)، بإسْنَادِهِ عن ابنِ عَبّاسٍ، قال: طَافَ النَّبِىُّ ﷺ على بَعِيرٍ، كلَّما أتَى الرُّكْنَ أشَارَ إليه، وكَبَّرَ. فصل: ويُكَبِّرُ كُلَّمَا أَتَى الحَجَرَ، أو حَاذَاهُ؛ لما رَوَيْنَاهُ، ويَقُولُ بين الرُّكْنَيْنِ: ﴿رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ﴾ (١٢)؛ لما رَوَى الإِمامُ أحمدُ في المَنَاسِكِ، عن عبدِ اللهِ بن السَّائِبِ، أنَّه سَمِعَ النَّبِىَّ ﷺ يقولُ فيما (١٣) بين رُكْنِ بنى جُمَحَ والرُّكْنِ الأسْوَدِ: ﴿رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ﴾ (١٤). وعن أبى هُرَيْرَةَ، أنَّ النَّبىَّ ﷺ

стр. 2371

قال: "وُكِّلَ بِهِ -يَعْنِى الرُّكْنَ اليَمَانِىَّ-[سَبْعُونَ أَلْفَ مَلَكٍ] (١٥)، فَمَنْ قَالَ: اللَّهُمَّ إنِّى أسْأَلُكَ الْعَفْوَ والعَافِيَةَ، فى الدُّنْيَا والآخِرَةِ، ﴿رَبَّنَا آتِنَا فِى الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِى الآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ﴾ قَالُوا: آمِينَ" (١٦). وعن ابنِ عَبّاسٍ، أنَّه كان إذا جاءَ الرُّكْنَ اليَمَانِىَّ، قال: اللَّهُمَّ قَنِّعْنِى بمَا رَزَقْتَنِى، وأخْلِفْ لِى على (١٧) كُلِّ غَائِبَةٍ بِخَيْرٍ (١٨). ويُسْتَحَبُّ أن يَقُولَ: اللَّهُمَّ اجْعَلْهُ حَجًّا مَبْرُورًا، وسَعْيًا مَشْكُورًا، وذَنْبًا مَغْفُورًا، رَبِّ اغْفِرْ وَارْحَمْ، وَاعْفُ عَمَّا تَعْلَم، وأنْتَ الأعَزُّ الأَكْرَمُ. وكان عبدُ الرحمنِ بن عَوْفٍ، يقول: رَبِّ قِنِى شُحَّ نَفْسِى. وعن عُرْوَةَ، قال: كان أصْحابُ النَّبِىِّ ﷺ يقولون: لَا إلهَ إلَّا أَنْتَا، وأنتَ تُحْيِى بَعْدَ مَا أَمَتَّا. ومهما أتَى به من الدُّعَاءِ والذِّكْرِ فحَسَنٌ. قالتْ عائشةُ: قال رسولُ اللهِ ﷺ "إنَّما جُعِلَ الطَّوَافُ بِالبَيْتِ، وَبيْنَ الصَّفَا والمَرْوَةِ، وَرَمْىُ الجِمَارِ، لِإقَامَةِ ذِكْرِ اللهِ". رَوَاهُ الأثْرَمُ، وابنُ المُنْذِرِ (١٩). ٦١٨ - مسألة، قال: (ويَكُونُ الْحِجْرُ (١) دَاخِلًا فِى طَوَافِه (٢)؛ لِأَنَّ الْحِجْرَ مِنَ البَيْتِ) إنَّما كان كذلك لأنَّ اللهَ تعالى أمَرَ بِالطَّوَافِ بِالْبَيْتِ جَمِيعِه، بِقَوْلِه:

стр. 2372

﴿وَلْيَطَّوَّفُوْا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ﴾ (٣). والحِجْرُ منه، فَمن لم يَطُفْ به، لم يُعْتَدَّ بِطَوَافِه. وبهذا قال عَطاءٌ، ومالِكٌ، والشَّافِعِىُّ، وأبو ثَوْرٍ، وابنُ المُنْذِرِ. وقال أَصْحابُ الرَّأْىِ: إن كان بمَكَّةَ، قَضَى ما بَقِىَ، وإن رَجَعَ إلى الكُوفَة، فعليه دَمٌ. ونحوَه قال الحسنُ. ولَنا، أَنَّه من البَيْتِ، بِدَلِيلِ ما رَوَتْ عائشةُ، قالت: سألتُ رسولَ اللَّه ﷺ عن الحِجْرِ، فقال: "هُوَ مِنَ الْبَيْتِ". وعنها، قالتْ: قال رسولُ اللهِ ﷺ : "إنَّ قَوْمَكِ اسْتَقْصَرُوا مِنْ بُنْيَانِ البَيْتِ، وَلَوْلَا حَدَاثَةُ عَهْدِهِمْ بالشِّرْكِ، أعَدْتُ مَا تَرَكُوا مِنْهَا، فَإنْ بَدَا لِقَوْمِكِ مِنْ بَعْدِى أنْ يَبْنُوا، فَهَلُمِّى لأُرِيَكِ مَا تَرَكُوا مِنْهَا". فأرَاهَا قَرِيبًا من سَبْعَةِ أذْرُعٍ. رَواهُما مُسْلِمٌ (٤). وعنها، رَضِىَ اللَّه عنها، قالتْ: قلتُ يا رسولَ اللهِ، إنِّى نَذَرْتُ أن أُصَلِّىَ فى البَيْتِ. قال: "صَلِّى فِى الْحِجْرِ، فَإنَّ الْحِجْرَ مِنَ البَيْتِ". وفى لَفْظٍ، قالتْ: كُنْتُ أُحِبُّ أن أدْخُلَ البَيْتَ، فأُصَلِّىَ فيه، فأخَذَ رسولُ اللهِ ﷺ بِيَدِى، فأدْخَلَنِى الحِجْرَ، وقال: "صَلِّى فِى الْحِجْرِ إِنْ أرَدْتِ دُخُولَ الْبَيْتِ، فَإنَّمَا هُوَ قِطْعَةٌ مِنَ البَيْتِ" (٥). قال التِّرْمِذِىُّ: هو حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ. فَمن تَرَكَ الطَّوَافَ بالحِجرِ لم يَطُفْ بِجَمِيعِ البَيْتِ، فلم يَصِحَّ، كما لو تَرَكَ الطَّوَافَ ببعضِ البِنَاءِ، ولأنَّ النَّبِىَّ ﷺ طَافَ منَ وَرَاءِ الحِجْرِ، وقد قال ﵇: "لِتَأْخُذُوا عَنِّى مَنَاسِكَكُمْ" (٦).

стр. 2373

فصل: ولو طَافَ على جِدَارِ الحِجْرِ، وشَاذَرْوَانِ الكَعْبَةِ، وهو ما فَضَلَ من حَائِطِها، لم يَجُزْ؛ لأنَّ ذلك من البَيْتِ، فإذا لم يَطُفْ به، فلم يَطُفْ بكلِّ البَيْتِ؛ ولأنَّ (٧) النَّبِىَّ ﷺ طَافَ مِن وَرَاءِ ذلك. فصل: ولو نَكَسَ الطَّوَافَ، فجَعَلَ البَيْتَ على يَمِينِه، لم يُجْزِئْهُ. وبه قال مالِكٌ، والشَّافِعِىُّ. وقال أبو حنيفةَ: يُعِيدُ ما كان بمَكَّةَ، فإن رَجَعَ جَبَرَهُ بِدَمٍ؛ لأنَّه تَرَكَ هَيْئَةً فلم تَمْنَع الإجْزَاءَ، كما لو تَرَكَ الرَّمَلَ والاضْطِبَاعَ. ولَنا، أنَّ النَّبِىَّ ﷺ جَعَلَ البَيْتَ فى الطَّوَافِ على يَسَارِه، وقال ﵇: "لِتَأْخُذُوا عَنِّى مَنَاسِكَكُمْ". ولأنَّها عِبَادَةٌ مُتَعَلِّقَةٌ بِالْبَيْتِ، فكان التَّرْتِيبُ فيها وَاجِبًا كالصلاةِ، وما قَاسُوا عليه مُخَالِفٌ لما ذَكَرْنَا، كما اخْتَلَفَ حُكْمُ هَيْئَةِ الصلاةِ وتَرْتِيبِها. ٦١٩ - مسألة؛ قال: (ويُصَلِّى رَكْعَتَيْنِ خلْفَ الْمَقَامِ) وجُمْلَةُ ذلك أنَّه يُسَنُّ لِلطَّائِفِ أن يُصَلِّىَ بعدَ فَرَاغِه رَكْعتَيْنِ، ويُسْتَحَبُّ أن يَرْكَعَهُما خَلْفَ المَقَامِ؛ لِقَوْلِه تعالى: ﴿وَاتَّخِذُواْ مِنْ مَقَامِ إبْرَاهِيمَ مُصَلَّى﴾ (١). ويُسْتَحَبُّ أن يَقْرَأَ فيهما ﴿قُلْ يَاأَيُّهَا الْكَافِرُونَ﴾ فى الأُولَى، و ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ فى الثانية، فإنَّ جَابِرًا رَوَى فى صِفَةِ حَجَّةِ النَّبِىِّ ﷺ ، قال: حَتَّى أَتَيْنَا البَيْتَ معه، اسْتَلَمَ الرُّكْنَ، فرَمَلَ ثَلَاثًا، ومَشَى أرْبعًا، ثم نَفَذَ (٢) إلى مَقَامِ إبْرَاهِيمَ، فقَرَأ: ﴿وَاتّخِذُواْ مِنْ مَقَامِ إبْرَاهِيمَ مُصَلَّى﴾ فجَعَلَ المَقَامَ بينه وبين البَيْتِ. قال محمدُ بن علىٍّ (٣): ولا أعْلَمُهُ إلَّا ذَكَرَهُ عن النَّبِىِّ

стр. 2374

- ﷺ : كان يَقْرأ فى الرَّكْعَتَيْنِ ﴿قُلْ هُوَ اللهُ أحَدٌ﴾، و ﴿قُلْ ياأَيُّهَا الكَافِرُونَ﴾ (٤). وحَيْثُ رَكَعَهما ومهما قَرَأ فيهما، جَازَ؛ فإنَّ عمرَ رَكَعَهما بِذِى طُوًى. ورُوِىَ أنَّ رسولَ اللهِ ﷺ قال لأُمِّ سَلَمَةَ: "إذَا أُقِيمَتْ صَلَاةُ الصُّبْحِ، فَطُوفِى على بَعِيرِكِ والنَّاسُ يُصَلُّونَ" (٥). ففَعَلَتْ ذلك، فلم تُصَلِّ حتى خَرَجَتْ. ولا بَأْسَ أن يُصَلِّيَهما إلى غيرِ سُتْرَةٍ، ويَمُرَّ بين يَدَيْهِ الطَّائِفُونَ من الرِّجَالِ والنِّسَاءِ، فإنَّ النبىَّ ﷺ صَلَّاهُما والطُّوَّافُ بين يَدَيْهِ، ليس بينهما شىءٌ (٦). وكان ابنُ الزُّبَيْرِ يُصَلِّى والطُّوَّافُ بين يَدَيْهِ، فتَمُرُّ المَرْأَةُ بين يَدَيْهِ، فيَنْتَظِرُها حتى تَرْفَعَ رِجْلَها، ثم يَسْجُدُ (٧). وكذلك سَائِرُ الصَّلَوَاتِ فى مَكَّةَ، لا يُعْتَبَرُ لها سُتْرَةٌ. وقد ذَكَرْنَا ذلك. فصل: وَرَكْعَتَا الطَّوَافِ سُنَّةٌ مُؤَكَّدَةٌ غيرُ وَاجِبَةٍ. وبه قال مَالِكٌ. ولِلشَّافِعِىِّ قَوْلَانِ؛ أحَدُهما، أنَّهما وَاجِبَتانِ؛ لأنَّهما تَابِعَتانِ لِلطَّوَافِ، فكانَتَا وَاجِبَتَيْنِ، كالسَّعْىِ. ولَنا، قَوْلُه ﵇: "خَمْسُ صَلَوَاتٍ كَتَبَهُنَّ اللهُ عَلَى العَبْدِ، مَنْ حَافَظَ عَلَيْهِنَّ كَانَ له عِنْدَ اللهِ عَهْدٌ أن يُدْخِلَهُ الجَنَّةَ" (٨). وهذه ليستْ منها. ولما سَأَل الأعْرَابِىُّ النَّبِىُّ ﷺ عن الفَرَائِضِ، ذَكَرَ الصَّلَوَاتِ الخَمْسَ، قال: فهل عَلَىَّ غَيْرُها؟ قال: "لَا، إلَّا أن تَطَوَّعَ" (٩). ولأنَّها صَلَاةٌ لم تُشْرَعْ لها جَمَاعَةٌ، فلم تَكُنْ وَاجِبَةً، كسَائِرِ النَّوَافِلِ، والسَّعْىُ ما وَجَبَ لِكَوْنِه تَابِعًا، ولا هو مَشْرُوعٌ مع

стр. 2375

كُلِّ طَوَافٍ. ولو طَافَ الحَاجُّ طَوافًا كَثِيرًا، لم يَجِبْ عليه إلَّا سَعْىٌ واحِدٌ، فإذا أتَى به مع طَوَافِ القُدُومِ، لم يَأْتِ به بعدَ ذلك، بخِلَافِ الرّكْعَتَيْنِ، فإنَّهما يُشْرَعَانِ عَقِيبَ كلِّ طَوَافٍ. فصل: وإذا صَلَّى المَكْتُوبَةَ بعدَ طَوَافِه، أجْزَأَتْهُ عن رَكْعَتَى الطَّوَافِ. رُوِىَ نحوُ ذلك عن ابنِ عَبّاسٍ، وعَطاءٍ، وجابِرِ بن زيدٍ، والحسن، وسَعِيدِ بن جُبَيْرٍ، وإسحاقَ. وعن أحمدَ أنَّه يُصَلِّى رَكْعَتَىِ الطَّوَافِ بعدَ المَكْتُوبَةِ. قال أبو بكرٍ عبدُ العزيزِ: هو أَقْيَسُ. وبه قال الزُّهْرِىُّ، ومَالِكٌ، وأصْحابُ الرَّأْىِ؛ لأنَّه سُنَّةٌ، فلم تُجْزِ عنها المَكْتُوبَةُ، كرَكْعَتَىِ الفَجْرِ. ولَنا، أنَّهما رَكْعَتَانِ شُرِعَتَا لِلنُّسُكِ، فأجْزَأتْ عنهما المَكْتُوبَةُ، كرَكْعَتَىِ الإِحْرامِ. فصل: ولا بَأْسَ أن يَجْمَعَ بين الأسَابِيعِ (١٠)، فإذا فَرَغَ منها رَكَعَ لِكُلِّ أُسْبُوعٍ رَكْعَتَيْنِ، فَعَلَ ذلك عائشةُ، والمِسْوَر بن مَخْرَمَة (١١). وبه قال عَطاءٌ، وطاوُسٌ، وسَعِيدُ بن جُبَيْرٍ، وإسحاقُ. وكَرِهَهُ ابنُ عمرَ، والحسنُ، والزُّهْرِىُّ، ومالِكٌ، وأبو حنيفةَ؛ لأنَّ النَّبِىَّ ﷺ لم يَفْعَلْهُ، ولأنَّ تَأْخِيرَ الرَّكْعَتَيْنِ عن طَوَافِهما يُخِلُّ بِالمُوَالاةِ بينهما. ولَنا، أنَّ الطَّوافَ يَجْرِى مَجْرَى الصلاةِ، يجوزُ جَمْعُها ويُؤَخِّرُ ما بينهما، فيُصَلِّيها بعدَها، كذلك هاهُنا، وكَوْنُ النَّبِىِّ ﷺ لم يَفْعَلْهُ لا يُوجِبُ كَرَاهَةً (١٢)، فإنَّ النَّبِىَّ ﷺ لم يَطُفْ أُسْبُوعَيْنِ ولا ثلاثةً، وذلك غيرُ مَكْرُوهٍ بِالاتِّفاقِ، والمُوَالاةُ غيرُ مُعْتَبَرَةٍ بين الطَّوَافِ والرَّكْعَتَيْنِ، بِدَلِيلِ أنَّ عمرَ صَلَّاهما بِذِى طُوًى، وأَخَّرَتْ أُمُّ سَلَمَةَ رَكْعَتَىْ طَوَافِها حين (١٣) طَافَتْ رَاكِبَةً بأمْرِ رسولِ اللهِ ﷺ ، وأَخَّرَ عمرُ

стр. 2376

ابنُ عبدِ العزيزِ رُكُوعَ الطَّوَافِ حتى طَلَعَتِ الشَّمْسُ. وإن رَكَعَ لكلِّ أُسْبُوعٍ عَقِيبَه كان أَوْلَى، وفيه اقْتِدَاءٌ بالنَّبِىِّ ﷺ ، وخُرُوجٌ من الخِلافِ. فصل: وإذا فَرَغَ من الرُّكُوعِ، وأرادَ الخُرُوجَ إلى الصَّفَا، اسْتُحِبَّ أن يَعُودَ فيَسْتَلِمَ الحَجَرَ. نَصَّ عليه أحمدُ؛ لأنَّ النَّبِىَّ ﷺ فَعَلَ ذلك. ذَكَرَهُ جابِرٌ فى صِفَةِ حَجِّ النَّبِىِّ ﷺ (١٤)، وكان ابنُ عمرَ يَفْعَلُه. وبه قال النَّخَعِىُّ، ومَالِكٌ، والثَّوْرِيُّ، والشَّافِعِىُّ، وأبو ثَوْرٍ، وأصْحابُ الرَّأْىِ. ولا نَعْلَمُ فيه خِلافًا. ٦٢٠ - مسألة؛ قال: (ويَخْرُجُ إلَى الصَّفَا مِنْ بَابِهِ، فَيَقِفُ عَلَيْهِ، فَيُكَبِّرُ اللهَ ، ويُهَلِّلُه، وَيحْمَدُهُ، ويُصَلِّى عَلَى النَّبِىِّ ﷺ -) وجُمْلَةُ ذلك أنَّه إذا فَرَغَ من طَوافِهِ، وصَلَّى رَكْعَتَيْنِ، واسْتَلَمَ الحَجَرَ، فيُسْتَحَبُّ (١) أن يَخْرُجَ إلى الصَّفَا من بَابِه، فيَأْتِىَ الصَّفَا، فيَرْقَى عليه حتى يَرَى الكَعْبَةَ، ثم يَسْتَقْبِلُها فَيُكَبِّرُ اللَّه ، ويُهَلِّلُه، ويَدْعُو بِدُعَاءِ النَّبِىِّ ﷺ ، وما أحَبَّ من خَيْرِ الدُّنْيَا والآخِرَةِ. قال جابِرٌ (٢) فى صِفَةِ حَجِّ النَّبِىِّ ﷺ ، بعد رَكْعَتَىِ الطَّوَافِ: ثم رَجَعَ إلى الرُّكْنِ فاسْتَلَمَهُ، ثم خَرَجَ من البَابِ إلى الصَّفَا، فلما دَنَا من الصَّفَا قَرَأ: ﴿إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ﴾ (٣) " نَبْدَأُ بِمَا بَدَأَ اللهُ بِهِ". فبدَأَ بالصَّفَا، فَرَقِىَ عليه، حتى رَأى البَيْتَ، فاسْتَقْبَلَ القِبْلَةَ، فوَحَّدَ اللهَ وكَبَّرَ، وقال: "لَا إلهَ إلَّا اللهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، لَهُ المُلْكُ وَلَهُ الحَمْدُ، وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَىْءٍ قَدِيرٌ، لَا إلهَ إلَّا اللهُ وَحْدَهُ، أنْجَزَ وَعْدَهُ، ونَصَرَ عَبْدَهُ، وهَزَمَ الْأحْزَابَ وَحْدَهُ". ثم دَعَا بين ذلك، وقال مثلَ هذا ثَلَاثَ مَرَّاتٍ. قال أحمدُ: ويَدْعُو

стр. 2377

بِدُعاءِ ابن عمرَ. ورَوَاهُ عن إسماعيلَ، حَدَّثَنَا أيُّوبُ، عن نَافِعٍ، عن ابنِ عمرَ، أنَّه كان يَخْرُجُ إلى الصَّفَا مِن البَابِ الأعْظَمِ، فيَقُومُ عليه، فيُكَبِّرُ سَبْعَ مَرّاتٍ، ثَلَاثًا ثَلَاثًا يُكبِّرُ، ثم يقولُ: لا إلهَ إلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لا شَرِيكَ له، له المُلْكُ وله الحَمْدُ، وهو على كلِّ شَىءٍ قَدِيرٌ، لَا إلهَ إلَّا اللهُ، لا نَعْبُدُ إلَّا إيَّاهُ، مُخْلِصِينَ له الدِّينَ ولَوْ كَرِهَ الكَافِرُونَ. ثم يَدْعُو، [ثم يقولُ] (٤): اللَّهُمَّ اعْصِمْنى بِدِينِكَ وطَوَاعِيَتِكَ وطَوَاعِيَةِ رَسُولِكَ، اللَّهُمَّ جَنِّبْنِى حُدُودَك، اللَّهُمَّ اجْعَلْنِى ممَّن يُحِبُّكَ، ويُحِبُّ مَلَائِكَتِكَ، وأنْبِيَاءَكَ، ورُسُلَكَ، وعِبَادَكَ الصَّالِحِينَ، اللَّهُمَّ حَبِّبْنِي إليكَ، وإلى مَلَائِكَتِكَ، وإلى رُسُلِكَ، وإلى عِبَادَكَ الصَّالِحِينَ، اللَّهُمَّ يَسِّرْنِي لِلْيُسْرَى، وجَنِّبْنِى العُسْرَى، وَاغْفِرْ لى فى الآخِرَةِ والأُولَى، واجْعَلْنِى من أئِمَّةِ المُتَّقِينَ، واجْعَلْنِى من وَرَثَةِ جَنَّة النَّعِيمِ، وَاغْفِرْ لى خَطِيئَتِى يَوْمَ الدِّينِ، اللَّهُمَّ قلتَ قَوْلَكَ الحَقَّ: ﴿ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ﴾ (٥) وإنَّك لا تُخْلِفُ المِيعَادَ، اللَّهُمَّ إذْ هَدَيْتَنِى لِلإسْلَامِ فلا تَنْزِعْنِى منه، ولا تَنْزِعْهُ مِنَّى، حتى تَوَفَّانِى على الإسْلَامِ، اللَّهُمَّ لا تُقَدِّمْنِى إلى العَذَابِ، ولا تُؤَخِّرْنِى لِسُوءِ الفِتَنِ. قال: ويَدْعُو دُعَاءً كَثِيرًا، حتى إنَّه لَيُمِلُّنا وإنَّا لَشبابٌ، وكان إذا أَتَى عَلَى المَسْعَى سَعَى وكَبَّرَ (٦). وكلُّ ما دَعَا به فهو جائِزٌ. فصل: فإن لم يَرْقَ على الصَّفَا، فلا شىءَ عليه. قال القاضى: لكن يَجِبُ عليه أن يَسْتَوْعِبَ ما بين الصَّفَا والمَرْوَةِ، فيُلْصِقَ عَقِبَيْه بأسْفَلِ الصَّفَا، ثم يَسْعَى إلى المَرْوَةِ، فإن لم يَصْعَدْ عليها، ألْصَقَ أصَابِعَ رِجْلَيْه بأسْفَلِ المَرْوَةِ، والصّعُودُ

стр. 2378

عليها هو الأوْلَى، اقْتِدَاءً بِفِعْلِ النَّبِىِّ ﷺ ، فإن تَرَكَ مما بينهما شَيْئًا؛ ولو ذِرَاعًا، لم يُجْزِئْهُ حتى يَأْتِىَ به. والمَرْأَةُ لا يُسَنُّ لها أن تَرْقَى، لِئَلَّا تُزَاحِمَ الرِّجَالَ، وتَرْكُ ذلك أسْتَرُ لها، ولا ئرْمُلُ (٧) فى طَوَافٍ ولا سَعْى، والحُكْمُ فى وُجُوبِ اسْتِيعَابِها ما بينهما بالمَشْىِ (٨) كحُكْمِ الرَّجُلِ. ٦٢١ - مسألة؛ قال: (ثُمَّ يَنْحَدِرُ مِنَ الصَّفَا، فَيَمْشِى حَتَّى يَأْتِىَ العَلَمَ الَّذِى فِى بَطْنِ الْوَادِى، فَيَرْمُلُ مِنَ العَلَمِ إلَى العَلَمِ، ثُمَّ يَمْشِى حَتَّى يَأْتِىَ المَرْوَةَ، فيَقِفُ عَلَيْهَا، وَيقُولُ كَمَا قَالَ عَلَى الصَّفَ ا (١)، وما دَعَا بِهِ أجْزَأَهُ، ثم يَنْزِلُ مَاشِيًا إلَى الْعَلَمِ، ثم يَرْمُلُ حَتَّى يَأْتِىَ العَلَمَ، يَفْعَلُ ذلِك سَبْعَ مرَّاتٍ، يَحْتَسِبُ بِالذَّهَابِ سَعْيَةً، وَبِالرُّجُوعِ سَعْيَةً، يَفْتَتِحُ بِالصَّفَا ويَختَتِمُ بِالمَرْوَةِ) هذا وَصْفُ السَّعْىِ، وهو أن يَنْزِلَ من الصَّفَا، فيَمْشِىَ حتى يَأْتِىَ العَلَمَ. ومَعْنَاهُ يُحَاذِى العَلَمَ، وهو المِيلُ الأخْضَرُ المُعَلَّقُ فى رُكْنِ المَسْجِدِ، فإذا كان منه نَحْوًا من سِتَّةِ أذْرُعٍ، سَعَى سَعْيًا شَدِيدًا، حتى يُحَاذِىَ العَلَمَ الآخَرَ، وهو المِيلَانِ الأَخْضَرَانِ اللَّذَانِ بِفِنَاءِ المَسْجِدِ، وحِذاءِ دَارِ العَبَّاسِ، ثم يَتْرُكُ السَّعْىَ، ويَمْشِى حتى يَأْتِىَ المَرْوَةَ، فيَسْتَقْبِلَ القِبْلَةَ، ويَدْعُوَ بمِثْل دُعَائِه على الصَّفَا. وما دَعَا به فَجائِزٌ، وليس فى الدُّعَاءِ شىءٌ مُؤقَّتٌ. ثم يَنْزِلُ فيَمْشِى فى مَوْضِعِ مَشْيِهِ، ويَسْعَى فى مَوْضِعِ سَعْيِه، ويُكْثِرُ من الدُّعَاءِ والذِّكْرِ فيما بين ذلك. قال أبو عبدِ اللهِ: كان ابنُ مسعودٍ إذا سَعَى بين الصَّفَا والمَرْوَةِ، قال: رَبِّ اغْفِرْ وَارْحَمْ، وَاعْفُ عمَّا تَعْلَم، وأنْتَ الأعَزُّ الأَكْرَمُ. وقال النَّبِىُّ ﷺ : "إنَّما جُعِلَ رَمْىُ الجِمَارِ، والسَّعْىُ بَيْنَ الصَّفَا والمَرْوَة، لإقَامَةِ ذِكْرِ اللهِ تَعَالَى" (٢). قال

стр. 2379

التِّرْمِذِيُّ: هذا حديثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ. حتى يُكْمِلَ سَبْعَةَ أشْوَاطٍ، يَحْتَسِبُ بِالذَّهَابِ سَعْيَةً، وبِالرُّجُوعِ سَعْيَةً. وحُكِىَ عن ابنِ جَرِيرٍ، وبعضِ أصْحابِ الشَّافِعِىِّ، . أَنَّهم قالُوا: ذَهَابُه ورُجُوعُه سَعْيَةٌ. وهذا غَلَطٌ؛ لأنَّ جَابِرًا (٣) قال فى صِفَةِ حَجِّ النَّبِىِّ ﷺ : ثم نَزَلَ إلى المَرْوَةِ، حتى إذا انْصَبَّتْ قَدَمَاهُ، رَمَلَ فى بَطْنِ الوَادِى، حتى إذا صَعِدْنَا مَشَى، حتى أتَى المَرْوَةَ، ففَعَلَ على المَرْوَةِ كما فَعَلَ على الصَّفَا، فَلمَّا كان آخِرُ طَوَافِه على المَرْوَةِ، قال: "لَوِ اسْتَقْبَلتُ مِنْ أمْرِى مَا اسْتَدْبَرْتُ، لَمْ أسُقِ الْهَدْىَ، وجَعَلْتُها عُمْرَةً". وهذا يَقْتَضِى أنَّه آخِرُ طَوَافِه، ولو كان على ما ذَكَرُوهُ، كان آخِرُ طَوَافِه عندَ الصَّفَا، فى المَوْضِعِ الذى بَدَأ منه، ولأنَّه فى كُلِّ مَرَّةٍ طَائِفٌ بهما (٤)، فيَنْبَغِى أن يَحْتَسِبَ بذلك مَرَّةً، كما أنَّه إذا طَافَ بِجَمِيعِ البَيْتِ احْتَسَبَ به مَرَّةً. ٦٢٢ - مسألة؛ قال: (ويَفْتَتِحُ بالصَّفَا، وَيخْتَتِمُ بِالمَرْوَةِ) وجُمْلَةُ ذلك أنَّ التَّرْتِيبَ شَرْطٌ فى السَّعْىِ، وهو أن يَبْدَأ بالصَّفَا، فإن بَدَأَ بالمَرْوَةِ لم يَعْتَدَّ بذلك الشَّوْطِ، فإذا صَارَ على (١) الصَّفَا اعْتَدَّ بما يَأْتِى به بعدَ ذلك؛ لأنَّ النَّبىَّ ﷺ بَدَأ بِالصَّفَا، وقال: "نَبْدَأُ بِمَا بَدَأ اللهُ بِهِ" (٢). وهذا قَوْلُ الحسنِ، ومَالِكٍ، والشَّافِعِىِّ، والأوْزَاعِىِّ، وأصْحابِ الرَّأْىِ. وعن ابنِ عَبّاسٍ أنَّه (٣) قال: قال اللهُ تعالى: ﴿إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ﴾ (٤). فبَدَأ بِالصَّفَا، وقال: اتَّبِعُوا القُرْآنَ، فما بَدَأ اللهُ به، فابْدأُوا به.

стр. 2380

٦٢٣ - مسألة؛ قال: (وإنْ (١) نَسِىَ الرَّمَلَ فِى بَعْضِ سَعْيِهِ، فَلَا شَىْءَ عَلَيْهِ) وجُمْلَةُ ذلك أنَّ الرَّمَلَ فى بَطْنِ الوَادِى سُنَّةٌ مُسْتَحَبَّةٌ؛ لأنَّ النَّبِىَّ ﷺ سَعَى، وسَعَى أصْحَابُه، فرَوَتْ صَفِيَّةُ بنتُ شَيْبَةَ، عن أُمِّ وَلَدِ شَيْبَةَ، قالتْ: رأيتُ رسولَ اللهِ ﷺ يَسْعَى بين الصَّفَا والمَرْوَةِ، [وهو يقولُ] (٢): "لَا يُقْطَعُ الْأبْطَحُ إلَّا شَدًّا". وليس ذلك بِوَاجِبٍ، ولا شىءَ على تَارِكِه؛ فإنَّ ابن عمرَ، قال: إن أسْعَ بينَ الصَّفَا والمَرْوَةِ، فقد رأيتُ رسولَ اللهِ ﷺ يَسْعَى، وإن أمْشِ، فقد رأيتُ رسولَ اللهِ ﷺ يَمْشِى، وأنا شَيْخٌ كَبِيرٌ. رَوَاهُما ابنُ مَاجَه (٣)، ورَوَى هذا أبو دَاوُدَ (٤). ولأنَّ تَرْكَ الرَّمَلِ فى الطَّوَافِ بِالبَيْتِ لا شىءَ فيه، فبَيْنَ الصَّفَا والمَرْوَةِ أوْلَى. فصل: واخْتَلَفَتِ الرِّوَايَةُ فى السَّعْىِ، فرُوِىَ عن أحمدَ أنَّه رُكْنٌ، لا يَتِمُّ الحَجُّ إلَّا به. وهو قَوْلُ عائشةَ، وعُرْوَةَ، ومَالِكٍ، والشَّافِعِىِّ؛ لما رُوِىَ عن عائشةَ، قالت: طَافَ رسولُ اللهِ ﷺ ، وطَافَ المُسْلِمُونَ -يَعْنِى بين الصَّفَا والمَرْوَةِ- فكانتْ سُنَّةً، فَلَعَمْرِى ما أتَمَّ اللهُ حَجَّ مَن لم يَطُفْ بين الصَّفَا والمَرْوَةِ. رَوَاهُ مُسْلِمٌ (٥). وعن حَبِيبَةَ بنتِ أبِى تَجْرَاةَ (٦)، إحْدَى نِسَاء بنِى عَبْدِ الدَّارِ،

стр. 2381

قالت: دَخَلْتُ مع نِسْوَةٍ من قُرَيْشٍ دَارَ آل أبى حُسَيْنٍ، ننْظُرُ إلى رسولِ اللهِ ﷺ وهو يَسْعَى بين الصَّفَا والمَرْوَةِ، وإنَّ مِئْزَرَهُ ليَدُورُ فى وَسَطِه مِن شِدَّةِ سَعْيِه، حتى إنِّى لَأَقُولُ: إنِّى لأَرَى رُكْبَتَيْهِ. وسَمِعْتُه يَقُولُ: "اسْعُوا، فَإنَّ اللهَ كَتَبَ عَلَيْكُمُ السَّعْىَ". رَوَاهُ ابنُ مَاجَه (٧). ولأنَّه نُسُكٌ فى الحَجِّ والعُمْرَةِ، فكان رُكْنًا فيهما، كالطَّوَافِ بِالبَيْتِ. ورُوِىَ عن أحمدَ أنَّه سُنَّةٌ، لا يَجِبُ بِتَرْكِهِ دَمٌ. رُوِىَ ذلك عن ابنِ عَبَّاسٍ، وأنَسٍ، وابنِ الزُّبَيْرِ، وابنِ سِيرِينَ؛ لِقَوْلِ اللهِ تعالى: ﴿فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِ أنْ يَطَّوَّفَ بِهِمَا﴾ (٨). ونَفْىُ الحَرَجِ عن فَاعِلِهِ دَلِيلٌ على عَدَمِ وُجُوبِه، فإنَّ هذا رُتْبَةُ المُبَاحِ، وإنَّما ثَبَتَ سُنِّيَّتُه بِقَوْلِه: ﴿مِنْ شَعَائِر اللهِ﴾. وَرُوِىَ أنَّ فى مُصْحَفِ أُبَىٍّ وابنِ مسعودٍ: "فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِ أنْ لَا يَطَّوَّفَ بِهِمَا". وهذا إن لم يَكُنْ قُرْآنًا فلا يَنْحَطُّ عن رُتْبَةِ الخَبَرِ؛ لأنَّهما يَرْوِيَانِه عن النَّبِىِّ ﷺ ، ولأنَّه نُسُكٌ ذو عَدَدٍ لا يَتَعَلَّقُ بِالبَيْتِ، فلم يَكُنْ رُكْنًا كَالرَّمْىِ. وقال القَاضِى: هو وَاجِبٌ. ولَيْسَ بِرُكْنٍ، إذا تَرَكَهُ وَجَبَ عليه دَمٌ. وهو مذهبُ الحسنِ، وأبي حنيفةَ، والثَّوْرِىِّ. وهو أوْلَى؛ لأنَّ دَلِيلَ مَن أوْجَبَهُ دَلَّ على مُطْلَقِ الوُجُوبِ، لا على كَوْنِه لا يَتِمُّ الحَجُّ إلَّا به. وقَوْلُ عائشةَ فى ذلك مُعَارَضٌ بِقَوْلِ مَنْ خَالَفَها مِن الصَّحَابَةِ. وحَدِيثُ بِنْتِ أبي تَجْرَاةَ، قال ابنُ المُنْذِرِ: يَرْوِيهِ عبْدُ اللهِ بن المُؤَمَّل، وقد تَكَلَّمُوا فى حَدِيثِه. ثم إنَّه (٩) يَدُلُّ على أنَّه مَكْتُوبٌ، وهو الوَاجِبُ. وأمَّا الآيَةُ فإنَّها نَزَلَتْ لمَّا تَحَرَّجَ نَاسٌ من السَّعْىِ فى الإسلامِ، لِمَا كانوا يَطُوفُونَ بينهما فى الجَاهِلِيَّةِ، لأجْلِ صَنَمَيْنِ كانا على الصَّفَا والمَرْوَةِ. كذلك قالت عائشةُ.

стр. 2382

فصل: والسَّعْىُ تَبَعٌ لِلطَّوَافِ، لا يَصِحُّ إلَّا أن يَتَقَدَّمَهُ طَوَافٌ، فإن سَعَى قَبْلَهُ، لم يَصِحَّ. وبذلك قال مالِكٌ، والشَّافِعِىُّ، وأصْحابُ الرَّأْىِ. وقال عَطَاءٌ: يُجْزِئُه. وعن أحمدَ: يُجْزِئُه إن كان نَاسِيًا، [وإن كان عَمْدًا] (١٠) لم يُجْزِئْهُ سَعْيُه؛ لأنَّ النَّبِىَّ ﷺ ، لمَّا سُئِلَ عن التَّقْدِيمِ والتَّأخِيرِ فى حَالِ الجَهْلِ والنِّسْيَانِ، قال: "لَا حَرَجَ" (١١). وَوَجْهُ الأوَّلِ أنَّ النَّبِىَّ ﷺ إنَّما سَعَى بعدَ طَوَافِه، وقد قال: "لِتَأْخُذُوا عَنِّى مَنَاسِكَكُمْ" (١٢). فعلى هذا إنْ سَعَى بعد طَوَافِه، [ثم عَلِمَ أنَّه] (١٣) طَافَ بغيرِ طَهَارَةٍ لم يُعْتَدَّ بِسَعْيِه ذلك. ومتى سَعَى المُفْرِدُ والقَارِنُ بعدَ طَوَافِ القُدُومِ، لم يَلْزَمْهُما بعد ذلك سَعْىٌ، وإن لم يَسْعَيَا معه، سَعَيَا مع طَوَافِ الزِّيَارَةِ. ولا تَجِبُ المُوَالَاةُ بين الطَّوَافِ والسَّعْىِ. قال أحمدُ: لا بَأْسَ أن يُؤَخِّرَ السَّعْىَ حتى يَسْتَرِيحَ أو إلى العَشِىِّ. [وكان عَطاءٌ، والحسنُ لا يَرَيَانِ بَأْسًا لمَن طَافَ بِالبَيْتِ أوَّلَ النَّهَارِ، أن يُؤَخِّرَ الصَّفَا والمَرْوَةَ إلى العَشِىِّ] (١٤). وفَعَلَهُ القاسمُ، وسَعِيدُ بن جُبْيَرٍ؛ لأنَّ المُوَالَاةَ إذا لم تَجِبْ فى نَفْسِ السَّعْىِ، ففيما بينه وبين الطَّوافِ أوْلى. ٦٢٤ - مسألة؛ قال: (فَإذَا فَرَغَ مِنَ السَّعْىِ، فَإنْ كَانَ مُتَمَتِّعًا قَصَّرَ مِنْ شَعْرِهِ، ثُمَّ قَدْ حَلَّ) المُتَمَتِّعُ الذى أحْرَمَ بِالعُمْرَةِ (١) من المِيقَاتِ، فإذا فَرَغَ من أفْعَالِها، وهى

стр. 2383

الطَّوَافُ والسَّعْىُ، قَصَّرَ أو حَلَقَ، وقد حَلَّ به (٢) من عُمْرَتِه، إن (٣) لم يَكُنْ معه هَدْىٌ؛ لما رَوَى ابنُ عمرَ، قال: تَمَتَّعَ الناسُ مع رسولِ اللهِ ﷺ بِالعُمْرَةِ إلى الحَجِّ، فلمَّا قَدِمَ رسولُ اللهِ ﷺ مَكَّةَ قال لِلنَّاسِ: "مَنْ كَانَ مَعَهُ هَدْىٌ فَإنَّه لَا يَحِلُّ مِنْ شَىْءٍ حَرُمَ مِنْهُ، حَتَّى يَقْضِىَ حَجَّهُ، وَمَنْ لَمْ يَكُنْ مَعَهُ هَدْىٌ، فَلْيَطُفْ بِالْبَيْتِ، وبالصَّفَا والمَرْوَةِ، ولْيُقَصِّرْ، ولْيَحْلِلْ". مُتَّفَقٌ عليه (٤). ولا نَعْلَمُ فيه خِلافًا. ولا يُسْتَحَبُّ تَأْخِيرُ التَّحَلُّلِ. قال أبو دَاوُدَ: سمعتُ أحمدَ، سُئِلَ عَمَّنْ دَخَلَ مَكَّةَ مُعْتَمِرًا، فلم يُقَصِّرْ حتى كان يَوْمُ التَّرْوِيَةِ، عليه شىءٌ؟ قال: هذا لم يَحِلَّ بعدُ، يُقَصِّر، ثم يُهِلُّ بالحَجِّ، وليس عليه شىءٌ، وبِئْسَ ما صَنَعَ. فصل: فأمَّا مَنْ معه هَدْىٌ، فليس له أن يَتَحَلَّلَ، لكن يُقِيمُ على إحْرامِه، ويُدْخِلُ الحَجَّ على العُمْرَةِ، ثم لا يَحِلُّ حتى يَحِلَّ منهما جميعا. نَصَّ عليه أحمدُ. وهو قولُ أبى حنيفةَ. وعن أحمدَ رِوَايَةٌ أُخْرَى، أنَّه يَحِلُّ له التَّقْصِيرُ من شَعْرِ رَأْسِه خَاصَّةً، ولا يَمَسُّ من أَظْفارِه وشَارِبِه شيئا. ورُوِىَ ذلك عن ابنِ عمرَ. وهو قَوْلُ عَطاءٍ؛ لما رُوِىَ عن مُعاوِيَةَ، قال: قَصَّرْتُ من رَأْسِ رسولَ اللهِ ﷺ بِمِشْقَصٍ (٥) عندَ المَرْوَةِ. مُتَّفَقٌ عليه (٦). وقال مَالِكٌ، والشَّافِعِىُّ فى قَوْلٍ: له

стр. 2384

التَّحَلُّلُ، ونَحْرُ هَدْيِه، ويُسْتَحَبُّ نَحْرُهُ عند المَرْوَةِ. وكَلَامُ الخِرَقِىِّ يَحْتَمِلُه لإطْلَاقِهِ. ولَنا، ما ذَكَرْنَا من حديثِ ابنِ عمرَ، ورَوَتْ عائشةُ، قالتْ: خَرَجْنَا مع رسولِ اللهِ ﷺ فى حَجَّةِ الوَدَاعِ، فأهْلَلْتُ بِعُمْرَةٍ، ولم أَكُنْ سُقْتُ الهَدْىَ، فقال ﷺ : "مَنْ كَانَ مَعَهُ هَدْىٌ، فَلْيُهِلَّ بِالحَجِّ مَعَ عُمْرَتِه، ثُمَّ لَا يَحِلُّ حَتَّى يَحِلَّ مِنْهُمَا جَمِيعًا" (٧). وعن حَفْصَةَ، أنَّها قالتْ: يا رسولَ اللهِ، ما شَأْنُ النَّاسِ، حَلُّوا من العُمْرَةِ ولم تَحْلِلْ (٨) أنْتَ من عُمْرَتِكَ؟ قال: "إنِّى لَبَّدْتُ رَأْسِى، وقَلَّدْتُ هَدْيِى، فَلَا أَحِلُّ حَتَّى أنْحَرَ". مُتَّفَقٌ عليه (٩). والأَحَادِيثُ فيه (١٠) كَثِيرَةٌ. وعن أحمدَ رِوَايَةٌ ثَالِثَةٌ، فى مَن قَدِمَ مُتَمَتِّعًا فى أَشْهُرِ الحَجِّ، وسَاقَ الهَدْىَ، قال: إن دَخَلَها فى العَشْرِ، لم [يَنْحَر الهَدْىَ حتى] (١١) يَنْحَرَهُ يَوْمَ النَّحْرِ، وإن قَدِمَ قبلَ العَشْرِ، نَحَرَ الهَدْىَ. وهذا يَدُلُّ على أنَّ المُتَمَتِّعَ إذا قَدِمَ قبلَ العَشْرِ حَلَّ، وإن كان مَعَهُ هَدْيٌ، وإن قَدِمَ فى العَشْرِ لم يَحِلَّ. وهذا قَوْلُ عَطاءٍ. رَوَاهُ حَنْبَلٌ، فى "المَنَاسِكِ". وقال فى (١٢) مَن لَبَّدَ أو ضَفَّرَ: هو (١٣) بِمَنْزِلَةِ مَنْ سَاقَ الهَدْىَ؛ لِحَدِيثِ حَفْصَةَ. والرِّوَايَةُ الأُولَى أوْلَى؛ لما فيها من الحديثِ الصَّحِيحِ الصَّرِيحِ، وهو أوْلَى بِالاتِّباعِ.

стр. 2385

فصل: فأمَّا المُعْتَمِرُ غيرُ المُتَمَتِّعِ، فإنَّه يَحِلُّ، سَوَاءٌ كان معه هَدْىٌ أو لم يَكُنْ، وسَوَاءٌ كان فى أشْهُرِ الحَجِّ أو فى (١٤) غَيْرِها؛ لأنَّ النَّبِىَّ ﷺ اعْتَمَرَ ثَلَاثَ عُمَرٍ، سِوَى العُمْرَةِ التى مع حَجَّتِه، بَعْضُهنَّ فى ذِى القَعْدَةِ، وقيل: كُلُّهُنَّ فى ذِى القَعْدَةِ، فكان يَحِلُّ. فإن كان معه هَدْيٌ نَحَرَهُ عند المَرْوَةِ. وحيثُ نَحَرَهُ من الحَرَمِ جَازَ؛ لأنَّ النَّبِىَّ ﷺ ، قال: "كُلُّ فِجَاجِ مَكَّةَ طَرِيقٌ ومَنْحَرٌ". رَوَاهُ أبو دَاوُدَ، وابنُ مَاجَه (١٥). فصل: وقَوْلُ الخِرَقِىِّ: "قَصَّرَ من شَعْرِهِ، ثم قد حَلَّ ". يَدُلُّ على أنَّ المُسْتَحَبَّ فى حَقِّ المُتَمَتِّعِ عند حِلِّهِ من عُمْرَتِه التَّقْصِيرُ؛ لِيَكُونَ الحَلْقُ لِلْحَجِّ. قال أحمدُ، فى رِوَايةِ أبِى دَاوُدَ: ويُعْجِبُنِى إذا دَخَلَ مُتَمَتِّعًا أن يُقَصِّرَ ليكون الحَلْقُ لِلْحَجِّ. ولم يأْمُر النَّبِىُّ ﷺ أصْحَابَهُ إلَّا بِالتَّقْصِيرِ، فقال فى حديثِ جابِرٍ: (أَحِلُّوا مِنْ إحْرَامِكُمْ بِطَوَافٍ بَيْنَ الصَّفَا والمَرْوَةِ، وقَصِّرُوا" (١٦). وفى صِفَةِ حَجِّ النَّبِىِّ ﷺ : فَحَلَّ النَّاسُ كُلُّهم، وقَصَّرُوا (١٧). وفى حَدِيثِ ابنِ عمرَ، أنَّه قال: "مَنْ لَمْ يَكُنْ مَعَهُ هَدْيٌ، فَلْيَطُفْ بِالْبَيْتِ، وبَيْنَ الصَّفَا والمَرْوَةِ، وليُقَصِّرْ، ولْيَحْلِلْ". مُتَّفَقٌ عليه (١٨). وإن حَلَقَ جَازَ؛ لأنَّه أحَدُ النُّسُكَيْنِ، فجَازَ فيه (١٩)
следующие страницы →