← Фикх ханбали

Фикх ханбали · id 6910

المغني لابن قدامة - ت التركي

ابن قدامة

Полный текст (7 955 стр.). Показаны 2381–2420 · переход к 2386.

стр. 2381

قالت: دَخَلْتُ مع نِسْوَةٍ من قُرَيْشٍ دَارَ آل أبى حُسَيْنٍ، ننْظُرُ إلى رسولِ اللهِ ﷺ وهو يَسْعَى بين الصَّفَا والمَرْوَةِ، وإنَّ مِئْزَرَهُ ليَدُورُ فى وَسَطِه مِن شِدَّةِ سَعْيِه، حتى إنِّى لَأَقُولُ: إنِّى لأَرَى رُكْبَتَيْهِ. وسَمِعْتُه يَقُولُ: "اسْعُوا، فَإنَّ اللهَ كَتَبَ عَلَيْكُمُ السَّعْىَ". رَوَاهُ ابنُ مَاجَه (٧). ولأنَّه نُسُكٌ فى الحَجِّ والعُمْرَةِ، فكان رُكْنًا فيهما، كالطَّوَافِ بِالبَيْتِ. ورُوِىَ عن أحمدَ أنَّه سُنَّةٌ، لا يَجِبُ بِتَرْكِهِ دَمٌ. رُوِىَ ذلك عن ابنِ عَبَّاسٍ، وأنَسٍ، وابنِ الزُّبَيْرِ، وابنِ سِيرِينَ؛ لِقَوْلِ اللهِ تعالى: ﴿فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِ أنْ يَطَّوَّفَ بِهِمَا﴾ (٨). ونَفْىُ الحَرَجِ عن فَاعِلِهِ دَلِيلٌ على عَدَمِ وُجُوبِه، فإنَّ هذا رُتْبَةُ المُبَاحِ، وإنَّما ثَبَتَ سُنِّيَّتُه بِقَوْلِه: ﴿مِنْ شَعَائِر اللهِ﴾. وَرُوِىَ أنَّ فى مُصْحَفِ أُبَىٍّ وابنِ مسعودٍ: "فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِ أنْ لَا يَطَّوَّفَ بِهِمَا". وهذا إن لم يَكُنْ قُرْآنًا فلا يَنْحَطُّ عن رُتْبَةِ الخَبَرِ؛ لأنَّهما يَرْوِيَانِه عن النَّبِىِّ ﷺ ، ولأنَّه نُسُكٌ ذو عَدَدٍ لا يَتَعَلَّقُ بِالبَيْتِ، فلم يَكُنْ رُكْنًا كَالرَّمْىِ. وقال القَاضِى: هو وَاجِبٌ. ولَيْسَ بِرُكْنٍ، إذا تَرَكَهُ وَجَبَ عليه دَمٌ. وهو مذهبُ الحسنِ، وأبي حنيفةَ، والثَّوْرِىِّ. وهو أوْلَى؛ لأنَّ دَلِيلَ مَن أوْجَبَهُ دَلَّ على مُطْلَقِ الوُجُوبِ، لا على كَوْنِه لا يَتِمُّ الحَجُّ إلَّا به. وقَوْلُ عائشةَ فى ذلك مُعَارَضٌ بِقَوْلِ مَنْ خَالَفَها مِن الصَّحَابَةِ. وحَدِيثُ بِنْتِ أبي تَجْرَاةَ، قال ابنُ المُنْذِرِ: يَرْوِيهِ عبْدُ اللهِ بن المُؤَمَّل، وقد تَكَلَّمُوا فى حَدِيثِه. ثم إنَّه (٩) يَدُلُّ على أنَّه مَكْتُوبٌ، وهو الوَاجِبُ. وأمَّا الآيَةُ فإنَّها نَزَلَتْ لمَّا تَحَرَّجَ نَاسٌ من السَّعْىِ فى الإسلامِ، لِمَا كانوا يَطُوفُونَ بينهما فى الجَاهِلِيَّةِ، لأجْلِ صَنَمَيْنِ كانا على الصَّفَا والمَرْوَةِ. كذلك قالت عائشةُ.

стр. 2382

فصل: والسَّعْىُ تَبَعٌ لِلطَّوَافِ، لا يَصِحُّ إلَّا أن يَتَقَدَّمَهُ طَوَافٌ، فإن سَعَى قَبْلَهُ، لم يَصِحَّ. وبذلك قال مالِكٌ، والشَّافِعِىُّ، وأصْحابُ الرَّأْىِ. وقال عَطَاءٌ: يُجْزِئُه. وعن أحمدَ: يُجْزِئُه إن كان نَاسِيًا، [وإن كان عَمْدًا] (١٠) لم يُجْزِئْهُ سَعْيُه؛ لأنَّ النَّبِىَّ ﷺ ، لمَّا سُئِلَ عن التَّقْدِيمِ والتَّأخِيرِ فى حَالِ الجَهْلِ والنِّسْيَانِ، قال: "لَا حَرَجَ" (١١). وَوَجْهُ الأوَّلِ أنَّ النَّبِىَّ ﷺ إنَّما سَعَى بعدَ طَوَافِه، وقد قال: "لِتَأْخُذُوا عَنِّى مَنَاسِكَكُمْ" (١٢). فعلى هذا إنْ سَعَى بعد طَوَافِه، [ثم عَلِمَ أنَّه] (١٣) طَافَ بغيرِ طَهَارَةٍ لم يُعْتَدَّ بِسَعْيِه ذلك. ومتى سَعَى المُفْرِدُ والقَارِنُ بعدَ طَوَافِ القُدُومِ، لم يَلْزَمْهُما بعد ذلك سَعْىٌ، وإن لم يَسْعَيَا معه، سَعَيَا مع طَوَافِ الزِّيَارَةِ. ولا تَجِبُ المُوَالَاةُ بين الطَّوَافِ والسَّعْىِ. قال أحمدُ: لا بَأْسَ أن يُؤَخِّرَ السَّعْىَ حتى يَسْتَرِيحَ أو إلى العَشِىِّ. [وكان عَطاءٌ، والحسنُ لا يَرَيَانِ بَأْسًا لمَن طَافَ بِالبَيْتِ أوَّلَ النَّهَارِ، أن يُؤَخِّرَ الصَّفَا والمَرْوَةَ إلى العَشِىِّ] (١٤). وفَعَلَهُ القاسمُ، وسَعِيدُ بن جُبْيَرٍ؛ لأنَّ المُوَالَاةَ إذا لم تَجِبْ فى نَفْسِ السَّعْىِ، ففيما بينه وبين الطَّوافِ أوْلى. ٦٢٤ - مسألة؛ قال: (فَإذَا فَرَغَ مِنَ السَّعْىِ، فَإنْ كَانَ مُتَمَتِّعًا قَصَّرَ مِنْ شَعْرِهِ، ثُمَّ قَدْ حَلَّ) المُتَمَتِّعُ الذى أحْرَمَ بِالعُمْرَةِ (١) من المِيقَاتِ، فإذا فَرَغَ من أفْعَالِها، وهى

стр. 2383

الطَّوَافُ والسَّعْىُ، قَصَّرَ أو حَلَقَ، وقد حَلَّ به (٢) من عُمْرَتِه، إن (٣) لم يَكُنْ معه هَدْىٌ؛ لما رَوَى ابنُ عمرَ، قال: تَمَتَّعَ الناسُ مع رسولِ اللهِ ﷺ بِالعُمْرَةِ إلى الحَجِّ، فلمَّا قَدِمَ رسولُ اللهِ ﷺ مَكَّةَ قال لِلنَّاسِ: "مَنْ كَانَ مَعَهُ هَدْىٌ فَإنَّه لَا يَحِلُّ مِنْ شَىْءٍ حَرُمَ مِنْهُ، حَتَّى يَقْضِىَ حَجَّهُ، وَمَنْ لَمْ يَكُنْ مَعَهُ هَدْىٌ، فَلْيَطُفْ بِالْبَيْتِ، وبالصَّفَا والمَرْوَةِ، ولْيُقَصِّرْ، ولْيَحْلِلْ". مُتَّفَقٌ عليه (٤). ولا نَعْلَمُ فيه خِلافًا. ولا يُسْتَحَبُّ تَأْخِيرُ التَّحَلُّلِ. قال أبو دَاوُدَ: سمعتُ أحمدَ، سُئِلَ عَمَّنْ دَخَلَ مَكَّةَ مُعْتَمِرًا، فلم يُقَصِّرْ حتى كان يَوْمُ التَّرْوِيَةِ، عليه شىءٌ؟ قال: هذا لم يَحِلَّ بعدُ، يُقَصِّر، ثم يُهِلُّ بالحَجِّ، وليس عليه شىءٌ، وبِئْسَ ما صَنَعَ. فصل: فأمَّا مَنْ معه هَدْىٌ، فليس له أن يَتَحَلَّلَ، لكن يُقِيمُ على إحْرامِه، ويُدْخِلُ الحَجَّ على العُمْرَةِ، ثم لا يَحِلُّ حتى يَحِلَّ منهما جميعا. نَصَّ عليه أحمدُ. وهو قولُ أبى حنيفةَ. وعن أحمدَ رِوَايَةٌ أُخْرَى، أنَّه يَحِلُّ له التَّقْصِيرُ من شَعْرِ رَأْسِه خَاصَّةً، ولا يَمَسُّ من أَظْفارِه وشَارِبِه شيئا. ورُوِىَ ذلك عن ابنِ عمرَ. وهو قَوْلُ عَطاءٍ؛ لما رُوِىَ عن مُعاوِيَةَ، قال: قَصَّرْتُ من رَأْسِ رسولَ اللهِ ﷺ بِمِشْقَصٍ (٥) عندَ المَرْوَةِ. مُتَّفَقٌ عليه (٦). وقال مَالِكٌ، والشَّافِعِىُّ فى قَوْلٍ: له

стр. 2384

التَّحَلُّلُ، ونَحْرُ هَدْيِه، ويُسْتَحَبُّ نَحْرُهُ عند المَرْوَةِ. وكَلَامُ الخِرَقِىِّ يَحْتَمِلُه لإطْلَاقِهِ. ولَنا، ما ذَكَرْنَا من حديثِ ابنِ عمرَ، ورَوَتْ عائشةُ، قالتْ: خَرَجْنَا مع رسولِ اللهِ ﷺ فى حَجَّةِ الوَدَاعِ، فأهْلَلْتُ بِعُمْرَةٍ، ولم أَكُنْ سُقْتُ الهَدْىَ، فقال ﷺ : "مَنْ كَانَ مَعَهُ هَدْىٌ، فَلْيُهِلَّ بِالحَجِّ مَعَ عُمْرَتِه، ثُمَّ لَا يَحِلُّ حَتَّى يَحِلَّ مِنْهُمَا جَمِيعًا" (٧). وعن حَفْصَةَ، أنَّها قالتْ: يا رسولَ اللهِ، ما شَأْنُ النَّاسِ، حَلُّوا من العُمْرَةِ ولم تَحْلِلْ (٨) أنْتَ من عُمْرَتِكَ؟ قال: "إنِّى لَبَّدْتُ رَأْسِى، وقَلَّدْتُ هَدْيِى، فَلَا أَحِلُّ حَتَّى أنْحَرَ". مُتَّفَقٌ عليه (٩). والأَحَادِيثُ فيه (١٠) كَثِيرَةٌ. وعن أحمدَ رِوَايَةٌ ثَالِثَةٌ، فى مَن قَدِمَ مُتَمَتِّعًا فى أَشْهُرِ الحَجِّ، وسَاقَ الهَدْىَ، قال: إن دَخَلَها فى العَشْرِ، لم [يَنْحَر الهَدْىَ حتى] (١١) يَنْحَرَهُ يَوْمَ النَّحْرِ، وإن قَدِمَ قبلَ العَشْرِ، نَحَرَ الهَدْىَ. وهذا يَدُلُّ على أنَّ المُتَمَتِّعَ إذا قَدِمَ قبلَ العَشْرِ حَلَّ، وإن كان مَعَهُ هَدْيٌ، وإن قَدِمَ فى العَشْرِ لم يَحِلَّ. وهذا قَوْلُ عَطاءٍ. رَوَاهُ حَنْبَلٌ، فى "المَنَاسِكِ". وقال فى (١٢) مَن لَبَّدَ أو ضَفَّرَ: هو (١٣) بِمَنْزِلَةِ مَنْ سَاقَ الهَدْىَ؛ لِحَدِيثِ حَفْصَةَ. والرِّوَايَةُ الأُولَى أوْلَى؛ لما فيها من الحديثِ الصَّحِيحِ الصَّرِيحِ، وهو أوْلَى بِالاتِّباعِ.

стр. 2385

فصل: فأمَّا المُعْتَمِرُ غيرُ المُتَمَتِّعِ، فإنَّه يَحِلُّ، سَوَاءٌ كان معه هَدْىٌ أو لم يَكُنْ، وسَوَاءٌ كان فى أشْهُرِ الحَجِّ أو فى (١٤) غَيْرِها؛ لأنَّ النَّبِىَّ ﷺ اعْتَمَرَ ثَلَاثَ عُمَرٍ، سِوَى العُمْرَةِ التى مع حَجَّتِه، بَعْضُهنَّ فى ذِى القَعْدَةِ، وقيل: كُلُّهُنَّ فى ذِى القَعْدَةِ، فكان يَحِلُّ. فإن كان معه هَدْيٌ نَحَرَهُ عند المَرْوَةِ. وحيثُ نَحَرَهُ من الحَرَمِ جَازَ؛ لأنَّ النَّبِىَّ ﷺ ، قال: "كُلُّ فِجَاجِ مَكَّةَ طَرِيقٌ ومَنْحَرٌ". رَوَاهُ أبو دَاوُدَ، وابنُ مَاجَه (١٥). فصل: وقَوْلُ الخِرَقِىِّ: "قَصَّرَ من شَعْرِهِ، ثم قد حَلَّ ". يَدُلُّ على أنَّ المُسْتَحَبَّ فى حَقِّ المُتَمَتِّعِ عند حِلِّهِ من عُمْرَتِه التَّقْصِيرُ؛ لِيَكُونَ الحَلْقُ لِلْحَجِّ. قال أحمدُ، فى رِوَايةِ أبِى دَاوُدَ: ويُعْجِبُنِى إذا دَخَلَ مُتَمَتِّعًا أن يُقَصِّرَ ليكون الحَلْقُ لِلْحَجِّ. ولم يأْمُر النَّبِىُّ ﷺ أصْحَابَهُ إلَّا بِالتَّقْصِيرِ، فقال فى حديثِ جابِرٍ: (أَحِلُّوا مِنْ إحْرَامِكُمْ بِطَوَافٍ بَيْنَ الصَّفَا والمَرْوَةِ، وقَصِّرُوا" (١٦). وفى صِفَةِ حَجِّ النَّبِىِّ ﷺ : فَحَلَّ النَّاسُ كُلُّهم، وقَصَّرُوا (١٧). وفى حَدِيثِ ابنِ عمرَ، أنَّه قال: "مَنْ لَمْ يَكُنْ مَعَهُ هَدْيٌ، فَلْيَطُفْ بِالْبَيْتِ، وبَيْنَ الصَّفَا والمَرْوَةِ، وليُقَصِّرْ، ولْيَحْلِلْ". مُتَّفَقٌ عليه (١٨). وإن حَلَقَ جَازَ؛ لأنَّه أحَدُ النُّسُكَيْنِ، فجَازَ فيه (١٩)

стр. 2386

كلُّ وَاحِدٍ منهما. ويَدُلُّ أيضًا على أنَّه لا يَحِلُّ إلَّا بعدَ التَّقْصِيرِ، وهذا يَنْبَنِى على أنَّ التَّقْصِيرَ نُسُكٌ، وهو المَشْهُورُ، فلا يَحِلُّ إلَّا به. وفيه رِوَايَةٌ أُخْرَى، أنَّه إطْلَاقٌ من مَحْظُورٍ، فيَحِلُّ بِالطَّوَافِ والسَّعْىِ حَسْبُ. وسَنَذْكُرُ ذلك، إن شاءَ اللهُ تعالى. فإنْ تَرَكَ التَّقْصِيرَ أو الحَلْقَ، وقُلْنا: هو نُسُكٌ. فعليه دَمٌ. وإن وَطِئَ قبلَ التَّقْصِيرِ، فعليه دَمٌ، وعُمْرَتُه صَحِيحَةٌ. وبهذا قال مالِكٌ، وأصْحابُ الرَّأْىِ. وحُكِىَ عن الشَّافِعِىِّ أنَّ عُمْرَتَهُ تَفْسُدُ؛ لأنَّه وَطِئَ قبلَ حِلِّه مِن عُمْرَتِه. وعن عَطَاءٍ، قال: يَسْتَغْفِرُ اللهَ تعالى. ولنَا، ما رُوِىَ عن ابنِ عَبَّاسٍ، أنَّه سُئِلَ عن امْرَأةٍ مُعْتَمِرَةٍ، وقَع بها زَوْجُها قبلَ أن تُقَصِّرَ. قال: مَن تَرَكَ مِن مَنَاسِكِه شَيْئًا، أو نَسِيَه، فَلْيُهْرِقْ دَمًا (٢٠). قيل: إنَّها مُوسِرَةٌ. قال: فلْتَنْحَرْ نَاقَةً. ولأنَّ التَّقْصِيرَ ليس بِرُكْنٍ، فلا يَفْسُدُ النُّسُكُ بِتَرْكِه، ولا بِالْوَطْءِ قبلَه، كَالرَّمْىِ فى الحَجِّ. قال أحمدُ، فى مَن وَقَعَ على امْرَأتِه قبلَ تَقْصِيرِها من عُمْرَتِها: تَذْبَحُ شَاةً. قيل: عليه أو عليها؟ قال: عليها هى. وهذا مَحْمُولٌ على أنَّها طَاوَعَتْهُ. فإنْ أكْرَهَها، فالدَّمُ عليه. وإن أَحْرَمَ بِالحَجِّ قبلَ التَّقْصِيرِ، فقد أدْخَلَ الحَجَّ على العُمْرَةِ، فيَصِيرُ قَارِنًا. فصل: يَلْزَمُ التَّقْصِيرُ أو الحَلْقُ من جميعِ شَعْرِهِ، وكذلك المَرْأَةُ. نَصَّ عليه. وبه قال مَالِكٌ. وعن أحمدَ، يُجْزِئُه البَعْضُ. مَبْنِيًّا على المَسْحِ فى الطَّهَارَةِ. وكذلك قال ابنُ حامِدٍ. وقال الشَّافِعِىُّ: يُجْزِئُه التَّقْصِيرُ من ثَلَاثِ شَعَرَاتٍ. واخْتَارَ ابنُ المُنْذِرِ أَنَّه يُجْزِئُه ما يَقَعُ عليه اسْمُ التَّقْصِيرِ؛ لتَنَاوُلِ اللَّفْظِ (٢١) له. ولَنا، قَوْلُ اللهِ تعالى: ﴿مُحَلِّقِينَ رُءُوسَكُمْ﴾ (٢٢). وهذا عَامٌّ فى جَمِيعِه، ولأنَّ

стр. 2387

النَّبِىَّ ﷺ حَلَقَ جميعَ رَأْسِه، تَفْسِيرًا لِمُطْلَقِ الأمْرِ به (٢٣)، فيَجِبُ الرُّجُوعُ إليه، ولأنَّه نُسُكٌ تَعَلَّقَ بِالرَّأْسِ فوَجَبَ اسْتِيعَابُه به، كالمَسْحِ. فإن كان الشَّعْرُ مَضْفُورًا، قَصَّرَ من رُءُوسِ ضَفَائِرِه. كذلك قال مَالِكٌ: تُقَصِّرُ المَرْأةُ من جميعِ قُرُونِها. ولا يَجِبُ التَّقْصِيرُ من كلِّ شَعْرَةٍ؛ لأنَّ ذلك لا يُعْلَمُ إلَّا بِحَلْقِه. فصل: وأىُّ قَدْرٍ قَصَّرَ منه أجْزَأَهُ؛ لأنَّ الأمْرَ به مُطْلَقٌ فيَتَنَاوَلُ الأقَلَّ. وقال أحمدُ: يُقَصِّرُ قَدْرَ الأُنْمُلَةِ. وهو قولُ ابنِ عمرَ، والشَّافِعِىِّ، وإسحاقَ، وأبي ثَوْرٍ. وهذا مَحْمُولٌ على الاسْتِحْبابِ؛ لِقَوْلِ ابنِ عمرَ: وبِأَىِّ شيْءٍ قَصَّرَ (٢٤) الشَّعْرَ أجْزَأَهُ. وكذلك لو نَتَفَه، أو أزَالَهُ بِنُورَةٍ؛ لأنَّ القَصْدَ إزَالَتُهُ، والأمْرُ به مُطْلَقٌ، فيَتَنَاوَلُ مَا يَقَعُ عليه الاسْمُ، ولكن السُّنَّةَ الحَلْقُ أو التَّقْصِيرُ، اقْتِدَاءً بِرسولِ اللهِ ﷺ وأصْحَابِه، ويُسْتَحَبُّ البِدَايَةُ بِالشِّقِّ الأَيْمَنِ. نَصَّ عليه؛ لما رَوَى أنَسٌ، أنَّ رسولَ اللهِ ﷺ قال لِلْحَلَّاقِ: "خُذْ". وأشارَ إلى جَانِبهِ الأيْمَنِ، ثمَّ الأيْسَرِ، ثمَّ جَعَلَ يُعْطِيه النَّاسَ. رَوَاهُ مُسْلِمٌ (٢٥). وكان النَّبِىُّ ﷺ يُعْجِبُه التَّيامُنُ فى شَأْنِه كُلِّه. مُتَّفَقٌ عليه (٢٦). قال أحمدُ: يَبْدَأُ بِالشِّقِّ الأَيْمَنِ، حتَّى يُجَاوِزَ العَظْمَتَيْنِ (٢٧). وإن قَصَّرَ من شَعْرِ رَأْسِه ما نَزَلَ عن حَدِّ الرَّأْسِ، أو ممَّا يُحَاذِيهِ، جَازَ؛ لأنَّ المَقْصُودَ التَّقْصِيرُ، وقد حَصَلَ، بِخِلافِ المَسْحِ فى الوُضُوءِ؛ فإنَّ الوَاجِبَ المَسْحُ على الرَّأْسِ، وهو ما تَرَأَّس وعَلَا.

стр. 2388

٦٢٥ - مسألة؛ قال: (وطَوَافُ النِّسَاءِ وسَعْيُهُنَّ مَشْىٌ كُلُّهُ) قال ابنُ المُنْذِرِ: أجْمَعَ أهْلُ العِلْمِ، على أنَّه لا رَمَلَ على النِّسَاءِ حَوْلَ البَيْتِ، ولا بَيْنَ الصَّفَا والمَرْوَةِ، وليس عَلَيْهِنَّ اضْطِبَاعٌ. وذلك لأنَّ الأصْلَ فيهما إظْهَارُ الجَلَدِ، ولا يُقْصَدُ ذلك فى حَقِّ النِّساءِ، ولأنَّ النِّساءَ يُقْصَدُ فِيهِنَّ السَّتْرُ، وفى الرَّمَلِ والاضْطِبَاعِ تَعَرُّضٌ لِلتَّكَشُّفِ. ٦٢٦ - مسألة؛ قال: (ومَنْ سَعَى بَيْنَ الصَّفَا والْمَرْوَةِ عَلَى غَيْرِ طَهَارَةٍ، كَرِهْنَا لَهُ ذلِك، وأجْزَأَهُ) أكْثَرُ أهْلِ العِلْمِ يَرَوْنَ أنْ لا تُشْتَرَطَ الطهارةُ لِلسَّعْىِ بين الصَّفَا والمَرْوَةِ. ومِمَّن (١) قال ذلك عَطَاءٌ، ومَالِكٌ، والشَّافِعِىُّ، وأبو ثَوْرٍ، وأصْحابُ الرَّأْىِ. وكان الحسنُ يقول: إن ذَكَرَ قبلَ أن يَحِلَّ، فلْيُعِدِ الطَّوَافَ، وإن ذَكَرَ بعدَ ما حَلَّ، فلا شىءَ عليه. ولَنا، قَوْلُ النَّبِىِّ ﷺ لِعائشةَ، حين حَاضَتْ: "اقْضِى مَا يَقْضِى الحَاجُّ، غَيْرَ أنْ لَا تَطُوفِى بِالْبَيْتِ" (٢). ولأنَّ ذلك عِبَادَةٌ لا تَتَعَلَّقُ بِالبَيْتِ، فأشْبَهَتِ الوُقُوفَ. قال أبو دَاوُدَ: سمعتُ أحمدَ يقولُ: إذا طَافَتِ المَرْأَةُ بِالْبَيْتِ، ثمَّ حَاضَتْ، سَعَتْ بينَ الصَّفَا والمَرْوَةِ، ثمَّ نَفَرَتْ. ورُوِىَ عن عائشةَ، وأُمِّ سَلَمَةَ، أنَّهما قالَتا: إذا طافَتِ المَرْأَةُ بِالْبَيْتِ، وصَلَّتْ رَكْعَتَيْنِ، ثمَّ حَاضَتْ، فلْتَطُفْ بِالصَّفَا والمَرْوَةِ. رَوَاهُ الأَثْرَمُ. والمُسْتَحَبُّ مع ذلك لمن قَدَرَ على الطهارةِ أن لا يَسْعَى إلَّا مُتَطَهِّرًا، وكذلك يُسْتَحَبُّ أن يَكُونَ طَاهِرًا فى جَميعِ مَنَاسِكِه، ولا يُشْتَرَطُ أيضًا الطهارةُ من النَّجَاسَةِ والسِّتَارَةُ لِلسَّعْىِ؛ لأنَّه إذا لم تُشْتَرَط الطهارةُ من الحَدَث، وهى آكَدُ، فغيْرُها أوْلَى. وقد ذَكَرَ بعضُ أصْحَابِنا رِوَايَةً عن أحمدَ، أنَّ

стр. 2389

الطهارَةَ فى السَّعْىِ كالطَّهارَةِ فى الطَّوافِ. ولا تَعْوِيلَ (٣) عليه. ٦٢٧ - مسألة؛ قال: (وَإِنْ أُقِيمَتِ الصَّلَاةُ، أوْ حَضَرَتْ جِنَازَةٌ وَهُوَ يَطُوفُ، أوْ يَسْعَى، [خرَجَ فَصَلَّى] (١) فَإذَا صَلَّى بَنَى) وجُمْلَةُ ذلك أنَّه إذا تَلَبَّسَ بِالطَّوَافِ أو بِالسَّعْىِ، ثمَّ أُقِيمَتِ المَكْتُوَبةُ، فإنَّه يُصَلِّى مع الجَمَاعَةِ، فى قَوْلِ أكْثَر أهْلِ العِلْمِ، منهم ابن عمرَ، وسَالِمٍ، وعَطاءٍ، والشَّافِعِىِّ، وأبي ثَوْرٍ، وأصْحابِ الرَّأْىِ. ورُوِىَ ذلك عنهم فى السَّعْى. وقال مَالِكٌ: يَمْضِى فى طَوَافِه، ولا يَقْطَعهُ، [إلَّا أن يَخَافَ أن يَضُرَّ بِوَقْتِ الصلاةِ؛ لأنَّ الطَّوَافَ صَلَاةٌ فلا يَقْطَعهُ] (٢) لِصَلَاةٍ أُخْرَى. ولَنا، قَوْلُ النَّبِيِّ ﷺ : "إذَا أُقِيمَتِ الصَّلَاةُ، فَلَا صَلَاةَ إلَّا المَكْتُوَبةُ" (٣). والطَّوَافُ صلاةٌ فيَدْخُلُ تَحْتَ عُمُومِ الخَبَرِ. إذا ثَبَتَ ذلك فى الطَّوَافِ بِالْبَيْتِ (٤)، مع تَأَكُّدِهِ، ففى السَّعْىِ بين الصَّفَا والمَرْوَةِ أوْلَى، مع أنَّه قَوْلُ ابنِ عمرَ ومَن سَمَّيْنَاهُ من أهْلِ العِلْمِ، ولم نَعْرِفْ لهم فى عَصْرِهِمْ مُخَالِفًا، وإذا صَلَّى بَنَى على طَوَافِهِ وسَعْيِهِ، فى قَوْلِ من سَمَّيْنَا من أهْلِ العِلْمِ. قال ابنُ المُنْذِرِ: ولا نَعْلَمُ أحَدًا خَالَفَ فى ذلك، إلَّا الحسنَ، فإنَّه قال: يَسْتَأنِفُ. وقولُ الجُمْهُورِ أوْلَى؛ لأنَّ هذا فِعْلٌ مَشْرُوعٌ فى أثْناءِ الطَّوَافِ، فلم يَقْطَعْهُ، كاليَسِيرِ. وكذلك الحُكْمُ فى الجِنَازَةِ إذا حَضَرَتْ، يُصَلِّى عليها، ثمَّ يَبْنِى على طَوَافِه؛ لأنَّها تَفُوتُ بِالتَّشَاغُلِ عنها. قال أحمدُ: ويكونُ

стр. 2390

ابْتِدَاؤُه من الحَجَرِ. يعنى أنَّه يَبْتَدِئُ الشَّوْطَ الذى قَطَعَهُ من الحَجَرِ حين يَشْرَعُ فى البِنَاءِ. فصل: فإن تَرَك المُوَالَاةَ لغيرِ ما ذَكَرْنَا، وطَالَ الفَصْلُ، ابْتَدَأَ الطَّوَافَ، وإن لم يَطُلْ، بَنَى. ولا فَرْقَ بين تَرْكِ المُوَالَاةِ عَمْدًا، أو سَهْوًا، مثل مَن يَتْرُكُ شَوْطًا من الطَّوَافِ، يَحْسَبُ أنَّه قد أتَمَّهُ. وقال أصْحابُ الرَّأْىِ، فى مَن طافَ ثلاثةَ أشْوَاطٍ من طَوَافِ الزِّيَارَةِ، ثمَّ رَجَعَ إلى بَلَدِهِ: عليه أن يَعُودَ، فيَطُوفَ ما بَقِىَ. ولَنا، أنَّ النَّبِىَّ ﷺ وَالَى بين طَوَافِه، وقال: "خُذُوا عَنِّى مَنَاسِكَكُم" (٥). ولأنَّه صلاةٌ، فيُشْتَرَطُ له المُوَالَاةُ، كسَائِرِ الصَّلَوَاتِ، أو نقول: عِبَادَة مُتَعَلِّقَة بِالْبَيْتِ، فاشْتُرِطَتْ لها المُوَالَاةُ، كالصلاةِ، ويُرْجَعُ فى طُولِ الفَصْلِ وقِصَرِهِ إلى العُرْفِ، مِن غير تَحْدِيدٍ. وقد رُوِىَ عن أبِى عبدِ اللهِ، ﵀، رِوَايَةٌ أُخْرَى، إذا كان له عُذْرٌ يَشْغَلُهُ، بَنَى، وإن قَطَعَهُ من غيرِ عُذْرٍ، أو لحاجتِه (٦)، اسْتَقْبَلَ الطَّوَافَ. وقال: إذا أعْيَى فى الطَّوَافِ، لا بَأْسَ أن يَسْتَرِيحَ. وقال: الحسنُ غُشِىَ عليه، فحُمِلِ إلى أهْلِه، فلما أَفَاقَ أَتَمَّهُ. قال أبو عبدِ اللهِ: فإن شاءَ أَتَمَّهُ، وإن شاءَ اسْتَأْنَفَ؛ وذلك لأنَّه قَطَعَهُ لِعُذْرٍ، فجازَ البِناءُ عليه، كما لو قَطَعَهُ لِصلاةٍ. فصل: فأمَّا السَّعْىُ بين الصَّفَا والمَرْوَةِ، فظاهِرُ كلامِ أحمدَ أنَّ المُوَالَاةَ غيرُ مُشْتَرَطَةٍ فيه، فإنَّه قال فى رجلٍ كان بين الصَّفَا والمَرْوَةِ، فَلَقِيَهُ قَادِمٌ (٧) يَعْرِفُه، يَقِفُ، يُسَلِّمُ (٨) عليه، ويُسَائِلُه؟ قال: نعم، أمْرُ الصَّفَا سَهْلٌ، إنَّما كان يُكْرَهُ الوُقُوفُ فى الطَّوَافِ. بِالبَيْتِ، فأمَّا بين الصَّفَا والمَرْوَةِ فلا بَأْسَ. وقال القاضى: تُشْتَرَطُ المُوَالَاةُ فيه، قِيَاسًا على الطَّوَافِ. وحَكَاهُ أبو الخَطَّابِ رِوَايَةً

стр. 2391

عن أحمدَ. والأوَّلُ أَصَحُّ؛ فإنَّه نُسُكٌ لا يَتَعَلَّقُ بِالْبَيْتِ، فلم تُشْتَرَطْ له المُوَالَاةُ، كَالرَّمْى والحِلَاقِ. وقد رَوَى الأَثْرَمُ، أنَّ سَوْدَةَ بنْتَ عبدِ اللهِ بن عمرَ، امْرَأَةَ عُرْوَةَ بنِ الزُّبَيْرِ، سَعَتْ بينَ الصَّفَا والمَرْوَةِ، فقَضَت طَوَافَها فى ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ، وكانت ضَخْمَةً. وكان عَطاءٌ لا يَرَى بَأْسًا (٩) أن يَسْتَرِيحَ بينهما، ولا يَصِحُّ قِيَاسُه على الطَّوَافِ؛ لأنَّ الطَّوَافَ يَتَعَلَّقُ بِالبَيْتِ، وهو صَلَاةٌ تُشْتَرَطُ له الطهارةُ والسِّتَارَةُ، فاشْتُرِطَتْ له المُوَالَاةُ، بِخِلَافِ السَّعْىِ. ٦٢٨ - مسألة؛ قال: (وَإِنْ أَحْدَثَ فِى بَعْضِ طَوَافِهِ، تَطَهَّرَ، وَابْتَدَأ الطَّوافَ، إذَا كَانَ فَرْضًا) أمَّا إذا أحْدَثَ عَمْدًا فإنَّه يَبْتَدِئُ الطَّوَافَ؛ لأنَّ الطهارةَ شَرْطٌ له، فإذا أَحْدَثَ عَمْدًا أَبْطَلَهُ، كالصلاةِ، وإن سَبَقَهُ الحَدَثُ، ففيه رِوَايتانِ: إِحْدَاهما، يَبْتَدِئُ أيضًا. وهو قَوْلُ الحسنِ، ومالِكٍ، قِيَاسًا على الصلاةِ. والرِّوَايَةُ الثانيةُ، يَتَوَضَّأُ، ويَبْنِى. وبها قال الشَّافِعِىُّ، واسحاقُ. قال حَنْبَلٌ عن أحمدَ فى مَن طافَ ثلاثةَ أشْوَاطٍ أو أكْثَرَ: يَتَوَضَّأُ، فإن شَاءَ بَنَى، وإن شاءَ اسْتَأْنَفَ. قال أبو عبدِ اللهِ: يَبْنِى إذا لم يُحْدِثْ حَدَثًا إلَّا الوُضُوءَ، فإن عَمِلَ عَمَلًا غيرَ ذلك، اسْتَقْبَلَ الطَّوَافَ؛ وذلك لأنَّ المُوَالَاةَ تَسْقُطُ عندَ العُذْرِ على (١) إحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ، وهذا مَعْذُورٌ، فجازَ البِنَاءُ، وإن اشْتَغَلَ بغيرِ الوُضُوءِ، فقد تَرَكَ المُوَالَاةَ لغيرِ عُذْرٍ، فلَزِمَهُ الابْتِدَاءُ إذا كان الطَّوَافُ فَرْضًا، فأمَّا المَسْنُونُ، فلا يَجِبُ إعادَتُه، كالصلاةِ المَسْنُونَةِ [إذا بَطَلَتْ] (٢). ٦٢٩ - مسألة؛ قال: (وَمَنْ طَافَ وسَعَى مَحْمُولًا لِعِلَّةٍ، أَجْزَأَهُ) لا نَعْلَمُ بين أهْلِ العِلْمِ خِلَافًا فى صِحَّةِ طَوَافِ الرَّاكِبِ إذا كان له عُذْرٌ، فإنَّ

стр. 2392

ابنَ عَبّاسٍ رَوَى، أنَّ النَّبِىَّ ﷺ طَافَ فى حَجَّةِ الوَدَاعِ على بَعِيرٍ، يَسْتَلِمُ الرُّكْنَ بِمِحْجَنٍ. وعن أُمِّ سَلَمَةَ، قالت: شَكَوْتُ إلى رسولِ اللهِ ﷺ أنِّي أشْتَكِى، فقال: "طُوفِى مِنْ وَرَاءِ النَّاسِ، وأَنْتِ رَاكِبَةٌ". مُتَّفَقٌ عليهما (١). وقال جابِرٌ: طَافَ النَّبِىُّ ﷺ على رَاحِلَتِه، بِالبَيْتِ، وبين الصَّفَا والمَرْوَةِ، لِيَرَاهُ النّاسُ، وليُشْرِفَ عليهم، لِيَسْأَلُوهُ، فإنَّ النَّاسَ غَشُوهُ (٢). والمَحْمُولُ كَالرَّاكِبِ فيما ذَكَرْنَاهُ. فصل: فأمَّا الطَّوَافُ رَاكِبًا أو مَحْمُولًا لغيرِ عُذْرٍ، فمَفْهُومُ كلامِ الخِرَقِىِّ أنَّه لا يُجْزِئُ. وهو إحْدَى الرِّوَايَاتِ عن أحمدَ؛ لأنَّ النَّبِىَّ ﷺ ، قال: "الطَّوَافُ بِالبَيْتِ صَلَاةٌ" (٣). ولأنَّها عِبَادَةٌ تَتَعَلَّقُ بِالبَيْتِ، فلم يَجُزْ فِعْلُها رَاكِبًا لِغَيْرِ عُذْرٍ، كالصلاةِ. والثانية، يُجْزِئُه، ويَجْبُرُه بِدَمٍ. وهو قَوْلُ مَالِكٍ. وبه قال أبو حنيفةَ، إلَّا أنَّه قال: يُعِيدُ ما كان بمَكَّةَ، فإن رَجَعَ جَبَرَهُ بِدَمٍ؛ لأنَّه تَرَكَ صِفَةً وَاجِبَةً فى رُكْنِ الحَجِّ، فأشْبَهَ ما لو وَقَفَ بِعَرَفَةَ نَهَارًا، ودَفَعَ قبل غُرُوبِ الشَّمْسِ. والثالثة، يُجْزِئُه، ولا شىءَ عليه. اخْتَارَهَا أبو بكرٍ. وهى مذهبُ الشَّافِعِىِّ، وابْنِ المُنْذِرِ؛ لأنَّ النَّبِىَّ ﷺ طَافَ رَاكِبًا (٤). قال ابنُ المُنْذِرِ: لا قَوْلَ لأحَدٍ مع فِعْلِ النَّبِىِّ ﷺ . ولأنَّ اللهَ تعالى أمَرَ بِالطَّوَافِ مُطْلَقًا، فكيفما أتَى به أجْزَأهُ، ولا يجوزُ تَقْيِيدُ المُطلَقِ بغيرِ دَلِيلٍ. ولا خِلَافَ فى أن الطَّوَافَ رَاجِلًا أفْضَلُ؛ لأنَّ أصْحابَ النَّبِيِّ ﷺ طَافُوا مَشْيًا، والنَّبِىُّ ﷺ فى غير حِجَّةِ الوَدَاعِ طَافَ مَشْيًا، وفِى قَوْلِ أُمِّ

стр. 2393

سَلَمَةَ: شَكَوْتُ إلى النَّبِيِّ ﷺ أنِّى (٥) أشْتَكِى، فقال: "طُوفِى مِنْ وَرَاءِ النَّاسِ، وأنْتِ رَاكِبَةٌ". دَلِيلٌ على أنَّ الطَّوَافَ إنَّما يكونُ مَشْيًا، وإنَّما طَافَ النَّبِىُّ ﷺ رَاكِبًا لِعُذْرٍ، فإنَّ ابنَ عَبَّاسٍ رَوَى أنَّ رسولَ اللهِ ﷺ كَثُرَ عليه النّاسُ يَقُولُونَ: هذا مُحمدٌ هذا مُحمدٌ. حتَّى خَرَجَ العَوَاتِقُ من البُيُوتِ، وكان رسولُ اللَّه ﷺ لا يُضْرَبُ النّاسُ بين يَدَيْهِ، فلما كَثُرُوا عليه رَكِبَ. رَوَاهُ مُسْلِمٌ (٦). وكذلك فى حديثِ جابِرٍ، فإنَّ النَّاسَ غَشُوهُ. ورُوِىَ عن ابنِ عَبّاسٍ، أنَّ رَسولَ اللهِ ﷺ طَافَ رَاكِبًا؛ لِشَكَاةٍ به (٧). وبهذا يَعْتَذِرُ مَن مَنَعَ الطَّوَافَ رَاكِبًا عن طَوَافِ النَّبِىِّ ﷺ ، والحديثُ الأَوَّلُ أثْبَتُ. فعلَى هذا يكونُ كَثْرَةُ النّاسِ، وشِدَّةُ الزِّحَامِ عُذْرًا. ويَحْتَمِلُ أن يكونَ النَّبِىُّ ﷺ قَصَدَ تَعْلِيمَ النّاسِ مَنَاسِكَهم، فلم يَتَمَكَّنْ منه إلا بِالرُّكُوبِ، واللهُ أعلمُ. فصل: إذا طَافَ رَاكِبًا، أو مَحْمُولًا، فلا رَمَلَ عليه. وقال القاضى: يَخُبُّ به بَعِيرُه. والأوَّلُ أصَحُّ؛ لأنَّ النَّبِىَّ ﷺ لم يَفْعَلْهُ، ولا أمَرَ به، ولأنَّ مَعْنَى الرَّمَلِ لا يَتَحَقَّقُ فيه. فصل: فأمَّا السَّعْىُ رَاكِبًا، فيُجْزِئُه لِعُذْرٍ ولِغَيْرِ عُذْرٍ؛ لأنَّ المَعْنَى الذى مَنَعَ الطَّوَافَ رَاكِبًا غيرُ مَوْجُودٍ فيه. ٦٣٠ - مسألة؛ قال: (وَمَنْ كَانَ مُفْرِدًا، أوْ قَارِنًا، أَحْبَبْنَا لَهُ أنْ يَفْسَخَ إذَا طَافَ وسَعَى، ويَجْعَلَهَا عُمْرَةً، إلَّا أنْ يَكُونَ مَعَهُ هَدْىٌ، فَيَكُونَ عَلَى إحْرَامِهِ) أمَّا إذا كان معه (١) هَدْىٌ، فليس له أن يَحِلَّ من إحْرَامِ الحَجِّ، ويَجْعَلَهُ عُمْرَةً،

стр. 2394

بغيرِ خِلَافٍ نَعْلَمُه. وقد رَوَى ابنُ عمرَ، أنَّ رسولَ اللهِ ﷺ لمَّا قَدِمَ مَكَّة، قال لِلنّاسِ: "مَنْ كَانَ مِنْكُمْ أَهْدَى، فَإنَّهُ لَا يَحِلُّ مِنْ شَىْءٍ حَرُمَ مِنْهُ، حَتَّى يَقْضِىَ حَجَّهُ، وَمَنْ لَمْ يَكُنْ مِنْكُمْ أَهْدَى، فَلْيَطُفْ بِالْبَيْتِ، وبِالصَّفَا والمَرْوَةِ، ولْيُقَصِّرْ، ولْيَحْلِلْ (٢)، ثُمَّ ليُهِلَّ بِالحَجِّ، ولْيُهْدِ، وَمَنْ لَمْ يَجِدْ هَدْيًا، فَلْيَصُمْ ثَلَاثَةَ أيَّامٍ فى الْحَجِّ وسَبْعَةً إذَا رَجَعَ إلَى أَهْلِه". مُتَّفَقٌ عليه (٣). وأمَّا مَن لا هَدْى معه، ممَّن كان مُفْرِدًا أو قَارِنًا، فيُسْتَحَبُّ له إذا طَافَ وسَعَى أن يَفْسَخَ نِيَّتَهُ بِالحَجِّ، ويَنْوِىَ عُمْرَةً مُفْرَدَةً، فيُقَصِّرُ، ويَحِلُّ من إحْرَامِه؛ لِيَصِيرَ مُتَمَتِّعًا، إن لم يكنْ وَقَفَ بِعَرَفَةَ. وكان ابنُ عَبَّاسٍ يَرَى أنَّ مَن طَافَ يِالبَيْتِ، وسَعَى، فقد حَلَّ، وإن لم يَنْوِ ذلك. وبما ذَكَرْنَاهُ قال الحسنُ، ومُجاهِدٌ، ودَاوُدُ. وأكْثَرُ أهْلِ العِلْمِ، على أنَّه لا يَجوزُ له ذلك؛ لأنَّ الحَجَّ أحَدُ النُّسُكَيْنِ، فلم يَجُزْ فَسْخُهُ كالعُمْرَةِ، فرَوَى ابنُ مَاجَه (٤)، بإسْنَادِهِ، عن الحارِثِ بن بِلالٍ المُزنِىِّ، عن أبيه، أنَّه قال: يا رسولَ اللهِ، فَسْخُ الحَجِّ لنا خَاصَّةً، أو لمن أَتَى؟ قال: "لَنَا خَاصَّةً". وَرُوِىَ أيضًا عن المُرَقِّعِ الأُسَيِّدِىّ (٥)، عن أبي ذَرٍّ قال: كان ما أذِنَ لنا رسولُ اللهِ ﷺ ، حين دَخَلْنَا مَكَّةَ، أن نَجْعَلَها عُمْرَةً، ونَحِلَّ من كلِّ شَىْءٍ، أنَّ تلك كانت لنا خَاصَّةً، رُخْصَةً مِن رسولِ اللهِ ﷺ ، دُونَ جميعِ النَّاسِ (٦). ولَنا، أنَّه قد صَحَّ عن

стр. 2395

رسولِ اللهِ ﷺ ، أنَّه أمَر أصْحابَهُ فى حَجَّةِ الوَدَاعِ الذين أَفْرَدُوا الحَجَّ وقَرَنُوا، أن يَحِلُّوا كلُّهم، ويَجْعَلُوها عُمْرَةً، إلَّا مَن كان معه الهَدْىُ، وثَبَتَ ذلك فى أحادِيثَ كَثِيرَةٍ، مُتَّفَقٍ عَلَيْهِنَّ، بحيثُ يَقْرُبُ من التَّوَاتُرِ والقَطْعِ، ولم يَخْتَلِفْ فى صحَّةِ ذلك وثُبُوتِه عن النَّبِىِّ ﷺ أحَدٌ من أَهْلِ العِلْمِ عَلِمْنَاهُ، وذَكَرَ أبو حَفْصٍ، فى "شَرْحِه"، قال: سمعتُ أبا عبدِ اللهِ ابن بَطَّةَ يقول: سمعتُ أبا بكرٍ بن أيُّوبَ يقول: سمعتُ إبراهيمَ الحَرْبِىَّ يقول، وسُئِلَ عن فَسْخِ الحَجِّ، فقال: قال سَلَمَةُ ابن شَبِيبٍ لأحمدَ بن حَنْبَلٍ: يا أبا عبدِ اللهِ، كلُّ شىءٍ منك حَسَنٌ جَمِيلٌ، إلَّا خَلَّةً وَاحِدَةً. فقال: وما هى؟ قال تقولُ بِفَسْخِ الحَجِّ. فقال أحمدُ: قد كُنْتُ أرَى أنَّ لك عَقْلًا، عندى ثَمَانِيةَ عَشَرَ حَدِيثًا صِحَاحًا جِيَادًا، كُلُّها فى فَسْخِ الحَجِّ، [أتْرُكُها لِقَوْلِكَ! وقد رَوَى فَسْخَ الحَجِّ] (٧) ابنُ عمرَ، وابنُ عَبَّاسٍ، وجابِرٌ، وعائشةُ، وأحَادِيثُهم مُتَّفَقٌ عليها. ورَواهُ غَيْرُهُم، وأحَادِيثُهم كُلُّها صِحَاحٌ. قال أحمدُ: رُوِىَ الفَسْخُ عن النَّبِيِّ ﷺ مِن حديثِ جابِرٍ، وعائشةَ (٨)، وأسْماءَ، والبَرَاءِ، وابنِ عمَرَ، وسَبْرَةَ الجُهَنِىِّ (٩)، وفى لَفْظِ حَدِيثِ جَابِرٍ، قال: أهْلَلْنَا (١٠) أصْحَابَ رسولِ اللهِ ﷺ بِالحَجِّ خَالِصًا وَحْدَهُ، وليس معه عُمْرَةً، فقَدِمَ النَّبِىُّ ﷺ صُبْحَ رَابِعَةٍ مَضَتْ من ذِى الحَجَّةِ، فلمَّا قَدِمْنا، أمَرَنَا النَّبِىُّ ﷺ أن نَحِلَّ، قال: "حِلُّوا، وأصِيبُوا مِنَ النِّسَاءِ". قال: فبلَغَهُ عَنَّا أنَّا نَقُولُ: لم يَكُنْ بَيْنَنا وبين عَرَفَةَ إلَّا خَمْسُ لَيَالٍ، أمَرَنَا أن نَحِلَّ إلى نِسَائِنا، فنَأْتِىَ عَرَفَةَ تَقْطُرُ مَذَاكِيرُنا

стр. 2396

المَنِىَّ. قال: فقامَ رسولُ اللهِ ﷺ ، فقال: "قَدْ عَلِمْتُمْ أنِّى أَثْقَاكُمْ للهِ، وأَصْدَقُكُمْ، وأَبَرُّكُمْ، ولَوْلَا هَدْيِى لَحَلَلْتُ كَمَا تَحِلُّونَ، فَحِلُّوا، ولَوِ اسْتَقْبَلْتُ مِنْ أمْرِى مَا اسْتَدْبَرْتُ، مَا أهْدَيْتُ". قال: فَحَلَلْنَا، وسَمِعْنَا، وأطَعْنَا قال: فقال سُرَاقَةُ بن مَالِكِ بن جُعْشُمٍ المُدْلِجِىُّ: مُتْعَتُنا هذه يا رسوِلَ اللهِ لِعَامِنا هذا، أم لِلْأَبَدِ؟ فظَنَّهُ مُحمدُ بن بكر، أنَّه قال: "لِلْأَبَدِ". مُتَّفَقٌ عليه (١١). فأمَّا حَدِيثُهم، فقال أحمدُ: رَوَى هذا الحديثَ الحَارِثُ بن بِلَالٍ، فَمَنِ الحَارِثُ بن بِلَالٍ؟ يَعْنِى أنَّه مَجْهُولٌ. ولم يَرْوِهِ إلَّا الدَّرَاورْدِىُّ، وحَدِيثُ أبي ذَرٍّ رَوَاهُ مُرَقِّع الأُسَيِّدىّ، فمَنْ مُرَقِّع الأُسَيِّدِىّ! شَاعِرٌ من أهْلِ الكُوفَةِ، ولم يَلْقَ أبا ذَرٍّ. فقِيلَ له: أفليس قد رَوَى الأعْمَشُ عن إبراهِيمَ التَّيْمِىّ، عن أبِيهِ، عن أبي ذَرٍّ؟ قال: كانت مُتْعَةُ الحَجِّ لنا خَاصَّةً أصْحَابَ رَسولِ اللهِ ﷺ . قال: أفَيَقُولُ بهَذا أحدٌ؟ المُتْعَةُ فى كتابِ اللهِ، وقد أجْمعَ الناسُ على أنَّها جائزةٌ. قالَ الْجُوزَجَانِىُّ: مُرَقِّع الأسَيِّدىُّ لَيْس بِمَشْهُورٍ (١٢)، ومثلُ هذه الأحادِيث فى ضَعْفِها وجَهَالَةِ رُوَاتِهَا، لا تُقْبَلُ إذا انْفَرَدَتْ، فكَيْفَ تُقْبَلُ فى رَدِّ حُكْمٍ ثَابِتٍ بِالتَّوَاتُرِ! مع أنَّ قَوْلَ أبِى ذَرٍّ مِن رَأْيِهِ، وقد خَالَفَهُ مَن هو أعْلَمُ منه، وقد شَذَّ به عن الصَّحابَةِ، رَضِىَ اللَّه عنهم، فلا يُلْتَفَتُ إلى هذا، وقد اخْتَلَفَ لَفْظُهُ، ففِى أَصَحِّ الطَّرِيقَيْنِ عنه قولُه مُخَالِفٌ لِكِتَابِ اللَّه تعالى، وقولِ رسولِ اللهِ، وإجْماعِ المُسْلِمِينَ، وسُنَنِ رسولِ

стр. 2397

اللهِ ﷺ الثَّابتَةِ الصَّحِيحَةِ، فلا يَحِلُّ الاحْتِجَاجُ به. وأمَّا قِيَاسُهم فى مُقَابَلَةِ قَوْلِ رسولِ اللهِ ﷺ ، فلا يُقْبَلُ، على أنَّ قِياسَ الحَجِّ على العُمْرَةِ فى هذا لا يَصِحُّ، فإنَّه يجوزُ قَلْبُ الحَجِّ إلى العُمْرَةِ فى حَقِّ مَن فَاتَهُ الحَجُّ، ومن حُصِرَ عن عَرَفَةَ (١٣)، والعُمْرَةُ لا تَصِيرُ حَجًّا بِحَالٍ. ولأنَّ فَسْخَ الحَجِّ إلى العُمْرَةِ يَصِيرُ به مُتَمَتِّعًا، فتَحْصُلُ الفَضِيلَةُ. وفَسْخُ العُمْرَةِ إلى الحَجِّ يُفَوِّتُ الفَضِيلَةَ، ولا يَلْزَمُ مِن مَشْرُوعِيَّةِ ما يَحْصُلُ به (١٤) الفضيلةُ مَشْرُوعِيَّةُ تَفْوِيتِها. فصل: وإذا فَسَخَ الحَجَّ إلى العُمْرَةِ، صارَ مُتَمَتِّعًا، حُكْمُه حُكْمُ المُتَمَتِّعِينَ فى وُجُوبِ الدَّمِ وغيرِه. وقال القاضى: لا يَجِبُ الدَّمُ؛ لأنَّ مِن شَرْطِ وُجُوبِهِ أن يَنْوِىَ فى ابْتِدَاءِ العُمْرَةِ، أو فى أثْنَائِها، أنَّه مُتَمَتِّعٌ. وهذه دَعْوَى لا دَلِيلَ عليها، تُخالِفُ عُمُومَ الكِتابِ وصَرِيحَ السُّنَّةِ الثَّابتَةِ، فإنَّ اللَّه تعالى قال: ﴿فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ﴾ (١٥). وفى حديثِ ابنِ عمرَ، أنَّ النَّبِىَّ ﷺ قال: "مَنْ لَمْ يَكُنْ مِنْكُمْ أَهْدَى، فَلْيَطُفْ بِالْبَيْتِ، وَبِالصَّفَا والمَرْوَةِ، ولْيُقَصِّرْ، وَلْيَحِلَّ، ثُمَّ لْيُهِلَّ بِالحَجِّ وَلْيُهْدِ، وَمَنْ لَمْ يَجِدْ هَدْيًا، فَلْيَصُمْ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ فى الحَجِّ وسَبْعَةً إذا رَجَعَ إلى أَهْلِهِ". مُتَّفَقٌ عليه (١٦). ولأنَّ وُجُوبَ الدَّمِ فى المُتْعَةِ لِلتَّرَفُّهِ بِسُقُوطِ أحَدِ السَّفَرَيْنِ، وهذا المَعْنَى لا يَخْتَلِفُ بِالنِّيَّةِ وعَدَمِها، فوَجَبَ أن لا يَخْتَلِفَ وُجُوبُ الدَّمِ، على أنَّه لو ثَبَتَ أن النِّيَّةَ شَرْطٌ، فقد وُجِدَتْ، فإنَّه ما حَلَّ حتَّى نَوَى أنَّه يَحِلُّ، ثمَّ يُحْرِمُ بِالحَجِّ. ٦٣١ - مسألة؛ قال: (وَمَنْ كَانَ مُتَمَتِّعًا، قَطَعَ التَّلْبِيَةَ إذَا وَصَلَ إلى (١) البَيْتِ) قال أبو عبدِ اللهِ: يَقْطَعُ المُعْتَمِرُ التَّلْبِيَةَ إذا اسْتَلَمَ الرُّكْنَ. وهو مَعْنَى قَوْلِ

стр. 2398

الخِرَقِىِّ: "إذا وَصَلَ إلى البَيْتِ". وبهذا قال ابنُ عَبّاسٍ، وعَطاءٌ، وعَمْرُو بنُ مَيْمُونٍ، وطَاوُسٌ، والنَّخَعِىُّ، والثَّوْرِىُّ، والشَّافِعِىُّ (٢)، وإسْحاقُ، وأصْحابُ الرَّأْىِ. وقال ابنُ عمرَ، وعُرْوَةُ، والحسنُ: يَقْطَعُها إذا دَخَلَ الحَرَمَ. وقال سَعِيدُ ابنُ المُسَيَّبِ: يَقْطَعُها حين يَرَى عَرْشَ مَكَّةَ (٣). وحُكِىَ عن مَالِكٍ، أنَّه إن أحْرَمَ من المِيقَاتِ، قَطَعَ التَّلْبِيَةَ إذا وَصَلَ إلى الحَرَمِ، وإن أَحْرَمَ بها. من أدْنَى الحِلِّ، قَطَعَ التَّلْبِيَةَ حين يَرَى البَيْتَ. ولَنا، ما رُوِىَ عن ابنِ عَبّاسٍ، يَرْفَعُ الحَدِيثَ: كان يُمْسِكُ عن التَّلْبِيَةِ فى العُمْرَةِ، إذا اسْتَلَمَ الحَجَرَ (٤). قال التِّرْمِذِىُّ: هذا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ. ورَوَى عَمْرُو بنُ شُعَيْبٍ، عن أبيه، عن جَدِّهِ، أنَّ (٥) النَّبِىَّ ﷺ اعْتَمَرَ ثَلَاثَ عُمَرٍ، ولم يَزَلْ يُلَبِّى حتَّى اسْتَلَمَ الحَجَرَ (٦). ولأنَّ التَّلْبِيَةَ إجَابَةٌ إلى (٧) العِبَادَةِ، وإشْعَارٌ للإِقَامةِ عليها، وإنَّما يَتْرُكُها إذا شَرَعَ فيما يُنافِيها، وهو التَّحَلُّلُ منها، والتَحَلُّلُ يَحْصُلُ بِالطَّوَافِ والسَّعْىِ، فإذا شَرَعَ فى الطَّوَافِ فقد أخَذَ فى التَّحَلُّلِ، فيَنْبَغِى أن يَقْطَعَ التَّلْبِيَةَ، كالحَجِّ إذا شَرَعَ فى رَمْىِ جَمْرَةِ العَقَبَة، لِحُصُولِ التَّحَلُّلِ بها. وأمَّا قبلَ ذلك، فلم يَشْرَعْ فيما يُنَافِيها، فلا مَعْنَى لِقَطْعِها. واللهُ تعالى أعلمُ.

стр. 2399

بابُ صِفَةِ الحَجِّ نذكرُ فى هذا البابِ صِفةَ الحَجِّ، بعدَ حِلِّ المُتَمَتِّعِ مِن عُمْرَتِه، ونبدأُ بِذِكْرِ حديثِ جابِرٍ (١) فى صِفَةِ حَجِّ النَّبِيِّ ﷺ ، ونَقْتَصِرُ منه علي ما يَخْتَصُّ بهذا البابِ، وقد ذَكَرْنا بعضَه مُفَرَّقًا فى الأبْوابِ الماضِيةِ، وهو حديثٌ جامِعٌ صحيحٌ، رَوَاهُ مُسْلِمٌ، وأبو دَاوُدَ، وابنُ مَاجَه، عن جعفرِ بن محمدٍ، عن أبيه، عن جابِرٍ، ذَكَرَ الحَدِيثَ، قال: فَحَلَّ النَّاسُ كُلُّهُم، وقَصَّرُوا، إلَّا النَّبِىَّ ﷺ ، ومَن كان معه هَدْىٌ، فلمَّا كان يومُ التَّرْوِيَةِ، تَوَجَّهُوا إلى مِنًى، فأهَلُّوا بِالحَجِّ، وركبَ رسولُ اللهِ ﷺ إلى مِنًى، فصَلَّى بها الظهرَ والعصرَ والمغربَ والعشاءَ والفجرَ، ثمَّ مَكَثَ قَلِيلًا حتى طلعتِ الشَّمسُ، وأمَرَ بِقُبَّةٍ من شَعْرٍ تُضْرَبُ له بِنَمِرَةَ، فسارَ رسولُ اللهِ ﷺ ، ولا تَشُكُّ قُرَيْشٌ إلَّا أنَّه وَاقِفٌ عند المَشْعَرِ الحَرامِ، كما كانت قُرَيْشٌ تَصْنَعُ فى الجاهِلِيَّةِ، فأجازَ رسولُ اللهِ ﷺ ، حتَّى (٢) أتى عَرفَةَ، فوجد القُبَّةَ قد ضُرِبَتْ له بِنَمِرَةَ، فنزلَ بها حتَّى إذا زالتِ (٣) الشمسُ أمَرَ بالقَصْواءِ فَرُحِلَتْ له، فأتَى بَطْنَ الوَادِى، فخطبَ النّاسَ، وقال: "إنَّ دِمَاءَكُمْ وأَمْوَالَكُمْ حَرَامٌ، كَحُرْمَةِ يَوْمِكُمْ هذَا، فِى شَهْرِكُمْ هذَا، فِى بَلَدِكُمْ هذَا، ألَا إنَّ كُلَّ شَىْءٍ مِنْ أمْرِ الجَاهِلِيَّةِ تَحْتَ قَدَمَىَّ مَوْضُوعٌ، ودِمَاءَ الجَاهِلِيَّةِ مَوْضُوعَةٌ، وإنَّ أوَّلَ دَمٍ أضَعُه مِنْ دِمَائِنَا دَمُ ابْنِ رَبِيعَةَ بن الْحَارِثِ -كان مُسْتَرْضَعًا فى بنِى سَعْدٍ، فقَتَلَتْهُ هُذَيْلٌ- وَرِبَا الجَاهِلِيَّةِ مَوْضُوعٌ، وأَوَّلُ رِبًا أَضَعُ [مِنْ رِبَانَا] (٤)، رِبَا عَبَّاسِ بْنِ عَبْدِ المُطَّلِبِ، فَإنَّهُ مَوْضُوعٌ

стр. 2400

كُلُّهُ، فَاتَّقُوا اللهَ فِى النِّسَاءِ، فإنَّكُم أخَذْتُمُوهُنَّ بأَمَانَةِ (٥) اللهِ، واسْتَحْلَلْتُمْ فُرُوجَهُنَّ بِكَلِمَةِ اللهِ، ولَكُمْ عَلَيْهِنَّ أنْ لا يُوطِئْنَ فُرُشَكُمْ أَحَدًا تَكْرَهُونَهُ، فَإنْ فَعَلْنَ ذلِكَ فَاضْرِبُوهُنَّ ضَرْبًا غيْرَ مُبَرِّحٍ، وَلَهُنَّ عَلَيْكُمْ رِزْقُهُنَّ وَكُسْوَتُهُنَّ بِالمَعْرُوفِ، وَقَدْ تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا لَنْ تَضِلُّوا بَعْدَهُ إنِ اعْتَصَمْتُمْ بِهِ، كِتَابَ اللهِ، وأَنْتُمْ تُسْأَلُونَ عَنِّى، فَمَا أنْتُمْ قَائِلُونَ؟ ". قالوا: نَشْهَدُ أنَّك قد بَلَّغْتَ، وأَدَّيْتَ، ونَصَحْتَ. فقال بإصْبَعِه السَّبَّابَة يَرْفَعُها إلى السَّمَاءِ، ويَنْكُبُها (٦) إلى النَّاسِ: "اللَّهُمَّ اشْهَدْ، اللَّهُمَّ اشْهَدْ"، ثلاثَ مَرَّاتٍ، ثمَّ أذَّنَ، ثمَّ أقامَ فصَلَّى الظُّهرَ، ثمَّ أقامَ فصَلَّى العصرَ، ولم يُصَلِّ بينهما شَيْئًا، ثمَّ رَكِبَ رسولُ اللهِ ﷺ حتَّى أَتى المَوْقِفَ، فجعَلَ بَطْنَ نَاقَتِه القَصْواءِ إلى الصَّخَرَاتِ، وجعَل حَبْلَ المُشَاةِ بين يَدَيْه، فاسْتَقْبَلَ القِبْلَةَ، فلم يَزَلْ وَاقِفًا حتَّى غَرَبَتِ الشَّمْسُ، وذَهَبَتِ الصُّفْرَةُ قَلِيلًا حتَّى غَابَ القُرْصُ، وأرْدَفَ أُسَامَةَ خَلْفَه، ودَفَعَ رسولُ اللهِ ﷺ ، وقد شَنَقَ (٧) لِلْقَصْواءِ الزِّمامَ، حتَّى إنَّ رَأْسَها ليُصِيبُ مَوْرِكَ (٨) رَحْلِه، ويقول بِيَده اليُمْنَى: "أيُّهَا النّاسُ، السَّكِينَةَ السَّكِينَةَ"، كلَّما أتَى حَبْلًا (٩) من الحِبالِ أرْخَى لها قَلِيلًا حتَّى تَصْعَد، حتَّى أتَى المُزْدَلِفَةَ، فصَلَّى بها المغربَ والعِشاءَ، بأذَانٍ واحِدٍ وإقامَتَيْنِ، ولم يُسَبِّحْ بينهما شيئًا، ثمَّ اضْطَجَعَ رسولُ اللهِ ﷺ حتَّى طَلَعَ الفجرُ، فصَلَّى الصبحَ حين تَبَيَّنَ له الصبحُ، بأذانٍ وإقامَةٍ، ثمَّ رَكِبَ القَصْواءَ، حتَّى أتَى المَشْعَرَ الحَرامَ، فاسْتَقْبَلَ القِبْلَةَ، فدَعَا اللهَ وكَبَّرَهُ وهَلَّلَهُ ووَحَّدَه، ولم يَزَلْ وَاقِفًا حتَّى أسْفَرَ جِدًّا،

стр. 2401

فدَفَعَ قبلَ أن تَطْلُعَ الشمسُ، وأرْدَفَ الفَضْلَ بن عَبَّاسٍ، وكان رَجُلًا حَسَنَ الشَّعْرِ، أبيضَ، وَسِيمًا، فلمَّا دَفَعَ رسولُ اللهِ ﷺ مَرَّتْ به ظُعُنٌ يجْرِينَ، فطَفِقَ الفَضْلُ يَنْظُرُ إليهنَّ، فوَضَعَ رسولُ اللهِ ﷺ يَدَه على وَجْهِ الفَضْلِ، [فحَوَّلَ الفَضْلُ] (١٠) وَجْهَهُ إلى الشِّقِّ الآخَرِ يَنْظُرُ، فحَوَّلَ رسولُ اللهِ ﷺ يَدَه من الشِّقِّ الآخَرِ على وَجْهِ الفَضْلِ، فصَرَفَ وَجْهَه مِن الشِّقِّ الآخَرِ يَنْظُرُ، حتَّى أتَى بَطْنَ مُحَسِّرٍ، فحَرَّكَ قليلًا، ثمَّ سَلَكَ الطَّرِيقَ الوُسْطَى التى تَخْرُجُ على (١١) الجَمْرَةِ الكُبْرَى، حتَّى أَتَى الجَمْرَةَ التى عندَ الشَّجَرَةِ، فرَماها بِسَبْعِ حَصَياتٍ، يُكَبِّرُ مع كلِّ حَصاةٍ منها مثل حَصَى الخَذْفِ (١٢)، رَمَى من بَطْنِ الوَادِى، ثمَّ انْصَرَفَ إلى المَنْحَرِ، فنَحَرَ ثَلَاثًا وسِتِّينَ بَدَنَةً بِيَدِه (١٣)، ثمَّ أعْطَى عليًّا فنَحَرَ ما غَبَرَ (١٤)، وأَشْرَكَهُ فى هَدْيِه، ثمَّ أمَرَ من كلِّ بَدَنَةٍ بِبَضْعَةٍ (١٥) فَجُعِلَتْ فى قِدْرٍ، فطُبِخَتْ فأَكَلَا من لَحْمِها وشَرِبَا من مَرَقِها، ثمَّ رَكِبَ رسولُ اللَّه ﷺ ، فأفاضَ إلى البَيْتِ، فصَلَّى بمَكَّةَ الظهرَ، فأتَى بنى عبدِ المُطَّلِبِ وهما يَسْقُونَ على زَمْزَم، فقال: "انْزِعُوا بَنِى عَبْدِ المُطَّلِبِ، فَلَوْلَا أنْ يَغْلِبَكُم النَّاسُ عَلَى سِقَايَتِكُم لَنَزَعْتُ مَعَكُمْ". فنَاوَلُوهُ دلْوًا، فَشَرِبَ منه. قال عَطاءٌ: كان مَنْزِلُ النَّبِيِّ ﷺ بِمِنًى بِالْخَيفِ. ٦٣٢ - مسألة؛ قال: (وَإذَا كَانَ يَوْمُ التَّرْوِيَةِ، أهَلَّ بِالْحَجِّ، ومَضَى إلَى مِنًى) يَوْمُ التَّرْوِيَةِ: اليَوْمُ الثَّامِنُ من ذِى الحِجَّةِ. سُمِّىَ (١) بذلك لأنَّهم كانوا يَتَرَوَّوْنَ

стр. 2402

من الماءِ فيه، يُعِدُّونَهُ لِيَوْمِ عَرَفَةَ. وقِيلَ: سُمِّىَ بذلك، لأنَّ إبراهيمَ ﵇ رَأَى لَيْلَتَئِذٍ فى المَنَامِ ذَبْحَ ابْنِه، فأصْبَحَ يَرْوِى فى نَفْسِه أهو حُلْمٌ أم من اللهِ تعالَى؟ فَسُمِّىَ يَوْمَ التَّرْوِيةِ، فلما كانتْ لَيْلَةُ عَرَفَةَ رَأى ذلك أيضًا، فعَرَفَ أنَّه من اللهِ تعالى، فسُمِّىَ يَوْمَ عَرَفَةَ، واللهُ أعلمُ. والمُسْتَحَبُّ لمن كان بمَكَّةَ حَلالًا من المُتَمَتِّعِينَ الذين حَلُّوا من عُمْرَتِهِمْ (٢)، أو مَن كان مُقِيمًا بمَكَّةَ من أهْلِها، أو من غَيْرِهم، أن يُحْرِمُوا يَوْمَ التَّرْوِيَةِ حين يَتَوَجَّهُونَ إلى مِنًى. وبهذا قال ابنُ عمرَ، وابنُ عَبّاسٍ، وعَطاءٌ، وطاوُسٌ، وسَعِيدُ بن جُبَيْرٍ، وإسحاقُ. وقد رُوِىَ عن عمرَ، رَضِىَ اللَّه عنه، أنَّه قال لأهْلِ مَكَّةَ: ما لَكُم يَقْدَمُ النَّاسُ عَليكم شُعْثًا! إذا رَأَيْتُم الهِلالَ فأهِلُّوا بالحَجِّ. وهذا مذهبُ ابنِ الزُّبَيْرِ. وقال مَالِكٌ: مَن كان بمَكَّةَ، فأحَبُّ (٣) أن يُهِلَّ من المسجدِ لِهِلالِ ذى الحِجَّةِ. ولَنا، قَوْلُ جابِرٍ: فلمَّا كان يَوْمُ التَّرْوِيَةِ تَوَجَّهُوا إلى مِنًى، فأهَلُّوا بِالحَجِّ. وفى لَفْظٍ عن جابرٍ، قال: أمَرَنَا النَّبِىُّ ﷺ ، لمَّا حَلَلْنَا، أن نُحْرِمَ إذا تَوَجَّهْنَا إلى مِنًى، فأهْلَلْنا من الأبْطَحِ، حتَّى إذا كان يَوْمُ التَّرْوِيَةِ، [و] (٤) جَعَلْنَا مَكَّةَ بِظَهْرٍ، أهْلَلْنا بِالحَجِّ. رَوَاهُ مُسْلِمٌ (٥). وعن عُبَيْد ابن جُرَيْجٍ، أَنَّه قال لِعَبْدِ اللهِ بن عمرَ: رأيْتُك إذا كُنْتَ بمَكَّةَ، أهَلَّ النّاسُ ولم تُهِلَّ أنْتَ، حتَّى يكونَ يَوْمُ التَّرْوِيَةِ؟ فقال عبدُ اللهِ بن عمرَ: أمَّا الإِهْلَالُ، فإنِّى لم أرَ رسولَ اللهِ ﷺ يُهِلُّ حتَّى تَنْبَعِثَ به رَاحِلَتُه. مُتَّفَقٌ عليه (٦). ولأنَّه مِيقاتٌ

стр. 2403

لِلْإِحْرامِ، فاسْتَوَى فيه أهْلُ مَكَّةَ وغيرُهم، كمِيقاتِ المَكانِ. وإن أَحْرَمَ قبلَ ذلك، كان جَائِزًا. فصل: ومن حيثُ أحْرَمَ من مَكَّةَ جازَ؛ لِقَوْلِ النَّبِىِّ ﷺ فى المواقِيتِ: "حَتَّى أهْلُ مَكَّةَ يُهِلُّونَ مِنْهَا" (٧). وإن أحْرَمَ خارِجًا منها من الحَرَمِ جازَ؛ لِقَوْلِ جابِرٍ: فأهْلَلْنَا من الأبْطَح. ويُسْتَحَبُّ أن يَفْعَلَ عندَ إحْرامِه هذا ما يَفْعَلُه عندَ الإحْرَامِ من المِيقَاتِ، من الغُسْلِ والتَّنْظِيفِ، ويَتَجَرَّدُ عن (٨) المَخِيطِ، ويَطُوفُ سَبْعًا، ويُصَلِّى رَكْعَتَيْنِ، ثمَّ يُحْرِمُ عَقِيبَيْهما. ومِمَّن اسْتَحَبَّ ذلك عَطاءٌ، ومُجاهِدٌ، وسَعِيدُ بن جُبَيْرٍ، والثَّوْرِىُّ، والشَّافِعِىُّ، وإسحاقُ، وابنُ المُنْذِرِ. ولا يُسَنُّ أن يَطُوفَ بعدَ إحْرامِه. قال ابنُ عَبّاسٍ: لا أرَى لأهْلِ مَكَّةَ أن يَطُوفُوا بعدَ أن يُحْرِمُوا بِالحَجِّ، ولا أن يَطُوفُوا بين الصَّفَا والمَرْوَةِ، حتَّى يَرْجِعُوا. وهذا مذهبُ عَطاءٍ، ومَالِكٍ، وإسحاقَ. وإن طَافَ بعدَ إحْرَامِه، ثمَّ سَعَى، لم يُجْزِئْهُ عن السَّعْىِ الوَاجِبِ. وهو قَوْلُ مالِكٍ. وقال الشَّافِعِىُّ: يُجْزِئُه. وفَعَلَهُ ابنُ الزُّبَيْرِ، وأجازهُ القاسمُ بن محمدٍ، وابنُ المُنْذِرِ؛ لأنَّه سَعَى فى الحَجِّ مَرَّةً، فأجْزَأَهُ، كما لو سَعَى بعدَ رُجُوعِه من مِنًى. ولَنا، أنَّ النَّبِىَّ ﷺ أمَرَ أصْحابَه أن يُهِلُّوا بِالحَجِّ إذا خَرَجُوا إلى مِنًى. وقالت عائشةُ: خَرَجْنَا مع رسولِ اللهِ ﷺ ، فطافَ الذين أهَلُّوا بِعُمْرَةٍ بِالْبيتِ، وبين الصَّفَا والمَرْوَةِ، ثمَّ حَلُّوا، ثمَّ طافُوا طَوافًا آخَرَ بعدَ أن رَجَعُوا مِن مِنًى لِحَجِّهِمْ (٩). ولو شُرِعَ لهم الطَّوَافُ قبلَ الخُرُوجِ، لم يَتَّفِقُوا على تَرْكِه.

стр. 2404

٦٣٣ - مسألة؛ قال: (وَمَضَى إلَى مِنًى، فَصَلَّ ى بِهَا الظُّهْرَ إنْ أمْكَنَهُ؛ لِأَنَّهُ رُوِىَ عَنِ النَّبِىِّ ﷺ ، أنَّهُ صَلَّى بِمِنًى خَمْسَ صَلَوَاتٍ) وجُمْلَةُ ذلك، أنَّ المُسْتَحَبَّ أن يَخْرُجَ مُحْرِمًا من مَكَّةَ يَوْمَ التَّرْوِيَةِ، فيُصَلِّىَ الظُّهْرَ بمنًى، ثمَّ يُقِيمَ حتَّى يُصَلِّىَ بها الصَّلَواتِ الخَمْسَ، ويَبِيتَ بها؛ لأنَّ النَّبِىَّ ﷺ فَعَلَ ذلك. كما جاءَ فى حديثِ جابِرٍ (١)، وهذا قَوْلُ سفيانَ، ومالِكٍ، والشَّافِعِىِّ، وإسحاقَ، وأصْحابِ الرَّأْىِ، ولا نَعْلَمُ فيه مُخَالِفًا. وليس ذلك وَاجِبًا فى قَوْلِهم جميعا. قال ابنُ المُنْذِرِ: ولا أحْفَظُ عن غيرِهم خِلافَهم. وتَخَلَّفَتْ عائشةُ ليلةَ التَّرْوِيَةِ حتَّى ذَهَبَ ثُلُثَا اللَّيْلِ، وصَلَّى ابنُ الزُّبَيْرِ بمَكَّةَ. فصل: فإن صادَفَ يومُ التَّرْوِيَةِ يومَ جمعةٍ، فمَن أقامَ بمَكَّةَ حتَّى تَزُولَ الشمسُ، [ممَّن تَجِبُ عليه الجمعةُ] (٢)، لم يَخْرُجْ حتَّى يُصَلِّيَها؛ لأنَّ الجمعةَ فَرْضٌ، والخُرُوجُ إلى مِنًى فى ذلك الوَقْتِ غيرُ فَرْضٍ. فأمَّا قبلَ الزَّوالِ، فإن شاءَ خَرَجَ، وإن شاءَ أقَامَ حتَّى يُصَلِّىَ، فقد رُوِىَ أنَّ ذلك وَافَقَ أيَّامَ عمرَ بن عبدِ العزيزِ، فخَرَجَ إلى مِنًى. وقال عَطاءٌ: كُلُّ مَن أدْرَكتُ يَصْنَعُونَه، أدْركْتُهم يُجَمِّعُ بمَكَّةَ إمامُهم ويَخْطُبُ، ومَرَّةً لا يُجَمِّعُ ولا يَخْطُبُ. فعلَى هذا إذا خرجَ الإمامُ، أمَرَ بعضَ مَن تَخَلَّفَ أن يُصَلِّىَ بِالنَّاسِ الجمعةَ. وقال أحمدُ: إذا كان وَالِى مَكَّةَ بمَكَّةَ يومَ الجمعةِ، يُجَمِّعُ بهم. قِيلَ له: يَركَبُ من مِنًى، فيَجِىءُ إلى مَكَّةَ، فيُجَمِّعُ بهم؟ قال: لا، إذا كان هو بعدُ بِمَكَّةَ. ٦٣٤ - مسألة؛ قال: (فَإذَا طَلَعَتِ الشَّمْسُ، دَفَعَ إلَى عَرفَةَ، فَأقَامَ بِهَا حَتَّى يُصَلِّىَ الظُّهْرَ والعَصْرَ، بإقَامَةٍ لِكُلِّ صَلَاةٍ، وإنْ أذَّنَ فَلَا بَأْسَ، وَإنْ فَاتَهُ مَعَ الْإمَامِ صَلَّى فى رَحْلِهِ) وجُمْلَةُ ذلك أنَّ المُسْتَحَبَّ أن يَدْفَعَ إلى المَوْقِفِ مِن مِنًى إذا طَلَعَتِ الشمسُ

стр. 2405

يَوْمَ عَرَفَة، فيُقِيمَ بِنَمِرَة، وإن شاءَ بِعَرَفَةَ، حتَّى تَزُولَ الشَّمْسُ، ثم يَخْطُبَ الإمامُ خُطْبَةً، يُعَلِّمُ النَّاسَ فيها مَنَاسِكَهم، من مَوْضِعِ الوُقُوفِ وَوَقْتِه، والدَّفْعِ من عَرَفَات، ومَبِيتِهم بمُزْدَلِفَةَ، وأخْذِ الحَصَى لِرَمْىِ الجِمَارِ؛ لما تَقَدَّمَ فى حديثِ جابِرٍ، أنَّ النَّبِىَّ ﷺ فَعَلَ ذلك (١)، ثمَّ يَأْمُرُ بالأذانِ، فيَنْزِلُ فَيُصَلِّى الظُّهْرَ والعَصْرَ، يَجْمَعُ بينهما، ويُقِيمُ لِكُلِّ صلاةٍ إقَامَةً. وقال أبو ثَوْرٍ: يُؤَذِّنُ المُؤذِّنُ إذا صَعِدَ الإِمام المِنْبَرَ فجَلَسَ، فإذا فَرَغَ المُؤذِّنُ، قامَ الإِمامُ فخَطَبَ. وقِيلَ: يُؤَذِّنُ فى آخِرِ خُطْبَة الإِمام. وحديثُ جابِرٍ يَدُلُّ على أنَّه أذَّنَ بعدَ فَرَاغِ النَّبِىِّ ﷺ من خُطْبَتِه. وكيفما فعل فحَسَنٌ. وقَوْلُه: "وإن أذَّنَ فلا بَأْسَ". كأنَّه ذهبَ إلى أنَّه مُخَيَّرٌ بين أن يُؤَذِّنَ لِلْأُولَى أو لا يُؤَذِّنَ. وكذا قال أحمدُ؛ لأنَّ كُلًّا مَرْوِىٌّ عن رسولِ اللهِ ﷺ . والأذانُ أوْلَى. وهو قَوْلُ الشَّافِعِىِّ، وأبي ثَوْرٍ، وأصْحابِ الرَّأْىِ. وقال مَالِكٌ: يُؤَذِّنُ لِكُلِّ صلاةٍ. واتِّبَاعُ ما جَاءَ فى السُّنَّةِ أَوْلَى، وهو مع ذلك مُوَافِقٌ لِلْقِياسِ، كما فى سَائِرِ المَجْمُوعاتِ والفَوَائِتِ. وقَوْلُ الخِرَقِىِّ: "فإن فَاتَهُ مع الإِمامِ صَلَّى فى رَحْلِه". يَعْنِى أنَّ المُنْفَرِدَ (٢) يَجْمَعُ كما يَجْمَعُ مع الإمامِ، فَعَلَهُ ابنُ عمرَ. وبه قال عَطاءٌ، ومالِكٌ، والشَّافِعِىُّ، وإسحاقُ، وأبو ثَوْرٍ، وصاحِبا أبي حنيفةَ. وقال النَّخَعِىُّ، والثَّوْرِىُّ، وأبو حنيفةَ: لا يَجْمَعُ إلَّا مع الإمامِ؛ [لأنَّ لكلِّ صلاةٍ وَقْتًا مَحْدُودًا، وإنَّما تُرِكَ ذلك فى الجَمْعِ مع الإمامِ] (٣)، فإذا لم يكنْ إمامٌ، رَجَعْنَا إلى الأصْلِ. ولَنا، أنَّ ابنَ عمرَ كان إذا فَاتهُ الجَمْعُ بين الظهرِ والعصرِ، مع الإمامِ بِعَرَفَةَ، جَمَعَ بينهما مُنْفَرِدًا. ولأنَّ كلَّ جمعٍ جازَ مع الإِمامِ جازَ مُنْفَرِدًا، كالجَمْعِ بين العِشاءَيْنِ بجَمْعٍ (٤). وقَوْلُهم: إنَّما جازَ الجَمْعُ فى الجماعةِ. لا يَصِحُّ؛ لأنَّهم قد سَلَّمُوا أنَّ الإِمامَ يَجْمَعُ وإن كان مُنْفَرِدًا.

стр. 2406

فصل: والسُّنَّةُ تَعْجِيلُ الصلاةِ حين تَزُولُ الشمسُ، وأن يُقَصِّرَ الخطبةَ، ثمَّ يَرُوحَ إلى المَوْقِفِ؛ لما رَوَى سَالِمٌ، أنَّه قال للحَجَّاجِ (٥) يومَ عَرَفَةَ: إن كُنْتَ تُرِيدُ أن تُصِيبَ السُّنَّةَ، فقَصِّر الخُطْبَةَ، وعَجِّل الصلاةَ. فقال ابنُ عمرَ: صَدَقَ. رَوَاهُ البُخَارِىُّ (٦). ولأنَّ تَطْوِيلَ ذلك يَمْنَعُ الرَّوَاحَ إلى المَوْقِفِ فى أوَّل وَقْتِ الزَّوَالِ، والسُّنَّةُ التَّعْجِيلُ فى ذلك، فقد رَوَى سَالِمٌ (٧)، أن الحَجَّاجَ أَرْسَلَ إلى ابنِ عمرَ: أيَّةَ سَاعَةٍ كان رسولُ اللَّه ﷺ يَرُوح فى هذا اليومِ؟ فقال: إذا كان ذلك رُحْنَا. فلمَّا أرَادَ ابنُ عمرَ أن يَرُوحَ، قال: أزَاغَتِ الشَّمْسُ؟ قالوا: لم تَزِغْ. فلمَّا قالوا: قد زَاغَتْ. ارْتَحَلَ. رَوَاهُ أبو دَاوُدَ (٨). وقال ابنُ عمرَ: غَدَا رسولُ اللهِ ﷺ مِن مِنًى حين صَلَّى الصُّبْحَ، صَبِيحَةَ يَوْمِ عَرَفَةَ، حتَّى أتَى عَرَفَةَ، فنَزَلَ بِنَمِرَة، حتَّى إذا كان عندَ صلاةِ الظهرِ، رَاحَ رسولُ اللهِ ﷺ مُهَجِّرًا، فجَمَعَ بين الظهرِ والعصرِ، ثمَّ خَطَبَ النّاسَ، ثمَّ رَاحَ فوَقَفَ على المَوْقِفِ مِن عَرَفَةَ (٩). وقد ذَكَرْنا حديثَ جابِرٍ فى هذا. قال ابنُ عبدِ البَرِّ: هذا كلُّه لا خِلافَ فيه بين عُلَماءِ المُسْلِمِينَ. فصل: ويجوزُ الجَمْعُ لِكُلِّ مَن (١٠) بِعَرَفَةَ، من مَكِّىٍّ وغيرِه، قال ابنُ المُنْذِرِ:

стр. 2407

أجْمَعَ أهْلُ العِلْمِ على أنَّ الإمامَ يَجْمَعُ بين الظهرِ والعصرِ بِعَرفَةَ، وكذلك مَن صَلَّى مع الإمامِ. وذَكَرَ أصْحابُنا أنَّه لا يجوزُ الجَمْعُ إلَّا لمن بينه وبين وَطَنِه سِتَّةَ عَشَرَ فَرْسَخًا، إلْحَاقًا له بالقَصْرِ. وليس بِصَحِيحٍ؛ لأنَّ النَّبِىَّ ﷺ جَمَعَ، فجَمَعَ معه مَنْ حَضَرَه مِن المَكِّيِّينَ وغَيرهم، ولم يَأْمُرْهم بِتَرْكِ الجَمْعِ، كما أمَرَهم بِتَرْكِ القَصْرِ حين قال: "أَتِمُّوا، فَإنَّا سَفْرٌ" (١١). ولو حُرِّمَ الجَمْعُ لَبَيَّنَه لهم، إذْ لا يجوزُ تَأْخِيرُ البَيانِ عن وَقْتِ الحاجَةِ، ولا يُقِرُّ النَّبِىُّ ﷺ على الخَطَأِ. وقد كان عثمانُ يُتِمُّ الصلاةَ؛ لأنَّه اتخَذَ أهْلًا، ولم يَتْرُكِ الجَمْعَ. [وكان ابنُ الزُّبَيْرِ بمكَّةَ] (١٢). قال ابنُ أبي مُلَيْكَةَ: وكان ابنُ الزُّبَيْرِ يُعَلِّمُنا المَناسِكَ. فذكر أنَّه قال: إذا أفاضَ، فلا صلاةَ إلَّا بِجَمْعٍ. رَوَاهُ الأَثْرَمُ. وكان عمرُ بنُ عبدِ العزيزِ وَالِىَ مَكَّةَ، فخَرَجَ فجَمَعَ بين الصَّلَاتَيْنِ. ولم يَبْلُغْنَا عن أحَدٍ من المتَقَدِّمِينَ خِلافٌ فى الجَمْعِ بِعَرَفةَ ومُزْدَلِفَةَ، بل وَافَقَ عليه مَن لا يَرَى الجَمْعَ فى غيرِه، والحَقُّ فيما أجْمَعُوا عليه، فلا يُعَرَّجُ (١٣) على غيرِه. فصل: فأمَّا قَصْرُ الصلاةِ، فلا يجوزُ لأهْلِ مَكَّةَ. وبهذا قال عَطاءٌ، ومُجاهِدٌ، والزُّهْرِىُّ، وابنُ جُرَيْجٍ، والثَّوْرِىُّ، ويحيى القَطَّانُ، والشَّافِعِىُّ، وأصْحابُ الرَّأْىِ، وابنُ المُنْذِرِ. وقال القاسمُ بنُ محمدٍ، وسالِمٌ، ومَالِكٌ، والأوْزاعِىُّ: لهم القَصْرُ؛ لأنَّ لهم الجَمْعَ، فكان لهم القَصْرُ كغَيْرِهم. ولَنا، أنَّهم فى غير سَفَرٍ بَعِيدٍ، فلم يَجُزْ لهم القَصْرُ كغير من فى (١٤) عَرَفَةَ ومُزْدَلِفَةَ، قيل لِأبي عبدِ اللهِ: فرجلٌ أقامَ بمَكَّةَ، ثمَّ خرج إلى الحَجِّ؟ قال: إن كان لا يُرِيدُ أن يُقِيمَ بمَكَّةَ إذا رجع صَلَّى ثَمَّ رَكْعَتَيْنِ. وذكر فِعْلَ ابنِ عُمَرَ. قال: لأنَّ خُرُوجَهُ إلى مِنًى وعَرفَةَ ابْتِدَاءُ سَفَرٍ، فإنَّ

стр. 2408

عَزَمَ على أن يَرْجِعَ، فيُقِيمَ بمَكَّةَ، أتَمَّ بمِنًى وعَرفَةَ. ٦٣٥ - مسألة؛ قال: (ثُمَّ يَصِيرُ إلَى مَوْقِفِ عَرَفَةَ عِنْد الْجَبَلِ، وعَرفَةُ كُلُّهَا مَوْقِفٌ، ويَرْفَعُ عَنْ بَطْنِ عُرَنَةَ، فَإنَّهُ لا يُجْزِئُهُ الوُقُوفُ فِيهِ) يعنى إذا صَلَّى الصلاتَيْنِ، صارَ إلى الوُقُوفِ بِعَرَفَةَ، ويُسْتَحَبُّ أن يَغْتَسِلَ لِلْوُقُوفِ، كان ابنُ مسعودٍ يَفْعَلُه، ورُوِىَ عن عَلِىٍّ. وبه يَقُولُ الشَّافِعِىُّ، وإسحاقُ، وأبو ثَوْرٍ، وابنُ المُنْذِرِ؛ لأنَّها مَجْمَعٌ (١) لِلنَّاسِ، فاسْتُحِبَّ الاغْتِسالُ لها، كالعِيدِ والجمعةِ. وعَرَفَةُ كلُّها مَوْقِفٌ؛ فإنَّ النَّبِيَّ ﷺ قال: "قَدْ وَقَفْتُ هاهُنَا، وعَرَفَةُ كُلُّهَا مَوْقِفٌ". رَوَاهُ أبو دَاوُدَ، وابنُ مَاجَه (٢). وعن يَزِيدَ بن شَيْبان، قال: أتَانَا ابنُ مِرْبَعٍ الأنْصارِىُّ، ونحنُ بِعَرَفَةَ فى مَكانٍ يُبَاعِدُه عَمْرٌو (٣) عن الإمامِ، فقال: إنِّى رسولُ رسولِ اللهِ ﷺ إليكم، يقولُ: "كُونُوا عَلَى مَشَاعِرِكُمْ، فَإنَّكُمْ عَلَى إرْثٍ مِن إرْثِ أَبِيكُمْ إبْرَاهِيمَ" (٤). وَحَدُّ عَرَفَةَ من الجَبَلِ المُشْرِفِ

стр. 2409

على عُرَنَةَ (٥) إلى الجِبَالِ المُقَابِلة له إلى ما يَلِى حَوَائِطَ بَنِى عَامِرٍ. وليس وَادِى عُرَنَةَ من المَوْقِفِ، ولا يُجْزِئُهُ الوُقُوفُ فيه. قال ابنُ عبدِ البَرِّ: أجْمَعَ الفُقَهاءُ (٦) على أنَّ مَن وَقَفَ به لا يُجْزِئُه. وحُكِىَ عن مالِكٍ، أنَّه يُهْرِيقُ دَمًا، وحَجُّهُ تَامٌّ. ولَنا، قَوْلُ النَّبِىِّ ﷺ : "كُلُّ عَرَفَةَ مَوْقِفٌ، وَارْفَعُوا عَنْ بَطْنِ عُرَنَةَ". رَوَاهُ ابنُ مَاجَه (٧). ولأنَّه لم يَقِفْ بِعَرَفَةَ، فلم يُجْزِئْهُ، كما لو وَقَفَ بِمُزْدَلِفَةَ. والمُسْتَحَبُّ أن يَقِفَ عندَ الصَّخَرَاتِ وجَبَلِ الرَّحْمَةِ، ويَسْتَقْبِلَ القِبْلَةَ؛ لما جاءَ فى حديثِ جابرٍ، أنَّ النَّبِىَّ ﷺ جَعَلَ بَطْنَ نَاقَتِه القَصْواءِ إلَى الصَّخَرَاتِ، وجَعَلَ حَبْلَ المُشَاةِ بين يَدَيْهِ، واسْتَقْبَلَ القِبْلَةَ (٨). فصل: والأفْضَلُ، أن يَقِفَ رَاكِبًا على بَعِيرِه، كما فعل النَّبِىُّ ﷺ ، فإنَّ ذلك أعْوَنُ له على الدُّعَاءِ. قال أحمدُ، حين سُئِلَ عن الوُقُوفِ رَاكِبًا، فقال: النَّبِىُّ ﷺ وَقَفَ على رَاحِلَتِهِ. وقيل: الرَّاجِلُ أَفْضَلُ؛ لأنَّه أخَفُّ على الرَّاحِلَةِ. ويَحْتَمِلُ التَّسْوِيَةَ بينهما (٩). فصل: والوُقُوفُ رُكْنٌ، لا يَتِمُّ الحَجُّ إلَّا به، إجْمَاعًا. وقد رَوَى الثَّوْرِىُّ، عن بُكَيْر بن عَطاءٍ اللَّيْثِىِّ، عن عَبدِ الرحمنِ بن يَعْمَرَ (١٠) الدِّيلِىِّ، قال: أتَيْتُ رسولَ اللهِ ﷺ بِعَرَفَةَ، فجاءَه نَفَرٌ من أهْلِ نَجْدٍ، فقالوا: يا رسولَ اللهِ، كَيْفَ الحَجُّ؛ قال: "الحَجُّ عَرَفَةُ، فَمَنْ جَاءَ قَبْلَ صَلَاةِ الفَجْرِ لَيْلَةَ جَمْعٍ فقد تَمَّ

стр. 2410

حَجُّهُ". رَوَاهُ أبو دَاوُدَ، وابنُ مَاجَه (١١). قال محمدُ بن يحيى: ما أرْوِى لِلثَّوْرِىِّ حَدِيثًا أشْرَفَ منه. ٦٣٦ - مسألة؛ قال: (فَيُكَبِّرُ، ويُهَلِّلُ، ويَجْتَهِدُ فى الدُّعَاءِ إلى غُرُوبِ الشَّمْسِ) يُسْتَحَبُّ الإِكْثارُ من ذِكْرِ اللهِ تعالى والدُّعاءِ يومَ عَرَفَةَ؛ فإنَّه يومٌ تُرْجَى فيه الإجابَةُ، ولذلك أَحْبَبْنا له الفِطْرَ يَوْمَئِذٍ، لِيَتَقَوَّى على الدُّعاءِ، مع أنَّ صَوْمَهُ بغيرِ عَرَفَةَ يَعْدِلُ سَنَتَيْنِ. ورَوَى ابنُ مَاجَه، فى "سُنَنِه" (١)، قال: قالتْ عائشةُ، رَضِىَ اللهُ عنها: إنَّ رسولَ اللهِ ﷺ قال: "مَا مِنْ يَوْمٍ أَكْثَرَ مِنْ (٢) أنْ يُعْتِقَ اللهُ فِيهِ عَبْدًا مِنَ النَّارِ مِنْ يَوْمِ عَرَفَةَ، فَإنَّهُ لَيَدْنُو ، ثُمَّ يُبَاهِى بِكُمُ الْمَلَائِكَةَ، فَيَقُولُ: مَا أرَادَ هَؤُلَاءِ؟ ". [رَوَاهُ مُسْلِمٌ] (٣). ويُسْتَحَبُّ أن يَدْعُوَ بِالمَأْثُورِ من الأدْعِيَةِ، مثل ما رُوِىَ عن علىٍّ، رَضِىَ اللهُ عنه، قال: قال رسولُ اللَّه ﷺ : "أَكْثَرُ دُعَاءِ الأَنْبِيَاءِ قَبْلِى، وَدُعَائِى عَشِيَّةَ عَرَفَةَ، لَا إلهَ إلَّا اللهُ وَحْدَهُ لا شَرِيكَ لَهُ، لَهُ المُلْكُ وَلَهُ الحَمْدُ، يُحْيِى ويُمِيتُ، وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَىْءٍ قَدِيرٌ" (٤). وكان ابنُ عمرَ يقول: اللهُ أكْبَرُ اللهُ أَكْبَرُ وللهِ الحَمْدُ، اللهُ أكْبَرُ اللهُ أَكْبَرُ وللهِ الحَمْدُ،

стр. 2411

اللهُ أَكْبَرُ اللهُ أكْبَرُ وللهِ الحَمْدُ، لَا إلهَ إلَّا اللهُ وَحْدَهُ لا شَرِيكَ له، لَهُ المُلْكُ ولَهُ الحَمْدُ، اللَّهُمَّ اهْدِنِى بِالهُدَى، وقِنِى بِالتَّقْوَى، واغْفِرْ لِى فِى الآخِرَةِ والأولَى. ويَرُدُّ يَدَيْهِ، ويَسْكُتُ بقَدْرِ (٥) ما كان إنْسانٌ قَارِئًا فَاتِحَةَ الكِتابِ، ثمَّ يَعُودُ فيَرْفَعُ يَدَيْهِ، ويقولُ مِثْلَ ذلك. ولم يَزَلْ يَفْعَلُ مثلَ ذلك حتَّى أفاضَ. وسُئِلَ سُفيانُ بن عُيَيْنَةَ عن أفْضَلِ الدُّعَاءِ يَوْمَ عَرَفَةَ؟ فقال: لَا إلهَ إلَّا اللهُ وَحْدَهُ لا شَرِيكَ له، له المُلْكُ وله الحَمْدُ وهو على كُلِّ شَىْءٍ قَدِيرٌ. فقِيلَ له: هذا ثَناءٌ، وليس بِدُعَاءٍ. فقال: أما سَمِعْتَ قَوْلَ الشَّاعرِ (٦): أَأَذْكُرُ حَاجَتِى، أم قَدْ كَفَانِى ... حَيَاؤُك؟ إنَّ شِيمَتَكَ الحَياءُ إذا أثْنَى عَلَيْكَ المَرْءُ يَوْمًا ... كَفَاهُ من تَعَرُّضِهِ الثَّناءُ وَرُوِىَ أنَّ (٧) من دُعاءِ النَّبِيِّ ﷺ بِعَرفَةَ: "اللَّهُمَّ إنَّكَ تَرَى مَكَانِى، وتَسْمَعُ كَلَامِى، وتَعْلَمُ (٨) سِرِّى وعَلَانِيَتِى، ولَا يَخْفَى عليك شَىْءٌ مِنْ أَمْرِى، أنَا البَائِسُ الفَقِيرُ، المُسْتَغِيثُ المُسْتَجِيرُ، الوَجِلُ المُشْفِقُ، المُقِرُّ المُعْتَرِفُ بِذَنْبِه، أسْأَلُكَ مَسْأَلَةَ المِسْكِينِ، وأَبْتَهِلُ إلَيْكَ ابْتِهَالَ المُذْنِبِ الذَّلِيلِ، وأَدْعُوكَ دُعَاءَ الخَائِفِ الضَّرِيرِ، من خَشَعَتْ لَكَ رَقَبَتُه، وذَلَّ لَكَ جَسَدُهُ، وفَاضَتْ لَكَ عَيْنُه، ورَغَمَ (٩) لَكَ أَنْفُه" (١٠). وروَيْنا عن سفيانَ الثَّوْرِىِّ، أنَّه قال: سَمِعْتُ أَعْرَابِيًّا، وهو مُسْتَلْقٍ بِعَرَفَةَ، يقولُ: إلهِى مَنْ أَوْلَى بالزَّلَلِ والتَّقْصِير (١١) مِنِّى وقد خَلَقْتَنِى ضَعِيفًا، ومَنْ أوْلَى بِالعَفْوِ عَنِّى مِنْكَ، وعِلْمُكَ فىَّ سَابِقٌ، وأَمْرُكَ بى مُحِيطٌ، أطَعْتُكَ بإذْنِكَ والمِنَّةُ لك، وعَصيْتُكَ بِعِلْمِكَ والْحُجَّةُ لك، فأسْأَلُكَ بِوُجُوبِ حُجَّتِكَ وانْقِطَاعِ

стр. 2412

حُجَّتِى، وبِفَقْرِى إليكَ وغِنَاكَ عَنِّى، أن تَغْفِرَ لى وَتَرْحَمَنِى، إلهِى لم أُحْسِنْ حتَّى أَعْطَيْتَنِى، ولم أُسِئْ، حتَّى قَضَيْتَ عَلَىَّ، اللَّهُمَّ أَطَعْتُكَ بِنِعْمَتِكَ فى أحَبِّ الأشْياءِ إليكَ، شَهَادَةِ أنْ لا إله إلَّا اللهُ، ولم أَعْصِكَ فى أبْغَضِ الأشْياءِ إليك، الشِّرْكِ بك، فاغْفِرْ لى ما بينهما، اللَّهُمَّ أنْتَ أُنْسُ المُؤْنِسينَ لأوْلِيَائِكَ، وأقْرَبُهم بِالكِفَايَةِ من المُتَوَكِّلِينَ عليك، تُشَاهِدُهم فى ضَمَائِرِهم، وتَطَّلِعُ على سَرَائِرِهم، وسِرِّى اللَّهُمَّ لَكَ مَكْشُوفٌ، وأنا إليك مَلْهُوفٌ، إذا أوْحَشَتْنِى الغُرْبَةُ آنَسَنِى ذِكْرُكَ، وإذا أَصْمَتْ (١٢) علىَّ الهُمُومُ لَجَأْتُ إليك، اسْتِجَارَةً بكَ، عِلْمًا بأنَّ أزِمَّةَ الأمُورِ بِيَدِكَ، ومَصْدَرَها عن قَضَائِكَ. وكان إبراهيمُ بنُ إسحاقَ الحَرْبِىُّ، يقولُ: اللَّهُمَّ قد آوَيْتَنِى مِن ضَنَاىَ، وبَصَّرْتَنِى من عَمَاىَ، وأَنْقَذْتَنِى (١٣) من جَهْلِى وجَفَاىَ، أسْأَلُكَ ما يَتِمُّ به فَوْزِى، وما أُؤَمِّلُ فى عَاجلِ دُنْيَاىَ ودِينِى، ومَأْمُولِ أَجَلِى ومَعَادِى، ثمَّ ما لا أبْلُغُ أدَاءَ شُكْرِه، ولا أنَالُ إحْصَاءَه وذِكْرَهُ، إلَّا بِتَوْفِيقِكَ وإلْهَامِكَ، أن هَيَّجْتَ قَلْبِىَ القَاسِى، على الشُّخُوصِ إلى حَرَمِك، وقَوَّيْتَ أرْكَانِى الضَّعِيفَةَ لِزِيَارَةِ عَتِيقِ بَيْتِكَ، ونَقَلْتَ بَدَنِى، لإشْهَادِى مَوَاقِفَ حَرَمِكَ، اقْتِدَاءً بِسُنَّةِ خَلِيلكَ، واحْتِذَاءً على مِثَالِ رَسُولِكَ، واتِّبَاعًا لآثَارِ خِيرَتِكَ وأنْبِيَائِكَ وأصْفِيَائِكَ (١٤)، صَلَّى اللَّه عليهم، وأَدْعُوكَ فى مَوَاقِفِ الأنْبِيَاءِ، ﵈، ومَنَاسِكِ السُّعَدَاءِ، ومَشَاهِدِ (١٥) الشُّهَدَاءِ، دُعَاءَ من أتَاكَ لِرَحْمَتِكَ رَاجِيًا، عن وَطَنِه نَائِيًا، ولِقَضَاءِ نُسُكِهِ مُؤَدِّيًا، ولِفَرَائِضِكَ قَاضِيًا، ولِكِتَابِكَ تَالِيًا، ولِرَبِّهِ دَاعِيًا مُلَبِّيًا، ولِقَلْبِه شَاكِيًا، ولِذَنْبِه خَاشِيًا، ولِحَظِّهِ مُخْطِئًا، ولِرَهْنِه

стр. 2413

مُغْلِقًا، ولِنَفْسِه ظَالِمًا، وبِجُرْمِهِ عَالِمًا، دُعَاءَ مَن جَمَّتْ عُيُوبُه، وكَثُرَتْ ذُنُوبُه، وتَصَرَّمَتْ أَيَّامُه، واشْتَدَّتْ فاقَتُه، وانْقَطَعَتْ مُدَّتُه، دُعَاءَ مَن ليس لِذَنْبِه سِوَاكَ غَافِرًا، ولا لِعَيْبِهِ غَيْرُكَ مُصْلِحًا، ولا لِضَعْفِه غَيْرُكَ مُقَوِّيًا، ولا لِكَسْرِه غَيْرُكَ جَابِرًا، ولا لِمَأْمُولِ خَيْرٍ غَيْرُكَ مُعْطِيًا، ولا لما يتَخَوَّفُ من حَرِّ نَارِه غَيْرُكَ مُعْتِقًا، اللهُمَّ وقد أصْبَحْتُ فى بَلَدٍ حَرَامٍ، [فى يومٍ حَرامٍ] (١٦) فى شَهْرٍ حَرَامٍ، فى قِيَامٍ من خَيْرِ الأنَامِ، أسْأَلكَ أن لا تَجْعَلَنِى أَشْقَى خَلْقِكَ المُذْنِبِينَ عِنْدَكَ (١٧)، ولا أخْيَبَ الرَّاجِينَ لَدَيْكَ، ولا أحْرَمَ الآمِلِينَ لِرَحْمَتِكَ، الزَّائِرِينَ لِبَيْتِكَ، ولا أَخْسَرَ المُنْقَلِبِينَ من بِلَادِكَ، اللَّهُمَّ وقد كان مِن (١٨) تَقْصِيرِى ما قد عَرَفْتَ، ومن تَوْبِيقِى نَفْسِى ما قد عَلِمْتَ، ومن مَظَالِمِى ما قد أحْصَيْتَ، فكم مِن كَرْبٍ منه قد نَجَّيْتَ، ومِن غَمٍّ قد جَلَّيْتَ، [ومِن هَمٍّ] (١٩) قد فَرَّجْتَ، ودُعَاءٍ قد اسْتَجَبْتَ، وشِدَّةٍ قد أزَلْتَ، ورَخَاءٍ (٢٠) قد أنَلْتَ، منك النَّعْمَاءُ، وحُسْنُ القَضَاءِ، ومِنِّى الجَفَاءُ، وطُولُ الاسْتِقْصَاءِ، والتَّقصِيرُ عن أدَاءِ شُكْرِكَ، لك النَّعْمَاءُ يَا مَحْمُودُ، فلا يَمْنَعَنَّكَ (٢١) يَا مَحْمُودُ من إعْطَائِى مَسْأَلَتِى من حَاجَتِى إلى حيث انْتَهَى لها سُؤْلِى، ما تَعْرِفُ من تَقْصِيرِى، وما تَعْلَمُ من ذُنُوبِى وعُيُوبِى، اللَّهُمَّ فأدْعُوكَ رَاغِبًا، وأنْصِبُ لك وَجْهِى طَالِبًا، وأضَعُ خَدِّى مُذْنِبًا رَاهِبًا، فَتَقَبَّلْ دُعَائِى، وَارْحَمْ ضَعْفِى، وأصْلِحِ الفَسَادَ من أَمْرِى، واقْطَعْ من الدُّنْيَا هَمِّى وحَاجَتِى، واجْعَلْ فيما عِنْدَكَ رَغْبَتِى، اللَّهُمَّ واقْلِبْنِى مُنْقَلَبَ المُدْرِكِينَ لِرَجَائِهم، المَقْبُولِ دُعَاؤُهم، المَفْلُوجِ حُجَّتُهُم (٢٢)، المَغْفُورِ ذَنْبُهم، المَحْطُوطِ خَطَاياهم، المَمْحُوِّ

стр. 2414

سَيِّئَاتُهم، المَرْشُودِ أمْرُهم، مُنْقَلَبَ مَن لا يَعْصِى لك بَعْدَه أمْرًا، ولا يَأْتِى (٢٣) بعدَه مَأْثَمًا، ولا يَرْكَبُ بعدَه جَهْلًا، ولا يَحْمِلُ بعدَه وِزْرًا، مُنْقَلَبَ مَن عَمَّرْتَ قَلْبَه بِذِكْرِكَ، ولسَانَه بِشُكْرِكَ، وطَهَّرْتَ الأدْنَاسَ من بَدَنِه، واسْتَوْدَعْتَ الهُدَى قَلْبَه، وشَرَحْتَ بالإِسلامِ صَدْرَهُ، وأقْرَرْتَ بِعَفْوِكَ قبلَ المَمَاتِ عَيْنَه، وأغْضَضْتَ عن المآثِمِ بَصَرَه، واسْتُشْهِدَتْ فى سَبِيلِكَ نَفْسُه، يا أرْحَمَ الرَّاحِمِينَ، وصَلَّى اللهُ على سَيِّدِنا محمدٍ وآلِه وسَلَّمَ تَسْلِيمًا كَثِيرًا، كما تُحِبُّ رَبّنَا وَتَرْضَى، ولَا حَوْلَ ولا قُوَّةَ إلَّا بِاللهِ العَلِىِّ العَظِيمِ. وقَوْلُ الخِرَقِىِّ: "إلى غُرُوبِ الشَّمْسِ". معناه ويجبُ عليه الوُقُوفُ إلى غُرُوبِ الشَّمْسِ؛ لِيَجْمَعَ بين اللَّيْلِ والنَّهَارِ فى الوُقُوفِ بِعَرفَةَ؛ فإنَّ النَّبِىَّ ﷺ وَقَفَ بِعَرَفَةَ حتَّى غَابَتِ الشَّمْسُ فى حديثِ جابِرٍ (٢٤)، وفى حديثِ علىٍّ، وأُسَامَةَ، أنَّ النَّبِىَّ ﷺ دَفَعَ حين غَابَتِ الشَّمْسُ (٢٥). فإنْ دَفَعَ قبل الغُرُوبِ فَحَجُّه صَحِيحٌ، فى قَوْلِ جَمَاعَةِ الفُقَهَاءِ، إلَّا مَالِكًا، فإنَّه (٢٦) قال: لا حَجَّ له. قال ابنُ عبدِ البَرِّ: لا نَعْلَمُ أحَدًا مِن فُقَهاءِ الأَمْصارِ قال بِقَوْلِ مَالِكٍ، وحُجَّتُه ما رَوَى ابنُ عمرَ، أنَّ النَّبِىَّ ﷺ قال: "مَنْ أَدْرَكَ عَرَفَاتٍ بِلَيْلٍ فَقَدْ أدْرَكَ الحَجَّ، وَمَنْ فَاتَهُ عَرَفَاتٌ بِلَيْلٍ فَقَدْ فَاتَهُ الحَجُّ، فَليَحِلَّ بِعُمْرَةٍ، وعَلَيْهِ الحَجُّ مِنْ قَابِلٍ" (٢٧). ولَنا، ما رَوَى عُرْوَةُ بن مُضَرِّسٍ بن أَوْسِ بن (٢٨) حَارِثَةَ بن لَأْمٍ

стр. 2415

الطَّائِىُّ، قال: أتيتُ رسولَ اللهِ ﷺ بِالمُزْدَلِفَةِ، حين خرج إلى الصلاةِ. فقلتُ: يا رسولَ اللهِ، إنِّى جِئْتُ من جَبَلِ طَىٍّ، أكْلَلْتُ رَاحِلَتِى، وأتْعَبْتُ نَفْسِى، واللهِ ما تَرَكْتُ من جَبَلٍ إلَّا وَقَفْتُ عليه، فهل لى من حَجٍّ؟ فقال رسولُ اللَّه ﷺ : "مَنْ شَهِدَ صَلَاتَنَا هذِهِ، وَوَقَفَ مَعَنَا حَتَّى يَدْفَعَ، وَقَدْ وَقَفَ بِعَرفَةَ قَبْلَ ذلِكَ لَيْلًا أو نَهَارًا، فَقَدْ تَمَّ حَجُّه، وقَضَى تَفَثَهُ" (٢٩). قال التِّرْمِذِىُّ: هذا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ. ولأنَّه وَقَفَ فى زَمَنِ الوُقُوفِ، فأجْزَأهُ، كاللَّيْلِ. فأمَّا خَبَرُهُ، فإنَّما خَصَّ اللَّيْلَ؛ لأنَّ الفَوَاتَ يَتَعَلَّقُ به إذا كان يُوجَدُ بعدَ النَّهَارِ، فهو آخِرُ وَقْتِ الوُقُوفِ، كما قال ﵇: "مَنْ أَدْرَكَ رَكْعَةً [مِنَ الْعَصْرِ قَبْلَ أن تَغْرُبَ الشَّمْسُ، فَقَدْ أَدْرَكَهَا، وَمَنْ أَدْرَكَ رَكْعَةً] (٣٠) مِنَ الصُّبْحِ قَبْلَ أنْ تَطْلُعَ (٣١) الشَّمْسُ، فَقَدْ أَدْرَكَهَا" (٣٢). وعلَى من دَفَعَ قبلَ الغُرُوبِ دَمٌ، فى قَوْلِ أَكْثَر أهْلِ العِلْمِ، منهم عَطاءٌ، والثَّوْرِىُّ، والشَّافِعِىُّ، وأبو ثَوْرٍ، وأصْحابُ الرَّأْى، ومَن تَبِعَهم. وقال ابنُ جُرَيْجٍ: عليه بَدَنَةٌ. وقال الحسنُ البَصْرِىُّ: عليه هَدْىٌ من الإبِلِ. ولَنا، أنَّه وَاجِبٌ، لا يَفْسُدُ الحَجُّ بِفَوَاتِه، فلم يُوجِبِ البَدَنةَ، كالإحْرَامِ من المِيقَاتِ. فصل: فإن دَفَعَ قبلَ الغُرُوبِ، ثمَّ عادَ نَهَارًا فوَقَفَ حتَّى غَرَبَتِ الشَّمسُ،

стр. 2416

فلا دَمَ عليه. وبهذا قال مالِكٌ، والشَّافِعِىُّ، وقال الكُوفِيُّونَ، وأبو ثَوْرٍ: عليه دَمٌ؛ لأنَّه بِالدَّفْعِ لَزِمَهُ الدَّمُ، فلم يَسْقُطْ بِرُجُوعِه، كما لو عادَ بعدَ غُرُوبِ الشمسِ. ولَنا، أنَّه أتَى بِالوَاجِبِ، وهو الجَمْعُ بين الوُقُوفِ في اللَّيْلِ والنَّهَارِ، فلم يَجِبْ عليه دَمٌ، كمن تَجاوَزَ المِيقَاتَ غيرَ مُحْرِمٍ، ثم رَجَعَ فأحْرَمَ منه. فإن لم يَعُدْ حتى غَرَبَتِ الشمسُ، فعليه دَمٌ؛ لأنَّ عليه الوُقُوفَ حالَ الغُرُوبِ، وقد فاتَهُ بِخُرُوجِه، فأشْبَهَ من تَجَاوَزَ المِيقاتَ غيرَ مُحْرِمٍ، فأحْرَمَ دُونَه، ثم عادَ إليه. ومن لم يُدْرِكْ جُزْءًا من النَّهَارِ، ولا جاءَ عَرَفَةَ، حتى غَابَتِ الشَّمْسُ، فوَقَفَ لَيْلًا، فلا شىءَ عليه، وحَجُّه تَامٌّ. لا نَعْلَمُ فيه (٣٣) مُخَالِفًا؛ لِقَوْلِ النَّبِيِّ ﷺ : "مَنْ أَدْرَكَ عَرَفَاتٍ بِلَيْلٍ [فَقَدْ أدْرَكَ الْحَجَّ] (٣٤) ". ولأنَّه لم يُدْرِكْ جُزْءًا من النَّهارِ، فأشْبَهَ مَنْ مَنْزِلُه دُونَ المِيقاتِ إذا أَحْرَمَ منه. فصل: وَقْتُ الوُقُوفِ من طُلُوعِ الفَجْرِ يومَ عَرَفَةَ إلى طُلُوعِ الفَجْرِ من يومِ النَّحْرِ. ولا نَعْلَمُ (٣٥) خِلافًا بين أهْلِ العِلْمِ في أنَّ آخِرَ الوَقْتِ طُلُوعُ فَجْرِ يومِ النَّحْرِ. قال جابرٌ: لا يَفُوتُ الحَجُّ حتى يَطْلُعَ الفجرُ من لَيْلَةِ جَمْعٍ. قال أبو الزُّبَيْرِ: فقلتُ له: أقالَ رسولُ اللهِ ﷺ ذلك؟ قال: نعم. رَوَاهُ الأثْرَمُ (٣٦). وأمَّا أَوَّلُهُ فمِن طُلُوعِ الفجرِ يومَ عَرَفَةَ، فمن أدْرَكَ عَرَفَةَ في شيءٍ من هذا الوَقْتِ وهو عَاقِلٌ، فقد تَمَّ حَجُّه. وقال مالِكٌ، والشَّافِعِىُّ: أوَّلُ وَقْتِه زَوالُ الشَّمسِ (٣٧) يومَ عَرَفَةَ. واخْتَارَه أبو حَفْصٍ العُكْبَرِىُّ. وحُمِلَ عليه كلامُ الخِرَقِىِّ. وحَكَى ابنُ عبدِ

стр. 2417

البَرِّ ذلك إجْماعًا. ظاهِرُ كلامِ الخِرَقِىِّ ما قُلْنَاهُ، فإنَّه قال: "لو وَقَفَ بِعَرَفَةَ نَهَارًا ودَفَعَ قبلَ الإِمامِ فعليه دَمٌ". ولَنا، قَوْلُ النَّبِيِّ ﷺ : "مَنْ شَهِدَ صَلَاتَنَا هذِهِ، ووَقَف مَعَنَا حَتَّى نَدْفَعَ، وقَدْ وَقَفَ بِعَرَفَةَ، قَبْلَ ذلِكَ لَيْلًا أو نَهَارًا، فَقَدْ تَمَّ حَجُّه، وقَضَى تَفَثَهُ" (٣٨). ولأنَّه من يومِ عَرفَةَ، فكان وَقْتًا لِلْوُقُوفِ، كبَعدِ الزوالِ، وتَرْكُ الوُقُوفِ لا يَمْنَعُ كَوْنَه وَقْتًا لِلْوُقُوفِ، كبَعدِ العِشاءِ. وإنَّما وَقَفُوا في وَقْتِ الفَضِيلَةِ، ولم يَسْتَوْعِبُوا جَمِيعَ وَقْتِ الوُقُوفِ. فصل: وكيفما حَصَلَ بِعَرَفَةَ، وهو عَاقِلٌ، أَجْزَأَهُ، قَائِمًا أو جَالِسًا أو رَاكِبًا أو نَائِمًا. وإن مَرَّ بها مُجْتَازًا، فلم يَعْلَمْ أنَّها عَرَفَةُ، أَجْزَأَةُ أيضًا. وبه قال مالِكٌ، والشَّافِعِىُّ، وأبو حنيفةَ. وقال أبو ثَوْرٍ: لا يُجْزِئُه؛ لأنَّه لا يكونُ وَاقِفًا إلَّا بإِرَادَةٍ. ولَنا، عُمُومُ قَوْلِه ﷺ : "وَقَدْ أَتَى عَرَفَاتٍ، قَبْلَ ذلِكَ لَيْلًا أو نَهَارًا" (٣٩). ولأنَّه حَصَلَ بِعَرَفَةَ في زمنِ الوُقُوفِ وهو عَاقِلٌ، فأجْزَأهُ، كما لو عَلِمَ، وإن وَقَفَ وهو مُغْمًى عليه أو مَجْنُونٌ، ولم يُفِقْ حتى خرج منها، لم يُجْزِئْهُ. وهو قولُ الحسنِ، والشَّافِعِىِّ، وأبى ثَوْرٍ، وإسحاقَ، وابنِ المُنْذِرِ. وقال عَطاءٌ في المُغْمَى عليه: يُجْزِئُهُ. وهو قَوْلُ مالِكٍ، وأصْحابِ الرَّأْىِ. وقد تَوَقَّفَ أحمدُ، ﵀، في هذه المَسْأَلَةِ، وقال: الحسنُ يَقُولُ بَطَلَ حَجُّه، وعَطَاءٌ يُرَخِّصُ فيه. وذلك لأنَّه لا يُعْتَبَرُ له نِيّةٌ ولا طَهَارَةٌ. ويَصِحُّ من النَّائِمِ، فصَحَّ من المُغْمَى عليه، كالمَبِيتِ بِمُزْدَلِفَةَ. ومن نَصَرَ الأَوَّلَ قال: رُكْنًا من أَرْكَان الحَجِّ. فلم يَصِحَّ مِن المُغْمَى عليه، كسائِرِ أرْكانِه. قال ابنُ عَقِيلٍ: والسَّكْرَانُ كالمُغْمَى عليه؛ لأنَّه زَائِلُ العَقْلِ بغيرِ نَوْمٍ، فأشْبَهَ المُغْمَى عليه، وأمَّا النَّائِمُ فَيُجْزِئُه الوُقُوفُ؛ لأنَّه في حُكْمِ المُسْتَيْقِظِ. فصل: ولا يُشْتَرَطُ لِلْوُقُوفِ طَهارةٌ، ولا سِتَارَةٌ، ولا اسْتِقْبَالٌ، ولا نِيَّةٌ. ولا نَعْلَمُ

стр. 2418

في ذلك خِلَافًا. قال ابنُ المُنْذِرِ: أجْمَعَ كُلُّ مَن نَحْفَظُ عنه من أهْلِ العِلْمِ، على أنَّ مَن [أدْرَكَ الوُقُوفَ] (٤٠) بِعَرَفَةَ غيرَ طاهِرٍ، مُدْرِكٌ لِلْحَجِّ. ولا شىءَ عليه. وفى قَوْلِ النَّبِىِّ ﷺ لعائشةَ: "افْعَلِى مَا يَفْعَلُ (٤١) الْحَاجُّ غَيْرَ الطَّوَافِ بِالْبَيْتِ" (٤٢). دَلِيلٌ على أنَّ الوُقُوفَ بِعَرَفَةَ على غيرِ طهارةٍ جائِزٌ، ووقفتْ عائشةُ، رَضِىَ اللَّه عنها، بها حائِضًا بِأمْرِ النَّبِىِّ ﷺ . ويُسْتَحَبُّ أن يكونَ طَاهِرًا. قال أحمدُ: يُسْتَحَبُّ له أن يَشْهَدَ المَناسِكَ كلَّها على وضُوءٍ، كان عَطاءٌ يقولُ: لا يَقْضِى شيئا من المناسِكِ إلَّا على وضُوءٍ. ٦٣٧ - مسألة؛ قال: (فَإذَا دَفَعَ الْإِمَامُ، دَفَعَ مَعَهُ إلَى مُزْدَلِفَةَ) الإِمامُ هاهُنا الوَالِى الذي إليه أمْرُ الحَجِّ من قِبَلِ الإِمامِ. ولا يَنْبَغِى لِلنَّاسِ أن يَدْفَعُوا حتى يَدْفَعَ. قال أحمدُ: ما يُعْجِبُنِى أن يَدْفَعَ إلَّا مع الإِمامِ. وسُئِلَ عن رَجُلٍ دَفَعَ قبلَ الإِمامِ بعدَ غُرُوبِ الشَّمْسِ، فقال: ما وَجَدْتُ عن أحَدٍ أنَّه سَهَّلَ فيه، كُلُّهم يُشَدِّدُ فيه. فالمُسْتَحَبُّ أن يَقِفَ حتى يَدْفَعَ الإِمامُ، ثم يَسِيرَ نحوَ المُزْدَلِفَةِ على سَكِينَةٍ ووَقَارٍ؛ لِقَوْلِ النَّبِيِّ ﷺ حين دَفعَ، وقد شَنَقَ لِنَاقَتِهِ (١) القَصْواءِ بِالزِّمامِ، حتى إنَّ رَأْسَها لَيُصِيبُ مَوْرِكَ رَحْلِه، ويقولُ بِيَدِه اليُمْنَى: "أيُّهَا النَّاسُ، السَّكِينَةَ السَّكِينَةَ". هذا في حديثِ جابِرٍ (٢)، وَرُوِىَ عن (٣) ابنِ عَبّاسٍ، أنَّه دَفَعَ مع النَّبِيِّ ﷺ يومَ عَرَفَةَ، فسَمِعَ النَّبِيُّ ﷺ ورَاءَه زَجْرًا شَدِيدًا وضَرْبًا لِلْإِبِلِ، فأشارَ بسَوْطِه إليهم، وقال: "أيُّهَا النَّاسُ، عَلَيْكُمُ السَّكِينَةَ، فَإنَّ الْبِرَّ لَيْسَ

стр. 2419

بإيضَاعِ الْإِبِلِ". رَوَاهُ البُخَارِىُّ (٤). وقال عُرْوَةُ: سُئِلَ أُسامَةُ، وأنا جَالِسٌ، كيف كان رسولُ اللَّه ﷺ يَسِيرُ في حِجَّةِ الوَدَاعِ؟ قال: كان يَسِيرُ العَنَقَ (٥)، فإذا وَجَدَ فَجْوَةً نَصَّ. قال هِشامُ بن عُرْوَةَ: والنّصُّ فَوْقَ العَنَقِ. مُتَّفَقٌ عليه (٦). ٦٣٨ - مسألة؛ قال: (ويَكُونُ (١) في الطَّرِيقِ يُلَبِّى (٢)، ويَذْكُرُ اللهَ تَعَالَى) ذِكْرُ اللهِ تعالى مُسْتَحَبٌّ (٣) في الأوْقاتِ كُلِّها، وهو في هذا الوَقْتِ أشَدُّ تَأْكِيدًا، لِقَوْلِ اللهِ تعالى: ﴿فَإِذَا أَفَضْتُمْ مِنْ عَرَفَاتٍ فَاذْكُرُوا اللَّهَ عِنْدَ الْمَشْعَرِ الْحَرَامِ وَاذْكُرُوهُ كَمَا هَدَاكُمْ﴾ (٤). ولأنَّه زَمَنُ الاسْتِشْعارِ بِطاعَةِ اللهِ تعالى، والتَّلَبُّسِ بِعِبادَتِه، والسَّعْىِ إلى شَعائِرِه. وتُسْتَحَبُّ التَّلْبِيَةُ. وذَكَرَ قَوْمٌ أنَّه لا يُلَبِّى. ولَنا، ما رَوَى الفَضْلُ بن عَبّاسٍ، أنَّ النَّبِيَّ ﷺ لم يَزَلْ يُلَبِّى حتى رَمَى الجَمْرَةَ (٥). مُتَّفَقٌ عليه (٦). وعن عبدِ الرحمنِ بن يَزِيدَ، قال: شَهِدْتُ ابنَ مسعودٍ

стр. 2420

يومَ عَرفَةَ وهو يُلَبِّى، فقال له رجلٌ كَلِمَةً. فسَمِعْتُه زادَ في تَلْبِيَتِه شَيْئًا لم أَسْمَعْهُ قبلَ ذلك قَالَها: لَبَّيْكَ عَدَدَ التُّرَابِ. ويُسْتَحَبُّ أن يَمْضِىَ على طَرِيقِ المَأْزِمَيْنِ (٧)؛ لأنَّه يُرْوَى أنَّ النَّبِيَّ ﷺ سَلَكَها (٨). وإن سَلَكَ الطَّرِيقَ الأُخْرَى، جازَ. ٦٣٩ - مسألة؛ قال: (ثُمَّ يُصَلِّى مَعَ الْإِمَامِ الْمَغْرِبَ وعِشَاءَ الْآخِرَةِ، بإقَامَةٍ لِكُلِّ صَلَاةٍ. فَإنْ جَمَعَ بَيْنَهُما بإقَامَةٍ وَاحِدَةٍ، فَلَا بَأْسَ) وجُمْلَةُ ذلك أنَّ السُّنَّةَ لمن دَفَعَ من عَرَفَةَ، أن لا يُصَلِّىَ المَغْرِبَ حتى يَصِلَ مُزْدَلِفَةَ، فيَجْمَعَ (١) بين المَغْرِبِ والعِشَاءِ. لا خِلافَ في هذا. قال ابنُ المُنْذِرِ: أجْمَعَ أهْلُ العِلْمِ لا اخْتِلَافَ بينهم، أن السُّنَّةَ أن يَجْمَعَ الحاجُّ بين المَغْرِبِ والعِشاءِ. والأصْلُ في ذلك أنَّ النَّبِيَّ ﷺ جَمَعَ بينهما. رَوَاهُ جابِرٌ، وابنُ عمرَ، وأسامَةُ، وأبو أيُّوبَ (٢)، وغيرُهم. وأحادِيثُهم صِحاحٌ. ويُقِيمُ لِكُلِّ صلاةٍ إقامَةً؛
следующие страницы →