فلا دَمَ عليه. وبهذا قال مالِكٌ، والشَّافِعِىُّ، وقال الكُوفِيُّونَ، وأبو ثَوْرٍ: عليه دَمٌ؛ لأنَّه بِالدَّفْعِ لَزِمَهُ الدَّمُ، فلم يَسْقُطْ بِرُجُوعِه، كما لو عادَ بعدَ غُرُوبِ الشمسِ. ولَنا، أنَّه أتَى بِالوَاجِبِ، وهو الجَمْعُ بين الوُقُوفِ في اللَّيْلِ والنَّهَارِ، فلم يَجِبْ عليه دَمٌ، كمن تَجاوَزَ المِيقَاتَ غيرَ مُحْرِمٍ، ثم رَجَعَ فأحْرَمَ منه. فإن لم يَعُدْ حتى غَرَبَتِ الشمسُ، فعليه دَمٌ؛ لأنَّ عليه الوُقُوفَ حالَ الغُرُوبِ، وقد فاتَهُ بِخُرُوجِه، فأشْبَهَ من تَجَاوَزَ المِيقاتَ غيرَ مُحْرِمٍ، فأحْرَمَ دُونَه، ثم عادَ إليه. ومن لم يُدْرِكْ جُزْءًا من النَّهَارِ، ولا جاءَ عَرَفَةَ، حتى غَابَتِ الشَّمْسُ، فوَقَفَ لَيْلًا، فلا شىءَ عليه، وحَجُّه تَامٌّ. لا نَعْلَمُ فيه (٣٣) مُخَالِفًا؛ لِقَوْلِ النَّبِيِّ ﷺ : "مَنْ أَدْرَكَ عَرَفَاتٍ بِلَيْلٍ [فَقَدْ أدْرَكَ الْحَجَّ] (٣٤) ". ولأنَّه لم يُدْرِكْ جُزْءًا من النَّهارِ، فأشْبَهَ مَنْ مَنْزِلُه دُونَ المِيقاتِ إذا أَحْرَمَ منه.
فصل: وَقْتُ الوُقُوفِ من طُلُوعِ الفَجْرِ يومَ عَرَفَةَ إلى طُلُوعِ الفَجْرِ من يومِ النَّحْرِ. ولا نَعْلَمُ (٣٥) خِلافًا بين أهْلِ العِلْمِ في أنَّ آخِرَ الوَقْتِ طُلُوعُ فَجْرِ يومِ النَّحْرِ. قال جابرٌ: لا يَفُوتُ الحَجُّ حتى يَطْلُعَ الفجرُ من لَيْلَةِ جَمْعٍ. قال أبو الزُّبَيْرِ: فقلتُ له: أقالَ رسولُ اللهِ ﷺ ذلك؟ قال: نعم. رَوَاهُ الأثْرَمُ (٣٦). وأمَّا أَوَّلُهُ فمِن طُلُوعِ الفجرِ يومَ عَرَفَةَ، فمن أدْرَكَ عَرَفَةَ في شيءٍ من هذا الوَقْتِ وهو عَاقِلٌ، فقد تَمَّ حَجُّه. وقال مالِكٌ، والشَّافِعِىُّ: أوَّلُ وَقْتِه زَوالُ الشَّمسِ (٣٧) يومَ عَرَفَةَ. واخْتَارَه أبو حَفْصٍ العُكْبَرِىُّ. وحُمِلَ عليه كلامُ الخِرَقِىِّ. وحَكَى ابنُ عبدِ
стр. 2417
البَرِّ ذلك إجْماعًا. ظاهِرُ كلامِ الخِرَقِىِّ ما قُلْنَاهُ، فإنَّه قال: "لو وَقَفَ بِعَرَفَةَ نَهَارًا ودَفَعَ قبلَ الإِمامِ فعليه دَمٌ". ولَنا، قَوْلُ النَّبِيِّ ﷺ : "مَنْ شَهِدَ صَلَاتَنَا هذِهِ، ووَقَف مَعَنَا حَتَّى نَدْفَعَ، وقَدْ وَقَفَ بِعَرَفَةَ، قَبْلَ ذلِكَ لَيْلًا أو نَهَارًا، فَقَدْ تَمَّ حَجُّه، وقَضَى تَفَثَهُ" (٣٨). ولأنَّه من يومِ عَرفَةَ، فكان وَقْتًا لِلْوُقُوفِ، كبَعدِ الزوالِ، وتَرْكُ الوُقُوفِ لا يَمْنَعُ كَوْنَه وَقْتًا لِلْوُقُوفِ، كبَعدِ العِشاءِ. وإنَّما وَقَفُوا في وَقْتِ الفَضِيلَةِ، ولم يَسْتَوْعِبُوا جَمِيعَ وَقْتِ الوُقُوفِ.
فصل: وكيفما حَصَلَ بِعَرَفَةَ، وهو عَاقِلٌ، أَجْزَأَهُ، قَائِمًا أو جَالِسًا أو رَاكِبًا أو نَائِمًا. وإن مَرَّ بها مُجْتَازًا، فلم يَعْلَمْ أنَّها عَرَفَةُ، أَجْزَأَةُ أيضًا. وبه قال مالِكٌ، والشَّافِعِىُّ، وأبو حنيفةَ. وقال أبو ثَوْرٍ: لا يُجْزِئُه؛ لأنَّه لا يكونُ وَاقِفًا إلَّا بإِرَادَةٍ. ولَنا، عُمُومُ قَوْلِه ﷺ : "وَقَدْ أَتَى عَرَفَاتٍ، قَبْلَ ذلِكَ لَيْلًا أو نَهَارًا" (٣٩). ولأنَّه حَصَلَ بِعَرَفَةَ في زمنِ الوُقُوفِ وهو عَاقِلٌ، فأجْزَأهُ، كما لو عَلِمَ، وإن وَقَفَ وهو مُغْمًى عليه أو مَجْنُونٌ، ولم يُفِقْ حتى خرج منها، لم يُجْزِئْهُ. وهو قولُ الحسنِ، والشَّافِعِىِّ، وأبى ثَوْرٍ، وإسحاقَ، وابنِ المُنْذِرِ. وقال عَطاءٌ في المُغْمَى عليه: يُجْزِئُهُ. وهو قَوْلُ مالِكٍ، وأصْحابِ الرَّأْىِ. وقد تَوَقَّفَ أحمدُ، ﵀، في هذه المَسْأَلَةِ، وقال: الحسنُ يَقُولُ بَطَلَ حَجُّه، وعَطَاءٌ يُرَخِّصُ فيه. وذلك لأنَّه لا يُعْتَبَرُ له نِيّةٌ ولا طَهَارَةٌ. ويَصِحُّ من النَّائِمِ، فصَحَّ من المُغْمَى عليه، كالمَبِيتِ بِمُزْدَلِفَةَ. ومن نَصَرَ الأَوَّلَ قال: رُكْنًا من أَرْكَان الحَجِّ. فلم يَصِحَّ مِن المُغْمَى عليه، كسائِرِ أرْكانِه. قال ابنُ عَقِيلٍ: والسَّكْرَانُ كالمُغْمَى عليه؛ لأنَّه زَائِلُ العَقْلِ بغيرِ نَوْمٍ، فأشْبَهَ المُغْمَى عليه، وأمَّا النَّائِمُ فَيُجْزِئُه الوُقُوفُ؛ لأنَّه في حُكْمِ المُسْتَيْقِظِ.
فصل: ولا يُشْتَرَطُ لِلْوُقُوفِ طَهارةٌ، ولا سِتَارَةٌ، ولا اسْتِقْبَالٌ، ولا نِيَّةٌ. ولا نَعْلَمُ
стр. 2418
في ذلك خِلَافًا. قال ابنُ المُنْذِرِ: أجْمَعَ كُلُّ مَن نَحْفَظُ عنه من أهْلِ العِلْمِ، على أنَّ مَن [أدْرَكَ الوُقُوفَ] (٤٠) بِعَرَفَةَ غيرَ طاهِرٍ، مُدْرِكٌ لِلْحَجِّ. ولا شىءَ عليه. وفى قَوْلِ النَّبِىِّ ﷺ لعائشةَ: "افْعَلِى مَا يَفْعَلُ (٤١) الْحَاجُّ غَيْرَ الطَّوَافِ بِالْبَيْتِ" (٤٢). دَلِيلٌ على أنَّ الوُقُوفَ بِعَرَفَةَ على غيرِ طهارةٍ جائِزٌ، ووقفتْ عائشةُ، رَضِىَ اللَّه عنها، بها حائِضًا بِأمْرِ النَّبِىِّ ﷺ . ويُسْتَحَبُّ أن يكونَ طَاهِرًا. قال أحمدُ: يُسْتَحَبُّ له أن يَشْهَدَ المَناسِكَ كلَّها على وضُوءٍ، كان عَطاءٌ يقولُ: لا يَقْضِى شيئا من المناسِكِ إلَّا على وضُوءٍ.
٦٣٧ - مسألة؛ قال: (فَإذَا دَفَعَ الْإِمَامُ، دَفَعَ مَعَهُ إلَى مُزْدَلِفَةَ)
الإِمامُ هاهُنا الوَالِى الذي إليه أمْرُ الحَجِّ من قِبَلِ الإِمامِ. ولا يَنْبَغِى لِلنَّاسِ أن يَدْفَعُوا حتى يَدْفَعَ. قال أحمدُ: ما يُعْجِبُنِى أن يَدْفَعَ إلَّا مع الإِمامِ. وسُئِلَ عن رَجُلٍ دَفَعَ قبلَ الإِمامِ بعدَ غُرُوبِ الشَّمْسِ، فقال: ما وَجَدْتُ عن أحَدٍ أنَّه سَهَّلَ فيه، كُلُّهم يُشَدِّدُ فيه. فالمُسْتَحَبُّ أن يَقِفَ حتى يَدْفَعَ الإِمامُ، ثم يَسِيرَ نحوَ المُزْدَلِفَةِ على سَكِينَةٍ ووَقَارٍ؛ لِقَوْلِ النَّبِيِّ ﷺ حين دَفعَ، وقد شَنَقَ لِنَاقَتِهِ (١) القَصْواءِ بِالزِّمامِ، حتى إنَّ رَأْسَها لَيُصِيبُ مَوْرِكَ رَحْلِه، ويقولُ بِيَدِه اليُمْنَى: "أيُّهَا النَّاسُ، السَّكِينَةَ السَّكِينَةَ". هذا في حديثِ جابِرٍ (٢)، وَرُوِىَ عن (٣) ابنِ عَبّاسٍ، أنَّه دَفَعَ مع النَّبِيِّ ﷺ يومَ عَرَفَةَ، فسَمِعَ النَّبِيُّ ﷺ ورَاءَه زَجْرًا شَدِيدًا وضَرْبًا لِلْإِبِلِ، فأشارَ بسَوْطِه إليهم، وقال: "أيُّهَا النَّاسُ، عَلَيْكُمُ السَّكِينَةَ، فَإنَّ الْبِرَّ لَيْسَ
стр. 2419
بإيضَاعِ الْإِبِلِ". رَوَاهُ البُخَارِىُّ (٤). وقال عُرْوَةُ: سُئِلَ أُسامَةُ، وأنا جَالِسٌ، كيف كان رسولُ اللَّه ﷺ يَسِيرُ في حِجَّةِ الوَدَاعِ؟ قال: كان يَسِيرُ العَنَقَ (٥)، فإذا وَجَدَ فَجْوَةً نَصَّ. قال هِشامُ بن عُرْوَةَ: والنّصُّ فَوْقَ العَنَقِ. مُتَّفَقٌ عليه (٦).
٦٣٨ - مسألة؛ قال: (ويَكُونُ (١) في الطَّرِيقِ يُلَبِّى (٢)، ويَذْكُرُ اللهَ تَعَالَى)
ذِكْرُ اللهِ تعالى مُسْتَحَبٌّ (٣) في الأوْقاتِ كُلِّها، وهو في هذا الوَقْتِ أشَدُّ تَأْكِيدًا، لِقَوْلِ اللهِ تعالى: ﴿فَإِذَا أَفَضْتُمْ مِنْ عَرَفَاتٍ فَاذْكُرُوا اللَّهَ عِنْدَ الْمَشْعَرِ الْحَرَامِ وَاذْكُرُوهُ كَمَا هَدَاكُمْ﴾ (٤). ولأنَّه زَمَنُ الاسْتِشْعارِ بِطاعَةِ اللهِ تعالى، والتَّلَبُّسِ بِعِبادَتِه، والسَّعْىِ إلى شَعائِرِه. وتُسْتَحَبُّ التَّلْبِيَةُ. وذَكَرَ قَوْمٌ أنَّه لا يُلَبِّى. ولَنا، ما رَوَى الفَضْلُ بن عَبّاسٍ، أنَّ النَّبِيَّ ﷺ لم يَزَلْ يُلَبِّى حتى رَمَى الجَمْرَةَ (٥). مُتَّفَقٌ عليه (٦). وعن عبدِ الرحمنِ بن يَزِيدَ، قال: شَهِدْتُ ابنَ مسعودٍ
стр. 2420
يومَ عَرفَةَ وهو يُلَبِّى، فقال له رجلٌ كَلِمَةً. فسَمِعْتُه زادَ في تَلْبِيَتِه شَيْئًا لم أَسْمَعْهُ قبلَ ذلك قَالَها: لَبَّيْكَ عَدَدَ التُّرَابِ. ويُسْتَحَبُّ أن يَمْضِىَ على طَرِيقِ المَأْزِمَيْنِ (٧)؛ لأنَّه يُرْوَى أنَّ النَّبِيَّ ﷺ سَلَكَها (٨). وإن سَلَكَ الطَّرِيقَ الأُخْرَى، جازَ.
٦٣٩ - مسألة؛ قال: (ثُمَّ يُصَلِّى مَعَ الْإِمَامِ الْمَغْرِبَ وعِشَاءَ الْآخِرَةِ، بإقَامَةٍ لِكُلِّ صَلَاةٍ. فَإنْ جَمَعَ بَيْنَهُما بإقَامَةٍ وَاحِدَةٍ، فَلَا بَأْسَ)
وجُمْلَةُ ذلك أنَّ السُّنَّةَ لمن دَفَعَ من عَرَفَةَ، أن لا يُصَلِّىَ المَغْرِبَ حتى يَصِلَ مُزْدَلِفَةَ، فيَجْمَعَ (١) بين المَغْرِبِ والعِشَاءِ. لا خِلافَ في هذا. قال ابنُ المُنْذِرِ: أجْمَعَ أهْلُ العِلْمِ لا اخْتِلَافَ بينهم، أن السُّنَّةَ أن يَجْمَعَ الحاجُّ بين المَغْرِبِ والعِشاءِ. والأصْلُ في ذلك أنَّ النَّبِيَّ ﷺ جَمَعَ بينهما. رَوَاهُ جابِرٌ، وابنُ عمرَ، وأسامَةُ، وأبو أيُّوبَ (٢)، وغيرُهم. وأحادِيثُهم صِحاحٌ. ويُقِيمُ لِكُلِّ صلاةٍ إقامَةً؛
стр. 2421
لما رَوَى أُسامَةُ بن زيدٍ، قال: دَفَعَ رسولُ اللهِ ﷺ من عَرَفَةَ، حتى إذا كان بِالشِّعْبِ نَزَلَ، فبَالَ، ثم تَوَضَّأَ، فقلتُ له: الصلاةَ يا رسولَ اللهِ. قال: "الصَّلَاةُ أمَامَكَ". فرَكِبَ، فلمَّا جاءَ مُزْدَلِفَةَ نَزَلَ، فتَوَضَّأَ فأسْبَغَ الوُضُوءَ، [ثم أُقِيمَتِ الصلاةُ، فصَلَّى المغربَ، ثم أناخَ كُلُّ إنْسَانٍ بَعِيرَه في مَنْزِلِه] (٣)، ثم أُقِيمَتِ الصلاةُ فصَلَّى، ولم يُصَلِّ بينهما. مُتَّفَقٌ عليه (٤). وَرُوِىَ هذا القَوْلُ عن ابنِ عمرَ. وبه قال سالِمٌ، والقاسمُ بن محمدٍ، والشَّافِعِىُّ، وإسحاقُ. وإن جَمَعَ بينهما بإقامَةِ الأُولَى (٥) فلا بَأْسَ. يُرْوَى ذلك عن ابنِ عمرَ أيضًا. وبه قال الثَّوْرِىُّ؛ لما رَوَى ابنُ عمرَ، قال: جَمَعَ رسولُ اللهِ ﷺ بين المغربِ والعشاءِ بِجَمْعٍ، صَلَّى المغرِبَ ثلاثًا، والعِشاءَ رَكْعَتَيْنِ، بإقامَةٍ وَاحِدَةٍ. رَوَاهُ مُسْلِمٌ (٦). وإن أذَّنَ
стр. 2422
للأُولَى وأقامَ، ثم أقامَ للثانيةِ، فحَسَنٌ؛ فإنَّه مَرْوِىٌّ (٧) في حديثِ جابرٍ، وهو مُتَضَمِّنٌ لِلزِّيَادَةِ، وهو مُعْتَبَرٌ بِسَائِرِ الفَوَائِتِ والمَجْمُوعَاتِ. وهو قَوْلُ ابنِ المُنْذِرِ، وأبى ثَوْرٍ. والذي اخْتَارَ الخِرَقِىُّ إقَامَةٌ لِكُلِّ صَلَاةٍ مِن غير أذانٍ. قال ابنُ المُنْذِرِ: وهو آخِرُ قَوْلَىْ أحمدَ؛ [لأنَّ رَاوِيَه] (٨) أُسامَةُ، وهو أعْلَمُ بحَالِ النَّبِيِّ ﷺ ، فإنَّه كان رَدِيفَهُ، وقد اتَّفَقَ هو وجابِرٌ في حَدِيثِهما على إقامَةٍ لِكُلِّ صَلَاةٍ، واتَّفَقَ أُسامَةُ وابنُ عمرَ على الصلاةِ بغيرِ أذَانٍ، مع أنَّ حديثَ ابنِ عمرَ المُتَّفَقَ عليه قال: بإقَامَةٍ إقَامَةٍ (٩). وإنَّما لم يُؤَذِّنْ لِلأُولَى هاهُنا؛ لأنَّها في غيرِ وَقْتِها، بِخِلافِ المَجْمُوعَتَيْنِ بِعَرَفَةَ. وقال مَالِكٌ: يَجْمَعُ بينهُما بأذَانَيْنِ (١٠) وإِقامَتَيْنِ. وَرُوِىَ ذلك عن عمرَ، وابنِ عمرَ، وابنِ مسعودٍ. وَاتِّبَاعُ السُّنَّةِ أوْلَى، قال ابنُ عبدِ البَرِّ: لا أعْلَمُ فيما قَالَهُ مَالِكٌ حَدِيثًا مَرْفُوعًا بِوَجْهٍ من الوُجُوهِ. وقال قَوْمٌ: إنَّما أمَرَ عمرُ بالتَّأذِينِ لِلثَّانِيةِ؛ لأنَّ النَّاسَ كانوا قد تَفَرَّقُوا لِعَشَائِهم، فأذَّنَ لِجَمْعِهم، وكذلك ابنُ مسعودٍ، فإنَّه كان (١١) يَجْعَلُ العَشَاءَ بِالمُزْدَلِفَة بينَ الصَّلاتَيْنِ.
٦٤٠ - مسألة؛ قال: (وَإنْ فَاتَهُ مَعَ الْإِمَامِ، صَلَّى وَحْدَهُ)
مَعْنَاهُ أنَّه يَجْمَعُ مُنْفَرِدًا، كما يَجْمَعُ مع الإِمامِ. ولا خِلافَ في هذا؛ لأنَّ الثَّانِيَةَ منهما تُصَلَّى في وَقْتِها، بِخِلافِ العصرِ مع الظهرِ. وكذلك إن فَرَّقَ بينهما، لم يَبْطُلِ الجَمْعُ كذلك، ولما رَوَى أسامَةُ، قال: ثم أُقِيمَتِ الصلاةُ، فصَلَّى المَغْرِبَ، ثم أناخَ كُلُّ إنْسَانٍ بَعِيرَهُ في مَنْزِلِه، ثمَّ أُقِيمَتِ العِشاءُ، فصَلَّاهَا (١). ورَوَى
стр. 2423
البُخَارِيُّ (٢)، عن عبدِ الرحمنِ بن يَزِيدَ، قال: حَجَّ عبدُ اللهِ، فأتَيْنَا (٣) مُزْدَلِفَةَ حين الأذانِ بالعَتَمَةِ، أو قَرِيبًا من ذلك، فأمَرَ رَجُلًا، فأذَّنَ وأقَامَ، ثم صَلَّى المغربَ، ثم صَلَّى بعدَها رَكْعَتَيْنِ، ثم دَعَا بِعَشَائِه، ثم أمَرَ -أرَى (٤) - فأذَّنَ، وأقامَ، ثم صَلَّى العِشاءَ، ثم قال: رَأيْتُ رسولَ اللهِ ﷺ يَفْعَلُه. ولأنَّ الجَمْعَ متى كان في وَقْتِ الثَّانِيَةِ لم يَضُرَّ التَّفْرِيقُ شيئا.
فصل: والسُّنَّةُ التَّعْجِيلُ بِالصَّلَاتَيْنِ، وأن يُصَلِّىَ قبلَ حَطِّ الرِّحَالِ؛ لما ذَكَرْنَا من حديثِ أُسامَةَ، وفى بعضِ ألْفَاظِه، أنَّ النَّبِيَّ ﷺ أقَامَ المَغْرِبَ (٥)، ثم أناخَ النَّاسُ في مَنَازِلِهم، ولم يَحُلُّوا حتى أقَامَ العِشَاءَ الآخِرَةَ، فصَلَّى ثم حَلُّوا. رَوَاهُ مُسْلِمٌ (٦). والسُّنَّةُ أن لا تَطَوُّعَ بينهما. قال ابنُ المُنْذِرِ: لا أعْلَمُهم يَخْتَلِفُون في ذلك. وقد رُوِىَ عن ابنِ مسعودٍ أنَّه تَطَوَّعَ بينهما، ورَوَاهُ عن النَّبِيِّ ﷺ (٧). ولَنا، حَدِيثُ أُسامَةَ وابنِ عمرَ (٦)، أنَّ النَّبِيَّ ﷺ لم يُصَلِّ بينهما. وحَدِيثُهما أَصَحُّ، وقد تقدَّم (٨) في تَرْكِ التَّفْرِيقِ بينهما.
فصل: فإن صَلَّى المغربَ قبلَ أن يَأْتِىَ مُزْدَلِفَةَ ولم يَجْمَعْ، خَالَفَ السُّنَّةَ، وصَحَّتْ صَلَاتُه. وبه قال عَطاءٌ، وعُرْوَةُ، والقاسمُ بنِ محمدٍ، وسَعِيدُ بن جُبَيْرٍ، ومَالِكٌ، والشَّافِعِىُّ، وإسحاقُ، وأبو ثَوْرٍ، وأبو يوسفَ، وابنُ المُنْذِرِ. وقال أبو
стр. 2424
حنيفةَ، والثَّوْرِىُّ: لا يُجْزِئُه؛ لأنَّ النَّبِيَّ ﷺ جَمَعَ بين الصَّلَاتَيْنِ، فكان نُسُكًا، وقد قال: "خُذُوا عَنِّى مَنَاسِكَكُمْ" (٩). ولَنا، أنَّ كُلَّ صَلَاتَيْنِ جازَ الجَمْعُ بينهما، جَازَ التَّفْرِيقُ بينهما، كالظهرِ والعصرِ بِعَرَفَةَ، وفِعْلُ النَّبِيِّ ﷺ مَحْمُولٌ على أنَّه (١٠) الأوْلَى والأَفْضَل، ولئَلَّا يَنْقَطِعَ سَيْرُه، ويَبْطُلُ ما ذَكَرُوهُ بِالجَمْعِ بِعَرَفَةَ.
٦٤١ - مسألة؛ قال: (فَإذَا صَلَّى الْفَجْرَ، وَقَفَ عِنْدَ الْمَشْعَرِ الحَرَامِ، فَدَعَا)
يَعْنِى أنَّه يَبِيتُ بِمُزْدَلِفَةَ حتى يَطْلُعَ الفجرُ، فيُصَلِّىَ الصُّبْحَ، والسُّنَّةُ أن يُعَجِّلَها في أَوَّلِ وَقْتِها، لِيَتَّسِعَ وَقْتُ الوُقُوفِ عندَ المَشْعَرِ الْحَرَامِ. وفي حديثِ جابِرٍ (١)، أنَّ النَّبِيَّ ﷺ صَلَّى الصُّبْحَ حين تَبَيَّنَ له الصُّبْحُ. وفي حَدِيثِ ابنِ مسعودٍ، أنَّه صَلَّى الفجرَ حين طَلَعَ الفجرُ، قَائِلٌ يَقُولُ: قد طَلَعَ الفجرُ، وقائِلٌ يقولُ: لم يَطْلُعْ. ثم قال في آخِرِ الحَدِيثِ: رَأيْتُ النَّبِيَّ ﷺ يَفْعَلُه. رَوَاهُ البُخَارِيُّ (٢) نَحْوَ هذا. ثم إذا صَلَّى الفجرَ، وَقَفَ عند المَشْعَرِ الحَرَامِ، وهو قُزَحُ (٣)، فيَرْقَى (٤) عليه إن أمْكَنَهُ، وإلَّا وَقَفَ عندَه، فذَكَرَ اللهَ تعالى، ودَعَاهُ (٥) وَاجْتَهَدَ، قال اللهُ تعالى: ﴿فَإِذَا أَفَضْتُمْ مِنْ عَرَفَاتٍ فَاذْكُرُوا اللَّهَ عِنْدَ الْمَشْعَرِ الْحَرَامِ﴾ (٦). وفي حديثِ جابِرٍ (١)،
стр. 2425
أنَّ النَّبِيَّ ﷺ أتَى المَشْعَرَ الحَرَامَ، فرَقِىَ عليه، فدَعَا اللهَ وهَلَّلَهُ وكَبَّرَهُ وَوَحَّدَهُ. ويُسْتَحَبُّ أن يكونَ من دُعَائِه: اللَّهُمَّ كما وَقَّفْتَنَا فيه، وأرَيْتَنَا إيَّاهُ، فوَفِّقْنَا لِذِكْرِكَ، كما هَدَيْتَنَا، واغْفِرْ لنا، وارْحَمْنَا، كما وَعَدْتَنَا بِقَوْلِكَ، وقَوْلُكَ الْحَقُّ: ﴿فَإِذَا أَفَضْتُمْ مِنْ عَرَفَاتٍ فَاذْكُرُوا اللَّهَ عِنْدَ الْمَشْعَرِ الْحَرَامِ وَاذْكُرُوهُ كَمَا هَدَاكُمْ وَإِنْ كُنْتُمْ مِنْ قَبْلِهِ لَمِنَ الضَّالِّينَ (١٩٨) ثُمَّ أَفِيضُوا مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ النَّاسُ وَاسْتَغْفِرُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ (٧). ويَقِفُ حتى يُسْفِرَ جِدًّا؛ لما في حديثِ جابِرٍ، أنَّ النَّبِيَّ ﷺ لم يَزَلْ وَاقِفًا حتى أَسْفَرَ جِدًّا.
فصل: ولِلْمُزْدَلِفَة ثلاثةُ أسْماء: مُزْدَلِفَة، وجَمْعٌ، والْمَشْعَرُ الْحَرَام. وحَدُّهَا مِن مَأْزِمَىْ عَرَفَةَ إلى قَرْنِ مُحَسِّرٍ، وما على يَمِين ذلك وشِمَالِه من الشِّعَابِ، ففى أىِّ مَوْضِعٍ وَقَفَ منها أجْزَأَهُ؛ لِقَوْلِ النَّبِيِّ ﷺ : "المُزْدَلِفَةُ مَوْقِفٌ". رَوَاهُ أبو دَاوُدَ، وابنُ مَاجَه (٨). وعن جابرٍ، عن النَّبِيِّ ﷺ ، أنَّه قال: "وَقَفْتُ هاهُنَا بِجَمْعٍ، وجَمْعٌ كُلُّها مَوْقِفٌ" (٩). وليس وَادِى مُحَسِّرٍ من مُزْدَلِفَة؛ لِقَوْلِه: "وَارْفَعُوا عن بَطْنِ مُحَسِّرٍ" (١٠).
стр. 2426
فصل: والمَبِيتُ بِمُزْدَلِفَةَ وَاجِبٌ، مَن تَرَكَهُ فعليه دَمٌ. هذا قَوْلُ عَطاءٍ، والزُّهْرِىِّ، وقَتَادَةَ، والثَّوْرِىِّ، والشَّافِعِىِّ، وإسحاقَ، وأبى ثَوْرٍ، وأصْحابِ الرَّأْىِ. وقال عَلْقَمَةُ، والنَّخَعِىُّ، والشَّعْبِىُّ: مَن فَاتَهُ جَمْعٌ فَاتَهُ الحَجُّ؛ لِقَوْلِ اللهِ تعالى: ﴿فَإِذَا أَفَضْتُمْ مِنْ عَرَفَاتٍ فَاذْكُرُوا اللَّهَ عِنْدَ الْمَشْعَرِ الْحَرَامِ﴾. وقَوْلِ النَّبِيِّ ﷺ : "مَنْ شَهِدَ صَلَاتَنَا هذِهِ، وَوَقَفَ مَعَنَا حَتَّى نَدْفَعَ، وقَدْ وَقَفَ بِعَرَفَةَ قَبْلَ ذلِكَ لَيْلًا أوْ نَهَارًا، فَقَدْ تَمَّ حَجُّهُ، وقَضَى تَفَثَهُ" (١١). ولَنا، قَوْلُ النَّبِيِّ ﷺ : "الحَجُّ عَرَفَةُ، فَمَنْ جَاءَ قَبْلَ لَيْلَةِ جَمْعٍ فَقَدْ تَمَّ حَجُّهُ" (١٢). يَعْنِى مَن جاءَ عَرَفَةَ. وما احْتَجُّوا به من الآيَةِ والخَبَرِ، فالمَنْطُوقُ به (١٣) فيهما ليس بِرُكْنٍ في الحَجِّ إجْمَاعًا، فإنَّه لو باتَ بِجَمْعٍ، ولم يَذْكُرِ اللهَ تعالى، ولم يَشْهَدِ الصَّلَاةَ فيها، صَحَّ حَجُّهُ، فما هو من ضَرُورَةِ ذلك أوْلَى، ولأنَّ المَبِيتَ ليس مِن ضَرُورَةِ ذِكْرِ اللهِ تعالى بها، وكذلك شُهُودُ صَلَاةِ الفَجْرِ، فإنَّه لو أفَاضَ من عَرَفَةَ في آخِرِ لَيْلَةِ النَّحْرِ، أمكَنَهُ ذلك، فيَتَعَيَّنُ حَمْلُ ذلك على مُجَرَّدِ الإِيجَابِ، أو (١٤) الفَضِيلَةِ، أو (١٤) الاسْتِحْبَابِ.
فصل: ومَن بَاتَ بِمُزْدَلِفَةَ، لم يَجُزْ له الدَّفْعُ قبلَ نِصْفِ اللَّيْلِ، فإن دَفَعَ بعدَه، فلا شَىءَ عليه. وبهذا قال الشَّافِعِىُّ. وقال مالِكٌ: إن مَرَّ بها ولم يَنْزِل، فعليه دَمٌ، فإن نَزَلَ، فلا دَمَ عليه متى ما شاءَ (١٥) دَفَعَ. ولَنا، أنَّ النَّبِيَّ ﷺ باتَ بها، وقال: "خُذُوا عَنِّى مَنَاسِكَكُمْ" (١٦). وإنَّما أُبِيحَ الدَّفْعُ بعدَ نِصْفِ اللَّيْلِ بما وَرَدَ من الرُّخْصَةِ فيه، فرَوَى ابنُ عَبّاسٍ، قال: كُنْتُ في مَن قَدَّمَ النبيُّ ﷺ في
стр. 2427
ضَعَفَةِ أهْلِه مِن مُزْدَلِفَة إلى مِنًى (١٧). وعن أسْماءَ، أنَّها نَزَلَتْ لَيْلَةَ جَمْعٍ عند دَارِ المُزْدَلِفَةِ، فقامَتْ تُصَلِّى، فصَلَّتْ، ثم قالتْ: هل غابَ القمرُ؟ قلتُ (١٨): نعم. قالتْ: فارْتَحِلُوا. فارْتَحَلْنَا، ومَضَيْنَا حتى رَمَتِ الجَمْرَةَ، ثم رَجَعَتْ فَصَلَّتِ الصُّبْحَ في مَنْزِلِها، قُلْتُ لها: أي هَنْتَاهْ (١٩)، ما أُرَانَا إلَّا غَلَّسْنَا (٢٠). قالتْ: كَلَّا يا بُنَىَّ، إنَّ رسولَ اللهِ ﷺ أذِنَ لِلظُّعُنِ (٢١). مُتَّفَقٌ عليهما (٢٢). وعن عائشةَ قالتْ: أرْسَلَ رسولُ اللهِ ﷺ بِأُمِّ سَلَمَةَ لَيْلَةَ النَّحْرِ، فرَمَتِ الجَمْرَةَ قبلَ الفَجْرِ، ثم مَضَتْ فأفاضَتْ. رَوَاهُ أبو دَاوُدَ (٢٣). فمن دَفَعَ مِن جَمْعٍ قبل نِصْفِ اللَّيْلِ، ولم يَعُدْ في اللَّيْلِ، فعليه دَمٌ، وإن عادَ فيه (٢٤)، فلا دَمَ عليه، كالذى دَفَعَ
стр. 2428
من عَرَفَةَ نَهَارًا [ثم عاد نَهارًا] (٢٥). ومن لم يُوَافِ (٢٦) مُزْدَلِفَةَ إلَّا في النِّصْفِ الآخِرِ (٢٧) من اللَّيْلِ، فلا شىءَ عليه؛ لأنَّه لم يُدْرِكْ جُزْءًا من النِّصْفِ الأوَّلِ، فلم يَتَعَلَّقْ به حُكْمُه (٢٨)، كَمن أدْرَكَ اللَّيْلَ بِعَرَفَاتٍ دُونَ النَّهارِ. والمُسْتَحَبُّ الاقْتِدَاءُ بِرسولِ اللهِ ﷺ في المَبِيتِ إلى أن يُصْبِحَ، ثم يَقِفُ حتى يُسْفِرَ. ولا بَأْسَ بِتَقْدِيمِ الضَّعَفَةِ والنِّساءِ، وممَّن كان يُقَدِّمُ ضَعَفَةَ أَهْلِه عبدُ الرحمنِ بن عَوْفٍ، وعائشةُ. وبه قال عَطاءٌ، والثَّوْرِىُّ، والشَّافِعِىُّ، وأبو ثَوْرٍ، وأصْحابُ الرَّأْىِ. ولا نَعْلَمُ فيه مُخَالِفًا، ولأنَّ فيه رِفْقًا بهم، ودَفْعًا لِمَشَقَّةِ الزِّحامِ عنهم، واقْتِدَاءً بِفِعْلِ نَبِيِّهِم ﷺ .
٦٤٢ - مسألة؛ قال: (ثم يَدْفَعُ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ)
لا نَعْلَمُ خِلافًا في أنَّ السُّنَّةَ الدَّفْعُ قبلَ طُلُوعِ الشمسِ؛ وذلك لأنَّ النَّبِيَّ ﷺ كان يَفْعَلُهُ. قال عمرُ: إنَّ المُشْرِكِينَ كانوا لا يُفِيضُونَ حتى تَطْلُعَ الشمسُ. ويقولون: أشْرِقْ ثَبِيرُ (١)، كَيْمَا نُغِيرُ. وإنَّ رسولَ اللهِ ﷺ خَالَفَهم، فأفاضَ قبلَ أن تَطْلُعَ الشَّمْسُ. رَوَاهُ البُخَارِىُّ (٢). والسُّنَّةُ أن يَقِفَ حتى يُسْفِرَ جِدًّا. وبهذا قال
стр. 2429
الشَّافِعِىُّ، وأصْحابُ الرَّأْىِ. وكان مالِكٌ يَرَى الدَّفْعَ قبلَ الإِسْفارِ. ولَنا، ما رَوَى جابِرٌ، أنَّ النَّبِيَّ ﷺ لم يَزَلْ وَاقِفًا حتى أسْفَرَ جِدًّا، فدَفَعَ قبلَ أن تَطْلُعَ الشمسُ (٣). وعن نَافِعٍ، أنَّ ابنَ الزُّبَيْرِ أَخَّرَ في الوَقْتِ حتى كادَتِ الشمسُ تَطْلُعُ، فقال له (٤) ابنُ عمرَ: إنِّي أرَاهُ يُرِيدُ أن يَصْنَعَ كما صَنَعَ أهْلُ الجَاهِلِيَّةِ، فدَفَعَ ودَفَعَ النَّاسُ معه. وكان ابنُ مسعودٍ يَدْفَعُ كانْصِرَافِ القَوْمِ المُسْفِرِينَ من صَلاةِ الغَدَاةِ. ودَفَعَ (٥) ابنُ عمرَ حين أسْفَرَ وأبْصَرَتِ الإِبِلُ مَوْضِعَ أخْفَافِها. ويُسْتَحَبُّ أن يَسِيرَ وعليه السَّكِينَةُ، كما ذَكَرْنَا في سَيْرِهِ من عَرَفَاتٍ. قال ابنُ عَبَّاسٍ: ثم أرْدَفَ النَّبِيُّ ﷺ الفَضْلَ بنَ عَبَّاسٍ، وقال: "أَيُّهَا النَّاسُ، إنَّ الْبِرَّ لَيْسَ بإِيجَافِ الخَيْلِ والإِبِلِ، فَعَلَيْكُمْ بِالسَّكِينَةِ" (٦). فما رَأيْتُها رَافِعَةً يَدَيْها حتى أَتَى مِنًى.
٦٤٣ - مسألة؛ قال: (فَإِذَا بَلَغَ مُحَسِّرًا أَسْرَعَ، وَلَمْ يَقِفْ حَتَّى يَأْتِىَ مِنًى، وَهُوَ مَعَ ذلِكَ مُلَبٍّ)
يُسْتَحَبُّ الإِسْرَاعُ في وَادِى مُحَسِّرٍ، وهو ما بين جَمْعٍ ومِنًى، فإن كان مَاشِيًا أسْرَعَ، وإن كان رَاكِبًا حَرَّكَ دَابَّتَهُ؛ لأنَّ جابِرًا قال في صِفَةِ حَجِّ النَّبِيِّ ﷺ : إنَّه لمَّا أَتَى بَطْنَ مُحَسِّرٍ حَرَّكَ قَلِيلًا (١). ويُرْوَى أنَّ عمَرَ، رَضِىَ اللهُ عنه، لمَّا أتَى مُحَسِّرًا أَسْرَعَ، وقال:
إِلَيْكَ تَعْدُو قَلِقًا وَضِينُها (٢)
مُخَالِفًا دِينَ النَّصَارَى دِينُها
مُعْتَرِضًا في بَطْنِهَا جَنِينُهَا
стр. 2430
وذلك قَدْرُ رَمْيَةٍ بحَجَرٍ، ويكونُ مُلَبِّيًا في طَرِيقِه، فإنَّ الفَضْلَ بنَ عَبَّاسٍ كان رَدِيفَ رسولِ اللهِ ﷺ يَوْمَئِذٍ، وروَى أنَّ النَّبِيَّ ﷺ لم يَزَلْ يُلَبِّى حتى رَمَى جَمْرَةَ العَقَبَةِ. مُتَّفَقٌ عليه (٣). وفى لَفْظٍ عنه، قال: شَهِدْتُ الإِفَاضَتَيْنِ مع رسولِ اللهِ ﷺ ، وعليه السَّكِينَةُ، وهو كافٌّ بَعِيرَه، ولَبَّى حتى رَمَى جَمْرَةَ العَقَبَةِ. وعن الأسْوَدِ، قال: أفَاضَ عمرُ عَشِيَّةَ عَرَفَةَ، وهو يُلَبِّى بِثَلَاثٍ: لَبَّيْكَ اللَّهُمَّ لَبَّيْكَ، لَبَّيْكَ لا شَرِيكَ لك لَبَّيْكَ، إنَّ الحَمْدَ والنِّعْمَةَ لكَ. ولأنَّ التَّلْبِيَةَ من شِعارِ الحَجِّ، فلا تُقْطَعُ إلَّا بِالشُّرُوعِ في الإِحْلَالِ، وأَوَّلُهُ رَمْىُ جَمْرَةِ العَقَبَةِ.
٦٤٤ - مسألة؛ قال: (ويَأْخُذُ حَصَى الجِمَارِ مِنْ طَرِيقِهِ، أوْ مِنْ مُزْدَلِفَةَ)
إنَّما اسْتُحِبَّ ذلك لِئَلَّا يَشْتَغِلَ عندَ قُدُومِهِ بِشىءٍ قبلَ الرَّمْىِ، فإنَّ الرَّمْىَ (١) تَحِيَّةٌ له، كما أنَّ الطَّوَافَ تَحِيَّةُ المَسْجِدِ، فلا يَبْدَأُ بِشىءٍ قبلَه. وكان ابنُ عمرَ يَأْخُذُ الحَصَى مِن جَمْعٍ، وفعَله سَعِيدُ بن جُبَيْرٍ، وقال: كانوا يَتَزَوَّدُونَ الحَصَى من جَمْعٍ. واسْتَحَبَّهُ الشَّافِعِىُّ. وعن أحمدَ، قال: خُذِ الحَصَى مِن حَيْثُ شِئْتَ. وهو قولُ عَطاءٍ، وابنِ المُنْذِرِ. وهو أَصَحُّ، إن شاءَ اللهُ تعالى؛ لأنَّ ابنَ عَبَّاسٍ قال: قال رسولُ اللهِ ﷺ غَدَاةَ العَقَبَةِ، وهو على نَاقَتِه: "الْقُطْ لِى حَصًى". فَلَقَطْتُ له سَبْعَ حَصَيَاتٍ من حَصَى الخَذْفِ، فجَعَلَ يقْبضُهُنَّ في كَفِّه، ويقولُ: "أمْثَالَ هؤُلَاءِ فَارْمُوا". ثم قال: "أَيُّهَا النَّاسُ، إيَّاكُمْ والْغُلُوَّ فِي الدِّينِ، فإنَّمَا أَهْلَكَ مَنْ كَانَ قَبْلَكُم الغُلُوُّ فِي الدِّينِ". رَوَاهُ ابنُ مَاجَه (٢). وكان ذلك بِمِنًى، ولا خِلافَ في أنَّه يُجْزِئُه أخْذُه مِن حيثُ كان، والْتِقَاطُ الحَصَى أوْلَى من تَكْسِيرِه؛
стр. 2431
لهذا الخَبَرِ، ولأنَّه لا يُؤْمَنُ في التَّكْسِيرِ أن يَطِيرَ إلى وَجْهِه شىءٌ يُؤْذِيه. ويُسْتَحَبُّ أن تَكُونَ الحَصَيَاتُ كَحَصَى الخَذْفِ؛ لهذا الخَبَرِ، ولِقَوْلِ جابِرٍ في حَدِيثِه (٣): كُلُّ حَصَاةٍ مِنْهَا مِثْلُ حَصَى الْخَذْفِ. ورَوَى سُليمانُ بنُ عَمْرو بن الأحْوَصِ، عن أُمِّه، قالت: قال رسولُ اللهِ ﷺ : "يا أَيُّهَا النَّاسُ، إذَا رَمَيْتُمُ (٤) الجَمْرَةَ فَارْمُوا بِمِثْلِ حَصَى الْخَذْفِ". رَوَاهُ أبو دَاوُدَ (٥). قال الأثْرَمُ: يكونُ أكْبَرَ مِن الحِمَّصِ ودُونَ البُنْدُقِ. وكان ابنُ عمرَ يَرْمِى بمثل بَعْرِ الغَنَمِ. فإن رَمَى بِحَجَرٍ كَبِيرٍ، فقد رُوِىَ عن أحمدَ أنَّه قال: لا يُجْزِئُه حتى يَأْتِىَ بِالحَصَى على ما فَعَلَ النَّبِيُّ ﷺ . وذلك لأنَّ النَّبِيَّ ﷺ أمَرَ بهذا القَدْرِ، ونَهَى عن تَجاوُزِهِ، والأمْرُ مُقْتَضٍ (٦) للوُجُوبِ (٧)، والنَّهْىُ يَقْتَضِى فَسَادَ المَنْهِىِّ عنه، ولأنَّ الرَّمْىَ بالكَبِيرِ رُبَّمَا آذَى مَن يُصِيبُه. وقال بعضُ أصْحَابِنَا: يُجْزِئُه مع تَرْكِه لِلسُّنَّةِ؛ لأنَّه قد رَمَى بِالحَجَرِ، وكذلك الحُكْمُ في الصَّغِيرِ.
فصل: ويُجْزِئُ الرَّمْىُ بكلِّ ما يُسَمَّى حَصًى، وهى الحِجَارَةُ الصِّغَارُ، سواءٌ كان أسودَ أو أبيضَ أو أحمرَ، من المَرْمَرِ، أو البرام (٨)، أو المَرْوِ، وهو الصَّوَّانُ، أو الرُّخَامِ، أو الكَذَّانِ (٩)، أو حَجَرِ المِسَنِّ. وهذا (١٠) قَوْلُ مَالِكٍ، والشَّافِعِىِّ.
стр. 2432
وقال القاضي: لا يُجْزِئُ الرُّخامُ والبرامُ (١١) والكَذَّانُ. ويَقْتَضِى قَوْلُه، أن لا يُجْزِئَ المَرْوُ ولا حَجَرُ المِسَنِّ. وقال أبو حنيفةَ: يجوزُ بِالطِّينِ والمَدَرِ (١٢)، وما كان من جِنْسِ الأرْضِ. ونَحْوَه قال الثَّوْرِيُّ. ورُوِىَ عن سُكَيْنَةَ بنت الحُسَيْنِ، أنَّها رَمَتِ الجَمْرَةَ ورَجُلٌ يُنَاوِلُها الحَصَى، تُكَبِّرُ مع كلِّ حَصَاةٍ، وسَقَطَتْ حَصَاةٌ فرَمَتْ بِخَاتَمِها. ولَنا، أنَّ النَّبِيَّ ﷺ رَمَى بِالْحَصَى، وأمَرَ بِالرَّمْىِ بمِثْلِ (١٣) حَصَى الخَذْفِ، فلا يَتَنَاوَلُ غيرَ الحَصَى، ويَتَنَاوَلُ جَمِيعَ أَنْوَاعِه، فلا يجوزُ تَخْصِيصُه بغيرِ دَلِيلٍ، ولا إلْحاقُ غيرِه به؛ لأنَّه في (١٤) مَوْضِعٍ لا يَدْخُلُ القِياسُ فيه.
فصل: وإن رَمَى بِحَجَرٍ أُخِذَ من المَرْمِىِّ لم يُجْزِهِ. وقال الشَّافِعِىُّ: يُجْزِئُه؛ لأنَّه حَصًى، فيدخلُ في العُمومِ. ولَنا، أنَّ النَّبِيَّ ﷺ أخَذَ (١٥) من غيرِ المَرْمِىِّ. وقال: "خُذُوا عَنِّى مَنَاسِكَكُمْ" (١٦). ولأنَّه لو جَازَ الرَّمْىُ بما رُمِىَ به، لما احْتَاجَ أحَدٌ إلى أخْذِ الحَصَى مِن غيرِ مَكانِه، ولا تَكْسِيرِهِ، والإِجْماعُ على خِلَافِه، ولأنَّ ابنَ عَبّاسٍ، قال: ما يُقْبَلُ [منها يُرْفَعُ] (١٧). وإن رَمَى بِخَاتَمِ فِضَّةٍ حَجَرًا، لم يُجْزِه، في [أحَدِ الوَجْهَيْنِ] (١٨)؛ لأنَّه تَبَعٌ، والرَّمْىُ بِالمَتْبُوعِ لا بالتَّابِعِ (١٩).
стр. 2433
٦٤٥ - مسألة؛ قال: (والاسْتِحْبَابُ أنْ يَغْسِلَهُ)
اخْتَلَفَ (١) عن أحمدَ في ذلك، فَرُوِىَ عنه أنَّه مُسْتَحَبٌّ؛ لأنَّه رُوِىَ عن ابنِ عمرَ أنَّه غَسَلَهُ، وكان طَاوُسٌ يَفْعَلُه، وكان ابنُ عمرَ يَتَحَرَّى سُنَّةَ النَّبِيِّ ﷺ . وعن أحمدَ: أنَّه لا يُسْتَحَبُّ. وقال: لم يَبْلُغْنَا أنَّ النَّبِيَّ ﷺ فَعَلَهُ. وهذا الصَّحِيحُ. وهو قَوْلُ عَطاءٍ، ومالِكٍ، وكَثِيرٍ من أهْلِ العِلْمِ، فإنَّ النَّبِيَّ ﷺ لَمَّا لُقِطَتْ له الحَصَيَاتُ، وهو رَاكِبٌ على بَعِيرِه، يَقْبِضُهُنَّ (٢) في يَدِهِ، لم يَغْسِلْهُنَّ, ولا أمَرَ بِغَسْلِهِنَّ، ولا فيه مَعْنًى يَقْتَضِيه. فإنْ رَمَى بِحَجَرٍ نَجِسٍ أجْزَأهُ؛ لأنَّه حَصَاةٌ. ويَحْتَمِلُ أن لا يُجْزِئَهُ؛ لأنه يُؤَدِّى به العِبَادَةَ، فاعْتُبِرَتْ طهارتُه، كحجرِ الاسْتِجْمارِ وتُرَابِ التَّيَمُّمِ. وإن غَسَلَهُ، ورَمَى به، أجْزَأَهُ، وَجْهًا وَاحِدًا. وعَدَدُ الحَصَى سَبْعُونَ حَصَاةً، يَرْمِى منها بِسَبْعٍ في (٣) يَوْمِ النَّحْرِ، وسائِرها في أيَّامِ مِنًى، واللهُ أعلمُ.
٦٤٦ - مسألة؛ قال: (فَإذَا وَصَلَ إلَى (١) مِنًى، رَمَى جَمْرَةَ العَقَبَةِ بِسَبْعِ حَصَيَاتٍ، يُكَبِّرُ في إِثْرِ كُلِّ حَصَاةٍ، ولَا يَقِفُ عِنْدَهَا)
حَدُّ مِنًى ما بين جَمْرَةِ العَقَبَةِ وَوَادِى مُحَسِّرٍ، كذلك قال عَطاءٌ، والشَّافِعِىُّ. وليس مُحَسِّرٌ والعَقَبَةُ من مِنًى. ويُسْتَحَبُّ سُلُوكُ الطَّرِيقِ الوُسْطَى التي تَخْرُجُ على الجَمْرَةِ الكُبْرَى، فإنَّ النَّبِيَّ ﷺ سَلَكَها. كذا في حديثِ جابِرٍ (٢). فإذا وَصَلَ مِنًى بَدَأ بجَمْرَةِ العَقَبَةِ، وهى آخِرُ الجَمَرَاتِ ممَّا يَلِى مِنًى، وأَوَّلُها ممَّا يَلِى مَكَّةَ،
стр. 2434
وهى عندَ العَقَبَةِ، ولذلك سُمِّيَتْ جَمْرَةَ العَقَبَةِ فَيْرمِيها بِسَبْعِ حَصَيَاتٍ، يُكَبِّرُ مع كلِّ حَصاةٍ، ويَسْتَبْطِنُ الوَادِى، ويَسْتَقْبِلُ القِبْلَةَ، ثم يَنْصَرِفُ ولا يَقِفُ. وهذا بِجُمْلَتِه قَوْلُ مَن عَلِمْنَا قَوْلَه من أهْلِ العِلْمِ. وإن رَمَاهَا من فَوْقِها جَازَ؛ لأنَّ عمرَ، ﵁، جاءَ والزِّحَامُ عندَ الجَمْرَةِ، فصَعِدَ (٣) فرَمَاها مِن فَوْقِها. والأوَّلُ أفْضَلُ؛ لما رَوَى عبدُ الرحمنِ بنُ يَزِيدَ، أنَّه مَشَى مع عبدِ اللهِ، وهو يَرْمِى الجَمْرَةَ، فلمَّا كان في بَطْنِ الوَادِى اعْتَرَضَها (٤) فرَمَاها، فقِيلَ له: إنَّ نَاسًا يَرْمُونَها من فَوْقِها. فقال: مِن هاهُنا، [والذى لا إلهَ غيرُه] (٥)، رَأيْتُ الذي أُنْزِلَتْ عليه سُورَةُ البَقَرَةِ رَمَاهَا. مُتَّفَقٌ عليه (٦). وفى لَفْظٍ: لمَّا أتَى عبدُ اللهِ جَمْرَةَ العَقَبَةِ، اسْتَبْطَنَ الوَادِى، واسْتَقْبَلَ القِبْلَةَ، وجعل يَرْمِى الجَمْرَةَ على حَاجِبِه الأيْمَنِ، ثم رَمَى بِسَبْعِ حَصَيَاتٍ، ثم قال: واللهِ الذي لا إلهَ غيرُه، مِن هاهُنا رَمَى الذي أُنْزِلَتْ عليه سُورَةُ البَقَرَةِ. قال التِّرْمِذِىُّ: وهذا حَدِيثٌ صَحِيحٌ، والعَمَلُ عليه عندَ أكْثَرِ أهْلِ العِلْمِ. ولا يُسَنُّ الوُقُوفُ عِنْدَها؛ لأنَّ ابنَ عمرَ، وابنَ عَبَّاسٍ، رَوَيَا أنَّ رسولَ اللهِ ﷺ كان إذا رَمَى جَمْرَةَ العَقَبَةِ، انْصَرَفَ ولم يَقِفْ. رَوَاهُ ابنُ
стр. 2435
مَاجَه (٧). ويُكَبِّرُ مع كُلِّ حَصَاةٍ؛ لأنَّ جَابِرًا قال: فرَمَاهَا بِسَبْعِ حَصَيَاتٍ، يُكَبِّرُ مع كلِّ حَصَاةٍ. وإن قال: اللَّهُمَّ اجْعَلْهُ حَجًّا مَبْرُورًا، وذَنْبًا مَغْفُورًا، وعَمَلًا مَشْكُورًا. فحَسَنٌ؛ فإنَّ ابنَ مسعودٍ وابنَ عمرَ كانا يَقُولَانِ نَحْوَ ذلك. ورَوَى حَنْبَلٌ، في "المَنَاسِكِ"، بإسْنَادِه عن زَيْدِ بن أسْلَمَ، قال: رَأيْتُ سَالِمَ بنَ عبدِ اللهِ اسْتَبْطَنَ الوَادِى، ورَمَى الجَمْرَةَ بِسَبْعِ حَصَيَاتٍ، يُكَبِّرُ مع كُلِّ حَصَاةٍ: اللهُ أكْبَرُ اللهُ أكْبَرُ. ثم قال: اللَّهُمَّ اجْعَلْهُ حَجًّا مَبْرُورًا، وذَنْبًا مَغْفُورًا، وعَمَلا مَشْكُورًا. فسَألْتُه عمَّا صَنَعَ؟ فقال: حَدَّثَنِى أبى أنَّ النَّبِيَّ ﷺ رَمَى الجَمْرَةَ مِن هذا المَكانِ، ويقولُ كُلَّمَا رَمَى حَصَاةً مثلَ ما قُلْتُ (٨). وقال إبراهيمُ النَّخَعِىُّ: كانوا يُحِبُّونَ ذلك.
فصل: ويَرْمِيها رَاكِبًا أو رَاجِلًا كيفما شاءَ؛ لأنَّ النَّبِيَّ ﷺ رَماها على رَاحِلَتِه. رَوَاهُ جابرٌ، وابْنُ عمرَ، وأُمُّ أبى الأحْوَصِ، وغَيْرُهم. قال جابِرٌ: رَأيْتُ النَّبِيَّ ﷺ يَرْمِى على رَاحِلَتِه يَوْمَ النَّحْرِ، ويقولُ: "لِتَأْخُذُوا عَنِّى مَنَاسِكَكُمْ، فَإنِّى لَا أدْرِى لَعَلِّى لَا أَحُجُّ بَعْدَ حَجَّتِى هذِهِ". رَوَاهُ مُسْلِمٌ (٩). وقال نافعٌ: كان ابنُ عمرَ يَرْمِى جَمْرَةَ العَقَبَةِ على دَابَّتِهِ يَوْمَ النَّحْرِ. وكان لا يَأْتِى سَائِرَها بعدَ ذلك إلَّا مَاشِيًا، ذَاهِبًا ورَاجِعًا. وزَعَمَ أنَّ النَّبِيَّ ﷺ كان لا يَأْتِيها إلَّا مَاشِيًا، ذَاهِبًا ورَاجِعًا. رَوَاهُ أحمدُ، في "المُسْنَدِ" (١٠). وفى هذا بَيَانٌ لِلتَّفْرِيقِ بين هذه الجَمْرَةِ
стр. 2436
وغَيْرِها. ولأنَّ رَمْىَ هذه الجَمْرَةِ ممَّا يُسْتَحَبُّ البِدَايَةُ به في هذا اليَوْمِ عندَ قُدُومِهِ، ولا يُسَنُّ عِنْدَها وُقُوفٌ، ولو سُنَّ له المَشْىُ إليها لَشَغَلَه النُّزُولُ عن البِدَايَةِ بها، والتَّعْجِيلِ إليها، بِخِلافِ سَائِرِها.
فصل: وَلِرَمْىِ هذه الجَمْرَةِ وَقْتَانِ: وَقْتُ فَضِيلَةٍ، ووَقْتُ إجْزاءٍ؛ فأمَّا وَقْتُ الفَضِيلَةِ فبعدَ طُلُوعِ الشمسِ. قال ابنُ عبدِ البَرِّ: أجْمَعَ علماءُ المسلمين على أنَّ رسولَ اللهِ ﷺ [إنَّما رَمَاها ضُحَى ذلك اليومِ. وقال جابرٌ: رَأيْتُ رسولَ اللهِ ﷺ ] (١١) يَرْمِى الجَمْرَةَ ضُحَى يَوْمِ النَّحْرِ وَحْدَهُ ورَمَى [بعدَ ذلك] (١٢) بعدَ زَوَالِ الشمسِ. أخْرَجَهُ مُسْلِمٌ (١٣). وقال ابنُ عَبّاسٍ: قَدِمْنَا على رسولِ اللهِ ﷺ أُغَيْلِمَةَ (١٤) بَنِى عبدِ المُطَّلِب على حُمُرَاتٍ (١٥) لَنا مِن جَمْعٍ، فجَعَلَ يَلْطَحُ (١٦) أفْخَاذَنَا، ويقولُ: "أُبَيْنِىَّ (١٧)، لَا تَرْمُوا الجَمْرَةَ حَتَّى تَطْلُعَ الشَّمْسُ". رَوَاهُ ابنُ مَاجَه (١٨). ولأنَّ (١٩) رَمْيَها بعد طُلُوعِ الشمسِ يُجْزِئُ بالإِجْمَاعِ، وكان أوْلَى.
стр. 2437
وأمَّا وَقتُ الجَوازِ، فأَوَّلُه نِصْفُ اللَّيْلِ مِن لَيْلَةِ النَّحْرِ. وبذلك قال عَطاءٌ، وابنُ أبى لَيْلَى، وعِكْرِمَةُ بن خالِدٍ، والشَّافِعِىُّ (٢٠). وعن أحمدَ أنَّه يُجْزِئُ بعدَ (٢١) الفَجْرِ قبلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ. وهو قَوْلُ مالِكٍ، وأصْحَابِ الرَّأْىِ، وإسحاقَ، وابنِ المُنْذِرِ. وقال مُجاهِدٌ، والثَّوْرِىُّ، والنَّخَعِىُّ: لا يَرْمِيها إلَّا بعدَ طُلُوعِ الشَّمْسِ؛ لما رَوَيْنَا منَ الحَدِيثِ. ولَنا، ما رَوَى أبو دَاوُدَ (٢٢)، عن عائشةَ، رَضِىَ اللَّه عنها، أنَّ النَّبِيَّ ﷺ أمَرَ أُمَّ سَلَمَةَ ليلةَ النَّحْرِ، فرَمَتْ جَمْرَةَ العَقَبَةِ قبلَ الفَجْرِ، ثم مَضَتْ فأفَاضَتْ. ورُوِىَ أنَّه أمَرَهَا أن تُعَجِّلَ الإفاضَةَ، وتُوَافِىَ مَكَّةَ بعدَ صلاةِ الصُّبْحِ (٢٣). واحْتَجَّ به أحمدُ. وقد ذَكَرْنَا في حديثِ أسْمَاءَ (٢٤)، أنَّها رَمَتْ، ثم رَجَعَتْ، فصَلَّتِ الصُّبْحَ، وذَكَرَتْ أنَّ النَّبِيَّ ﷺ أذِنَ للظُّعُن، ولأنَّه وَقْتٌ لِلدَّفْعِ من مُزْدَلِفَةَ، فكان وَقْتًا لِلرَّمْىِ، كبعد طُلُوعِ الشمسِ، والأَخْبارُ المُتَقَدِّمَةُ مَحْمُولَةٌ على الاسْتِحْبابِ. وإن أخَّرَ الرَّمْىَ إلى آخِرِ النَّهارِ، جازَ. قال ابنُ عبدِ البَرِّ: أجْمَعَ أهْلُ العِلْمِ، على أنَّ مَن رَماها يومَ النَّحْرِ قبلَ المَغِيبِ، فقد رَماها [في وَقْتٍ لها] (٢٥)، وإن لم يكن مُسْتَحَبًّا لها. ورَوَى ابنُ عَبّاسٍ، قال: كان النَّبِيُّ ﷺ يُسْألُ يومَ النَّحْرِ بِمِنًى، قال رجلٌ: رَمَيْتُ بعدَ ما أمْسَيْتُ؟ فقال: "لَا حَرَجَ". رَوَاهُ البُخَارِىُّ (٢٦). فإن أَخَّرَها إلى اللَّيْلِ، لم يَرْمِها حتى تَزُولَ الشمسُ
стр. 2438
من الغَدِ. وبهذا قال أبو حنيفةَ، وإسحاقُ. وقال الشَّافِعِىُّ، ومحمدُ بنُ المُنْذِرِ، ويَعقوبُ: يَرْمِى لَيْلًا؛ لِقَوْلِ النَّبِيِّ ﷺ : "ارْمِ، وَلَا حَرَجَ". ولَنا، أنَّ ابْنَ عمرَ، قال: مَن فَاتَهُ الرَّمْىُ حتى تَغِيبَ الشَّمْسُ، فلا يَرْمِ حتى تَزُولَ الشَّمْسُ مِن الغَدِ. وقَوْلُ النَّبِيِّ ﷺ : "ارْمِ، وَلَا حَرَجَ". إنَّما كان في النَّهارِ؛ لأنَّه سَألَهُ في يومِ النَّحْرِ، ولا يكونُ اليومُ إلَّا قبلَ مَغِيبِ الشمسِ. وقال مالِكٌ: يَرْمِى لَيْلًا وعليه دَمٌ. ومَرَّةً قال: لا دَمَ عليه.
فصل: ولا يُجْزِئُه الرَّمْىُ إلَّا أن يَقَعَ الحَصَى في المَرْمَى، فإن وَقَعَ دُونَه، لم يُجْزِئْهُ. [وبه قال أصْحابُ الرَّأْىِ، ولا نَعْلَمُ فيه خِلافًا. وكذلك إنْ وَضَعَها بيَدِه في المَرْمَى لم يُجْزِئْهُ] (٢٧) في قَوْلِهم جميعا؛ لأنَّه مَأْمُورٌ بِالرَّمْىِ ولم يَرْمِ. وإن طَرَحَها طَرْحًا، أجْزَأهُ؛ لأنَّه يُسَمَّى رَمْيًا. وهذا قَوْلُ أصْحابِ الرَّأْىِ. وقال ابنُ القاسِمِ: لا يُجْزِئُه. وإن رَمَى حَصاةً، فوَقَعَتْ في غيرِ المَرْمَى، فأطارَتْ حَصَاةً أخْرَى، فوَقَعَتْ في المَرْمَى، لم يُجْزِه؛ لأنَّ التي رَماها لم تَقَعْ في المَرْمَى. وإن رَمَى حَصَاةً، فالْتَقَمَها طَائِرٌ قبلَ وُصُولِها، لم يُجْزِه؛ لأنَّها لم تَقَعْ في المَرْمَى. وإن وَقعَتْ على مَوْضِعٍ صُلْبٍ في غير المَرْمَى، ثم تَدَحْرَجَتْ إلى (٢٨) المَرْمَى، أو على ثَوْبِ إنْسَانٍ، ثم طارَتْ فوقَعَتْ في المَرْمَى، أجْزَأتْهُ؛ لأنَّ حُصُولَهُ بِفِعْلِه. وإن نَفَضَها ذلك الإِنْسانُ عن ثَوْبِه، فوَقَعَتْ في المَرْمَى، فعن أحمدَ، ﵀، أنَّها تُجْزِئُه؛ لأنَّه انْفَرَدَ بِرَمْيِها. وقال ابنُ عَقِيلٍ: لا يُجْزِئُه؛ لأنَّ حُصُولَها في المَرْمَى بفِعْلِ الثَّانِى، فأشْبَه ما لو أخَذَها بِيَدِه فرَمَى بها. وإن رَمَى حَصاةً، فشَكَّ: هل وَقَعَتْ في المَرْمَى أو لا؟ لم يُجْزِئْهُ؛ لأنَّ الأصْلَ بَقاءُ الرَّمْىِ في ذِمَّتِه، فلا يَزُولُ بِالشَّكِّ. وإن كان الظَّاهِرُ أنَّها وَقَعَتْ فيه، أجْزَأتْه؛ لأنَّ الظَّاهِرَ دَلِيلٌ. وإن رَمَى الحَصَيَاتِ (٢٩) دَفْعَةً واحِدَةً، لم يُجْزِه إلَّا عن وَاحِدَةٍ. نَصَّ عليه أحمدُ. وهو قَوْلُ
стр. 2439
مَالِكٍ، والشَّافِعِىِّ، ؤأصْحَابِ الرَّأْىِ. وقال عَطاءٌ: يُجْزِئُه، ويُكَبِّرُ لِكُلِّ حَصَاةٍ. ولَنا، أنَّ النَّبِيَّ ﷺ رَمَىَ سَبْعَ رَمَيَاتٍ، وقال: "خُذُوا عَنِّى مَنَاسِكَكُمْ" (٣٠). قال بعضُ أصْحابِنا: ويُسْتَحَبُّ أن يَرْفَعَ يَدَيْهِ في الرَّمْىِ حتى يُرَى بَيَاضُ إبطِهِ.
٦٤٧ - مسألة؛ قال: (ويَقْطَعُ التَّلْبِيَةَ عِنْدَ ابْتِدَاءِ الرَّمْىِ)
وممَّن قال: يُلَبِّى حتى يَرْمِىَ الجَمْرَةَ. ابنُ مسعودٍ، وابنُ عَبَّاسٍ، ومَيْمُونَةُ. وبه قال عَطاءٌ، وطاوُسٌ، وسَعِيدُ بن جُبَيْرٍ، والنَّخَعِىُّ، والثَّوْرِىُّ، والشَّافِعِىُّ، وأصْحابُ الرَّأْىِ. ورُوِىَ عن سَعْدِ بن أبى وَقَّاصٍ، وعائشةَ: يَقْطَعُ التَّلْبِيَةَ إذا رَاحَ إلى المَوْقِفِ. وعن علىٍّ، وأُمِّ سَلَمَةَ، أنَّهُما كانا يُلَبِّيانِ حتى تَزُولَ الشمسُ مِن (١) يومِ عَرَفَةَ. وهذا قَرِيبٌ من قَوْلِ سَعْدٍ، وعائشةَ. وكان الحسنُ يقولُ: يُلَبِّى حتى يُصَلِّىَ الغدَاةَ يومَ عَرَفَةَ. وقال مَالِكٌ: يَقْطَعُ التَّلْبِيَةَ إذا رَاحَ إلى المسجدِ. ولَنا، أنَّ الفَضْلَ بنَ عَبّاسٍ رَوَى أنَّ النَّبِىَّ ﷺ لم يَزَلْ يُلَبِّى حتى رَمَى جَمْرَةَ العَقَبَةِ (٢). وكان رَدِيفَه يَوْمَئِذٍ، وهو أعْلَمُ بِحَالِه من غيرِه، وقَوْلُ النَّبِيِّ ﷺ وفِعْلُهُ مُقَدَّمٌ على كلِّ مَن خَالَفَهُ. واسْتُحِبَّ قَطْعُ التَّلْبِيَةِ عندَ أَوَّلِ حَصَاةٍ؛ [للْخَبَرِ، وفى بعضِ ألْفاظِه: حتى رَمَى جَمْرَةَ العَقَبةِ قَطَعَ عندَ أوَّلِ حَصَاةٍ] (٣). رَوَاهُ حَنْبَلٌ، في "المَنَاسِكِ". وهذا بَيَانٌ يَتَعَيَّنُ الأَخْذُ به. وفي رِوَايَةِ مَن رَوَى أنَّ النَّبِيَّ ﷺ كان يُكَبِّرُ مع كلِّ حَصَاةٍ (٤) دَلِيلٌ على أنَّه لم يَكُنْ يُلَبِّى، ولأنَّه يَتَحَلَّلُ بِالرَّمْىِ، فإذا شَرَعَ
стр. 2440
فيه قَطَعَ التَّلْبِيَةَ، كالمُعْتَمِرِ يَقْطَعُ التَّلْبِيَةَ بِالشُّرُوعِ في الطَّوافِ.
٦٤٨ - مسألة؛ قال: (ثُمَّ يَنْحَرُ، إنْ كَانَ مَعَهُ هَدْيٌ)
وجُمْلَةُ ذلك أنَّه إذا فَرَغَ من رَمْىِ الجَمْرَةِ يومَ النَّحْرِ، لم يَقِفْ، وانْصَرَفَ، فأوَّلُ شيءٍ يَبْدَأُ به نَحْرُ الهَدْىِ، إن كان معه هَدْيٌ، وَاجِبًا أو تَطَوُّعًا. فإن لم يَكُنْ معه هَدْيٌ، وعليه هَدْيٌ وَاجِبٌ، اشْتَرَاهُ، وإن لم يَكُنْ عليه وَاجِبٌ، فأحَبَّ أن يُضَحِّىَ، اشْتَرَى ما يُضَحِّى به، ويَنْحَرُ الإِبِلَ، ويَذْبَحُ ما سِوَاها. والمُسْتَحَبُّ أن يَتَولَّى ذلك بِيَدِه (١)، وإن اسْتَنابَ غيرَه جازَ. هذا قَوْلُ مالِكٍ، والشَّافِعِىِّ, وأبى ثَوْرٍ، وأصْحابِ الرَّأْىِ. وذلك لما رَوَى جابرٌ في صِفَةِ حَجِّ النَّبِيِّ ﷺ ، أنَّه رَمَى من بَطْنِ الوَادِى، ثم انْصَرَفَ إلى المَنْحَرِ، فنَحَرَ ثلاثًا وسِتِّينَ بَدَنَةً، ثم أعْطى عَلِيًّا فنَحَرَ ما غَبَرَ، وأشْرَكَهُ في هَدْيِه (٢). وقال أنَسٌ: نَحَرَ النَّبِيُّ ﷺ بِيَدِه سَبْعَ بَدَنَاتٍ قِيَامًا. رَوَاهُ البُخارِىُّ (٣).
فصل: والسُّنَّةُ نَحْرُ الإِبِلِ قَائِمَةً مَعْقُولَةً يَدُهَا اليُسْرَى، فيَضْرِبُها بِالْحَرْبَةِ في الوَهْدَةِ التي بين أصْلِ العُنُقِ والصَّدْرِ. وممَّن اسْتَحَبَّ ذلك مالِكٌ، والشَّافِعِىُّ، وإسحاقُ، وابْنُ المُنْذِرِ. واسْتَحَبَّ عَطاءٌ نَحْرَها بَارِكَةً. وجَوَّزَ الثَّوْرِىُّ وأصْحابُ الرَّأْىِ كُلَّ ذلك. ولَنا، ما رَوَى زِيادُ (٤) بنُ جُبَيْرٍ، قال: رَأيتُ ابنَ عمرَ
стр. 2441
أتَى على رجلٍ أنَاخَ بَدَنَتَهُ لِيَنْحَرَها، فقال: ابْعَثْها قِيَامًا مُقَيَّدَةً، سُنَّة محمدٍ ﷺ . مُتَّفَقٌ عليه (٥). ورَوَى أبو دَاوُدَ (٦)، بإسْنَادِه عن عبدِ الرحمنِ بن سابِطٍ، أنَّ النَّبِيَّ ﷺ وأصْحَابَهُ كانوا يَنْحَرُونَ البَدَنَةَ مَعْقُولَةَ اليُسْرَى، قَائِمَةً على ما بَقِىَ من قَوَائِمها. وفي قَوْلِ اللهِ تعالى: ﴿فَإِذَا وَجَبَتْ جُنُوبُهَا﴾ (٧). دَلِيلٌ على أنَّها تُنْحَرُ قَائِمَةً. ويُرْوَى في تَفْسِيرِ قَوْلِه تعالى: ﴿فَاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهَا صَوَافَّ﴾. أي قِيَامًا. وتُجْزِئُه كيفما نَحَرَ. قال أحمدُ: يَنْحَرُ البُدْن مَعْقُولَةً على ثلاثِ قَوَائِم، وإن خَشِىَ عليها أن تَنْفِرَ أنَاخَها.
فصل: ويُسْتَحَبُّ تَوْجِيهُ الذَّبِيحَةِ إلى القِبْلَةِ، ويقولُ: بِسْمِ اللَّه واللهُ أَكْبَرُ. وإن قال ما وَرَدَ (٨) عن النَّبِيِّ ﷺ فحَسَنٌ. قال ابنُ المُنْذِرِ: ثَبَتَ أنَّ رسولَ اللهِ ﷺ كان إذا ذَبَحَ يقولُ: "بِسْمِ اللهِ واللهُ أَكْبَرُ" (٩). وكذلك يقولُ ابنُ عمرَ. وَرُوِىَ أنَّ النَّبِيَّ ﷺ ذَبَحَ يومَ العِيدِ كَبْشَيْنِ، ثم قال حين وجَّهَهُما: "وَجَّهْتُ وَجْهِىَ لِلَّذِى فَطَرَ السَّموَاتِ وَالْأَرْضَ حَنِيقًا وَمَا أَنَا مِنَ المُشْرِكِينَ. إنَّ صَلَاتِى ونُسُكِى وَمَحْيَاىَ ومَمَاتِىِ لِلهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ. لَا شَرِيكَ لَهُ وَبِذلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ المُسْلِمِينَ. بِسْمِ اللهِ وَاللهُ أَكْبَرُ، اللَّهُمَّ (١٠) مِنْكَ ولَكَ، عَنْ مُحَمَّدٍ وَأُمَّتِه". رَوَاهُ أبو
стр. 2442
دَاوُدَ (١١). وإن اقْتَصَرَ على التَّسْمِيَةِ، وَوَجَّهَ الذَّبِيحَةَ إلى غيرِ القِبْلَةِ، تَرَكَ الأفْضَلَ، وأجْزَأَهُ. هذا قولُ القاسِمِ بن محمدٍ، والنَّخَعِىِّ، والثَّوْرِىِّ، والشَّافِعِىِّ، وابنِ المُنْذِرِ. وكان ابنُ عمرَ، وابنُ سِيرِينَ يَكْرَهانِ الأكْلَ من الذَّبيحَةِ تُوَجَّهُ لغيرِ القِبْلَةِ. والصَّحِيحُ أنَّ ذلك غيرُ وَاجِبٍ، ولم يَقُمْ على وُجُوبِهِ دَلِيلٌ.
فصل: ووَقْتُ نَحْرِ الأُضْحِيَةِ والهَدْىِ ثلاثةُ أيَّامٍ: يومُ النَّحْرِ، ويَوْمانِ بَعْدَهُ. نَصَّ عليه أحمدُ، وقال: هو عن غيرِ واحِدٍ من أصْحابِ رسولِ اللهِ ﷺ . ورَوَاهُ الأثْرَمُ، عن ابنِ عمرَ، وابنِ عَبّاسٍ. وبه قال مالِكٌ، والثَّوْرِىُّ. ويُرْوَى عن علىٍّ، رَضِىَ اللهُ عنه، أنَّه قال: أيَّامُ (١٢) النَّحْرِ يومُ الضُّحَى، وثَلاثةُ أيَّامٍ بَعْدَهُ. وبه قال الحسنُ، وعَطاءٌ، والأوْزاعِىُّ، والشَّافِعِىُّ، وابنُ المُنْذِرِ. وقال ابنُ سِيرِينَ: يومٌ وَاحِدٌ. وعن سَعِيدِ بن جُبَيْرٍ، وجابِرِ بن زيدٍ: في الأمْصارِ يومٌ وَاحِدٌ، وبِمِنًى ثلاثةٌ (١٣). ولَنا، أنَّ النَّبِيَّ ﷺ نَهَى عن الأكْلِ من النُّسُكِ فوقَ ثلاثٍ (١٤)، وغيرُ جائزٍ أن يكونَ الذَّبْحُ مَشْرُوعًا في وَقْتٍ يَحْرُمُ فيه الأكْلُ، ثم نُسِخَ تَحْرِيمُ الأكْلِ،
стр. 2443
وبَقِىَ وَقْتُ الذَّبْحِ بِحَالِه. ولأنَّ اليومَ الرَّابِعَ لا يَجِبُ فيه الرَّمْىُ، فلم يَجُزْ فيه الذَّبْحُ، كالذى بعدَه، فأمَّا اللَّيَالِى المُتَخلِّلَةُ لأَيَّامِ النَّحْرِ، فظاهِرُ كلامِ الخِرَقِىِّ أنَّه لا يُجْزِئُ فيها ذَبْحُ الهَدْىِ والأُضْحِيَةِ؛ لأنَّ اللهَ تعالى قال: ﴿وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَعْلُومَاتٍ عَلَى مَا رَزَقَهُمْ مِنْ بَهِيمَةِ الْأَنْعَامِ﴾ (١٥). فذَكَرَ (١٦) الأيَّامَ دونَ اللَّيَالِى. وقال غيرُه من أصْحَابِنا: يجوزُ فى (١٧) لَيْلَتَىْ يَوْمَى التَّشْرِيقِ الأَوَّلَتَيْنِ. وهو قولُ أكْثَر الفُقَهَاءِ؛ لأنَّ هاتَيْنِ اللَّيْلَتَيْنِ دَاخِلَتانِ في مُدَّةِ الذَّبْحِ، فجازَ الذَّبْحُ فيهما كالأَيَّامِ.
فصل: وإذا نَحَرَ الهَدْىَ، فَرَّقَهُ على المَسَاكِينِ من أهْلِ الحَرَمِ، وهو مَنْ كان فى الحَرَمِ. فإن أطْلَقَهَا لهم جازَ. كما رَوَى أنَسٌ، أنَّ النَّبِيَّ ﷺ نَحَرَ خَمْسَ بَدَنَاتٍ، ثم قال: "مَنْ شَاءَ فَلْيَقْتَطِعْ". رَوَاهُ أبو دَاوُدَ (١٨). وإن قَسَمَها فهو أحْسَنُ وأَفْضَلُ، ولا يُعْطِى الجَازِرَ بأُجْرَتِه شيئا منها؛ لما رُوِىَ عن علىٍّ، رَضِىَ اللهُ عنه، قال: أمَرَنِى النَّبِيُّ ﷺ أن أَقومَ على بُدْنِه، وأنْ أَقْسِمَ بُدْنَهُ كُلَّها، جُلُودَها وجِلَالَها (١٩)، وأنْ لا أُعْطِىَ الجَازِرَ منها شيئا، وقال: "نَحْنُ نُعْطِيهِ مِنْ عِنْدِنَا". [مُتَّفَقٌ على مَعْنَاهُ] (٢٠). ولأنَّه بِقَسْمِها يكونُ على يَقِينٍ من إيصالِها (٢١)
стр. 2444
إلى مُسْتَحِقِّها، ويَكْفِى المَسَاكِينَ مُؤْنَةَ النَّهْبِ والزِّحَامِ عليها. وإنَّما يُعْطِ الجازِرَ بأُجْرَتِه منها؛ لأنَّ (٢٢) ذَبْحَها عليه (٢٣)، فعِوَضُهُ عليه دُونَ المَسَاكِينِ، ولأنَّ دَفْعَ جُزْءٍ منها عِوَضًا عن الجِزَارَةِ كبَيْعِه، ولا يجوزُ بَيْعُ شيءٍ منها، فإن كان الجَازِرُ فَقِيرًا، فأعْطَاهُ منها (٢٤) لِفَقْرِه سِوَى ما يُعْطِيه أجْرَهُ، جازَ؛ لأنَّه مُسْتَحِقٌّ، أخَذَ (٢٥) منها لِفَقْرِه، لا لأجْرِه، فجازَ كغيرِه، ويُقَسِّمُ جُلُودَها وجِلَالَها، كما جاءَ في الخَبَرِ؛ لأنَّه سَاقَها لِلهِ على تِلْكَ الصِّفَةِ؛ فلا يَأْخُذُ شيئا ممَّا جَعَلَهُ (٢٦) لِلهِ. وقال بعضُ أصْحابِنا: لا يَلْزَمُه إعْطاءُ جِلَالِها؛ لأنَّه إنَّما أهْدَى الحَيَوَانَ دُونَ ما عليه.
فصل: والسُّنَّةُ النَّحْرُ بمِنًى؛ لأنَّ النَّبِيَّ ﷺ نَحَرَ بها، وحيثُ نَحَرَ من الحَرَمِ أَجْزَأَهُ؛ لِقَوْلِ رسولِ اللهِ ﷺ : "كُلُّ مِنًى مَنْحَرٌ، وَكُلُّ فِجَاجِ مَكَّةَ مَنْحَرٌ وطَرِيقٌ". رَوَاهُ أبو دَاوُدَ (٢٧).
فصل: وليس من شَرْطِ الهَدْىِ أن يَجْمَعَ فيه بين الحِلِّ والحَرَمِ، ولا أن يَقِفَهُ بِعَرَفَةَ، لكنْ يُسْتَحَبُّ ذلك. رُوِىَ هذا عن ابنِ عَبّاسٍ، وبه قال الشَّافِعِىُّ، وأبو ثَوْرٍ، وأصْحابُ الرَّأْىِ. وكان ابنُ عمرَ لا يَرَى الهَدْىَ إلَّا ما عُرِّفَ به. ونحوُه عن سَعِيدِ بن جُبَيْرٍ. وقال مَالِكٌ: أُحِبُّ لِلْقَارِنِ أن يَسُوقَ هَدْيَهُ مِن حَيْثُ يُحْرِمُ، فإن ابْتَاعَهُ مِن دون ذلك، ممَّا يَلِى مَكَّةَ بعدَ أن يَقِفَهُ بِعَرَفَةَ، جازَ. وقال في هَدْىِ المُجَامِعِ: إن لم يَكُنْ سَاقَهُ، فلْيَشْتَرِه من مَكَّةَ، ثم ليُخْرِجْهُ إلى الحِلِّ، ولْيَسُقْهُ إلى مَكَّةَ. ولَنا، أنَّ المُرَادَ من الهَدْىِ نَحْرُهُ، ونَفْعُ المَسَاكِينِ بِلَحْمِه، وهذا (٢٨) لا
стр. 2445
يَقِفُ على شيءٍ ممَّا ذَكَرُوهُ، ولم يَرِدْ بما قَالُوهُ دَلِيلٌ يُوجِبُه، فَيَبْقَى على أصْلِهِ.
٦٤٩ - مسألة؛ قال: (وَيَحْلِقُ أوْ يُقَصِّرُ)
وجُمْلَةُ ذلك أنَّه إذا نَحَرَ هَدْيَهُ، فإنَّه يَحْلِقُ رَأْسَه، أو يُقَصِّرُ منه؛ لأنَّ النَّبِيَّ ﷺ حَلَقَ رَأْسَهُ. فرَوَى أَنَسٌ أنَّ رسولَ اللهِ ﷺ رَمَى جَمْرَةَ العَقَبَةِ يومَ النَّحْرِ، ثم رَجَعَ إلى مَنْزِلِه بِمِنًى، فدَعَا فذَبَحَ، ثم دَعَا بالْحَلَّاقِ، فأخَذَ بِشقِّ رَأْسِه الأيْمَنِ فحَلَقَهُ، فجَعَلَ يُقَسِّمُ بينَ من يَلِيهِ الشَّعْرَةَ والشَّعْرَتَيْنِ، ثم أخذ بِشِقِّ (١) رَأْسِه الأَيْسَرِ فحَلَقَهُ، ثم قال: "هاهُنَا أبُو طَلْحَةَ؟ " فدَفَعَهُ إلى أبِى طَلْحَةَ. رَوَاهُ أبو دَاوُدَ (٢). والسُّنَّةُ أن يَبْدَأَ بِشِقِّ رَأْسِه الأيْمَنِ، ثم الأيْسَرِ؛ لهذا الخَبَرِ، ولأنَّ النَّبِيَّ ﷺ كان يُعْجِبُه التَّيَامُنُ في شَأْنِه كُلِّه (٣). فإن لم يَفْعَلْ، أجْزَأَهُ. لا نَعْلَمُ فيه خِلَافًا. وهو مُخَيَّرٌ بين الحَلْقِ والتَّقْصِيرِ. أيَّهما فَعَلَ أجْزَأَهُ، في قَوْلِ أكْثَر أهْلِ العِلْمِ. قال ابنُ المُنْذِرِ: أجْمَعَ أهْلُ العِلْمِ على أنَّ التَّقْصِيرَ يُجْزِئُ. يَعْنِى في حَقِّ من لم يُوجَدْ منه مَعْنًى يَقْتَضِى وُجُوبَ الحَلْقِ عليه. إلَّا أنَّه يُرْوَى عن الحَسَنِ، أنَّه كان يُوجِبُ الحَلْقَ في أَوَّلِ حَجَّةٍ حَجَّهَا. ولا يَصِحُّ هذا؛ لأنَّ اللهَ تعالى قال: ﴿مُحَلِّقِينَ رُءُوسَكُمْ وَمُقَصِّرِينَ﴾ (٤). ولم يُفَرِّق النَّبِيُّ ﷺ قال: "رَحِمَ اللهُ المُحَلِّقِينَ والمُقَصِّرِينَ". وقد كان مع النَّبِيِّ ﷺ من قَصَّرَ، فلَم يَعِبْ عليه، ولو لم يَكُنْ مُجْزِيًا لأَنْكَرَ عليه. والحَلْقُ أفْضَلُ؛ لأنَّ النَّبِيَّ ﷺ قال: "رَحِمَ اللَّه المُحَلِّقِينَ". قالوا: يا رسولَ اللَّه، والمُقَصِّرِينَ؟ قال: "رَحِمَ اللهُ المُحَلِّقِينَ". قالوا: والمُقَصِّرِينَ يا رسولَ اللهِ؟ قال: "رَحِمَ اللهُ المُحَلِّقِينَ والمُقَصِّرِينَ". رَوَاهُ مُسْلِمٌ (٥). ولأنَّ النَّبِيَّ ﷺ حَلَقَ. واخْتَلَفَ أهْلُ العِلْمِ في مَن لَبَّدَ، أو عَقَصَ، أو
стр. 2446
ضَفَرَ. فقال أحمدُ: مَن فَعَلَ ذلك فلْيَحْلِقْ. وهو قَوْلُ النَّخَعِيِّ، ومالِكٍ، والشَّافِعِيِّ، وإسحاقَ. وكان ابنُ عَبَّاسٍ يقول: مَن لَبَّدَ، أو ضَفَرَ، أو عَقَدَ، أو فَتَلَ، أو عَقَصَ، فهو على ما نَوَى. يَعْنِى إن نَوَى الحَلْقَ فَلْيَحْلقْ، وإلَّا فلا يَلْزَمُه. وقال أصْحابُ الرَّأْىِ: هو مُخَيَّرٌ على كلِّ حالٍ؛ لأنَّ ما ذَكَرْنَاهُ يَقْتَضِى التَّخْيِيرَ على العُمُومِ، ولم يَثْبُتْ في خِلافِ ذلك دَلِيلٌ. واحْتَجَّ مَن نَصَرَ القَوْلَ الأوَّل، بأنَّه رُوِىَ عن النَّبِيِّ ﷺ ، أنَّه قال: "مَنْ لَبَّدَ فَلْيَحْلِقْ" (٦). وثَبَتَ عن عمرَ وابْنِه أنهما أمَرَا مَن لَبَّدَ رَأسَهُ [أن يَحْلِقَهُ. وثَبَتَ أنَّ النَّبِيَّ ﷺ لَبَّدَ رَأْسَهُ] (٧)، وأنَّه حَلَقَهُ (٨). والصَّحِيحُ أنَّه مُخَيَّرٌ، إلَّا أن يَثْبُتَ الخَبَرُ عن النَّبيِّ ﷺ . وقَوْلُ عمَرَ وابْنِه قد خَالَفَهما فيه ابنُ عَبّاسٍ، وفِعلُ النَّبيِّ ﷺ له لا يَدُلُّ على وُجُوبِه، بعدَ ما بَيَّنَ لهم جَوَازَ الأمْرَيْنِ.
فصل: والحَلْقُ والتَّقْصِيرُ نُسُكٌ في الحَجِّ والعُمْرَةِ، في ظَاهِرِ مذهبِ أحمدَ، وقَوْلِ الخِرَقِيِّ، وهو قَوْلُ مَالِكٍ، وأبي حنيفةَ، والشَّافِعِيِّ. وعن أحمدَ أنَّه ليس بِنُسُكٍ، وإنَّما هو إطْلَاقٌ مِن مَحْظُورٍ كان مُحَرَّمًا عليه بالإِحْرَامِ، فأُطْلِقَ فيه عندَ الحِلِّ، كاللِّبَاسِ والطِّيبِ وسائِرِ مَحْظُورَاتِ الإحْرَامِ. فعلَى هذه الرِّوَايَةِ لا شىءَ على تَارِكِه، ويَحْصُلُ الحِلُّ بِدُونِه. ووَجْهُها أنَّ النَّبِيَّ ﷺ أمَرَ بالحِلِّ من العُمْرَةِ قبلَه، فرَوَى أبو موسى، قال: قَدِمْتُ على رسولِ اللَّه ﷺ ، فقال لى: "بِمَ
стр. 2447
أهْلَلْتَ؟ ". قلتُ: لَبَّيْكَ بإهْلالٍ كإهْلالِ رسولِ اللهِ ﷺ . قال: "أَحْسَنْتَ". فأمَرَنِى فَطُفْتُ بِالبَيْتِ، وبين الصَّفَا والمَرْوَةِ، ثم قال لى: "أحِلَّ". مُتَّفَقٌ عليه (٩). وعن جابِرٍ، أنَّ النَّبِيَّ ﷺ لمَّا سَعَى بين الصَّفَا والمَرْوَةِ، قال: "مَنْ كَانَ [مِنْكُمْ لَيْسَ] (١٠) مَعَهُ هَدْىٌ فَلْيَحِلَّ، ولْيَجْعَلْهَا عُمْرَةً". رَوَاهُ مُسْلِمٌ (١١). وعن سُرَاقَةَ، أنَّ النَّبِيَّ ﷺ ، قال: "إذَا قَدِمْتُمْ فَمَنْ تَطَوَّفَ بِالْبَيْتِ، وَبَيْنَ الصَّفَا والمَرْوَةِ، فَقَدْ حَلَّ، إلَّا مَنْ كَانَ مَعَهُ هَدْىٌ". رَوَاهُ أبو إسحاقَ الْجُوزَجَانِيُّ، في "المُتَرْجَمِ" (١٢). ولأنَّ ما كان مُحَرَّمًا فى الإِحْرَامِ، إذا أُبِيحَ، كان إطْلَاقًا مِن مَحْظُورٍ، كسائِر مُحَرَّمَاتِه. والرِّوَايَةُ الأُولَى أصَحُّ؛ فإنَّ النَّبِيَّ ﷺ أمَرَ به، فرَوَى ابنُ عمرَ، أنَّ النَّبِيَّ ﷺ قال: "مَنْ لَمْ يَكُنْ مَعَهُ هَدْيٌ، فَلْيَطُفْ بالْبَيْتِ، وَبَيْنَ الصَّفَا والمَرْوَةِ، وليُقَصِّرْ، وليَحْلِلْ" (١٣). وعن جابِرٍ، أنًّ النَّبِيَّ ﷺ قال: "أحِلُّوا مِنْ (١٤) إحْرَامِكُمْ بِطوَافٍ بِالْبَيْتِ [وَبَيْنَ الصَّفَا] (١٤) والمَرْوَةِ، وقَصِّرُوا" (١٥). وأمْرُهُ يَقْتَضِى الوُجُوبَ. ولأنَّ اللهَ تعالى وَصَفَهُمْ به، بِقَوْلِه سُبْحَانَه: ﴿مُحَلِّقِينَ رُءُوسَكُمْ وَمُقَصِّرِينَ﴾ (١٦). ولو لم يَكُنْ من المَنَاسِكِ لمَا وَصَفَهُم به، كاللُّبْس وقَتْلِ الصَّيْدِ، ولأنَّ النَّبِيَّ ﷺ تَرَحَّمَ على المُحَلِّقِينَ ثلاثًا، وعلى المُقَصِّرِينَ مَرَّةً، ولو لم يَكُنْ مِن
стр. 2448
المَنَاسِكِ، لمَا دَخَلَهُ التَّفْضِيلُ، كالمُباحاتِ، ولأنَّ النَّبِيَّ ﷺ وأصْحابَه فَعَلُوهُ في جميعِ حَجِّهم وعُمَرِهم، ولم يُخِلُّوا به، ولو لم يَكُنْ نُسُكًا لمَا دَاوَمُوا (١٧) عليه، بل لم يَفْعَلُوهُ [إلَّا نادِرًا] (١٨)؛ لأنَّه لم يَكُنْ من عادَتِهم، فيَفْعَلُوهُ عَادَةً، ولا فيه فَضْلٌ، فيَفْعَلُوهُ لِفَضْلِه. وأمَّا أمْرُهُ بالحِلِّ، فإنَّما مَعْنَاهُ -واللهُ أعلمُ- الحِلُّ بِفِعلهِ؛ لأنَّ ذلك كان مَشْهُورًا عندَهم، فاسْتُغْنِىَ عن ذِكْرِه، ولا يَمْتَنِعُ الحِلُّ من العِبَادَةِ بما كان مُحَرَّمًا فيها، كالسَّلامِ من الصلاةِ.
فصل: ويجوزُ تَأْخِيرُ الحَلْقِ والتَّقْصِيرِ إلى آخِرِ أيَّامِ النَّحْرِ؛ لأنَّه إذا جازَ تَأْخِيرُ النَّحْرِ المقدَّمِ عليه، فتَأْخِيرُه أوْلَى، فإن أَخَّرَهُ عن ذلك، ففيه رِوَايَتانِ: إحْدَاهما، لا دَمَ عليه. وبه قال عَطاءٌ، وأبو يوسفَ، وأبو ثَوْرٍ. ويُشْبِهُ مذهبَ الشَّافِعِيِّ؛ لأنَّ اللَّه تعالى بيَّنَ أوَّلَ وَقْتِه بِقَوْلِه: ﴿وَلَا تَحْلِقُوا رُءُوسَكُمْ حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ﴾ (١٩). ولم يُبَيِّنْ آخِرَهُ، فمتى أتَى به أجْزَأَهُ، كطَوَافِ الزِّيَارَةِ والسَّعْىِ. ولأنَّه نُسُكٌ أخَّرَهُ (٢٠) إلى وَقْتِ جَوَازِ فِعْلِه، فأشْبَهَ السَّعْىَ. وعن أحمدَ: عليه دَمٌ بِتَأْخِيرِه. وهو مذهبُ أبي حنيفةَ؛ لأنَّه نُسُكٌ أَخَّرَهُ عن مَحِلِّه، ومَن تَرَكَ نُسُكًا فعليه دَمٌ. ولا فَرْقَ في التَّأْخِيرِ بين القَلِيلِ والكَثِيرِ، والعَامِدِ والسَّاهِى. وقال مَالِكٌ، والثَّوْرِيُّ، وإسحاقُ، وأبو حنيفةَ، ومحمدُ بنُ الحسنِ: مَن تَرَكَهُ حتى حَلَّ فعليه دَمٌ؛ لأنَّه نُسُكٌ فيأتِى به في إحْرَامِ الحَجِّ، كسائِر مَنَاسِكِه. ولَنا، ما تَقَدَّمَ.
فصل: والأصْلَعُ الذى لا شَعْرَ على رَأْسِه، يُسْتَحَبُّ أن يُمِرَّ المُوسَى على رَأْسِه. رُوِىَ ذلك عن ابنِ عمرَ. وبه قال مَسْرُوقٌ، وسَعِيدُ بن جُبَيْرٍ، والنَّخَعِيُّ، ومَالِكٌ، والشَّافِعِيُّ، وأبو ثَوْرٍ، وأصْحابُ الرَّأْىِ. قال ابنُ المُنْذِرِ: أجْمَعَ كُلُّ
стр. 2449
مَن نَحْفَظُ عنه من أهْلِ العِلْمِ، على (٢١) أنَّ الأصْلَعَ يُمِرُّ المُوسَى على رَأْسِه. وليسَ ذلك بواجبٍ (٢٢). وقال أبو حنيفةَ: يَجِبُ؛ لأنَّ النَّبِيَّ ﷺ قال: "إذَا أمَرْتُكُمْ بِأَمْرٍ فَأْتُوا مِنْهُ مَا اسْتَطَعْتُمْ" (٢٣). وهذا لو كان ذا شَعْرٍ وَجَبَ عليه إزَالَتُهُ، وإمْرَارُ المُوسَى على رَأْسِه، فإذا سَقَطَ أحَدُهما لِتَعَذُّرِهِ، وَجَبَ الآخَرُ. ولَنا، أنَّ الحَلْقَ مَحِلُّهُ الشَّعْرُ، فسَقَطَ بِعَدَمِه، كما يَسْقُطُ وُجُوبُ غَسْلِ العُضْوِ في الوُضُوءِ بِفَقْدِه. ولأنَّه إمْرَارٌ لو فَعَلَهُ في الإِحْرَامِ لم يَجِبْ به دَمٌ، فلم يَجِبْ عند التَّحَلُّلِ، كإمْرَارِهِ على الشَّعْرِ مِن غيرِ حَلْقٍ.
فصل: ويُسْتَحَبُّ لمن حَلَقَ أو قَصَّرَ تَقْلِيمُ أظَافِرِهِ، والأَخْذُ من شَارِبهِ؛ لأنَّ النَّبِيَّ ﷺ فَعَلَهُ. قال ابْنُ المُنْذِرِ: ثَبَتَ أنَّ رسولَ اللهِ ﷺ لمَّا حَلَقَ رَأْسَهُ، قَلَّمَ أظْفَارَهُ (٢٤)، وكان ابنُ عمرَ يَأْخُذُ مِن شَارِبِه وأظْفَارِه. وكان عَطاءٌ، وطاوُسٌ، والشَّافِعِيُّ، يُحِبُّونَ لو أخَذَ من لِحْيَتِه شيئا. ويُسْتَحَبُّ إذا حَلَقَ، أن يَبْلُغَ العَظْمَ الذى عندَ مُنْقَطَعِ الصُّدغِ من الوَجْهِ. كان ابنُ عمرَ يقولُ لِلْحَالِقِ: ابْلُغِ العَظْمَيْنِ، افْصِلِ الرَّأْسَ من اللِّحْيَةِ. وَكان عَطاءٌ يقولُ: مِن السُّنَّةِ، إذا حَلَقَ رَأْسَهُ، أن يَبْلُغَ العَظْمَيْنِ.
٦٥٠ - مسألة؛ قال: (ثُمَّ قَدْ حَلَّ لَهُ كُلُّ شَىْءٍ إلَّا النِّسَاءَ)
وجُمْلَةُ ذلك أنَّ المُحْرِمَ، إذا رَمَى جَمْرَةَ العَقَبَةِ، ثم حَلَقَ، حَلَّ له كُلُّ ما كان مَحْظُورًا بالإِحْرَامِ (١)، إلَّا النِّساءَ. هذا الصَّحِيحُ من مذهبِ أحمدَ، ﵀. نَصَّ عليه، في رِوَايَةِ جَمَاعَةٍ، فيَبْقَى ما كان مُحَرَّمًا عليه من النِّسَاءِ، من الوَطْءِ،
стр. 2450
والقُبْلَةِ، واللَّمْسِ لِشَهْوَةٍ، وعَقْدِ النِّكَاحِ، ويَحِلُّ له ما سِوَاهُ. هذا قَوْلُ ابنِ الزُّبَيْرِ، وعائشةَ، وعَلْقَمَةَ، وسالِمٍ، وطاوُسٍ، والنَّخَعِيِّ، [وعُبيدِ اللَّه بن الحسنِ] (٢)، وخَارِجَةَ بن زيدٍ، والشَّافِعِيِّ، وأبي ثَوْرٍ، وأصْحابِ الرَّأْىِ. ورُوِىَ أَيضا عن ابْنِ عَبّاسٍ. وعن أحمدَ، أنَّه يَحِلُّ له كُلُّ شىءٍ إلَّا الوَطْءَ في الفَرْجِ؛ لأنَّه أغْلَظُ المُحَرَّمَاتِ، ويُفْسِدُ النُّسُكَ، بِخِلافِ غيرِه. وقال عمرُ بنُ الخَطَّابِ، رَضِىَ اللهُ عنه: يَحِلُّ له كُلُّ شَىْءٍ، إلَّا النِّسَاءَ، والطِّيبَ. ورُوِىَ ذلك عن ابنِ عمرَ، وعُرْوَةَ ابن الزُّبَيْرِ، وعَبَّادِ بن عبدِ اللهِ بن الزُّبَيْرِ (٣)؛ لأنَّه من دَوَاعِى الوَطْءِ، فأشْبَهَ القُبْلَةَ. وعن عُرْوَةَ، أنَّه لا يَلْبَسُ القَمِيصَ، ولا العِمَامَةَ، ولا يَتَطَيَّبُ. ورُوِىَ في ذلك عن النَّبِيِّ ﷺ حديثٌ (٤). ولَنا، ما رَوَتْ عائشةُ، أنَّ النَّبيَّ ﷺ ، قال: "إذَا رَمَيْتُمْ، وحَلَقْتُمْ، فَقَدْ حَلَّ لَكُمُ الطِّيبُ، والثِّيَابُ، وكُلُّ شَىْءٍ، إلَّا النِّسَاءَ". رَوَاهُ سَعِيدٌ (٥). وفى لَفْظٍ: "إذَا رَمَى أحَدُكُمْ جَمْرَةَ العَقَبَةِ، وحَلَقَ رَأْسَهُ، فَقَدْ حَلَّ لَهُ كُلُّ شَىْءٍ، إلَّا النِّسَاءَ". رَوَاهُ الأثْرَمُ، وأبو دَاوُدَ (٦)، إلَّا أن أبا دَاوُدَ قال: هو ضَعِيفٌ، رَوَاهُ الحَجَّاجُ، عن الزُّهْرِيِّ، ولم يَلْقَهُ. والذى أخْرَجَهُ سَعِيدٌ رَوَاهُ الحَجَّاجُ، عن أبي بكرِ بن محمدٍ، عن عُرْوَةَ، عن عائشةَ، قالت: طَيَّبْتُ رسولَ اللهِ ﷺ لِحُرْمِهِ (٧) حين أحْرَمَ، ولِحِلِّهِ، قَبْلَ أن يَطُوفَ بِالْبَيْتِ. مُتَّفَقٌ
стр. 2451
عليه (٨). وعن سَالِمٍ، عن أبِيهِ، قال: قال عمرُ بن الخَطَّابِ: إذا رَمَيْتُم الجَمْرَةَ، وذَبَحْتُم، وحَلَقْتُمْ، فقد حَلَّ لكم كُلُّ شىءٍ، إلَّا الطِّيبَ، والنِّسَاءَ. فقالتْ عائِشةُ، رَضِىَ اللهُ عنها: أنا طَيَّبْتُ رسولَ اللهِ ﷺ . [فَسُنَّةُ رسولِ اللهِ ﷺ أحَقُّ أن تُتَّبَعَ] (٩). رَوَاهُ سَعِيدٌ (١٠). وعن أُمِّ سَلَمَةَ، أنَّ رسولَ اللهِ ﷺ قال يومَ النَّحْرِ: "إنَّ هذَا يَوْمٌ رُخِّصَ لَكُمْ [فِيهِ إذَا أَنتُمْ] (١١) رَمَيْتُمْ أنْ تَحِلُّوا". يَعْنِى مِن كلِّ ما حُرِمْتُمْ منه. "إلَّا النِّسَاءَ". رَوَاهُ أبو دَاوُدَ (١٢). وعن عبدِ اللهِ بن عَبّاسٍ، أنَّه قال: إذَا رَمَيْتُم الجَمْرَةَ، فقد حَلَّ لكم كُلُّ شىءٍ، إلَّا النِّسَاءَ. فقال له رجلٌ: والطِّيبُ؟ قال: أمَّا أنا فقد رَأيْتُ رسولَ اللهِ ﷺ يُضَمِّخُ رَأْسَهُ بِالمِسْكِ، أفَطِيبٌ ذلك أم لا؟ رَوَاهُ ابنُ مَاجَه (١٣). وقال مَالِكٌ: لا يَحِلُّ له النِّسَاءُ، ولا الطِّيبُ، ولا قَتْلُ الصَّيْدِ؛ لِقَوْلِ اللهِ تعالى: ﴿لَا تَقْتُلُوا الصَّيْدَ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ﴾ (١٤). وهذا حَرَامٌ. وقد ذَكَرْنَا ما يَرُدُّ هذا القَوْلَ، ويَمْنَعُ أنَّه مُحْرِمٌ، وإنَّما بَقِىَ بعضُ أحْكامِ الإِحْرامِ.
فصل: ظَاهِرُ كلامِ الخِرَقِيِّ هاهُنا، أنَّ الحِلَّ إنَّما يَحْصُلُ بِالرَّمْىِ والحَلْقِ معا. وهو إحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ عن أحمدَ، وقَوْلُ الشَّافِعِيِّ، وأصْحابِ الرَّأْىِ؛ لِقَوْلِ النَّبِيِّ ﷺ : "إذَا رَمَيْتُمْ، وحَلَقْتُمْ، فَقَدْ حَلَّ لَكُم كُلُّ شَيْءٍ، إلَّا النِّسَاءَ" (١٥).
стр. 2452
وتَرْتِيبُ الحِلِّ عليهما دَلِيلٌ على حُصُولِه بهما، ولأنَّهما نُسُكَانِ يَتَعَقَّبُهُما الحِلُّ، فكان حَاصِلًا بهما (١٦)، كالطَّوَافِ والسَّعْىِ في العُمْرَةِ. وعن أحمدَ: أنَّه (١٧) إذا رَمَى الجَمْرَةَ، فقد حَلَّ (١٨)، وإذا وَطِئَ بعدَ جَمْرَةِ العَقَبَةِ، فعليه دَمٌ. ولم يَذْكُرِ الحَلْقَ. وهذا يَدُلُّ على أنَّ الحِلَّ بدون الحَلْقِ. وهذا قَوْلُ عَطاءٍ، ومالِكٍ، وأبي ثَوْرٍ. وهو الصَّحِيحُ، إن شَاءَ اللهُ تعالى؛ لِقَوْلِه في حَدِيثِ أُمِّ سَلَمَةَ: "إذَا رَمَيْتُم الجَمْرَةَ، فَقَدْ حَلَّ لَكُم كُلُّ شَيْءٍ، إلَّا النِّسَاءَ" (١٩). وكذلك قال ابنُ عَبَّاسٍ. قال بعضُ (٢٠) أصْحَابِنَا: هذا ينْبَنِى (٢١) على الخِلَافِ في الحَلْقِ، هل هو نُسُكٌ أو لا؟ فإنْ قُلْنا: نُسُكٌ. حَصَلَ الحِلُّ به، وإلَّا فلا.
٦٥١ - مسألة؛ قال: (وَالمَرْأةُ تُقَصِّرُ مِنْ شَعْرِهَا مِقْدارَ الأُنْمُلَةِ)
الأُنْمُلَةُ: رَأْسُ الإِصْبَعِ من المَفْصِلِ الأعْلَى. والمَشْرُوعُ لِلْمَرْأَةِ التَّقْصِيرُ دُونَ الحَلْقِ. لا خِلَافَ في ذلك. قال ابنُ المُنْذِرِ: أجْمَعَ على هذا أهْلُ العِلْمِ. وذلك لأنَّ الحَلْقَ في حَقِّهِنَّ مُثْلَةٌ. وقد رَوَى ابنُ عَبّاسٍ، قال: قال رسولُ اللهِ ﷺ : "لَيْسَ عَلَى النِّسَاءِ حَلْقٌ، إنَّمَا عَلَى النِّسَاءِ التَّقْصِيرُ". رَوَاهُ أبو دَاوُدَ (١). وعن عَلِيٍّ قال: نَهَى رسولُ اللهِ ﷺ أن تَحْلِقَ المَرْأَةُ رَأْسَها. رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ (٢). وكان
стр. 2453
أحمدُ يقولُ: تُقَصِّرُ مِن كلِّ قَرْنٍ قَدْرَ الأُنْمُلَةِ. وهو قَوْلُ ابنِ عمرَ، والشَّافِعِيِّ، وإسحاقَ، وأبى ثَوْرٍ. وقال أبو دَاوُدَ: سمعتُ أحمدَ سُئِلَ عن المَرْأَةِ تُقَصِّرُ مِن كلِّ رَأْسِها؟ قال: نعم، تَجْمَعُ شَعْرَهَا إلى مُقَدَّمِ رَأْسِها، ثم تَأْخُذُ من أطْرَافِ شَعْرِها قَدْرَ أُنْمُلَةٍ. والرَّجُلُ الذى يُقَصِّرُ في ذلك كالمَرْأَةِ، وقد ذَكَرْنَا في ذلك خِلافًا فيما مَضَى.
٦٥٢ - مسألة؛ قال: (ثُمَّ يَزُورُ البَيْتَ، فَيَطُوفُ بِهِ سَبْعًا، وَهُوَ الطَّوَافُ الوَاجِبُ الَّذِى بِهِ تَمَامُ الحَجِّ، ثم يُصَلِّى رَكْعَتَيْنِ، إنْ كَانَ مُفْرِدًا أو قَارِنًا)
وجُمْلَةُ ذلك أنَّه إذا رَمَى ونَحَرَ وحَلَقَ، [أفَاضَ إلى مَكَّةَ، فطاف] (١) طَوافَ الزِّيَارَةِ [وسُمِّىَ طَواف الزِّيارةِ] (١)؛ لأنَّه يَأْتِى من مِنًى فَيَزُورُ البَيْتَ، ولا يُقِيمُ بمَكَّةَ، بل يَرْجِعُ إلى مِنًى، ويُسَمَّى طَوَافَ الإِفَاضَةِ؛ لأنَّه يَأْتِى به عندَ إفَاضَتِه من مِنًى إلى مَكَّةَ، وهو رُكْنٌ لِلْحَجِّ، لا يَتِمُّ إلَّا به. لا نَعْلَمُ فيه خِلافًا. ولأنَّ اللهَ قال: ﴿وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ﴾ (٢). قال ابنُ عبدِ البَرِّ: هو من فَرائِض الحَجِّ، لا خِلافَ في ذلك بين العُلَماءِ، وفيه عند جَمِيعِهم قال اللهُ تعالى: ﴿وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ﴾. وعن عائشةَ، قالت: حَجَجْنَا مع النَّبِيِّ ﷺ ، فأَفَضْنَا يومَ النَّحْرِ، فحَاضَتْ صَفِيَّةُ، فأرَادَ النَّبِيُّ ﷺ منها ما يُرِيدُ الرَّجُلُ مِن أهْلِه، فقلتُ: يا رسولَ اللهِ، إنَّها حَائِضٌ. قال: "أحَابِسَتُنَا هى؟ " قالوا: يا رسولَ اللهِ، إنَّها قد أفَاضَتْ يومَ النَّحْرِ، قال: "اخْرُجُوا". مُتَّفَقٌ عليه (٣). فَدَلَّ على أنَّ
стр. 2454
هذا الطَّوافَ لا بُدَّ منه، وأنَّه حَابِسٌ لمن لم يَأْتِ به. ولأنَّ الحَجَّ أحَدُ النُّسُكَيْنِ، فكان الطَّوَافُ رُكْنًا كالعُمْرَةِ.
فصل: ولهذا الطَّوَافِ وَقْتَانِ؛ وَقْتُ فَضِيلَةٍ، وَوَقْتُ إجْزَاءٍ؛ فأمَّا وَقْتُ الفَضِيلَةِ فيومُ النَّحْرِ بعدَ الرَّمْىِ والنَّحْرِ والحَلْقِ؛ لِقَوْلِ جابِرٍ في صِفَةِ حَجِّ النَّبِيِّ ﷺ يومَ النَّحْرِ: فأفاضَ إلى البَيْتِ، فصَلَّى (٤) بمَكَّةَ الظُّهْرَ (٥). وفى حديثِ عائشةَ، الذى ذَكَرَتْ فيه حَيْضَ صَفِيَّةَ، قالت: فأفَضْنَا يومَ النَّحْرِ. وقال ابنُ عمرَ: أفَاضَ النَّبِيُّ ﷺ يومَ النَّحْرِ، ثم رَجَعَ، فصَلَّى الظهرَ. مُتَّفَقٌ عليهما (٦). فإنْ أَخَّرَهُ إلى اللَّيْلِ، فلا بَأْسَ، فإنَّ ابنَ عَبَّاسٍ، وعائشةَ، رَوَيَا: أنَّ النَّبِيَّ ﷺ أَخَّرَ طَوَافَ الزِّيَارَةِ إلى اللَّيْلِ. رَوَاهُمَا أبو دَاوُدَ، والتِّرْمِذِيُّ (٧). وقال في كلِّ
стр. 2455
وَاحِدٍ (٨) منهما: حَدِيثٌ حَسَنٌ. وأمَّا وَقْتُ الجَوَازِ، فأوَّلُهُ من نِصْفِ (٨) اللَّيْلِ من لَيْلَةِ النَّحْرِ. وبهذا قال الشَّافِعِيُّ. وقال أبو حنيفةَ: أوَّلُهُ طُلُوعُ الفَجْرِ من يومِ النَّحْرِ، وآخِرُهُ آخِرُ أيَّامِ النَّحْرِ. وهذا مَبْنِيٌّ على أوَّلِ وَقْتِ الرَّمْىِ، وقد مَضَى الكلامُ فيه. وأما آخِرُ وَقْتِه فاحْتجَّ بأنه نُسُكٌ يُفْعَلُ في الحَجِّ، فكان آخِرُه مَحْدُودًا، كالوُقُوفِ والرَّمْىِ. والصَّحِيحُ أنَّ آخِرَ وَقْتِه غيرُ مَحْدُودٍ؛ فإنَّه مَتَى أتَى به صَحَّ بغيرِ خِلَافٍ، وإنَّما الخِلَافُ في وُجُوبِ الدَّمِ، فيقولُ: إنَّه طَافَ فيما بعد أَيَّامِ النَّحْرِ طَوَافًا صَحِيحًا، فلم يَلْزَمْهُ دَمٌ، كما لو طافَ أَيَّامَ النَّحْرِ، فأمَّا الوُقُوفُ والرَّمْىُ، فإنَّهما لمَّا كانا مُوَقَّتَيْنِ، كان لهما وَقْتٌ يَفُوتانِ بِفَواتِه، وليس كذلك الطَّوَافُ، فإنَّه متى أتَى به صَحَّ.
فصل: وصِفَةُ هذا الطَّوَافِ كصِفَةِ طَوافِ القُدُومِ، سِوَى أنَّه يَنْوِى به طَوافَ الزِّيَارَةِ، ويُعَيِّنُه بِالنِّيَّةِ. ولا رَمَلَ فيه، ولا اضْطِباعَ. قال ابنُ عَبّاسٍ: إنَّ النَّبِيَّ ﷺ لم يَرْمُلْ في السَّبْعِ الذى أفَاضَ فيه (٩). والنِّيَّةُ شَرْطٌ في هذا الطَّوَافِ. وهذا قَوْلُ إسحاقَ، وابنِ القاسمِ صَاحِبِ مالِكٍ، وابنِ المُنْذِرِ. وقال الثَّوْرِيُّ، والشَّافِعِيُّ، وأصْحابُ الرَّأْىِ: يُجْزِئُه، وإن لم يَنْوِ الفَرْضَ الذى عليه. ولَنا، قَوْلُ النَّبيِّ ﷺ : "إنَّمَا الْأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ، وَإنَّمَا [لِكُلِّ امْرِئٍ] (١٠) ما نَوَى" (١١). ولأَنَّ النَّبِيَّ ﷺ سَمَّاهُ صَلاةً (١٢)، والصلاةُ لا تَصِحُّ إلَّا بالنِّيَّةِ (١٣) اتِّفَاقًا.