← Фикх ханбали

Фикх ханбали · id 6910

المغني لابن قدامة - ت التركي

ابن قدامة

Полный текст (7 955 стр.). Показаны 2451–2490 · переход к 2456.

стр. 2451

عليه (٨). وعن سَالِمٍ، عن أبِيهِ، قال: قال عمرُ بن الخَطَّابِ: إذا رَمَيْتُم الجَمْرَةَ، وذَبَحْتُم، وحَلَقْتُمْ، فقد حَلَّ لكم كُلُّ شىءٍ، إلَّا الطِّيبَ، والنِّسَاءَ. فقالتْ عائِشةُ، رَضِىَ اللهُ عنها: أنا طَيَّبْتُ رسولَ اللهِ ﷺ . [فَسُنَّةُ رسولِ اللهِ ﷺ أحَقُّ أن تُتَّبَعَ] (٩). رَوَاهُ سَعِيدٌ (١٠). وعن أُمِّ سَلَمَةَ، أنَّ رسولَ اللهِ ﷺ قال يومَ النَّحْرِ: "إنَّ هذَا يَوْمٌ رُخِّصَ لَكُمْ [فِيهِ إذَا أَنتُمْ] (١١) رَمَيْتُمْ أنْ تَحِلُّوا". يَعْنِى مِن كلِّ ما حُرِمْتُمْ منه. "إلَّا النِّسَاءَ". رَوَاهُ أبو دَاوُدَ (١٢). وعن عبدِ اللهِ بن عَبّاسٍ، أنَّه قال: إذَا رَمَيْتُم الجَمْرَةَ، فقد حَلَّ لكم كُلُّ شىءٍ، إلَّا النِّسَاءَ. فقال له رجلٌ: والطِّيبُ؟ قال: أمَّا أنا فقد رَأيْتُ رسولَ اللهِ ﷺ يُضَمِّخُ رَأْسَهُ بِالمِسْكِ، أفَطِيبٌ ذلك أم لا؟ رَوَاهُ ابنُ مَاجَه (١٣). وقال مَالِكٌ: لا يَحِلُّ له النِّسَاءُ، ولا الطِّيبُ، ولا قَتْلُ الصَّيْدِ؛ لِقَوْلِ اللهِ تعالى: ﴿لَا تَقْتُلُوا الصَّيْدَ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ﴾ (١٤). وهذا حَرَامٌ. وقد ذَكَرْنَا ما يَرُدُّ هذا القَوْلَ، ويَمْنَعُ أنَّه مُحْرِمٌ، وإنَّما بَقِىَ بعضُ أحْكامِ الإِحْرامِ. فصل: ظَاهِرُ كلامِ الخِرَقِيِّ هاهُنا، أنَّ الحِلَّ إنَّما يَحْصُلُ بِالرَّمْىِ والحَلْقِ معا. وهو إحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ عن أحمدَ، وقَوْلُ الشَّافِعِيِّ، وأصْحابِ الرَّأْىِ؛ لِقَوْلِ النَّبِيِّ ﷺ : "إذَا رَمَيْتُمْ، وحَلَقْتُمْ، فَقَدْ حَلَّ لَكُم كُلُّ شَيْءٍ، إلَّا النِّسَاءَ" (١٥).

стр. 2452

وتَرْتِيبُ الحِلِّ عليهما دَلِيلٌ على حُصُولِه بهما، ولأنَّهما نُسُكَانِ يَتَعَقَّبُهُما الحِلُّ، فكان حَاصِلًا بهما (١٦)، كالطَّوَافِ والسَّعْىِ في العُمْرَةِ. وعن أحمدَ: أنَّه (١٧) إذا رَمَى الجَمْرَةَ، فقد حَلَّ (١٨)، وإذا وَطِئَ بعدَ جَمْرَةِ العَقَبَةِ، فعليه دَمٌ. ولم يَذْكُرِ الحَلْقَ. وهذا يَدُلُّ على أنَّ الحِلَّ بدون الحَلْقِ. وهذا قَوْلُ عَطاءٍ، ومالِكٍ، وأبي ثَوْرٍ. وهو الصَّحِيحُ، إن شَاءَ اللهُ تعالى؛ لِقَوْلِه في حَدِيثِ أُمِّ سَلَمَةَ: "إذَا رَمَيْتُم الجَمْرَةَ، فَقَدْ حَلَّ لَكُم كُلُّ شَيْءٍ، إلَّا النِّسَاءَ" (١٩). وكذلك قال ابنُ عَبَّاسٍ. قال بعضُ (٢٠) أصْحَابِنَا: هذا ينْبَنِى (٢١) على الخِلَافِ في الحَلْقِ، هل هو نُسُكٌ أو لا؟ فإنْ قُلْنا: نُسُكٌ. حَصَلَ الحِلُّ به، وإلَّا فلا. ٦٥١ - مسألة؛ قال: (وَالمَرْأةُ تُقَصِّرُ مِنْ شَعْرِهَا مِقْدارَ الأُنْمُلَةِ) الأُنْمُلَةُ: رَأْسُ الإِصْبَعِ من المَفْصِلِ الأعْلَى. والمَشْرُوعُ لِلْمَرْأَةِ التَّقْصِيرُ دُونَ الحَلْقِ. لا خِلَافَ في ذلك. قال ابنُ المُنْذِرِ: أجْمَعَ على هذا أهْلُ العِلْمِ. وذلك لأنَّ الحَلْقَ في حَقِّهِنَّ مُثْلَةٌ. وقد رَوَى ابنُ عَبّاسٍ، قال: قال رسولُ اللهِ ﷺ : "لَيْسَ عَلَى النِّسَاءِ حَلْقٌ، إنَّمَا عَلَى النِّسَاءِ التَّقْصِيرُ". رَوَاهُ أبو دَاوُدَ (١). وعن عَلِيٍّ قال: نَهَى رسولُ اللهِ ﷺ أن تَحْلِقَ المَرْأَةُ رَأْسَها. رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ (٢). وكان

стр. 2453

أحمدُ يقولُ: تُقَصِّرُ مِن كلِّ قَرْنٍ قَدْرَ الأُنْمُلَةِ. وهو قَوْلُ ابنِ عمرَ، والشَّافِعِيِّ، وإسحاقَ، وأبى ثَوْرٍ. وقال أبو دَاوُدَ: سمعتُ أحمدَ سُئِلَ عن المَرْأَةِ تُقَصِّرُ مِن كلِّ رَأْسِها؟ قال: نعم، تَجْمَعُ شَعْرَهَا إلى مُقَدَّمِ رَأْسِها، ثم تَأْخُذُ من أطْرَافِ شَعْرِها قَدْرَ أُنْمُلَةٍ. والرَّجُلُ الذى يُقَصِّرُ في ذلك كالمَرْأَةِ، وقد ذَكَرْنَا في ذلك خِلافًا فيما مَضَى. ٦٥٢ - مسألة؛ قال: (ثُمَّ يَزُورُ البَيْتَ، فَيَطُوفُ بِهِ سَبْعًا، وَهُوَ الطَّوَافُ الوَاجِبُ الَّذِى بِهِ تَمَامُ الحَجِّ، ثم يُصَلِّى رَكْعَتَيْنِ، إنْ كَانَ مُفْرِدًا أو قَارِنًا) وجُمْلَةُ ذلك أنَّه إذا رَمَى ونَحَرَ وحَلَقَ، [أفَاضَ إلى مَكَّةَ، فطاف] (١) طَوافَ الزِّيَارَةِ [وسُمِّىَ طَواف الزِّيارةِ] (١)؛ لأنَّه يَأْتِى من مِنًى فَيَزُورُ البَيْتَ، ولا يُقِيمُ بمَكَّةَ، بل يَرْجِعُ إلى مِنًى، ويُسَمَّى طَوَافَ الإِفَاضَةِ؛ لأنَّه يَأْتِى به عندَ إفَاضَتِه من مِنًى إلى مَكَّةَ، وهو رُكْنٌ لِلْحَجِّ، لا يَتِمُّ إلَّا به. لا نَعْلَمُ فيه خِلافًا. ولأنَّ اللهَ قال: ﴿وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ﴾ (٢). قال ابنُ عبدِ البَرِّ: هو من فَرائِض الحَجِّ، لا خِلافَ في ذلك بين العُلَماءِ، وفيه عند جَمِيعِهم قال اللهُ تعالى: ﴿وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ﴾. وعن عائشةَ، قالت: حَجَجْنَا مع النَّبِيِّ ﷺ ، فأَفَضْنَا يومَ النَّحْرِ، فحَاضَتْ صَفِيَّةُ، فأرَادَ النَّبِيُّ ﷺ منها ما يُرِيدُ الرَّجُلُ مِن أهْلِه، فقلتُ: يا رسولَ اللهِ، إنَّها حَائِضٌ. قال: "أحَابِسَتُنَا هى؟ " قالوا: يا رسولَ اللهِ، إنَّها قد أفَاضَتْ يومَ النَّحْرِ، قال: "اخْرُجُوا". مُتَّفَقٌ عليه (٣). فَدَلَّ على أنَّ

стр. 2454

هذا الطَّوافَ لا بُدَّ منه، وأنَّه حَابِسٌ لمن لم يَأْتِ به. ولأنَّ الحَجَّ أحَدُ النُّسُكَيْنِ، فكان الطَّوَافُ رُكْنًا كالعُمْرَةِ. فصل: ولهذا الطَّوَافِ وَقْتَانِ؛ وَقْتُ فَضِيلَةٍ، وَوَقْتُ إجْزَاءٍ؛ فأمَّا وَقْتُ الفَضِيلَةِ فيومُ النَّحْرِ بعدَ الرَّمْىِ والنَّحْرِ والحَلْقِ؛ لِقَوْلِ جابِرٍ في صِفَةِ حَجِّ النَّبِيِّ ﷺ يومَ النَّحْرِ: فأفاضَ إلى البَيْتِ، فصَلَّى (٤) بمَكَّةَ الظُّهْرَ (٥). وفى حديثِ عائشةَ، الذى ذَكَرَتْ فيه حَيْضَ صَفِيَّةَ، قالت: فأفَضْنَا يومَ النَّحْرِ. وقال ابنُ عمرَ: أفَاضَ النَّبِيُّ ﷺ يومَ النَّحْرِ، ثم رَجَعَ، فصَلَّى الظهرَ. مُتَّفَقٌ عليهما (٦). فإنْ أَخَّرَهُ إلى اللَّيْلِ، فلا بَأْسَ، فإنَّ ابنَ عَبَّاسٍ، وعائشةَ، رَوَيَا: أنَّ النَّبِيَّ ﷺ أَخَّرَ طَوَافَ الزِّيَارَةِ إلى اللَّيْلِ. رَوَاهُمَا أبو دَاوُدَ، والتِّرْمِذِيُّ (٧). وقال في كلِّ

стр. 2455

وَاحِدٍ (٨) منهما: حَدِيثٌ حَسَنٌ. وأمَّا وَقْتُ الجَوَازِ، فأوَّلُهُ من نِصْفِ (٨) اللَّيْلِ من لَيْلَةِ النَّحْرِ. وبهذا قال الشَّافِعِيُّ. وقال أبو حنيفةَ: أوَّلُهُ طُلُوعُ الفَجْرِ من يومِ النَّحْرِ، وآخِرُهُ آخِرُ أيَّامِ النَّحْرِ. وهذا مَبْنِيٌّ على أوَّلِ وَقْتِ الرَّمْىِ، وقد مَضَى الكلامُ فيه. وأما آخِرُ وَقْتِه فاحْتجَّ بأنه نُسُكٌ يُفْعَلُ في الحَجِّ، فكان آخِرُه مَحْدُودًا، كالوُقُوفِ والرَّمْىِ. والصَّحِيحُ أنَّ آخِرَ وَقْتِه غيرُ مَحْدُودٍ؛ فإنَّه مَتَى أتَى به صَحَّ بغيرِ خِلَافٍ، وإنَّما الخِلَافُ في وُجُوبِ الدَّمِ، فيقولُ: إنَّه طَافَ فيما بعد أَيَّامِ النَّحْرِ طَوَافًا صَحِيحًا، فلم يَلْزَمْهُ دَمٌ، كما لو طافَ أَيَّامَ النَّحْرِ، فأمَّا الوُقُوفُ والرَّمْىُ، فإنَّهما لمَّا كانا مُوَقَّتَيْنِ، كان لهما وَقْتٌ يَفُوتانِ بِفَواتِه، وليس كذلك الطَّوَافُ، فإنَّه متى أتَى به صَحَّ. فصل: وصِفَةُ هذا الطَّوَافِ كصِفَةِ طَوافِ القُدُومِ، سِوَى أنَّه يَنْوِى به طَوافَ الزِّيَارَةِ، ويُعَيِّنُه بِالنِّيَّةِ. ولا رَمَلَ فيه، ولا اضْطِباعَ. قال ابنُ عَبّاسٍ: إنَّ النَّبِيَّ ﷺ لم يَرْمُلْ في السَّبْعِ الذى أفَاضَ فيه (٩). والنِّيَّةُ شَرْطٌ في هذا الطَّوَافِ. وهذا قَوْلُ إسحاقَ، وابنِ القاسمِ صَاحِبِ مالِكٍ، وابنِ المُنْذِرِ. وقال الثَّوْرِيُّ، والشَّافِعِيُّ، وأصْحابُ الرَّأْىِ: يُجْزِئُه، وإن لم يَنْوِ الفَرْضَ الذى عليه. ولَنا، قَوْلُ النَّبيِّ ﷺ : "إنَّمَا الْأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ، وَإنَّمَا [لِكُلِّ امْرِئٍ] (١٠) ما نَوَى" (١١). ولأَنَّ النَّبِيَّ ﷺ سَمَّاهُ صَلاةً (١٢)، والصلاةُ لا تَصِحُّ إلَّا بالنِّيَّةِ (١٣) اتِّفَاقًا.

стр. 2456

٦٥٣ - مسألة؛ قال: (ثُمَّ قَدْ حَلَّ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ) يَعْنِى إذا طافَ لِلزِّيَارَةِ بعدَ الرَّمْىِ والنَّحْرِ والحَلْقِ، حَلَّ له كُلُّ شىءٍ حَرَّمَهُ الإِحْرَامُ. وقد ذَكَرْنَا أنَّه لم يَكُنْ بَقِىَ عليه من المَحْظُورَاتِ سِوَى النِّساءِ، فبهذا (١) الطَّوَافِ حَلَّ (٢) له النِّساءُ. قال ابنُ عمرَ: لم يَحِلَّ النَّبِيُّ ﷺ من شىءٍ حَرُمَ منه، حتى قَضَى حَجَّهُ، ونَحَرَ هَدْيَهُ يومَ النَّحْرِ، فأفَاضَ بِالْبَيْتِ، ثم حَلَّ من كلِّ شىءٍ [حَرُمَ منه] (٣). وعن عائشةَ مثلُه. مُتَّفَقٌ عليهما (٤). ولا نَعْلَمُ خِلَافًا في حُصُولِ الحِلِّ بِطَوَافِ الزِّيارَةِ، على التَّرْتِيبِ الذى ذَكَرَ الخِرَقِيُّ، وأنَّه كان قد سَعَى مع طَوَافِ القُدُومِ، وإن لم يَكُنْ سَعَى لم يَحِلَّ حتى يَسْعَى، إن قُلْنَا: إنَّ السَّعْىَ رُكْنٌ. وإن قُلْنَا: هو سُنَّةٌ. فهل يَحِلُّ قَبْلَهُ؟ على وَجْهَيْنِ؛ أحَدُهما، يَحِلُّ؛ لأنَّه لم يَبْقَ عليه شيءٌ من وَاجِبَاتِه. والثانى، لا يَحِلُّ؛ لأنَّه من أفْعَالِ الحَجِّ، فيَأْتِى به في إحْرَامِ الحَجِّ، كالسَّعْىِ في العُمْرَةِ. وإنَّما خَصَّ الخِرَقِيُّ المُفْرِدَ والقَارِنَ بهذا، لِكَوْنِهِما سَعَيَا مع (٥) طَوَافِ القُدُومِ، والمُتَمَتِّعُ لم يَسْعَ. ٦٥٤ - مسألة؛ قال: (وَإِنْ كَانَ مُتَمَتِّعًا، فَيَطُوفُ بِالْبَيْتِ سَبْعًا، وبِالصَّفَا والمَرْوَةِ سَبْعًا، كَمَا فَعَلَ لِلْعُمْرَةِ (١)، ثُمَّ يَعُودُ فَيَطُوفُ بِالْبَيْتِ (٢) طَوَافًا يَنْوِى به الزِّيَارَةَ، وَهُوَ قَوْلُهُ : ﴿وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ﴾) أمَّا الطَّوَافُ الأوَّلُ، الذى ذَكَرَهُ الْخِرَقِيُّ هاهُنا، فهو طَوافُ القُدُومِ؛ لأنَّ

стр. 2457

المُتَمَتِّعَ لم يَأْتِ به قبلَ ذلك، والطَّوافُ الذى طافَهُ في العُمْرَةِ كان طَوافَها، ونَصَّ أحمدُ على أنَّه مَسْنُونٌ لِلْمُتَمَتِّعِ، في رِوَايَةِ الأثْرَمِ، قال: قلتُ لأبى عبدِ اللهِ، ﵀: فإذا رَجَعَ -[أعنى المُتَمَتِّع- كَمْ] (٣) يَطُوفُ ويَسْعَى؟ قال: يَطُوفُ ويَسْعَى لِحَجِّهِ، ويَطُوفُ طَوَافًا آخَرَ لِلزِّيارَةِ. عَاوَدْنَاهُ في هذا غيرَ مَرَّةٍ، فثَبَتَ عليه. وكذلك الحُكْمُ في القَارِنِ والمُفْرِدِ، إذا لم يَكُونَا أَتَيَا مَكَّةَ قبلَ يَوْمِ النَّحْرِ، ولا طَافَا لِلْقُدُومِ، فإنَّهما يَبْدَآنِ بِطَوافِ القُدُومِ قبلَ طَوَافِ الزِّيَارَةِ. نَصَّ عليه أحمدُ أيضا، وَاحْتَجَّ بما رَوَتْ عائشةُ، قالتْ: فطافَ الذين أهَلُّوا بِالْعُمْرَةِ، وبين الصَّفَا والمَرْوَةِ، ثم حَلُّوا، [ثم طافُوا] (٤) طَوافًا آخَرَ بعدَ أن رَجَعُوا من مِنًى لِحَجِّهِمْ، وأمَّا الذين جَمَعُوا الحَجَّ والعُمْرَةَ، فإنَّما طافُوا طَوافًا وَاحِدًا (٥). فحَمَلَ أحمدُ قَوْلَ عائشةَ على أنَّ طَوَافَهم لِحَجِّهِم هو طَوافُ القُدُومِ، ولأنَّه قد ثَبَتَ أن طَوافَ القُدُومِ مَشْرُوعٌ، فلم يَكُنْ تَعَيُّنُ طَوَافِ الزِّيارَةِ مُسْقِطًا له، كتَحِيَّة المسجدِ عندَ دُخُولِه، قبلَ التَّلبُّسِ بِصَلَاةِ الفَرْضِ، ولا أعْلَمُ أحَدًا وَافَقَ أبا عبدِ اللهِ على هذا الطَّوَافِ الذى ذَكَرَهُ الْخِرَقِيُّ، بل المَشْرُوعُ طَوافٌ وَاحِدٌ لِلزِّيارَةِ، كمَنْ دخل المسجدَ وقد أُقِيمَتِ الصلاةُ، فإنَّه يَكْتَفِى بها عن (٦) تَحِيَّة المسجدِ. ولأنَّه لم يُنْقَلْ عن النَّبِيِّ ﷺ ، ولا عن أصْحابه الذين تَمَتَّعُوا معه في حَجَّةِ الوَدَاعِ، ولا أمَرَ به النَّبِيُّ ﷺ أحَدًا، وحَدِيثُ عائشةَ دَلِيلٌ على هذا، فإنَّها قالتْ: طَافُوا طَوافًا آخَرَ بعدَ أن رَجَعُوا مِن مِنًى لِحَجِّهِم. وهذا هو طَوافُ الزِّيارَةِ، ولم تَذْكُرْ. طَوافًا آخَرَ، ولو كان هذا الذى ذَكَرَتْه طَوافَ القُدُومِ، لَكانتْ قد أخَلَّتْ بِذِكْرِ طَوافِ الزِّيارَةِ، الذى هو رُكْنُ الحَجِّ، لا يَتِمُّ الحَجُّ (٧) إلَّا به، وذَكَرَتْ ما يُسْتَغْنَى عنه، وعلى كلِّ حالٍ

стр. 2458

فما ذَكَرَتْ إلَّا طَوَافًا وَاحِدًا، فمن أين يُسْتَدَلُّ به على طَوَافَيْنِ؟ وأيضا فإنَّها لمَّا حَاضَتْ، فقَرَنَتِ (٨) الحَجَّ إلى العُمْرَةِ، بأمْرِ النبيِّ ﷺ ، ولم تَكُنْ طَافَتْ لِلْقُدُومِ [لم تَطُفْ للقُدومِ] (٩)، ولا أمَرَها به النَّبِيُّ ﷺ ، وقد ذَكَرَ الْخِرَقِيُّ في مَوْضِعٍ آخَرَ، في المَرْأَةِ إذا حَاضَتْ فَخَشِيَتْ فَوَاتَ الحَجِّ، أهَلَّتْ بِالحَجِّ، وكانت قَارِنَةً، ولم يكن عليها قَضاءُ طَوافِ القُدُومِ. [ولأنَّ طَوافَ القُدُومِ] (١٠) لو لم يَسْقُطْ بِالطَّوَافِ الوَاجِبِ، لَشُرِعَ في حَقِّ المُعْتَمِرِ طَوَافٌ لِلْقُدُومِ مع طَوَافِ العُمْرَةِ، لأنَّه أَوَّلُ قُدُومِه إلى البَيْتِ، فهو به أوْلَى من المُتَمَتِّعِ، الذى يَعُودُ إلى البَيْتِ بعد رُؤْيَتِه وطَوَافِه به. وفي الجُمْلَةِ إنَّ هذا الطَّوافَ المُخْتَلَفَ فيه ليس بِوَاجِبٍ، وإنَّما الوَاجِبُ طَوَافٌ وَاحِدٌ، وهو طَوافُ الزِّيارَةِ، وهو في حَقِّ المُتَمَتِّعِ كهو في حق القَارِنِ والمُفْرِدِ، في أنَّه رُكْنُ الحَجِّ، لا يَتِمُّ إلَّا به، ولا بُدَّ من تَعْيِينِه بالنِّيَّةِ (١١)، فلو نَوَى به طَوافَ الوَداعِ أو غيرَه، لم يُجْزِهِ. فصل: والأطْوِفَةُ المَشْرُوعَةُ في الحَجِّ ثلاثةٌ: طَوَافُ الزِّيَارَةِ، وهو رُكْنُ الحَجِّ، لا يَتِمُّ إلَّا به، بغيرِ خِلَافٍ. وطَوَافُ القُدُومِ، وهو سُنَّةٌ، لا شىءَ على تَارِكِه. وطَوَافُ الوَدَاعِ، وَاجِبٌ، يَنُوبُ عنه الدَّمُ إذا تَرَكَهُ. وبهذا قال أبو حنيفةَ، وأصْحابُه، والثَّوْرِيُّ. وقال مَالِكٌ: على تَارِكِ طَوَافِ القُدُومِ دَمٌ، ولا شىءَ على تَارِكِ طَوافِ الوَدَاعِ. وحُكِىَ عن الشَّافِعِيِّ كقَوْلِنَا في طَوافِ الوَدَاعِ، كقَوْلِه في طَوافِ القُدُومِ. وما عَدَا (١٢) هذه الأطْوِفَة فهو نَفْلٌ، ولا يُشْرَعُ في حَقِّهِ أكْثَرُ من سَعْىٍ واحِدٍ، بغيرِ خِلَافٍ عَلِمْنَاهُ. قال جابِرٌ: لم يَطُفِ النَّبِيُّ ﷺ ، ولا أَصْحَابُه، بين الصَّفَا والمَرْوَةِ، إلَّا طَوَافًا وَاحِدًا، طَوَافَهُ الأَوَّلَ. رَوَاهُ

стр. 2459

مُسْلِمٌ (١٣). ولا يكونُ السَّعْىُ إلَّا بعد طَوافٍ، فإن سَعَى مع طَوافِ القُدُومِ، لم يَسْعَ بعدَه، وإن لم يَسْعَ معه، سَعَى مع طَوافِ الزِّيَارَةِ. فصل: ويُسْتَحَبُّ أن يَدْخُلَ البَيْتَ فيُكَبِّرَ في نَوَاحِيه، ويُصَلِّىَ فيه (١٤) رَكْعَتَيْنِ، ويَدْعُوَ اللهَ . قال ابْنُ عمرَ: دخل النَّبِيُّ ﷺ البَيْتَ، وبِلَالٌ، وأُسامَةُ بن زَيْدٍ، فقلتُ لِبِلالٍ: هل صَلَّى فيه رسولُ اللهِ ﷺ ؟ قال: نعم. قلتُ: أين (١٥)؟ قال: بين العَمُودَيْنِ تِلْقَاءَ وَجْهِهِ. قال (١٤): ونَسِيتُ أن أَسْأَلَهُ كم صَلَّى؟ وقال ابنُ عَبَّاسٍ: أخْبَرَنِى أُسامَةُ، أنَّ النَّبِيَّ ﷺ لمَّا دخل البَيْتَ، دَعَا في نَوَاحِيه كلِّها، ولم يُصَلِّ فيه حتى خَرَجَ. مُتَّفَقٌ عليهما (١٦). فَقَدَّمَ أهْلُ العِلْمِ رِوَايَةَ بِلالٍ على رِوَايَةِ أُسامَةَ؛ لأنَّه مُثْبِتٌ، وأُسامَةُ نَافٍ، ولأنَّ أسامَةَ كان حَدِيثَ السِّنِّ فيجوزُ أن يَكونَ اشْتَغَلَ بِالنَّظَرِ إلى ما في الكَعْبَةِ عن صلاةِ النَّبِيِّ ﷺ . وإن لم

стр. 2460

يَدْخُل البَيْتَ، فلا بَأْسَ، فإنَّ إسماعيلَ بن أبي خالدٍ قال: قلتُ لعبدِ اللهِ بن أبي أوفَى: أدَخَلَ النَّبِيُّ ﷺ البَيْتَ في عُمْرَتِه؟ قال: لا. مُتَّفَقٌ عليه (١٧). وعن عائشةَ، أنَّ النَّبِيَّ ﷺ خَرَجَ من عِنْدِها وهو مَسْرُورٌ، ثم رَجَعَ وهو كَئِيبٌ. فقال: "إنِّى دَخَلْتُ الْكَعْبَةَ، وَلَوِ اسْتَقْبَلْتُ مِنْ أَمْرِى مَا اسْتَدْبَرْتُ ما دَخَلْتُها، إنِّى أخَافُ أنْ أكُونَ قَدْ شَقَقْتُ عَلَى أُمَّتِى". رَوَاهُ أبو دَاوُدَ (١٨). فصل: ويُسْتَحَبُّ أن يَأْتِىَ زَمْزَمَ، فيَشْرَبَ من مائِها (١٩) لما أَحَبَّ، ويَتَضَلَّعَ (٢٠) منه. قال جابرٌ، في صِفَةِ حَجِّ النَّبِيِّ ﷺ : ثم أتَى بنى عبد المُطَّلِبِ، وهم يَسْقُونَ، فنَاوَلُوهُ دَلْوًا، فَشَرِبَ منه (٢١). ورُوِىَ أنَّ النَّبِيَّ ﷺ قال: "مَاءُ زَمْزَمَ لِمَا شُرِبَ لَهُ (٢٢) ". وعن محمدِ بن عبدِ الرحمنِ بن أبي بكرٍ، قال: كنتُ عندَ ابنِ عَبّاسٍ جَالِسًا، فجَاءَهُ رجلٌ، فقال: مِن أينَ جِئتَ؟ قال: مِن زَمْزَمَ. قال: فشَرِبْتَ منها كما يَنْبَغِى؟ قال: فكيف؟ قال: إذا شَرِبْتَ منها فاسْتَقْبِلِ الكَعْبَةَ، واذْكُرِ اسْمَ اللَّه، وتَنَفَّسْ ثلاثًا من زَمْزَمَ، وتَضَلَّعْ منها، فإذا فَرَغْتَ، فاحْمَدِ اللهَ تعالى، فإنَّ رسولَ اللهِ ﷺ قال: "آيَةُ مَا بَيْنَنَا وَبَيْنَ المُنَافِقِينَ، أَنَّهُمْ لَا يَتَضَلَّعُونَ مِن زَمْزَمَ". رَوَاهُما ابنُ مَاجَه (٢٣). ويقولُ عندَ

стр. 2461

الشُّرْبِ: بِسْمِ اللهِ، اللَّهُمَّ اجْعَلْهُ لنا عِلْمًا نَافِعًا، وَرِزْقًا وَاسِعًا، ورِيًّا وشِبَعًا، وشِفَاءً من كُلِّ دَاءٍ، واغْسِلْ به قَلْبِى، وامْلَأْهُ من حِكْمَتِكَ. فصل: ويُسَنُّ أن يَخْطُبَ الإمامُ بِمِنًى يومَ النَّحْرِ خُطْبَةً، يُعَلِّمُ النَّاسَ فيها مَنَاسِكَهم من النَّحْرِ والإفَاضَةِ والرَّمْىِ. نَصَّ عليه أحمدُ، وهو مذهبُ الشَّافِعِىِّ، وابنِ المُنْذِرِ. وذكَرَ بعضُ أصْحَابِنا أنَّه لا يَخْطُبُ يَوْمَئِذٍ. وهو مذهبُ مالِكٍ؛ لأنَّها تُسَنُّ فى اليومِ الذى قَبْلَهُ، فلم تُسَنَّ فيه. ولَنا، ما رَوَى ابنُ عَبّاسٍ، أنَّ النَّبِىَّ ﷺ خَطَبَ النّاسَ يومَ النَّحْرِ. يَعْنِى بِمِنًى. أخْرَجَهُ البُخَارِىُّ (٢٤). وعن رَافِعِ بن عَمْرو المُزَنِىِّ قال: رأيتُ رسولَ اللهِ ﷺ يَخْطُبُ النّاسَ بِمِنًى، حين ارْتَفَعَ الضُّحَى، على بَغْلَةٍ شَهْباءَ وعلىٌّ يُعَبِّرُ (٢٥) عنه، والنَّاسُ بين قَائمٍ وقَاعِدٍ. وقال أبو أُمَامَةَ: سمعتُ خُطْبَةَ النَّبِىِّ ﷺ بِمِنًى يومَ النَّحْرِ. وقال الهِرْماسُ بنُ زِيَادٍ البَاهِلِىُّ: رأيتُ النَّبِىَّ ﷺ يَخْطُبُ النَّاسَ على نَاقَتِه العَضْبَاءِ (٢٦)، يومَ الأضْحَى بِمِنًى. وقال عبْدُ الرحمنِ بنُ مُعَاذٍ: خَطَبَنا رسولُ اللهِ ﷺ ، ونحن بِمِنًى، ففُتحَتْ أسْماعُنا، حتى كُنَّا نَسْمَعُ ونحنُ فى مَنَازِلِنا، فطَفِقَ يُعَلِّمُهم مَنَاسِكَهُم، حتى بَلَغَ الجِمارَ. رَوَى هذه الأحادِيثَ كُلَّها أبو دَاوُدَ (٢٧)، إلَّا حَدِيثَ ابنِ عَبَّاسٍ. ولأنَّه يومٌ تَكْثُرُ فيه أفْعَالُ الحَجِّ، ويَحْتاجُ إلى تَعْلِيمِ النَّاس أحْكامَ ذلك، فاحْتِيجَ إلى الخُطْبَةِ من أجْلِه، كيومِ عَرَفَةَ.

стр. 2462

فصل: يومُ الحَجِّ الأكْبَرِ يومُ النَّحْرِ؛ فإنَّ النَّبِىَّ ﷺ قال فى خُطْبَتِه يومَ النَّحْرِ: "هذَا يَوْمُ الحَجِّ الأكْبَرِ". رَوَاهُ البُخَارِىُّ (٢٨). وسُمِّىَ بذلك لِكَثْرَةِ أفْعَالِ الحَجِّ فيه؛ من الوُقُوفِ بالمَشْعَرِ، والدَّفْعِ منه إلى مِنًى، والرَّمْىِ، والنَّحْرِ، والحَلْقِ، وطَوَافِ الإفَاضَةِ، والرُّجُوعِ إلى مِنًى لِيَبِيتَ بها، وليس فى غيره مِثْلُه، وهو مع ذلك يومُ عِيدٍ، ويومٌ يَحِلُّ فيه من إحْرَامِ الحَجِّ. فصل: وفى يومِ النَّحْرِ أرْبَعَةُ أشْياء: الرَّمْىُ، ثم النَّحْرُ، ثم الحَلْقُ، ثم الطَّوَافُ. والسُّنَّةُ تَرْتِيبُها هكذا؛ فإنَّ النَّبِىَّ ﷺ رَتَّبَهَا، كذلك وَصَفَهُ جابرٌ فى حَجِّ النَّبِىِّ ﷺ (٢٩). ورَوَى أَنَسٌ، أنَّ النَّبِىَّ ﷺ رَمَى، ثم نَحَرَ، ثم حَلَقَ. رَوَاهُ أبو دَاوُدَ (٣٠). فإن أخَلَّ بِتَرْتِيبِهَا، نَاسِيًا أو جَاهِلًا بالسُّنَّةِ فيها، فلا شىءَ عليه، فى قَوْلِ كَثِيرٍ من أهْلِ العِلْمِ، منهم: الحسنُ، وطاوُسٌ، ومُجاهِدٌ، وسَعِيدُ ابن جُبَيْرٍ، وعَطاءٌ، والشَّافِعِىُّ، وإسحاقُ، وأبو ثَوْرٍ، ودَاوُدُ، ومحمدُ بن جَرِيرٍ الطَّبَرِىُّ. وقال أبو حنيفةَ: إن قَدَّمَ الحَلْقَ على الرَّمْىِ، أو على النَّحْرِ، فعليه دَمٌ، فإن كان قَارِنًا فعليه دَمَانِ. وقال زُفَرُ: عليه ثلاثةُ دِمَاءٍ؛ لأنَّه لم يُوجَدِ التَّحَلُّلُ الأوَّلُ، فَلَزِمَهُ الدَّمُ، كما لو حَلَقَ قبل يومِ النَّحْرِ. ولَنا، ما رَوَى عبدُ اللهِ بن عمرو (٣١)، قال: قال رجلٌ: يا رسولَ اللهِ، حَلَقْتُ قبلَ أن أذْبَحَ. قال: "اذْبَحْ، ولَا حَرَجَ". فقال آخَرُ: ذَبَحْتُ قبلَ أن أرْمِىَ؟ قال: " ارْمِ، ولَا

стр. 2463

حَرَجَ". مُتَّفَقٌ عليه (٣٢). وفى لَفْظٍ قال: فجاءَ رَجلٌ، فقال: يا رسولَ اللهِ، لم أشْعُرْ، فحَلَقْتُ قبل أن أذْبَحَ. وذَكَرَ الحَدِيثَ. قال: فما سَمِعْتُه يُسْأَلُ يَوْمَئِذٍ عن أمْرٍ ممَّا يَنْسَى المَرْءُ أو يَجْهَلُ، من تَقْدِيمِ بَعْضِ الأمُورِ على بَعْضِها، وأشْبَاهِها، إلَّا قال: "افْعَلُوا ولا حَرَجَ" (٣٣). رَوَاهُ مُسْلِمٌ. وعن ابنِ عَبّاسٍ، عن النَّبِىِّ ﷺ ، أنَّه قِيلَ له يومَ النَّحْرِ، وهو بِمِنًى، فى النَّحْرِ، والحَلْقِ، والرَّمْىِ، والتَّقْدِيمِ، والتَّأْخِيرِ، فقال: "لَا حَرَجَ". مُتَّفَقٌ عليه (٣٤)، ورَوَاهُ عبْدُ الرَّزَّاقِ (٣٥)، عن مَعْمَرٍ، عن الزُّهْرِىِّ، عن عيسى بن طَلْحَةَ، عن عبدِ اللهِ بن عمرو (٣٦)، [وفيه: فحَلَقْتُ قبلَ أن أَرْمِىَ. وتَابَعَهُ على ذلك محمدُ بن أبى حَفْصَةَ، عن الزُّهْرِىِّ، عن عيسى، عن عبدِ اللهِ بن عمرو] (٣٧)، قال: سمعتُ رسولَ اللهِ

стр. 2464

- ﷺ ، وأتَاهُ رجلٌ، فقال: يا رسولَ اللهِ، إنِّى حَلَقْتُ قبلَ أن أَرْمِىَ؟ قال: "ارْمِ، وَلَا حَرَجَ". قال: وأتَاهُ آخَرُ، فقال: إنِّى أفَضْتُ قبل أن أرْمِىَ؟ قال: "ارْمِ، وَلَا حَرَجَ". وعن ابنِ عَبَّاسٍ، أنَّ رسولَ اللهِ ﷺ سُئِلَ يومَ النَّحْرِ، عن رجلٍ حَلَقَ قبلَ أن يَرْمِىَ؟ فقال رسولُ اللهِ ﷺ : "لَا حَرَجَ، لَا حَرَجَ". رَوَاهُ الدَّارَقُطْنِىُّ (٣٨) كلَّه. وسُنَّةُ رسولِ اللهِ ﷺ أحَقُّ أن تُتَّبَعَ. على أنَّه لا يَلْزَمُ من سُقُوطِ الدَّمِ بفِعْلِ (٣٩) الشىءِ فى وَقْتِه، سُقُوطُهُ قبلَ وَقْتِه، فإنَّه لو حَلَقَ فى العُمْرَةِ بعدَ السَّعْىِ، لا شىءَ عليه، وإن كان الحِلُّ ما حَصَلَ قبلَه، وكذلك فى مَسْأَلَتِنَا، إذا قُلْنَا: إنَّ الحِلَّ يَحْصُلُ بِالحَلْقِ، فقد حَلَقَ قبلَ التَّحَلُّلِ، ولا دَمَ عليه. فأمَّا إن فَعَلَهُ عَمْدًا، عَالِمًا بِمُخَالَفَةِ السُّنَّةِ فى ذلك، ففيه رِوَايتانِ: إحْدَاهما، لا دَمَ عليه. وهو قَوْلُ عَطاءٍ، وإسحاقَ؛ لِإطْلَاقِ حديثِ ابنِ عَبَّاسٍ، وكذلك حديث عبدِ اللَّه بن عَمْرٍو، من رِوَايَةِ سفيانَ بن عُيَيْنَةَ. والثانية، عليه دَمٌ. رُوِىَ نحوُ ذلك عن سَعِيدِ بن جُبَيْرٍ، وجابِرِ بن زيدٍ، وقَتَادَةَ، والنَّخَعِىِّ؛ لأنَّ اللَّه تعالى قال: ﴿وَلَا تَحْلِقُوا رُءُوسَكُمْ حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ﴾ (٤٠). ولأنَّ النَّبِىَّ ﷺ رَتَّبَ، وقال: "خُذُوا عَنِّى مَنَاسِكَكُمْ" (٤١). والحديثُ المُطْلَقُ قد جاءَ مُقَيَّدًا، فيُحْمَلُ المُطْلَقُ على المُقَيَّدِ. قال الأثْرَمُ: سمعتُ أبا عبدِ اللهِ يُسْأَلُ عن رجلٍ حَلَقَ قبلَ أن يَذْبَحَ؟ فقال: إنْ كان جَاهِلًا، فليس عليه. فأمَّا التَّعَمُّدُ فلا؛ لأنَّ النَّبِىَّ ﷺ سَأَلَهُ رجلٌ، فقال: لم أَشْعُرْ (٤٢). قِيلَ لأبى عبدِ اللَّه: سفيانُ بن عُيَيْنَةَ لا يقولُ: لم أشْعُرْ. فقال: نعم، ولكن مَالِكًا والنَّاس عن الزُّهْرِىِّ (٤٣): لم

стр. 2465

أشْعُرْ (٤٤)، وهو فى الحديثِ، وقال مَالِكٌ: إن قَدَّمَ الحَلْقَ على الرَّمْىِ فعليه دَمٌ، وإن قَدَّمَهُ على النَّحْرِ أو النَّحْرَ على الرَّمْىِ فلا شىء عليه. لأنَّه بالإجْماعِ مَمْنُوعٌ مِن حَلْقِ شَعْرِهِ قبل التَّحَلُّلِ الأوَّلِ، ولَا يَحْصُلُ إلَّا بِرَمْىِ الجَمْرَةِ، فأما النَّحْرُ قبلَ الرَّمْىِ فجَائِزٌ؛ لأنَّ الهَدْىَ قد بَلَغَ مَحِلَّهُ. ولَنا، الحَدِيثُ؛ فإنَّه لم يُفَرِّقْ بينهما، فإنَّ النَّبِىَّ ﷺ قِيلَ له فى الحَلْقِ، والنَّحْرِ، والتَّقْدِيمِ، والتَّأْخِيرِ، فقال: "لا حَرَجَ". ولا نَعْلَمُ خِلافًا بينهم فى أنَّ مُخَالَفَةَ التَّرْتِيبِ لا تَخْرُجُ هذه (٤٥) الأفْعَالِ عن الإجْزَاءِ، ولا تَمْنَعُ وُقُوعها مَوْقِعَهَا، وإنما اخْتَلَفُوا فى وُجُوبِ الدَّمِ، على ما ذَكَرْنَا، واللهُ أعلمُ. فصل: فإن قَدَّمَ الإفاضَةَ على الرَّمْىِ، أجْزَأَةُ طَوَافُه. وبهذا قال الشَّافِعِىُّ. وقال مَالِكٌ: لا تُجْزِئُه الإفَاضَةُ، فلْيَرْمِ، ثم ليَنْحَر، ثم لْيُفِضْ. [وكان ابنُ عمرَ يقولُ فى مَن أفاضَ قبلَ أن يَحْلِقَ: يَرْجِعُ فيحلقُ أو يُقصِّرُ، ثم يُفِيضُ] (٤٦). ولَنا، ما رَوَى عَطاءٌ، أنَّ النَّبِىَّ ﷺ قال له رَجُلٌ: أفضْتُ قبلَ أن أَرْمِىَ؟ قال: "ارْمِ، وَلَا حَرَجَ". وعنه أنَّ النَّبِىَّ ﷺ قال: "مَنْ قَدَّمَ شَيْئًا قَبْلَ شَىْءٍ، فَلَا حَرَجَ". رَوَاهُمَا سَعِيدٌ. فى "سُنَنِه". ورُوِىَ عن عبدِ اللهِ بن عَمْرِو بن العَاصِ، أنَّ النَّبِىَّ ﷺ أتَاهُ آخَرُ، فقال: إنى أفَضْتُ إلى البَيْتِ قبلَ أن أرْمِىَ؟ فقال: "ارْمِ ولا حَرَجَ" فما سُئِلَ رسولُ اللهِ ﷺ عن شَىْءٍ قُدِّمَ أو أُخِّرَ إلَّا قال: "افْعَلْ، وَلا حَرَجَ". رَوَاهُ أبو دَاوُدَ، والنَّسَائِىُّ، والتِّرْمِذِىُّ (٤٧). ولأنَّه أتَى بِالرَّمْىِ فى وَقْتِه. فأجْزَأَهُ، كما لو رَتَّبَ. ومُقْتَضَى كلامِ أصْحابِنَا، أنَّه يَحْصُلُ له بالإفاضَةِ قبلَ الرَّمْىِ التَّحَلُّلُ الأوَّلُ، كَمَنْ رَمَى ولم يُفِضْ. فعلى هذا لو وَاقعَ أهْلَهُ قبلَ الرَّمْىِ،

стр. 2466

فعليه دَمٌ، ولم يَفْسُدْ حَجُّه. وكذلك قال الأوْزَاعِىُّ. فإن رَجَعَ إلى أهْلِه، ولم يَرْمِ فعليه دَمٌ؛ لِتَرْكِ الرَّمْىِ، وحَجُّهُ صَحِيحٌ. قال ابنُ عَباسٍ: مَن نَسِىَ، أو تَرَكَ شيئا من نُسُكِه، فَلْيُهْرِقْ لذلك دَمًا (٤٨). وقال عَطَاءٌ: مَن نَسِىَ من النُّسُكِ شيئا، حتى رَجَعَ (٤٩) إلى أَهْلِه، فَلْيُهْرِقْ لذلك دَما. ٦٥٥ - مسألة؛ (ثم يَرْجِعُ إلى مِنًى، ولَا يَبِيتُ بِمَكَّةَ لَيالِىَ مِنًى) السُّنَّةُ لمن أفاضَ يومَ النَّحْرِ أن يَرْجِعَ إلى مِنًى؛ لما رَوَى ابن عمرَ، أنَّ النَّبِىَّ ﷺ أفاضَ يومَ النَّحْرِ، ثم رجع فصَلَّى الظهرَ بِمِنًى. مُتَّفَقٌ عليه (١). وقالتْ عائشةُ، رَضِىَ اللهُ عنها: أفاضَ رسولُ اللهِ ﷺ من آخِرِ يَوْمِه حين صَلَّى الظهرَ، ثم رجع إلى مِنًى، فمَكَثَ بها لَيَالِىَ أيَّامِ التَّشْرِيقِ. رَوَاهُ أبو دَاوُدَ (٢). وظاهِرُ كلامِ الخِرَقِىِّ أنَّ المَبِيتَ بِمِنًى لَيالِىَ مِنًى وَاجِبٌ. وهو إحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ عن أحمدَ، وقال ابنُ عَبّاسٍ: لا يَبِيتَنَّ أحَدٌ مِن وَرَاءِ العَقَبَةِ مِن مِنًى لَيْلًا. وهو قولُ عُرْوَةَ، وإبراهِيمَ، ومُجاهِدٍ، وعَطاءٍ. وَرُوِىَ ذلك عن عمرَ بن الخَطَّابِ، رَضِىَ اللهُ عنه. وهو قولُ مَالِكٍ، والشَّافِعِىِّ. والثانية، ليس بِوَاجِبٍ. رُوِىَ ذلك عن الحسنِ. ورُوِىَ عن ابنِ عَبّاسٍ: إذا رَمَيْتَ الجَمْرَةَ فبِت حيثُ شِئْتَ. ولأنَّه قد حَلَّ من حَجِّه، فلم يَجِبْ عليه المَبِيتُ بِمَوْضِعٍ مُعَيَّنٍ، كلَيْلَةِ الحَصْبَةِ (٣). [ووَجْهُ الرِّوايةِ الأُولَى أنَّ] (٤) ابنَ عمرَ رَوَى أنَّ رسولَ اللهِ ﷺ رَخَّصَ لِلْعَبّاسِ بن عبدِ المُطَّلِبِ أن يَبِيتَ

стр. 2467

بمَكَّةَ لَيَالِىَ مِنًى، مِن أجْلِ سِقَايَتِه. مُتَّفَقٌ عليه (٥). وتَخصِيصُ العَبَّاسِ بِالرُّخْصَةِ لِعُذْرِهِ دَلِيلٌ على أنَّه لا رُخْصَةَ لِغيرِهِ. وعن ابنِ عَبّاسٍ، قال: لم يُرَخِّصِ النَّبِىُّ ﷺ لأحَدٍ يَبِيتُ بِمَكَّةَ، إلَّا لِلْعَبَّاسِ (٦)، من أجْلِ سِقَايَتِه. رَوَاهُ ابنُ مَاجَه (٧). ورَوَى الأثْرَمُ، عن ابنِ عمرَ، قال: لا يَبِيتَنَّ أحَدٌ مِن الحَاجِّ إلَّا بِمِنًى. وكان يَبْعَثُ رِجَالًا لا يدَعُونَ أحَدًا يَبِيتُ وَرَاءَ العَقَبَةِ. ولأنَّ النَّبِىَّ ﷺ فَعَلَهُ نُسُكًا، وقد قال: "خُذُوا عَنِّى مَنَاسِكَكُمْ" (٨). فصل: فإن تَرَكَ المَبِيتَ بِمِنًى، فعن أحمدَ: لا شىءَ عليه، وقد أساءَ. وهو قَوْلُ أصْحابِ الرَّأْىِ؛ لأنَّ الشَّرْعَ لم يَرِدْ فيه بِشىءٍ. وعنه يُطْعِمُ شيئًا. وخَفَّفَهُ، ثم قال: قد قال بَعْضُهم: ليس عليه. وقال إبراهيمُ: عليه دَمٌ. وضَحِكَ، ثم قال: دَمٌ بِمَرَّةٍ، شَدَّدْتُمُوه (٩). قلتُ: ليس إلَّا أن يُطْعِمَ شيئا؟ قال: نعم، يُطْعِمُ شيئًا تَمْرًا أو نَحْوَهُ. فعلى هذا أىُّ شىءٍ تَصَدَّقَ به أجْزَأَهُ، ولا فَرْقَ بين لَيْلَةٍ وأكْثَرَ؛ [لأَنَّه لا] (١٠) تَقْدِيرَ فيه. وعنه: فى اللَّيَالِى الثَّلَاث دَمٌ؛ لِقَوْلِ ابنِ عَبّاسٍ: مَن تَرَكَ من

стр. 2468

نُسُكِهِ شيئا، [فإنَّه يُهْرِق] (١١) دَمًا. وفيما دُونَ الثَّلَاثِ ثلاثُ رِوَايَاتٍ [وقال عَطاءٌ: فى كُلِّ حَصاةٍ دِرْهَمٌ] (١٢). وهو قوْلُ الشَّافِعِىِّ (١٣). وهذا لا نَظِيرَ له، فإنَّنا لا نَعْلَمُ فى تَرْكِ شىءٍ من المَنَاسِكِ دِرْهَمًا، ولا نِصْفَ دِرْهَمٍ، فإيجَابُه بغيرِ نَصٍّ تَحَكُّمٌ لا وَجْهَ له. واللهُ أعلمُ. ٦٥٦ - مسألة؛ قال: (فَإذَا كَانَ مِنَ الْغَدِ، وزَالَتِ الشَّمْسُ، رَمَى الجَمْرَةَ الأُولَى بِسَبْعِ حَصَيَاتٍ، يُكَبِّرُ مَعَ كُلِّ حَصَاةٍ، وَيقِفُ عِنْدَها، ويَرْمِى (١)، ويَدْعُو، ثُمَّ يَرْمِى الْجَمْرَةَ (٢) الوُسْطَى بِسَبْعِ حَصَيَاتٍ، يُكَبِّرُ أيْضًا، ويَدْعُو، ثم يَرْمِى جَمْرَةَ العَقَبَةِ بِسَبْعِ حَصَيَاتٍ، ولا يَقِفُ عِنْدهَا) قد ذَكَرْنَا أنَّ جُمْلَةَ ما يَرْمِى به الحاجُّ سبعون حَصاةً، سَبْعَةٌ منها يَرْمِيها يَوْمَ النَّحْرِ، بعدَ طُلُوعِ الشمسِ. وسَائِرُها فى أيَّامِ التَّشْرِيقِ الثلاثة، بعدَ زَوالِ الشمسِ، كلَّ يَوْمٍ إحْدَى وعِشْرِينَ حَصاةً، لِثلاثِ جَمَرَاتٍ، يَبْتَدِئُ بِالجَمْرَةِ الأُولَى، وهى أبْعَدُ الجَمَراتِ من مَكَّةَ، وتَلِى مَسْجِدَ الْخَيْفِ، فيَجْعَلُها عن يَسارِهِ، ويَسْتَقْبِلُ القِبْلَةَ، ويَرْمِيها بِسَبْعِ حَصَيَاتٍ، [كما وَصَفْنَا فى جَمْرَةِ الْعَقَبةِ، ثم يتقَدَّمُ عنها إلى مَوْضِعٍ لا يُصِيبُه الْحَصَى، فيَقِفُ طويلًا يدْعُو اللهَ تعالى] (٣)، رَافِعًا يَدَيْهِ، ثم يَتَقَدَّمُ إلى الوُسْطَى فيَجْعَلُها عن يَمِينِه، ويَسْتَقْبِلُ القِبْلَةَ، ويَرْمِيها بِسَبْعِ حَصَياتٍ، ويَفْعَلُ من الوُقُوفِ والدُّعَاءِ كما فَعَلَ فى الأُولَى، ثم يَرْمِى جَمْرَةَ العَقَبَةِ

стр. 2469

بِسَبْعِ حَصَيَاتٍ، ويَسْتَبْطِنُ الوَادِى، ويَسْتَقْبِلُ القِبْلَةَ، ولا يَقِفُ عِنْدَها. وبهذا قال الشَّافِعِىُّ. ولا نَعْلَمُ فى جَمِيعِ ما ذَكَرْنَا خِلافًا، إلَّا أنَّ مَالِكًا قال: ليس بِمَوْضِعٍ لِرَفْعِ اليَدَيْنِ. وقد ذَكَرْنَا الخِلافَ فيه عند رُؤْيَةِ البَيْتِ (٤). وقال الأثْرَمُ: سَمِعْتُ أبا عبدِ اللهِ يُسْأَلُ، أيَقُومُ الرجُلُ عندَ الجَمْرَتَيْنِ إذا رَمَى؟ قال: إِى لَعَمْرِى شَدِيدًا، ويُطِيلُ القِيامَ أيضا. قيل: فإلى أيْنَ يَتَوَجَّهُ فى قِيَامِه؟ قال: إلى القِبْلَةِ، ويَرْمِيها فى بَطْنِ الوَادِى. والأصْلُ فى هذا ما رَوَتْ عائشةُ، قالت: أفاضَ رسولُ اللهِ ﷺ من آخِرِ يَوْمِه حين صَلَّى الظهرَ، ثم رَجَعَ إلى مِنًى، فمَكَثَ بها لَيالِىَ أيَّامِ التَّشْرِيقِ، يَرْمِى الجَمْرَةَ إذا زَالَتِ الشمسُ، كلَّ جَمْرَةٍ بِسَبْعِ حَصَيَاتٍ، يُكَبِّرُ مع (٥) كلِّ حَصاةٍ، ويَقِفُ عندَ الاُّولَى والثانيةِ، فيُطِيلُ القِيامَ، ويَتَضَرَّعُ، ويَرْمِى الثَّالِثَةَ، ولا يَقِفُ عندَها. رَوَاهُ أبو دَاوُدَ (٦). وعن ابنِ عمرَ، أنَّه كان يَرْمِى الجَمْرَةَ بِسَبْعِ حَصَياتٍ، يُكَبِّرُ على إثْرِ كلِّ حَصَاةٍ، ثم يَتَقَدَّمُ، ويَسْتَهِلُّ، ويقومُ قِيَامًا طَوِيلًا، ويَرْفَعُ يَدَيْهِ، ثم يَرْمِى الوُسْطَى، ثم يَأْخُذُ بِذَاتِ الشّمَالِ، فيَسْتَهِلُّ، ويقومُ مُسْتَقْبِلَ القِبْلَةِ قِيَامًا طَوِيلًا، [ثم يَرْفَعُ يَدَيْه، ويقومُ طويلًا، ثم يَرْمِى جَمْرَةَ الْعَقَبَةِ مِن بَطْنِ الْوادِى، ولا يَقِفُ عندَها] (٧)، ثم يَنْصَرِفُ، ويقولُ: هكذا رأيْتُ رسولَ اللهِ ﷺ يَفْعَلُهُ. رَوَاهُ البُخَارِىُّ (٨). ورَوَى أبو دَاوُدَ، أنَّ ابنَ عمرَ كان يَدْعُو بِدُعائِه الذى دَعَا به بِعَرَفَةَ، ويَزِيدُ: وأصْلِحْ أو أَتِمَّ (٩) لنا مَنَاسِكَنَا. وقال ابنُ

стр. 2470

المُنْذِرِ: كان ابنُ عمرَ، وابنُ مسعودٍ، يَقُولان عندَ الرَّمْىِ: اللَّهُمَّ اجْعَلْهُ حَجًّا مَبْرُورًا، وذَنْبًا مَغْفُورًا. [وكان ابنُ عمرَ، وابنُ عَبَّاسٍ، يَرْفَعانِ أيْدِيَهما إذا رَمَيا الجَمْرَةَ، ويُطِيلانِ الوُقُوفَ. وَرُوِىَ عن عبدِ الرحمنِ بن يَزِيدَ (١٠)، قال: أفَضْتُ مع عبدِ اللهِ، فرَمَى بِسَبْعِ حَصَيَاتٍ، يُكَبِّرُ مع كلِّ حَصَاةٍ، واسْتَبْطَنَ الوَادِى، حتى إذا فَرَغَ قال: اللَّهُمَّ اجْعَلْهُ حَجًّا مَبْرُورًا، وذَنْبًا مَغْفُورًا] (١١). ثم قال: هكذا رأيتُ الذى أُنْزِلَتْ عليه سُورَةُ البَقَرَةِ صَنَعَ. رَوَاهُ الأثْرَمُ (١٢). وعن عَطاءٍ، قال: كان ابنُ عمرَ يقومُ عندَ الجَمْرَتَيْنِ، مِقْدَارَ ما يَقْرَأُ الرَّجُلُ سُورَةَ البَقَرَةِ. رَوَاهُ الأثْرَمُ. فصل: ولا يَرْمِى فى أيَّامِ التَّشْرِيقِ إلَّا بعدَ الزَّوَالِ، فإن رَمَى قبلَ الزَّوالِ أعادَ. نَصَّ عليه أحمدُ (١٣). وَرُوِىَ ذلك عن ابنِ عمرَ. وبه قال مَالِكٌ، والثَّوْرِىُّ، والشَّافِعِىُّ، وإسحاقُ، وأصْحابُ الرَّأىِ. ورُوِىَ عن الحسنِ، وعَطاءٍ، إلَّا أنَّ إسحاقَ وأصْحابَ الرَّأْىِ، رَخَّصُوا فى الرَّمْىِ يَوْمَ النَّفْرِ قبلَ الزَّوَالِ، ولا يَنْفِرُ إلَّا، بعدَ الزَّوَالِ. وعن أحمدَ مثلُه. ورَخَّصَ عِكْرِمَةُ فى ذلك أيضا. وقال طاوُسٌ: يَرْمِى قبلَ الزَّوَالِ، ويَنْفِرُ قبلَه. ولَنا، أنَّ النَّبِىَّ ﷺ إنَّما رَمَى بعدَ الزَّوَالِ؛ لِقَوْلِ عائشةَ: يَرْمِى الجَمْرَةَ إذا زَالَتِ الشمسُ (١٤). وقَوْلِ جابِرٍ، فى صِفَةِ حَجِّ النَّبِىِّ ﷺ : رأيْتُ رسولَ اللهِ ﷺ يَرْمِى الجَمْرَةَ ضُحَى يومِ النَّحْرِ، ورَمَى بعدَ ذلك بعدَ زَوَالِ الشَّمْسِ (١٥). وقد قال النَّبِىُّ ﷺ : "خُذُوا عَنِّى مَنَاسِكَكُمْ" (١٦).

стр. 2471

وقال ابنُ عمرَ: كُنَّا نَتَحَيَّنُ إذا زَالَتِ الشمسُ رَمَيْنَا. وأىَّ وَقْتٍ رَمَى بعدَ الزَّوَالِ أجْزَأَهُ، إلَّا أنَّ المُسْتَحَبَّ المُبَادَرَةُ إليها حِينَ الزَّوالِ، كما قال ابنُ عمرَ. وقال ابنُ عَبَّاسٍ: إنَّ رسولَ اللهِ ﷺ كان يَرْمِى الجِمارَ إذا زَالَتِ الشمسُ، قَدْرَ ما إذا فَرَغَ من رَمْيِه صَلَّى الظهرَ. رَوَاهُ ابنُ مَاجَه (١٧). فصل: والتَّرْتِيبُ فى هذه الجَمَرَاتِ وَاجِبٌ، على ما ذَكَرْنَا. فإن نَكَّسَ فبَدَأ بِجَمْرَةِ العَقَبَةِ، ثم (١٨) الثانيةِ، ثم الأُولَى، أو بَدَأ (١٨) بِالوُسْطَى، ورَمَى الثَّلَاثَ، لم يُجْزِهِ إلَّا الأُولَى، وأعَادَ الوُسْطَى والقُصْوَى. نَصَّ عليه أحمدُ. وإن رَمَى القُصْوَى، ثم الأُولَى، ثم الوُسْطَى، أعَادَ القُصْوَى وَحْدَها. وبهذا قال مَالِكٌ، والشَّافِعِىُّ. وقال الحسنُ، وعَطاءٌ: لا يَجِبُ التَّرْتِيبُ. وهو قَوْلُ أبى حنيفةَ؛ فإنَّه قال: إذا رَمَى مُنَكِّسًا يُعِيدُ، فإن لم يَفْعَلْ (١٩) أجْزَأَهُ. وَاحْتَجَّ بَعْضُهُم بما رُوِىَ عن النَّبِىِّ ﷺ ، أنَّه قال: "مَنْ قَدَّمَ نُسُكًا بَيْنَ يَدَىْ نُسُكٍ، فَلَا حَرَجَ" (٢٠). ولأنَّها مَناسِكُ مُتَكَرِّرَةٌ، فى أمْكِنَةٍ مُتَفَرِّقَةٍ، فى وَقْتٍ وَاحِدٍ، ليس بَعْضُها تَابِعًا لِبَعْضٍ، فلم يُشْتَرَط التَّرْتِيبُ فيها، كالرَّمْىِ والذَّبْحِ. ولَنا، أنَّ النَّبِىَّ ﷺ رَتَّبَها فى الرَّمْىِ، وقال: "خُذُوا عَنِّى مَنَاسِكَكُمْ" (٢١). ولأنَّه نُسُكٌ مُتَكَرِّرٌ، فاشْتُرِطَ التَّرْتِيبُ فيه، كالسَّعْىِ. وحَدِيثُهم إنَّما جاءَ فى مَن يُقَدِّمُ نُسُكًا على نُسُكٍ، لا فى [مَن يُقدِّمُ] (٢٢) بعض النُّسُكِ على بعضٍ. وقِيَاسُهم يَبْطُلُ بِالطَّوَافِ والسَّعْىِ.

стр. 2472

فصل: وإن تَرَكَ الوُقُوفَ عندَها والدُّعاءَ، تَرَكَ السُّنَّةَ، ولا شىءَ عليه. وبذلك قال الشَّافِعِىُّ، وأبو حنيفةَ، وإسحاقُ (٢٣)، وأبو ثَوْرٍ. ولا نَعْلَمُ فيه مُخَالِفًا، إلَّا الثَّوْرِىَّ. قال: يُطْعِمُ شيئا، وإن أرَاقَ دَمًا أحَبُّ إلىَّ؛ لأنَّ النَّبِىَّ ﷺ فَعَلَهُ، فيكونُ نُسُكًا. ولَنا، أنَّه دُعَاءُ وُقُوفٍ مَشْرُوعٍ (٢٤)، فلم يَجِبْ بِتَرْكِه شىءٌ، كحالَةِ رُؤْيَةِ البَيْتِ، كسَائِرِ الأدْعِيَةِ، ولأنَّها إحْدَى الجَمَرَاتِ، فلم يَجِب الوُقُوفُ عندَها والدُّعَاءُ، كالأُولَى، والنَّبِىُّ ﷺ يَفْعَلُ الوَاجِبَاتِ والمَنْدُوباتِ، وقد ذَكَرْنَا (٢٥) الدَّلِيلَ على أن هذا نَدْبٌ. فصل: والأوْلَى أن لا يَنْقُصَ فى الرَّمْىِ عن سَبْعِ حَصَيَاتٍ؛ لأنَّ النَّبِىَّ ﷺ رَمَى بِسَبْعِ حَصَيَاتٍ. فإن نَقَصَ حَصَاةً أو حَصاتَيْنِ، فلا بَأْسَ، ولا يَنْقُصُ أكْثَرَ من ذلك. نَصَّ عليه. وهو قَوْلُ مُجاهِدٍ، وإسحاقَ. وعنه: إن رَمَى بِسِتٍّ نَاسِيًا: فلا شىءَ عليه، ولا يَنْبَغِى أن يَتَعَمَّدَهُ، فإن تَعَمَّدَ ذلك، تَصَدَّقَ بِشَىءٍ. وكان ابنُ عمرَ يقولُ: ما أُبَالِى رَمَيْتُ بِسِتٍّ أو سَبْعٍ. [وقال ابنُ عَبَّاسٍ: ما أَدْرِى رَمَاهَا النبىُّ ﷺ بِسِتٍّ أو سَبْعٍ] (٢٦). وعن أحمدَ، أنَّ عَدَدَ السَّبْعِ شَرْطٌ. ويُشْبِهُ (٢٧) مَذْهَبَ الشَّافِعِىِّ، وأصْحَابِ الرَّأْىِ؛ لأنَّ النَّبِىَّ ﷺ رَمَىَ بِسَبْعٍ. وقال أبو حَيَّةَ: لا بَأْسَ بما رَمَى به الرَّجُلُ مِن الحَصَى. فقال عبدُ اللهِ بن عَمْرٍو: صَدَقَ أبو حَيَّةَ. وكان أبو حَيَّةَ بَدْرِيًّا. ووَجْهُ الرِّوَايَةِ الأُولَى ما رَوَى ابنُ أبِى نُجَيْحٍ، قال: سُئِلَ طاوُسٌ عن رجلٍ تَرَكَ حَصَاةً؟ قال: يَتَصَدَّقُ بِتَمْرَةٍ أو لُقْمَةٍ. فذَكَرْتُ ذلك لِمُجاهِدٍ، فقال: إن أبا عبد الرحمنِ لم يَسْمَعْ قَوْلَ سَعْدٍ، قال سَعْدٌ: رَجَعْنَا من

стр. 2473

الحَجَّةِ مع رَسولِ اللَّه ﷺ ، بَعْضُنَا يقولُ: رَمَيْتُ بِسِتٍّ. وبَعْضُنَا يقولُ: بِسَبْعٍ. فلم يَعِبْ ذلك بَعْضُنا على بَعْضٍ. رَوَاهُ الأثْرَمُ، وغيرُه (٢٨). ومتى أخَلَّ بِحَصاةٍ وَاجِبَةٍ من الأُولَى، لم يَصِحَّ رَمْىُ الثانيةِ حتى يُكْمِلَ الأُولَى، فإن لم يَدْرِ من أىِّ الجِمَارِ تَرَكها، بَنَى على اليَقِينِ. وإن أخَلَّ بِحَصَاةٍ غيرِ وَاجِبَةٍ، لم يُؤثِّرْ تَركُها. ٦٥٧ - مسألة؛ قال: (ويَفْعَلُ فِى الْيَوْمِ الثَّانِى كَمَا فَعَلَ (١) بِالْأَمْسِ، فَإنْ أحَبَّ أنْ يَتَعَجَّلَ فِى يَوْمَيْنِ، خَرَجَ قَبْلَ غُرُوبِ الشَّمْسِ. فَإنْ غَرَبَتِ الشَّمْسُ وَهُوَ بِهَا، لَمْ يَخْرُجْ حَتَّى يَرْمِىَ مِنْ (٢) غَدٍ بَعْدَ الزَّوَالِ، كَمَا رَمَى بالْأمْسِ) وجُمْلَتُه أنَّ الرَّمْىَ فى اليومِ الثانِى كالرَّمْىِ فى اليومِ الأوَّلِ، فى وَقْتِه وصِفَتِه وهَيْئَتِه، لا نَعْلَمُ فيه خِلافًا. فإنْ أحَبَّ التَّعَجُّلَ فى يَوْمَيْنِ، خَرَجَ قبلَ الغُرُوبِ (٣). وأجْمَعَ أهْلُ العِلْمِ على أنَّ مَن أرَادَ الخُرُوجَ من مِنًى، شَاخِصًا عن الحَرَمِ، غيرَ مُقِيمٍ بمَكَّةَ، أن يَنْفِرَ بعدَ الزَّوَالِ فى اليَوْمِ الثَّانِى من أيَّامِ التَّشْرِيقِ، فإن أحَبَّ الإقامَةَ بمَكَّةَ، فقال أحمدُ: لا يُعْجِبُنِى لمن يَنْفِرُ النَّفْرَ الأوَّلَ أن يُقيمَ بمَكَّةَ. وكان مَالِكٌ يقولُ فى أهْلِ مَكَّةَ: مَن كان له عُذْرٌ فله أن يَتَعَجَّلَ فى يَوْمَيْنِ، فإن أرَادَ التَّخْفِيفَ عن نَفْسِه من أمْرِ الحَجِّ فلا. ويَحْتَجُّ مَن ذَهَبَ إلى هذا بقَوْلِ عمرَ، رَضِىَ اللهُ عنه: مَن شَاءَ مِن النَّاسِ كلِّهم أن يَنْفِرَ فى النَّفْرِ الأوَّلِ، إلَّا آل خُزَيْمَةَ، فلا يَنْفِرُونَ إلَّا فى النَّفْرِ الآخِرِ. جَعَلَ أحمدُ وإسحاقُ مَعْنَى قَوْلِ عمرَ: إلَّا آل

стр. 2474

خُزَيْمَةَ. أى أنَّهم أهْلُ حَرَمٍ (٤). والمَذْهَبُ جَوازُ النَّفِيرِ فى النَّفْرِ الأوَّلِ لكلِّ أحَدٍ. وهو قولُ عامَّةِ العُلَماءِ؛ لِقَوْلِ اللهِ تعالى: ﴿فَمَنْ تَعَجَّلَ فِي يَوْمَيْنِ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ وَمَنْ تَأَخَّرَ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ لِمَنِ اتَّقَى﴾ (٥). قال عَطاءٌ: هى لِلنَّاسِ عَامَّةً. ورَوَى أبو دَاوُدَ، وابنُ مَاجَه (٦)، عن عبدِ الرحمنِ بن يَعْمُرَ، أنَّ رسولَ اللهِ ﷺ قال: "أيَّامُ مِنًى ثَلَاثَةٌ، فَمَنْ تَعَجَّلَ فِى يَوْمَيْنِ فَلَا إثْمَ عَلَيْهِ، وَمَنْ تَأَخَّرَ فَلَا إثْمَ عَلَيْهِ". قال ابنُ عُيَيْنَةَ: هذا أجْوَدُ حديثٍ رَوَاهُ سفيانُ. وقال وَكِيعٌ: هذا الحَدِيثُ أمُّ المَناسِكِ، وفيه زِيَادَةٌ أنا اخْتَصَرْتُه. ولأنَّه دَفْعٌ من مَكانٍ، فاسْتَوَى فيه أهْلُ مَكَّةَ وغَيْرُهم، كالدَّفْعِ من عَرَفَةَ [ومن مُزْدَلِفَة] (٧). وكلامُ أحمدَ فى هذا أرَادَ به الاسْتِحْبابَ، مُوَافَقَةً لِقَوْلِ عمرَ، لا غير. فمن أحَبَّ التَّعْجِيلَ فى النَّفْرِ الأوَّلِ، خَرَجَ قبلَ غُرُوبِ الشمس، فإن غَرَبَتْ قبلَ خُرُوجِه من مِنًى لم يَنْفِرْ، سواءٌ كان ارْتَحَلَ أو كان مُقِيمًا فى مَنْزِلِه، لم يَجُزْ له الخُرُوجُ. هذا قولُ عمرَ، وجابِرِ بن زيدٍ، وعَطاءٍ، وطَاوُسٍ، ومُجاهِدٍ، وأبانَ بن عثمانَ، ومَالِكٍ، والثَّوْرِىِّ، والشَّافِعِىِّ، وإسحاقَ، وابنِ المُنْذِرِ. وقال أبو حنيفةَ: له أن يَنْفِرَ ما لم يَطْلُعْ فَجْرُ اليَوْمِ الثَّالِثِ؛ لأنَّه لم يَدْخُل [وَقْتُ رَمْىِ] (٨) اليومِ الآخرِ، فجازَ له النَّفْرُ كما قبلَ الغُرُوبِ. ولنا، قَوْلُه تعالى: ﴿فَمَنْ تَعَجَّلَ فِي يَوْمَيْنِ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ﴾. واليوْمُ اسْمٌ لِلنَّهارِ، فمن أدْرَكَهُ اللَّيْلُ (٩) فما تَعَجَّلَ فى يَوْمَيْنِ. قال ابنُ المُنْذِرِ: وثَبَتَ عن ابنِ (١٠) عمرَ أنَّه قال: مَن أْدْرَكَهُ المَساءُ فى اليَوْمِ الثانِى، فلْيُقِمْ إلى الغَدِ حتى

стр. 2475

يَنْفِرَ مع النَّاسِ. وما قَاسُوا عليه لا يُشْبِهُ ما نحن فيه؛ فإنه تَعَجَّلَ فى اليَوْمَيْنِ. فصل: إذا أَخَّرَ رَمْىَ يومٍ إلى ما بعدَه، أو أخَّرَ الرَّمْىَ كُلَّه إلى آخِرِ أيَّامِ التَّشْرِيقِ، تَرَكَ السُّنَّةَ، ولا شىءَ عليه، إلَّا أنَّه يُقَدِّمُ بِالنِّيَّةِ رَمْىَ اليَوْمِ الأَوَّلِ ثم الثانِى ثم الثالِثِ. وبذلك قال الشَّافِعِىُّ، وأبو ثَوْرٍ. وقال أبو حنيفةَ: إن تَرَكَ حَصَاةً أو حَصَاتَيْنِ أو ثَلَاثًا إلى الغَدِ رَمَاها، وعليه لكُلِّ (١١) حَصَاةٍ نِصْفُ صَاعٍ، وإن تَرَكَ أرْبَعًا رَمَاها، وعليه دَمٌ. ولَنا، أنَّ أيَّامَ التَّشْرِيقِ وَقْتٌ لِلرَّمْىِ، فإذا أَخَّرَهُ من أوَّلِ وَقْتِه إلى آخِرِه لم يَلْزَمْهُ شىءٌ، كما لو أخَّرَ الوُقُوفَ بِعَرَفَةَ إلى آخِرِ (١٢) وَقْتِه، ولأنَّه وَقتٌ يجوزُ الرَّمْىُ (١٣) فيه، فجازَ لِغَيْرِهم كاليومِ الأوَّلِ. قال القاضى: ولا يكونُ رَمْيُه فى اليومِ الثانِى قَضاءً؛ لأنَّه وَقْتٌ واحِدٌ. وإن سُمِّىَ (١٤) قَضَاءً فالمُرَادُ به الفِعْلُ، كقَوْلِهِ: ﴿ثُمَّ لْيَقْضُوا تَفَثَهُمْ﴾ (١٥). وقَوْلِهم: قَضَيْتُ الدَّيْنَ. والحُكْمُ فى رَمْىِ جَمْرَةِ العَقَبَةِ إذا أخَّرَهَا، كالحُكْمِ فى رَمْىِ (١٦) أَيَّامِ التَّشْرِيقِ، فى أنَّها إذا لم تُرْمَ يومَ النَّحْرِ رُمِيَتْ من الغَدِ. وإنَّما قُلْنَا: يَلْزَمُهُ التَّرْتِيبُ بِنِيَّتِه (١٧)؛ لأنَّها عِبادَاتٌ يَجِبُ التَّرْتِيبُ فيها، مع فِعْلِها فى أيَّامِها، فوَجَبَ تَرْتِيبُها مَجْمُوعَةً، كالصَّلاتَيْنِ المَجْمُوعَتَيْنِ والفَوَائِتِ. ٦٥٨ - مسألة؛ قال: (ويُسْتَحَبُّ أنْ لَا يَدَعَ الصَّلَاةَ فِى مَسْجِدِ مِنًى مَعَ الإمَامِ) يَعْنِى مَسْجِدَ الخَيْفِ؛ فإنَّ النَّبِىَّ ﷺ وأصْحَابَه كانوا يُصَلُّونَ بِمِنًى، قال ابنُ

стр. 2476

مسعودٍ: صَلَّيْتُ مع النَّبِيِّ ﷺ بِمِنًى رَكْعَتَيْنِ، ومع أبى بَكْرٍ، وعمرَ، وعثمانَ رَكْعَتَيْنِ صدرًا من إمَارَتِه (١). وهذا إذا كان الإِمامُ مَرْضِيًّا، فإن لم يكنْ مَرْضِيًّا صَلَّى المَرْءُ بِرُفْقَتِه فى رَحْلِهِ. فصل: ويُسْتَحَبُّ أن يَخْطُبَ الإِمامُ، فى اليَوْمِ الثانى من أَيَّامِ التَّشْرِيقِ، خُطْبَةً [يُعَلِّمُ النَّاسَ] (٢) فيها حُكْمَ التَّعْجِيلِ والتَّأْخِيرِ، وَتَوْدِيعهم. وبهذا قال الشَّافِعِىُّ، وابنُ المُنْذِرِ. وقال أبو حنيفةَ: لا يُسْتَحَبُّ، قِيَاسًا على اليَوْمَيْنِ الآخَرَيْنِ. ولَنا، ما رُوِىَ عن رَجُلَيْنِ من بنى بَكْرٍ، قالا: رَأَيْنا رسولَ اللهِ ﷺ يَخْطُبُ بين أوْساطِ أَيَّامِ التَّشْرِيقِ، ونحن عند رَاحِلَتِه. رَوَاهُ أبو دَاوُدَ (٣). وعن سَرَّاء بنت نَبْهَانَ، قالتْ: خَطَبَنَا رسولُ اللهِ ﷺ يَوْمَ الرُّءُوسِ (٤)، فقال: "أىُّ يَوْمٍ هذا؟ ". قُلْنَا (٥): اللهُ ورسولُهُ أعلمُ. قال: "أَلَيْسَ أَوْسَطَ أَيَّامِ التَّشْرِيقِ؟ " (٦). رَوَى الدَّارَقُطْنِىُّ (٧) بإسْنَادِه عن عبدِ العزيزِ بن الرّبيعِ بن سَبْرَةَ، عن أبِيهِ، عن جَدِّهِ، أنَّ رسولَ اللهِ ﷺ خَطَبَ أوْسَطَ (٨) أيَّامِ التَّشْرِيقِ. يَعْنِى يومَ النَّفْرِ الأوَّلِ. ولأنَّ بالنَّاسِ حاجَةً إلى أن يُعَلِّمَهم كيف يَتَعَجَّلُونَ، كيف يُوَدِّعُونَ، بِخِلافِ اليومِ الأَوَّلِ.

стр. 2477

٦٥٩ - مسألة؛ قال: (ويُكَبِّرُ فِى دُبُرِ كُلِّ صَلَاةٍ، مِنْ صَلَاةِ الظُّهْرِ (١)، يَوْمَ النَّحْرِ إلَى آخِرِ أَيَّامِ التَّشْريِقِ) إنَّما خَصَّ المُحْرِمَ بالتَّكْبِيرِ من يومِ النَّحْرِ ظُهْرًا؛ لأنَّه قبلَ ذلك مَشْغُولٌ بِالتَّلْبِيَةِ، فلا يَقْطَعُها إلًّا عند رَمْىِ جَمْرَةِ العَقَبَةِ، كما بَيَّنَّاهُ فيما قبلُ، وليس بعدَها (٢) صلاةٌ قبلَ الظُّهْرِ، فيُكَبِّرُ حِينَئِذٍ بعدَها كالمُحِلِّ، ويَسْتَوِى هو والْحَلالُ فى آخِرِ مُدَّةِ التَّكْبِيرِ. وصِفَةُ التَّكْبِيرِ ما ذَكَرْنَاهُ فى صلاةِ العِيدِ (٣)، وهو أن يقولَ: "اللهُ أَكْبَرُ اللهُ أَكْبَرُ، لا إله إلَّا اللهُ، واللهُ أَكْبَرُ [اللهُ أكْبَرُ] (٤) وللهِ الحَمْدُ". فصل: قال بعضُ أصْحابِنا: يُسْتَحَبُّ لمن نَفَرَ أن يَأْتِى المُحَصَّبَ، وهو الأَبْطَحُ، وحَدُّهُ ما بين الجَبَلَيْنِ إلى المَقْبَرَة، فيُصَلِّىَ به الظهرَ والعصرَ والمغربَ والعِشاءَ، ثمَّ يَضْطَجِعَ (٥) يَسِيرًا، ثمَّ يَدْخُلَ مَكَّةَ. وكان ابنُ عمرَ يَرَى التَّحْصِيبَ سُنَّةً، قال [ابنُ المُنْذِرِ: كان] (٦) ابنُ عمرَ يُصَلِّى بالمُحَصَّبِ الظهرَ والعصرَ والمَغْرِبَ والعِشاءَ. وكان كَثِيرَ الاتِّبَاعِ لِرسولِ اللهِ ﷺ . وكان طاوُسٌ يُحَصِّبُ فى شِعْبِ الخُوزِ (٧). وكان سَعِيدُ بن جُبَيْرٍ يَفْعَلُه، ثمَّ تَرَكَهُ. وكان ابنُ عَبّاسٍ، وعائشةُ، لا يَرَيانِ ذلك سُنَّةً، قال ابنُ عَبَّاسٍ: التَّحْصِيبُ ليس بِشىءٍ، إنَّما هو مَنْزلٌ نَزَلَهُ رسولُ اللهِ ﷺ . وعن عائشةَ، أنَّ نُزُولَ الأَبْطَحِ ليس بِسُنَّةٍ، إنَّما نَزَلَهُ رسولُ اللهِ ﷺ ليكونَ أسْمَحَ لِخُرُوجِهِ إذا خَرَجَ. مُتَّفَقٌ عليهما (٨). ومَن اسْتَحَبَّ

стр. 2478

ذلك فلِاتِّباعِ رسولِ اللهِ ﷺ ، فإنَّه كان يَنْزِلُه، قال نَافِعٌ: كان ابنُ عمرَ يُصَلِّى بها الظهرَ والعصرَ والمغرِبَ والعِشاءَ، ويَهْجَعُ هَجْعَةً، ويَذْكُرُ ذلك عن رسولِ اللهِ ﷺ . مُتَّفَقٌ عليه (٩). وقال ابنُ عمرَ: كان رسولُ اللهِ ﷺ وأبو بكَرٍ، وعُمَرُ (١٠) وعثمانُ، يَنْزِلُونَ الأَبْطَحَ. قال التِّرْمِذِىُّ (١١): هذا حَدِيثٌ حَسَنٌ غَرِيبٌ. ولا خِلافَ فى أَنَّه ليس بِوَاجِبٍ ولا شىءَ على تَارِكِه. ٦٦٠ - مسألة؛ قال: (فَإذَا أَتَى مَكَّةَ لَم يَخْرُجْ حتَّى يُوَدِّعَ البَيْتَ، يَطُوفُ بِهِ سَبْعًا، ويُصَلِّي رَكْعَتَيْنِ إذَا فَرَغَ مِنْ جَمِيعِ أُمُورِهِ، حَتَّى يَكُونَ آخِرُ عَهْدِهِ بِالْبَيْتِ) وجُمْلَةُ ذلك أنَّ مَن أَتَى مَكَّةَ لا يَخْلُو؛ إمَّا أن يُرِيدَ الإِقامَةَ بها، أو الخُرُوجَ منها، فإن أقامَ بها، فلا وَدَاعَ عليه؛ لأنَّ الوَدَاعَ من المُفَارِقِ، لا من المُلَازِمِ، سَوَاءٌ نَوَى الإِقامَةَ قبلَ النَّفْرِ أو بعدَه. وبهذا قال الشَّافِعِىُّ. وقال أبو حنيفةَ: إن نَوَى الإِقامَةَ بعدَ أن حَلَّ له النَّفْرُ، لم يَسْقُطْ عنه الطَّوَافُ. ولا يَصِحُّ؛ لأنَّه غيرُ مُفَارِقٍ، فلا يَلْزَمُهُ وَدَاعٌ، كمَنْ نَوَاها قبلَ حلِّ النَّفْرِ، وإنَّما قال النَّبِىُّ ﷺ : "لا يَنْفِرَنَّ أحَدٌ حَتَّى يَكُونَ آخِرُ عَهْدِه بِالْبَيْتِ" (١). وهذا ليس بِنافِرٍ. فأمَّا

стр. 2479

الخَارِجُ من مَكَّةَ، فليس له أن يَخْرُجَ حتَّى يُوَدِّعَ البَيْتَ بِطوَافِ سَبْعٍ، وهو وَاجِبٌ، مَن تَرَكَهُ لَزِمَهُ دَمٌ. وبذلك قال الحسنُ، والحَكَمُ، وحَمَّادٌ، والثَّوْرِيُّ، وإسحاقُ، وأبو ثَوْرٍ. وقال الشَّافِعِىُّ، فى قَوْلٍ له: لا يَجِبُ بِتَرْكِه شىءٌ؛ لأنَّه يَسْقُطُ عن الحَائِضِ، فلم يَكُنْ وَاجِبًا، كطَوَافِ القُدُومِ، ولأنَّه كتَحِيَّةِ البَيْتِ، أشْبَهَ طَوافَ القُدُومِ. ولَنا، ما رَوَى ابنُ عَبَّاسٍ، قال: أُمِرَ النَّاسُ أنْ يَكُونَ آخِرُ عَهْدِهِمْ بِالبَيْتِ، إلَّا أنَّه خُفِّفَ عن المَرْأةِ الحائِضِ. مُتَّفَقٌ عليه (٢). ولِمُسْلِمٍ، قال: كان الناسُ يَنْصَرِفُونَ كلَّ وَجْهٍ، فقال رسولُ اللهِ ﷺ : "لَا يَنْفِرُ أحَدٌ حَتَّى يَكُونَ آخِرُ عَهْدِهِ بِالبَيْتِ". وليس فى سُقُوطِه عن المَعْذُورِ ما يُجَوِّزُ سُقُوطَهُ لِغَيْرِه، كالصلاةِ تَسْقُطُ عن الحَائِضِ، وتَجِبُ على غيرِها، بل تَخْصِيصُ الحائِضِ بإسْقَاطِهِ عنها دَلِيلٌ على وُجُوبِه على غَيْرِها، إذ لو كان سَاقِطًا عن الكُلِّ لم يَكُنْ لِتَخْصِيصِها بذلك مَعْنًى. وإذا ثَبَتَ وُجُوبُه، فإنَّه ليس بِرُكْنٍ، بغيرِ خِلَافٍ، ولذلك سَقَطَ عن الحَائِضِ، ولم يَسْقُطْ طَوافُ الزِّيَارَةِ، ويُسَمَّى طَوَافَ الوَدَاعِ، لأنَّه لِتَوْدِيعِ البَيْتِ، وطَوَافَ الصَّدْرِ، لأنَّه عندَ صُدُورِ النَّاسِ من مَكَّةَ. ووَقْتُه بعد فَراغِ المَرْءِ من جَمِيعِ أُمُورِه، لِيكونَ آخِرُ عَهْدِهِ بالبَيْتِ، على ما جَرَتْ به العَادَةُ فى تَوْدِيعِ المُسافِرِ إخْوَانَه وأهْلَهُ، ولذلك قال النَّبِىُّ ﷺ : "حَتَّى يَكُونَ آخِرُ عَهْدِه بِالبَيْتِ". فصل: ومَن كان مَنْزِلُه فى الحَرَمِ فهو كالمَكِّىِّ، لا وَدَاعَ عليه. ومَن (٣) كان

стр. 2480

مَنْزِلُه خَارِجَ الحَرَمِ، قَرِيبًا منه، فظاهِرُ كلامِ الخِرَقِىِّ أَنَّه لا يَخْرُجُ حتَّى يُوَدِّعَ البَيْتَ. وهذا قولُ أبي ثَوْرٍ، وقِياسُ قَوْلِ مَالِكٍ. ذَكَرَهُ ابنُ القاسِمِ. وقال أصْحابُ الرَّأْىِ، فى أهْلِ بُسْتان ابن عامِرٍ (٤)، وأهْلِ المَوَاقِيت: إنَّهم بِمَنْزِلَةِ أهْلِ مَكَّةَ فى طَوافِ الوَدَاعِ؛ لأنَّهم مَعْدُودُونَ من حَاضِرِى المَسْجِدِ الحَرَامِ، بِدَلِيلِ سُقُوطِ دَمِ المُتْعَةِ عنهم. ولَنا، عُمُومُ قَوْلِه ﷺ : "لَا يَنْفِرَنَّ أحَدٌ حَتَّى يَكُونَ آخِرُ عَهْدِهِ بِالبَيْتِ". ولأنَّه خَارِجٌ من مَكَّةَ، فَلَزِمَهُ التَّوْدِيعُ، كالبَعِيدِ. فصل: فإن أَخَّرَ طَوافَ الزِّيَارَةِ، فطَافَهُ عند الخُرُوجِ، ففيه رِوَايتانِ: إحْدَاهُما، يُجْزِئُه عن طَوافِ الوَدَاعِ؛ [لأنَّه أُمِرَ أن يَكُونَ آخِرُ عَهْدِهِ بِالبَيْتِ، وقد فَعَلَ، ولأنَّ ما شُرِعَ (٥) لِتَحِيَّةِ المَسْجِدِ أَجْزَأَ عنه الوَاجِبُ من جِنْسِه، كتَحِيَّةِ المَسْجِدِ بِرَكْعَتَيْنِ تُجْزِئُ عنهما المَكْتُوبَةُ، [ورَكْعتا الإِحْرامِ ورَكْعتا الطَّوافِ تُجْزِئُ عنهما المَكْتوبةُ] (٦). وعنه، لا يُجْزِئُه عن طَوَافِ الوَدَاعِ] (٧)، لأنَّهما عِبادَتانِ وَاجِبَتانِ، فلم تُجْزِ إحْدَاهما عن الأُخْرَى، كالصلاتَيْنِ الوَاجِبَتَيْنِ. ٦٦١ - مسألة؛ قال: (فَإنْ وَدَّعَ وَاشْتَغلَ فى تِجَارَةٍ، عَادَ فَوَدَّعَ، [ثُمَّ رَحَلَ] (١)) قد ذَكَرْنا أنَّ طَوافَ الوَدَاعِ إنَّما يكونُ عند خُرُوجِهِ، لِيكونَ آخِرُ عَهْدِه

стр. 2481

بِالبَيْتِ، فإن طافَ لِلْوَدَاعِ، ثمَّ اشْتَغَلَ بِتِجَارَةٍ أو إقَامَةٍ، فعليه إعَادَتُه. وبهذا قال عَطاءٌ، ومَالِكٌ، والثَّوْرِيُّ، والشَّافِعِىُّ، وأبو ثَوْرٍ. وقال أصْحابُ الرَّأْىِ: إذا طافَ لِلْوَدَاعِ، أو طَافَ تَطَوُّعًا بعدَ ما حَلَّ له النَّفْرُ، أجْزَأهُ عن طَوَافِ الوَدَاعِ، وإن أقَامَ شَهْرًا أو أكْثَرَ، لأنَّه طَافَ بعدَ ما حَلَّ له النَّفْرُ، فلم يَلْزَمْهُ إعَادَتُه، كما لو نَفَرَ عَقِيبَهُ. ولَنا، قَوْلُه ﵇: "لَا يَنْفِرَنَّ أحَدٌ حَتَّى يَكُونَ آخِرُ عَهْدِه بِالْبَيْتِ" (٢). ولأنَّه إذا أقَامَ بَعدَه، خَرَجَ عن أن يَكُونَ وَدَاعًا فى العَادَةِ، فلم يُجْزِهِ، كما لو طَافَهُ قبل حِلِّ النَّفْرِ. فأمَّا إن قَضَى حَاجَةً فى طَرِيقِه، أو اشْتَرَى زَادًا أو شيئًا لِنَفْسِه فى طَرِيقِه، لم يُعِدْه؛ لأنَّ ذلك ليس بإقامَةٍ تُخْرِجُ طَوَافَه عن أن يَكُونَ آخِرَ عَهْدِه بِالبَيْتِ، وبهذا قال مالِكٌ، والشَّافِعِىُّ، ولا نَعْلَمُ مُخَالِفًا لهما. ٦٦٢ - مسألة؛ قال: (فَإِنْ خرَجَ قَبْلَ الوَدَاعِ، رَجَعَ إنْ كَانَ بالقُرْبِ، وَإنْ بَعُدَ (١)، بَعَثَ بِدَمٍ) هذا قَوْلُ عَطاءٍ، والثَّوْرِىِّ، والشَّافِعِىِّ، وإسحاقَ، وأبِى ثَوْرٍ. والقَرِيبُ هو الذى بَيْنَهُ وبين مَكَّةَ دُونَ مَسافَةِ القَصْرِ. والبَعِيدُ مَن بَلَغَ مَسَافَةَ القَصْرِ. نَصَّ عليه أحمدُ. وهو قَوْلُ الشَّافِعِىِّ. وكان عَطاءٌ يَرَى الطَّائِفَ قَرِيبًا. وقال الثَّوْرِىُّ: حَدُّ ذلك الحَرَمُ، فمَن كان فى الحَرَمِ فهو قَرِيبٌ، ومن خَرَجَ منه فهو بَعِيدٌ. ووَجْهُ القَوْلِ الأوَّلِ، أنَّ مَنْ دُونَ مَسافَة القَصْرِ فى حُكْمِ الحَاضِرِ، فى أنَّه لا يَقْصُرُ ولا يُفْطِرُ، ولذلك عَدَدْنَاهُ من حَاضِرِى المَسْجِدِ الحَرامِ، وقد رُوِىَ أن عُمَرَ رَدَّ رَجُلًا من مُرٍّ (٢) إلى مَكَّةَ، لِيكونَ آخِرُ عَهْدِهِ بِالْبَيْتِ. رَوَاه سَعِيدٌ. ومَن (٣) لم يُمْكِنْه

стр. 2482

الرُّجُوعُ لِعُذْرٍ، فهو كالبَعِيدِ. ولو لم يَرْجِعِ القَرِيبُ الذى يُمْكِنُه الرُّجُوعُ، لم يَكُنْ عليه أَكْثَرُ من دَمٍ. ولا فَرْقَ بين (٤) مَن تَرَكَه عَمْدًا أو خَطَأً، لِعُذْرٍ أو غيرِهِ؛ لأنَّه من وَاجِبَاتِ الحَجِّ، فاسْتَوَى عَمْدُه وخَطَؤُه، والمَعْذُورُ وغيرُه، كسَائِرِ وَاجِبَاتِه. فإن رَجَعَ البَعِيدُ، فطافَ لِلْوَدَاعِ، فقال القاضى: لا يَسْقُطُ عنه الدَّمُ؛ لأنَّه قد اسْتَقَرَّ عليه الدَّمُ بِبُلُوغِه مَسَافَةَ القَصْرِ، فلم تَسْقُطْ بِرُجُوعِه، كمَنْ تَجَاوَزَ المِيقاتَ غيرَ مُحْرِمٍ، فأَحْرَمَ دُونَهُ، ثمَّ رَجَعَ إليه. وإن رَجَعَ القَرِيبُ، فطافَ، فلا دَمَ عليه، سَواءٌ كان مِمَّنْ له عُذْرٌ يُسْقِطُ عنه الرُّجُوعَ أوْ لا؛ لأنَّ الدَّمَ لم يَسْتَقِرَّ عليه، لِكَوْنِه فى حُكْمِ الحَاضِرِ. ويَحْتَمِلُ سُقُوطَ الدَّمِ عن البَعِيدِ بِرُجُوعِه؛ لأَنَّه وَاجِبٌ أَتَى به، فلم يَجِبْ عليه بَدَلُه، كالقَرِيبِ. فصل: إذا رَجَعَ البَعِيدُ، فيَنْبَغِى أن لا يجوزَ له تَجَاوُزُ المِيقَاتِ، إن كان جَاوَزَهُ، إلَّا مُحْرِمًا؛ لأنَّه ليس من أهْلِ الأعْذَارِ، فيَلْزَمُه طَوافٌ لإحْرَامِه بِالعُمْرَةِ والسَّعْىِ، وطَوَافٌ لِوَدَاعِه، وفى سُقُوطِ الدَّمِ عنه ما ذَكَرْنَا من الخِلَافِ. وإن كان (٥) دونَ المِيقَاتِ، أحْرَمَ من مَوْضِعِه. فأَمَّا أن رَجَعَ القَرِيبُ، فظَاهِرُ قَوْلِ من ذَكَرْنَا قولَه، أَنَّه لا يَلْزَمُه إحْرَامٌ؛ لأنَّه رَجَعَ لإِتْمَامِ نُسُكٍ مَأْمُورٍ به، فأَشْبَه مَن رَجَعَ لِطَوافِ الزِّيَارَةِ. [فأمَّا إنْ] (٦) وَدَّعَ وخَرَجَ، ثمَّ دَخَلَ مكَّةَ لحاجَةٍ، فقال أحمدُ: أحَبُّ إلىَّ ألَّا يَدْخُلَ إلَّا مُحْرِمًا، وأحَبُّ إليَّ (٧) إذا خَرَجَ أن يُوَدِّعَ البَيْتَ بِالطَّوَافِ. وهذا لأنَّه لم يَدْخُلْ لإِتْمَامِ النُّسُكِ، إنَّما دَخَلَ لحَاجَةٍ غيرِ مُتَكَرِّرَةٍ، فأَشْبَهَ مَن يَدْخُلُها لِلإِقامَةِ بها.

стр. 2483

٦٦٣ - مسألة؛ قال: (والمَرأَةُ إذَا حَاضَتْ قَبْلَ أنْ تُوَدِّعَ، خرَجَتْ، وَلَا وَدَاعَ عَلَيْهَا، ولَا فِدْيَةَ) هذا قولُ عَامَّةِ فُقَهاءِ الأمْصارِ. وقد رُوِىَ عن عمرَ وابْنِه أنَّهما أمَرَا الحَائِضَ بالمُقَامِ لِطَوافِ الوَدَاعِ، وكان زيدُ بنُ ثَابِتٍ يقولُ به، ثمَّ رَجَعَ عنه، فرَوَى مُسْلِمٌ (١)، أنَّ زيدَ بنَ ثَابِتٍ خَالَفَ ابنَ عَبَّاسٍ فى هذا، قال طَاوُسٌ: كنتُ مع ابنِ عَبَّاسٍ إذْ قال زَيْدُ بن ثَابِتٍ: تُفْتِى أنْ (٢) تَصْدُرَ الحَائِضُ قبلَ أن يَكُونَ آخِرُ عَهْدِها بالبَيْتِ! فقال له ابنُ عَبَّاسٍ: إمَّا لا فاسْأَلْ (٣) فُلَانَةَ الأنْصَارِيَّةَ، هل أمَرَها رَسولُ اللهِ ﷺ بذلك؟ قال: فرَجَعَ زيدٌ إلى ابنِ عَبّاسٍ يَضْحَكُ، وهو يقول: ما أَرَاكَ إلَّا قد صَدَقْتَ. وَرُوِىَ عن ابنِ عمرَ، أَنَّه رَجَعَ إلى قَوْلِ الجَمَاعَةِ أيضًا. وقد ثَبَتَ التَّخْفِيفُ عن الحَائِضِ بحَدِيثِ صَفِيَّة، حين قالُوا: يا رسولَ اللهِ، إنَّها حَائِضٌ. فقال: "أحَابِسَتُنَا هِىَ؟ ". قالوا: يا رسولَ اللَّه، إنَّها قد أفَاضَتْ يومَ النَّحْرِ. قال: "فَلْتَنْفِرْ إذًا" (٤). [ولم يأْمُرْها] (٥) بِفِدْيَةٍ ولا غيرِها. وفى حَدِيثِ ابنِ عَبَّاسٍ: إلَّا أنَّه خَفَّفَ عن المَرْأَةِ الحَائِضِ (٦). والحُكْمُ فى النُّفَسَاءِ كالحُكْمِ فى الحَائِضِ؛ لأنَّ أحْكامَ النِّفَاسِ أحْكامُ الحَيْضِ، فيما يُوجِبُ ويُسْقِطُ. فصل: وإذا نَفَرَتِ الحَائِضُ بغيرِ وَدَاعٍ، فطَهُرَتْ قبلَ مُفَارَقَةِ البُنْيانِ، رَجَعَتْ فَاغْتَسَلَتْ وَوَدَّعَتْ؛ لأنَّها فى حُكْمِ الإِقَامَةِ، بِدَلِيلِ أَنَّها لا تَسْتَبِيحُ

стр. 2484

الرُّخَصَ. فإن لم يُمْكِنْهَا الإِقامَةُ، فمَضَتْ، أو مَضَتْ لغير عُذْرٍ، فعليها دَمٌ. وإن فَارَقَتِ البُنْيَانَ، لم يَجِبِ الرُّجُوعُ، [لأنَّها قد خرَجتْ عن حُكمِ الحاضِرِ. فإن قيل: فلم لا يجبُ الرُّجوعُ] (٧) إذا كانت قَرِيبَةً، كالخَارِجِ من غير عُذْرٍ؛ قُلْنَا: هُناكَ تَرَكَ وَاجِبًا، فلم يَسْقُطْ بخُرُوجِه، حتَّى يَصِيرَ (٨) إلى مَسَافَة القَصْرِ، لأنَّه يكونُ إنْشَاءَ سَفَرٍ طَوِيلٍ غيرِ الأَوَّلِ، وهاهنا لم يَكُنْ وَاجِبًا، ولا يَثْبُتُ وُجُوبُه ابْتِدَاءً إلَّا فى حَقِّ مَن كان مُقِيمًا. فصل: ويُسْتَحَبُّ أن يَقِفَ المُوَدِّعُ فى المُلْتَزَمِ، وهو ما بين الرُّكْنِ والبَابِ، فَيَلْتَزِمَهُ، ويُلْصِقَ به صَدْرَهُ وَوَجْهَهُ، ويَدْعُوَ اللهَ ؛ لما رَوَى أبو دَاوُدَ (٩)، عن عَمْرِو بنِ شُعَيْبٍ، عن أبِيهِ، [عن جَدِّهِ] (١٠)، قال: طُفْتُ مع عَبْدِ اللهِ، فلمَّا جاءَ دُبُرَ الكَعْبَةِ، قلتُ: ألَا تَتَعَوَّذُ؟ قال: نَعُوذُ بِاللهِ من النَّارِ. ثمَّ مَضَى حتَّى اسْتَلَمَ الحَجَرَ، فقامَ بين الرُّكْنِ والبَابِ، فوَضَعَ صَدْرَهُ وَوَجْهَهُ وذِرَاعَيْهِ وكَفَّيْهِ هكذا -وبَسَطَهَا بَسْطًا (١١) - وقال: هكذا رأيتُ رسولَ اللهِ [ ﷺ يَفْعَلُه. وعن عبدِ الرحمنِ بن صَفْوَانَ، قال: لمَّا فَتَحَ رسولُ اللهِ ﷺ مَكَّةَ، انْطَلَقْتُ فرأيتُ رسولَ اللهِ ﷺ قد خَرَجَ من الكَعْبَةِ، هو وأَصْحَابُه، قد اسْتَلَمُوا الرُّكْنَ من البَابِ إلى الحَطِيمِ، ووَضَعُوا خُدُودَهم على البَيْتِ، ورسولُ اللهِ ﷺ ] (١٢) وَسَطهم. رَوَاهُ أبو دَاوُدَ (١٣). وقال منصورٌ: سألتُ مُجاهِدًا: إذا أرَدْتُ الوَدَاعَ، كيف أصْنَعُ؟ قال: تَطُوفُ بِالبَيْتِ سَبْعًا، وتُصَلِّى رَكْعَتَيْنِ خَلْفَ

стр. 2485

المَقَامِ، ثمَّ تَأْتِى زَمْزَمَ فتَشْرَبُ [من مَائِها] (١٤)، ثمَّ تَأْتِى المُلْتَزَمَ ما بين الحَجَرِ والبَابِ، فتَسْتَلِمُه، ثمَّ تَدْعُو، ثمَّ تَسْأَلُ (١٥) حَاجَتَكَ، [ثم تَسْتَلِمُ الحَجَرَ، وتَنْصَرِفُ] (١٦). وقال بعضُ أصْحَابِنا: ويقولُ فى دُعَائِه: اللَّهُمَّ هذا بَيْتُكَ، وأنا عَبْدُكَ، وابنُ عَبْدِكَ، حَمَلْتَنِى على ما سَخَّرْتَ لى من خَلْقِكَ، وسَيَّرْتَنِى فى بِلَادِكَ حتَّى بَلَّغْتَنِى بِنِعْمَتِكَ إلى بَيْتِكَ، وأعَنْتَنِى على أدَاءِ نُسُكِى، فإنْ كُنْتَ رَضِيتَ عَنِّى، فازْدَدْ عَنِّى رضًا، وإلَّا فمِنَ الآن قبلَ أن تَنْأَى عن بَيْتِكَ دَارِى، فهذا (١٧) أوَانُ انْصِرَافِى إن أَذِنْتَ لى، غيرَ مُسْتَبْدِلٍ بك ولا ببَيْتِكَ، ولا رَاغِبٍ عنك ولا عن بَيْتِكَ، اللَّهُمَّ فَأَصْحِبْنِى العَافِيَةَ فى بَدَنِى، والصِّحَّةَ فى جِسْمى، والعِصْمَةَ فى دِينى، وأَحْسِنْ مُنْقَلَبِى، وارْزُقْنِى طَاعَتَكَ أبَدًا (١٨) ما أبْقَيْتَنِى، واجْمَعْ لى بين خَيْرَىِ (١٩) الدُّنْيَا والآخِرَةِ، إنَّكَ على كُلِّ شَىْءٍ قَدِيرٌ. وعن طَاوُسٍ قال: رأيتُ أعْرَابِيًّا أَتَى المُلْتَزَمَ، فتَعَلَّقَ بأَسْتارِ الكَعْبَةِ، فقال: بك أعُوذُ، وبِكَ أَلُوذُ، اللَّهُمَّ فاجْعَل لى فى اللَّهَفِ إلى جُودِكَ، والرِّضَا بِضَمَانِكَ، مَنْدُوحًا عن مَنْعِ البَاخِلِينَ، وغِنًى عَمَّا فى أَيْدى المُسْتَأْثِرِينَ، اللَّهُمَّ بِفَرَجِكَ القَرِيبِ، ومَعْرُوفِكَ القَدِيمِ، وعَادَتِكَ الحَسَنَةِ. ثمَّ أضَلَّنِى فى النّاسِ، فألْفَيْتُه (٢٠) بِعَرَفَاتٍ قَائِمًا (١٨)، وهو

стр. 2486

يقولُ: اللَّهُمَّ إن كُنْتَ لم تَقْبَلْ حَجَّتِى وَتَعَبِى ونَصَبِى، فلا تَحْرِمْنِى أَجْرَ المُصابِ على مُصِيبَتِه (٢١)، فلا أعلمُ أعْظَمَ مُصيبَةً مِمَّن وَرَدَ حَوْضَكَ، وانْصَرفَ (٢٢) مَحْرُومًا من وَجْهِ رَغْبَتِكَ (٢٣). وقال آخَرُ: يا خَيْرَ مَوْفُودٍ إليه، قد ضَعُفَتْ قُوَّتِى، وذَهَبَتْ مُنَّتِى (٢٤)، وأَتَيْتُ إليكَ بِذُنُوبٍ لا تَغْسِلُها البِحارُ، أسْتَجِيرُ برِضَاك مِن سَخَطِكَ، وبِعَفْوِكَ مِن عُقُوبَتِكَ، رَبِّ ارْحَمْ مَن شَمِلَتْهُ الخَطايَا، وغَمَرَتْهُ الذُّنوبُ، وظَهَرَتْ منه العُيوبُ، ارْحَمْ أسِيرَ ضُرٍّ، وطَرِيدَ فَقْرٍ، أسْأَلُكَ أن تَهَبَ لى عَظيمَ جُرْمِى، يا مُسْتَزادًا من نِعَمِهِ، ومُسْتَعاذًا من نِقَمِه، ارْحَمْ صَوْتَ حَزِينٍ دَعَاكَ بِزَفِيرٍ وشَهِيقٍ، اللَّهُمَّ إن كُنْتُ بَسَطْتُ إليك يَدَيَّ دَاعِيًا، فطَالَما كَفَيْتَنِى سَاهِيًا، فَبِنِعْمَتِكَ التى تَظَاهَرَتْ عَلَىَّ عندَ الغَفْلَةِ، لا أَيْأَسُ منها عندَ التَّوْبَةِ، فلا تَقْطَعْ رَجَائِى منك لِمَا قَدَّمْتُ من اقْتِرَافٍ، وَهَبْ لىَ الإصْلاحَ فى الوَلَدِ، والأمْنَ فى البَلَدِ، والعَافِيَةَ فى الجَسَدِ، إنَّك سَمِيعٌ مُجِيبٌ، اللَّهُمَّ إنَّ لك عَلَىَّ حُقُوقًا، فتَصَدَّقْ بها عَلَىَّ، ولِلنَّاسِ قِبَلِى تَبِعاتٍ فتَحَمَّلْهَا عَنِّى، وقد أَوْجَبْتَ لِكُلِّ ضَيْفٍ قِرًى، وأنا ضَيْفُكَ اللَّيْلةَ، فاجْعَلْ قِرَاىَ الجَنَّة، اللَّهُمَّ إنَّ سَائِلَكَ عندَ بَابِكَ، من ذَهَبَتْ أيَّامُه، [وبَقِيَتْ آثامُه] (٢٥)، وانْقَطَعَتْ شَهْوَتُه، وبَقِيَتْ تَبِعَتُه، فَارْضَ عنه، وإن لم تَرْضَ عنه فاعْفُ عنه، فقد يَعْفُو السَّيِّدُ عن عَبْدِه، وهو عنه غيرُ رَاضٍ. ثمَّ يُصَلِّى على النَّبىِّ ﷺ . والمَرأةُ إذا كانت حَائِضًا لم تَدْخُل المسجدَ، ووَقَفتْ عندَ (٢٦) بَابِه، فدَعَتْ بذلك. فصل: قال أحمدُ: إذا وَدَّعَ البَيْتَ، يقومُ عندَ البَيْتِ إذا خَرَجَ ويَدْعُو

стр. 2487

اللهَ (٢٧)، فإذا وَلَّى لا يَقِفُ ولا يَلْتَفِتُ، فإن الْتَفَتَ رَجَعَ فَوَدَّعَ. ورَوَى حَنْبَلٌ، فى "مَنَاسِكِه" عن المُهَاجِرِ (٢٨)، قال: قلتُ لِجَابِرِ بن عبدِ اللهِ: الرجلُ يَطُوفُ بِالبَيْتِ، ويُصَلِّى، فإذا انْصَرَفَ (٢٩) خَرَجَ، ثمَّ اسْتَقْبَلَ القِبْلَةَ فقامَ؟ فقال: ما كُنْتُ أحسَبُ يصنعُ هذا إلَّا (٣٠) اليَهُودُ والنَّصَارَى. قال أبو عبدِ اللهِ: أكْرَهُ ذلك. وقولُ أبي عبد اللَّه: إن الْتَفَتَ رَجَعَ فوَدَّعَ. على سَبِيلِ الاسْتِحْبَابِ، إذْ لا نعلم لإِيجاب ذلك عليه دليلًا، وقد قال مُجَاهِدٌ: إذا كِدْتَ تَخْرُجُ من بَابِ المَسْجِدِ فالْتَفِتْ، ثمَّ انْظُرْ إلى الكَعْبَةِ، ثمَّ قُلْ: اللَّهُمَّ لا تَجْعَلْهُ آخِرَ العَهْدِ. ٦٦٤ - مسألة؛ قال: (ومَنْ تَرَك طَوَافَ الزِّيَارَةِ، رَجَعَ مِنْ بَلَدِه حَرَامًا حَتَّى يَطُوفَ بِالْبَيْتِ) وجُمْلَةُ ذلك أنَّ طَوافَ الزِّيَارَةِ رُكْنُ الحَجِّ، لا يَتِمُّ إلَّا به. ولا يَحِلُّ من إحْرَامِهِ حتَّى يَفْعَلَهُ، فإن رجع إلى بَلَدِه قبلَه، لم يَنْفَكَّ إحْرَامُه، ورَجَعَ متى أمْكَنَه مُحْرِمًا، لا يُجْزِئُه غيرُ ذلك. وبذلك قال عَطاءٌ، والثَّوْرِىُّ، ومَالِكٌ، والشَّافِعِىُّ، وإسحاقُ، وأبو ثَوْرٍ، وأصْحابُ الرَّأْىِ، وابنُ المُنْذِرِ. وقال الحسنُ: يَحُجُّ من العَامِ المُقْبِلِ. وحُكِىَ نَحْوُ ذلك عن عَطاءٍ قَوْلًا ثَانِيًا. وقال: يَأْتِى عامًا قابِلًا مِن حَجٍّ أو عُمْرَةٍ. ولَنا، قَوْلُ النَّبِىِّ ﷺ ، حِينَ ذُكِرَ له أنَّ صَفِيَّةَ حاضَتْ، قال: "أحَابِسَتُنَا هِىَ؟ " قيل: إنَّها قد أفاضَتْ يومَ النَّحْرِ. قال: "فَلْتَنْفِرْ إذًا" (١). يَدُلُّ على أنَّ هذا الطَّوافَ لا بُدَّ منه، وأَنَّه حابِسٌ لِمَنْ لم يَأْتِ به. فإنْ نَوَى التَّحَلُّلَ، ورَفَضَ إحْرَامَه، لم يَحِلَّ بذلك؛ لأنَّ الإحْرامَ لا يُخْرَجُ منه بِنِيَّةِ الخُرُوجِ، ومتى رَجَعَ إلى مَكَّةَ، فطَافَ بِالْبَيْتِ، حَلَّ بِطَوافِه؛ لأنَّ الطَّوَافَ لا يَفُوتُ وَقتُه، على ما أسْلَفْناهُ.

стр. 2488

فصل: فإن تَرَكَ بعضَ الطَّوَافِ، فهو كما لو تَرَكَ جَمِيعَه، فيما ذَكَرْنَا. وسَوَاءٌ تَرَكَ شَوْطًا أو أقَلَّ أو أَكْثَرَ. وهذا قولُ عَطاءٍ، ومَالِكٍ، والشَّافِعِىِّ، وإسحاقَ، وأبي ثَوْرٍ. وقال أصْحابُ الرَّأْىِ: مَن طافَ أرْبَعَةَ أشْوَاطٍ مِن طَوافِ الزِّيَارَةِ، أو طَوَافِ العُمْرَةِ، وسَعَى بين الصَّفَا والمَرْوَةِ، ثمَّ رجع إلى الكُوفَة، إنَّ سَعْيَهُ يُجْزِئُه، وعليه دَمٌ؛ لما تَرَكَ من الطَّوافِ بِالبَيْتِ. ولَنا، أنَّ ما أتَى به لا يُجْزِئُه إذا كان بِمَكَّةَ، فلا يُجْزِئُه إذا خرج منها، كما لو طافَ دون الأرْبَعَة أشْوَاطٍ (٢). فصل: وإذا تَرَكَ طَوافَ الزِّيارَةِ، بعدَ رَمْىِ جَمْرَةِ العَقَبَةِ، فلم يَبْقَ مُحْرِمًا إلَّا عن النِّساءِ خَاصَّةً؛ لأَنَّه قد حَصَلَ (٣) له التَّحَلُّلُ الأوَّلُ بِرَمْىِ جَمْرَةِ العَقَبَةِ، [فلم يَبْقَ مُحْرِمًا إلَّا عن النِّساءِ خَاصَّةً] (٤). وإن وَطِئَ لم يَفْسُدْ حَجُّهُ، ولم تَجِبْ عليه بَدَنَةٌ، لكن عليه دَمٌ، ويُجَدِّدُ إحْرَامَه لِيَطُوفَ فى إحْرَامٍ صَحِيحٍ. قال أحْمدُ: مَن طافَ لِلزِّيارَةِ، أو اخْتَرَق الحِجْرَ فى طَوَافِه، ورَجَعَ إلى بَغْدَادَ، فإنَّه يَرْجِعُ؛ لأنَّه على بَقِيَّةِ إحْرَامِهِ، فإن وَطِئ النِّساءَ، أحْرَمَ من التَّنْعِيمِ، على حَدِيثِ ابن عَبَّاسٍ (٥) وعليه دَمٌ. وهذا كما قُلْنَا. ٦٦٥ - مسألة؛ قال: (وَإِنْ كَانَ طَافَ لِلْوَدَاعِ، لَمْ يُجْزِئْهُ لِطَوَافِ الزِّيارَةِ) وإنَّما لم يُجْزِئْهُ عن طَوافِ الزِّيَارَةِ؛ لأنَّ تَعْيِينَ النِّيَّةِ شَرْطٌ فيه، على ما ذَكَرْنَا، فمَن طافَ لِلْوَدَاعِ، فلم يُعَيِّن النِّيَّةَ له، فلذلك (١) لم يَصِحَّ.

стр. 2489

٦٦٦ - مسألة؛ قال: (ولَيْسَ فِى عَمَلِ الْقَارِنِ زَيادَةٌ على عَمَلِ المُفْرِدِ، إلَّا أنَّ عَلَيْهِ دَمًا، فإنْ لَمْ يَجِدْ صَامَ ثَلَاثَةَ أيَّامٍ، آخِرُها يَوْمُ عَرَفَةَ، وسَبْعَةً (١) إذَا رَجَعَ) المَشْهورُ عن أحمدَ، أنَّ القَارِنَ بين الحَجِّ والعُمْرَةِ، لا يَلْزَمُه من العَمَلِ إلَّا ما يَلْزَمُ المُفْرِدَ، وأَنَّه يُجْزِئُه طَوافٌ وَاحِدٌ، وسَعْىٌ وَاحِدٌ، لِحَجِّه وعُمْرَتِه. نَصَّ عليه فى رِوايَةِ جَمَاعَةٍ من أصْحابِه. وهذا قولُ ابْنِ عمرَ، وجابرِ بن عبدِ اللهِ (٢)، وبه قال عَطاءٌ، وطاوُسٌ، ومُجاهِدٌ، ومَالِكٌ، والشَّافِعِىُّ، وإسحاقُ، وأبو ثَوْرٍ، وابنُ المُنْذِرِ. وعن أحمدَ رِوَايَةٌ ثانيةٌ، أنَّ عليه طَوافَيْنِ وسَعْيَيْنِ. ويُرْوَى ذلك عن الشَّعْبِىِّ، وجابِرِ بن زيدٍ، وعبدِ الرحمنِ بن الأَسْوَدِ. وبه قال الثَّوْرِىُّ، والحسنُ بن صالِحٍ، وأصْحابُ الرَّأْىِ. وقد رُوِىَ عن عليٍّ، ولم يَصِحَّ عنه. واحْتَجَّ بعضُ مَن اخْتارَ ذلك بِقَوْلِ اللهِ تعالى: ﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ﴾ (٣). وتَمَامُهما، أن يَأْتِىَ بِأفْعالِهما على الكَمالِ، ولم يُفَرِّقْ بين القَارِنِ وغيرِه. ورُوِىَ عن النَّبِيِّ ﷺ أنَّه قال: "مَنْ جَمَعَ بَيْنَ الْحَجِّ والْعُمْرَةِ فَعَلَيْهِ طَوَافَانِ" (٤). ولأنَّهما نُسُكانِ، فكان لهما طَوافانِ، كما لو كانا مُنْفَرِدَيْنِ. ولَنا، ما رُوِىَ عن عائشةَ، رَضِىَ اللهُ عنها، أنَّها قالت: وأمَّا الَّذِينَ كانوا جَمَعُوا بين الحَجِّ والعُمْرَةِ، فإنَّما (٥) طافُوا لهما طَوافًا واحدًا. مُتَّفَقٌ عليه (٦). وفى مُسْلِمٍ (٧)، أنَّ النَّبِىَّ ﷺ قال لِعائشةَ، لمَّا

стр. 2490

قَرَنَتْ بين الحَجِّ والعُمْرَةِ: "يَسَعُكِ طَوَافُكِ لِحَجِّكِ وعُمْرَتِكِ". وعن ابنِ عمرَ، قال: قال رسولُ اللهِ ﷺ : "مَنْ أَحْرَمَ بِالْحَجِّ والعُمْرَةِ، أجْزَأَةُ طَوَافٌ وَاحِدٌ، وسَعْىٌ واحِدٌ مِنْهُمَا (٨) جَمِيعًا". وعن جابِرٍ، أنَّ النَّبِىَّ ﷺ قَرَنَ بين الحَجِّ والعُمْرَةِ، فطافَ لهما طَوافًا واحدًا. رَوَاهُما التِّرْمِذِىُّ (٩)، وقال فى كلِّ وَاحِدٍ (١٠) منهما: حَدِيثٌ حَسَنٌ. ورَوَى لَيْثٌ، عن طَاوُسٍ، وعَطاءٍ، ومُجاهِدٍ، عن جابِرٍ، وابنِ عمرَ، وابنِ عَبَّاسٍ، أنَّ رسولَ اللهِ ﷺ لم يَطُفْ بِالبَيْتِ (١١) هو وأصْحَابُه لِعُمْرَتِهِمْ وحَجِّهِمْ إلَّا طَوَافًا وَاحِدًا. رَوَاهُ الأثْرَمُ، وابنُ مَاجَه (١٢). وعن سَلَمَةَ، قال: حَلَفَ طاوُسٌ، ما طافَ أحَدٌ من أصْحَابِ محمدٍ ﷺ لِلْحَجِّ والعُمْرَةِ إلَّا طَوافًا واحدًا. ولأنَّه نَاسِكٌ يَكْفِيهِ حَلْقٌ (١٣) وَاحِدٌ، وَرَمْىٌ واحِدٌ، فكَفَاهُ طَوافٌ وَاحِدٌ، وسَعْىٌ واحِدٌ، كالمُفْرِدِ، ولأنَّهما عِبادَتانِ من جِنْسٍ واحدٍ، فإذا اجْتَمَعَتَا (١٤) دَخَلَتْ أفْعالُ الصُّغْرَى فى الكُبْرَى، كالطَّهَارَتَيْنِ. وأمَّا الآيةُ، فإنَّ الأفْعالَ إذا وَقَعَتْ لهما فقد تَمَّا. وأمَّا الحَدِيثُ الذى احْتَجُّوا به، فلا نَعْلَمُ صِحَّتَهُ، ورَوَاهُ الدَّارَقُطْنِىُّ مِن طُرُقٍ ضَعِيفَةٍ، فى بَعْضِها الحسنُ بن عُمارَةَ، وفى بعضِها عمرُ بن يَزِيدَ، وفى بعضِها حَفْصُ بن أبي دَاوُدَ، وكلُّهم ضُعَفاءُ، وكفَى به ضَعْفًا مَخالَفتُه (١٥) لما رَوَيْنَا من الأحادِيثِ الصَّحِيحَةِ. وإن صَحَّ، فيَحْتَمِلُ أنَّه اُرادَ:
следующие страницы →