← Фикх ханбали

Фикх ханбали · id 6910

المغني لابن قدامة - ت التركي

ابن قدامة

Полный текст (7 955 стр.). Показаны 2486–2525 · переход к 2491.

стр. 2486

يقولُ: اللَّهُمَّ إن كُنْتَ لم تَقْبَلْ حَجَّتِى وَتَعَبِى ونَصَبِى، فلا تَحْرِمْنِى أَجْرَ المُصابِ على مُصِيبَتِه (٢١)، فلا أعلمُ أعْظَمَ مُصيبَةً مِمَّن وَرَدَ حَوْضَكَ، وانْصَرفَ (٢٢) مَحْرُومًا من وَجْهِ رَغْبَتِكَ (٢٣). وقال آخَرُ: يا خَيْرَ مَوْفُودٍ إليه، قد ضَعُفَتْ قُوَّتِى، وذَهَبَتْ مُنَّتِى (٢٤)، وأَتَيْتُ إليكَ بِذُنُوبٍ لا تَغْسِلُها البِحارُ، أسْتَجِيرُ برِضَاك مِن سَخَطِكَ، وبِعَفْوِكَ مِن عُقُوبَتِكَ، رَبِّ ارْحَمْ مَن شَمِلَتْهُ الخَطايَا، وغَمَرَتْهُ الذُّنوبُ، وظَهَرَتْ منه العُيوبُ، ارْحَمْ أسِيرَ ضُرٍّ، وطَرِيدَ فَقْرٍ، أسْأَلُكَ أن تَهَبَ لى عَظيمَ جُرْمِى، يا مُسْتَزادًا من نِعَمِهِ، ومُسْتَعاذًا من نِقَمِه، ارْحَمْ صَوْتَ حَزِينٍ دَعَاكَ بِزَفِيرٍ وشَهِيقٍ، اللَّهُمَّ إن كُنْتُ بَسَطْتُ إليك يَدَيَّ دَاعِيًا، فطَالَما كَفَيْتَنِى سَاهِيًا، فَبِنِعْمَتِكَ التى تَظَاهَرَتْ عَلَىَّ عندَ الغَفْلَةِ، لا أَيْأَسُ منها عندَ التَّوْبَةِ، فلا تَقْطَعْ رَجَائِى منك لِمَا قَدَّمْتُ من اقْتِرَافٍ، وَهَبْ لىَ الإصْلاحَ فى الوَلَدِ، والأمْنَ فى البَلَدِ، والعَافِيَةَ فى الجَسَدِ، إنَّك سَمِيعٌ مُجِيبٌ، اللَّهُمَّ إنَّ لك عَلَىَّ حُقُوقًا، فتَصَدَّقْ بها عَلَىَّ، ولِلنَّاسِ قِبَلِى تَبِعاتٍ فتَحَمَّلْهَا عَنِّى، وقد أَوْجَبْتَ لِكُلِّ ضَيْفٍ قِرًى، وأنا ضَيْفُكَ اللَّيْلةَ، فاجْعَلْ قِرَاىَ الجَنَّة، اللَّهُمَّ إنَّ سَائِلَكَ عندَ بَابِكَ، من ذَهَبَتْ أيَّامُه، [وبَقِيَتْ آثامُه] (٢٥)، وانْقَطَعَتْ شَهْوَتُه، وبَقِيَتْ تَبِعَتُه، فَارْضَ عنه، وإن لم تَرْضَ عنه فاعْفُ عنه، فقد يَعْفُو السَّيِّدُ عن عَبْدِه، وهو عنه غيرُ رَاضٍ. ثمَّ يُصَلِّى على النَّبىِّ ﷺ . والمَرأةُ إذا كانت حَائِضًا لم تَدْخُل المسجدَ، ووَقَفتْ عندَ (٢٦) بَابِه، فدَعَتْ بذلك. فصل: قال أحمدُ: إذا وَدَّعَ البَيْتَ، يقومُ عندَ البَيْتِ إذا خَرَجَ ويَدْعُو

стр. 2487

اللهَ (٢٧)، فإذا وَلَّى لا يَقِفُ ولا يَلْتَفِتُ، فإن الْتَفَتَ رَجَعَ فَوَدَّعَ. ورَوَى حَنْبَلٌ، فى "مَنَاسِكِه" عن المُهَاجِرِ (٢٨)، قال: قلتُ لِجَابِرِ بن عبدِ اللهِ: الرجلُ يَطُوفُ بِالبَيْتِ، ويُصَلِّى، فإذا انْصَرَفَ (٢٩) خَرَجَ، ثمَّ اسْتَقْبَلَ القِبْلَةَ فقامَ؟ فقال: ما كُنْتُ أحسَبُ يصنعُ هذا إلَّا (٣٠) اليَهُودُ والنَّصَارَى. قال أبو عبدِ اللهِ: أكْرَهُ ذلك. وقولُ أبي عبد اللَّه: إن الْتَفَتَ رَجَعَ فوَدَّعَ. على سَبِيلِ الاسْتِحْبَابِ، إذْ لا نعلم لإِيجاب ذلك عليه دليلًا، وقد قال مُجَاهِدٌ: إذا كِدْتَ تَخْرُجُ من بَابِ المَسْجِدِ فالْتَفِتْ، ثمَّ انْظُرْ إلى الكَعْبَةِ، ثمَّ قُلْ: اللَّهُمَّ لا تَجْعَلْهُ آخِرَ العَهْدِ. ٦٦٤ - مسألة؛ قال: (ومَنْ تَرَك طَوَافَ الزِّيَارَةِ، رَجَعَ مِنْ بَلَدِه حَرَامًا حَتَّى يَطُوفَ بِالْبَيْتِ) وجُمْلَةُ ذلك أنَّ طَوافَ الزِّيَارَةِ رُكْنُ الحَجِّ، لا يَتِمُّ إلَّا به. ولا يَحِلُّ من إحْرَامِهِ حتَّى يَفْعَلَهُ، فإن رجع إلى بَلَدِه قبلَه، لم يَنْفَكَّ إحْرَامُه، ورَجَعَ متى أمْكَنَه مُحْرِمًا، لا يُجْزِئُه غيرُ ذلك. وبذلك قال عَطاءٌ، والثَّوْرِىُّ، ومَالِكٌ، والشَّافِعِىُّ، وإسحاقُ، وأبو ثَوْرٍ، وأصْحابُ الرَّأْىِ، وابنُ المُنْذِرِ. وقال الحسنُ: يَحُجُّ من العَامِ المُقْبِلِ. وحُكِىَ نَحْوُ ذلك عن عَطاءٍ قَوْلًا ثَانِيًا. وقال: يَأْتِى عامًا قابِلًا مِن حَجٍّ أو عُمْرَةٍ. ولَنا، قَوْلُ النَّبِىِّ ﷺ ، حِينَ ذُكِرَ له أنَّ صَفِيَّةَ حاضَتْ، قال: "أحَابِسَتُنَا هِىَ؟ " قيل: إنَّها قد أفاضَتْ يومَ النَّحْرِ. قال: "فَلْتَنْفِرْ إذًا" (١). يَدُلُّ على أنَّ هذا الطَّوافَ لا بُدَّ منه، وأَنَّه حابِسٌ لِمَنْ لم يَأْتِ به. فإنْ نَوَى التَّحَلُّلَ، ورَفَضَ إحْرَامَه، لم يَحِلَّ بذلك؛ لأنَّ الإحْرامَ لا يُخْرَجُ منه بِنِيَّةِ الخُرُوجِ، ومتى رَجَعَ إلى مَكَّةَ، فطَافَ بِالْبَيْتِ، حَلَّ بِطَوافِه؛ لأنَّ الطَّوَافَ لا يَفُوتُ وَقتُه، على ما أسْلَفْناهُ.

стр. 2488

فصل: فإن تَرَكَ بعضَ الطَّوَافِ، فهو كما لو تَرَكَ جَمِيعَه، فيما ذَكَرْنَا. وسَوَاءٌ تَرَكَ شَوْطًا أو أقَلَّ أو أَكْثَرَ. وهذا قولُ عَطاءٍ، ومَالِكٍ، والشَّافِعِىِّ، وإسحاقَ، وأبي ثَوْرٍ. وقال أصْحابُ الرَّأْىِ: مَن طافَ أرْبَعَةَ أشْوَاطٍ مِن طَوافِ الزِّيَارَةِ، أو طَوَافِ العُمْرَةِ، وسَعَى بين الصَّفَا والمَرْوَةِ، ثمَّ رجع إلى الكُوفَة، إنَّ سَعْيَهُ يُجْزِئُه، وعليه دَمٌ؛ لما تَرَكَ من الطَّوافِ بِالبَيْتِ. ولَنا، أنَّ ما أتَى به لا يُجْزِئُه إذا كان بِمَكَّةَ، فلا يُجْزِئُه إذا خرج منها، كما لو طافَ دون الأرْبَعَة أشْوَاطٍ (٢). فصل: وإذا تَرَكَ طَوافَ الزِّيارَةِ، بعدَ رَمْىِ جَمْرَةِ العَقَبَةِ، فلم يَبْقَ مُحْرِمًا إلَّا عن النِّساءِ خَاصَّةً؛ لأَنَّه قد حَصَلَ (٣) له التَّحَلُّلُ الأوَّلُ بِرَمْىِ جَمْرَةِ العَقَبَةِ، [فلم يَبْقَ مُحْرِمًا إلَّا عن النِّساءِ خَاصَّةً] (٤). وإن وَطِئَ لم يَفْسُدْ حَجُّهُ، ولم تَجِبْ عليه بَدَنَةٌ، لكن عليه دَمٌ، ويُجَدِّدُ إحْرَامَه لِيَطُوفَ فى إحْرَامٍ صَحِيحٍ. قال أحْمدُ: مَن طافَ لِلزِّيارَةِ، أو اخْتَرَق الحِجْرَ فى طَوَافِه، ورَجَعَ إلى بَغْدَادَ، فإنَّه يَرْجِعُ؛ لأنَّه على بَقِيَّةِ إحْرَامِهِ، فإن وَطِئ النِّساءَ، أحْرَمَ من التَّنْعِيمِ، على حَدِيثِ ابن عَبَّاسٍ (٥) وعليه دَمٌ. وهذا كما قُلْنَا. ٦٦٥ - مسألة؛ قال: (وَإِنْ كَانَ طَافَ لِلْوَدَاعِ، لَمْ يُجْزِئْهُ لِطَوَافِ الزِّيارَةِ) وإنَّما لم يُجْزِئْهُ عن طَوافِ الزِّيَارَةِ؛ لأنَّ تَعْيِينَ النِّيَّةِ شَرْطٌ فيه، على ما ذَكَرْنَا، فمَن طافَ لِلْوَدَاعِ، فلم يُعَيِّن النِّيَّةَ له، فلذلك (١) لم يَصِحَّ.

стр. 2489

٦٦٦ - مسألة؛ قال: (ولَيْسَ فِى عَمَلِ الْقَارِنِ زَيادَةٌ على عَمَلِ المُفْرِدِ، إلَّا أنَّ عَلَيْهِ دَمًا، فإنْ لَمْ يَجِدْ صَامَ ثَلَاثَةَ أيَّامٍ، آخِرُها يَوْمُ عَرَفَةَ، وسَبْعَةً (١) إذَا رَجَعَ) المَشْهورُ عن أحمدَ، أنَّ القَارِنَ بين الحَجِّ والعُمْرَةِ، لا يَلْزَمُه من العَمَلِ إلَّا ما يَلْزَمُ المُفْرِدَ، وأَنَّه يُجْزِئُه طَوافٌ وَاحِدٌ، وسَعْىٌ وَاحِدٌ، لِحَجِّه وعُمْرَتِه. نَصَّ عليه فى رِوايَةِ جَمَاعَةٍ من أصْحابِه. وهذا قولُ ابْنِ عمرَ، وجابرِ بن عبدِ اللهِ (٢)، وبه قال عَطاءٌ، وطاوُسٌ، ومُجاهِدٌ، ومَالِكٌ، والشَّافِعِىُّ، وإسحاقُ، وأبو ثَوْرٍ، وابنُ المُنْذِرِ. وعن أحمدَ رِوَايَةٌ ثانيةٌ، أنَّ عليه طَوافَيْنِ وسَعْيَيْنِ. ويُرْوَى ذلك عن الشَّعْبِىِّ، وجابِرِ بن زيدٍ، وعبدِ الرحمنِ بن الأَسْوَدِ. وبه قال الثَّوْرِىُّ، والحسنُ بن صالِحٍ، وأصْحابُ الرَّأْىِ. وقد رُوِىَ عن عليٍّ، ولم يَصِحَّ عنه. واحْتَجَّ بعضُ مَن اخْتارَ ذلك بِقَوْلِ اللهِ تعالى: ﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ﴾ (٣). وتَمَامُهما، أن يَأْتِىَ بِأفْعالِهما على الكَمالِ، ولم يُفَرِّقْ بين القَارِنِ وغيرِه. ورُوِىَ عن النَّبِيِّ ﷺ أنَّه قال: "مَنْ جَمَعَ بَيْنَ الْحَجِّ والْعُمْرَةِ فَعَلَيْهِ طَوَافَانِ" (٤). ولأنَّهما نُسُكانِ، فكان لهما طَوافانِ، كما لو كانا مُنْفَرِدَيْنِ. ولَنا، ما رُوِىَ عن عائشةَ، رَضِىَ اللهُ عنها، أنَّها قالت: وأمَّا الَّذِينَ كانوا جَمَعُوا بين الحَجِّ والعُمْرَةِ، فإنَّما (٥) طافُوا لهما طَوافًا واحدًا. مُتَّفَقٌ عليه (٦). وفى مُسْلِمٍ (٧)، أنَّ النَّبِىَّ ﷺ قال لِعائشةَ، لمَّا

стр. 2490

قَرَنَتْ بين الحَجِّ والعُمْرَةِ: "يَسَعُكِ طَوَافُكِ لِحَجِّكِ وعُمْرَتِكِ". وعن ابنِ عمرَ، قال: قال رسولُ اللهِ ﷺ : "مَنْ أَحْرَمَ بِالْحَجِّ والعُمْرَةِ، أجْزَأَةُ طَوَافٌ وَاحِدٌ، وسَعْىٌ واحِدٌ مِنْهُمَا (٨) جَمِيعًا". وعن جابِرٍ، أنَّ النَّبِىَّ ﷺ قَرَنَ بين الحَجِّ والعُمْرَةِ، فطافَ لهما طَوافًا واحدًا. رَوَاهُما التِّرْمِذِىُّ (٩)، وقال فى كلِّ وَاحِدٍ (١٠) منهما: حَدِيثٌ حَسَنٌ. ورَوَى لَيْثٌ، عن طَاوُسٍ، وعَطاءٍ، ومُجاهِدٍ، عن جابِرٍ، وابنِ عمرَ، وابنِ عَبَّاسٍ، أنَّ رسولَ اللهِ ﷺ لم يَطُفْ بِالبَيْتِ (١١) هو وأصْحَابُه لِعُمْرَتِهِمْ وحَجِّهِمْ إلَّا طَوَافًا وَاحِدًا. رَوَاهُ الأثْرَمُ، وابنُ مَاجَه (١٢). وعن سَلَمَةَ، قال: حَلَفَ طاوُسٌ، ما طافَ أحَدٌ من أصْحَابِ محمدٍ ﷺ لِلْحَجِّ والعُمْرَةِ إلَّا طَوافًا واحدًا. ولأنَّه نَاسِكٌ يَكْفِيهِ حَلْقٌ (١٣) وَاحِدٌ، وَرَمْىٌ واحِدٌ، فكَفَاهُ طَوافٌ وَاحِدٌ، وسَعْىٌ واحِدٌ، كالمُفْرِدِ، ولأنَّهما عِبادَتانِ من جِنْسٍ واحدٍ، فإذا اجْتَمَعَتَا (١٤) دَخَلَتْ أفْعالُ الصُّغْرَى فى الكُبْرَى، كالطَّهَارَتَيْنِ. وأمَّا الآيةُ، فإنَّ الأفْعالَ إذا وَقَعَتْ لهما فقد تَمَّا. وأمَّا الحَدِيثُ الذى احْتَجُّوا به، فلا نَعْلَمُ صِحَّتَهُ، ورَوَاهُ الدَّارَقُطْنِىُّ مِن طُرُقٍ ضَعِيفَةٍ، فى بَعْضِها الحسنُ بن عُمارَةَ، وفى بعضِها عمرُ بن يَزِيدَ، وفى بعضِها حَفْصُ بن أبي دَاوُدَ، وكلُّهم ضُعَفاءُ، وكفَى به ضَعْفًا مَخالَفتُه (١٥) لما رَوَيْنَا من الأحادِيثِ الصَّحِيحَةِ. وإن صَحَّ، فيَحْتَمِلُ أنَّه اُرادَ:

стр. 2491

عليه طَوَافٌ وسَعْىٌ. فَسَمَّاهُما طَوَافَيْنِ، فإنَّ السَّعْىَ يُسَمَّى طَوافًا؛ قال اللهُ تعالى: ﴿فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِمَا﴾ (١٦). ويَحْتَمِلُ أنَّه أراد: عليه طَوافَانِ؛ طَوافُ الزِّيَارَةِ، وطَوافُ الوَدَاعِ. فصل: وإن قَتَلَ القَارِنُ صَيْدًا، فعليه جَزَاءٌ واحدٌ. نَصَّ عليه أحمدُ، فقال: إذا قَتَلَ القَارِنُ صَيْدًا، فعليه جَزَاءٌ واحدٌ. وهؤلاء يقولون: فى ذلك جَزَاءانِ. فيَلْزَمُهم أن يقولُوا: فى صَيْدِ الحَرَمِ ثلاثةٌ. لأنَّهم يقولونَ: فى الحِلِّ اثْنَانِ. ففى الحَرَمِ يَنْبَغِى أن يكونَ ثلاثةً. وهذا قولُ مَالِكٍ، والشَّافِعِىِّ. وقال أصْحابُ الرَّأْىِ: عليه جَزاءانِ. قال القَاضِى: وإذا قُلْنا عليه طَوافَانِ، لَزِمَهُ جَزاءانِ. ولَنا، قَوْلُ اللهِ تعالى: ﴿وَمَنْ قَتَلَهُ مِنْكُمْ مُتَعَمِّدًا فَجَزَاءٌ مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ﴾ (١٧). ومن أوْجَبَ جَزاءَيْنِ، فقد أوْجَبَ مِثْلَيْنِ. ولأنَّه صَيْدٌ واحدٌ، فلم يَجِب فيه جَزَاءانِ، كما لو قَتَلَ المُحْرِمُ فى الحَرَمِ صَيْدًا. ولأنَّه لا يَزِيدُ على مُحْرِمَيْنِ قَتَلَا صَيْدًا، وليس عليهما إلَّا فِدَاءٌ واحدٌ، وكذلك مُحْرِمٌ وحَلالٌ قَتَلَا صَيْدًا حَرَمِيًّا. فصل: وإن أفْسَدَ القَارِنُ نُسُكَهُ بِالْوَطْءِ، فعليه فِدَاءٌ واحدٌ. وبذلك قال عَطَاءٌ، وابنُ جُرَيْجٍ، ومَالِكٌ، والشَّافِعِىُّ، وإسحاقُ، وأبو ثَوْرٍ. ولا يَسْقُطُ دَمُ القِرَانِ. وقال الحَكَمُ: عليه هَدْيانِ. ويَتَخَرَّجُ لنا أن يَلْزَمَهُ بَدَنَةٌ وشَاةٌ إذا قُلْنا يَلْزَمُه طَوافانِ. وقال أصْحابُ الرَّأْىِ: إن وَطِئ قبلَ الوُقُوفِ، فَسَدَ نُسُكُه، وعليه شَاتانِ لِلْحَجِّ والعُمْرَةِ، ويَسْقُطُ عنه دَمُ القِرَانِ. ولَنا، أنَّ الصَّحابَةَ، رَضِىَ اللهُ عنهم، الذين سُئِلُوا عمَّن أفْسَدَ نُسُكَه، لم يَأْمُرُوه إلَّا بِفِدَاءٍ واحدٍ، ولم يُفَرِّقُوا. ولأنَّه أحَدُ الأنْساكِ الثَّلَاثَةِ، فلم يَجِبْ فى إفْسادِه أَكْثَرُ من فِدْيَةٍ واحدَةٍ، كالآخَرَيْنِ، وسَائِرُ مَحْظُوراتِ الإِحْرَامِ، من اللِّبْسِ والطِّيبِ وغَيْرِهما، لا يَجِبُ فى كل وَاحِدٍ منها (١٨)

стр. 2492

أكْثَرُ من فِدَاءٍ واحدٍ، كما لو كان مُفْرِدًا. واللهُ أعلمُ. ٦٦٧ - مسألة؛ قال: (إلَّا أنَّ عَلَيْهِ دَمًا، فَإنْ لَمْ يَجِدْ، فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ فى الْحَجِّ وسَبْعَةٍ إذَا رَجَعَ) هذا اسْتِثْنَاءٌ مُنْقَطِعٌ، مَعْنَاهُ: لكن عليه دَمٌ، فإنَّ وُجُوبَ الدَّمِ ليس من الأفْعالِ المَنْفِيَّةِ بِقَولِه: "وليس فى عَمَلِ القَارِنِ زِيَادَةٌ على عَمَلِ المُفْرِدِ". ولا نَعْلَمُ فى وُجُوبِ الدَّمِ [على القَارِنِ خِلافًا، إلَّا ما حُكِىَ عن دَاوُدَ، أنَّه لا دَمَ] (١) عليه. وَرُوِىَ ذلك عن طَاوُسٍ. وحَكَى ابنُ المُنْذِرِ، أنَّ ابنَ دَاوُدَ لمَّا دَخَل مَكَّةَ سُئِلَ عن القَارِنِ، هل يَجِبُ عليه دَمٌ؟ فقال: لا. فجُرَّ برِجْلِه. وهذا يَدُلُّ على شُهْرَةِ الأمْرِ بَيْنَهم. ولَنا، قَوْلُ اللهِ تعالى: ﴿فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ﴾ (٢). والقَارِنُ مُتَمَتِّعٌ بِالعُمْرَةِ إلى الحَجِّ، بِدَلِيل أنَّ عليًّا، رَضِىَ اللهُ عنه، لمَّا سَمِعَ عثمانَ يَنْهَى عن المُتْعَةِ، أهَلَّ بِالحَجِّ والعُمْرَةِ، لِيَعْلَمَ الناسُ أنَّه ليس بِمَنْهِىٍّ عنه (٣). وقال ابنُ عمرَ: إنَّما القِرَانُ لأهْلِ الآفَاقِ. وتَلَا قَوْلَهُ تعالى: ﴿ذَلِكَ لِمَنْ لَمْ يَكُنْ أَهْلُهُ حَاضِرِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾ (٤). وقد رُوِىَ أنَّ النَّبِىَّ ﷺ قال: "مَنْ قَرَنَ بَيْنَ حَجِّهِ وعُمْرَتِه، فَلْيُهْرِقْ دَمًا" (٥). ولأنَّه تَرَفَّهَ (٦) بِسُقُوطِ أحَدِ السَّفَرَيْنِ، فلَزِمَهُ دَمٌ كَالمُتَمَتِّعِ. وإذا عَدِمَ الدَّمَ، فعليه صِيامُ ثلاثةِ أيَّامٍ فى الحَجِّ، وسَبْعَةٍ إذا رَجَعَ، كالمُتَمَتِّعِ سَواءً.

стр. 2493

فصل: ومِن شَرْطِ وُجُوبِ الدَّمِ عليه أنْ لا يكونَ من حَاضِرِى المَسْجِدِ الحَرَامِ، فى قَوْلِ جُمْهُورِ العُلَماءِ. وقال ابنُ المَاجِشُون: عليه دَمٌ؛ لأنَّ اللهَ تعالى إنَّما أسْقَطَ الدَّمَ [عن المُتَمَتِّعِ] (٧)، وليس هذا مُتَمَتِّعًا. وليس هذا بِصَحِيحٍ؛ فإنَّنا قد ذَكَرْنَا أنَّه مُتَمَتِّعٌ، وإن لم يَكُنْ مُتَمَتِّعًا فهو فَرْعٌ عليه، ووُجُوبُ الدَّمِ على القَارِنِ إنَّما كان بِمَعْنَى النَّصِّ على المُتَمَتِّعِ، فلا يجوزُ أن يُخَالِفَ الفَرْعُ أصْلَهُ. ٦٦٨ - مسألة؛ قال: (وَمَنِ اعْتَمَرَ فِى أَشْهُرِ الحَجِّ، فَطَافَ وسَعَى، وَحَلَّ (١)، ثُمَّ أحْرَمَ بِالْحَجِّ مِنْ عَامِه، ولم يَكُنْ خرَجَ مِنْ مَكَّةَ إلَى ما تُقْصَرُ فيه الصَّلَاةُ، فَهُوَ مُتَمَتِّعٌ، عَلَيْهِ دَمٌ) الكَلَامُ فى هذه المسألةِ فى فُصولٍ: أحدُها، وُجوبُ الدَّمِ على المُتَمَتِّعِ فى الجُمْلَةِ. وأجْمَعَ أهْلُ العِلْمِ عليه. قال ابنُ المُنْذِرِ: أجْمَعَ أهْلُ العِلْمِ على أنَّ مَن أَهَلَّ بِعُمْرَةٍ فى أَشْهُرِ الحَجِّ من أَهْلِ الآفاقِ من المِيقاتِ، وقَدِمَ مَكَّةَ ففَرَغَ منها، وأقامَ بها، وحَجَّ من عَامِه، أنَّه مُتَمَتِّعٌ، وعليه الهَدْىُ إن وَجَدَ، وإلَّا فالصِّيامُ. وقد نَصَّ اللهُ تعالى عليه بِقَوْلِه تعالى: ﴿فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ﴾ [الآية. وقال ابنُ عمرَ: تَمَتَّعَ النّاسُ مع رسولِ اللهِ ﷺ بالعُمْرَةِ إلى الحَجِّ] (٢)، فلمَّا قَدِمَ رسولُ اللهِ ﷺ قال لِلنَّاسِ: "مَنْ لَمْ يَكُنْ مِنْكُمْ (٣) أهْدَى، فَلْيَطُفْ بِالْبَيْتِ، وبِالصَّفَا والمَرْوَةِ، ولْيُقَصِّرْ، ثُمَّ لْيُهِلَّ بِالحَجِّ ويُهْدِى، فَمَنْ لم يَجِدْ هَدْيًا، فَلْيَصُمْ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ فى الحَجِّ، وسَبْعَةً إذا رَجَعَ إلى أَهْلِه". مُتَّفَقٌ عليه (٤). وقال جابِرٌ: كُنَّا نَتَمَتَّعُ مع رسولِ اللهِ ﷺ بِالْعُمْرَةِ إلى الحَجِّ، فنَذْبَحُ (٥) البَقَرَةَ عن سَبْعَةٍ، نَشْتَرِكُ فيها.

стр. 2494

رَوَاهُ مُسْلِمٌ (٦). وعن أبى جَمْرَةَ (٧)، قال: سألتُ ابنَ عَبَّاسٍ عن المُتْعَةِ. فأمَرَنِى بها، وسألتُه عن الهَدْىِ، فقال: فيها جَزُورٌ، أو بَقَرَةٌ، أو شَاةٌ، أو شِرْكٌ (٨) من دَمٍ. مُتَّفَقٌ عليه (٩). والدَّمُ الوَاجِبُ شَاةٌ، أو سُبْعُ [بَقَرَةٍ، أو سُبْعُ بَدَنَةٍ] (١٠)، فإن نَحَرَ بَدَنَةً، أو ذَبَحَ بَقَرَةً، فقد زادَ خَيْرًا. وبهذا قال الشَّافِعِىُّ، وأصْحابُ الرَّأْىِ. وقال مَالِكٌ: لا يُجْزِئُ إلَّا بَدَنَةٌ؛ لأنَّ النَّبِىَّ ﷺ لمَّا تَمَتَّعَ، سَاقَ بَدَنَةً. وهذا تَرْكٌ لظَاهِرِ قَوْلِه تعالى: ﴿فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ﴾. واطِّرَاحٌ لِلْآثارِ الثَّابِتَةِ، وما احْتَجُّوا به فلا حُجَّةَ فيه؛ فإنَّ إهْداءَ النَّبِىِّ ﷺ لِلبَدَنَةِ لا يَمْنَعُ إجْزَاءَ ما دُونَها، فإنَّ النَّبِىَّ ﷺ قد سَاقَ مِائةَ بَدَنَةٍ، ولا خِلَافَ فى أنَّ ذلك ليس بِوَاجِبٍ، ولا يَجبُ أن تكونَ البَدَنَةُ التى يَذْبَحُها على صِفَةِ بُدْنِ النَّبِىِّ ﷺ ، ثم إنَّهم يقولون: إنَّ النَّبِىَّ ﷺ كان مُفْرِدًا فى حَجَّتِه (١١). ولذلك ذَهَبُوا إلى تَفْضِيلِ الإفْرَادِ، فكيف يكونُ سَوْقُه للبُدْنِ (١٢) دَلِيلًا لهم فى التَّمَتُّعِ، ولم يَكُنْ مُتَمَتِّعًا! الفصلُ الثانى، فى الشُّرُوطِ التى يَجِبُ الدَّمُ على مَن اجْتَمَعَتْ فيه، وهى خَمْسَةٌ؛ الأَوَّلُ، أنْ يُحْرِمَ بِالعُمْرَةِ فى أشْهُرِ الحَجِّ، فإن أحْرَمَ بها فى غيرِ أشْهُرِهِ، لم يَكُنْ مُتَمَتِّعًا، سَوَاءٌ

стр. 2495

وَقَعَتْ أَفْعالُها فى أَشْهُرِ الحَجِّ، أو فى غيرِ أشْهُرِه. نَصَّ عليه أحمدُ. قال الأثْرَمُ: سمعتُ أبا عبدِ اللهِ، سُئِلَ عَمَّنْ أَهَلَّ بِعُمْرَةٍ فى غيرِ أشْهُرِ الحَجِّ، ثم قَدِمَ فى شَوَّالٍ، أَيَحِلُّ من عُمْرَتِه فى شَوَّال، أو يكونُ مُتَمَتِّعًا؟ فقال: لا يكونُ مُتَمَتِّعًا. واحْتَجَّ بحديثِ جابِرٍ، وذَكَرَ إسْنَادَه عن أبى الزُّبَيْرِ، أنَّه سَمِعَ جَابِرَ بنَ عبدِ اللهِ يُسْأَلُ عن امْرَأَةٍ تَجْعَلُ على نَفْسِها عُمْرَةً فى شَهْرٍ مُسَمًّى، ثم تَحِلُّ إلَّا لَيْلَةً واحِدَةً، ثم تَحِيضُ؟ قال: لتَخْرُجْ. ثم لْتُهِلَّ بِعُمْرَةٍ، ثم لْتَنْتَظِرْ (١٣) حتى تَطْهُرَ، ثم لْتَطُفْ بِالْبَيْتِ. قال أبو عبدِ اللهِ: فجعل عُمْرَتَها فى الشَّهْرِ الذى أَهَلَّتْ فيه، لا فى الشَّهْرِ الذى حَلَّتْ فيه. ولا نَعْلَمُ بين أهْلِ العِلْمِ خلَافًا فى أنَّ مَن اعْتَمَرَ فىَ غيرِ أَشْهُرِ الحَجِّ عُمْرَةً، وحَلَّ منها قبلَ أَشْهُرِ الحَجِّ، أنَّه لا يكونُ مُتَمَتِّعًا، إلَّا قَوْلَيْنِ شَاذَّيْنِ، أحدُهما عن طَاوُسٍ، أنَّه قال: إذا اعْتَمَرْتَ فى غيرِ أشْهُرِ الحَجِّ، ثم أَقَمْتَ حتى الحَجِّ، فأنْتَ مُتَمَتِّعٌ. والثانى عن الحسنِ، أنَّه قال: مَنِ اعْتَمَرَ بعدَ النَّحْرِ، فهى مُتْعَةٌ. قال ابنُ المُنْذِرِ: لا نَعْلَمُ أحَدًا قال بوَاحِدٍ من هذينِ القَوْلَيْنِ. فأمَّا إنْ أحْرَمَ بِالعُمْرَةِ فى غيرِ أَشْهُرِ الحَجِّ، ثم حَلَّ منها فى أَشْهُرِه (١٤)، فمذهبُ أَحمدَ أنَّه لا يكونُ مُتَمَتِّعًا. ونُقِلَ مَعْنَى ذلك عن جابِرٍ، وأبى عِياضٍ (١٥). وهو قولُ إسحاقَ، وأحَدُ قَوْلَىِ الشَّافِعِىِّ. وقال طَاوُسٌ: عُمْرَتُه فى الشَّهْرِ الذى يَدْخُلُ فيه الحَرَمَ. وقال الحسنُ، والحَكَمُ، وابنُ شُبْرُمَةَ، والثَّوْرِىُّ، والشَّافِعِىُّ فى أحَدِ قَوْلَيْهِ: عُمْرَتُه فى الشَّهْرِ الذى يَطُوفُ فيه. وقال عَطاءٌ: عُمْرَتُه فى الشَّهْرِ الذى يَحِلُّ فيه. وهو قَوْلُ مَالِكٍ. وقال أبو حنيفةَ: إنْ طافَ لِلْعُمْرَةِ أرْبَعَةَ أشْواطٍ فى غيرِ أشْهُرِ الحَجِّ، فليس بمُتَمَتِّعٍ. وإن طافَ الأَرْبَعَةَ فى أشْهُرِ الحَجِّ، فهو مُتَمَتِّعٌ؛ لأنَّ العُمْرَةَ صَحَّتْ فى أَشْهُرِ الحَجِّ؛ بِدَلِيلِ أنَّه لو وَطِئَ أفْسَدَها، أشْبَهَ إذا أحْرَمَ بها فى أَشْهُرِ الحَجِّ. ولَنا، ما ذَكَرْنَا عن جابِرٍ، ولأنَّه أتَى بِنُسُكٍ لا تَتِمُّ العُمْرَةُ إلَّا به فى غيرِ

стр. 2496

أَشْهُرِ الحَجِّ، فلم يَكُنْ مُتَمَتِّعًا، كما لو طافَ. ويُخَرَّجُ عليه ما قَاسُوا عليه. الثانى، أن يَحُجَّ من عَامِه، فإن اعْتَمَرَ فى أشْهُرِ الحَجِّ، ولم يَحُجَّ ذلك العامَ، بل حَجَّ من العامِ القَابِلِ (١٦)، فليس بمُتَمَتِّعٍ. لا نَعْلَمُ فيه خِلافًا، إلَّا قَوْلًا شَاذًّا عن الحسنِ، فى مَن اعْتَمَرَ فى أشْهُرِ الحَجِّ، فهو مُتَمَتِّعٌ، حَجَّ أو لم يَحُجَّ. والجُمهورُ على خِلافِ هذا؛ لأنَّ اللهَ تعالى قال: ﴿فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ﴾ (١٧). وهذا يَقْتَضِى المُوَالَاةَ بينهما، ولأنَّهم إذا أَجْمَعُوا على أنَّ مَن اعْتَمَرَ فى غيرِ أشْهُرِ الحَجِّ، ثم حَجَّ من عَامِه ذلك، فليسَ بِمُتَمَتِّعٍ، فهذا أوْلَى من التَّبَاعُدِ بينهما أكْثَرَ. الثالث، أنْ لا يُسافِرَ بين العُمْرَةِ والحَجِّ سَفَرًا بَعِيدًا تُقْصَرُ فى مثلِه الصلاةُ. نَصَّ عليه أحمدُ (١٨).: رُوِىَ ذلك عن عَطاءٍ، [والمُغِيرَةِ الْمَدِينِىِّ] (١٩)، وإسحاقَ. وقال الشَّافِعِىُّ: إن رَجَعَ إلى المِيقَاتِ، فلا دَمَ عليه. وقال أصْحابُ الرَّأْىِ: إن رَجَعَ إلى مِصْرِه، بَطَلَتْ مُتْعَتُه (٢٠)، وإلَّا فلا. [وقال مَالِكٌ: إن رَجَعَ إلى مِصْرِه، أو إلى غيرِه أَبْعَدَ من مِصْرِه، بَطَلَتْ مُتْعَتُه، وإلَّا فلا] (٢١). وقال الحسنُ: هو مُتَمَتِّعٌ وإن رَجَعَ إلى بَلَدِه. واخْتَارَه ابنُ المُنْذِرِ؛ لِعُمُومِ قَوْلِه تعالى: ﴿فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ﴾. ولَنا، ما رُوِىَ عن عمرَ، رَضِىَ اللهُ عنه، أنَّه قال: إذا اعْتَمَرَ فى أشْهُرِ الحَجِّ، ثم أقَامَ (٢٢):

стр. 2497

فهو مُتَمَتِّعٌ. فإن خَرَجَ ورَجَعَ، فليس بمُتَمَتِّعٍ. وعن ابنِ عمرَ نحوُ ذلك. ولأنَّه إذا رَجَعَ إلى المِيقَاتِ، أو ما دُونَه، لَزِمَهُ الإحْرَامُ منه، فإن كان بَعِيدًا فقد أنْشَأَ سَفَرًا بَعِيدًا لِحَجِّهِ، فلم يَتَرَفَّهْ بأحَدِ السَّفَرَيْنِ، فلم يَلْزَمْه دَمٌ، كَمَوْضِعِ الوِفَاقِ. والآيَةُ تَنَاوَلَتِ المُتَمَتِّعَ، وهذا ليس بِمُتَمَتِّعٍ؛ بِدَلِيلِ قَوْلِ عمرَ. الرَّابِع، أنْ يَحِلَّ من إحْرَامِ العُمْرَةِ قبلَ إحْرَامِهِ بِالْحَجِّ، فإن أدْخَلَ الحَجَّ على العُمْرَةِ قَبلَ حِلِّه منها، كما فَعَلَ النَّبِىُّ ﷺ والَّذِينَ كان معهم الهَدْىُ من أَصْحابه، فهذا يَصِيرُ قَارِنًا، ولا يَلْزَمُه دَمُ المُتْعَةِ. قالتْ عائشةُ: خَرَجْنَا مع رسولِ اللهِ ﷺ عامَ حَجَّةِ الوَداعِ، فأهْلَلْنَا بِعُمْرَةٍ، فقَدِمْتُ مَكَّةَ وأنا حَائِضٌ، لم أطُفْ بِالْبَيْتِ، ولا بين الصَّفَا والمَرْوَةِ، فشَكَوْتُ ذلك إلى رسولِ اللهِ ﷺ ، فقال: "انْقُضِى رَأْسَكِ، وامْتَشِطِى، وأَهِلِّى بِالحَجِّ، ودَعِى العُمْرَةَ". قالتْ: ففَعَلْتُ، فلمَّا قَضَيْنَا الحَجَّ، أَرْسَلَنِى رسولُ اللهِ ﷺ مع عبدِ الرحمنِ بن أبِى بكرٍ إلى التَّنْعِيمِ، فاعْتَمَرْتُ معه، فقال: "هذِهِ مَكَانُ عُمْرَتِكِ". قال عُرْوَةُ: فقَضَى اللهُ حَجَّها وعُمْرَتَها، ولم يكُنْ فى شىءٍ من ذلك هَدْىٌ ولا صَوْمٌ ولا صَدَقَةٌ. مُتَّفَقٌ عليه (٢٣). ولكن عليه دَمٌ لِلْقِرَانِ؛ لأنَّه صَارَ قَارِنًا، وتَرَفَّهَ بِسُقُوطِ أحَدِ السَّفَرَيْنِ. وقَوْلُ عُرْوَةَ: لم يَكُنْ فى ذلك هَدْىٌ. يَحْتَمِلُ أنَّه أرَادَ لم يَكُنْ فيه هَدْىٌ لِلْمُتْعَةِ، إذ قد ثَبَتَ أنَّ رسولَ اللهِ ﷺ ذَبَحَ عن نِسائِه بَقَرَةً بَيْنَهُنَّ (٢٤). الخامس، أن لا يكونَ من حَاضِرِى المَسْجِدِ الحَرامِ. ولا خِلافَ بين أهْلِ العِلْمِ، فى أنَّ دَمَ المُتْعَةِ لا يَجِبُ على حاضِرِ (٢٥) المَسْجدِ الحَرامِ، إذ قد نَصَّ اللهُ تعالى فى كِتَابِه بِقَوْلِه سُبْحَانَه: ﴿ذَلِكَ لِمَنْ لَمْ يَكُنْ أَهْلُهُ حَاضِرِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾. ولأنَّ حَاضِرَ المَسْجِدِ الحَرَامِ مِيقَاتُه

стр. 2498

مَكَّةُ، فلم يَحْصُلْ له التَّرَفُّهُ بأحَدِ السَّفَرَيْنِ، ولأنَّه أحْرَمَ بِالحَجِّ من مِيقَاتِه، فأشْبَهَ المُفْرِدَ. فصل: وحَاضِرُو (٢٦) المَسْجِدِ الْحَرَامِ أهْلُ الحَرَمِ، ومَنْ بينَه وبينَ مَكَّةَ دُونَ مَسافَةِ القَصْرِ. نَصَّ عليه أحمدُ. ورُوِىَ ذلك عن عَطاءٍ. وبه قال الشَّافِعِىُّ. وقال مَالِكٌ: أهْلُ مَكَّةَ. وقال مُجاهِدٌ: أهْلُ الحَرَمِ. ورُوِىَ ذلك عن طَاوُسٍ. وقال مَكْحُولٌ، وأصحابُ الرَّأْىِ: مَن دُونَ المَواقِيتِ (٢٧)؛ لأنَّه مَوْضِعٌ شُرِع فيه النُّسُكُ، فأشْبَهَ الحَرَمَ. ولَنا، أنَّ حاضِرَ الشَّىْءِ مَن دَنَا منه، ومَنْ دُونَ مَسافَةِ القَصْرِ قَرِيبٌ فى حُكْمِ الحاضِرِ؛ بِدَلِيلِ أنَّه إذا قَصَدَهُ لَا يَتَرَخَّصُ رُخَصَ السَّفَرِ (٢٨)، فيكونُ مِن حاضِرِيه. وتَحْدِيدُه بِالمِيقَاتِ لا يَصِحُّ؛ لأنَّه قد يكون بَعِيدًا، يَثْبُتُ له حُكْمُ السَّفَرِ البَعِيدِ إذا قَصَدَهُ، ولأنَّ ذلك يُفْضِى إلى جَعْلِ البَعِيدِ من حاضِرِيهِ، والقَرِيبِ من غيرِ حاضِرِيهِ، فإنَّ (٢٩) فى المَوَاقِيتِ قَرِيبًا وبَعِيدًا. واعْتِبَارُنَا أَوْلَى؛ لأنَّ الشَّارِعَ حَدَّ الحاضِرَ بدونِ مَسافَةِ القَصْرِ، بِنَفْىِ أحْكَامِ المُسَافِرِينَ عنه، فالاعْتِبَارُ به أوْلَى من الاعْتِبَارِ بِالنُّسُكِ؛ لِوُجُودِ لَفْظِ الحُضُورِ فى الآيَةِ. فصل: إذا كان لِلْمُتَمَتِّعِ قَرْيَتانِ؛ قَرِيبَةٌ، وبَعِيدَةٌ، فهو من حَاضِرِى المَسْجِدِ الحَرامِ؛ لأنَّه إذا كان بعضُ أهْلِه قَرِيبًا فلم يُوجَدْ فيه الشَّرْطُ، وهو أن لا يكونَ أهلُه (٢٩) من حاضِرِى المَسْجِدِ الحَرامِ. ولأنَّ له أن يُحْرِمَ من القَرِيبَةِ، فلم يكنْ بالتَّمَتُّعِ مُتَرَفِّهًا بِتَرْكِ أحَدِ السَّفَرَيْنِ. وقال القاضى: له حُكْمُ القَرْيَةِ التى يُقِيمُ

стр. 2499

بها أكْثَرَ، فإن اسْتَوَيَا فمِن التى مَالُه بها أَكْثَرُ، فإن اسْتَوَيَا فمِن التى يَنْوِى الإقَامَةَ بها أكْثَرَ، فإن اسْتَوَيَا فلَه [حُكْمُ الْقَرْيَةِ] (٣٠) التى أحْرَمَ منها. وقد ذَكَرْنَا الدَّلِيلَ لما قُلْنَاهُ. فصل: فإذا دَخَلَ الآفَاقِىُّ مَكَّةَ، مُتَمَتِّعًا نَاوِيًا لِلْإِقامَةِ بها بعد تَمَتُّعِه، فعليه دَمُ المُتْعَةِ. قال ابنُ المُنْذِرِ: أجْمَعَ على هذا كُلُّ مَن نَحْفَظُ عنه من أهْلِ العِلْمِ. ولو كان الرَّجُلُ مَنْشَأُهُ ومَوْلِدُه مَكَّةُ (٣١)، فَخَرجَ عنها مُتَنَقِّلًا مُقِيمًا بغيرِها، ثم عادَ إليها مُتَمَتِّعًا نَاوِيًا لِلإقامَةِ بها، أو غيرَ نَاوٍ لذلك، فعليه دَمُ المُتْعَةِ؛ لأنَّه خرج بِالانْتِقَالِ عنها عن أن يكونَ من أهْلِها. وبذلك قال مَالِكٌ، والشَّافِعِىُّ، وإسحاقُ؛ وذلك لأنَّ حُضُورَ المسجدِ الحَرامِ إنَّما يَحْصُلُ بِنِيَّةِ الإقامَةِ وفِعْلِها، وهذا إنَّما نَوَى الإقامَةَ إذا فَرَغَ من أفْعَالِ الحَجِّ؛ لأنَّه إذا فَرَغَ مِن عُمْرَتِه، فهو نَاوٍ لِلْخُرُوجِ إلى الحَجِّ، فكأنَّه إنَّما نَوَى أن يُقِيمَ بعدَ أن يَجِبَ عليه الدَّمُ. فأمَّا إن خرج المَكِّىُّ مُسَافِرًا غيرَ مُتَنَقِّلٍ، ثم عَادَ فَاعْتَمَرَ من المِيقَاتِ، أو قَصَّرَ وحَجَّ من عَامِه، فلا دَمَ عليه؛ لأنَّه لم يَخْرُجْ بهذا السَّفَرِ عن كَوْنِ أَهْلِه من حَاضِرِى المسجِدِ الحَرامِ. فصل: وهذا الشَّرْطُ شَرْطٌ (٣٢) لِوُجُوبِ الدَّمِ عليه، وليس بِشَرْطٍ لِكَوْنِه مُتَمَتِّعًا؛ فإنَّ مُتْعَةَ المَكِّىِّ صَحِيحَةٌ؛ لأنَّ التمتُّعَ أحَدُ الأنْساكِ الثَّلاثَةِ، فصَحَّ من المَكِّىِّ، كَالنُّسُكَيْنِ الآخَرَيْنِ. ولأنَّ حَقِيقَةَ التمتُّعِ هو أن يَعْتَمِرَ فى أَشْهُرِ الحَجِّ، ثم يَحُجَّ من عَامِه. وهذا مَوْجُودٌ فى المَكِّىِّ. وقد نُقِلَ عن أحمدَ: ليس على أهْلِ مَكَّةَ مُتْعَةٌ. ومَعْنَاهُ ليسَ عليهم دَمُ مُتْعَةٍ (٣٣)؛ لأنَّ المُتْعَةَ له لا عليه، فيَتَعَيَّنُ حَمْلُه على ما ذَكَرْنَاهُ.

стр. 2500

فصل: إذا تَرَكَ الآفاقِىُّ الإِحْرامَ من المِيقاتِ، أو أحْرَمَ من دونِه بِعُمْرَةٍ، ثم حَلَّ منها، وأحْرَمَ بالحَجِّ من مَكَّةَ من عامِه، فهو مُتَمَتِّعٌ، عليه دَمَانِ؛ دَمٌ لمُتْعَتِه (٣٤)، ودَمٌ لإِحْرَامِه مِن دون مِيقَاتِه. قال ابنُ المُنْذِرِ، وابنُ عَبْدِ البَرِّ: أجْمَعَ العُلَمَاءُ على أنَّ مَن أَحْرَمَ فى أَشْهُرِ الحَجِّ بِعُمْرَةٍ، وحَلَّ منها، ولم يَكُنْ من حَاضِرِى المَسْجِدِ الحَرَامِ، ثم أقامَ بمَكَّةَ حَلالًا، ثم حَجَّ من عَامِه، أنَّه مُتَمَتِّعٌ، عليه دَمٌ. وقال القاضى: إذا تَجَاوَزَ المِيقَاتَ، حتى صَارَ بينَه وبين مَكَّةَ أقَلُّ من مَسَافَة القَصْرِ، فأحْرَمَ منه، فلا دَمَ عليه لِلْمُتْعَةِ؛ لأنَّه من حَاضِرِى المسجدِ الحَرامِ. وليس هذا بِجَيِّدٍ؛ فإنَّ حُضُورَ المسجدِ الحَرامِ إنَّما يَحْصُلُ بالإقَامَةِ به ونِيَّةِ ذلك (٣٥)، وهذا لم يَحْصُلْ منه الإِقَامَةُ، [ولا نِيَّتُها، ولأنَّ اللهَ تعالى قال: ﴿ذَلِكَ لِمَنْ لَمْ يَكُنْ أَهْلُهُ حَاضِرِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾. وهذا يَقْتَضِى أن يكونَ المَانِعُ من الدَّمِ السُّكْنَى به، وهذا لَيْسَ بِساكِنٍ] (٣٦)؛ وإن أحْرَمَ الآفاقِىُّ بِعُمْرَةٍ، فى غيرِ أشْهُرِ الحَجِّ، ثم أقامَ بمَكَّةَ، فاعْتَمَرَ من التَّنْعِيمِ فى أَشْهُرِ الحَجِّ، وحَجَّ من عَامِه، فهو مُتَمَتِّعٌ، عليه دَمٌ. نَصَّ عليه أحمدُ. وفى تَنْصِيصِه على هذه الصُّورَةِ تَنْبِيهٌ على إِيجَابِ الدَّمِ فى الصُّورَةِ الأُولَى، بِطرِيقِ الأَوْلَى. وذَكَرَ القاضى أنَّ مِن شَرْطِ وُجُوبِ الدَّمِ، أن يَنْوِىَ فى ابْتِدَاءِ العُمْرَةِ، أو فى أَثْنَائِها، أنَّه مُتَمَتِّعٌ. وظَاهِرُ النَّصِّ يَدُلُّ على أنَّ هذا غيرُ مُشْتَرَطٍ؛ فإنَّه لم يَذْكُرْهُ، وكذلك الإجْماعُ الذى ذَكَرْناهُ مُخَالِفٌ لهذا القَوْلِ. ولأنَّه قد حَصَلَ له التَّرَفُّهُ بِسُقُوطِ أحَدِ السَّفَرَيْنِ، فلَزِمَهُ الدَّمُ، كمَنْ لم يَنْوِ. الفصل الثالث، فى وَقْتِ [وُجُوبِ الهَدْىِ، ووَقْتِ] (٣٦) ذَبْحِه. أمَّا وَقْتُ وُجُوبِهِ، فعن أحمدَ أنَّه يَجِبُ إذا أَحْرَمَ بِالحَجِّ. وهو قَوْلُ أبى حنيفةَ، والشَّافِعِىِّ؛ لأنَّ اللهَ تعالى قال: ﴿فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ

стр. 2501

فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ﴾. وهذا قد فَعَلَ ذلك. ولأنَّ ما جُعِلَ غَايَةً، فَوُجُودُ أَوَّلِه كَافٍ، كَقَوْلِه تعالى: ﴿ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ﴾ (٣٧). ولأنَّه مُتَمَتِّعٌ أَحْرَمَ بِالحَجِّ من دونِ المِيقَاتِ، فلَزِمَهُ الدَّمُ، كما لو وَقَفَ أو تَحَلَّلَ. وعنه أنَّه يَجِبُ الدم (٣٨) إذا وَقَفَ بِعَرَفَةَ. وهو قَوْلُ مَالِكٍ، واخْتِيارُ القاضى؛ لأنَّ التَّمَتُّعَ بِالعُمْرَةِ إلى (٣٩) الحَجِّ إنَّما يَحْصُلُ بعدَ وُجوُدِ الحَجِّ منه، ولا يَحْصُلُ ذلك إلَّا بِالوُقُوفِ، فإنَّ النَّبِىَّ ﷺ قال: "الْحَجُّ عَرَفَةُ" (٤٠). ولأنَّه قبلَ ذلك يَعْرِضُ (٤١). الفَوَاتُ، فلا يَحْصُلُ التَّمَتُّعُ، ولأنَّه لو أحْرَمَ بِالحَجِّ، ثم أُحْصِرَ، أو فَاتَهُ الحَجُّ [لم يَلْزَمْهُ] (٤٢) دَمُ المُتْعَةِ، ولا كان مُتَمَتِّعًا، ولو وَجَبَ الدَّمُ لمَا سَقَطَ. وقال عَطاءٌ: يَجِبُ إذا رَمَى الجمْرَةَ. ونحوُه قَوْلُ أبى الخَطَّابِ، قال: يَجِبُ إذا طَلَعَ الفَجْرُ يومَ النَّحْرِ؛ لأنَّه وَقْتُ ذَبْحِه، فكان وَقْتَ وُجُوبِه. فأمَّا وَقْتُ إخْراجِهِ فيومُ النَّحْرِ. وبه قال مَالِكٌ، وأبو حنيفةَ؛ لأنَّ ما قبلَ يومِ النَّحْرِ لا يجوزُ فيه ذَبْحُ الأُضْحِيَةِ، فلا يجوزُ فيه ذَبْحُ هَدْىِ [التَّمتُّعِ، كقَبْلِ] (٤٣) التَّحَلُّلِ من العُمْرَةِ. وقال أبُو طالِبٍ: سمعتُ أحمدَ، قال فى الرجلِ يَدْخُلُ مَكَّةَ فى شَوَّالٍ ومعه هَدْىٌ. قال: يَنْحَرُ بمَكَّةَ، وإن قَدِمَ قبلَ العَشْرِ نَحَرَهُ، لا يضيعُ أو يموتُ أو يُسْرَقُ. وكذلك قال عَطاءٌ. وإن قَدِمَ فى العَشْرِ، لم يَنْحَرْهُ حتى يَنْحَرَهُ بِمِنًى؛ لأنَّ النَّبِىَّ ﷺ وأصْحَابَه قَدِمُوا فى العَشْرِ، فلم يَنْحَرُوا [حتى نَحَرُوا] (٤٤) بِمِنًى. ومن جَاءَ قبل ذلك نَحَرَهُ

стр. 2502

عن عمْرَته، وأقَامَ على إحْرَامِه، وكان قَارِنًا. وقال الشَّافِعِىُّ: يجوزُ نَحْرُه بعدَ الإِحْرامِ بِالحَجِّ. قَوْلًا وَاحِدًا، وفيما قَبْلَ ذلك، بعدَ حِلِّهِ من العُمْرَةِ، احْتَمالانِ؛ وَوَجْهُ جَوَازِه أنَّه دَمٌ يَتَعَلَّقُ بِالإِحْرامِ، ويَنُوبُ عنه الصِّيامُ، فجازَ قبلَ يومِ النَّحْرِ، كَدَمِ الطِّيبِ واللِّباسِ، ولأنَّه يجوزُ إبْدَالُه قبلَ يومِ النَّحْرِ، فجازَ أدَاؤُه قبلَه، كسائِرِ الفِدْيَاتِ. ٦٦٩ - مسألة؛ قال: (فَإنْ لَمْ يَجِدْ، فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ، يَكُونُ آخِرُهَا يَوْمَ عَرَفَةَ، وسَبْعَةٍ إذَا رَجَعَ) لا نَعْلَمُ بين أهْلِ العِلْمِ خِلافًا، فى أنَّ المُتَمَتِّعَ إذا لم يَجِد الهَدْىَ، يَنْتَقِلُ إلى صِيامِ ثلاثةِ أيَّامٍ فى الحَجِّ وسَبْعَةٍ إذا رَجَعَ [وذلك لِقولِ اللهِ تعالى: ﴿فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ وَسَبْعَةٍ إِذَا رَجَعْتُمْ] (١) تِلْكَ عَشَرَةٌ كَامِلَةٌ﴾ (٢). وتُعْتَبَرُ القُدْرَةُ فى مَوْضِعِه، فمتى عَدِمَه فى مَوْضِعِه جازَ له الانْتِقَالُ إلى الصِّيامِ، وإن كان قَادِرًا عليه فى بَلَدِهِ؛ لأنَّ وُجُوبَهُ مُوَقَّتٌ، وما كان وُجُوبُه مُوَقَّتًا اعْتُبِرَتِ القُدْرَةُ عليه فى مَوْضِعِه، كالماءِ فى الطَّهارَةِ، إذا عَدِمَه فى مَكَانِه انْتَقَلَ إلى التُّرَابِ. فصل: ولِكُلِّ واحِدٍ من صَوْمِ الثَّلَاثَةِ والسَّبْعَةِ وَقْتَانِ (٣)؛ وَقْتُ جَوازٍ، وَوَقْتُ اسْتِحْبابٍ. فأمَّا وَقْتُ (٣) الثَّلَاثَةِ، فَوَقْتُ الاخْتِيارِ لها أن يَصُومَهَا ما بين إحْرَامِه بِالحَجِّ وَيوْمِ عَرَفَةَ، ويكونُ آخِرُ الثَّلاثةِ يَوْمَ عَرَفَةَ. قال طَاوُسٌ: يَصُومُ ثلاثةَ أيَّامٍ،

стр. 2503

آخِرُهَا (٤) يَوْمُ عَرَفَةَ. وَرُوِىَ ذلك عن عَطاءٍ، والشَّعْبِىِّ، ومُجاهِدٍ، والحسنِ، والنَّخَعِىِّ، وسَعِيدِ بن جُبَيْرٍ، وعَلْقَمَةَ، وعَمْرِو بن دِينَارٍ، وأصْحابِ الرَّأْىِ. ورُوِىَ عن (٤) ابنِ عمرَ، وعائشةَ، أنَّه يَصُومُهُنَّ ما بين إهْلَالِه بِالحَجِّ ويَوْمِ عَرَفَةَ. وظَاهِرُ هذا أن يَجْعَلَ آخِرَها يَوْمَ التَّرْوِيَةِ. وهو قَوْلُ الشَّافِعِىِّ؛ لأنَّ صَوْمَ يَوْمِ عَرَفَةَ بِعَرَفَةَ غيرُ مُسْتَحَبٍّ. وكذلك ذَكَرَ القاضى، فى "المُحَرَّرِ" [مذهبَ أحمدَ] (٥). والمَنْصُوصُ عن أحمدَ الذى وَقَفْنَا عليه مثلُ قَوْلِ الخِرَقِىِّ، أنَّه يكونُ آخِرُها يَوْمَ عَرَفَةَ، وهو قَوْلُ من سَمَّيْنَا من العلماءِ، وإنَّما أحْبَبْنَا له صَوْمَ يَوْمِ عَرَفَةَ هاهنا، لِمَوْضِعِ الحاجَةِ. [وعلى هذا] (٦) القَوْلِ يُسْتَحَبُّ له تَقْدِيمُ الإِحْرامِ بالحَجِّ قبلَ يَوْمِ التَّرْوِيَةِ؛ لِيَصُومَها فى الحَجِّ، وإن صامَ منها شَيْئًا قبلَ إحْرَامِهِ بِالحَجِّ جازَ. نَصَّ عليه. وأمَّا وَقْتُ جَوازِ صِيامِها (٧) فإذا أحْرَمَ بِالعُمْرَةِ. وهذا قَوْلُ أبى حنيفةَ. وعن أحْمَدَ أنَّه (٨) إذا حَلَّ من العُمْرَةِ. وقال مَالِكٌ، والشَّافِعِىُّ: لا يجوزُ إلَّا بعدَ إحْرَامِ الحَجِّ. ويُرْوَى ذلك عن ابْنِ عمرَ. وهو قَوْلُ إسحاقَ، وابنِ المُنْذِرِ؛ لِقَوْلِ اللهِ تعالى: ﴿فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ﴾. ولأنَّه صِيَامٌ وَاجِبٌ، فلم يَجُزْ تَقْدِيمُه على وَقْتِ وُجُوبِه، كسَائِرِ الصِّيامِ الوَاجِبِ. ولأنَّ ما قَبْلَهُ وَقْتٌ لا يجوزُ فيه المُبْدَلُ، فلم يَجُزِ البَدَلُ، كقَبْلِ الإِحْرامِ بِالْعُمْرَةِ. وقال الثَّوْرِىُّ، والأوْزَاعِىُّ: يَصُومُهُنَّ من أَوَّلِ العَشْرِ إلى يَوْمِ عَرَفَةَ. ولَنا، أنَّ إحْرَامَ العُمْرَةِ أحَدُ إحْرَامَىِ التَّمَتُّعِ، فجازَ الصَّوْمُ بعدَه، كإِحْرَامِ الحَجِّ. فأمَّا قَوْلُه: ﴿فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ﴾. فقِيلَ: مَعْنَاهُ فى أشْهُرِ الحَجِّ، فإَّنه لا بُدَّ من إضْمَارٍ، إذْ كان الحَجُّ

стр. 2504

أفْعَالًا لا يُصامُ فيها، إنَّما يُصامُ فى وَقْتِها، أو فى أشْهُرِها. فهو [كَقَولِ اللهِ] (٩) تعالى: ﴿الْحَجُّ أَشْهُرٌ﴾ (١٠). وأمَّا تَقْدِيمُه على وَقْتِ الوُجُوبِ، فيجوزُ إذا وُجِدَ السَّبَبُ، كتَقْدِيمِه الكَفَّارَةَ على الحِنْثِ (١١)، وزُهُوقِ النَّفْسِ. وأمَّا كَوْنُه بَدَلًا، فلا يُقَدَّمُ على المُبْدَلِ، فقد ذَكَرْنَا رِوَايَةً فى جَوَازِ تَقْدِيمِ الهَدْىِ على إحْرَامِ الحَجِّ، فكذلك الصَّوْمُ. وأما تَقْدِيمُ الصَّوْمِ على إحْرَامِ العُمْرَةِ، فغيرُ جَائِزٍ. ولا نَعْلَمُ قَائِلًا بِجَوَازِه، إلا رِوَايَةً حَكَاها بعضُ أصْحابِنَا عن أحمدَ، وليس بِشىءٍ؛ لأنَّه (١٢) يُقَدِّمُ الصَّوْمَ على سَبَبِه وَوُجُوبِه، ويُخَالِفُ قَوْلَ أهْلِ العِلْمِ. وأحمدُ يُنَزَّهُ عن هذا. وأمَّا السَّبْعَةُ، فلها أيضا وَقْتانِ؛ وَقْتُ اخْتِيارٍ، وَوَقْتُ جَوازٍ. أمَّا وَقْتُ الاخْتِيارِ، فإذا رَجَعَ إلى أهْلِه؛ لما رَوَى ابنُ عمرَ، أنَّ النَّبِىَّ ﷺ قال: "فَمَنْ لَمْ يَجِدْ هَدْيًا، فَلْيَصُمْ ثَلَاثَةَ أيَّامٍ فِى الْحَجِّ وسَبْعَةً إذَا رَجَعَ إلى أَهْلِهِ". مُتَّفَقٌ عليه (١٣). وأمَّا وَقْتُ الجَوَازِ، فمنذُ تَمْضِى أيَّامُ التَّشْرِيقِ. قال الأثْرَمُ: سُئِلَ أحمدُ، هل يصومُ فى الطَّرِيقِ أو بمَكَّةَ؟ قال: كيف شاءَ. وبهذا قال أبو حنيفةَ، ومَالِكٌ. وعن عَطاءٍ، ومُجاهِدٍ: يَصُومُها فى الطَّرِيقِ. وهو قَوْلُ إسحاقَ. وقال ابنُ المُنْذِرِ: يَصُومُها (١٤) إذا رَجَعَ إلى أهْلِه؛ لِلْخَبَرِ. ويُرْوَى ذلك عن ابْنِ عمرَ. وهو قَوْلُ الشَّافِعِىِّ. وقِيلَ عنه كَقَوْلِنا، كقَوْلِ إسحاقَ. ولَنا، أنَّ كُلَّ صَوْمٍ لَزِمَهُ، وجازَ فى وَطَنِه، جازَ قبلَ ذلك، كَسائِرِ الفُرُوضِ. وأمَّا الآيَةُ، فإنَّ اللهَ تعالى جَوَّزَ له تَأْخِيرَ الصِّيامِ الوَاجِبِ، فلا يَمْنَعُ ذلك الإِجْزَاءَ قبلَه، كتَأْخِيرِ صَوْمِ رمضانَ فى السَّفَرِ والمَرَضِ، بِقَوْلِه سُبْحَانَه: ﴿فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾ (١٥). ولأنَّ الصَّوْمَ وُجِدَ

стр. 2505

من أَهْلِه بعدَ وُجُودِ سَبَبِه، فأجْزَأَهُ، كصَوْمِ المسافِرِ والمَرِيضِ. فصل: ولا يَجِبُ التَّتَابُعُ [فى الصِّيَامِ لِلمُتْعَةِ، لا فى الثَّلاثةِ، ولا فى السَّبْعةِ، ولا التَّفْريقِ. نَصَّ عليه أحمدُ؛ لأنَّ الأمرَ ورَدَ بها مُطْلقًا] (١٦)، وذلك لا يَقْتَضِى جَمْعًا ولا تَفْرِيقًا. وهذا (١٧) قَوْلُ الثَّوْرِىِّ، وإسحاقَ، وغَيْرِهما. ولا نَعْلَمُ فيه مُخَالِفًا. ٦٧٠ - مسألة؛ قال: (فَإنْ لَمْ يَصُمْ قَبْلَ يَوْمِ النَّحْرِ، صَامَ أَيَّامَ مِنًى، فِى إحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ عن أبِى عَبْدِ اللهِ، والرِّوَايَةُ الأُخْرَى لَا يَصُومُ أَيَّامَ مِنًى، ويَصُومُ بَعْدَ ذلِك عَشَرَةَ أَيَّامٍ، وَعَلَيْهِ دَمٌ) وجُمْلَةُ ذلك أنَّ المُتَمَتِّعَ، إذا لم يَصُم الثَّلَاثَةَ فى أيَّامِ الحَجِّ، فإنَّه يَصُومُها بعدَ ذلك. وبهذا قال علىٌّ، وابنُ عمرَ، وعائشةُ، وعُرْوَةُ بن الزُّبَيْرِ، وعُبَيْدُ بن عُمَيْرٍ، والحسنُ، وعَطاءٌ، والزُّهْرِىُّ، ومَالِكٌ، والشَّافِعِىُّ، وأصْحابُ الرَّأْىِ. ويُرْوَى عن ابنِ عَبّاسٍ، وسَعِيدِ بن جُبَيْرٍ، وطَاوُسٍ، ومُجَاهِدٍ: إذا فَاتَهُ الصَّوْمُ فى العَشْرِ [لم يَصُمْ بعدَه، واسْتَقَرَّ] (١) الهَدْىُ (٢) فى ذِمَّتِه؛ لأنَّ اللهَ تعالى قال: ﴿فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ وَسَبْعَةٍ إِذَا رَجَعْتُمْ﴾. ولأنَّه بَدَلٌ مُوَقَّتٌ، فيَسْقُطُ بِخُرُوجِ وَقْتِه، كالجُمُعَةِ. ولَنا، أنَّه صَوْمٌ وَاجِبٌ، فلا يَسْقُطُ بِخُرُوجِ وَقْتِه، كصَوْمِ رمضانَ، والآيَةُ تَدُلُّ على وُجُوبِه [فى الحَجِّ] (٣)، لا عَلَى سُقُوطِه، والقِيَاسُ مُنْتَقِضٌ بِصَوْمِ الظِّهَارِ إذا قَدَّمَ الْمَسِيسَ عليه، والجُمُعةُ ليستْ بَدَلًا، وإنَّما هى الأصْلُ، وإنَّما سَقَطَتْ لأنَّ الوَقْتَ جُعِلَ شَرْطًا لها كالجَماعَةِ. إذا ثَبَتَ هذا، فإنَّه يَصومُ أيَّامَ

стр. 2506

مِنًى. وهذا قَوْلُ ابنِ عمرَ، وعائشةَ، وعُرْوَةَ، وعُبَيْدِ بن عُمَيْرٍ، والزُّهْرِىِّ، ومَالِكٍ، والأوْزَاعِىِّ، وإسحاقَ، والشَّافِعِىِّ فى القَدِيمِ؛ لِمَا رَوَى ابنُ عمرَ، وعائشةُ، قالا: لم يُرَخَّصْ فى أيَّامِ التَّشْرِيقِ أنْ يُصَمْنَ إلَّا لمن لم يَجِدِ الهَدْىَ. رَوَاهُ البُخَارِىُّ (٤). وهذا يَنْصَرِفُ إلى تَرْخِيصِ النَّبِىِّ ﷺ . ولأنَّ اللهَ تعالى أمَرَ بِصِيَامِ الثَّلاثةِ فى الحَجِّ، ولم يَبْقَ من أيَّامِ الحَجِّ إلَّا هذه الأَيَّامُ، فيَتَعَيَّنُ الصَّوْمُ فيها. فإذا صامَ هذه الأَيَّامَ، فَحُكْمُه حُكْمُ مَن صامَ قبلَ يَوْمِ النَّحْرِ. وعن أحْمَدَ رِوَايَةٌ أُخْرَى، لا يَصُومُ أَيَّامَ مِنًى. رُوِىَ ذلك عن علىٍّ، والحسنِ، وعَطاءٍ. وهو قَوْلُ ابنِ المُنْذِرِ؛ لأنَّ النَّبِىَّ ﷺ نَهَى عن صَوْمِ سِتَّةِ أَيَّامٍ، ذَكَرَ منها أَيَّامَ التَّشْرِيقِ، وقال ﵇: "إنَّهَا أيَّامُ أَكْلٍ وَشُرْبٍ" (٥). ولأنَّها لا يجوزُ فيها صَوْمُ النَّفْلِ، فلا يَصُومُها عن الهَدْىِ، كيَوْمِ النَّحْرِ. فعلى هذه الرِّوَايَةِ، يَصُومُ بعدَ ذلك عَشَرَةَ أَيَّامٍ. وكذلك الحُكْمُ إذا قُلنا: يَصُومُ أيَّامَ مِنًى فلم يَصُمْهَا. واخْتَلَفَتِ الرِّوَايَةُ عن أحمدَ فى وُجُوبِ الدَّمِ عليه، فعنه عليه دَمٌ؛ لأنَّه أَخَّرَ الوَاجِبَ من مَنَاسِكِ الحَجِّ عن وَقْتِه، فلَزِمَهُ دَمٌ، كَرَمْى الجِمارِ، ولا فَرْقَ بين المُؤَخِّرِ لِعُذْرٍ، أو لغيرِه، لما ذَكَرْنَا. وقال القاضى: إنْ أَخَّرَهُ لِعُذْرٍ، ليس عليه إلَّا قَضَاؤُه؛ لأنَّ الدَّمَ الذى هو المُبْدَل، لو أَخَّرَهُ (٦) لِعُذْرٍ، لا دَمَ عليه لِتَأْخِيرِه، فَالبَدَلُ أوْلَى. وَرُوِىَ عن أحمدَ لا يَلْزَمُه مع الصَّوْمِ دَمٌ بحالٍ. وهذا اخْتِيَارُ أبى الخَطَّابِ، ومَذْهَبُ الشَّافِعِىِّ؛ لأنَّه

стр. 2507

صَوْمٌ وَاجِبٌ، يَجِبُ القَضاءُ بِفَوَاتِه، [فلم يجِبْ بفَواته دَمٌ] (٧)، كصَوْمِ رمضانَ. فأمَّا الهَدْىُ الوَاجِبُ، إذا أَخَّرَهُ لِعُذْرٍ، مِثلُ أن ضَاعَتْ نَفَقَتُه، فليس عليه إلَّا قَضَاؤُه، كسَائِرِ الهَدَايَا الوَاجِبَةِ. وإن أَخَّرَهُ لغيرِ عُذْرٍ، ففيه رِوَايَتانِ: إحْدَاهُما، ليس عليه إلَّا قَضَاؤُه، كسَائِرِ الهَدَايَا الواجِبَةِ (٨). والأُخْرَى، عليه هَدْىٌ آخَرُ؛ لأنَّه نُسُكٌ مُؤَقَّتٌ، فلَزِمَ الدَّمُ بِتَأْخِيرِه عن وَقْتِه، كَرَمْىِ الجِمَارِ. وقال أحمَدُ: مَن تَمَتَّعَ، فلم يُهْدِ إلى قَابِلٍ، يُهْدِى هَدْيَيْنِ. كذا قال ابنُ عَبَّاسٍ. فصل: وإذا صامَ عَشَرَةَ أيَّامٍ (٩)، لم يَلْزَمْهُ التَّفْرِيقُ بين الثلاثةِ والسَّبْعَةِ. وقال بَعْضُ (١٠) أصْحَابِ الشَّافِعِىِّ: عليه التَّفْرِيقُ؛ لأنَّه وَجَبَ من حيثُ الفِعْلُ، وما وَجَبَ التَّفْرِيقُ فيه من حيثُ الفِعْلُ، لم يَسْقُطْ بِفَوَاتِ وَقْتِه، كأفْعالِ الصلاةِ من الرُّكُوعِ والسُّجُودِ. ولَنا، أنَّه صَوْمٌ وَاجِبٌ، فى زَمَنٍ يَصِحُّ الصَّوْمُ فيه، فلم يَجِبْ تَفْرِيقُه، كسَائِرِ الصَّوْمِ. ولا نُسَلِّمُ وُجُوبَ (١١) التَّفْرِيقِ فى الأداءِ، [فإنَّه إذا صامَ أيَّامَ مِنًى، وأتْبَعَها السَّبْعَةَ، فما حَصَلَ التَّفْرِيقُ. وإن سَلَّمْنَا وُجُوبَ التَّفْرِيقِ فى الأدَاءِ] (١٢)، فإنَّما (١٣) كان من حيثُ الوَقْتُ، فإذا فَاتَ الوَقْتُ سَقَطَ، كَالتَّفْرِيقِ بين الصلاتَيْنِ. فصل: ووَقْتُ وُجُوبِ الصَّوْمِ وَقْتُ وُجُوبِ الهَدْىِ؛ لأنَّه بَدَلٌ، فكان وَقْتُ وُجُوبِه وَقْتَ وُجُوبِ المُبْدَلِ، كسَائِرِ الأبْدالِ. فإن قيلَ: فكيف جَوَّزْتُم الانْتِقَالَ إلى الصَّوْمِ قبلَ زَمَانِ وُجُوبِ المُبْدَلِ، ولم يَتَحَقَّقِ العَجْزُ عن المُبْدَلِ؛

стр. 2508

لأنَّه إنَّما يَتَحَقَّقُ العَجْزُ (١٤) المُجَوِّزُ للانْتِقَالِ إلى البَدَلِ زَمَنَ الوُجُوبِ، وكيف جَوَّزْتُم الصَّوْمَ قبلَ وُجُوبِه؟ قُلْنا: إنَّما (١٥) جَوَّزْنَا له الانْتِقَالَ إلى البَدَلِ، بِنَاءً على العَجْزِ الظَّاهِرِ، فإنَّ الظَّاهِرَ من المُعْسِرِ اسْتِمْرَارُ إعْسارِه وعَجْزِه، كما جَوَّزْنَا التَّكْفِيرَ بالبَدلِ (١٦) قبلَ وُجُوبِ المُبْدَلِ. وأمَّا تَجْوِيزُ الصَّوْمِ قبلَ وُجُوبِه، فقد ذَكَرْنَاهُ. ٦٧١ - مسألة؛ قال: (وَمَنْ دَخَلَ فِى الصِّيَامِ، ثُمَّ قَدَرَ عَلَى الْهَدْىِ، لَمْ يَكُنْ عَلَيْهِ الخُرُوجُ مِنَ الصَّوْمِ إلَى الهَدْىِ، إلَّا أنْ يَشَاءَ) وبهذا قال الحسنُ، وقَتَادَةُ، ومالِكٌ، والشَّافِعِىُّ. وقال ابنُ أبى نَجِيحٍ (١)، وحَمَّادٌ، والثَّوْرِىُّ: إنْ أيْسَرَ قبلَ أن تَكْمُلَ الثَّلَاثةُ، فعليه الهَدْىُ، وإن أكْمَلَ الثَّلَاثَةَ صَامَ السَّبْعَةَ. وقيل: متى قَدَرَ على الهَدْىِ قبلَ يَوْمِ النَّحْرِ، انْتَقَل إليه، صَامَ أو لم يَصُمْ. وإن وَجَدَهُ بعدَ أن مَضَتْ أيَّامُ النَّحْرِ أَجْزَأَهُ الصيامُ، قَدَرَ على الهَدْىِ أو لم يَقْدِرْ؛ لأنَّه قَدَرَ على المُبْدَلِ [فى زَمَنِ وُجُوبِهِ] (٢)، فلم يُجْزِئْهُ البَدَلُ، كما لو لم يَصُمْ. ولَنا، أنَّه صَوْمٌ دَخَلَ فيه لِعَدَمِ الهَدْىِ، [فإذا وُجدَ الهدىُ] (٣) لم يَلْزَمْهُ الخُرُوجُ إليه، كصومِ السَّبْعَةِ، وعلى هذا يُخرَّجُ الأصْلُ الذى قَاسُوا عليه، فإنَّه (٤) ما شُرِعَ فى الصيامِ.

стр. 2509

فصل: وإن وَجَبَ عليه الصومُ، فلم يَشْرَعْ فيه (٥) حتى قَدَرَ على الهَدْىِ، ففيه رِوَايتانِ: إحْدَاهُما، لا يَلْزَمُهُ الانْتِقَالُ إليه. قال فى رِوَايَةِ المَرُّوذِىِّ (٦): إذا لم يَصُمْ فى الحَجِّ فلْيَصُمْ إذا رَجَعَ. ولا يَرْجِعُ إلى الدَّمِ، وقد انْتَقَلَ فَرْضُه إلى الصيامِ؛ وذلك لأنَّ الصيامَ اسْتَقَرَّ فى ذِمَّتِه، لِوُجُوبِه حَالَ وُجُودِ السَّبَبِ المُتَّصِلِ بشَرْطِه، وهو عَدَمُ الهَدْىِ. والثانية، يَلْزَمُهُ الانْتِقَالُ إليه. قال يعقوبُ: سألتُ أَحمدَ عن المُتَمَتِّعِ إذا لم يَصُمْ قبلَ يومِ النَّحْرِ؟ قال: عليه هَدْيانِ، يَبْعَثُ بهما إلى مَكَّةَ. أوْجَبَ عليه الهَدْىَ الأَصْلِىَّ، وهَدْيًا لِتَأْخِيرِه الصومَ عن وَقْتِه؛ لأنَّه قَدَرَ على المُبْدَلِ (٧) قبلَ شُرُوعِهِ فى البَدَلِ، فلَزِمَهُ الانْتِقَالُ إليه، كالمُتَيَمِّمِ إذا وَجَدَ الماءَ. فصل: ومن لَزِمَهُ صومُ المُتْعَةِ، فَماتَ قبلَ أن يَأْتِىَ به لِعُذْرٍ مَنَعَهُ (٨) الصومَ، فلا شىءَ عليه. وإن كان لِغَيْرِ عُذْرٍ، أُطْعِمَ عنه، كما يُطْعَمُ عن صومِ أيَّامِ رمضانَ. ولأنَّه صومٌ وَجَبَ بِأصْلِ الشَّرْعِ، أشْبَهَ صومَ رمضانَ. ٦٧٢ - مسألة؛ قال: (والمَرْأَةُ إذَا دَخلَتْ مُتَمَتِّعَةً (١)، فحَاضَتْ، فَخشِيَتْ فَوَاتَ الحَجِّ، أَهَلَّتْ بِالحَجِّ، وكَانَتْ قَارِنَةً، ولَمْ يَكُنْ عَلَيْهَا قَضَاءُ طَوَافِ القُدُومِ) وجُمْلَةُ ذلك أنَّ المُتَمَتِّعَةَ إذا حَاضَتْ قبلَ الطَّوَافِ لِلْعُمْرَةِ، لم يكنْ لها أن تَطُوفَ بِالْبَيْتِ؛ لأنَّ الطَّوَافَ بِالْبَيْتِ صلاةٌ، ولأنَّها مَمْنُوعَةٌ من دُخُولِ المسجدِ، ولا يُمْكِنُها أن تَحِلَّ من عُمْرَتِهَا ما لم تَطُفْ بِالْبَيْتِ. فإن خَشِيَتْ فَوَاتَ الحَجِّ

стр. 2510

أَحْرَمَتْ بِالحَجِّ مع عُمْرَتِها، وتَصِيرُ قَارِنَةً. وهذا قولُ مالِكٍ، والأوْزاعِىِّ، والشَّافِعِىِّ، وكَثِيرٍ من أهْلِ العِلْمِ. وقال أبو حنيفةَ: تَرْفُضُ العُمْرَةَ، وتُهِلُّ بِالحَجِّ. قال أحمدُ: قال أبو حنيفةَ قد رَفَضَتِ العُمْرَةَ فصارَ (٢) حَجًّا، وما قال هذا أحَدٌ غيرُ أبى حنيفةَ. وَاحْتَجَّ بما رَوَى عُرْوَةُ، عن عائشةَ، قالت: أهلَلْتُ (٣) بِعُمْرَةٍ، فَقَدِمْتُ مَكَّةَ وأنا حَائِضٌ، لم أَطُفْ بِالْبَيْتِ، ولا بين الصَّفَا والمَرْوَةِ، فَشَكَوْتُ ذلك إلى رسولِ اللهِ ﷺ فقال: "انْقُضِى رَأْسَكِ، وَامْتَشِطِى، وأَهِلِّى بِالْحَجِّ، وَدَعِى العُمْرَةَ". قالت: فَفَعَلْتُ. فلمَّا قَضَيْنَا الحَجَّ أرْسَلَنِى رَسولُ اللهِ ﷺ مع عبدِ الرحمن بن أبى بكرٍ إلى التَّنْعِيمِ، فاعْتَمَرْتُ معه. فقال: "هذِهِ عُمْرَةٌ مَكَانَ عُمْرَتِكِ". مُتَّفَقٌ عليه (٤). وهذا يَدُلُّ على أنَّها رَفَضَتْ عُمْرَتها، وأحْرَمَتْ بِحَجٍّ من وُجُوهٍ ثلاثةٍ؛ أحدُها، قولُه: "دَعِى عُمْرَتَكِ". والثانى، قولُه: "وَامْتَشِطِى". والثالث، قوله: "هذه عُمْرَةٌ مَكَانَ عُمْرَتكِ". ولَنا، ما رَوَى جابِرٌ، قال: أقْبَلَتْ عَائِشَةُ بِعُمْرَةٍ، حتى إذا كانت بِسَرِفٍ عَرَكَتْ (٥)، ثم دَخَلَ رسولُ اللهِ ﷺ على عائِشةَ، فوَجَدَها تَبْكِى، فقال: "مَا شَأْنُكِ؟ " قالتْ: شَأْنِى أنِّى قد حِضْتُ، وقد حَلَّ النّاسُ، ولم أحِلَّ، ولم أَطُفْ بِالْبَيْتِ، والناسُ يَذْهَبُونَ إلى الحَجِّ الآن. فقال: "إنَّ هذَا أَمْرٌ (٦) كَتَبَهُ اللَّه عَلَى بَنَاتِ آدَمَ، فَاغْتَسِلِى، ثُمَّ أَهِلِّى بِالحَجِّ" فَفَعَلَتْ، وَوَقَفَتِ المَواقِفَ، حتى إذا طَهُرَتْ، طَافَتْ بالكَعْبَةِ، وبِالصَّفَا والمَرْوَةِ. ثم قال: "قَدْ حَلَلْتِ مِنْ حَجِّكِ وعُمْرَتِكِ". قالتْ: يا رسولَ اللَّه، إنِّى أجِدُ (٧) فى نَفْسِى أنِّى لم أطُفْ بِالْبَيْتِ (٨)

стр. 2511

حتى حَجَجْتُ. قال: "فَاذْهَبْ بِهَا يَا عَبْدَ الرَّحْمَنِ، فَأَعْمِرْهَا مِنَ التَّنْعِيمِ". ورَوَى طاوُسٌ، عن عائشةَ، أنَّها قالتْ: أَهْلَلْتُ بِعُمْرَةٍ.، فقَدِمْتُ ولم أَطُفْ حتى حِضْتُ، ونَسَكْتُ المَنَاسِكَ كُلَّها، وقد أَهْلَلْتُ بِالحَجِّ. فقال لها النَّبِىُّ ﷺ يومَ النَّفْرِ: "يَسَعُكِ طَوَافُكِ لِحَجِّكِ وعُمْرَتِكِ". فأبَتْ، فبَعَثَ معها عبدَ الرَّحمنِ ابن أبى بكرٍ، فأعْمَرَهَا من التَّنْعِيمِ. رَوَاهُما مُسْلِمٌ (٩). وهما يَدُلَّانِ على ما ذَكَرْنَا جَمِيعِه. ولأنَّ إدْخَالَ الحَجِّ على العُمْرَةِ جَائِزٌ بالإِجْماعِ من غيرِ خَشْيَةِ الفَواتِ، فمع خَشْيَتِه (١٠) أوْلَى. قال ابنُ المُنْذِرِ: أجْمَعَ كُلُّ مَن نَحْفَظُ عنه من أَهْلِ العِلْمِ، أنَّ لمَن أهَلَّ بِعُمْرَةٍ أن يُدْخِلَ عليها الحَجَّ، ما لم يَفْتَتِحِ الطَّوَافَ بِالبَيْتِ. وقد أمَرَ النَّبِىُّ ﷺ مَن كان معه هَدْىٌ (١١) فى حَجَّةِ الوَدَاعِ، أن يُهِلَّ بِالحَجِّ مع العُمْرَةِ، ومع إمكانِ الحَجِّ مع بَقَاءِ العُمْرَةِ لا يجوزُ رَفْضُها؛ لِقَوْلِ اللهِ تعالى: ﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ﴾ (١٢). ولأنَّها مُتَمَكِّنَةٌ من إتْمَامِ عُمْرَتِها بلا ضَرَرٍ، فلم يَجُزْ رَفْضُها، كغَيْرِ الحَائِضِ. فأمَّا حديثُ عُرْوَةَ، فإنَّ قَوْلَه: "انْقُضِى رَأْسَكِ، وامْتَشِطِى، وَدَعِى العُمْرَةَ". انْفَرَدَ به عُرْوَةُ، وخَالَفَ به سائِرَ مَن رَوَى عن عائشةَ حين حاضَتْ، وقد رَوَىَ ذلك (١٣) طَاوُسٌ، والقاسِمُ، والأسْوَدُ، وعَمْرَةُ، [عن عائشةَ] (١٤)، ولم يَذْكُرُوا ذلك (١٥). وحَديثُ جابِرٍ،

стр. 2512

وطَاوُسٍ مُخَالِفَانِ لهذه الزِّيَادَةِ. وقد رَوَى حَمَّادُ بنُ زيدٍ، عن هِشامِ بن عُرْوَةَ، عن أبِيه، عن عائشةَ، حديثَ حَيْضِهَا، فقال فيه: فحَدَّثَنِى (١٦) غيرُ وَاحِدٍ، أنَّ رسولَ اللهِ ﷺ قال لها: "دَعِى العُمْرَة (١٧)، وانْقُضِى رَأْسَكِ، وامْتَشِطِى". وذَكَرَ تَمَامَ الحَدِيثِ. وهذا يَدُلُّ على أنَّ عُرْوَةَ لم يَسْمَعْ هذه الزِّيَادَةَ من عائشةَ، وهو مع [ما ذَكَرْنَا من] (١٨) مُخَالَفَتِه بَقِيَّةَ الرُّوَاةِ، يَدُلُّ على (١٩) الوَهْمِ، مع مُخَالَفَتِها الكِتَابَ (٢٠) والأُصُولَ، إذ ليس لنا مَوْضِعٌ آخَرُ يجوزُ فيه رَفْضُ العُمْرَةِ مع إمْكَانِ إتْمامِها، ويَحْتَمِلُ أنَّ قَوْلَه: "دَعِى العُمْرَةَ". أى دَعِيهَا بِحَالِها، وأهِلِّى بِالحَجِّ معها، أو دَعِى أفْعالَ العُمْرَةِ، فإنَّها تَدْخُلُ فى أَفْعَالِ الحَجِّ. وأمَّا إعْمارُها من التَّنْعِيمِ، فلم يَأْمُرْهَا به النَّبِىُّ ﷺ ، وإنَّما قالتْ للنَّبِىِّ (٢١) ﷺ : إنِّى أجِدُ فى نَفْسِى أنِّى لم أَطُفْ بِالْبَيْتِ حتى حَجَجْتُ. قال: "فَاذْهَبْ بهَا يَا عَبْدَ الرَّحْمَنِ، فَأَعْمِرْهَا مِنَ التَّنْعِيمِ". ورَوَى الأثْرَمُ، بإسْنَادِهِ عن الأَسْوَدِ، عن عائشةَ، قالت (٢٢): اعْتَمَرْتِ بعدَ الحَجِّ؟ قالتْ: واللهِ ما كانت عُمْرَةً، ما كانتْ إلَّا زِيَارَةً زُرْتُ البَيْتَ، إنَّما هى مثلُ نَفَقَتِها (٢٣). قال أحمدُ: إنَّما أعْمَرَ النَّبِىُّ ﷺ عائشةَ حين ألَحَّتْ عليه، فقالت: يَرْجِعُ النّاسُ بِنُسُكَيْنِ، وأرْجِعُ بِنُسُكٍ! فقال: "يا عَبْدَ الرَّحْمَنِ، أَعْمِرْهَا". فنَظَرَ إلى أدْنَى الحَرَمِ، فأعْمَرَها منه (٢٤). وقَوْلُ الخِرَقِىِّ: "ولَمْ يَكُنْ عليها قَضَاءُ طَوَافِ القُدُومِ". وذلك لأنَّ طَوافَ القُدُومِ سُنَّةٌ

стр. 2513

لا يَجِبُ قَضاؤُها، ولم يَأْمُرِ النَّبِىُّ ﷺ عائشةَ بِقَضائِه، ولا فَعَلَتْهُ هى. فصل: وكلُّ مُتَمَتِّعٍ خَشِىَ فَواتَ الحَجِّ، فإنَّه يُحْرِمُ بِالحَجِّ، ويَصِيرُ قَارِنًا، وكذلك المُتَمَتِّعُ الذى معه هَدْىٌ، فإنَّه لا يَحِلُّ من عُمْرَتِه، بل يُهِلُّ بِالحَجِّ معها، فيَصِيرُ قَارِنًا. ولو أدْخَلَ الحَجَّ على العُمْرَةِ قبلَ الطَّوَافِ مِن غير خَوْفِ الفَواتِ، جَازَ، وكان قَارِنًا، بغيرِ خِلافٍ، وقد فَعَلَ ذلك ابنُ عمرَ، ورَوَاهُ عن النَّبِىِّ ﷺ (٢٥). فأمَّا بعدَ الطَّوَافِ، فليس له ذلك، ولا يَصِيرُ قَارِنًا. وبهذا قال الشَّافِعِىُّ، وأبو ثَوْرٍ. وَرُوِىَ عن عَطاءٍ. وقال مَالِكٌ: يَصِيرُ قَارِنًا. وحُكِىَ ذلك عن أبى حنيفةَ؛ لأنَّه أدْخَلَ الحَجَّ على إحْرامِ العُمْرَةِ، فصَحَّ، كما قبلَ الطَّوَافِ. ولَنا، أنَّه شَارِعٌ فى التَّحَلُّلِ من العُمْرَةِ، فلم يَجُزْ له (٢٦) إدْخَالُ الحَجِّ عليها، كما لو سَعَى بين الصَّفَا والمَرْوَةِ. فصل: فأمَّا إدْخَالُ العُمْرَةِ على الحَجِّ، فغيرُ جائِزٍ، فإن فَعَلَ لم يَصِحَّ، ولم يَصِرْ قَارِنًا. رُوِىَ ذلك عن علىٍّ. وبه قال مالِكٌ، وإسْحاقُ، وأبو ثَوْرٍ، وابنُ المُنْذِرِ. وقال أبو حنيفةَ: [ويَصِحُّ، ويَصِيرُ] (٢٧) قَارِنًا؛ لأنَّه أحَدُ النُّسُكَيْنِ، فجَازَ إدْخَالُه على الآخَرِ، قِيَاسًا على إدْخَالِ الحَجِّ على العُمْرَةِ. ولَنا، ما رَوَى الأثْرَمُ، بإسْنَادِه عن عبدِ الرحمنِ بن نَصْرٍ، عن أبِيه، قال: خَرَجْتُ أُرِيدُ الحَجَّ، فقَدِمْتُ المَدِينَةَ، فإذا علىٌّ قد خرج حَاجًّا، فأهْلَلْتُ بِالحَجِّ، ثم خَرَجْتُ، فأدْرَكْتُ عليًّا فى الطَّرِيقِ، وهو يُهِلُّ بِعُمْرَةٍ وحَجَّةٍ، فقلتُ: يا أبا الحسنِ، إنَّما خَرَجْتُ من الكُوفَةِ لأَقْتَدِىَ بك، وقد سَبَقْتَنِى، فأهْلَلْتُ بالحَجِّ، أفأسْتَطِيعُ أن أدْخُلَ معك فيما أنْتَ فيه؟ قال: لا، إنَّما ذلك لو كُنْتَ أهْلَلْتَ بِعُمْرَةٍ (٢٨). ولأنَّ

стр. 2514

إدْخالَ العُمْرَةِ على الحَجِّ لا يُفِيدُه إلَّا ما أفَادَهُ العَقْدُ الأَوَّلُ، فلم يَصِحَّ، كما لو اسْتَأجَرَهُ على عَمَلٍ، ثم اسْتَأْجَرَه عليه ثَانِيًا فى المُدَّةِ، وعَكْسُه إدْخَالُ الحَجِّ على العُمْرَةِ. ٦٧٣ - مسألة؛ قال: (وَمَنْ وَطِئَ قَبْلَ رَمْىِ جَمْرَةِ الْعَقَبَةِ، فَقَدْ فَسَدَ حَجُّهُمَا، وَعَلَيْهِ بَدَنَةٌ إنْ كَانَ اسْتَكْرَهَهَا، وَلَا دَمَ عَلَيْهَا) وفى هذه المَسْأَلَةِ ثلاثةُ فُصولٍ: الفصلُ الأوَّلُ، أنَّ الوَطْءَ قبلَ رَمْىِ (١) جَمْرَةِ العَقَبَةِ يُفْسِدُ الحَجَّ، ولا فَرْقَ بين ما قبلَ الوُقوفِ وبعدَه. وبهذا قال مَالِكٌ، والشَّافِعِىُّ. وقال أصْحابُ الرَّأْىِ: إن وَطِئَ بعد الوُقوفِ لم يَفْسُدْ حَجُّهُ؛ لِقَوْلِ النَّبِىِّ ﷺ : "مَنْ أَدْرَكَ عَرَفَةَ فَقَدْ تَمَّ حَجُّهُ" (٢). ولأنَّه أمِنَ الفَواتَ، فأمِنَ الفَسادَ، كما بعدَ التَّحَلُّلِ الأوَّلِ. ولَنا، أنَّ رَجُلًا سَألَ ابنَ عَبّاسٍ وعبدَ اللهِ بنَ عَمْرٍو، فقال: وَقَعْتُ بأهْلِى ونحنُ مُحْرِمانِ. فقالا له: أفْسَدْتَ حَجَّكَ. ولم يَسْتَفْصِلُوا السَّائِلَ. رَوَاهُ الأثْرَمُ (٣). ولأنَّه وَطْءٌ صادَفَ إحْرَامًا تَامًّا فأفْسَدَهُ، كقَبْلِ الوُقُوفِ، ويُخَالِفُ ما بعدَ التَّحَلُّلِ الأَوَّلِ، فإنَّ الإِحْرامَ غيرُ تامٍّ، والمُرَادُ من الخَبَرِ الأمْنُ من الفَوَاتِ، ولا يَلْزَمُ من أمْنِ الفَواتِ أمْنُ الفَسادِ، وبِدَلِيلِ (٤) العُمْرَةِ يَأْمَنُ فَواتَها ولا يَأْمَنُ فَسادَها. قال أحمدُ: لا أعْلَمُ أحَدًا قال: إنَّ حَجَّهُ تَامٌّ. غيرَ أبى حنيفةَ، يقولُ: الحَجُّ عَرَفَات، فمَن وَقَفَ بها فقد تَمَّ حَجُّهُ. وإنَّما هذا مثلُ قولِ النَّبِيِّ ﷺ : "مَنْ أدْرَكَ رَكْعَةً من الصَّلَاةِ، فَقَدْ أَدْرَكَ الصَّلَاةَ" (٥).

стр. 2515

أى أدْرَكَ فَضْلَ الصلاةِ، ولم تَفُتْهُ، كذلك الحَجُّ. إذا ثَبَتَ هذا، فإنَّه يَفْسُدُ حَجُّهُما جميعا؛ لأنَّ الجِماعَ وُجِدَ منهما، وسَوَاءً فى ذلك النَّاسِى والعامِدُ، والمُستَكْرَهَةُ والمُطاوِعَةُ، والنَّائِمةُ (٦) والمُسْتَيْقِظَةُ، عَالِمًا كان الرَّجُلُ أو جاهِلًا. وقال الشَّافِعِىُّ، فى أحَدِ قَوْلَيْهِ: لا يَفْسُدُ حَجُّ النَّاسِى؛ لأنَّه مَعْذُورٌ. ولَنا، أنَّه مَعْنًى يُوجِبُ القَضاءَ، فاسْتَوَتْ فيه الأحْوالُ كُلُّها كالفَواتِ، ولا فَرْقَ بين ما بعدَ يومِ النَّحْرِ أو قبلَه؛ لأنَّه وَطِئَ قبلَ التَّحَلُّلِ الأوَّلِ، ففَسَدَ حَجُّهُ، كما لو وَطِئَ يومَ النَّحْرِ. ال فصل الثانى، أنَّه يَلْزَمُه بَدَنَةٌ. وبهذا قال مَالِكٌ، والشَّافِعِىُّ. وقال أبو حنيفةَ: إن وَطِئَ قبلَ الوُقوفِ فَسَدَ حَجُّهُ وعليه شَاةٌ، وإن وَطِئَ بعدَه لم يَفْسُدْ حَجُّهُ، وعليه بَدَنَةٌ؛ لأنَّ الوَطْءَ قبلَ الوُقُوفِ مَعْنًى يَتَعَلَّقُ به وُجُوبُ القَضاءِ، فلم يُوجِبْ بَدَنَةً، كالفَواتِ. ولَنا، أنَّه قد رُوِىَ عن عُمَرَ وابنِ عَبّاسٍ مثلُ قَوْلِنَا، ولأنَّه وَطْءٌ صَادَفَ إحْرامًا تَامًّا، فأوْجَبَ البَدَنَةَ، كما بعدَ الوُقُوفِ، ولأنَّ ما يُفْسِدُ الحَجَّ الجِنَايَةُ به أعْظَمُ، فكَفَّارَتُه يَجِبُ أن تكونَ أغْلَظَ. وأمَّا الفَواتُ، فإنَّهم يُوجِبُونَ به بَدَنَةً (٧)، فكيف يَصِحُّ القِياسُ عليه؟ الفصل الثالث، أنَّه لا دَمَ عليها فى حالِ الإِكْراهِ. وهو قَوْلُ عَطاءٍ، ومَالِكٍ، والشَّافِعِىِّ، وإسحاقَ، وأبى ثَوْرٍ. وقال أصْحابُ الرَّأْىِ: عليها دَمٌ آخَرُ؛ لأنَّه قد فَسَدَ حَجُّهَا، فوَجَبَتِ البَدَنَةُ (٨)، كما لو طاوَعَتْ. ولَنا، أنَّها كَفَّارَةٌ تَجِبُ بالجِماعِ، فلم تَجِبْ على المَرْأَةِ فى حالِ الإِكْراهِ، [كما لو وَطِئَ] (٩) فى الصِّيامِ (١٠). فصل: ومَن وَطِئَ قبلَ التَّحَلُّلِ من العُمْرَةِ، فَسَدَتْ عُمْرَتُه، وعليه شَاةٌ مع

стр. 2516

القَضاءِ. وقال الشَّافِعِىُّ: عليه القَضاءُ وبَدَنَةٌ؛ لأنَّها عِبادَةٌ تَشْتَمِلُ على طَوافٍ وسَعْىٍ، فأشْبَهَتِ الحَجَّ. وقال أبو حنيفةَ إن وَطِئَ قبلَ أن يَطُوفَ أَرْبَعَةَ أَشْوَاطٍ كقَوْلِنَا، وإن وَطِئَ بعد ذلك فعليه شَاةٌ، ولا تَفْسُدُ عُمْرَتُهُ. ولَنا على الشَّافِعِىِّ، أنَّها عِبادَةٌ لا وُقُوفَ فيها، فلم يَجبْ فيها بَدَنَةٌ، كما لو قَرَنَها بِالحَجِّ، ولأنَّ العُمْرَةَ دونَ الحَجِّ، فيَجِبُ أن يكونَ حُكمُها دونَ حُكْمِه، وبهذا يَخْرُجُ الحَجُّ. ولَنا على أبى حنيفةَ، أنَّ الجِماع من مَحْظُورَاتِ الإِحْرَامِ، فاسْتَوَى فيه ما قبلَ الطَّوافِ وبعدَه، كسائِرِ المَحْظُوراتِ، ولأنَّه وَطْءٌ صادَفَ إحْرَامًا تَامًّا فأفْسَدَه، كما قبلَ الطَّوافِ. فصل: إذا أفْسَدَ القَارِنُ والمُتَمَتِّعُ نُسُكَهُما، لم يَسْقُطِ الدَّمُ عنهما. وبه قال مَالِكٌ، والشَّافِعِىُّ. وقال أبو حنيفةَ: يَسْقُطُ. وعن أحمدَ مثلُه؛ لأنَّه لم يَحْصُلْ له التَّرَفُّهُ بِسُقُوطِ أحَدِ السَّفَرَيْنِ. ولَنا، أنَّ ما وَجَبَ فى النُّسُكِ الصَّحِيحِ وَجَبَ فى الفَاسِدِ، كالأفْعالِ، ولأنَّه دَمٌ وَجَبَ عليه، فلا يَسْقُطُ بالإِفْسادِ، كالدَّمِ الوَاجِبِ لِتَرْكِ المِيقاتِ. فصل: وإذا أَفْسَدَ القَارِنُ نُسُكَه، ثم قَضَى مُفْرِدًا، لم يَلْزَمْهُ فى القَضاءِ دَمٌ. وقال الشَّافِعِىُّ: يَلْزَمُه؛ لأنَّه يَجِبُ فى القَضاءِ ما يَجِبُ فى الأداءِ، وهذا كان وَاجِبًا فى الأداءِ. ولَنا، أنَّ الإِفْرَادَ أفْضَلُ من القِرَانِ مع الدَّمِ، فإذا أتَى [بهما (١١) فقد أتَى] (١٢) بما هو أوْلى، فلا يَلزَمُهُ شىءٌ، كمن لزِمَتْهُ الصلاةُ بِتَيَمُّمٍ، فقَضَى بِالوُضُوءِ. ٦٧٤ - مسألة؛ قال: (وَإِنْ وَطِئَ بَعْد رَمْىِ جَمْرَةِ العَقَبَةِ، فَعَلَيْهِ دَمٌ، ويَمْضِى إلَى التَّنْعِيمِ فَيُحْرِمُ؛ لِيطُوفَ وَهُوَ مُحْرِمٌ) وفى هذه المسألةِ ثلاثةُ فُصولٍ: أحَدُها، أنَّ الوَطْءَ بعدَ رَمْىِ (١) الجَمْرَةِ لا يُفْسِدُ

стр. 2517

الحَجَّ. وهو قولُ ابنِ عَبّاسٍ، وعِكْرِمَةَ، وعَطاءٍ، والشَّعْبِىِّ، ورَبِيعَةَ، ومالِكٍ، والشَّافِعِىِّ، وإسحاقَ، وأصْحابِ الرَّأْىِ. وقال النَّخَعِىُّ، والزُّهْرىُّ، وحَمَّادٌ: عليه حَجٌّ من قابِلٍ؛ لأنَّ الوَطْءَ صادَفَ إحْرَامًا من الحَجِّ، فأفْسَدَهُ، كَالوَطْءِ قبلَ الرَّمْىِ. ولَنا، قولُ النَّبِىِّ ﷺ : "مَنْ شَهِدَ صَلَاتَنا هذِهِ، وَوَقَفَ مَعَنَا حَتَّى نَدْفَعَ، [وقَدْ] (٢) وَقَفَ بِعَرَفَةَ قَبْلَ ذلِكَ لَيْلًا أو نَهَارًا، فَقَدْ تَمَّ حَجُّهُ، وقَضَى تَفَثَهُ" (٣). ولأنَّه قولُ ابنِ عَبّاسٍ، فإنَّه قال فى رَجُلٍ أصابَ أهْلَه قبلَ أن يُفِيضَ (٤) يومَ النَّحْرِ: يَنْحَرانِ جَزُورًا بينهما، وليس عليه الحَجُّ من قَابِلٍ. ولا نَعْرِفُ له مُخَالِفًا فى الصَّحابةِ. ولأنَّ الحَجَّ عِبادَةٌ لها تَحَلُّلَانِ، فوُجُودُ المُفْسِدِ بعدَ تَحَلُّلِها الأوَّلِ لا يُفْسِدُها، كبعدِ التَّسْلِيمَةِ الأُولَى فى الصلاة، وبهذا فَارَقَ ما قبلَ التَّحَلُّلِ الأوَّلِ. الفصل الثانى، أنَّ الوَاجِبَ عليه بِالوَطْءِ شَاةٌ. هذا ظَاهِرُ كلامِ الخِرَقِىِّ. ونَصَّ عليه أحمدُ. [وهو قَوْلُ] (٥) عِكْرِمَةَ، وَرَبِيَعةَ، ومَالِكٍ، وإسحَاقَ. وقال القاضى: فيه رِوَايَةٌ أُخْرَى، أنَّ عليه بَدَنَةً. وهو قولُ ابنِ عَبّاسٍ، وعَطاءٍ، والشَّعْبِىِّ، والشَّافِعِىِّ، وأصْحابِ الرَّأْىِ؛ لأنَّه وَطِئَ فى الحَجِّ، فوَجَبَتْ عليه بَدَنَةٌ، كما قبلَ رَمْىِ جَمْرَةِ العَقَبَةِ. ولَنا، أنَّه وَطْءٌ لم يُفْسِدِ الحَجَّ (٦)، فلم يُوجبِ البَدَنَةَ (٦)، كَالوَطْءِ دونَ الفَرْجِ إذا لم يُنْزِلْ. ولأنَّ حُكْمَ الإِحْرامِ خَفَّ بالتَّحَلُّلِ الأوَّلِ، فيَنْبَغِى أن يكونَ مُوجِبُه دونَ مُوجِبِ الإِحْرامِ التّامِّ. الفصل الثالث، أنَّه يَفْسُدُ الإِحْرامُ بِالْوَطْءِ بعدَ رَمْىِ الجَمْرَةِ، ويَلْزَمُه أن يُحْرِمَ من الحِلِّ. وبذلك قال عِكْرِمَةُ، ورَبِيعَةُ، وإسحاقُ. وقال ابنُ عَبّاسٍ، وعَطاءٌ، والشَّعْبِىُّ، والشَّافِعِىُّ: حَجُّهُ

стр. 2518

صَحِيحٌ، ولا يَلْزَمُه الإِحْرامُ؛ لأنَّه إحْرامٌ لا يَفْسُدُ جَمِيعُه، فلم يَفْسُدْ بعضُه، كما لو وَطِئَ بعدَ التَحَلُّلِ الثَّانِى. ولَنا، أنَّه وَطْءٌ صادَفَ إحْرامًا، فأفْسَدَهُ، كالإِحْرامِ التّامِّ، وإذا فَسَدَ إحْرامُه، فعليه أن يُحْرِمَ لِيَأْتِىَ بِالطَّوافِ فى إحْرامٍ صَحِيحٍ؛ لأنَّ الطَّوَافَ رُكْنٌ، فيَجِبُ أن يَأْتِىَ به فى إحْرامٍ صَحِيحٍ، كالوُقوفِ، ويَلْزَمُه الإِحْرامُ من الحِلِّ؛ لأنَّ الإِحْرامَ يَنْبَغِى أن يَجْمَعَ فيه بين الحِلِّ والحَرَمِ، فلو أبَحْنا لهذا الإِحْرامَ من الحَرَمِ لم يَجْمَعْ بينهما؛ لأنَّ أفْعَالَه كلَّها تَقَعُ فى الحَرَمِ، فأَشْبَه المُعْتَمِرَ. وإذا أَحْرَمَ من الحِلِّ، طَافَ لِلزِّيَارَةِ، وسَعَى إن كان لم يَسْعَ فى حَجِّه. وإن كان سَعَى، طافَ لِلزِّيَارَةِ، وتَحَلَّلَ (٧). هذا ظَاهِرُ كلامِ الخِرَقِىِّ؛ لأنَّ الذى بَقِىَ عليه بَقِيَّةُ أفْعالِ الحَجِّ، وإنَّما وَجَبَ عليه الإِحْرامُ لِيَأْتِىَ بها فى إحْرامٍ صَحِيحٍ. والمَنْصُوصُ عن أحمدَ ومَن وَافَقَهُ من الأَئِمَّةِ، أنَّه يَعْتَمِرُ، فيَحْتَمِلُ أنَّهم أرَادُوا هذا أيضا، وسَمَّوْهُ عُمْرَةً؛ لأنَّ هذا هو أفْعالُ العُمْرَةِ، ويَحْتَمِلُ أنَّهم أرَادُوا عُمْرَةً حَقِيقِيَّةً، فيَلْزَمُه سَعْىٌ وتَقْصِيرٌ. والأَوَّلُ أَصَحُّ؛ لما ذَكَرْنَا. وقَوْلُ الخِرَقِىِّ: "يُحْرِمُ من التَّنْعِيمِ". لم يَذْكُرْهُ لِتَعْيِينِ الإِحْرامِ منه، بل لأنَّه حَلَّ، فَمِنْ [أىِّ حِلٍّ أَحْرَمَ] (٨) جَازَ، كالمُعْتَمِرِ (٩). فصل: ولا فَرْقَ بينَ مَن حَلَقَ ومَن لم يَحْلِقْ، فى أنَّه لا يَفْسُدُ حَجُّهُ بِالوَطْءِ بعد الرَّمْىِ، وعليه دَمٌ وإحْرَامٌ من الحلِّ. هذا ظَاهِرُ كلامِ أحمدَ، والخِرَقِىِّ، ومَن سَمَّيْنَاهُ من الأئِمَّةِ، لِتَرْتِيبِهم هذا الحُكْمَ على الوَطْءِ بعدَ مُجَرَّدِ الرَّمْىِ، من غيرِ اعْتِبَارِ أمْرٍ زَائِدٍ. فصل: فإن طافَ لِلزِّيَارَةِ، ولم يَرْمِ، ثم وَطِئَ، لم يَفْسُدْ حَجُّه بحالٍ؛ لأنَّ الحَجَّ قد تَمَّت (١٠) أرْكَانُه كلُّها، ولا يَلْزَمُه إحْرَامٌ من الحِلِّ، فإنَّ الرَّمْىَ ليس

стр. 2519

بِرُكْنٍ. وهل يَلْزَمُه دَمٌ؟ يَحْتَمِلُ أنَّه (١١) لا يَلْزَمُه شىءٌ؛ لما ذَكَرْنَا، ويَحْتَمِلُ أنَّه (١١) يَلْزَمُه؛ لأنَّه وَطِئَ قبلَ وُجُودِ ما يَتِمُّ به التَّحَلُّلُ، فأشْبَه مَن وَطِئَ بعدَ الرَّمْىِ وقبلَ الطَّوَافِ. فصل: والقارِنُ كالمُفْرِدِ؛ [فى أنَّه] (١٢) إذا وَطِئَ بعدَ الرَّمْىِ لم يَفْسُدْ حَجُّه، ولا عُمْرَتُه؛ لأنَّ الحُكْمَ لِلحَجِّ، ألَا تَرَى أنَّه لا يَحِلُّ من عُمْرَتِه قبلَ الطَّوافِ، ويَفْعَلُ ذلك إذا كان قارِنًا، ولأنَّ التَّرْتِيبَ لِلْحَجِّ دُونَها، والحَجُّ لا يَفْسُدُ قبلَ الطَّوَافِ، كذلك العُمْرَةُ. وقال أحمدُ فى (١٣) مَن وَطِئَ بعدَ الطَّوَافِ يومَ النَّحْرِ قبلَ أن يَرْكَعَ: ما عليه شىءٌ. قال [أبو طالِبٍ] (١٤): سألْتُ أحمدَ عن الرَّجُلِ يُقَبِّلُ بعدَ رَمْىِ جَمْرَةِ العَقَبَةِ، قبلَ أن يَزُورَ البَيْتَ؟ قال: ليسَ عليه شىءٌ، قد قَضَى المَنَاسِكَ. فعلى هذا، ليس عليه فيما دونَ الوَطْءِ فى الفَرْجِ شىءٌ. ٦٧٥ - مسألة؛ قال: (ومُبَاحٌ لِأَهْلِ السِّقَايَةِ والرُّعَاةِ، أنْ يَرْمُوا بِاللَّيْلِ) تُرْوَى هذه اللَّفْظَةُ: "الرُّعَاةُ" (١) بِضَمِّ الرَّاءِ وإثْبَاتِ الهَاءِ، مثل الدُّعَاةِ والقُضَاةِ. والرِّعَاءُ، بِكَسْرِ الرَّاءِ والمَدِّ من غيرِ هَاءٍ، وهما لُغَتانِ صَحِيحتانِ. قال اللهُ تعالى: ﴿حَتَّى يُصْدِرَ الرِّعَاءُ﴾ (٢). وفى بعضِ الحَدِيثِ: أرْخَصَ لِلرُّعَاةِ (٣) أن يَرْمُوا يَوْمًا، ويَدَعُوا يَوْمًا (٤). وإنَّما أُبِيحَ لِهؤلاءِ الرَّمْىُ بِاللَّيْلِ؛ لأنَّهم يَشْتَغِلُونَ

стр. 2520

بِالنَّهارِ بِرَعْىِ المَواشِى وحِفْظِها، وأهْلُ السِّقَايَةِ هم الذين يَسْقُونَ من بِئْرِ زَمْزَمَ لِلْحاجِّ، فيَشْتَغِلُونَ بِسِقَايَتِهِمْ نَهَارًا، فأُبِيحَ لهمُ الرَّمْىُ فى وَقْتِ فَراغِهِمْ، تَخْفِيفًا عليهم، فيجوزُ لهم رَمْىُ كُلِّ يَوْمٍ فى اللَّيْلَةِ المُسْتَقْبَلَةِ، فيَرْمُونَ جَمْرَةَ العَقَبَةِ فى ليلَةِ اليومِ الأوَّلِ من أيَّامِ التَّشْرِيقِ، ورَمْىِ اليومِ الأوَّلِ فى لَيْلَةِ الثَّانِى، وَرَمْىِ الثَّانِى فى لَيْلَةِ الثَّالِثِ، والثَّالِثِ إذا أخَّرُوهُ إلى الغُرُوبِ سَقَطَ عنهم، كسُقُوطِه عن غَيرِهم. قال عَطاءٌ: لا يَرْمِى اللَّيْلَ إلَّا رِعَاءُ الإِبِلِ، فأمَّا التُّجَّارُ فلا. وكان مَالِكٌ، والشَّافِعِىُّ، وأبو ثَوْرٍ، وأصْحابُ الرَّأْىِ، يَقُولُونَ: مَن نَسِىَ الرَّمْىَ إلى اللَّيْلِ، رَمَى، ولا شىءَ عليه، من الرُّعَاةِ ومِن غيرِهم. ٦٧٦ - مسألة؛ قال: (ومُبَاحٌ لِلرُّعَاةِ أنْ يُؤَخِّرُوا الرَّمْىَ، فَيَقْضُوهُ فِى وَقْتِ (١) الثَّانِى) وجُمْلَةُ ذلك أنَّه يجوزُ لِلرُّعاةِ تَرْكُ المَبِيتِ بِمِنًى لَيَالِىَ مِنًى، ويُؤَخِّرُونَ رَمْىَ اليومِ الأوَّلِ، ويَرْمُونَ يومَ النَّفْرِ الأوَّلِ عن الرَّمْيَيْنِ جميعًا؛ لما عليهم من المَشَقَّةِ فى المَبِيتِ والإِقامَةِ لِلرَّمْىِ. وقد رَوَى مَالِكٌ، عن عبدِ اللهِ بن أبى بكرٍ، عن أبيه، عن أبى البَدَّاحِ بن عاصِمٍ، عن أبيه، قال: رَخَّصَ رسولُ اللهِ ﷺ لِرِعَاءِ الإِبِلِ فى البَيْتُوتَةِ أن يَرْمُوا يومَ النَّحْرِ، ثم يَجْمَعُوا (٢) رَمْىَ يومَيْنِ بعدَ يومِ النَّحْرِ، يَرْمُونَهُ فى أحَدِهما. قال مَالِكٌ: ظَنَنْتُ أنَّه قال (٣) فى أوَّل يومٍ منهما، ثم يَرْمُونَ يومَ النَّفْرِ. رَوَاهُ ابنُ مَاجَه، والتِّرْمِذِىُّ (٤). وقال: حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ، رَوَاهُ ابنُ عُيَيْنَةَ، قال:

стр. 2521

رَخَّصَ لِلرِّعاءِ أن يَرْمُوا يومًا، ويَدَعُوا يَوْمًا. وكذلك الحُكْمُ فى أهْلِ سِقَايَةِ الحاجِّ. وقد رَوَى ابنُ عمرَ، أنَّ العَبَّاسَ اسْتَأْذَنَ النَّبِىَّ ﷺ ، لِيَبِيتَ بمَكَّةَ لَيَالِىَ مِنًى، من أَجْلِ سِقَايَتِه. مُتَّفَقٌ عليه (٥). إلَّا أنَّ الفَرْقَ بين الرِّعَاءِ، وأهْلِ السِّقَايَةِ، أنَّ الرِّعاءَ إذا قامُوا حتى غَرَبَتِ الشمسُ [لَزِمَهُمُ البَيْتُوتَةُ، وأهلُ السِّقَايَة بخلاف ذلك؛ لأنَّ الرُّعَاةَ إنَّما رَعْيُهُمْ بالنَّهار، فإذا غَرَبَتِ الشمسُ] (٦) فقد انْقَضَى وَقْتُ الرَّعْىِ، وأهْلُ السِّقايةِ يَشْتَغِلُونَ لَيْلًا ونَهارًا، فافْتَرَقا، وصارَ الرِّعاءُ كالمَرِيضِ الذى يُباحُ له تَرْكُ الجمعةِ لِمَرضِه، فإذا حَضَرَها تَعَيَّنَتْ عليه، والرِّعاءُ أُبِيحَ لهم تَرْكُ المَبِيتِ لأجْلِ الرَّعْىِ، فإذا فَاتَ وَقْتُه وَجَبَ المَبِيتُ. فصل: وأهْلُ الأعْذارِ من غيرِ الرِّعاءِ، كالمَرْضَى، ومن له مَالٌ يَخافُ ضَيَاعَهُ، ونحوِهم، كالرِّعاءِ فى تَرْكِ البَيْتُوتَةِ؛ لأنَّ النَّبِىَّ ﷺ رَخَّصَ لهؤلاءِ تَنْبِيهًا على غيرِهم، أو نَقُولُ: نَصَّ عليه لِمَعْنًى وُجِدَ فى غيرِهم، فوَجَبَ إلْحَاقُه بهم. فصل: إذا كان الرجلُ مَرِيضًا، أو مَحْبُوسًا، أو له عُذْرٌ، جازَ أن يَسْتَنِيبَ مَن يَرْمِى عنه. قال الأثْرَمُ: قلتُ لأبى عبدِ اللهِ: إذا رُمِىَ عنه الجِمارُ، يَشْهَدُ هو ذاك أو يكونُ فى رَحْلِه؟ قال: يُعْجِبُنِى أن يَشْهَدَ ذاك إن قَدَرَ حين يُرْمَى عنه. قلتُ: فإن ضَعُفَ عن (٧) ذلك، أيكونُ فى رَحْلِه [ويَبْعَثُ مَن يَرْمِى] (٨) عنه؟ قال: نعم. قال القاضى: المُسْتَحَبُّ أن يَضَعَ الحَصَى فى يَدِ النَّائِبِ، لِيكونَ له عَمَلٌ فى الرَّمْىِ. وإن أُغْمِىَ على المُسْتَنِيبِ، لم تَنْقَطِعِ النِّيَابَةُ، ولِلنَّائِبِ الرَّمْىُ عنه، كما لو اسْتَنَابَهُ فى الحَجِّ ثم أُغْمِىَ عليه. وبما ذَكَرْنا فى هذه المَسْأَلةِ قال الشَّافِعِىُّ، ونحوَه قال مَالِكٌ، إلَّا أنَّه قال: يَتَحَرَّى المَرِيضُ حينَ رَمْيِهم، فيُكَبِّرُ سَبْعَ تَكْبِيرَاتٍ.

стр. 2522

فصل: ومن تَرَكَ الرَّمْىَ من غيرِ عُذْرٍ، فعليه دَمٌ. قال أحمدُ: أعْجَبُ إلَىَّ إذا تَرَكَ رَمْىَ (٩) الأَيَّامِ كُلِّها كان عليه دَمٌ. وفى تَرْكِ جَمْرَةٍ وَاحِدَةٍ دَمٌ أيضًا. نَصَّ عليه أحمدُ. وبهذا قال عَطَاءٌ، والشَّافِعِىُّ، وأصْحابُ الرَّأْىِ. وحُكِىَ عن مَالِكٍ أنَّ عليه فى جَمْرَةٍ أو الجَمَرَاتِ كلِّها بَدَنَةً. قال الحسنُ: مَن نَسِىَ جَمْرَةً واحِدَةً يَتَصَدَّقُ على مِسْكِينٍ. ولَنا، قولُ ابنِ عَبّاسٍ: من تَرَكَ شيئا من مَنَاسِكِه فعليه دَمٌ. ولأنَّه تَرَكَ من مَنَاسِكِه ما لا يَفْسُدُ الحَجُّ بِتَرْكِهِ، فكان الوَاجِبُ عليه شاةً كالمَبِيتِ. وإن تَرَكَ أقَلَّ من جَمْرَةٍ، فالظَّاهِرُ عن أحمدَ أنَّه لا شىءَ عليه، فى حَصَاةٍ، ولا فى (١٠) حَصَاتَيْنِ. وعنه، أنَّه يَجِبُ الرَّمْىُ بِسَبْعٍ (١٠). فإن تَرَكَ شيئًا من ذلك، تَصَدَّقَ بشىءٍ، أيِّ شىءٍ كان. وعنه، أنَّ فى كلِّ (١١) حَصَاةٍ دَمًا. وهو مذهبُ مَالِكٍ، واللَّيْثِ؛ لأنَّ ابنَ عَبَّاسٍ، قال: من تَرَكَ شيئا من مَنَاسِكِه فعليه دَمٌ (١٢). وعنه: فى الثَّلاثةِ دَمٌ. وهو مذهبُ الشًافِعِىِّ. وفيما دون ذلك، فى كل حَصَاةٍ مُدٌّ. وعنه: دِرْهَمٌ (١٣). وعنه، نِصْفُ دِرْهَمٍ. وقال أبو حنيفةَ: إن تَرَكَ جَمْرَةَ العَقَبَةِ أو الجِمارَ كلَّها فعليه دَمٌ، وإن تَرَكَ غيرَ ذلك فعليه فى كلِّ حَصاةٍ نِصْفُ صَاعٍ، إلى أن يَبْلُغَ دَمًا. وقد ذَكَرْنَا ذلك. وآخِرُ وَقْتِ الرَّمْىِ آخِرُ أَيَّامِ التَّشْرِيقِ، فمتى خَرَجَتْ قبل رَمْيِهِ فاتَ وَقْتُه، واسْتَقَرَّ عليه الفِداءُ الوَاجِبُ فى تَرْكِ الرَّمْىِ. هذا قولُ أكْثَر أهْلِ العِلْمِ. وحُكِىَ عن عَطَاءٍ، في مَن رَمَى جَمْرَةَ العَقَبَةِ، ثم خَرَجَ إلى إِبلِه فى ليلَةِ أرْبَعَ عَشَرَةَ، ثم رَمَى قبلَ طُلُوعِ الفَجْرِ، فإن لم يَرْمِ أهْرَقَ دَمًا. والأَوَّلُ أَوْلَى؛ لأنَّ محلَّ الرَّمْىِ النَّهَارُ، فيَخْرُجُ وَقْتُ الرَّمْى بِخُرُوجِ النَّهَارِ، واللهُ أعْلمُ.

стр. 2523

بابُ الفِدْيَةِ وجَزاءِ الصَّيْدِ ٦٧٧ - مسألة؛ قال: (وَمَنْ حَلَقَ أرْبَعَ شَعَرَاتٍ فَصَاعِدًا، عَامِدًا أوْ مُخْطِئًا، فَعَلَيْهِ صِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ، أوْ إطْعَامُ ثَلَاثَةِ آصُعٍ مِنْ تَمْرٍ بَيْنَ سِتَّةِ مَسَاكِينَ، أوْ ذَبْحُ شَاةٍ، أىَّ ذلِكَ فَعَلَ أَجْزَأَهُ) الكلامُ فى هذه المسألةِ فى سِتَّةِ فُصُولٍ: الفصلُ (١) الأوَّل، أنَّ على المُحْرِمِ فِدْيَةً إذا حَلَقَ رَأْسَهُ. ولا خِلافَ فى ذلك. قال ابنُ المُنْذِرِ: أجْمَعَ أهْلُ العِلْمِ على وُجوبِ الفِدْيَةِ علَى مَن حَلَقَ وهو مُحْرِمٌ بغير عِلَّةٍ. والأصْلُ فى ذلك قَوْلُه تعالى: ﴿وَلَا تَحْلِقُوا رُءُوسَكُمْ حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ بِهِ أَذًى مِنْ رَأْسِهِ فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ﴾ (٢). وقال النَّبِىُّ ﷺ لِكَعْبِ بن عُجْرَةَ: "لَعَلَّكَ آذَاكَ هَوَامُّكَ؟ " قال: نعم يا رسولَ اللهِ. فقال رسولُ اللهِ ﷺ : "احْلِقْ رَأْسَكَ، وصُمْ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ، أوْ أَطْعِمْ سِتَّةَ مَسَاكِينَ، أوِ انْسُكْ شَاةً". مُتَّفَقٌ عليه (٣). وفى لَفْظٍ: "أوْ أَطْعِمْ سِتَّةَ مَسَاكِينَ، لِكُلِّ مِسْكِينٍ نِصْفُ صَاعِ تَمْرٍ". ولا فَرْقَ فى ذلك بين إزَالَةِ الشَّعْرِ بِالحَلْقِ، أو النُّورَةِ، أو قَصِّهِ (٤)، أو غيرِ ذلك، لا نَعْلَمُ فيه خِلافًا. الفصل الثانى، أنَّه لا فَرْقَ بين العامِدِ والمُخْطِئ، ومَن له عُذْرٌ ومَن لا عُذْرَ له، فى ظاهِرِ المذهبِ. وهو قَوْلُ الشَّافِعِىِّ، ونحوُه عن الثَّوْرِىِّ. وفيه وَجْهٌ آخَرُ، لا فِدْيَةَ على النَّاسِى. وهو قَوْلُ إسْحاقَ، وابنِ المُنْذِرِ؛

стр. 2524

لِقَوْلِه ﵇: "عُفِىَ لأُمَّتِى عَنِ الخَطَأِ والنِّسْيَانِ" (٥). ولَنا، أنَّه إتْلَافٌ، فاسْتَوَى عَمْدُهُ وخَطَأُهُ، كقَتْلِ الصَّيْدِ، ولأنَّ اللهَ تعالى أَوْجَبَ الفِدْيَةَ على مَن حَلَقَ رَأْسَهُ لأَذًى به وهو مَعْذُورٌ، فكان ذلك تَنْبِيهًا على وُجُوبِها على غيرِ المَعْذُورِ، ودَلِيلًا على وُجُوبِها على المَعْذُورِ بِنَوْعٍ آخَرَ، مِثْلُ المُحْتَجِمِ الذى يَحْلِقُ مَوْضِعَ مَحاجِمِه، أو شَعْرًا عن شَجَّتِه، وفى مَعْنَى النّاسِى النَّائِمُ الذى يَقْلَعُ شَعْرَهُ، أو يُصَوِّبُ شَعْرَهُ إلى تَنُّورٍ فيَحْرِقُ لَهَبُ النّارِ شَعْرَهُ، ونحوُ ذلك. الفصل الثالث، أنَّ الفِدْيَةَ هى أحدُ (٦) الثَّلَاثَةِ المَذْكُورَةِ فى الآيةِ والخَبَرِ، أيُّها شاءَ فَعَلَ، لأنَّه أُمِرَ بها بِلَفْظِ التَّخْيِيرِ، ولا فَرْقَ فى ذلك بين المَعْذُورِ وغيرِه، والعَامِدِ والمُخْطِئ. وهو مذهبُ مالِكٍ، والشَّافِعِىِّ. وعن أحمدَ، أنَّه إذا حَلَقَ لغير عُذْرٍ فعليه الدَّمُ، مِن غيرِ تَخْيِيرٍ. وهو مذهبُ أبى حنيفةَ؛ لأنَّ اللهَ تعالى خَيَّرَ بَشَرْطِ العُذْرِ، فإذا عُدِمَ الشَّرْطُ وَجَبَ زَوالُ التَّخْيِيرِ. ولنَا، أنَّ الحُكْمَ ثَبَتَ (٧) فى غيرِ المَعْذُورِ بِطَرِيقِ التَّنْبِيهِ تَبَعًا له، والتَّبَعُ لا يُخالِفُ أصْلَهُ، ولأنَّ كُلَّ كَفَّارَةٍ ثَبَتَ التَّخْيِيرُ فيها إذا كان سَبَبُها مُبَاحًا ثَبَتَ كذلك إذا كان مَحْظُورًا، كجَزَاءِ الصَّيْدِ، ولا فَرْقَ بين قَتْلِه لِلضَّرُورَةِ إلى أكْلِه، أو لغيرِ ذلك، وإنَّما الشَّرْطُ لِجَوَازِ الحَلْقِ لا للتَّخْيِير. الفصل الرابع، أن القَدْرَ الذى يَجِبُ به الدَّمُ أرْبَعُ شَعَرَاتٍ فصاعِدًا، وفيه رِوَايَةٌ أُخْرَى، يَجِبُ فى الثَّلَاثِ ما فى حَلْقِ الرَّأْسِ. قال القاضى: هو المذهبُ. وهو قَوْلُ الحسنِ، وعَطاءٍ، وابنِ عُيَيْنَةَ، والشَّافِعِىِّ، وأبى ثَوْرٍ؛ لأنَّه شَعْرُ آدَمِىٍّ يَقَعُ عليه اسْمُ الجَمْعِ المُطْلَق، فجازَ أن يَتَعَلَّقَ به الدَّمُ كالرُّبْعِ. وقال أبو حنيفةَ: لا يَجِبُ الدَّمُ بدون رُبْعِ الرَّأْسِ؛ لأنَّ الرُّبْعَ يَقُومُ مَقَامَ الكُلِّ، ولهذا إذا رَأَى رَجُلًا يقول: رَأيْتُ فُلانًا. وإنَّما رَأَى إحْدَى جِهَاتِه. وقال مَالِكٌ: إذا حَلَقَ مِن رَأْسِه ما

стр. 2525

أماطَ به الأذَى وَجَبَ الدَّمُ. وَوَجْهُ كلامِ الخِرَقِىِّ أنَّ الأرْبَعَ كَثِيرٌ، فوَجَبَ به الدَّمُ، كَالرُّبْعِ فصاعِدًا، أمَّا الثَّلَاثَةُ فهى آخِرُ القِلَّةِ، وآخِرُ الشَّىْءِ منه، فأشْبَه الشَّعْرَةَ والشَّعْرَتَيْنِ، والاسْتِدْلَالُ بأن الرُّبْعَ يَقَعُ عليه اسْمُ الكُلِّ غيرُ صَحِيحٍ؛ فإنَّ ذلك لا يَتَقَيَّدُ بِالرُّبْعِ، وإنَّما هو مَجَازٌ يَتَنَاوَلُ الكثيرَ والقَلِيلَ. الفصل الخامس، أنَّ شَعْرَ الرَّأْسِ وغيرَه سَواءٌ فى: وُجُوبِ الفِدْيَةِ؛ لأنَّ شَعْرَ غيرِ الرَّأْسِ يَحْصُلُ بِحَلْقِه التَّرَفُّهُ والتَّنَظُّفُ، فأشْبَه الرَّأْسَ. فإنْ حَلَقَ من شَعْرِ رَأْسِه وبَدَنِه، ففى الجَمِيعِ فِدْيَةٌ وَاحِدَةٌ، وإن كَثُرَ. وإنْ حَلَقَ من رَأسِهِ شَعْرَتَينِ، ومن بَدَنِه شَعْرَتَيْنِ، فعليه دَمٌ وَاحِدٌ. هذا ظاهِرُ كلامِ الخِرَقِىِّ، واخْتِيارُ أبى الخَطَّابِ، ومذهبُ أكْثَرِ الفقهاءِ. وذَكَرَ أبو الخَطَّابِ أنَّ فيها رِوَايَتَيْنِ؛ إحْداهما كما (٨) ذَكَرْنَا. والثانية، أنَّه إذا قَلَعَ من شَعْرِ رَأْسِه وبَدَنِه ما يَجِبُ الدَّمُ بِكُلِّ وَاحِدٍ منهما مُنْفَرِدًا، ففيهما دَمانِ. وهو الذى ذَكَرَهُ القاضى وابنُ عَقِيلٍ، لأنَّ الرَّأْسَ يُخَالِفُ البَدَنَ؛ لحُصُول (٩) التَّحَلُّلِ بحَلْقِه (١٠) دُونَ البَدَنِ. ولَنا، أنَّ الشَّعْرَ كُلَّهُ جِنْسٌ وَاحِدٌ فى البَدَنِ، فلم تَتَعَدَّد الفِدْيَةُ فيه، بِاخْتِلافِ مَوَاضِعِه، كسَائِرِ البَدَنِ وكَاللِّبَاسِ، ودَعْوَى الاخْتِلَافِ تَبْطُلُ بِاللِّبَاسِ، فإنَّه يَجِبُ كَشْفُ الرَّأْسِ دُونَ غيرِه، والجَزاءُ فى اللِّبْسِ فيهما واحِدٌ. الفصل السادس، أنَّ الفِدْيَةَ الوَاجبَةَ بِحَلْقِ الشَّعْرِ هى المَذْكُورَةُ فى حَدِيثِ كَعْبِ بن عُجْرَةَ، بِقَوْلِ النَّبِيِّ ﷺ : "احْلِقْ رَأْسَكَ، وصُمْ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ، أوْ أطْعِمْ سِتَّةَ مَسَاكِينَ، لِكُلِّ مِسْكِينٍ نِصْفُ صَاعٍ، أو انْسُكْ شَاةً". وفى لَفْظٍ: "أوْ أطْعِمْ فَرَقًا بَيْنَ سِتَّةِ مَسَاكِينَ". مُتَّفَقٌ عليه (١١). وفى لَفْظٍ: "أو أطْعِمْ سِتَّةَ مَسَاكِينَ بَيْنَ كُلِّ مِسْكِينَيْنِ (١٢) صَاعٌ". وفى لَفْظٍ: "فَصُمْ ثَلَاثَةَ
следующие страницы →