← Фикх ханбали

Фикх ханбали · id 6910

المغني لابن قدامة - ت التركي

ابن قدامة

Полный текст (7 955 стр.). Показаны 2521–2560 · переход к 2526.

стр. 2521

رَخَّصَ لِلرِّعاءِ أن يَرْمُوا يومًا، ويَدَعُوا يَوْمًا. وكذلك الحُكْمُ فى أهْلِ سِقَايَةِ الحاجِّ. وقد رَوَى ابنُ عمرَ، أنَّ العَبَّاسَ اسْتَأْذَنَ النَّبِىَّ ﷺ ، لِيَبِيتَ بمَكَّةَ لَيَالِىَ مِنًى، من أَجْلِ سِقَايَتِه. مُتَّفَقٌ عليه (٥). إلَّا أنَّ الفَرْقَ بين الرِّعَاءِ، وأهْلِ السِّقَايَةِ، أنَّ الرِّعاءَ إذا قامُوا حتى غَرَبَتِ الشمسُ [لَزِمَهُمُ البَيْتُوتَةُ، وأهلُ السِّقَايَة بخلاف ذلك؛ لأنَّ الرُّعَاةَ إنَّما رَعْيُهُمْ بالنَّهار، فإذا غَرَبَتِ الشمسُ] (٦) فقد انْقَضَى وَقْتُ الرَّعْىِ، وأهْلُ السِّقايةِ يَشْتَغِلُونَ لَيْلًا ونَهارًا، فافْتَرَقا، وصارَ الرِّعاءُ كالمَرِيضِ الذى يُباحُ له تَرْكُ الجمعةِ لِمَرضِه، فإذا حَضَرَها تَعَيَّنَتْ عليه، والرِّعاءُ أُبِيحَ لهم تَرْكُ المَبِيتِ لأجْلِ الرَّعْىِ، فإذا فَاتَ وَقْتُه وَجَبَ المَبِيتُ. فصل: وأهْلُ الأعْذارِ من غيرِ الرِّعاءِ، كالمَرْضَى، ومن له مَالٌ يَخافُ ضَيَاعَهُ، ونحوِهم، كالرِّعاءِ فى تَرْكِ البَيْتُوتَةِ؛ لأنَّ النَّبِىَّ ﷺ رَخَّصَ لهؤلاءِ تَنْبِيهًا على غيرِهم، أو نَقُولُ: نَصَّ عليه لِمَعْنًى وُجِدَ فى غيرِهم، فوَجَبَ إلْحَاقُه بهم. فصل: إذا كان الرجلُ مَرِيضًا، أو مَحْبُوسًا، أو له عُذْرٌ، جازَ أن يَسْتَنِيبَ مَن يَرْمِى عنه. قال الأثْرَمُ: قلتُ لأبى عبدِ اللهِ: إذا رُمِىَ عنه الجِمارُ، يَشْهَدُ هو ذاك أو يكونُ فى رَحْلِه؟ قال: يُعْجِبُنِى أن يَشْهَدَ ذاك إن قَدَرَ حين يُرْمَى عنه. قلتُ: فإن ضَعُفَ عن (٧) ذلك، أيكونُ فى رَحْلِه [ويَبْعَثُ مَن يَرْمِى] (٨) عنه؟ قال: نعم. قال القاضى: المُسْتَحَبُّ أن يَضَعَ الحَصَى فى يَدِ النَّائِبِ، لِيكونَ له عَمَلٌ فى الرَّمْىِ. وإن أُغْمِىَ على المُسْتَنِيبِ، لم تَنْقَطِعِ النِّيَابَةُ، ولِلنَّائِبِ الرَّمْىُ عنه، كما لو اسْتَنَابَهُ فى الحَجِّ ثم أُغْمِىَ عليه. وبما ذَكَرْنا فى هذه المَسْأَلةِ قال الشَّافِعِىُّ، ونحوَه قال مَالِكٌ، إلَّا أنَّه قال: يَتَحَرَّى المَرِيضُ حينَ رَمْيِهم، فيُكَبِّرُ سَبْعَ تَكْبِيرَاتٍ.

стр. 2522

فصل: ومن تَرَكَ الرَّمْىَ من غيرِ عُذْرٍ، فعليه دَمٌ. قال أحمدُ: أعْجَبُ إلَىَّ إذا تَرَكَ رَمْىَ (٩) الأَيَّامِ كُلِّها كان عليه دَمٌ. وفى تَرْكِ جَمْرَةٍ وَاحِدَةٍ دَمٌ أيضًا. نَصَّ عليه أحمدُ. وبهذا قال عَطَاءٌ، والشَّافِعِىُّ، وأصْحابُ الرَّأْىِ. وحُكِىَ عن مَالِكٍ أنَّ عليه فى جَمْرَةٍ أو الجَمَرَاتِ كلِّها بَدَنَةً. قال الحسنُ: مَن نَسِىَ جَمْرَةً واحِدَةً يَتَصَدَّقُ على مِسْكِينٍ. ولَنا، قولُ ابنِ عَبّاسٍ: من تَرَكَ شيئا من مَنَاسِكِه فعليه دَمٌ. ولأنَّه تَرَكَ من مَنَاسِكِه ما لا يَفْسُدُ الحَجُّ بِتَرْكِهِ، فكان الوَاجِبُ عليه شاةً كالمَبِيتِ. وإن تَرَكَ أقَلَّ من جَمْرَةٍ، فالظَّاهِرُ عن أحمدَ أنَّه لا شىءَ عليه، فى حَصَاةٍ، ولا فى (١٠) حَصَاتَيْنِ. وعنه، أنَّه يَجِبُ الرَّمْىُ بِسَبْعٍ (١٠). فإن تَرَكَ شيئًا من ذلك، تَصَدَّقَ بشىءٍ، أيِّ شىءٍ كان. وعنه، أنَّ فى كلِّ (١١) حَصَاةٍ دَمًا. وهو مذهبُ مَالِكٍ، واللَّيْثِ؛ لأنَّ ابنَ عَبَّاسٍ، قال: من تَرَكَ شيئا من مَنَاسِكِه فعليه دَمٌ (١٢). وعنه: فى الثَّلاثةِ دَمٌ. وهو مذهبُ الشًافِعِىِّ. وفيما دون ذلك، فى كل حَصَاةٍ مُدٌّ. وعنه: دِرْهَمٌ (١٣). وعنه، نِصْفُ دِرْهَمٍ. وقال أبو حنيفةَ: إن تَرَكَ جَمْرَةَ العَقَبَةِ أو الجِمارَ كلَّها فعليه دَمٌ، وإن تَرَكَ غيرَ ذلك فعليه فى كلِّ حَصاةٍ نِصْفُ صَاعٍ، إلى أن يَبْلُغَ دَمًا. وقد ذَكَرْنَا ذلك. وآخِرُ وَقْتِ الرَّمْىِ آخِرُ أَيَّامِ التَّشْرِيقِ، فمتى خَرَجَتْ قبل رَمْيِهِ فاتَ وَقْتُه، واسْتَقَرَّ عليه الفِداءُ الوَاجِبُ فى تَرْكِ الرَّمْىِ. هذا قولُ أكْثَر أهْلِ العِلْمِ. وحُكِىَ عن عَطَاءٍ، في مَن رَمَى جَمْرَةَ العَقَبَةِ، ثم خَرَجَ إلى إِبلِه فى ليلَةِ أرْبَعَ عَشَرَةَ، ثم رَمَى قبلَ طُلُوعِ الفَجْرِ، فإن لم يَرْمِ أهْرَقَ دَمًا. والأَوَّلُ أَوْلَى؛ لأنَّ محلَّ الرَّمْىِ النَّهَارُ، فيَخْرُجُ وَقْتُ الرَّمْى بِخُرُوجِ النَّهَارِ، واللهُ أعْلمُ.

стр. 2523

بابُ الفِدْيَةِ وجَزاءِ الصَّيْدِ ٦٧٧ - مسألة؛ قال: (وَمَنْ حَلَقَ أرْبَعَ شَعَرَاتٍ فَصَاعِدًا، عَامِدًا أوْ مُخْطِئًا، فَعَلَيْهِ صِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ، أوْ إطْعَامُ ثَلَاثَةِ آصُعٍ مِنْ تَمْرٍ بَيْنَ سِتَّةِ مَسَاكِينَ، أوْ ذَبْحُ شَاةٍ، أىَّ ذلِكَ فَعَلَ أَجْزَأَهُ) الكلامُ فى هذه المسألةِ فى سِتَّةِ فُصُولٍ: الفصلُ (١) الأوَّل، أنَّ على المُحْرِمِ فِدْيَةً إذا حَلَقَ رَأْسَهُ. ولا خِلافَ فى ذلك. قال ابنُ المُنْذِرِ: أجْمَعَ أهْلُ العِلْمِ على وُجوبِ الفِدْيَةِ علَى مَن حَلَقَ وهو مُحْرِمٌ بغير عِلَّةٍ. والأصْلُ فى ذلك قَوْلُه تعالى: ﴿وَلَا تَحْلِقُوا رُءُوسَكُمْ حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ بِهِ أَذًى مِنْ رَأْسِهِ فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ﴾ (٢). وقال النَّبِىُّ ﷺ لِكَعْبِ بن عُجْرَةَ: "لَعَلَّكَ آذَاكَ هَوَامُّكَ؟ " قال: نعم يا رسولَ اللهِ. فقال رسولُ اللهِ ﷺ : "احْلِقْ رَأْسَكَ، وصُمْ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ، أوْ أَطْعِمْ سِتَّةَ مَسَاكِينَ، أوِ انْسُكْ شَاةً". مُتَّفَقٌ عليه (٣). وفى لَفْظٍ: "أوْ أَطْعِمْ سِتَّةَ مَسَاكِينَ، لِكُلِّ مِسْكِينٍ نِصْفُ صَاعِ تَمْرٍ". ولا فَرْقَ فى ذلك بين إزَالَةِ الشَّعْرِ بِالحَلْقِ، أو النُّورَةِ، أو قَصِّهِ (٤)، أو غيرِ ذلك، لا نَعْلَمُ فيه خِلافًا. الفصل الثانى، أنَّه لا فَرْقَ بين العامِدِ والمُخْطِئ، ومَن له عُذْرٌ ومَن لا عُذْرَ له، فى ظاهِرِ المذهبِ. وهو قَوْلُ الشَّافِعِىِّ، ونحوُه عن الثَّوْرِىِّ. وفيه وَجْهٌ آخَرُ، لا فِدْيَةَ على النَّاسِى. وهو قَوْلُ إسْحاقَ، وابنِ المُنْذِرِ؛

стр. 2524

لِقَوْلِه ﵇: "عُفِىَ لأُمَّتِى عَنِ الخَطَأِ والنِّسْيَانِ" (٥). ولَنا، أنَّه إتْلَافٌ، فاسْتَوَى عَمْدُهُ وخَطَأُهُ، كقَتْلِ الصَّيْدِ، ولأنَّ اللهَ تعالى أَوْجَبَ الفِدْيَةَ على مَن حَلَقَ رَأْسَهُ لأَذًى به وهو مَعْذُورٌ، فكان ذلك تَنْبِيهًا على وُجُوبِها على غيرِ المَعْذُورِ، ودَلِيلًا على وُجُوبِها على المَعْذُورِ بِنَوْعٍ آخَرَ، مِثْلُ المُحْتَجِمِ الذى يَحْلِقُ مَوْضِعَ مَحاجِمِه، أو شَعْرًا عن شَجَّتِه، وفى مَعْنَى النّاسِى النَّائِمُ الذى يَقْلَعُ شَعْرَهُ، أو يُصَوِّبُ شَعْرَهُ إلى تَنُّورٍ فيَحْرِقُ لَهَبُ النّارِ شَعْرَهُ، ونحوُ ذلك. الفصل الثالث، أنَّ الفِدْيَةَ هى أحدُ (٦) الثَّلَاثَةِ المَذْكُورَةِ فى الآيةِ والخَبَرِ، أيُّها شاءَ فَعَلَ، لأنَّه أُمِرَ بها بِلَفْظِ التَّخْيِيرِ، ولا فَرْقَ فى ذلك بين المَعْذُورِ وغيرِه، والعَامِدِ والمُخْطِئ. وهو مذهبُ مالِكٍ، والشَّافِعِىِّ. وعن أحمدَ، أنَّه إذا حَلَقَ لغير عُذْرٍ فعليه الدَّمُ، مِن غيرِ تَخْيِيرٍ. وهو مذهبُ أبى حنيفةَ؛ لأنَّ اللهَ تعالى خَيَّرَ بَشَرْطِ العُذْرِ، فإذا عُدِمَ الشَّرْطُ وَجَبَ زَوالُ التَّخْيِيرِ. ولنَا، أنَّ الحُكْمَ ثَبَتَ (٧) فى غيرِ المَعْذُورِ بِطَرِيقِ التَّنْبِيهِ تَبَعًا له، والتَّبَعُ لا يُخالِفُ أصْلَهُ، ولأنَّ كُلَّ كَفَّارَةٍ ثَبَتَ التَّخْيِيرُ فيها إذا كان سَبَبُها مُبَاحًا ثَبَتَ كذلك إذا كان مَحْظُورًا، كجَزَاءِ الصَّيْدِ، ولا فَرْقَ بين قَتْلِه لِلضَّرُورَةِ إلى أكْلِه، أو لغيرِ ذلك، وإنَّما الشَّرْطُ لِجَوَازِ الحَلْقِ لا للتَّخْيِير. الفصل الرابع، أن القَدْرَ الذى يَجِبُ به الدَّمُ أرْبَعُ شَعَرَاتٍ فصاعِدًا، وفيه رِوَايَةٌ أُخْرَى، يَجِبُ فى الثَّلَاثِ ما فى حَلْقِ الرَّأْسِ. قال القاضى: هو المذهبُ. وهو قَوْلُ الحسنِ، وعَطاءٍ، وابنِ عُيَيْنَةَ، والشَّافِعِىِّ، وأبى ثَوْرٍ؛ لأنَّه شَعْرُ آدَمِىٍّ يَقَعُ عليه اسْمُ الجَمْعِ المُطْلَق، فجازَ أن يَتَعَلَّقَ به الدَّمُ كالرُّبْعِ. وقال أبو حنيفةَ: لا يَجِبُ الدَّمُ بدون رُبْعِ الرَّأْسِ؛ لأنَّ الرُّبْعَ يَقُومُ مَقَامَ الكُلِّ، ولهذا إذا رَأَى رَجُلًا يقول: رَأيْتُ فُلانًا. وإنَّما رَأَى إحْدَى جِهَاتِه. وقال مَالِكٌ: إذا حَلَقَ مِن رَأْسِه ما

стр. 2525

أماطَ به الأذَى وَجَبَ الدَّمُ. وَوَجْهُ كلامِ الخِرَقِىِّ أنَّ الأرْبَعَ كَثِيرٌ، فوَجَبَ به الدَّمُ، كَالرُّبْعِ فصاعِدًا، أمَّا الثَّلَاثَةُ فهى آخِرُ القِلَّةِ، وآخِرُ الشَّىْءِ منه، فأشْبَه الشَّعْرَةَ والشَّعْرَتَيْنِ، والاسْتِدْلَالُ بأن الرُّبْعَ يَقَعُ عليه اسْمُ الكُلِّ غيرُ صَحِيحٍ؛ فإنَّ ذلك لا يَتَقَيَّدُ بِالرُّبْعِ، وإنَّما هو مَجَازٌ يَتَنَاوَلُ الكثيرَ والقَلِيلَ. الفصل الخامس، أنَّ شَعْرَ الرَّأْسِ وغيرَه سَواءٌ فى: وُجُوبِ الفِدْيَةِ؛ لأنَّ شَعْرَ غيرِ الرَّأْسِ يَحْصُلُ بِحَلْقِه التَّرَفُّهُ والتَّنَظُّفُ، فأشْبَه الرَّأْسَ. فإنْ حَلَقَ من شَعْرِ رَأْسِه وبَدَنِه، ففى الجَمِيعِ فِدْيَةٌ وَاحِدَةٌ، وإن كَثُرَ. وإنْ حَلَقَ من رَأسِهِ شَعْرَتَينِ، ومن بَدَنِه شَعْرَتَيْنِ، فعليه دَمٌ وَاحِدٌ. هذا ظاهِرُ كلامِ الخِرَقِىِّ، واخْتِيارُ أبى الخَطَّابِ، ومذهبُ أكْثَرِ الفقهاءِ. وذَكَرَ أبو الخَطَّابِ أنَّ فيها رِوَايَتَيْنِ؛ إحْداهما كما (٨) ذَكَرْنَا. والثانية، أنَّه إذا قَلَعَ من شَعْرِ رَأْسِه وبَدَنِه ما يَجِبُ الدَّمُ بِكُلِّ وَاحِدٍ منهما مُنْفَرِدًا، ففيهما دَمانِ. وهو الذى ذَكَرَهُ القاضى وابنُ عَقِيلٍ، لأنَّ الرَّأْسَ يُخَالِفُ البَدَنَ؛ لحُصُول (٩) التَّحَلُّلِ بحَلْقِه (١٠) دُونَ البَدَنِ. ولَنا، أنَّ الشَّعْرَ كُلَّهُ جِنْسٌ وَاحِدٌ فى البَدَنِ، فلم تَتَعَدَّد الفِدْيَةُ فيه، بِاخْتِلافِ مَوَاضِعِه، كسَائِرِ البَدَنِ وكَاللِّبَاسِ، ودَعْوَى الاخْتِلَافِ تَبْطُلُ بِاللِّبَاسِ، فإنَّه يَجِبُ كَشْفُ الرَّأْسِ دُونَ غيرِه، والجَزاءُ فى اللِّبْسِ فيهما واحِدٌ. الفصل السادس، أنَّ الفِدْيَةَ الوَاجبَةَ بِحَلْقِ الشَّعْرِ هى المَذْكُورَةُ فى حَدِيثِ كَعْبِ بن عُجْرَةَ، بِقَوْلِ النَّبِيِّ ﷺ : "احْلِقْ رَأْسَكَ، وصُمْ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ، أوْ أطْعِمْ سِتَّةَ مَسَاكِينَ، لِكُلِّ مِسْكِينٍ نِصْفُ صَاعٍ، أو انْسُكْ شَاةً". وفى لَفْظٍ: "أوْ أطْعِمْ فَرَقًا بَيْنَ سِتَّةِ مَسَاكِينَ". مُتَّفَقٌ عليه (١١). وفى لَفْظٍ: "أو أطْعِمْ سِتَّةَ مَسَاكِينَ بَيْنَ كُلِّ مِسْكِينَيْنِ (١٢) صَاعٌ". وفى لَفْظٍ: "فَصُمْ ثَلَاثَةَ

стр. 2526

أَيَّامٍ، وَإنْ شِئْتَ فَتَصَدَّقْ بِثَلَاثَةِ آصُعٍ مِنْ تَمْرٍ، بَيْنَ سِتَّةِ مَسَاكِينَ". رَوَاهُ كُلَّه أبو دَاوُدَ. وبهذا قال مُجاهِدٌ، والنَّخَعِىُّ، وأبو مِجْلَزٍ، والشَّافِعِىُّ، ومَالِكٌ، وأصْحابُ الرَّأْىِ. وقال الحسنُ، وعِكْرِمَةُ، ونَافِعٌ: الصِّيَامُ عشرةُ أَيَّامٍ، والصَّدَقَةُ على عشرةِ مَسَاكِينَ. [ويُرْوَى عن] (١٣) الثَّوْرِىِّ، وأصْحابِ الرَّأْىِ، قالوا: يُجْزِئُ من البُرِّ نِصْفُ صَاعٍ لِكُلِّ مِسْكِينٍ، ومن التَّمْرِ والشَّعِيرِ صَاعٌ صاعٌ (١٤)، واتِّباعُ السُّنَّةِ أَوْلَى. فصل: ويُجْزِئُ البُرُّ والشَّعِيرُ والزَّبِيبُ فى الفِدْيَةِ؛ لأنَّ كُلَّ مَوْضِعٍ أجْزَأَ فيه التَّمْرُ أجْزَأَ فيه ذلك، كالفِطْرَةِ، وكَفَّارَةِ اليَمِينِ. وقد رَوَى أبو دَاوُدَ، فى حَدِيثِ كَعْبِ بنِ عُجْرَةَ، قال: فَدَعَانِى رسولُ اللهِ ﷺ ، قال لى: "احْلِقْ رَأْسَكَ، وصُمْ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ، أو أطْعِمْ سِتَّةَ مَسَاكِينَ فَرَقًا مِنْ زَبِيبٍ، أو انْسُكْ شَاةً". رَوَاهُ أبو دَاوُدَ (١٥). ولا يُجْزِئُ من هذه الأصْنَافِ أَقَلُّ من ثَلَاثَةِ آصُعٍ، إلَّا البُرَّ، ففيه رِوَايتانِ: إحْداهما، يُجْزِئُ (١٦) مُدٌّ من بُرٍّ لكل مِسْكِينٍ، مَكانَ نِصْفِ صَاعٍ من غيرِه، كما فى كَفَّارَةِ اليَمِينِ. والثانية، لا يُجْزِئُ إلَّا نِصْفُ صَاعٍ، لأنَّ الحُكْمَ ثَبَتَ فيه بِطَرِيقِ التَّنْبِيهِ أو القِياسِ، والفَرْعُ يُمَاثِلُ أصْلَهُ ولا يُخَالِفُه. وبهذا قال مَالِكٌ، والشَّافِعِىُّ. فصل: وإذا حَلَقَ ثم حَلَقَ، فالواجِبُ فِدْيَةٌ وَاحِدَةٌ، ما لم يُكَفِّرْ عن الأوَّلِ قبلَ فِعْلِ الثَّانِى، فإن كَفَّرَ عن الأوَّلِ ثم حَلَقَ ثَانِيًا، فعليه لِلثَّانِى كَفَّارَةٌ أيضًا. وكذلك الحُكْمُ فيما إذا لَبِسَ [ثم لَبِسَ] (١٧)، أو تَطَيَّبَ [ثم تَطَيَّبَ] (١٨)، أو كَرَّر من

стр. 2527

مَحْظُورَاتِ الإِحْرَامِ اللَّاتِى لا يَزِيدُ الوَاجِبُ فيها بِزِيادَتِها، ولا يَتَقَدَّرُ بِقَدْرِهَا، فأمّا ما يَتَقَدَّرُ الوَاجِبُ بِقَدْرِهِ، وهو إتْلَافُ الصَّيْدِ، ففى كل وَاحِدٍ منها جَزاؤُهُ، وسَوَاءٌ فَعَلَهُ مُجْتَمِعًا أو مُتَفَرِّقًا، ولا تَدَاخُلَ فيه، فَفِعْلُ المَحْظُورَاتِ مُتَفَرِّقًا كفِعْلِها مُجْتَمِعَةً فى الفِدْيَةِ، ما لم يُكَفِّرْ عن الأوَّلِ قبلَ فِعْلِ الثَّانِى. وعن أحمدَ أنَّه إنْ كَرَّرَهُ لأسْبَابٍ، مِثْلُ أنْ لَبِسَ لِلْبَرْدِ، ثم لَبِسَ لِلْحَرِّ، ثم لَبِسَ لِلْمَرَضِ، فكفَّارَاتٌ، وإن كان لِسَبَبٍ وَاحِدٍ، فكَفَّارَةٌ وَاحِدَةٌ. وقد رَوَي عنه الأثْرَمُ، فى مَن لَبِسَ قَمِيصًا وَجُبَّةً وعِمَامَةً وغيرَ ذلك، لِعِلَّةٍ وَاحِدَةٍ، [فكَفَّارةٌ واحِدةٌ] (١٩)، قلتُ له: فإن اعْتَلَّ فَلَبِسَ جُبَّةً، ثم بَرَأ، ثم اعْتَلَّ فَلَبِسَ جُبَّةً؟ فقال: هذا الآن عليه كَفَّارَتانِ. وعن الشَّافِعِىِّ كقَوْلِنا. وعنه: لا يَتَدَاخَلُ. وقال مَالِكٌ: تَتَدَاخَلُ كَفَّارَةُ الوَطْءِ دُونَ غيرِه. وقال أبو حنيفةَ: إن كَرَّرَهُ فى مَجْلِسٍ وَاحِدٍ فكَفَّارَةٌ وَاحِدةٌ، وإن كان فى مَجالِسَ فكَفَّارَاتٌ؛ لأنَّ حُكْمَ المَجْلِسِ الوَاحِدِ حُكْمُ الفِعْلِ الواحِدِ، بِخِلافِ غَيْرِه. ولَنا، أنَّ ما يَتَدَاخَلُ إذا كان بَعْضُه عَقِيبَ بعضٍ يَجِبُ أن يَتَدَاخَلَ، وإن تَفَرَّقَ كالحُدُودِ وكَفَّاراتِ (٢٠) الأيْمانِ، ولأنَّ اللهَ تعالى أوْجَبَ فى حَلْقِ الرَّأْسِ فِدْيَةً واحِدَةً، ولم يُفَرِّقْ بين ما وَقَع فى دُفْعَةٍ أو فى (٢١) دُفَعاتٍ، والقَوْلُ بأنه لا يَتَدَاخَلُ غيرُ صَحِيحٍ، فإنَّه إذا حَلَقَ رَأْسَهُ لا يُمْكِنُ إلَّا شيئا بعدَ شىءٍ. فصل: فأمَّا جَزاءُ الصَّيْدِ فلا يَتَداخَلُ، ويَجبُ فى كلِّ صَيْدٍ جَزاؤُه، سَواءٌ وَقَعَ مُتَفَرِّقًا أو فى حالٍ وَاحِدَةٍ. وعن أحمدَ، أنَّه يَتَدَاخَلُ، قِيَاسًا على سائِرِ المَحْظُورَاتِ. ولا يَصِحُّ؛ لأنَّ اللهَ تعالى قال: ﴿فَجَزَاءٌ مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ﴾ (٢٢). ومِثلُ الصَّيْدَيْنِ لا يكونُ مِثلَ (٢١) أحَدِهما، ولأنَّه لو قَتَلَ صَيْدَيْنِ دُفْعَةً

стр. 2528

وَاحِدَةً، وَجَبَ جَزَاؤُهما، فإذا تَفَرَّقَا أَوْلَى أن يَجِبَ؛ لأنَّ حَالَةَ التَّفْرِيقِ لا تَنْقصُ عن حَالَةِ الاجْتِماعِ كسَائِرِ المَحْظُورَاتِ. فصل: إذا حَلَقَ المُحْرِمُ رَأسَ حَلالٍ، أو قَلَّمَ أظْفارَه، فلا فِدْيَةَ عليه. وبذلك قال عَطاءٌ، ومُجاهِدٌ، وعَمْرُو بن دِينارٍ، والشَّافِعِىُّ، وإسحاقُ، وأبو ثَوْرٍ. وقال سَعِيدُ بنُ جُبَيْرٍ، فى مُحْرِمٍ قَصَّ شارِبَ حَلالٍ: يَتَصَدَّقُ بِدِرْهَمٍ. وقال أبو حنيفةَ: يَلْزَمُهُ صَدَقَةٌ؛ لأنَّه أَتْلَفَ شَعْرَ آدَمِىٍّ، فأشْبَه شَعْرَ المُحْرِمِ. ولَنا، أنَّه شَعْرٌ مُبَاحُ الإِتْلافِ، فلم يَجِبْ بإتْلافِه شىءٌ، كشَعْرِ بَهِيمَةِ الأنْعامِ. فصل: وإن حَلَقَ مُحْرِمٌ رَأْسَ مُحْرِمٍ بإِذْنِه، فالفِدْيَةُ على مَن حُلِقَ رَأْسُهُ. وكذلك إن حَلَقَهُ حَلالٌ بإِذْنِه؛ لأنَّ اللهَ تعالى قال: ﴿وَلَا تَحْلِقُواْ رُءُوسَكُمْ﴾ (٢٣). وقد عَلِمَ أنَّ غَيْرَهُ هو الذى يَحْلِقُه، فأضافَ الفِعْلَ إلَيْه، وجَعَلَ الفِدْيَةَ عليه. وإن حَلَقَهُ مُكْرَهًا أو نائِمًا، فلا فِدْيَةَ على المَحْلُوقِ رَأْسُهُ. وبهذا قال إسحاقُ، وأبو ثَوْرٍ، وابنُ القاسِمِ صاحِبُ مَالِكٍ، وابنُ المُنْذِرِ. وقال أبو حنيفةَ: على المَحْلُوقِ رَأْسُهُ الفِدْيَةُ. وعن الشَّافِعِىِّ كالمَذْهَبَيْنِ. ولَنا، أنَّه لم (٢٤) يَحْلِقْ رَأْسَه ولم يُحْلَقْ بإذْنِه، فأشْبَه ما لو انْقَطَعَ الشَّعْرُ بِنَفْسِهِ. إذا ثَبَتَ هذا فإنَّ الفِدْيَةَ على الحالِقِ، حَرامًا كان أو حَلالًا. وقال أصْحابُ الرَّأْىِ: على الحَلالِ صَدَقَةٌ. وقال عَطاءٌ: عليهما الفِدْيَةُ. ولَنا، أنَّه أزَالَ ما مُنِعَ من إزَالَتِهِ لأجْلِ الإِحْرامِ، فكانت عليه فِدْيَتُه، كالمُحْرِمِ يَحْلِقُ رَأْسَ نَفْسِهِ. فصل: إذا قَلَعَ جِلْدَةً عليها شَعْرٌ، فلا فِدْيَةَ عليه؛ لأنَّه زَالَ تَابِعًا لِغَيْرِه، والتَّابعُ لا يُضْمَنُ، كما لو قَلَعَ أشْفارَ عَيْنَىْ إنْسانٍ، فإنَّه لا يَضْمَنُ أهْدابَهما.

стр. 2529

فصل: وإذا خَلَّلَ شَعْرَهُ فسَقَطَتْ شَعْرَةٌ، فإنْ كانت مَيِّتَةً فلا فِدْيَةَ فيها، وإن كانت من شَعْرِهِ النَّابِتِ ففيها الفِدْيَةُ، وإن شَكَّ فيها فلا فِدْيَةَ فيها؛ لأنَّ الأصْلَ نَفْىُ الضَّمانِ إلى أن يَحْصُلَ يَقِينٌ. ٦٧٨ - مسألة؛ قال: (وَفِى كُلِّ شَعْرَةٍ مِنَ الثَّلَاثِ مُدٌّ مِنْ طَعَامٍ) يَعْنِى إذا حَلَقَ دُونَ الأَرْبَعِ، فعَلَيْهِ فى كُلِّ شَعْرَةٍ مُدٌّ من طَعامٍ. وهذا قَوْلُ الحسنِ، وابنِ عُيَيْنَةَ، والشَّافِعِىِّ فيما دُونَ الثَّلَاثِ. وعن أحمدَ، فى الشَّعْرَةِ دِرْهَمٌ، وفى الشَّعْرَتَيْنِ دِرْهَمَانِ. وعنه، فى كل شَعْرَةٍ قَبْضَةٌ من طَعامٍ. وَرُوِىَ ذلك عن عَطاءٍ، ونحوُه عن مالِكٍ، وأصْحابِ الرَّأْىِ. قال مالِكٌ: عليه فيما قَلَّ من الشَّعْرِ إطْعامُ طَعامٍ. وقال أصْحابُ الرَّأْىِ: يَتَصَدَّقُ بِشىءٍ قليلٍ (١)؛ لأنَّه لا تَقْدِيرَ فيه، فيَجِبُ فيه أقَلُّ ما يَقَعُ عليه اسْمُ الصَّدَقَةِ. وعن مَالِكٍ، فى مَن أزالَ شَعْرًا يَسِيرًا (٢): لا ضَمانَ عليه؛ لأنَّ النَّصَّ إنَّما أوْجَبَ الفِدْيَةَ فى حَلْقِ الرَّأْسِ كلِّه، فألْحَقْنَا به ما يَقَعُ عليه اسْمُ الرَّأْسِ. ولَنا، أنَّ ما ضُمِنَتْ جُمْلَتُه ضُمِنَتْ أبْعَاضُه، كالصَّيْدِ، والأَوْلَى أن يَجِبَ الإِطْعامُ؛ لأنَّ الشَّارِعَ إنَّما عَدَلَ عن الحَيَوَانِ إلى الإِطْعامِ فى جَزَاءِ الصَّيْدِ، وهاهنا أَوْجَبَ الإِطْعامَ مع الحَيَوَانِ على وَجْهِ التَّخْيِيرِ، فيَجِبُ أن يَرْجِعَ إليه فيما لا يَجِبُ فيه الدَّمُ، ويَجِبُ مُدٌّ؛ لأنَّه أقَلُّ ما وَجَبَ بِالشَّرْعِ فِدْيَةً، فكان وَاجِبًا فى أقَلِّ الشَّعْرِ، والطَّعَامُ الذى يُجْزِئُ (٣) إخْرَاجُه، وهو ما يُجْزِئُ فى حَلْقِ الرَّأْسِ ابْتِدَاءً من البُرِّ والشَّعِيرِ والتَّمْرِ والزَّبِيبِ، كالذى يَجِبُ فى الأرْبَعِ. فصل: ومن أُبِيحَ له حَلْقُ رَأْسِه لِأذًى به، فهو مُخَيَّرٌ فى الفِدْيَةِ قبلَ الحَلْقِ وبعدَه. نَصَّ عليه أحمدُ؛ لما رُوِىَ أنَّ الحسينَ بن علىٍّ اشْتَكَى رَأْسَهُ، فأُتِىَ علىٌّ

стр. 2530

فقِيلَ له: هذا الحسينُ يُشِيرُ إلى رَأْسِه. فدَعَا بِجَزُورٍ فنَحَرَها، ثم حَلَقَهُ وهو بِالسُّقْيَاءِ (٤). رَوَاهُ أبو إسحاقَ الجُوزَجَانِىّ. ولأنَّها كَفَّارَةٌ، فجَازَ تَقْدِيمُها على وُجُوبِها، ككَفَّارَة الظِّهَارِ واليَمِينِ. ٦٧٩ - مسألة؛ قال: (وكَذَلِكَ الْأَظْفَارُ) قال ابنُ المُنْذِرِ: أجْمَعَ أهْلُ العِلْمِ على أن المُحْرِمَ مَمْنُوعٌ من أخْذِ أظْفارِه، وعليه الفِدْيَةُ بأخْذِها فى قَوْلِ أكْثَرِهم. وهو قَوْلُ حَمَّادٍ، ومَالِكٍ، والشَّافِعِىِّ، وأبى ثَوْرٍ، وأصْحابِ الرَّأْىِ. ورُوِىَ ذلك عن عَطاءٍ. وعنه: لا فِدْيَةَ عليه؛ لأن الشَّرْعَ لم يَرِدْ فيه بِفِدْيَةٍ. ولَنا، أنَّه أزَالَ ما مُنِعَ إزَالَتُه لأجْلِ التَّرَفُّهِ، فوَجَبَتْ عليه الفِدْيَةُ، كحَلْقِ الشَّعْرِ. وعَدَمُ النَّصِّ فيه لا يَمْنَعُ قِياسَهُ عليه، كشَعْرِ البَدَنِ مع شَعْرِ الرَّأْسِ، والحُكْمُ فى فِدْيَةِ الأظْفارِ كَالحُكْمِ فى فِدْيَةِ الشَّعْرِ سَوَاءٌ، فى أَرْبَعَةٍ منها دَمٌ، وعنه فى ثلاثةٍ دَمٌ. وفى الظُّفْرِ الوَاحِدِ مُدٌّ من طَعَامٍ، وفى الظُّفْرَيْنِ مُدَّانِ، على ما ذَكَرْنَا من التَّفْصِيلِ والاخْتِلافِ فيه. وقَوْلُ الشَّافِعِىِّ وأبى ثَوْرٍ كذلك. وقال أبو حنيفةَ: لا يَجِبُ الدَّمُ إلَّا بِتَقْلِيمِ أظْفَارِ يَدٍ كَامِلَةٍ، حتى لو قَلَّمَ من كُلِّ يَدٍ أرْبَعَةً لا يَجبُ عليه الدَّمُ؛ لأنَّه لم يَسْتَكْمِلْ مَنْفَعَةَ اليَدِ، أشْبَهَ الظُّفْرَ والظُّفْرَيْنِ. ولَنا، أنَّه قَلَّمَ مَا يَقَعُ عليه اسْمُ الجَمْعِ، أشْبَهَ ما لو قَلَّمَ خَمْسًا من يَدٍ وَاحِدَةٍ، وما قَالُوهُ يَبْطُلُ بما إذا حَلَقَ رُبْعَ رَأْسِه، فإنَّه لم يَسْتَوْفِ مَنْفَعَةَ العُضْوِ، ويَجِبُ به الدَّمُ، وقَوْلُهُمْ يُؤَدِّى إلى أن يَجِبَ (١) الدَّمُ فى القَلِيلِ دُونَ الكَثِيرِ. إذا ثَبَتَ هذا فإنَّه يَتَخَيَّرُ مَن قَلَّمَ أظْفَارَه (٢) ما يَجِبُ به الدَّمُ بين الثَّلاثةِ الأشْياءِ (٣)، كما قُلْنَا فى الشَّعْرِ؛ لأنَّ

стр. 2531

الإِيجَابَ فى الأَظْفارِ بالإِلْحاقِ بالشَّعْرِ، فيكونُ حُكْمُ الفَرْعِ حُكْمَ أصْلِه، ولا يَجِبُ فيما دُونَ الأَرْبَعَةِ أو الثَّلاثةِ بقِسْطِهِ من الدَّمِ؛ لأنَّ العِبادَةَ إذا وَجَبَ فيها الحَيَوَانُ (٤) لم يَجِبْ فيها جُزْءٌ منه، كالزكاةِ. فصل: وفى قَصِّ بَعْضِ الظُّفْرِ ما فى جَمِيعِه، وكذلك فى قَطْعِ بعض الشَّعْرَةِ مثلُ ما فى قَطعِ جَمِيعِها؛ لأنَّ الفِدْيَةَ تَجِبُ فى الشَّعْرَةِ والظُّفْرِ، سَواءٌ طالَ أو قَصُرَ، وليس بمُقَدَّرٍ بِمِساحَةٍ، فيَتَقَدَّرُ الضَّمانُ عليه، بل هو كالمُوضِحَةِ يَجِبُ فى الصَّغِيرَةِ منها مِثْلُ ما يَجِبُ فى الكَبِيرَةِ. وخَرَّجَ ابنُ عَقِيلٍ وَجْهًا، أنَّه يَجِبُ بِحِسابِ المُتْلَفِ، كالإِصْبَعِ يَجِبُ فى أُنْمُلَتِها ثُلُثُ دِيَتِها، واللهُ أعْلمُ. ٦٨٠ - مسألة؛ قال: (وإِنْ تَطَيَّبَ المُحْرِمُ عَامِدًا، غَسَلَ الطِّيبَ، وعَلَيْهِ دَمٌ، وكَذلِكَ إنْ لَبِسَ الْمَخِيطَ أو الْخُفَّ عَامِدًا وهُوَ يَجِدُ النَّعْلَ، خَلَعَ، وعَلَيْهِ دَمٌ) لا خِلافَ في وُجُوبِ الفِدْيَةِ على المُحْرِمِ، إذا تَطَيَّبَ أو لَبِسَ عَامِدًا؛ لأنَّه تَرَفَّهَ بِمَحْظُورٍ في إحْرامِه، فلَزِمَتْهُ الفِدْيَةُ، كما لو تَرَفَّهَ بحَلْقِ شَعْرِه، أو قَلْمِ ظُفْرِه. والوَاجِبُ عليه أن يَفْدِيَهُ بِدَمٍ، وَيسْتَوِى فى ذلك قَلِيلُ الطِّيبِ وكَثِيرُه، وقَلِيلُ اللِّبْسِ وكَثِيرُه. وبذلك قال الشَّافِعِىُّ. وقال أبو حنيفةَ: لا يَجِبُ الدَّمُ إلَّا بِتَطْيِيبِ عُضْوٍ كامِلٍ، وفى اللِّباس بِلِبَاسِ يَوْمٍ ولَيْلَةٍ، ولا شىءَ فيما دُونَ ذلك؛ لأنه لم يَلْبَسْ لِبْسًا مُعْتَادًا، فأشْبَهَ ما لو اتَّزَرَ بِالقَمِيصِ. ولَنا، أنَّه مَعْنًى (١) حَصَلَ به الاسْتِمْتَاعُ بالمَحْظُورِ (٢)، فاعْتُبِرَ مُجَرَّدُ (٣) الفِعْلِ، كالوَطْءِ، مَحْظُورًا (٤)، فلا تَتَقَدَّرُ فِدْيَتُه بِالزَّمَنِ، كسَائِرِ المَحْظُوراتِ، وما ذَكَرُوهُ غيرُ صَحِيحٍ؛ فإنَّ النَّاسَ يَخْتَلِفُونَ فى اللُّبْسِ فى العادَةِ، ولأنَّ ما ذَكَرُوهُ تَقْدِيرٌ، والتَّقْدِيرَاتُ بابُها التَّوْقِيفُ، وتَقْدِيرُهم

стр. 2532

بِعُضْوٍ ويومٍ ولَيْلَةٍ تَحَكُّمٌ مَحْضٌ. وأمَّا إذا ائْتَزَرَ بِقَمِيصٍ، فليس ذلك بِلُبْسِ (٥) مَخِيطٍ، ولهذا لا يَحْرُمُ عليه، والمُخْتَلَفُ فيه مُحَرَّمٌ. فصل: ويَلْزَمُه غَسْلُ الطِّيبِ، وخَلْعُ اللِّبَاسِ؛ لأنَّه فَعَلَ مَحْظُورًا، فيَلْزَمُهُ إزَالَتُه وقَطْعُ اسْتِدَامَتِه، كسائِرِ المَحْظُورَاتِ. والمُسْتَحَبُّ أن يَسْتَعِينَ فى غَسْلِ الطِّيبِ بحَلالٍ؛ لِئَلَّا يُبَاشِرَ المُحْرِمُ الطِّيبَ بِنَفْسِه، [ويجوزُ أن يَلِيَهُ بِنَفْسِه] (٦)، ولا شىءَ عليه؛ لأنَّ النَّبِىَّ ﷺ قال لِلَّذِى رَأَى عليه طِيبًا أو خَلُوقًا (٧): "اغْسِلْ عَنْكَ الطِّيبَ" (٨). ولأنَّه تَارِكٌ له، فإن لم يَجِدْ ما يَغْسِلُه به، مَسَحَهُ بِخِرْقَةٍ، أو حَكَّهُ بِتُرَابٍ أو وَرَقٍ أو حَشِيشٍ؛ لأنَّ الذى عليه إزَالَتُه بحَسَبِ القُدْرَةِ، وهذا نهايةُ قُدْرَتِهِ. فصل: إذا احْتَاجَ إلى الوُضُوءِ وغَسْلِ الطِّيبِ، ومعه مَاءٌ لا يَكْفِى إلَّا أحَدَهما، قَدَّمَ (٥) غَسْلَ الطِّيبِ، وتَيَمَّمَ لِلْحَدَثِ؛ لأنَّه لا رُخْصَةَ فى إبْقاءِ الطِّيبِ، وفى تَرْكِ الوُضُوءِ إلى التَّيَمُّمِ رُخْصَةٌ. فإن قَدَرَ على قَطْعِ رَائِحَةِ الطِّيبِ بغير الماءِ، فَعَلَ وتوَضَّأَ؛ لأنَّ المَقْصُودَ من إزالَةِ الطِّيبِ قَطْعُ رَائِحَتِه، فلا يَتَعَيَّنُ الماءُ، والوُضُوءُ بِخِلَافِه. فصل: إذا لَبِسَ قَمِيصًا وعِمَامَةً وسَرَاوِيلَ وخُفَّيْنِ، لم يَكُنْ عليه إلَّا فِدْيَةٌ واحِدَةٌ، لأنَّه مَحْظُورٌ من جِنْسٍ واحِدٍ، فلم يَجِبْ فيه أكْثَرُ من فِدْيَةٍ واحِدَةٍ،

стр. 2533

كَالطِّيبِ فى بَدَنِه ورَأْسِه ورِجْلَيْهِ. فصل: وإن فَعَلَ مَحْظُورًا من أجْناسٍ، فحَلَقَ، ولَبِسَ، وتَطَيَّبَ، وَوَطِئَ، فعليه لِكُلِّ وَاحِدٍ فِدْيَةٌ، سَواءٌ فعلَ ذلك مُجْتَمِعًا أو مُتَفَرِّقًا. وهذا مذهبُ الشَّافِعِىِّ. وعن أحمدَ، أنَّ فى الطِّيبِ واللُّبْسِ والحَلْقِ فِدْيَةً واحِدَةً، وإن فعلَ ذلك واحِدًا بعد وَاحِدٍ فعليه لِكُلِّ وَاحِدٍ دَمٌ. وهو قَوْلُ إسْحاقَ. وقال عَطاءٌ، وعَمْرُو بن دِينَارٍ: إذا حَلَقَ، ثم احْتَاجَ إلى الطِّيبِ، أو إلى قَلَنْسُوَةٍ، أو إليهما، ففعلَ ذلك، فليس عليه إلَّا فِدْيَةٌ واحدةٌ (٩). وقال الحسنُ: إن لَبِسَ القَمِيصَ وتعَمَّمَ وتَطَيَّبَ، فعلَ ذلك جَمِيعًا، فليس عليه إلَّا كَفَّارَةٌ وَاحِدَةٌ. ونحوُ ذلك عن مَالِكٍ. ولَنا، أنَّها مَحْظُورَاتٌ مُخْتَلِفَةُ الأجْناسِ، فلم تَتَدَاخَلْ أجْزاؤُها، كالحُدُودِ المُخْتَلِفَةِ، والأيْمانِ المُخْتَلِفَةِ. وعَكْسُه ما إذا كان من جِنْسٍ واحِدٍ. ٦٨١ - مسألة؛ قال: (وَإنْ لَبِسَ أوْ تَطَيَّبَ نَاسِيًا، فَلَا فِدْيَةَ عَلَيْهِ، ويَخْلَعُ اللِّبَاسَ، ويَغْسِلُ الطِّيبَ، ويَفْرَغُ (١) إلَى التَّلْبِيَةِ) المشهورُ فى المذهبِ أنَّ المُتَطَيِّبَ أو اللَّابِسَ ناسِيًا أو جاهِلًا لا فِدْيَةَ عليه. وهو مذهبُ عَطاءٍ، والثَّوْرِيِّ، وإسحاقَ، وابْنِ المُنْذِرِ. وقال أحمدُ: قال سفيانُ: ثلاثةٌ فى [الحَجِّ، العَمْدُ] (٢) والنِّسْيَانُ سَوَاءٌ؛ إذا أتَى أهْلَهُ، وإذا أصابَ صَيْدًا، وإذا حَلَقَ رَأْسَهُ. قال أحمدُ: إذا جَامَعَ أهْلَهُ بَطَلَ حَجُّهُ. لأنَّه شىءٌ لا يَقْدِرُ على رَدِّهِ، والصَّيْدُ إذا قَتَلَهُ فقد ذَهَبَ لا يَقْدِرُ على رَدِّه، والشَّعْرُ إذا حَلَقَه فقد ذَهَبَ، فهذه الثلاثةُ العَمْدُ والخَطَأُ والنِّسْيانُ فيها سواءٌ، وكلُّ شىءٍ من النِّسيانِ بعدَ الثَّلَاثَةِ فهو يَقْدِرُ على رَدِّهِ، مثلُ إذا غَطَّى المُحْرِمُ رَأْسَه ثم ذَكَرَ، ألْقَاهُ عن رَأْسِهِ، وليس

стр. 2534

عليه شىءٌ، أو لَبِسَ خُفًّا، نَزَعَهُ، وليس عليه شىءٌ. وعنه رِوَايَةٌ أُخْرَى، أنَّ عليه الفِدْيَةَ فى كلِّ حَالٍ. وهو مذهبُ مالِكٍ، واللَّيْثِ، والثَّوْرِىِّ، وأبي حنيفةَ؛ لأنَّه هَتَكَ حُرْمَةَ الإِحْرامِ، فاسْتَوَى عَمْدُه وسَهْوُه، كحَلْقِ الشَّعْرِ، وتَقْلِيمِ الأظْفارِ. ولَنا، عُمُومُ قَوْلِه ﵇: "عُفِىَ لِأُمَّتِى عَنِ الْخَطَأِ، والنِّسْيَانِ، وما اسْتُكْرِهُوا عليه" (٣). ورَوَى يَعْلَى بنُ أُمَيَّةَ، أنَّ رَجُلًا أتَى النَّبِىَّ ﷺ ، وهو بِالجِعْرَانَةِ (٤)، وعليه جُبَّةٌ، وعليه أثَرُ خَلُوقٍ، أو قال: أثَرُ صُفْرَةٍ، فقال: يا رسولَ اللهِ، كيف تَأْمُرُنِى أن أصْنَعَ فى عُمْرَتِى؟ قال: "اخْلَعْ عَنْكَ هذِهِ الجُبَّةَ، واغْسِلْ عَنْكَ أثَرَ هذا (٥) الخَلُوقِ" أو قال: "أثَرَ الصُّفْرَةِ، واصْنَعْ فى عُمْرَتِكَ كَمَا تَصْنَعُ فى حَجِّكَ". مُتَّفَقٌ عليه (٦). وفى لَفْظٍ، قال: يا رسولَ اللهِ، أحْرَمْتُ بِالعُمْرَةِ، وعَلَىَّ هذه الجُبَّةُ. فلم يَأْمُرْهُ بِالفِدْيَةِ مع مَسْأَلَتِه عمَّا يَصْنَع، وتَأْخِيرُ البَيَانِ عن وَقْتِ الحاجَةِ غيرُ جائِزٍ إجْماعًا، دَلَّ على أنَّه عَذَرَهُ لِجَهْلِه، والجَاهِلُ والنَّاسِى وَاحِدٌ، ولأنَّ الحَجَّ عِبَادَةٌ يَجِبُ بإِفْسَادِها الكَفَّارَةُ، فكان [فى مَحْظُورَاتِه ما] (٧) يُفرَّقُ بين عَمْدِه وسَهْوِهِ، كالصَّوْمِ، فأمَّا الحَلْقُ وقَتْلُ الصَّيْدِ، فهو إتْلَافٌ لا يُمْكِنُ (٨) تَلَافِيهِ، [وفى مسألتنا هو تَرَفُّهٌ، فإذا كان ساهِيًا فلم يَقْصِدْه، ويُمْكِنُ تَلَافِيه] (٩) بِإزَالَتِهِ. إذا ثَبَتَ هذا، فإنَّ النَّاسِىَ مَتَى ذَكَرَ، فعليه غَسْلُ الطِّيبِ وخَلْعُ اللِّبَاسِ فى الحَالِ، فإن أَخَّرَ ذلك عن زَمَنِ الإِمْكانِ، فعليه الفِدْيَةُ. فإن قِيلَ: فلم لا يجوزُ له اسْتِدَامَةُ الطِّيبِ هاهُنا، كالذى يَتَطَيَّبُ قبل

стр. 2535

إحْرامِهِ؟ قُلْنا: لأنَّ ذلك فِعْلٌ مَنْدُوبٌ إليه، فكان له اسْتِدَامَتُه، وهاهُنا هو مُحْرِمٌ، وإنَّما سَقَطَ حُكْمُه بِالنِّسْيَانِ أو الجَهْلِ، فإذا زَالَ ظَهَرَ حُكْمُه، وإن تَعَذَّرَ عليه إزَالَتُه، لإِكْرَاهٍ أو عِلَّةٍ، ولم يَجِدْ من يُزِيلُه، وما أَشْبَه ذلك، فلا فِدْيَةَ عليه، وجَرَى مَجْرَى المُكْرَهِ على الطِّيبِ ابْتِداءً. وحُكْمُ الجاهِلِ إذا عَلِمَ، حُكْمُ النَّاسِى إذا ذَكَرَ، وحُكْمُ المُكْرَهِ حُكْمُ النَّاسِى؛ فإنَّ ما عُفِىَ عنه بِالنِّسْيَانِ، عُفِىَ عنه بالإِكْرَاهِ؛ لأنَّهما قَرِينَانِ فى الحَدِيثِ الدَّالِّ على العَفْوِ عنهما. وقَوْلُ الخِرَقِيِّ: "يَفْرَغُ إلى التَّلْبِيَةِ". أى يُلَبِّى حِينَ ذَكَرَ اسْتِذْكَارًا لِلْحَجِّ أنَّه نَسِيَهُ، واسْتِشْعَارًا بإقامَتِه عليه وَرُجُوعِه إليه. وهذا قَوْلٌ يُرْوَى عن إبراهيمَ النَّخَعِىِّ. ٦٨٢ - مسألة؛ قال: (وَلَوْ وَقَفَ بِعَرَفَةَ نَهَارًا، أوْ دَفَعَ قَبْلَ الْإِمَامِ، فَعَلَيْهِ دَمٌ) وجُمْلَةُ ذلك أنَّ مَن وَقَفَ بعَرَفَةَ يَوْمَ عَرَفَةَ نَهارًا وَجَبَ عليه الوُقُوفُ بها (١) إلى غُرُوبِ الشَّمسِ؛ لِيَجْمَعَ بين اللَّيْلِ والنَّهَارِ فى الوُقُوفِ. فإن دَفَعَ قبلَ الغُرُوبِ، ولم يَعُدْ حتى غَرَبَتِ الشَّمْسُ، فعليه دَمٌ. وقال الشَّافِعِىُّ: لا يَجِبُ ذلك، ولا دَمَ عليه إن دَفَعَ قبل الغُرُوب؛ احْتِجاجًا بِحَدِيثِ عُرْوَةَ بن مُضَرِّسٍ (٢)، ولأنَّه أدْرَكَ من الوُقُوفِ ما أجْزَأَهُ، أَشْبَهَ ما لو أدْرَكَ اللَّيْلَ مُنْفَرِدًا. ولَنا، أنَّ النَّبِىَّ ﷺ وَقَفَ حتى غَرَبَتِ الشَّمْسُ بِغَيْرِ خِلَافٍ، وقد قال: "خُذُوا عَنِّى مَنَاسِكَكُمْ" (٣). فإذا تَرَكَهُ لَزِمَهُ دَمٌ؛ لِقَوْلِ ابنِ عَبّاسٍ، ولأنَّه رُكْنٌ لم يَأْتِ به على الوَجْهِ المَشْرُوعِ، فلَزِمَهُ دَمٌ؛ كما لو أحْرَمَ دُونَ (٤) المِيقاتِ، وحَدِيثُهم دَلَّ على الإِجْزاءِ، والكلامُ فى

стр. 2536

وُجُوبِ الدَّمِ. فأمَّا إذا وَقَفَ فى اللَّيْلِ خَاصَّةً، فإنَّه يُجْزِئُه ولا يَلْزَمُهُ دَمٌ؛ لأنَّ مَن أَدْرَكَ اللَّيْلَ وَحْدَه لا يُمْكِنُه الوُقُوفُ نَهَارًا، فلا يَتَعَيَّنُ عليه، ولا يَجِبُ عليه بِتَرْكِهِ دَمٌ، بِخِلافِ مَن أَدْرَكَ نَهارًا. وأمَّا قَوْلُه: "أوْ دَفَعَ قبلَ الإِمَامِ". فظاهِرُه أنَّه أَوْجَبَ بذلك دَمًا، وإن دَفَعَ بَعْدَ (٥) الغُرُوَبِ. وقد رَوَى الأثْرَمُ، عن أحمدَ، قال: سَمِعْتُه يُسْألُ عن رَجُلٍ دَفَعَ قبل الإِمامِ من عَرَفَةَ بعدَ ما غَابَتِ الشَّمْسُ؟ فقال: ما وَجَدْتُ أحَدًا سَهَّلَ فيه، كُلُّهُم يُشَدِّدُ فيه. قال: وما يُعْجِبُنِى أن يَدْفَعَ قَبْلَ (٦) الإِمامِ، وعن عَطاءٍ، عليه شَاةٌ إذا دَفَعَ قبلَ الإمَامِ. قِيلَ: فيَدْفَعُ مِن مُزْدَلِفَةَ قبلَ الإِمامِ؟ فقال: المُزْدَلِفَةُ عِنْدِى غيرُ عَرَفَةَ. وذَكَرَ حديثَ ابنِ عمرَ، أنَّه دَفَعَ قبلَ ابن الزُّبَيْرِ. وغيرُ الخِرَقِىِّ من أصْحابِنَا لم يُوجِبْ بذلك شيئًا، ولا عَدَّ الدَّفْعَ مع الإِمامِ من الوَاجِباتِ. وهو الصَّحِيحُ؛ فإنَّ اتِّباعَ الإِمامِ وأفْعَالَ النُّسُكِ معه ليس بِوَاجبٍ، فى سائِرِ مَنَاسِكِ الحَجِّ، فكذا هاهُنا، وإنَّما وقَعَ دَفْعُ الصَّحابَةِ مع النَّبِىِّ ﷺ بِحُكْمِ العادَةِ، فلا يَدُلُّ على الوُجُوبِ، كالدَّفْعِ معه مِن مُزْدَلِفَةَ، والإِفاضَةِ من مِنًى، وغيرِ ذلك، وليس ذلك فِعْلًا لِلنَّبِىِّ ﷺ ، فيَدْخُلُ فى عُمُومِ قَوْلِه ﷺ : "خُذُوا عَنِّى مَنَاسِكَكُمْ" (٧) ٦٨٣ - مسألة؛ قال: (ومَنْ دَفَعَ مِنْ مُزْدَلِفَةَ قَبْلَ نِصْفِ اللَّيْلِ، مِنْ غَيْرِ الرُّعَاةِ وأَهْلِ سِقَايَةِ الْحَاجِّ، فَعَلَيْهِ دَمٌ) وجُمْلَةُ ذلك أنَّ المَبِيتَ بِمُزْدَلِفَةَ واجِبٌ يَجِبُ بِتَرْكِه دَمٌ، سواءٌ تَرَكَهُ عَمْدًا أو خَطَأً، عالِمًا (١) أو جَاهِلًا، لأنَّه تَرَكَ نُسُكًا، ولِلنِّسْيَانِ أثَرُهُ فى تَرْكِ المَوْجُودِ

стр. 2537

كالمَعْدُومِ، لا فى جَعْلِ المَعْدُومِ كالمَوْجُودِ، إلَّا أنَّه رُخِّصَ لأهْلِ السِّقَايَةِ ورُعَاةِ الإِبِلِ، فى تَرْكِ البَيْتُوتَةِ؛ لأنَّ النَّبِىَّ ﷺ رَخَّصَ لِلرُّعَاةِ فى تَرْكِ البَيْتُوتَةِ فى حديثِ [عاصِمِ بن] (٢) عَدِىٍّ (٣)، وأرْخَصَ لِلْعَبَّاسِ فى تَرْكِ (٤) المَبِيتِ لأجْلِ سِقَايَتِه (٥)، ولأنَّ عليهم مَشَقَّةً فى المَبِيتِ، لِحَاجَتِهم إلى حِفظِ مَوَاشِيهم وسَقْىِ الحَاجِّ، فكان لهم تَرْكُ المَبِيتِ فيها (٦) كلَيالِى مِنًى، ولأنَّها لَيْلَةٌ يُرْمَى فى غَدِها، فكاد لهم تَرْكُ المَبِيتِ فيها، كلَيالِى مِنًى. وَرُوِىَ عن أحمدَ، أنَّ المَبِيتَ بِمُزْدَلِفَةَ غيرُ وَاجِبٍ، ولا شىءَ على تَارِكِه. والأوَّلُ المذهبُ. ٦٨٤ - مسألة؛ قال: (وَمَنْ قَتَلَ وَهُوَ مُحْرِمٌ مِنْ صَيْدِ البَرِّ، عَامِدًا أو مُخْطِئًا، فَدَاهُ بِنَظِيرِه مِنَ النَّعَمِ، إنْ كَانَ المَقْتُولُ دَابَّةً) فى هذه المسألةِ فُصولٌ سِتَّةٌ؛ الأوَّل، فى وُجُوبِ الجَزاء على المُحْرِمِ بِقَتْلِ الصَّيْدِ فى الجُمْلَةِ. وأجْمَعَ أهْلُ العِلْمِ على وُجُوبِه، ونَصَّ اللهُ تعالى عليه بقوله: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقْتُلُوا الصَّيْدَ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ وَمَنْ قَتَلَهُ مِنْكُمْ مُتَعَمِّدًا فَجَزَاءٌ مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ﴾ (١). ولا نَعْلَمُ أحَدًا خَالَفَ فى الجَزاءِ فى قَتْلِ الصَّيْدِ مُتَعَمِّدًا، إلَّا الحسنَ ومُجاهِدًا، قالا: إذا قَتَلَهُ مُتَعَمِّدًا ذَاكِرًا لإِحْرَامِه لا جَزاءَ عليه، وإنْ كان مُخْطِئًا أو نَاسِيًا لإِحْرَامِه فعليه الجَزَاءُ. وهذا خِلافُ النَّصِّ، فإنَّ اللهَ تعالى قال: ﴿وَمَنْ قَتَلَهُ مِنْكُمْ مُتَعَمِّدًا فَجَزَاءٌ مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ﴾. والذَّاكِرُ لإِحْرَامِه مُتَعَمِّدٌ، وقال فى سِياقِ الآية: ﴿لِيَذُوقَ وَبَالَ أمْرِهِ﴾. والمُخْطِئُ والنَّاسِى لا

стр. 2538

عُقُوبَةَ عليهما. وقَتْلُ الصَّيْدِ نَوْعانِ، مُباحٌ ومُحَرَّمٌ، فَالمُحرَّمُ قَتْلُه ابْتِدَاءً مِن غيرِ سَبَبٍ يُبِيحُ قَتْلَه، ففيه الجَزاءُ. والمُبَاحُ ثلاثةُ أنْواعٍ؛ أحَدُها، أن يُضْطَرَّ إلى أكْلِه، فيُباحُ له ذلك بغيرِ خِلافٍ نَعْلَمُه؛ فإنَّ اللهَ تعالى قال: ﴿وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ﴾ (٢). وتَرْكُ الأكْلِ مع القُدْرَةِ عِند الضَّرورَةِ إلْقَاءٌ بِيَدِه إلى التَّهْلُكَةِ، ومَتَى قَتَلَه ضَمِنَهُ، سَواءٌ وَجَدَ غَيْرَه أو لم يَجِدْ. وقال الأَوْزَاعِىُّ: لا يَضْمَنُه؛ لأنَّه مُباحٌ، أشْبَهَ صَيْدَ البَحْرِ. ولَنا، عُمُومُ الآيةِ، ولأنَّه قَتْلٌ من غَيْرِ مَعْنًى يَحْدُثُ من الصَّيْدِ يَقْتَضِى قَتْلَه، فضَمِنَه كغيرِه، ولأنَّه أتْلَفَه لِدَفْعِ الأذَى عنه لا لِمَعْنًى فيه، أشْبَهَ حَلْقَ الشَّعْرِ لِأذًى بِرأسِهِ. النوع الثاني، إذا صَالَ عليه صَيْدٌ فلم يَقْدِرْ على دَفْعِه إلَّا بِقَتْلِه، فله قَتْلُه، ولا ضَمانَ عليه. وبهذا قال الشَّافِعِىُّ. وقال أبو بكرٍ: عليه الجَزَاءُ. وهو قَوْلُ أبى حنيفةَ؛ لأنَّه قَتَلَه لِحاجَةِ نَفْسِه، أشْبَه قَتْلَه لِحاجَتِه إلى أكْلِه. ولَنا، أنَّه حَيَوَانٌ قَتَلَهُ لِدَفْعِ شَرِّهِ، فلم يَضْمَنْهُ، كالآدَمِىِّ الصَّائِلِ، ولأنَّه الْتَحَقَ بالمُؤْذِيَاتِ طَبْعًا، فصارَ كالكلبِ العَقُورِ، ولا فَرْقَ بين أن يَخْشَى منه التَّلَفَ أَو يَخْشَى منه مَضَرَّةً، كجَرْحِه، أو إتْلَافِ مَالِه، أو بعضِ حَيَواناتِه. النوع الثالث، إذا خَلَّصَ صَيْدًا من سَبُعٍ أو شَبَكَةِ صَيَّادٍ (٣)، أو أخَذَه لِيُخَلِّصَ من رِجْلِه خَيْطًا، ونَحْوَه، فتَلِفَ بذلك، فلا ضَمانَ عليه. وبه قال عَطاءٌ. وقيل: عليه الضَّمَانُ. وهو قَوْلُ قَتادَةَ؛ لِعُمُومِ الآية، ولأنَّ غَايةَ ما فيه أنَّه عَدِمَ القَصْدَ إلى قَتْلِه، فأشْبَهَ قَتْلَ الخَطَأِ. ولَنا، أنَّه فِعْلٌ أُبِيحَ لِحاجَةِ الحَيَوانِ، فلم يَضْمَنْ ما تَلِفَ به، كما لو دَاوَى وَلِىُّ الصَّبِىِّ الصَّبِىَّ فمات بذلك، وهذا ليس بمُتَعَمِّدٍ، فلا تَتَنَاوَلُه الآيةُ. الفصل الثاني، أنَّه لا فَرْقَ بين الخَطَأِ والعَمْدِ فى قَتْلِ الصَّيْدِ فى وُجُوبِ الجَزاءِ، على إحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ. وبه قال الحسنُ، وعَطاءٌ، والنَّخَعِىُّ، ومالِكٌ، والثَّوْرِىُّ، والشَّافِعِىُّ،

стр. 2539

وأصْحابُ الرَّأْىِ. قال الزُّهْرِىُّ: على المُتَعَمِّدِ بالكِتابِ، وعلى المُخْطِئ بِالسُّنَّةِ. والرِّوَايَةُ الثَّانِيَةُ، لا كَفَّارَةَ فى الخَطَأِ. وهو قَوْلُ ابنِ عَبّاسٍ، وسَعِيدِ بن جُبَيْرٍ، وطَاوُسٍ، وابنِ المُنْذِرِ، ودَاوُدَ؛ لأنَّ اللهَ تعالى قال: ﴿وَمَنْ قَتَلَهُ مِنْكُمْ مُتَعَمِّدًا﴾. فدَلِيلُ خِطَابِه، أنَّه لا جَزاءَ على الخَاطِئِ؛ لأنَّ الأصْلَ بَرَاءَةُ ذِمَّتِه، فلا يَشْغَلُها إلَّا بِدَلِيلٍ، ولأنَّه مَحْظُورٌ لِلْإحْرامِ لا يُفْسِدُه، فيَجِبُ التَّفْرِيقُ بين خَطَئِه وعَمْدِه، كاللُّبْسِ والطِّيبِ. ووَجْهُ الأُولَى قولُ جَابِرٍ: جَعَلَ رسولُ اللهِ ﷺ فى [الضَّبُعِ يَصِيدُه المُحْرِمُ كَبْشًا. وقال ﵇] (٤) فِى بَيْضِ النَّعَامِ يُصِيبُه المُحْرِمُ: "ثَمَنُه". ولم يُفَرِّقْ. رَوَاهُما ابنُ مَاجَه (٥). ولأنَّه ضَمانُ إتْلَافٍ (٦) فاسْتَوى عَمْدُهُ وخَطؤُه، كمالِ الآدَمِىِّ. الفصل الثالث، أنَّ الجَزاءَ لا يَجِبُ إلَّا على المُحْرِمِ، ولا فَرْقَ بين إحْرامِ الحَجِّ وإحْرامِ العُمْرَةِ؛ لِعُمُومِ النَّصِّ فيهما. ولا خِلافَ فى ذلك. ولا فَرْقَ بين الإِحْرامِ بِنُسُكٍ واحِدٍ، وبين الإِحْرَامِ بِنُسُكَيْنِ، وهو القَارِنُ؛ لأنَّ اللهَ تعالى لم يُفَرِّقْ بينهما. الفصل الرابع، أنَّ الجَزاءَ لا يَجِبُ إلَّا بِقَتْلِ الصَّيْدِ؛ لأنَّه الذى وَرَدَ به النَّصُّ بِقَوْلِه تعالى: ﴿لَا تَقْتُلُوا الصَّيْدَ﴾. والصَّيْدُ ما جَمَعَ ثلاثةَ أشياءَ، وهو أن يكونَ مُبَاحًا أَكْلُه، لا مَالِكَ له، مُمْتَنِعًا. فيَخْرُجُ بِالوَصْفِ الأوَّلِ كلُّ ما ليس بِمَأْكُولٍ لا جَزاءَ فيه، كسِباعِ البَهائِمِ، والمُسْتَخْبَثِ من الحَشَرَاتِ، والطَّيْرِ، وسائِرِ المُحَرَّماتِ. قال أحمدُ: إنَّما جُعِلَتِ الكَفَّارَة فى الصَّيْدِ المُحَلَّلِ أكْلُه. وقال: كلُّ ما يُودَى (٧) إذا أصَابَهُ المُحْرِمُ يُؤْكَلُ لَحْمُهُ.

стр. 2540

وهذا قولُ أكْثَرِ أهْلِ العِلْمِ، إلَّا أنَّهم أوْجَبُوا الجَزاءَ فى [المُتَوَلِّدِ بين المَأْكُولِ وغيرِه، كَالسِّمْعِ] (٨) المُتَوَلِّدِ بين (٩) الضَّبُعِ والذِّئْبِ، تَغْلِيبًا لِتَحْرِيمِ قَتْلِه، كما غَلَّبُوا (١٠) التَّحْرِيمَ فى أكْلِه. وقال بعضُ أصْحابِنَا: فى أُمِّ حُبَيْنٍ جَدْىٌ. وأُمُّ حُبَيْنٍ: دَابَّةٌ مُنْتَفِخَةُ البَطْنِ. وهذا خِلافُ القِياسِ؛ فإنَّ أُمَّ حُبَيْنٍ لا تُؤْكَلُ، لِكَوْنِها مُسْتَخْبَثَةً عند العربِ. حُكِىَ أنَّ رَجلًا من البَدْوِ (١١) سُئِلَ ما تَأْكُلُونَ؟ قال: ما دَبَّ ودَرَجَ، إلَّا أُمَّ حُبَيْنٍ. فقال السَّائِلُ: لِيَهْنِ أمَّ حُبَيْنٍ العَافِيَةُ. وإنما تَبِعُوا فيها قَضِيَّةَ عُثمان، رَضِىَ اللَّه عنه، فإنَّه قَضَى فيها بِحُلَّان (١٢)، وهو الجَدْىُ. والصَّحِيحُ أنَّه لا شىءَ فيها. وفى القَمْلِ رِوَايتانِ، ذَكَرْنَاهما فيما مَضَى. والصَّحِيحُ، أنَّه لا شىءَ فيه؛ لأنَّه غيرُ مَأْكُولٍ، وهو من المُؤْذِيَاتِ، ولا مِثْلَ له ولا قِيمَةَ. قال مَيْسُونُ بن مِهْرَانَ: كنتُ عند عبدِ اللهِ بن عَبّاسٍ، فسألَهُ رجلٌ، فقال: أخَذْتُ قَمْلَةً فألْقَيْتُها، ثم طَلَبْتُها فلم أجِدْها. فقال ابنُ عَبّاسٍ: تِلْكَ ضَالَّةٌ لا تُبْتَغَى. وقال القاضى: إنَّما الرِّوَايتانِ فيما أزَالَهُ من شَعْرِه، فأمَّا ما ألْقاهُ من ظَاهِرِ بَدَنِه أو ثَوْبِه، فلا شىءَ فِيهِ (١٣)، رِوَايَةً واحِدَةً. ومن أوْجَبَ فيه الجَزَاءَ قال: أىَّ شىءٍ تَصَدَّقَ به فهو خَيْرٌ منه (١٤). واخْتَلَفَتِ الرِّوَايَةُ فى الثَّعْلَبِ، فعنه: فيه الجَزاءُ. وبه قال طاوُسٌ، وقَتادَةُ، ومالِكٌ، والشافِعِىُّ. وقالوا (١٥): هو صَيْدٌ يُؤْكَلُ، وفيه الجَزاءُ. وعن أحمدَ: لا شىءَ فيه. وهو قَوْلُ الزُّهْرِىِّ، وعَمْرِو بن دِينارٍ، وابْنِ أبى نَجِيحٍ، وابْنِ

стр. 2541

المُنْذِرِ. واخْتُلِفَ فيه عن عَطاءٍ؛ لأنَّه سَبُعٌ، وقد نَهَى النَّبِىُّ ﷺ عن كلِّ ذِى نَابٍ من السِّبَاعِ (١٦). وإذا أوْجَبْنَا فيه الجَزاءَ، ففيه شاةٌ؛ لأنَّه رُوِىَ ذلك عن عَطاءٍ. واخْتَلَفَتِ الرِّوَايَةُ فى السِّنَّوْرِ (١٧)، أهْلِيًّا كان أو وَحْشِيًّا، والصَّحِيحُ أنَّه لا جَزاءَ فيه. وهو اخْتِيارُ القاضى؛ لأنَّه سَبُعٌ، وليس بِمَأْكُولٍ. وقال الثَّوْرِىُّ، وإسحاقُ: فى الوَحْشِىِّ حُكُومَةٌ، ولا شَىْءَ فى الأهْلِىِّ؛ لأنَّ الصَّيْدَ ما كان وَحْشِيًّا. واخْتَلَفَتِ الرِّوَايَةُ فى الهُدْهُدِ والصُّرَدِ (١٨)؛ لاخْتِلَافِ الرِّوَايَتَيْنِ في إباحَتِهِما، وكلُّ ما اخْتُلِفَ فى إباحَتِه يُخْتَلَفُ فى جَزائِه، فأمَّا ما يَحرُمُ، فالصَّحِيحُ أنَّه لا جَزاءَ فيه؛ لأنَّه مُخَالِفٌ لِلْقِياسِ، ولا نَصَّ فيه. الوصف الثانى، أن يكونَ وَحْشِيًّا، وما ليس بِوَحْشِىٍّ لا يَحْرُمُ على المُحْرِمِ ذَبْحُهُ ولا أكْلُه، كبَهِيمَةِ الأنْعامِ كلِّها، والخَيْلِ، والدَّجَاجِ، ونَحْوِها. لا نَعْلَمُ بين أهْلِ العِلْمِ فى هذا خِلافًا، والاعْتِبَارُ فى ذلك بالأصْلِ، لا بالحالِ، فلو اسْتَأْنَسَ الوَحْشِىّ وَجَبَ فيه الجَزاءُ، وكذلِك وَجَبَ الجَزاءُ فى الحَمامِ أهْلِيِّه ووَحْشِيِّه، اعْتِبَارًا بِأصْلِه. ولو تَوَحَّشَ الأهْلِىُّ لم يَجِبْ فيه شىءٌ. قال أحمدُ، فى بَقَرَةٍ صارَتْ وَحْشِيَّةً: لا شىءَ فيها؛ لأنَّ الأصْلَ فيها الإِنْسِىُّ. وإن تَوَلَّدَ من الوَحْشِىِّ والأهْلِىِّ وَلَدٌ، ففيه الجَزاءُ، تَغْلِيبًا لِلتَّحْرِيمِ، كقَوْلِنا فى المُتَوَلِّدِ بين المُباحِ والمُحَرَّمِ. واخْتَلَفَتِ الرِّوَايَةُ فى الدَّجَاجِ السِّنْدِيِّ، هل فيه جَزَاءٌ؟ على رِوَايَتَيْنِ. ورَوَى مُهَنَّا (١٩)، عن أحمدَ، فى البَطِّ،

стр. 2542

يَذْبَحُه المُحْرِمُ إذا لم يَكُنْ صَيْدًا. والصَّحِيحُ أنَّه يَحْرُمُ عليه ذَبْحُه، وفيه الجَزاءُ؛ لأنَّ الأصْلَ فيه الوَحْشِىُّ، فهو كالحَمامِ. الفصل الخامس، أنَّ الجَزاءَ إنَّما يَجِبُ فى صَيْدِ البَرِّ دُونَ صَيْدِ البَحْرِ، بغيرِ خِلَافٍ؛ لِقَوْلِ اللهِ تعالي: ﴿أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ الْبَحْرِ وَطَعَامُهُ مَتَاعًا لَكُمْ وَلِلسَّيَّارَةِ وَحُرِّمَ عَلَيْكُمْ صَيْدُ الْبَرِّ مَا دُمْتُمْ حُرُمًا﴾ (٢٠). قال ابنُ عَبّاسٍ: طَعامُه ما لَفَظَه. ولا فَرْقَ بين حَيَوانِ البَحْرِ المِلْحِ وبين ما فى الأنْهارِ والعُيونِ، فإنَّ اسْمَ البَحْرِ يَتَناوَلُ الكُلَّ، قال اللهُ تعالى: ﴿وَمَا يَسْتَوِي الْبَحْرَانِ هَذَا عَذْبٌ فُرَاتٌ سَائِغٌ شَرَابُهُ وَهَذَا مِلْحٌ أُجَاجٌ وَمِنْ كُلٍّ تَأْكُلُونَ لَحْمًا طَرِيًّا﴾ (٢١). ولأنَّ اللهَ تعالى قَابَلَهُ بِصَيْدِ البَرِّ، بِقَوْلِه: ﴿وَحُرِّمَ عَلَيْكُمْ صَيْدُ الْبَرِّ﴾ (٢٠). فدَلَّ على أنَّ ما ليس من صَيْدِ البَرِّ فهو من صَيْدِ البَحْرِ، وحَيَوانُ البَحْرِ ما كان يَعِيشُ فى الماءِ، ويُفْرِخُ ويَبِيضُ فيه، فإنْ كان ممَّا لا يَعِيشُ إلَّا فى الماءِ كَالسَّمَكِ ونحوِه، فهذا ممَّا لا خِلافَ فيه، وإن كان ممَّا يَعِيشُ فى البَرِّ، كالسُّلَحْفَاةِ والسَّرَطَانِ، فهو كَالسَّمَكِ، لا جَزاءَ فيه. وقال عَطَاءٌ: فيه الجَزَاءُ، وفى الضُّفْدَعِ وكُلِّ ما يَعِيشُ فى البَرِّ. ولَنا، أنَّه يُفْرِخُ فى الماءِ ويَبِيضُ فيه، فكان من حَيوانِه، كالسَّمَكِ، فأمَّا طَيْرُ الماءِ، ففيه الجَزاءُ فى قَوْلِ عَامَّةِ أهْلِ العِلْمِ؛ منهم الأوْزاعِىُّ، والشَّافِعِىُّ، وأصْحابُ الرَّأْىِ، وغيرُهم. لا نَعْلَمُ فيه مُخَالِفًا، غيرَ ما حُكِىَ عن عَطاءٍ، أنَّه قال: حَيْثُما يكونُ أكْثَرَ (٢٢) فهو مِن صَيْدِه. ولَنا، أنَّ هذا إنَّما يُفْرِخُ فى البَرِّ ويَبِيضُ فيه، وإنَّما يَدْخُلُ الماءَ لِيَعِيشَ فيه ويَكْتَسِبَ منه، فهو كالصَّيَّادِ من الآدَمِيِّينَ. واخْتَلَفَتِ الرِّوَايَةُ فى الجَرَادِ، فعنه: هو من صَيْدِ البَحْرِ، لا جَزَاءَ فيه. وهو مذهبُ أبى سَعِيدٍ. قال ابنُ المُنْذِرِ: قال ابنُ عَبّاسٍ، وكَعْبٌ: هو من

стр. 2543

صَيْدِ البَحْرِ. وقال عُرْوَةُ: هو من (٢٣) نَثْرَةِ حُوتٍ. ورُوِىَ عن أبى هُرَيْرَةَ، قال: أصابَنَا ضَرْبٌ من جَرَادٍ، فكان رَجُلٌ مِنَّا يَضْرِبُ بِسَوْطِه وهو مُحْرِمٌ، فقيل: إنَّ هذا لا يَصْلُحُ، فَذُكِرَ ذلك للنَّبِىِّ ﷺ ، فقال: "هذَا مِنْ صَيْدِ البَحْرِ". وعنهُ، عن النَّبِىِّ ﷺ أنَّه قال: "الْجَرَادُ مِنْ صَيْدِ البَحْرِ". رَوَاهُما أبو دَاوُدَ (٢٤). ورُوِىَ عن أحمدَ، أنَّه مِن صَيْدِ البَرِّ، وفيه الجَزاءُ. وهو قَوْلُ الأكْثَرِينَ؛ لما رُوِىَ أنَّ عمرَ، رَضِىَ اللَّه عنه، قال لِكَعْبٍ فى جَرَادَتَيْنِ: ما جَعَلْتَ فى نَفْسِكَ؟ قال: دِرْهَمَانِ. قال: بَخٍ، دِرْهَمَانِ خَيْرٌ من مِائة جَرَادَةٍ. رَوَاهُ الشَّافِعِىُّ، فى "مُسْنَدِه" (٢٥). ولأنَّه طَيْرٌ يُشاهَدُ طَيَرَانُه فى البَرِّ، ويُهْلِكُه الماءُ إذا وَقَعَ فيه، فأشْبَهَ العَصَافِيرَ. فأمَّا الحَدِيثانِ اللَّذَانِ ذَكَرْنَاهما لِلرِّوَايَةِ الأُولَى فَوَهَمٌ. قالَه أبو داودَ. فعلَى هذا يَضْمَنُه بِقِيمَتِه؛ لأنَّه لا مِثْلَ له. وهذا قَوْلُ الشَّافِعِىِّ. وعن أحمدَ، يَتَصَدَّقُ بِتَمْرَةٍ [عن الجَرَادَةِ] (٢٦). وهذا يُرْوَى عن عمرَ، وعبدِ اللهِ ابن عمرَ. وقال ابنُ عَبَّاسٍ: قَبْضَةٌ من طَعَامٍ. قال القاضى: هذا مَحْمُولٌ على أنَّه أوْجَبَ ذلك على طَرِيقِ القِيمَةِ، والظَّاهِرُ أنَّهم لم يُرِيدُوا بذلك التَّقْدِيرَ، وإنَّما أرَادُوا أنَّ فيه أقَلَّ شىءٍ. وإن افْتَرَشَ الجَرَادُ فى طَرِيقِه، فقَتَلَهُ بِالْمَشْىِ عليه، على وَجْهٍ لم يُمْكِنْهُ التَّحَرُّزُ منه، ففيهِ وَجْهانِ؛ أحَدُهما، وجُوبُ جَزَائِه؛ لأنَّه أتْلَفَهُ لِنَفْعِ نَفْسِه، فيضْمَنُه (٢٧)، كالمُضْطَرِّ يَقْتُلُ صَيْدًا يَأْكُلُه. والثانى، لا يَضْمَنُه؛ لأنَّه اضْطَرَّهُ إلى إتْلافِه، أشْبَهَ ما لو صالَ عليه. الفصل السادس، أنَّ جَزاءَ ما كان دَابَّةً من الصَّيْدِ نَظِيرُه من النَّعَمِ. هذا قَوْلُ أكْثَرِ أهْلِ العِلْمِ؛ منهم

стр. 2544

الشَّافِعِىُّ. وقال أبو حنيفةَ: الوَاجِبُ القِيمَةُ، ويجوزُ [صَرْفُها فى] (٢٨) المِثْلِ؛ لأنَّ الصَّيْدَ ليس بِمِثْلِىٍّ. ولَنا، قَوْلُ اللهِ تعالى: ﴿فَجَزَاءٌ مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ﴾ (٢٩). وجَعَلَ النَّبِىُّ ﷺ فى الضَّبُعِ كَبْشًا (٣٠). وأجْمَعَ الصَّحابةُ على إِيجابِ المِثْلِ، فقال عمرُ، وعثمانُ، وعلىٌّ، وزَيْدُ بن ثَابِتٍ، وابنُ عَبّاسٍ، ومُعاوِيَةُ: فى النَّعَامَةِ بَدَنَةٌ. وحَكَمَ أبو عُبَيْدَةَ، وابنُ عَبّاسٍ، فى حِمَارِ الوَحْشِ بِبَدَنَةٍ. وحَكَمَ عمرُ فيه بِبَقَرَةٍ. وحَكَمَ عمرُ وعلىٌّ فى الظَّبْىِ بِشاةٍ. وإذا حَكَمُوا بذلك فى الأزْمِنَةِ المُخْتَلِفَةِ، والبُلْدَانِ المُتَفَرِّقةِ، دَلَّ ذلك على أنَّه ليس على وَجْهِ القِيمَةِ، ولأنَّه لو كان على وَجْهِ القِيمَةِ لَاعْتَبَرُوا صِفَةَ المُتْلَفِ التى تَخْتَلِفُ بها القِيمَةُ، إمَّا بِرُؤْيَةٍ أو إخْبَارٍ، ولم يُنْقَلْ عنهم السُّؤَالُ عن ذلك حَالَ الحُكْمِ، ولأنَّهم حَكَمُوا فى الحَمامِ بِشاةٍ، ولا يَبْلُغُ قِيمَتُه (٣١) شَاةً فى الغَالِبِ. إذا ثَبَتَ هذا، فليس المُرادُ حَقِيقَةَ المُمَاثَلَةِ، فإنَّها لا تَتَحَقَّقُ بين النَّعَمِ والصَّيْدِ، لكن أُرِيدَتِ المُمَاثَلَةُ مِن حيثُ الصُّورَةُ. والمُتْلَفُ من الصَّيْدِ قِسْمانِ؛ أحَدُهما، قَضَتْ فيه الصَّحابةُ، فيَجبُ فيه ما قَضَتْ. وبهذا قال عَطاءٌ، والشَّافِعِىُّ، وإسحاقُ. وقال مالِكٌ: يُسْتَأْنَفُ الحُكْمُ فيه؛ لأنَّ اللهَ تعالى قال: ﴿يَحْكُمُ بِهِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ﴾ (٢٩). ولَنا، قَوْلُ النَّبِىِّ ﷺ : "أَصْحَابِى كَالنُّجُومِ، بِأِيِّهِمُ اقْتَدَيْتُمُ اهْتَدَيْتُمْ" (٣٢). وقال: "اقْتَدُوا باللَّذَيْنِ مِنْ بَعْدِى: أبِى بَكْرٍ، وعُمَرَ" (٣٣). ولأنَّهم أَقْرَبُ إلى الصَّوَابِ،

стр. 2545

وأبْصَرُ بِالعِلْمِ، فكان حُكْمُهم حُجَّةً على غَيْرِهم، كالعَالِمِ مع العَامِّىِّ، والذى بَلَغَنَا قَضَاؤُهم [فيه؛ الضَّبُعُ فيه كَبْشٌ] (٣٤). قَضَى به عمرُ، وعلىٌّ، وجابِرٌ، وابنُ عَبّاسٍ. وفيه عن جَابِرٍ، أنَّ النَّبِىَّ ﷺ جَعَلَ فى الضَّبُعِ يَصِيدُها المُحْرِمُ كَبْشًا. رَوَاهُ أبو دَاوُدَ، وابنُ مَاجَه (٣٥). ورُوِىَ عن جَابِرٍ، عن النَّبِىِّ ﷺ ، قال: "فِى الضَّبُعِ كَبْشٌ، إذَا أصَابَ المُحْرِمُ، وَفِى الظَّبْىِ شَاةٌ، وَفِى الْأَرْنَبِ عَنَاقٌ (٣٦)، وَفِى الْيَرْبُوعِ (٣٧) جَفْرَةٌ". قال أبو الزُّبَيْرِ: الجَفْرَة، التى قد فُطِمَتْ وَرَعَتْ. رَوَاهُ الدَّارَقُطْنِىُّ (٣٨). قال أحمدُ: حَكَمَ رسولُ اللهِ ﷺ فى الضَّبُعِ بِكَبْشٍ. وبه قال عَطاءٌ، والشَّافِعِىُّ، وأبو ثَوْرٍ، وابنُ المُنْذِرِ. وقال الأوْزَاعِىُّ: كان (٣٩) العُلَمَاءُ بِالشَّامِ يَعُدُّونَها من السِّبَاعِ، ويَكْرَهُونَ أكْلَها. وهو القِياسُ، إلَّا أنَّ اتِّبَاعَ السُّنَّةِ والآثَارِ أوْلَى. وفى حمارِ الوَحْشِ بَقَرَةٌ. رُوِىَ ذلك عن عمرَ، رَضِىَ اللهُ عنه. وبه قال عُرْوَةُ، ومُجاهِدٌ، والشَّافِعِىُّ. وعن أحمدَ: فيه بَدَنَةٌ. رُوِىَ ذلك عن أبى عُبَيْدَةَ، وابنِ عَبّاسٍ. وبه قال عَطاءٌ، والنَّخَعِىُّ. وفى بَقَرَةِ الوَحْشِ بَقَرَةٌ. رُوِىَ ذلك عن ابنِ مَسْعُودٍ، وعَطاءٍ، وعُرْوَةَ، وقَتادَةَ، والشَّافِعِىِّ. والأيِّلُ فيه بَقَرَةٌ. قالَه ابنُ عَبّاسٍ. قال أصْحَابُنا: فى الوَعْلِ والثَّيْتَلِ بَقَرَةٌ، كالأيِّلِ (٤٠). والأرْوَى فيها بَقَرَةٌ. قال ذلك ابنُ عمرَ. وقال القاضى: فيها عَضْبٌ، وهى من أوْلَادِ البَقَرِ ما بَلَغ أن يُقْبَضَ على قَرْنِه، ولم يَبْلُغْ أن يكونَ جَذَعًا. وحُكِىَ ذلك عن

стр. 2546

الأزْهَرِىِّ. وفى الظَّبْىِ شَاةٌ. ثَبَتَ ذلك عن عمرَ، ورُوِىَ عن علىٍّ. وبه قال عَطَاءٌ، وعُرْوَةُ، والشَّافِعِىُّ، وابنُ المُنْذِرِ، ولا نَحْفَظُ عن غَيْرِهِم خِلَافَهم. وفى الوَبْرِ (٤١) شَاةٌ. رُوِىَ ذلك عن مُجاهِدٍ، وعَطَاءٍ. وقال القاضى: فيه جَفْرَةٌ؛ لأنَّه ليس بأكْبَرَ (٤٢) منها (٤٣). قال الشَّافِعِىُّ: إن كانت العَرَبُ تَأْكُلُه. والجَفْرَةُ من أوْلادِ المَعْزِ ما أَتَى عليها أرْبَعَةُ أشْهُرٍ، وفُصِلَتْ عن أُمِّهَا، والذَّكَرُ جَفْرٌ. وفى اليَرْبُوعِ جَفْرَةٌ. قال ذلك عمرُ، رَضِىَ اللهُ عنه. ورُوِىَ ذلك عن ابنِ مسعودٍ، وبه قال عَطاءٌ، والشَّافِعِىُّ، وأبو ثَوْرٍ. وقال النَّخَعِىُّ: فيه ثَمَنُه. وقال مالِكٌ: قِيمَتُه طَعَامًا. وقال عَمْرُو بن دِينَارٍ: ما سَمِعْنَا أنَّ الضَّبَّ واليَرْبُوعَ يُودَيانِ. واتِّبَاعُ الآثارِ أَوْلَى. وفى الضَّبِّ جَدْىٌ. قَضَى به عمرُ، وأرْبَدُ (٤٤)، وبه قال الشَّافِعِىُّ. وعن أحمدَ، فيه شَاةٌ؛ لأنَّ جابِرَ بن عبدِ اللهِ، وعَطَاءً قالَا فيه ذلك. وقال مُجاهِدٌ: حَفْنَةٌ من طَعَامٍ. وقال قَتَادَةُ: صَاعٌ. وقال مالِكٌ: قِيمَتُه من الطَّعَامِ. والأوَّلُ أوْلَى؛ فإنَّ قَضَاءَ عمرَ أَوْلَى من قَضَاءِ غيرِه، والجَدْىُ أَقْرَبُ إليه من الشَّاةِ. وفى الأرْنَبِ عَنَاقٌ. قَضَى به عمرُ. وبه قال الشَّافِعِىُّ./ وقال ابنُ عَبّاسٍ: فيه حَمَلٌ. وقال عَطَاءٌ: فيه شَاةٌ. وقَضَاءُ عمرَ أوْلَى. والعَنَاقُ: الأُنْثَى من وَلَدِ المَعْزِ فى أَوَّلِ سَنَةٍ، والذَّكَرُ جَدْىٌ. القسم الثانى، ما لم تَقْضِ فيه الصَّحابَةُ، فيُرْجَعُ إلى قَوْلِ عَدْلَيْنِ من أهْلِ الخِبْرَةِ؛ لِقَوْلِ اللهِ تعالى: ﴿يَحْكُمُ بِهِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ﴾. فيَحْكُمانِ فيه بأشْبَهِ الأشْياءِ من النَّعَمِ، من حيثُ الخِلْقَةُ، لا من حَيْثُ القِيمَةُ، بِدَلِيلِ أن قَضاءَ الصَّحابَةِ لم يَكنْ بِالمِثْلِ فى القِيمَةِ، وليس من شَرْطِ الحَكَمِ أن يَكُونَ فَقِيهًا؛ لأنَّ ذلك زِيَادَةٌ على أمْرِ اللَّه تعالى بِهِ (٤٥)، وقد أمَرَ عمرُ أرْبَدَ أن

стр. 2547

يَحْكُمَ فى الضَّبِّ (٤٦)، ولم يَسْأَل أفَقِيهٌ هو أمْ لا؟ لكن تُعْتَبَرُ العَدَالَةُ؛ لأنَّها مَنْصُوصٌ عليها، ولأنَّها شَرْطٌ فى قبُولِ القَوْلِ على الغيرِ فى سَائِرِ الأماكِن، وتُعْتَبَرُ الخِبْرَةُ؛ لأنَّه لا يَتَمَكَّنُ من الحُكْمِ بالمِثْلِ إلَّا مَن له خِبْرَةٌ، ولأنَّ الخِبْرَةَ بما يَحْكُمُ به شَرْطٌ فى سَائِرِ الحُكَّامِ. ويجوزُ أن يَكُونَ القَاتِلُ أحَدَ العَدْلَيْنِ. وبهذا قال الشَّافِعِىُّ، وإسحاقُ، وابنُ المُنْذِرِ. وقال النَّخَعِىُّ: ليس له ذلك؛ لأنَّ الإِنْسانَ لا يَحْكُمُ لِنَفْسِه. ولَنا، عُمومُ قَوْلِه تعالى: ﴿يَحْكُمُ بِهِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ﴾. والقاتِلُ مع غيرِه ذَوَا عَدْلٍ مِنَّا. وقد رَوَى سَعِيدٌ فى "سُنَنِه"، والشَّافِعِىُّ، في "مُسْنَدِه" (٤٦)، عن طَارِقِ بن شِهابٍ، قال: خَرَجْنَا حُجَّاجًا، فأوْطَأَ رَجُلٌ مِنَّا يُقَالُ له أَرْبَدُ ضَبًّا. ففَزَرَ (٤٧) ظَهْرَهُ، فقَدِمْنا على عمرَ، رَضِىَ اللَّه عنه، فسَأَله (٤٨) أَرْبَدُ، فقال له: احْكُمْ يا أَرْبَدُ فيه. قال: أنْتَ خَيْرٌ مِنِّى يا أمِيرَ المُؤْمِنِينَ. قال: إنَّما أمَرْتُكَ أن تَحْكُمَ، ولم آمُرْكَ أن تُزَكِّيَنِى. فقال أرْبَدُ: أرَى فيه جَدْيًا قد جَمَعَ الماءَ والشَّجَرَ. قال عمرُ: فذلك فيه. فأمَرَه عمرُ أن يَحْكُمَ فيه (٤٩) وهو القَاتِلُ، وأمَرَ أيضًا كَعْبَ الأحْبَارِ أن يَحْكُمَ على نَفْسِه فى الجَرَادَتَيْنِ اللَّتَيْنِ صَادَهُما وهو مُحْرِمٌ (٥٠). ولأنَّه مَالٌ يَخْرُجُ فى حَقِّ اللَّه تعالى، فجازَ أن يكونَ مَن وَجَبَ عليه أمِينًا فيه، كالزكاةِ. فصل: قال أصْحابُنا: فى كَبِيرِ الصَّيْدِ كَبِيرٌ (٥١) مثلُه من النَّعَمِ، وفى الصَّغِيرِ

стр. 2548

صَغِيرٌ، وفى الذَّكَرِ ذَكَرٌ، وفى الأُنْثَى أُنْثَى، وفى الصَّحِيحِ صَحِيحٌ، [وفى المَعِيبِ مَعِيبٌ. وبهذا قال الشَّافِعِىُّ. وقال مَالِكٌ: فى الصَّغِيرِ كَبِيرٌ، وفى المَعِيبِ صَحِيحٌ] (٥٢)؛ لأنَّ اللَّه تعالى قال: ﴿هَدْيًا بَالِغَ الْكَعْبَةِ﴾. ولا يُجْزِئُ فى الهَدْىِ صَغِيرٌ ولا مَعِيبٌ، ولأنَّها كَفَّارَةٌ مُتَعَلِّقَةٌ بِقَتْلِ حَيَوَانٍ، فلم تَخْتَلِفْ بِصَغِيرِه وكَبِيرِه، كقَتْلِ الآدَمِىِّ. ولَنا، قَوْلُ اللهِ تعالى: ﴿فَجَزَاءٌ مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ﴾. ومثلُ الصَّغِيرِ صَغِيرٌ، ولأنَّ ما ضُمِنَ باليَدِ والجِنَايَةِ اخْتَلَفَ ضَمَانُه بِالصِّغَرِ والكِبَرِ، كالبَهِيمَةِ، والهَدْىُ فى الآيةِ مُقَيَّدٌ (٥٣) بالمِثْلِ، وقد أجْمَعَ الصَّحَابَةُ على الضَّمَانِ بما لا يَصْلُحُ (٥٤) هَدْيًا، كالجَفْرَةِ والعَنَاقِ والجَدْىِ. وكفَّارَةُ الآدَمِىِّ ليستْ بَدَلًا عنه، ولا تَجْرِى مَجْرَى الضَّمَانِ، بِدَلِيلِ أنَّها لا تَتَبَعَّضُ فى أبْعاضِه، فإن فَدَى المَعِيبَ بِصَحِيحٍ فهو أفْضَلُ، وإن فَدَاهُ بمَعِيبٍ مثلِه جَازَ. وإن اخْتَلَفَ العَيْبُ، مثلُ أن فَدَى الأعْرَجَ بأعْوَرَ، أو الأعْوَرَ بأعْرَجَ، لم يَجُزْ؛ لأنَّه ليس بِمِثْلِه. وإن فَدَى أعْوَرَ مِن أحَدِ العَيْنَيْنِ بأعْوَرَ من أُخْرَى، أو أعْرَجَ من قَائِمَةٍ بأعْرَجَ من أُخْرَى جازَ؛ لأنَّ هذا اخْتِلافٌ يَسِيرٌ، ونَوْعُ العَيْبِ واحِدٌ، وإنَّما اخْتَلَفَ مَحَلُّه. وإن فَدَى الذَّكَرَ بأُنْثَى، جازَ؛ لأنَّ لَحْمَها أطْيَبُ وأَرْطَبُ. وإن فَدَاهَا بذَكَرٍ، جازَ، فى أحَدِ الوَجْهَيْنِ؛ لأنَّ لَحْمَهُ أوْفَرُ فتَسَاوَيَا. والآخَرُ لا يَجُوزُ؛ لأَنَّ زِيادَتَه عليها ليس هى من جِنْسِ زِيادَتِها، فأشْبَهَ فِدَاءَ المَعِيبِ من نَوْعٍ بِمَعِيبٍ من نَوْعٍ آخَرَ (٥٥). فصل: فإن قَتَلَ ماخِضًا (٥٦)، فقال القاضى: يَضْمَنُها بِقِيمَةِ مِثْلِها. وهو

стр. 2549

مذهبُ الشَّافِعِىِّ؛ لأنَّ قِيمَتَهُ أكْثَرُ من قِيمَةِ لَحْمِهِ. وقال أبو الخَطَّابِ: يَضْمَنُها بماخِضٍ مِثْلِها؛ لأنَّ اللهَ تعالى قال: ﴿فَجَزَاءٌ مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ﴾. وإيجابُ القِيمَةِ عُدُولٌ عن المِثْلِ مع إمْكَانِه، فإن فَدَاها بغيرِ ماخِضٍ، احْتَمَلَ الجَوَازَ؛ لأنَّ هذه الصِّفَةَ لا تَزِيدُ فى لَحْمِها، بل رُبَّما نَقَصَتْها، فلا يُشْتَرَطُ وُجُودُها فى المِثْلِ، كاللَّوْنِ والعَيْبِ. وإن جَنَى على ماخِضٍ، فأتْلَفَ جَنِينَها، وخَرَجَ مَيِّتًا، ففيه ما نَقَصَتْ أُمُّهُ، كما لو جَرَحَها، وإن خَرَجَ حَيًّا لِوَقْتٍ يَعِيشُ لِمِثْلِه ثم مَاتَ، ضَمِنَهُ بمِثْلِه، وإن كان لِوَقْتٍ لا يَعِيشُ لمِثْلِه، فهو كَالمَيِّتِ، كجَنِينِ الآدَمِيَّةِ. فصل: وإن أتْلَفَ جُزْءًا من الصَّيْدِ، وَجَبَ ضَمَانُه؛ لأنَّ جُمْلَتَهُ مَضْمُونَةٌ، فكان بَعْضُه مَضْمُونًا كالآدَمِىِّ، والأمْوَالِ، ولأنَّ النَّبِىَّ ﷺ ، قال: "لا يُنَفَّرُ صَيْدُهَا" (٥٧). فالجَرْحُ أوْلَى بِالنَّهْىِ، والنَّهْىُ يَقْتَضِى تَحْرِيمَهُ. وما كان مُحَرَّمًا من الصَّيْدِ وَجَبَ ضَمَانُه كنَفْسِه، ويُضْمَنُ بمِثْلِه من مِثْلِه، فى أحَدِ الوَجْهَيْنِ؛ لأنَّ ما وَجَبَ ضَمانُ جُمْلَتِه بِالمِثْلِ، وَجَبَ فى بَعْضِه مثلُه، كالمَكِيلاتِ. والآخَرُ يَجِبُ قِيمَةُ مِقْدَارِه من مِثْلِه؛ لأنَّ الجَزَاءَ يَشُقُّ إخْرَاجُه، فيمْتَنِعُ (٥٨) إيجَابُهُ، ولهذا (٥٩) عَدَلَ الشَّارِعُ عن إيجَابِ جُزْءٍ من بَعِيرٍ فى خَمسٍ من الإِبِلِ إلى (٦٠) إيجَابِ شَاةٍ من غَيْرِ جِنْسِ الإِبِلِ. والأوَّلُ أَوْلَى؛ لأنَّ المَشَقَّةَ هاهُنا غيرُ ثَابِتَةٍ؛ لِوُجُودِ الخِيَرَةِ له فى العُدُولِ عن المِثْلِ إلى عَدْلِه من الطَّعَامِ أو الصِّيَامِ، فيَنْتَفِى المَانِعُ، فيَثْبُتُ مُقْتَضَى الأصْلِ. وهذا إذا انْدَمَلَ الصَّيْدُ مُمْتَنِعًا، فإن انْدَمَلَ غيرَ مُمْتَنِعٍ، ضَمِنَهُ جَمِيعَه؛ لأنَّه عَطَّلَهُ، فصَارَ كالتَّالِفِ، ولأنَّه مُفْضٍ إلى تَلَفِه، فصارَ كالجارِحِ له جُرْحًا يُتَيَقَّنُ به مَوْتُه. وهذا مذهبُ أبى حنيفةَ. ويَتَخَرَّجُ أن

стр. 2550

يَضْمَنَهُ بما نَقَصَ؛ لأنَّه لا يَضْمنُ ما لم يَتْلفْ، ولم يَتْلَفْ جَمِيعُه، بِدَلِيلِ ما لو قَتَلَه مُحْرِمٌ آخَرُ لَزِمَهُ الجَزَاءُ. ومِن أصْلِنا أنَّ على المُشْتَرِكِينَ جَزَاءً واحِدًا، وضَمَانُه بجَزاءٍ كامِلٍ يُفْضِى إلى إيجابِ جَزَاءَيْنِ. وإن غَابَ غيرَ مُنْدَمِلٍ، ولم يُعْلَمْ خَبَرُهُ، والجِرَاحَةُ مُوجِبَةٌ [وهى التى لا يَعِيشُ مَعَها غالِبًا] (٦١)، فعليه ضَمَانُ جَمِيعِه، كما لو قَتَلَهُ. وإن كانتْ غيرَ مُوجِبَةٍ، فعليه ضَمَانُ ما نَقَصَ، ولا يَضْمَنُ جَمِيعَه؛ لأنَّنا لا نَعْلَمُ حُصُولَ التَّلَفِ بِفِعْلِهِ، فلم يَضْمَنْ، كما لو رَمَى سَهْمًا إلى صَيْدٍ، فلم يَعْلَمْ أَوَقَعَ به أم لا، وكذلك إن وَجَدَهُ مَيِّتًا، ولم يَعْلَمْ أمَاتَ من الجِنَايَةِ أم من غَيْرِها. ويَحْتَمِلُ أن يَلْزَمَهُ ضَمَانُه هاهُنا؛ لأنَّه وُجِدَ سَبَبُ إتْلَافِه منه، ولم يُعْلَمْ له سَبَبٌ آخَرُ، فوَجَبَ إحَالَتُه على السَّبَبِ المَعْلُومِ، كما لو وَقَعَ فى الماءِ نَجَاسَةٌ، فوَجَدَهُ مُتَغَيِّرًا تَغَيُّرًا يَصْلُحُ أن يَكُونَ منها، فإنَّنا نَحْكُمُ بِنَجَاسَتِه، وكذلك لو رَمَى صَيْدًا، فغَابَ عن عَيْنِه، ثم وَجَدَه مَيِّتًا لا أثَرَ به غيرُ سَهْمِه، حَلَّ أكْلُه. وإنْ صَيَّرَتْهُ الجِنَايَةُ غيرَ مُمْتَنِعٍ، فلم يَعْلَمْ أصارَ مُمْتَنِعًا أم لا، فعليه ضَمَانُ جَمِيعِه؛ لأنَّ الأصْلَ عَدَمُ الامْتِناعِ. فصل: وإن جَرَحَ صَيْدًا، فتَحَامَلَ، فَوَقَعَ فى شىءٍ تَلِفَ به، ضَمِنَه؛ لأنَّه تَلِفَ بِسَبَبِه. وكذلك إن نَفَّرَه، فتَلِفَ فى حال نُفُورِه، ضَمِنَهُ. فإن سَكَنَ فى مَكانٍ، وأَمِنَ من نُفُورِه، ثم تَلِفَ، لم يَضْمَنْهُ. وقد ذَكَرْنَا وَجْهًا آخَرَ، أن يَضْمَنَهُ في المَكانِ الذى انْتَقَلَ إليه؛ لما رَوَى الشَّافِعِىُّ فى "مُسْنَدِه" (٦٢)، عن عمرَ، ﵁، أنَّه دَخَلَ دَارَ النَّدْوَةِ، فألْقَى رِدَاءَهُ علي وَاقِفٍ فى البَيْتِ، فوَقَعَ [عليه طَيْرٌ] (٦٣) من هذا الحَمامِ، فأطَارَهُ، فَوَقَعَ على وَاقِفٍ آخرَ (٦٤)، فانْتَهَزَتْهُ حَيَّةٌ

стр. 2551

فَقَتَلَتْهُ، فقال لعثمانَ بن عَفَّانَ، ونَافِعِ بن عبدِ الحَارِثِ: إنِّى وَجَدْتُ في نَفْسِى أَنِّى أَطَرْتُه من مَنْزِلٍ كان فيه آمِنًا إلى مَوْقِعَةٍ كان فيها (٦٥) حَتْفُهُ. فقال نَافِعٌ لعثمانَ: كيف تَرَى، في عَنْزٍ ثَنِيَّةٍ عَفْرَاءَ، يُحْكَمُ بها على أمِيرِ المُؤْمِنِينَ؟ فقال عثمانُ: أرَى ذلك. فأمَرَ بها عمرُ، رَضِىَ اللهُ عنه. فصل: وكلُّ ما يَضْمَنُ به الآدَمِىَّ، يَضْمَنُ به الصَّيْدَ، من مُبَاشَرَةٍ، أو بسَبَبٍ، وما جنَتْ عليه دَابَّتُه بِيَدِها أو فَمِها من الصَّيْدِ، فالضَّمَانُ على رَاكِبِها، أَو قَائِدِها، أو سَائِقِها، وما جَنَتْ بِرِجْلِها، فلا ضَمانَ عليه؛ لأنَّه لا يُمْكِنُ حِفْظُ رِجْلِها. وقال القاضى: يَضْمَنُ السَّائِقُ جَمِيعَ جِنايَتِها؛ لأنَّ يَدَهُ عليها، ويُشَاهِدُ رِجْلَها. وقال ابنُ عَقِيلٍ: لا ضَمانَ عليه في الرِّجْلِ؛ لأنَّ النَّبِيَّ ﷺ ، قال: "الرِّجْلُ جُبَارٌ" (٦٦). وإن انْفَلَتَتْ (٦٧) فأتْلَفَتْ صَيْدًا، لم يَضْمَنْهُ؛ لأنَّه لا [يَدَ لَهُ] (٦٨) عليها، وقد قال النَّبِيُّ ﷺ : "العَجْمَاءُ جُبَارٌ" (٦٩). وكذلك لو أتْلَفَتْ آدَمِيًّا، لم يَضْمَنْه. ولو نَصَبَ المُحْرِمُ شَبَكَةً، أو حَفَرَ بِئرًا، فوَقَعَ فيها صَيْدٌ، ضَمِنَهُ؛ لأنَّه بِسَبَبِه، كما يَضْمَنُ الآدَمِىَّ، إلَّا أن يكونَ حَفَرَ البِئْرَ بِحَقٍّ، كحَفْرِهِ في دَارِهِ، أو في طَرِيقٍ وَاسِعٍ يَنْتَفِعُ بها المُسْلِمُونَ، فيَنْبَغِى أن لا يَضْمَنَ ما تَلِفَ به، كما لا يَضْمَنُ الآدَمِىِّ. وإن نَصَبَ شَبَكَةً قبلَ إحْرَامِهِ، فوَقَعَ فيها صَيْدٌ بعدَ إحْرَامِهِ، لم يَضْمَنْهُ؛ لأّنَّه لم يُوجَدْ منه بعدَ إحْرَامِه تَسَبُّبٌ إلى إتْلَافِه، أَشْبَهَ ما لو صادَهُ قبلَ إحْرَامِه، وتَرَكَهُ في مَنْزِلِه، فتَلِفَ بعدَ إحْرَامِه، أو بَاعَهُ وهو حَلالٌ، فذَبَحَهُ المُشْتَرِى.

стр. 2552

٦٨٥ - مسألة؛ قال: (وَإنْ كَانَ طَائِرًا فَدَاهُ بِقِيمَتِهِ فِى مَوْضِعِهِ) قَوْلُه: "بِقِيمَتِه في مَوْضِعِه" يَعْنِى يَجِبُ قِيمَتُه في المَكانِ الذى أَتْلَفَهُ فيه. ولا خِلافَ بين أَهْلِ العِلْمِ في وُجُوبِ ضَمانِ الصَّيْدِ من الطَّيْرِ، إلَّا ما حُكِىَ عن دَاوُدَ، أنَّه لا يَضْمَنُ ما كان أصْغَرَ من الحَمامِ؛ لأنَّ اللَّه تعالى قال: ﴿فَجَزَاءٌ مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ﴾. وهذا لا مِثْلَ له. ولَنا، عُمُومُ قَوْلِه تعالى: ﴿لَا تَقْتُلُوا الصَّيْدَ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ﴾. وقيل في قَوْلِه تعالى: ﴿لَيَبْلُوَنَّكُمُ اللَّهُ بِشَيْءٍ مِنَ الصَّيْدِ تَنَالُهُ أَيْدِيكُمْ﴾ (١): يَعْنِى الفَرْخَ والبَيْضَ وما لا يَقْدِرُ أن يَفِرَّ من صِغارِ الصَّيْدِ، ﴿وَرِمَاحُكُمْ﴾: يَعْنِى الكِبَارَ. وقد رُوِىَ عن عمرَ، وابنِ عَبّاسٍ، رَضِىَ اللَّه عَنْهُما، أنَّهُما حَكَمَا في الجَرَادِ بِجَزَاءٍ. ودَلَالَةُ الآيَةِ على وُجُوبِ جَزَاءٍ غيرِه لا يَمْنَعُ من وُجُوبِ الجَزَاءِ في هذا بِدَلِيلٍ آخَرَ، وضَمَانُ غيرِ الحَمَامِ من الطَّيْرِ قِيمَتُه؛ لأنَّ الأصْلَ في الضَّمَانِ أن يَضْمَنَ بِقِيمَتِه، أو (٢) بما يَشْتَمِلُ عليها، بِدَلِيلِ سَائِرِ المَضْمُونَاتِ، لكن تَرَكْنَا هذا الأصْلَ لِدَلِيلٍ (٣)، ففيما عدَاهُ تَجِبُ القِيمَةُ بِقَضِيَّةِ الدَّلِيلِ، وتُعْتَبَرُ القِيمَةُ في مَوْضِعِ إتْلَافِه، كما لو أتْلَفَ مَالَ آدَمِىٍّ في مَوْضِعٍ قُوِّمَ في مَوْضِعِ الإِتْلَافِ، كذا هاهُنا. فصل: ويَضْمَنُ بَيْضَ الصَّيدِ بِقِيمَتِه، أيَّ صَيْدٍ كان. قال ابنُ عَبّاسٍ: في بَيْضِ النَّعَامِ قِيمَتُه. ورُوِىَ ذلك عن عمرَ، وابنِ مسعودٍ. وبه قال النَّخَعِيُّ، والزُّهْرِىُّ، والشَّافِعِىُّ، وأبو ثَوْرٍ، وأصْحابُ الرَّأْىِ؛ لأنَّه يُرْوَى أنَّ رسولَ اللهِ ﷺ ، قال فِى بَيْضِ النَّعَامِ [يُصِيبُه المُحْرِمُ: "ثَمَنُه". رواه ابن ماجه (٤). وإذا وجبَ في بَيْضِ النَّعامِ] (٥) قِيمَتُه، مع أنَّ النَّعَامَ من ذَوَاتِ الأمْثالِ، فغيرُه

стр. 2553

أوْلَى، ولأنَّ البَيْضَ لا مِثْلَ له، فيَجِبُ فيه (٦) قِيمَتُه، كصِغارِ الطَّيْرِ. فإن لم يَكُنْ له قِيمَةٌ، لِكَوْنِه مَذَرًا (٧)، أو لأنَّ فَرْخَهُ مَيِّتٌ، فلا شىءَ فيه. قال أصْحابُنا: إلَّا بَيْضَ النَّعَامِ، فإنَّ لِقِشْرِهِ قِيمَةً. والصَّحِيحُ أنَّه لا شىءَ فيه؛ لأنَّه إذا لم يكنْ فيه حَيَوَانٌ، ولا [مآلُه إلى أن] (٨) يَصِيرَ منه حَيَوَانٌ صارَ كالأحْجَارِ والخَشَبِ، وسائِرِ مالَه قِيمَةٌ من غَيْرِ الصَّيْدِ، ألا تَرَى أنَّه لو نَقَبَ بَيْضَةً، فأخْرَجَ ما فيها، لَزِمَهُ جَزَاءُ جَمِيعِهَا، ثم لو كَسَرَها هو أو غيرُه، لم يَلْزَمْهُ لذلك شىءٌ. ومن كَسَرَ بَيْضَةً، فَخَرَجَ منها فَرْخٌ حَىٌّ، فعَاشَ، فلا شىءَ فيه، وإن ماتَ ففيه ما في صِغارِ (٩) أوْلادِ المُتْلَفِ بَيْضُهُ، ففى فَرْخِ الحَمامِ صَغِيرُ أوْلادِ الغَنَمِ، وفي فَرْخِ النَّعَامَةِ حُوَارٌ، وفيما عَدَاهُما (١٠) قِيمَتُه. ولا يَحِلُّ لِمُحْرِمٍ أكْلُ بَيْضِ الصَّيْدِ إذا كَسَرَهُ هو أو مُحْرِمٌ سِوَاهُ، وإن كَسَرَهُ حَلَالٌ فهو كَلَحْمِ الصَّيْدِ، إن كان أخَذَهُ لأجْلِ المُحْرِمِ لم يُبَحْ له أكْلُه، وإلَّا أُبِيحَ. وإن كَسَرَ بَيْضَ صَيْدٍ، لم يحرمْ على الحَلَالِ؛ لأنَّ حِلَّهُ لا يَقِفُ على كَسْرِه، ولا يُعْتَبَرُ له أهْلِيَّةٌ، بل لو كَسَرَهُ مَجُوسِىٌّ أو وَثَنِىٌّ، أو بغيرِ تَسْمِيَةٍ، لم يُحَرَّمْ، فأشْبَهَ قَطْعَ اللَّحْمِ وطَبْخَه. وقال القاضى: يحرمُ على الحَلالِ والمُحْرِمِ (٦) أكْلُه، كما لو ذَبَحَ الصَّيْدَ؛ لأنَّ كَسْرَهُ جَرَى مَجْرَى الذَّبْحِ، بِدَلِيلِ حِلِّهِ لِلْمُحْرِمِ بِكَسْرِ الحَلالِ له. وإن نَقَلَ بَيْضَ صَيْدٍ فَجَعَلَهُ تَحْتَ آخَرَ، أو تَرَكَ مع بَيْضِ الصَّيْدِ بَيْضًا آخَرَ، أو شيئًا فَنَفَرَ (١١) عن بَيْضِه حتى فَسَدَ، فعليه ضَمَانٌ؛ لأنَّه تَلِفَ بِسَبَبِه، وإن صَحَّ وفَرَّخَ، فلا ضَمانَ عليه. وإن باضَ الصَّيْدُ

стр. 2554

على فِرَاشِه فنَقَلَه (١٢) بِرِفْقٍ ففَسَدَ، ففيه وَجْهانِ، بِنَاءً [على الجَرَادِ] (١٣) إذا انْفَرَشَ في طَرِيقِه، وحُكْمُ بَيْضِ الجَرَادِ [حُكْمُ الجَرَادِ] (١٤). وإن احْتَلَبَ لَبَنَ صَيْدٍ، ففيه قِيمَتُه (١٥)، كما لو حَلَبَ لَبَنَ حَيَوَانٍ مَغْصُوبٍ. فصل: إذا نَتَفَ مُحْرِمٌ رِيشَ طَائِرٍ، ففيه ما نَقَصَ. وبهذا قال الشَّافِعِىُّ، وأبو ثَوْرٍ، وأَوْجَبَ مالِكٌ وأبو حنيفةَ فيه الجَزَاءَ جَمِيعَه. ولَنا، أنَّه نَقَصَه نَقْصًا يُمْكِنُ زَوَالُه، فلم يَضْمَنْهُ بِكَمَالِه، كما لو جَرَحَهُ. فإن حَفِظَهُ، فأطْعَمَه، وسَقَاه، حتى عَادَ ريِشُه، فلا ضَمانَ عليه؛ لأنَّ النَّقْصَ زَالَ، فأشْبَهَ ما لو انْدَمَلَ الجُرْحُ. وقيل: عليه قِيمَةُ الرِّيشِ؛ لأنَّ الثَّانِىَ غيرُ الأَوَّلِ. فإن صارَ غيرَ مُمْتَنِعٍ بِنَتْفِ رِيشِه، وانْدَمَلَ غيرَ مُمْتَنِعٍ، فعليه جَزَاءُ جَمِيعِه، كالجَرْحِ (١٦). فإن غَابَ غيرَ مُنْدَمِلٍ، ففيه ما نَقَصَ، كالجَرْحِ سواءً، وقد ذَكَرْنَا ثَمَّ احْتِمَالًا. فهاهُنا مِثلُه. ٦٨٦ - مسألة؛ قال: (إلَّا أنْ تَكُونَ نَعَامَةً، فَيَكُونُ فِيهَا بَدنَةٌ، أوْ حَمَامَةً، وَمَا أشْبَهَهَا، فَيَكُونُ في كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهَا شَاةٌ) هذا مُتَعَلِّقٌ بقَوْلِه: "وإن كَانَ طَائِرًا فَدَاهُ بِقِيمَتِه في مَوْضِعِه". واسْتَثْنَى (١) النَّعامَةَ من الطَّائِرِ؛ لأنَّها ذَاتُ جَنَاحَيْنِ وتَبِيضُ، فهى كالدَّجَاجِ والإِوَزِّ. أوْجَبَ فيها بَدَنَةً؛ لأنَّ عمرَ، وعليًّا، وعثمانَ، وزيدَ بن ثَابِتٍ، [وابنَ عَبّاسٍ] (٢)، ومعاويةَ، رَضِىَ اللهُ عنهم، حَكَمُوا فيها بِبَدَنَةٍ. وبه قال عَطاءٌ، ومُجاهِدٌ، ومالِكٌ، والشَّافِعِىُّ، وأكْثَرُ أهْلِ العِلْمِ. وحُكِىَ عن النَّخَعِىِّ، أنَّ فيها قِيمَتَها. وبه قال

стр. 2555

أبو حنيفةَ. وخَالَفَهُ صَاحِبَاهُ. واتِّبَاعُ النِّصِّ في قَوْلِه تعالى: ﴿فَجَزَاءٌ مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ﴾ (٣). والآثارِ أوْلَى، ولأنَّ النَّعَامَةَ تُشْبِهُ البَعِيرَ في [خَلْقِه، فكان] (٤) مِثْلًا لها، فتَدْخُلُ في عُمُومِ النّصِّ. وفي الحَمَامِ شَاةٌ. حَكَمَ به عمرُ، وعثمانُ، وابنُ عمرَ، وابنُ عَبّاسٍ، ونافِعُ بن عبدِ (٥) الحارِثِ، في حَمَامِ الحَرَمِ، وبه قال سَعِيدُ بنُ المُسَيَّبِ، وعَطاءٌ، وعُرْوَةُ، وقَتَادَةُ، والشَّافِعِيُّ، وإسحاقُ. وقال أبو حنيفةَ، ومالِكٌ: فيه قِيمَتُه. إلَّا أنَّ مَالِكًا وَافَقَ في حَمَامِ الحَرَمِ [دُونَ الإِحْرامِ؛ لأنَّ القِيَاس يَقْتَضِى القِيمَةَ في كُلِّ الطَّيْر، تَرَكْناه في حَمَامِ الحَرَمِ] (٦) لِحُكْمِ الصَّحَابَةِ، ففيما عدَاهُ يَبْقَى على الأصْلِ. قُلْنا: قد (٧) رُوِىَ عن ابنِ عَبّاسٍ في الحَمَامِ حَالَ الإِحْرَامِ كمَذْهَبِنَا، ولأنَّها حَمَامَةٌ مَضْمُونَةٌ لِحَقِّ اللَّه تعالى، فضُمِنَتْ بِشَاةٍ، كحَمامَةِ الحَرَمِ، ولأنَّها متى كانت الشَّاةُ مِثْلًا لها في الحَرَمِ، فكذلك في الحِلِّ، فيَجِبُ ضَمانُها بها (٨)؛ لِقَوْلِ اللهِ تعالى: ﴿فَجَزَاءٌ مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ﴾. وقِيَاسُ الحَمامِ على الحَمامِ أوْلَى من قِيَاسِه على غيرِه. وقَوْلُ الخِرَقِىِّ: "ومَا أَشْبَهَها". يَعْنِى ما يُشْبِهُ الحَمامَةَ، في أنَّه يَعُبُّ الماءَ، أى يَضَعُ مِنْقَارَهُ فيه، فيَكْرَعُ كما تَكْرَعُ الشَّاةُ، ولا يَأْخُذُ قَطْرَةً قَطْرَةً، كالدَّجَاجِ، والعَصافِيرِ. وإنَّما أَوْجَبُوا فيه شَاةً لشَبَهِه بها في كَرْعِ الماءِ مِثْلَها، ولا يَشْرَبُ مِثْلَ شُرْبِ (٨) بَقِيَّةِ الطُّيُورِ. قال أحمدُ، في رِوايَةِ ابنِ القاسمِ (٩)، وسِنْدِىٍّ (١٠): كُلُّ طَيْرٍ يَعُبُّ الماءَ، يَشْرَبُ مثلَ

стр. 2556

الحَمامِ، ففيه شَاةٌ. فيَدْخُلُ في هذا [الفَوَاخِتُ، والوَرَاشينُ، والشَّفَانِينُ (١١)، والقُمْرِىُّ، والدُّبْسِيُّ، والقَطَا] (١٢)؛ لأنَّ كُلَّ واحِدٍ من هذه تُسَمِّيه العَرَبُ حَمامًا، وقد رُوِىَ عن الكِسَائِيِّ، أنَّه قال: كلُّ مُطَوَّقٍ حَمَامٌ. وعلى هذا القَوْلِ، الحَجَلُ حَمَامٌ؛ لأنَّه مُطَوَّقٌ. فصل: وما كان أكْبَرَ من الحَمامِ، [كالحُبَارَى، والكُرْكِىِّ، والكَرَوَانِ (١٣)، والحَجَلِ] (١٤) والإِوَزِّ، والكَبِيرِ من طَيْرِ الماءِ، ففيه وَجْهانِ؛ أحَدُهما، فيه شَاةٌ؛ لأنَّه رُوِىَ عن ابنِ عَبّاسٍ، وجابِرٍ، وعَطاءٍ، أنَّهم قالوا: في الحَجَلَةِ والقَطَاةِ والحُبَارَى شَاةٌ شَاةٌ. وزَادَ عَطَاءٌ: في الكُرْكِيِّ والكَرَوَانِ وابْنِ الماءِ ودَجَاجِ الحَبَشِ والخَرَبِ (١٥)، شاةٌ شاةٌ. والخَرَبُ (١٥): هو فَرْخُ الحُبَارَى. ولأنَّ (١٦) إيجَابَ الشَّاةِ في الحَمَامِ تَنْبِيهٌ على إيجَابِها فيما هو أكْبَرُ منه. والوَجْهُ الثانِى، فيه قِيمَتُه، وهو مذهبُ الشَّافِعِىِّ؛ لأنَّ القِياسَ يَقْتَضِى وُجُوبَها في جَمِيعِ الطَّيْرِ، تَرَكْنَاهُ في الحَمامِ لإِجْمَاعِ الصَّحَابَةِ، رَضِىَ اللَّه عنهم، ففى غيرِه يُرْجَعُ إلى الأصْلِ.

стр. 2557

٦٨٧ - مسألة؛ قال: (وهُوَ مُخَيَّرٌ، إنْ شَاءَ فَدَاهُ بِالنَّظِيرِ، أوْ قَوَّمَ النَّظِيرَ بِدَرَاهِمَ، وَنَظَرَ كَمْ يَجِىءُ بهِ طَعَامًا، فأَطْعَمَ كُلَّ مِسْكِينٍ مُدًّا، أوْ صَامَ عنْ كُلِّ مُدٍّ يَوْمًا، مُعْسِرًا كَانَ أو مُوسِرًا) في هذه المسألة أربعة فُصولٍ: الأوَّلِ، أنَّ قَاتِلَ الصَّيْدِ مُخَيَّرٌ في الجَزاءِ بأحَدِ هذه الثَّلاثةِ، بأيِّها شاءَ كَفَّرَ، مُوسِرًا كان أو مُعْسِرًا. وبهذا قال مالِكٌ، والشَّافِعِىُّ، وأصْحابُ الرَّأْىِ. وعن أحمدَ، رِوَايَةٌ ثَانِيَةٌ، أنَّها على التَّرْتِيبِ، فيَجِبُ المِثْلُ أوَّلًا، [فإنْ لم يَجِدْ أطْعَمَ] (١)، فإنْ لم يَجِدْ صامَ. ورُوِىَ هذا عن ابْنِ عَبّاسٍ، والثَّوْرِىِّ؛ لأنَّ هَدْىَ المُتْعَةِ على التَّرْتِيبِ. وهذا أَوْكَدُ منه؛ لأنَّه بِفِعْلِ مَحْظُورٍ. وعنه رِوَايَةٌ ثَالِثَةٌ، أنَّه لا إطْعامَ في الكَفَّارَةِ، وإنَّما ذُكِرَ في (٢) الآيةِ لِيَعْدِلَ به (٣) الصِّيامَ؛ لأنَّ مَنْ قَدَرَ على الإِطْعَامِ قَدَرَ على الذَّبْحِ. هكذا قال ابنُ عَبّاسٍ. وهذا قَوْلُ الشَّعْبِىِّ، وأبى عِياضٍ (٤). ولَنا، قَوْلُ اللهِ تعالى: ﴿هَدْيًا بَالِغَ الْكَعْبَةِ أَوْ كَفَّارَةٌ طَعَامُ مَسَاكِينَ أَوْ عَدْلُ ذَلِكَ صِيَامًا﴾ (٥). و "أوْ" في الأمْرِ لِلتَّخْيِيرِ. رُوِىَ عن ابْنِ عَبّاسٍ، أنَّه قال: كلُّ شىءٍ أو أو، فهو مُخَيَّرٌ. وأمَّا ما كان فإن لم يُوجَدْ، فهو الأوَّل الأوَّلُ. ولأنَّ عَطْفَ هذه الخِصالِ بَعْضِها على بَعْضٍ بأوْ، فكان مُخَيَّرًا [في جميعها، كفِديةِ الأذَى، وكفَّارةِ اليَمينِ. ولأنَّها فِديَةٌ تجبُ بفعلِ مَحظُورٍ، فكان مُخيَّرًا] (٦) بين ثلاثتِها كفِدْيَةِ الأذَى (٧)، وقد سَمَّى اللهُ الطَّعامَ كَفَّارَةً، ولا يَكُونُ كَفَّارَةً ما لم يَجِبْ إخْرَاجُه، وجَعْلُه طَعامًا لِلْمَسَاكِينِ، وما لَا (٨)

стр. 2558

يجوزُ صَرْفُه إليهم لا يكونُ طعاما لهم، وعَطَفَ الطَّعامَ على الهَدْىِ، ثم عَطفَ الصِّيَامَ عليه، ولو لم يكنْ خَصْلَةً من خِصَالِهَا لم يَجُزْ ذلك فيه. ولأنَّها كَفَّارَةٌ ذُكِرَ فيها الطَّعَامُ، فكان من خِصَالِها، كسَائِرِ الكَفَّاراتِ. وقولُهُم: إنها وَجَبَتْ بِفِعْلِ مَحْظُورٍ. يَبْطُلُ بِفِدْيَةِ الأذَى. على أنَّ لَفْظَ النَّصِّ صَرِيحٌ في التَّخْيِيرِ، فليس ترْكُ مَدْلُولِه قِيَاسًا على هَدْىِ المُتْعَةِ بِأوْلَى من العَكْسِ، [فكما لا] (٩) يجوزُ قِياسُ هَدْىِ المُتْعَةِ في التَّخْيِيرِ على هذا، لما يَتَضَمَّنُه من تَرْكِ النَّصِّ، كذا هاهُنا. الفصلُ الثانى أنَّه (١٠) إذا اخْتارَ المِثْلَ، ذَبَحَهُ، وتَصَدَّقَ به على مَسَاكِينِ الحَرَمِ؛ لأنَّ اللهَ تعالى قال: ﴿هَدْيًا بَالِغَ الْكَعْبَةِ﴾. ولا يُجْزِئُه أن يَتَصَدَّقَ به حَيًّا على المَسَاكِينِ؛ لأنَّ اللهَ تعالى سَمَّاهُ هَدْيًا، والهَدْىُ يَجِبُ ذَبْحُه، وله ذَبْحُه أيَّ وَقْتٍ شاءَ، ولا يَخْتَصُّ ذلك بِأَيَّامِ النَّحْرِ. الفصلُ الثَّالِثُ، أنَّه متى اخْتارَ الإِطْعامَ، فإنَّه يُقَوِّمُ المِثْلَ بِدَرَاهِمَ، والدَّرَاهِمَ بِطَعامٍ، ويَتَصَدَّقُ به على المَساكِينِ. وبهذا قال الشَّافِعِىُّ. وقال مالِكٌ: يُقَوِّمُ الصَّيْدَ لا المِثْلَ؛ لأنَّ التَّقْوِيمَ إذا وَجَبَ لِأجْلِ الإِتْلافِ، قُوِّمَ المُتْلَفُ، كالذي لا مِثْلَ له. ولَنا، أنَّ كُلَّ [ما تَلِفَ] (١١) وَجَبَ فيه المِثْلُ إذا قُوِّمَ لَزِمَتْ قِيمَةُ مِثْلِه، كالمِثْلِىِّ من مالِ الآدَمِىِّ، ويَعْتَبِرُ قِيمَةَ المِثْلِ في الحَرَمِ؛ لأنَّه [مَحِلُّ إخْرَاجِه] (١٢)، ولا يُجْزِئُ إخْرَاجُ القِيمَةِ؛ لأنَّ اللَّه تعالى خَيَّرَ بَين ثلاثةِ أشْياءَ ليستِ القِيمَةُ منها، والطَّعَامُ المُخْرَجُ هو الذي يُخْرَجُ في الفِطْرَةِ وفِدْيَةِ الأذَى، وهو الحِنْطَةُ والشَّعِيرُ والتَّمْرُ والزَّبِيبُ. ويَحْتَمِلُ أن يُجْزِئ كُلُّ ما يُسَمَّى طَعَامًا؛ لِدُخُولِه في إطْلاقِ اللَّفْظِ، ويُعْطِى كُلَّ مِسْكِينٍ مُدًّا من البُرِّ، كما

стр. 2559

يَدْفَعُ إليه في كَفَّارَةِ اليَمِينِ، فأمَّا بَقِيَّةُ الأَصْنافِ فَنِصْفُ صَاعٍ لكل مِسْكِينٍ. نَصَّ عليه أحمدُ، فقال في إطْعَامِ المَسَاكِينِ في الفِدْيَةِ، وجَزاءِ كَفَّارَةِ اليَمِينِ: إن أطْعَمَ بُرًّا، فَمُدُّ طَعامٍ لِكُلِّ مِسْكِينٍ. وإن أطْعَمَ تَمْرًا فنِصْفُ صاعٍ لِكُلِّ مِسْكِينٍ. وأطْلَقَ الخِرَقِيُّ مُدًّا (١٣) لِكُلِّ مِسْكِينٍ، ولم يُفَرِّقْ. والأوْلَى أنَّه لا يُجْزِئُ من غيرِ البُرِّ أقَلُّ من نِصْفِ صاعٍ، إذْ لم يَرِدِ الشَّرْعُ في مَوْضِعٍ بأقَلَّ من ذلك في طُعْمَةِ المَسَاكِينِ، ولا تَوْقِيفَ فيه، فيُرَدُّ إلى نَظائِرِه. ولا يُجْزِئُ إخْرَاجُ [الطَّعامِ إلّا لِمَساكِينِ الحَرَمِ] (١٤)؛ [لأنَّه قائِمٌ مَقامَ] (١٥) الهَدْىِ الوَاجِبِ لهم فيكون أيضا لهم، كقِيمَةِ (١٦) المِثْلِىِّ من مالِ الآدَمِىِّ. الفصلُ الرَّابعُ في الصِّيَامِ، فعن أحمدَ أنَّه يَصُومُ عن كلِّ مُدٍّ يَوْمًا. وهو ظاهِرُ (١٧) قَوْلِ عَطاءٍ، ومالِكٍ، والشَّافِعِىِّ؛ لأنَّها كَفَّارَةٌ دَخَلَها الصِّيَامُ والإِطْعَامُ، فكان اليَوْمُ في مُقَابَلَةِ المُدِّ، ككَفَّارَةِ الظِّهارِ. وعن أحمدَ، أنَّه يَصُومُ عن كلِّ نِصْفِ صَاعٍ يَوْمًا، وهو قَوْلُ [ابنِ عَبَّاسٍ] (١٨)، والحسنِ، والنَّخَعِيِّ، والثَّوْرِىِّ، وأصْحابِ الرَّأْىِ، وابْنِ المُنْذِرِ. قال القاضى: المَسْألَةُ رِوَايَةٌ وَاحِدَةٌ، واليومُ عن مُدِّ بُرٍّ أو نِصْفِ صَاعٍ من غيرِه، وكَلَامُ أحْمَدَ في الرِّوَايَتَيْنِ مَحْمُولٌ على اخْتِلافِ الحَالَيْنِ؛ لأنَّ صَوْمَ اليَوْمِ مُقَابَلٌ بإطْعامِ المِسْكِينِ، وإطعامُ المِسْكِينِ مُدُّ بُرٍّ أو نِصْفُ صَاعٍ من غيرِه، ولأنَّ اللهَ تعالى جَعَلَ اليومَ في كَفِّارَةِ الظِّهارِ في مُقَابَلَةِ إطْعامِ المِسْكِينِ، فكذا هاهُنا. وَرُوِىَ عن أبي ثَوْرٍ، أنَّ جَزَاءَ الصَّيْدِ من الطَّعامِ والصِّيامِ مثلُ كَفَّارَةِ الأذَى. ورُوِىَ ذلك عن ابْنِ عَبّاسٍ. ولَنا، أنَّه جَزَاءٌ عن مُتْلَفٍ فاخْتلَفَ بِاخْتِلَافِه، كبَدَلِ مَالِ الآدَمِيِّ، وإذا

стр. 2560

بَقِىَ ما لا يَعْدِلُ يَومًا (١٩) كدُونِ المُدِّ، صامَ عنه (١٩) يومًا كَامِلًا. كذلك قال عَطاءٌ، والنَّخَعِىُّ، وحَمَّادٌ، والشَّافِعِىُّ، وأصْحابُ الرَّأْىِ. ولا نَعْلَمُ أحَدًا خَالَفَهُم؛ لأنَّ الصَّوْمَ لا يَتَبَعَّضُ، فيَجِبُ تَكْمِيلُه. ولا يَجِبُ التَّتابُعُ في الصِّيامِ. وبه قال الشَّافِعِىُّ، وأصْحابُ الرَّأىِ؛ فإنَّ اللهَ تعالى أمَرَ به مُطْلَقًا، فلا يَتَقَيَّدُ بِالتَّتابُعِ من غيرِ دَلِيلٍ. ولا يجوزُ أن يَصُومَ عن بَعْضِ الجَزاءِ، ويُطْعِمَ عن بَعْضٍ. نَصَّ عليه أحمدُ. وبه قال الشَّافِعِىُّ، والثَّوْرِىُّ، وإسحاقُ، وأبو ثَوْرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ. وجَوَّزَه محمدُ بن الحسنِ إذا عَجَزَ عن بَعْضِ الإِطْعامِ. ولا يَصِحُّ؛ لأنَّها كَفَّارَةٌ واحِدَةٌ، فلا يُؤَدِّى بَعْضَها بالإِطْعامِ وبَعْضَها بِالصِّيَامِ، كسَائِرِ الكَفَّاراتِ. فصل: وما لا مِثْلَ له من الصَّيْدِ، يُخَيَّرُ قَاتِلُه بين أن يَشْتَرِىَ بِقِيمَتِه طَعَامًا، فيُطْعِمَه لِلْمَسَاكِينِ، وبين أن يَصُومَ. وهل يجوزُ إخْرَاجُ القِيمَةِ؟ فيه احْتِمالانِ؛ أحَدُهما، لا يجوزُ. وهو ظَاهِرُ كلامِ (٢٠) أحْمَدَ، في رِوَايَةِ حَنْبَلٍ، فإنَّه قال: إذا أصابَ المُحْرِمُ صَيْدًا، ولم يُصِبْ له عَدْلًا حَكَمَ (٢١) عليه؛ قَوَّمَ طَعَامًا إن قَدَرَ على طَعَامٍ، وإلَّا صَامَ لِكلِّ (١٩) نصفِ صَاعٍ يَوْمًا. هكذا يُرْوَى عن ابْنِ عَبّاسٍ. ولأنَّه جَزَاءُ صَيْدٍ، فلم يَجُزْ إخْراجُ القِيمَةِ فيه، كالذى له مِثْلٌ، ولأنَّ اللَّه تعالى خَيَّرَ بَين ثلاثةِ أشْياءَ ليس منها (٢٢) القِيمَةُ، وإذا عَدِمَ أحَدَ الثَّلَاثَةِ يَبْقَى التَّخْيِيرُ بين الشَّيْئَيْنِ البَاقِيَيْنِ، فأمَّا إيجابُ شىءٍ غيرِ المَنْصُوصِ عليه (١٩) فلا. الثاني، يجوزُ إخْرَاجُ القِيمَةِ؛ لأنَّ عمرَ، رَضِىَ اللهُ عنه، قال لِكَعْبٍ: ما جَعَلْتَ على نَفْسِكَ؟ قال: دِرْهَمَيْنِ. قال: اجْعَلْ ما جَعَلْتَ على نَفْسِكَ (٢٣). وقال عَطاءٌ: في العُصْفُورِ
следующие страницы →