← Фикх ханбали

Фикх ханбали · id 6910

المغني لابن قدامة - ت التركي

ابن قدامة

Полный текст (7 955 стр.). Показаны 2556–2595 · переход к 2561.

стр. 2556

الحَمامِ، ففيه شَاةٌ. فيَدْخُلُ في هذا [الفَوَاخِتُ، والوَرَاشينُ، والشَّفَانِينُ (١١)، والقُمْرِىُّ، والدُّبْسِيُّ، والقَطَا] (١٢)؛ لأنَّ كُلَّ واحِدٍ من هذه تُسَمِّيه العَرَبُ حَمامًا، وقد رُوِىَ عن الكِسَائِيِّ، أنَّه قال: كلُّ مُطَوَّقٍ حَمَامٌ. وعلى هذا القَوْلِ، الحَجَلُ حَمَامٌ؛ لأنَّه مُطَوَّقٌ. فصل: وما كان أكْبَرَ من الحَمامِ، [كالحُبَارَى، والكُرْكِىِّ، والكَرَوَانِ (١٣)، والحَجَلِ] (١٤) والإِوَزِّ، والكَبِيرِ من طَيْرِ الماءِ، ففيه وَجْهانِ؛ أحَدُهما، فيه شَاةٌ؛ لأنَّه رُوِىَ عن ابنِ عَبّاسٍ، وجابِرٍ، وعَطاءٍ، أنَّهم قالوا: في الحَجَلَةِ والقَطَاةِ والحُبَارَى شَاةٌ شَاةٌ. وزَادَ عَطَاءٌ: في الكُرْكِيِّ والكَرَوَانِ وابْنِ الماءِ ودَجَاجِ الحَبَشِ والخَرَبِ (١٥)، شاةٌ شاةٌ. والخَرَبُ (١٥): هو فَرْخُ الحُبَارَى. ولأنَّ (١٦) إيجَابَ الشَّاةِ في الحَمَامِ تَنْبِيهٌ على إيجَابِها فيما هو أكْبَرُ منه. والوَجْهُ الثانِى، فيه قِيمَتُه، وهو مذهبُ الشَّافِعِىِّ؛ لأنَّ القِياسَ يَقْتَضِى وُجُوبَها في جَمِيعِ الطَّيْرِ، تَرَكْنَاهُ في الحَمامِ لإِجْمَاعِ الصَّحَابَةِ، رَضِىَ اللَّه عنهم، ففى غيرِه يُرْجَعُ إلى الأصْلِ.

стр. 2557

٦٨٧ - مسألة؛ قال: (وهُوَ مُخَيَّرٌ، إنْ شَاءَ فَدَاهُ بِالنَّظِيرِ، أوْ قَوَّمَ النَّظِيرَ بِدَرَاهِمَ، وَنَظَرَ كَمْ يَجِىءُ بهِ طَعَامًا، فأَطْعَمَ كُلَّ مِسْكِينٍ مُدًّا، أوْ صَامَ عنْ كُلِّ مُدٍّ يَوْمًا، مُعْسِرًا كَانَ أو مُوسِرًا) في هذه المسألة أربعة فُصولٍ: الأوَّلِ، أنَّ قَاتِلَ الصَّيْدِ مُخَيَّرٌ في الجَزاءِ بأحَدِ هذه الثَّلاثةِ، بأيِّها شاءَ كَفَّرَ، مُوسِرًا كان أو مُعْسِرًا. وبهذا قال مالِكٌ، والشَّافِعِىُّ، وأصْحابُ الرَّأْىِ. وعن أحمدَ، رِوَايَةٌ ثَانِيَةٌ، أنَّها على التَّرْتِيبِ، فيَجِبُ المِثْلُ أوَّلًا، [فإنْ لم يَجِدْ أطْعَمَ] (١)، فإنْ لم يَجِدْ صامَ. ورُوِىَ هذا عن ابْنِ عَبّاسٍ، والثَّوْرِىِّ؛ لأنَّ هَدْىَ المُتْعَةِ على التَّرْتِيبِ. وهذا أَوْكَدُ منه؛ لأنَّه بِفِعْلِ مَحْظُورٍ. وعنه رِوَايَةٌ ثَالِثَةٌ، أنَّه لا إطْعامَ في الكَفَّارَةِ، وإنَّما ذُكِرَ في (٢) الآيةِ لِيَعْدِلَ به (٣) الصِّيامَ؛ لأنَّ مَنْ قَدَرَ على الإِطْعَامِ قَدَرَ على الذَّبْحِ. هكذا قال ابنُ عَبّاسٍ. وهذا قَوْلُ الشَّعْبِىِّ، وأبى عِياضٍ (٤). ولَنا، قَوْلُ اللهِ تعالى: ﴿هَدْيًا بَالِغَ الْكَعْبَةِ أَوْ كَفَّارَةٌ طَعَامُ مَسَاكِينَ أَوْ عَدْلُ ذَلِكَ صِيَامًا﴾ (٥). و "أوْ" في الأمْرِ لِلتَّخْيِيرِ. رُوِىَ عن ابْنِ عَبّاسٍ، أنَّه قال: كلُّ شىءٍ أو أو، فهو مُخَيَّرٌ. وأمَّا ما كان فإن لم يُوجَدْ، فهو الأوَّل الأوَّلُ. ولأنَّ عَطْفَ هذه الخِصالِ بَعْضِها على بَعْضٍ بأوْ، فكان مُخَيَّرًا [في جميعها، كفِديةِ الأذَى، وكفَّارةِ اليَمينِ. ولأنَّها فِديَةٌ تجبُ بفعلِ مَحظُورٍ، فكان مُخيَّرًا] (٦) بين ثلاثتِها كفِدْيَةِ الأذَى (٧)، وقد سَمَّى اللهُ الطَّعامَ كَفَّارَةً، ولا يَكُونُ كَفَّارَةً ما لم يَجِبْ إخْرَاجُه، وجَعْلُه طَعامًا لِلْمَسَاكِينِ، وما لَا (٨)

стр. 2558

يجوزُ صَرْفُه إليهم لا يكونُ طعاما لهم، وعَطَفَ الطَّعامَ على الهَدْىِ، ثم عَطفَ الصِّيَامَ عليه، ولو لم يكنْ خَصْلَةً من خِصَالِهَا لم يَجُزْ ذلك فيه. ولأنَّها كَفَّارَةٌ ذُكِرَ فيها الطَّعَامُ، فكان من خِصَالِها، كسَائِرِ الكَفَّاراتِ. وقولُهُم: إنها وَجَبَتْ بِفِعْلِ مَحْظُورٍ. يَبْطُلُ بِفِدْيَةِ الأذَى. على أنَّ لَفْظَ النَّصِّ صَرِيحٌ في التَّخْيِيرِ، فليس ترْكُ مَدْلُولِه قِيَاسًا على هَدْىِ المُتْعَةِ بِأوْلَى من العَكْسِ، [فكما لا] (٩) يجوزُ قِياسُ هَدْىِ المُتْعَةِ في التَّخْيِيرِ على هذا، لما يَتَضَمَّنُه من تَرْكِ النَّصِّ، كذا هاهُنا. الفصلُ الثانى أنَّه (١٠) إذا اخْتارَ المِثْلَ، ذَبَحَهُ، وتَصَدَّقَ به على مَسَاكِينِ الحَرَمِ؛ لأنَّ اللهَ تعالى قال: ﴿هَدْيًا بَالِغَ الْكَعْبَةِ﴾. ولا يُجْزِئُه أن يَتَصَدَّقَ به حَيًّا على المَسَاكِينِ؛ لأنَّ اللهَ تعالى سَمَّاهُ هَدْيًا، والهَدْىُ يَجِبُ ذَبْحُه، وله ذَبْحُه أيَّ وَقْتٍ شاءَ، ولا يَخْتَصُّ ذلك بِأَيَّامِ النَّحْرِ. الفصلُ الثَّالِثُ، أنَّه متى اخْتارَ الإِطْعامَ، فإنَّه يُقَوِّمُ المِثْلَ بِدَرَاهِمَ، والدَّرَاهِمَ بِطَعامٍ، ويَتَصَدَّقُ به على المَساكِينِ. وبهذا قال الشَّافِعِىُّ. وقال مالِكٌ: يُقَوِّمُ الصَّيْدَ لا المِثْلَ؛ لأنَّ التَّقْوِيمَ إذا وَجَبَ لِأجْلِ الإِتْلافِ، قُوِّمَ المُتْلَفُ، كالذي لا مِثْلَ له. ولَنا، أنَّ كُلَّ [ما تَلِفَ] (١١) وَجَبَ فيه المِثْلُ إذا قُوِّمَ لَزِمَتْ قِيمَةُ مِثْلِه، كالمِثْلِىِّ من مالِ الآدَمِىِّ، ويَعْتَبِرُ قِيمَةَ المِثْلِ في الحَرَمِ؛ لأنَّه [مَحِلُّ إخْرَاجِه] (١٢)، ولا يُجْزِئُ إخْرَاجُ القِيمَةِ؛ لأنَّ اللَّه تعالى خَيَّرَ بَين ثلاثةِ أشْياءَ ليستِ القِيمَةُ منها، والطَّعَامُ المُخْرَجُ هو الذي يُخْرَجُ في الفِطْرَةِ وفِدْيَةِ الأذَى، وهو الحِنْطَةُ والشَّعِيرُ والتَّمْرُ والزَّبِيبُ. ويَحْتَمِلُ أن يُجْزِئ كُلُّ ما يُسَمَّى طَعَامًا؛ لِدُخُولِه في إطْلاقِ اللَّفْظِ، ويُعْطِى كُلَّ مِسْكِينٍ مُدًّا من البُرِّ، كما

стр. 2559

يَدْفَعُ إليه في كَفَّارَةِ اليَمِينِ، فأمَّا بَقِيَّةُ الأَصْنافِ فَنِصْفُ صَاعٍ لكل مِسْكِينٍ. نَصَّ عليه أحمدُ، فقال في إطْعَامِ المَسَاكِينِ في الفِدْيَةِ، وجَزاءِ كَفَّارَةِ اليَمِينِ: إن أطْعَمَ بُرًّا، فَمُدُّ طَعامٍ لِكُلِّ مِسْكِينٍ. وإن أطْعَمَ تَمْرًا فنِصْفُ صاعٍ لِكُلِّ مِسْكِينٍ. وأطْلَقَ الخِرَقِيُّ مُدًّا (١٣) لِكُلِّ مِسْكِينٍ، ولم يُفَرِّقْ. والأوْلَى أنَّه لا يُجْزِئُ من غيرِ البُرِّ أقَلُّ من نِصْفِ صاعٍ، إذْ لم يَرِدِ الشَّرْعُ في مَوْضِعٍ بأقَلَّ من ذلك في طُعْمَةِ المَسَاكِينِ، ولا تَوْقِيفَ فيه، فيُرَدُّ إلى نَظائِرِه. ولا يُجْزِئُ إخْرَاجُ [الطَّعامِ إلّا لِمَساكِينِ الحَرَمِ] (١٤)؛ [لأنَّه قائِمٌ مَقامَ] (١٥) الهَدْىِ الوَاجِبِ لهم فيكون أيضا لهم، كقِيمَةِ (١٦) المِثْلِىِّ من مالِ الآدَمِىِّ. الفصلُ الرَّابعُ في الصِّيَامِ، فعن أحمدَ أنَّه يَصُومُ عن كلِّ مُدٍّ يَوْمًا. وهو ظاهِرُ (١٧) قَوْلِ عَطاءٍ، ومالِكٍ، والشَّافِعِىِّ؛ لأنَّها كَفَّارَةٌ دَخَلَها الصِّيَامُ والإِطْعَامُ، فكان اليَوْمُ في مُقَابَلَةِ المُدِّ، ككَفَّارَةِ الظِّهارِ. وعن أحمدَ، أنَّه يَصُومُ عن كلِّ نِصْفِ صَاعٍ يَوْمًا، وهو قَوْلُ [ابنِ عَبَّاسٍ] (١٨)، والحسنِ، والنَّخَعِيِّ، والثَّوْرِىِّ، وأصْحابِ الرَّأْىِ، وابْنِ المُنْذِرِ. قال القاضى: المَسْألَةُ رِوَايَةٌ وَاحِدَةٌ، واليومُ عن مُدِّ بُرٍّ أو نِصْفِ صَاعٍ من غيرِه، وكَلَامُ أحْمَدَ في الرِّوَايَتَيْنِ مَحْمُولٌ على اخْتِلافِ الحَالَيْنِ؛ لأنَّ صَوْمَ اليَوْمِ مُقَابَلٌ بإطْعامِ المِسْكِينِ، وإطعامُ المِسْكِينِ مُدُّ بُرٍّ أو نِصْفُ صَاعٍ من غيرِه، ولأنَّ اللهَ تعالى جَعَلَ اليومَ في كَفِّارَةِ الظِّهارِ في مُقَابَلَةِ إطْعامِ المِسْكِينِ، فكذا هاهُنا. وَرُوِىَ عن أبي ثَوْرٍ، أنَّ جَزَاءَ الصَّيْدِ من الطَّعامِ والصِّيامِ مثلُ كَفَّارَةِ الأذَى. ورُوِىَ ذلك عن ابْنِ عَبّاسٍ. ولَنا، أنَّه جَزَاءٌ عن مُتْلَفٍ فاخْتلَفَ بِاخْتِلَافِه، كبَدَلِ مَالِ الآدَمِيِّ، وإذا

стр. 2560

بَقِىَ ما لا يَعْدِلُ يَومًا (١٩) كدُونِ المُدِّ، صامَ عنه (١٩) يومًا كَامِلًا. كذلك قال عَطاءٌ، والنَّخَعِىُّ، وحَمَّادٌ، والشَّافِعِىُّ، وأصْحابُ الرَّأْىِ. ولا نَعْلَمُ أحَدًا خَالَفَهُم؛ لأنَّ الصَّوْمَ لا يَتَبَعَّضُ، فيَجِبُ تَكْمِيلُه. ولا يَجِبُ التَّتابُعُ في الصِّيامِ. وبه قال الشَّافِعِىُّ، وأصْحابُ الرَّأىِ؛ فإنَّ اللهَ تعالى أمَرَ به مُطْلَقًا، فلا يَتَقَيَّدُ بِالتَّتابُعِ من غيرِ دَلِيلٍ. ولا يجوزُ أن يَصُومَ عن بَعْضِ الجَزاءِ، ويُطْعِمَ عن بَعْضٍ. نَصَّ عليه أحمدُ. وبه قال الشَّافِعِىُّ، والثَّوْرِىُّ، وإسحاقُ، وأبو ثَوْرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ. وجَوَّزَه محمدُ بن الحسنِ إذا عَجَزَ عن بَعْضِ الإِطْعامِ. ولا يَصِحُّ؛ لأنَّها كَفَّارَةٌ واحِدَةٌ، فلا يُؤَدِّى بَعْضَها بالإِطْعامِ وبَعْضَها بِالصِّيَامِ، كسَائِرِ الكَفَّاراتِ. فصل: وما لا مِثْلَ له من الصَّيْدِ، يُخَيَّرُ قَاتِلُه بين أن يَشْتَرِىَ بِقِيمَتِه طَعَامًا، فيُطْعِمَه لِلْمَسَاكِينِ، وبين أن يَصُومَ. وهل يجوزُ إخْرَاجُ القِيمَةِ؟ فيه احْتِمالانِ؛ أحَدُهما، لا يجوزُ. وهو ظَاهِرُ كلامِ (٢٠) أحْمَدَ، في رِوَايَةِ حَنْبَلٍ، فإنَّه قال: إذا أصابَ المُحْرِمُ صَيْدًا، ولم يُصِبْ له عَدْلًا حَكَمَ (٢١) عليه؛ قَوَّمَ طَعَامًا إن قَدَرَ على طَعَامٍ، وإلَّا صَامَ لِكلِّ (١٩) نصفِ صَاعٍ يَوْمًا. هكذا يُرْوَى عن ابْنِ عَبّاسٍ. ولأنَّه جَزَاءُ صَيْدٍ، فلم يَجُزْ إخْراجُ القِيمَةِ فيه، كالذى له مِثْلٌ، ولأنَّ اللَّه تعالى خَيَّرَ بَين ثلاثةِ أشْياءَ ليس منها (٢٢) القِيمَةُ، وإذا عَدِمَ أحَدَ الثَّلَاثَةِ يَبْقَى التَّخْيِيرُ بين الشَّيْئَيْنِ البَاقِيَيْنِ، فأمَّا إيجابُ شىءٍ غيرِ المَنْصُوصِ عليه (١٩) فلا. الثاني، يجوزُ إخْرَاجُ القِيمَةِ؛ لأنَّ عمرَ، رَضِىَ اللهُ عنه، قال لِكَعْبٍ: ما جَعَلْتَ على نَفْسِكَ؟ قال: دِرْهَمَيْنِ. قال: اجْعَلْ ما جَعَلْتَ على نَفْسِكَ (٢٣). وقال عَطاءٌ: في العُصْفُورِ

стр. 2561

نِصْفُ دِرْهَمٍ. وظَاهِرُه إخْرَاجُ الدَّرَاهِمِ الوَاجِبَةِ. ٦٨٨ - مسألة؛ قال: (وَكُلَّمَا قَتَلَ صَيْدًا حُكِمَ عَلَيْهِ) مَعْنَاهُ أنَّه يَجِبُ الجَزاءُ بِقَتْلِ الصَّيْدِ الثَّانِى، كما يَجِبُ عليه إذا قَتَلَه ابْتِداءً. وفي هذه المسألةِ عن أحمدَ ثلاثُ رِواياتٍ؛ إحْدَاهُنَّ، أنَّه يَجِبُ في كلِّ صَيْدٍ جَزَاءٌ. وهذا ظاهِرُ المذهبِ. قال أبو بكرٍ: هذا أوْلَى القَوْلَيْنِ بأبى عبدِ اللهِ. وبه قال عَطاءٌ (١)، والثَّوْرِىُّ، والشَّافِعِىُّ، وإسحاقُ، وابنُ المُنْذِرِ، وأصْحابُ الرَّأْىِ. والثانيةُ، لا يَجِبُ إلَّا في المَرَّةِ الأُولَى، ورُوِىَ ذلك عن ابْنِ عَبّاسٍ. وبه قال شُرَيحٌ، والحسنُ، وسَعِيدُ بن جُبَيْرٍ، ومُجاهِدٌ، والنَّخَعِيُّ، وقَتادَةُ؛ لأنَّ اللهَ تعالى قال: ﴿وَمَنْ عَادَ فَيَنْتَقِمُ اللَّهُ مِنْهُ﴾ (٢). ولم يُوجِبْ جَزاءً. والثالثةُ، إن كَفَّرَ عن الأوَّلِ فعليه للثَّاني (١) كَفَّارَةٌ، وإلَّا فلا شىءَ [في الثاني] (٣)؛ لأنَّها كَفَّارَةٌ تَجِبُ بِفِعْلٍ مَحْظُورٍ في الإِحْرامِ، فيُدْاخِلُه (٤) جَزاؤُها قبلَ التَّكْفِيرِ (٥)، كاللُّبْسِ والطِّيبِ. ولَنا، أنَّها كَفَّارَةٌ عن قَتْلٍ، فاسْتَوَى فيها (٦) المُبْتَدِئُ والعائِدُ، كقَتْلِ الآدَمِىِّ، ولأنَّها بَدَلُ مُتْلَفٍ يَجِبُ فيه (٧) المِثْلُ أو القِيمَةُ، فأشْبَهَ بَدَلَ مالِ الآدَمِيِّ. قال أحمدُ: رُوِىَ عن عمرَ وغيرِه، أنَّهم حَكَمُوا في الخَطَأِ، وفي مَن قَتَلَ، ولم يَسْألُوهُ: هل كان قَتَلَ قبلَ هذا أوْ لا؟ وإنَّما هذا يعْنِى لِتَخْصِيصِ الإِحْرَامِ ومَكانِه، والآيةُ

стр. 2562

اقْتَضَتِ الجَزاءَ على (٨) العائِدِ بِعُمُومِها. وذِكْرُ العُقُوبَةِ في الباقى (٩)، لا يَمْنَعُ الوُجُوبَ، كما قال اللهُ تعالى: ﴿فَمَنْ جَاءَهُ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّهِ فَانْتَهَى فَلَهُ مَا سَلَفَ وَأَمْرُهُ إِلَى اللَّهِ وَمَنْ عَادَ فَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ (١٠). وقد ثَبَتَ أنَّ العائِدَ لو انْتَهَى كان له ما سَلَفَ، وأمْرُهُ إلى اللهِ. ولا يَصِحُّ قِياسُ جَزاءِ الصَّيْدِ على غيرِه؛ لأنَّ جَزاءَهُ مُقَدَّرٌ به، ويَخْتَلِفُ بِصِغَرِهِ وكِبَرِه، ولو أتْلَفَ صَيْدَيْنِ معًا وَجَبَ جَزَاؤُهما، فكذلك إذا تَفَرَّقَا، بِخِلافِ غيرِه من المَحْظُورَاتِ. فصل: ويجوزُ إخْرَاجُ جَزاءِ الصَّيْدِ بعدَ جَرْحِه وقبلَ مَوْتِه. نَصَّ عليه أحمدُ؛ لأنَّها كَفَّارَةُ قَتْلٍ (١١)، فجازَ تَقْدِيمُها على المَوْتِ، ككَفَّارَةِ قَتْلِ الآدَمِىِّ (١٢)، ولأنَّها كَفَّارَةٌ، فأشْبَهَتْ كَفَّارَةَ الظِّهارِ واليَمِينِ. ٦٨٩ - مسألة؛ قال: (وَلَوِ اشْتَرَك جَمَاعَةٌ فِى قَتْلِ صَيْدٍ، فَعَلَيْهِمْ جَزَاءٌ وَاحِدٌ) يُرْوَى عن أحمدَ في هذه المسألةِ أيضًا (١) ثلاثُ رِواياتٍ؛ إحْداهنَّ، أنَّ الواجِبَ جَزاءٌ واحِدٌ. وهو الصَّحِيحُ. ويُرْوَى هذا عن عمرَ بن الخَطَّابِ، وابنِ عَبّاسٍ، وابنِ عمرَ، رَضِىَ اللهُ عنهم. وبه قال عَطاءٌ، والزُّهْرِيُّ، والنَّخَعِىُّ، والشَّعْبِيُّ، والشَّافِعِيُّ، وإسحاقُ. والثانيةُ، على كُلِّ واحِدٍ جَزاءٌ. رَوَاها (٢) ابنُ أبى موسى. واخْتَارَهَا أبو بكرٍ. وبه قال مالكٌ، والثَّوْرِيُّ، وأبو حنيفةَ. ويُرْوَى عن الحسنِ؛ لأنَّها كَفَّارَةُ قَتْلٍ يَدْخُلُها الصَّوْمُ، أشْبَهَتْ كفَّارَةَ قَتْلِ الآدَمِىِّ. والثالثةُ، إن كان

стр. 2563

صَوْمًا صامَ كُلُّ واحِدٍ صَوْمًا تَامًّا، وإن كان غيرَ ذلك فجَزَاءٌ وَاحِدٌ، وإن كان أحَدُهما يُهْدِى (٣) والآخَرُ يَصُومُ (٤)، فعلى المُهْدِى بِحِصَّتِه، وعلى الآخَرِ صَوْمٌ تَامٌّ؛ لأنَّ الجَزاءَ ليس بِكَفَّارَةٍ، وإنَّما هو بَدَلٌ، بِدَلِيلِ أنَّ اللهَ تعالى عَطَفَ عليه الكَفَّارةَ، فقالَ اللهُ تعالى: ﴿فَجَزَاءٌ مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ﴾ (٥). والصَّوْمُ كَفَّارَةٌ، فيَحْتَمِلُ (٦) ككَفَّارَةِ قَتْلِ الآدَمِىِّ. ولَنا، قَوْلُ اللهِ تعالى: ﴿فَجَزَاءٌ مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ﴾. والجَمَاعَةُ قد قَتَلُوا صَيْدًا، فلَزِمَهُم (٧) مِثْلُه، والزَّائِدُ خارِجٌ عن المِثْلِ، فلا يَجِبُ، ومتى ثَبَتَ اتِّخَاذُ الجزاءِ في الهَدْىِ، وَجَبَ اتِّخَاذُه في الصِّيَامِ؛ لأنَّ اللهَ تعالى قال: ﴿أَوْ عَدْلُ ذَلِكَ صِيَامًا﴾. والاتِّفَاقُ حَاصِلٌ أنَّه مَعْدُولٌ بِالْقِيمَةِ، إمَّا قِيمَةُ المُتْلَفِ، وإمَّا قِيمَةُ مِثْلِه، فإِيجَابُ الزَّائِدِ على عَدْلِ القِيمَةِ خِلافُ النَّصِّ، وأيضا ما رُوِىَ عَمَّنْ سَمَّيْنا من الصَّحابَةِ أنَّهم قالوا كمَذْهَبِنا، ولأنَّه جَزَاءٌ عن مَقْتُولٍ يَخْتَلِفُ بِاخْتِلَافِه، فكان وَاحِدًا، كالدِّيَةِ، أو كما لو كان القَاتِلُ وَاحِدًا، أو بَدَلَ المحلِّ، فاتَّحَدَتْ باتِّحَادِه كالدِّيَةِ (٨)، وكَفَّارَةُ الآدَمِيِّ لنا فيها مَنْعٌ، ولا يَنْتَقِضُ (٩) في أبْعاضِه، ولا يَخْتَلِفُ بِاخْتِلافِه، فلا يَتَبَعَّضُ على الجماعةِ، بِخِلافِ مَسْألَتِنا. فصل: فإنْ (١٠) كان شَرِيكَ المُحْرِمِ حَلالًا أو سَبُعًا، فلا شىءَ على الحَلالِ، ويُحْكَمُ على الحَرامِ. ثم إنْ كان جَرْحُ أحَدِهِما قبلَ صَاحِبِه، والسَّابِقُ الحَلالُ أو

стр. 2564

السَّبُعُ، فعلى المُحْرِمِ جَزَاؤُهُ مَجْرُوحًا، وإن كان السَّابِقُ المُحْرِمُ، فعليه جَزَاءُ جَرْحِه، على ما مَضَى، وإن كان جَرْحُهما في حَالٍ واحِدَةٍ، ففيه وَجْهانِ؛ أحَدُهما، على المُحْرِمِ بِقِسْطِهِ، كما لو كان شَرِيكُه مُحْرِمًا؛ لأنَّه إنَّما أتْلَفَ البَعْضَ. والثانى، عليه جَزاءُ جَمِيعِه؛ لأنَّه تَعَذَّرَ إيجابُ الجَزاءِ على شَرِيكِه، فأشْبَهَ ما لو كان أحَدُهما دَالًّا والآخَرُ مَدْلُولًا، أو أحَدُهما مُمْسِكًا والآخَرُ قَاتِلًا، فإنَّ الجَزاءَ على المُحْرِمِ أيِّهما كان، لِتَعَذُّرِ إيجابِ الجَزاءِ على الآخَرِ. فصل: وإن اشْتَرَكَ حَرَامٌ وحَلالٌ في صَيْدٍ حَرَمِىٍّ، فالجَزاءُ بينهما نِصْفَيْنِ؛ لأنَّ الإِتْلافَ يُنْسَبُ إلى كُلِّ واحِدٍ منهما نِصْفُه، ولا يَزْدادُ الوَاجِبُ على المُحْرِمِ باجْتِماعِ حُرْمَةِ الإِحْرامِ والحَرَمِ، فيكونُ الواجِبُ على كلِّ واحِدٍ منهما النِّصْفَ، وهذا الاشْتِراكُ الذي هذا حُكْمُه هو الذي يَقَعُ به (١١) الفِعْلُ منهما معا، فإن سَبَقَ صاحبَه، فَحُكْمُه ما ذَكَرْناهُ فيما مَضَى. فصل: إذا أحْرَمَ الرجلُ، وفي مِلْكِه صَيْدٌ، لم يَزُلْ مِلْكُه عنه، ولا يَدُهُ الحُكْمِيَّةُ، مثلُ أن يكونَ في بَلَدِه، أو في يَدِ نائِبٍ له في غيرِ مَكانِه. ولا شىءَ عليه إن ماتَ، وله التَّصَرُّفُ فيه بِالبَيْعِ والهِبَةِ وغيرِهما. ومَن غَصَبَه لَزِمَهُ رَدُّه، ويَلْزَمُه إزَالَةُ يَدِهِ المُشاهَدَة عنه. ومَعْنَاهُ إذا كان في قَبْضَتِه، أو رَحْلِه، أو خَيْمَتِه، أو قَفَصٍ معه، أو مَرْبُوطًا بِحَبْلٍ معه، لَزِمَهُ إرْسَالُه. وبهذا قال مالِكٌ، وأصْحابُ الرَّأْىِ. وقال الثَّوْرِىُّ: هو ضَامِنٌ لما في بَيْتِه أيضا. وحُكِىَ نحوُ ذلك عن الشَّافِعِيِّ. وقال أبو ثَوْرٍ: ليس عليه إرْسالُ ما في يَدِهِ. وهو أحَدُ قَوْلَى الشَّافِعِىِّ؛ لأنَّه في يَدِهِ، أشْبَهَ ما لو كان في يَدِهِ الحُكْمِيَّةِ، ولأنَّه لا يَلْزَمُ من مَنْعِ ابْتِداءِ الصَّيْدِ المَنْعُ من اسْتِدامَتِه؛ بِدَلِيلِ الصَّيْدِ في الحَرَمِ. ولَنا، على أنَّه لا يَلْزَمُه إزالَةُ يَدِهِ الحُكْمِيَّةِ، أنَّه لم يَفْعَلْ في الصَّيْدِ فِعْلًا، فلم يَلْزَمْهُ شىءٌ، كما لو كان في مِلْكِ غيرِه، وعَكْسُ هذا إذا كان في يَدِهِ المُشاهَدَة، فإنَّه فَعَلَ الإِمْساكَ في الصَّيْدِ،

стр. 2565

فكان مَمْنُوعًا منه (١٢)، كحالةِ الابْتِداءِ، فإنَّ اسْتِدامَةَ الإِمْساكِ إمْساكٌ؛ بِدَلِيلِ أنَّه لو حَلَفَ لا يُمْسِكُ شيئًا فاسْتَدَامَ إمْسَاكَه، حَنِثَ. إذا ثَبَتَ هذا، فإنَّه متى أرْسَلَه لم يَزُلْ مِلْكُه عنه، ومَن أخَذَهُ رَدَّهُ عليه (١٣) إذا حَلَّ، ومن قَتَلَهُ ضَمِنَهُ له؛ لأنَّ مِلْكَه كان عليه، وإزالَةُ اليَدِ (١٤) لا تُزِيلُ المِلْكَ، بِدَلِيلِ الغَصْبِ والعَارِيَّةِ. فإن تَلِفَ في يَدِهِ قبلَ إرْسَالِه بعدَ إمْكَانِه، ضَمِنَهُ؛ لأنَّه تَلِفَ تحتَ اليَدِ العَادِيَةِ، فلَزِمَهُ الضَّمَانُ، كمالِ الآدَمِىِّ. وإن كان قبلَ إمْكانِ الإِرْسالِ، فلا ضَمانَ عليه (١٣)؛ لأنَّه [ليس بِمُفَرِّطٍ ولا مُتَعَدٍّ فإنْ أرْسَلَه إنْسَانٌ من يَدِهِ، فلا ضَمانَ عليه؛ لأّنَّه] (١٥) فَعَلَ ما يَلْزَمُه فِعْلُه، ولأنَّ اليَدَ قد زَالَ حُكْمُها وحُرْمَتُها، فإن أمْسَكَه حتى حَلَّ، فمِلْكُه بَاقٍ عليه؛ لأنَّ مِلْكَه لم يَزُلْ بالإِحْرامِ، وإنَّما زالَ حُكْمُ المُشَاهَدَةِ، فصارَ كالعَصِيرِ يَتَخَمَّرُ، ثم يَتَخَلَّلُ قبلَ إرَاقتِه. فصل: ولا يَمْلِكُ المُحْرِمُ الصَّيْدَ ابْتِدَاءً بِالْبَيْعِ، ولا بِالهِبَةِ، ونَحْوِهما من الأسْبابِ، فإنَّ الصَّعْبَ بنَ جَثَّامةَ أهْدَى إلى رسولِ اللهِ ﷺ حِمَارًا وَحْشِيًّا، فرَدَّهُ عليه، وقال: "إنَّا لَمْ نَرُدَّهُ عَلَيْكَ إلَّا أنَّا حُرُمٌ" (١٦). فإن أخَذَه بأحَدِ هذه الأسْبابِ، ثم تَلِفَ، فعليه جَزاؤُهُ. وإن كان مَبِيعًا، فعليه القِيمَةُ [لمالِكِه مع الجزاءِ؛ لأنّ مِلكَه لم يَزُلْ عنه. وإنْ أخَذَه رَهنًا، فلا شىءَ عليه سوى الجزاءِ. وإنْ لم يتلَفْ فَعلَيه] (١٧) رَدُّه إلى مَالِكِه. فإن أرْسَلَه، فعليه ضَمَانُه، كما لو أتْلَفَهُ، وليس عليه جَزَاءٌ، وعليه رَدُّ المَبِيعِ أيضا. ويَحْتَمِلُ أن يَلْزَمَه إرْسَالُه، كما لو كان مَمْلُوكًا

стр. 2566

له؛ لأنَّه لا يجوزُ له إثْباتُ يَدِهِ (١٨) المُشاهَدَةِ على الصَّيْدِ. وهذا قَوْلُ الشَّافِعِىِّ، وأصْحابِ الرَّأْىِ. ولا يَسْتَرِدُّ المُحْرِمُ الصَّيْدَ الذى باعَه وهو حلالٌ بِخِيَارٍ (١٩)، ولا عَيْبٍ فى ثَمَنِه، ولا غَيْرهما؛ لأنَّه ابْتِداءُ مِلْكٍ على الصَّيْدِ، وهو مَمْنُوعٌ منه. وإن رَدَّهُ المُشْتَرِى عليه بِعَيْبٍ أو خِيَارٍ، فله ذلك؛ لأنَّ سَبَبَ الرَّدِّ مُتَحَقِّقٌ (٢٠)، ثم لا يَدْخُلُ فى مِلْكِ المُحْرِمِ، ويَلْزَمُهُ إرْسالُهُ. فصل: وإن وَرِثَ المُحْرِمُ صَيْدًا مَلَكَهُ؛ لأنَّ المِلْكَ بالإرْثِ ليس بِفِعْلٍ من جِهَتِه، وإنَّما يَدْخُلُ فى مِلْكِهِ حُكْمًا، اخْتارَ ذلك أو كَرِهَه؛ ولهذا يَدْخُلُ فى مِلْكِ الصَّبِىِّ والمَجْنُونِ، فيدخلُ به المُسْلِمُ فى مِلْكِ الكافِرِ، فجَرَى مَجْرَى الاسْتِدامَةِ. ويَحْتَمِلُ أن لا يَمْلِكَ به؛ لأنَّه من جِهاتِ التَّمَلُّكِ، فأشْبَهَ البَيْعَ وغيرَه، فعلى هذا يكونُ أحَقَّ به من غيرِ ثُبُوتِ مِلْكِه عليه، فإذا حَلَّ مَلَكَهُ. ٦٩٠ - مسألة؛ قال: (وَمَنْ لَمْ يَقِفْ بِعَرَفَةَ حَتَّى طَلَعَ الفَجْرُ يَوْمَ النَّحْرِ، تَحَلَّلَ بِعُمْرَةٍ وذَبَحَ، إنْ كَانَ مَعَهُ هَدْىٌ، وحَجَّ مِنْ قَابِلٍ، وأَتَى بِدَمٍ) الكلامُ فى هذه المسألةِ فى أرْبَعةِ فُصولٍ: الأوَّل، أنَّ آخِرَ وَقْتِ الوُقُوفِ آخِرُ لَيلةِ النَّحْرِ، فمَن [لم] (١) يُدْرِكِ الوُقُوفَ حتى طَلَعَ الفجرُ يَوْمَئِذٍ فَاتَهُ الحَجُّ. لا نَعْلَمُ فيه خِلافًا. قال جابِرٌ: لا يَفُوتُ الحَجُّ حتى يَطْلُعَ الفَجْرُ من لَيْلَةِ جَمْعٍ. قال أبو الزُّبَيْرِ، فقلتُ له: أقالَ رسولُ اللهِ ﷺ ذلك؟ قال: نعم. رَوَاهُ الأثْرَمُ بإسْنَادِهِ (٢). وقَولُ النَّبِىِّ ﷺ : "الحَجُّ عَرَفَةُ، فَمَنْ جاءَ قَبْلَ صَلَاةِ الفَجْرِ لَيْلَةَ جَمْعٍ، فَقَدْ تَمَّ حَجُّهُ" (٣). يَدُلُّ على فَوَاتِه بِخُرُوجِ لَيْلَةِ جَمْعٍ. ورَوى ابنُ عمرَ

стр. 2567

أن رسولَ اللهِ ﷺ قال: "مَنْ وَقَفَ بِعَرَفَاتٍ بِلَيْلٍ، فَقَدْ أدْرَكَ الحَجَّ، وَمَنْ فَاتَهُ عَرَفَاتٌ بِلَيلٍ، [فَقَدْ فاتَه الحَجُّ] (٤)، فَلْيَحِلَّ بِعُمْرَةٍ، وعَلَيْهِ الحَجُّ مِنْ قَابِلٍ". رَوَاهُ الدَّارَقُطنِىُّ (٥)، وضَعَّفَهُ. الفَصْلُ الثانِى، أنَّ مَن فَاتَهُ الحَجُّ يَتَحَلَّلُ بِطَوَافٍ وسَعْىٍ وحِلَاقٍ. هذا الصَّحِيحُ من المذهبِ. ورُوِىَ ذلك عن عمرَ بن الخَطَّابِ، وابْنِه، وزيدِ بن ثابِتٍ، وابْنِ عَبّاسٍ، وابْنِ الزُّبَيْرِ، ومَرْوَانَ بن الحَكَمِ، [وهو قَوْلُ مالِكٍ، والثَّوْرِىِّ، والشَّافِعِىِّ، وأصْحَابِ الرَّأْىِ. وقال ابنُ أبى موسَى: فى المسألة رِوايتانِ] (٦)؛ إحْدَاهُما، كما ذَكَرْنَا. والثانِيَةُ، يَمْضِى فى حَجٍّ فَاسِدٍ. وهو قَوْلُ المُزَنِىِّ، قال: يَلْزَمُه جَمِيعُ أفْعالِ الحَجِّ؛ لأنَّ سُقُوطَ ما فاتَ وَقْتُه لا يَمْنَعُ وُجُوبَ (٧) ما لم يَفُتْ. ولَنا، قَوْلُ مَن سَمَّيْنَا من الصَّحابَةِ، ولم نَعْرِفْ لهم مُخَالِفًا؛ فكان إجْمَاعًا. ورَوَى الشَّافِعِىُّ، فى "مُسْنَدِه" (٨)، أنَّ عمرَ قال لأبى أيُّوبَ حين فَاتَهُ الحَجُّ: اصْنَعْ ما يَصْنَعُ المُعْتَمِرُ، ثم قد حَلَلْتَ، فإن أدْرَكْتَ الحَجَّ قَابِلًا فَحُجَّ وَأهْدِ مَا اسْتَيْسَرَ من الهَدْىِ. وروَى أيضًا عن ابنِ عمرَ نحوَ ذلك. ورَوَى الأثْرَمُ، بإسْنَادِه، عن سليمانَ بن يَسَارٍ، أنَّ هَبَّارَ بنَ الأسْوَدِ (٩) حَجَّ من الشَّامِ، فقَدِمَ يَوْمَ النَّحْرِ، فقال له عمرُ: ما حَبَسَكَ؟ قال: حَسِبْتُ أنَّ اليَومَ يومُ عَرَفَةَ، قال: فانْطَلِقْ إلى البَيْتِ، فطُفْ به سَبْعًا، وإن كان مَعَكَ هَدْيَةٌ فَانْحَرْهَا، ثم إذا كان عامٌ قَابِلٌ فَاحْجُجْ، فإن وَجَدْتَ سَعَةً فأهْدِ، فإن لم تَجِدْ فصُمْ ثلاثة أيَّامٍ فى الحَجِّ

стр. 2568

وسَبْعَةً إذا رَجَعْتَ، إن شاءَ اللهُ تعالى (١٠). ورَوَى النَّجَّادُ، بإسْنَادِه عن عَطَاءٍ، أنَّ النَّبِىَّ ﷺ ، قال: "مَنْ فَاتَهُ الحَجُّ فَعَلَيْهِ دَمٌ، ولْيَجْعَلْها عُمْرَةً، ولْيَحُجّ مِنْ قَابِلٍ" (١١). ولأنَّه يجوزُ فَسْخُ الحَجِّ إلى العُمْرَةِ من غيرِ فَوَاتٍ، فمع الفَوَاتِ أَوْلَى. إذا ثَبَتَ هذا، فإنَّه يَجْعَلُ إحْرامَه بِعُمْرَةٍ. وهذا ظاهِرُ كلامِ الخِرَقِىِّ، ونَصَّ عليه أحمدُ، واخْتارَهُ أبو بكرٍ. وهو قَوْلُ ابنِ عَبّاسٍ، وابنِ الزُّبَيْرِ، وعَطاءٍ، وأصْحابِ الرَّأْىِ. وقال ابنُ حَامِدٍ: لا يَصِيرُ إحْرامُه بِعُمْرَةٍ، بل يَتَحَلَّلُ بِطوَافٍ وسَعْىٍ وحَلْقٍ. وهو مذهبُ مالِكٍ، والشَّافِعِىِّ؛ لأنَّ إحْرَامَهُ انْعَقَدَ بأحدِ النُّسُكَيْنِ، فلم يَنْقَلِبْ إلى الآخَرِ، كما لو أحْرَمَ بِالعُمْرَةِ، ويَحْتَمِلُ أنَّ مَن قال: يَجْعَلُ إحْرَامَهُ عُمْرَةً. أرَادَ به يَفْعَلُ ما فَعَلَ المُعْتَمِرُ، وهو الطَّوَافُ والسَّعْىُ، ولا يكونُ بين القَولَيْنِ خِلَافٌ. ويَحْتَمِلُ أن يَصِيرَ إحْرامُ الحَجِّ إحْرامًا بِعُمْرَةٍ، بحيثُ يُجْزِئُه عن عُمْرَةِ الإسْلامِ إن لم يكُنِ اعْتَمَرَ، ولو أدْخَلَ الحَجَّ عليها لصَارَ قَارِنًا، إلَّا أنَّه لا يُمْكِنُه الحَجُّ بذلك الإحْرامِ، إلَّا أن يَصِيرَ مُحْرِمًا به فى غير أشْهُرِه، فيَصِيرَ كمَنْ أحْرَمَ بِالحَجِّ فى غيرِ أشْهُرِهِ، ولأنَّ قَلْبَ الحَجِّ إلى العُمْرَةِ يجوزُ من غيرِ سَبَبٍ، على ما قَرَّرْناهُ فى فَسْخِ الحَجِّ، فمع الحاجَةِ أوْلَى، ويُخَرَّجُ على هذا قَلْبُ العُمْرَةِ إلى الحَجِّ، فإنه لا يجوزُ، ولأنَّ العُمْرَةَ لا يَفُوتُ وَقْتُها، فلا حَاجَةَ إلى انْقِلابِ إحْرامِها، بِخِلافِ الحَجِّ. الفَصْلُ الثَّالِثُ، أنَّه يَلْزَمُه القَضاءُ من قَابِلٍ، سواءٌ كان الفَائِتُ وَاجِبًا، أو تَطوُّعًا. رُوِىَ ذلك عن عمرَ، وابْنِه، وزيدٍ، وابْنِ عَبّاسٍ، وابْنِ الزُّبَيْرِ، ومَرْوَانَ، وهو قَوْلُ مالِكٍ، والشَّافِعِىِّ، وأصْحابِ الرَّأْىِ. وعن أحْمدَ، لا قَضاءَ عليه،

стр. 2569

بل إن كانت فَرْضًا فَعَلَها بِالوُجُوبِ السَّابِق، وإن كانت نَفْلًا سَقَطَتْ. ورُوِىَ هذا عن عَطاءٍ، وهو إحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ عن مالِكٍ؛ لأنَّ النَّبِىَّ ﷺ لَمَّا سُئِلَ عن الحَجِّ أكْثَرَ من مَرَّةٍ، قال: "بَلْ مَرَّةً وَاحِدَةً" (١٢). ولو أوْجَبْنا القَضاءَ، كان أكْثَرَ من مَرَّةٍ، ولأنَّه مَعْذُورٌ فى تَرْكِ إتْمَامِ حَجِّه، فلم يَلْزَمْهُ القَضاءُ كالمُحْصَرِ (١٣)، ولأنَّها عِبادَةُ تَطَوُّعٍ، فلم يَجِبْ قَضاؤُها، كسَائِرِ التَّطَوُّعاتِ. ووَجْهُ الرِّوايَةِ الأُولَى ما ذَكَرْنَا من الحَدِيثِ، وإجْماعِ الصَّحَابَةِ، ورَوَى الدَّارَقُطنِىُّ (١٤)، بإسْنَادِه، عن ابْنِ عَبّاسٍ، قال: قال رسولُ اللهِ ﷺ : "مَنْ فَاتَهُ عَرَفَاتٌ فَاتَهُ الحَجُّ، فَلْيَحِلَّ بِعُمْرَةٍ، وَعَلَيْهِ الْحَجُّ مِنْ قَابِلٍ". ولأنَّ الحَجَّ يَلْزَمُ بِالشُّرُوعِ فيه، فيَصِيرُ كالمَنْذُورِ، بِخِلافِ سائِرِ التَّطَوُّعاتِ. وأمَّا الحَدِيثُ، فإنَّه أرادَ الواجِبَ بِأصْلِ الشَّرْعِ حَجَّةً وَاحِدَةً، وهذه إنما تَجِبُ بإيجابِه لها بالشُّرُوعِ فيها، فهِىَ (١٥) كالمَنْذُورَةِ، وأمَّا المُحْصَرُ فإنَّه غيرُ مَنْسُوبٍ إلى التَّفْرِيطِ، بِخِلافِ مَن فَاتَهُ الحَجُّ، وإذا قَضَى أَجْزَأَهُ القَضَاءُ عن الحَجَّةِ الوَاجِبَةِ، لا نَعْلَمُ فى هذا خِلَافًا؛ لأنَّ الحَجَّةَ المَقْضِيَّة لو تَمَّتْ لأجْزَأَتْ عن الوَاجِبَةِ عليه، فكذلك قَضاؤُها؛ لأنَّ القَضاءَ يَقُومُ مَقامَ الأداءِ. الفصلُ الرَّابِعُ، أنَّ الهَدْىَ يَلْزَمُ مَن فَاتَهُ الحَجُّ، فى أصَحِّ الرِّوَايَتَيْنِ. وهو قَوْلُ مَن سَمَّيْنا من الصَّحابَةِ، والفُقهاءِ، إلَّا أصْحابَ الرَّأْىِ، فإنَّهم قالوا: لا هَدْىَ عليه. وهى الرِّوايَةُ الثَّانِيَةُ عن أحمدَ؛ لأنَّه لو كان الفَواتُ سَبَبًا لِوُجُوبِ الهَدْىِ، لَلَزِمَ المُحْصَرَ (١٦) هَدْيَانِ؛ لِلْفَواتِ، والإحْصارِ. ولَنا، حَدِيثُ عَطاءٍ، وإجْماعُ الصَّحابةِ، ولأنَّه حَلَّ من إحْرامِه قبلَ إتْمامِه، فَلَزِمَهُ هَدْىٌ، [كالمُحْصَرِ، والمُحْصَرُ] (١٧) لم يَفُتْ حَجُّهُ، فإنَّه يَحِلُّ قبلَ فَواتِه. إذا

стр. 2570

ثَبَتَ هذا فإنَّه يُخْرِجُ الهَدْىَ فى سَنَةِ القَضاءِ، إن قُلْنا بِوُجُوبِ القَضاءِ، [وإلَّا أخْرَجَهُ فى عَامِهِ. وإذا كان معه هَدْىٌ قد سَاقَهُ نَحَرَهُ، ولا يُجْزِئُه، إن قُلْنا بِوُجُوبِ القَضاءِ] (١٨)، بل عليه فى السَّنَةِ الثانيةِ هَدْىٌ أيضًا. نَصَّ عليه أحمدُ، وذلك لِحَدِيثِ عمرَ الذى ذَكَرْنَاهُ (١٩). والهَدْىُ ما اسْتَيْسَرَ، مِثْلُ هَدْىِ المُتْعَةِ؛ لِحَدِيثِ عمرَ أيضًا. والمُتَمَتِّعُ، والمُفرِدُ، والقَارِنُ، والمَكِّىُّ وغيرُه، سَوَاءٌ فيما ذَكَرْنَا؛ لأنَّ الفَواتَ يَشْمَلُ الجَمِيعَ. فصل: فإن اخْتارَ مَن فَاتَهُ الحَجُّ البَقاءَ على إحْرامِهِ لِيَحُجَّ من قَابِلٍ، فله ذلك. رُوِىَ ذلك عن مالِكٍ؛ لأنَّ تَطَاوُلَ المُدَّةِ بين الإحْرامِ وفِعْلِ النُّسُكِ لا يَمْنَعُ إتْمَامَهُ، كالعُمْرَةِ، والمُحْرِمِ بِالحَجِّ فى غيرِ أشْهُرِهِ. ويَحْتَمِلُ أنَّه ليس له ذلك. وهو قَوْلُ الشَّافِعِىِّ، وأصْحابِ الرَّأْىِ، وابْنِ المُنْذِرِ، ورِوَايَةٌ عن مَالِكٍ؛ لِظَاهِرِ الخَبَرِ، وقَوْلِ الصَّحابَةِ، رَضِىَ اللهُ عنهم، ولأنَّ (٢٠) إحْرَامَ الحَجِّ يَصِيرُ فى غيرِ أشْهُرِه، فصارَ كالمُحْرِمِ بِالعِبَادَةِ قبلَ وَقْتِها. فصل: وإذا فَاتَ القَارِنَ الحَجُّ، حَلَّ، وعليه مِثْلُ ما أهَلَّ به. من قَابِلٍ. نَصَّ عليه أحمدُ. وهو قَوْلُ مالِكٍ، والشَّافِعِىِّ، وأبى ثَوْرٍ، وإسحاقَ. ويَحْتَمِلُ أن يُجْزِئَهُ ما فَعَلَ عن عُمْرَةِ الإسْلامِ، ولا يَلْزَمُهُ إلَّا قَضاءُ الحَجِّ؛ لأنَّه لم يَفُتْهُ غيرُه. وقال أصْحابُ الرَّأْىِ، والثَّوْرِىُّ: يَطُوفُ ويَسْعَى لِعُمْرَتِه، ثم لا يَحِلُّ حتى يَطُوفَ ويَسْعَى لِحَجِّه. إلَّا أَنَّ سفيانَ قال: ويُهْرِقُ دَمًا. [ووَجْهُ الأوَّلِ، أنَّه] (٢١) يَجِبُ القَضاءُ على حَسَبِ الأداءِ، فى صُورَتِه ومَعْنَاهُ، فيَجِبُ أن يكونَ هاهُنا كذلك. ويَلْزَمُهُ هَدْيانِ؛ هَدْىٌ لِلْقِرَانِ، وهَدْىُ فَوَاتِه. وبه قال مَالِكٌ، والشَّافِعِىُّ. وقِيلَ:

стр. 2571

يَلْزَمُه هَدْىٌ ثَالِثٌ لِلْقَضَاءِ. وليس بِشىءٍ، فإنَّ القَضاءَ لا يَجِبُ له هَدْىٌ، وإنَّما يَجِبُ (٢٢) الهَدْىُ الذى فى سَنَةِ القَضاءِ لِلْفَواتِ، وكذلك لم يَأْمُرْهُ الصَّحابَةُ بأكْثَرَ من هَدْىٍ وَاحِدٍ. واللهُ أعلمُ. فصل: إذا أخْطَأَ النَّاسُ العَدَدَ فوَقَفُوا فى غيرِ لَيْلَةِ عَرَفَةَ، أجْزَأَهم ذلك؛ لما رَوَى الدَّارَقُطْنِىُّ (٢٣)، بإسْنَادِه، عن عبدِ العزِيزِ بن عبدِ اللهِ بن خالِدِ بن أسِيدٍ، قال: قال رسولُ اللَّه ﷺ : "يَوْمُ عَرَفَةَ الَّذِى يُعَرِّفُ فِيهِ النَّاسُ". فإن اخْتَلَفُوا، فأصَابَ بَعْضٌ، وأخْطَأَ بَعْضٌ وَقْتَ الوُقُوفِ، لم يُجْزِئْهم؛ لأنَّهم غيرُ مَعْذُورِينَ فى هذا. ورَوَى أبو هُرَيْرَةَ، أنَّ رسولَ اللَّه ﷺ قال: "فِطْرُكُمْ يَوْمَ تُفْطِرُونَ، وأضْحَاكُمْ يَوْمَ تُضَحُّونَ". رَوَاهُ الدَّارَقُطْنِىُّ وغيرُه (٢٤). ٦٩١ - مسألة؛ قال: (وَإِنْ كَانَ عَبْدًا، لَمْ يَكُنْ لَهُ أنْ يَذْبَحَ، وَكَانَ عَلَيْهِ أنْ يَصُومَ عَنْ كُلِّ مُدٍّ مِنْ قِيمَةِ الشَّاةِ يَوْمًا، ثُمَّ يُقَصِّرُ ويَحِلُّ) يعنى أنَّ العَبْدَ لا يَلْزَمُه هَدْىٌ؛ لأنَّه لا مَالَ له، فهو عاجِزٌ عن الهَدْىِ، فلم يَلْزَمْهُ كالمُعْسِرِ. وظَاهِرُ كلامِ الْخِرَقِىِّ أنَّه لو أذِنَ له سَيِّدُه فى الهَدْىِ لم يكنْ له أن يُهْدِىَ، ولا يُجْزِئُه إلَّا الصِّيامُ. وهذا قَوْلُ الثَّوْرِيِّ، والشَّافِعِىِّ، وأصْحابِ الرَّأْىِ. ذَكَرَهُ ابنُ المُنْذِرِ عنهم فى الصَّيْدِ. وعلى قِيَاسِ هذا كلُّ دَمٍ لَزِمَهُ فى الإِحْرَامِ لا يُجْزِئُه عنه إلَّا الصِّيَامُ. وقال غيرُ الْخِرَقِىِّ: إن مَلَّكَهُ السَّيِّدُ هَدْيًا، وأذِنَ له فى ذَبْحِه خُرِّجَ على الرِّوَايَتَيْنِ. إن قُلْنَا: إن العَبْدَ يَمْلِكُ بِالتَّمْلِيكِ. لَزِمَهُ أن يُهْدِىَ، ويُجْزِئُ عنه؛ لأنَّه قَادِرٌ على الهَدْىِ، مَالِكٌ له، فَلَزِمَه كالحُرِّ. وإن قُلْنَا: لا يَمْلِكُ. لم يُجْزِئْه إلَّا الصِّيَامُ؛ لأنَّه ليس بِمَالِكٍ، ولا سَبِيلَ له (١) إلى المِلْكِ، فصارَ كالمُعْسِرِ الذى

стр. 2572

لا يَقْدِرُ على غيرِ الصِّيامِ. وإذا صامَ فإنَّه يَصُومُ عن كُلِّ مُدٍّ من قِيمَةِ الشَّاةِ يَوْمًا. ويَنْبَغِى أن يُخَرَّجَ فيه من الخِلَافِ ما ذَكَرْنَاه فى الصَّيْدِ، ومتى بَقِىَ من قِيمَتِها أقَلُّ من مُدٍّ، صامَ عنه يَوْمًا كَامِلًا؛ لأنّ الصَّوْمَ لا يَتَبَعَّضُ، فيَجِبُ تَكْمِيلُه، كمَنْ نَذَرَ أن يَصُومَ يومَ يَقْدَمُ فُلَانٌ فقَدِمَ فى بعضِ النَّهارِ، لَزِمَه صَوْمُ يَوْمٍ كامِلٍ، والأوْلَى أن يكونَ الواجِبُ من الصَّوْمِ عشرةَ أيَّامٍ، كصَوْمِ المُتْعَةِ، كما جاءَ فى حَدِيثِ عمرَ (٢)، أنَّه قال لهبَّارِ بن الأسْوَدِ: إنْ (٣) وَجَدْتَ سَعَةً فأهْدِ، فإن لم تَجِدْ سَعَةً، فَصُمْ ثلاثةَ أيَّامٍ فى الحَجِّ، وسَبْعَةً إذا رَجَعْتَ، إن شاءَ اللهُ تعالى. ورَوَى الشَّافِعِىُّ، فى "مُسْنَدِه" عن ابْنِ عمرَ مِثْلَ ذلك (٤). وأحمدُ ذَهَبَ إلى حَدِيثِ عمرَ، واحْتَجَّ به؛ لأنَّه صَوْمٌ وَجَبَ لِحِلِّه من إحْرَامِه قبلَ إتْمامِه، فكان عشرةَ أيَّامٍ، كصَوْمِ المُحْصَرِ (٥). والمُعْسِرُ فى الصَّوْمِ كالعَبْدِ، ولذلك قال عمرُ لِهَبَّارِ بن الأسْوَدِ: إن وَجَدْتَ سَعَةً فأهْدِ، فإن لم تَجِدْ فصُمْ. ويُعْتَبَرُ اليَسارُ والإعْسارُ فى زَمَنِ الوُجوبِ، وهو فى سَنَةِ القَضاءِ إن قُلْنا بِوُجُوبِه، أو فى سَنَةِ الفَواتِ إن قُلْنا لا يَجِبُ القَضاءُ. وقَوْلُ الخِرَقِىِّ: "ثُمَّ يُقَصِّرُ وَيَحِلُّ". يُرِيدُ أن العَبْدَ لا يَحْلِقُ هاهُنا، ولا فى مَوْضِعٍ آخَرَ؛ لأنَّ الحَلْقَ إزَالَةٌ للشَّعْرِ (٦) الذى يَزِيدُ فى قِيمَتِه ومَالِيَّتِه، وهو مِلْكٌ لِسَيِّدِهِ، ولم يَتَعَيَّنْ إزَالَتُه، فلم يَكُنْ له إزَالَتُه. كغيرِ (٧) حَالَةِ الإِحْرامِ. وإن أذِنَ له السَّيِّدُ فى الحَلْقِ، جازَ؛ لأنَّه إنَّما مُنِعَ منه لِحَقِّهِ. ٦٩٢ - مسألة؛ قال: (وَإِذَا أَحْرَمَتِ الْمَرْأَةُ لِوَاجِبٍ، لَمْ يَكُنْ لِزَوْجِهَا مَنْعُهَا) وجُمْلَةُ ذلك أنَّ المَرْأةَ إذا أحْرَمَتْ بِالحَجِّ الوَاجِبِ، أو العُمْرَةِ الوَاجِبَةِ، وهى

стр. 2573

حَجَّةُ الإسْلامِ وعُمْرَتُه، أو المَنْذُورُ منهما، فليس لِزَوْجها مَنْعُها من المُضِىِّ فيها، ولا تَحْلِيلُها، فى قَوْلِ أكْثَرِ أهْلِ العِلْمِ؛ منهم أحمدُ (١)، والنَّخَعِىُّ، وإسحاقُ، وأصْحابُ الرَّأْىِ، والشَّافِعِىُّ فى أصَحِّ قَوْلَيْه (٢)، وقال فى الآخَرِ: له مَنْعُها. لأنَّ الحَجَّ عِنْدَهُ على التَّرَاخِى، فلم يَتَعَيَّنْ فى هذا العام. وليس هذا بِصَحِيحٍ، فإنَّ الحَجَّ الوَاجِبَ يَتَعَيَّنُ بِالشُّرُوعِ فيه، فيَصِيرُ كالصلاةِ إذا أحْرَمْتَ بها فى أوَّلِ وَقْتِهَا، وقَضاءِ رمضانَ إذا شَرَعْتَ فيه، ولأنَّ حَقَّ الزَّوْجِ مُسْتَمِرٌّ على الدَّوَامِ، فلو مَلَكَ مَنْعَها فى هذا العَامِ لَمَلَكَهُ فى كلِّ عامٍ، فيُفْضِى إلى إسْقَاطِ أحَدِ أَرْكانِ الإسْلامِ، بخِلَافِ العِدَّةِ، فإنَّها لا تَسْتَمِرُّ. فأمَّا إن أحْرَمَتْ بِتَطَوُّعٍ، فله تَحْلِيلُها ومَنْعُها منه، فى ظاهِرِ قَوْلِ الخِرَقِىِّ. وقال القاضى: ليس له تَحْلِيلُها؛ لأنَّ الحَجَّ يَلْزَمُ بِالشُّرُوعِ فيه، فلا يَمْلِكُ الزَّوْجُ تَحْلِيلَها، كالحَجِّ المَنْذُورِ. وحُكِىَ عن أحمدَ، فى امْرَأةٍ تَحْلِفُ بِالصَّوْمِ أو بِالحَجِّ، ولها زَوْجٌ: لها أن تَصُومَ بغيرِ إذْنِ زَوْجِها، ما تَصْنَعُ! قد ابْتُلِيَتْ وَابْتُلِىَ زَوْجُها. ولَنا، أنَّه تَطَوُّعٌ يُفَوِّتُ حَقَّ غيرِها منها، أحْرَمَتْ به بغيرِ إذْنِه، فمَلَكَ تَحْلِيلَها منه، كالأمَةِ تُحْرِمُ بغيرِ إذْنِ سَيِّدِها، والمَدِينَةِ تُحْرِمُ بغيرِ إذْنِ غَرِيمِها على وَجْهٍ يَمْنَعُه ايفاءَ دَيْنِه الحَالِّ عليها، ولأنَّ العِدَّةَ تَمْنَعُ المُضِىَّ فى الإحْرَامِ لِحَقِّ اللهِ تعالى، فحَقُّ الآدَمِىِّ أوْلَى؛ لأنَّ حَقَّهُ أضْيَقُ، لِشُحِّهِ وحَاجَتِه، وكَرَمِ اللهِ تَعَالَى وغِناهُ. وكلامُ أحمدَ لا يَتَناوَلُ مَحلَّ النِّزاعِ، وهو مُخالِفٌ له من وَجْهَيْنِ؛ أحَدُهما، أنَّه فى الصَّوْمِ، وتَأْثِيرُ الصَّوْمِ فى مَنْعِ حَقِّ الزَّوْجِ يَسِيرٌ، فإنَّه فى النَّهارِ دون اللَّيْلِ. ولو حَلَفَتْ بِالحَجِّ فله مَنْعُها؛ لأنَّ الحَجَّ لا يَتَعَيَّنُ فى نَذْرِ اللَّجَاجِ والغَضَبِ، بل هو مُخَيَّرٌ بين فِعْلِه والتَّكْفِيرِ، فله مَنْعُها منه قبلَ إحْرَامِها بكلِّ حالٍ، بخِلافِ الصَّوْمِ. والثانى، أنَّ الصَّوْمَ إذا وَجَبَ صارَ كالمَنْذُورِ، بِخِلافِ ما نحن فيه، والشُّرُوعُ هاهُنا على وَجْهٍ غيرِ

стр. 2574

مَشْرُوعٍ، فلم يَكُنْ له حُرْمَةٌ بِالنِّسْبَةِ إلى صاحِبِ الحَقِّ. فأمَّا إن كانت الحَجَّةُ حَجَّةَ الإسلامِ، لكنْ لم تَكْمُلْ شُرُوطُها لِعَدَمِ الاسْتِطاعَةِ، فإنَّ له مَنْعَها من الخُرُوجِ إليها والتَّلَبُّسِ بها، لأنَّها غيرُ واجِبَةٍ عليها. وإن أَحْرَمَتْ بها (٣) بغيرِ إذْنِه لم يَمْلِكْ تَحْلِيلَها؛ لأنَّ ما أحْرَمَتْ به يَقَعُ عن حَجَّةِ الإسلامِ الوَاجِبَةِ بِأصْلِ الشَّرْعِ، كالمَرِيضِ إذا تَكَلَّفَ حُضُورَ الجُمُعَةِ. ويَحْتَمِلُ أنَّ له تَحْلِيلَها؛ لأنَّه فَقَدَ شَرْطَ وُجُوبِها، فأشْبَهَتْ حَجَّةَ الأمَةِ [أو الصَّغِيرَةِ] (٤)، فإنَّها (٥) لمَّا فَقَدَتِ الحُرِّيَّةَ أو البُلُوغَ، مَلَكَ مَنْعَها، ولأنَّها ليستْ وَاجِبَةً عليها، فأشْبَهَتْ سائِرَ التَّطَوُّعِ. فصل: وأمَّا قبلَ الإِحْرامِ، فليس لِلزَّوْجِ مَنْعُ امْرَأَتِه من المُضِىِّ إلى الحَجِّ الوَاجِبِ عليها، إذا كَمَلَتْ شُرُوطُه، وكانت مُسْتَطِيعَةً، ولها مَحْرَمٌ يَخْرُجُ معها؛ لأنَّه وَاجِبٌ، وليس له مَنْعُها من الواجِباتِ، كما ليس له مَنْعُها من الصلاةِ والصِّيامِ. وإن لم تَكْمُلْ شُرُوطُه، فله مَنْعُها من المُضِىِّ إليه والشُّرُوعِ فيه، ولأنَّها تُفَوِّتُ حَقَّه بما ليس بواجِبٍ عليها، فَمَلَكَ مَنْعَها، كمَنْعِها من صِيامِ التَّطَوُّعِ. وله مَنْعُها من الخُرُوجِ إلى الحَجِّ التَّطَوُّعِ والإحْرَامِ به، بغيرِ خِلَافٍ. قال ابْنُ المُنْذِرِ: أجْمَعَ كُلُّ مَن نَحْفَظُ (٦) قَوْلَه من أهْلِ العِلْمِ، على أنَّ لِلرَّجُلِ مَنْعَ زَوْجَتِه من الخُرُوجِ إلى الحَجِّ (٧) التَّطَوُّعِ. ولأنَّه تَطَوُّعٌ يُفَوِّتُ حَقَّ زَوْجِهَا، فكان لِزَوْجِها مَنْعُها منه، كالاعْتِكافِ. فإن أَذِنَ لها فيه، فله الرُّجُوعُ ما لم تَتَلَبَّسْ بِإحْرَامِه، فإن تَلَبَّسَتْ بالإحْرامِ، [أو أذِنَ لها] (٨)، لم يَكُنْ له الرُّجُوعُ فيه، ولا تَحْلِيلُها منه؛ لأنَّه يَلْزَمُ بِالشُّرُوعِ، فصارَ كالوَاجِبِ الأصْلِىِّ. فإن رَجَعَ قبلَ إحْرَامِها، ثم

стр. 2575

أحْرَمَتْ به، فهو كمَنْ لم يَأْذَنْ. وإذا قُلْنا: [له تَحْلِيلُها] (٩). فَحُكْمُها حُكْمُ المُحْصَرِ، يَلْزَمُها الهَدْىُ، فإن لم تَجِدْه (١٠) صامَتْ، ثم حَلَّتْ. فصل: وإن أَحْرَمَتْ بِوَاجِبٍ، فحَلَفَ زَوْجُها بِالطَّلاقِ الثَّلاثِ أنْ لا تَحُجَّ العامَ، فليس لها أن تَحِلَّ؛ لأَنَّ الطَّلاقَ مُباحٌ، فليس لها تَرْكُ فَرِيضَةِ (١١) اللهِ خَوْفًا من الوُقُوعِ فيه. ونَقَلَ مُهَنَّا عن أحمدَ، أنَّه سُئِلَ عن هذه المسألةِ، فقال: قال عَطاءٌ: الطَّلاقُ هَلاكٌ، هى بِمَنْزِلَةِ المُحْصَرِ. رَوَى عنه ابنُ مَنْصورٍ، أنَّه أَفْتَى السَّائِلَ أنَّها بِمَنْزِلَةِ المُحْصَرِ. واحْتَجَّ بِقَوْلِ عَطاءٍ، فَتَرَاهُ (١٢)، واللهُ أعْلَمُ، ذَهَبَ إلى هذا لأنَّ ضَرَرَ الطَّلاقِ عَظِيمٌ؛ لما فيه من خُرُوجِهَا من بَيْتِه (١٣)، ومُفارَقَةِ زَوْجِها وَوَلَدِها، وَرُبمَّا كان ذلك أعْظَمَ عِنْدَها من ذَهابِ مَالِها، وهَلَاكِ سائِرِ أهْلِها، ولذلك سَمَّاهُ عَطاءٌ هَلَاكًا. ولو مَنَعَها عَدُوٌّ من الحَجِّ إلَّا أن تَدْفَعَ إليه مَالَها، كان ذلك حَصْرًا، فهاهُنا أوْلَى. واللهُ أعلمُ. فصل: وليس لِلْوالِدِ مَنْعُ وَلَدِه من الحَجِّ الوَاجِبِ، ولا تَحْلِيلُه من إحْرامِهِ، وليس لِلْوَلَدِ طَاعَتُه فى تَرْكِه؛ لأنَّ النَّبِىَّ ﷺ ، قال: "لَا طَاعَةَ لِمَخْلُوقٍ فِى مَعْصِيَةِ (١٤) اللهِ تَعَالَى" (١٥). وله مَنْعُه من الخُرُوجِ إلى التَّطَوُّعِ، فإنَّ له مَنْعَه من

стр. 2576

الغَزْوِ، وهو من فُرُوضِ الكِفاياتِ، فالتَّطَوُّعُ أوْلَى. فإن أحْرَمَ بغيرِ إذْنِه، لم يَمْلِكْ تَحْلِيلَه؛ لأنَّه وجَبَ (١٦) بِالدُّخُولِ فيه، فصارَ كالواجِبِ ابْتِداءً، أو كالمَنْذُورِ. ٦٩٣ - مسألة؛ قال: (وَمَنْ سَاقَ هَدْيًا وَاجِبًا، فَعَطِبَ دُونَ مَحِلِّهِ، صَنَعَ بِهِ مَا شَاءَ، وَعَلَيْهِ مَكَانَهُ) الوَاجِبُ من الهَدْىِ قِسْمَانِ؛ أحَدُهما، وَجَبَ بِالنَّذْرِ فى ذِمَّتِه. والثانى، وَجَبَ بغَيرِه، كدَمِ التَّمَتُّعِ، والقِرَانِ، والدِّمَاءِ الوَاجِبَةِ بِتَرْكِ وَاجِبٍ، أو فِعْلِ مَحْظُورٍ. وجَمِيعُ ذلك ضَرْبانِ: أحدُهما، أن يَسُوقَه يَنْوِى به الواجِبَ الذى عليه، من غيرِ أن يُعَيِّنه بِالقولِ، فهذا لا يَزُولُ مِلْكُه عنه إلَّا بِذَبْحِه، ودَفْعِه إلى أَهْلِه، وله التَّصَرُّفُ فيه بما شاءَ من بَيْعٍ، وَهِبَةٍ، وأكْلٍ، وغيرِ ذلك؛ لأنَّه لم (١) يَتَعَلَّقْ حَقُّ غيرِه به، وله نَماؤُه، وإن عَطِبَ تَلِفَ من مَالِه، وإن تَعَيَّبَ لم يُجْزِئْه ذَبْحُه، وعليه الهَدْىُ الذى كان وَاجِبًا، فإنَّ وُجُوبَه فى الذِّمَّةِ، فلا يَبْرَأُ منه إلَّا بإيصالِه إلى مُسْتَحِقِّه، بِمَنْزِلَةِ مَن عليه دَيْنٌ فحَمَلَه إلى مُسْتَحِقِّه، يَقْصِدُ دَفْعَه إليه فتَلِفَ قبلَ أن يُوصِلَه إليه. الضَّرْبُ الثانِى، أن يُعَيِّنَ الوَاجِبَ عليه بِالْقَوْلِ، فيقولَ: هذا الوَاجِبُ عَلَىَّ. فإنَّه يَتَعَيَّنُ الوُجُوبُ فيه من غيرِ أَن تَبْرَأَ الذِّمَّةُ منه؛ لأنَّه لو أوْجَبَ هَدْيًا ولا هَدْىَ عليه لتَعَيَّنَ (٢)، فإذا كان وَاجِبًا فَعَيَّنَهُ فكذلك، إلَّا أنَّه مَضْمُونٌ عليه، فإن عَطِبَ، أو سُرِقَ، أو ضَلَّ، أو نحوُ ذلك، لم يُجْزِهِ، وعادَ الوُجُوبُ إلى ذِمَّتِه، كما لو كان لِرَجُلٍ عليه دَيْنٌ، فاشْتَرَى به منه مَكِيلًا، فتَلِفَ قبلَ قَبْضِه، انْفَسَخَ البَيْعُ، وعادَ الدَّيْنُ إلى ذِمَّتِه، ولأنَّ ذِمَّتَهُ لم تَبْرَأْ مِن الوَاجِبِ بِتَعْيينِه، وإنَّما

стр. 2577

تَعَلَقَّ الوُجُوبُ بِمَحِلٍّ آخَرَ، فصارَ كالدَّيْنِ يَضْمَنُه ضَامِنٌ، أو يَرْهَنُ به رَهْنًا، فإنَّه يَتَعَلَّقُ الحَقُّ بِالضَّامِنِ والرَّهْنِ مع بَقَائِه فى ذِمَّةِ المَدِينِ، فمتى تَعَذَّرَ اسْتِيفاؤُه من الضَّامِنِ، أو تَلِفَ الرَّهْنُ، بَقِىَ الحَقُّ فى الذِّمَّةِ بِحَالِه. وهذا كلُّه لا نَعْلَمُ فيه مُخَالِفًا. وإن ذَبَحَهُ، فَسُرِقَ أو عَطِبَ (٣)، فلا شىءَ عليه. قال أحمدُ: إذا نَحَرَ فلم يُطْعِمْهُ حتى سُرِقَ، لا شىءَ عليه، فإنَّه إذا نَحَرَ فقد فَرَغَ. وبهذا قال الثَّوْرِىُّ، وابنُ القاسمِ صاحِبُ مَالِكٍ، وأصْحابُ الرَّأْىِ. وقال الشَّافِعِىُّ: عليه الإعادَةُ؛ لأنَّه لم يُوصِلِ الحَقَّ إلى مُسْتَحِقِّه، فأشْبَهَ ما لو لم يَذْبَحْهُ. ولَنا، أَنَّه أدَّى الوَاجِبَ عليه، فبَرِئَ منه، كما لو فَرَّقَهُ. ودَلِيلُ أَنَّه أدَّى الوَاجِبَ، أنَّه لم يَبْقَ إلَّا التَّفْرِقَةُ، وليستْ وَاجِبَةً؛ بِدَلِيلِ أنَّه لو خَلَّى بينه وبينَ الفُقَرَاءِ أَجْزَأَهُ، ولذلك لمَّا نَحَرَ النَّبِىُّ ﷺ البَدَنَاتِ، قال: "مَنْ شَاءَ اقْتَطَعَ" (٤). وإذا عَطِبَ هذا المُعَيَّنُ، أو تَعَيَّبَ عَيْبًا يَمْنَعُ الإجْزاءَ، لم يُجْزِه ذَبْحُه عمَّا فى الذِّمَّةِ؛ لأنَّ عليه هَدْيًا سَلِيمًا ولم يُوجَدْ، وعليه مَكَانَه، ويَرْجِعُ هذا الهَدْى إلى مِلْكِه، فيَصْنَعُ به ما شاءَ، من أكْلٍ، وَبَيْعٍ (٥)، وَهِبَةٍ، وصَدَقَةٍ، وغيرِه. هذا ظاهِرُ كلامِ الخِرَقِىِّ. وحَكاهُ ابنُ المُنْذِرِ عن أحمدَ، والشَّافِعِىِّ، وإسحاقَ، وأبى ثَوْرٍ، وأصْحابِ الرَّأْىِ. ونحوُه عن عَطَاءٍ. وقال مالِكٌ: يَأْكُلُ، ويُطْعِمُ مَن أحَبَّ من الأغْنِياءِ والفُقَرَاءِ، ولا يَبِيعُ منه شيئا. ولَنا، ما رَوَى سَعِيدٌ، حدَّثَنا سفيانُ، عن عبدِ الكريمِ، عن عِكْرِمَةَ، عن ابنِ عَبَّاسٍ، قال: إذا أهْدَيْتَ هَدْيًا تَطَوُّعًا، فعَطِبَ، فانحَرْهُ، ثم اغْمِسِ النَّعْلَ فى دَمِهِ، ثم اضْرِبْ بها صَفْحَتَه، فإن أكَلْتَ أو أمَرْتَ به عَرَّفْتَ، وإذا أهْدَيْتَ هَدْيًا وَاجِبًا فعَطِبَ فانْحَرْهُ، ثم كُلْهُ إن شِئْتَ، وأهْدِه إن شِئْتَ، وبِعْهُ إن شِئْتَ، وتَقَوَّ بِهِ فى هَدْىٍ آخَرَ. ولأنَّه متى كان له أن يَأْكُلَ ويُطْعِمَ الأغْنِياءَ، فله أن يَبِيعَ

стр. 2578

أيضا (٦)؛ لأنَّه مِلْكُه. ورُوِىَ عن أحمدَ، أنَّه يَذْبَحُ المَعِيبَ وما فى ذِمَّتِه جميعًا، ولا يَرْجِعُ المُعَيَّنَ إلى مِلْكِه؛ لأنَّه تَعَلَّقَ حَقُّ (٧) الفُقَرَاءِ بِتَعْيينِه، فلَزِمَ ذَبْحُه، كما لو عَيَّنَهُ بِنَذْرِه ابْتِدَاءً. فصل: وإن ضَلَّ المُعَيَّنُ، فذَبَحَ غيرَه، ثم وَجَدَه، أو عَيَّنَ غيرَ الضَّالِّ بَدَلًا عمَّا فى الذِّمَّةِ، ثم وَجَدَ الضَّالَّ، ذَبَحَهُما معًا. رُوِىَ ذلك عن عمرَ، وابْنِه، وابنِ عَبّاسٍ، وفَعَلَتْهُ عائشةُ. وبه قال مالِكٌ، والشَّافِعِىُّ، وإسحاقُ. ويَتَخَرَّجُ على قَوْلِنَا فيما إذا تَعَيَّبَ الهَدْىُ، فأبْدَلَه (٨) [فإنَّ له] (٩) أن يَصْنَعَ به ما شاءَ. أن (١٠) يَرْجِعَ إلى مِلكِه (١١) أحَدُهما؛ لأنَّه قد ذَبَحَ ما فى الذِّمَّةِ، فلم يَلْزَمْهُ شىءٌ آخَرُ، كما لو عَطِبَ المُعَيَّنُ. وهذا قَوْلُ أصْحابِ الرَّأْىِ. ووَجْهُ الأوَّلِ ما رُوِىَ عن عائشةَ، رَضِىَ اللهُ عنها، أنَّها أهْدَتْ هَدْيَيْنِ، فأضَلَّتْهما، فبَعَثَ إليها ابنُ الزُّبَيْرِ هَدْيَيْنِ، فنَحَرَتْهما، ثم عادَ الضَّالَّانِ، فنَحَرَتْهما، وقالت: هذه سُنَّةُ الهَدْىِ. رَوَاهُ الدَّارَقُطْنِىُّ (١٢). وهذا يَنْصَرِفُ إلى سُنَّةِ رسولِ اللهِ ﷺ ، ولأنَّه تَعَلَّقَ حَقُّ اللهِ بهما بإيجابِهما، أو ذَبْحِ أحَدِهما وإيجابِ الآخَرِ. فصل: وإن عَيَّنَ مَعِيبًا عَمَّا فى الذِّمَّةِ (١٣)، لم يُجْزِه، ويَلْزَمُه (١٤) ذَبْحُه، على قِيَاسِ قَوْلِه فى الأُضْحِيَةِ، إذا عَيَّنَها مَعِيبَةً لَزِمَهُ ذَبْحُها، ولم يُجْزِه. وإن عَيَّنَ

стр. 2579

صَحِيحًا فهَلَكَ، أو تَعَيَّبَ بغَيرِ تَفْرِيطِه، لم يَلْزَمْه أكثرُ ممَّا كان وَاجِبًا فى الذِّمَّةِ؛ لأنَّ الزَّائِدَ لم يَجِبْ فى الذِّمَّةِ، وإنَّما تَعَلَّقَ بِالعَيْنِ، فسَقَطَ بِتَلَفِها كأصلِ (١٥) الهَدْىِ، إذا لم يَجِبْ بغيرِ التَّعْيينِ. وإن أتْلَفَه، أو تَلِفَ بِتَفْرِيطِه، لَزِمَهُ مثلُ المُعَيَّنِ؛ لأنَّ الزَّائِدَ تَعَلَّقَ به حَقُّ اللهِ تعالى، وإذا فَوَّتَهُ لَزِمَهُ ضَمَانُه، كالهَدْىِ المُعَيَّنِ ابْتِدَاءً. فصل: ويَحْصُلُ الإيجابُ بِقَوْلِه: هذا هَدْىٌ. أو بِتَقْلِيدِه وإشْعارِهِ نَاوِيًا به الهَدْىَ. وبه (١٦) قال الثَّوْرِيُّ، وإسحاقُ. ولا يَجِبُ بِالشِّراءِ مع النِّيَّةِ، ولا بِالنِّيَّةِ المُجَرَّدَةِ، فى قولِ أكْثَرِ أهْلِ العِلْمِ. وقال أبو حنيفةَ: يَجِبُ بِالشِّراءِ مع النِّيَّةِ. ولَنا، أنَّه إزالةُ مِلْكٍ على وَجْهِ القُرْبةِ، فلم يجِبْ بالنِّيَّةِ، كالعِتْقِ والوَقْفِ. فصل: إذا غَصَبَ شَاةً، فذَبَحَها عن الوَاجِبِ عليه، لم يُجْزِهِ، سَوَاءٌ رَضِىَ مَالِكُها أو لم يَرْضَ، أو عَوَّضَه عنها أو لم يُعَوِّضْهُ. وقال أبو حنيفةَ: يُجْزِئُه إن رَضِىَ مَالِكُها. ولَنا، أنَّ هذا لم يَكُنْ قُرْبَةً فى ابْتِدائِه، فلم يَصِرْ قُرْبَةً فى أثْنائِه، كما لو ذَبَحَه لِلْأَكْلِ ثم نَوَى به التَّقْرِيبَ، وكما لو أعْتَقَ ثم نَوَاه عن كَفَّارَتِهِ. ٦٩٤ - مسألة؛ قال: (وَإِنْ كَانَ سَاقَهُ تَطَوُّعًا، نَحَرَهُ فى (١) مَوْضِعِهِ، وَخلَّى بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْمَسَاكِينِ، وَلَمْ يَأْكُلْ مِنْهُ هُوَ وَلَا أَحَدٌ مِنْ أهْلِ رُفْقَتِهِ، وَلَا بَدَلَ عَلَيْهِ) وجُمْلَةُ ذلك أنَّ مَن تَطوَّعَ بِهَدْىٍ غيرِ واجِبٍ، لم يَخْلُ من حالَيْنِ؛ أحدُهما، أنْ يَنْوِيَه هَدْيًا، ولا يُوجِبُه (٢) بِلِسانِه ولا بإشْعارِهِ وتَقْلِيده، فهذا لا يَلْزَمُه إمْضاؤُه،

стр. 2580

وله أوْلادُه ونَمَاؤُه والرُّجُوعُ فيه متى شاءَ، ما لم يَذْبَحْهُ؛ لأنَّه نَوَى الصَّدَقَةَ بشىءٍ من مَالِه، فأشْبَهَ ما لو نَوَى الصَّدَقَةَ بِدِرْهَمٍ. الثانى، أنْ يُوجِبَهُ بِلِسانِه، فيقولَ: هذا هَدْىٌ. أو يُقَلِّدَه أو يُشْعِرَه، يَنْوِى بذلك إهْداءَه، فيَصِيرَ وَاجِبًا مُتَعَيَّنًا (٣)، يَتَعَلَّقُ الوُجُوبُ بِعَيْنِه دونَ ذِمَّةِ صاحِبِه، ويَصِيرَ فى يَدَىْ صَاحِبِه كالوَدِيعَةِ، يَلْزَمُه حِفْظُه وإيصالُه إلى مَحِلِّهِ، فإن تَلِفَ بغيرِ تَفْرِيطٍ منه، أو سُرِقَ (٤)، أو ضَلَّ، لم يَلْزَمْهُ شىءٌ؛ لأنَّه لم يَجِبْ فى الذِّمَّةِ، إنَّما تَعَلَّقَ الحَقُّ بِالْعَيْنِ، فسَقَطَ بِتَلَفِهَا، كالوَدِيعَةِ. وقد رَوَى الدَّارَقُطْنِىُّ (٥)، بإسْنادِه عن ابْنِ عمرَ، رَضِىَ اللَّه عنهما، قال: سَمِعْتُ رسولَ اللهِ ﷺ ، يقولُ: "مَنْ أهْدَى تَطَوُّعًا، ثَمَّ ضَلَّتْ، فَلَيْسَ عَلَيْهِ البَدَلُ، إلَّا أنْ يَشَاءَ، فَإنْ كَانَ نَذْرًا، فَعَلَيْهِ البَدَلُ". وفى رِوايَةٍ، قال: "مَنْ أهْدَى تَطَوُّعًا، ثَمَّ عَطِبَ، فَإنْ شَاءَ [أبْدَلَ، وإنْ شَاءَ] (٦) أكَلَ، وإنْ كَانَ نَذْرًا فَلْيُبْدِلْ". فأمَّا إن أتْلَفَهُ، أو تَلِفَ (٧) بِتَفْرِيطِه، فعليه ضَمَانُه؛ لأنَّه أَتْلَفَ وَاجِبًا لغَيرِه، فضَمِنَه، كالوَدِيعَةِ. وإن خَافَ عَطَبَه، أو عَجَزَ (٨) عن المَشْىِ وصُحْبَةِ الرِّفاقِ، نَحَرَه مَوْضِعَه، وخَلَّى بينه وبينَ المَساكِينِ، ولم يُبَحْ له أكْلُ شىءٍ منه، ولا لأحَدٍ من صَحابَتِه، وإن كانوا فُقَرَاءَ، ويُسْتَحَبُّ له أن يَضَعَ نَعْلَ الهَدْىِ المُقَلَّدَ فى عُنُقِه فى دَمِه، ثم يَضْرِبَ به صَفْحَتَه، لِيُعَرِّفَه الفُقَرَاءَ، فيَعْلَمُوا أنَّه هَدْىٌ، وليس بِمَيْتَةٍ، فيأْخُذُوه (٩). وبهذا قال

стр. 2581

الشَّافِعِىُّ، وسَعِيدُ بن جُبَيْرٍ. ورُوِىَ عن ابنِ عمرَ أنَّه أكَلَ من هَدْيِهِ الذى عَطِبَ ولم يَقْضِ مَكَانَه. وقال مالِكٌ: يُبَاحُ لِرُفْقَتِه، ولِسَائِرِ النّاسِ، غيرِ صَاحِبِه أو سَائِقِه، ولا يَأْمُرُ أحَدًا يَأْكُلُ منه، فإن أكَلَ، أو أمَرَ من أكَلَ، أو حَزَّ شيئًا من لَحْمِه، ضَمِنَه. واحْتَجَّ ابنُ عبدِ البَرِّ لذلك، بما رَوَى هِشامُ بن عُرْوَةَ، عن أبِيهِ، عن نَاجِيَةَ بنِ (١٠) كَعْبٍ، صَاحِبِ بُدْنِ رسولِ اللهِ ﷺ ، أنَّه قال: يا رسولَ اللهِ، كيف أَصْنَعُ بما عَطِبَ من الهَدْىِ؟ قال: "انْحَرْهُ، ثُمَّ اغْمِسْ قَلَائِدَهُ فِى دَمِهِ، ثُمَّ اضْرِبْ بِهَا صَفْحَةَ عُنُقِهِ، ثُمَّ خَلِّ بَيْنَهُ وَبَيْنَ النَّاسِ" (١١). قال: وهذا أصَحُّ من حَدِيثِ ابنِ عَبَّاسٍ، وعليه العَمَلُ عند الفُقَهاءِ. ويَدْخُلُ فى عُمُومِ قَوْلِه: "وَخَلِّ بَيْنَهُ وَبَيْنَ النَّاسِ". رُفْقَتُه وغيرُهم. ولَنا، ما رَوَى ابنُ عَبّاسٍ، أنَّ ذُؤَيْبًا أبا قَبِيصَةَ (١٢) حَدَّثَهُ، أنَّ رسولَ اللهِ ﷺ كان يَبْعَثُ معه بالبُدْنِ (١٣)، ثم يقولُ: "إنْ عَطِبَ مِنْهَا شَىْءٌ، فَخَشِيتَ عَلَيْهَا، فَانْحَرْهَا، ثُمَّ اغْمِسْ نَعْلَهَا فِى دَمِهَا، ثمَّ اضْرِبْ بِهِ صَفْحَتَهَا، وَلَا تَطْعَمْها أنْتَ ولَا أحَدٌ مِنْ أَهْلِ رُفْقَتِكَ". رَواهُ مُسْلِمٌ (١٤).

стр. 2582

وفى لَفْظٍ رَواهُ الإمامُ أحمدُ (١٥): "ويُخَلِّيها وَالنَّاسَ، وَلَا يَأْكُلُ مِنْهَا هُوَ وَلَا أحَدٌ مِن أصْحَابِهِ". وقال سَعِيدٌ: حَدَّثنا إسماعيلُ بنُ إبْراهيمَ، عن أبى التَّيَّاحِ، عن مُوسَى ابن سَلَمَةَ، عن رسولِ اللهِ ﷺ ، أنَّه بَعَثَ بِثَمَانِى عَشَرَةَ بَدَنَةً مَعَ رَجُلٍ، وقال: "إنِ ازْدَحَفَ عَلَيْكَ مِنْهَا شَىْءٌ، فَانْحَرْهَا، ثُمَّ اصْبِغْ نَعْلَهَا فِى دَمِهَا، ثُمَّ اضْرِبْ بِهَا فِى صَفْحَتِها، وَلَا تَأْكُلْ أنْتَ وَلَا أحَدٌ مِنْ أهْلِ رُفْقَتِكَ" (١٦). وهذا صَحِيحٌ مُتَضَمِّنٌ لِلزِّيادَةِ، ومَعْنًى خَاصٍّ، فيَجِبُ تَقْدِيمُه على عُمُومِ ما خالفَهُ، ولا تَصِحُّ التَّسْوِيَةُ بين رُفْقَتِه وبينَ سائِرِ النّاسِ؛ لأنَّ الإنْسانَ يُشْفِقُ على رُفْقَتِه، ويُحِبُّ التَّوْسِعَةَ عليهم، ورُبَّما وَسَّعَ عليهم مِن مُؤْنَتِه. وإنَّما مُنِعَ السَّائِقُ وَرُفْقَتُه من الأكْلِ منها؛ لِئَلَّا يُقَصِّرَ فى حِفْظِهَا، فيُعْطِبَهَا لِيَأْكُلَ هو ورُفْقَتُه منها، فتَلْحَقه التُّهْمَةُ فى عَطَبِها لِنَفْسِه وَرُفْقَتِه، فَحُرِمُوها لذلك. فإن أكَلَ منها، أو باعَ، أو أَطْعَمَ غَنِيًّا، أو رُفْقَتَه، ضَمِنَه بِمِثْلِه لَحْمًا. وإن أَتْلَفَها، أو تَلِفَتْ بِتَفْرِيطِه، أو خافَ عَطَبَها، فلم يَنْحَرْهَا حتى هَلَكَتْ، فعليه ضَمَانُها بما يُوصِلُه إلى فُقَرَاءِ الحَرَمِ؛ لأنَّه لا يَتَعَذَّرُ عليه إيصالُ الضَّمَانِ إليهم، بِخِلَافِ العَاطِبِ. وإن أطْعَمَ منها فَقِيرًا، أو أَمَرَهُ بالأكْلِ منها، فلا ضَمانَ عليه؛ لأنَّه أوْصَلَه إلى المُسْتَحِقِّ، فأشْبَه ما لو أطْعَمَ فَقِيرًا بعدَ بُلُوغِه مَحِلَّه (١٧)، وإن تَعَيَّبَ ذَبْحُه أجْزَأَه. وقال أبو حنيفةَ: لا يُجْزِئُه، إلَّا أن يَحْدُثَ العَيْبُ به بعدَ إضْجاعِهِ لِلذَّبْحِ. ولَنا، أنَّه لو عَطِبَ لم يَلْزَمْهُ شىءٌ، فالعَيْبُ أوْلَى؛ لأنَّ العَطَبَ يَذْهَبُ بِجَمِيعِه، والعَيْبُ يَنْقُصُه، ولأنَّه عَيْبٌ حَدَثَ بعدَ وُجُوبِهِ، فأشْبَه ما لو حَدَثَ بعدَ إضْجَاعِهِ. وإن تَعَيَّبَ بِفِعْلِ آدَمِىٍّ، فعليه ما

стр. 2583

نَقَصَه من القِيمَةِ، يَتَصَدَّقُ به. وقال أبو حنيفةَ: يُباعُ جَمِيعُه، ويُشْتَرَى (١٨) هَدْىٌ. وَبنَى ذلك على أنَّه لا يُجْزِئُ، وقد بَيَّنَّا أنَّه مُجْزِئٌ. فصل: وإذا أوْجَبَ هَدْيًا فلَهُ إبْدالُه بخَيْرٍ منه، وبَيْعُه لِيَشْتَرِىَ بِثَمَنِه خَيْرًا منه. نَصَّ عليه أحمدُ. وهو اخْتِيارُ أكْثَرِ الأصْحابِ، ومذهبُ أبِى حنيفةَ. وقال أبو الخَطَّابِ: يَزُولُ مِلْكُه عنه، وليس له بَيْعُه ولا إبْدالُه. وهو قَوْلُ مالِكٍ، والشَّافِعِىِّ؛ لأنَّه حَقٌّ مُتَعَلِّقٌ بِالرَّقَبَةِ، ويَسْرِى إلى الوَلَدِ، فَمُنِعَ البَيْعُ، كالاسْتِيلَاءِ، ولأنَّه لا (١٩) يجوزُ له إبْدالُه بِمِثْلِه، فلم يَجُزْ بِخَيْرٍ منه، كسَائِرِ ما لا يجوزُ بَيْعُهُ. ووجه الأوَّلِ، أنَّ النُّذُورَ مَحْمُولَةٌ على أُصُولِها فى الفَرْضِ، وهو الزكاةُ، يجوزُ فيها الإبْدالُ، كذلك هذا، ولأنَّه لو زالَ مِلْكُه لم يَعُدْ إليه بِالهَلاكِ، كسائِرِ الأمْلاكِ إذا زالَتْ. وقِياسُهم يَنْتَقِضُ بِالمُدَبَّرَةِ يجوزُ بَيْعُها، وقد دَلَّ على جَوازِ بَيْعِ المُدَبَّرِ أنَّ النَّبِىَّ ﷺ بَاعَ مُدَبَّرًا (٢٠). أمَّا إبْدَالُها بِمِثْلِها أو دُونِها، فلم يَجُزْ؛ لِعَدَمِ الفَائِدَةِ فى ذلك. فصل: إذا وَلَدَتِ الهَدْيَةُ فوَلَدُها بِمَنْزِلَتِها إن أمْكَنَ سَوْقُه، وإلَّا حَمَلَه على ظَهْرِها، وسَقاه مِن لَبَنِها، فإن لم يُمْكِنْ سَوْقُه ولا حَمْلُه، صَنَعَ به ما يَصْنَعُ بِالهَدْىِ إذا عَطِبَ، ولا فَرْقَ فى ذلك بين ما عَيَّنَهُ ابْتِدَاءً وبينَ ما عَيَّنَهُ بَدَلًا عن الواجِبِ فى ذِمَّتِه. وقال القاضى، فى المُعَيَّنِ بَدَلًا عن الوَاجِبِ: يَحْتَمِلُ أن لا

стр. 2584

يَتْبَعَها وَلَدُها؛ لأنَّ ما فى الذِّمَّةِ وَاحِدٌ، فلا يَلْزَمُه اثْنانِ. والصَّحِيحُ أنَّه يَتْبَعُ أُمَّه فى الوُجوبِ؛ لأَنَّه وَلَدُ هَدْىٍ وَاجِبٍ، فكان وَاجِبًا، كالمُعَيَّنِ ابْتِدَاءً. وقال المُغِيرَةُ ابن حَذَفٍ: أتَى رَجُلٌ عليًّا بِبَقَرَةٍ قد أوْلَدَها، فقال له: لا تَشْرَبْ من لَبَنِها إلَّا ما فَضَلَ عن وَلَدِهَا، فإذا كان يومُ الأضْحَى ضَحَّيْتَ بها وَوَلَدِها عن سَبْعَةٍ. رَواهُ سَعِيدٌ، والأثْرَمُ (٢١). وإن تَعَيَّبَتِ المُعَيَّنَةُ عن الواجِبِ فى الذِّمَّةِ، وقُلْنا: يَذْبَحُها. ذَبَحَ وَلَدَها معها؛ لأنَّه تَبَعٌ لها. وإن قُلْنَا: يَبْطُلُ تَعْيِينُها، وتَعُودُ إلى مَالِكِها. احْتَمَلَ أن يَبْطُلَ التَّعْيِينُ فى وَلَدِها تَبَعًا، كنَمائِها المُتَّصِلِ بها، واحْتَمَلَ أن لا يَبْطُلَ، ويكونَ لِلْفُقَرَاءِ؛ لأنَّه تَبِعَها فى الوُجوبِ حالَ اتِّصَالِه بها، ولم يَتْبَعْها فى زَوَالِه؛ لأنَّه مُنْ فَصِلٌ عنها، كوَلَدِ المَبِيعِ المَعِيبِ إذا وَلَدَ عندَ المُشْتَرِى، ثم رَدَّهُ لم يَبْطُلِ البَيْعُ فى وَلَدِه، والمُدَبَّرَةُ إذا قَتَلَتْ سَيِّدَهَا، فبَطَلَ تَدْبِيرُها، لا يَبْطُلُ فى وَلَدِها. فصل: ولِلْمُهْدِى شُرْبُ لَبَنِ الهَدْىِ؛ لأنَّ بَقاءَهُ فى الضَّرْعِ يَضُرُّ به، فإذا كان ذا وَلَدٍ، لم يَشْرَبْ إلَّا ما فَضَلَ عن وَلَدِهِ، لما ذَكَرْنَا من خَبَرِ علىٍّ، رَضِىَ اللهُ عنه. فإن شَرِبَ ما يَضُرُّ بالأُمِّ، أو ما لا يَفْضُلُ عن الوَلَدِ، ضَمِنَهُ؛ لأنَّه تَعَدَّى بِأخْذِهِ. وإن كان صُوفُها يَضُرُّ بها بَقاؤُه، جَزَّهُ وتَصَدَّقَ به على الفُقَرَاءِ. والفَرْقُ بينَه وبينَ اللَّبَنِ، أنَّ الصُّوفَ كان مَوْجُودًا حالَ إيجابِها، فكان واجِبًا معها، واللَّبَنُ. مُتَجَدِّدٌ فيها شيئًا فشيئًا، فهو كنَفْعِها ورُكُوبِها. فصل: وله رُكُوبُه عندَ الحَاجَةِ، على وَجْهٍ لا يَضُرُّ به. قال أحمدُ: لا يَرْكَبُه إلَّا عندَ الضَّرُورَةِ. وهو قَوْلُ الشَّافِعِىِّ، وابْنِ المُنْذِرِ، وأصْحابِ الرَّأْىِ، لأنَّ رسولَ اللهِ ﷺ قال: "ارْكَبْهَا بِالْمَعْرُوفِ إذا أُلْجِئْتَ إلَيْهَا، حَتَّى تَجِدَ ظَهْرًا".

стр. 2585

رَوَاهُ أبو دَاوُدَ (٢٢). ولأنَّه تَعَلَّقَ بها حَقُّ المَساكِينِ، فلم يَجُزْ رُكُوبُها مِن غيرِ ضَرُورَةٍ، كمِلْكِهم. فأمَّا مع عَدَمِ الحاجَةِ، ففيه رِوايتانِ؛ إحْدَاهما، لا يجوزُ؛ لما ذكرْنا. والثانية، يجوزُ؛ لما رَوَى أبو هُرَيْرَةَ، وأنَسٌ، أنَّ رسولَ اللهِ ﷺ رَأَى رَجُلًا يَسُوقُ بَدَنَةً، فقال: "ارْكَبْهَا". فقال: يا رسولَ اللهِ، إنَّها بَدَنَةٌ. فقال: "ارْكَبْهَا، وَيْلَكَ". فى الثانيةِ أو فى الثالثةِ. مُتَّفَقٌ عليه (٢٣). فصل: ولا يَبْرَأُ من الهَدْىِ إلَّا بِذَبْحِه أو نَحْرِهِ؛ لأنَّ النَّبِىَّ ﷺ نَحَرَ هَدْيَهُ (٢٤). فإن نَحَرَهُ بِنَفْسِه، أو وَكَّلَ مَن نَحَرَهُ، أو نَحَرَهُ إنْسَانٌ بِغَيْرِ إذْنِه فى وَقْتِه، أجْزَأَ عنه. وإن دَفَعَهُ إلى الفُقَرَاءِ سَلِيمًا فنَحَرُوهُ، أجْزَأَ عنه؛ لأنَّه حَصَلَ المَقْصُودُ بِفِعْلِهم، فأجْزَأهُ، كما لو ذَبَحَهُ غيرُهم، وإن لم يَنْحَرُوهُ، فعليه أن يَسْتَرِدَّهُ منهم ويَنْحَرَهُ (٢٥)، فإن لم يَفْعَلْ، أو لم (٢٦) يَقْدِرْ، فعليه ضَمَانُه؛ لأنَّه فَوَّتَهُ بِتَفْرِيطِه فى دَفْعِه إليهم سَلِيمًا. فصل: ويُسْتَحَبُّ لِلْمُهْدِى أن يَتَوَلَّى نَحْرَ الهَدْىِ بِنَفْسِه؛ لأنَّ النَّبِىَّ ﷺ نَحَرَ هَدْيَهُ بِيَدِه (٢٧). ورُوِىَ عن غُرْفَةَ بن الحَارِثِ الكِنْدِىِّ، قال: شَهِدْتُ رسولَ اللهِ

стр. 2586

- ﷺ فى حِجَّةِ الوَدَاعِ، وأُتِىَ بِالبُدْنِ، فقال: "ادْعُ لِى أبَا الْحَسَنِ". فدُعِىَ له علىٌّ، فقال له: "خُذْ بِأَسْفَلِ الْحَرْبَةِ". وأخَذَ رسولُ اللهِ ﷺ بأعْلَاها، ثم طَعَنا بها البُدْنَ. رَوَاهُ أبو دَاوُدَ (٢٨). وإنَّما فَعَلَا ذلك لأنَّ النَّبِىَّ ﷺ أشْرَكَ عليًّا فى بُدْنِهِ. وقال جَابِرٌ: نَحَرَ رسولُ اللهِ ﷺ ثَلَاثًا وسِتِّينَ بَدَنَةً بِيَدِه، ثم أعْطَى عليًّا فنَحَرَ ما غَبَرَ (٢٩). ورُوِىَ أنَّ النَّبِىَّ ﷺ نَحَرَ خَمْسَ بَدَنَاتٍ، ثم قال: "مَنْ شَاءَ اقْتَطَعَ". رَوَاهُ أبو دَاوُدَ (٣٠). فإن لم يَذْبَحْ بِيَدِه، فالمُسْتَحَبُّ أن يَشْهَدَ ذَبْحَها؛ لما رُوِىَ أنَّ النَّبِىَّ ﷺ قال لِفاطمةَ: "احْضُرِى أُضْحِيَّتَكِ يُغْفَرْ لَكِ بِأَوَّلِ قَطْرَةٍ مِنْ دَمِهَا" (٣١)، ويُسْتَحَبُّ أن يَتَوَلَّى تَفْرِيقَ اللَّحْمِ بِنَفْسِه؛ لأنَّه أَحْوَطُ وأقَلُّ لِلضَّرَرِ على المَسَاكِينِ، وإن خَلَّى بينَه وبينَ المَسَاكِينِ جازَ؛ لِقَولِه ﵇: "مَنْ شَاءَ اقْتَطَعَ". فصل: ويُباحُ لِلْفُقَراءِ الأخْذُ من الهَدْىِ إذا لم يَدْفَعْهُ إليهم بأحَدِ شَيْئَيْنِ؛ أحدِهما، الإذْنُ فيه لَفْظًا، كما قال النَّبِىُّ ﷺ : "مَنْ شَاءَ اقْتَطَعَ". والثانى، دَلَالَةٌ على الإذْنِ، كالتَّخْلِيَةِ بَيْنَهم وبَيْنَه. وقال الشَّافِعِىُّ، فى أحَدِ قَوْلَيْهِ: لا يُباحُ إلَّا بِاللَّفْظِ. وقَوْلُ النَّبِىِّ ﷺ لِسَائِقِ البُدْنِ: "اصْبُغْ نَعْلَهَا فِى دَمِهَا، وَاضْرِبْ به صَفْحَتَها" (٣٢). دلِيلٌ على أنَّ ذلك وشِبْهَه كَافٍ من غيرِ لَفْظٍ، ولولا ذلك لم يَكُنْ هذا مُفِيدًا. ٦٩٥ - مسألة؛ قال: (وَلَا يَأْكُلُ مِنْ كُلِّ وَاجِبٍ إلَّا مِنْ هَدْىِ التَّمَتُّعِ) المَذْهَبُ أنَّه يَأْكُلُ من هَدْىِ التَّمَتُّعِ (١) والقِرَانِ دونَ ما سِوَاهما. نَصَّ عليه

стр. 2587

أحمدُ. ولَعَلَّ الخِرَقِىَّ تَرَكَ ذِكْرَ القِرَانِ؛ لأنَّه مُتْعَةٌ، واكْتَفَى بِذِكْرِ المُتْعَةِ، لأنَّهما سَوَاءٌ فى المَعْنَى، فإنَّ سَبَبَهما غيرُ مَحْظُورٍ، فأشْبَها هَدْىَ التَّطَوُّعِ. وهذا قَوْلُ أصْحابِ الرَّأْىِ. وعن أحمدَ، أَنَّه لا يَأْكُلُ من المَنْذُورِ (٢) وجَزَاءِ الصَّيْدِ، ويَأْكُلُ ممَّا سِوَاهُما. وهو قَوْلُ ابنِ عمرَ، وعَطاءٍ، والحسنِ، وإسحاقَ؛ لأنَّ جَزاءَ الصَّيْدِ بَدَلٌ، والنَّذْرُ جَعَلَهُ للهِ تعالى بِخِلَافِ غيرِهما. وقال ابنُ أبى موسى: لا يَأْكُلُ أيْضًا من الكَفَّارَةِ، ويَأْكُلُ ممَّا سِوَى هذه الثَّلَاثَةِ. ونَحْوُه مَذْهَبُ مَالِكٍ؛ لأنَّ ما سِوَى ذلك لم يُسَمِّه لِلْمَساكِينِ، ولا مَدْخَلَ لِلإِطْعَامِ فيه، فأشْبَهَ التَّطَوُعَ. وقال الشَّافِعِىُّ: لا يَأْكُلُ من وَاجِبٍ؛ لأنَّه هَدْىٌ وَجَبَ بِالإِحْرامِ، فلم يَجُزِ الأكْلُ منه، كدَمِ الكَفَّارَةِ. ولَنا، أنَّ أزوَاجَ النَّبِىِّ ﷺ تَمَتَّعْنَ معه فى حِجَّةِ الوَدَاعِ (٣). وأدْخَلَتْ عائشةُ الحَجَّ على العُمْرَةِ، فصارَتْ قارِنَةً (٤)، ثم ذَبَحَ عَنْهُنَّ النَّبِىُّ ﷺ البَقَرَةَ، فَأكَلْنَ من لُحُومِهَا. قال أحمدُ: قد أكَلَ من البَقَرَةِ أزْوَاجُ النَّبِىِّ ﷺ فى حَدِيثِ عائشةَ خَاصَّةً. وقالت عائشةُ: إنَّ النَّبِىَّ ﷺ أمَرَ مَن لم يَكُنْ معه هَدْىٌ، إذا طافَ بِالْبَيْتِ، أن يَحِلَّ، فدُخِلَ علينا يومَ النَّحْرِ بِلَحْمِ بَقَرٍ، فقلتُ: ما هذا؟ فقِيل: ذَبَحَ النَّبِىُّ ﷺ عن أزْواجِه (٥). ورَوَى أبو دَاوُدَ، وابنُ مَاجَه (٦)، أنَّ رسولَ اللهِ ﷺ ذَبَح عن آلِ مُحَمَّدٍ فى حِجَّةِ الوَدَاعِ بَقَرَةً. وقال ابنُ عمرَ:

стр. 2588

تَمَتَّعَ رسولُ اللهِ ﷺ بالعُمْرَةِ إلى الحَجِّ، فسَاقَ الهَدْىَ مِن ذِى الحُلَيْفَةِ. مُتَّفَقٌ عليه (٧). وقد ثَبَتَ أنَّ النَّبِىَّ ﷺ أمَرَ من كُلِّ بَدَنَةٍ بِبِضْعَةٍ، فجُعِلَتْ فى قِدْرٍ، فأكَلَ هو وعلىٌّ مِن لَحْمِهَا، وشَرِبَا من مَرَقِهَا. رَوَاهُ مُسْلِمٌ (٨). ولأنَّهما دَمَا نُسُكٍ، فأشْبَهَا التَّطَوُّعَ، ولا يُؤْكَلُ مِن غيرِهما؛ لأنَّه يَجِبُ بِفِعْلِ مَحْظُورٍ، فأشْبَه جَزَاءَ الصَّيْدِ. فصل: فأمَّا هَدْىُ التَّطَوُّعِ، وهو ما أوْجَبَه بِالتَّعْيِينِ ابْتِدَاءً، من غيرِ أن يكونَ عن وَاجِبٍ فى ذِمَّتِه، وما نَحَرَه تَطوُّعًا مِن غيرِ أن يُوجِبَهُ، فيُسْتَحَبُّ أن يَأْكُلَ منه؛ لِقَوْلِ اللهِ تعالى: ﴿فَكُلُوا مِنْهَا﴾ (٩). وأقَلُّ أحْوالِ (١٠) الأمْرِ الاسْتِحْبابُ. ولأنَّ النَّبِىَّ ﷺ أكَلَ من بُدْنِهِ (٨). وقال جابِرٌ: كُنَّا لا نَأْكُلُ من بُدْنِنَا فَوْقَ ثلاثٍ، فَرَخَّصَ لنا النَّبِىُّ ﷺ ، فقال: "كُلُوا وتَزَوَّدُوا". فأكَلْنَا وَتَزَوَّدْنَا. رواهُ البُخارِىُّ (١١). وإن لم يَأْكُلْ فلا بَأْسَ؛ فإنَّ النَّبِىَّ ﷺ لمَّا نَحَرَ البَدَنَاتِ الخَمْسَ. قال: "مَنْ شَاءَ اقْتَطَعَ" (١٢). ولم يَأْكُلْ مِنْهُنَّ شيئا. والمُسْتَحَبُّ، أن يَأْكُلَ اليَسِيرَ منها، كما فَعَلَ النَّبِىُّ ﷺ ، وله الأكْلُ كَثِيرًا والتَّزَوُّدُ، كما جاءَ (١٣) فى حَدِيثِ جابِرٍ. وتُجْزِئُه الصَّدَقَةُ بِاليَسِيرِ منها، كما فى الأُضْحِيَّةِ، فإن أكَلَها ضَمِنَ المَشْرُوعَ لِلصَّدَقَةِ منها، كما فى الأُضْحِيَّةِ.

стр. 2589

فصل: وإن أكَلَ مِمَّا (١٤) مُنِعَ من أَكْلِه، ضَمِنَه بمِثْلِه لَحْمًا؛ لأنَّ الجَمِيعَ مَضْمُونٌ عليه بمِثْلِه حَيَوَانًا، فكذلك أبْعَاضُه. وكذلك إن أعْطَى الجازِرَ منها شيئا ضَمِنَه بمِثْلِه. وإن أطْعَمَ غَنِيًّا منها، على سَبِيلِ الهَدِيَّةِ، جَازَ، كما يجوزُ له ذلك فى الأُضْحِيَّةِ؛ لأنَّ ما مَلَكَ أكْلَه مَلَكَ هَدِيَّتَه. وإن بَاعَ شيئا منه (١٥)، أو أتْلَفَهُ، ضَمِنَه بمِثْلِه؛ لأنَّه مَمْنُوعٌ من ذلك، فأشْبَهَ عَطِيَّتَهُ لِلْجَازِر. وإن أَتْلَفَ أَجْنَبِىٌّ منه شيئا، ضَمِنَهُ بقِيمَتِه؛ لأنَّ المُتْلَفَ مِن غيرِ ذَوَاتِ الأمْثَالِ، فَلَزِمَتْهُ قِيمَتُه، كما لو أتْلَفَ لَحْمًا لآدَمِىٍّ مُعَيَّنٍ. فصل: والهَدْىُ الوَاجِبُ بغيرِ النَّذْرِ يَنْقَسِمُ قِسمَيْنِ؛ مَنْصُوصٌ عليه، ومَقِيسٌ على المَنْصُوصِ. فأمَّا المَنْصُوصُ عليه فأرْبَعَةٌ، اثنَانِ على التَّرْتِيبِ، والوَاجِبُ فيهما ما اسْتَيْسَرَ من الهَدْىِ، وأَقَلُّه شَاةٌ، أو سُبْعُ بَدَنَةٍ، أحدُهما دَمُ المُتْعَةِ، قال اللهُ تعالى: ﴿فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ وَسَبْعَةٍ إِذَا رَجَعْتُمْ﴾ (١٦). الثانى، دَمُ الإحْصَارِ، قال اللهُ تعالى: ﴿فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ﴾. وهو على التَّرْتِيب أَيْضًا، إن لم يَجِدْهُ انْتَقَلَ إلى صِيَامِ عَشَرَةِ أَيَّامٍ. [وإنَّما وَجَبَ تَرْتِيبُه؛ لأنَّ اللهَ تعالى أمَرَ به مُعَيَّنًا من غيرِ تَخْيِيرٍ، فاقْتَضَى تَعْيِينُه الوُجُوبَ (١٧)، وأن لا يَنْتَقِلَ عنه إلَّا عندَ العَجْزِ، كسَائِرِ الوَاجِبَاتِ المُعَيَّنَةِ، فإن لم يَجِدْهُ، انْتَقَلَ إلى صِيَامِ عَشَرَةِ أيَّامٍ] (١٨) بالقِيَاسِ على دَمِ المُتْعَةِ، إلَّا أنَّه لا يَحِلُّ حتى يَصُومَها. وهذا قَوْلُ الشَّافِعِىِّ. وقال مالِكٌ، وأبو حنيفةَ: لا بَدَلَ له، لأنَّه لم يُذْكَرْ فى القُرْآنِ. وهذا لا يَلْزَمُ، فإنَّ عَدَمَ ذِكْرِهِ

стр. 2590

لا يَمْنَعُ قِيَاسَه على نَظِيرِه. واثنانِ مُخَيَّرانِ، أحَدُهما، فِدْيَةُ الأذَى، قال اللهُ تعالى: ﴿فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ بِهِ أَذًى مِنْ رَأْسِهِ فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ﴾ (١٩). الثانى، جَزَاءُ الصَّيْدِ، وهو على التَّخْيِيرِ أيْضًا بِقَوْلِه تعالى: ﴿وَمَنْ قَتَلَهُ مِنْكُمْ مُتَعَمِّدًا فَجَزَاءٌ مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ يَحْكُمُ بِهِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ هَدْيًا بَالِغَ الْكَعْبَةِ أَوْ كَفَّارَةٌ طَعَامُ مَسَاكِينَ أَوْ عَدْلُ ذَلِكَ صِيَامًا﴾ (٢٠). القِسْمُ الثَّانِى، ما ليس بمَنْصُوصٍ (٢١) عليه، فيُقاسُ على أشْبَهِ المَنْصُوصِ عليه به، فهَدْىُ المُتْعَةِ وَجَبَ لِلتَّرَفُّهِ بِتَرْكِ أحَدِ السَّفَرَيْنِ، [فيُقاسُ على دَمِ المُتعَةِ هَدْىُ القِرَانِ؛ لأنّه فى معناه فى أنَّه وجَبَ لِلتَّرَفُّهِ بتَرْكِ أحَدِ السَّفَرَيْنِ] (٢٢)، وقَضَائِه النُّسُكَيْنِ (٢٣) فى سَفَرٍ وَاحِدٍ، ويُقاسُ عليه أيضًا دَمُ الفَوَاتِ، فيَجبُ عليه مثلُ دَمِ المُتْعَةِ. وبَدَلُه مثلُ بَدَلِه، وهو صِيَامُ عَشَرَةِ أيَّامٍ، إلَّا أنَّه لا يُمْكِنُ أن يَكُونَ ثلاثةً قبل يومِ النَّحْرِ، لأنَّ الفَوَاتَ إنَّما يكونُ بِفَواتِ لَيْلْةِ النَّحْرِ، لأنَّه تَرَكَ بعضَ ما اقْتَضاهُ إحْرَامُه، فصارَ كالتَّاركِ لأحَدِ السَّفَرَيْنِ. فإن قيل: فهَلَّا ألحَقْتُمُوهُ بِهَدْىِ الإحْصارِ، فإنَّه أشْبَهُ به، إذ هو أحَلَّ (٢٤) من إحْرَامِه قبلَ إتْمَامِهِ؟ قُلْنا: أمَّا الهَدْىُ فهُما فيه سَوَاءٌ، وأمَّا البَدَلُ فإنَّ الإحْصَارَ ليس بِمَنْصُوصٍ على البَدَلِ فيه، وإنَّما ثَبَتَ (٢٥) قِياسًا، فقياسُ هذا على الأَصْلِ المَنْصُوصِ عليه أوْلَى من قِياسِه على فَرْعِه، على أنَّ الصِّيَامَ هاهُنا مثلُ الصِّيَامِ عن دَمِ الإِحْصارِ، وهو عشرةُ أيَّامٍ أيضا، إلَّا أنَّ صِيَامَ الإِحْصَارِ يَجِبُ أن يكونَ قبلَ حِلِّه، وهذا يجوزُ فِعْلُه قبلَ حِلِّه وبعدَه، وهو أيضا

стр. 2591

مُقارِنٌ لِصَوْمِ المُتْعَةِ؛ لأنَّ الثَّلَاثَةَ فى المُتْعَةِ يُسْتَحَبُّ أن يكونَ آخِرُها يومَ عَرَفَةَ، وهذا يكونُ بعدَ فَوَاتِ عَرَفَةَ. والخِرَقِىُّ إنما جَعَلَ الصَّوْمَ عن هَدْىِ الفَوَاتِ مثلَ الصَّوْمِ عن جَزَاءِ الصَّيْدِ عن كل مُدٍّ يَوْمًا. والمَرْوِىُّ عن عمر وابنِه مثلُ (٢٦) ما ذَكَرْنا. ويُقَاسُ عليه أيْضًا كُلُّ دَمٍ وَجَبَ (٢٦) لِتَرْكِ وَاجِبٍ، كدَمِ القِرَانِ، وتَرْكِ الإِحْرَامِ من المِيقَاتِ، والوُقُوفِ بِعَرَفَةَ إلى غُرُوبِ الشَّمْسِ، والمَبِيتِ بِمُزْدَلِفَةَ، والرَّمْىِ، والمَبِيتِ لَيَالِىَ مِنًى بها، وطَوَافِ الوَدَاعِ، فالوَاجِبُ فيه ما اسْتَيْسَرَ من الهَدْىِ، فإن لم يَجِدْ فصِيامُ عشرةِ أيَّامٍ. وأمَّا مَن أفْسَدَ حَجَّهُ بِالجِمَاعِ فالوَاجِبُ فيه بَدَنَةٌ؛ بِقَوْلِ الصَّحابةِ المُنْتَشِرِ الذى لم يَظْهَرْ خِلافُه، فإن لم يَجِدْ فصِيامُ ثلاثةِ أيَّامٍ فى الحَجِّ وَسَبْعَةٍ إذا رَجَعَ، كصِيامِ المُتْعَةِ. كذلك قال عبدُ اللهِ بنُ عمرَ، وعبدُ اللهِ بن عَبّاسٍ، وعبدُ اللهِ بن عَمْرٍو. رَواهُ عنهم الأثْرَمُ. ولم يَظْهَرْ فى الصَّحابَةِ خِلافُهم، [فيكونُ إجْماعًا] (٢٧)، فيكونُ بَدَلُه مَقِيسًا على بَدَلِ دَمِ المُتْعَةِ. وقال أصْحابُنا: يُقَوِّمُ البَدَنَةَ بِدَرَاهِمَ، ثم يَشْتَرِى بها طَعَامًا فيُطْعِمُ كُلَّ مِسْكِينٍ مُدًّا، ويَصُومُ عن كُلِّ مُدٍّ يومًا، فتكونُ مُلْحَقَةً بِالبَدَنَةِ الوَاجِبَةِ فى جَزاءِ الصَّيْدِ. ويُقاسُ على فِدْيَةِ الأَذَى ما وَجَبَ بِفِعْلِ مَحْظُورٍ يَتَرَفَّهُ به، كتَقْلِيمِ الأظَافِرِ، واللُّبْسِ، والطِّيبِ. وكلُّ اسْتِمْتَاعٍ من النِّسَاءِ يُوجِبُ شَاةً كالوَطْءِ فى العُمْرَةِ أو فى الحَجِّ بعدَ رَمْىِ الجَمْرَةِ، فإنَّه فى مَعْنَى فِدْيَةِ الأَذَى من الوَجْهِ الذى ذَكَرْنَاه، فيُقَاسُ عليه، ويُلْحَقُ به، فقد قال ابنُ عَبّاسٍ لِامْرأةٍ وَقَعَ عليها زَوْجُها قبلَ أن تُقَصِّرَ: عَليكِ فِدْيَةٌ من صِيَامٍ أو صَدَقَةٍ أو نُسُكٍ. رَوَاهُ الأثْرَمُ (٢٨). ٦٩٦ - مسألة؛ قال: (وَكُلُّ هَدْىٍ أوْ إطْعَامٍ فَهُوَ لِمَسَاكِينِ الْحَرَمِ، إنْ

стр. 2592

قَدَرَ عَلَى إيصَالِه إلَيْهِمْ، إلَّا مَنْ أصَابَهُ أذًى مِنْ رَأسِهِ، فيفَرِّقُهُ عَلَى المَسَاكِينِ فِى المَوْضِع الَّذِى حَلَقَ فِيهِ (١)) أمَّا فِدْيَةُ الأذَى، فتجوزُ فى المَوْضِعِ الذى حَلَقَ فيه. نَصَّ عليه أحمدُ. وقال الشَّافِعِىُّ: لا تجوزُ إلَّا فى الحَرَمِ؛ لِقَوْلِه تعالى: ﴿ثُمَّ مَحِلُّهَا إِلَى الْبَيْتِ الْعَتِيقِ﴾ (٢). ولَنا، أنَّ النَّبِىَّ ﷺ أمَرَ كَعْبَ بن عُجْرَةَ بِالفِدْيَةِ بِالحُدَيْبيَةِ، ولم يَأْمُرْ ببَعْثِه إلى الحَرَمِ (٣). ورَوَى الأثْرَمُ، [وأبو إسحاقَ الجُوزَجانِىُّ] (٤)، فى "كِتَابَيْهِما" عن أبى أسْماءَ مَوْلَى عبدِ اللهِ بن جعفرٍ، قال: كنتُ مع عُثمانَ، وعلىٍّ، وحسين بن علىٍّ، رَضِىَ اللَّه عنهم، حُجَّاجًا، فاشْتَكَى حسينُ بن علىٍّ بِالسُّقْيَا، فأوْمَأَ بِيَدِه إلى رَأْسِه، فحَلَقَه علىٌّ، وَنحَرَ عنه جَزُورًا بِالسُّقْيَا. هذا لَفْظُ رِوايَةِ الأَثْرَمِ. ولم يُعْرَفْ لهم مُخالِفٌ. والآيةُ وَرَدَتْ فى الهَدْىِ، وظاهِرُ كلامِ الخِرَقِىِّ اخْتِصاصُ ذلك بِفِدْيَةِ الشَّعْرِ، وما عَداهُ من الدِّماءِ فبمَكَّةَ. وقال القاضى، فى الدِّمَاءِ الوَاجِبَةِ بِفِعْلِ مَحْظُورٍ، كاللِّبَاسِ والطِّيبِ: هى كدَمِ الحَلْقِ. وفى الجَمِيعِ رِوَايَتانِ؛ إحْدَاهُما، يَفْدِى حَيْثُ وُجِدَ سَبَبُه. والثانيةُ، محلُّ الجَمِيعِ الحَرَمُ. وأمَّا جَزَاءُ الصَّيْدِ فهو لِمَسَاكِينِ الحَرَمِ. نَصَّ عليه أحمدُ، فقال: أمَّا ما كان بِمَكَّةَ، أو كان من الصَّيْدِ، فَكُلُّه (٥) بمَكَّةَ؛ لأنَّ اللهَ تعالى قال: ﴿هَدْيًا بَالِغَ الْكَعْبَةِ﴾ (٦). وما كان من فِدْيَةِ الرَّأْسِ فَحيثُ حَلَقَه. وذَكَرَ القاضى فى قَتْلِ الصَّيْدِ رِوايَةً أُخْرَى، أنَّه يَفْدِى حيثُ قَتَلَه. وهذا يُخالِفُ نَصَّ الكِتابِ، ونَصَّ الإمامِ أحمدَ، فى التَّفْرِقَةِ بينَه وبينَ حَلْقِ الرَّأْسِ، فلا يُعَوَّلُ عليه. وما وَجَبَ

стр. 2593

لِتَرْكِ نُسُكٍ أو فواتٍ، فهو لِمَساكِينِ الحَرَمِ دونَ غيرِهم؛ لأنَّه هَدْىٌ وَجَبَ لِتَرْكِ نُسُكٍ، فأشْبَه هَدْىَ القِرَانِ. وإن فَعَلَ المَحْظُورَ لغيرِ سَبَبٍ يُبِيحُه، فذَكَرَ ابنُ عَقِيلٍ أنَّه يَخْتَصُّ ذَبْحُه وتَفْرِقَةُ لَحْمِه بِالحَرَمِ، كسائِرِ الهَدْىِ. فصل: وما وَجَبَ نَحْرُهُ بِالحَرَمِ، وَجَبَ تَفْرِقَةُ لَحْمِه به. وبهذا قال الشَّافِعِىُّ. وقال مالِكٌ، وأبو حنيفةَ: إذا ذَبَحَها فى الحَرَمِ، جازَ تَفْرِقَةُ لَحْمِها فى الحِلِّ. ولَنا، أنَّه أحَدُ مَقْصُودَىِ النُّسُكِ، فلم يَجُزْ فى الحِلِّ، كالذَّبْحِ، ولأنَّ المَعْقُولَ مِن ذَبْحِه بِالحَرَمِ التَّوْسِعَةُ على مَساكِينِه، وهذا لا يَحْصُلُ بإعْطاءِ غيرِهم، ولأنَّه نُسُكٌ يَخْتَصُّ بِالحَرَمِ، فكان جَمِيعُه مُخْتَصًّا به، كالطَّوَافِ، وسَائِرِ المَنَاسِكِ. فصل: والطَّعَامُ كَالهَدْىِ، يَخْتَصُّ بِمَساكِين الحَرَمِ فيما يَخْتَصُّ الهَدْىُ به (٧). وقال عَطاءٌ، والنَّخَعِىُّ: ما كان مِن هَدْىٍ فبمَكَّةَ، وما كان من طَعامٍ وصِيَامٍ فحيثُ شاءَ. وهذا يَقْتَضِيهِ مذهبُ مالِكٍ، وأبى حنيفةَ. ولَنا، قَوْلُ ابنِ عَبّاسٍ: الهَدْىُ والطَّعَامُ بمَكَّةَ، والصَّوْمُ حيثُ شاءَ. ولأنَّه نُسُكٌ يَتَعَدَّى نَفْعُه إلى المَساكِينِ فاخْتَصَّ بِالحَرَمِ، كالهَدْىِ. فصل: ومَساكِينُ الحَرَمِ (٨) مَن كان فيه من أهْلِه، أو وَارِدٍ إليه من الحَاجِّ وغيرِهم، الذين (٩) يجوزُ دَفعُ الزكاةِ إليهم. ولو دَفَعَ إلى مَن ظَاهِرُه الفَقْرُ، فبانَ غَنِيًّا، خُرِّجَ فيه وَجْهانِ كالزكاةِ. ولِلشَّافِعِىِّ فيه قَوْلانِ. وما جَازَ تَفْرِيقُه بغيرِ الحَرَمِ، لم يَجُزْ دَفْعُه إلى فُقَراءِ أهْلِ الذِّمَّةِ. وبهذا قال الشَّافِعِىُّ، وأبو ثَوْرٍ. وجَوَّزَه أصْحابُ الرَّأْىِ. ولَنا، أنَّه كَافِرٌ، فلم يَجُزِ الدَّفْعُ إليه، كالحَرْبِىِّ. فصل: وإذا نَذَرَ هَدْيًا وأطْلَقَ، فأقَلُّ ما يُجْزِئُه شَاةٌ، أو سُبْعُ بَدَنَةٍ أو بَقَرَةٍ؛

стр. 2594

لأنَّ المُطْلَقَ فى النَّذْرِ يَجِبُ حَمْلُه على المَعْهُودِ شَرْعًا، والهَدْىُ الواجِبُ فى الشَّرْعِ إنَّما هو من النَّعَمِ، وأَقَلُّه ما ذَكَرْنَاهُ، فحُمِلَ عليه، ولهذا لمَّا قالَ اللهُ تعالى فى المُتْعَةِ: ﴿فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ﴾ (١٠). حُمِلَ على ما قُلْنَا. فإن اخْتارَ إخْراجَ بَدَنَةٍ كامِلَةٍ، فهو أفْضَلُ، وهل تكونُ كلُّها وَاجبَةً؟ على وَجْهَيْنِ؛ أحدُهما، تكونُ وَاجِبَةً. اخْتارَه ابنُ عَقِيلٍ؛ لأنَّه اخْتارَ الأَعْلَى لأداءِ فَرْضِه، فكان كُلُّه وَاجِبًا، كما لو اخْتارَ الأعْلَى مِن خِصالِ كَفَّارَةِ اليَمِينِ أو كَفَّارَةِ الوَطْءِ فى الحَيْضِ. والثانى، يكونُ سُبْعُها وَاجِبًا، والباقِى تَطوُّعًا، له أكلُه وهَدِيَّتُه؛ لأنَّ الزَّائِدَ على السُّبْعِ يجوزُ تَرْكُه مِن غيرِ شَرْطٍ ولا بَدَلٍ، فأشْبَهَ ما لو ذَبَحَ شَاتَيْنِ. فإن عَيَّنَ الهَدْىَ بشىءٍ، لَزِمَه ما عَيَّنَه، وأجْزَأَه، سَوَاءٌ كان من بَهِيمَةِ الأنْعامِ أو مِن غيرِها، وسواءٌ كان حَيَوانًا أو غيرَه، مما يُنْقَلُ أو مِمَّا لا يُنْقَلُ؛ فإنَّ النَّبِىَّ ﷺ قال: "مَنْ رَاحَ" يَعْنِى إلى الجُمُعَةِ "فِى السَّاعَةِ الرَّابِعَةِ، فكَأنَّما قَرَّبَ دَجَاجَةً، وَمَنْ رَاحَ فى السَّاعَةِ الخَامِسَةِ، فَكأنَّما قَرَّبَ بَيْضَةً" (١١). فذَكَرَ الدَّجَاجَةَ والبَيْضَةَ فى الهَدْىِ. وعليه إيصالُه إلى فُقراءِ الحَرَمِ؛ لأنَّه سَمَّاه هَدْيًا، وأطْلَقَ، فيُحْمَلُ على مَحلِّ الهَدْىِ المَشْرُوعِ، وقد قال اللهُ تعالى: ﴿ثُمَّ مَحِلُّهَا إِلَى الْبَيْتِ الْعَتِيقِ﴾ (١٢). فإن كان مما لا يُنْقَلُ، كالعَقارِ، بَاعَهُ، وبَعَثَ ثَمَنَهُ إلى الحَرَمِ، فيَتَصَدَّقُ به فيه. فصل: وإن نَذَرَ هَدْيًا مُطْلَقًا أو مُعَيَّنًا، وأَطْلَقَ مَكَانَه، وَجَبَ عليه إيصالُه إلى مَساكِينِ الحَرَمِ. وجَوَّزَ أبو حنيفةَ ذَبْحَهُ حيثُ شاءَ، كما لو نَذَرَ الصَّدَقَةَ بِشاةٍ. ولَنا، قَوْلُه تعالى: ﴿ثُمَّ مَحِلُّهَا إِلَى الْبَيْتِ الْعَتِيقِ﴾. ولأنَّ النَّذْرَ (١٣) يُحْمَلُ على

стр. 2595

المَعْهُودِ شَرْعًا، والمَعْهُودُ فى الهَدْىِ الوَاجِبِ بِالشَّرْعِ، كَهَدْىِ المُتْعَةِ والقِرَانِ وأشْبَاهِهما، أنَّ ذَبْحَها يكونُ فى الحَرَمِ، كذا هاهُنا. وإن عَيَّنَ نَذْرَهُ بِمَوْضِعٍ غيرِ الحَرَمِ، لَزِمَه (١٤) ذَبْحُه به، وتَفْرِقَةُ لَحْمِه على [مَسَاكِينِ الحَرَمِ] (١٥)، أو إطْلَاقُه (١٦)؛ لما رُوِىَ أنَّ رَجُلا أتَى النَّبِىَّ ﷺ ، فقال: إنِّى نَذَرْتُ أن أَنْحَرَ بِبُوَانَةَ (١٧). قال: "أبِهَا صَنَمٌ؟ ". قال: لا. قال: "أوْفِ بِنَذْرِكَ". رَوَاهُ أبو دَاوُدَ (١٨). وإن نَذَرَ الذّبْحَ بمَوْضِعٍ به صَنَمٌ، أو شىءٌ من أمْرِ الكُفْرِ أو المَعاصِى، كبُيُوتِ النَّارِ، أو الكَنائِسِ والْبِيَعِ، وأشْباهِ ذلك، لم يَصِحَّ نَذْرُه، بمَفْهُومِ هذا الحَدِيثِ، ولأنَّه نَذْرُ مَعْصِيَةٍ، فلا يُوفَى به؛ لِقَوْلِ النَّبِىِّ ﷺ : "لا نَذْرَ فِى مَعْصِيَةِ اللهِ تَعَالَى، وَلَا فِيمَا لَا يَمْلِكُ ابْنُ آدَمَ" (١٩). وقَوْلِه: "مَنْ نَذَرَ أنْ يَعْصِىَ اللهَ فَلَا يَعْصِهِ" (٢٠). فصل: وقَوْلُ الخِرَقِىِّ: "إنْ قَدَرَ عَلَى إيصَالِهِ إلَيْهِمْ". يَدُلُّ على أنَّ العَاجِزَ عن إيصالِه لا يَلْزَمُه إيصَالُه، فإنَّ اللهَ لا يُكَلِّفُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا. فإن مُنِعَ النَّاذِرُ
следующие страницы →