مُقارِنٌ لِصَوْمِ المُتْعَةِ؛ لأنَّ الثَّلَاثَةَ فى المُتْعَةِ يُسْتَحَبُّ أن يكونَ آخِرُها يومَ عَرَفَةَ، وهذا يكونُ بعدَ فَوَاتِ عَرَفَةَ. والخِرَقِىُّ إنما جَعَلَ الصَّوْمَ عن هَدْىِ الفَوَاتِ مثلَ الصَّوْمِ عن جَزَاءِ الصَّيْدِ عن كل مُدٍّ يَوْمًا. والمَرْوِىُّ عن عمر وابنِه مثلُ (٢٦) ما ذَكَرْنا. ويُقَاسُ عليه أيْضًا كُلُّ دَمٍ وَجَبَ (٢٦) لِتَرْكِ وَاجِبٍ، كدَمِ القِرَانِ، وتَرْكِ الإِحْرَامِ من المِيقَاتِ، والوُقُوفِ بِعَرَفَةَ إلى غُرُوبِ الشَّمْسِ، والمَبِيتِ بِمُزْدَلِفَةَ، والرَّمْىِ، والمَبِيتِ لَيَالِىَ مِنًى بها، وطَوَافِ الوَدَاعِ، فالوَاجِبُ فيه ما اسْتَيْسَرَ من الهَدْىِ، فإن لم يَجِدْ فصِيامُ عشرةِ أيَّامٍ. وأمَّا مَن أفْسَدَ حَجَّهُ بِالجِمَاعِ فالوَاجِبُ فيه بَدَنَةٌ؛ بِقَوْلِ الصَّحابةِ المُنْتَشِرِ الذى لم يَظْهَرْ خِلافُه، فإن لم يَجِدْ فصِيامُ ثلاثةِ أيَّامٍ فى الحَجِّ وَسَبْعَةٍ إذا رَجَعَ، كصِيامِ المُتْعَةِ. كذلك قال عبدُ اللهِ بنُ عمرَ، وعبدُ اللهِ بن عَبّاسٍ، وعبدُ اللهِ بن عَمْرٍو. رَواهُ عنهم الأثْرَمُ. ولم يَظْهَرْ فى الصَّحابَةِ خِلافُهم، [فيكونُ إجْماعًا] (٢٧)، فيكونُ بَدَلُه مَقِيسًا على بَدَلِ دَمِ المُتْعَةِ. وقال أصْحابُنا: يُقَوِّمُ البَدَنَةَ بِدَرَاهِمَ، ثم يَشْتَرِى بها طَعَامًا فيُطْعِمُ كُلَّ مِسْكِينٍ مُدًّا، ويَصُومُ عن كُلِّ مُدٍّ يومًا، فتكونُ مُلْحَقَةً بِالبَدَنَةِ الوَاجِبَةِ فى جَزاءِ الصَّيْدِ. ويُقاسُ على فِدْيَةِ الأَذَى ما وَجَبَ بِفِعْلِ مَحْظُورٍ يَتَرَفَّهُ به، كتَقْلِيمِ الأظَافِرِ، واللُّبْسِ، والطِّيبِ. وكلُّ اسْتِمْتَاعٍ من النِّسَاءِ يُوجِبُ شَاةً كالوَطْءِ فى العُمْرَةِ أو فى الحَجِّ بعدَ رَمْىِ الجَمْرَةِ، فإنَّه فى مَعْنَى فِدْيَةِ الأَذَى من الوَجْهِ الذى ذَكَرْنَاه، فيُقَاسُ عليه، ويُلْحَقُ به، فقد قال ابنُ عَبّاسٍ لِامْرأةٍ وَقَعَ عليها زَوْجُها قبلَ أن تُقَصِّرَ: عَليكِ فِدْيَةٌ من صِيَامٍ أو صَدَقَةٍ أو نُسُكٍ. رَوَاهُ الأثْرَمُ (٢٨).
٦٩٦ - مسألة؛ قال: (وَكُلُّ هَدْىٍ أوْ إطْعَامٍ فَهُوَ لِمَسَاكِينِ الْحَرَمِ، إنْ
стр. 2592
قَدَرَ عَلَى إيصَالِه إلَيْهِمْ، إلَّا مَنْ أصَابَهُ أذًى مِنْ رَأسِهِ، فيفَرِّقُهُ عَلَى المَسَاكِينِ فِى المَوْضِع الَّذِى حَلَقَ فِيهِ (١))
أمَّا فِدْيَةُ الأذَى، فتجوزُ فى المَوْضِعِ الذى حَلَقَ فيه. نَصَّ عليه أحمدُ. وقال الشَّافِعِىُّ: لا تجوزُ إلَّا فى الحَرَمِ؛ لِقَوْلِه تعالى: ﴿ثُمَّ مَحِلُّهَا إِلَى الْبَيْتِ الْعَتِيقِ﴾ (٢). ولَنا، أنَّ النَّبِىَّ ﷺ أمَرَ كَعْبَ بن عُجْرَةَ بِالفِدْيَةِ بِالحُدَيْبيَةِ، ولم يَأْمُرْ ببَعْثِه إلى الحَرَمِ (٣). ورَوَى الأثْرَمُ، [وأبو إسحاقَ الجُوزَجانِىُّ] (٤)، فى "كِتَابَيْهِما" عن أبى أسْماءَ مَوْلَى عبدِ اللهِ بن جعفرٍ، قال: كنتُ مع عُثمانَ، وعلىٍّ، وحسين بن علىٍّ، رَضِىَ اللَّه عنهم، حُجَّاجًا، فاشْتَكَى حسينُ بن علىٍّ بِالسُّقْيَا، فأوْمَأَ بِيَدِه إلى رَأْسِه، فحَلَقَه علىٌّ، وَنحَرَ عنه جَزُورًا بِالسُّقْيَا. هذا لَفْظُ رِوايَةِ الأَثْرَمِ. ولم يُعْرَفْ لهم مُخالِفٌ. والآيةُ وَرَدَتْ فى الهَدْىِ، وظاهِرُ كلامِ الخِرَقِىِّ اخْتِصاصُ ذلك بِفِدْيَةِ الشَّعْرِ، وما عَداهُ من الدِّماءِ فبمَكَّةَ. وقال القاضى، فى الدِّمَاءِ الوَاجِبَةِ بِفِعْلِ مَحْظُورٍ، كاللِّبَاسِ والطِّيبِ: هى كدَمِ الحَلْقِ. وفى الجَمِيعِ رِوَايَتانِ؛ إحْدَاهُما، يَفْدِى حَيْثُ وُجِدَ سَبَبُه. والثانيةُ، محلُّ الجَمِيعِ الحَرَمُ. وأمَّا جَزَاءُ الصَّيْدِ فهو لِمَسَاكِينِ الحَرَمِ. نَصَّ عليه أحمدُ، فقال: أمَّا ما كان بِمَكَّةَ، أو كان من الصَّيْدِ، فَكُلُّه (٥) بمَكَّةَ؛ لأنَّ اللهَ تعالى قال: ﴿هَدْيًا بَالِغَ الْكَعْبَةِ﴾ (٦). وما كان من فِدْيَةِ الرَّأْسِ فَحيثُ حَلَقَه. وذَكَرَ القاضى فى قَتْلِ الصَّيْدِ رِوايَةً أُخْرَى، أنَّه يَفْدِى حيثُ قَتَلَه. وهذا يُخالِفُ نَصَّ الكِتابِ، ونَصَّ الإمامِ أحمدَ، فى التَّفْرِقَةِ بينَه وبينَ حَلْقِ الرَّأْسِ، فلا يُعَوَّلُ عليه. وما وَجَبَ
стр. 2593
لِتَرْكِ نُسُكٍ أو فواتٍ، فهو لِمَساكِينِ الحَرَمِ دونَ غيرِهم؛ لأنَّه هَدْىٌ وَجَبَ لِتَرْكِ نُسُكٍ، فأشْبَه هَدْىَ القِرَانِ. وإن فَعَلَ المَحْظُورَ لغيرِ سَبَبٍ يُبِيحُه، فذَكَرَ ابنُ عَقِيلٍ أنَّه يَخْتَصُّ ذَبْحُه وتَفْرِقَةُ لَحْمِه بِالحَرَمِ، كسائِرِ الهَدْىِ.
فصل: وما وَجَبَ نَحْرُهُ بِالحَرَمِ، وَجَبَ تَفْرِقَةُ لَحْمِه به. وبهذا قال الشَّافِعِىُّ. وقال مالِكٌ، وأبو حنيفةَ: إذا ذَبَحَها فى الحَرَمِ، جازَ تَفْرِقَةُ لَحْمِها فى الحِلِّ. ولَنا، أنَّه أحَدُ مَقْصُودَىِ النُّسُكِ، فلم يَجُزْ فى الحِلِّ، كالذَّبْحِ، ولأنَّ المَعْقُولَ مِن ذَبْحِه بِالحَرَمِ التَّوْسِعَةُ على مَساكِينِه، وهذا لا يَحْصُلُ بإعْطاءِ غيرِهم، ولأنَّه نُسُكٌ يَخْتَصُّ بِالحَرَمِ، فكان جَمِيعُه مُخْتَصًّا به، كالطَّوَافِ، وسَائِرِ المَنَاسِكِ.
فصل: والطَّعَامُ كَالهَدْىِ، يَخْتَصُّ بِمَساكِين الحَرَمِ فيما يَخْتَصُّ الهَدْىُ به (٧). وقال عَطاءٌ، والنَّخَعِىُّ: ما كان مِن هَدْىٍ فبمَكَّةَ، وما كان من طَعامٍ وصِيَامٍ فحيثُ شاءَ. وهذا يَقْتَضِيهِ مذهبُ مالِكٍ، وأبى حنيفةَ. ولَنا، قَوْلُ ابنِ عَبّاسٍ: الهَدْىُ والطَّعَامُ بمَكَّةَ، والصَّوْمُ حيثُ شاءَ. ولأنَّه نُسُكٌ يَتَعَدَّى نَفْعُه إلى المَساكِينِ فاخْتَصَّ بِالحَرَمِ، كالهَدْىِ.
فصل: ومَساكِينُ الحَرَمِ (٨) مَن كان فيه من أهْلِه، أو وَارِدٍ إليه من الحَاجِّ وغيرِهم، الذين (٩) يجوزُ دَفعُ الزكاةِ إليهم. ولو دَفَعَ إلى مَن ظَاهِرُه الفَقْرُ، فبانَ غَنِيًّا، خُرِّجَ فيه وَجْهانِ كالزكاةِ. ولِلشَّافِعِىِّ فيه قَوْلانِ. وما جَازَ تَفْرِيقُه بغيرِ الحَرَمِ، لم يَجُزْ دَفْعُه إلى فُقَراءِ أهْلِ الذِّمَّةِ. وبهذا قال الشَّافِعِىُّ، وأبو ثَوْرٍ. وجَوَّزَه أصْحابُ الرَّأْىِ. ولَنا، أنَّه كَافِرٌ، فلم يَجُزِ الدَّفْعُ إليه، كالحَرْبِىِّ.
فصل: وإذا نَذَرَ هَدْيًا وأطْلَقَ، فأقَلُّ ما يُجْزِئُه شَاةٌ، أو سُبْعُ بَدَنَةٍ أو بَقَرَةٍ؛
стр. 2594
لأنَّ المُطْلَقَ فى النَّذْرِ يَجِبُ حَمْلُه على المَعْهُودِ شَرْعًا، والهَدْىُ الواجِبُ فى الشَّرْعِ إنَّما هو من النَّعَمِ، وأَقَلُّه ما ذَكَرْنَاهُ، فحُمِلَ عليه، ولهذا لمَّا قالَ اللهُ تعالى فى المُتْعَةِ: ﴿فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ﴾ (١٠). حُمِلَ على ما قُلْنَا. فإن اخْتارَ إخْراجَ بَدَنَةٍ كامِلَةٍ، فهو أفْضَلُ، وهل تكونُ كلُّها وَاجبَةً؟ على وَجْهَيْنِ؛ أحدُهما، تكونُ وَاجِبَةً. اخْتارَه ابنُ عَقِيلٍ؛ لأنَّه اخْتارَ الأَعْلَى لأداءِ فَرْضِه، فكان كُلُّه وَاجِبًا، كما لو اخْتارَ الأعْلَى مِن خِصالِ كَفَّارَةِ اليَمِينِ أو كَفَّارَةِ الوَطْءِ فى الحَيْضِ. والثانى، يكونُ سُبْعُها وَاجِبًا، والباقِى تَطوُّعًا، له أكلُه وهَدِيَّتُه؛ لأنَّ الزَّائِدَ على السُّبْعِ يجوزُ تَرْكُه مِن غيرِ شَرْطٍ ولا بَدَلٍ، فأشْبَهَ ما لو ذَبَحَ شَاتَيْنِ. فإن عَيَّنَ الهَدْىَ بشىءٍ، لَزِمَه ما عَيَّنَه، وأجْزَأَه، سَوَاءٌ كان من بَهِيمَةِ الأنْعامِ أو مِن غيرِها، وسواءٌ كان حَيَوانًا أو غيرَه، مما يُنْقَلُ أو مِمَّا لا يُنْقَلُ؛ فإنَّ النَّبِىَّ ﷺ قال: "مَنْ رَاحَ" يَعْنِى إلى الجُمُعَةِ "فِى السَّاعَةِ الرَّابِعَةِ، فكَأنَّما قَرَّبَ دَجَاجَةً، وَمَنْ رَاحَ فى السَّاعَةِ الخَامِسَةِ، فَكأنَّما قَرَّبَ بَيْضَةً" (١١). فذَكَرَ الدَّجَاجَةَ والبَيْضَةَ فى الهَدْىِ. وعليه إيصالُه إلى فُقراءِ الحَرَمِ؛ لأنَّه سَمَّاه هَدْيًا، وأطْلَقَ، فيُحْمَلُ على مَحلِّ الهَدْىِ المَشْرُوعِ، وقد قال اللهُ تعالى: ﴿ثُمَّ مَحِلُّهَا إِلَى الْبَيْتِ الْعَتِيقِ﴾ (١٢). فإن كان مما لا يُنْقَلُ، كالعَقارِ، بَاعَهُ، وبَعَثَ ثَمَنَهُ إلى الحَرَمِ، فيَتَصَدَّقُ به فيه.
فصل: وإن نَذَرَ هَدْيًا مُطْلَقًا أو مُعَيَّنًا، وأَطْلَقَ مَكَانَه، وَجَبَ عليه إيصالُه إلى مَساكِينِ الحَرَمِ. وجَوَّزَ أبو حنيفةَ ذَبْحَهُ حيثُ شاءَ، كما لو نَذَرَ الصَّدَقَةَ بِشاةٍ. ولَنا، قَوْلُه تعالى: ﴿ثُمَّ مَحِلُّهَا إِلَى الْبَيْتِ الْعَتِيقِ﴾. ولأنَّ النَّذْرَ (١٣) يُحْمَلُ على
стр. 2595
المَعْهُودِ شَرْعًا، والمَعْهُودُ فى الهَدْىِ الوَاجِبِ بِالشَّرْعِ، كَهَدْىِ المُتْعَةِ والقِرَانِ وأشْبَاهِهما، أنَّ ذَبْحَها يكونُ فى الحَرَمِ، كذا هاهُنا. وإن عَيَّنَ نَذْرَهُ بِمَوْضِعٍ غيرِ الحَرَمِ، لَزِمَه (١٤) ذَبْحُه به، وتَفْرِقَةُ لَحْمِه على [مَسَاكِينِ الحَرَمِ] (١٥)، أو إطْلَاقُه (١٦)؛ لما رُوِىَ أنَّ رَجُلا أتَى النَّبِىَّ ﷺ ، فقال: إنِّى نَذَرْتُ أن أَنْحَرَ بِبُوَانَةَ (١٧). قال: "أبِهَا صَنَمٌ؟ ". قال: لا. قال: "أوْفِ بِنَذْرِكَ". رَوَاهُ أبو دَاوُدَ (١٨). وإن نَذَرَ الذّبْحَ بمَوْضِعٍ به صَنَمٌ، أو شىءٌ من أمْرِ الكُفْرِ أو المَعاصِى، كبُيُوتِ النَّارِ، أو الكَنائِسِ والْبِيَعِ، وأشْباهِ ذلك، لم يَصِحَّ نَذْرُه، بمَفْهُومِ هذا الحَدِيثِ، ولأنَّه نَذْرُ مَعْصِيَةٍ، فلا يُوفَى به؛ لِقَوْلِ النَّبِىِّ ﷺ : "لا نَذْرَ فِى مَعْصِيَةِ اللهِ تَعَالَى، وَلَا فِيمَا لَا يَمْلِكُ ابْنُ آدَمَ" (١٩). وقَوْلِه: "مَنْ نَذَرَ أنْ يَعْصِىَ اللهَ فَلَا يَعْصِهِ" (٢٠).
فصل: وقَوْلُ الخِرَقِىِّ: "إنْ قَدَرَ عَلَى إيصَالِهِ إلَيْهِمْ". يَدُلُّ على أنَّ العَاجِزَ عن إيصالِه لا يَلْزَمُه إيصَالُه، فإنَّ اللهَ لا يُكَلِّفُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا. فإن مُنِعَ النَّاذِرُ
стр. 2596
الوُصُولَ بِنَفْسِه، وأمْكَنَه تَنْفِيذُه، لَزِمَهُ. قال ابنُ عَقِيلٍ: إذا حُصِرَ عن الخُرُوجِ خُرِّجَ فى ذَبْحِ هذا الهَدْىِ المَنْذُورِ فى مَوْضِعِ حَصْرِه رِوَايَتانِ، كدِمَاءِ الحَجِّ. واخْتَارَ أنَّ الصَّحِيحَ جَوازُ ذَبْحِه فى مَوْضِعِ حَصْرِه؛ لأنَّ النَّبِىَّ ﷺ نَحَرَ هَدْيَه بِالحُدَيْبِيَةِ. والثانية، إن أَمْكَنَ إرْسَالُه مع غيرِه، فلا يجوزُ له ذَبْحُه فى مَوْضِعِه؛ لأنَّه أمْكَنَه إيصالُ المَنْذُورِ إلى مَحِلِّه، فلَزِمَه، كغيرِ المَحْصُورِ.
٦٩٧ - مسألة؛ قال: (وَأَمَّا الصِّيَامُ فَيُجْزِئُهُ بِكُلِّ مَكَانٍ)
لا نَعْلَمُ فى هذا خِلَافًا. كذلك قال ابنُ عَبَّاسٍ، وعَطاءٌ، والنَّخَعِىُّ، وغيرُهم؛ وذلك لأنَّ الصِّيَامَ لا يَتَحَدَّى نَفْعُه إلى أحَدٍ، فلا مَعْنَى لِتَخْصِيصِه بِمَكانٍ، بِخِلافِ الهَدْىِ والإِطْعَامِ، فإنَّ نَفْعَه يَتَعَدَّى إلى مَن يُعْطاه.
فصل: ويُسَنُّ تَقْلِيدُ الهَدْىِ، وهو أن يَجْعَلَ فى أعْناقِها النِّعال، وآذانَ الْقِرَبِ، وعُرَاهَا، أو عِلاقةَ إدَاوَةٍ (١). وسَوَاءٌ كانت إِبِلًا، أو بَقَرًا، أو غَنَمًا. وقال مَالِكٌ، وأبو حنيفةَ: لا يُسَنُّ تَقْلِيدُ الغَنَمِ؛ لأنَّه لو كان سُنَّةً لنُقِلَ كما نُقِلَ فى الإِبِل. ولَنا، أنَّ عائشةَ قالت: كنتُ أفْتِلُ القَلاِئدَ لِلنَّبِىِّ ﷺ ، فيُقَلِّدُ الغَنَمَ، ويُقيمُ فى أهْلِه حلالًا. وفى لَفْظٍ: كنتُ أفْتِلُ قَلَائِدَ الغَنَمِ للنَّبِىِّ ﷺ . رَوَاهُ البُخَارِىُّ (٢). ولأنَّه هَدْىٌ، فيُسَنُّ تَقْلِيدُه كالإِبِلِ، ولأنَّه إذا سُنَّ تَقْلِيدُ الإِبِلِ مع إمْكَانِ تَعْرِيفِها بالإشْعَارِ، فالغَنَمُ أوْلَى، وليس التَّساوِى فى النَّقْلِ شَرْطًا لِصِحَّةِ
стр. 2597
الحَدِيثِ، ولأنَّه كان يُهْدِى الإبِلَ أَكْثَرَ، فكَثُرَ نَقْلُه.
فصل: ويُسَنُّ إشْعارُ الإِبِلِ والبَقَرِ، وهو أن يَشُقَّ صَفْحَةَ سَنَامِها الأيْمَنِ حتى يُدْمِيَها، فى قَوْلِ عَامَّةِ أهْلِ العِلْمِ. وقال أبو حنيفةَ: هذا مُثْلَةٌ غيرُ جَائِزٍ؛ لأنَّ النَّبِىَّ ﷺ نَهَى عن تَعْذِيبِ الحَيَوَانِ (٣)، ولأنَّه إِيلَامٌ، فهو كقَطْعِ عُضْوٍ منه. وقال مَالِكٌ: إن كانت البَقَرَةُ ذَاتَ سَنَامٍ، فلا بَأْسَ بإشْعَارِها، وإلَّا فلا. ولَنا، ما رَوَتْ عائشةُ، رَضِىَ اللهُ عنها، قالت: فَتَلْتُ قَلَائِدَ هَدْىِ النَّبِىِّ ﷺ ، ثم أشْعَرَها وقَلَّدَها. مُتَّفَقٌ عليه (٤). رَوَاهُ ابنُ عَبّاسٍ، وغيرُه، وفَعَلَهُ الصَّحَابَةُ، فيَجِبُ تَقْدِيمُه على عُمُومِ ما احْتَجُّوا به، ولأنَّه إيلَامٌ لِغَرَضٍ صَحِيحٍ، فجازَ، كالكَىِّ، والوَسْمِ، والفَصْدِ، والحِجَامَةِ. والغَرَضُ أن لا تَخْتَلِطَ (٥) بِغَيْرِهَا، وأن يَتَوَقَّاهَا اللِّصُّ، ولا يَحْصُلُ ذلك بِالتَّقْلِيدِ؛ لأنَّه يَحْتَمِلُ أن يَنْحَلَّ ويَذْهَبَ. وقِياسُهم مُنْتَقِضٌ بِالكَىِّ والوَسْمِ. وتُشْعَرُ البَقَرَةُ؛ لأنَّها من البُدْنِ، فتُشْعَرُ كذاتِ السَّنَامِ. وأمَّا الغَنَمُ فلا يُسَنُّ إشْعَارُها؛ لأنَّها ضَعِيفَةٌ، وَصُوفُهَا وشَعْرُهَا يَسْتُرُ مَوْضِعَ إشْعَارِها. إذا ثَبَتَ هذا فالسُّنَّةُ الإِشْعارُ فى صَفْحَتِها اليُمْنَى. وبهذا قال الشَّافِعِىُّ، وأبو ثَوْرٍ. وقال مَالِكٌ، وأبو يوسفَ: بل تُشْعَرُ فى صَفْحَتِها اليُسْرَى. وعن أحمدَ
стр. 2598
مِثْلُه؛ لأنّ ابنَ عمرَ فَعَلَهُ. ولنا، ما رَوَى ابنُ عَبّاسٍ، أنَّ النَّبِىَّ ﷺ صَلَّى بِذِى الحُلَيْفةِ، ثم دَعَا بِبَدَنَةٍ وأَشْعَرَها من صَفْحَةِ سَنَامِها الأَيْمَنِ، وسَلَتَ الدَّمَ عنها بِيَدِهِ. رَوَاهُ مُسْلِمٌ (٦). وأمَّا ابنُ عمرَ فقد رُوِىَ عنه كمَذْهَبِنا. رَوَاهُ البُخَارِىُّ (٧). ثم فِعْلُ النَّبِىِّ ﷺ أوْلَى من قَوْلِ ابنِ عمرَ وفِعْلِه بلا خِلَافٍ، ولأنَّ النَّبِىَّ ﷺ كان يُعْجِبُه التَّيَمُّن فى شَأْنِه كُلِّه (٨). وإذا سَاقَ الهَدْىَ من قبلِ المِيقَاتِ، اسْتُحِبَّ إشْعارُهُ وتَقْلِيدُه من المِيقَاتِ؛ لِحَدِيثِ ابنِ عَبّاسٍ. وإن تَرَكَ الإشْعَارَ والتَّقْلِيدَ فلا بَأْسَ؛ لأنَّ ذلك غيرُ وَاجِبٍ.
فصل: ولا يُسَنُّ الهَدْىُ إلَّا مِن بَهِيمَةِ الأنْعامِ؛ لِقَوْلِ اللهِ تعالى: ﴿وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَعْلُومَاتٍ عَلَى مَا رَزَقَهُمْ مِنْ بَهِيمَةِ الْأَنْعَامِ فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْبَائِسَ الْفَقِيرَ﴾ (٩). وأفْضَلُه الإِبِلُ، ثم البَقَرُ، ثم الغَنَمُ؛ لما رَوَى أبو هُرَيْرَةَ أنَّ رسولَ اللهِ ﷺ قال: "مَنِ اغْتَسَلَ يَوْمَ الجُمُعَةِ غُسْلَ الجَنَابَةِ، ثُمَّ رَاحَ، فَكَأَنَّما قَرَّبَ بَدَنَةً، وَمَنْ رَاحَ فى السَّاعَةِ الثَّانِيَةِ فَكَأنَّما قَرَّبَ بَقَرَةً، وَمَنْ رَاحَ فِى السَّاعَةِ الثَّالِثَةِ فَكَأنَّما قَرَّبَ كَبْشًا أقْرَنَ، وَمَنْ رَاحَ فى السَّاعَةِ الرَّابِعَةِ فَكَأَنَّما قَرَّبَ دَجَاجَةً، وَمَنْ رَاحَ فى السَّاعَةِ الخَامِسَةِ فَكَأنَّما قَرَّبَ بَيْضَةً". مُتَّفَقٌ عليه (١٠). وقال ابنُ عَبَّاسٍ لِامْرأَةٍ أصَابَها زَوْجُها فى العُمْرَةِ: عَلَيْكِ فِدْيَةٌ من صِيَامٍ، أو
стр. 2599
صَدَقَةٍ، أو نُسُكٍ. قالتْ: أىُّ النُّسُكِ أفْضَلُ؟ قال: إن شِئْتِ فناقَةٌ، وإن شِئْتِ فبَقَرَةٌ. قالتْ: أىُّ ذلك أفْضَلُ؟ قال: انْحَرِى نَاقَةً. رَوَاهُ الأثْرَمُ (١١). ولأنَّ ما كان أكْثَرَ لَحْمًا كان أَنْفَعَ لِلْفُقَرَاءِ، ولذلك أجْزَأَتِ البَدَنَةُ مَكَانَ سَبْعٍ من الغَنَمِ، والشَّاةُ أفْضَلُ من سُبْعِ بَدَنَةٍ؛ لأنَّ لَحْمَها أطْيَبُ، والضَّأْنُ أَفْضَلُ من المَعْزِ لذلك.
فصل: والذَّكَرُ والأُنْثَى [فى الهَدْىِ] (١٢) سَوَاءٌ. وممَّن أجازَ ذُكْرانَ الإِبِلِ ابنُ المُسَيَّبِ، وعمرُ بن عبدِ العزيزِ، ومالِكٌ، وعَطاءٌ، والشَّافِعِىُّ. وعن ابنِ عمرَ، أنَّه قال: ما رَأَيْتُ أحَدًا فاعِلًا ذلك، وأن أَنْحَرَ أُنْثَى أَحَبُّ إلَىَّ. والأوَّلُ أَوْلَى؛ لأنَّ اللهَ تعالى قال: ﴿وَالْبُدْنَ جَعَلْنَاهَا لَكُمْ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ﴾ (١٣). ولم يَذْكُرْ ذَكَرًا ولا أُنْثَى، وقد ثَبَتَ أنَّ النَّبِىَّ ﷺ أهْدَى جَمَلًا لأبى جَهْلٍ، فى أنْفِهِ بُرَةٌ (١٤) مِنْ فِضَّةٍ. رَوَاهُ أبو دَاوُدَ، وابنُ مَاجَه (١٥). ولأنَّه يجوزُ من سائِرِ أَنْواعِ بَهِيمَةِ الأنْعامِ، ولذلك قال النَّبِىُّ ﷺ : "فَكَأَنَّما قَرَّبَ كَبْشًا أَقْرَنَ". فكذلك مِن الإِبِلِ، ولأنَّ القَصْدَ اللَّحْمُ، ولَحْمُ الذَّكَرِ أَوْفَرُ، ولَحْمُ الأُنْثَى أَرْطَبُ، فيتَسَاوَيانِ. قال أحْمَدُ: الخَصِىُّ أَحَبُّ إلينا من النَّعْجَةِ. وذلك لأنَّ لَحْمَهُ أوْفَرُ وأطْيَبُ.
٦٩٨ - مسألة؛ قال: (وَمَنْ وَجَبَتْ عَلَيْه بَدَنَةٌ، فَذَبَحَ سَبْعًا مِنَ الغَنَمِ، أجْزَأهُ)
وظَاهِرُ هذا أنَّ سَبْعًا من الغَنَمِ يُجْزِئُ عن البَدَنَةِ مع القُدْرَةِ عليها، سَواءٌ كانت
стр. 2600
البَدَنَةُ وَاجِبَةً بِنَذْرٍ، أو جَزَاءِ صَيْدٍ، أو كَفَّارَةِ وَطْءٍ. وقال ابنُ عَقِيلٍ: إنَّما يُجْزِئُ ذلك عنها عندَ عَدَمِها، فى ظَاهِرِ كَلَامِ أحمدَ؛ لأنَّ ذلك بَدَلٌ عنها، فلا يُصارُ إليه مع وُجُودِها، كسائِرِ الأَبْدالِ. فأمَّا مع عَدَمِها فيجوزُ؛ لما رَوَى ابنُ عَبّاسٍ، قال: أتَى النَّبِىَّ ﷺ رَجُلٌ، فقال: إنَّ عَلَىَّ بَدَنَةً، وأنا مُوسِرٌ بها (١)، ولا أجِدُهَا فأشْتَرِيَها. فأَمَرَه النَّبِىُّ ﷺ أن يَبْتَاعَ سَبْعَ شِيَاهٍ فيَذْبَحَهُنَّ. رَوَاهُ ابنُ مَاجَه (٢). ولَنا، أنَّ الشَّاةَ مَعْدُولَةٌ بِسُبْعِ بَدَنَةٍ، وهى أطْيَبُ لَحْمًا، فإذا عَدَلَ عن الأدْنَى إلى الأعْلَى جَازَ، كما لو ذَبَحَ بَدَنَةً مَكَانَ شَاةٍ.
فصل: ومن وَجَبَ عليه سَبْعٌ من الغَنَمِ فى جَزَاءِ الصَّيْدِ، لم يُجْزِئْهُ بَدَنَةٌ فى الظَّاهِرِ؛ لأنَّ سَبْعًا من الغنَمِ أطْيَبُ لَحْمًا، فلا يُعْدَلُ عن الأعْلَى إلى الأدْنَى، وإن كان ذلك فى كَفَّارَةِ مَحْظُورٍ، أجْزَأَهُ بَدَنَةٌ؛ لأنَّ الدَّمَ الوَاجِبَ فيه مَا اسْتَيْسَرَ من الهَدْىِ، وهو شَاةٌ، أو سُبْعُ بَدَنَةٍ، وقد كان أصْحابُ النَّبِىِّ ﷺ يَتَمَتَّعُونَ، فيَذْبَحُونَ البَقَرَةَ عن سَبْعَةٍ، قال جَابِرٌ: كُنَّا نَتَمَتَّعُ مع رسولِ اللَّه ﷺ ، فنَذْبَحُ البَقَرَةَ عن سَبْعَةٍ، نَشْتَرِكُ فيها. وفى لَفْظٍ: أمَرَنَا رسولُ اللهِ ﷺ أن نَشْتَرِكَ فى الإِبِل والبَقَرِ، كُلُّ سَبْعَةٍ مِنَّا فى بَدَنَةٍ. رَوَاهُ مُسْلِمٌ (٣).
فصل: ومَن وَجَبَتْ عليه بَقَرَةٌ، أجْزَأَتْهُ بَدَنَةٌ: لأنَّها أكْثَرُ لَحْمًا وأوْفَرُ. ويُجْزِئُهُ سَبْعٌ من الغَنَمِ؛ لأنَّها تُجْزِئُ عن البَدَنَةِ، فعن البَقَرَةِ أوْلَى. ومن لَزِمَهُ بَدَنَةٌ، فى غيرِ النَّذْرِ وجَزَاءِ الصَّيْدِ، أجْزَأَتْه بَقَرَةٌ؛ لما رَوَى أبو الزُّبَيْرِ، عن
стр. 2601
جَابِرٍ، قال: كُنَّا نَنْحَرُ البَدَنَةَ عن سَبْعَةٍ. فَقِيلَ له: والبَقَرَةُ؟ فقال: وهَلْ هى إلَّا من البُدْنِ! فأمَّا فى النَّذْرِ، فقال ابنُ عَقِيلٍ: يَلْزَمُه ما نَوَاهُ. فإن أطْلَقَ، ففيه (٤) رِوَايتانِ؛ إحْدَاهُما، تُجْزِئُه البَقَرَةُ؛ لما ذَكَرْنا من الخَبَرِ. والأُخْرَى، لا تُجْزِئُه إلَّا أنْ يَعْدَمَ البَدَنَةَ. وهذا قَوْلُ الشَّافِعِىِّ؛ لأنَّها بَدَلٌ، فاشْتُرِطَ عَدَمُ المُبْدَلِ. والأُولَى (٥) أوْلَى؛ لِلْخَبَرِ، ولأنَّ ما أجْزَأَ عن سَبْعَةٍ فى الهَدَايَا ودَمِ المُتْعَةِ، أجْزَأَ فى النَّذْرِ بِلَفْظِ البَدَنَةِ، كالجَزُورِ.
فصل: ويجوزُ أن يَشْتَرِكَ السَّبْعَةُ فى البَدَنَةِ والبَقَرَةِ، سواءٌ كان وَاجِبًا أو تَطَوُّعًا، وسَوَاءٌ أرَادَ جَمِيعُهم القُرْبَةَ، أو بَعْضُهم، وأرَادَ البَاقُونَ اللَّحْمَ. وقال مَالِكٌ: لا يجوزُ الاشْتِرَاكُ فى الهَدْىِ. وقال أبو حنيفةَ: يجوزُ إذا كانوا مُتَقَرِّبين (٦) كلُّهم، ولا يجوزُ إذا لم يُرِدْ بَعْضُهم القُرْبَةَ. وحَدِيثُ جابِرٍ يَرُدُّ قَوْلَ مَالِكٍ. ولَنا على أبى حنيفةَ، أنَّ الجُزْءَ (٧) المُجْزِىَ لا يَنْقُصُ بِإرَادَةِ الشَّريكِ غيرَ القُرْبَةِ، فَجازَ، كما لو اخْتَلَفَتْ جهاتُ القُرَبِ، فأرادَ بَعْضُهُم المُتْعَةَ والآخَرُ القِرَانَ، ويجوزُ أن يَقْتَسِمُوا اللَّحْمَ؛ لأنَّ القِسْمَةَ إفْرَازُ حَقٍّ، وليستْ بَيْعًا.
٦٩٩ - مسألة؛ قال: (وَمَا لَزِمَ مِنَ الدِّمَاءِ، فَلَا يُجْزِئُ إلَّا الْجَذَعُ مِنَ الضَّأْنِ والثَّنِىُّ مِنْ غَيْرِهِ)
هذا فى غيرِ جَزاءِ الصَّيْدِ، فأمَّا جَزاءُ الصَّيْدِ، فمنه جَفْرَةٌ وعَنَاقٌ وجَدْىٌ وصَحِيحٌ ومَعِيبٌ، وأمَّا فى غيرِه، مثلِ هَدْىِ المُتْعَةِ وغيرِه، فلا يُجْزِئُ إلَّا الجَذَعُ مِن الضَّأْنِ، وهو الذى له سِتَّةُ أشْهُرٍ، والثَّنِىُّ مِن غيرِه، وثَنِىُّ المَعْزِ ما لَهُ سَنَةٌ،
стр. 2602
وثَنِىُّ البَقَرِ مالَهُ سَنَتَانِ، وَثَنِىُّ الإِبِلِ ما له خَمْسُ سِنِينَ. وبهذا قال مالِكٌ، واللَّيْثُ، والشَّافِعِىُّ، وإسحاقُ، وأبو ثَوْرٍ، وأصْحابُ الرَّأْىِ. وقال ابنُ عمرَ، والزُّهْرِىُّ: لا يُجْزِئُ إلَّا الثَّنِىُّ مِن كُلِّ شىءٍ. وقال عَطاءٌ، والأوْزاعِىُّ: يُجْزِئُ الجَذَعُ مِن الكُلِّ، إلَّا المَعْزَ. ولَنا على الزُّهْرِىِّ، ما رُوِىَ عن أُمِّ بلالٍ بنت هِلالٍ، عن أبِيها، أنَّ رسولَ اللهِ ﷺ قال: "يَجُوزُ (١) الْجَذَعُ مِنَ الضَّأْنِ أُضْحِيَّةً". وعن عاصِمِ ابن كُلَيْبٍ، قال: كُنَّا مع رجلٍ مِن أصْحابِ رسولِ اللَّه ﷺ ، يُقالُ له مُجَاشِعٌ، مِن بَنِى سُلَيْمٍ، فعَزَّتِ الغَنَمُ، فأمَرَ مُنَادِيًا فنَادَى: إنَّ رسولَ اللهِ ﷺ كان يقولُ: "إنَّ الْجَذَعَ يُوفِى مَا تُوفِى مِنْهُ الثَّنِيَّةُ". وعن جابِرٍ، قال: قال رسولُ اللهِ ﷺ : "لَا تَذْبَحُوا إلَّا مُسِنَّةً، إلَّا أنْ يَعْسُرَ عَلَيْكُمْ فَتَذْبَحُوا جَذَعًا مِنَ الضَّأْنِ". رَوَاهُنَّ ابنُ مَاجَه. ورَوَى حَدِيثَ جابِرٍ مُسْلِمٌ وأبو داوُدَ (٢). وهذا حُجَّةٌ على عطاءٍ، والأوْزَاعِىِّ. وحَدِيثُ أبى بُرْدَةَ بن نِيَارٍ، حين قال: يا رسولَ اللهِ، إنَّ عِنْدِى عَنَاقًا جَذَعًا، هى خَيْرٌ مِن شَاتَىْ لَحْمٍ. فقال: "تُجْزِئُكَ، وَلَا تُجْزِئ عَنْ أحَدٍ بَعْدَكَ". أخْرَجَه أبو داوُدَ، والنَّسائِىُّ (٣). وفى لَفْظٍ: إنَّ عِنْدِى
стр. 2603
داجِنًا جَذَعَةً مِنَ المَعْزِ. قال أبو عُبَيْدٍ الهَرَوِىُّ، قال إبراهيمُ الحَرْبِىُّ: إنَّما يُجْزِئُ الجَذَعُ مِن الضَّأْنِ فى الأضَاحِى؛ لأنَّه يَنْزُو فيَلْقُحُ، فإذا كان مِن المَعْزِ لم يَلْقَحْ حتى يَصِيرَ ثَنِيًّا.
فصل: ويَمْنَعُ مِن العُيُوبِ فى الهَدْىِ ما يَمْنَعُ فى الأُضْحِيَّةِ. قال البَراءُ بنُ عازِبٍ: قامَ فِينَا رسولُ اللهِ ﷺ فقال: "أربَعٌ لَا تجوزُ فِى الأضَاحِى: الْعَوْرَاءُ الْبَيِّنُ عَوَرُهَا، والْمَرِيضَةُ الْبَيِّنُ مَرَضُهَا، والْعَوْجَاءُ الْبَيِّنُ ظَلْعُهَا، والكَسِيرَةُ الَّتِى لا تُنْقِى". قال: قلتُ: إنِّى أكْرَه أنْ يكونَ فى السِّنِّ نَقْصٌ. قال: "ما كَرِهْتَ فَدَعْهُ، ولَا تُحَرِّمْهُ عَلَى أحَدٍ". رواه أبو داوُدَ، والنَّسائِىُّ (٤). وبهذا قال عطاءٌ، قال: أمَّا الذى سَمِعْنَاه فالأرْبَعُ، وكُلُّ شىءٍ سِواهُنَّ جائِزٌ. ومَعْنَى قولِه: "الْبَيِّنُ عَوَرُهَا". أى انْخَسَفَتْ عَيْنُها وذَهَبَتْ، فإنَّ ذلك يَنْقُصُها؛ لأنَّ شَحْمَةَ العَيْنِ عُضْوٌ مُسْتَطابٌ، فلو كان عَلَى عَيْنِها بَيَاضٌ ولم تَذْهَبِ العَيْنُ، جازَتِ التَّضْحِيَةُ بها؛ لأنَّ ذلك لا يَنْقُصُها فى اللَّحْمِ. والعَرْجاءُ البَيِّنُ عَرَجُها: التى عَرَجُها مُتَفاحِشٌ يَمْنَعُها السَّيْرَ مع الغَنَمِ، ومُشارَكَتَهُم (٥) فى العَلَفِ، ويَهْزُلُها. والتى لا تُنْقِى: التى لا مُخَّ فيها لِهُزالِها. والمَرِيضَةُ: قيل هى الجَرْباءُ؛ لأنَّ الجَرَبَ يُفسِدُ اللَّحْمَ. وظاهِرُ الحَدِيثِ أنَّ كُلَّ مَرِيضَةٍ مَرَضًا يُؤَثِّرُ فى هُزالِها، أو فى فسادِ لَحْمِها، يَمْنَعُ التَّضْحِيَةَ بها، وهذا أوْلَى، لِتَناوُلِ اللَّفْظِ له والمَعْنَى. فهذه
стр. 2604
الأرْبَعُ لا نَعْلَمُ بنِ أهْلِ العِلْمِ خِلَافًا فى مَنْعِهَا. ويَثْبُتُ الحُكْمُ فيما فيه نَقْصٌ أكْثَرُ مِن هذه العُيُوبِ بطَرِيقِ التَّنْبِيهِ، فلا تجوزُ العَمْياءُ؛ لأنَّ العَمَى أكْثَرُ مِن العَوَرِ، ولا يُعْتَبَرُ مع العَمَى انْخِسافُ العَيْنِ؛ لأنَّه يُخِلُّ بِالمَشْىِ مع الغَنَمِ، والمُشارَكَةِ فى العَلَفِ، أكْثَرَ مِن إخْلالِ العَرَج. ولا يجوزُ ما قُطِعَ منها عُضْوٌ مُسْتَطابٌ، كالألْيَةِ؛ لأنَّ ذلك أَبْلَغُ فى الإخْلالِ بِالمَقْصُودِ مِن ذَهابِ شَحْمَةِ العَيْنِ. فأمَّا العَضْباءُ، وهى ما ذَهَبَ نِصْفُ أُذُنِها أو قَرْنِها، فلا تُجْزِئُ. وبه قال أبو يوسفَ ومحمدٌ فى عَضْباءِ الأُذُنِ. وعن أحمدَ: لا تُجْزِئُ ما ذَهَبَ ثُلُثُ أُذُنِها. وبه قال أبو حنيفةَ. وَرُوِىَ عن علىٍّ، وعَمَّارٍ، وسَعِيدِ بن المُسَيَّبِ، والحسنِ، تُجْزِئُ المَكْسُورَةُ القَرْنِ؛ لأنَّ ذَهابَ ذلك لا يُؤَثِّرُ فى اللَّحْمِ، فأجْزَأَتْ، كالجَمَّاء. وقال مالِكٌ: إنْ كان يُدْمِى، لم يَجُزْ، وإلَّا جازَ. ولَنا، ما رَوَى علىٌّ، رَضِىَ اللهُ عنه، قال: نَهَى رسولُ اللهِ ﷺ أنْ يُضَحَّى بِأعْضَبِ الأُذُنِ والقَرْنِ. رواه النَّسائِىُّ وابنُ مَاجَه (٦). قال قَتَادَةُ: فسألتُ سَعِيدَ بنَ المُسَيَّبِ، فقال: نعم، العَضَبُ النِّصْفُ فأكْثَرُ مِن ذلك. ويُحْمَلُ قَوْلُ علىٍّ، رَضِىَ اللَّه عنه، ومَنْ وافَقَه، على أنَّ كَسْرَ ما دونَ النِّصْفِ لا يَمْنَعُ.
فصل: ويُجْزِئُ (٧) الخَصِىُّ، سَواءٌ كان ممَّا قُطِعَتْ خَصْيَتاه أو مَسْلُولًا، وهو الذى سُلَّتْ بَيْضَتاه، أو مَوْجُوءًا، وهو الذى رُضَّتْ بَيْضَتاه؛ لأنَّ النَّبِىَّ ﷺ ضَحَّى بِكَبْشَيْنِ أمْلَحَيْنِ مَوْجُوءَيْنِ (٨). والمَرْضُوضُ كالمَقْطُوعِ. ولأنَّ ذلك
стр. 2605
العُضْوَ غيرُ مُسْتَطابٍ، وذَهابُه يُؤَثِّرُ فى سِمَنِه، كثْرَةِ اللَّحْمِ وطِيبِه، وهو المَقْصُودُ. ولا نَعْلَمُ فى هذا خِلَافًا. وتُجْزِئُ الْجَمَّاءُ، وهى التى لم يُخْلَقْ لها قَرْنٌ. وحُكِىَ عن ابنِ حامِدٍ أنَّها لا تُجْزِئُ؛ لأنَّ عَدَمَ القَرْنِ أكْثَرُ مِن ذَهابِ نِصْفِه. والأوْلَى أنَّها تُجْزِئُ؛ لأنَّ القَرْنَ ليس بِمَقْصُودٍ، ولا وَرَدَ النَّهْىُ عما عُدِمَ فيه. وتُجْزِئُ الصَّمْعاءُ، وهى التى لم يُخْلَقْ لها أُذُنٌ، أو خُلِقَتْ لها أُذُنٌ صَغِيرَةٌ كذلك. وتُجْزِئُ البَتْرَاءُ، وهى المَقْطُوعَةُ الذَّنَبِ كذلك.
فصل: ويُكْرَهُ أنْ يُضَحِّى بِمَشْقُوقَةِ الأُذُنِ، أو ما قُطِعَ منها شىءٌ، أو ما فيها عَيْبٌ من هذه العُيُوبِ التى لا تَمْنَعُ الإِجْزَاءَ؛ لِقَوْلِ علىٍّ، رَضِىَ اللَّه عنه: أُمِرْنَا أنْ نَسْتَشْرِفَ العَيْنَ والأُذُنَ. لا يُضَحِّى بمُقابَلَةٍ، ولا مُدابَرَةٍ، ولا خَرْقاءَ، ولا شَرْقاءَ. قال زُهَيْرٌ: قلتُ لأبى إسحاقَ: ما المُقابَلَةُ؟ قال: يُقْطَعُ طَرَفُ الأُذُنِ. قُلْتُ: فما المُدابَرَةُ؟ قال: يُقْطَعُ مُؤَخَّرُ الأُذُنِ. قلتُ: فما الخَرْقاءُ؟ قال: يُشَقُّ الأُذُنُ. قلت: فما الشَّرْقاءُ؟ قال: يَشُقُّ أُذُنَهَا السِّمَةُ. رواه أبو داوُدَ، والنَّسائِىُّ (٩). قال القاضى: الخَرْقاءُ التى انْثَقَبَتْ أُذُنُها. والشَّرْقاءُ التى تُشَقُّ أُذُنُها وتَبْقَى كَالشَّاخِتَيْنِ (١٠). وهذا نَهْىُ تَنْزِيهٍ. ويَحْصُلُ الإِجزاءُ بها، لا نَعْلَمُ فى هذا خِلافًا.
فصل: يُسْتَحَبُّ لمن أتَى مَكَّةَ أنْ يَطُوفَ بِالبَيْتِ؛ لأنَّ الطَّوافَ بِالبَيْتِ صلاةٌ،
стр. 2606
والطَّوافُ أفْضَلُ مِن الصلاةِ، والصلاةُ بعدَ ذلك. يُرْوَى عن ابنِ عَبّاسٍ، قال: الطَّوافُ لكم يا أهلَ العِراقِ، والصلاةُ لأهلِ مَكَّةَ. وقال عطاءٌ: الطَّوافُ لِلْغُرَباءِ، والصلاةُ لأهلِ البَلَدِ. قال: ومِن النّاسِ مَن يقولُ: يَزُورُ البَيْتَ كُلَّ يومٍ مِن أيَّامِ مِنًى. ومنهم مَن يَخْتارُ الإِقامَةَ بِمِنًى؛ لأنَّها أيامُ منًى. واحْتَجَّ أبو عبدِ اللهِ بحَدِيثِ أبى حَسَّانَ، عن ابنِ عَبّاسٍ، أنَّ رسولَ اللهِ ﷺ كان يُفِيضُ كُلَّ لَيْلَةٍ (١١).
فصل: ويُسْتَحَبُّ لمن حَجَّ أنْ يَدْخُلَ البَيْتَ، ويُصَلِّىَ فيه رَكْعَتَيْنِ، كما فَعَلَ النَّبِىُّ ﷺ (١٢)، ولا يَدْخُلُ البَيْتَ بِنَعْلَيْهِ، ولا خُفَّيْهِ، ولا الحِجْرَ أيضا؛ لأنَّ الحِجْرَ مِن البَيْتِ. ولا يَدْخُلُ الكَعْبَةَ بِسِلاحٍ. قال: وثِيابُ الكَعْبَةِ إذا نُزِعَتْ يُتَصَدَّقُ بها. وقال (١٣): إذا أرادَ أنْ يَسْتَشْفِىَ بِشىءٍ مِن طِيبِ الكَعْبَةِ، فلْيَأْتِ بِطِيبٍ مِن عِنْدِهِ، فلْيُلْزِقْهُ على البَيْتِ، ثم يَأْخُذْه، ولا يَأْخُذْ مِن طِيبِ البَيْتِ شيئا، ولا يُخْرِجْ مِن تُرابِ الحَرَمِ، ولا يُدْخِلْ فيه مِن الحِلِّ. كذلك قال عمرُ، وابنُ عَبّاسٍ، رَضِىَ اللَّه عنهما. ولا يُخْرِجْ مِن حِجارَةِ مَكَّةَ وتُرابِها إلى الحِلِّ، والخُرُوجُ أشَدُّ، إلَّا أن ماءَ زَمْزَمَ أخْرَجَه كَعْبٌ.
فصل: قال أحمدُ: كيف لنا بِالجوارِ بمَكَّةَ! قال النَّبِىُّ ﷺ : "إنَّكِ لَأَحَبُّ الْبِقَاعِ إِلَى اللهِ ، وَلَوْلَا أنِّى أُخْرِجْتُ مِنْكِ مَا خَرَجْتُ" (١٤). وإنَّما كُرِهَ الجِوارُ بمَكَّةَ لِمَنْ هاجَرَ منها، وجابِرُ بنُ عبدِ اللهِ جاوَرَ بمَكَّةَ، وجميعُ أهلِ البلادِ ومَن كان مِن أهلِ اليَمَنِ لَيْسَ بِمَنْزِلَةِ مَن يَخْرُجُ ويُهاجِرُ. أى لا بَأْسَ به. وابنُ عمَر كان يُقِيمُ بمَكَّةَ. قال: والمُقامُ بِالمَدِينَةِ أحَبُّ إلَىَّ مِن المُقَامِ بمَكَّةَ لمن قَوِىَ
стр. 2607
عليه؛ لأنَّها مُهاجَرُ المُسْلِمِينَ. وقال النبِىُّ ﷺ : "لَا يَصْبِرُ أحَدٌ عَلَى لأْوَائِهَا وشِدَّتِهَا إلَّا كُنْتُ لَهُ شَفِيعًا يَوْمَ الْقِيَامَةِ" (١٥).
فصل: ويُسْتَحَبُّ زِيارَةُ قَبْرِ النَّبِىِّ ﷺ ؛ لما رَوَى الدَّارَقُطْنِىُّ (١٦)، بإسنادِه عن ابنِ عمرَ، قال: قال رسولُ اللهِ ﷺ : "مَنْ حَجَّ، فَزَارَ قَبْرِى بَعْدَ وَفَاتِى، فَكَأنَّما زَارَنِى فى حَيَاتِى". وفى رِوايَةٍ: "مَنْ زَارَ قَبْرِى وَجَبَتْ له شَفَاعَتِى". رواه بِاللَّفْظِ الأوَّلِ سَعِيدٌ. حَدَّثَنَا حَفْصُ بن سليمانَ، عن لَيْثٍ، عن مُجاهِدٍ، عن ابنِ عمرَ. وقال أحمدُ (١٧)، فى رِوايَةِ عبدِ اللهِ، عن يَزِيدَ بن قُسَيْطٍ، عن أبى هُرَيْرَةَ، أنَّ النَّبِىَّ ﷺ قال: "مَا مِنْ أَحَدٍ يُسَلِّمُ عَلَىَّ عِنْدَ قَبْرِى، إلَّا رَدَّ اللهُ عَلَىَّ رُوحِى، حَتَّى أَرُدَّ ﵇". قال (١٨): وإذا حَجَّ الذى لم يَحُجَّ قَطُّ -يعنى من غيرِ طَرِيقِ الشَّامِ- لا يَأْخُذُ على طَرِيقِ المَدِينَةِ، لأنِّى أخَافُ أن يَحْدُثَ به حَدَثٌ، فيَنْبَغِى أن يَقْصِدَ مَكَّةَ من أقْصَدِ الطُّرُقِ (١٩)، ولا يَتَشَاغَلَ بغيرِه. ويُرْوَى عن العُتْبِىِّ (٢٠)، قال: كنتُ جَالِسًا عندَ قَبْرِ النَّبِىِّ ﷺ ، فجَاءَ أعْرَابِىٌّ، فقال:
стр. 2608
السلامُ عليكَ يا رسولَ اللهِ، سمعتُ اللهَ يقولُ: ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ جَاءُوكَ فَاسْتَغْفَرُوا اللَّهَ وَاسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ لَوَجَدُوا اللَّهَ تَوَّابًا رَحِيمًا﴾ (٢١). وقد جِئْتُكَ مُسْتَغْفِرًا لِذَنْبِى، مُسْتَشْفِعًا بِكَ إلى رَبِّى، ثم أنْشَأ يقولُ:
يا خَيْرَ مَن دُفِنَتْ بِالْقَاعِ أعْظُمُهُ ... فطابَ مِنْ طِيبِهِنَّ القَاعُ والأَكَمُ
نَفْسِى الفِدَاءُ لِقَبْرٍ أَنْتَ سَاكِنُه ... فيه العَفافُ وفيه الجُودُ والكَرَمُ
ثم انْصَرَفَ الأعْرَابِىُّ، فحَمَلَتْنِى عَيْنِى، فنِمْتُ، فرَأيْتُ النَّبِىَّ ﷺ فى النَّوْمِ، فقال: يا عُتْبِىُّ، الْحَقِ الأَعْرَابِىَّ، فبَشِّرْهُ أنَّ اللهَ قَدْ غفَرَ لَهُ (٢٢). ويُسْتَحَبُّ لمن دَخَلَ المَسْجِدَ أن يُقَدِّمَ رِجْلَهُ اليُمْنَى، ثم يَقُولَ: بِسْمِ اللهِ، والصَّلَاةُ والسَّلامُ (٢٣) على رسولِ اللهِ، اللَّهُمَّ صَلِّ على مُحمدٍ وعلى آلِ محمدٍ، واغْفِرْ لى، وافْتَحْ لى أَبْوابَ رَحْمَتِكَ. وإذا خَرَجَ، قال مِثْلَ ذلك. وقال: وَافْتَحْ لى أَبْوَابَ فَضْلِكَ. لما رُوِىَ عن فاطِمةَ بنتِ رسولِ اللهِ ﷺ ، ورَضِىَ اللَّه عنها، أنَّ رسولَ اللهِ ﷺ عَلَّمَهَا أن تقولَ ذلك، إذا دَخَلَتِ المَسْجِدَ (٢٤). ثم تَأْتِى القَبْرَ (٢٥) فتُوَلِّى ظَهْرَكَ القِبْلَةَ، وتَسْتَقْبِلُ وَسَطَه، وتقولُ: السلامُ عليكَ أيُّها النَّبِىُّ ورحمةُ اللَّه وبَرَكَاتُه،
стр. 2609
السلامُ عليكَ يَا نَبِىَّ اللهِ، وخِيرَتَهُ من خَلْقِه وعِبَادِه (٢٦)، أشْهَدُ أن لا إلهَ إلَّا اللهُ وَحْدَه لا شَرِيكَ له، وأشْهَدُ أنَّ مُحمدًا عبدُه ورسولُه، أشْهَدُ أنَّك قد بَلَّغْتَ رِسالَاتِ رَبِّكَ، ونَصَحْتَ لأُمَّتِكَ، ودَعَوْتَ إلى سَبيلِ رَبِّكِ بِالحِكْمَةِ والمَوْعِظَةِ الحَسَنَةِ، وعَبَدْتَ اللَّه حتى أتَاكَ اليَقِينُ، فصَلَّى اللهُ عَلَيْكَ كَثِيرًا، كما يُحِبُّ رَبُّنَا ويَرْضَى، اللَّهُمَّ اجْزِ عَنَّا نَبِيَّنَا أفْضَلَ ما جَزَيْتَ أحَدًا مِن النَّبِيِّينَ والمُرْسَلِينَ، وابْعَثْهُ المقامَ المَحْمُودَ الذى وَعَدْتَه، يَغْبِطُه به الأوَّلُونَ والآخِرُونَ، اللَّهُمَّ صَلِّ على محمدٍ وعلى آلِ محمدٍ، كما صَلَّيْتَ على إبراهيمَ وآلِ إبراهيمَ، إنَّك حَمِيدٌ مَجِيدٌ، وبَارِكْ على محمدٍ وعلى آلِ محمدٍ، كما بَارَكْتَ على إبراهيمَ وآل إبراهيمَ، إنَّك حَمِيدٌ مَجِيدٌ، اللَّهُمَّ إنَّك قُلْتَ (٢٧) وقَوْلُكَ الحَقُّ: ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ جَاءُوكَ فَاسْتَغْفَرُوا اللَّهَ وَاسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ لَوَجَدُوا اللَّهَ تَوَّابًا رَحِيمًا﴾. وقد أتَيْتُكَ مُسْتَغْفِرًا من ذُنُوبِى، مُسْتَشْفِعًا بِكَ إلى رَبِّى، فأسْأَلُكَ يَا رَبِّ أن تُوجِبَ لى المَغْفِرَةَ، كما أوْجَبْتَها لمن أتَاهُ فى حَياتِه، اللَّهُمَّ اجْعَلْهُ أوَّلَ الشَّافِعِينَ، وأنْجَحَ السَّائِلِينَ، وأَكْرَمَ الآخِرِينَ والأَوَّلِينَ، بِرَحْمَتِكَ يا أَرْحَمَ الرَّاحِمِينَ. ثم يَدْعُو لِوَالِدَيْهِ ولإخْوَانِه ولِلْمُسْلِمِينَ أَجْمَعِينَ، ثم يَتَقَدَّمُ قَلِيلًا، ويقولُ: السلامُ عليكَ يا
стр. 2610
أبا بكرٍ الصِّدِّيقَ، السَّلَامُ عَلَيْكَ يَا عمرُ الفَارُوقَ، السلامُ عليكما يا صَاحِبَىْ رسولِ اللهِ ﷺ وضَجِيعَيْهِ ووَزيِرَيْهِ ورحمةُ اللهِ وَبرَكاتُه، اللَّهُمَّ اجْزِهِما عن نَبِيِّهِما وعن الإسلامِ خَيْرًا: ﴿سَلَامٌ عَلَيْكُمْ بِمَا صَبَرْتُمْ فَنِعْمَ عُقْبَى الدَّارِ﴾ (٢٨). اللَّهُمَّ لا تَجْعَلْهُ آخِرَ العَهْدِ مِن قَبْرِ نَبِيِّكَ ﷺ ومن حَرَمِ مَسْجِدِكَ يا أرْحَمَ الرَّاحِمِينَ.
فصل: ولا يُسْتَحَبُّ التَّمَسُّحُ بحَائِطِ قَبْرِ النَّبِىِّ ﷺ ، ولا تَقْبِيلُه، قال أحمدُ: ما أعْرِفُ هذا. قال الأثْرَمُ: رَأيْتُ أهْلَ العِلْمِ من أهْلِ المَدِينَةِ لا يَمَسُّونَ قَبْرَ النَّبِىِّ ﷺ ، يَقُومُونَ من نَاحِيَةٍ فيُسَلِّمُونَ. قال أبو عبدِ اللهِ: وهكذا كان ابنُ عمرَ يَفْعَلُ. قال: أمَّا المِنْبَرُ فقد جاءَ فيه. يعنى ما رَواهُ إبراهيمُ بن عبدِ الرحمنِ بنِ عبدٍ الْقَارِىُّ (٢٩)، أنَّه نَظَرَ إلى ابْنِ عمرَ، وهو يَضَعُ يَدَهُ على مَقْعَدِ النَّبِىِّ ﷺ من المِنْبَرِ، ثم يَضَعُها على وَجْهِهِ.
فصل: ويُسْتَحَبُّ لِمَن رَجَعَ من الحَجِّ أن يَقُولَ ما رَوَى البُخَارِىُّ (٣٠)، عن عبدِ اللهِ بن عمرَ، أنَّ رسولَ اللهِ ﷺ كان إذا قَفَلَ من غَزْوٍ أو حَجٍّ أو عُمْرَةٍ، يُكَبِّرُ على كلِّ شَرَفٍ من الأَرْضِ، ثم يقولُ: "لَا إلَهَ إلَّا اللهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، لَهُ المُلْكُ وَلَهُ الحَمْدُ، وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَىْءٍ قَدِيرٌ، آيبُونَ تَائِبُونَ عَابِدُونَ، لِرَبِّنَا حَامِدُونَ، صَدَقَ اللهُ وَعْدَهُ، وَنَصَرَ عَبْدَهُ، وَهَزَمَ الأَحْزَابَ وَحْدَهُ".
стр. 2611
المُغْنِي
لمُوَفَّق الدين أبي محمد عبد اللَّه بن أحمد بن محمد بن قُدامة المقْدسيّ الجَمَّاعِيليّ الدِّمَشقيّ الصَّالحِيّ الحَنْبَليّ
٥٤١ - ٦٢٠ هـ
تحقيق
الدكتور عبد اللَّه بن عبد المحسن التركي والدكتور عبد الفتاح محمد الحلو
الجزء السادس
دَار عَالَم الكتب للطباعة والنشر والتوزيع
الريَاض
стр. 2612
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
стр. 2613
المُغْنِي
стр. 2614
حقوق الطبع محفوظة
الطبعة الأولى
١٤٠٦ هـ = ١٩٨٦ م
الطبعة الثانية
١٤١٢ هـ = ١٩٨٦ م
الطبعة الثالثة
١٤١٧ هـ = ١٩٩٧ م
مصححة، منقحة
دَار عَالمَ الكُتبُ للطباعة والنشر والتوزيع
العليا - غرب مؤسسة التحلية - ت: ٤٦٥١٦٨٩/ ٤٦٣١٧٢٢ ص. ب ٦٤٦٠ - الرياض ١١٤٤٢ - تليفاكس: ٤٦٣١٣٢٦ المملكة العربية السعودية
стр. 2615
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
كِتَابُ البُيُوعِ
البَيْعُ: مُبَادَلَةُ المالِ بِالمَالِ، تَمْلِيكًا، وتَمَلُّكًا (١). واشْتِقَاقُه: من البَاعِ؛ لأنَّ كُلَّ وَاحِدٍ من المُتَبَايِعَيْنِ (٢) يَمُدُّ بَاعَهُ لِلْأَخْذِ والإعْطَاءِ. ويَحْتَمِلُ أنَّ كُلَّ واحِدٍ مِنهما كان يُبايعُ صَاحِبَه، أى يُصَافِحُه عند البَيْعِ؛ ولِذَلِكَ سُمِّىَ البَيْعُ صَفْقَةً. وقال بعضُ أصْحَابِنا: هو الإِيجَابُ والقَبُولُ، إذا (٣) تَضَمَّنَ عَيْنَيْنِ لِلتَّمْلِيكِ. وهو حَدٌّ قاصِرٌ؛ لِخُرُوجِ بَيْعِ المُعاطاةِ مِنْه، ودُخُولِ عُقُودٍ سِوَى البَيْعِ فيه. والبَيْعُ جَائِزٌ بِالكِتَابِ والسُّنَّةِ والإجْمَاعِ. أمَّا الكِتابُ، فقَوْلُ اللهِ تعالى: ﴿وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ﴾ (٤). وقَوْلُه تَعَالَى: ﴿وَأَشْهِدُوا إِذَا تَبَايَعْتُمْ﴾ (٥) وقَوْلُه تَعَالَى: ﴿إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ﴾ (٦). وقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَبْتَغُوا فَضْلًا مِنْ رَبِّكُمْ﴾ (٧). ورَوَى البُخَارِىُّ (٨)، عن ابْنِ عَبّاسٍ، قال: كانت [عُكَاظٌ، ومَجَنَّةُ، وذو المَجَازِ] (٩)، أسوَاقًا فى الجَاهِلِيَّةِ، فلَما كان الإسْلَامُ تَأثَّمُوا
стр. 2616
فيه، فَأُنْزِلَتْ: ﴿لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَبْتَغُوا فَضْلًا مِنْ رَبِّكُمْ﴾. يَعْنِى فى مَوَاسِمِ الحَجِّ. وعن الزُّبَيْرِ نَحْوُهُ (١٠). وأمَّا السُّنَّةُ، فَقَوْلُ النبىِّ ﷺ : (البَيِّعَانِ بالْخِيَارِ مَا لَمْ يَتَفَرَّقَا". مُتَّفَقٌ عليه (١١). ورَوَى رِفاعَةُ، أنَّه خَرَجَ مع النَّبِىِّ ﷺ إلى المُصَلَّى، فرَأى النَّاسَ يَتَبايَعُونَ، فقال: "يا مَعْشَرَ التُّجَّارِ". فَاسْتَجَابُوا لرَسُولِ اللهِ ﷺ ، ورَفَعُوا أعْنَاقَهُم وأبْصَارَهُم إليه، فقال: "إنَّ التُّجَّارَ يُبْعَثُونَ يَوْمَ القِيَامَةِ فُجَّارًا، إلَّا مَنْ بَرَّ وصَدَقَ". قال التِّرْمِذِىُّ (١٢): هذا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ. ورَوَى أبُو سَعِيدٍ، عن النبىِّ ﷺ ، أنَّه قال: "التَّاجِرُ الصَّدُوقُ الأمِينُ مع النَّبِيِّينَ والصِّدِّيقِينَ والشُّهَدَاءِ". قال التِّرْمِذِيُّ (١٣): هذا حَدِيثٌ حَسَنٌ. فى أحادِيثَ
стр. 2617
كَثِيرةٍ سِوَى هذه. وأجْمَعَ المُسْلِمُونَ على جَوَازِ البَيْعِ فى الجُمْلَةِ، والحِكْمَةُ تَقْتَضِيهِ؛ لأنَّ حاجَةَ الإِنْسانِ تَتَعَلَّقُ بما فى يَدِ صاحِبِه، وصاحِبُه لا يَبْذُلُه بغَيْرِ عِوَضٍ، فَفِى شَرْعِ البَيْعِ وتَجْوِيزِه شَرْعُ طَرِيقٍ إلى وُصُولِ كُلِّ واحِدٍ مِنهُما إلى غَرَضِه، ودَفْعِ حَاجَتِه.
فصل: والبَيْعُ على ضَرْبَيْنِ؛ أحدهما، الإِيجَابُ والقَبُولُ. فالإيجَابُ، أن يَقُولَ: بِعْتُكَ أو مَلَّكْتُكَ، أو لَفْظٌ يَدُلُّ عليهما. والقَبُولُ، أن يَقُولَ: اشْتَرَيْتُ، أو قَبِلْتُ، ونَحْوَهما. فإنْ تَقَدَّمَ القَبُولُ على الإيجابِ بِلَفْظِ الماضِى، فقال: ابْتَعْتُ منك. فقال: بِعْتُكَ. صَحَّ؛ لأنَّ لَفْظَ الإيجابِ والقَبُولِ وُجِدَ منهما على وَجْهٍ تَحْصُلُ منه الدَّلالَةُ على تَرَاضِيهِما به، فصَحَّ، كما لو تَقَدَّم الإِيجابُ. وإنْ تَقَدَّم بِلَفْظِ الطَّلَبِ، فقال: بِعْنِى ثَوْبَكَ. فقال: بِعْتُكَ. ففيه رِوَايَتانِ، إحْدَاهُما، يَصِحُّ كذلك. وهو قولُ مالِكٍ، والشَّافِعِىِّ. والثانيةُ، لا يَصِحُّ. وهو قَوْلُ أبِى حنيفةَ؛ لأنَّه لو تَأخَّرَ عن الإِيجَابِ، لم يَصِحَّ به البَيْعُ، فلم يَصِحَّ إذا تَقَدَّمَ، كَلَفْظِ الاسْتِفْهَامِ، ولأنَّه عَقْدٌ عَرِىَ عن القَبُولِ، فلم يَنْعَقِدْ، كما لَوْ لَمْ يَطْلُبْ. وحَكَى أبو الخَطَّابِ فيما إذا تَقَدَّمَ بلَفْظِ المَاضِى، رِوَايَتَيْنِ أيضًا، فأمَّا إنْ تَقَدَّمَ بِلَفْظِ الاسْتِفْهَامِ، مِثْلَ أن يقولَ: أتَبيعُنِى ثَوْبَكَ بكذا؟ فيقولُ: بِعْتُكَ. لم يَصِحَّ بحالٍ. نَصَّ عليه أحمدُ، وبه يقولُ أبو حنيفةَ، والشَّافِعِيُّ. ولا نَعْلَمُ عن غيْرِهِمْ خِلَافَهُم؛ لأنَّ ذلك لَيْسَ بِقَبُولٍ ولا اسْتِدْعاءٍ. الضَّرْبُ الثَّانِى، المُعَاطَاةُ، مِثْلُ أنْ يقولَ: أَعْطِنِى بهذا الدِّينَارِ خُبْزًا. فيُعْطِيه ما يُرْضِيهِ، أو يقولَ: خُذْ هذا الثَّوْبَ بِدِينارٍ. فَيَأْخُذُهُ، فهذا بَيعٌ صَحِيحٌ. نَصَّ عليه أحْمَدُ، فِى مَن قال لِخَبَّازٍ: كَيْفَ تَبِيعُ الخُبْزَ؟ قال: كذا بِدِرْهَمٍ. قال: زِنْهُ، وتَصَدَّقْ به. فإذا وَزَنَهُ فهو عَلَيْه. وقولُ مَالِكٍ نَحْوٌ من هذا، فإنه قال: يَقَعُ البَيْعُ بما يَعْتَقِدُه النَّاسُ بَيْعًا. وقال بعضُ الحَنَفِيَّةِ: يَصِحُّ فى خَسائِسِ الأَشْياءِ. وحُكِىَ عن القاضى مِثْلُ هذا، قال: يَصِحُّ فى الأشْياءِ اليَسِيرَةِ
стр. 2618
دُونَ الكَبِيرَةِ. ومَذهبُ الشَّافِعِيِّ، ﵀، أنَّ البَيْعَ لا يصِحُّ إلَّا بالإِيجابِ، والقَبُولِ. وذَهَبَ بعضُ أصْحابِه إلى مِثْلِ قَوْلِنا. ولَنا، أنَّ اللَّه أَحَلَّ البَيْعَ، ولم يُبَيِّنْ كَيْفِيَّتَهُ، فَوَجَبَ الرُّجُوعُ فيه إلى العُرْفِ، كما رُجِعَ إليه فى القَبْضِ والإِحْرَازِ والتَّفَرُّقِ، والمُسْلِمُونَ فى أسْوَاقِهِمْ وبِيَاعَاتِهِمْ على ذلك، ولأنَّ البَيْعَ كان مَوْجُودًا بَيْنَهُمْ، مَعْلُومًا عِنْدَهُمْ، وإنما عَلَّقَ الشَّرْعُ عليه أحْكامًا، وأبْقَاهُ على ما كان، فلا يَجُوزُ تَغْيِيرُه بِالرَّأْىِ والتَّحَكُّمِ، ولم يُنْقَلْ عن النَّبِيِّ ﷺ ، ولا عن أصْحَابِه، مع كَثْرَةِ وُقُوعِ البَيْعِ بَيْنَهُمْ، اسْتِعْمَالُ الإيجَابِ والقَبُولِ، ولو اسْتَعْمَلُوا ذلك فى بِيَاعَاتِهمْ لَنُقِلَ نَقْلًا شَائِعًا، ولو كان ذلك شَرْطًا، لَوَجَبَ نَقْلُه، ولم يُتَصَوَّرْ منهم إهْمالُه والغَفْلَةُ عن نَقْلِه، ولأنَّ البَيْعَ مما تَعُمُّ به البَلْوَى، فلو اشْتُرِطَ له الإيجابُ والقَبُولُ لَبَيَّنَهُ ﷺ بَيَانًا عَامًّا، ولم يَخْفَ حُكْمُه؛ لأنَّه يُفْضِى إلى وُقُوعِ العُقُودِ الفَاسِدَةِ كَثِيرًا، وأكْلِهِمُ المَالَ بِالبَاطِلِ، ولم يُنْقَلْ ذلك عن النَّبِيِّ ﷺ ، ولا عن أحَدٍ مِنْ أصْحَابِه فيما عَلِمْنَاهُ، ولأنَّ النّاسَ يَتَبايَعُونَ فى أسْوَاقِهم بِالمُعاطَاةِ فى كل عَصْرٍ، ولم يُنْقَلْ إنْكَارُه قبلَ مُخَالِفِينَا، فكانَ ذلك إجْمَاعًا، وكذلك الحُكْمُ فى الإيجَابِ والقَبُولِ، فى الهِبَةِ، والهَدِيَّةِ، والصَّدَقَةِ، ولم يُنْقَلْ عن النَّبِيِّ ﷺ ولا عن أحَدٍ من أصْحَابِه اسْتِعْمَالُ ذلك فيه، وقد أُهْدِىَ إلى رَسُولِ اللهِ ﷺ من الحَبَشَةِ وغيرِها، وكان الناسُ يَتَحَرَّوْنَ بِهَدايَاهم يومَ عائِشةَ. مُتَّفَقٌ عليه (١٤). ورَوَى البُخَارِيُّ (١٥)، عن أبِى هُرَيْرَةَ،
стр. 2619
قال: كان رَسُولُ اللهِ ﷺ إذا أُتِىَ بِطَعَامٍ سَألَ عنه: "أَهَدِيَّةٌ أم صَدَقَةٌ؟ ". فإن قِيلَ: صَدَقَةٌ. قال لأَصْحَابِه: "كُلُوا". ولم يَأْكُلْ، وإن قِيلَ: هَدِيَّةٌ. ضَرَبَ بِيَدهِ، وأَكَلَ مَعهم. وفى حَدِيثِ سَلْمَانَ (١٦)، حين جَاءَ إلى النبيِّ ﷺ بِتَمْرٍ، فقال: هذا شَىْءٌ من الصَّدَقَةِ، رَأَيْتُكَ أنتَ وأَصْحَابَكَ أَحَقَّ النّاسِ به. فقال النبيُّ ﷺ لأصْحَابِه: "كُلُوا". ولم يَأْكُلْ، ثم أتَاهُ ثَانِيَةً بتَمْرٍ، فقال: رَأَيْتُكَ لا تَأْكُلُ الصَّدَقَةَ، وهذا شَىْءٌ أَهْدَيْتُه لك. فقال النبىُّ ﷺ "بِسْمِ اللهِ". وأكَلَ. ولم يُنْقَلْ قَبُولٌ ولا أَمْرٌ بإِيجَابٌ. وإنما سَأَلَ لِيَعْلَمَ، هل هو صَدَقَةٌ، أو هَدِيَّةٌ، وفى أكْثَرِ الأخْبَارِ لم يُنْقَلْ إِيجابٌ ولا قَبُولٌ، ولَيْسَ إلَّا المُعَاطَاةُ، والتَّفَرُّقُ عن تَرَاضٍ يَدُلُّ على صِحَّتِه، ولو كان الإِيجابُ والقَبُولُ شَرْطًا فى هذه العُقُودِ لَشَقَّ ذلك، ولَكانتْ أكْثَرُ عُقُودِ المُسْلِمِينَ فَاسِدَةً، وأكثرُ أمْوَالِهم مُحَرَّمَةً. ولِأنَّ الإيجابَ والقَبُولَ إنما يُرَادَانِ لِلدَّلَالَةِ على التَّرَاضِى، فإذا وُجِدَ ما يَدُلُّ عَلَيْه، مِنَ المُسَاوَمَةِ والتَّعَاطِى، قَامَ مقَامَهما، وأجْزَأَ عنهما؛ لِعَدَمِ التَّعَبُدِ فيه.
стр. 2620
(خِيَار المُتَبَايِعَيْنِ)
أىْ بَابُ خِيَارِ المُتَبايِعَيْنِ، فَحُذِفَ اخْتِصارًا.
٧٠٠ - مسألة؛ قال أبو القاسم ﵀: (وَالمُتَبَايِعَانِ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُما بِالخِيَارِ مَا لَمْ يَتَفَرَّقَا بِأبْدَانِهِمَا)
فى هذه المَسْألةِ ثلاثةُ فُصولٍ، أحَدُها، أنَّ البَيْعَ يَقَعُ جَائِزًا، ولِكُلٍّ مِنَ المُتَبَايِعَيْنِ الخِيَارُ فى فَسْخِ البَيْعِ، ما دَامَا مُجْتَمِعَيْنِ، لم يَتَفَرَّقَا، وهو قَوْلُ أكْثَرِ أهْلِ العِلْمِ، يُرْوَى ذلك عن عمرَ، وابنِ عمرَ، وابنِ عَبّاسٍ، وأبِى هُرَيْرَةَ، وأبى بَرْزَةَ (١)، وبه قال سَعِيدُ بن المُسَيَّبِ، وشُرَيْحٌ، والشَّعْبِىُّ، وعَطَاءٌ، وطَاوُسٌ، والزُّهْرِيُّ والأوْزاعِيُّ، وابنُ أبى ذِئْبٍ، والشافِعيُّ، وإسحَاقُ، وأبو عُبَيْدٍ، وأبو ثَوْرٍ. وقال مَالِكٌ وأصْحابُ الرَّأْىِ: يَلْزَمُ العَقْدُ بالإيجَابِ والقَبُولِ، ولا خِيارَ لهما؛ لأنَّه رُوِىَ عن عمَرَ، رَضِىَ اللهُ عنه: البَيْعُ صَفْقَةٌ أو خِيَارٌ. ولأنَّه عَقْدُ مُعَاوَضَةٍ، فَلَزِمَ بمُجَرَّدِه، كَالنِّكاحِ والخُلْعِ. ولنا، ما رَوَى ابنُ عمرَ، عن رسولِ اللهِ ﷺ أنَّه قال: "إذا تَبَايَعَ الرَّجُلَانِ فَكُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا بِالخِيَارِ، مَا لَمْ يَتَفَرَّقَا، وكَانَا جَمِيعًا، أوْ يُخَيِّرُ أحَدُهما الآخَرَ، فإنْ خَيَّرَ أحَدُهما الآخَرَ، فَتَبَايَعَا عَلَى ذلِكَ، فَقَدْ وَجَبَ البَيْعُ، وإن تَفَرَّقَا بَعْدَ أنْ تَبَايَعَا، ولم يَتْرُكْ أحَدُهُمَا البَيْعَ، فَقَدْ وَجَبَ البَيْعُ". مُتَّفَقٌ عليه (٢). وقال
стр. 2621
- ﷺ : "الْبَيِّعَانِ بالخِيَارِ مَا لَمْ يَتَفرَّقَا". رَوَاهُ الأئِمَّةُ كُلُّهُمْ (٣). ورَوَاهُ عَبْدُ اللهِ ابنُ عُمَرَ، وعَبْدُ اللهِ بنُ عَمْرٍو، وحَكِيمُ بنُ حِزَامٍ، وأبُو بَرْزَةَ الأسْلَمِيُّ. واتُّفِقَ على حَدِيثِ ابن عمرَ، وحَكيمٍ، ورَوَاهُ عن نَافِعٍ، عن ابْنِ عمرَ، مَالِكٌ، وأيُّوبُ، وعُبَيْدُ اللهِ بنُ عمرَ، وابنُ جُرَيْجٍ، واللَّيْثُ بنُ سَعْدٍ، ويَحْيَى بنُ سَعِيدٍ، وغَيْرُهم. وهو صَرِيحٌ فى حُكْمِ المَسْأَلةِ. وعَابَ كَثِيرٌ من أهْلِ العِلْمِ على مَالِكٍ مُخَالَفَتَهُ لِلْحَدِيثِ، مع رِوَايَتهِ له، وثُبُوتِه عِنْدَه، وقال الشَّافِعِيُّ، ﵀: لا أدْرِى هل اتَّهَمَ مَالِكٌ نَفْسَه أو نَافِعًا؟ وأُعْظِمُ أنْ أَقُولَ: عَبْدَ اللهِ بنَ عمرَ. وقال ابنُ أَبِى ذِئْبٍ: يُسْتَتَابُ مَالِكٌ فى تَرْكِه لهذا الحَدِيثِ. فإن قِيلَ: المُرَادُ بِالتَّفَرُّقِ هَاهُنَا التَّفَرُّقُ بالأقْوَالِ، كما قال اللهُ تَعَالَى: ﴿وَمَا تَفَرَّقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ﴾ (٤). وقال النَّبيُّ ﷺ : "سَتَفْتَرِقُ أُمَّتِى عَلَى ثَلَاثٍ وسَبْعِينَ فِرْقَةً" (٥). أىْ بِالأقْوالِ والاعْتِقادَاتِ. قلنا: هذا بَاطِلٌ لِوُجُوهٍ، منها، أنَّ اللَّفْظَ لا يَحْتَمِلُ ما قَالُوهُ؛ إذْ لَيْسَ بين المُتَبَايِعَيْنِ تَفَرُّقٌ بقَوْلٍ (٦) ولا اعْتِقَادٍ، إنَّما بَيْنهما اتِّفَاقٌ على الثَّمَنِ والمَبِيعِ بعد الاخْتِلَافِ فيه. الثانى، أنَّ هذا يُبْطِلُ فَائِدَةَ الحَدِيثِ؛ إذْ قَدْ عُلِمَ أنهما بِالخِيَارِ قبلَ العَقْدِ فى إنْشَائِه وإتْمَامِه، أو تَرْكِهِ. الثالث، أنَّه قال فى الحَدِيثِ: "إذا تَبَايَعَ الرَّجُلَانِ، فَكُلُّ وَاحِدٍ منهما بِالْخِيَار". فجَعَلَ لهما الخِيارَ بعد تَبَايُعِهما، وقال: "وإنْ تَفَرَّقَا بَعْدَ أنْ تَبَايَعَا، ولم يَتْرُكْ أحَدُهُمَا البَيْعَ، فَقَدْ وَجَبَ البَيْعُ". الرابع، أنَّه يَرُدُّهُ تَفْسِيرُ ابنِ عمرَ لِلْحَدِيثِ بِفِعْلِه، فإنَّه كان إذا بَايَعَ رَجُلًا مَشَى خُطُوَاتٍ؛ لِيَلْزَمَ البَيْعُ، وتَفْسِيرُ أبى بَرْزَةَ له، بِقَوْلِه على مِثْلِ قَوْلِنَا، وهما رَاوِيَا الحَدِيثِ، وأعْلَمُ بمَعْنَاهُ، وقَوْلُ عمرَ: البَيْعُ صَفْقَةٌ أو خِيَارٌ. معناه، أنَّ البَيْعَ يَنْقَسِمُ إلى بَيْعٍ شُرِطَ فيه الخِيَارُ،
стр. 2622
وبَيْعٍ لم يُشْتَرَطْ فيه، سَمَّاهُ صَفْقَةً لِقِصَرِ مُدَّةِ الخِيَارِ فيه، فإنَّه قد رَوَى عنه أبو إسحاقَ الجُوزَجَانِيُّ مِثْلَ مَذْهَبِنا، ولو أرَادَ ما قَالُوهُ، لم يَجُزْ أن يُعَارَضَ به قَوْلُ النَّبِيِّ ﷺ ، فلا حُجَّةَ فى قَوْلِ أحَدٍ مع قَوْلِ النَّبيِّ ﷺ ، وقَدْ كان عمرُ إذا بَلَغَهُ قَوْلُ النَّبِيِّ ﷺ ، رَجَعَ عن قَوْلِه، فكيف يُعارَضُ قَوْلُهُ بِقَوْلِه؟ على أنَّ قَوْلَ عمرَ ليسَ بِحُجَّةٍ إذا خَالَفَهُ بَعْضُ الصَّحَابَةِ، وقد خَالَفَهُ ابْنُه، وأبو بَرْزَةَ، وغَيْرُهما، ولا يَصِحُّ قِيَاسُ البَيْعِ على النِّكَاحِ؛ لأنَّ النِّكاحَ لا يَقَعُ غَالِبًا إلَّا بعد رَوِيَّةٍ ونَظَرٍ وتَمَكُّثٍ، فلا يَحْتاجُ إلى الخِيَارِ بعده، ولأنَّ فى ثُبُوتِ الخِيَارِ فيه مَضَرَّةٌ، لما يَلْزَمُ من رَدِّ المَرْأةِ بعد ابْتِذَالِها بِالعَقْدِ، وذَهَابِ حُرْمَتِها بِالرَّدِّ، وإلْحَاقِها بِالسِّلَعِ المَبِيعَةِ، فلم يَثْبُتْ فيه خِيَارٌ لذلك، ولِهذا لم يَثْبُتْ فيه خِيَارُ الشَّرْطِ، ولا خِيَارُ الرُّؤْيَةِ، والحُكْمُ فى هذه المَسْألَةِ ظَاهِرٌ؛ لِظُهُورِ دَلِيلِه، وَوَهَاءِ ما ذَكَرَهُ المُخَالِفُ فى مُقَابَلَتِه، واللهُ أعْلَمُ. الفصل الثاني، أنَّ البَيْعَ يَلْزَمُ بِتَفَرُّقِهِما؛ لِدَلَالَةِ الحَدِيثِ عليه، ولا خِلَافَ فى لُزُومِه بعد التَّفَرُّقِ، والمَرْجِعُ فى التَّفَرُّقِ إلى عُرْفِ النّاسِ وعَادَتِهم، فيما يَعُدُّونَهُ تَفَرُّقًا؛ لأنَّ الشَّارِعَ عَلَّقَ عليه حُكْمًا، ولم يُبَيِّنْهُ، فَدَلَّ ذلك على أنَّه أرَادَ ما يَعْرِفُه النّاسُ، كَالقَبْضِ، والإِحْرَازِ، فإن كانَا فى فَضَاءٍ وَاسِعٍ، كَالمَسْجِدِ الكَبِيرِ، والصَّحْرَاءِ، فَبِأَنْ يَمْشِىَ أحَدُهُمَا مُسْتَدْبِرًا لِصَاحِبِه خُطُوَاتٍ، وقِيلَ: هو أن يَبْعُدَ منه بِحَيْثُ لا يَسْمَعُ كَلَامَه الذى يَتَكَلَّمُ به فى العادَةِ. قال أبُو الحَارِثِ: سُئِلَ أحْمَدُ عن تَفْرِقَةِ الأبدَانِ؟ فقال: إذا أخَذَ هذا كذا، وهذا كذا، فقد تَفَرَّقَا. وَرَوَى مُسْلِمٌ، عن نَافِعٍ، قال: فكان ابنُ عُمَرَ إذا بَايَعَ، فأرَادَ [أنْ] (٧) لا يُقِيلَه، مَشَى هُنَيْهَةً، ثم رَجَعَ. وإنْ كَانَا فى دَارٍ كَبِيرَةٍ، ذاتِ مَجَالِسَ وبُيُوتٍ، فَالمُفَارَقَةُ أنْ يُفَارِقَهُ من بَيْتٍ إلى بَيْتٍ، أو إلى مَجْلِسٍ، أو صِفَةٍ، أو من مَجْلِسٍ إلى بَيْتٍ، أو نَحْوِ ذلك. فإنْ كَانَا فى دارٍ صَغِيرَةٍ، فإذا صَعِدَ أحَدُهُما السَّطْحَ، أو خَرَجَ منها، فقد فَارَقَهُ. وإن كانَا فى سَفِينَةٍ صَغِيرَةٍ، خَرَجَ أحَدُهما منها
стр. 2623
ومَشَى، وإنْ كانتْ كَبِيرَةً صَعِدَ أحَدُهما على أعْلاها، ونَزَلَ الآخَرُ فى أسْفَلِها. وهذا كُلّه مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ. فإنْ كان المُشْتَرِى هو البَائِعَ، مثلُ أنْ يَشْتَرِىَ لِنَفْسِه من مَالِ وَلَدهِ، أو اشْتَرَى لِوَلَدِه من مَالِ نَفْسِه، لم يَثْبُتْ فيه خِيَارُ المَجلِسِ؛ لأنَّه تَوَلَّى طَرَفَىِ العَقْدِ، فلم يَثْبُتْ له خِيَارٌ، كَالشَّفِيعِ، ويَحْتَمِلُ أنْ يَثْبُتَ فيه، ويُعْتَبَرَ مُفَارَقَة مَجْلِسِ العَقْدِ لِلُزُومِهِ؛ لأنَّ الافْتِرَاقَ لا يُمْكِنُ هَاهُنَا، لِكَوْنِ البَائِعِ هو المُشْتَرِى، ومَتَى حَصَلَ التَّفَرُّقُ لَزِمَ العَقْدُ، قَصَدَا ذلك أو لم يَقْصِدَاهُ، عَلِمَاهُ أو جَهِلَاهُ؛ لأنَّ النَّبِيَّ ﷺ عَلَّقَ الخِيارَ على التَّفَرُّقِ، وقد وُجِدَ. ولو هَرَبَ أحَدُهما من صَاحِبِه، لَزِمَ العَقْدُ؛ لأنَّه فَارَقَهُ بِاخْتِيَارِهِ، ولا يَقِفُ لُزُومُ العَقْدِ على رِضَاهما، ولهذا كان ابنُ عُمَرَ يُفَارِقُ صَاحِبَه لِيَلْزَمَ البَيْعُ. ولو أقَامَا فى المَجْلِسِ، وسَدَلَا بينهما سِتْرًا، أو بَنَيَا بينهما حَاجِزًا، أو نَامَا، أو قَامَا فَمَضَيَا جَمِيعًا ولم يَتَفَرَّقَا، فَالخِيَارُ بحَالِه، وإن طَالَتِ المُدَّةُ لِعَدَمِ التَّفَرُّقِ. ورَوَى أبُو دَاوُدَ (٨)، والأثْرَمُ، بإسْنَادِهِمَا عن أبى الوَضِىءِ (٩)، قال: غَزَوْنَا غَزوَةً لنا، فنَزَلْنَا مَنْزِلًا، فبَاعَ صَاحِبٌ لنا فَرَسًا بِغُلَامٍ، ثم أقَامَا بَقِيَّةَ يَوْمِهِمَا ولَيْلَتِهِما، فلمَّا أصْبَحَا من الغَدِ، وحَضَرَ الرَّحِيلُ، قَامَ إلى فَرَسِه يُسْرِجُهُ، فَنَدِمَ، فأَتَى الرَّجُلَ، وأخَذَهُ بِالبَيْعِ، فأبَى الرَّجُلُ أنْ يَدْفَعَهُ إليه، فقال: بَيْنِى وبَيْنَكَ أبو بَرْزَةَ صَاحِبُ رَسُولِ اللهِ ﷺ . فأَتَيَا أبَا بَرْزَة فى نَاحِيَةِ العَسْكَرِ (١٠)، فقَالَا له هذه القِصَّة. فقال: أتَرْضَيانِ أن أقْضِىَ بَيْنَكُما بِقَضاءِ رَسُولِ اللَّه ﷺ ؟ قال رَسُولُ اللهِ ﷺ : "البَيِّعَانِ بِالخِيَارِ ما لم يَتَفَرَّقَا". ما أَرَاكُما افْتَرَقْتُما. فإنْ فَارَقَ أحَدُهما الآخَرَ مُكْرَهًا، احْتَمَلَ بُطْلَانُ الخِيَارِ؛ لوُجُودِ غَايَتِه، وهو التَّفَرُّقُ، ولأنَّه لا يُعْتَبَرُ رِضَاهُ فى مُفَارَقَةِ صَاحِبِه له،
стр. 2624
فكَذَلِكَ فى مُفَارَقَتِه لِصَاحِبِه. وقال القَاضِى: لا يَنْقَطِعُ الخِيَارُ؛ لأنَّه حُكْمٌ عُلِّقَ على التَّفَرُّقِ، فلم يَثْبُتْ مع الإكْرَاهِ، كما لو عُلِّقَ عليه الطَّلَاقُ. ولِأصْحَابِ الشَّافِعِيِّ وَجْهَانِ كهذَيْنِ. فعَلَى قَوْلِ مَنْ لا يَرَى انْقِطاعَ الخِيَارِ، إنْ أُكْرِهَ أحَدُهما على فُرْقَةِ صَاحِبِه، انْقَطَعَ خِيَارُ صَاحِبِه، كما لو هَرَبَ منه، وفَارَقَه بغيرِ رِضَاهُ، ويكونُ الخِيارُ لِلْمُكْرَهِ منهما فى المَجْلِسِ الذى يَزُولُ عنه فيه الإِكْرَاهُ، حتى يُفارِقَهُ، وإن أُكْرِهَا جَمِيعًا انْقَطَعَ خِيَارُهما؛ لأن كُلَّ وَاحِدٍ منهما يَنْقَطِعُ خِيَارُه بِفُرْقَةِ الآخَرِ له، فأَشْبَه ما لو أُكْرِهَ صَاحِبُه دُونَه. وذَكَرَ ابنُ عَقِيلٍ من صُوَرِ الإِكْرَاهِ، ما لو رَأَيَا سَبُعًا أو ظَالِمًا خَشِيَاهُ، فهَرَبَا فَزَعًا منه، أو حَمَلَهما سَيْلٌ أو فَرَّقَتْ رِيحٌ بينهما.
فصل: وإن خَرِسَ أحَدُهما، قامَتْ إشارَتُه مَقامَ لَفْظِه، فإن لم تُفْهَمْ إشَارَتُه، أو جُنَّ، أو أُغْمِىَ عليه، قَامَ وَلِيُّه من الأَبِ، أو وَصِيُّه، أو الحَاكِمُ، مَقامَه، وهذا مذهبُ الشَّافِعِيِّ. وإنْ مَاتَ أحَدُهما بَطَلَ خِيارُه؛ لأنَّه قَدْ تَعَذَّرَ منه الخِيارُ، والخِيارُ لا يُوَرَّثُ. وأما الباقى منهما فيَبْطُلُ خِيارُه أيضًا؛ لأنَّه يَبْطُلُ بِالتَّفَرُّقِ، والتَّفَرُّقُ بِالمَوْتِ أَعْظَمُ، ويَحْتَمِلُ أنْ لا يَبْطُلَ؛ لأنَّ التَّفَرُّقَ بالأبدَانِ لم يَحْصُلْ. فإنْ حُمِلَ المَيِّتُ بَطَلَ الخِيَارُ؛ لأنَّ الفُرْقَةَ حَصَلَتْ بِالبَدَنِ والرُّوحِ مَعًا.
فصل: وقد رَوَى عَمْرُو بنُ شُعَيْبٍ، عن أبِيهِ، عن جَدِّهِ، أنَّ النَّبِيَّ ﷺ قال: "البَائِعُ والمُبْتَاعُ بِالخِيَارِ حَتَّى يَتَفَرَّقَا، إلَّا أن تَكُونَ صَفْقَةَ خِيَارٍ، فلا يَحِلُّ له أن يُفَارِقَ صَاحِبَهُ خَشْيَةَ أن يسْتَقِيلَهُ". رَوَاهُ النَّسَائِىُّ، والأثْرَمُ، والتِّرْمِذِيُّ (١١)، وقال: حَدِيثٌ حَسَنٌ. وقَوْلُهُ: "إلا أن تَكُونَ صَفْقَةَ خِيَارٍ". يَحْتَمِلُ أنَّه أرادَ
стр. 2625
البَيْعَ المَشْروطَ فيه الخِيارُ، فإنَّه لا يَلْزَمُ بِتَفرُّقِهما، ولا يكُونُ تَفَرُّقُهُما غَايَةً لِلْخِيارِ فيه؛ لِكَوْنِه ثَابِتًا بعد تَفَرُّقِهما. ويَحْتَمِلُ أنَّه أرادَ البَيْعَ الذى شَرَطا فيه أن لا يَكُونَ بَيْنَهما فيه خِيارٌ، فَيَلْزَمُ بِمُجَرَّدِ العَقْدِ من غيرِ تَفَرُّقٍ. وظاهِرُ الحَديثِ تَحْرِيمُ مُفارَقَةِ أحَدِ المُتَبايِعَيْنِ لِصاحِبِهِ خَشْيَةً من فَسْخِ البَيْعِ، وهذا ظاهِرُ كَلامِ أحمدَ فى رِوايَةِ الأَثْرَمِ، فإنَّه ذُكِرَ له فِعْلُ ابنِ عُمَرَ، وحَديثُ عَمْرِو بنِ شُعَيْبٍ، فقال: هذا الآن قَوْلُ النَّبِيِّ ﷺ ، وهذا اختيارُ أبى بَكْرٍ. وذَكَرَ القاضى، أنَّ ظاهِرَ كَلامِ أحمدَ، جَوازُ ذَلك؛ لأنَّ ابْنَ عُمَرَ كان إذا اشْتَرَى شَيْئًا يُعْجِبُه فَارَقَ صَاحِبَهُ. مُتَّفَقٌ عليه (١٢). والأوَّلُ أصَحُّ؛ لأنَّ قَوْلَ النبِيِّ ﷺ يُقَدَّمُ على فِعْلِ ابْنِ عُمَرَ. والظَّاهِرُ أنَّ ابْنَ عُمَرَ لم يَبْلُغْهُ هذا، ولو بَلَغَه (١٣) لما خالَفَهُ.
الفَصْلُ الثَّالِثُ: أنَّ ظاهِرَ كَلامِ الخِرَقِيِّ أنَّ الخِيارَ يَمْتَدُّ إلى التَّفَرُّقِ، ولا يَبْطُلُ بِالتَّخايُرِ قبل العَقْدِ ولا بَعْدَه، وهو إحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ عن أحمدَ؛ لأنَّ أكْثَرَ الرِّوَاياتِ عن النَّبِيِّ ﷺ : "البَيِّعانِ بِالخِيَارِ ما لم يَتَفَرَّقَا". من غير تَقْيِيدٍ، ولا تَخْصيصٍ، هكذا رَواهُ (١٤) حَكيمُ بنُ حِزامٍ، وأبُو (١٥) بَرْزَةَ، وأكْثَرُ الرِّوَاياتِ عن عَبْدِ اللهِ بن عُمَرَ. والرِّوَايَةُ الثَّانِيَةُ، أنَّ الخِيارَ يَبْطُلُ بِالتَّخايُرِ. اختارَها الشَّرِيفُ ابنُ أبِى موسى، وهذا مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ، وهو أَصَحُّ؛ لِقَوْلِ النَّبِيِّ ﷺ [فى حَديِثِ ابْنِ عُمَرَ] (١٦): "فَإنْ خَيَّرَ أَحَدُهما صَاحِبَهُ، فَتبايَعا عَلَى ذَلِكَ، فَقَدْ وَجَبَ البَيْعُ" (١٧). يَعْنِى لَزِمَ. وفى لَفْظٍ: "المُتَبَايِعَانِ بِالْخِيَارِ مَا لَمْ يَتَفَرَّقَا، إلَّا أنْ يَكُونَ البَيْعُ كَانَ عَنْ خِيَارٍ،
стр. 2626
فَإنْ كَانَ الْبَيْعُ عَنْ خِيَارٍ فَقَدْ وَجَبَ البَيْعُ". مُتَّفَقٌ عليه (١٨). والأَخْذُ بِالزِّيادَةِ أولَى. والتَّخايُرُ فى ابْتِداءِ العَقْدِ وبعدَه فى المَجْلِسِ وَاحِدٌ، فَالتَّخايُرُ فى ابْتِدَائِه أن يَقُولَ: بِعْتُكَ ولا خِيارَ بَيْنَنا. ويَقْبَلُ الآخَرُ على ذلك، فلا يَكونُ لهما خِيارٌ. والتَّخَايُرُ بعدَه (١٩) أن يقولَ كُلُّ واحِدٍ مِنهما بعدَ العَقْدِ: اخْتَرْتُ إمْضاءَ العَقْدِ، أو إلْزامَه، أو اخْتَرْتُ العَقْدَ، أو أسْقَطْتُ خِيارِى. فَيَلْزَمُ العَقْدُ من الطَّرَفَيْنِ، وإن اخْتارَ أحَدُهُما دون الآخَرِ، لَزِمَ فى حَقِّه وَحْدَهُ، كما لو كان خِيارُ الشَّرْطِ لهما، فأسْقَطَ أحَدُهما خِيارَهُ دُونَ الآخَرِ. وقال أصحابُ الشَّافِعِيِّ: فى التَّخايُرِ فى ابْتِداءِ العَقْدِ قَوْلانِ، أظْهَرُهما لا يُقْطَعُ الخِيَارُ؛ لأنَّه إسْقاطٌ لِلْحَقِّ قبل سَبَبِهِ، فلم يَجُزْ، كَخِيارِ الشُّفْعَةِ. فعلى هذا، هل يَبْطُلُ العَقْدُ بهذا الشَّرْطِ؟ على وَجْهَيْنِ، بِناءً على الشُّرُوطِ الفاسِدَةِ. ولنا، قَوْلُه ﵇: "فإن خَيَّرَ أحَدُهُمَا صاحِبَه، فَتبايَعَا على ذلك، فقد وَجَبَ البَيْعُ". وقَوْلُه: "إلَّا أن يَكُونَ البَيْعُ كانَ عن خِيَارٍ، فإن كان البَيْعُ عن خِيَارٍ فقد (٢٠) وَجَبَ البَيْعُ" (٢١). وهذا صَرِيحٌ فى الحُكْمِ، فلا يُعَوَّلُ على ما خالَفَهُ. ولأنَّ ما أثَّرَ فى الخِيارِ فى المَجْلِسِ، أثَّرَ فيه مُقارِنًا لِلْعَقْدِ، كَاشْتِراطِ الخِيارِ. ولأنَّه أحَدُ الخِيارَيْنِ فى البَيْعِ، فجازَ إخْلاؤُه عنه، كَخِيارِ الشَّرْطِ. وقَوْلُهُمْ: إنَّه إسْقاطٌ لِلْخِيارِ قبل سَبَبِهِ. لَيْسَ كذلك، فإنَّ سَبَبَ الخِيارِ البَيْعُ المُطْلَقُ، فأمَّا البَيْعُ مع التَّخَايُرِ فَلَيْسَ بِسَبَبٍ
стр. 2627
له. ثم لو ثَبَتَ أنَّه سَبَبُ الخِيارِ، لكنَّ المانِعَ مُقارِنٌ له، فلم يَثْبُتْ حُكْمُه، وأمَّا الشَّفِيعُ، فإنَّه أجْنَبِيٌّ من العَقْدِ، فلم يَصِحَّ اشْتِراطُ إسْقاطِ خِيارِه فى العَقْدِ، بِخِلافِ مَسْألَتِنَا. فإن قال أحَدُهما لِصاحِبِه: اخْتَرْ. ولم يَقُل الآخَرُ شَيْئًا، فالسَّاكِتُ منهما على خِيارِهِ؛ لأنَّه لم يُوجَدْ منه ما يُبْطِلُ خِيارَهُ. وأمَّا القَائِلُ، فيَحْتَمِلُ أن يَبْطُلَ خِيارُه؛ لما رَوَى ابْنُ عُمَرَ أنَّ النَّبِيَّ ﷺ ، قال: "البَيِّعَانِ بِالخِيَارِ ما لم يَتَفَرَّقَا، أو يَقُولُ أحَدُهُمَا لِصَاحِبِه: اخْتَرْ". رواهُ البخارىُّ، وأبو داودَ، والنَّسائىُّ (٢٢). ولأنَّه جَعَلَ لِصاحِبِه ما مَلَكَهُ من الخِيارِ، فَسَقَطَ خِيارُه، وهذا ظاهِرُ مَذْهَبِ الشَّافِعِىِّ. ويَحْتَمِلُ أن لا يَبْطُلَ خِيارُه؛ لأنَّه خَيَّرَهُ، [فلم يَخْتَرْ] (٢٣)، فلم يُؤَثِّرْ فيه (٢٤)، كما لو جَعَلَ لِزَوْجَتِه الخِيارَ، فلم تَخْتَرْ (٢٥)، ويُحْمَلُ الحَديثُ على أنَّه خَيَّرَهُ فاخْتارَ، والأوَّلُ أوْلَى؛ لِظاهِرِ الحَدِيثِ. ولأنَّه جَعَلَ الخِيارَ لِغَيْرِه، ويُفارِقُ الزَّوْجَةَ؛ لأنَّه مَلَّكَها ما لا تمْلِكُ، فإذا لم تَقْبَلْ، سَقَطَ، وهاهُنا كُلُّ واحِدٍ منهما يَمْلِكُ الخِيارَ، فلم يَكُنْ قَوْلُه تَمْلِيكًا، إنَّما كان إسْقاطًا، فسقَطَ.
٧٠١ - مسألة؛ قال: (فَإنْ تلِفَتِ السِّلْعَةُ، أوْ كَانَ عَبْدًا فَأعْتَقَهُ المُشْتَرِى، أو مَاتَ، بَطَلَ الخِيَارُ)
أمَّا إذا تَلِفَتِ السِّلْعَةُ فى مُدَّةِ الخِيارِ، فلا يَخْلُو، إمَّا أن تَكونَ قبلَ القَبْضِ، أو بَعْدَه، فإن كان قَبْلَ القَبْضِ، وكان مَكيلًا، أو مَوْزونًا، انْفَسَخَ البَيْعُ، وكان من مالِ البائِعِ، ولا أعْلَمُ فى هذا خِلافًا، إلَّا أن يُتْلِفَهُ المُشْتَرِى، فَيَكونَ من ضَمانِه،
стр. 2628
ويَبْطُلَ خِيارُهُ. وفى خِيارِ البائِعِ رِوايَتانِ. وإن كان المَبيعُ غيرَ المَكيلِ والمَوْزُونِ، ولم يَمْنَعِ البائِعُ المُشْتَرِىَ من قَبْضِه، فظاهِرُ المذهبِ أنَّه من ضَمانِ المُشْتَرِى، ويَكونُ كتَلَفِه بعد القَبْضِ. وأمَّا إن تَلِفَ المَبِيعُ بعدَ القَبْضِ فى مُدَّةِ الخِيارِ، فهو من ضَمانِ المُشْتَرِى، ويَبْطُلُ خِيارُه. وفى خِيارِ البائِعِ رِوايَتانِ؛ إحداهما، يَبْطُلُ، وهو اخْتِيارُ الخِرَقِىِّ، وأبِى بَكْرٍ؛ لأنَّه خِيارُ فَسْخٍ، فبَطَلَ بِتَلَفِ المَبِيع، كِخِيارِ الرَّدِّ بِالعَيْبِ إذا تَلِفَ المَعيبُ. والرِّوايَةُ الثانيةُ، لا يَبْطُلُ، ولِلبائِعِ أن يَفْسَخَ ويُطالِبَ المُشْتَرِىَ بِقِيمَتِه، وهذا اختيارُ القاضى، وابنِ عَقِيلٍ؛ لِقَوْلِ النَّبِىِّ ﷺ : "البَيِّعَانِ بِالخِيَارِ ما لم يَتَفَرَّقَا". ولأنَّه خِيَارُ فَسْخٍ، فلم يَبْطُلْ بِتَلَفِ المَبِيعِ، كما لو اشْتَرَى ثَوْبًا بِثَوْبٍ، فتَلِفَ أحَدُهُما، ووَجَدَ الآخَرُ بِالثَّوْبِ عَيْبًا، فإنَّه يَرُدُّه، ويَرْجِعُ بِقِيمَةِ ثَوْبِه، كذا هاهُنا. وأمَّا إذا أعْتَقَهُ المُشْتَرِى، فإنَّ خِيَارَهُ يَبْطُلُ؛ لأنَّه أتْلَفَه، وفى بُطْلانِ خِيارِ البائِعِ رِوايَتانِ، كما لو تَلِفَ المَبيعُ. وخِيارُ المَجْلِسِ، وخِيارُ الشَّرْطِ فى هذا كُلِّه سواءٌ.
فصل: ومَتَى تَصَرَّفَ المُشْتَرِى فى المَبيعِ فى مُدَّةِ الخِيارِ تَصَرُّفًا يَخْتَصُّ المِلْكَ، بَطَلَ خِيارُهُ، كإعْتاقِ العَبْدِ، وكِتابَتِه، وبَيْعِهِ، وهِبَتِه، وَوَطْءِ الجارِيَةِ، أو مُباشَرَتِها، أو لَمْسِها لِشَهْوَةٍ، وَوَقْفِ المَبيعِ، وَرُكُوبِ الدَّابَّةِ لِحَاجَتِه، أو سَفَرٍ، أو حَمْلِه عليها، أو سُكْنَى الدَّارِ، وَرَمِّها، وحَصادِ الزَّرْعِ، وقَصْلٍ (١) منه، فما وُجِدَ من هذا فهو رِضاءٌ بِالمَبِيعِ، ويَبْطُلُ به خِيارُهُ؛ لأنَّ الخِيارَ يَبْطُلُ بِالتَّصْريحِ بِالرِّضاءِ، وبِدَلالَتِه، ولذلك يَبْطُلُ خِيارُ المُعْتَقَةِ بِتَمْكِينِها الزَّوْجَ من وَطْئِها، وقال لها رسولُ اللَّه ﷺ : "إنْ وَطِئَكِ فَلَا خِيارَ لَكِ" (٢). وهذا مذهبُ أبى حنيفةَ، والشَّافِعِيِّ. فأمَّا رُكوبُ الدَّابَّةِ لِيَنْظُرَ سَيْرَها، والطَّحْنُ على الرَّحَى لِيَعْلَمَ
стр. 2629
قَدْرَ طَحْنِها، وحَلْبُ الشَّاةِ لِيَعْلَمَ قَدْرَ لَبَنِها، ونَحْوُ ذلك، فليس بِرِضًا بِالبَيْعِ، ولا يَبْطُلُ خِيارُه؛ لأنَّ ذلك هو المَقْصودُ بِالخِيارِ، وهو اخْتِبارُ المَبيعِ. وذَكَرَ أبو الخَطَّابِ وَجْهًا فى أنَّ تَصَرُّفَ المُشْتَرِى لا يُبْطِلُ خِيارَهُ، ولا يَبْطُلُ إلَّا (٣) بِالتَّصْرِيحِ بِالرِّضا. ولا يَصِحُّ؛ لأنَّ هذا يَتَضَمَّنُ إجازَةَ البَيْعِ، ويَدُلُّ على الرِّضا به، فَبَطَلَ به الخِيارُ كَصَريحِ القَوْلِ. ولأنَّ الصَّرِيحَ (٤) إنَّمَا أبْطَلَ الخِيارَ لِدَلالَتِه على الرِّضا به، فما دَلَّ على الرِّضا به يَقُومُ مَقامَهُ، كَكِنَاياتِ الطَّلاقِ، تَقومُ مَقامَ صَريحِه. وإن عَرَضَه على البَيْعِ، أو باعَهُ بَيْعًا فَاسِدًا، أو عَرَضَه على الرَّهْنِ، أو غيرِه من التَّصَرُّفاتِ، أو وَهَبَهُ، فلم يَقْبَلِ المَوْهُوبُ له، بَطَلَ خِيارُه؛ لأنَّ (٥) ذلك يَدُلُّ على الرِّضا به. قال أحمدُ: إذا اشْتَرَطَ الخِيارَ، فباعَهُ قبلَ ذلك بِرِبْحٍ، فَالرِّبْحُ لِلْمُبْتاعِ؛ لأنَّه وَجَبَ عليه حِينَ عَرَضَهُ. وإن اسْتَخْدَمَ المُشْتَرِى المَبِيعَ، ففيه رِوايَتانِ؛ إحداهما، لا يَبْطُلُ خِيارُه، وقال أبو الصَّقْرِ (٦): قلتُ لأحمدَ: رَجُلٌ اشْتَرَى جارِيَةً، وله الخِيارُ فيها يَوْمَيْن، فَانْطَلَقَ بها، فَغَسَلَتْ رَأْسَه، أو غَمَزَتْ رِجْلَه، أو طَحَنَتْ له، أو خَبَزَتْ، هل يَسْتَوْجِبُها بذلك؟ قال: لا، حتى يَبْلُغَ منها ما لا يَحِلُّ لِغَيْرِهِ. قلتُ: فإن مَشَطَها، أو خَضَبَها، أو حَفَّها، هل يَسْتَوْجِبُها بذلك؟ قال: قد بَطَلَ خِيارُه؛ لأنَّه وَضَع يَدَهُ عليها. وذلك لأنَّ الاسْتِخْدامَ لا يَخْتَصُّ المِلْكَ، ويُرادُ لِتَجْرِبَةِ المَبيعِ، فأشْبَه رُكوبَ الدَّابَّةِ لِيَعْلَمَ سَيْرَها. ونَقَلَ حَرْبٌ، عن أحمدَ، أنَّه يَبْطُل خِيارُه؛ لأنَّه انْتِفَاعٌ بِالمَبيعِ، أشْبَه لَمْسَها لِشَهْوَةٍ. ويُمْكِنُ أن يُقالَ: ما قُصِدَ به من الاسْتِخْدامِ، تَجْرِبَةُ المَبِيع، لا يُبْطِلُ الخِيارَ، كَرُكوبِ الدَّابَّة لِيَعْلَمَ سَيْرَها، وما لا يُقْصَدُ به ذلك يُبْطِلُ الخِيَارَ، كَرُكوبِ الدَّابَّةِ لِحاجَتِه، وإن قَبَّلَتِ الجارِيَةُ المُشْتَرِىَ لم يَبْطُلْ خِيارُهُ، وهذا مذهَبُ الشَّافِعِىِّ. وقال
стр. 2630
أبُو الخَطَّابِ: يَحْتَمِلُ أن يَبْطُلَ خِيارُه إذا لم يَمْنَعْها؛ لأنَّ إقْرارَهُ لها على ذلك يَجْرِى مجْرَى اسْتِمْتاعِه بها. وقال أبو حنيفةَ: إن قَبَّلَتْهُ لِشَهْوَةٍ بَطَلَ خِيارُه، لأنَّه اسْتِمْتاعٌ يَخْتَصُّ المِلْكَ، فأْبطَلَ خِيارَهُ، كَقُبْلَتِه لها. ولنا: أنَّها قُبْلَةٌ لِأحَدِ المُتَعاقِدَيْنِ، فلم يَبْطُلْ خِيارُه، كما لو قَبَّلَتِ البائِعَ. ولأنَّ الخِيارَ لَهُ، لا لَها، فلو أَلْزَمْناهُ بِفِعْلِها لأَلْزَمْناهُ بغيرِ رِضاهُ، ولا دَلالَةَ عليه، وفارَقَ ما إذا قَبَّلَها؛ فإنَّه (٧) وُجِدَ منه ما يَدُلُّ على الرِّضا بها. ومَتَى بَطَلَ خِيارُ المُشْتَرِى بِتَصَرُّفِه، فَخِيارُ البائِعِ باقٍ بحالِه؛ لأنَّ خِيارَهُ لا يَبْطُلُ بِرِضا غَيْرِه، إلَّا أن يَكونَ تَصَرُّفُ المُشْتَرِى بإذْنِ البَائِعِ، فإنَّه يَبْطُلُ خِيارُهما معًا؛ لوُجُودِ الرِّضا منهما (٨) بِإِبْطالِه. وإن تَصَرَّفَ البائِعُ فى المَبيعِ بما يَفْتَقِرُ إلى المِلْكِ، كان فَسْخًا للْبَيْعِ، وهذا مذهبُ أبِى حنيفةَ، والشَّافِعىِّ؛ لما ذَكَرْنَاهُ فى المُشْتَرِى. ولأنَّه أحَدُ المُتَعاقِدَيْنِ، فَتَصَرُّفُه فى المَبيعِ اخْتِيارٌ له، كالمُشْتَرِى. وعن أحْمَدَ رِوايَةٌ أُخْرَى، أنَّه لا يَنْفَسِخُ البَيْعُ بذلك؛ لأنَّ المِلْكَ انتقَلَ عنه، فلم يكُنْ تَصَرُّفُه فيه اسْتِرْجاعًا له، كَمَنْ وَجَدَ مالَهُ عند مُفْلِسٍ، فَتَصرَّفَ فيه.
فصل: ويَنْتَقِلُ المِلْكُ إلى المُشْتَرِى فى بَيْعِ الخِيارِ بِنَفْسِ العَقْدِ فى ظاهِرِ المذهبِ، ولا فَرْقَ بين كَوْنِ الخِيارِ لهما، أو لأحَدِهما، أيِّهما كان، وهذا أحَدُ أقْوالِ الشَّافِعىِّ. وعن أحمدَ: أنَّ المِلْكَ لا يَنْتَقِلُ حتى يَنْقَضِىَ الخِيارُ، وهو قَوْلُ مَالِكٍ، والقَوْلُ الثَّانِى لِلشَّافِعِىِّ، وبه قال أبُو حَنِيفَةَ إذا كان الخِيارُ لهما وللبائِعِ (٩)، وإن كان لِلْمُشْتَرِى خَرَجَ عن مِلْكِ البَائِعِ، فلم يَدْخُلْ فى مِلْكِ المُشْتَرِى؛ لأنَّ البَيْعَ الذى فيه الخِيارُ عَقْدٌ قاصِرٌ، فلم يَنْقُلِ المِلْكَ، كَالهِبَةِ قبلَ القَبْضِ. والقولُ الثَّالِثُ لِلشَّافِعِىِّ: أنَّ المِلْكَ مَوْقوفٌ مُراعًى، فإن أَمْضَيَا البَيْعَ تَبَيَّنَّا أنَّ المِلْكَ لِلْمُشْتَرِى،