← Фикх ханбали

Фикх ханбали · id 6910

المغني لابن قدامة - ت التركي

ابن قدامة

Полный текст (7 955 стр.). Показаны 2626–2665 · переход к 2631.

стр. 2626

فَإنْ كَانَ الْبَيْعُ عَنْ خِيَارٍ فَقَدْ وَجَبَ البَيْعُ". مُتَّفَقٌ عليه (١٨). والأَخْذُ بِالزِّيادَةِ أولَى. والتَّخايُرُ فى ابْتِداءِ العَقْدِ وبعدَه فى المَجْلِسِ وَاحِدٌ، فَالتَّخايُرُ فى ابْتِدَائِه أن يَقُولَ: بِعْتُكَ ولا خِيارَ بَيْنَنا. ويَقْبَلُ الآخَرُ على ذلك، فلا يَكونُ لهما خِيارٌ. والتَّخَايُرُ بعدَه (١٩) أن يقولَ كُلُّ واحِدٍ مِنهما بعدَ العَقْدِ: اخْتَرْتُ إمْضاءَ العَقْدِ، أو إلْزامَه، أو اخْتَرْتُ العَقْدَ، أو أسْقَطْتُ خِيارِى. فَيَلْزَمُ العَقْدُ من الطَّرَفَيْنِ، وإن اخْتارَ أحَدُهُما دون الآخَرِ، لَزِمَ فى حَقِّه وَحْدَهُ، كما لو كان خِيارُ الشَّرْطِ لهما، فأسْقَطَ أحَدُهما خِيارَهُ دُونَ الآخَرِ. وقال أصحابُ الشَّافِعِيِّ: فى التَّخايُرِ فى ابْتِداءِ العَقْدِ قَوْلانِ، أظْهَرُهما لا يُقْطَعُ الخِيَارُ؛ لأنَّه إسْقاطٌ لِلْحَقِّ قبل سَبَبِهِ، فلم يَجُزْ، كَخِيارِ الشُّفْعَةِ. فعلى هذا، هل يَبْطُلُ العَقْدُ بهذا الشَّرْطِ؟ على وَجْهَيْنِ، بِناءً على الشُّرُوطِ الفاسِدَةِ. ولنا، قَوْلُه ﵇: "فإن خَيَّرَ أحَدُهُمَا صاحِبَه، فَتبايَعَا على ذلك، فقد وَجَبَ البَيْعُ". وقَوْلُه: "إلَّا أن يَكُونَ البَيْعُ كانَ عن خِيَارٍ، فإن كان البَيْعُ عن خِيَارٍ فقد (٢٠) وَجَبَ البَيْعُ" (٢١). وهذا صَرِيحٌ فى الحُكْمِ، فلا يُعَوَّلُ على ما خالَفَهُ. ولأنَّ ما أثَّرَ فى الخِيارِ فى المَجْلِسِ، أثَّرَ فيه مُقارِنًا لِلْعَقْدِ، كَاشْتِراطِ الخِيارِ. ولأنَّه أحَدُ الخِيارَيْنِ فى البَيْعِ، فجازَ إخْلاؤُه عنه، كَخِيارِ الشَّرْطِ. وقَوْلُهُمْ: إنَّه إسْقاطٌ لِلْخِيارِ قبل سَبَبِهِ. لَيْسَ كذلك، فإنَّ سَبَبَ الخِيارِ البَيْعُ المُطْلَقُ، فأمَّا البَيْعُ مع التَّخَايُرِ فَلَيْسَ بِسَبَبٍ

стр. 2627

له. ثم لو ثَبَتَ أنَّه سَبَبُ الخِيارِ، لكنَّ المانِعَ مُقارِنٌ له، فلم يَثْبُتْ حُكْمُه، وأمَّا الشَّفِيعُ، فإنَّه أجْنَبِيٌّ من العَقْدِ، فلم يَصِحَّ اشْتِراطُ إسْقاطِ خِيارِه فى العَقْدِ، بِخِلافِ مَسْألَتِنَا. فإن قال أحَدُهما لِصاحِبِه: اخْتَرْ. ولم يَقُل الآخَرُ شَيْئًا، فالسَّاكِتُ منهما على خِيارِهِ؛ لأنَّه لم يُوجَدْ منه ما يُبْطِلُ خِيارَهُ. وأمَّا القَائِلُ، فيَحْتَمِلُ أن يَبْطُلَ خِيارُه؛ لما رَوَى ابْنُ عُمَرَ أنَّ النَّبِيَّ ﷺ ، قال: "البَيِّعَانِ بِالخِيَارِ ما لم يَتَفَرَّقَا، أو يَقُولُ أحَدُهُمَا لِصَاحِبِه: اخْتَرْ". رواهُ البخارىُّ، وأبو داودَ، والنَّسائىُّ (٢٢). ولأنَّه جَعَلَ لِصاحِبِه ما مَلَكَهُ من الخِيارِ، فَسَقَطَ خِيارُه، وهذا ظاهِرُ مَذْهَبِ الشَّافِعِىِّ. ويَحْتَمِلُ أن لا يَبْطُلَ خِيارُه؛ لأنَّه خَيَّرَهُ، [فلم يَخْتَرْ] (٢٣)، فلم يُؤَثِّرْ فيه (٢٤)، كما لو جَعَلَ لِزَوْجَتِه الخِيارَ، فلم تَخْتَرْ (٢٥)، ويُحْمَلُ الحَديثُ على أنَّه خَيَّرَهُ فاخْتارَ، والأوَّلُ أوْلَى؛ لِظاهِرِ الحَدِيثِ. ولأنَّه جَعَلَ الخِيارَ لِغَيْرِه، ويُفارِقُ الزَّوْجَةَ؛ لأنَّه مَلَّكَها ما لا تمْلِكُ، فإذا لم تَقْبَلْ، سَقَطَ، وهاهُنا كُلُّ واحِدٍ منهما يَمْلِكُ الخِيارَ، فلم يَكُنْ قَوْلُه تَمْلِيكًا، إنَّما كان إسْقاطًا، فسقَطَ. ٧٠١ - مسألة؛ قال: (فَإنْ تلِفَتِ السِّلْعَةُ، أوْ كَانَ عَبْدًا فَأعْتَقَهُ المُشْتَرِى، أو مَاتَ، بَطَلَ الخِيَارُ) أمَّا إذا تَلِفَتِ السِّلْعَةُ فى مُدَّةِ الخِيارِ، فلا يَخْلُو، إمَّا أن تَكونَ قبلَ القَبْضِ، أو بَعْدَه، فإن كان قَبْلَ القَبْضِ، وكان مَكيلًا، أو مَوْزونًا، انْفَسَخَ البَيْعُ، وكان من مالِ البائِعِ، ولا أعْلَمُ فى هذا خِلافًا، إلَّا أن يُتْلِفَهُ المُشْتَرِى، فَيَكونَ من ضَمانِه،

стр. 2628

ويَبْطُلَ خِيارُهُ. وفى خِيارِ البائِعِ رِوايَتانِ. وإن كان المَبيعُ غيرَ المَكيلِ والمَوْزُونِ، ولم يَمْنَعِ البائِعُ المُشْتَرِىَ من قَبْضِه، فظاهِرُ المذهبِ أنَّه من ضَمانِ المُشْتَرِى، ويَكونُ كتَلَفِه بعد القَبْضِ. وأمَّا إن تَلِفَ المَبِيعُ بعدَ القَبْضِ فى مُدَّةِ الخِيارِ، فهو من ضَمانِ المُشْتَرِى، ويَبْطُلُ خِيارُه. وفى خِيارِ البائِعِ رِوايَتانِ؛ إحداهما، يَبْطُلُ، وهو اخْتِيارُ الخِرَقِىِّ، وأبِى بَكْرٍ؛ لأنَّه خِيارُ فَسْخٍ، فبَطَلَ بِتَلَفِ المَبِيع، كِخِيارِ الرَّدِّ بِالعَيْبِ إذا تَلِفَ المَعيبُ. والرِّوايَةُ الثانيةُ، لا يَبْطُلُ، ولِلبائِعِ أن يَفْسَخَ ويُطالِبَ المُشْتَرِىَ بِقِيمَتِه، وهذا اختيارُ القاضى، وابنِ عَقِيلٍ؛ لِقَوْلِ النَّبِىِّ ﷺ : "البَيِّعَانِ بِالخِيَارِ ما لم يَتَفَرَّقَا". ولأنَّه خِيَارُ فَسْخٍ، فلم يَبْطُلْ بِتَلَفِ المَبِيعِ، كما لو اشْتَرَى ثَوْبًا بِثَوْبٍ، فتَلِفَ أحَدُهُما، ووَجَدَ الآخَرُ بِالثَّوْبِ عَيْبًا، فإنَّه يَرُدُّه، ويَرْجِعُ بِقِيمَةِ ثَوْبِه، كذا هاهُنا. وأمَّا إذا أعْتَقَهُ المُشْتَرِى، فإنَّ خِيَارَهُ يَبْطُلُ؛ لأنَّه أتْلَفَه، وفى بُطْلانِ خِيارِ البائِعِ رِوايَتانِ، كما لو تَلِفَ المَبيعُ. وخِيارُ المَجْلِسِ، وخِيارُ الشَّرْطِ فى هذا كُلِّه سواءٌ. فصل: ومَتَى تَصَرَّفَ المُشْتَرِى فى المَبيعِ فى مُدَّةِ الخِيارِ تَصَرُّفًا يَخْتَصُّ المِلْكَ، بَطَلَ خِيارُهُ، كإعْتاقِ العَبْدِ، وكِتابَتِه، وبَيْعِهِ، وهِبَتِه، وَوَطْءِ الجارِيَةِ، أو مُباشَرَتِها، أو لَمْسِها لِشَهْوَةٍ، وَوَقْفِ المَبيعِ، وَرُكُوبِ الدَّابَّةِ لِحَاجَتِه، أو سَفَرٍ، أو حَمْلِه عليها، أو سُكْنَى الدَّارِ، وَرَمِّها، وحَصادِ الزَّرْعِ، وقَصْلٍ (١) منه، فما وُجِدَ من هذا فهو رِضاءٌ بِالمَبِيعِ، ويَبْطُلُ به خِيارُهُ؛ لأنَّ الخِيارَ يَبْطُلُ بِالتَّصْريحِ بِالرِّضاءِ، وبِدَلالَتِه، ولذلك يَبْطُلُ خِيارُ المُعْتَقَةِ بِتَمْكِينِها الزَّوْجَ من وَطْئِها، وقال لها رسولُ اللَّه ﷺ : "إنْ وَطِئَكِ فَلَا خِيارَ لَكِ" (٢). وهذا مذهبُ أبى حنيفةَ، والشَّافِعِيِّ. فأمَّا رُكوبُ الدَّابَّةِ لِيَنْظُرَ سَيْرَها، والطَّحْنُ على الرَّحَى لِيَعْلَمَ

стр. 2629

قَدْرَ طَحْنِها، وحَلْبُ الشَّاةِ لِيَعْلَمَ قَدْرَ لَبَنِها، ونَحْوُ ذلك، فليس بِرِضًا بِالبَيْعِ، ولا يَبْطُلُ خِيارُه؛ لأنَّ ذلك هو المَقْصودُ بِالخِيارِ، وهو اخْتِبارُ المَبيعِ. وذَكَرَ أبو الخَطَّابِ وَجْهًا فى أنَّ تَصَرُّفَ المُشْتَرِى لا يُبْطِلُ خِيارَهُ، ولا يَبْطُلُ إلَّا (٣) بِالتَّصْرِيحِ بِالرِّضا. ولا يَصِحُّ؛ لأنَّ هذا يَتَضَمَّنُ إجازَةَ البَيْعِ، ويَدُلُّ على الرِّضا به، فَبَطَلَ به الخِيارُ كَصَريحِ القَوْلِ. ولأنَّ الصَّرِيحَ (٤) إنَّمَا أبْطَلَ الخِيارَ لِدَلالَتِه على الرِّضا به، فما دَلَّ على الرِّضا به يَقُومُ مَقامَهُ، كَكِنَاياتِ الطَّلاقِ، تَقومُ مَقامَ صَريحِه. وإن عَرَضَه على البَيْعِ، أو باعَهُ بَيْعًا فَاسِدًا، أو عَرَضَه على الرَّهْنِ، أو غيرِه من التَّصَرُّفاتِ، أو وَهَبَهُ، فلم يَقْبَلِ المَوْهُوبُ له، بَطَلَ خِيارُه؛ لأنَّ (٥) ذلك يَدُلُّ على الرِّضا به. قال أحمدُ: إذا اشْتَرَطَ الخِيارَ، فباعَهُ قبلَ ذلك بِرِبْحٍ، فَالرِّبْحُ لِلْمُبْتاعِ؛ لأنَّه وَجَبَ عليه حِينَ عَرَضَهُ. وإن اسْتَخْدَمَ المُشْتَرِى المَبِيعَ، ففيه رِوايَتانِ؛ إحداهما، لا يَبْطُلُ خِيارُه، وقال أبو الصَّقْرِ (٦): قلتُ لأحمدَ: رَجُلٌ اشْتَرَى جارِيَةً، وله الخِيارُ فيها يَوْمَيْن، فَانْطَلَقَ بها، فَغَسَلَتْ رَأْسَه، أو غَمَزَتْ رِجْلَه، أو طَحَنَتْ له، أو خَبَزَتْ، هل يَسْتَوْجِبُها بذلك؟ قال: لا، حتى يَبْلُغَ منها ما لا يَحِلُّ لِغَيْرِهِ. قلتُ: فإن مَشَطَها، أو خَضَبَها، أو حَفَّها، هل يَسْتَوْجِبُها بذلك؟ قال: قد بَطَلَ خِيارُه؛ لأنَّه وَضَع يَدَهُ عليها. وذلك لأنَّ الاسْتِخْدامَ لا يَخْتَصُّ المِلْكَ، ويُرادُ لِتَجْرِبَةِ المَبيعِ، فأشْبَه رُكوبَ الدَّابَّةِ لِيَعْلَمَ سَيْرَها. ونَقَلَ حَرْبٌ، عن أحمدَ، أنَّه يَبْطُل خِيارُه؛ لأنَّه انْتِفَاعٌ بِالمَبيعِ، أشْبَه لَمْسَها لِشَهْوَةٍ. ويُمْكِنُ أن يُقالَ: ما قُصِدَ به من الاسْتِخْدامِ، تَجْرِبَةُ المَبِيع، لا يُبْطِلُ الخِيارَ، كَرُكوبِ الدَّابَّة لِيَعْلَمَ سَيْرَها، وما لا يُقْصَدُ به ذلك يُبْطِلُ الخِيَارَ، كَرُكوبِ الدَّابَّةِ لِحاجَتِه، وإن قَبَّلَتِ الجارِيَةُ المُشْتَرِىَ لم يَبْطُلْ خِيارُهُ، وهذا مذهَبُ الشَّافِعِىِّ. وقال

стр. 2630

أبُو الخَطَّابِ: يَحْتَمِلُ أن يَبْطُلَ خِيارُه إذا لم يَمْنَعْها؛ لأنَّ إقْرارَهُ لها على ذلك يَجْرِى مجْرَى اسْتِمْتاعِه بها. وقال أبو حنيفةَ: إن قَبَّلَتْهُ لِشَهْوَةٍ بَطَلَ خِيارُه، لأنَّه اسْتِمْتاعٌ يَخْتَصُّ المِلْكَ، فأْبطَلَ خِيارَهُ، كَقُبْلَتِه لها. ولنا: أنَّها قُبْلَةٌ لِأحَدِ المُتَعاقِدَيْنِ، فلم يَبْطُلْ خِيارُه، كما لو قَبَّلَتِ البائِعَ. ولأنَّ الخِيارَ لَهُ، لا لَها، فلو أَلْزَمْناهُ بِفِعْلِها لأَلْزَمْناهُ بغيرِ رِضاهُ، ولا دَلالَةَ عليه، وفارَقَ ما إذا قَبَّلَها؛ فإنَّه (٧) وُجِدَ منه ما يَدُلُّ على الرِّضا بها. ومَتَى بَطَلَ خِيارُ المُشْتَرِى بِتَصَرُّفِه، فَخِيارُ البائِعِ باقٍ بحالِه؛ لأنَّ خِيارَهُ لا يَبْطُلُ بِرِضا غَيْرِه، إلَّا أن يَكونَ تَصَرُّفُ المُشْتَرِى بإذْنِ البَائِعِ، فإنَّه يَبْطُلُ خِيارُهما معًا؛ لوُجُودِ الرِّضا منهما (٨) بِإِبْطالِه. وإن تَصَرَّفَ البائِعُ فى المَبيعِ بما يَفْتَقِرُ إلى المِلْكِ، كان فَسْخًا للْبَيْعِ، وهذا مذهبُ أبِى حنيفةَ، والشَّافِعىِّ؛ لما ذَكَرْنَاهُ فى المُشْتَرِى. ولأنَّه أحَدُ المُتَعاقِدَيْنِ، فَتَصَرُّفُه فى المَبيعِ اخْتِيارٌ له، كالمُشْتَرِى. وعن أحْمَدَ رِوايَةٌ أُخْرَى، أنَّه لا يَنْفَسِخُ البَيْعُ بذلك؛ لأنَّ المِلْكَ انتقَلَ عنه، فلم يكُنْ تَصَرُّفُه فيه اسْتِرْجاعًا له، كَمَنْ وَجَدَ مالَهُ عند مُفْلِسٍ، فَتَصرَّفَ فيه. فصل: ويَنْتَقِلُ المِلْكُ إلى المُشْتَرِى فى بَيْعِ الخِيارِ بِنَفْسِ العَقْدِ فى ظاهِرِ المذهبِ، ولا فَرْقَ بين كَوْنِ الخِيارِ لهما، أو لأحَدِهما، أيِّهما كان، وهذا أحَدُ أقْوالِ الشَّافِعىِّ. وعن أحمدَ: أنَّ المِلْكَ لا يَنْتَقِلُ حتى يَنْقَضِىَ الخِيارُ، وهو قَوْلُ مَالِكٍ، والقَوْلُ الثَّانِى لِلشَّافِعِىِّ، وبه قال أبُو حَنِيفَةَ إذا كان الخِيارُ لهما وللبائِعِ (٩)، وإن كان لِلْمُشْتَرِى خَرَجَ عن مِلْكِ البَائِعِ، فلم يَدْخُلْ فى مِلْكِ المُشْتَرِى؛ لأنَّ البَيْعَ الذى فيه الخِيارُ عَقْدٌ قاصِرٌ، فلم يَنْقُلِ المِلْكَ، كَالهِبَةِ قبلَ القَبْضِ. والقولُ الثَّالِثُ لِلشَّافِعِىِّ: أنَّ المِلْكَ مَوْقوفٌ مُراعًى، فإن أَمْضَيَا البَيْعَ تَبَيَّنَّا أنَّ المِلْكَ لِلْمُشْتَرِى،

стр. 2631

وإلَّا تَبَيَّنَّا أنَّه لم يَنْتَقِلْ عن البائِع. ولنا، قَوْلُ النَّبِىِّ ﷺ : "مَنْ بَاعَ عَبْدًا وله مَالٌ، فَمَالُه لِلْبَائِعِ، إلَّا أنْ يَشْتَرِطَهُ المُبْتاعُ" (١٠). وقَوْلُه: "من بَاعَ نَخْلًا بَعْدَ أنْ تُؤَبَّرَ فَثَمَرَتُهُ للبَائِعِ، إلَّا أن يَشْتَرِطَهُ المُبْتَاعُ". مُتَّفَقٌ عليه (١١). فجَعَلَهُ لِلْمُبْتاعِ بمُجَرَّدِ اشْتِرَاطِه، وهو عامٌّ فى كلِّ بَيْعٍ. ولأنَّه بَيْعٌ صَحيحٌ، فَنَقَلَ المِلْكَ عَقِيبَه، كالذى لا خِيارَ له. ولأنَّ البَيْعَ تَمْلِيكٌ، بِدَليلِ قَوْلِه: مَلَّكْتُكَ. فَيَثْبُتُ به المِلْكُ، كسائِرِ البَيْعِ. يُحَقِّقُهُ أنَّ التَّمْليكَ يَدُلُّ على نَقْلِ المِلْكِ إلى المُشْتَرِى، ويَقْتَضِيهِ لَفْظُه، والشَّرْعُ قد اعْتَبَرَهُ وقَضَى بِصِحَّتِه، فيَجِبُ أن يَعْتَبِرَهُ فيما يَقْتَضيهِ ويَدُلُّ عليه لَفْظُهُ، وثُبُوتُ الخِيارِ فيه لا يُنافيهِ، كما لو باعَ عَرْضًا بِعَرْضٍ،

стр. 2632

فَوَجَدَ كُلُّ واحِدٍ منهما بما اشْتَراهُ عَيْبًا. وقَوْلُهم: إنَّه قَاصِرٌ. غيرُ صَحيحٍ، وجَوازُ فَسْخِه لا يُوجِبُ قُصورَهُ، ولا يَمْنَعُ نَقْلَ المِلْكِ كَبَيْعِ المَعيبِ، وامْتِناعُ التَّصَرُّفِ إنَّما كان لِأجْلِ حَقِّ الغَيْرِ، فلا يَمْنَعُ ثُبوتَ المِلْكِ، كالمَرْهُونِ، والمَبِيعِ قبل القَبْضِ. وقَوْلُهُم: لأنَّه يَخْرُجُ من مِلْكِ البائِعِ، ولا يَدْخُلُ فى مِلْكِ المُشْتَرِى. لا يَصِحُّ؛ لأنَّه يُفْضِى إلى وُجُودِ مِلْكٍ لا مالِكَ له، وهو مُحالٌ، ويُفْضِى أيضًا إلى ثُبوتِ المِلْكِ للبائِع (١٢) من غيرِ حُصولِ عِوَضِهِ لِلْمُشْتَرِى، أو إلى نَقْلِ مِلْكِه عن المَبيع من غير ثبوتِه فى عِوَضِه، وكَوْنُ العَقْدِ مُعاوَضَةً يَأْبَى ذلك. وقَوْلُ أصْحابِ الشَّافِعِىِّ: إنَّ المِلْكَ مَوْقوفٌ، إن أمْضَيا البَيْعَ تَبَيَّنَّا أنَّه انتقَلَ، وإلَّا فلا. غيرُ صَحِيحٍ أيضًا؛ فإنَّ انْتِقالَ المِلْكِ إنَّما يَنْبَنِى على سَبَبِه النَّاقِل له، وهو البَيْعُ، وذلك لا يَخْتَلِفُ بإمْضائِه وَفسْخِه، فإنَّ إمْضاءَهُ لَيْسَ من المُقْتَضِى ولا شَرْطًا فيه، إذ لو كان كَذَلِكَ لما ثَبَتَ المِلْكُ قبله، والفَسْخُ لَيْسَ بمانِعٍ؛ فإنَّ المَنْعَ لا يَتَقَدَّمُ المانِعَ، كما أنَّ الحُكْمَ لا يَسْبِقُ سَبَبَهُ ولا شَرْطَهُ. ولأنَّ البَيْعَ مع الخِيارِ سَبَبٌ يَثْبُتُ المِلْكُ عَقِيبَهُ فيما إذا لم يُفْسَخْ، فوَجَبَ أن يَثْبُتَ (١٣) وإن فُسِخَ، كَبَيْعِ المَعيبِ، وهذا ظاهِرٌ إن شاءَ اللهُ. فصل: وما يَحصُلُ من غَلَّاتِ المَبيعِ، ونَمائِهِ المُنْفَصِلِ فى مُدَّةِ الخِيارِ، فهو لِلْمُشْتَرِى، أَمْضَيا العَقْدَ، أو فَسَخاهُ، قال أحْمَدُ فى من اشْتَرَى عَبْدًا، فَوُهِبَ له مالٌ قبلَ التَّفَرُّقِ، ثم اخْتارَ البَائِعُ العَبْدَ: فَالمالُ لِلْمُشْتَرِى. وقال الشَّافِعِىُّ: إن أمْضَيا العَقْدَ، وقُلْنا: المِلْكُ لِلْمُشْتَرِى، أو مَوْقُوفٌ. فالنَّماءُ المُنْفَصِلُ له، وإن قُلْنا: المِلْكُ للبائِعِ. فَالنَّماءُ له. وإن فَسَخا العَقْدَ، وقُلْنا: المِلْكُ لِلبائِعِ، أو مَوْقُوفٌ. فَالنَّماءُ له، وإلَّا فهو لِلْمُشْتَرِى. ولنا، قَوْلُ النَّبِىِّ ﷺ : "الخَرَاجُ بِالضَّمَانِ".

стр. 2633

قال التِّرْمِذِىُّ (١٤): هذا حَديثٌ صَحِيحٌ. وهذا من ضَمانِ المُشْتَرِى، فيَجِبُ أن يَكُونَ خَراجُه له. ولأنَّ المِلْكَ يَنْتَقِلُ بالبَيْع (١٥) على ما ذَكَرْنا، فَيَجِبُ أن يَكونَ نَماؤُهُ له، كما (١٦) بعد انْقِضاءِ الخِيارِ. ويَتَخَرَّجُ أن يَكونَ النَّماءُ المُنْ فَصِلُ للبائِعِ إذا فَسَخا العَقْدَ، بِنَاءً على الرِّوايَةِ التى قُلْنَا: إنَّ المِلْكَ لا يَنْتَقِلُ. فأمَّا النَّماءُ المُتَّصِلُ فهو تابعٌ للمَبيعِ، أمْضَيا العَقْدَ، أو فَسَخاهُ، كما يَتْبَعُه فى الرَّدِّ بِالعَيْبِ والمُقايَلَةِ. فصل: وضَمانُ المَبيعِ على المُشْتَرِى إذا قَبَضَهُ، ولم (١٧) يَكُنْ مَكيلًا، ولا مَوْزُونًا. فإن تَلِفَ، أو نَقَصَ، أو حَدَثَ به عَيْبٌ فى مُدَّةِ الخِيارِ، فهو من ضَمانِه؛ لأنَّه مِلْكُه، وغَلَّتُه له، فكَانَ من ضَمانِه، كما بعد انْقِضاءِ الخِيارِ، ومُؤْنَتُه عليه. وإن كان عَبْدًا، فَهَلَّ هِلالُ شَوَّالٍ، فَفِطْرَتُه عليه لِذَلِكَ. فإن اشْتَرَى حامِلًا، فوَلَدَتْ عنده فى مُدَّةِ الخِيارِ، ثم رَدَّها على البائِعِ، لَزِمَهُ رَدُّ وَلَدِها؛ لأنَّه مَبيعٌ حَدَثَتْ فيه زِيَادَةٌ مُتَّصِلَةٌ، فَلَزِمَه رَدُّهُ بِزِيادَتِه، كما لو اشْتَرَى عَبْدَيْنِ، فَسَمِنَ أحَدُهُما عندَه. وقال الشَّافِعِىُّ فى أحَدِ قَوْلَيْه: لا يَرُدُّ الوَلَدَ؛ لأنَّ الحَمْلَ لا حُكْمَ له؛ لأنَّه جُزْءٌ مُتَّصِلٌ بِالأُمِّ، فلم يَأْخُذْ قِسْطًا من الثَّمَنِ، كأطْرافِها. ولنا، أنَّ كُلَّ ما يُقَسَّطُ عليه الثَّمَنُ إذا كان مُنْفَصِلًا، يُقَسَّطُ عليه إذا كان مُتَّصِلًا، كاللَّبَنِ. وما قالوه يَبْطُلُ بِالجُزْءِ المُشاعِ، كَالثُّلُثِ، والرُّبُعِ، والحُكْمُ فى الأصْلِ مَمْنُوعٌ، ثم يُفارِقُ الحَمْلُ الأطْرَافَ؛ لأنَّه يَؤُولُ إلى الانْفِصالِ، ويُنْتَفَعُ به مُنْفَصِلًا، ويَصِحُّ إفْرادُه بِالعِتْقِ،

стр. 2634

والوَصِيَّةُ به، وله، ويَرِثُ إن كان من أهْلِ المِيراثِ، ويُفْرَدُ بِالدِّيَةِ، ويَرِثُها وَرَثَتُه. ولا يَصِحُّ قَوْلُهُمْ: إنَّه لا حُكْمَ لِلْحَمْلِ. لهذه الأحْكامِ وغيرِها ممَّا ذَكَرْناهُ فى غيرِ هذا المَوْضِعِ. فصل: وإن تَصَرَّفَ أحَدُ المُتَبايِعَيْنِ فى مُدَّةِ الخِيارِ فى المَبيعِ تَصَرُّفًا يَنْقُلُ المَبِيعَ، كَالبَيْعِ، والهِبَةِ، والوَقْفِ، أو يَشْغَلُهُ، كالإجارَةِ، والتَّزْوِيجِ، والرَّهْنِ، والكِتابَةِ، ونَحْوِها، لم يَصِحَّ تَصَرُّفُه، إلَّا العِتْقُ، سواءٌ وُجِدَ من البائِعِ، أو المُشْتَرِى؛ لأنَّ البائِعَ تَصَرَّفَ فى غيرِ مِلْكِه، والمُشْتَرِى يُسْقِطُ حَقَّ البائِعِ من الخِيارِ، وَاسْتِرْجاعِ المَبيع، فلم يَصِحَّ تَصَرُّفُه فيه، كَالتَّصَرُّفِ فى الرَّهْنِ، إلَّا أن يَكونَ الخِيارُ لِلْمُشْتَرِى وَحْدَه، فَيَنْفُذُ تَصَرُّفُه، ويَبْطُلُ (١٨) خِيارُهُ؛ لأنَّه لا حَقَّ لِغَيْرِه فيه، وثُبُوتُ الخِيارِ له لا يَمْنَعُ تَصَرُّفَهُ فيه، كالمَعيبِ. قال أحمدُ: إذا اشْتَرَطَ الخِيارَ، فباعَه قبل ذلك بِرِبْح، فَالرِّبْحُ للمُبْتاعِ؛ لأنَّه قد وَجَبَ عليه حِينَ عَرَضَهُ. يعنى بَطَلَ خِيَارُهُ، ولَزِمَهُ. وهذا واللهُ أعْلَمُ فيما إذا شَرَطَ الخِيارَ له وَحْدَهُ، وكذلك إذا قلنا: إنَّ البَيْعَ لا يَنْقُلُ المِلْكَ، وكان الخِيَارُ لهما، أو للبائِعِ وَحْدَه، فَتَصرَّفَ فيه البائِعُ، نَفَذَ تَصَرُّفُه، وصَحَّ؛ لأنَّه مَلَكَهُ، وله إبْطالُ خِيارِ غَيْرِه، وقال ابنُ أبى موسى: فى تَصَرُّفِ المُشْتَرِى فى المَبيعِ قبلَ التَّفَرُّقِ بِبَيْعٍ أو هِبَةٍ روايَتانِ؛ إحداهما، لا يَصِحُّ؛ لأنَّ فى صِحَّتِه إسْقاطَ حَقِّ البائِعِ من الخِيارِ. والثَّانية، هو مَوْقُوفٌ؛ فإن تَفرَّقَا قبل الفَسْخِ صَحَّ، وإن اختارَ البائِعُ الفَسْخَ بَطَلَ بَيْعُ المُشْتَرِى. قال أحْمَدُ فى رِوايَةِ أبى طالِبٍ: إذا اشْتَرَى ثَوْبًا بِشَرْطٍ، فباعَهُ بِرِبْحٍ قبل انْقِضاءِ الشَّرْطِ، يَرُدُّهُ إلى صاحِبِه إن طَلَبَه، فإن لم يَقْدِرْ على رَدِّه، فللبَائِعِ قِيمَةُ الثَّوْبِ؛ لأنَّه اسْتَهْلَكَ ثَوْبَهُ، أو يُصالِحُه. فقوله: يَرُدُّه إن طَلَبَه. يَدُلُّ على أنَّ وُجوبَ رَدِّهِ مَشْروطٌ بِطَلَبِه. وقد رَوَى البُخَارِىُّ (١٩)، عن ابنِ عمرَ، أنَّه كان

стр. 2635

مع رسولِ اللهِ ﷺ فى سَفَرٍ، فكان على بَكْرٍ صَعْبٍ، وكان يَتَقَدَّمُ النَّبِىَّ ﷺ ، فيقولُ له أبوه: لا يَتَقَدَّمُ النَّبِىَّ ﷺ أحَدٌ. فقال له النَّبِىُّ ﷺ : "بِعْنِيهِ". فقال عمرُ: هو لك يا رسولَ اللهِ. فقال النَّبِىُّ ﷺ : "هُوَ لَكَ يا عَبْدَ اللهِ بْنَ عُمَرَ، فَاصْنَعْ بِهِ مَا شِئْتَ". وهذا يَدُلُّ على أنَّ التَّصَرُّفَ قبلَ التَّفَرُّقِ جائِزٌ، وذَكَرَ أصْحابُنا فى صِحَّةِ تَصَرُّفِ المُشْتَرِى بالوَقْفِ وَجْهًا آخَرَ؛ لأنَّه تَصَرُّفٌ يُبْطِلُ الشُّفْعَةَ، فأشْبَهَ العِتْقَ، والصَّحيحُ أنَّه لا يَصِحُّ شَىْءٌ من هذه التَّصَرُّفَاتِ؛ لأنَّ المَبيعَ يَتَعَلَّقُ به حَقُّ البائِعِ تَعَلُّقًا يَمْنَعُ جَوازَ التَّصَرُّفِ، فمَنَعَ صِحَّتَهُ، كَالرَّهْنِ. ويُفَارِقُ الوَقْفُ العِتْقَ؛ لأنَّ العِتْقَ مَبْنِىٌّ على التَّغْليبِ والسِّرايَةِ، بِخِلافِ الوَقْفِ. وأمَّا حَديثُ ابنِ عُمَرَ، فليس فيه تَصْريحٌ بِالبَيْعِ، فإنَّ قَوْلَ عمرَ: هو لك. يَحْتَمِلُ أنَّه أرَادَ هِبَةً، وهو الظَّاهِرُ، فإنَّه لم يَذْكُرْ ثَمَنًا، والهِبَةُ لا يَثْبُتُ فيها الخِيارُ. وقال الشَّافِعِىُّ: تَصَرُّفُ البَائِعِ فى المَبِيعِ بِالبَيْعِ والهِبَةِ ونَحْوِهِما صَحِيحٌ؛ لأنَّه إمَّا أن يَكونَ على مِلْكِه فيُمَلّكُ بِالعَقْدِ (٢٠) عليه، وإمَّا أن يَكونَ لِلْمُشْتَرِى، والبائِعُ يَمْلِكُ فَسْخَهُ، فجَعَلَ البَيْعَ والهِبَةَ فَسْخًا. وأمَّا تَصَرُّفُ المُشْتَرِى، فلا يَصِحُّ إذا قلنا: المِلْكُ لِغَيْرِه. وإنْ قلنا: المِلْكُ له. فَفِى صِحَّةِ تَصَرُّفِه وَجْهانِ. ولنا، على إبْطَالِ تَصَرُّفِ البَائِعِ، أنَّه تَصَرَّفَ فى مِلْكِ غيرِه بغيرِ وِلَايَةٍ شَرْعِيَّةٍ، ولا نِيابَةٍ عُرْفِيَّةٍ، فلم يَصِحَّ، كما بعد الخِيارِ. وقَوْلُهم (٢١): يَمْلِكُ الفَسْخَ. قلنا: إلَّا أنَّ ابتداءَ التَّصَرُّفِ لم يُصادِفْ مِلْكَه، فلم يَصِحَّ، كَتَصَرُّفِ الأبِ فيما وَهَبَ لِوَلَدِهِ قبلَ اسْتِرْجاعِه، وتَصَرُّفِ الشَّفيعِ فى الشِّقْصِ المَشْفُوعِ قبلَ أخْذِهِ. فصل: وإن تَصَرَّفَ المُشْتَرِى بإذْنِ البائِعِ، أو البائِعُ بِوِكالَةِ المُشْتَرِى، صَحَّ التَّصَرُّفُ، وانْقَطَعَ خِيارُهما؛ لأنَّ ذلك يَدُلُّ على تَراضِيهِما بإمْضاءِ البَيْعِ، فَيُقْطَعُ

стр. 2636

به خِيارُهما، كما لو تَخايَرا، ويَصِحُّ تَصَرُّفُهما؛ لأنَّ قَطْعَ الخِيارِ حَصَلَ بالإِذْنِ فى البَيْعِ، فيَقَعُ البَيْعُ بعد انْقِطاعِ الخِيارِ. وإن تَصَرَّفَ البائِعُ بإذْنِ المُشْتَرِى، احْتَمَلَ أن يَقَعَ صَحيحًا؛ لأنَّ ذلك دَليلٌ على فَسْخِ البَيْعِ، أو اسْتِرْجَاعِ المَبِيعِ، فيَقَعُ تَصَرُّفُه بعد اسْتِرْجاعِه، ويَحْتَمِلُ أن لا يَصِحَّ؛ لأنَّ البَائِعَ لا يَحْتَاجُ إلى إذْنِ المُشْتَرِى فى اسْتِرْجاعِ المَبيعِ، فَيَصيرُ كَتَصَرُّفِهِ بغيرِ إذْنِ المُشْتَرِى، وقد ذَكَرْنَا أنَّه لا يَصِحُّ، كذا هاهُنَا. وكلُّ مَوْضِعٍ قلنا: إنَّ تَصَرُّفَ البائِعِ لا يَنْفُذُ، ولكن يَنْفَسِخُ به البَيْعُ. فإنَّه مَتَى أعادَ ذلك التَّصَرُّفَ، أو تَصَرَّفَ تَصَرُّفًا سِواهُ، صَحَّ؛ لأنَّه بِفَسْخِ البَيعِ عادَ إليه المِلْكُ، فَصَحَّ تَصَرُّفُه فيه، كما لو فَسَخَ البَيْعَ بِصَرِيحِ قَوْلِه، ثم تَصَرَّف فيه، وكذلِك إن تَقَدَّمَ تَصَرُّفَهُ ما يَنْفَسِخُ به البَيْعُ، صَحَّ تَصَرُّفُه؛ لما ذَكَرْنا. فصل: وإن تَصَرَّفَ أحَدُهما بِالعِتْقِ، نَفَذَ عِتْقُ مَنْ حَكَمْنا بِالمِلْكِ له، وظاهِرُ المذهبِ أنَّ المِلْكَ لِلْمُشْتَرِى، فَيَنْفُذُ عِتْقُه، سَواءٌ كان الخِيارُ لهما، أو لأحَدهما؛ لأنَّه عِتْقٌ من مالِكٍ جائِزِ التَّصَرُّفِ، فَنَفَذَ، كما بعدَ المُدَّةِ. وقَوْلُ النَّبِىِّ ﷺ : "لَا عِتْقَ فيما لا يَمْلِكُ ابنُ آدَمَ" (٢٢). يَدُلُّ بِمَفْهُومِهِ على أنَّه يَنْفُذُ (٢٣) فى المِلْكِ، ومِلْكُ البائِع لِلْفَسْخِ لا يَمْنَعُ نُفوذَ العِتقِ، كما لو باعَ عَبْدًا بِجَارِيَةٍ مَعِيبَةٍ (٢٤)، فإنَّ مُشْتَرِى العَبْدِ يَنْفُذُ عِتْقُه، مع أنَّ للبائِعِ الفَسْخَ. ولو وَهَبَ رَجُلٌ ابْنَهُ عَبْدًا، فأعتَقَهُ، نَفَذَ عِتْقُه، مع مِلْكِ الأبِ لِاسْتِرْجاعِه. ولا يَنْفُذُ عِتْقُ البائِعِ فى ظاهِرِ المَذْهَبِ. وقال أبُو حنيفَةَ، والشَّافِعىُّ، ومالكٌ: يَنْفُذُ عِتْقُه؛ لأنَّه مِلْكُه، وإن كان المِلْكُ انْتَقَلَ فإنَّه يَسْتَرْجِعُه بِالعِتْقِ. ولنا، أنَّه إعْتاقٌ من غيرِ مالِكٍ، فلم يَنْفُذْ، كَعِتْقِ الأبِ عَبْدَ ابْنهِ الذى وَهَبَهُ (٢٥) إيَّاهُ، وقد دَلَلْنَا على أنَّ المِلْكَ انتقَلَ إلى المُشْتَرِى.

стр. 2637

وإن قلنا بِالرِّوايَةِ الأُخْرَى، وأنَّ المِلْكَ لم يَنْتَقِلْ إلى المُشْتَرِى، نَفَذَ عِتْقُ البائِعِ دُونَ المُشْتَرِى. وإن أعْتَقَ البائِعُ والمُشْتَرِى جَمِيعًا، فإن تَقَدَّمَ عِتْقُ المُشْتَرِى، فَالحُكْمُ على ما ذَكَرْنَا، وإن تَقَدَّمَ عِتْقُ البائِعِ، فَيَنْبَغِى أن لا يَنْفُذَ عِتْقُ واحِدٍ مِنْهُما؛ لأنَّ البائِعَ لم يَنْفُذْ عِتْقُه؛ لِكَوْنِه أعْتَقَ غيرَ مَمْلُوكِهِ، ولكنْ حَصَلَ بإعْتاقِه فَسْخُ البَيْعِ، واسْتِرْجاعُ العَبْدِ، فلم يَنْفُذْ عِتْقُ المُشْتَرِى. ومتى أعادَ البائِعُ الإعْتاقَ مَرَّةً ثَانِيَةً، نَفَذَ إعْتاقُه؛ لأنَّه عادَ العَبْدُ إليه، فأشْبَه ما لو اسْتَرْجَعَه بِصَريحِ قَوْلِه. ولو اشْتَرَى من يَعْتِقُ عليه، جَرَى مجْرَى إعْتاقِهِ بِصَريحِ قَوْلِه، وقد ذَكَرْنا حُكْمَه. وإن باعَ عَبْدًا بِجَارِيَةٍ، بِشَرْطِ الخِيارِ، فأعْتَقَهُما، نَفَذَ عِتْقُ الأمَةِ دُونَ العَبْدِ. وإن أعْتَقَ أحَدَهما، ثم أعْتَقَ الآخَر، نَظَرْتَ، فإن أعْتَقَ الأمَةَ أوَّلًا، نَفَذَ عِتْقُها، وبَطَلَ خِيارُه، ولم يَنْفُذْ عِتْقُ العَبْدِ، وإن أعْتَقَ العَبْدَ أوَّلًا، انْفَسَخَ البَيْعُ، ورَجَعَ إليه العَبْدُ، ولم يَنْفُذْ إعْتَاقُه، ولا يَنْفُذُ عِتْقُ الأمَةِ؛ لأنَّها خَرَجَتْ بِالفَسْخِ عن مِلْكهِ، وعَادَتْ إلى سَيِّدِها البائِع لها. فصل: إذا قال لِعَبْدِه: إذا بِعْتُكَ فَأنْتَ حُرٌّ. ثم باعَهُ، صارَ حُرًّا، نَصَّ عليه أحمدُ، وبه قال الحَسَنُ، وابنُ أبى ليلى، ومالكٌ، والشَّافِعِىُّ. وسَواءٌ شَرَطا الخِيارَ أو لم يَشْرُطاهُ، وقال أبو حنيفةَ، والثَّوْرِىُّ: لا يعْتِقُ؛ لأنَّه إذا تَمَّ بَيْعُه زال مِلْكُه عنه. فلم يَنْفُذْ إعْتَاقُه له. ولنا، أن زَمَنَ انْتِقالِ المِلْكِ زَمَنُ الحُرِّيَّةِ؛ لأنَّ البَيْعَ سَبَبٌ لِنَقْلِ المِلْكِ، وَشَرْطٌ لِلْحُرِّيَّةِ. فيَجِبُ تَغْلِيبُ الحُرِّيَّةِ، كما لو قال لِعبدِه: إذا مِتُّ فأنت حُرٌّ، ولأنَّه عَلَّقَ حُرِّيَّتَهُ على فِعْلِه لِلْبَيْعِ. والصَّادِرُ منه فى البَيْعِ إنَّما هو الإيجابُ، فمتى قال لِلْمُشْتَرِى: بِعْتُكَ. فقد وُجِدَ شَرْطُ الحُرَّيَّةِ، فَيعْتِقُ قبل قَبُولِ المُشْتَرِى، وعَلَّلَهُ القاضى بأنَّ الخِيارَ ثابِتٌ فى كلِّ بَيْعٍ، فلا يَنْقَطِعُ تَصَرُّفُه فيه. فعلى هذا لو تَخايَرا ثم باعَه لم يَعْتِقْ، ولا يَصِحُّ هذا التَّعْلِيلُ على مذهبنا. فإنَّنا ذَكَرْنا أنَّ البائِعَ لو أعْتَقَ فى مُدَّةِ الخِيارِ لم يَنْفُذْ إعْتاقُه. فصل: ولا يَجُوزُ لِلْمُشْتَرِى وَطْءُ الجارِيَةِ فى مُدَّةِ الخِيارِ إذا كان الخِيارُ لهما أو لِلْبائِعِ وحدَهُ؛ لأنَّه يَتَعَلَّقُ بها حَقُّ البائِعِ، فلم يُبَحْ له وَطْؤُها كالمَرْهُونَةِ، ولا نَعْلَمُ

стр. 2638

فى هذا خِلافًا (٢٦)، فإن وَطِئَها فلا حَدَّ عليه؛ لأنَّ الحَدَّ يُدْرَأُ [بالشُّبْهةِ للمِلْكِ] (٢٧) فبِحَقِيقَتِه أوْلَى، ولا مَهْرَ لها؛ لأنَّها مَمْلُوكَتُه، وإن عَلِقَتْ منه، فالوَلَدُ حُرٌّ يَلْحَقُه نَسَبُه؛ لأنَّه من أمَتِه، ولا يَلْزَمُه قِيمَتُه، وتَصِيرُ أُمَّ وَلَدٍ له، وإن فَسَخَ البائِعُ البَيْعَ رَجَعَ بِقِيمَتِهَا؛ لأنَّه تَعَذَّرَ الفَسْخُ فيها، ولا يَرْجِعُ بِقِيمَةِ وَلَدِها؛ لأَنَّه حَدَثَ فى مِلْكِ المُشْتَرِى. وإن قُلْنا: إنَّ المِلْكَ لا يَنْتَقِلُ إلى المُشْتَرِى، فلا حَدَّ عليه أيضا؛ لأنَّ له فيها شُبْهَةً لِوُجُودِ سَبَبِ نَقْلِ المِلْكِ إليه، واخْتِلافِ أهْلِ العِلْمِ فى ثُبُوتِ المِلْكِ له، والحدُّ يُدْرَأُ بِالشُّبُهاتِ، وعليه المَهْرُ، وقِيمَةُ الوَلَدِ يكونُ حُكْمُها حُكْمَ نَمائِها، وإن عَلِمَ التَّحْرِيمَ، وأنَّ مِلْكَه غيرُ ثابِتٍ، فَوَلَدُهُ رَقِيقٌ. وأمَّا البائِعُ فلا يَحِلُّ له الوَطْءُ قبل فَسْخِ البَيْعِ. وقال بَعْضُ أصْحابِ الشَّافِعِىِّ: له وَطْؤُهَا؛ لأنَّ البَيْعَ يَنْفَسِخُ بِوَطْئِه، فإن كان المِلْكُ انتقَلَ رَجَعَتْ إليه، وإن لم يَكُنِ انتقَلَ انْقَطَعَ حَقُّ المُشْتَرِى منها (٢٨)، فيَكُونُ وَاطِئًا لِمَمْلُوكَتِه التى لا حَقَّ لغيرِه فيها. ولنا، أنَّ المِلْكَ انتقَلَ عنه فلم يَحِلَّ له وَطْؤُها؛ لِقَوْلِ اللهِ تعالى: ﴿إِلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ (٦) فَمَنِ ابْتَغَى وَرَاءَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْعَادُونَ﴾ (٢٩)، ولأنَّ ابْتِداءَ الوَطْءِ يَقَعُ فى غيرِ مِلْكِه، فيكونُ حَرَامًا. ولو انْفَسَخَ البَيْعُ قبل وَطْئِه، لم تَحِلَّ له (٣٠) حتى يَسْتَبْرِئَها، ولا يَلْزَمُه حَدٌّ. وبهذا قال أبو حنيفةَ، ومالِكٌ، والشَّافِعِىُّ، وقال بعضُ أصْحابِنا: إن عَلِمَ التَّحْرِيمَ، وأنَّ مِلْكَهُ قد زال، ولا يَنْفَسِخُ بِالْوَطْءِ، فعليه الحَدُّ. وذكر أنَّ أحْمدَ نَصَّ عليه؛ لأنَّ وَطْأَهُ لم يُصادِفْ مِلْكًا ولا شُبْهَةَ مِلْكٍ. ولنا، أنَّ مِلْكَهُ يَحْصُلُ بِابْتِداءِ وَطْئِهِ، فَيَحْصُلُ تَمامُ الوَطْءِ فى مِلْكِهِ، مع اخْتِلافِ العُلَماءِ فى كَوْنِ المِلْكِ له، وحِلِّ الوَطْءِ له، ولا يَجِبُ الحَدُّ

стр. 2639

مع واحِدَةٍ من هذه الشُّبُهَاتِ، فكيف إذا اجْتَمَعَتْ! مع أنه يحتَمِلُ أنْ يَحْصُلَ الفَسْخُ بالمُلامَسَةِ قبل الوَطْءِ، فيَكُونُ المِلْكُ قد رَجَعَ إليه قبل وَطْئِه، ولهذا قال أحْمَدُ فى المُشْتَرِى: إنَّها قد وَجَبَتْ عليه حين وَضَعَ يَدَهُ عليها. فيما إذا مَشَطَها، أو خَضَبَها، أو حَفَّها، فَبِوَضْع يَدِه عليها لِلْجِماعِ ولَمْسِ فَرْجِها بِفَرْجِه أولَى. فعلى هذا يِكُونُ وَلَدُه منها حُرًّا، ونَسَبُه لاحِقٌ به، ولا يَلْزَمُه قِيمَتُه، ولا مَهْرَ عليه، وتَصِيرُ الأمَةُ أُمَّ وَلَدِهِ. وقال أصْحابُنا: إن عَلِمَ التَّحْرِيمَ فوَلَدُه رَقِيقٌ، ولا يَلْحَقُه نَسَبُهُ. فإن لم يَعْلَمْ لَحِقَهُ النَّسَبُ، وَوَلَدُهُ حُرٌّ، وعليه قِيمَتُه يومَ الوِلادَةِ، وعليه المَهْرُ، ولا تَصِيرُ الأمَةُ أُمَّ وَلَدهِ، لأنَّه وَطِئَها فى غيرِ مِلْكهِ. فصل: ولا بَأْسَ بِنَقْدِ الثَّمَنِ وَقبْضِ المَبِيعِ فى مُدَّةِ الخِيارِ. وهو قولُ أبِى حنيفةَ، والشَّافِعِىِّ، وكَرِهَهُ مَالِكٌ. قال: لأنَّه فى مَعْنَى بَيْعٍ وسَلَفٍ إذا أقْبَضَهُ الثَّمَنَ ثم تَفاسَخا البَيْعَ، صار كأنه أقْرَضَهُ إيَّاهُ. ولنا، أنَّ هذا حُكْمٌ من أحْكامِ البَيْعِ، فجازَ فى مُدَّةِ الخِيارِ، كالإِجارَةِ، وما ذَكَرَهُ لا يَصِحُّ؛ لأنَّنَا [لا نُجِيزُ] (٣١) له التَّصَرُّفَ فيه. فصل: قَوْلُ الخِرَقِىِّ: "أو مَاتَ" الظَّاهِرُ أنَّه أرادَ العَبْدَ، ورَدَّ الضَّمِيرَ إليه، وهو في معنَى قوله: "أو تَلِفَتِ السِّلْعَةُ". ويَحتَمِلُ أنَّه رَدَّ الضَّمِيرَ إلى المُشْتَرِى، وأرادَ إذا ماتَ المُشْتَرِى بَطَلَ الخِيارُ؛ لأنَّ مَوْتَ العبدِ قد تَناوَلَهُ بِقَوْلِه: "أو تَلِفَتِ السِّلْعَةُ". والحُكْمُ فى مَوْتِ البائِعِ والمُشْتَرِى واحِدٌ. والمذهبُ أنَّ خِيارَ المَيِّتِ منهما يَبْطُلُ بِمَوْتِه، ويَبْقَى خِيارُ الآخَرِ بحالِه، إلَّا أن يَكُونَ المَيِّتُ قد طالَبَ بِالفَسْخِ قبل مَوْتِه فيه (٣٢)، فيَكُونُ لِوَرَثَتِه. وهو قَوْلُ الثَّوْرِىِّ، وأبِى حنيفةَ. ويَتَخَرَّجُ أنَّ الخِيارَ لا يَبْطُلُ، ويَنْتَقِلُ إلى وَرَثَتِه؛ لأنَّه حَقٌّ مالِىٌّ، فَيَنْتَقِلُ إلى الوارِثِ، كالأجَلِ وخِيارِ الرَّدِّ بِالْعَيْبِ، ولأنَّه حَقُّ فَسْخٍ لِلْبَيْعِ، فَيَنْتَقِلُ إلى الوارِثِ، كالرَّدِّ بِالعَيْبِ،

стр. 2640

والفَسْخِ بِالتَّحالُفِ، وهذا قَوْلُ مَالِكٍ، والشَّافِعِىِّ. ولنا، أنَّه حَقُّ فَسْخٍ لا يَجُوزُ الاعْتِياضُ عنه؛ فلم يُورَثْ كخِيارِ الرُّجُوعِ فى الهِبَةِ. ٧٠٢ - مسألة؛ قال: (وَإذَا تفَرَّقَا مِنْ غَيْرِ فَسْخٍ لَمْ يَكُنْ لأحَدِهِمَا رَدُّهُ إلَّا بِعَيْبٍ أو خِيارٍ) لا خِلافَ فى أنَّ البَيْعَ يَلْزَمُ بعدَ التَّفَرُّقِ، ما لم يَكُنْ سَبَبٌ يَقْتَضِى جَوازَهُ، وقد دَلَّ عليه قولُ النَّبِىِّ ﷺ : "وَإنْ تَفَرَّقَا بعدَ أن تَبَايَعَا ولم يَتْرُكْ أحَدُهُمَا البَيْعَ فقد وَجَبَ البَيْعُ" (١)، وقولُه: "البَيِّعَانِ بِالخِيَارِ حَتَّى يَتَفَرَّقَا" (٢). جَعَلَ التَّفَرُّقَ غايَةً لِلْخِيارِ. وما بعد الغايَةِ يَجِبُ أن يَكُونَ مُخالِفًا لِمَا قَبْلَها، إلَّا أن يَجِدَ بِالسِّلْعَةِ عَيْبًا فَيَرُدَّها به، أو يَكُونَ قد شَرَطَ الخِيارَ لِنَفْسِه مُدَّةً مَعْلُومَةً، فَيَمْلِكُ الرَّدَّ أيضًا. ولا خِلافَ بين أهْلِ العِلْمِ فى ثُبُوتِ الرَّدِّ بِهَذَيْنِ الأمْرَيْنِ. وقد قال النَّبِىُّ ﷺ : "المُؤْمِنُونَ عَلَى شُرُوطِهِمْ". اسْتَشْهَدَ به البُخارِىُّ (٣). وفى مَعْنَى العَيْبِ أن يُدَلِّسَ (٤) المَبِيعَ بما يَخْتَلِفُ به الثَّمَنُ، أو يَشْتَرِطَ فى المَبِيعِ صِفَةً يَخْتَلِفُ بها الثَّمَنُ، فيَتَبَيَّنُ بخِلافِه، فيَثْبُتُ له الخِيارُ أيضًا. ويَقْرُبُ منه ما لو أخْبَرَهُ فى المُرابَحَةِ فى الثَّمَنِ أنَّه حَالٌّ، فبَانَ مُؤَجَّلًا، ونحوُ هذا، ونَذْكُرُ هذا فى مَواضِعِهِ. فصل: ولو ألْحَقَا فى العَقْدِ خِيارًا بعدَ لُزُومِهِ لم يَلْحَقْهُ. وبهذا قال الشَّافِعِىُّ. وقال أبو حنيفةَ وأصْحابُه: يَلْحَقُه؛ لأنَّ لهما فَسْخَ العَقْدِ، فكان لهما إلْحاقُ الخِيارِ به كحَالَةِ المَجْلِسِ. ولنا، أنَّه عَقْدٌ لازِمٌ فلم يَصِرْ جائِزًا بِقَوْلِهما، كَالنِّكاحِ. وفارَقَ حالَ المَجْلِسِ؛ لأنَّه جائِزٌ.

стр. 2641

فصل: وكَلامُ الْخِرَقِىِّ يَحْتَمِلُ أن يُرِيدَ به بُيُوعَ الأعْيانِ المَرْئِيَّةِ، فلا يَكونُ فيه تَعَرُّضٌ لِبَيْعِ الغائِبِ، ويَحْتَمِلُ أنَّه أرادَ كُلَّ ما يُسَمَّى خِيارًا، فيَدْخُلُ فيه خِيارُ الرُّؤْيَةِ وغيرُه. وفى بَيْعِ الغائِبِ روايَتانِ؛ أظْهَرُهما، أنَّ الغائِبَ الذى لم يُوصَفْ، ولم تَتَقَدَّمْ رُؤْيَتُه لا يَصِحُّ بَيْعُه. وبهذا قال الشَّعْبِىُّ، والنَّخَعِىُّ، والحسنُ، والأوْزاعِىُّ، ومَالِكٌ، وإسْحاقُ. وهو أحَدُ قَوْلَىِ الشَّافِعِىِّ. وفيه (٥) رِوَايَةٌ أُخْرَى، أنَّه يَصِحُّ. وهو مَذْهَبُ أبى حنيفةَ، والقولُ الثَّانِى لِلشَّافِعِىِّ. وهل يَثْبُتُ لِلْمُشْتَرِى خِيارُ الرُّؤْيَةِ؟ على رِوايَتَيْنِ؛ أشْهَرُهما ثُبُوتُه. وهو قَوْلُ أبِى حنيفةَ. واحْتَجَّ مَن أجازَهُ بعُمُومِ قَوْلِ اللهِ تعالى: ﴿وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ﴾ (٦). وَرُوِىَ عن عثمانَ، وطَلْحَةَ، أنَّهما تَبايَعا دارَيْهِما بِالكُوفَةِ، والأُخْرَى بِالمَدِينَةِ، فَقِيلَ لِعُثمانَ: إنَّك قد غُبِنْتَ، فقال: ما أُبالِى؛ لأنِّى بِعْتُ ما لم أرَهُ. وقِيلَ لِطَلْحَةَ، فقال: لِىَ الخِيارُ؛ لأنَّنِى اشْتَرَيْتُ ما لم أرَهُ. فتَحاكَما إلى جُبَيْرٍ (٧)، فجَعَلَ الخِيارَ لِطَلْحَةَ (٨). وهذا اتِّفَاقٌ منهم على صِحَّةِ البَيْعِ، ولأنَّه عَقْدُ مُعاوَضَةٍ، فلم تَفْتَقِرْ صِحَّتُه إلى رُؤْيَةِ المَعْقُودِ عليه، كَالنِّكاحِ. ولَنا، ما رُوِىَ عن النَّبِىِّ ﷺ ، أنَّه نَهَى عن بَيْع الغَرَرِ. رَوَاهُ مُسْلمٌ (٩).

стр. 2642

ولأنَّه باعَ ما لم يَرَهُ (١٠) ولم يُوصَفْ له، فلم يَصِحَّ، كبيعِ النَّوَى فى التَّمْرِ، ولأنَّه نَوْعُ بَيْعٍ فلم يَصِحَّ مع (١١) الجَهْلِ بِصِفَةِ المَبِيعِ، كالسَّلَمِ، والآيَةُ مَخْصُوصَةٌ بِالأصْلِ الذى ذَكَرْناهُ. وأمَّا حَدِيثُ عُثْمانَ وطَلْحَةَ، فَيَحْتَمِلُ أنَّهما تَبايَعا بِالصِّفَةِ، على أنَّه قَوْلُ صَحابِىٍّ، وفى كَوْنِه حُجَّةً خِلَافٌ، ولا يُعارَضُ به حَدِيثُ رسولِ اللهِ ﷺ ، والنِّكَاحُ لا يُقْصَدُ منه المُعاوَضَةُ، ولا يَفْسُدُ بفَسادِ العِوَضِ، ولا يُتْرَكُ ذِكْرُهُ، ولا يَدْخُلُه شَىْءٌ من الخِياراتِ. وفى اشْتِراطِ الرُّؤْيَةِ مَشَقَّةٌ على المُخَدَّراتِ وإضْرَارٌ بِهِنَّ. على أن الصِّفاتِ التى تُعْلَمُ بِالرُّؤْيَةِ ليستْ هى المَقْصُودَةَ بالنِّكاحِ، فلا يَضُرُّ الجَهْلُ بها بِخلافِ البَيْعِ. فإن قِيلَ: فقد رُوِىَ عن النَّبِىِّ ﷺ أنَّه قال: "مَنِ اشْتَرَى مَا لَمْ يَرَهُ فَهُوَ بِالْخِيَارِ إذَا رَآهُ" (١٢). والخِيارُ لا يَثْبُتُ إلَّا فى عَقْدٍ صَحِيحٍ. قلنا: هذا يَرْوِيهِ عمرُ بنُ إبْراهيمَ الكُرْدِىُّ، وهو مَتْرُوكُ الحديثِ (١٣). ويَحْتَمِلُ أنَّه بِالخِيارِ بين العَقْدِ عليه وتَرْكِهِ. إذا ثَبَتَ هذا، فإنه يُشْتَرَطُ رُؤْيَةُ ما هو مَقْصُودٌ بِالْبَيْعِ، كَداخِلِ الثَّوْبِ، وشَعْرِ الجارِيَةِ، ونَحْوِهما. فلو باعَ ثَوْبًا مَطْوِيًّا، أو عَيْنًا حَاضِرَةً، لا يُشاهَدُ منها ما يَخْتَلِفُ الثَّمَنُ لأجْلِه، كان كبَيْعِ الغائِبِ. وإن حَكَمْنا بِالصِّحَّةِ، فِللْمُشْتَرِى الخِيارُ عند رُؤْيَةِ المَبِيعِ فى الفَسْخِ والإِمْضاءِ، ويَكُونُ على الفَوْرِ، فإنِ اخْتارَ الفَسْخَ فله ذلك، وإن لم يَفْسَخْ لَزِمَ العَقْدُ؛ لأَنَّ الخِيارَ خِيارُ الرُّؤيَةِ، فوَجَبَ أن يَكُونَ عندَها. وقِيلَ: يَتَقَيَّدُ بِالمَجْلِسِ الذى وُجِدَتِ الرُّؤْيَةُ فيه؛ لأنَّه خِيارٌ ثَبَت بِمُقْتَضَى العَقْدِ من غيرِ شَرْطٍ، فَتقَيَّدَ بِالمَجْلِسِ كخِيارِ المَجْلِسِ. وإنِ اخْتارَ الفَسْخَ قبل الرُّؤْيَةِ انْفَسَخَ؛ لأنَّ العَقْدَ غيرُ لازِمٍ فى حَقِّهِ، فَمَلَكَ الفَسْخَ، كحالَةِ الرُّؤْيَةِ. وإن اخْتَارَ إمْضَاءَ العَقْدِ، لم يَلْزمْ؛

стр. 2643

لأنَّ الخِيارَ يَتَعَلَّقُ بِالرُّؤْيَةِ، ولأنَّه يُؤَدِّى إلى إلْزامِ العَقْدِ على المَجْهُولِ، فَيُفْضِى إلى الضَّرَرِ، وكذلك لو تَبايَعا بِشَرْطِ أن لا يَثْبُتَ الخِيارُ لِلْمُشْتَرِى، لم يَصِحَّ الشَّرْطُ لذلكَ. وهل يَفْسُدُ البَيْعُ بهذا الشَّرْطِ؟ على وَجْهَيْنِ، بِناءً على الشُّرُوطِ الفاسِدَةِ فى البَيْعِ. فصل: ويُعْتَبَرُ لِصِحَّةِ العَقْدِ الرُّؤْيَةُ من البائِع والمُشْتَرِى جمِيعًا، وإن قُلْنا بِصِحَّةِ البَيْع مع عَدَمِ الرُّؤْيَةِ، فباعَ ما لم يَرَهُ، فله الخِيارُ عند الرُّؤْيَةِ، وإن لم يَرَهُ المُشْتَرِى أيضًا، فَلِكُلِّ واحدٍ منهما الخِيارُ. وبهذا قال الشَّافِعِىُّ. وقال أبُو حنيفةَ: [لا خِيارَ له] (١٤)؛ لحديثِ عُثْمانَ وطَلْحَةَ، ولأنَّنا لو جَعَلْنا له الخِيارَ لَثَبَتَ لِتَوَهُّمِ الزِّيادَةِ، والزِّيادَةُ فى المَبِيعِ لا تُثْبِتُ الخِيارَ. وكذلك لو باعَ شَيْئًا على أنه مَعيِبٌ، فبَانَ غيرَ مَعِيبٍ، لم يَثْبُتْ له الخِيارُ. ولنا، أنَّه جاهِلٌ بِصِفَةِ المَعْقُودِ عليه فأشْبَهَ المُشْتَرِىَ، فأمَّا الخَبَرُ، فإنَّه قولُ جُبَيْرٍ وطَلْحَةَ، وقد خالفَهُما عُثْمَانُ، وقَوْلُه أولَى؛ لأنَّ البَيْعَ يُعْتَبَرُ فيه الرِّضَى منهما، فتُعْتَبَرُ الرُّؤْيَةُ التى هى مَظِنَّةُ الرِّضَى منهما. فصل: وإذا وَصَفَ المَبِيعَ لِلْمُشْتَرِى، فذَكَرَ له مِن صِفاتِه ما يَكْفِى فى صِحَّةِ السَّلَمِ، صَحَّ بَيْعُه فى ظاهِرِ المذهبِ. وهو قولُ أكْثَرِ أهْلِ العِلْمِ. وعن أحمدَ، لا يَصِحُّ حتى يَراهُ؛ لأنَّ الصِّفَةَ لا تَحْصُلُ بها مَعْرِفَةُ المَبِيعِ، فلم يَصِحَّ البَيْعُ بها كالذى لا يَصِحُّ السَّلَمُ فيه. ولنا، أنَّه بَيْعٌ بِالصِّفَةِ (١٥)، فَصَحَّ كَالسَّلَمِ، ولا نُسَلِّمُ أنَّه لا تَحْصُلُ به [مَعْرِفَةُ المَبِيعِ] (١٦)، فإنَّها تَحْصُلُ بالصِّفَاتِ الظَّاهِرَةِ التى يَخْتَلفُ بها الثَّمَنُ ظاهِرًا، وهذا يَكْفِى؛ بِدَلِيلِ أنه يَكْفِى فى السَّلَمِ، وأنَّه لا يُعْتَبَرُ (١٧) فى الرُّؤْيَةِ الاطِّلاعُ على الصِّفاتِ الخَفِيَّةِ، وأمَّا ما لا يَصِحُّ السَّلَمُ فيه، فلا يَصِحُّ بَيْعُه

стр. 2644

بِالصِّفَةِ؛ لأنَّه لا يُمْكِنُ ضَبْطُهُ بها. إذا ثَبَتَ هذا، فإنَّه متى وَجَدَهُ على الصِّفَةِ، لم يَكُنْ له الفَسْخُ. وبهذا قال مُحَمَّدُ بنُ سِيرِينَ، وأيوبُ، ومالكٌ، والعَنْبَرِىُّ، وإسْحاقُ، وأبو ثَوْرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ. وقال الثَّوْرِىُّ، وأبو حنيفةَ، وأصْحابُهُ: له الخِيارُ بِكُلِّ حالٍ؛ لأنَّه يُسَمَّى بَيْعَ (١٨) خِيارِ الرُّؤْيَةِ، ولأنَّ الرُّؤْيَةَ من تَمامِ العَقْدِ، فأشْبَه غيرَ المَوْصُوفِ. ولِأصْحابِ الشَّافِعِىِّ وَجْهَانِ كالمَذْهَبَينِ. ولنا، أنَّه سَلَّمَ له المَعْقُودَ عليه بِصِفاتِه، فلم يكنْ له الخِيارُ كالمُسْلَمِ فيه، ولأنَّه مَبِيعٌ مَوْصُوفٌ، فلم يَكُنْ لِلْعاقِدِ فيه الخِيارُ فى جَمِيع الأحْوالِ، كالسَّلَمِ. وقَوْلُهم: إنَّه يُسَمَّى بَيْعَ خِيارِ الرُّؤْيَةِ. لا نَعْرِفُ صِحَّتَهُ، فإن ثَبَتَ، فيحْتَمِلُ أن يُسَمِّيَهُ من يَرَى ثُبُوتَ الخِيارِ، ولا يَحْتَجُّ به على غَيْرِه، فأمَّا إن وَجَدَهُ بِخِلافِ الصِّفَةِ فله الخِيارُ، ويُسَمَّى خِيارَ الخُلْفِ فى الصِّفَةِ؛ لأنَّه وَجَدَ المَوْصُوفَ بِخِلافِ الصِّفَةِ، فلم يَلْزَمْهُ كالسَّلَمِ. وإن اخْتلَفا، فقال البائِعُ: لم تَخْتَلِف الصِّفَةُ (١٩). وقال المُشْتَرِى: قد اخْتَلَفَتْ. فَالقَوْلُ قَوْلُ المُشْتَرِى؛ لأنَّ الأصْلَ بَراءَةُ ذِمَّتِه من الثَّمَنِ، فلا يَلْزَمُه، ما لم يُقِرَّ به، أو يَثبُتَ بِبَيِّنةٍ أو ما يَقومُ مَقامَها. فصل: والبَيْعُ بِالصِّفَةِ نَوْعانِ؛ أحَدُهما، بَيْعُ عَيْنٍ مُعَيَّنَةٍ، مِثْل أنْ يَقولَ: بِعْتُكَ عَبْدِىَ التُّرْكِىَّ. ويَذْكُرُ سائِرَ صِفاتِه، فهذا يَنْفَسِخُ العَقْدُ عليه بِرَدِّهِ على البائِعِ، وتَلَفِه قبلَ قَبْضِه؛ لِكَوْنِ المَعْقُودِ عليه مُعَيَّنًا، فَيَزُولُ العَقْدُ بِزَوالِ مَحِلِّه، ويَجُوزُ التَّفَرُّقُ قبل قَبْضِ ثَمَنِه، وقَبْضِه، كَبَيْعِ الحَاضِرِ. الثانى، بَيْعٌ مَوْصُوفٌ غيرُ مُعَيَّنٍ، مِثْلُ أنْ يقولَ: بِعْتُكَ عَبْدًا تُرْكِيًّا، ثم يَسْتَقْصِى صِفاتِ السَّلَمِ، فهذا فى مَعْنَى السَّلَمِ، فمتى سَلَّمَ إليه عَبْدًا، على غيرِ ما وَصَفَ، فَرَدَّهُ، أو على ما وَصَفَ، فَأبْدَلَه، لم يَفْسُدِ العَقْدُ؛ لأنَّ العَقْدَ لم يَقَعْ على غيرِ هذا، فلم يَنْفَسِخ العَقْدُ بِرَدِّه،

стр. 2645

كما لو سَلَّمَ (٢٠). إليه فى السَّلَمِ غيرَ ما وَصَفَ له، فَرَدَّه. ولا يجُوزُ التَّفَرُّقُ عن مَجْلِسِ العَقْدِ قبلَ قَبْضِ المَبِيعِ، أو قَبْضِ ثَمَنهِ. وهذا قوْلُ الشَّافِعِىِّ؛ لأنَّه بَيْعٌ فى الذِّمَّةِ، فلم يَجُزِ التَّفَرُّقُ فيه قبل [قَبْضِ أحَدِ] (٢١) العِوَضَيْنِ، كَالسَّلَمِ. وقال القاضِى: يجُوزُ التَّفَرُّقُ فيه قبلَ القَبْضِ؛ لأنَّه بَيْعٌ حالٌّ، فجازَ التَّفَرُّقُ فيه قبلَ القَبْضِ، كبَيْعِ العَيْنِ. فصل: إذا رَأيا المَبِيعَ، ثم عَقَدَا البَيْعَ بعد ذلك بِزَمَنٍ لا تَتَغَيَّرُ العَيْنُ فيه، جازَ فى قَوْلِ أكْثَرِ أهْلِ العِلْمِ. وحُكِىَ عن أحْمَدَ رِوايَةٌ أخْرَى، لا يَجُوزُ حتى يَرَياها حالَةَ العَقْدِ. وحُكِىَ ذلك عن الحَكَمِ، وحَمَّادٍ؛ لأنَّ (٢٢) ما كان شَرْطًا فى صِحَّةِ العَقْدِ، يَجِبُ أنْ يكونَ مَوْجُودًا حالَ العَقْدِ، كالشَّهادَةِ فى النِّكاحِ. ولنا، أنَّه مَعْلُومٌ عِنْدَهما، أشْبَهَ ما لو شاهداه حالَ (٢٣) العَقْدِ، والشَّرْطُ إنّما هو العِلْمُ، وإنما الرُّؤْيَةُ طَرِيقٌ لِلْعِلْمِ، ولهذا اكْتُفِىَ بِالصِّفَةِ المُحَصِّلَةِ لِلْعِلْمِ، والشَّهادَةُ فى النِّكاحِ تُرادُ لِحِلِّ (٢٤) العَقْدِ والاسْتِيثاقِ عليه، فلهذا اشْتُرِطَتْ حالَ العَقْدِ. ويُقَرِّرُ ما ذَكَرْناه ما لو رَأيا دارًا، وَوَقَفا فى بَيْتٍ منها، أو أرْضًا، ووَقَفا فى طَرَفِها (٢٥)، وتَبايَعاها، صحَّ بلا خلافٍ مع عَدَمِ المُشاهَدَةِ لِلْكُلِّ فى الحالِ. ولو كانتِ الرُّؤْيَةُ المَشْرُوطَةُ لِلْبَيْعِ مَشْرُوطَةً حالَ العَقْدِ لَاشْتُرِطَ رُؤْيَةُ جَميعهِ، ومَتَى وَجَدَ المَبِيعَ بحالِه، لم يَتَغَيَّر، لَزِمَ البَيْعُ، وإنْ كان ناقِصًا ثَبَتَ له الخِيارُ؛ لأنَّ ذلك كَحُدُوثِ العَيْبِ. وإن اخْتلَفا فى التَّغَيُّرِ، فالقَوْلُ قولُ المشترِى مع يَمِينه؛ لأنَّه يَلْزَمُه الثَّمَنُ، فلا يَلْزَمُه ما لَمْ يَعْتَرِفْ به. فأمَّا إنْ عُقِدَ البَيْعُ بعدَ رُؤْيَةِ المَبِيعِ بِمُدَّةٍ يَتَحَقَّقُ فيها

стр. 2646

فَسادُ المَبِيعِ، لم يَصِحّ البَيْعُ؛ لأنَّه مما لا يَصِحُّ بَيْعُه، وإنْ لم يَتَغَيَّر فيها، لم يَصِحَّ بَيْعُه؛ لأنَّه مَجْهُولٌ. وكذلِك إنْ كان الظَّاهِرُ تَغَيُّرَه. فأمَّا إنْ كان يَحْتَمِلُ التَّغَيُّرَ وعَدَمَه، وليس الظَّاهِرُ تَغَيُّره، صَحَّ بَيْعُه؛ لأنَّ الأصْلَ السَّلامَةُ، ولم يُعارِضْه ظاهِرٌ، فَصَحَّ بَيْعُه، كما لو كانتِ الغَيْبَةُ يَسِيرَةً، وهذا ظاهِرُ مذهبِ الشَّافِعِىِّ. فصل: ويَثْبُتُ الخِيارُ فى البَيْعِ لِلْغَبْنِ فى مَواضِعَ؛ أحدها، تَلَقِّى الرُّكْبانِ، إذا تَلَقَّاهُمْ فاشْتَرَى منهم وباعَهُمْ وغَبَنَهُمْ. الثانى، بَيْعُ النَّجْشِ. ويُذْكَرانِ فى مَوضِعِهِما (٢٦). الثالث، المُسْتَرْسِلُ إذا غُبِنَ غَبْنًا يَخْرُجُ عن العادَةِ، فله الخِيارُ بين الفَسْخِ والإِمْضاءِ. وبهذا قال مالِكٌ، وقال ابنُ أبِى مُوسَى، وقد قيِلَ: قد لَزِمَه البيعُ ولَيْسَ له فَسْخُه. وهذا مذهبُ أبِى حَنِيفَةَ، والشَّافِعِىِّ؛ لأنَّ نُقْصانَ قِيمَةِ السِّلْعَةِ مع سَلامَتِها لا يَمْنَعُ لُزُومَ العَقْدِ، كَبَيْعِ غيرِ المُسْتَرْسِلِ، وكالغَبْنِ اليَسِيرِ. ولنا، أنَّه غَبْنٌ حَصَلَ لِجَهْلِه بِالمَبِيعِ، فأثْبَتَ الخِيارَ، كالغَبْنِ فى تَلَقِّى الرُّكْبان، فأمّا غيرُ المُسْتَرسِل، فإنَّه دَخَلَ على بَصِيرَةٍ بِالغَبْنِ، فهو كالعالِمِ بِالعَيْبِ، وكذا لو اسْتَعْجَلَ، فَجهلَ ما لو تَثَبَّتَ لَعَلِمَه، لم يَكُنْ له خِيارٌ، لأنَّه انبنَى على تَقْصِيرِه وتَفْرِيطِه. والمُسْتَرْسِلُ هو الجاهِلُ بِقِيمَةِ السِّلْعَةِ، ولا يُحْسِنُ المُبايَعَةَ. قال أحْمدُ: المُسْتَرْسِلُ، الذى لا يُحْسِنُ أنْ (٢٧) يُماكِسَ. وفى لَفْظٍ، الذى لا يُماكِسُ. فكَأنَّه اسْتَرْسَلَ إلى البائِعِ، فأخَذَ ما أعْطاه من غير مُمَاكَسَةٍ، ولا مَعْرِفَةٍ بِغَبْنِه. فأمَّا العَالِمُ بذلك، والذى لو تَوَقَّفَ لَعَرَفَ، إذا اسْتَعْجَلَ فى الحالِ فَغُبِنَ، فلا خِيارَ لهما. ولا تَحْدِيدَ لِلْغَبْنِ فى المَنْصُوصِ عن أحمدَ، وحَدَّه أبُو بَكْرٍ فى "التَّنْبِيهِ"، وابنُ أبى مُوسَى فى "الإرْشَادِ" بالثُّلُثِ. وهو قَوْلُ مالِكٍ؛ لأنَّ الثُّلُثَ كَثِيرٌ؛

стр. 2647

بِدَلِيلِ قولِ النبىِّ ﷺ : "والثُّلُثُ كَثِيرٌ" (٢٨). وقيل: بالسُّدُسِ، وقِيلَ: ما لا يَتَغابَنُ النَّاسُ به فى العادَةِ؛ لأنَّ ما لا يَرِدُ الشَّرْعُ به (٢٩) يُرْجَعُ فيه إلى العُرْفِ. فصل: وإذا وَقَعَ البَيْعُ على غير مُتَعَيِّنٍ (٣٠)، كَقَفِيزٍ (٣١) من صُبْرَةٍ (٣٢)، ورِطْلِ زَيْتٍ من دَنٍّ، فَمُقْتَضَى قوْلِ الخِرَقِىِّ، إذا تَفَرَّقَا من غير فَسْخٍ، لم يَكُنْ لأحَدِهِما رَدُّه، إلَّا بِعَيْبٍ أو خِيارٍ؛ لأنَّ البَيْعَ هاهنا يَلْزَمُ بالتَّفَرُّقِ، سَواء تَقَابَضا أو لم يَتَقابَضا. وقال القاضِى: البيعُ لا يَلْزَمُ إلَّا بِالقَبْضِ، كالَمَكِيلِ والمَوْزُونِ. وهذا تَصْرِيحٌ بأنَّه لا يَلْزَمُ قبلَ قَبْضِه. وذَكَر فى مَوْضِعٍ آخَرَ، من اشْتَرَى قَفِيزَيْنِ من صُبْرَتَيْنِ، فَتَلِفَتْ إحْداهُما قَبل القَبْضِ، بَطَلَ العَقْدُ فى التَّالِفِ دون الباقِى، روايَةً وَاحِدَةً، ولا خِيارَ لِلْبائِعِ. وهذا يَدُلُّ على اللُّزُومِ فى حَقِّ البائِعِ قبلَ القَبْضِ، فإنَّه لو كان جائِزًا كان له الخِيارُ، سَواءٌ تَلِفَتْ إحْداهُما أَو لم تَتْلَفْ، وَوَجْهُ الجَوازِ، أنَّه مَبِيعٌ لا يَمْلِكُ بَيْعَه، ولا التَّصَرُّفَ فيه، فكان البَيْعُ فيه جائِزًا كما قبلَ التَّفَرُّقِ، ولأنَّه لو تَلِفَ لَكان من ضَمانِ

стр. 2648

البائِعِ. ووجْهُ الأوَّلِ، قَوْلُ النَّبِىِّ ﷺ : "وإنْ تَفَرَّقَا بَعْدَ أنْ تَبَايَعَا، ولَمْ يَتْرُكْ أحَدُهُمَا البَيْعَ، فَقَدْ وَجَبَ البَيْعُ" (٣٣). وما ذَكَرْناهُ لِلْقَوْلِ الآخَرِ يَنْتَقِضُ بِبَيْعِ ما تَقَدَّمَتْ رُؤْيَتُه، وبَيْعِ المَوْصُوفِ، والسَّلَمِ، فإنَّ ذلك لَازِم مع ما ذَكَرْناه، وكذلك سائِرُ المَبِيعِ على إحْدَى الرِّوايَتَيْنِ. ٧٠٣ - مسألة؛ قال: (والْخِيَارُ يَجُوزُ أكْثَرَ من ثَلَاثٍ) يعنى ثَلاثَ لَيالٍ بِأيَّامِها. وإنَّما ذَكَرَ اللَّيالِى؛ لأنَّ التَّارِيخَ يَغْلِبُ فيه التَّأْنِيثُ، قال اللهُ تعالى: ﴿وَوَاعَدْنَا مُوسَى ثَلَاثِينَ لَيْلَةً وَأَتْمَمْنَاهَا بِعَشْرٍ فَتَمَّ مِيقَاتُ رَبِّهِ أَرْبَعِينَ لَيْلَةً﴾ (١). وقال تعالى: ﴿يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا﴾ (٢). وفى حَدِيثِ حَبَّانَ (٣): "وَلَكَ الخِيَارُ ثَلَاثًا" (٤). ويَجوزُ اشْتِراطُ الخِيارِ ما يَتَّفِقانِ عليه من المُدَّةِ المَعْلُومَةِ، قَلَّتْ مُدَّتُه أو كَثُرَتْ، وبذلك قال أبو يوسفَ، ومحمدٌ، وابنُ المُنْذِرِ. وحُكِىَ ذلك عن الحَسَنِ بن صالِحٍ، والعَنْبَرِىّ، وابنِ أبى لَيْلَى، وإسْحَاقَ، وأبِى ثَوْرٍ، وأجازَه مالِكٌ فيما زادَ على الثَّلاثِ بِقَدْرِ الحاجَةِ، مثلُ قَرْيَةٍ لا يَصِلُ إليها فى أقَلَّ من أرْبَعَةِ أيَّامٍ، لأنَّ الخِيارَ لِحاجَتِه، فيُقَدَّرُ بها. وقال أبو حَنِيفَةَ، والشَّافِعىُّ: لا يجوزُ أكْثَر من ثَلاثٍ؛ لما رُوِىَ عن عُمَرَ، رَضِىَ اللَّه عنه،

стр. 2649

أنَّه قال: ما أجِدُ لَكم أوْسَعَ ممَّا جَعَلَ رسولُ اللهِ ﷺ لحَبَّانَ، جَعَلَ له الخِيارَ ثَلاثةَ أيَّامٍ، إنْ رَضِى أخَذَ، وإنْ سَخِطَ تَرَكَ. ولأنَّ الخِيارَ يُنافِى مُقْتَضَى البَيْعِ؛ لأنَّه يَمْنَعُ المِلْكَ واللُّزُومَ وإطْلَاقَ التَّصَرُّفِ، وإنَّما جازَ لِمَوْضِعِ الحاجَةِ، فَجازَ القَلِيلُ منه، وآخِرُ حَدِّ القِلَّةِ ثَلَاثٌ، قال اللهُ تعالى: ﴿فَقَالَ تَمَتَّعُوا فِي دَارِكُمْ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ﴾ (٥) بعد قوله: ﴿فَيَأْخُذَكُمْ عَذَابٌ قَرِيبٌ﴾ (٦). ولنا، أنَّه حَقٌّ يَعْتَمِدُ الشَّرْطَ، فرُجِعَ فى تَقْدِيرِه إلى مُشْتَرِطِه، كالأجَلِ، أو نقولُ: مُدَّةٌ مُلْحَقَةٌ بِالعَقْدِ، فكانت إلى تَقْدِيرِ المُتَعاقِدَيْنِ كالأجَلِ. ولا يَثْبُتُ عِنْدَنا ما رُوِىَ عن عُمَرَ، رَضِىَ اللَّه عنه، وقد رُوِىَ عن أنسٍ خِلافُه. وتَقْدِيرُ مالِكٍ بِالحاجَةِ لا يَصِحُّ؛ فإنَّ الحاجَةَ لا يُمْكِنُ رَبْطُ الحُكْمِ بها، لِخَفائِها واخْتِلافِها، وإنّما يُرْبَطُ بِمَظِنَّتِها، وهو الإِقدامُ، فإنَّه يَصْلُحُ (٧) أنْ يَكُونَ ضابِطًا، ورَبْطُ الحُكْمِ به فيما دُونَ الثَّلاثِ وفى السَّلَمِ والأجَلِ. وقَوْلُ الآخَرِينَ: إنّه يُنافِى مُقْتَضَى البَيْعِ. لا يَصِحُّ؛ فإنَّ مُقْتَضَى البَيْعِ نَقْلُ المِلْكِ، والخِيارُ لا يُنافِيهِ، وإنْ سلَّمنا ذلك، لكن مَتَى خُولِفَ الأصْلُ لِمَعْنًى فى مَحلٍّ وَجَبَ تَعْدِيَةُ الحُكْمِ؛ لِتَعَدِّى ذلك المَعْنَى. فصل: ويَجوزُ شَرْطُ الخِيارِ لِكُلِّ واحِدٍ من المُتَعَاقِدَيْنِ، ويجوزُ لِأحَدِهما دونَ الآخَرِ، ويجوزُ أنْ يَشْرُطا لأحدِهِما مُدَّةً ولِلْآخَرِ دُونها؛ لأنَّ ذلك حَقُّهُما، وإنَّما جُوِّزَ رِفْقًا بهما، فَكَيْفَما تَرَاضَيا به جازَ. ولو اشْتَرَى شَيْئَيْنِ وشَرَطَ الخِيارَ فى أحَدِهِما بِعَيْنِه دون الآخَرِ، صَحَّ؛ لأنَّ أكْثَرَ ما فيه أنَّه جَمَعَ بين مَبيعٍ فيه الخِيارُ، ومَبِيعٍ لا خِيارَ فيه، وذلك جائِزٌ، بِالقِياسِ على شِراءِ ما فيه شُفْعَةٌ، وما (٨) لا شُفْعَةَ فيه، فإنَّه يَصِحُّ، ويَحْصُلُ كُلُّ واحِدٍ منهما مَبِيعًا بِقِسْطِه من الثَّمَنِ. فإنْ فَسَخَ البَيْعَ مما

стр. 2650

فيه الخِيارُ، رَجَعَ بِقِسْطِه من الثَّمَنِ، كما لو وَجَدَ أحَدَهما مَعِيبًا فَرَدَّه، وإنْ شَرَطَ الخِيارَ فى أحَدِهِما لا بِعَيْنهِ، أو شَرَطَ الخِيارَ لأحَدِ المُتَعاقِدَيْنِ لا بِعَيْنِهِ، لم يَصِحَّ؛ لأنَّه مَجْهُولٌ، فأشْبَهَ ما لو اشْتَرَى واحِدًا من عَبْدَيْنِ لا بعَيْنِه. ولأنَّه يُفْضِى إلى التَّنازُعِ، ورُبَّما طَلَبَ كُلُّ واحَدٍ من المُتَعاقِدَيْنِ ضِدَّ ما يَطْلُبُه الآخَرُ، ويَدَّعِى أنَّنِى المُسْتَحِقُّ لِلْخِيارِ، [أو يَطْلُبُ] (٩) مَنْ له الخِيارُ رَدَّ أحَدِ المَبيعَيْنِ، ويقولُ الآخَرُ: ليس هذا الذى شَرَطْتُ لكَ الخِيارَ فيه. ويَحْتَمِلُ أن لا يَصِحَّ شَرْطُ الخِيارِ فى أحَدِ المَبيعَيْنِ بِعَيْنِه، كما لا يَصِحُّ بَيْعُه بِقِسْطِه من الثَّمَنِ، وهذا ال فَصْلُ كُلُّهُ مذهبُ الشَّافِعِىِّ. فصل: وإن شَرَطَ الخِيارَ لِأجْنَبِىٍّ، صَحَّ، وكان اشْتِراطًا لِنَفْسِه، وتَوْكِيلًا لِغَيْرِه، وهذا قولُ أبى حنيفةَ، ومالِكٍ. ولِلشَّافِعِىِّ فيه (١٠) قَوْلَانِ؛ أحدهما، لا يَصِحُّ، وكَذلك قال القاضى: إذا أطْلَقَ الخِيارَ لِفُلانٍ، أو قال لِفُلانٍ دُونِى. لم يَصِحَّ؛ لأنَّ الخِيارَ شُرِعَ (١١) لِتَحْصيلِ الحَظِّ لكلِّ واحَدٍ من المُتَعاقِدَيْن بِنَظرَهِ، فلا يَكونُ لِمَنْ لا حَظَّ له فيه (١٢). وإن جَعَلَ الأجْنَبِىَّ وَكِيلًا، صَحَّ. ولنا، أنَّ الخِيارَ يَعْتَمِدُ شَرْطَهما، ويُفَوِّضُ إليهما، وقد أمْكَنَ تَصْحِيحُ شَرْطِهما، وتَنْفِيذُ تَصَرُّفِهما على الوَجْهِ الذى ذَكَرْناهُ، فلا يجوزُ إلْغَاؤُه مع إمْكانِ تَصْحيحِه؛ لِقَوْلِ النَّبِىِّ ﷺ : "المُسْلِمُونَ على شُرُوطِهِمْ" (١٣). فعلى هذا، يكونُ لِكُلِّ واحِدٍ من المُشْتَرِطِ وَوَكيلِه الذى شَرَطَ الخِيارَ له الفَسْخُ. ولو كان المَبِيعُ عَبْدًا، فَشَرَطَ الخيِارَ له، صَحَّ، سواءٌ شَرَطَهُ له البائِعُ، أو المُشْتَرِى؛ لأنَّه بِمَنْزِلَةِ الأجْنَبِىِّ. وإن كان العاقِدُ وَكيلًا، فشَرَطَ الخِيارَ لِنَفْسِه، صَحَّ، فإنَّ النَّظَرَ فى تَحْصِيلِ الحَظِّ مُفَوَّضٌ

стр. 2651

إليه. وإن شَرَطَهُ لِلْمَالِكِ (١٤)، صَحَّ؛ لأنَّه هو المالِكُ، والحَظُّ له. وإن شَرَطَهُ لأجْنَبِىٍّ، لم يَصِحّ؛ لأنَّه لَيس له أن يُوَكِّلَ غيرَه، ويَحْتَمِلُ الجَوازَ، بِناءً على الرِّوايَةِ التى تقولُ: لِلْوَكيلِ التَّوْكيلُ. فصل: ولو قال: بِعْتُكَ على أن أسْتَأْمِرَ فُلَانًا. وحَدَّدَ ذلك بِوَقْتٍ مَعْلومٍ، فهو خِيارٌ صَحيحٌ، وله الفَسْخُ قبل أن يَسْتَأْمِرَه؛ لأنَّا جَعَلْنَا ذلك كِنايَةً على الخِيارِ، وهذا قَوْلُ بعضِ أصحابِ الشَّافِعِىِّ. وإن لم يَضْبِطْهُ بِمُدَّةٍ مَعْلُومَةٍ، فهو خِيَارٌ مَجْهُولٌ، حُكْمُهُ حُكْمُه (١٥). فصل: وإن شَرَطَ الخِيارَ يَوْمًا أو ساعاتٍ مَعْلُومَةً، اعْتُبِرَ ابْتِداءُ مُدَّةِ الخِيارِ من حينِ العَقْدِ فى أحَدِ الوَجْهَيْنِ. والآخَرُ، من حينِ التَّفَرُّقِ؛ لأنَّ الخِيارَ ثابِتٌ فى المَجْلِسِ حُكْمًا، فلا حاجَةَ إلى إثْباتِه بِالشَّرْطِ. ولأنَّ حالَةَ المَجْلِسِ كحالةِ العَقْدِ، لأنَّ لهما فيه الزِّيادَةَ والنُّقْصَانَ، فكان كحالَةِ العَقْدِ فى ابْتِداءِ مُدَّةِ الخِيارِ بعد انْقِضائِه. والأوَّلُ أصَحُّ؛ لأنَّها مُدَّةٌ مُلْحَقَةٌ بِالعَقْدِ، فكان ابْتِداؤُها منه، كَالأَجَلِ. ولأنَّ الاشْتِراطَ سَبَبُ ثُبُوتِ الخِيَارِ، فيَجِبُ أن يَتَعَقَّبَهُ حُكْمُه، كالمِلْكِ فى البَيْعِ. ولأنَّنا لو جَعَلْنا ابْتِداءَه من حِينِ التَّفَرُّقِ، أدَّى إلى جَهالَتِه؛ لأنَّنا لا نَعْلَمُ مَتَى يَتَفَرَّقانِ، فلا نَعْلَمُ مَتَى ابْتِداؤُه، ولا مَتَى انْتِهاؤُه. ولا يُمْنَعُ ثُبوتُ الحُكْمِ بِسَبَبَيْنِ، كَتَحْرِيمِ الوَطْءِ بِالصِّيامِ والإِحْرامِ والظِّهارِ، وعلى هذا، لو شَرَطَا ابْتِداءَهُ من حينِ التَّفَرُّقِ، لم يَصِحّ لذلك، إلَّا على الرِّوايَةِ التى تَقُولُ بِصِحَّةِ الخِيارِ المَجْهولِ. وإن قُلْنا: ابْتِداؤُه من حينِ التَّفَرُّقِ. فشَرَطا ثُبُوتَهُ من حينِ العَقْدِ، صَحَّ؛ لأنَّه مَعْلُومُ الابْتداءِ والانْتِهاءِ. ويَحْتَمِلُ أن لا يَصِحَّ؛ لأنَّ الخِيارَ فى المَجْلِسِ يُغْنِى عن خِيارٍ آخَرَ، فَيَمْنَعُ ثُبوتَه، والأوَّلُ أوْلَى. ومذهبُ الشَّافِعِىِّ فى هذا الفَصْلِ كُلِّه كما ذَكَرْنا.

стр. 2652

فصل: وإن شَرَطا الخِيارَ إلى اللَّيْلِ أو الغَدِ، لم يَدْخُلِ اللَّيْلُ والغَدُ فى مُدَّةِ الخِيارِ. وهذا مذهبُ الشَّافِعِىِّ. ويَتَخَرَّجُ أن يَدْخُلَ، وهو مذهبُ أبى حنيفةَ؛ لأنَّ "إلَى" تُسْتَعْمَلُ بِمَعْنَى "مع"، كقَوْلِهِ تعالى: ﴿وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ﴾ (١٦)، ﴿وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَهُمْ إِلَى أَمْوَالِكُمْ﴾ (١٧)، والخِيارُ ثابِتٌ بِيَقينٍ، فلا نُزيلُه بِالشَّكِّ. ولنا، أنَّ مَوْضوعَ "إلى" لِانْتِهاءِ الغايَةِ، فلا يَدْخُلُ ما بَعْدَها فيما قَبْلَها، كقَوْلِه سُبحانه: ﴿ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ﴾ (١٨). وكالأجَلِ. ولو قال: أَنْتِ طالِقٌ من واحِدَةٍ إلى ثَلاثٍ. أو: له عَلَىَّ من درهمٍ إلى عَشَرَةٍ. لم يَدْخُلِ الدرهمُ العَاشِرُ، والطَّلْقَةُ الثَّالِثَةُ، وليس هاهُنا شَكٌّ؛ فإنَّ الأصْلَ حَمْلُ اللَّفْظِ على مَوْضُوعِهِ، فكَأنَّ الواضِعَ قال: مَتَى سَمِعْتُم هذه اللَّفْظَةَ، فَافْهَموا منها انتِهاءَ الغايةِ. وفى المَواضِعِ التى اسْتَشْهَدوا بها، حُمِلَتْ على مَعْنَى "مع" بِدَليلٍ، أو لِتَعَذُّرِ حَمْلِها على مَوْضُوعها، كما تُصْرَفُ سائِرُ حُروفِ الصِّلاتِ عن مَوْضُوعِها لِدَليلٍ، والأَصْلُ حَمْلُها على مَوْضُوعِها. ولأنَّ الأصْلَ لُزومُ العَقْدِ، وإنَّما خُولِفَ فيما اقْتَضاهُ الشَّرْطُ، فيَثْبُتُ ما يُتَيَقَّنُ منه، وما شَكَكْنا فيه رَدَدْناهُ إلى الأَصْلِ. فصل: وإن شَرَطَ الخِيارَ إلى طُلُوعِ الشَّمْسِ، أو إلى غُروبِها، صَحَّ. وقال بَعْضُ أهْلِ العِلْمِ: لا يَصِحُّ تَوْقِيتُه بِطُلوعِها؛ لأنَّها قد تَتَغَيَّمُ، فلا يُعْلَمُ وَقتُ طُلُوعِها. ولنا، أنَّه تَعْليقٌ لِلْخِيارِ بِأمرٍ ظاهِرٍ مَعْلُومٍ، فيَصِحُّ (١٩)، كَتَعْليقِه بِغُروبِها. وطُلوعُ الشَّمْسِ، بُروزُها من الأُفُقِ، كما أنَّ غروبَها سُقوطُ القُرْصِ. ولذلك لو عَلَّقَ طَلاقَ امْرَأتِه، أو عِتْقَ عَبْدهِ، بِطُلوعِ الشَّمْسِ، وَقَعَ بِبُروزِها من الأُفُقِ. وإن عَرَضَ غَيْمٌ يَمْنَعُ المَعْرِفَةَ بِطُلوعِها، فَالخِيارُ ثابِتٌ حتى يَتَيَقَّنَ طُلُوعَها، كما لو عَلَّقَهُ بِغُروبِها، فمَنَعَ الغَيْمُ المَعْرِفَةَ بِوَقْتِه. ولو جَعَلَ الخِيارَ إلى طُلوعِ

стр. 2653

الشَّمْسِ من تَحْتِ السَّحابِ، أو إلى غَيْبَتِها تَحْتَه، كان خِيارًا مَجْهولًا، لا يَصِحُّ فى الصَّحيحِ من المَذْهَبِ. فصل: وإذا شَرَطا الخِيارَ أَبَدًا، أو مَتَى شِئْنا، أو قال أحَدُهُما: وَلِىَ الخِيارُ. ولم يَذْكُرْ مُدَّتَهُ، أو شَرَطاهُ إلى مُدَّةٍ مَجْهولَةٍ، كقُدومِ زَيْدٍ، أو هُبوبِ ريحٍ، أو نُزولِ مَطَرٍ، أو مُشاوَرَةِ إنْسانٍ، ونحوِ ذلك، لم يَصِحَّ فى الصَّحِيحِ من المذهبِ. وهذا اخْتِيارُ القاضى، وابنِ عَقِيلٍ، ومذهبُ الشَّافِعِىِّ. وعن أحمدَ، أنَّه يَصِحُّ، وهما على خِيارِهما أبدًا، أو يَقْطَعاهُ، أو تَنْتَهِى مُدَّتُه إن كان مَشْرُوطًا إلى مُدَّةٍ. وهو قولُ ابنِ شُبْرُمَةَ؛ لِقَوْلِ النَّبِىِّ ﷺ : "المُسْلِمُونَ على شُرُوطِهِمْ" (٢٠). وقال مالِكٌ: يَصِحُّ، وتُضْرَبُ لهما مُدَّةٌ يُخْتَبَرُ المَبيعُ فى مِثْلِها فى العادَةِ؛ لأنَّ ذلك مُقَدَّرٌ فى العادَةِ، فإذا أطْلَقا، حُمِلَ عليه. وقال أبو حنيفةَ: إن أسْقَطَا الشَّرْطَ قبلَ مُضِىِّ الثَّلاثِ، أو حَذَفا الزَّائِدَ عليها وبَيَّنا مُدَّتَهُ، صَحَّ؛ لأنَّهما حَذَفا المُفْسِدَ قبل اتِّصالِه بِالعَقْدِ، فوَجَبَ أن يَصِحَّ، كما لو لم يَشْرُطاهُ. ولنا، أنَّها مُدَّةٌ مُلْحَقَةٌ بِالعَقْدِ، فلا تَجوزُ مع الجَهالَةِ، كالأجَلِ. ولأنَّ اشْتِراطَ الخِيارِ أبدًا يَقْتَضِى المَنْعَ من التَّصَرُّفِ على الأبَدِ، وذلك يُنافِى مُقْتَضَى العَقْدِ، فلم يَصِحّ، كما لو قال: بِعْتُكَ بِشَرْطِ أن لا تَتَصَرَّفَ. وقَوْلُ مَالِكٍ: إنه يُرَدُّ إلى العادَةِ. لا يَصِحُّ، فإنَّه لا عادَةَ فى الخِيارِ يُرْجَعُ إليها. واشْتِراطُه مع الجَهالَةِ [نادِرٌ. وقولُ أبِى حنيفةَ لا يَصِحُّ، فإنَّ المُفْسِدَ هو الشَّرْطُ، وهو مُقْتَرِنٌ بِالعَقْدِ. ولأنَّ العَقْدَ] (٢١) لا يَخْلُو من أنْ يَكُونَ صَحِيحًا، أو فَاسِدًا، فإن كان صَحِيحًا مع الشَّرْطِ، لم يَفْسُدْ بِوُجودِ ما شَرَطاهُ فيه، وإن كان فَاسِدًا، لم يَنْقَلِبْ صَحِيحًا، كما لو باعَ درهمًا بِدرهمينِ، ثم حَذَفَ أحَدَهما. وعلى قَوْلِنا: الشَّرْطُ فاسِدٌ. هل يَفْسُدُ به البَيْعُ؟ على رِوايَتَيْنِ؛ إحداهما، يَفْسُدُ، وهو مذهبُ الشَّافِعِىِّ؛ لأنَّه عَقْدٌ قارَنَهُ شَرْطٌ فاسِدٌ، فأفْسَدَهُ، كَنِكاحِ

стр. 2654

الشِّغارِ (٢٢)، والمُحَلَّلِ. ولأنَّ البائِعَ إنَّما رَضِىَ بِبَذْلِه بهذا الثَّمَنِ، مع الخِيَارِ فى (٢٣) اسْتِرْجاعِه، والمُشْتَرِى إنَّما رَضِىَ بِبَذْلِ هذا الثَّمَنِ فيه، مع الخِيارِ فى فَسْخِه، فلو صَحَّحْنَاهُ لأَزَلْنا مِلْكَ كُلِّ واحِدٍ منهما عنه بِغَيْرِ رِضاهُ، وألْزَمْناهُ ما لم يَرْضَ بِه. ولأنَّ الشَّرْطَ يَأْخُذُ قِسْطًا من الثَّمَنِ، فإذا حَذَفْناهُ وَجَبَ رَدُّ ما سَقَطَ من الثَّمَنِ من أَجْلِه، وذلك مَجْهُولٌ، فيَكُونُ الثَّمَنُ مَجْهُولًا، فَيَفْسُدُ العَقْدُ. والثانية، لا يَفسُدُ العَقْدُ به، وهو قَوْلُ ابنِ أبِى لَيْلَى؛ لِحَديثِ بَرِيرَةَ (٢٤). ولأنَّ العَقْدَ قد تَمَّ بِأرْكانِه، والشَّرْطُ زائِدٌ، فإذا فَسَدَ وزالَ، سَقَطَ الفاسِدُ، وبَقِىَ العَقْدُ بِرُكْنَيْهِ، فَصَحَّ (٢٥)، كما لو لم يَشْتَرِطْ. فصل: وإن شَرَطَهُ إلى الحَصادِ، أو الجَذَاذِ، احْتَمَلَ أن يَكُونَ كَتَعْليقِه على قُدومِ زَيْدٍ؛ لأنَّ ذلك يَخْتَلِفُ، ويَتَقَدَّمُ، ويَتَأخَّرُ، فكان مَجْهُولًا. واحْتَمَلَ أن يَصِحَّ؛ لأنَّ ذلك يَتَقَارَبُ فى العادَةِ، ولا يَكْثُرُ تَفَاوُتُه. وإن شَرَطَه إلى العَطاءِ، وأرادَ وَقْتَ العَطاءِ، وكان مَعْلُومًا، صَحَّ، كما لو شَرَطَه إلى يَوْمٍ مَعْلُومٍ. وإن أرادَ نَفْسَ العَطاءِ، فهو مَجْهُولٌ؛ لأنَّه يَخْتَلِفُ. فصل: وإن شَرَطَ الخِيَارَ شَهْرًا، يَوْمٌ يَثْبُتُ، ويَوْمٌ لا يَثبُتُ. فقال ابنُ عَقِيلٍ: يَصِحُّ فى اليَوْمِ الأوَّلِ؛ لإمْكَانِه، ويَبْطُل فيما بَعْدَه؛ لأنَّه إذا لَزِمَ فى اليَوْمِ الثَّانِى لم يَعُدْ إلى الجَوازِ. ويَحْتَمِلُ بُطْلانَ الشَّرْطِ كلِّه؛ لأنَّه شَرْطٌ واحِدٌ، تَناوَلَ الخِيَارَ

стр. 2655

فى أيَّامٍ، فإذا فَسَدَ فى بَعْضِه، فَسَدَ جَمِيعُه، كما لو شَرَطَ فى (٢٦) الحَصَادِ. فصل: ويَجوزُ لِمَنْ له الخِيارُ الفَسْخُ من غيرِ حُضُورِ صَاحِبِه ولا رِضَاه. وبهذا قال مَالِكٌ، والشَّافِعِىُّ، وأبو يوسفَ، وزُفَرُ. وقال أبو حنيفةَ: ليس له الفَسْخُ إلَّا بِحَضْرَةِ صَاحِبِه؛ لأنّ العَقْدَ تَعَلَّقَ به حَقُّ كُلِّ وَاحِدٍ من المُتَعاقِدَيْنِ، فلم يَمْلِكْ أحَدُهما فَسْخَه بغَيرِ حُضُورِ صَاحِبِه، كالوَدِيعَةِ. ولنا، أنَّه رَفْعُ عَقْدٍ لا يَفْتَقِرُ إلى رِضَا صَاحِبِه، فلم يَفْتَقِرْ إلى حُضُورِهِ، كالطَّلاقِ. وما قَالُوهُ يَنْتَقِضُ بِالطَّلاقِ، والوَدِيعَةُ لا حَقَّ لِلمُودِعِ فيها، ويَصِحُّ فَسْخُها مع غَيْبَتِه. فصل: وإذا انْقَضَتْ مُدَّةُ الخِيَارِ، ولم يَفْسَخْ أحَدُهُمَا، بَطَلَ الخِيَارُ، ولَزِمَ العَقْدُ. وهذا قَوْلُ أبِى حنيفةَ، والشَّافِعِىِّ. وقال القاضى: لا يَلْزَمُ بِمُضِىِّ المُدَّةِ. وهو قولُ مَالِكٍ؛ لأنّ مُدَّةَ الخِيَارِ ضُرِبَتْ لِحَقٍّ له، لا لِحَقٍّ عليه، فلم يَلْزَمِ الحُكْمُ بِنَفْسِ مُرُورِ الزَّمَانِ، كمُضِىِّ الأجَلِ فى حَقِّ المَوْلَى. ولنا، أنها مُدَّةٌ مُلْحَقَةٌ بِالعَقْدِ، فبَطَلَتْ بِانْقِضَائِها كالأَجَلِ. ولأنّ الحُكْمَ بِبَقائِها يُفْضِى إلى بَقاءِ الخِيارِ فى غيرِ المُدَّةِ التى شَرَطَاهُ فيها. والشَّرْطُ سَبَبُ الخِيَارِ، فلا يجوزُ أن يَثْبُتَ به ما لم يتناوَلْه، ولأنَّه حُكْمٌ مُؤَقَّتٌ، ففاتَ بِفَواتِ وَقْتِه، كسائِرِ المُؤَقَّتاتِ، ولأنَّ البَيْعَ يَقْتَضِى اللُّزُومَ، وإنَّما تخلَّفَ (٢٧) مُوجِبُه بِالشَّرْطِ، فَفِيمَا لم يتناوَلْهُ الشَّرْطُ يَجِبُ أن يَثبُتَ مُوجِبُه؛ لِزَوَالِ المُعارِضِ، كما لو أمْضاهُ (٢٨). وأما المَوْلَى، فإنّ المُدَّةَ إنَّما ضُرِبَتْ لِاسْتِحْقَاقِ المُطَالَبَةِ، وهى تُسْتَحَقُّ بِمُضِىِّ المُدَّةِ. والحُكْمُ فى هذه المسألَةِ ظاهِرٌ. فصل: فإنْ قالَ أحَدُ المُتَعاقِدَيْنِ عندَ العَقْدِ: لا خِلَابَةَ (٢٩). فقال أحمدُ: أرَى

стр. 2656

ذلك جائِزًا، وله الخِيارُ إن كان خَلَبَهُ، وإن لم يَكُنْ خَلَبَهُ فلَيْسَ له خِيَارٌ. وذلك لأن رَجُلًا ذَكَرَ لِلنبيِّ ﷺ أنه يُخْدَعُ في البُيُوعِ، فقال: "إذَا بَايَعْتَ فَقُلْ: لَا خِلَابَةَ". مُتَّفَقٌ عليه (٣٠). ولِمُسْلِمٍ: "مَنْ بَايَعْتَ فَقُلْ لَا خِلَابَةَ". فكان إذا بَايَعَ يقولُ: لا خِلَابَةَ. ويَحْتَمِلُ أن لا يكونَ له خِيارٌ (٣١). ويكونُ هذا الخَبَرُ خَاصًّا لِحَبَّانَ؛ لأنه رُوِيَ أنه عَاشَ إلى زَمَنِ عُثْمَانَ، ﵁، فكان يُبَايِعُ النّاسَ، ثم يُخَاصِمُهمْ، فيَمُرُّ بهم بعضُ الصَّحابَةِ، فيقولُ لِمن يُخاصِمُه: وَيْحَكَ، إنَّ النَّبِيَّ ﷺ جَعَلَ له الخِيارَ ثَلاثًا (٣٢). وهذا يَدُلُّ على اخْتِصَاصِه بهذا؛ لأنه لو كان لِلنّاسِ عَامَّةً لقال لِمن يُخَاصِمُه: إن النَّبيَّ ﷺ جَعَلَ الخِيارَ لمن قال: لا خِلَابَةَ. وقال بعضُ أصْحَابِ الشَّافِعِيِّ: إن كانا عَالِمَيْنِ أنَّ ذلك عِبارَةٌ عن خِيَارِ الثَّلاثِ، ثَبَتَ، وإن عَلِمَ أحَدُهما دونَ الآخَرِ، فعلى وَجْهَيْنِ؛ لأنه رُوِيَ أنَّ حَبَّانَ بن مُنْقِذ بن عمْرو، كان لا يزالُ يُغْبَنُ، فأتَى النَّبِيَّ ﷺ ، فذَكَرَ ذلك له، فقال له: "إذَا أنْتَ بَايَعْتَ فَقُلْ: لَا خِلَابَةَ، ثُمَّ أنْتَ فِي كُلِّ سِلْعَةٍ ابْتَعْتَهَا بِالْخِيَارِ ثَلَاثَ لَيَالٍ، فَإِنْ رَضِيتَ أمْسَكْتَ، وإنْ سَخِطْتَ فَارْدُدْهَا عَلَى صَاحِبِهَا" (٣٢). وما ثَبَتَ في حَقِّ وَاحِدٍ من الصَّحَابَةِ يَثْبُتُ في حَقِّ سَائِرِ النَّاسِ، ما لم يَقُمْ على تَخْصِيصِه دَلِيلٌ.

стр. 2657

ولنا، أن هذا اللَّفْظَ لا يَقْتَضِي الخِيارَ مُطْلَقًا، ولا يَقْتَضِي تَقْيِيدَه بِثَلاثٍ، والأصْلُ اعْتِبَارُ اللَّفْظِ فيما يَقْتَضِيهِ، والخَبَرُ على الوَجْهِ الذي احْتَجُّوا به إنّما رواه ابنُ مَاجَه مُرْسَلًا، وهم لا يَرَوْنَ المُرْسَلَ حُجَّةً، ثم لم يَقُولُوا بِالحَدِيثِ على وَجْهِه، إنَّما قَالُوا به في حَقِّ مَن يَعْلَمُ أنّ مُقتضاهُ ثُبُوتُ الخِيَارِ ثَلاثًا، ولا يَعْلَمُ ذلك أحَدٌ؛ لأنَّ اللَّفْظَ لا يَقْتَضِيهِ، فَكَيْفَ يَعْلَمُ أن مُقْتَضاهُ ما ليس بِمُقْتَضَاه، وعلى أنَّه إنَّما كان خَاصًّا لِحَبَّانَ؛ بِدَلِيلِ ما رَوَيْنَاهُ، ولأنه كان يُثْبِتُ له الرَّدَّ على من لم يَعْلَمْ مُقْتَضَاه. فصل: إذا شَرَطَ الخِيَارَ حِيلَةً على الانْتِفَاعِ بِالقَرْضِ، ليَأخُذَ غَلَّةَ المَبِيعِ ونَفْعَه في مُدَّةِ انْتِفَاعِ المُقْتَرِضِ بالثَّمَنِ، ثم يَرُدَّ المَبِيعَ بالخِيَارِ عندَ رَدِّ الثَّمَنِ، فلا خَيْرَ (٣٣) فيه؛ لأنَّه من الحِيَلِ. ولا يَحِلُّ لآخِذِ الثَّمَنِ الانْتِفَاعُ به في مُدَّةِ الخِيارِ، ولا التَّصَرُّفُ فيه. قال الأثْرَمُ: سَمِعْتُ أبا عَبْدِ اللهِ يُسْأَلُ عن الرَّجُلِ يَشْتَرِي من الرَّجُلِ الشَّيْءَ، ويقولُ: لك الخِيَارُ إلى كذا وكذا، مثل العَقَارِ؟ قال: هو جَائِزٌ إذا لم يَكُنْ حِيلَةً؛ أرَادَ أن يُقْرِضَهُ، فَيأْخُذُ منه العَقَارَ، فَيَسْتَغِلَّهُ، ويَجْعَلُ له فيه الخِيَارَ، لِيَرْبَحَ فيما أَقْرَضَه بهذه الحِيلَةِ. فإن لم يَكُنْ أرَادَ هذا، فلا بَأْسَ. قِيلَ لأبِي عبدِ اللهِ: فإن أرَادَ إرْفَاقَه، أرَادَ أن يُقْرِضَهُ مالًا يَخافُ أن يَذْهَبَ، فاشْتَرَى منه شيْئًا، وجَعَلَ له الخِيَارَ، ولم يُرِدِ الحِيلَةَ؟ فقال أبو عبدِ اللهِ: هذا جَائِزٌ، إلَّا أنَّه إذا مَاتَ انْقَطَعَ الخِيَارُ، لم يكن لِوَرَثَتِه. [وقَوْلُ أحمدَ بِالجوازِ في هذه المَسْأَلَةِ مَحْمُولٌ على المَبِيعِ الذي لا يُنْتَفَعُ به إلَّا بإِتْلَافِه، أو على أنَّ المُشْتَرِيَ لا ينتفِعُ بِالمَبِيعِ في مُدَّةِ الخِيَارِ؛ لِئَلَّا يُفْضِيَ إلى أنَّ القَرْضَ جَرَّ مَنْفَعَةً] (٣٤). فصل: فإن قال: بِعْتُكَ على أنْ تَنْقُدَنِي الثَّمَنَ إلى ثَلاثٍ، أو مُدَّةٍ معلومةٍ، وإلا فلا بَيْعَ بيننا. فَالبَيْعُ صحيحٌ. نَصَّ عليه. وبه قال أبو حنيفةَ، والثَّوْرِيُّ، وإسْحَاقُ، ومحمدُ بن الحَسَنِ. وبه قال أبو ثَوْرٍ، إذا كان الشَّرْطُ إلى ثَلَاثٍ. وحُكِيَ مِثْلُ

стр. 2658

قولِه عن ابنِ عمرَ. وقال مَالِكٌ: يجوزُ في اليَوْمَيْنِ والثَّلَاثَةِ ونَحْوِها، وإن كان عِشْرِينَ لَيْلَةً فُسِخَ البَيْعُ. وقال الشَّافِعِيُّ، وزُفَرُ: البَيْعُ فَاسِدٌ؛ لأنَّه عَلَّقَ فَسْخَ البَيْعِ على غَرَرٍ، فلم يَصِحَّ، كما لو عَلَّقَهُ بِقُدُومِ زيدٍ. ولنا، أنَّ هذا يُرْوَى عن عمرَ، ﵁، ولأنه عَلَّقَ رَفْعَ العَقْدِ بأَمْرٍ يحدُثُ في مُدَّةِ الخِيارِ، فجازَ، كما لو شَرَطَ الخِيَارَ، ولأنه نوعُ بَيْعٍ، فجازَ أَن يَنْفَسِخَ بتأخيرِ القَبْضِ، كَالصَّرْفِ، ولأنَّ هذا بِمَعْنَى شَرْطِ الخِيَارِ؛ لأنَّه كما يَحْتَاجُ إلى التَّرَوِّي في البَيْعِ، هل يُوَافِقُه أوْ لا؟ يَحْتَاجُ إلى التَّرَوِّي في الثَّمَنِ، هل يَصِيرُ مَنْقُودًا أوْ لا؟ فهما سِيَّانِ في المَعْنَى، مُتغايرانِ في الصُّورَةِ، إلَّا أنَّه في الخيارِ يَحْتَاجُ إلى الفَسْخِ، وهاهنا يَنْفَسِخُ إذا لم يَنْقُدْ؛ لأنه جَعَلَهُ كذلك. فصل: والعُقُودُ على أربعَةِ أضْرُبٍ (٣٥)؛ أحدُها، عَقْدٌ لَازِمٌ، يُقْصَدُ منه العِوَضُ، وهو البَيْعُ وما في مَعْنَاه، وهو نَوْعَانِ؛ أحدُهما، يَثْبُتُ فيه الخِيارانِ: خِيَارُ المَجْلِسِ، وخِيَارُ الشَّرْطِ، وهو البَيْعُ فيما لا يُشْتَرَطُ فيه القَبْضُ في المَجْلِسِ، والصُّلْحُ بمعنى البَيْعِ، والهِبَةُ بِعِوَضٍ على إحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ، والإجارَةُ في الذِّمَّةِ، نحو أن يقولَ: استأجرتُكَ لِتَخِيطَ لي هذا الثَّوْبَ ونحوه، فهذا يَثْبُتُ فيه الخِيَارُ، لأن الْخَبَرَ (٣٦) وَرَدَ في البَيْعِ، وهذه (٣٧) في معناهُ. فأمَّا الإجَارَةُ المُعَيَّنَةُ، فإن كانَتْ مُدَّتُها من حِينِ العَقْدِ، دَخَلَها خِيَارُ المَجْلِسِ دونَ خِيَارِ الشَّرْطِ؛ لأن دُخُولَه يُفْضِي إلى فَوْتِ بعضِ المَنافِعِ المَعْقُودِ عليها، أو إلى اسْتِيفَائِها في مُدَّةِ الخِيَارِ، وكِلَاهُما لا يجوزُ. وهذا مذهبُ الشَّافِعِيِّ. وذَكَرَهُ القَاضِي مَرَّةً مِثْلَ هذا، ومَرَّةً قال: يَثْبُتُ فيها الخِيارانِ قِيَاسًا على البَيْعِ. وقد ذَكَرْنَا ما يَقْتَضِي الفَرْقَ بينهما. وأما الشُّفْعَةُ، فلا خِيَارَ فيها؛ لأن المُشْتَرِىَ يُؤْخَذُ منه المَبِيعُ قَهْرًا، والشَّفِيعُ

стр. 2659

يَسْتَقِلُّ (٣٨) بِانْتِزاعِ المَبِيعِ من غيَرِ رِضَا صَاحِبِه، فأشْبَهَ فَسْخَ البَيْعِ بِالرَّدِّ بَالعَيْبِ، ونحوه. ويَحْتَمِلُ أن يَثْبُتَ لِلشَّفِيعِ (٣٩) خِيَارُ المَجْلِسِ؛ لأنَّه قَبِلَ المَبِيعَ بثَمَنِه، فأشْبَهَ المُشْتَرِيَ. النوع الثاني، ما يُشْتَرَطُ فيه القَبْضُ في المَجْلِسِ، كَالصَّرْفِ، والسَّلَمِ، وبَيْعِ مَالِ الرِّبَا بِجِنْسِه، فلا يَدْخُلُه خِيَارُ الشَّرْطِ، رِوَايَةً وَاحِدَةً؛ لأنّ مَوْضُوعَها على أن لا يَبْقَى بينَها عُلْقَةٌ بعد التَّفَرُّقِ، بِدَلِيلِ اشْتِرَاطِ القَبْضِ، وثُبُوتُ الخِيَارِ يُبْقِي بينهما عُلَقًا (٤٠)، ويَثْبُتُ فيها خِيَارُ المَجْلِسِ في الصَّحِيحِ من المَذْهَبِ؛ لِعُمُومِ الخَبَرِ، ولأنَّ مَوْضُوعَهُ لِلنَّظَرِ في الحَظِّ في المُعاوَضَةِ، وهو مَوْجُودٌ فيها. وعنه لا يَثْبُتُ (٤١) فيها الخِيَارُ إلْحَاقًا بِخِيارِ الشَّرْطِ. الضَّرْبُ الثَّانِي، لازمٌ، لا يُقْصَدُ به العِوَضُ، كَالنِّكَاحِ والخُلْعِ. فلا يَثْبُتُ فيهما خِيَارٌ؛ لأن الخِيَارَ إنما يَثْبُتُ لِمَعْرِفَةِ الحَظِّ في كَوْنِ العِوَضِ جائِزًا، لما يَذْهَبُ من مَالِه. والعِوَضُ هاهُنا ليس هو المَقْصُودَ، وكذلك الوَقْفُ والهِبَةُ، ولأن في ثُبُوتِ الخِيارِ في النِّكَاحِ ضَرَرًا ذَكَرْناه قبلَ هذا. الضَّرْبُ الثَّالِثُ، لازِمٌ من أحَدِ طَرَفَيْهِ دُونَ الآخَرِ، كَالرَّهْنِ، لَازِمٌ في حَقِّ الرَّاهِنِ، جَائِزٌ في حَقِّ المُرْتَهِنِ، فلا يَثْبُتُ فيه خِيارٌ؛ لأنَّ المُرْتَهِنَ يَسْتَغْنِي بِالجوازِ في حَقِّه عن ثُبُوتِ خِيَارٍ آخَرَ، والرَّاهِنُ يَسْتَغْنِي بِثُبُوتِ الخِيَارِ له إلى أن يَقْبِضَ، وكذلك الضَّامِنُ والكَفِيلُ، لا خِيَارَ لهما؛ لأنَّهما دَخَلَا مُتَطَوِّعَيْنِ رَاضِيَيْنِ بالغَبْنِ، وكذلك المُكَاتَبُ. الضَّرْبُ الرَّابِعُ، عَقْدٌ جَائِزٌ من الطَّرَفَيْنِ، كَالشَّرِكَةِ، والمُضارَبَةِ، والجَعالَةِ، والوَكَالَةِ، والوَدِيعَةِ، والوَصِيَّةِ، فهذه لا يَثْبُتُ فيها خِيَارٌ، اسْتِغْنَاءً بِجَوَازِها، والتَّمَكُّنِ من فَسْخِهَا بِأَصْلِ وَضْعِهَا. الضَّرْبُ الخَامِسُ، وهو مُتَرَدِّدٌ بين الجَوازِ واللُّزُومِ، كَالمُسَاقَاةِ (٤٢)،

стр. 2660

والمُزَارَعَةِ، والظَّاهِرُ أنهما جائزانِ، فلا يَدْخُلُهُما خِيَارٌ. وقد قِيلَ: هما لَازِمَانِ، ففِي ثُبُوتِ الخِيَارِ فيهما وَجْهانِ، والسَّبْقِ والرَّمْي، والظَّاهِرُ أنهما جَعالَةٌ، فلا يَثْبُتُ فيهما خِيَارٌ. وقِيلَ: هما إجارَةٌ، وقد مَضَى ذِكرُها. الضَّرْبُ السَّادِسُ، لَازِمٌ يَسْتَقِلُّ به أحَدُ المُتَعَاقِدَيْنِ، كالحَوَالَةِ، والأخْذِ بِالشُّفْعَةِ، فلا خِيَارَ فيهما؛ لأنَّ مَنْ لا يُعتَبرُ رِضاهُ لا خِيَارَ له. وإذا لم يَثْبُتْ في أحَدِ طَرَفَيْهِ لم يَثْبُتْ في الآخَرِ، كسَائِرِ العُقُودِ. ويَحتَمِلُ أن يَثْبُت الخِيَارُ لِلمُحِيلِ والشَّفِيعِ؛ لأنها مُعاوَضَةٌ يُقْصَدُ فيها العِوَضُ، فَأشْبَهَتْ سائرَ البَيْعِ.

стр. 2661

بابُ الرِّبا والصَّرْف الرِّبا في اللُّغَةِ: هو الزِّيادَةُ. قال اللهُ تَعالَى: ﴿فَإِذَا أَنْزَلْنَا عَلَيْهَا الْمَاءَ اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ﴾ (١). وقال: ﴿أَنْ تَكُونَ أُمَّةٌ هِيَ أَرْبَى مِنْ أُمَّةٍ﴾ (٢). أي أكْثَرُ عَدَدًا، يُقالُ: أَرْبَى فُلانٌ على فُلانٍ، إذا زادَ عليه. وهو في الشَّرْعِ: الزِّيادَةُ في أشْياءَ مَخْصُوصَةٍ. وهو مُحَرَّمٌ بالكِتابِ، والسُّنَّةِ، والإجْماعِ؛ أمّا الكِتابُ، فقولُ اللهِ تَعالَى: ﴿وَحَرَّمَ الرِّبَا﴾ (٣). وما بَعْدَها مِن الآياتِ. وأمّا السُّنَّةُ، فَرُوِيَ عن النَّبيِّ ﷺ أنَّه قال: "اجْتَنِبُوا السَّبْعَ الْمُوبِقَاتِ". قِيلَ: يا رسولَ اللهِ ما هي؟ قال: "الشِّرْكُ بِاللهِ، والسِّحْرُ، وقَتْلُ النَّفْسِ الَّتِي حَرَّمَ اللهُ إلَّا بِالْحَقِّ، وأَكْلُ الرِّبَا، وأكْلُ مَالِ الْيَتِيمِ، والتَّوَلِّي يَوْمَ الزَّحْفِ، وقَذْفُ الْمُحْصَنَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ الْغَافِلَاتِ". وَرُوِيَ عن النَّبيِّ ﷺ أنّه لَعَنَ آكِلَ الرِّبَا، ومُوكِلَه، وشَاهِدَيْه، وكاتِبَه. مُتَّفَقٌ عليهما (٤) في أخْبارٍ سوى هذين

стр. 2662

كثيرةٍ (٥)، وأجْمَعَتِ الأُمَّةُ على أنَّ الرِّبا مُحَرَّمٌ. فصل: والرِّبا على ضَرْبَيْنِ: رِبا الفَضْلِ، ورِبا النَّسِيئَة. وأجْمَعَ أهلُ العلمِ على تَحْرِيمِهما. وقد كان في رِبا الفضلِ اخْتِلافٌ بينَ الصَّحَابَةِ؛ فحُكِيَ عن ابنِ عَبّاسٍ، وأُسامَةَ بن زَيْدٍ، وزَيْدِ بن أرْقَمَ، وابنِ الزُّبَيْرِ، أنهم قالوا: إنّما الرِّبا في النَّسِيئَةِ. لقولِ النَّبيِّ ﷺ : "لَا رِبًا إلَّا فِي النَّسِيئَةِ". رواه البُخارِيُّ (٦). والمَشْهُورُ مِن ذلك قولُ ابنِ عَبّاسٍ، ثم إنَّه رَجَعَ إلى قولِ الجَماعَةِ، رَوَى ذلك الأثْرَمُ بإِسْنادِه، وقاله التِّرْمِذِيُّ، وابنُ المُنْذِرِ، وغيرُهم. وقال سَعِيدٌ بإسنادِه، عن أبي صالِحٍ، قال: صَحِبْتُ ابنَ عَبّاسٍ حتى ماتَ، فَواللهِ ما رَجَعَ عن الصَّرْفِ. وعن سعيدِ ابن جُبَيْرٍ، قال: سَألْتُ ابنَ عَبّاسٍ قبلَ مَوْتِه بِعِشرِينَ لَيْلَةً عن الصَّرْفِ؟ فلم يَرَ به بَأْسًا، وكان يَأْمُرُ به. والصَّحِيحُ قولُ الجُمْهُورِ، لحَدِيثِ أبي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ أنَّ رسولَ اللهِ ﷺ ، قال: "لَا تَبِيعُوا الذَّهَبَ بالذَّهَبِ إلَّا مِثْلًا بِمِثْلٍ، وَلَا تُشِفُّوا (٧) بَعْضَها عَلَى بَعْضٍ، وَلَا تَبِيعُوا الْوَرِقَ بِالْوَرِقِ إلَّا مِثْلًا بِمِثْلٍ، وَلَا تُشِفُّوا بَعْضَها عَلَى بَعْضٍ، وَلَا تَبِيعُوا غَائِبًا بِنَاجِزٍ". ورَوَى أبو سَعيِدٍ أيضًا، قال: جاء

стр. 2663

بِلالٌ إلى النَّبيِّ ﷺ بتَمْرٍ بَرْنِيٍّ (٨)، فقال له النَّبيُّ ﷺ : "مِنْ أينَ هَذَا يَا بلَالُ؟ ". قال: كان عِنْدَنا تَمْرٌ رَدِيءٌ، فَبِعْتُ صَاعَيْنِ بِصَاعٍ، لِيَطْعَمَ النَّبيُّ ﷺ ، فقال النَّبِيُّ: "أوَّهْ، عَيْنُ الرِّبَا، [عَيْنُ الرِّبَا] (٩)، لَا تَفْعَلْ، وَلَكِنْ إنْ أرَدْتَ أنْ تَشْتَرِيَ فَبِعِ التَّمْرَ بِبَيْعٍ آخَرَ، ثُمَّ اشْتَرِ بِهِ". مُتَّفَقٌ عليهما (١٠)، قال التِّرْمِذِيُّ: على حَدِيثِ أبي سعيدٍ العَمَلُ عندَ أهلِ العلم مِن أصحابِ النَّبيِّ ﷺ وغَيْرِهِم. وقولُ النَّبيِّ ﷺ : "لَا رِبًا إلَّا فِي النَّسِيئَةِ". مَحْمُولٌ على الجِنْسَيْنِ. ٧٠٤ - مسألة؛ قال أبو القاسِمِ، ﵀: (وَكُلُّ مَا كِيلَ أوْ وُزِنَ مِنْ سَائِرِ الأشْيَاءِ، فَلَا يَجُوزُ التَّفَاضُلُ فِيهِ إذَا كَانَ جِنْسًا وَاحِدًا) قوله: "مِنْ سَائِرِ الأشْيَاءِ". يَعْنِي من جَمِيعها. وَضَعَ سَائِرَ مَوْضِعَ جَمِيعٍ تَجَوُّزًا، ومَوْضُوعُها الأصْلِيّ لِباقِي الشَّيْءِ، وقد رُوِيَ عن النَّبيِّ ﷺ في الرِّبا أحادِيثُ كَثِيرةٌ، ومِن أتَمِّها ما رَوَى عُبادَةُ بنُ الصَّامِتِ، عن النَّبيِّ ﷺ أنه قال: "الذَّهَبُ بالذَّهَبِ مِثْلًا بِمِثْلٍ، وَالْفِضَّةُ بِالْفِضَّةِ مِثْلًا بِمِثْلٍ، وَالتَّمْرُ بِالتَّمْرِ مِثْلًا بِمِثْلٍ، وَالْبُرُّ بِالْبُرِّ مِثْلًا بِمِثْلٍ، وَالْمِلْحُ بِالْمِلْحِ مِثْلًا بِمِثْلٍ، وَالشَّعِيرُ بِالشَّعِيرِ مِثْلًا بِمِثْلٍ، فمَنْ

стр. 2664

زَادَ أوِ ازْدَادَ فَقَدْ أرْبَى، بِيعُوا الذَّهَبَ بِالْفِضَّةِ كَيْفَ شِئْتُمْ يَدًا بِيَدٍ، وَبِيعُوا الْبُرَّ بِالتَّمْرِ كَيْفَ شِئْتُمْ يَدًا بِيَدٍ، وَبِيعُوا الشَّعِيرَ بِالتَّمْرِ كَيْفَ شِئْتُمْ يَدًا بِيَدٍ". رواه مُسْلِمٌ (١). فهذه الأعْيانُ المَنْصُوصُ علَيها يَثْبُتُ الرِّبا فيها بالنَّصِّ والإجماعِ. واخْتَلَفَ أهلُ العلمِ فيما سواها، فحُكِىَ عن طَاوُسٍ وقَتادَةَ أنَّهما قَصَرا الرِّبا عليها، وقالا: لا يَجْرِي في غيرِها. وبه قال دَاوُدُ ونُفَاةُ القِياسِ، وقالوا: ما عدَاها على أصلِ الإباحَةِ؛ لقولِ اللهِ تعالى: ﴿وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ﴾ (٢). واتَّفَقَ القائِلُونَ بالقِياسِ على أنّ ثُبُوتَ الرِّبا فيها بعِلَّةٍ، وأنه يَثْبُتُ في كُلِّ ما وُجِدَتْ فيه عِلَّتُها؛ لأنّ القِياسَ دَلِيلٌ شَرْعِيٌّ، فيَجِبُ اسْتِخْراجُ عِلَّةِ هذا الحُكْمِ، وإثباتُه في كلِّ مَوْضِعٍ وُجِدَتْ عِلَّتُه فيه. وقولُ اللهِ تعالى: ﴿وَحَرَّمَ الرِّبَا﴾. يَقْتَضِي تَحْرِيمَ كُلِّ زِيادَةٍ، إذ الرِّبا في اللُّغَةِ الزِّيادَةُ، إلّا ما أجْمَعْنا على تَخْصِيصِه. وهذا يُعارِضُ ما ذَكَرُوه. ثم اتَّفَقَ أهلُ العلمِ على أنّ رِبا الفَضْلِ لا يَجْرِى إلّا في الجِنْسِ الواحِدِ، إلّا سعيدَ بن جُبَيْرٍ، فإنّه قال: كُلُّ شَيْئَيْنِ يَتَقارَبُ الانْتِفاعُ بهما لا يجوزُ بَيْعُ أحَدِهِما بالآخَرِ مُتَفَاضِلًا، كالحِنْطَةِ بالشَّعِيرِ، والتَّمْرِ بالزَّبِيبِ، والذُّرَةِ بالدُّخْنِ؛ لأنّهما يَتَقارَبُ نَفْعُهُما، فجَرَيا مَجْرَى نَوْعَيْ جِنْسٍ واحِدٍ. وهذا يُخالِفُ قولَ النَّبيِّ ﷺ : "بِيعُوا الذَّهَبَ بِالْفِضَّةِ كَيْفَ شِئْتُم يَدًا بِيَدٍ، وَبِيعُوا الْبُرَّ بِالتَّمْرِ كَيْفَ شِئْتُمْ". فلا يُعَوَّلُ عليه. ثم يَبْطُلُ بالذَّهَبِ بالفِضَّةِ، فإنّه يَجُوزُ التَّفاضُلُ فيهما مع تَقَارُبهِما. واتَّفَقَ المُعَلِّلُونَ على أنّ عِلَّةَ الذَّهَبِ والفِضَّةِ واحِدَةٌ، وعلَّةَ الأعْيانِ الأربعةِ واحِدَةٌ، ثم اخْتَلَفُوا في عِلَّةِ كُلِّ واحَدٍ منهما؛ فَرُوِىَ عن أحمدَ في ذلك ثلاثُ رِواياتٍ، أشْهَرُهُنَّ أنّ عِلَّةَ الرِّبا في الذَّهَبِ والفِضَّةِ

стр. 2665

كَوْنُه مَوْزُونَ جِنْسٍ، وعِلَّةَ الأعْيانِ الأربعةِ مَكِيلُ جِنْسٍ. نَقَلَها عن أحمدَ الجماعةُ، وذَكَرَها الخِرَقِيُّ، وابنُ أبي مُوسَى، وأكثرُ الأصْحابِ. وهو قولُ النَّخَعِيِّ، والزُّهْرِيِّ، والثَّوْرِيِّ، وإسْحاقَ، وأصْحابِ الرَّأْي. فعلى هذه الرِّوايَةِ يَجْرِي الرِّبا في كُلِّ مَكِيلٍ، أو مَوْزُونٍ بِجِنْسِه، مَطْعُومًا كان أو غيرَ مَطْعُومٍ، كالحُبُوبِ، والأُشْنانِ، والنُّورَةِ، والقُطْنِ، والصُّوفِ، والكَتَّانِ، والوَرْسِ، والحِنَّاءِ، والعُصْفُرِ، والحَدِيدِ، والنُّحاسِ، ونحو ذلك. ولا يَجْرِى في مَطْعُومٍ لا يُكالُ ولا يُوزَنُ؛ لما رَوَى ابنُ عُمَرَ قال، قال رسولُ اللهِ ﷺ : "لَا تَبِيعُوا الدِّينَارَ بِالدِّينَارَيْنِ، وَلَا الدِّرْهَمَ بِالدِّرْهَمَيْنِ، وَلَا الصَّاعَ بِالصَّاعَيْنِ، فَإنِّي أخَافُ عَلَيْكُمُ الرَّمَاءَ". وهو الرِّبا، فقامَ إليه رَجُلٌ فقال: يا رسولَ اللهِ، أرَأَيْتَ الرَّجُلَ يَبِيعُ الفَرَسَ بالأفْراسِ، والنَّجِيبَةَ بالإبِلِ؟ فقال: "لَا بَأْسَ إذَا كَانَ يَدًا بِيَدٍ". رواه الإمامُ أحمدُ في المُسْنَدِ (٣)، عن أبي جنابٍ، عن أبِيه، عن ابنِ عُمَرَ. وعن أنَسٍ، أنَّ النَّبيَّ ﷺ قال: "مَا وُزِنَ مِثْلًا بِمِثْلٍ إذَا كَانَ نَوْعًا واحِدًا، وَمَا كِيلَ مِثْلًا بِمِثْلٍ إذَا كَانَ نَوْعًا وَاحِدًا". رواه الدارَقُطْنِيُّ (٤)، ورواه عن ابن صاعِدٍ، عن عبدِ اللهِ بن أحمدَ بن حَنْبَلٍ، عن أحمدَ بن محمّدِ بن أيُّوبَ، عن أبي بَكْرِ بن عَيَّاشٍ، عن الرَّبِيعِ بن (٥) صَبِيحٍ، عن الحَسَنِ، عن عُبادَةَ، وأنَسٍ، عن النَّبيِّ ﷺ ، وقال: لم يَرْوِهِ عن أبي بَكْرٍ هكذا غيرُ مُحَمّدِ بن أحْمَدَ بن أيُّوبَ، وخالَفَه غيرُه فرواه بِلَفْظٍ آخَرَ. وعن عَمَّارٍ أنَّه قال: العبدُ خَيْرٌ مِن العَبْدَيْنِ، والثَّوْبُ خَيْرٌ مِنَ الثَّوْبَيْنِ. فما كان يَدًا بِيَدٍ فلا بَأْسَ به، إنّما الرِّبا في النَّساءِ، إلّا ما كِيلَ أو وُزِنَ. ولأنّ قَضِيَّةَ البَيْعِ
следующие страницы →