← Фикх ханбали

Фикх ханбали · id 6910

المغني لابن قدامة - ت التركي

ابن قدامة

Полный текст (7 955 стр.). Показаны 2661–2700 · переход к 2666.

стр. 2661

بابُ الرِّبا والصَّرْف الرِّبا في اللُّغَةِ: هو الزِّيادَةُ. قال اللهُ تَعالَى: ﴿فَإِذَا أَنْزَلْنَا عَلَيْهَا الْمَاءَ اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ﴾ (١). وقال: ﴿أَنْ تَكُونَ أُمَّةٌ هِيَ أَرْبَى مِنْ أُمَّةٍ﴾ (٢). أي أكْثَرُ عَدَدًا، يُقالُ: أَرْبَى فُلانٌ على فُلانٍ، إذا زادَ عليه. وهو في الشَّرْعِ: الزِّيادَةُ في أشْياءَ مَخْصُوصَةٍ. وهو مُحَرَّمٌ بالكِتابِ، والسُّنَّةِ، والإجْماعِ؛ أمّا الكِتابُ، فقولُ اللهِ تَعالَى: ﴿وَحَرَّمَ الرِّبَا﴾ (٣). وما بَعْدَها مِن الآياتِ. وأمّا السُّنَّةُ، فَرُوِيَ عن النَّبيِّ ﷺ أنَّه قال: "اجْتَنِبُوا السَّبْعَ الْمُوبِقَاتِ". قِيلَ: يا رسولَ اللهِ ما هي؟ قال: "الشِّرْكُ بِاللهِ، والسِّحْرُ، وقَتْلُ النَّفْسِ الَّتِي حَرَّمَ اللهُ إلَّا بِالْحَقِّ، وأَكْلُ الرِّبَا، وأكْلُ مَالِ الْيَتِيمِ، والتَّوَلِّي يَوْمَ الزَّحْفِ، وقَذْفُ الْمُحْصَنَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ الْغَافِلَاتِ". وَرُوِيَ عن النَّبيِّ ﷺ أنّه لَعَنَ آكِلَ الرِّبَا، ومُوكِلَه، وشَاهِدَيْه، وكاتِبَه. مُتَّفَقٌ عليهما (٤) في أخْبارٍ سوى هذين

стр. 2662

كثيرةٍ (٥)، وأجْمَعَتِ الأُمَّةُ على أنَّ الرِّبا مُحَرَّمٌ. فصل: والرِّبا على ضَرْبَيْنِ: رِبا الفَضْلِ، ورِبا النَّسِيئَة. وأجْمَعَ أهلُ العلمِ على تَحْرِيمِهما. وقد كان في رِبا الفضلِ اخْتِلافٌ بينَ الصَّحَابَةِ؛ فحُكِيَ عن ابنِ عَبّاسٍ، وأُسامَةَ بن زَيْدٍ، وزَيْدِ بن أرْقَمَ، وابنِ الزُّبَيْرِ، أنهم قالوا: إنّما الرِّبا في النَّسِيئَةِ. لقولِ النَّبيِّ ﷺ : "لَا رِبًا إلَّا فِي النَّسِيئَةِ". رواه البُخارِيُّ (٦). والمَشْهُورُ مِن ذلك قولُ ابنِ عَبّاسٍ، ثم إنَّه رَجَعَ إلى قولِ الجَماعَةِ، رَوَى ذلك الأثْرَمُ بإِسْنادِه، وقاله التِّرْمِذِيُّ، وابنُ المُنْذِرِ، وغيرُهم. وقال سَعِيدٌ بإسنادِه، عن أبي صالِحٍ، قال: صَحِبْتُ ابنَ عَبّاسٍ حتى ماتَ، فَواللهِ ما رَجَعَ عن الصَّرْفِ. وعن سعيدِ ابن جُبَيْرٍ، قال: سَألْتُ ابنَ عَبّاسٍ قبلَ مَوْتِه بِعِشرِينَ لَيْلَةً عن الصَّرْفِ؟ فلم يَرَ به بَأْسًا، وكان يَأْمُرُ به. والصَّحِيحُ قولُ الجُمْهُورِ، لحَدِيثِ أبي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ أنَّ رسولَ اللهِ ﷺ ، قال: "لَا تَبِيعُوا الذَّهَبَ بالذَّهَبِ إلَّا مِثْلًا بِمِثْلٍ، وَلَا تُشِفُّوا (٧) بَعْضَها عَلَى بَعْضٍ، وَلَا تَبِيعُوا الْوَرِقَ بِالْوَرِقِ إلَّا مِثْلًا بِمِثْلٍ، وَلَا تُشِفُّوا بَعْضَها عَلَى بَعْضٍ، وَلَا تَبِيعُوا غَائِبًا بِنَاجِزٍ". ورَوَى أبو سَعيِدٍ أيضًا، قال: جاء

стр. 2663

بِلالٌ إلى النَّبيِّ ﷺ بتَمْرٍ بَرْنِيٍّ (٨)، فقال له النَّبيُّ ﷺ : "مِنْ أينَ هَذَا يَا بلَالُ؟ ". قال: كان عِنْدَنا تَمْرٌ رَدِيءٌ، فَبِعْتُ صَاعَيْنِ بِصَاعٍ، لِيَطْعَمَ النَّبيُّ ﷺ ، فقال النَّبِيُّ: "أوَّهْ، عَيْنُ الرِّبَا، [عَيْنُ الرِّبَا] (٩)، لَا تَفْعَلْ، وَلَكِنْ إنْ أرَدْتَ أنْ تَشْتَرِيَ فَبِعِ التَّمْرَ بِبَيْعٍ آخَرَ، ثُمَّ اشْتَرِ بِهِ". مُتَّفَقٌ عليهما (١٠)، قال التِّرْمِذِيُّ: على حَدِيثِ أبي سعيدٍ العَمَلُ عندَ أهلِ العلم مِن أصحابِ النَّبيِّ ﷺ وغَيْرِهِم. وقولُ النَّبيِّ ﷺ : "لَا رِبًا إلَّا فِي النَّسِيئَةِ". مَحْمُولٌ على الجِنْسَيْنِ. ٧٠٤ - مسألة؛ قال أبو القاسِمِ، ﵀: (وَكُلُّ مَا كِيلَ أوْ وُزِنَ مِنْ سَائِرِ الأشْيَاءِ، فَلَا يَجُوزُ التَّفَاضُلُ فِيهِ إذَا كَانَ جِنْسًا وَاحِدًا) قوله: "مِنْ سَائِرِ الأشْيَاءِ". يَعْنِي من جَمِيعها. وَضَعَ سَائِرَ مَوْضِعَ جَمِيعٍ تَجَوُّزًا، ومَوْضُوعُها الأصْلِيّ لِباقِي الشَّيْءِ، وقد رُوِيَ عن النَّبيِّ ﷺ في الرِّبا أحادِيثُ كَثِيرةٌ، ومِن أتَمِّها ما رَوَى عُبادَةُ بنُ الصَّامِتِ، عن النَّبيِّ ﷺ أنه قال: "الذَّهَبُ بالذَّهَبِ مِثْلًا بِمِثْلٍ، وَالْفِضَّةُ بِالْفِضَّةِ مِثْلًا بِمِثْلٍ، وَالتَّمْرُ بِالتَّمْرِ مِثْلًا بِمِثْلٍ، وَالْبُرُّ بِالْبُرِّ مِثْلًا بِمِثْلٍ، وَالْمِلْحُ بِالْمِلْحِ مِثْلًا بِمِثْلٍ، وَالشَّعِيرُ بِالشَّعِيرِ مِثْلًا بِمِثْلٍ، فمَنْ

стр. 2664

زَادَ أوِ ازْدَادَ فَقَدْ أرْبَى، بِيعُوا الذَّهَبَ بِالْفِضَّةِ كَيْفَ شِئْتُمْ يَدًا بِيَدٍ، وَبِيعُوا الْبُرَّ بِالتَّمْرِ كَيْفَ شِئْتُمْ يَدًا بِيَدٍ، وَبِيعُوا الشَّعِيرَ بِالتَّمْرِ كَيْفَ شِئْتُمْ يَدًا بِيَدٍ". رواه مُسْلِمٌ (١). فهذه الأعْيانُ المَنْصُوصُ علَيها يَثْبُتُ الرِّبا فيها بالنَّصِّ والإجماعِ. واخْتَلَفَ أهلُ العلمِ فيما سواها، فحُكِىَ عن طَاوُسٍ وقَتادَةَ أنَّهما قَصَرا الرِّبا عليها، وقالا: لا يَجْرِي في غيرِها. وبه قال دَاوُدُ ونُفَاةُ القِياسِ، وقالوا: ما عدَاها على أصلِ الإباحَةِ؛ لقولِ اللهِ تعالى: ﴿وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ﴾ (٢). واتَّفَقَ القائِلُونَ بالقِياسِ على أنّ ثُبُوتَ الرِّبا فيها بعِلَّةٍ، وأنه يَثْبُتُ في كُلِّ ما وُجِدَتْ فيه عِلَّتُها؛ لأنّ القِياسَ دَلِيلٌ شَرْعِيٌّ، فيَجِبُ اسْتِخْراجُ عِلَّةِ هذا الحُكْمِ، وإثباتُه في كلِّ مَوْضِعٍ وُجِدَتْ عِلَّتُه فيه. وقولُ اللهِ تعالى: ﴿وَحَرَّمَ الرِّبَا﴾. يَقْتَضِي تَحْرِيمَ كُلِّ زِيادَةٍ، إذ الرِّبا في اللُّغَةِ الزِّيادَةُ، إلّا ما أجْمَعْنا على تَخْصِيصِه. وهذا يُعارِضُ ما ذَكَرُوه. ثم اتَّفَقَ أهلُ العلمِ على أنّ رِبا الفَضْلِ لا يَجْرِى إلّا في الجِنْسِ الواحِدِ، إلّا سعيدَ بن جُبَيْرٍ، فإنّه قال: كُلُّ شَيْئَيْنِ يَتَقارَبُ الانْتِفاعُ بهما لا يجوزُ بَيْعُ أحَدِهِما بالآخَرِ مُتَفَاضِلًا، كالحِنْطَةِ بالشَّعِيرِ، والتَّمْرِ بالزَّبِيبِ، والذُّرَةِ بالدُّخْنِ؛ لأنّهما يَتَقارَبُ نَفْعُهُما، فجَرَيا مَجْرَى نَوْعَيْ جِنْسٍ واحِدٍ. وهذا يُخالِفُ قولَ النَّبيِّ ﷺ : "بِيعُوا الذَّهَبَ بِالْفِضَّةِ كَيْفَ شِئْتُم يَدًا بِيَدٍ، وَبِيعُوا الْبُرَّ بِالتَّمْرِ كَيْفَ شِئْتُمْ". فلا يُعَوَّلُ عليه. ثم يَبْطُلُ بالذَّهَبِ بالفِضَّةِ، فإنّه يَجُوزُ التَّفاضُلُ فيهما مع تَقَارُبهِما. واتَّفَقَ المُعَلِّلُونَ على أنّ عِلَّةَ الذَّهَبِ والفِضَّةِ واحِدَةٌ، وعلَّةَ الأعْيانِ الأربعةِ واحِدَةٌ، ثم اخْتَلَفُوا في عِلَّةِ كُلِّ واحَدٍ منهما؛ فَرُوِىَ عن أحمدَ في ذلك ثلاثُ رِواياتٍ، أشْهَرُهُنَّ أنّ عِلَّةَ الرِّبا في الذَّهَبِ والفِضَّةِ

стр. 2665

كَوْنُه مَوْزُونَ جِنْسٍ، وعِلَّةَ الأعْيانِ الأربعةِ مَكِيلُ جِنْسٍ. نَقَلَها عن أحمدَ الجماعةُ، وذَكَرَها الخِرَقِيُّ، وابنُ أبي مُوسَى، وأكثرُ الأصْحابِ. وهو قولُ النَّخَعِيِّ، والزُّهْرِيِّ، والثَّوْرِيِّ، وإسْحاقَ، وأصْحابِ الرَّأْي. فعلى هذه الرِّوايَةِ يَجْرِي الرِّبا في كُلِّ مَكِيلٍ، أو مَوْزُونٍ بِجِنْسِه، مَطْعُومًا كان أو غيرَ مَطْعُومٍ، كالحُبُوبِ، والأُشْنانِ، والنُّورَةِ، والقُطْنِ، والصُّوفِ، والكَتَّانِ، والوَرْسِ، والحِنَّاءِ، والعُصْفُرِ، والحَدِيدِ، والنُّحاسِ، ونحو ذلك. ولا يَجْرِى في مَطْعُومٍ لا يُكالُ ولا يُوزَنُ؛ لما رَوَى ابنُ عُمَرَ قال، قال رسولُ اللهِ ﷺ : "لَا تَبِيعُوا الدِّينَارَ بِالدِّينَارَيْنِ، وَلَا الدِّرْهَمَ بِالدِّرْهَمَيْنِ، وَلَا الصَّاعَ بِالصَّاعَيْنِ، فَإنِّي أخَافُ عَلَيْكُمُ الرَّمَاءَ". وهو الرِّبا، فقامَ إليه رَجُلٌ فقال: يا رسولَ اللهِ، أرَأَيْتَ الرَّجُلَ يَبِيعُ الفَرَسَ بالأفْراسِ، والنَّجِيبَةَ بالإبِلِ؟ فقال: "لَا بَأْسَ إذَا كَانَ يَدًا بِيَدٍ". رواه الإمامُ أحمدُ في المُسْنَدِ (٣)، عن أبي جنابٍ، عن أبِيه، عن ابنِ عُمَرَ. وعن أنَسٍ، أنَّ النَّبيَّ ﷺ قال: "مَا وُزِنَ مِثْلًا بِمِثْلٍ إذَا كَانَ نَوْعًا واحِدًا، وَمَا كِيلَ مِثْلًا بِمِثْلٍ إذَا كَانَ نَوْعًا وَاحِدًا". رواه الدارَقُطْنِيُّ (٤)، ورواه عن ابن صاعِدٍ، عن عبدِ اللهِ بن أحمدَ بن حَنْبَلٍ، عن أحمدَ بن محمّدِ بن أيُّوبَ، عن أبي بَكْرِ بن عَيَّاشٍ، عن الرَّبِيعِ بن (٥) صَبِيحٍ، عن الحَسَنِ، عن عُبادَةَ، وأنَسٍ، عن النَّبيِّ ﷺ ، وقال: لم يَرْوِهِ عن أبي بَكْرٍ هكذا غيرُ مُحَمّدِ بن أحْمَدَ بن أيُّوبَ، وخالَفَه غيرُه فرواه بِلَفْظٍ آخَرَ. وعن عَمَّارٍ أنَّه قال: العبدُ خَيْرٌ مِن العَبْدَيْنِ، والثَّوْبُ خَيْرٌ مِنَ الثَّوْبَيْنِ. فما كان يَدًا بِيَدٍ فلا بَأْسَ به، إنّما الرِّبا في النَّساءِ، إلّا ما كِيلَ أو وُزِنَ. ولأنّ قَضِيَّةَ البَيْعِ

стр. 2666

المُساواةُ، والمُؤَثِّرُ في تَحْقِيقِها الكَيْلُ، والوَزْنُ، والجِنْسُ، فإنَّ الوَزْنَ أو الكَيْلَ يُسَوِّي بينَهما صُورَةً، والجِنْسُ يُسَوِّي بينَهما مَعْنًى، فكانا عِلَّةً، ووَجدْنَا الزِّيادَةَ في الكَيْلِ مُحَرَّمَةً دونَ الزِّيادَةِ في الطَّعْمِ؛ بِدَلِيلِ بَيْعِ الثَّقِيلَةِ بالخَفِيفَةِ، فإنّه جَائِزٌ إذا تساويا في الكَيْلِ. والرِّوايَةُ الثّانيةُ، أن العِلَّةَ في الأثْمانِ الثَّمَنِيَّةُ، وفيما عداها كَوْنُه مَطْعُومَ جِنْسٍ، فيَخْتَصُّ بالمَطْعُوماتِ، ويَخْرُجُ منه ما عداها، قال أبو بَكْرٍ: رَوَى ذلك عن أحمدَ جماعةٌ، ونحوَ هذا قال الشَّافِعِيُّ، فإنّه قال: العِلَّةُ الطَّعْمُ، والجِنْسُ شَرْطٌ. والعِلَّةُ في الذَّهَبِ والفِضَّةِ جَوْهَرِيَّةُ الثَّمَنِيَّةِ غالِبًا، فَيَخْتَصُّ بالذَّهَبِ والفِضَّةِ؛ لما رَوَى مَعْمَرُ ابنُ عبدِ اللهِ، أنَّ النَّبيَّ ﷺ نَهَى عن بَيْعِ الطَّعامِ بالطَّعامِ إلّا مِثْلًا بمِثْلٍ. رواه مُسْلِمٌ (٦). ولأنَّ الطَّعْمَ وَصْفُ شَرَفٍ، إذْ به قِوامُ الأبدانِ، والثَّمَنِيَّةُ وَصْفُ شَرَفٍ، إذ بها قِوامُ الأموالِ، فيَقْتَضِي التَّعْلِيلَ بهما، ولأنَّه لو كانتِ العِلَّةُ في الأثْمانِ الوَزْنَ لم يَجُزْ إسْلامُهما في المَوْزُوناتِ؛ لأنَّ أحَدَ وَصْفَيْ عِلَّةِ رِبا الفَضْلِ يَكفي في تَحْرِيمِ النَّساءِ. والرِّوايَةُ الثّالثةُ؛ العِلَّةُ فيما عدا الذَّهَبَ والفِضَّةَ كَوْنُه مَطْعُومَ جِنْسٍ مَكِيلًا أو مَوْزُونًا، فلا يَجْرِى الرِّبا في مَطْعُومٍ لا يُكالُ ولا يُوزَنُ، كالتُّفَّاحِ والرُّمَّانِ، والخَوْخِ، والبِطِّيخِ، والكُمَّثرَى، والأُتْرُجِّ، والسَّفَرْجَلِ، والإجَّاصِ، والخِيارِ، والجَوْزِ، والبَيْضِ، ولا فيما لَيْسَ بمَطْعُومٍ، كالزَّعْفَرانِ، والأُشْنانِ، والحَدِيدِ، والرَّصاصِ، ونحوِه. ويُرْوَى ذلك عن سعيدِ بن المُسَيَّبِ، وهو قَدِيمُ قَوْلَيِ الشَّافِعِيِّ؛ لِمَا رُوِيَ عن سَعِيدِ بن المُسَيَّبِ، عن رسولِ اللهِ ﷺ أنَّه قال: "لَا رِبًا إلا فِيمَا كِيلَ أوْ وُزِنَ، مِمَّا يُؤْكَلُ أوْ يُشْرَبُ". أخرجه الدّارَقُطْنِيُّ (٧)، وقال: الصَّحِيحُ أنَّه مِن قولِ سعيدٍ، ومَن رَفَعَه فقد وَهَمَ. ولأنَّ

стр. 2667

لكُلِّ واحِدٍ من هذه الأوْصافِ أثَرًا، والحُكْمُ مَقْرُونٌ بجَمِيعِها في المنْصُوصِ عليه، فلا يَجُوزُ حَذْفُه. ولأنَّ الكَيْلَ والوَزْنَ والجِنْسَ لا يَقْتَضِي وُجُوبَ المُماثَلَةِ، وإنَّما أثَرُه في تَحْقِيقِها (٨) في العِلَّةِ ما يَقْتَضِي ثُبُوتَ الحُكْمِ لا ما تَحَقَّقَ شَرْطُه، والطَّعْمُ بمُجَرَّدِه لا تَتَحَقَّقُ المُماثَلَةُ به؛ لِعَدَمِ المِعْيارِ الشَّرعِيِّ فيه. وإنَّما تَجِبُ المُماثَلَةُ في المِعْيارِ الشَّرعِيِّ وهو الكَيْلُ، والوَزْنُ، ولهذا وَجَبَتِ المُساواةُ في المَكِيلِ كَيْلًا، وفي المَوْزُونِ وَزْنًا، فوَجَبَ أن يكونَ الطَّعْمُ مُعْتَبَرًا في المَكِيلِ والمَوْزُونِ، دُونَ غَيْرِهما. والأحادِيثُ الوارِدَةُ في هذا الباب يَجِبُ الجَمْعُ بينَها، وتَقْيِيدُ كُلِّ واحِدٍ منها بالآخَرِ، فَنَهْيُ النَّبيِّ ﷺ عن بَيْعِ الطَّعامِ إلَّا مِثْلًا بمِثْلٍ يَتَقَيَّدُ بما فيه مِعْيارٌ شَرْعِيٌّ، وهو الكَيْلُ والوَزْنُ، ونَهْيُه عن بَيْعِ الصّاعِ بالصّاعَيْنِ يَتَقَيَّدُ بالمَطْعُومِ المَنْهِيِّ عن التَّفَاضُلِ فيه. وقال مالِكٌ: العِلَّةُ القُوتُ، أو: ما يَصْلُحُ به القُوتُ مِن جِنْسٍ واحِدٍ من المُدَّخَراتِ. وقال رَبِيعَةُ: يَجْرِى الرِّبا فيما تَجِبُ فيه الزَّكاةُ دونَ غيره. وقال ابنُ سِيرِينَ: الجِنْسُ الواحِدُ عِلَّةٌ. وهذا القولُ لا يَصِحُّ؛ لقولِ النَّبِيِّ ﷺ في بَيْع الفَرَسِ بالأفْرَاسِ، والنَّجِيبَةِ بالإبِلِ: "لَا بَأْسَ بِهِ إذَا كَانَ يَدًا بِيَدٍ" (٩). ورُوِيَ أنَّ النَّبيَّ ﷺ ابْتاعَ عَبْدًا بِعَبْدَيْنِ. رواه أبو دَاوُدَ، والتِّرْمِذِيُّ (١٠)، وقال: هو حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ. وقَوْلُ مالِكٍ يَنْتَقِضُ بالحَطَبِ والإدَامِ يُسْتَصْلَحُ به القُوتُ ولا رِبًا فيه عنده، وتَعْلِيلُ رَبِيعَةَ يَنْعَكِسُ بالمِلْحِ، والعَكْسُ لازِمٌ

стр. 2668

عندَ اتِّحادِ العِلَّةِ. والحاصِلُ أنَّ ما اجْتَمَعَ فيه الكَيْلُ والوَزْنُ (١١) والطَّعْمُ، مِن جِنْسٍ واحِدٍ، ففيه الرِّبا رِوايَةً واحِدَةً، كالأُرْزِ، والدُّخْنِ، والذُّرَةِ، والقُطْنِيَّاتِ (١٢)، والدُّهْنِ، والخَلِّ، واللَّبَنِ، واللَّحْمِ، ونَحْوِه. وهذا قولُ أكْثَرِ أهلِ العلمِ. قال ابنُ المُنْذِرِ: هذا قولُ عُلَماءِ الأمصارِ في القَدِيمِ والحَدِيثِ، سوى قَتادَةَ، فإنه بَلَغَنِي أنه شَذَّ عن جماعةِ النَّاسِ، فقَصَرَ تَحْرِيمَ التَّفَاضُلِ على السِّتَّةِ الأشْيَاءِ. وما انْعَدَمَ فيه الكَيْلُ، والوَزْنُ، والطَّعْمُ، واخْتَلَفَ جِنْسُه، فلا رِبًا فيه، رِوايَةً واحِدَةً. وهو قولُ أكْثَرِ أهلِ العلمِ، كالتِّينِ، والنَّوَى، والقَتِّ، والماءِ، والطِّينِ الأرْمَنِيِّ، فإنّه يُؤْكَلُ دَوَاءً، فيكون مَوْزُونًا مَأكُولًا، فهو إذًا مِن القِسْمِ الأوَّلِ، وما عداه إنما يُؤْكَلُ سَفَهًا، فجَرَى مَجْرَى الرَّمْلِ والحَصَى. وقد رُوِيَ عن النَّبيِّ ﷺ أنه قال لِعائِشَةَ: "لَا تَأْكُلِي الطِّينَ، فَإنَّهُ يُصَفِّرُ اللَّوْنَ" (١٣). وما وُجِدَ فيه الطَّعْمُ وَحْدَه، أو الكَيْلُ أو الوَزْنُ، مِن جِنْسٍ واحِدٍ، ففيه رِوايَتانِ، واخْتَلَفَ أهلُ العلمِ فيه، والأوْلَى إنْ شاءَ اللهُ تعالى حِلُّهُ؛ إذ ليسَ في تَحْرِيمِه دَلِيلٌ مُوْثُوقٌ به، ولا مَعْنًى يُقَوِّى التَّمَسُّكَ به، وهي مع ضَعْفِها يُعارِضُ بَعْضُها بَعْضًا، فوَجَبَ اطِّراحُها، أو الجَمْعُ بينَها، والرُّجُوعُ إلى أصلِ الحِلِّ الذي يَقْتَضِيهِ الكِتَابُ، والسُّنَّةُ، والاعْتِبارُ. ولا فَرْقَ في المَطْعُوماتِ بينَ ما يُؤْكَلُ قُوتًا، كالأُرْزِ، والذُّرَةِ، والدُّخْنِ، أو أُدْمًا كالقُطْنِيَّاتِ، واللَّبَنِ، واللَّحْمِ، أو تَفَكُّهًا كالثِّمارِ، أو تداوِيًا كالإهْلِيلَجِ (١٤)، والسَّقَمُونْيا (١٥)، فإنَّ الكُلَّ في بَابِ الرِّبا واحِدٌ. فصل، وقَوْله: ما كِيلَ، أو وُزِنَ. أي: ما كان جِنْسُه مَكِيلًا، أو مَوْزُونًا، وإنْ لم يَتَأتَّ فيه كَيْلٌ، ولا وَزْنٌ، إمّا لِقِلَّتِه كالحَبَّةِ والحَبَّتَيْنِ، والحَفْنَةِ

стр. 2669

والحَفْنَتَيْنِ، وما دُونَ الأُرْزَةِ مِن الذَّهَبِ والفِضَّةِ، أو لكَثْرَتِه كالزُّبْرَةِ (١٦) العَظِيمَةِ، فإنّه لا يَجُوزُ بَيْعُ بَعْضِه بِبَعْضٍ، إلّا مِثْلًا بمِثْلٍ، ويَحْرُمُ التَّفاضُلُ فيه. وبهذا قال الثَّوْرِيُّ، والشَّافِعِيُّ، وإسْحَاقُ، وابنُ المُنْذِرِ. ورَخَّصَ أبو حنيفةَ في بَيْعِ الحَفْنَةِ بالحَفْنَتَيْنِ، والحَبَّةِ بالحَبَتَّيْنِ، وسَائِرِ المَكِيلِ الذي لا يَتَأتَّى كَيْلُه، ووافَقَ في المَوْزُونِ، واحْتَجَّ بأنَّ العِلَّةَ الكَيْلُ، ولم يُوجَدْ في اليَسِيرِ. ولنا، قولُ النَّبيِّ ﷺ : "التَّمْرُ بِالتَّمْرِ مِثْلًا بمِثْلٍ، وَالْبُرُّ بِالْبُرِّ مِثْلًا بمِثْلٍ، مَنْ زَادَ أوِ ازْدَادَ فَقَدْ أرْبَى" (١٧). ولأنَّ ما جَرَى الرِّبا في كَثِيرِه جَرَى في قَلِيلِه، كالمَوْزُونِ. فصل: ولا يجوزُ بَيْعُ تَمْرَةٍ بِتَمْرَةٍ، ولا حَفْنَةٍ بحَفْنَةٍ. وهذا قولُ الثَّوْرِيِّ، ولا أعْلَمُه مَنْصُوصًا عليه، ولَكِنّه قِياسُ قَوْلِهِم، لأنَّ ما أصْلُه الكَيْلُ لا تَجْرِي المُماثَلَةُ في غيرِه. فصل: فأمّا ما لا وَزْنَ للصِّناعَةِ فيه، كَمَعْمُولِ الحَدِيدِ، والرَّصاصِ، والنُّحاسِ، والقُطْنِ، والكَتَّانِ، والصُّوفِ، والإبْرِيسَمِ (١٨)، فالمَنْصُوصُ عن أحمدَ في الثِّيابِ والأكْسِيَةِ أنّه لا يَجْرِي فيها الرِّبا، فإنَّه قال: لا بَأسَ بالثَّوْبِ بالثَّوْبَيْنِ، والكِساءِ بالكِساءَيْنِ. وهذا قولُ أكْثَرِ أهلِ العلمِ، وقال: لا يُباعُ الفَلْسُ بالفَلْسَيْنِ، ولا السِّكِّينُ بالسِّكِّينَيْنِ، ولا إبْرَةٌ بإبْرَتَيْنِ، أصْلُه الوَزْنُ. ونَقَلَ القاضي حُكْمَ إحْدَى المسألتينِ إلى الأُخْرَى، فَجعَلَ فيهما جَمِيعًا رِوايَتَيْنِ، إحداهما، لا يَجْرِي في الجَمِيعِ. وهو قولُ الثَّوْرِيِّ، وأبي حنيفةَ، وأكْثَرِ أهلِ العلمِ؛ لأنّه ليس بمَوْزُونٍ ولا مَكِيلٍ، وهذا هو الصَّحِيحُ. إذ لا مَعْنَى لثُبُوتِ الحُكْمِ مع انْتِفاءِ العِلَّةِ، وعَدَمِ النَّصِّ (١٩) والإجْمَاعِ فيه. والثانية، يَجْرِي الرِّبا في الجَمِيعِ. اختارها ابنُ عَقِيلٍ، لأنّ أصْلَه الوَزْنُ، فلا يَخْرُجُ بالصِّناعَةِ عنه كالخُبْزِ، وذَكَر أنّ اخْتِيارَ

стр. 2670

القاضي؛ أنَّ ما كان يُقْصَدُ وَزْنُه بَعْدَ عملِه كالأسْطالِ (٢٠) ففيه الرِّبا، وما لا (٢١) فلا. فصل: ويَجْرِى الرِّبا في لَحْمِ الطَّيْرِ، وعن أبي يوسفَ: لا يَجْرِي فيه؛ لأنَّه يُباعُ بغيرِ وَزْنٍ. ولَنا، أنه لَحْمٌ فجَرَى فيه الرِّبا، كسَائِر اللُّحْمَانِ. وقولُه: لا يُوزَنُ. قلنا: هو مِن جِنْسِ ما يُوزَنُ، ويُقْصَدُ ثِقْلُهُ، وتَخْتَلِفُ قِيمَتُه بِثِقْلِه وخِفَّتِه، فأشْبَهَ ما يُباعُ مِن الخُبْزِ بالعَدَدِ. فصل: والجَيِّدُ والرَّدِىءُ، والتِّبْرُ والمَضْرُوبُ، والصَّحِيحُ والمَكْسُورُ، سواءٌ في جوازِ البَيْعِ مع التَّماثُلِ، وتَحْرِيمِه مع التَّفاضُلِ. وهذا قولُ أكْثَرِ أهلِ العلمِ، منهم؛ أبو حنيفةَ، والشَّافِعيُّ. وحُكِيَ عن مالِكٍ جوازُ بَيْعِ المَضْرُوبِ بِقيمَتِه من جِنْسِه، وأنْكَرَ أصحابُه ذلك، ونَفَوْهُ عنه. وحَكَى بعضُ أصحابِنا عن أحمدَ رِوايَةً، لا يجوزُ (٢٢) بَيْعُ الصِّحاحِ بالمُكَسَّرَةِ. ولأنّ لِلصِّناعَةِ قِيمَةً؛ بِدَلِيلِ حالةِ الإتلافِ، فيَصِيرُ كأنه ضَمَّ قِيمَةَ الصِّناعَةِ إلى الذَّهَبِ. ولَنا، قولُ النَّبِيِّ ﷺ : "الذَّهَبُ بالذَّهَبِ مِثْلًا بِمِثْلٍ، والْفِضَّةُ بالْفِضَّةِ مِثْلًا بِمِثْلٍ" (٢٣). وعن عُبادَةَ، عن النَّبِيِّ ﷺ ، أنَّه قال: "الذَّهَبُ بِالذَّهَبِ تِبْرُهَا وَعَيْنُهَا، وَالْفِضَّةُ بِالْفِضَّةِ تِبْرُهَا وَعَيْنُها". رواه أبو دَاوُدَ (٢٤). ورَوَى مُسْلِمٌ (٢٥)، عن أبي الأشْعَثِ، أنّ مُعاوِيَةَ أمَرَ بِبَيْعِ آنِيَةٍ مِن فِضَّةٍ في أُعْطِياتِ الناسِ، فَبَلَغَ عُبادَةَ فقال: إنِّي (٢٦) سَمِعْتُ

стр. 2671

رسولَ اللهِ ﷺ يَنْهَى عن بَيْعِ الذَّهَبِ بالذَّهَبِ، والفِضَّةِ بالفِضَّةِ، والبُرِّ بِالبُرِّ، والشَّعِيرِ بالشَّعِيرِ، والمِلْحِ بالمِلْحِ، إلّا سواءً بسواءٍ، عَيْنًا بعَيْنٍ، فَمَن زادَ أو ازدادَ فقد أرْبَى. ورَوَى الأثْرَمُ (٢٧)، عن عَطَاءِ بن يَسارٍ، أنّ مُعاوِيَةَ باعَ سِقايَةً مِن ذَهَبٍ أو وَرِقٍ بأكْثَرَ مِن وَزْنِها، فقال أبو الدَّرْداءِ: سَمِعْتُ رسولَ اللهِ ﷺ يَنْهَى عن مِثْلِ هذا إلّا مِثْلًا بمِثْلٍ. ثم قَدِمَ أبو الدَّرْداءِ على عُمَرَ بن الخَطّابِ، رَضِىَ اللهُ عنهما، فَذكَرَ له ذلك، فكَتَبَ عُمَرُ إلى مُعاوِيَةَ، لا تَبِعْ ذلك إلّا مِثْلًا بمِثْلٍ، وَزْنًا بوَزْنٍ (٢٨). ولأنَّهما تساويا فى الوَزْنِ، فلا يُؤَثِّرُ اخْتِلافُهما فى القِيمَةِ، كالجَيِّدِ والرَّدِىءِ. فأمّا إنْ قال لِصَائِغٍ: صُغْ لى خَاتَمًا وَزْنُه دِرْهَمٌ، وأُعْطِيك مِثْلَ وَزْنِه، وأُجْرَتَك دِرْهَمًا. فليس ذلك بِبَيْعِ دِرْهَمٍ بدِرْهَمَيْنِ. وقال أصحابُنا: للصّائِغِ أخْذُ الدِّرْهَمَيْنِ؛ أحَدِهما فى مُقابَلَةِ الخاتَمِ، والثّانى أُجْرَةً له. فصل: وكُلُّ ما حُرِّمَ فيه التَّفاضُلُ حُرِّمَ فيه النَّساءُ، بغيرِ خِلافٍ نَعْلَمُه. ويَحْرُمُ التَّفَرُّقُ قبلَ القَبْضِ؛ لقولِ النَّبىِّ ﷺ : "عَيْنًا بِعَيْنٍ" (٢٩). وقولِه: "يَدًا بِيَدٍ" (٣٠). ولأنّ تَحْرِيمَ النَّسَاءِ آكَدُ، ولذلك جَرَى فى الجِنْسَيْنِ المُخْتَلِفَيْنِ، فإذا حُرِّمَ التّفاضُلُ، فَالنَّساءُ أوْلَى بالتَّحْرِيمِ. ٧٠٥ - قال: (وَمَا كَانَ مِنْ جِنْسَيْنِ فَجَائِزٌ التَّفَاضُلُ فِيهِ يَدًا بِيَدٍ، وَلَا يَجُوزُ نَسِيئَةً) لا خِلافَ فى جَوازِ التَّفاضُل فى الجِنْسَيْنِ نَعْلَمُه، إلّا عن سعيدِ بن جُبَيْرٍ أنّه قال:

стр. 2672

ما يَتَقارَبُ الانْتِفاعُ بهما لا يجوزُ التَّفاضُلُ فيهما. وهذا يَرُدُّه قولُ النَّبىِّ ﷺ : "بِيعُوا الذَّهَبَ بِالْفِضَّةِ كَيْفَ شِئْتُمْ يَدًا بِيَدٍ، وَبِيعُوا الْبُرَّ بِالتَّمْرِ كَيْفَ شِئْتُمْ يَدًا بِيَدٍ، وَبِيعُوا الشَّعِيرَ بِالتَّمْرِ كَيْفَ شِئْتُمْ يَدًا بِيَدٍ" (٣١). وفى لَفْظٍ: "إذَا اخْتَلَفَتْ هَذهِ الْأَشْيَاءُ فَبِيعُوا كَيْفَ شِئْتُمْ إذَا كَانَ يَدًا بِيَدٍ". رواه مُسْلِمٌ، وأبو داوُدَ (٣٢). ولأَنّهما جِنْسانِ، فجازَ التَّفاضُلُ فيهما، كما لو تَباعَدَتْ مَنافِعُهما. ولا خلافَ فى إباحَةِ التَّفاضُلِ فى الذَّهَبِ بالفِضَّةِ، مع تَقارُبِ مَنافِعِهما. فأمّا النَّساءُ؛ فكُلُّ جِنْسَيْنِ يَجْرِى فيهما الرِّبا بِعِلَّةٍ واحِدَةٍ، كالمَكِيلِ بالمَكِيلِ، والمَوْزُونِ بالمَوْزُونِ، والمَطْعُومِ بالمَطْعُومِ، عِنْدَ مَن يُعَلِّلُ به، فإنَّه يَحْرُمُ بَيْعُ أحَدِهما بالآخَرِ نَساءً، بغيرِ خلافٍ نَعْلَمُه؛ وذلك لقولِه ﵇: "فَإِذا اخْتَلَفَتْ هَذِهِ الْأصْنَافُ فَبِيعُوا كَيْفَ شِئْتُمْ يَدًا بِيَدٍ". وفى لَفْظٍ: "لَا بَأْسَ بِبَيْعِ الذَّهَبِ بِالْفِضَّةِ والْفِضَّةُ أكْثَرُهُمَا يَدًا بِيَدٍ، وأمَّا نَسِيئَةً فَلَا، وَلَا بَأْسَ بِبَيْعِ الْبُرِّ بِالشَّعِيرِ وَالشَّعِيرُ أكْثَرُهُمَا يَدًا بِيَدٍ، وَأمَّا النَّسِيئَةُ فَلَا". رواه أبو داوُدَ (٣٣). إلّا أنْ يَكُونَ أحَدُ العِوَضَيْنِ ثَمَنًا، والآخَرُ مُثَمَّنًا، فإنّه يَجُوزُ النَّساءُ بَيْنَهما بغير خلافٍ؛ لأنّ الشرعَ أرْخَصَ فى السَّلَمِ، والأصلُ فى رَأْسِ المالِ الدَّراهِمُ والدَّنانِيرُ، فلو حُرِّمَ النَّساءُ هاهُنا لَانْسَدَّ بابُ السَّلَمِ فى المَوْزُونَاتِ فى الغالِبِ. فأمّا إنِ اخْتَلَفَتْ عِلَّتُهما كالمَكِيلِ بالمَوْزُونِ، مِثْلُ بَيْعِ اللَّحْمِ بِالبُرِّ، ففيهما رِوَايَتَانِ؛ إحداهما، يَحْرُمُ النَّساءُ فيهما، وهو الذى ذَكَرَهُ الخِرَقِىُّ هاهنا؛ لأنّهما مَالانِ مِن أموالِ الرِّبا، فَحَرُمَ النَّساءُ فيهما، كالمَكِيلِ بالمَكِيلِ. والثانية، يَجوزُ النَّساءُ فيهما. وهو قولُ النَّخَعِىِّ؛ لأنَّهما لم يَجْتَمِعا فى

стр. 2673

أحَدِ وَصْفَىْ عِلَّةِ رِبا الفَضْلِ، فجازَ النَّساءُ فيهما، كالثِّيابِ بالحَيَوَانِ. فصل: وإذا باعَ شَيْئًا من مالِ الرِّبا بغيرِ جِنْسِه، وعِلَّةُ رِبا الفَضْلِ فيهما واحدةٌ، لم يَجُزِ التَّفَرُّقُ قبل القَبْضِ، فإن فَعَلا بَطَلَ العَقْدُ، وبهذا قال الشَّافِعِىُّ. وقال أبُو حنيفةَ: لا يُشتَرَطُ التَّقَابُضُ فيهما كغيرِ أمْوالِ الرِّبا، وكبَيْعِ ذلك بأحَدِ النَّقْدَيْنِ. ولَنا، قَوْلُ النَّبِىِّ ﷺ : "الذَّهَبُ بالذَّهَبِ، والفِضَّةُ بالفِضَّةِ، والبُرُّ بالبُرِّ، والشَّعِيرُ بالشَّعِيرِ، والتَّمْرُ بالتَّمْرِ، والمِلْحُ بالمِلْحِ، مِثْلًا بمِثْلٍ، سَوَاءً بسَوَاءٍ، يَدًا بِيَدٍ". رَوَاهُ مُسْلِمٌ (٣٤). وقال ﵇: "فَإذَا اخْتَلَفَتْ هَذِهِ الأَصْنَافُ فَبِيعُوا كَيْفَ شِئْتُمْ يَدًا بِيَدٍ" (٣٥). ورَوَى مالِكُ بنُ أَوْسِ بن الْحَدَثانِ، أنه الْتَمَسَ صَرْفًا بمائةِ دينارٍ. قال: فدعانِى طَلْحَةُ بنُ عُبَيْدِ اللهِ [فتَراوَضْنا حتى اصْطرَفَ] (٣٦) مِنِّى، فأخَذَ الذهب (٣٧) يُقَلِّبُها فى يَدَيْهِ، ثم قال: حتى يَأْتِىَ خازِنِى من الغابةِ. وعمرُ يَسْمَعُ ذلك، فقال: لا واللهِ لا تُفارِقْهُ حتى تَأْخُذَ منه، قال رسولُ اللهِ ﷺ : "الذَّهَبُ بالوَرِقِ رِبًا إلَّا هاءَ وهاءَ (٣٨)، والبُرُّ بالبُرِّ رِبًا إلَّا هاءَ وهاءَ، والتَّمْرُ بالتَّمْرِ رِبًا إلَّا هاءَ وهاءَ، والشَّعِيرُ بالشَّعِيرِ رِبًا إلَّا هاءَ وهاءَ". مُتَّفَقٌ عليه (٣٩). والمُرادُ

стр. 2674

به القَبْضُ؛ بِدَلِيلِ أنَّ المُرادَ به ذلك فى الذَّهَبِ والفِضَّةِ؛ ولهذا فَسَّرَهُ عُمَرُ به، ولأنَّهما مَالانِ من أمْوالِ الرِّبا عِلَّتُهُما واحِدَةٌ، فَحَرُمَ التَّفَرُّقُ فيهما قبلَ القَبْضِ كالذَّهَبِ بالفِضَّةِ. فأمَّا إنِ اخْتَلَفَتْ عِلَّتُهما، كالمَكِيلِ بالمَوْزونِ عند مَنْ يُعَلِّلُ بهما، فقال أبُو الخَطَّابِ: يَجُوزُ التَّفَرُّقُ فيهما قبل القَبْضِ رِوايةً واحِدَةً؛ لأنَّ عِلَّتَهُما مُخْتَلِفَةٌ، فَجازَ التَّفَرُّقُ قبل القَبْضِ، كالثَّمَنِ بالمُثَمَّنِ. وبهذا قال الشَّافِعِىُّ، إلَّا أنَّه لا يُتَصَوَّرُ عنده ذلك إلَّا فى بَيْعِ الأَثْمَانِ بِغَيْرِها، ويَحْتَمِلُ كلامُ الخِرَقِىِّ وجوبَ التَّقَابُضِ على كلِّ حالٍ؛ لِقَوْلِه: "يَدًا بِيَدٍ" (٤٠). ٧٠٦ - مسألة؛ قال: (وَمَا كَانَ مِمَّا لَا يُكَالُ وَلَا يُوزَنُ فَجَائِزٌ التَّفَاضُلُ فِيه يَدًا بِيَدٍ، وَلَا يَجُوزُ نَسِيئَةً) اخْتَلَفَتِ الرِّوايةُ فى تَحْرِيمِ النَّساءِ فى غيرِ المَكِيلِ والمَوْزُونِ، على أَرْبَعِ رِواياتٍ؛ إحْدَاهُنَّ، لا يَحْرُمُ النَّساءُ فى شىءٍ من ذلك، سواءٌ بِيعَ بِجِنْسِه أو بِغَيْرِه، مُتساوِيًا أو مُتَفاضِلًا، إلَّا على قَوْلِنا: إنَّ العِلَّةَ الطَّعْمُ. فَيَحْرُمُ النَّساءُ فى المَطْعُومِ، ولا يَحْرُمُ فى غيرِه. وهذا مذهبُ الشَّافِعِىِّ. واخْتارَ القاضى هذه الرِّوَايةَ؛ لما رَوَى أبو داودَ (١)، عن عبدِ اللهِ بن عَمْرٍو، أنَّ رسولَ اللهِ ﷺ أمَرَه أن يُجَهِّزَ جَيْشًا، فَنَفِدَتِ الإِبِلُ، فأمَرَه أن يَأْخُذَ فى قِلاصِ (٢) الصَّدَقَةِ، فكان يَأْخُذُ البَعِير بالبَعِيرَيْنِ إلى إبِلِ الصَّدَقَةِ (٣). ورَوَى سعيدٌ فى سُنَنِه، عن أبى مَعْشَرٍ، عن صَالِحِ بن كَيْسَانَ، عن الحسنِ بن محمدٍ: أنَّ عليًّا بَاعَ بَعِيرًا له يُقالُ له: عُصَيْفِيرٌ، بأربعةِ أَبْعِرَةٍ

стр. 2675

إلى أَجَلٍ. ولأنَّهما مَالَانِ لا يَجْرِى فيهما رِبا الفَضْلِ، فجازَ النَّسَاءُ فيهما كالعَرْضِ بالدِّينَارِ، ولأنَّ النَّسَاءَ أحَدُ نَوْعَىِ الرِّبَا، فلم يَجُزْ فى الأنواع (٤) كُلِّها، كالنَّوْعِ الآخَرِ. والرِّوايةُ الثانية، يَحْرُمُ النَّساءُ فى كلِّ مالٍ بِيعَ بجِنْسِه، كالحيوانِ بالحيوانِ، والثِّيابِ بالثِّيابِ، ولا يَحْرُمُ فى غير ذلك. وهذا مَذهَبُ أبى حنيفةَ. ومِمَّنْ كَرِهَ بَيْعَ الحَيَوانِ بالحَيَوانِ نَساءً ابنُ الحَنَفِيَّةِ، وعبدُ اللهِ بن عُمَيْرٍ، وعَطاءٌ، وعِكْرِمَةُ ابن خالِدٍ، وابنُ سِيرِينَ، والثَّوْرِىُّ. وَرُوِىَ ذلك عن عَمَّارٍ، وابنِ عمرَ؛ لِمَا رَوَى سَمُرَةُ: أنَّ النَّبِىَّ ﷺ نَهَى عن بَيْعِ الحَيَوانِ بالحَيَوانِ نَسِيئَةً. قال التِّرْمِذِىُّ (٥): هذا حَدِيثٌ حسنٌ صحيحٌ، ولأنَّ الجِنْسَ أحدُ وَصْفَىْ عِلَّةِ رِبَا الفَضْلِ، فَحُرِمَ النَّسَاءُ، كالكَيْلِ والوَزْنِ. والثالثة، لا يَحْرُمُ النَّساءُ إلَّا فيما بيعَ بِجِنْسِه مُتَفَاضِلًا، فأمَّا مع التَّمَاثُلِ فلا؛ لِمَا رَوَى جابرٌ، أن النبىَّ ﷺ قال: "الحَيَوانُ اثْنَانِ (٦) بِوَاحِدٍ لا يَصْلُحُ نَسَاءً، ولا بَأْسَ به يَدًا بِيَدٍ"، قال التِّرْمِذِىُّ (٧): هذا حديثٌ حَسَنٌ. ورَوَى ابنُ عُمَرَ: أن رَجُلًا قال: يا رَسُولَ اللهِ، أرَأَيْتَ الرَّجُلَ يَبِيعُ الفَرَسَ بالأَفْراسِ والنَّجِيبَةَ بالإِبِلِ؟ فقال: "لا بَأْسَ إذا كانَ يَدًا بِيَدٍ". من المسْنَدِ (٨). وهذا يَدُلُّ على إباحةِ النَّسَاءِ مع التَّمَاثُلِ بمَفْهُومِهِ. والرابعة، يَحْرُمُ النَّساءُ فى كلِّ مالٍ بِيعَ بمالٍ آخَرَ، سَواءٌ كان من جِنْسِه [أو من غيرِ جِنْسِه] (٩). وهذا

стр. 2676

ظَاهِرُ كَلَامِ الخِرَقِىِّ. ويحْتَمِلُ أنه أرَادَ الرِّوايةَ الثَّالثةَ؛ لأنَّه بَيْعُ عَرْضٍ بِعَرْضٍ، فَحُرِّمَ النَّساءُ بينهما كالجِنْسَيْنِ من أَموالِ الرِّبَا، قال القاضى: فعلى هذا لو باعَ عَرْضًا بِعَرْضٍ، ومع أحدهما دَرَاهِمُ، العُرُوضُ نَقْدًا والدراهمُ نَسِيئَةً (١٠)، جازَ، وإن كانتِ الدراهمُ نَقْدًا والعُرُوضُ نَسِيئَةً، لم يَجُزْ؛ لأنه يُفْضِى إلى النَّسِيئَةِ فى العُرُوضِ. وهذه الرِّوَايَةُ ضَعِيفَةٌ جِدًّا؛ لأنَّه إثْبَاتُ حُكْمٍ يُخَالِفُ الأصلَ بغير نَصٍّ ولا إجْمَاعٍ ولا قِياسٍ صحيحٍ، فإنَّ فى المَحلِّ المُجْمَعِ (١١) عليه أو المَنْصُوصِ عليه أوصافًا لها أثَرٌ فى تَحْرِيمِ الفَضْلِ، فلا يَجُوزُ حَذْفُها عن دَرَجَةِ الاعْتِبارِ، وما هذا سَبِيلُه لا يجوزُ إثباتُ الحُكْمِ فيه، وإن لم يُخَالِفْ أصْلًا، فكيف يَثْبُتُ مع مُخَالَفَةِ الأَصْلِ فى حِلِّ البَيْعِ! وأصَحُّ الرِّواياتِ هى الأُولَى؛ لِمُوَافَقَتِهَا الأصْلَ. والأحادِيثُ المُخالِفَةُ لها، قال أبو عبدِ اللهِ: ليس فيها حَدِيثٌ يُعْتَمَدُ عليه، ويُعْجِبُنِى أن يَتَوَقَّاهُ. وذُكِرَ له حديثُ ابنِ عَبَّاسٍ وابنِ عمرَ فى هذا، فقال: هما مُرْسَلانِ. وحديثُ سَمُرَةَ يَرْويهِ الحسنُ عن سَمُرَةَ (١٢)، قال الأَثْرَمُ، قال (١٣) أبو عَبْدِ اللهِ: لا يَصِحُّ سَماعُ الحسنِ من سَمُرَةَ. وحديثُ جَابرٍ، قال أبو عبدِ اللهِ: هذا حجَّاجٌ زَادَ فيه: "نَسَاءً"، ولَيْثُ بن سَعْدٍ سَمِعَهُ من أبى الزُّبِيْرِ، ولا يَذْكُرُ فيه: "نَسَاءً"، وحجَّاجٌ هذا هو حجَّاجُ بن أرْطاةَ، قال يعقوبُ بن شَيْبَةَ: هو واهِى الحدِيثِ، وهو صَدُوقٌ. وإن كان أحدُ المَبِيعَيْنِ مِمَّا لا رِبا فيه، والآخَرُ فيه رِبًا كالمَكِيلِ بالمَعْدُودِ، ففيهما (١٤) رِوَايَتَانِ، إحْدَاهُما: يَحْرُمُ النَّسَاءُ فيهما. والثانيةُ: لا يَحْرُمُ، كما لو باع مَعْدُودًا بِمَعْدُودٍ من غيرِ جِنْسِه.

стр. 2677

٧٠٧ - مسألة؛ قال: (وَلَا يُبَاعُ شَىْءٌ مِنَ الرَّطْبِ بِيَابِسٍ مِنْ جِنْسِه إلَّا العَرايَا) أرادَ الرَّطْبَ مما يَجْرِى فيه الرِّبا، كالرُّطَبِ بالتَّمْرِ، والعنبِ بالزَّبِيبِ، واللبنِ بالجُبْنِ، والحِنْطَةِ المَبلولةِ أو الرَّطْبَةِ باليابِسَةِ، أو المَقْلِيَّةِ بالنِّيئَةِ، ونحو ذلك. وبه قال سعدُ بن أبى وَقَّاصٍ، وسعيدُ بن المُسَيَّبِ، واللَّيْثُ، ومالِكٌ، والشَّافعىُّ، وإسحاقُ، وأبو يوسفَ، ومُحَمَّدٌ. وقال ابنُ عبدِ البَرِّ: جُمْهورُ علماءِ المُسْلِمِينَ على أنَّ بَيْعَ الرُّطَبِ بالتَّمْرِ لا يَجُوزُ بحالٍ من الأحْوالِ، وقال أبو حنيفةَ: يَجوزُ ذلك؛ لأنَّه لا يَخْلُو، إمَّا أن يكونَ من جِنْسِه، فيجوزُ؛ لقولِه ﵇: "التَّمْرُ بالتَّمْرِ مِثْلًا بِمِثْلٍ" (١). أو من غيرِ جِنْسِه، فيجوزُ؛ لقولِه ﵇: "فإذا اخْتَلَفَتْ هذه الأصْنافُ فَبِيعُوا كيفَ شِئْتُمْ" (٢). ولنا، قولُه ﵇: "لا تَبِيعُوا التَّمْرَ بِالتَّمْرِ" (٣). وفى لَفْظٍ، نَهَى عن بَيْعِ التَّمْرِ بالتَّمْرِ، ورَخَّصَ فى العَرِيَّةِ أن تُبَاعَ بِخَرْصِهَا يأكُلُها أَهلُها رُطَبًا. مُتَّفَقٌ عليه (٤). وعن سَعْدٍ: أنَّ النبىَّ ﷺ سُئِلَ عن بَيْعِ الرُّطَبِ بالتَّمْرِ فقال: "أَيَنْقُصُ الرُّطَبُ إذا يَبِسَ" قالوا: نعم. فنَهَى عن ذلك. رَوَاهُ مالِكٌ، وأبو داودَ، والأَثْرَمُ، وابنُ ماجَه (٥). ولَفْظُ رِوَايَةِ الأَثرَمِ، قال:

стр. 2678

"فَلَا إذَنْ". نَهَى وعَلَّلَ بأنه يَنْقُصُ إذا يَبِسَ. ورَوَى مالِكٌ (٦)، عن نافِعٍ، عن ابنِ عُمرَ: أن رسولَ اللهِ ﷺ نَهَى عن المُزَابَنَةِ. والمُزابَنَةُ بَيْعُ الرُّطَبِ بالتَّمْرِ كَيْلًا، وبَيْعُ العِنَبِ بالزَّبِيبِ كَيْلًا؛ ولأنَّه جِنْسٌ فيه الرِّبا بِيعَ بَعْضُه بِبَعْضٍ على وَجْهٍ يَنْفَرِدُ أحدُهما بالنُّقْصانِ، فلم يَجُزْ، كَبَيْعِ المَقْلِيَّةِ بالنِّيئَةِ، ولا يَلْزَمُ الحَدِيثُ بالعَتِيقِ؛ لأنَّ التَّفاوُتَ يَسِيرٌ. قال الخَطَّابِىُّ (٧): وقد تَكَلَّمَ بعضُ الناسِ فى إسْنادِ حَدِيثِ سعدِ بن أبى وَقَّاصٍ فى بَيْعِ الرُّطَبِ بالتَّمْرِ. وقال: زَيْدٌ أبو عَيَّاشٍ راوِيهِ ضَعِيفٌ. ولَيْسَ الأمْرُ على ما تَوَهَّمَهُ، وأبو عَيَّاشٍ مولَى بَنِى زُهْرَةَ مَعْروفٌ، وقد ذَكَرَهُ مالِكٌ فى "المُوَطَّأِ"، وهو لا يَرْوِى عن مَتْروكِ الحدِيثِ. فصل: فأمَّا بَيْعُ الرُّطَبِ بالرُّطَبِ، والعنبِ بالعنبِ، ونحوِه من الرطبِ بِمِثْلِه، فيَجوزُ مع التَّمَاثُلِ فى قولِ أكْثَرِ أهْلِ العِلْمِ، ومَنَعَ منه الشَّافِعِىُّ فيما يَيْبَسُ. أمَّا ما لا يَيْبَسُ كالقِثَّاءِ، والخِيارِ، ونحوِه، فعلى قَولَيْنِ؛ لأنَّه لا يُعْلَمُ تَساوِيهما حالةَ الادِّخارِ، فأشْبَه الرُّطَبَ (٨) بالتَّمْرِ. وذَهَبَ أبو حَفْصٍ العُكْبَرِىُّ من أصْحابِنا إلى هذا، وحَمَلَ كَلامَ الخِرَقِىِّ عليه؛ لِقَوْلِه فى اللَّحْمِ: لا يجوزُ بَيْعُ بَعْضِه بِبَعْضٍ رَطْبًا،

стр. 2679

ويجوزُ إذا تَناهَى جَفافُه مِثْلًا بِمِثْلٍ. ومَفْهُومُ كلامِ الخِرَقِىِّ هاهُنا: إباحَةُ ذلك؛ لأنَّ مَفْهُومَ نَهْيِهِ ﵇ عن بَيْعِ التَّمْرِ بالتَّمْرِ إباحةُ بَيْعِ كلِّ واحدٍ منهما بمِثْلِهِ، ولأنَّهما تَسَاوَيَا فى الحالِ على وجْهٍ لا يَنْفَرِدُ أحَدُهما بالنُّقْصَانِ، فجازَ، كَبَيْعِ اللَّبَنِ باللَّبَنِ، والتَّمْرِ بالتَّمْرِ، ولأنَّ قَوْلَه تَعَالَى: ﴿وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ﴾ (٩) عامٌّ خَرَجَ منه المَنْصوصُ عليه، وهو بَيْعُ التَّمْرِ بالتَّمْرِ، وليس هذا فى مَعْناه، فبَقِىَ على العُمومِ، وما ذَكَرهُ لا يَصِحُّ، فإنَّ التَّفاوُتَ كثيرٌ، ويَنْفَرِدُ أحَدُهما بالنُّقْصانِ، بِخِلافِ مَسْألَتِنا. ولا بَأْسَ بِبَيْعِ الحديثِ بالعَتِيقِ؛ لأنَّ التَّفاوُتَ فى ذلك يَسيرٌ، ولا يُمْكِنُ ضَبْطُه، فَعُفِىَ (١٠) عنه. ٧٠٨ - مسألة؛ قال: (ولا يُباعُ مَا أَصْلُه الكَيْلُ بِشَىْءٍ مِنْ جِنْسِهِ وَزْنًا، ولا مَا أَصْلُه الوَزْنُ كَيْلًا) لا خِلافَ بين أَهْلِ العِلْمِ فى وُجُوبِ المُماثلَةِ فى بَيْعِ الأَمْوالِ التى يَحْرُمُ التَّفاضُلُ فيها، وأنَّ المُساواةَ المَرْعِيَّةَ هى المُساواةُ فى المَكيلِ كَيْلًا وفى المَوْزُونِ وَزْنًا، ومَتَى تَحَقَّقَتْ هذه المُساواةُ، لم يَضُرَّ اخْتِلافُهُما فيما سِواها. وإن لم يُوجَدْ، لم يَصِحَّ البَيْعُ، وإن تَساويا فى غيرِها، وهذا قولُ أبى حنيفةَ، والشَّافِعِىِّ، وجُمْهورِ أهْلِ العِلْمِ، لا نَعْلَمُ أحدًا خالَفَهُم إلَّا مالكًا، قال: يَجُوزُ بَيْعُ المَوْزُوناتِ بَعْضِهَا بِبَعْضٍ جُزَافًا. ولنا، قولُ النبىِّ ﷺ : "الذَّهَبُ بالذَّهَبِ وَزْنًا بِوَزْنٍ، والفِضَّةُ بالفِضَّةِ وَزْنًا بِوَزْنٍ، والبُرُّ بالبُرِّ كَيْلًا بِكَيْلٍ، والشَّعِيرُ بالشَّعِيرِ كَيْلًا بِكَيْلٍ". رَوَاهُ الأَثْرَمُ (١) فى حَدِيثِ عُبَادَةَ، ورواه أبو دَاوُدَ (٢)، ولَفْظُه: "البُرُّ بالبُرِّ مُدْىٌ (٣)

стр. 2680

بِمُدْىٍ، والشَّعِيرُ بالشَّعِيرِ مُدْىٌ بِمُدْىٍ، والمِلْحُ بالمِلْحِ مُدْىٌ بِمُدْىٍ، فمن زَادَ أو ازْدادَ فَقَدْ أرْبَى". فأمَرَ بالمُساواةِ فى المَوزُوناتِ المَذْكُورَةِ فى الوَزْنِ، كما أمَرَ بالمُساواةِ (٤) فى المَكِيلاتِ فى الكَيْلِ، وما عَدَا الذهَبَ والفِضَّةَ من المَوْزُوناتِ مَقِيسٌ عليهما ومُشَبَّهٌ بهما؛ ولأنَّه جِنْسٌ يَجْرِى فيه الرِّبَا، فلم يَجُزْ بَيْعُ بَعْضِه بِبَعْضٍ جُزَافًا كالمَكِيلِ، ولأنَّه مَوْزونٌ من أَمْوالِ الرِّبا، فأشْبَه الذهَبَ والفِضَّةَ، ولأنَّ حقيقةَ الفَضْلِ مُبْطِلَةٌ لِلبيع، ولا نَعْلَمُ عَدَمَ ذلك إلَّا بالوَزْنِ، فوَجَبَ ذلك، كما فى المَكِيلِ والأَثْمانِ. إذا ثَبَتَ هذا، فإنَّه لا يَجُوزُ بَيْعُ المَكِيلِ بالمَكِيلِ وَزْنًا، ولا بَيْعُ المَوْزُونِ بالمَوْزُونِ كَيْلًا؛ لأنَّ التَّماثُلَ فى الكَيْلِ مُشْتَرَطٌ فى المَكِيلِ، وفى الوَزْنِ فى المَوْزُونِ، فمتى باعَ رِطْلًا من المَكِيلِ بِرِطْلٍ حَصَلَ فى الرِّطْلِ من الخَفيفِ أكْثَرُ مِمَّا يَحْصُلُ من الثَّقيلِ، فيَخْتَلِفانِ فى الكَيْلِ، وإن لم يَعْلَمِ الفَضْلَ، لكنْ يَجْهَلُ التَّساوِىَ، فلا يَصِحُّ، كما لو باعَ بَعْضَه بِبَعْضٍ جُزَافًا، وكذلك لو باعَ المَوزونَ بالمَوزُونِ بالكَيْلِ، فلا يَتَحَقَّقُ التَّماثُلُ فى الوزنِ، فلم يَصِحَّ، كما ذَكَرْنَا فى المَكِيلِ. فصل: ولو باعَ بَعْضَه بِبَعْضٍ جُزَافًا، أو كان جُزَافًا من أحَدِ الطَّرَفَيْنِ، لم يَجُزْ. قال ابنُ المُنْذِرِ: أجْمَعَ أهْلُ العِلْمِ على أنَّ ذلك غيرُ جائِزٍ إذا كانا من صِنْفٍ واحِدٍ؛ وذلك لِمَا رَوَى مُسْلِمٌ (٥)، عن جَابِرٍ، قال: نَهَى رسولُ اللَّه ﷺ عن بَيْعِ الصُّبْرَةِ من التَّمْرِ، لا يُعْلَمُ مَكِيلُها، بالكَيْلِ المُسَمَّى من التَّمْرِ. وفى قَوْلِ النبىِّ ﷺ : "الذَّهَبُ بالذَّهَبِ وَزْنًا بِوَزْنٍ" (٦) إلى تَمَامِ الحَدِيثِ، دَلِيلٌ على أنه لا يَجُوزُ بَيْعُه إلَّا كذلك، ولأنَّ التَّماثُلَ شَرْطٌ، والجَهْلُ به يُبْطِلُ البَيْعَ، كَحَقِيقَةِ التَّفَاضُلِ.

стр. 2681

فصل: وما لا يُشْتَرَطُ التَّماثُلُ فيه كالجِنْسَيْنِ، وما لا رِبًا فيه، يجوزُ بَيْعُ بَعْضِه بِبَعْضٍ كَيْلًا ووَزْنًا وجُزافًا، وهذا ظاهِرُ كَلامِ الخِرَقِىِّ؛ لِتَخْصِيصِهِ ما يُكالُ بِمَنْعِ بَيْعِه بشىءٍ من جِنْسِه وَزْنًا، وما يُوزَنُ بمَنْعِ بَيْعِه من جِنْسِه كَيْلًا. وهذا قولُ أكْثَرِ أهْلِ العِلْمِ. قال ابنُ المُنْذِرِ: أجْمَعَ أهْلُ العِلْمِ على أن بَيْعَ الصُّبْرَةِ من الطَّعامِ بالصُّبْرَةِ، لا يُدْرَى كم كَيْلُ هذه، ولا كَيْلُ هذه، من صِنْفٍ واحِدٍ، غيرُ جائِزٍ، ولا بَأْسَ به من صِنْفَيْنِ؛ اسْتِدْلالًا بقولِه ﵇: "فإذا اخْتَلَفَ الجِنْسَانِ فَبِيعُوا كيف شِئْتُمْ" (٧). وذَهَبَ جماعةٌ من أَصْحابِنا إلى مَنْعِ بَيْعِ المَكِيلِ بالمَكِيلِ جُزافًا، وبَيْعِ المَوْزونِ بالمَوْزونِ جُزَافًا. وقال أحْمَدُ، فى رِوايةِ مُحَمَّدِ بنِ الحَكَمِ: أكْرَهُ ذلك. قال ابنُ أبى موسى: لا خَيْرَ فيما يُكالُ بما يُكالُ جُزَافًا، ولا فيما يُوزَنُ بما يُوزَنُ جُزَافًا، اتَّفَقَتِ الأَجْناسُ أو اخْتَلَفتْ، ولا بَأْسَ بِبَيْعِ المَكيلِ بالمَوْزُونِ جُزَافًا، وقال ذلك القاضى والشَّريفُ أبُو جَعْفَرٍ، وذلك لأنَّ النبىَّ ﷺ نَهَى عن بَيْعِ الطَّعامِ بالطَّعامِ مُجازَفَةً (٨). ولأنَّه بَيْعُ مَكِيلٍ بِمَكيلٍ، أشْبَهَ الجِنْسَ الواحدَ. ولنا، قولُ النَّبِىِّ ﷺ : "فإذا اخْتَلَفَتْ هذِهِ الأَصْنافُ فَبِيعُوا كَيْفَ شِئْتُمْ يَدًا بِيَدٍ" (٩). ولأنَّ قولَ اللهِ تعالى: ﴿وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ﴾ (١٠). عامٌّ خَصَّصْناه فى الجِنْسِ الواحِدِ الذى يَجِبُ التَّماثُلُ فيه، فَفِيمَا عداه يَجِبُ البَقاءُ على العُمومِ، ولأَنَّه يجوزُ التَّفاضُلُ فيه، فجَازَ جُزَافًا من الطَّرَفَيْنِ كالمَكِيلِ بالمَوْزُونِ، يُحَقِّقُه أنَّه إذا كان حقيقةُ الفَضْلِ لا يَمْنَعُ، فاحْتِمالهُ أولَى أن لا يَكونَ مانِعًا، وحَدِيثُهُم أرادَ به الجِنْسَ الواحِدَ؛ ولهذا جاء فى بعضِ أَلْفَاظِه: نَهَى أن تُباعَ الصُّبْرَةُ لا يُعْلَمُ مَكِيلُها

стр. 2682

من التَّمْرِ، بالصُّبْرَةِ لا يُعْلَمُ مَكِيلُها من التَّمْرِ (١١). ثم هو مخصوصٌ بالمَكِيلِ والمَوْزُونِ، فنَقِيسُ عليه مَحلَّ النِّزاعِ، وما ذُكِرَ من القِيَاسِ غيرُ صحيحٍ؛ لأنَّ المَكِيلَ من جِنْسٍ واحِدٍ، يَجِبُ التَّماثُلُ فيه، فَمُنِعَ من بَيْعِه مُجازَفَةً؛ لِفَوَاتِ المُماثَلَةِ المَشْرُوطَةِ، وفى الجِنْسَيْنِ لا يُشْتَرَطُ التَّماثُلُ، ولا يُمْنَعُ حقيقةُ التَّفاضُلِ، فاحْتِمالُه أولَى أن لا يَكُونَ مانِعًا. فصل: ولو قال: بِعْتُكَ هذه الصُّبْرَةَ بهذه الصُّبْرَةِ. وهما من جِنْسٍ واحِدٍ، ولا يَعْلَمانِ كَيْلَهُما، لم (١٢) يَصِحَّ؛ لما ذَكَرْنا. وإن عَلِما كَيْلَهُما وتَسَاوِيَهُما، صَحَّ البَيْعُ؛ لوُجُودِ التَّماثُلِ المُشْتَرَطِ. وإن قال: بِعْتُكَ هذه الصُّبْرَةَ بهذه الصُّبْرَةِ، مِثْلًا بِمِثْلٍ. فَكِيلَتا فكانَتا سَوَاءً، صَحَّ البَيْعُ، وإلَّا فلا. وإن باع صُبْرَةً بِصُبْرَةٍ من غير جِنْسِها، صَحَّ عندَ مَنْ يُجَوِّزُ بَيْعَ المَكِيلِ بالمَكِيلِ جُزافًا. وإن قال: بِعْتُكَ هذه الصُّبْرَةَ بِهذهِ، مِثْلًا بمِثْلٍ. فَكِيلَتا فكانتا سَوَاءً، صَحَّ البَيْعُ، وإن زَادَتْ إحْداهُما فَرَضِىَ صَاحبُ النَّاقِصَةِ بها مع نَقْصِها، أو رَضِىَ صَاحِبُ الزَّائِدَةِ بِرَدِّ الفَضْلِ على صَاحِبِه، جازَ، وإن امْتَنَعا فُسِخَ البَيْعُ بَيْنَهُما. ذَكَرَ هذا الفَصْلَ (١٣) القاضى، وهو مذهبُ الشَّافِعِىِّ. فصل: ويَجُوزُ قَسْمُ المَكِيلِ وَزْنًا، وقَسْمُ المَوْزُونِ كَيْلًا، وقَسْمُ الثِّمارِ خَرْصًا، وقَسْمُ ما لا يَجُوزُ بَيْعُ بَعْضِه بِبَعْضٍ؛ لأنَّ القِسْمَةَ إفْرازُ حقٍّ، وليستْ بَيْعًا. ونُقِلَ عن ابنِ بَطَّةَ ما يَدُلُّ على أنها بَيْعٌ، فيَثْبُتُ فيها أحْكامُ البَيْعِ، ويُمْنَعُ فيها ما ذَكَرْناهُ؛ لأنَّ كلَّ جُزْءٍ من ذلك مُشْتَرَكٌ بينهما، فإذا تَعَيَّنَ لكلِّ واحِدٍ منهما حَقٌّ، فقد اشْتَرَى نَصِيبَ شَريكِه ممَّا تَعَيَّنَ لَه بِنَصِيبِه فيما تَعَيَّنَ لِشَرِيكِه. وللشَّافِعِىِّ قَوْلانِ، كالمذهبيْنِ. والظّاهِرُ أنَّها إفْرَازُ حَقٍّ؛ بِدَلِيلِ اعْتِبارِ تَعْدِيلِ السِّهامِ،

стр. 2683

ودُخُولِ (١٤) القُرْعَةِ فيها، ولُزُومِها بها، والإِجْبارِ عليها، وأنَّها لا تَفْتَقِرُ إلى لَفْظِ بَيْعٍ ولا تَمْلِيكٍ، ولا يَدْخُلُها خِيارٌ، ولا تَجُوزُ إلَّا بِقَدْرِ الحَقَّيْنِ، ولا يَثْبُتُ فيها شُفْعَةٌ، وتَخْتَصُّ باسْمٍ. وتَغَايُرُ الأَحْكامِ والأَسْماءِ دَلِيلٌ على اخْتِلافِهِما. وَرُوِىَ عن ابنِ عَبّاسٍ، أنَّه قال: قَسَمتِ الصَّحابَةُ رَضِىَ اللهُ عنهم الغَنائِمَ بالحَجَفِ (١٥). وذلك كَيْلُ الأَثْمانِ بِمَحْضَرٍ من جَماعَةٍ كَثِيرَةٍ منهم، وانْتَشَرَ فى بَقِيَّتِهِم فلم يُنْكَرْ، فصارَ إجْماعًا على ما قُلْناهُ. فصل: فى مَعْرِفَةِ المَكِيلِ والمَوْزُونِ، والمَرْجِعُ فى ذلك إلى العُرْفِ بالحِجازِ فى عَهْدِ النَّبِىِّ ﷺ ، وبهذا قال الشَّافِعِىُّ. وحُكِىَ عن أبى حنيفةَ: أنَّ الاعْتِبارَ فى كل بلدٍ بِعادَتِه. ولنا، ما رَوَى عبدُ اللهِ بن عمرَ، عن النَّبِىِّ ﷺ ، أنَّه قال: "المِكْيالُ مِكْيالُ المَدِينَةِ، والمِيزَانُ مِيزَانُ مَكَّةَ" (١٦). والنَّبِىُّ ﷺ إنما يُحْمَلُ كَلامُه على بَيانِ الأحْكامِ؛ لأنَّ ما كان مَكِيلًا بالحِجازِ فى زَمنِ النَّبِىِّ ﷺ ، انْصَرَفَ التَّحْرِيمُ فى تَفاضُلِ الكَيْلِ إليه، فلا يجوزُ أن يَتَغَيَّرَ بعد ذلك، وهكذا المَوْزُونُ، وما لا عُرْفَ له بالحِجازِ يَحْتَمِلُ وَجْهَيْنِ؛ أحدُهما، يُرَدُّ إلى أَقْرَبِ الأشْياءِ شِبْهًا به بالحِجازِ، كما أنَّ الحَوَادِثَ تُرَدُّ إلى أَشْبَهِ المَنْصُوصِ عليه بها، وهو القِياسُ. والثانى، يُعْتَبَرُ عُرْفُه فى مَوْضِعِه، فإن لم يَكُنْ له فى الشَّرَعِ حَدٌّ كان المَرْجِعُ فيه إلى العُرْفِ، كالقَبْضِ، والإِحْرازِ (١٧)، والتَّفَرُّقِ، وهذا قولُ أبى حنيفةَ. وعلى هذا إنِ اخْتَلَفَتِ البلادُ، فالاعْتِبارُ بالغالِبِ، فإن لم يَكُنْ غالِبٌ بَطَلَ هذا الوَجْهُ، وتَعَيَّنَ الأوَّلُ. ومَذْهَبُ الشَّافِعِىِّ على هذينِ الوَجْهَيْنِ، فَالبُرُّ، والشَّعِيرُ مَكِيلانِ

стр. 2684

مَنْصُوصٌ عليهما بقَولِ النَّبِىِّ ﷺ : "البُرُّ بالبُرِّ كَيْلًا بِكَيْلٍ، والشَّعِيرُ بالشَّعِيرِ كَيْلًا بِكَيْلٍ" (١٨). وكذلك سائرُ الحُبوبِ، والأبازِيرِ، والأُشْنانِ، والجِصِّ، والنُّورَةِ، وما أشْبَهها. والتَّمْرُ مَكِيلٌ، وهو من المَنْصوصِ عليه، وكذلك سائِرُ تَمْرِ النَّخْلِ من الرُّطَبِ والبُسْرِ وغيرِهِما، وسائِرُ ما تَجِبُ فيه الزَّكاةُ من الثِّمارِ، مثلِ الزَّبِيبِ، والفُسْتُقِ، والبُنْدُقِ، والعُنَّابِ، والمِشْمِشِ، والبُطْمِ (١٩)، والزَّيْتُونِ، واللَّوْزِ. والمِلْحُ مَكِيلٌ، وهو من المَنْصُوصِ عليه بقولِه ﵇: "المِلْحُ بالمِلْحِ مُدْىٌ بمُدْىٍ" (٢٠). والذَّهَبُ والفِضَّةُ مَوْزُونانِ. ثَبَتَ ذلك بقولِ النَّبِىِّ ﷺ : "الذَّهَبُ بالذَّهَبِ وَزْنًا بوَزْنٍ، والفِضَّةُ بالفِضَّةِ وَزْنًا بِوَزْن" (٢١) وكذلك ما أشْبَههُما من جَواهِرِ الأرْضِ كالحَدِيدِ، والنُّحاسِ، والصُّفْرِ، والرَّصاصِ، والزُّجاجِ، والزِّئْبَقِ. ومنه الإِبْرِيسَمُ (٢٢)، والقُطْنُ، والكَتَّانُ، والصُّوفُ، وغَزْلُ ذلك، وما أشْبَهَهُ. ومنه الخُبْزُ، واللَّحْمُ، والشَّحْمُ، والجُبْنُ، والزُّبْدُ، والشَّمْعُ، وما أشْبَهَهُ، وكذلك الزَّعْفَرَانُ، والعُصْفُرُ، والوَرْسُ، وما أشْبَهَ ذلك. فصل: والدَّقِيقُ والسَّوِيقُ مَكِيلانِ؛ لأنَّ أَصْلَهُما مَكِيلٌ، ولم يُوجَدْ ما يَنقُلُهما عنه، ولأنَّهما يُشْبِهانِ ما يُكالُ، وذَكَرَ القَاضِى فى الدَّقيقِ، أنَّهُ يَجوزُ بيعُ بعضِه بِبعضٍ بالوَزْنِ، ولا يَمْتَنِعُ أن يَكونَ أصْلُهُ مَكيلًا وهو مَوْزونٌ، كالخُبْزِ. ولنا، ما ذَكَرْناهُ، ولأنَّهُ يُقَدَّرُ بالصَّاعِ، بِدَليلِ أنَّه يُخْرَجُ فى الفِطْرَةِ صاعٌ من دَقيقٍ، وقد جاءَ فى الحَدِيثِ. والصَّاعُ إنَّما يُقَدَّرُ به المَكيلاتُ، وعلى هذا يكونُ الأَقِطُ مَكيلًا؛ لأنَّ فى حَديثِ صَدَقَةِ الفِطْرِ: صَاعٌ مِنْ أَقِطٍ (٢٣).

стр. 2685

فصل: فأمَّا اللَّبَنُ، وغيرُه من المائِعاتِ، كالأَدْهانِ من الزَّيْتِ، والشَّيْرَجِ (٢٤)، والعسلِ، والخلِّ، والدِّبْسِ (٢٥)، ونحوِ ذلك، فالظاهِرُ أنَّها مَكيلَةٌ. قالَ القاضى فى الأَدْهَانِ: هى مَكيلَةٌ. وفى اللَّبَنِ: يَصِحُّ السَّلَمُ فيه كَيْلًا. وقال أصحابُ الشَّافِعِىِّ: لا يُباعُ اللَّبَنُ بعضُه بِبعضٍ إلَّا كَيْلًا. وقد رُوِىَ عن أحمدَ، أنَّه سُئِلَ عن السَّلَفِ فى اللَّبَنِ؟ فقال: نعم كَيْلًا، أو وَزْنًا. وذلك لأنَّ الماءَ مُقَدَّرٌ بالصَّاعِ، ولذلك كان النَّبِىُّ ﷺ يَتَوَضَّأُ بالمُدِّ، ويَغْتَسِلُ بالصَّاعِ (٢٦)، ويَغْتَسِلُ هو وبعضُ نِسائِهِ من الفَرَقِ. وهذه مَكاييلُ قُدِّرَ بها الماءُ، وكذلك سائرُ المائعاتِ. وَرُوِىَ عن النَّبِىِّ ﷺ ، أنَّه نَهَى عن بَيْعِ ما فى ضُروعِ الأنعامِ إلَّا بالكَيْلِ. رَوَاهُ ابن مَاجَه (٢٧) وأمَّا غيرُ المَكيلِ، والمَوْزونِ، فما لم يَكُنْ له أصلٌ بالحِجازِ فى كَيْلٍ ولا وَزْنٍ، ولا يُشْبِهُ (٢٨) ما جَرَى فيه العُرْفُ بذلك، كالثِّيابِ، والحيَوَانِ، والمَعْدوداتِ من الجَوزِ، والبَيْضِ، والرُّمَّانِ، والقِثَّاءِ، والخِيارِ، وسَائِرِ الخَضْراواتِ، والبُقول، والسَّفَرْجَلِ، والتُّفَّاحِ، والكُمَّثْرَى، والخَوْخِ (٢٩)، ونحوِها، فهذه المَعْدوداتُ إذا اعْتَبَرْنا التماثُلَ فيها، فإنَّه يُعْتَبَرُ التماثُلُ فى الوَزْنِ؛ لأنَّه أَخْصَرُ. ذَكَرَهُ القاضى فى الفواكِه الرَّطْبَةِ، وهو أحَدُ الوَجْهَيْنِ لأصحابِ الشَّافِعِىِّ، والآخَرُ، قالوا: يُعْتَبَرُ ما أمْكَنَ كَيْلُه بالكَيْلِ (٣٠)؛ لأنَّ (٣١) الأَصْلَ الأعْيانُ الأَرْبَعَةُ، وهى مَكِيلَةٌ، ومن شَأْنِ الفَرْعِ أن يُرَدَّ إلى أَصْلِه بِحُكْمِه، والأصْلُ حُكْمُه تَحْريمُ التَّفاضُلِ بالكَيْلِ،

стр. 2686

فكذلك يكونُ حُكْمُ فروعِها. ولنا، أنَّ الوَزْنَ أَخْصَرُ، فوَجَبَ اعْتِبارُه فى غيرِ المَكيلِ والمَوْزونِ، كالذى لا يُمْكِنُ كَيْلُه، وإنَّما اعْتُبِرَ الكَيْلُ فى المَنْصوصِ عليه؛ لأنَّهُ يُقَدَّرُ به فى العَادَةِ، وهذا بِخِلَافِه. ٧٠٩ - مسألة؛ قال: (وَالتُّمُورُ كُلُّها جِنْسٌ وَاحِدٌ (١)، وَإِنِ اخْتَلَفتْ أَنْوَاعُهَا) الجِنْسُ: هو الشَّامِلُ لأشياءَ مُخْتَلِفَةٍ بأنواعِها. والنَّوْعُ: الشَّامِلُ لأشياءَ مُخْتَلِفَةٍ بأشخاصِها. وقد يكونُ النَّوْعُ جِنْسًا بالنِّسْبَةِ إلى ما تحته، نَوْعًا بالنِّسْبَةِ إلى ما فوقه، والمُرادُ هنا؛ الجِنْسُ الأَخَصُّ، والنَّوْعُ الأَخَصُّ. فكلُّ نَوْعَيْنِ اجتمعا فى اسْمٍ خاصٍّ، فهما جِنْسٌ، كأنواعِ التَّمْرِ، وأنواعِ الحِنْطَةِ. فالتُّمورُ كلُّها جِنْسٌ واحِدٌ؛ لأنَّ الاسْمَ الخَاصَّ يَجْمَعُها، وهو التَّمْرُ، وإن كَثُرَتْ أنواعُه، كالبَرْنِىِّ (٢)، والمَعْقِلىِّ (٣)، والإِبْرَاهِيمِىِّ، والخاستوىِّ (٤)، وغَيْرِها. وكلُّ شَيْئَيْنِ اتَّفقا فى الجِنْسِ ثَبَتَ فيهما حُكْمُ الشَّرْعِ بتحريمِ التَّفَاضُلِ، وإن اختلفَتِ الأنواعُ؛ لقولِ النَّبِىِّ ﷺ : "التَّمْرُ بالتَّمْرِ مِثْلًا بمِثْلٍ، [والبُرُّ بالبُرِّ مِثْلًا بِمِثْلٍ] (٥) ". الحَدِيثُ بِتَمَامِه (٦). فاعْتَبَرَ المُساواةَ فى جِنْسِ التَّمْرِ بالتَّمْرِ، والبُرِّ بالبُرِّ، ثم قال: "فَإِذَا اخْتَلَفَتْ هَذِهِ الأَصْنَافُ فَبِيعُوا كَيْفَ شِئْتُمْ" (٧). وفى لَفْظٍ: ["فإِذَا اخْتَلَفَ الجِنسَانِ فَبِيعُوا كيف شِئْتُمْ". وفى لَفْظٍ] (٨): "إلَّا مَا اخْتَلَفَتْ أَلْوَانُه".

стр. 2687

ولا خِلافَ بين أهْلِ العِلْمِ عَلِمْناهُ فى وُجوبِ المُساواةِ فى التَّمْرِ بالتَّمْرِ، وسائِرِ ما ذُكِرَ فى الخَبَرِ، مع اتِّفاقِ الأنواعِ، واخْتِلافِها. فصل: فإن كان المُشْتَرِكانِ فى الاسْمِ الخاصِّ من أصلَيْنِ مُخْتَلِفَيْنِ، فهما جِنْسانِ؛ كالأدِقَّةِ، والأخْبازِ، والخُلولِ، والأدهانِ، وعَصيرِ الأشياءِ المُخْتَلِفَةِ، كلُّها أجناسٌ مُخْتَلِفَةٌ باختلافِ أُصولِها. وحُكِىَ عن أحْمَدَ، أنَّ خَلَّ التَّمْرِ، وخَلَّ العِنَبِ، جِنْسٌ. وحُكِىَ ذلك عن مَالِكٍ؛ لأنَّ الاسْمَ الخاصَّ يَجْمَعُهما. والصَّحِيحُ أنَّهما جِنْسانِ؛ لأنَّهما من أصْلَيْنِ مُخْتَلِفَيْنِ، فكانا جِنْسَيْنِ، كَدَقيقِ الحِنْطَةِ، ودَقيقِ الشَّعيرِ. وما ذُكِرَ لِلرِّوايةِ الأُخْرَى مُنْتَقِضٌ بسائِرِ فُروعِ الأُصولِ التى ذَكَرْناها. وكلُّ نَوْعٍ مَبْنىٌّ على أَصْلِه، فإذا كانَ شَيْئانِ من أَصْلَيْنِ فهما جِنْسانِ، فزَيْتُ الزَّيْتُونِ، وزَيْتُ البُطْمِ، وزَيْتُ الفُجْلِ، أجْنَاسٌ. ودُهْنُ السَّمَكِ، والشَّيْرَجُ، ودُهْنُ الجَوْزِ، ودُهْنُ اللَّوْزِ، والبَزْرِ، أجْنَاسٌ. وعَسَلُ النَّحْلِ، وعَسَلُ القَصَبِ، جِنْسَانِ. وتَمْرُ النَّخْلِ، وتَمْرُ الهِنْدِ، جِنْسانِ. وكلُّ شَيْئَيْنِ أصلُهما واحِدٌ فهما جِنْسٌ واحِدٌ، وإنِ اخْتَلَفَتْ مقاصِدُهما؛ فدُهْنُ الوَرْدِ، والبَنَفْسَجِ، والزِّئْبَقِ، ودُهْنُ اليَاسَمِينِ، إذا كانت من دُهْنٍ واحِدٍ، فهى جِنْسٌ واحِدٌ. وهذا الصَّحيحُ من مذهبِ الشَّافِعِىِّ، وله قولٌ آخَرُ: لا يَجْرِى الرِّبا فيها؛ لأنَّها لا تُقْصَدُ للأكْلِ. وقال أبو حنيفةَ: هى أجْناسٌ؛ لأنَّ مَقاصِدَها مُخْتَلِفَةٌ. ولنا، أنَّها كلَّها شَيْرَجٌ، وإنَّما طُيِّبَتْ بهذه الرَّيَاحينِ، فَنُسِبَتْ إليها، فلم تَصِرْ أجناسًا، كما لو طُيِّبَ سائِرُ أنواعِ الأجناسِ. وقَوْلُهم: لا تُقْصَدُ الرَّياحينُ للأكْلِ. قلنا: هى صَالِحَةٌ للأكْلِ، وإنَّما تُعَدُّ لما هو أعْلَى منه، فلا تَخْرُجُ عن كَوْنِها مَأْكولَةً بِصلاحِها لغيرِه. وقَوْلُهم: إنَّها أجْناسٌ. لا يَصِحُّ؛ لأنَّها من أصْلٍ واحِدٍ، ويَشْمَلُها اسْمٌ واحِدٌ، فكانت جِنْسًا، كأنواعِ التَّمْرِ، والحِنْطَةِ. فصل: وقد يكونُ الجِنْسُ الواحِدُ مُشْتَمِلًا على جِنْسَيْنِ، كالتَّمْرِ، يَشْتَمِلُ على النَّوَى وغيرِه، وهما جِنْسانِ، واللَّبَنِ، يَشْتَمِلُ على المَخِيضِ والزُّبْدِ، وهما جِنْسانِ، فما داما مُتَّصِلَيْنِ اتِّصالَ الخِلْقَةِ فهما جِنْسٌ واحِدٌ، فإذا مُيِّزَ أحَدُهما من

стр. 2688

الآخَرِ، صَارا جِنْسَيْنِ، حُكْمُهما حُكْمُ الجِنْسَيْنِ الأَصْلِيَّيْنِ. فصل: فى بَيْعِ التَّمْرِ بالتَّمْرِ وفُروعِهِ، يجوزُ بَيْعُ التَّمْرِ بالتَّمْرِ كَيْلًا بِكَيْلٍ بغيرِ خِلافٍ، وسواءٌ تساوَيا فى الجَوْدَةِ والرَّداءَةِ، وفى كَوْنِهما يَنْكَبِسانِ فى المِكْيالِ، أو اختلفا فى ذلك، قيلَ لأحمدَ: صاعُ تَمْرٍ بِصاعِ تَمْرٍ، وأحَدُ التَّمْرَيْنِ يَدْخُلُ فى المِكْيالِ منه أكْثَرُ؟ فقال: إنَّما هو صاعٌ بصاعٍ. وذلك لقولِ النَّبِىِّ ﷺ : "التَّمْرُ بالتَّمْرِ مُدْىٌ بِمُدْىٍ" ثم قال: "مَنْ زادَ، أو ازْدادَ، فقد أَرْبَى" (٩). فإن كان فى كُلِّ واحِدٍ منهما نواهُ، جازَ بَيْعُه مُتَساوِيًا بغيرِ خِلافٍ؛ لأنَّ النَّبِىَّ ﷺ قد عَلِمَ أنَّ التَّمْرَ يكونُ فيه النَّوَى. وإن نُزِعَ من كلِّ واحِدٍ منهما نَوَاهُ، جازَ أيضًا. وقال أصحابُ الشَّافِعِىِّ: لا يجوزُ فى أحَدِ الوَجْهَيْنِ؛ لأنَّهما لم يَتَساوَيا فى حال الكَمالِ. ولأنَّه يَتَجافَى فى المِكْيالِ. ولنا، قولُ النَّبِىِّ ﷺ : "التَّمْرُ بالتَّمْرِ مُدْىٌ بمُدْىٍ". ولأنَّهما تَساوَيا فى الحالِ على وَجْهٍ لا يَنْفَرِدُ أحَدُهما بالنُّقْصانِ، فجازَ، كما لو كان فى كلِّ واحِدٍ منهما نَواهُ. ويَجوزُ بَيْعُ النَّوَى بالنَّوَى كَيْلًا لذلك. وإذا باعَ تَمْرًا مَنْزوعَ النَّوَى بِتَمْرٍ نَواهُ فيه، لم يَجُزْ؛ لاشْتِمالِ أحَدِهما على ما ليس من جِنْسِه دونَ الآخَرِ. وإن نَزَعَ النَّوَى، ثم باعَ النَّوَى والتَّمْرَ بِنَوًى وتَمْرٍ، لم يَجُزْ؛ لأنَّه زالَتِ التَّبَعِيَّةُ بِنَزْعِهِ، فصَارَ (١٠) كَبَيْعِ تَمْرٍ وحِنْطَةٍ بِتَمْرٍ وحِنْطَةٍ. وإن باعَ النَّوَى بِتَمْرٍ مَنْزُوعِ النَّوَى، جازَ مُتفَاضِلًا، ومُتَساوِيًا؛ لأنَّهما جِنْسانِ. وإن باعَ النَّوَى بِتَمْرٍ نَواهُ فيه، فعلى رِوايَتَيْنِ؛ منَعَ منه فى رِوايةِ مُهَنَّا، وأَحمدَ بنِ القاسِمِ؛ لأنَّ التَّمْرَ نَوًى، فيَصير كَمُدِّ عَجْوَةٍ، وكما لو باعَ تَمْرًا فيه نَواهُ، بِتَمْرٍ مَنْزُوعِ النَّوَى. وأجازَ ذلك فى رِوايةِ ابنِ مَنْصُورٍ؛ لأنَّ النَّوَى فى التَّمْرِ غيرُ مَقْصُودٍ، ولذلك جازَ بَيْعُ التَّمْرِ بالتَّمْرِ فى كلِّ واحِدٍ منهما نَواهُ، وصارَ هذا كَبَيْعِ دارٍ مُمَوَّهٍ سَقْفُهَا بالذَّهَبِ (١١).

стр. 2689

فعلى هذا يجوزُ بَيْعُه مُتَفاضِلًا ومُتَسَاوِيًا؛ لأنَّ النَّوَى الذى (١٢) فى التَّمْرِ لا عِبْرَةَ به، فصارَ كَبَيْعِ النَّوَى بِمَنْزُوعِ النَّوَى. فصل: ويُصْنَعُ من التَّمْرِ الدِّبْسُ، والخَلُّ، والنَّاطِفُ (١٣)، والقُطارَةُ (١٤). ولا يَجوزُ بَيْعُ التَّمْرِ بِشَىءٍ منها؛ لأنَّ مع بَعْضِها من غيرِ جِنْسِه، وبَعْضُها مائِعٌ، والتَّمْرُ جامِدٌ. ولا يَجوزُ بَيْعُ النَّاطفِ بعضِه بِبعضٍ، ولا بغيره من المَصْنوعِ من التَّمْرِ؛ لأنَّ معها شَيْئًا مَقْصُودًا من غيرِ (١٥) جِنْسِهما، فَيُنَزَّلُ مَنْزِلَةَ مُدِّ عَجْوَةٍ. ويجوزُ بَيْعُ القُطارَةِ، والدِّبْسِ، والخَلِّ، كلِّ نَوْعٍ بعضِه بِبَعْضِ مُتَسَاوِيًا. قال أحْمَدُ فى رِوايةِ مُهَنَّا، فى خَلِّ الدَّقَلِ (١٦): يَجوزُ بَيْعُ بَعْضِه بِبَعْضٍ مُتَساويًا. وذلك لأنَّ الماءَ فى كلِّ واحِدٍ منهما غيرُ مَقصُودٍ، وهو من مَصْلَحَتِه، فلم يَمْنَعْ جَوازَ البَيْعِ، كالخُبْزِ بالخُبْزِ، والتَّمْرِ بالتَّمْرِ، فى كلِّ واحِدٍ منهما نَواهُ. ولا يُباعُ نَوْعٌ بِنَوْعٍ آخَرَ؛ لأنَّ فى كلِّ واحِدٍ منهما من غيرِ جِنْسِه يَقِلُّ ويَكْثُرُ، فيُفْضِى إلى التَّفاضُلِ. فصل: والعِنَبُ كالتَّمْرِ فيما ذَكَرْناهُ، إلَّا أنَّه لا يُبَاعُ خَلُّ العِنَبِ بِخَلِّ الزَّبيبِ؛ لِانْفِرادِ [كلِّ واحِدٍ منهما] (١٧) بما ليس من جِنْسِهِ. ويجوزُ بَيْعُ خَلِّ الزَّبيبِ بعضِهِ بِبعضٍ، كما يجوزُ بَيْعُ خَلِّ التَّمْرِ بعضِهِ بِبعضٍ. ٧١٠ - مسألة؛ قال: (وَالبُرُّ والشَّعِيرُ جِنْسَانِ) هذا هو المذهبُ، وبه يقولُ الثَّوْرِىُّ، والشَّافِعِىُّ، وإسحاقُ، وأبو ثَوْرٍ، وأصحابُ الرَّأْىِ. وعن أحمدَ، أنَّهما جِنْسٌ واحِدٌ. وحُكِىَ ذلك عن سَعْدِ بنِ أبى

стр. 2690

وَقَّاصٍ، وعبدِ الرَّحمنِ بنِ الأسودِ بنِ عبدِ يَغوثَ (١)، وابن مُعَيْقيبٍ الدَّوْسِىِّ (٢)، والحَكَمِ، وحَمَّادٍ، ومالِكٍ، واللَّيْثِ؛ لما رُوِىَ عن مَعْمَرِ بن عبدِ اللهِ، أنَّه أرسلَ غُلامَهُ بصاعِ قَمْحٍ، فقال: بِعْهُ، ثم اشْتَرِ به شَعِيرًا. فذَهَبَ الغُلامُ، فأخَذَ صاعًا وزِيادَةً بَعْضَ صَاعٍ، فلمَّا جاء مَعْمَرًا، أخْبَرَهُ بذلك، فقال له مَعْمَرٌ: لِمَ فَعَلْتَ ذلك؟ انْطَلِقْ فَرُدَّه، ولا تَأْخُذَنْ إلَّا مِثْلًا بمِثْلٍ، فإنَّ النَّبِىَّ ﷺ نهَى عن بَيْعِ الطَّعَامِ بالطَّعَامِ إلًا مِثْلًا بمِثلٍ، وكان طَعامُنا يَوْمَئِذٍ الشَّعيرَ. قيل: فإنَّه ليس بمثلهِ. قال: إنِّى أخافُ أن يُضارِعَ (٣). أخرجَهُ مُسْلِمٌ (٤). ولأنَّ أحَدَهما يُغَشُّ بالآخَرِ، فكانا. كَنَوْعَىِ الجِنْسِ. ولنا، قولُ النَّبِىِّ ﷺ : "بِيعُوا البُرَّ بالشَّعِيرِ كَيْفَ شِئْتُمْ يَدًا بِيَدٍ" (٥). وفى لَفْظٍ: "لَا بَأْسَ بِبَيْعِ البُرِّ بالشَّعِيرِ، والشَّعِيرُ أكْثَرُهُما، يَدًا بِيَدٍ، وأمَّا نَسِيئَةً فلا" (٦)، وفى لَفْظٍ: "فَإِذَا اخْتَلَفَتْ هذه الأصْنَافُ فَبِيعُوا كيف شِئْتُمْ" (٦). وهذا صَريحٌ صَحيحٌ، لا يَجوزُ تَرْكُهُ بغيرِ مُعارِضٍ مِثْلِهِ، ولأنَّهما لم يَشْتَركا فى الاسْمِ الخاصِّ، فلم يكونا جِنْسًا واحِدًا، كالتَّمْرِ، والحِنْطَةِ، ولأنَّهما مُسَمَّيانِ فى الأَصْنافِ السِّتَّةِ، فكانا جِنْسَيْنِ، كسائِرِها. وحَديثُ مَعْمَرٍ لا بُدَّ فيه من إضْمارِ الجِنْسِ، بِدَليلِ سائِرِ أجْناسِ الطَّعامِ، ويَحْتَمِلُ أنَّه أرادَ الطَّعامَ المَعْهودَ عِنْدَهم، وهو الشَّعيرُ، فإنَّه قال فى الخَبَرِ: وكان طعامُنا يَوْمَئِذٍ الشَّعيرَ، ثم لو كان

стр. 2691

عامًّا لوَجَبَ تَقْديمُ الخاصِّ الصَّرِيحِ عليه، وفِعْلُ مَعْمَرٍ وقَوْلُه لا يُعارَضُ به قولُ النَّبِىِّ ﷺ ، وقِياسُهم يَنْتَقِضُ بالذَّهَبِ والفِضَّةِ. فصل: فى الحِنْطَةِ وفُرُوعِها، وفُرُوعُها نَوْعانِ، أحَدُهما، ما ليس فيه غيرُه، كالدَّقيق، والسَّويقِ (٧). والثانى، ما فيه غيرُه، كالخُبْزِ، والهَرِيسَةِ، والفَالُوذَجِ (٨)، والنَّشاءِ، وأَشْبَاهِها. ولا يَجُوزُ بَيْعُ الحِنْطَةِ بشىءٍ من فُروعِها، وهى ثلاثَةُ أقْسامِ: أحَدُها السَّويقُ، فلا يَجوزُ بَيْعُه بالحِنْطَةِ، وبهذا قال الشَّافِعِىُّ، وحُكِىَ عن مالِكٍ، وأبى ثَوْرٍ جَوازُ ذلك، مُتَماثِلًا، ومُتَفاضِلًا. ولنا، أنَّه بَيْعُ الحِنْطَةِ بِبعضِ أجزائِها مُتَفاضِلًا، فلم يَجُزْ، كَبَيْعِ مَكُّوكِ (٩) حِنْطَةٍ بمَكُّوكَىْ دَقيقٍ، ولا سَبيلَ إلى التَّماثُلِ؛ لأنَّ النَّارَ قد أخَذَتْ من أحَدِهما دون الآخَرِ، فأشْبَهَتِ المَقْلِيَّةَ. القسمُ الثانى، ما معه غيرُه، فلا يَجوزُ بَيْعُها به أيضًا. وقال أصحابُ أبى حَنيفَةَ: يَجوزُ ذلك، بِناءً على مسألَةِ مُدِّ عَجْوَةٍ. وسَنَذْكُرُ الدَّليلَ على ذلك إن شاءَ اللهُ تعالى. القسمُ الثالثُ، الدَّقيقُ، فلا يَجوزُ بَيْعُها به فى الصَّحيحِ. وهو مذهبُ سعيدِ بن المُسَيَّبِ، والحَسَنِ، والحَكَمِ، وحَمَّادٍ، والثَّوْرِىِّ، وأبى حَنيفَةَ، ومَكْحُولٍ. وهو المَشْهُورُ عن الشَّافِعِىِّ. وعن أحْمَدَ رِوَايَةٌ أُخْرَى، أنَّه جَائِزٌ. وبهذا قال رَبيعَةُ، ومالِكٌ. وحُكِىَ ذلك عن النَّخَعِىِّ، وقَتادَةَ، وابنِ شُبْرُمَةَ، وإسحاقَ، وأبى ثَوْرٍ؛ لأنَّ الدَّقيقَ نَفْسُ الحِنْطَةِ، وإنَّما تَكَسَّرَتْ أجْزاؤُها، فجازَ بَيْعُ بعضِها بِبعضٍ، كالحِنْطَةِ المُكَسَّرةِ (١٠) بالصِّحاحِ، فعَلَى هذا إنَّما تُبَاعُ الحِنْطَةُ بالدَّقيقِ وَزْنًا؛ لأنَّها قد تَفَرَّقَتْ أجْزاؤُها بالطَّحْنِ وانْتَشَرَتْ، فتأْخُذُ من المِكْيالِ مَكانًا كَبيرًا، والحِنْطَةُ تَأْخُذُ مَكانًا صَغيرًا، والوَزْنُ يُسَوِّى بينهما. وبهذا قال إسحاقُ. ولنا، أنَّ بَيْعَ الحِنْطَةِ بالدَّقيقِ بَيْعٌ لِلْحِنْطَةِ بِجِنْسِها

стр. 2692

مُتَفَاضِلًا، فَحُرِّمَ، كَبَيْعِ مَكِيلَةٍ بمَكِيلَتَيْنِ؛ وذلك لأنَّ الطَّحْنَ قد فَرَّقَ أجْزاءَها. فَيَحْصُلُ فى مِكْيالِها دون ما يَحْصُلُ فى مِكْيالِ الحِنْطَةِ، وإن لم يَتَحَقَّقِ التَّفاضُلُ، فقد جُهِلَ التَّماثُلُ، والجَهْلُ بالتَّماثُلِ كالعِلْمِ بالتَّفاضُلِ فيما يُشترطُ التَّماثُلُ فيه، ولذلك لم يَجُزْ بَيْعُ بَعْضِها بِبَعْضٍ جُزافًا، وتَسَاوِيهِما فى الوَزْنِ لا يَلْزَمُ منه التَّساوِى فى الكَيْلِ، والحِنْطَةُ والدَّقِيقُ مَكِيلَانِ؛ لأنَّ الأَصْلَ الكَيْلُ، ولم يُوجَدْ ما ينقل عنه، ولأنَّ الدَّقيقَ يُشْبِهُ المَكِيلاتِ، فكان مَكيلًا، كالحِنْطَةِ، ثم لو كان مَوْزونًا، لم يَتَحَقَّقِ التَّساوِى بين المَكيلِ والمَوْزونِ؛ لأنَّ المَكيلَ لا يُقَدَّرُ بالوَزْنِ، كما لا يُقَدَّرُ المَوْزونُ بالكَيْلِ. فصل: فأمَّا بَيْعُ بَعْضِ فُروعِها بِبعضٍ، فيَجوزُ بَيْعُ كلِّ واحِدٍ من الدَّقيقِ والسَّويقِ بِنَوْعِه مُتَساوِيًا، وبه قال أبو حنيفةَ. والمَشْهورُ عن الشَّافِعِىِّ المَنْعُ من ذلك؛ لأنَّه يَعْتَبِرُ تَساوِيَهما حالةَ الكَمالِ، وهو حالُ كَوْنِها حِنْطَةً، وقد فاتَ ذلك؛ لأنَّ أحَدَ الدَّقيقَيْنِ قد يكونُ من حِنْطَةٍ رَزينَةٍ، والآخَرَ من حِنْطَةٍ (١١) خَفيفَةٍ، فَيَسْتَويانِ دَقيقًا، ولا يَسْتَويانِ حِنْطَةً. ولنا، أنَّهما تَساويا حالَ العَقْدِ على وَجْهٍ لا يَنْفَرِدُ أحَدُهُما بالنُّقْصانِ، فجازَ، كَبَيْعِ التَّمْرِ بالتَّمْرِ. إذا ثَبَتَ هذا، فإنَّما يُباعُ بعضُه بِبعضٍ كَيْلًا؛ لأنَّ الحِنْطَةَ مَكيلَةٌ، ولم يُوجَدْ فى الدَّقيقِ والسَّويقِ ما يَنْقُلُهُما عن ذلك. ويُشْتَرَطُ أن يَتَساوَيا فى النُّعُومَةِ. ذَكَرَهُ أبو بكْرٍ، وغيرُه من أصحابِنا. وهو مذهبُ أبى حنيفةَ؛ لأنَّهما إذا تَفاوتا فى النُّعُومَةِ تفاوَتا فى ثانى الحالِ، فيَصيرُ كَبَيْعِ الحِنْطَةِ بالدَّقيقِ. وذَكَرَ القاضى أنَّ الدَّقيقَ يُباعُ بالدَّقيقِ وَزْنًا. ولا وَجْهَ له، وقد سَلَّمَ فى السَّويقِ أنَّه يُباعُ بالكَيْلِ، والدَّقيقُ مِثْلُه. فأمَّا بَيْعُ الدَّقيقِ بالسَّويقِ، فالصَّحيحُ أنَّه لا يَجوزُ. وهو مذهبُ الشَّافِعِىِّ. ورُوِىَ عن أحْمَدَ، أنَّه يَجوزُ؛ لأنَّ كلَّ واحِدٍ منهما أجْزاءُ حِنْطَةٍ ليس معه غيرُه، فأَشْبَهَ الدَّقيقَ بالدَّقيقِ، والسَّويقَ بالسَّويقِ. ولنا، أنَّ النَّارَ قد أخَذَتْ من أحَدِهِمَا، فلم يَجُزْ بَيْعُ بَعضِه بِبعضٍ، كالمَقْلِيَّةِ

стр. 2693

بالنِّيئَةِ. وَرُوِىَ عن مالِكٍ، وأبى يوسفَ، ومحمدٍ، وأبى ثَوْرٍ، أنَّه لا بَأْسَ بِبَيْعِ الدَّقيقِ بالسَّويقِ مُتَفاضِلًا؛ لأنَّهما جِنْسانِ. ولنا، أنَّهما أَجْزاءُ جِنْسٍ واحِدٍ، فلم يَجُزِ التَّفاضُلُ بينهما، كالدَّقيقِ مع الدَّقيقِ، والسَّويقِ مع السَّويقِ (١٢). فصل: فأمَّا ما فيه غيرُه، كالخُبْزِ، وغيرِه، فهو نَوْعانِ؛ أحَدُهُما، أن يكونَ ما فيه مِنْ غيرِه غيرَ مَقْصودٍ فى نَفْسِه، إنَّما جُعِلَ فيه (١٣) لِمَصْلَحَتِه، كالخُبْزِ والنَّشَاءِ، فيَجُوزُ بَيْعُ كلِّ واحِدٍ منهما بِنَوْعِه، إذا تَساويا فى النَّشافَةِ، والرُّطوبَةِ. ويُعْتَبَرُ التَّساوِى فى الوَزْنِ؛ لأنَّه يُقَدَّرُ به فى العادَةِ، ولا يُمْكِنُ كَيْلُه. وقال مالِكٌ: إذا تَحَرَّى أن يكونَ مِثْلًا بمِثْلٍ، فلا بَأْسَ به، وإن لم يُوزَنْ. وبه قال الأَوْزاعِىُّ، وأبو ثَوْرٍ. وحُكِىَ عن أبى حنيفةَ: لا بأْسَ به قُرْصًا بِقُرْصَيْنِ. وقال الشَّافِعِىُّ: لا يجوزُ بَيْعُ بَعضِه بِبعضٍ بِحالٍ، إلَّا أن يَيْبَسَ، ويُدَقَّ دَقًّا نَاعِمًا، ويُباعَ بالكَيْلِ، ففيه قَوْلَانِ؛ لأنَّه مَكيلٌ يَجِبُ التَّساوِى فيه، ولا يُمْكِنُ كَيْلُه، فتَعَذَّرَتِ المُساواةُ فيه، ولأنَّ فى كلِّ واحِدٍ منهما من غيرِ جِنْسِه، فلم يَجُزْ بَيْعُه به (١٣)، كالمَغْشُوشِ من الذَّهَبِ والفِضَّةِ، وغَيْرِهما. ولنا، على وُجُوبِ التَّساوِى، أنَّه مَطْعُومٌ مَوْزونٌ، فَحُرِّمَ التَّفاضُلُ فيهما، كاللَّحْمِ، واللَّبَنِ، ومتى وَجَبَ التَّساوِى، وَجَبَتْ مَعْرِفَةُ حَقِيقَةِ التَّساوِى فى المِعْيارِ الشَّرْعِىِّ، كالحِنْطَةِ بالحِنْطَةِ، والدَّقيقِ بالدَّقيقِ. ولنا على الشَّافِعِىِّ، أنَّ مُعْظَمَ نَفْعِه فى حالِ رُطوبَتِه، فجازَ بَيْعُه به، كاللَّبَنِ باللَّبَنِ. ولا يَمْتَنِعُ أن يكونَ مَوْزونًا، أصْلُه غيرُ مَوْزونٍ، كاللَّحْمِ، والأَدْهانِ. ولا يَجوزُ بَيْعُ الرَّطْبِ باليابِسِ؛ لانْفِرادِ أحَدِهِما بالنَّقْصِ فى ثانى الحالِ، فأشْبَهَ الرُّطَبَ بالتَّمْرِ. ولا يَمْنَعُ زِيادَةُ أخْذِ النَّارِ من أحَدِهما أكْثَرَ من الآخَرِ حالَ رُطوبَتِهما إذا لم يَكْثُرْ؛ لأنَّ ذلك يَسِيرٌ، ولا يمْكِنُ التَّحَرُّزُ منه، أشْبَهَ بَيْعَ الحَديثَةِ بالعَتيقَةِ. ولا يَلْزَمُ ما فيه

стр. 2694

من المِلْحِ والماءِ؛ لأنَّ ذلك ليس بمَقْصودٍ فيه، ويُرادُ لِمَصْلَحَتِه، فهو كالمِلْحِ فى الشَّيْرَجِ. وإن يَبِسَ الخُبْزُ، فدُقَّ، وجُعِلَ فَتِيتًا، بيعَ بمِثْلِه كَيْلًا؛ لأنَّه أمْكَنَ كَيْلُه، فَرُدَّ إلى أصْلِه. وقال ابنُ عَقِيلٍ: فيه وجْهٌ آخَرُ، أنَّه يُباعُ بالوَزْنِ؛ لأنَّه انتقَلَ إليه. النَّوْعُ الثانى، ما فيه غيرُه ممَّا هو مَقصودٌ، كالهَرِيسَةِ، والخَزِيرَةِ (١٤)، والفَالُوذَجِ، وخُبْزِ الأبازِيرِ، والخُشْكَنَانَجِ (١٥)، والسَّنْبُوسَكِ (١٦)، ونحوِه، فلا يَجوزُ بَيْعُ بَعضِه بِبعضٍ، ولا بَيْعُ نَوْعٍ بِنَوْعٍ آخَرَ؛ لأنَّ كلَّ واحِدٍ منهما يَشْتَمِلُ على ما ليس من جِنْسِه، وهو مَقْصُودٌ، كاللَّحْمِ فى الهَرِيسَةِ، والعَسَلِ فى الفَالُوذَجِ والماءِ، والدُّهْنِ فى الخَزِيرَةِ. ويَكْثُرُ التَّفاوُتُ فى ذلك، فلا يَتَحَقَّقُ التَّماثُلُ فيه. وإذا لم يُمكِنِ التَّماثُلُ فى النَّوْعِ الواحِدِ، ففى النَّوْعَيْنِ أَوْلَى. فصل: والحُكْمُ فى الشَّعيرِ وسائِرِ الحُبوبِ كالحُكْمِ فى الحِنْطَةِ. ويجوزُ بَيْعُ الحِنْطَةِ والمَصْنوعِ منها بغيرِها من الحُبوبِ والمَصْنوعِ منها؛ لِعَدَمِ اشْتِراطِ المُماثَلَةِ بينهما. واللهُ أعْلَمُ. ٧١١ - مسألة؛ قال: (وسَائِرُ اللُّحْمَانِ جِنْسٌ واحِدٌ) أرادَ جَميعَ اللَّحْمِ، وجمَعَهُ -وهو اسْمُ جِنْسٍ- لاخْتِلافِ أَنْواعِهِ. ظَاهِرُ كَلامِ الخِرَقِىِّ، أنَّ اللَّحْمَ كُلَّه جِنْسٌ واحِدٌ، وذَكَرَهُ أبو الخَطَّابِ، وابنُ عَقِيلٍ، رِوايَةً عَن أحمدَ. وهو قولُ أبِى ثَوْرٍ، وأحدُ قَوْلَىِ الشَّافِعِىِّ. وأنْكَرَ القاضى أبو يَعْلَى كَوْنَ هذا رِوايَةً عن أحمدَ، وقال: الأَنْعامُ، والوُحوشُ، والطَّيْرُ، ودَوابُّ الماءِ، أجْناسٌ يَجوزُ التَّفاضُلُ فيهِا رِوايَةً وَاحِدَةً، وإنَّما فى اللَّحْمِ رِوايَتانِ؛ إحداهُما، أنَّه أرْبَعَةُ أجْناسٍ، كما ذَكَرْنَا. وهو مذهبُ مالِكٍ، إلَّا أنَّه يَجْعَلُ الأَنْعَامَ، والوَحْشَ

стр. 2695

جِنْسًا واحِدًا، فيكونُ عنده ثَلاثَةُ أصْنافٍ. والثانيةُ، أنَّه أَجْناسٌ باخْتِلافِ أُصولِهِ، وهو قولُ أبى حنيفةَ، وأحدُ قَوْلَىِ الشَّافِعِىِّ، وهى أصَحُّ؛ لأنَّها فُروعُ أصولٍ هى أجْناسٌ، فكانت أجناسًا، كالأَدِقَّةِ، والأخْبازِ. وهذا اخْتِيارُ ابنِ عَقِيلٍ. واخْتِيَارُ القَاضِى أنَّها أَرْبَعَةُ أجْناسٍ. وحَمَلَ كَلامَ الخِرَقِىِّ عليها، واحْتَجَّ بأنَّ لَحْمَ هذه الحَيَواناتِ تَخْتَلِفُ المَنْفَعَةُ بها، والقَصْدُ إلى أَكْلِها، فكانت أجْناسًا. وهذا ضَعِيفٌ جدًّا؛ لأنَّ كَوْنَها أَجناسًا لَا يُوجِبُ حَصْرَها فى أَرْبَعَةِ أجْناسٍ، ولا نَظِيرَ لهذا، فَيُقاسُ عليه. ولا يَصِحُّ حَمْلُ كَلامِ الخِرَقِىِّ عليه؛ لِعَدَمِ احْتِمالِ لَفْظِه له، وتَصْرِيحِه فى الأَيْمَانِ بأنَّه إذا حَلَفَ لا يَأْكُلُ لَحْمًا فأكَلَ من لَحْمِ الأَنْعامِ، أو الطَّائِرِ، أو السَّمَكِ، حَنِثَ. فيَتَعَيَّنُ حَمْلُ كَلامِه على عُمومِهِ فى أنَّ جَميعَ اللَّحْمِ جِنْسٌ؛ لأنَّه اشْتَرَكَ فى الاسْمِ الواحِدِ حالَ حُدُوثِ الرِّبَا فيه، فكان جِنْسًا واحِدًا، كالطَّلْعِ، والصَّحِيحُ أنَّه أجْناسٌ باخْتِلافِ أُصولِه. وهذا الدَّلِيلُ يَنْتَقِضُ بالتَّمْرِ الهِنْدِىِّ والتَّمْرِ البَرْنِىِّ، وعَسَلِ القَصَبِ وعَسَلِ النَّحْلِ، وغيرِ ذلك. فعلى هذا، لَحْمُ الإِبِلِ كُلُّه صِنْفٌ، بَخاتيها وعِرابِها (١)، والبقرُ عِرابُها وجَوامِيسُها صِنْفٌ، والغَنَمُ ضَأْنُها ومَعْزُها صنْفٌ. ويَحْتَمِلُ أنْ يَكُونا صِنْفَيْنِ؛ لأنَّ اللهَ تَعَالَى سَمَّاها فى الأَزْواجِ الثَّمانِيَةِ فقال: ﴿ثَمَانِيَةَ أَزْوَاجٍ مِنَ الضَّأْنِ اثْنَيْنِ وَمِنَ الْمَعْزِ اثْنَيْنِ﴾ (٢). فَفَرَّقَ بينهما، كما فَرَّق بين الإِبِلِ والبَقَرِ، فقال: ﴿وَمِنَ الْإِبِلِ اثْنَيْنِ وَمِنَ الْبَقَرِ اثْنَيْنِ﴾ (٣). والوَحْشُ أصْنافٌ؛ بَقَرها صِنْفٌ، وغَنَمُها صِنْفٌ، وظِباؤُها صِنْفٌ، وكُلُّ ما لَه اسْمٌ يَخُصُّه فهو صِنْفٌ. والطُّيُورُ أَصْنافٌ، كلُّ ما انْفَرَدَ باسْمٍ وَصِفَةٍ فهو صِنْفٌ، فيُباعُ لَحْمُ صِنْفٍ بِلَحْمِ صِنْفٍ آخَرَ، مُتَفاضِلًا ومُتَماثِلًا، ويُباعُ بِصِفَةٍ مُتماثِلًا، ومن جَعَلَها صِنْفًا واحِدًا لم يَجُزْ عنده بَيْعُ لَحْمٍ بِلَحْمٍ، إلَّا مُتَماثِلًا.

стр. 2696

٧١٢ - مسألة؛ قال: (لَا يَجُوزُ بَيْعُ بَعْضِه بِبَعْضٍ رَطْبًا. وَيَجُوزُ إذَا تَنَاهَى جَفَافُه مِثْلًا بمِثْلٍ) اخْتارَ الخِرَقِىُّ أنَّه لا يُباعُ بَعْضُه بِبَعْضٍ، إلَّا فى حال جَفافِه وذَهابِ رُطُوبَتِه كلِّها. وهو مذهبُ الشَّافِعِىِّ. وذهَبَ أبو حَفصٍ فى "شَرْحِهِ" إلى هذا. قال القاضِى: والمذهبُ: جَوازُ بَيْعهِ، ونَصَّ عليه. وقَوْلُه، فى الرُّطَبِ بالرُّطَبِ بجَوازِ البَيْعِ يُنَبِّهُ على إباحَةِ بَيْعِ اللَّحْمِ باللَّحْمِ (١)، من حيثُ كان اللَّحْمُ، حالَ كَمالِه ومُعْظَمَ نَفْعِه، فى حال رُطُوبَتِه دون حالِ يُبْسه، فجَرَى مَجْرَى اللَّبَنِ (٢) بخِلافِ الرُّطَبِ؛ فإنَّ حالَ كَمالِه ومُعْظَمَ نَفْعِه فى حال يُبْسِه، فإذا جازَ فيه البَيْعُ، ففى اللَّحْمِ أَوْلَى، ولأنَّه قَصَدَ (٣) التَّماثُلَ فيهما فى الحالِ على وَجْهٍ لا يَنْفَرِدُ أحَدُهُما بالنَّقْصِ، فجازَ كَبَيْعِ اللَّبَنِ باللَّبَنِ. فأمَّا بَيْعُ رَطْبِهِ بِيابِسِه، أو نِيئهِ بمَطْبُوخِه أو مَشْوِيِّهِ، فغيرُ جائِزٍ؛ لِانْفِرادِ أحَدِهِما بالنَّقْصِ فى الثانى، فلم يَجُزْ، كالرُّطَبِ بالتَّمْرِ. فصل: قال القاضِى: ولا يجوزُ بَيْعُ بَعْضِه بِبَعْضٍ إلَّا مَنْزُوعَ العِظامِ، كما لا يجوزُ بَيْعُ العَسَلِ بالعَسَلِ إلَّا بعد التَّصْفِيَةِ. وهذا أحَدُ الوَجْهَيْنِ لأصْحابِ الشَّافِعِىِّ. وكلامُ أحمدَ، ﵀، يَقْتَضِى الإِباحَةَ مِن غيرِ نَزْعِ عِظامِه ولا جَفافِه، قال فى رِوايَةِ حَنْبَلٍ: إذا صارَ إلى الوَزْنِ مِثْلًا بمِثْلٍ، رِطْلًا بِرِطْلٍ. فأَطْلَقَ ولم يَشْتَرِطْ شَيْئًا؛ وذلك لأنَّ العَظْمَ تَابِعٌ لِلَّحْمِ بِأَصْلِ الخِلْقَةِ، فلم يَشْتَرِطْ نَزْعَهُ، كالنَّوى فى التَّمْرِ. وفارَقَ العَسَلَ، من حيث إنَّ اخْتِلاطَ الشَّمْعِ بالعَسَلِ من فِعْلِ النَّحْلِ، لا من أصْلِ الخِلْقَةِ. فصل: واللَّحْمُ والشَّحْمُ جِنْسانِ. والكَبِدُ صِنْفٌ. [والطِّحالُ صِنْفٌ] (٤).

стр. 2697

والقَلْبُ صِنْفٌ، والمُخُّ صِنْفٌ. ويَجوزُ بَيْعُ كُلِّ (٥) صِنْفٍ بِصِنْفٍ آخَرَ مُتَفاضِلًا. وقال القاضى: لا يجوزُ بَيْعُ اللَّحْمِ بالشَّحْمِ. وكَرِهَ مالِكٌ ذلك، إلَّا أن يَتَماثلا. وظاهِرُ المذهبِ، إباحَةُ البَيْعِ فيهما مُتَماثِلًا ومُتَفاضِلًا، وهو قولُ أبى حنيفةَ، والشَّافِعِىِّ؛ لأنَّهما جِنْسانِ، فجازَ التَّفاضُلُ فيهما كالذَّهَبِ بالفِضَّةِ (٦). وإن مَنَعَ منه لِكَوْنِ اللَّحْمِ لا يَخْلُو من شَحْمٍ لم يَصِحَّ؛ لأنَّ الشَّحْمَ لا يَظْهَرُ، وإن كان فيه شَىءٌ فهو غيرُ مَقْصُودٍ، فلا يَمْنَعُ البَيْعَ، ولو مَنَعَ لذلك، لم يَجُزْ بَيْعُ لَحْمٍ بِلَحْمٍ؛ لِاشْتِمالِ كلِّ واحِدٍ منهما على ما ليس من جِنْسِه. ثم لا يَصِحُّ هذا عند القاضِى؛ لأنَّ السَّمِينَ الذى يكونُ مع اللَّحْمِ لَحْمٌ عنده، فلا يَتَصَوَّرُ اشْتِمالَ اللَّحْمِ على الشَّحْمِ. وذَكَرَ القاضى أنَّ اللَّحْمَ الأَبْيَضَ الذى على ظَاهِرِ اللَّحْمِ الأَحْمَرِ، [هو والأَحْمَرُ] (٧) جِنْسٌ واحِدٌ، وأنَّ الأَلْيَةَ والشَّحْمَ جِنْسَانِ. وظاهِرُ كلامِ الخِرَقِىِّ خِلافُ هذا؛ لِقَوْلِهِ: إنَّ اللَّحْمَ لا يَخْلُو من شَحْمٍ، ولو لم يكن هذا شَحْمًا لم يَخْتَلِطْ لَحْمٌ بِشَحْمٍ، فعَلَى هذا (٨)، كلُّ أَبْيَضَ فى الحَيَوانِ يَذُوبُ بالإِذابَةِ ويَصِيرُ دُهْنًا، فهو جِنْسٌ واحِدٌ. وهذا أصَحُّ؛ لِقَوْلِه تعالى: ﴿حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ شُحُومَهُمَا إِلَّا مَا حَمَلَتْ ظُهُورُهُمَا﴾ (٩). فاسْتَثنى ما حَمَلَتِ الظُّهُورُ من الشَّحْمِ، ولأنَّه يُشْبِهُ الشَّحْمَ فى ذَوْبِه ولَوْنِه ومَقْصِدِه، فكان شَحْمًا، كالذى فى البَطْنِ. فصل: وفى اللَّبَنِ رِوايَتانِ؛ إحْداهُما، هو جِنْسٌ واحِدٌ؛ لِمَا ذَكَرْنا فى اللَّحْمِ. والثانيةُ، هو أجْناسٌ باخْتِلافِ أُصُولِه كاللَّحْمِ. وهذا مذهبُ الشَّافِعِىِّ. وبه قال مالِكٌ؛ لأنَّ الأَنْعامَ كُلَّها جِنْسٌ واحِدٌ. وقال ابنُ عَقِيلٍ: لَبَنُ البَقَرِ الأهْلِيَّةِ والوَحْشِيَّةِ

стр. 2698

جِنْسٌ واحِدٌ على الرِّواياتِ كلِّها؛ لأنَّ اسْمَ البَقَرِ يَشْمَلُهُما. ولَيْسَ بِصَحِيحٍ؛ لأنَّ لَحْمَهُما (١٠) جِنْسَانِ، فكان لَبَنُهُما (١١) جِنْسَيْنِ، كالإِبِلِ والبَقَرِ. ويَجُوزُ بَيْعُ اللَّبَنِ بغير جِنْسِه، مُتَفاضِلًا، وكيف شَاءَ، يَدًا بيَدٍ، وبِجنْسِه (١٢) مُتَماثِلًا كَيْلًا. قال القاضِى: هو مَكِيلٌ لا يُباعُ إلَّا بالكَيْلِ؛ لأنَّه العادَةُ فيه. ولا فَرْقَ بين أنْ يكونا حَلِيبَيْنِ أو حامِضَيْنِ، أو أحَدُهُما حَلِيبٌ، والآخَرُ حامِضٌ؛ لأنَّ تَغْيِيرَ الصِّفَةِ لا يَمْنَعُ جَوَازَ البَيْعِ، كالجَوْدَةِ والرَّداءَةِ. وإنْ شِيبَ أحَدُهُما بماءٍ، أو غيرِه، لم يَجُزْ بَيْعُه بِخالِصٍ ولا بِمَشُوبٍ من جِنْسِه؛ لأنَّ معه مِن غيرِ جِنْسِه لغيرِ مَصْلَحَتِهِ (١٣). فصل: ويَتَفرَّعُ من اللَّبَنِ قِسْمَانِ؛ ما ليس فيه غيرُه كالزُّبْدِ، والسَّمْنِ، والمَخِيضِ، واللِّبَأِ (١٤). وما فيه غيرُه. وكِلاهُما لا يَجوزُ بَيْعُه باللَّبَنِ؛ لأنَّه مُسْتَخْرَجٌ من اللَّبَنِ، فلم يَجُزْ بَيْعُه بأَصْلِه الذى فيه منه، كالحَيوانِ باللَّحْمِ، والسِّمْسِمِ بالشَّيْرَجِ. وهذا مذهبُ الشَّافِعِىِّ. وعن أحمدَ، أنَّه يجوزُ بَيْعُ اللَّبَنِ بالزُّبْدِ، إذا كان الزُّبْدُ المُنْفَرِدُ أَكْثَرَ من الزُّبدِ فى اللَّبَنِ. وهذا يَقْتَضِى جَوازَ بَيْعِه به مُتَفَاضِلًا، ومَنْعَ جَوازِهِ مُتَماثِلًا. قال القاضِى: وهذه الرِّوايةُ لا تَخْرُجُ على المذهبِ؛ لأنَّ الشَّيْئَيْنِ إذا دَخَلَهُما الرِّبَا، لم يَجُزْ بَيْعُ أحَدِهِما بالآخَرِ، ومعه من غيرِ جِنْسِه، كَمُدِّ عَجْوَةٍ ودِرْهَمٍ بِمُدَّيْنِ. والصَّحِيحُ أنَّ هذه الرِّوايَةَ دالَّةٌ على جَوازِ البَيْعِ فى مَسْأَلَةِ مُدِّ عَجْوَةٍ، وكونُها مُخالِفَةً لِرِواياتٍ أُخَرَ لا يَمْنَعُ كَوْنَها رِوايَةً، كسائِرِ الرِّوايَاتِ المخالِفَةِ لغيرِها، لكنَّها مُخَالِفَةٌ لِظاهِرِ المذهبِ. والحُكْمُ فى السَّمْنِ كالحُكْمِ فى الزُّبْدِ. وأمَّا اللَّبَنُ بالمَخِيضِ الذى فيه زُبْدُه، فلا يجُوزُ. نَصَّ عليه أحمدُ، فقال: اللَّبَنُ بالمَخِيضِ لا خَيْرَ فيه. ويَتَخَرَّجُ الجَوازُ كالتى قَبْلَها،

стр. 2699

وأمَّا اللَّبَنُ باللِّبَأِ، فإن كان قَبْلَ أن تَمَسَّهُ النارُ، جازَ مُتَماثِلًا؛ لأنَّه لَبَنٌ بِلَبَنٍ. وإن مَسَّتْهُ النارُ لم يَجُزْ. وذَكَرَ القاضِى وَجْهًا، أنَّه يَجوزُ، وليس بِصَحِيحٍ؛ لأنَّ النارَ عَقَدَتْ أجْزاءَ أحَدِهما، وذَهَبَتْ بِبَعْضِ رُطُوبَتِه، فلم يَجُزْ بَيْعُهُ بما لم تَمَسَّه النارُ، كالخُبْزِ بالعَجِينِ، والمَقْلِيَّةِ بالنّيئَةِ. وهذا مذهبُ الشَّافِعِىِّ. وأمّا بَيْعُ النَّوْعِ من فُرُوعِ اللَّبَنِ بِنَوْعِه، فما فيه خِلْطٌ من غير اللَّبَنِ، كالكِشْكِ والكامَخِ (١٥)، ونحوِهما، لا يجوزُ [بَيْعُ ذلك] (١٦) بِنَوْعِه ولا بغيرِه؛ لأنَّه مُخْتَلِطٌ بغيرِه، فهو كَمسْأَلَةِ مُدِّ عَجْوَةٍ، وما ليسَ فيه غيرُه، أو فيه غيرُه، إلَّا أنَّ ذلك الغَيْرَ لِمَصْلَحَتِه، فيجوزُ بَيْعُ كلِّ نَوْعٍ منه بعضِه بِبَعْضٍ إذا تَساوَيا فى النَّشافَةِ والرُّطُوبَةِ، فيَبِيعُ المَخِيضَ بالمَخِيضِ، واللِّبأَ باللِّبأِ، والجُبْنَ بالجُبْنِ، والمَصْلَ (١٧) بالمَصْلِ، والأَقِطَ بالأَقِطِ، والزُّبْدَ بالزُّبْدِ، والسَّمْنَ بالسَّمْنِ، مُتَساوِيًا. ويُعْتَبَرُ التَّساوِى بين الأَقِطِ بالأَقِطِ (١٨) بالكَيْلِ؛ لأنَّه قُدِّرَ بالصَّاعِ فى صَدَقَةِ الفِطْرِ، وهو يُشْبِهُ المَكِيلاتِ، وكذلك المَصْلُ والمَخِيضُ. ويُباعُ الخُبْزُ بالخُبْزِ بالوَزْنِ؛ لأنه مَوْزُونٌ ولا يمكن كَيْلُه، فأَشْبَهَ الخُبْزَ. وكذلك الزُّبْدُ والسَّمْنُ. ويَتَخَرَّجُ أن يُباعَ السَّمْنُ بالكَيْلِ. ولا يُباع ناشِفٌ من ذلك بِرَطْبٍ، كما لا يباع الرُّطَبُ بالتَّمْرِ، ويَحْتَمِلُ كَلامُ الخِرَقِىِّ أن لا يُباعَ رَطْبٌ من ذلك بِرَطْبٍ [كَما فى اللَّحْمِ] (١٩). وأمَّا بَيْعُ ما نُزِعَ من اللَّبَنِ بِنَوْعٍ آخَرَ، كالزُّبْدِ، والسَّمْنِ، والمَخِيضِ، فظَاهِرُ المذهبِ، أنَّه يجوزُ بَيْعُ الزُّبْدِ والسَّمْنِ بالمَخِيضِ، مُتَماثِلًا ومُتَفَاضِلًا؛ لأنَّهما جِنْسانِ، وذلك؛ لأنَّهما شَيْئانِ من أَصْلٍ واحِدٍ، أَشْبَها اللَّحْمَ بالشَّحْمِ. ومِمَّنْ أجازَ بَيْعَ الزُّبْدِ بالمَخِيضِ الثَّوْرِىُّ، والشَّافِعِىُّ، وإسْحاقُ. ولأنَّ اللَّبَنَ الذى فى الزُّبْدِ غيرُ مَقْصُودٍ، وهو يَسِيرٌ، فأَشْبَه

стр. 2700

المِلْحَ فى الشَّيْرَجِ. وبَيْعُ السَّمْنِ بالمَخِيضِ، أَوْلَى بالجَوازِ؛ لِخُلُوِّ السَّمْنِ من المَخِيضِ. ولا يجوزُ بَيْعُ الزُّبْدِ بالسَّمْنِ؛ لأنَّ فى الزُّبْدِ لَبَنًا يَسِيرًا، ولا شَىْءَ فى السَّمْنِ، فَيَخْتَلُّ التَّماثُلُ، ولأنَّه مُسْتَخْرَجٌ من الزُّبْدِ، فلم يَجُزْ بَيْعُه به، كالزَّيْتُونِ بالزَّيْتِ. وهذا مذهبُ الشَّافِعِىِّ. وقال القاضِى: عندى يجوزُ؛ لأنَّ اللَّبَنَ فى الزُّبْدِ غيرُ مَقْصودٍ، فَوُجُودُه كَعَدَمِه، ولذلك جَازَ بَيْعُه بالمَخِيضِ وبِزُبْدٍ مثله. وهذا لا يَصِحُّ؛ لأنَّ التَّماثُلَ واجِبٌ بينهما، وانْفِرادُ أحَدِهِما بِوُجُودِ اللَّبَنِ فيه، يُخِلُّ بالتَّماثُلِ، فلم يَجُزْ بَيْعُه به، كَتَمْرٍ مَنْزُوعِ النَّوَى بِتَمْرٍ فيه نَواهُ، ولأنَّ أحَدَهُما يَنْفَرِدُ برُطُوبَةٍ لا تُوجَدُ فى الآخَرِ، فأشْبَه الرُّطَبَ بالتَّمْرِ، والعِنَبَ بالزَّبِيبِ، وكلَّ رَطبٍ بِيابِسٍ من جِنْسِه. ولا يجوزُ بَيْعُ شَىْءٍ من الزُّبْدِ والسَّمْنِ والمَخِيضِ بشىءٍ من أنْواعِ اللَّبَنِ، كالجُبْنِ واللِّبَأِ ونَحْوِهِما؛ لأنَّ هذه الأَنْواعَ لم يُنْتَزَعْ منها شَىْءٌ، فيكونُ حُكْمُها حكمَ اللَّبَنِ الذى فيه زُبْدُه، فلم يَجُزْ بَيْعُها، كَبَيْعِ اللَّبَنِ بها. وأمَّا بَيْعُ الجُبْنِ بالأَقِطِ، فلا يجوزُ مع رُطُوبَتِهِما، أو رُطُوبَةِ أحَدِهِما، كما لا يَجُوزُ بَيْعُ الرُّطَبِ بالتَّمْرِ. وإنْ كانا يابِسَيْنِ احْتَمَلَ أنْ لا يجوزَ أيضًا؛ لأنَّ الجُبْنَ مَوْزُونٌ والأقِطَ مَكِيلٌ، فلم يَجُزْ بَيْعُ أحَدِهِمَا بالآخَرِ، كالخُبْزِ بالدَّقِيقِ، ويَحْتَملُ الجَوازَ، إذا تَماثَلا، كَبَيْعِ الخُبْزِ بالخُبْزِ. ٧١٣ - مسألة؛ قال: (ولَا يَجُوزُ بَيْعُ اللَّحْمِ بالْحَيَوانِ) لا يَخْتَلِفُ المذهبُ أنَّه لا يجوزُ بَيْعُ اللَّحْمِ بحَيَوانٍ من جِنْسِه. وهو مذهبُ مالِكٍ، والشَّافِعِىِّ، وقولُ فُقهاءِ المَدِينَةِ السَّبْعَةِ. وحُكِىَ عن مالِكٍ، أنَّه لا يجوزُ بَيْعُ اللَّحْمِ بحَيَوانٍ مُعَدٍّ لِلَّحْمِ، ويجوزُ بِغَيْرِه. وقال أبو حنيفةَ: يَجُوزُ مُطْلَقًا؛ لأنَّه باعَ مالَ الرِّبَا بما لا رِبَا فيه، أشْبَه بَيْعَ اللَّحْمِ بالدَّراهِمِ، أو بِلَحْمٍ من غير جِنْسِه. ولنا، ما رُوِىَ أنَّ النَّبِىَّ ﷺ نَهَى عَنْ بَيْعِ اللَّحْمِ بالحَيَوانِ. رواه مالِكٌ فى المُوَطَّأِ (١)،
следующие страницы →