٧١٢ - مسألة؛ قال: (لَا يَجُوزُ بَيْعُ بَعْضِه بِبَعْضٍ رَطْبًا. وَيَجُوزُ إذَا تَنَاهَى جَفَافُه مِثْلًا بمِثْلٍ)
اخْتارَ الخِرَقِىُّ أنَّه لا يُباعُ بَعْضُه بِبَعْضٍ، إلَّا فى حال جَفافِه وذَهابِ رُطُوبَتِه كلِّها. وهو مذهبُ الشَّافِعِىِّ. وذهَبَ أبو حَفصٍ فى "شَرْحِهِ" إلى هذا. قال القاضِى: والمذهبُ: جَوازُ بَيْعهِ، ونَصَّ عليه. وقَوْلُه، فى الرُّطَبِ بالرُّطَبِ بجَوازِ البَيْعِ يُنَبِّهُ على إباحَةِ بَيْعِ اللَّحْمِ باللَّحْمِ (١)، من حيثُ كان اللَّحْمُ، حالَ كَمالِه ومُعْظَمَ نَفْعِه، فى حال رُطُوبَتِه دون حالِ يُبْسه، فجَرَى مَجْرَى اللَّبَنِ (٢) بخِلافِ الرُّطَبِ؛ فإنَّ حالَ كَمالِه ومُعْظَمَ نَفْعِه فى حال يُبْسِه، فإذا جازَ فيه البَيْعُ، ففى اللَّحْمِ أَوْلَى، ولأنَّه قَصَدَ (٣) التَّماثُلَ فيهما فى الحالِ على وَجْهٍ لا يَنْفَرِدُ أحَدُهُما بالنَّقْصِ، فجازَ كَبَيْعِ اللَّبَنِ باللَّبَنِ. فأمَّا بَيْعُ رَطْبِهِ بِيابِسِه، أو نِيئهِ بمَطْبُوخِه أو مَشْوِيِّهِ، فغيرُ جائِزٍ؛ لِانْفِرادِ أحَدِهِما بالنَّقْصِ فى الثانى، فلم يَجُزْ، كالرُّطَبِ بالتَّمْرِ.
فصل: قال القاضِى: ولا يجوزُ بَيْعُ بَعْضِه بِبَعْضٍ إلَّا مَنْزُوعَ العِظامِ، كما لا يجوزُ بَيْعُ العَسَلِ بالعَسَلِ إلَّا بعد التَّصْفِيَةِ. وهذا أحَدُ الوَجْهَيْنِ لأصْحابِ الشَّافِعِىِّ. وكلامُ أحمدَ، ﵀، يَقْتَضِى الإِباحَةَ مِن غيرِ نَزْعِ عِظامِه ولا جَفافِه، قال فى رِوايَةِ حَنْبَلٍ: إذا صارَ إلى الوَزْنِ مِثْلًا بمِثْلٍ، رِطْلًا بِرِطْلٍ. فأَطْلَقَ ولم يَشْتَرِطْ شَيْئًا؛ وذلك لأنَّ العَظْمَ تَابِعٌ لِلَّحْمِ بِأَصْلِ الخِلْقَةِ، فلم يَشْتَرِطْ نَزْعَهُ، كالنَّوى فى التَّمْرِ. وفارَقَ العَسَلَ، من حيث إنَّ اخْتِلاطَ الشَّمْعِ بالعَسَلِ من فِعْلِ النَّحْلِ، لا من أصْلِ الخِلْقَةِ.
فصل: واللَّحْمُ والشَّحْمُ جِنْسانِ. والكَبِدُ صِنْفٌ. [والطِّحالُ صِنْفٌ] (٤).
стр. 2697
والقَلْبُ صِنْفٌ، والمُخُّ صِنْفٌ. ويَجوزُ بَيْعُ كُلِّ (٥) صِنْفٍ بِصِنْفٍ آخَرَ مُتَفاضِلًا. وقال القاضى: لا يجوزُ بَيْعُ اللَّحْمِ بالشَّحْمِ. وكَرِهَ مالِكٌ ذلك، إلَّا أن يَتَماثلا. وظاهِرُ المذهبِ، إباحَةُ البَيْعِ فيهما مُتَماثِلًا ومُتَفاضِلًا، وهو قولُ أبى حنيفةَ، والشَّافِعِىِّ؛ لأنَّهما جِنْسانِ، فجازَ التَّفاضُلُ فيهما كالذَّهَبِ بالفِضَّةِ (٦). وإن مَنَعَ منه لِكَوْنِ اللَّحْمِ لا يَخْلُو من شَحْمٍ لم يَصِحَّ؛ لأنَّ الشَّحْمَ لا يَظْهَرُ، وإن كان فيه شَىءٌ فهو غيرُ مَقْصُودٍ، فلا يَمْنَعُ البَيْعَ، ولو مَنَعَ لذلك، لم يَجُزْ بَيْعُ لَحْمٍ بِلَحْمٍ؛ لِاشْتِمالِ كلِّ واحِدٍ منهما على ما ليس من جِنْسِه. ثم لا يَصِحُّ هذا عند القاضِى؛ لأنَّ السَّمِينَ الذى يكونُ مع اللَّحْمِ لَحْمٌ عنده، فلا يَتَصَوَّرُ اشْتِمالَ اللَّحْمِ على الشَّحْمِ. وذَكَرَ القاضى أنَّ اللَّحْمَ الأَبْيَضَ الذى على ظَاهِرِ اللَّحْمِ الأَحْمَرِ، [هو والأَحْمَرُ] (٧) جِنْسٌ واحِدٌ، وأنَّ الأَلْيَةَ والشَّحْمَ جِنْسَانِ. وظاهِرُ كلامِ الخِرَقِىِّ خِلافُ هذا؛ لِقَوْلِهِ: إنَّ اللَّحْمَ لا يَخْلُو من شَحْمٍ، ولو لم يكن هذا شَحْمًا لم يَخْتَلِطْ لَحْمٌ بِشَحْمٍ، فعَلَى هذا (٨)، كلُّ أَبْيَضَ فى الحَيَوانِ يَذُوبُ بالإِذابَةِ ويَصِيرُ دُهْنًا، فهو جِنْسٌ واحِدٌ. وهذا أصَحُّ؛ لِقَوْلِه تعالى: ﴿حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ شُحُومَهُمَا إِلَّا مَا حَمَلَتْ ظُهُورُهُمَا﴾ (٩). فاسْتَثنى ما حَمَلَتِ الظُّهُورُ من الشَّحْمِ، ولأنَّه يُشْبِهُ الشَّحْمَ فى ذَوْبِه ولَوْنِه ومَقْصِدِه، فكان شَحْمًا، كالذى فى البَطْنِ.
فصل: وفى اللَّبَنِ رِوايَتانِ؛ إحْداهُما، هو جِنْسٌ واحِدٌ؛ لِمَا ذَكَرْنا فى اللَّحْمِ. والثانيةُ، هو أجْناسٌ باخْتِلافِ أُصُولِه كاللَّحْمِ. وهذا مذهبُ الشَّافِعِىِّ. وبه قال مالِكٌ؛ لأنَّ الأَنْعامَ كُلَّها جِنْسٌ واحِدٌ. وقال ابنُ عَقِيلٍ: لَبَنُ البَقَرِ الأهْلِيَّةِ والوَحْشِيَّةِ
стр. 2698
جِنْسٌ واحِدٌ على الرِّواياتِ كلِّها؛ لأنَّ اسْمَ البَقَرِ يَشْمَلُهُما. ولَيْسَ بِصَحِيحٍ؛ لأنَّ لَحْمَهُما (١٠) جِنْسَانِ، فكان لَبَنُهُما (١١) جِنْسَيْنِ، كالإِبِلِ والبَقَرِ. ويَجُوزُ بَيْعُ اللَّبَنِ بغير جِنْسِه، مُتَفاضِلًا، وكيف شَاءَ، يَدًا بيَدٍ، وبِجنْسِه (١٢) مُتَماثِلًا كَيْلًا. قال القاضِى: هو مَكِيلٌ لا يُباعُ إلَّا بالكَيْلِ؛ لأنَّه العادَةُ فيه. ولا فَرْقَ بين أنْ يكونا حَلِيبَيْنِ أو حامِضَيْنِ، أو أحَدُهُما حَلِيبٌ، والآخَرُ حامِضٌ؛ لأنَّ تَغْيِيرَ الصِّفَةِ لا يَمْنَعُ جَوَازَ البَيْعِ، كالجَوْدَةِ والرَّداءَةِ. وإنْ شِيبَ أحَدُهُما بماءٍ، أو غيرِه، لم يَجُزْ بَيْعُه بِخالِصٍ ولا بِمَشُوبٍ من جِنْسِه؛ لأنَّ معه مِن غيرِ جِنْسِه لغيرِ مَصْلَحَتِهِ (١٣).
فصل: ويَتَفرَّعُ من اللَّبَنِ قِسْمَانِ؛ ما ليس فيه غيرُه كالزُّبْدِ، والسَّمْنِ، والمَخِيضِ، واللِّبَأِ (١٤). وما فيه غيرُه. وكِلاهُما لا يَجوزُ بَيْعُه باللَّبَنِ؛ لأنَّه مُسْتَخْرَجٌ من اللَّبَنِ، فلم يَجُزْ بَيْعُه بأَصْلِه الذى فيه منه، كالحَيوانِ باللَّحْمِ، والسِّمْسِمِ بالشَّيْرَجِ. وهذا مذهبُ الشَّافِعِىِّ. وعن أحمدَ، أنَّه يجوزُ بَيْعُ اللَّبَنِ بالزُّبْدِ، إذا كان الزُّبْدُ المُنْفَرِدُ أَكْثَرَ من الزُّبدِ فى اللَّبَنِ. وهذا يَقْتَضِى جَوازَ بَيْعِه به مُتَفَاضِلًا، ومَنْعَ جَوازِهِ مُتَماثِلًا. قال القاضِى: وهذه الرِّوايةُ لا تَخْرُجُ على المذهبِ؛ لأنَّ الشَّيْئَيْنِ إذا دَخَلَهُما الرِّبَا، لم يَجُزْ بَيْعُ أحَدِهِما بالآخَرِ، ومعه من غيرِ جِنْسِه، كَمُدِّ عَجْوَةٍ ودِرْهَمٍ بِمُدَّيْنِ. والصَّحِيحُ أنَّ هذه الرِّوايَةَ دالَّةٌ على جَوازِ البَيْعِ فى مَسْأَلَةِ مُدِّ عَجْوَةٍ، وكونُها مُخالِفَةً لِرِواياتٍ أُخَرَ لا يَمْنَعُ كَوْنَها رِوايَةً، كسائِرِ الرِّوايَاتِ المخالِفَةِ لغيرِها، لكنَّها مُخَالِفَةٌ لِظاهِرِ المذهبِ. والحُكْمُ فى السَّمْنِ كالحُكْمِ فى الزُّبْدِ. وأمَّا اللَّبَنُ بالمَخِيضِ الذى فيه زُبْدُه، فلا يجُوزُ. نَصَّ عليه أحمدُ، فقال: اللَّبَنُ بالمَخِيضِ لا خَيْرَ فيه. ويَتَخَرَّجُ الجَوازُ كالتى قَبْلَها،
стр. 2699
وأمَّا اللَّبَنُ باللِّبَأِ، فإن كان قَبْلَ أن تَمَسَّهُ النارُ، جازَ مُتَماثِلًا؛ لأنَّه لَبَنٌ بِلَبَنٍ. وإن مَسَّتْهُ النارُ لم يَجُزْ. وذَكَرَ القاضِى وَجْهًا، أنَّه يَجوزُ، وليس بِصَحِيحٍ؛ لأنَّ النارَ عَقَدَتْ أجْزاءَ أحَدِهما، وذَهَبَتْ بِبَعْضِ رُطُوبَتِه، فلم يَجُزْ بَيْعُهُ بما لم تَمَسَّه النارُ، كالخُبْزِ بالعَجِينِ، والمَقْلِيَّةِ بالنّيئَةِ. وهذا مذهبُ الشَّافِعِىِّ. وأمّا بَيْعُ النَّوْعِ من فُرُوعِ اللَّبَنِ بِنَوْعِه، فما فيه خِلْطٌ من غير اللَّبَنِ، كالكِشْكِ والكامَخِ (١٥)، ونحوِهما، لا يجوزُ [بَيْعُ ذلك] (١٦) بِنَوْعِه ولا بغيرِه؛ لأنَّه مُخْتَلِطٌ بغيرِه، فهو كَمسْأَلَةِ مُدِّ عَجْوَةٍ، وما ليسَ فيه غيرُه، أو فيه غيرُه، إلَّا أنَّ ذلك الغَيْرَ لِمَصْلَحَتِه، فيجوزُ بَيْعُ كلِّ نَوْعٍ منه بعضِه بِبَعْضٍ إذا تَساوَيا فى النَّشافَةِ والرُّطُوبَةِ، فيَبِيعُ المَخِيضَ بالمَخِيضِ، واللِّبأَ باللِّبأِ، والجُبْنَ بالجُبْنِ، والمَصْلَ (١٧) بالمَصْلِ، والأَقِطَ بالأَقِطِ، والزُّبْدَ بالزُّبْدِ، والسَّمْنَ بالسَّمْنِ، مُتَساوِيًا. ويُعْتَبَرُ التَّساوِى بين الأَقِطِ بالأَقِطِ (١٨) بالكَيْلِ؛ لأنَّه قُدِّرَ بالصَّاعِ فى صَدَقَةِ الفِطْرِ، وهو يُشْبِهُ المَكِيلاتِ، وكذلك المَصْلُ والمَخِيضُ. ويُباعُ الخُبْزُ بالخُبْزِ بالوَزْنِ؛ لأنه مَوْزُونٌ ولا يمكن كَيْلُه، فأَشْبَهَ الخُبْزَ. وكذلك الزُّبْدُ والسَّمْنُ. ويَتَخَرَّجُ أن يُباعَ السَّمْنُ بالكَيْلِ. ولا يُباع ناشِفٌ من ذلك بِرَطْبٍ، كما لا يباع الرُّطَبُ بالتَّمْرِ، ويَحْتَمِلُ كَلامُ الخِرَقِىِّ أن لا يُباعَ رَطْبٌ من ذلك بِرَطْبٍ [كَما فى اللَّحْمِ] (١٩). وأمَّا بَيْعُ ما نُزِعَ من اللَّبَنِ بِنَوْعٍ آخَرَ، كالزُّبْدِ، والسَّمْنِ، والمَخِيضِ، فظَاهِرُ المذهبِ، أنَّه يجوزُ بَيْعُ الزُّبْدِ والسَّمْنِ بالمَخِيضِ، مُتَماثِلًا ومُتَفَاضِلًا؛ لأنَّهما جِنْسانِ، وذلك؛ لأنَّهما شَيْئانِ من أَصْلٍ واحِدٍ، أَشْبَها اللَّحْمَ بالشَّحْمِ. ومِمَّنْ أجازَ بَيْعَ الزُّبْدِ بالمَخِيضِ الثَّوْرِىُّ، والشَّافِعِىُّ، وإسْحاقُ. ولأنَّ اللَّبَنَ الذى فى الزُّبْدِ غيرُ مَقْصُودٍ، وهو يَسِيرٌ، فأَشْبَه
стр. 2700
المِلْحَ فى الشَّيْرَجِ. وبَيْعُ السَّمْنِ بالمَخِيضِ، أَوْلَى بالجَوازِ؛ لِخُلُوِّ السَّمْنِ من المَخِيضِ. ولا يجوزُ بَيْعُ الزُّبْدِ بالسَّمْنِ؛ لأنَّ فى الزُّبْدِ لَبَنًا يَسِيرًا، ولا شَىْءَ فى السَّمْنِ، فَيَخْتَلُّ التَّماثُلُ، ولأنَّه مُسْتَخْرَجٌ من الزُّبْدِ، فلم يَجُزْ بَيْعُه به، كالزَّيْتُونِ بالزَّيْتِ. وهذا مذهبُ الشَّافِعِىِّ. وقال القاضِى: عندى يجوزُ؛ لأنَّ اللَّبَنَ فى الزُّبْدِ غيرُ مَقْصودٍ، فَوُجُودُه كَعَدَمِه، ولذلك جَازَ بَيْعُه بالمَخِيضِ وبِزُبْدٍ مثله. وهذا لا يَصِحُّ؛ لأنَّ التَّماثُلَ واجِبٌ بينهما، وانْفِرادُ أحَدِهِما بِوُجُودِ اللَّبَنِ فيه، يُخِلُّ بالتَّماثُلِ، فلم يَجُزْ بَيْعُه به، كَتَمْرٍ مَنْزُوعِ النَّوَى بِتَمْرٍ فيه نَواهُ، ولأنَّ أحَدَهُما يَنْفَرِدُ برُطُوبَةٍ لا تُوجَدُ فى الآخَرِ، فأشْبَه الرُّطَبَ بالتَّمْرِ، والعِنَبَ بالزَّبِيبِ، وكلَّ رَطبٍ بِيابِسٍ من جِنْسِه. ولا يجوزُ بَيْعُ شَىْءٍ من الزُّبْدِ والسَّمْنِ والمَخِيضِ بشىءٍ من أنْواعِ اللَّبَنِ، كالجُبْنِ واللِّبَأِ ونَحْوِهِما؛ لأنَّ هذه الأَنْواعَ لم يُنْتَزَعْ منها شَىْءٌ، فيكونُ حُكْمُها حكمَ اللَّبَنِ الذى فيه زُبْدُه، فلم يَجُزْ بَيْعُها، كَبَيْعِ اللَّبَنِ بها. وأمَّا بَيْعُ الجُبْنِ بالأَقِطِ، فلا يجوزُ مع رُطُوبَتِهِما، أو رُطُوبَةِ أحَدِهِما، كما لا يَجُوزُ بَيْعُ الرُّطَبِ بالتَّمْرِ. وإنْ كانا يابِسَيْنِ احْتَمَلَ أنْ لا يجوزَ أيضًا؛ لأنَّ الجُبْنَ مَوْزُونٌ والأقِطَ مَكِيلٌ، فلم يَجُزْ بَيْعُ أحَدِهِمَا بالآخَرِ، كالخُبْزِ بالدَّقِيقِ، ويَحْتَملُ الجَوازَ، إذا تَماثَلا، كَبَيْعِ الخُبْزِ بالخُبْزِ.
٧١٣ - مسألة؛ قال: (ولَا يَجُوزُ بَيْعُ اللَّحْمِ بالْحَيَوانِ)
لا يَخْتَلِفُ المذهبُ أنَّه لا يجوزُ بَيْعُ اللَّحْمِ بحَيَوانٍ من جِنْسِه. وهو مذهبُ مالِكٍ، والشَّافِعِىِّ، وقولُ فُقهاءِ المَدِينَةِ السَّبْعَةِ. وحُكِىَ عن مالِكٍ، أنَّه لا يجوزُ بَيْعُ اللَّحْمِ بحَيَوانٍ مُعَدٍّ لِلَّحْمِ، ويجوزُ بِغَيْرِه. وقال أبو حنيفةَ: يَجُوزُ مُطْلَقًا؛ لأنَّه باعَ مالَ الرِّبَا بما لا رِبَا فيه، أشْبَه بَيْعَ اللَّحْمِ بالدَّراهِمِ، أو بِلَحْمٍ من غير جِنْسِه. ولنا، ما رُوِىَ أنَّ النَّبِىَّ ﷺ نَهَى عَنْ بَيْعِ اللَّحْمِ بالحَيَوانِ. رواه مالِكٌ فى المُوَطَّأِ (١)،
стр. 2701
عن زَيْدِ بن أسْلَمَ، عن سَعِيدِ بن المُسَيَّبِ، عن النَّبِىِّ ﷺ . قال ابنُ عبدِ البَرِّ: هذا أحسنُ أسانِيدِه. وَرُوِىَ عن (٢) النَّبِىِّ ﷺ أنَّه (٣) نَهَى أن يُبَاعَ حَىٌّ بِمَيِّتٍ. ذَكَرَه الإِمامُ أحمدُ (٤). ورُوِىَ عن (٣) ابنِ عَبَّاسٍ، أنَّ جَزُورًا نُحِرَتْ، فجاء رَجُلٌ بِعَنَاقٍ (٥) فقال: أعْطُونِى جُزْءًا بهذا العَناقِ. فقال أبو بكرٍ: لا يَصْلُحُ هذا. قال الشَّافِعِىُّ: لا أعْلَمُ مُخالِفًا لأبى بَكرٍ فى ذلك. وقال أبو الزِّنادِ: وكلُّ من أَدْرَكْتُ يَنْهَى عن بَيْعِ اللَّحْمِ بالحَيَوَانِ. ولأنَّ اللَّحْمَ نَوْعٌ فيه الرِّبَا بِيعَ بأصْلِه الذى فيه منه، فلم يَجُزْ، كَبَيْعِ السِّمْسِمِ بالشَّيْرَجِ. وبهذا فارَقَ ما قَاسُوا عليه. وأمَّا بَيْعُ اللَّحْمِ بِحَيَوانٍ من غيرِ جِنْسِه، فظاهِرُ كَلامِ أحمدَ والخِرَقِىِّ، أنَّه لا يجوزُ، فإنَّ أحمدَ سُئِلَ عن بَيْعِ الشَّاةِ باللَّحْمِ، فقال: لا يَصِحُّ (٦)؛ لأنَّ النبىَّ ﷺ نَهَىَ أنْ يُبَاعَ حَىٌّ بِمَيِّتٍ. واخْتَارَ القاضِى جَوَازَهُ. وللشَّافِعِىِّ فيه قَوْلَان. واحْتَجَّ من مَنَعَهُ بِعُمُومِ الأخْبارِ، وبأنَّ اللَّحْمَ كُلَّهُ جِنْسٌ واحِدٌ. ومن أجازَهُ قال: مالُ الرِّبا بِيعَ بغيرِ أَصْلِه ولا جِنْسِه، فجازَ، كما لو باعَهُ بالأثْمانِ. وإنْ باعَهُ بحَيَوانٍ غيرِ مَأكُولِ اللَّحْمِ، جَازَ، فى ظاهِرِ قولِ أَصْحابِنا. وهو قولُ عامَّةِ الفُقَهاءِ.
فصل: ولا يجوزُ بَيْعُ شَىْءٍ من مالِ الرِّبا بأَصلِه الذى فيه منه، كالسِّمْسِمِ بالشَّيْرَجِ، والزَّيْتُونِ بالزَّيْتِ، وسائِرِ الأدْهانِ بأُصُولِها، والعَصِيرِ بأصْلِه، كَعَصِيرِ العِنَبِ، والرُّمَّانِ، والتُّفّاحِ، والسَّفَرْجَلِ، وقَصَبِ السُّكَّرِ، لا يُباعُ شَىءٌ منها بأصْلِه. وبه قال الشَّافِعِىُّ وابنُ المُنْذِرِ. وقال أبُو ثَوْرٍ: يجوزُ؛ لأنَّ الأصْلَ مُخْتَلِفٌ، والمَعْنَى مُخْتَلِفٌ. وقال أبو حنيفةَ: يجوزُ إذا عَلِمَ يَقِينًا أنَّ ما فى الأصْلِ من الدُّهْنِ
стр. 2702
والعَصِيرِ أقَلُّ من المُنْفَرِدِ (٧)، وإنْ لم يَعْلَمْ، لم يَجُزْ. ولنا، أنَّه مالُ رِبًا بِيعَ بأصْلِه الذى فيه منه، فلم يَجُزْ، كَبَيْعِ اللَّحْمِ بالحَيَوانِ، وقد أثْبَتْنا ذلك بالنصِّ.
فصل: فأمَّا بَيْعُ شَىءٍ من هذه المُعْتَصَرَاتِ بِجِنْسِه، فيجوزُ مُتَماثِلًا. ويَجُوزُ بَيْعُه بغيرِ جنْسِه مُتَفاضِلًا، وكيف شاءَ؛ لأنَّهما جِنْسانِ، ويُعْتَبَرُ التَّساوِى فيهما بالكَيْلِ؛ لأَنَّه يُقَدَّرُ به ويُباعُ به عادَةً، وهذا مذهبُ الشَّافِعِىِّ، وسَوَاءٌ كانا مَطْبُوخَيْنِ أو نِيئَيْنِ. وقال أصْحابُ الشَّافِعِىِّ: لا يجُوزُ بَيْعُ المَطْبُوخِ بِجِنْسِه؛ لأنَّ النَّارَ تَعْقِدُ أجْزاءَهما، فيَخْتَلِفُ ويُؤَدِّى إلى التَّفاضُلِ. ولنا، أنَّهما مُتَساوِيانِ فى الحالِ، على وَجْهٍ لا يَنْفَرِدُ أحَدُهما بالنَّقْصِ. فأَشْبَه النِّىءَ بالنِّىءِ. فأمَّا بَيْعُ النِّىءِ بالمَطْبُوخِ من جِنْسٍ واحِدٍ، فلا يجوزُ؛ لأنَّ أحَدَهُما يَنْفرِدُ بالنَّقْصِ فى ثانى الحالِ، فلم يَجُزْ بَيْعُه به، كالرُّطَبِ بالتَّمْرِ. وإن باعَ عَصِيرَ شَىْءٍ من ذلك بِثُفْلِه. فإن كانت فيه بَقِيَّةٌ من المُسْتَخْرَجِ منه، لم يَجُزْ بَيْعُه به، فلا يَجُوزُ بَيْعُ الشَّيْرَجِ بالكُسْبِ، ولا الزَّيْتِ بِثُفْلِه الذى فيه بَقِيَّةٌ من الزَّيْتِ، إلَّا على الرِّوايَةِ التى يجوزُ (٨) فيها مَسْأَلَةُ مُدِّ عَجْوَةٍ. فإنْ لم يَبْقَ فيه شَىْءٌ من عَصِيرِه، جازَ بَيْعُه به مُتَفاضِلًا، ومُتَماثِلًا؛ لأنَّهما جِنْسانِ.
فصل: وإنْ باعَ شَيْئًا فيه الرِّبا، بَعْضَه بِبَعْضٍ، ومَعهما، أو مع أحَدِهما من غير جِنْسِه، كَمُدٍّ ودِرْهَمٍ بمُدٍّ ودِرْهَمٍ، أو بِمُدَّيْنِ، أو بِدِرْهَمَيْنِ. أو باعَ شَيْئًا مُحَلًّى بجِنْسِ حِلْيَتِه، فهذه المَسْأَلَةُ تُسَمَّى مَسْأَلَةَ مُدِّ عَجْوَةٍ. والمذهبُ أنَّه لا يجوزُ ذلك. نَصَّ على ذلك أحمدُ، فى مَواضِعَ كَثِيرَةٍ، وذَكَرَهُ قُدَماءُ الأصْحابِ، قال ابنُ أبى مُوسَى فى السَّيْفِ المُحَلَّى والمِنْطَقَةِ والمَراكِبِ المُحَلَّاةِ بِجِنْسِ ما عليها: لا يَجُوزُ، قَوْلًا واحِدًا. وَرُوِىَ هذا عن سالِمِ بن عبدِ اللهِ، والقاسِمِ بن محمدٍ، وشُرَيْحٍ، وابن سِيرِينَ. وبه قال الشَّافِعِىُّ، وإسْحاقُ، وأبُو ثَوْرٍ، وعن أحمدَ، رِوايَةٌ أخْرَى، تَدُلُّ على أنَّه يجوزُ، بِشَرْطِ أنْ يَكونَ المُفرَدُ أكْثَرَ من الذى
стр. 2703
معه غيرُه، أو يكونَ مع كلِّ واحِدٍ منهما من غيرِ جِنْسِه، فإنَّ مُهَنَّا نَقَلَ عن أحمدَ فى (٩) بَيْعِ الزُّبْدِ باللَّبَنِ، يَجُوزُ، إذا كان الزُّبْدُ المُنْفَرِدُ أكثرَ من الزُّبْدِ الذى فى اللَّبَنِ. ورَوَى حَرْبٌ، قال: قلتُ لأحمدَ: دَفَعْتُ دِينارًا كُوفِيًّا ودِرْهَمًا، وأخَذْتُ دِينارًا شَامِيًّا، وَزْنُهُما سَواءٌ، لكنَّ الكُوفِىَّ أَوْضَعُ؟ قال: لا يجوزُ، إلَّا أنْ يَنْقُصَ الدِّينارَ، فيُعْطِيهِ بحِسابِه فِضَّةً. وكذلك رَوَى عنه محمدُ بنُ أبى حَرْبٍ الجَرْجَرَائِىُّ (١٠). ورَوَى المَيْمُونِىُّ أنَّه سَأَلَه: لا يَشْتَرِى السَّيْفَ والمِنْطَقَة حتى يفصِلَها؟ فقال: لا يَشْتَرِيها حتى يَفصِلَها. إلَّا أنَّ هذا أَهْوَنُ من ذلك؛ لأنَّه قد يَشْتَرِى أحَدَ النَّوْعَيْنِ بالآخَرِ يفْصِلُه (١١). وفيه غيرُ النَّوْعِ الذى يَشْتَرِى به، فإذا كان مِن فَضْلِ الثَّمَنِ، إلَّا أنَّ من ذَهَبَ إلى ظاهِرِ القِلادَةِ لا يَشْتَرِيه حتى يفصلَه. قيل له: فما تَقُولُ أنْتَ؟ قال: هذا مَوْضِعُ نَظَرٍ. وقال أبو داودَ: سَمِعْتُ أحمدَ سُئِلَ عن الدَّراهِمِ المُسَيَّبِيَّةِ (١٢)، بعضُها صُفْرٌ وبعضُها فِضَّةٌ، بالدَّرَاهِمِ؟ قال: لا أقولُ فيه شيئا، قال أبو بكْرٍ: رَوَى هذه المَسْأَلَةَ عن أبى عبدِ اللهِ خَمْسَةَ عَشَرَ نَفْسًا. كُلُّهُمُ اتَّفَقُوا على أنَّه لا يَجُوزُ حتى يفصِلَ، إلّا المَيْمُونِىَّ. ونَقَلَ مُهَنَّا كَلامًا آخَرَ. وقال حَمَّادُ بنُ أبِى سليمانَ، وأبو حنيفةَ: يجوزُ. هذا كُلُّه إذا كان المُفْرَدُ أكْثَرَ من الذى معه غيرُه، أو كان مع كُلِّ واحِدٍ منهما مِن غيرِ جِنْسِه. وقال الحسنُ: لا بَأْسَ بِبَيْعِ السَّيْفِ المُحَلَّى بالفِضَّةِ بالدَّراهِمِ. وبه قال الشَّعْبِىُّ والنَّخَعِىُّ، واحْتَجَّ من أجازَ ذلك بأنَّ العَقْدَ إذا أمْكَنَ حَمْلُه على الصِّحَّةِ، لم يُحْمَلْ على الفَسادِ؛ لأنَّه لو اشْتَرَى لَحْمًا من قَصَّابٍ، جازَ مع احْتِمالِ كَوْنِه مَيْتَةً. ولكنْ وَجَبَ حَمْلُه على أنّه مُذَكًّى، تَصْحِيحًا لِلْعَقْدِ. ولو اشْتَرَى من إنْسانٍ شيئًا، جازَ، مع احْتِمالِ كَوْنِه
стр. 2704
غيرَ مِلْكِه، ولا إذْنَ له فى بَيْعِه، تَصْحِيحًا لِلعَقْدِ أيضًا. وقد أمكن التَّصْحِيحُ هاهُنا، بِجَعْلِ الجِنْسِ فى مُقابَلَةِ غيرِ الجِنْسِ، أو جَعْلِ غيرِ الجِنْسِ فى مُقابَلَةِ الزَّائِدِ على المِثْلِ. ولنا، ما رَوَى فَضالَةُ بنُ عُبَيْدٍ، قال: أُتِىَ النَّبِىُّ ﷺ بقِلَادَةٍ فيها ذَهَبٌ وخَرَزٌ، ابْتَاعَهَا رَجُلٌ بِتِسْعَةِ دَنَانِيرَ أو سَبْعَةِ دَنَانِيرَ. فقال النبىُّ ﷺ : "لَا، حَتَّى تُمَيِّزَ بَيْنَهُمَا". قال: فَرَدَّهُ حتى مَيَّزَ بَينهما. رَواهُ أبُو داودَ (١٣). وفى لَفْظٍ رَواهُ (١٤) مُسْلِمٌ (١٥). قال: فأمَرَ رَسُولُ اللهِ ﷺ بالذَّهَبِ الذى فى القِلادَةِ فَنُزِعَ وَحْدَه ثم قال لهم رسولُ اللَّه ﷺ : "الذَّهَبُ بالذَّهَبِ وَزْنًا بِوَزْنٍ". ولأنَّ العَقْدَ إذا جَمَعَ عِوَضَيْنِ مُخْتَلِفَىِ الجِنْسِ، وَجَبَ أنْ يَنْقَسِمَ أحَدُهما على الآخَرِ، على قَدْرِ قِيمَةِ الآخَرِ فى نَفْسِه، فإذا اخْتَلَفَتِ القِيمَةُ اخْتَلَفَ ما يَأْخُذُه من العِوَضِ. بَيانُه، أنَّه إذا اشْتَرَى عَبْدَيْنِ، قِيمَةُ أحَدِهما مِثلُ نِصْفِ قِيمَةِ الآخَرِ بِعَشَرَةٍ، كان ثَمَنُ أحَدِهما ثُلثَىِ العَشَرَةِ، والآخَرِ ثُلُثَها، فلو رَدَّ أحَدَهُما بِعَيْبٍ، رَدَّهُ بِقِسْطِه من الثَّمَنِ، ولذلك إذا اشْتَرَى شِقْصًا (١٦) وسَيْفًا بِثَمَنٍ، أخَذَ الشَّفِيعُ الشِّقْصَ بِقِسْطِه من الثَّمَنِ، فإذا فَعَلْنا هذا فِى مَنْ باعَ دِرْهَمًا ومُدًّا قِيمَتُه دِرْهمانِ، بِمُدَّيْنِ قِيمَتُهُما ثلاثةٌ، حصل الدِّرْهَمُ فى مُقابلةِ ثُلُثَىْ مُدٍّ. والمُدُّ الذى مع الدِّرْهَمِ فى مُقابَلَةِ مُدٍّ وثُلُثٍ، فهذا إذا تَفاوَتَتِ القِيَمُ، ومع التَّساوِى يُجْهَلُ ذلك؛ لأنَّ التَّقْوِيمَ ظَنٌّ وتَخْمِينٌ، والجَهْلُ بِالتَّساوِى كَالعِلْمِ بِعَدَمِه فى بابِ الرِّبا، ولذلك، لم يَجُزْ بَيْعُ صُبْرَةٍ بِصُبْرَةٍ، بالظَّنِّ والخَرْصِ. وقَوْلُهم: يَجِبُ تَصْحِيحُ العَقْدِ. ليس كذلك، بل يُحْمَلُ
стр. 2705
على ما يَقْتَضِيهِ من صِحَّةٍ وفَسادٍ. ولذلك لو باعَ بِثَمَنٍ وأطْلَقَ، وفى البِلادِ نُقُودٌ بَطَلَ، ولم يُحْمَلْ على نَقْدِ أقْرَبِ البلَادِ إليه، أمَّا إذا اشْتَرَى من إنْسانٍ شَيْئًا، فإنّه يَصِحُّ؛ لأنَّ الظَّاهِرَ أنَّه مِلْكُه؛ لأنَّ اليَدَ دَلِيلُ المِلْكِ. وإذا باعَ لَحْمًا فالظَّاهِرُ أنَّه مُذَكًّى؛ لأنَّ المُسْلِمَ، فى الظَّاهِرِ، لا يَبِيعُ المَيْتَةَ.
فصل: فأمَّا إنْ باعَ نَوْعَيْنِ من مُخْتَلِفَىِ القِيمَةِ من جِنْسٍ، وبِنَوْعٍ واحِدٍ من ذلك الجِنْسِ، كَدِينارٍ مَغْرِبِىٍّ ودِينَارٍ سابُورِىٍّ، بِدِينَارَيْنِ مَغْرِبِيَّيْنِ، أو دِينَارٍ صَحِيحٍ وَدِينارٍ قُراضَةً (١٧)، بِدِينارَيْنِ صَحِيحَيْنِ، أو قُراضَتَيْنِ، أو حِنْطَةٍ حَمْراءَ وسَمْراءَ بِبَيْضَاءَ، أو تَمْرًا بَرْنِيًّا ومَعْقِلِيًّا بإبْرَاهِيمِىٍّ، فإنّه يَصِحُّ. قال أبو بكرٍ: وأَوْمَأَ إليه أحمدُ. واخْتارَ القاضِى أبُو يَعْلَى، أنَّ الحُكْمَ فيها كالتى قبلَها. وهو مذهبُ مَالِكٍ والشَّافِعِىِّ؛ لأنَّ العَقْدَ يَقْتَضِى انْقِسامَ الثَّمَنِ على عِوَضِه على حَسَبِ اخْتِلافِه فى قِيمَتِه كما ذَكَرْنا. ورُوِىَ عن أحمدَ مَنْعُ ذلك فى النَّقْدِ، وتَجْوِيزُه فى الثَّمَنِ. نَقَلَهُ أحمدُ بن القاسِمِ؛ لأنّ الأنْواعَ فى غيرِ الأثْمانِ يَكْثُرُ اخْتِلاطُها، ويَشُقُّ تَمْيِيزُها، فَعُفِىَ عنها بخِلافِ الأثْمانِ. ولنا، قولُ النَّبِىِّ ﷺ : "الذَّهَبُ بالذَّهَبِ مِثْلًا بمِثْلٍ، والفِضَّةُ بالفِضَّةِ مِثْلًا بمِثْلٍ". الحديث (١٨)، وهذا يَدُلُّ على إباحَةِ البَيْعِ عند وُجُودِ المُماثَلَةِ المُراعاةِ، وهى المَماثَلَةُ فى المَوْزُونِ وَزْنًا وفى المَكِيلِ كَيْلًا، ولأنَّ الجَوْدَةَ ساقِطَةٌ فى بابِ الرِّبَوِيَّاتِ، فيما قُوبِلَ بِجِنْسِه، فيما لو اتَّحَدَ النَّوْعُ فى كلِّ واحِدٍ من الطَّرَفَيْنِ، فكذلك إذا اخْتَلَفَا، واخْتِلافُ القِيمَةِ يَنْبَنِى على الجَوْدَةِ والرَّداءَةِ؛ لأنَّه باعَ ذَهَبًا بِذَهَبٍ مُتَسَاوِيًا فى الوَزْنِ، فصَحَّ، كما لو اتَّفَقَ النَّوْعُ، وإنَّما يُقْسَمُ العِوَضُ على المُعَوَّضِ فيما يَشْتَمِلُ على جِنْسَيْنِ، أو فى غيرِ الرِّبَوِيَّاتِ، بِدَلِيلِ ما لو باعَ نَوْعًا بِنَوْعٍ يَشْتَمِلُ على جَيِّدٍ ورَدِىءٍ.
стр. 2706
فصل: وإنْ باعَ ما فيه الرِّبا بغيرِ جِنْسِه، ومعه من جِنْسِ ما بِيعَ به، إلَّا أنَّه غيرُ مَقْصُودٍ، كدَارٍ مُمَوَّهٍ سَقْفُها بالذَّهَبِ، جازَ. لا أعْلَمُ فيه خِلافًا. وكذلك لو باعَ دارًا بدارٍ مُمَوَّهٍ سَقْفُ كلِّ واحِدَةٍ منها بِذَهَبٍ أو فِضَّةٍ، جازَ؛ لأنَّ ما فيه الرِّبا غيرُ مَقْصُودٍ بِالبَيْعِ. فوُجُودُهُ (١٩) كعَدَمِهِ. وكذلك لو اشْتَرَى عَبْدًا له مالٌ، فاشْتَرَطَ مالَه وهو من جِنْسِ الثَّمَنِ، جازَ إذا كان المالُ غيرَ مَقْصُودٍ، ولو اشْتَرَى عَبدًا بِعبدٍ، واشْتَرَطَ كلُّ واحِدٍ منهما مالَ العَبدِ الذى اشْتَراهُ، جازَ إذا لم يَكُنْ مالُه مَقْصُودًا؛ لأنَّه غيرُ مَقْصودٍ بالبَيْعِ، فأشْبَه التَّمْوِيهَ فى السَّقْفِ، ولذلك لا تُشْتَرَطُ رُؤْيَتُه فى صِحَّةِ البَيْعِ ولا لُزُومِه، وإن باعَ شاةً ذاتَ لَبَنٍ بِلَبَنٍ، أو عليها صُوفٌ بِصُوفٍ، أو باعَ لَبُونًا بِلَبُونٍ، وذاتَ صُوفٍ بِمِثْلِها، ففيه وَجْهَانِ؛ أحَدُهما، الجَوازُ، اخْتَارهُ ابنُ حامِدٍ، وهو قولُ أبى حنيفةَ، وسواءٌ كانتِ الشَّاةُ حَيَّةً أو مُذَكَّاةً؛ لأنَّ ما فيه الرِّبا غيرُ مَقْصُودٍ، فلم يمنع، كالدَّارِ المُمَوَّهِ سَقْفُها. الثانى، المَنْعُ، وهو مذهبُ الشَّافِعِىِّ؛ لأنَّه باعَ مالَ الرِّبا بأصْلِه الذى فيه منه، أشْبَه الحَيَوانَ باللَّحْمِ، والفَرْقُ بينهما، أنَّ اللَّحْمَ فى الحَيوانِ مَقْصُودٌ بخِلافِ اللَّبَنِ، ولو كانتِ الشَّاةُ مَحْلُوبَةَ اللّبَنِ، جازَ بَيْعُها بمِثْلِها وباللَّبَنِ وَجْهًا واحِدًا؛ لأنَّ اللَّبَنَ لا أثَرَ له، ولا يُقابِلُه شىءٌ من الثَّمَنِ، فأشْبَه المِلْحَ فى الشَّيْرَجِ والخُبْزِ والجُبْنِ، وحَبَّاتِ الشَّعِيرِ فى الحِنْطَةِ، ولا نَعْلَمُ فيه أيضًا خِلافًا، وكذلك لو كان اللَّبَنُ المُنْفَرِدُ من غيرِ جِنْسِ لبَنِ الشَّاةِ، جازَ بكلِّ حالٍ. ولو باعَ نَخْلَةً عليها تَمْرٌ بِتَمْرٍ، أو بِنَخْلَةٍ عليها تَمْرٌ، ففيه أيضًا وجهانِ؛ أحَدُهُما، الجَوازُ. اخْتارَهُ أبو بكرٍ؛ لأنَّ التَّمْرَ غيرُ مَقْصُودٍ بِالبَيْعِ. والثانى، لا يَجوزُ. [ووَجْهُ الوَجْهَيْن] (٢٠) ما ذَكَرْنَاهُ فى المَسْأَلَةِ قبلَها. واخْتارَ القاضى أنَّه لا يجوزُ، وفَرَّقَ بينهما وبين الشَّاةِ ذاتِ اللَّبَنِ، بكَونِ الثَّمَرَةِ يَصِحُّ إفْرادُها بالبَيْعِ وهى مَعْلُومَةٌ، بخِلافِ اللَّبَنِ فى الشَّاةِ، وهذا الفَرْقُ غيرُ مُؤَثِّرٍ، فإنَّ ما يَمْنَعُ
стр. 2707
إذا جازَ إِفْرادُه يَمْنَعُ، وإن لم يَجُزْ إفْرادُهُ، كالسَّيْفِ المُحَلَّى يُباعُ بِجِنْسِ حِلْيَتِه، ومالا يَمْنَعُ لا يَمْنَعُ، وإن جازَ إفْرادُه، كمالِ العَبْدِ.
فصل: وإن باعَ جِنْسًا فيه الرِّبا بِجِنْسِه، ومع كلِّ واحِدٍ من غيرِ جِنْسِه غيرَ مَقْصُودٍ، فذلك يَنْقَسِمُ أقْسامًا؛ أحدُها، أن يكونَ غيرُ المَقْصُودِ يَسِيرًا، لا يُؤَثِّرُ فى كَيْلٍ ولا وَزْنٍ، كالمِلْحِ فيما يُعْمَلُ فيه، وحَبَّاتِ الشَّعِيرِ فى الحِنْطَةِ، فلا يَمْنَعُ؛ لأنَّه يَسِيرٌ لا يُخِلُّ بالتَّماثُلِ، وكذلك لو وُجِدَ فى أحَدِهما دونَ الآخَرِ، لم يَمْنَعْ لذلك، ولو باعَ ذلك بِجِنْسِ غيرِ المَقْصُودِ الذى معه، مثلُ أن يَبِيعَ الخُبْزَ بالمِلْحِ، جازَ؛ لأنَّ وُجودَ ذلك كعَدَمِه. الثانِى، أن يكونَ غيرُ المَقْصُودِ كثيرًا، إلَّا أنَّه لِمَصْلَحَةِ المَقْصُودِ، كالماء فى خَلِّ التَّمْرِ، والزَّبِيبِ، ودِبْسِ التَّمْرِ، فهذا يَجُوزُ بَيْعُ الشَّىْءِ منه بمِثْلِه، ويُنَزَّلُ خِلْطُه مَنْزِلَةَ رُطوبَتِه؛ لِكَوْنِه من مَصْلَحَتِه، فلا يَمْنَعُ من بَيْعِه بما يُماثِلُه، كالرُّطَبِ بالرُّطَبِ، ولا يَجوزُ بَيْعُه بما ليس فيه خِلْطٌ، كبَيْعِ خَلِّ العِنَبِ بِخَلِّ الزَّبِيبِ؛ لإِفْضائِه إلى التَّفاضُلِ، فجَرَى مجْرَى بَيْعِ التَّمْرِ بالرُّطَبِ، ومَنَعَ الشَّافِعِىُّ ذلك كُلَّه إلَّا بَيْعَ الشَّيْرَجِ بالشَّيْرَجِ؛ لِكَوْنِ الماءِ لا يَظْهَرُ فى الشَّيْرَجِ. الثالث، أن يكونَ غيرُ المَقْصُودِ كَثِيرًا، وليس من مَصْلَحَتِه، كاللَّبَنِ المَشُوبِ بالماءِ، والأثْمانِ المَغْشُوشَةِ بغيرِها، فلا يَجُوزُ بَيْعُ بعضِها بِبعضٍ؛ لأنَّ خِلْطَهُ ليس من مَصْلَحَتِه، وهو يُخِلُّ بالتَّماثُلِ المَقْصُودِ فيه، وإن باعهُ بِجِنْسِ غيرِ المَقْصُودِ، كَبَيْعِ الدِّينارِ المَغْشُوشِ بالفِضَّةِ بالدراهمِ، احتمَلَ الجواز؛ لأنَّه يَبِيعُه بِجِنْسٍ غيرِ مَقْصُودٍ فيه، فأشْبَه بَيْعَ اللَّبَنِ بِشاةٍ فيها لبنٌ، ويحتَمِلُ المنعَ بِناءً على الوَجْهِ الآخَرِ فى الأَصْلِ. وإن باع دِينارًا مَغْشُوشًا بمِثْلِه، والغِشُّ منهما (٢١) مُتفاوتٌ، أو غيرُ مَعْلُومِ المِقْدَارِ، لم يَجُزْ؛ لأنَّه يُخِلُّ بالتَّماثُلِ المَقْصُودِ. وإن عَلِمَ التَّساوِىَ فى الذَّهَبِ والعَيْنِ (٢٢) الذى فيهما، خُرِّجَ على الوَجْهَيْنِ، أَولاهُما الجَوازُ؛ لأنَّهما
стр. 2708
تَمَاثَلا فى المَقْصُودِ وفى غيرهِ، ولا يُفْضِى إلى التَّفاضُلِ بالتَّوْزِيعِ بالقِيمَةِ؛ لِكَوْنِ الغِشِّ غيرَ مَقْصُودٍ، فكأنه لا قِيمَةَ له.
فصل: ولو دَفَعَ إليه درهمًا، فقال: أعْطِنِى بِنِصْفِ هذا الدِّرهمِ نِصْفَ درهمٍ، وبِنِصْفِه فُلُوسًا، أو حاجَةً أُخْرَى. جَازَ؛ لأنَّه اشْتَرَى نِصْفًا بِنِصْفٍ، وهما مُتَساوِيانِ، فصَحَّ، كما لو دَفَعَ إليه دِرْهَمَيْنِ، وقال: بِعْنِى بهذا الدرهمِ فُلُوسًا، وأَعْطِنِى بالآخَرِ نِصْفَيْنِ. وإن قال: أَعْطِنِى بهذا الدِّرهمِ نِصْفًا وفُلُوسًا. جازَ أيضًا؛ لأنَّ مَعْناهُ ذلك، ولأنَّ ذلك لا يُفْضِى إلى التَّفاضُلِ بالتَّوْزِيعِ بالقِيمَةِ؛ فإنَّ قِيمَةَ النِّصْفِ الذى فى الدرهمِ، كقِيمَةِ النِّصْفِ الذى مع الفُلُوسِ يَقِينًا، وقِيمَةُ الفلُوسِ، كَقِيمَةِ النِّصْفِ الآخَرِ، سواءٌ.
فصل: وما كان مُشْتَمِلًا على جِنْسَيْنِ بأصْلِ الخِلْقَةِ، كالتَّمْرِ الذى اشْتَمَلَ على النَّوَى وما عليه، والحَيَوانِ المُشْتَمِلِ على لَحْمٍ وشَحْمٍ وغيرِه، وأشْباهِ ذلك، فهذا إذا قُوبِلَ بِمِثْلِه، جازَ بَيْعُه به، ولا نَظَرَ إلى ما فيه، فإنَّ النَّبِىَّ ﷺ أجازَ بَيْعَ التَّمْرِ بالتَّمْرِ (٢٣)، والحَيَوَانِ بالحَيَوانِ (٢٤). وقد عَلِمَ اشْتِمالَهُما (٢٥) على ما فيهما، ولو باعَ ذلك بِنَوْعٍ غيرِ مَقْصُودٍ فيه، كَبَيْعِ التَّمْرِ الذى فيه النَّوَى بالنَّوَى، ففيه عن أحمدَ رِوَايَتانِ، قد ذَكَرْناهما فيما مَضَى، فأمَّا العسلُ قبل تَصْفِيَتِه، فقال أصْحابُنا: لا يجوزُ بَيْعُ بَعْضِه بِبَعْضٍ؛ لاشْتِمَالِه على عَسَلٍ وشَمْعٍ، وذلك بِفِعْلِ النَّحْلِ، فأشْبَهَ السَّيْفَ المُحَلَّى.
فصل: ويُحَرَّمُ الرِّبا فى دارِ الحَرْبِ، كَتَحْرِيمِه فى دارِ الإِسْلامِ. وبه قال مالِكٌ، والأوْزاعِىُّ، وأبو يوسفَ، والشَّافِعِىُّ، وإسْحاقُ. وقال أبو حنيفةَ: لا يَجْرِى الرِّبا
стр. 2709
بين مُسْلِمٍ وحَرْبِىٍّ فى دارِ الحَرْبِ. وعنه فى مُسْلِمَيْنِ أَسْلَما فى دارِ الحَرْبِ، لا رِبًا بينهما. لما رَوَى مَكْحُولٌ، عن النَّبِىِّ ﷺ ، أنَّه قال: "لا رِبًا بين المُسْلِمِينَ وأَهْلِ الحَرْبِ فى دَارِ الحَرْبِ" (٢٦). ولأنَّ أمْوالَهُم مُباحَةٌ، وإنما حَظَرَها الأمانُ فى دارِ الإِسْلامِ، فما لم يكن كذلك كان مُباحًا. ولنا، قولُ اللهِ تَعالَى: ﴿وَحَرَّمَ الرِّبَا﴾ (٢٧). وقولُه: ﴿الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبَا لَا يَقُومُونَ إِلَّا كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنَ الْمَسِّ﴾ (٢٧). وقال تَعالَى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا﴾ (٢٨). وعُمُومُ الأخْبارِ يَقْتَضِى تَحْرِيمَ التَّفاضُلِ. وقولُه: "مَنْ زَادَ أوِ ازْدَادَ فَقَدْ أَرْبَى" (٢٩). عَامٌّ، وكذلك سائِرُ الأحَادِيثِ. ولأنَّ ما كان مُحَرَّمًا فى دارِ الإِسْلامِ كان مُحَرَّمًا فى دارِ الحَرْبِ، كالرِّبا بين المُسْلِمِينَ، وخَبَرُهُم مُرْسَلٌ لا نَعْرِفُ صِحَّتَهُ، ويحتَمِلُ أنَّه أرادَ النَّهْىَ عن ذلك، ولا يجوزُ تَرْكُ ما وَرَدَ بِتَحْرِيمِه القُرْآنُ، وتَظَاهَرَتْ به السُّنَّةُ، وانْعَقَدَ الإجْماعُ على تَحْرِيمِه، بِخَبَرٍ مَجْهُولٍ، لم يَرِدْ فى صَحِيحٍ، ولا مُسْنَدٍ، ولا كِتابٍ مَوْثُوقٍ به، وهو مع ذلك مُرْسَلٌ محْتَمِلٌ. [ويحتَمِلُ أنَّ المُرادَ بقولِه: "لا رِبًا". النَّهْىُ عن الرِّبا، كقولِه: ﴿فَلَا رَفَثَ وَلَا فُسُوقَ وَلَا جِدَالَ فِي الْحَجِّ (٣٠)﴾] (٣١)، وما ذَكَروهُ من الإِباحَةِ مُنْتَقِضٌ بالحَرْبِىِّ إذا دَخَلَ دارَ الإِسْلامِ، فإنَّ مالَهُ مُباحٌ، إلَّا فيما حَظرَهُ الأَمانُ، ويُمْكِنُ حَمْلُه بين المُسْلِمِينَ على هَيْئَةِ (٣٢) التَّفاضُلِ، وهو مُحَرَّمٌ بالإجْماعِ، فكَذا هاهُنا.
стр. 2710
٧١٤ - مسألة؛ قال: (وإذا اشْتَرَى ذَهَبًا بِوَرِقٍ عَيْنًا بِعَيْنٍ، فوَجَدَ أحَدُهُمَا فيما اشْتَراهُ عَيْبًا، فَلَهُ الْخِيَارُ بَيْنَ أنْ يَرُدَّ أو يَقْبَلَ، إذَا كَانَ بِصَرْفِ يَوْمِهِ، وَكَانَ الْعَيْبُ يَدْخُلُ (١) عَلَيْهِ مِنْ غَيْرِ جِنْسِهِ)
مَعْنَى قولِه: "عَيْنًا بِعَيْنٍ" هو أن يقولَ: بِعْتُكَ هذا الدِّينارَ بهذه الدَّراهمِ. ويُشِيرُ إليهما، وهما حاضِرانِ، وبغيرِ عَيْنِه، أنْ يوقعَ العَقْدَ على مَوْصُوفٍ غيرِ مُشَارٍ إليه، فيقولَ: بِعْتُكَ دينارًا مِصْرِيًّا بِعَشْرَةِ دراهمَ ناصِرِيَّةٍ. وإن وَقَعَ القَبْضُ فى المَجْلِسِ، وقد يكون أحَدُ العِوَضَيْنِ مُعَيَّنًا دون الآخَرِ، وكلُّ ذلك جائِزٌ. والمَشْهُورُ فى المَذْهَبِ، أنَّ النُّقُودَ تَتَعَيَّنُ بِالتَّعْيِينِ فى العُقودِ، فيَثْبُتُ المِلْكُ فى أَعْيانِها، فعلى هذا إذا تَبايَعا ذهبًا بِفِضَّةٍ مع التَّعْيِينِ فيهما، ثم تَقابَضا، فوَجَدَ أحَدُهُما بما قَبَضَهُ عَيْبًا، لم يَخْلُ من قِسْمَيْنِ؛ أحدُهما، أن يَكُونَ العَيْبُ غِشًّا من غيرِ جِنْسِ المَبِيعِ، مثلَ أن يَجدَ الدَّراهمَ رَصاصًا، أو نُحاسًا، أو فيه شىءٌ من ذلك، أو الدِّينَارَ مَسْحًا، فالصَّرْفُ باطِلٌ. نَصَّ عليه أحْمَدُ، وهو قولُ الشَّافِعِىِّ، وذَكَرَ أبو بكرٍ فيها ثَلاثَ رِواياتٍ؛ إحداهن، البَيْعُ باطِلٌ. والثانِيَةُ، البَيْعُ صَحِيحٌ؛ لأنَّ البَيْعَ وَقَعَ على عَيْنِه، ولِلْمُشْتَرِى الخِيارُ بين الإِمْساكِ، أو الرَّدِّ، وأَخْذِ البَدَلِ. والثالثة، يَلْزَمُه العَقْدُ، ولَيْسَ له رَدُّهُ، ولا بَدَلُه. ولنا، أنَّه باعَهُ غيرَ ما سَمَّى له، فلم يَصِحَّ، كما لو قال: بِعْتُكَ هذه البَغْلَةَ. فإذا هو حِمارٌ، أو هذا الثَّوْبَ القَزَّ. فوَجَدَهُ كَتَّانًا. وأمَّا القولُ بأنَّه يَلْزَمُه المَبِيعُ، فغيرُ صحيحٍ. فإنِ اشْتَرَى مَعِيبًا لم يَعْلَمْ عَيْبَه، فلم يَلْزَمْه ذلك بغيرِ أَرْشٍ (٢)، كسائِرِ المَبِيعاتِ. ثم إنَّ أبا بكرٍ يقولُ فى مَنْ دَلَّسَ العَيْبَ: لا يَصِحُّ بَيْعُه مع وُجُودِ ذاتِ المُسَمَّى فى البَيْعِ. فهاهُنا مع اخْتِلافِ (٣) الذَّاتِ أولَى. القسمُ الثانى، أن يكونَ العَيْبُ من جِنْسِه، مثلُ كَوْنِ الفِضَّةِ سَوْدَاءَ، أو خَشِنَةً تَتَفَطَّرُ عند
стр. 2711
الضَّرْبِ، أو سَكَّتِها مُخالِفَةً لِسَكَّةِ السلطَانِ، فالعَقْدُ صحيحٌ، والمُشْتَرِى مُخَيَّرٌ بين الإِمْساكِ وبين فَسْخِ العَقْدِ والرَّدِّ، وليس له البَدَلُ؛ لأنَّ العَقْدَ واقِعٌ على عَيْنِه، فإذا أخَذَ غيرَه، أخَذَ ما لم يَشْتَرِه، وإن قلنا: إنَّ النَّقْدَ لا يَتَعَيَّنُ بالتَّعْيِينِ فى العَقْدِ. فله أخْذُ البَدَلِ، ولا يَبْطُلُ العَقْدُ؛ لأنَّ الذى قَبَضَهُ ليس هو المَعْقُودَ عليه، فأَشْبَهَ السَّلَمَ إذا قَبَضَهُ، فوَجَدَ به عَيْبًا. وإن كان العَيْبُ فى بَعْضِه، فله رَدُّ الكُلِّ أو إمْساكُه. وهل له رَدُّ المَعِيبِ، وإمْساكُ الصَّحِيحِ؟ على وَجْهَيْنِ، بِناءً على تَفْرِيقِ الصَّفْقَةِ، والحُكْمُ فيما إذا كان العِوَضانِ من جِنْسٍ واحِدٍ، كالحُكْمِ فى الجِنْسَيْنِ، على ما ذَكَرْنا. لكن يَتَخَرَّجُ على قولِ من مَنَعَ بَيْعَ النَّوْعَيْنِ بِنَوْعٍ واحِدٍ من ذلك الجِنْسِ، أنَّه إذا وَجَدَ بعضَ العِوَضِ مَعِيبًا، أن يَبْطُلَ العَقْدُ فى الجَمِيعِ؛ لأنَّ الذى يُقابِلُ المَعِيبَ أقَلُّ من الذى يُقابِلُ الصَّحِيحَ، فيَصِيرُ كمَسْأَلَةِ مُدِّ عَجْوَةٍ. ومذهبُ الشَّافِعِىِّ مثلُ ما ذَكَرْنا فى هذا ال فَصْلِ ، سواءٌ.
فصل: ولو أرادَ أخْذَ أَرْشِ العَيْبِ، والعِوَضانِ فى الصَّرْفِ من جِنْسٍ واحِدٍ، لم يَجُزْ؛ لِحُصُولِ الزِّيادَةِ فى أحَدِ العِوَضَيْنِ، وفواتِ المُماثَلَةِ المُشْتَرَطَةِ فى الجِنْسِ الواحِدِ، وخَرَّجَ القاضى وَجْهًا بِجَوازِ أَخْذِ الأَرْشِ فى المَجْلِسِ؛ لأنَّ الزِّيادَةَ طَرَأَتْ بعد العَقْدِ، وليس لهذا الوَجْهِ وَجْهٌ. فإنَّ أَرْشَ العَيْبِ من العِوَضِ، يُجْبَرُ به فى المُرابَحَةِ، ويأْخُذُ به الشَّفِيعُ، ويَرُدُّ به (٤)، إذا رَدَّ المَبِيعَ بِفَسْخٍ، أو إقالَةٍ، ولو لم يَكُنْ من العِوَضِ، فبأىِّ شىءٍ اسْتَحَقَّهُ المُشْتَرِى؟ فإنَّه ليس بِهِبَةٍ، على أنَّ الزِّيادَةَ فى المَجْلِسِ من العِوَضِ، ولو لم يكُنْ أرْشًا، فالأَرْشُ أَوْلَى. وإن كان الصَّرْفُ بغيرِ جِنْسِه، فله أخْذُ الأَرْشِ فى المَجْلِسِ؛ لأنَّ المُماثَلَةَ غيرُ مُعْتَبَرةٍ، وتَخَلُّفُ قَبْضِ بعضِ العِوَضِ عن بعضٍ ما داما فى المَجْلِسِ، لا يَضُرُّ، فجازَ، كما فى سائِرِ البَيْعِ، وإن كان بعدَ التَّفَرُّقِ، لم يَجُزْ؛ لأنَّه يُفْضِى إلى حُصولِ التَّفَرُّقِ قبلَ القَبْضِ لأحدِ العِوَضَيْنِ، إلَّا أن يَجْعَلا الأرْشَ من غيرِ جِنْسِ الثَّمَنِ، كأنَّه أخَذَ أرْشَ عَيْبِ
стр. 2712
الفِضَّةِ قَفِيزَ حِنْطَةٍ. فيجوزُ، وكذلك الحُكْمُ فى سائِرِ أمْوالِ الرِّبا فيما بِيعَ بِجِنْسِه، أو بغير جِنْسِه، مما يُشْتَرَطُ فيه القَبْضُ، فإذا كان الأَرْشُ مِمَّا لا يُشْتَرَطُ قَبْضُه (٥)، كمن باعَ قَفِيزَ حِنْطَةٍ بِقَفِيزَىْ شَعِيرٍ، فوَجَدَ أحَدُهُما عَيْبًا فأخَذَ أَرْشَه درهمًا، جازَ، وإن كان بعد التَّفَرُّقِ؛ لأنَّه لم يَحْصُلِ التَّفَرُّقُ قبلَ قَبْضِ ما شُرِطَ (٦) فيه القَبْضُ.
فصل: قولُ الْخِرَقِىِّ: "إذا كانَ بِصَرْفِ يَوْمِهِ". يَعْنِى الرَّدُّ جائِزٌ، ما لم يَنْقُصْ قِيمَةَ ما أخَذَهُ من النَّقْدِ عن قِيمَتِه يَوْمَ اصْطَرَفا، فإن نَقَصَتْ قِيمَتُه، كأن أخَذَ عَشرَةً بدينارٍ، فصارَتْ أحدَ عشرَ بدِينارٍ، فظاهِرُ كَلامِ أحمدَ والخِرَقِىِّ، أنَّه لا يَمْلِكُ الرَّدَّ؛ لأنَّ المَبِيعَ تَعَيَّبَ فى يَدِهِ؛ لِنَقْص قِيمَتِه، وإنَ كانَتْ قِيمَتُه قد زادَتْ، مثل أنْ صارَتْ تِسْعَةً بدينارٍ، لم يَمْنَعِ الرَّدَّ؛ لأنَّه زِيَادَةٌ، وليس بِعَيْبٍ. والصَّحِيحُ أنَّ هذا لا يَمْنَعُ الرَّدَّ؛ لأنَّ تَغَيُّرَ السِّعْرِ ليس بِعَيْبٍ، ولهذا لا يُضْمَنُ فى الغَصْبِ، ولا يَمْنَعُ من الرَّدِّ (٧) بالعَيْبِ فى القَرْضِ. ولو كان عَيْبًا، فإنَّ ظاهِرَ المَذْهَبِ أنَّه إذا تَعَيَّبَ المَبِيعُ عندَ المُشْتَرِى، ثم ظَهَرَ على عَيْبٍ قَدِيمٍ، فله رَدُّهُ، ورَدُّ أَرْشِ العَيْبِ الحادِثِ عندَه، وأخْذُ الثَّمَنِ.
فصل: وإن تَلِفَ العِوَضُ فى الصَّرْفِ بعد القَبْضِ، ثم عَلِمَ عَيْبَه، فَسَخَ العَقْدَ، ورَدَّ المَوْجُودَ، وتَبْقَى قِيمَةُ العَيْبِ فى ذِمَّةِ من تَلِفَ فى يَدِه، فَيرُدُّ مِثْلَها، أو عِوَضَها إنِ اتَّفَقا على ذلك، سواءٌ كان الصَّرْفُ بِجِنْسِه أو بغيرِ جِنْسِه. ذَكَرَهُ ابن عَقِيلٍ، وهو قولُ الشَّافِعِىِّ. قال ابن عَقِيلٍ: وقد رُوِىَ عن أحمدَ جَوازُ أخْذِ الأرْشِ، والأولُ أولَى، إلَّا أن يَكُونا فى المَجْلِسِ، والعِوَضانِ من جِنْسَيْنِ.
فصل: إذا عَلِمَ (٨) المُصْطَرِفانِ قَدْرَ العِوَضَيْنِ، جاز أن يَتَبايعا بغيرِ وَزْنٍ. وكذلك لو أخْبَرَ أحَدُهما الآخَرَ بِوَزْنِ ما معه، فصَدَّقَهُ، فإذا باعَ دينارًا بدينارٍ كذلك، وافْتَرَقا، فوَجَدَ أحَدُهُما ما قَبَضَهُ ناقِصًا، بَطلَ الصَّرْفُ؛ لأنَّهما تَبايَعا
стр. 2713
ذهَبًا بِذَهَبٍ مُتَفاضِلًا، فإن وجَدَ أحَدُهما فيما قَبَضَهُ زِيادَةً على الدِّينَارِ، نَظَرْتَ فى العَقْدِ، فإن كان قال: بِعْتُكَ هذا الدِّينارَ بهذا. فالعَقْدُ باطِلٌ؛ لأنَّه باعَ ذَهَبًا بِذَهَبٍ مُتَفاضِلًا، وإن قال: بِعْتُكَ دينارًا بِدينارٍ. ثم تَقابَضا، كان الزَّائِدُ فى يَدِ القابِضِ مُشاعًا مَضْمُونًا لِمالِكِه؛ لأنَّه قَبَضَهُ على أنَّه عِوَضٌ، ولم يَفْسُدِ العَقْدُ؛ لأنَّه إنَّما باعَ دِينارًا بمِثْلِه، وإنَّما وَقَعَ القَبْضُ لِلزِّيادَةِ على المَعْقُودِ عليه، فإن أرادَ دَفْعَ عِوَضِ الزَّائِدِ، جازَ، سواءٌ كان من جِنْسِه، أو من غيرِ جِنْسِه؛ لأنَّه مُعاوَضَةٌ مُبْتَدَأَةٌ، وإن أرادَ أحَدُهُما الفَسْخَ، فله ذلك؛ لأنَّ آخِذَ الزَّائِدِ وَجَدَ المَبِيعَ مُخْتَلِطًا بغيرِه مَعِيبًا بِعَيْبِ الشَّرِكَةِ، ودَافِعُه لا يَلْزَمُه أخْذُ عِوَضِه، إلَّا أن يكونَ فى المَجْلِسِ، فيَرُدَّ الزَّائِدَ، ويَدْفَعَ بَدَلَهُ. ولو كان لِرَجُلٍ على رَجُلٍ عشرةُ دنانيرَ، فوَفَّاهُ عشرةً عَدَدًا، فوَجَدَها أحَدَ عَشرَ، كان هذا الدِّينارُ الزَّائِدُ فى يَدِ القابِضِ مُشاعًا مَضْمُونًا لِمَالِكِه؛ لأنَّه قَبَضَهُ على أنَّه عِوَضٌ عن مالِهِ، فكان مَضْمُونًا بهذا القَبْضِ، ولِمالِكِه التَّصَرُّفُ فيه كيف شاءَ.
فصل: والدَّراهِمُ والدَّنانِيرُ تَتَعَيَّنُ بالتَّعْيِينِ فى العَقْدِ (٩)، بمَعْنَى أنَّه يَثْبُتُ المِلْكُ بالعَقْدِ فيما عَيَّنَاهُ، ويَتَعَيَّنُ عِوَضًا فيه، فلا يجوزُ إبْدالُه، وإن خَرَجَ مَغْصُوبًا، بَطَلَ العَقْدُ. وبهذا قال مالِكٌ والشَّافِعىُّ. وعن أحمدَ، أنَّها لا تَتَعَيَّنُ بالعَقْدِ، فيجوزُ إبْدالُها، ولا يَبْطُلُ العَقْدُ بِخُرُوجِها مَغْصُوبَةً. وهذا مذهبُ أبى حنيفةَ؛ لأنَّه يَجُوزُ إطْلاقُها فى العَقْدِ، فلا تَتَعَيَّنُ بالتَّعْيِينِ فيه، كالمِكْيَالِ والصَّنْجَةِ. ولنا، أنَّه عِوَضٌ فى عَقْدٍ، فيَتَعَيَّنُ بالتَّعْيِينِ كسائِرِ الأعْواضِ، ولأنَّه أحَدُ العِوَضَيْنِ فيَتَعَيَّنُ (١٠) كالآخَرِ، ويُفارِقُ ما ذَكَرُوهُ، فإنَّه ليس بِعِوَضٍ، وإنَّما يُرادُ لتَقْدِيرِ العُقُودِ عليه، وتَعْرِيفِ قَدْرِه، ولا يَثْبُتُ فيها المِلْكُ بحالٍ، بخِلافِ مَسْأَلَتِنا.
стр. 2714
٧١٥ - مسألة؛ قال: (وَإذَا تَبَايَعَا ذلِك بِغَيْرِ عَيْنِهِ، فَوَجَدَ أحَدُهُمَا فِيمَا اشْتَراهُ عَيْبًا، فَلَهُ الْبَدَلُ، إذَا كَانَ الْعَيْبُ لَيْسَ بِدَخِيلٍ عَلَيْهِ مِنْ غير جِنْسِهِ، كَالْوُضُوحِ فِى الذَّهَبِ والسَّوادِ فِى الفِضَّةِ)
يعنى اصْطَرَفا فى الذِّمَّةِ، نحوُ أن يقولَ: بِعْتُكَ دينارًا مِصْرِيًّا بعشرةِ دراهمَ. فيقولُ الآخَرُ: قَبِلْتُ. فيَصِحُّ البَيْعُ (١)، سواءٌ كانت الدَّراهِمُ والدَّنانيرُ عندهما، أو لم يَكُونا، إذا تَقابَضا قبل الافْتِراقِ، بأن يَسْتَقْرِضا أو غيرَ ذلك. وبهذا قال أبو حنيفةَ والشَّافِعِىُّ. وحُكِىَ عن مالِكٍ، لا يجوزُ الصَّرْفُ، إلَّا أن تكونَ العَيْنانِ حاضِرَتَيْنِ. وعنه، لا يجوزُ حتى تَظْهَرَ إحْدَى العَيْنَيْنِ، وتُعَيَّنَ. وعن زُفَرَ مثلُه؛ لأنَّ النَّبِىَّ ﷺ قال: "لَا تَبِيعُوا غَائِبًا مِنْهَا بِناجِزٍ" (٢). ولأنَّه إذا لم يُعَيَّنْ أحَدُ العِوَضَيْنِ، كان بَيْعَ دَيْنٍ بِدَيْنٍ، وهو غيرُ جائِزٍ. ولنا، أنَّهما تَقابَضا فى المَجْلِسِ، فَصَحَّ، كما لو كانا حاضِرَيْنِ. والحَدِيثُ يُرادُ به أن لا يُباعَ عاجِلٌ بآجِلٍ، أو مَقْبُوضٌ بغير مَقْبُوضٍ؛ بِدَلِيلِ ما لو عَيَّنَ أحَدَهما، فإنَّه يَصِحُّ، وإن كان الآخَرُ غائِبًا، والقَبْضُ فى المَجْلِسِ يَجْرِى مَجْرَى القَبْضِ حالَةَ العَقْدِ، ألا تَرَى إلى قولِه: "عَيْنًا بِعَيْنٍ" (٣). "يَدًا بِيَدٍ" (٣). والقَبْضُ يَجْرِى فى المَجْلِسِ، كذا التَّعَيُّنُ. فإذا ثَبتَ هذا، فلا بُدَّ من تَعْيِينِهِما بالتَّقَابُضِ فى المَجْلِسِ، ومتى تَقابَضا، فوَجَدَ أحَدُهما بما قَبَضَه عَيْبًا قبلَ التَّفَرُّقِ، فلَهُ المُطالَبةُ بالبَدَلِ، سواءٌ كان العَيْبُ من جِنْسِه، أو مِن غيرِ جِنْسِه؛ لأنَّ العَقْدَ وَقَعَ على مُطْلَقٍ، لا عَيْبَ فيه، فله المُطالَبَةُ بما وَقَعَ عليه العَقْدُ، كالمُسْلَمِ فيه. وإن رَضِيَهُ بِعَيْبِه، والعَيْبُ من جِنْسِه، جازَ، كما لو رَضِىَ بالمُسْلَمِ فيه مَعِيبًا، وإنِ اخْتارَ أخْذَ الأرْشِ (٤)، فإن كان العِوَضانِ من جِنْسٍ واحدٍ، لم يَجُزْ، لإِفْضائِه
стр. 2715
إلى التَّفاضُلِ فيما يُشْتَرَطُ فيه التَّماثُلُ، وإن كانا من جِنْسَيْنِ، جازَ. فأمَّا إن تَقابَضا وافْتَرَقا، ثم وَجَدَ العَيْبَ من جِنْسِه، فله إبْدالُه فى إحْدَى الرِّوايَتَيْنِ. اخْتارَها الخَلَّالُ، والخِرَقِىُّ. ورُوِىَ ذلك عن الحسنِ، وقَتادَةَ. وبه قال أبو يوسفَ ومحمدٌ، وهو أحدُ قَوْلَىِ الشَّافِعِىِّ؛ لأنَّ ما جازَ إبْدالُهُ قبلَ التَّفَرُّقِ، جازَ بعدَه، كالمُسْلَمِ فيه. والرِّوايَةُ الثانيةُ، ليس له ذلك، وهو قولُ أبى بكرٍ، ومذهبُ أبى حنيفةَ، والقولُ الثانى للشَّافِعِىِّ؛ لأنَّه يَقْبِضُه بعد التَّفَرُّقِ، ولا يجوزُ ذلك فى الصَّرْفِ، ومَن صار إلى الرِّوايَةِ الأُولَى قال: قَبْضُ الأوَّلِ صَحَّ به العَقْدُ، وقَبْضُ الثانى يَدُلُّ على الأوَّلِ. ويُشْتَرَطُ أن يأْخُذَ البَدَلَ فى مَجْلِسِ الرَّدِّ، فإن تَفَرَّقا من غيرِ قَبْضٍ بَطَلَ العَقْدُ، وإن وَجَدَ البَعْضَ رَدِيئًا فرَدَّهُ، فعلَى الرِّوايَةِ الأُولَى، له البَدَلُ، وعلى الثَّانيةِ، يَبْطُلُ فى المَرْدُودِ. وهل يَصِحُّ فيما لم يَرُدَّ؟ على وَجْهَيْنِ، بِناءً على تَفْرِيقِ الصَّفْقَةِ، ولا فرْقَ بين كونِ المَبِيعِ من جِنْسٍ أو من جِنْسَيْنِ. وقال مالِكٌ: إن وَجَدَ درهمًا زَيْفًا فرَضِىَ به، جازَ، وإن رَدَّهُ، انتقَضَ الصَّرْفُ فى دِينارٍ، وإن رَدَّ أحدَ عشرَ درهمًا، انتقَضَ الصَّرْفُ فى دينارينِ، وكلَّما زادَ على دينارٍ، انتقَضَ الصَّرْفُ فى دينارٍ آخَرَ. ولَنا، أنَّ ما لا عَيْبَ فيه لم يُرَدَّ، فلم يَنْتَقِضِ الصَّرْفُ فيما يُقابِلُه، كسائِرِ العِوَضِ. وإنِ اخْتارَ واجدُ العَيْبِ الفَسْخَ، فعلَى قَوْلِنا له البَدَلُ، ليس له الفَسْخُ إذا أبْدَلَ له؛ لأنَّه يُمكنُه أخْذُ حَقِّه غيرَ مَعِيبٍ، وعلى الرِّوايَةِ الأُخْرَى، له الفَسْخُ، أو الإِمْساكُ فى الجَمِيعِ؛ لأنَّه تَعَذَّرَ عليه الوُصُولُ إلى ما عَقَدَ عليه مع إبْقاءِ العَقْدِ. فإن اخْتارَ أخْذَ أَرْشِ العَيْبِ بعد التَّفَرُّقِ، لم يكُنْ له ذلك؛ لأنَّه عِوَضٌ يَقْبِضُه بعد التَّفَرُّقِ عن الصَّرْفِ، إلَّا على الرِّوايَةِ الأُخْرَى.
فصل: ومِنْ شَرْطِ المُصارَفَةِ فى الذِّمَّةِ، أن يكونَ العِوَضانِ مَعْلُومَيْنِ، إمَّا بِصِفَةٍ يَتَمَيَّزانِ بها، وإمَّا أن يكونَ لِلْبَلَدِ نَقْدٌ مَعْلُومٌ أو غالِبٌ، فيَنْصَرِفُ الإِطْلاقُ إليه. ولو قال: بِعْتُكَ دينارًا (٥) مِصْرِيًّا بِعِشْرِينَ درهمًا من نَقْدِ عشرةٍ بدينارٍ. لم يَصِحَّ،
стр. 2716
إلَّا أن لا يكونَ فى البلدِ نَقْدُ عشرةٍ بدينارٍ، إلَّا نَوْعٌ واحِدٌ، فَتنْصَرِفُ تلك الصِّفَةُ إليه. وكذلك الحُكْمُ فى البَيْعِ.
فصل: إذا كان لِرَجُلٍ فى ذِمَّةِ رَجُلٍ ذَهَبٌ، وللآخَرِ عليه دراهمُ، فَاصْطَرَفا (٧) بما فى ذِمَّتِهِما، لم يَصِحَّ، وبهذا قال اللَّيْثُ، والشَّافِعِىُّ. وحَكَى ابنُ عبدِ البَرِّ عن مالِكٍ وأبى حنيفةَ جَوازَهُ؛ لأنَّ الذِّمَّةَ الحاضِرَةَ كالعَيْنِ الحاضِرَةِ؛ ولذلك جازَ أن يَشْتَرِىَ الدَّراهمَ بِدنانيرَ (٨) من غيرِ تَعْيينٍ. ولنا، أنَّه بَيْعُ دَيْنٍ بِدَيْنٍ، ولا يجوزُ ذلك بالإِجْماعِ. قال ابنُ المُنْذِرِ: أجْمَعَ أهْلُ العِلْمِ على أنَّ بَيْعَ الدَّيْنِ بالدَّيْنِ لا يجوزُ. وقال أحمدُ: إنَّما هو إجْماعٌ. وقد رَوَى أبو عُبَيْدٍ فى "الغَرِيبِ" (٩)، أنَّ النَّبِىَّ ﷺ نَهَى عن بَيْعِ الكَالِىء بالكَالِىء. وَفسَّرَهُ بالدَّيْنِ بالدَّيْنِ. إلًّا أنَّ الأَثْرَمَ رَوَى عن أحمدَ، أنَّه سُئِلَ: أيَصِحُّ فى هذا حَدِيثٌ؟ قال: لا. وإنما صَحَّ الصَّرْفُ بغير تَعْيِينٍ، بِشَرْطِ أن يَتَقابَضا فى المَجْلِسِ، فجَرَى القَبْضُ والتَّعْيِينُ فى المَجْلِسِ مَجْرَى وُجُودِه حالَةَ العَقْدِ. ولو كان لِرَجُلٍ على رَجُلٍ دَنانيرُ، فقَضاهُ دراهمَ شَيْئًا بعد شَىْءٍ نَظَرْتَ، فإن كان يُعْطِيه كُلَّ درهمٍ بحِسابِه من الدِّينارِ، صَحَّ. نَصَّ عليه أحمدُ. وإن لم يَفْعَلْ ذلك، ثم تَحاسَبا بعد ذلك (١٠) فصارَفَهُ بها وَقْتَ المُحاسَبَةِ، لم يَجُزْ. نصَّ عليه أيضًا؛ لأنَّ الدَّنانيرَ دَيْنٌ، والدَّراهمَ صَارَتْ دَيْنًا، فيَصِيرُ بَيْعَ دَيْنٍ بِدَيْنٍ. وإن قَبَضَ أحَدُهما من الآخَرِ مالَهُ عليه، ثم صارَفَهُ بِعَيْنٍ وذِمَّةٍ، صَحَّ. وإذا أعْطاهُ الدَّراهمَ شَيْئًا بعد شىءٍ، ولم يَقْضِه ذلك وَقْتَ دَفْعِها إليه، ثم أحْضَرَها، وقَوَّماها (١١)، فإنَّه يَحْتَسِبُ بِقِيمَتِها يومَ القَضاءِ، لا يومَ دَفْعِها إليه؛ لأنَّها قبلَ
стр. 2717
ذلك لم تَصِرْ فى مِلْكِه، إنَّما هى وَدِيعَةٌ فى يدِهِ، فإن تَلِفَتْ، أو نَقَصَتْ، فهى من ضَمانِ مالِكِها، ويحْتَمِلُ أن تكونَ من ضَمانِ القابِضِ لها إذا قَبَضَها بِنِيَّةِ الاسْتِيفاءِ؛ لأنَّها مَقْبُوضَةٌ على أنَّها عِوَضٌ وَوَفاءٌ، والمَقْبُوضُ فى عَقْدٍ فاسدٍ كالمَقْبُوضِ فى العَقْدِ الصَّحِيحِ، فيما يَرْجِعُ إلى الضَّمانِ وعَدَمِهِ. ولو كان لِرَجُلٍ عندَ صَيْرَفِىٍّ دنانيرُ، فأخَذَ منه دَراهِمَ إدْرارًا؛ لتكونَ هذه بهذه، لم يكُنْ كذلك، بل كان (١٢) كلُّ واحدٍ منهما فى ذِمَّةِ مَن قَبَضَه، فإذا أرادَا التَّصارُفَ أحْضَرَا أحَدَهما، واصْطَرَفَا بعَيْنٍ وذِمَّةٍ.
فصل: ويَجُوزُ اقْتِضاءُ أحَدِ النَّقْدَيْنِ من الآخَرِ، ويكون صَرْفًا بِعَيْنٍ وَذِمَّةٍ، فى قولِ أكْثَرِ أهْلِ العِلْمِ، ومَنَعَ منه ابنُ عَبَّاسٍ، وأبو سَلَمَةَ بنُ عبدِ الرحمنِ، وابنُ شُبْرُمَةَ، ورُوِىَ ذلك عن ابنِ مَسْعُودٍ؛ لأنَّ القَبْضَ شَرْطٌ وقد تَخَلَّفَ. ولَنا، ما رَوَى أبو داودَ (١٣)، والأثْرَمُ، فى "سُنَنِهما"، عن ابن عمرَ، قال: كنتُ أَبِيعُ الإِبِلَ بالبَقِيعِ، فأَبِيعُ بالدَّنانيرِ وآخُذُ الدَّراهمَ، وأَبِيعُ بالدَّراهمِ وآخُذُ الدَّنانيرَ، آخُذُ هذه مِن هذه، وأُعْطِى هذه مِن هذه، فأتيتُ النَّبِىَّ ﷺ فى بَيْتِ حَفْصَةَ، فقلتُ: يا رسولَ اللهِ، رُوَيْدَكَ، أسأَلُكَ، إنِّى أَبيعُ الإِبِلَ بالبَقيعِ، فأَبيعُ بالدَّنانيرِ، وآخُذُ الدَّراهمَ، وأبيعُ بالدَّراهمِ، وآخُذُ الدَّنانيرَ، آخُذُ هذه مِن هذه، وأُعْطى هذه من هذه؟ فقال رسولُ اللهِ ﷺ : "لا بَأْسَ أن تَأْخُذَهَا بِسِعْرِ يَوْمِها، مَا لَمْ تَفْتَرِقَا وَبَيْنَكُما شَىْءٌ". قال أحمدُ: إنَّما يَقْضيه إيَّاها بالسِّعْرِ. لم يَخْتَلِفُوا أنَّه يَقْضيه إيَّاها بالسِّعْرِ، إلَّا ما قال أصحابُ الرَّأْىِ، إنَّه يَقْضيه مَكانَها ذَهَبًا على التَّراضِى؛
стр. 2718
لأنَّه بَيْعٌ فى الحالِ، فجازَ ما تَراضَيا عليه إذا اخْتَلَفَ الجِنْسُ، كما لو كان العِوَضُ عَرْضًا. وَوَجْهُ الأَوَّلِ قولُ النَّبِىِّ ﷺ : "لا بَأْسَ أن تَأْخُذَها بِسِعْرِ يَوْمِها". ورُوِىَ عن ابنِ عمرَ: أنَّ بَكْرَ بنَ عبدِ اللهِ المُزَنِىَّ، ومَسْرُوقًا العِجْلِىَّ، سَألاهُ عن كَرِيٍّ (١٤) لهما، له عليهما دراهمُ، وليس معهما إلَّا دنانيرُ؟ فقال ابنُ عمرَ: أعْطُوهُ بِسِعْرِ السُّوقِ. ولأنَّ هذا جَرَى مَجْرَى القَضَاءِ، فقُيِّدَ (١٥) بالمِثْلِ، كما لو قَضاهُ من الجِنْسِ، والتَّمَاثُلُ هاهُنا من حيثُ القيمَةُ؛ لِتَعَذُّرِ التَّماثُلِ من حيثُ الصُّورَةُ. قيل لأبى عبدِ اللهِ: فإنَّ أهْلَ السُّوقِ يَتَغابَنونَ بينهم بالدَّانَقِ فى الدِّينارِ وما أشبَهَهُ؟ فقال: إذا كان مِمَّا يَتَغابَنُ النَّاسُ به فسَهْلٌ فيه، ما لم يَكُنْ حِيلَةً، ويُزَاد شَيْئًا كَثِيرًا.
فصل: فإن كانَ المَقْضِىُّ الذى فى الذِّمَّةِ مُؤَجَّلًا، فقد تَوَقَّفَ أحمدُ فيه. وقال القاضى: يَحْتَمِلُ وَجْهَيْنِ؛ أحدهما، المَنْعُ، وهو قولُ مالِكٍ، ومَشْهُورُ قَوْلَىِ الشَّافِعِىِّ؛ لأنَّ ما فى الذِّمَّةِ لا يُسْتَحَقُّ قَبْضُه، فكان القَبْضُ ناجِزًا فى أحَدِهما، والنَّاجِزُ يأْخُذُ قِسْطًا من الثَّمَنِ. والآخرُ، الجوازُ، وهو قولُ أبى حنيفةَ؛ لأنَّه ثابِتٌ فى الذِّمَّةِ بمَنْزِلَةِ المَقْبوضِ، فكأنَّه رَضِىَ بِتَعْجيلِ المُؤَجَّلِ. والصَّحيحُ الجَوازُ، إذا قَضاهُ بِسِعْرِ يَوْمِها، ولم يجعَلْ لِلْمَقْضِىِّ فَضْلًا لأجْلِ تَأْجيلِ ما فى الذِّمَّةِ؛ لأنَّه إذا لم ينْقُصْه عن سِعْرِها شَيْئًا، فقد رَضِىَ بِتَعْجيلِ ما فى الذِّمَّةِ بغيرِ عِوَضٍ، فأشْبَهَ ما لو قَضاهُ من جِنْسِ الدَّيْنِ، ولم يَسْتَفْصِلِ النَّبِىُّ ﷺ ابنَ عمرَ حين سَأَلَهُ، ولو افْتَرَقَ الحالُ لسَأَلَ واسْتَفْصَلَ.
فصل: قال أحمدُ: ولو كان لِرَجُلٍ علَى رَجُلٍ عَشرَةُ دراهمَ، فدَفَعَ إليه دينارًا، فقال: اسْتَوْفِ حَقَّكَ منه. فاسْتَوْفاهُ بعد يَوْمَيْنِ، جازَ. ولو كانَ عليه دنانيرُ، فوَكَّلَ غَريمَهُ فى بَيْعِ دارِه، واسْتيفاءِ حَقِّه من ثَمَنِها، فباعَها بِدراهمَ، لم يَجُزْ أن
стр. 2719
يَأْخُذَ منها قَدْرَ حَقِّه؛ لأنَّه لم يَأْذَن له فى مُصارَفَةِ نَفْسِه، ولأنَّه مُتَّهَمٌ. ولو باعَ جارِيَةً بِدنانيرَ، فأخَذَ بها دراهمَ، فَرُدَّتِ الجارِيةُ بِعَيْبٍ أو إقالَةٍ، لم يَكُنْ لِلْمُشْتَرِى إلَّا الدَّنانيرُ؛ لأنَّه الثَّمَنُ الذى وَقَعَ عليه العَقْدُ، وإنَّما أخَذَ الدراهمَ بِعَقْدِ صَرْفٍ مُسْتَأْنَفٍ. نَصَّ أحمدُ على هذه المَسائِلِ.
فصل: إذا كانَ عليه دَيْنٌ مُؤَجَّلٌ، فقال لِغَريمِهِ: ضَعْ عَنِّى بعضَهُ، وأُعَجِّلُ لك بَقِيَّتَهُ. لم يَجُزْ. كَرِهَهُ زَيْدُ بنُ ثابِتٍ، وابنُ عمرَ، والمِقْدادُ (١٦)، وسعيدُ بنُ المُسَيَّبِ، وسالِمٌ، والحَسَنُ، وحَمَّادٌ، والحَكَمُ، والشَّافِعِىُّ، ومَالِكٌ، والثَّوْرِىُّ، وهُشَيْمٌ (١٧)، وابنُ عُلَيَّةَ (١٨)، وإسحاقُ، وأبو حنيفةَ. وقال المِقْدادُ لِرَجُلَيْنِ فَعَلَا ذلك: كلاكما (١٩) قد آذَنَ بِحَرْبٍ من اللهِ ورَسولِه. وَرُوِىَ عن ابنِ عبّاسٍ: أنَّه لم يَرَ به بَأْسًا. وَرُوِىَ ذلك عن النَّخَعِىِّ، وأبِى ثَوْرٍ؛ لأنَّه آخِذٌ لِبَعْضِ حَقِّهِ، تارِكٌ لِبَعْضِه، فجازَ، كما لو كان الدَّيْنُ حالًّا. وقال الخِرَقِىُّ: لا بَأْسَ أن يُعَجِّلَ المُكاتَبُ لِسَيِّدِه، ويَضَعَ عنه بعضَ كِتابَتِهِ. ولنَا، أنَّه بَيْعُ الحُلولِ، فلم يَجُزْ، كما لو زادَه الذى له الدَّيْنُ، فقال له: أُعْطيكَ عَشرَةَ دراهمَ وتُعَجِّلُ لى المائَةَ التى عليكَ. فأمَّا المُكاتَبُ فإنَّ مُعامَلَتَهُ مع سَيِّدهِ، وهو يَبيعُ بعضَ (٢٠) مَالِه بِبَعْضٍ، فدَخَلَتِ المُسامَحَةُ فيه. ولأنَّه سَبَبٌ لِلْعِتْقِ، فَسومِحَ فيه، بخِلافِ غيرِه.
стр. 2720
٧١٦ - مسألة؛ قال: (فإِنْ كَانَ العَيْبُ دَخِيلًا عَلَيْهِ مِنْ غَيْرِ جِنْسِهِ، كَانَ الصَّرْفُ فِيهِ فَاسِدًا)
يعنى إذا وَجَدَ أحَدُهما ما قَبَضَهُ مَغْشُوشًا بِغِشٍّ من غيرِ جِنْسِه، فيَنْظُرُ فيه؛ فإن كان الصَّرْفُ عَيْنًا بِعَيْنٍ، فهو فاسِدٌ؛ لما أسْلَفْناهُ. وإن كان بغير عَيْنٍ (١)، وعَلِمَ ذلك فى المَجْلِسِ، فرَدَّهُ، وأخَذَ بَدَلَهُ، فَالصَّرْفُ صَحِيحٌ؛ لأنَّه عَيْنُ (٢) المَعْقودِ عليه. وإنِ افْتَرَقا قَبْلَ رَدِّهِ، فَالصَّرْفُ فيه فاسِدٌ أيضًا؛ لأنَّهما تَفَرَّقا قبل قَبْضِ المَعْقودِ عليه، ولم يَقْبِضْ ما يَصْلُحُ عِوَضًا عن المَعْقودِ عليه. وهذا ظاهِرُ كَلامِ الخِرَقِىِّ. وقيل عن أحمدَ: إنَّه إذا أخَذَ البَدَلَ فى مَجْلِسِ الرَّدِّ، لم يَبْطُلْ، كما لو كان العَيْبُ من جِنْسِه. وهذا فيما إذا لم يَكُنْ مُشْتَرِى المَعيبِ عَالِمًا بِعَيْبِه، فأمَّا إن عَلِمَ بِعَيْبِه، فَاشْتَراهُ على ذلك، والعَيْبُ من جِنْسِه، جازَ، ولا خِيارَ له، ولا بَدَلَ. وإن كان من غير جِنْسِه، وكان الصَّرْفُ ذَهَبًا بِذَهَبٍ، أو فِضَّةً بِمِثْلِها، فالصَّرْفُ فيه فاسِدٌ؛ لأنَّه يُخِلُ بالتَّمَاثُلِ، إلَّا أن يَبيعَ ذَهَبًا أو فِضَّةً مَغْشُوشًا بمثلِ غِشِّهِ، كَبَيْعِه دِينَارًا صُورِيًّا بمثلِه، مع عِلْمِه بِتَساوِى غِشِّهما، وقد ذَكَرْنا أنَّ الظَّاهِرَ جَوازُه. وإن باعَ مَغْشوشًا بغيرِ مَغْشوشٍ، لم يَجُزْ، إلَّا أن يكونَ لِلْغِشِّ قِيمَةٌ، فيُخَرَّجُ على مسأَلَةِ مُدِّ عَجْوَةٍ. وإن كانَ الصَّرْفُ فى جِنْسَيْنِ، كذَهَبٍ بِفِضَّةٍ، انْبَنَى على إنْفاقِ المَغْشوشَةِ.
فصل: وفى إِنْفاقِ المَغْشوشِ من النُّقودِ رِوايَتانِ؛ أظْهَرُهما، الجَوازُ، نَقَلَ صالِحٌ عنه فى دراهمَ يقال لها المُسَيَّبِيَّةُ، عامَّتُها نُحاسٌ إلَّا شَيْئًا فيها فِضَّةٌ، فقال: إذا كان شَيْئًا اصْطَلَحوا عليه، مثلَ الفُلُوسِ، واصْطَلَحوا عليها، فأَرْجو ألَّا يكونَ بها بَأْسٌ. والثانيةُ، التَّحْريمُ، نَقَلَ حنبلٌ فى دراهمَ يُخْلَطُ فيها مَشٌّ (٣) ونُحاسٌ يُشْتَرَى بها ويُباعُ، فلا يَجوزُ أن يَبْتاعَ بها أحَدٌ. كلُّ ما وَقَعَ عليه اسْمُ الغِشِّ فالشِّراءُ به
стр. 2721
والبَيْعُ حَرامٌ. وقال أصحابُ الشَّافِعِىِّ: إن كان الغِشُّ ممَّا لا قِيمَةَ له، جازَ الشِّراءُ بها، وإن كان (٤) ممَّا له قِيمَةٌ، ففى جَوَازِ إِنْفاقِها وَجْهانِ، واحْتَجَّ مَنْ مَنَعَ إنْفاقَ المَغْشوشَةِ بقَولِ النَّبِىِّ ﷺ : "مَنْ غَشَّنَا فَلَيْسَ مِنَّا" (٥). وبأَنَّ عمرَ -رَضِىَ اللهُ عنه- نَهَى عن بَيْعِ نُفايَةِ بَيْتِ المالِ. ولأنَّ المَقْصودَ فيه مَجْهولٌ، أشْبَهَ تُرابَ الصَّاغَةِ، والأوْلَى أن يُحْمَلَ كَلامُ أحمدَ فى الجَوازِ على الخُصوصِ فيما ظَهَرَ غِشُّهُ، واصْطُلِحَ عليه، فإنَّ المُعامَلَةَ به جائِزَةٌ، إذ ليس فيه أكْثَرُ من اشْتِمالِه على جِنْسَيْنِ لا غَرَرَ فيهما، فلا يَمْنَعُ من بَيْعِهِمَا، كما لو كانا مُتَمَيِّزَيْنِ. ولأنَّ هذا مُسْتَفيضٌ فى الأعْصارِ، جَارٍ بينهم من غيرِ نَكيرٍ، وفى تحريمِهِ مَشَقَّةٌ وضَرَرٌ، وليس شِراؤُه بها غِشًّا لِلْمُسْلِمينَ، ولا تَغْريرًا لهم، والمَقْصودُ منها ظاهِرٌ مَرْئىٌّ مَعْلُومٌ، بخِلَافِ تُرابِ الصَّاغَةِ. ورِوايَةُ المَنْعِ مَحْمولَةٌ على ما يَخْفَى غِشُّه، ويَقَعُ اللَّبْسُ به، فإنَّ ذلك يُفْضى إلى التَّغْريرِ بالمُسْلِمينَ، وقد أشارَ أحمدُ إلى هذا فى رَجُلٍ اجْتَمَعَتْ عنده دراهمُ زُيُوفٌ، ما يَصْنَعُ بها؟ قال: يَسْبِكُها. قيل له: فَيَبيعُها بِدنانيرَ؟ قال: لا. قيل: يَبيعُها بِفُلوسٍ؟ قال: لا. قيل فبِسِلْعَةٍ؟ قال: لا، إنِّى أخافُ أن يَغُرَّ بها مُسْلِمًا. قيل لأبى عبدِ اللهِ: أيَتَصَدَّقُ بها؟ قال: إنِّى أخافُ أن يَغُرَّ بها مُسْلِمًا. وقال: ما يَنْبَغِى له؛ لأنَّه يَغُرُّ بها المُسْلِمينَ، ولا أقول إنَّه حَرَامٌ؛ لأنَّه على تَأْويلٍ، وذلك إنَّما كَرِهْتُه؛ لأنَّه يَغُرُّ بها مُسْلِمًا. فقد صَرَّحَ بأنَّه إنَّما كَرِهَهُ لما فيه من التَّغْريرِ
стр. 2722
بالمُسْلِمينَ، [وعلي هذا يُحْمَلُ مَنْعُ عمرَ نُفايَةَ بَيْتِ المالِ؛ لما فيه من التَّغْريرِ بالمُسْلِمينَ] (٦)، فإنَّ مُشْتَرِيَها ربَّما خَلَطها بِدراهمَ جَيِّدَةٍ، واشْتَرَى بها ممَّنْ لا يَعْرِفُ حالَها، ولو كانت ممَّا اصْطُلِحَ على إنْفاقِه، لم يكُنْ نُفايَةً. فإن قيل: فقد رُوِىَ عن عمرَ أنَّه قال: من زافَتْ عليه دراهمُه فَلْيَخْرُجْ بها إلى البَقيعِ، فَلْيَشْتَرِ (٧) بها سَحْقَ الثِّيابِ (٨). وهذا دَليلٌ على جَوازِ إنْفاقِ المَغْشوشَةِ التى لم يُصْطَلَحْ عليها. قلنا: قد قال أحمدُ: معنى زافَتْ عليه دراهمُه. أى نُفِيَتْ، ليس أنَّها زُيوفٌ فيَتَعَيَّنُ حَمْلُه على هذا جَمْعًا بين الرِّوَايَتَيْنِ عنه. ويَحْتَمِلُ أنَّه أرادَ ما ظَهَرَ غِشُّه، وبانَ زَيْفُه، بحيث لا يَخْفَى على أحَدٍ، ولا يَحْصُلُ بها تَغْريرٌ. وإن تَعَذَّرَ تَأْوِيلُها، تَعارَضَتِ الرِّوايَتانِ عنه، ويُرْجَعُ إلى ما ذَكَرْنا من المَعْنَى، ولا فَرْقَ بين ما كان غِشُّه ذا بَقاءٍ وثَباتٍ، كالرَّصاصِ، والنُّحاسِ، وما لا ثَباتَ له، كالزِّرْنيخِيَّةِ، والأندَرانِيَّةِ، وهو زِرْنيخٌ ونُورَةٌ يُطْلَى عليه فِضَّةٌ، فإذا دَخَلَ النَّارَ اسْتُهْلِكَ الغِشُّ، وذَهَبَ.
٧١٧ - مسألة؛ قال: (وَمَتَى انْصَرَفَ المُتَصَارِفَانِ قَبْلَ التَّقَابُضِ، فلا بَيْعَ بَيْنَهُمَا)
الصَّرْفُ: بَيْعُ الأَثْمانِ بعضِها ببعضٍ. والقَبْضُ فى المَجْلِسِ شَرْطٌ لِصِحَّتِه بغيرِ خِلافٍ. قال ابنُ المُنْذِرِ: أجْمَعَ كلُّ مَنْ نَحْفَظُ عنه من أهلِ العِلْمِ على أنَّ المُتَصارِفَيْنِ إذا افْتَرَقا قبلَ أن يَتَقابَضا، أنَّ الصَّرْفَ فاسِدٌ. والأصلُ فيه قولُ النَّبِىِّ ﷺ : "الذَّهَبُ بالوَرِقِ (١) رِبًا إلَّا هَاءَ وهَاءَ" (٢). وقولُه ﵇: "بِيعُوا الذَّهَبَ بالفِضَّةِ كيف شِئْتُمْ يَدًا بِيَدٍ" (٣). ونَهَى النَّبِىُّ ﷺ عن بَيْعِ الذَّهَبِ
стр. 2723
بالوَرِقِ دَيْنًا (٤)، ونَهَى أن يُباعَ غَائِبٌ منها بِناجِزٍ (٥)، كلُّها أحادِيثُ صِحَاحٌ. ويُجْزِىءُ القَبْضُ فى المَجْلِسِ، وإن طالَ، ولو تَمَاشَيا مُصْطَحِبَيْنِ (٦) إلى مَنْزِلِ أحَدِهما، أو إلى الصَّرَّافِ، فتَقابَضا عندَه، جازَ. وبهذا قال الشَّافِعِىُّ. وقال مالِكٌ: لا خَيْرَ فى ذلك؛ لأنَّهما فارَقا مَجْلِسَهما. ولَنا، أنَّهما لم يَفْتَرِقا قبل التَّقابُضِ، فأَشْبَه ما لو كانا فى سَفِينَةٍ تَسيرُ بهما، أو رَاكِبَيْنِ على دابَّةٍ واحِدَةٍ تَمْشِى بهما. وقد دَلَّ على ذلك حَديثُ أبى بَرْزَةَ الأَسْلَمِىِّ [فى قولِهِ] (٧) لِلَّذَيْن مَشَيا إليه (٨) من جانِبِ العَسْكَرِ: وما أراكُما افْتَرَقْتُما. وإن تَفَرَّقا قبل التَّقابُضِ بَطلَ الصَّرْفُ، لِفَواتِ شَرْطِهِ. وإن قَبَضَ البَعْضَ، ثم افْتَرَقا، بَطَلَ فيما لم يَقْبِضْ، وفيما يُقابِلُه من العِوَضِ. وهل يَصِحُّ فى المَقْبُوضِ؟ على وَجْهَيْنِ، بِنَاءً على تَفْرِيقِ الصَّفْقَةِ. ولو وَكَّلَ أحَدُهما وَكيلًا فى القَبْضِ، فَقَبَضَ الوَكيلُ قبلَ تَفَرُّقِهما، جازَ، وقامَ قَبْضُ وَكيلِه مَقامَ قَبْضِه، سَواءٌ فارَقَ الوَكيلُ المَجْلِسَ قبلَ القَبْضِ، أو لم يُفارِقْهُ. وإنِ افْتَرَقا قبلَ قَبْضِ الوَكيلِ، بَطَلَ؛ لأنَّ القَبْضَ فى المَجْلِسِ شَرْطٌ، وقد فاتَ. وإن تَخايَرا قبل القَبْضِ فى المَجْلِسِ، لم يَبْطُلِ العَقْدُ بذلك؛ لأنَّهما لم يَفْتَرِقا قبلَ القَبْضِ. ويَحْتَمِلُ أن يَبْطُلَ إذا قلنا بِلُزُومِ العَقْدِ، وهو مذهبُ الشَّافِعِىِّ؛ لأنَّ العَقْدَ لم يَبْقَ فيه خِيارٌ قبلَ القَبْضِ، أشْبَهَ ما لو افْترَقا. والصَّحيحُ الأَوَّلُ، فإنَّ الشَّرْطَ التَّقابُضُ فى المَجْلِسِ، وقد وُجِدَ، واشْتِراطُ التَّقابُضِ قبلَ اللُّزومِ تَحَكُّمٌ بغيرِ دَليلٍ. ثم يَبْطُلُ بما إذا تَخايَرا قبلَ الصَّرْفِ، ثم اصْطَرَفا، فإنَّ الصَّرْفَ يَقَعُ لازِمًا صَحيحًا قبل القَبْضِ، ثم يُشْتَرَطُ القَبْضُ فى المَجْلِسِ.
стр. 2724
فصل: ولو صارَفَ رَجُلًا دِينارًا بِعَشَرَةِ دراهمَ، وليس معه إلَّا خَمْسَةُ دراهمَ، لم يَجُزْ أن يَتَفَرَّقا قبل قَبْضِ العَشَرَةِ كلِّها، فإن قَبَضَ الخَمْسَةَ وافْتَرَقا، بَطَلَ الصَّرْفُ فى نِصْفِ الدِّينارِ. وهل يَبْطُلُ فيما يُقابِلُ الخَمْسَةَ المَقْبوضَةَ؟ على وَجْهَيْنِ، بِنَاءً على تَفْريقِ الصَّفْقَةِ. وإن أرادَ التَّخَلُّصَ، فَسَخا الصَّرْفَ فى النِّصْفِ الذى ليس معه عِوَضُه، أو يَفْسَخانِ العَقْدَ كلَّه، ثم يَشْتَرى منه نِصْفَ الدِّينارِ بِخمْسَةٍ، ويَدْفَعُها إليه، ثم يَأْخُذُ الدِّينارَ كلَّه، فيكونُ ما اشْتَراهُ منه له، وما بَقِىَ أمانَةً فى يَدِهِ، ثم يَفْتَرِقَانِ، ثم إذا صارَفَهُ بعدَ ذلك بالباقى له من الدِّينارِ، أو اشْتَرَى به منه شَيْئًا، أو جَعَلَه سَلَمًا فى شَىْءٍ، أو وَهَبَهُ له، جازَ، وكذلك إن وَكَّلَهُ فيه. ولو اشْتَرَى فِضَّةً بدينارٍ ونِصْفٍ، ودَفَعَ إلى البائِعِ دِينارَيْنِ، وقال: أَنْتَ وَكيلى فى نِصْفِ الدِّينارِ الزَّائِدِ، صَحَّ. ولو صارَفَهُ عَشَرَةَ دراهمَ بدينارٍ، فأَعْطاهُ أكْثَرَ من دينارٍ لِيَزِنَ له حَقَّهُ فى وَقْتٍ آخَرَ، جازَ، وإن طالَ، ويكونُ الزَّائِدُ أمانَةً فى يَدِه، لا شىءَ عليه فى تَلَفِه. نَصَّ أحمدُ على أكْثَرِ هذه المَسائِلِ. فإن لم يَكُنْ مع أحَدِهما إلَّا خَمْسَةُ دراهمَ، فاشْتَرَى بها نِصْفَ دِينارٍ، وقَبَضَ دِينارًا كامِلًا، ودَفَعَ إليه الدَّراهمَ، ثم اقْتَرَضَها منه، فاشْتَرَى بها النِّصْفَ الباقِىَ، أو اشْتَرَى الدِّينارَ منه بِعَشَرَةٍ ابْتِداءً، ودَفَعَ إليه الخَمْسَةَ، ثم اقْتَرَضَها منه، ودَفَعَها (٩) إليه عِوَضًا عن النِّصْفِ الآخَرِ على غيرِ وَجْهِ الحيلَةِ، فلا بَأْسَ.
فصل: وإذا باعَ مُدَّىْ تَمْرٍ رَدِىءٍ بدرهمٍ، ثم اشْتَرَى بالدرهمِ (١٠) تَمْرًا جَنِيبًا، أو اشْتَرَى من رَجُلٍ دِينارًا صحيحًا بدراهمَ، وتَقابَضاها (١١)، ثم اشْتَرَى منه بالدراهمِ قُراضَةً من (١٢) غيرِ مُواطأَةٍ، ولا حِيلَةٍ، فلا بأْسَ به. وقال ابنُ أبى موسى: لا يَجوزُ، إلَّا أن يَمْضِىَ إلى غيرِه لِيَبْتاعَ منه، فلا يَسْتَقيمُ له، فيَجوزُ
стр. 2725
أن يَرْجِعَ إلى البائِعِ، فيَبْتاعَ منه. وقال أحمدُ، فى رِوايَةِ الأَثْرَمِ: يَبِيعُها من غيرِه أحَبُّ إلىَّ. قلتُ له: فإن (١٣) لم يُعْلِمْهُ أنَّه يُرِيدُ أن يَبِيعَها منه؟ فقال: يَبِيعُها من غيرِه، فهو أَطْيَبُ لِنَفْسِه وأَحْرَى أن يَسْتَوْفِىَ الذَّهَبَ منه، فإنَّه إذا رَدَّها إليه لَعَلَّه أن لا يُوَفِّيَهُ الذَّهَبَ، ولا يُحْكِمَ الوَزْنَ، ولا يَسْتَقْصِىَ، يقول: هى تَرْجِعُ إليه. قيل لأبى عبدِ اللهِ: فذَهَبَ لِيَشْتَرِىَ الدراهمَ [بالذَّهَبِ الذى] (١٤) أخَذَه (١٥) منه من غيرِه، فلم يَجِدْها، فرَجَعَ إليه؟ فقال: إذا كان لا يُبالِى اشْتَرَى منه أو مِن (١٦) غيره، فنعم. فظاهِرٌ (١٧) أنَّ هذا على وَجْهِ الاسْتِحْبابِ، لا الإِيجابِ. ولَعَلَّ أحمدَ إنَّما أرادَ اجْتنابَ الْمواطَأَةِ على هذا، ولهذا قال: إذا كانَ لا يُبالِى اشْتَرَى منه أو من غيرِه، فنعم. وقال مالِكٌ: إن فَعَلَ ذلك مَرَّةً، جازَ، وإن فَعَلَهُ أكْثَرَ من مَرَّةٍ، لم يَجُزْ؛ لأنَّه يُضارِعُ الرِّبا. ولنا، ما رَوَى أبو سعيدٍ، قال: جاءَ بِلالٌ إلى النَّبِىِّ ﷺ بِتَمْرٍ بَرْنِىٍّ، فقال له النَّبِىُّ ﷺ : "مِنْ أيْنَ هَذَا؟ ". قال بِلالٌ: كان عندنا تَمْرٌ رَدِىءٌ، فَبِعْتُ صَاعَيْنِ بِصَاعٍ؛ ليَطْعَمَ النَّبِىُّ ﷺ . فقال له النَّبِىُّ ﷺ : "أوَّهْ، عَيْنُ الرِّبَا، لَا تَفْعَل، ولَكِنْ إِذَا أرَدْتَ أَنْ تَشْتَرِىَ، فَبِعِ التَّمْرَ بِبَيْعٍ آخَرَ، ثُمَّ اشْتَرِ بِهِ". ورَوَى أيضًا أبو سعيدٍ، وأبو هريرةَ: أنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ اسْتَعْمَلَ رَجُلًا على خَيْبَرَ، فجاءَهُ بِتَمْرٍ جَنيبٍ، فقال: "أَكُلُّ تَمْرِ خَيْبَرَ هَكَذَا؟ ". قال: لا واللهِ. إنَّا لَنَأْخُذُ الصّاعَ من هذا بالصَّاعَيْنِ، والصَّاعَيْنِ بالثَّلَاثَةِ. فقال رسولُ اللهِ ﷺ : "لا تَفْعَلْ، بِعِ التَّمْرَ بالدَّرَاهِمِ، ثُمَّ اشْتَرِ بالدَّرَاهِمِ جَنِيبًا". مُتَّفَقٌ عليهما (١٨). ولم يَأْمُرْهُ أن يَبِيعَهُ
стр. 2726
من غيرِ مَنْ يَشْتَرِى منه، ولو كان ذلك مُحَرَّمًا لَبَيَّنَهَ له، [وعَرَّفَهُ] (١٩) إيَّاهُ. ولأنَّه باعَ الجِنْسَ بغيرِه مِن غيرِ شَرْطٍ، ولا مُوَاطَأَةٍ، فجازَ، كما لو باعَهُ من غيرِه. ولأنَّ ما جازَ من البِياعاتِ مَرَّةً، جازَ على الإطْلاقِ، كسائِرِ البِياعاتِ. فأمَّا إن تَوَاطَأَ على ذلك، لم يَجُزْ، وكان حِيلَةً مُحَرَّمَةً، وبه قال مالكٌ. وقال أبو حنيفةَ، والشَّافِعِىُّ: يَجوزُ، ما لم يَكُنْ مَشْروطًا فى العَقْدِ. ولَنا، أنَّه إذا كانَ عن مُوَاطَأَةٍ كان حِيلَةً، والحِيَلُ مُحَرَّمَةٌ، على ما سَنَذْكُرُهُ.
فصل: والحِيَلُ كلُّها مُحَرَّمَةٌ، غيرُ جَائِزَةٍ فى شىءٍ من الدِّينِ، وهو أن يُظْهِرَ عَقْدًا مُباحًا يُريدُ به مُحَرَّمًا، مُخادَعَةً وتَوَسُّلًا إلى فِعْلِ ما حَرَّمَ اللهُ، واسْتِباحَةِ مَحْظُوراتِه، أو إسْقاطِ واجِبٍ، أو دَفْعِ حَقٍّ، ونحوَ ذلك. قال أيُّوبُ السَّخْتِيانِىُّ: إنَّهم ليُخادِعونَ اللهَ، كأنَّما يُخادِعون صَبِيًّا، لو كانوا يَأْتونَ الأَمْرَ على وَجْهِه كان أَسْهَلَ عَلَىَّ. فمن ذلك؛ ما لو كان مع رَجُلٍ عَشَرَةٌ صِحاحٌ، ومع الآخَرِ خَمْسَةَ عَشَرَ مُكَسَّرَةٌ، فاقْتَرَضَ كلُّ واحِدٍ منهما ما مع صاحِبِه، ثم تَبارَيا، تَوَصُّلًا إلى بَيْعِ الصِّحاحِ بالمُكَسَّرَةِ مُتَفَاضِلًا، أو بَاعَهُ الصِّحاحَ بمِثْلِها من المُكَسَّرَةِ، ثم وَهَبَهُ الخَمْسَةَ الزَّائِدَةَ، أو اشْتَرَى منه بها أُوقِيَّةَ صَابُونٍ، أو نحوَها ممَّا (٢٠) يَأْخُذُه بأَقَلَّ من قِيمَتِه، أو اشْتَرَى منه بِعَشَرَةٍ إلَّا حَبَّةً من الصَّحِيح مثلَها من المُكَسَّرَةِ، ثم اشْتَرَى منه بالحَبَّةِ الباقِيَةِ ثَوْبًا قِيمَتُه خَمْسَةُ دنانيرَ. وهكذا لو أقْرَضَه شَيْئًا، أو باعَهُ سِلْعَةً بأَكْثَرَ من قيمَتِها، أو اشْتَرَى منه سِلْعَةً بأقَلَّ من قيمَتِها تَوَسُّلًا (٢١) إلى أخْذِ عِوَضٍ عن القَرْضِ، فكلُّ ما كانَ من هذا على وَجْهِ الحِيلَةِ فهو خَبيثٌ مُحَرَّمٌ. وبهذا قال
стр. 2727
مالكٌ. وقال أبو حنيفةَ، والشَّافِعِىُّ: ذلك كلُّه وأشباهُه جائِزٌ، إذا لم يَكُنْ مَشْروطًا فى العَقْدِ. وقال بعضُ أصحابِ الشَّافِعِىِّ: يُكْرَهُ أن يَدْخُلا فى البَيْعِ على ذلك؛ لأنَّ كلَّ ما لا يَجوزُ شَرْطُه فى العَقْدِ يُكْرَهُ أن يَدْخُلا عليه. ولَنا، أنَّ اللَّه تَعَالَى عَذَّبَ اُمَّةً بِحيلَةٍ احْتالُوها، فمَسَخَهم قِرَدَةً، وسَمَّاهم مُعْتَدينَ، وجَعَلَ ذلك نَكالًا ومَوْعِظَةً لِلْمُتَّقينَ؛ لِيَتَّعِظوا بهم، ويَمْتَنِعوا من مثلِ أَفْعالِهم. وقال بعضُ المُفَسِّرينَ فى قولِهِ تَعَالَى: ﴿وَمَوْعِظَةً لِلْمُتَّقِينَ﴾ (٢٢). أى لأُمَّةِ مُحَمَّدٍ ﷺ . فَرُوِىَ أنَّهم كانوا يَنْصِبونَ شِباكَهم لِلْحيتانِ يومَ الجُمُعَةِ، ويَتْرُكونَها إلى يومِ الأَحَدِ، ومنهم مَنْ كانَ يَحْفِرُ حَفائِرَ، ويَجْعَلُ إليها مَجارِىَ، فَيَفْتَحُها يَوْمَ الجُمُعَةِ، فإذا جاءَ السَّمَكُ يومَ السَّبْتِ، جَرَى مع الماءِ فى المَجارِى، فيَقَعُ فى الحَفائِرِ، فيَدَعُها إلى يومِ الأحَدِ، ثم يَأْخُذُها، ويقولُ: ما اصْطَدْتُ يومَ السَّبتِ، ولا اعْتَدَيْتُ فيه. فهذه حيلَةٌ. وقال النَّبِىُّ ﷺ : "من أدْخَلَ فَرَسًا بين فَرَسَيْنِ، وقد أمِنَ أن يَسْبِقَ، فهو قِمارٌ، ومن أدْخَلَ فَرَسًا بين فَرَسَيْنِ، وهو لا يَأْمَنُ أن يَسْبِقَ، فليس بِقِمارٍ". رَواهُ أبو داودَ، وغيرُه (٢٣). فجَعَلَهُ قِمارًا مع إدْخالِه الفَرَسَ الثَّالِثَ؛ لِكَوْنِه لا يَمْنَعُ مَعْنَى القِمارِ، وهو كونُ كلِّ واحِدٍ من المُتَسابِقَيْنِ لا يَنْفَكُّ عن كونِه آخِذًا، أو مَأْخُوذًا منه، وإنَّما دَخَلَ صُورَةً، تَحَيُّلًا على إباحَةِ المُحَرَّمِ، وسائِرُ الحِيَلِ مثلُ ذلك. ولأنَّ اللَّه تَعَالَى إنَّما حَرَّمَ هذه (٢٤) المُحَرَّماتِ لِمَفْسَدَتِها، والضَّرَرِ الحاصِلِ منها. ولا تَزولُ مَفْسَدَتُها مع بَقاءِ (٢٥) مَعْناهَا، بإظْهارِهِما صُورَةً غيرَ صُورَتِها، فوَجَبَ أن لا يَزولَ التَّحْريمُ، كما لو سَمَّى الخَمْرَ بغيرِ اسْمِها، لم يُبِحْ ذلك شُرْبَها، وقد جاءَ عن النَّبِىِّ ﷺ قال: "لَيَسْتَحِلَّنَ قَوْمٌ من أُمَّتِى الخَمْرَ يُسَمُّونَها بِغَيْرِ
стр. 2728
اسْمِهَا" (٢٦). ومن الحِيَلِ فى غيرِ الرِّبا، أنَّهم يَتَوَصَّلُونَ إلى بَيْعِ [الشَّىْءِ المَنْهِىِّ] (٢٧) عنه، أن يَسْتَأْجِرَ بَياضَ أَرْضِ البُسْتانِ بأَمْثالِ أُجْرَتِه، ثم يُساقيهِ على ثَمَرِ شَجَرِه بِجُزْءٍ من أَلْفِ جُزْءٍ لِلْمالِكِ، وتِسْعُمائةٍ وتِسْعَةٌ وتِسْعونَ لِلْعامِلِ، ولا يَأْخُذُ منه المالِكُ شَيْئًا، ولا يُريدُ ذلك، وإنَّما قَصَدَ بَيْعَ الثَّمَرَةِ قبلَ بُدُوِّ صَلاحِها بما سَمَّاهُ أُجْرَةً، والعَامِلُ لا يَقْصِدُ أيضًا سِوَى ذلك، وربَّما لا يَنْتَفِعُ بالأَرْضِ التى سَمَّى الأُجْرَةَ فى مُقابَلَتِها، ومتى لم يَخْرُجِ الثَّمَرُ، أو أصَابَتْهُ جائِحَةٌ، جاءَ المُسْتَأْجِرُ يَطْلُبُ الجائِحَةَ، ويَعْتَقِدُ أنَّه إنَّما بَذَلَ مَالَهُ فى مُقابَلَةِ الثَّمَرَةِ لا غير، وَرَبُّ الأَرْضِ يَعْلَمُ ذلك.
فصل: ولو اشْتَرَى شَيْئًا بمُكَسَّرَةٍ، لم يَجُزْ أن يُعْطِيَهُ صَحيحًا أَقَلَّ منها. قال أحمدُ: هذا هو الرِّبا المَحْضُ؛ وذلك لأنَّه يَأْخُذُ عِوَضَ الفِضَّةِ أقَلَّ منها، فيَحْصُلُ التَّفَاضُلُ بينهما. ولو اشْتَراهُ بِصَحيحٍ، لم يَجُزْ أن يُعْطِيَهُ مُكَسَّرَةً أكْثَرَ منها كذلك. فإن تَفاسَخا البَيْعَ، ثم عَقَدا بالصِّحاحِ، أو بالمُكَسَّرَةِ، جازَ. ولو اشْتَرَى ثَوْبًا بِنِصْفِ دينارٍ، لَزِمَهُ نِصْفُ دينارٍ شِقٌّ، فإن عادَ فاشْتَرَى شَيْئًا آخَرَ بنِصْفٍ آخَرَ، لَزِمَهُ نِصْفٌ شِقٌّ أيضًا، فإن وَفَّاهُ دينارًا صَحِيحًا، بَطَلَ العَقْدُ الثانى؛ لأنَّه تَضَمَّنَ اشْتِراطَ زِيادَةِ ثَمَنِ العَقْدِ الأَوَّلِ، وإن كانَ ذلك قبلَ لُزومِ العَقْدِ الأَوَّلِ، بَطَلَ أيضًا؛ لأنَّه وُجِدَ ما يُفْسِدُه قبل انْبِرامِه. وإن كان بعد تَفَرُّقِهِما ولُزومِهِ (٢٨)، لم يُؤَثِّرْ ذلك فيه، ولا يَلْزَمُه أكْثَرُ من ثَمَنِه الذى عَقَدَ البَيْعَ به. ومذهبُ الشَّافِعِىِّ فى هذا كما ذَكَرْنا.
فصل: إذا كان له عند رَجُلٍ دِينارٌ وَدِيعَةً، فصارَفَه به، وهو مَعْلُومٌ بَقاؤُهُ،
стр. 2729
أو مَظْنُونٌ، صَحَّ الصَّرْفُ. وإنْ ظَنَّ أنَّه غيرُ مَوْجُودٍ، لم يَصِحَّ الصَّرْفُ؛ لأنَّ حُكْمَه حُكْمُ المَعْدُومِ. وإنْ شَكَّ فيه فقال ابنُ عَقِيلٍ: يَصِحُّ. وهو قولُ بعضِ الشَّافِعِيَّةِ. وقال القاضِى: لا يَصِحُّ؛ لأنَّه غيرُ مَعْلُومِ البَقَاءِ. وهو مَنْصُوصُ الشَّافِعِىِّ. وَوَجْهُ الأوَّلِ، أنَّ الأصْلَ بَقاؤُه، فصَحَّ البِناءُ عليه عند الشَّكِّ، فإنَّ الشَّكَّ لا يُزِيلُ اليَقِينَ؛ ولذلك صَحَّ بَيْعُ الحَيوانِ الغائِبِ المَشْكُوكِ فى حَياتِه، فإنْ تَبَيَّنَ أنَّه كان تالِفًا حين العَقْدِ، تَبَيَّنَّا أنَّ العَقْدَ وَقعَ باطِلًا.
فصل: ولا يَجُوزُ بَيْعُ تُرابِ الصَّاغَةِ والمَعْدِنِ بشىءٍ من جِنْسِه؛ لأنَّه مالُ رِبًا بِيعَ بجِنْسِه على وَجْهٍ لا تُعْلَمُ المُماثَلَةُ بينهما، فلم يَصِحَّ، كبَيْعِ الصُّبْرَةِ بالصُّبْرَةِ. وإنْ بِيعَ بغير جِنْسِه، فحَكَى ابنُ المُنْذِرِ عن أحمدَ، كراهَةَ بَيْعِ تُرابِ المَعادِنِ. وهو قولُ عَطاءٍ، والشَّافِعِىِّ، والشَّعْبِىِّ، والثَّوْرِىِّ، والأَوْزاعِىِّ، وإسْحاقَ (٢٩)؛ لأنَّه مَجْهُولٌ. وقال ابنُ أبى مُوسَى فى "الإِرْشادِ": يجوزُ ذلك. وهو قولُ مالِكٍ. ورُوِىَ ذلك عن الحَسَنِ، والنَّخَعِىِّ، ورَبِيعَةَ، واللَّيْثِ (٣٠)، قالوا: فإنِ اخْتَلَطَ، أو أشْكَلَ فلْيَبِعْه بِعَرْضٍ، ولا يَبِعْه بِعَيْنٍ ولا وَرِقٍ؛ لأنَّه باعَهُ بما لا رِبا فيه، فجازَ، كما لو اشْتَرَى ثَوْبًا بدِينارٍ ودِرْهَمٍ.
٧١٨ - مسألة؛ قال: (وَالْعَرَايَا الَّتِى أَرْخَصَ فِيهَا رَسولُ اللهِ ﷺ ؛ هُوَ أنْ يُوهَبَ لِلْإِنْسَانِ مِنَ النَّخْلِ مَا لَيْسَ فِيهِ خمْسَةُ أَوْسُقٍ، فَيَبِيعَها بِخَرْصِهَا مِنَ التَّمْرِ لِمَنْ يَأْكُلُهَا رُطَبًا)
فى هذه المَسْأَلَةِ فُصُولٌ خمسةٌ:
أَوَّلُها ، فى إباحَةِ بَيْعِ العَرايا فى الجُمْلَةِ. وهو قولُ أكْثَرِ أهْلِ العِلْمِ. منهم مالِكٌ، وأهْلُ المَدِينَةِ، والأوْزَاعِىُّ، وأهْلُ الشَّامِ، والشَّافِعِىُّ، وإسْحاقُ، وابنُ
стр. 2730
المُنْذِرِ. وقال أبو حنيفةَ: لا يَحِلُّ بَيْعُها؛ لأنَّ النَّبِىَّ ﷺ نَهَى عن بَيْعِ (١) المُزابَنَةِ، والمُزابَنَةُ، بَيْعُ الثَّمَرِ بالتَّمْرِ. مُتَّفَقٌ عليه (٢). ولأنَّه يَبِيعُ الرُّطَبَ بالتَّمْرِ من غير كَيْلٍ فى أحَدِهِما، فلم يَجُزْ، كما لو كان على وَجْهِ الأرْضِ، أو فيما زادَ على خَمْسَةِ أوْسُقٍ. ولنا، ما رَوَى أبو هُرَيْرَةَ، أنَّ النَّبِىَّ ﷺ رَخَّصَ فى العَرَايَا فى خَمْسَةِ أَوْسُقٍ، أو دُونَ خَمْسَةِ أوْسُقٍ. مُتَّفَقٌ عليه (٣) ورَواه زَيْدُ بن ثابِتٍ، وسَهْلُ ابنُ أبى حَثْمَةَ، وغيرُهما. وخَرَّجَه أئِمَّةُ الحَدِيثِ فى كُتُبِهِم. وَحَديثُهُم فى سِياقِه: "إلَّا العَرَايَا" كذلك فى المُتَّفَقِ عليه (٤). وهذه زِيادَةٌ يَجِبُ الأخْذُ بها. [ثُمَّ لو] (٥) قُدِّرَ تَعارُضُ الحَدِيثَيْنِ، وَجَبَ تَقْدِيمُ حَدِيثِنا لِخُصُوصِه، جَمْعًا بين الحَدِيثَيْنِ، وعَمَلًا بكِلَا النَّصَّيْنِ. وقال ابنُ المُنْذِرِ: الذى نَهَى عن المُزابَنَةِ هو الذى أرْخَصَ فى العَرايا، وطاعَةُ رسولِ اللهِ ﷺ أوْلَى. والقِياسُ لا يُصارُ إليه مع النَّصِّ مع أنَّ فى الحَدِيثِ،
стр. 2731
أنَّه أرْخَصَ في العَرَايَا. والرُّخْصَةُ اسْتِباحَةُ المَحْظورِ، مع وُجُودِ السببِ الحاظِرِ، فلو مَنَعَ وُجُودُ السببِ من الاسْتِباحَةِ، لم يَبْقَ لنا رُخْصَةٌ بحالٍ.
الفصل الثانى ، أنَّها لا تجوزُ في زِيادَةٍ على خَمْسَةِ أَوْسُقٍ، بغير خِلافٍ نَعْلَمُه، وتَجوزُ فيما دون خمسةِ أَوسُقٍ، بغير خِلافٍ بين القائِلِينَ بِجَوازِها. فأمَّا في خمسة أوْسُقٍ، فلا يجوزُ عند إمامِنا ﵀. وبه قال ابنُ المُنْذِرِ، والشَّافِعِيُّ في أحدِ قَوْلَيْهِ. وقال مالِكٌ، والشَّافِعِيُّ في قولٍ: يجوزُ. ورَواه إسْماعِيلُ بن سَعِيدٍ عن أحمدَ؛ لأنَّ في حَدِيثِ زَيْدٍ وسَهْلٍ أنَّه رَخَّصَ في العَرِيَّةِ، مُطْلَقًا، ثم اسْتَثْنَى ما زادَ على الخمسةِ في حَدِيثِ أبي هريرةَ، وشَكَّ في الخَمْسَةِ فاسْتَثْنَى اليَقِينَ، وبَقِىَ المَشْكُوكُ فيه على مُقْتَضَى الإِباحَةِ. ولَنا، أنَّ النَّبِيَّ ﷺ نَهَى عن (٦) المُزَابَنَةِ. والمُزابَنَةُ: بَيْعُ الثَّمَرِ (٧) بالتَّمْرِ، ثم أرْخَصَ في العَرِيَّةِ فيما دون خَمْسَةِ أَوْسُقٍ، وشَكَّ في الخَمْسَةِ، فيَبْقَى على العُمُومِ في التَّحْرِيمِ. ولأنَّ العَرِيَّةَ رُخْصَةٌ بُنِيَتْ على خِلافِ النَّصِّ والقِياسِ يَقِينًا فيما دون الخَمْسَةِ، والخَمْسَةُ مَشْكُوكٌ فيها، فلا تَثْبُتُ إباحَتُها مع الشَّكِّ ورَوَى ابنُ المُنْذِرِ (٨)، بإسْنادِهِ، أنَّ النَّبِيَّ ﷺ رَخَّصَ في بَيْعِ العَرِيَّةِ في الوَسْقِ والوَسْقَيْنِ والثَّلاثةِ والأرْبَعَةِ. والتَّخْصِيصُ بهذا يَدُلُّ على أنّه لا تجوزُ الزِّيادَةُ [في العَدَدِ] (٩) عليه، كما اتَّفَقْنا على أنَّه لا تجوزُ الزِّيادَةُ على الخمسةِ؛ لِتَخْصِيصِه إيَّاها بالذِّكْرِ. ورَوَى مُسْلِمٌ (١٠) عن سَهْلٍ، أنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ رَخَّصَ في بَيْعِ العَرِيَّةِ؛ النَّخْلةِ والنَّخْلَتَيْنِ. ولأنَّ خَمْسَةَ الأوْسُقِ في حُكْمِ ما زادَ عليها؛
стр. 2732
بِدَلِيلِ وُجُوبِ الزَّكاةِ فيها دون ما نَقَصَ عنها، ولأنّها قَدْرٌ تَجِبُ الزَّكَاةُ فيه، فلم يَجُزْ بَيْعُه عَرِيَّةً، كالزَّائِدِ عليها. فأمَّا قَوْلُهُم: أَرْخَصَ في العَرِيَّةِ مُطْلَقًا، فلم يَثْبُتْ أنَّ الرُّخْصَةَ المُطْلَقَةَ سابِقَةٌ على الرُّخْصَةِ المُقَيَّدَةِ، ولا مُتَأَخِّرَةٌ عنها، بل الرُّخْصَةُ واحِدَةٌ، رَواها بعضُهم مُطْلَقَةً وبعضُهم مُقَيَّدَةً، فيَجِبُ حَمْلُ المُطْلَقِ على المُقَيَّدِ، ويَصِيرُ القَيْدُ المَذْكُورُ في أحد الحَدِيثَيْنِ كأنَّه مَذْكُورٌ في الآخَرِ، ولذلك يُقَيّدُ فيما زادَ على الخَمْسَةِ، اتِّفاقًا.
فصل: ولا يجوزُ أنْ يَشْتَرِىَ أكْثَرَ من خَمْسَةِ أَوسُقٍ، فيما زادَ على صَفْقَةٍ، سَواءً اشْتَراها من واحِدٍ أو من جَماعَةٍ. وقال الشَّافِعِىُّ: يجوزُ للإِنْسانِ بَيْعُ جَمِيعِ ثَمَرِ حائِطِه عَرايا، من رَجُلٍ واحِدٍ، ومن رِجالٍ، في عُقُودٍ مُتَكَرِّرَةٍ؛ لِعُمُومِ حَدِيثِ زَيْدٍ وسَهْلٍ، ولأنَّ كلَّ عَقْدٍ جَازَ مَرَّةً، جَازَ أنْ يَتَكَرَّرَ، كسائِرِ البُيوعِ. ولَنا، [أنَّ النَّهْىَ عن المُزابَنَة عامٌّ] (١١)، اسْتَثْنَى منه العَرِيَّةَ فيما دونَ خَمْسَةِ أوْسُقٍ، فما زادَ يَبْقَى على العُمُومِ في التَّحْرِيمِ. ولأنَّ ما لا يجوزُ عليه العَقْدُ مَرَّةً إذا كان نَوْعًا واحِدًا، لا يجوزُ في عَقْدَيْنِ، كالذى على وَجْهِ الأرْضِ، وكالجَمْعِ بين الأُخْتَيْنِ، فأمّا حَدِيثُ سَهْلٍ فإنّه مُقَيَّدٌ بالنَّخْلَةِ والنَّخْلَتَيْنِ؛ بِدَلِيلِ ما رَوَيْنا، فيَدُلُّ على تَحْرِيمِ الزِّيادَةِ عليهما (١٢)، ثم إنّ المُطْلَقَ يُحْمَلُ على المُقَيَّدِ كما في العَقْدِ الواحِدِ. فأمّا إنْ باعَ رَجُلٌ عَرِيَّتَيْنِ من رَجُلَيْنِ فيهما أكْثَرُ من خَمْسَةِ أوْسُقٍ، جازَ. وقال أبو بكرٍ والقاضِى: لا يجوزُ؛ لما ذَكَرْنا في المُشْتَرِى. ولَنا، أنَّ المُغَلِّبَ في التَّجْوِيزِ حاجَةُ المُشْتَرِى؛ بِدَلِيلِ ما رَوَى مَحْمُودُ بن لَبِيدٍ قال: قلت لِزَيْدِ بن ثابِتٍ: ما عَراياكُم هذه؟ فسَمَّى رِجالًا مُحْتاجِينَ من الأنْصارِ، شَكَوْا إلى رسولِ اللهِ ﷺ أنَّ الرُّطَبَ يَأْتِى ولا نَقْدَ بأيْدِيهِمْ يَبْتاعُونَ به رُطَبًا يَأْكُلُونَه، وعِنْدَهُم فُضُولٌ من التَّمْرِ، فرَخَّصَ
стр. 2733
لهم أنْ يَبْتاعُوا العَرايا بِخَرْصِها من التَّمْرِ الذى في أَيْدِيهِمْ يَأْكُلُونَه رُطَبًا (١٣). وإذا كان سَبَبُ الرُّخْصَة حاجَةَ المُشْتَرِى، لم تُعْتَبَرْ حاجَةُ البائِعِ إلى البَيْعِ، فلا يَتَقَيَّدُ في حَقِّه بخَمْسَةِ أوْسُقٍ. ولأنَّنا لو اعْتَبَرْنَا الحاجَةَ مِن المُشْتَرِى وحاجَةَ البائِعِ إلى البَيْعِ، أَفْضَى إلَى أنْ لا يَحْصُلَ الإِرْفَاقُ (١٤)، إذ لا يَكادُ يَتَّفِقُ وُجُودُ الحاجَتَيْنِ، فتَسْقُطُ الرُّخْصَةُ. فإن قُلْنا: لا يجوزُ ذلك، بَطَلَ العَقْدُ الثانى. فإن اشْتَرَى عَرِيَّتَيْنِ أو باعَهُما، وفيهما أقَلُّ من خَمْسَةِ أَوْسُقٍ، جازَ، وَجْهًا واحِدًا.
الفصل الثالثُ ، أنّه لا يُشْتَرَطُ في بَيْعِ العَرِيَّةِ أنْ تَكونَ مَوْهُوبةً لِبائِعِها. هذا ظاهِرُ كَلامِ أصْحابِنا. وبه قال الشَّافِعِيُّ. وظاهِرُ قولِ الخِرَقِيِّ، أنّه شَرْطٌ. وقد رَوَى الأثْرَمُ، قال: سَمِعْتُ أحْمَدَ يُسْأَلُ (١٥) عن تَفْسِيرِ العَرايا. فقال: العَرايا أن يُعَرِّىَ الرَّجُلُ الجارَ أو القَرابةَ لِلْحاجَةِ أو المَسْكَنَةِ، فللمُعَرِّى أنْ يَبِيعَها ممَّن شاءَ. وقال مالِكٌ: بَيْعُ العَرايا الجائِزُ هو أنْ يُعَرِّىَ الرَّجُلُ الرَّجُلَ نَخلاتٍ من حائِطِه، ثم يَكْرَه صاحِبُ الحائِطِ دُخُولَ الرَّجُلِ المُعَرَّى حائِطَه (١٦)؛ لأنّه ربّما كان مع أهْلِه في الحائِطِ، فيُؤْذِيه (١٧) دُخُولُ صاحِبِه عليه، فيجوزُ أنْ يَشْتَرِيَها منه. واحْتَجُّوا بأنَّ العَرِيَّةَ في اللُّغَةِ هِبَةُ ثَمَرَةِ النَّخِيلِ عَامًا. قال أبو عُبَيْدٍ (١٨): الإِعْراءُ، أن يَجْعَلَ الرَّجُلُ لِلرَّجُلِ ثَمَرَةَ نَخْلِه عَامَها ذلك. قال [شاعِرُ الأنْصارِ] (١٩) يَصِفُ النَّخْلَ:
لَيْسَتْ بِسَنْهَاءَ ولا رُجَّبِيَّةٍ ... ولَكِنْ عَرَايَا فى السِّنِينَ الجَوَائِحِ (٢٠)
стр. 2734
يقول: إنا نُعَرِّيها النَّاسَ. فتَعَيَّنَ صَرْفُ اللَّفْظِ إلى مَوْضُوعِه لُغَةً ومُقْتَضاهُ في العَربيَّةِ، ما لم يُوجَدْ ما يَصْرِفُه عن ذلك. ولنا، حَدِيثُ زَيْدِ بن ثابِتٍ، وهو حُجَّةٌ على مالِكٍ، [في تَصْرِيحِه بِجَوازِ] (٢١) بَيْعِها من غير الواهِبِ، ولأنَّه لو كان لحاجَةِ الواهِبِ لما اخْتُصَّ بخَمْسَةِ أوْسُقٍ، لِعَدَمِ اخْتِصاصِ الحاجَةِ بها. ولم يَجُزْ بَيْعُها بالتَّمْرِ؛ لأنَّ الظَّاهِرَ من حال صاحِبِ الحائِطِ الذى له النَّخِيلُ الكَثِيرُ يُعَرِّيهِ الناسَ، أنَّه لا يَعْجِزُ عن أداءِ ثَمَنِ العَرِيَّةِ، وفيه حُجَّةٌ على من اشْتَرَطَ كَوْنَها مَوْهُوبَةً لِبائِعِها؛ لأنّ عِلَّةَ الرُّخْصَةِ حاجَةُ المُشْتَرِى إلى أكْلِ الرُّطَبِ، ولا ثَمَنَ معه سِوَى التَّمْرِ، فمتى وُجِدَ ذلك، جازَ البَيْعُ. ولأنَّ اشْتِراطَ كَوْنِها مَوهُوبةً مع اشْتِراطِ حاجَة المُشْتَرِى إلى أكلِهَا رُطَبًا، ولا ثَمَن معه، يُفْضِى إلى سُقُوطِ الرُّخْصَةِ، إذ لا يكادُ يَتَّفِقُ ذلك. ولأنَّ ما جازَ بَيْعُه إذا كان مَوهُوبًا، جَازَ وإنْ لم يكن مَوْهُوبًا، كسائِرِ الأمْوالِ، وما جازَ بَيْعُه لِواهِبِه، جازَ لغيرِه، كسائِرِ الأمْوالِ، وإنّما سُمِّىَ عَرِيَّةً لِتَعَرِّيهِ عن (٢٢) غيرِه، وإفْرَادِهِ بِالبَيْعِ.
الفصل الرَّابع ، أنَّه إنَّما يَجُوزُ بَيْعُها بِخَرْصِها من التَّمْرِ، لا أقَلَّ منه ولا أكْثَرَ، ويَجِبُ أنْ يكونَ التَّمْرُ الذى يَشْتَرِى به مَعْلُومًا بالكَيْلِ، ولا يَجُوزُ جُزافًا. لا نَعْلَمُ في هذا عند من أباحَ بَيْعَ العَرايا اخْتِلافًا؛ لما رَوَى زَيْدُ بن ثابِتٍ، أنَّ رسولَ اللهِ ﷺ أرْخَصَ في العَرَايَا أنْ تُبَاعَ بِخَرْصِها كَيْلًا. مُتَّفَقٌ عليه (٢٣). ولِمُسْلِمٍ، أنْ تُؤْخَذَ
стр. 2735
بمثلِ خَرْصِهَا تَمْرًا يَأْكُلُها أهْلُها رُطَبًا. ولأنَّ الأصْلَ اعْتِبارُ الكَيْلِ من الطَّرَفَيْنِ، سَقَطَ في أحَدِهِما لِلتَّعَذُّرِ، فيَجِبُ في الآخَرِ بِقَضِيَّةِ الأصْلِ. ولأنّ تَرْكَ الكَيْلِ من الطَّرَفَيْنِ يُكْثِرُ الغَرَرَ، وفى تَرْكِه من أحَدِهِما يُقَلِّلُ الغَرَرَ، ولا يَلْزَمُ من صِحَّتِه مع قِلَّةِ الغَرَرِ، صِحَّتُه مع كَثْرَتِه. ومعنى خَرْصِها بمِثْلِها من التَّمْرِ، أن يُطِيفَ الخارصُ بالعَرِيَّةِ، فيَنْظُرَ كم يَجِىءُ منها تَمْرًا، [فَيَشْتَرِيَها المُشْتَرِى بمِثْلِها تَمْرًا] (٢٤). وبهذا قال الشَّافِعِيُّ. ونَقَلَ حَنْبَلٌ عن أحمدَ، أنّه قال: يَخْرُصُها رُطَبًا، ويُعْطِى تَمْرًا رُخْصَةً. وهذا يَحْتَمِلُ الأوَّلَ، ويَحتمِلُ أنّه يَشْتَرِيها بِتَمْرٍ مثلِ الرُّطَبِ الذى عليها؛ لأنّه بَيْعٌ اشْتُرِطَتِ المُماثَلَةُ فيه، فَاعْتُبِرَتْ حالَ البَيْعِ كسائِرِ البُيُوعِ. ولأنَّ الأصْلَ اعْتِبارُ المُماثَلَةِ في الحال، وأنْ لا يُباعَ الرُّطَبُ بالتَّمْرِ. خُولِفَ الأصْلُ في بَيْعِ الرُّطَبِ بالتَّمْرِ، فَيَبْقَى فيما عَداهُ علَى قَضِيَّةِ الدَّلِيلِ. وقال القاضِى: الأوّلُ أصَحُّ؛ لأنّه يُبنى على خَرْصِ الثِّمَارِ في العُشْرِ الصَّحِيحِ، ثُم خَرْصِه تَمْرًا. أو لأنّ (٢٥) المُمَاثَلَةَ في بَيْعِ التَّمْرِ بالتَّمْرِ مُعْتَبَرَةٌ حالةَ الادِّخارِ، وبَيْعُ الرُّطَبِ بمِثْلهِ تَمْرًا يُفْضِى إلى فَواتِ ذلك. فأمّا إن اشْتَراها بِخَرْصِها رُطَبًا، لم يَجُزْ. وهذا أحَدُ الوُجُوهِ لأصْحابِ الشَّافِعِيِّ. والثاني، يجوزُ. والثالث، لا يجوزُ مع اتِّفَاقِ النَّوْعِ، ويجوزُ مع اخْتِلافِه. وَوَجْهُ جَوازِهِ، ما رَوَى الْجُوزَجانِيُّ، عن أبى صالِحٍ، عن اللَّيْثِ، عن ابن شِهابٍ، عن سالِمٍ، عن ابن عُمَرَ، عن زَيْدِ بن ثابِتٍ، عن رسولِ اللَّه ﷺ ، أنّه أَرْخَصَ بعدَ ذلك في بَيْعِ العَرِيَّةِ بالرُّطَبِ، أو التَّمْرِ، ولم يُرَخِّصْ في غير ذلك (٢٦). ولأنّه إذا جازَ بَيْعُ الرُّطَبِ بالتَّمْرِ مع اخْتِصَاصِ أحَدِهِما بالنَّقْصِ في ثاني الحال، فلَأن يجوزَ مع عَدَمِ ذلك أَوْلَى. ولَنا، ما رَوَى مُسْلِمٌ (٢٧) بإسْنَادِه عن زَيْدِ