← Фикх ханбали

Фикх ханбали · id 6910

المغني لابن قدامة - ت التركي

ابن قدامة

Полный текст (7 955 стр.). Показаны 316–355 · переход к 321.

стр. 316

كلَمْسِ ذَوَاتِ المَحارِمِ، يُحَقِّقُهُ أنَّ اللَّمْسَ ليس بحَدَثٍ في نَفْسِه، وإنما نَقَضَ لأنَّه يُفْضِى إلى خُرُوجِ المَذْىِ [أو المَنِىِّ] (١٥)، فاعْتُبِرَت الحالةُ التي تُفْضِى إلى الحَدَثِ فيها، وهى حالةُ الشَّهْوَةِ. فصل: ولا فَرْقَ بينَ الأَجْنَبِيَّةِ وذَاتِ المَحْرَمِ، والكَبِيرَةِ والصَّغِيرَةِ. وقال الشَّافِعِىُّ: لا يَنْقُضُ لَمْسُ ذَواتِ المحارِمِ، ولا الصَّغِيرةِ، في أحَدِ القَوْلَيْنِ؛ لأنَّ لَمْسَهُما لا يُفْضِى إلى خُرُوجِ خارِجٍ، أشْبَهَ لَمْسَ الرَّجُلِ الرَّجُلَ (١٦). ولنا، عُمُومُ النَّصِّ، واللَّمْسُ الناقِضُ تُعْتبَرُ فيه الشَّهْوَةُ، ومتى وُجِدَتِ الشَّهْوَةُ فلا فَرْقَ بينَ الجَمِيعِ. فأمَّا لَمْسُ المَيِّتةِ، فَفِيهِ وَجْهَانِ: أحدُهما، يَنْقُضُ؛ لعُمُومِ الآيةِ. والثانى، لا يَنْقُضُ. اخْتَارَهُ الشَّرِيفُ أبو جعفر، وابنُ عَقِيلٍ؛ لأَنَّها ليستْ مَحَلًّا للشَّهْوَةِ، فهى كالرَّجُلِ. فصل: ولا يَخْتصُّ اللَّمْسُ الناقِضُ باليَدِ، بَلْ أىُّ شيءٍ منه (١٦) لاقَى شَيْئًا مِنْ بَشَرَتها مع الشَّهْوةِ، انْتَقَضَ وُضُوؤُه به، سَوَاءٌ كان عُضْوًا أصْلِيًّا، أوْ زائِدًا. وحُكِىَ عن الأَوْزاعِىِّ: لا يَنْقُضُ اللَّمْسُ إلَّا بأَحَدِ أعْضاءِ الوُضُوءِ. ولنا، عُمُومُ النَّصِّ، والتَّخْصِيصُ بغَيْرِ دَلِيلٍ تَحَكُّم لا يُصارُ إليه. ولا يَنْقُضُ مَسُّ شَعْرِ المرأةِ، ولا ظُفْرِها، ولا سِنِّها، وهذا ظاهِرُ مَذْهَبِ الشَّافِعِىِّ. ولا يَنْقُضُ لَمْسُها بشَعْرِهِ ولا سِنِّهِ ولا ظُفْرِه؛ لأنَّ ذلك ممَّا لا يَقَعُ الطَّلَاقُ علَى المرأةِ بتَطْلِيقهِ ولا الظِّهَار. ولا يَنْجُسُ الشَّعْرُ بمَوْتِ الحيوانِ، ولا بِقَطْعِهِ منه في حَياتِه. فصل: وإنْ لَمَسَها مِنْ وَرَاءِ حائِلٍ، لم يَنْتَقِضْ وُضُوؤُهُ، في قَوْلِ أكْثَرِ أهْلِ

стр. 317

العِلْمِ. وقال مالِك، واللَّيْثُ: يَنْتَقِضُ إنْ كان ثَوْبًا رَقِيقًا. وكذلك قال رَبِيعةُ: إذا غمَزَها مِنْ وَرَاءِ ثَوْبٍ رَقِيقٍ لشَهْوةٍ؛ لأنَّ الشَّهْوةَ مَوْجُودةٌ. وقال المَرُّوذِىّ: لا نَعْلَمُ أحَدًا قالَ ذَلِكَ غيرَ مالِكٍ واللَّيْث. ولنا، أنَّهُ لم يَلْمَسْ جِسْمَ المَرْأَةِ؛ فأشْبَهَ ما لو لَمَسَ ثِيابَها، والشَّهْوَةُ بمُجَرَّدِها لا تَكْفِى، كما لو مَسَّ رَجُلًا بشَهْوةٍ (١٧)، أو وُجِدَتِ الشَّهْوَةُ مِنْ غَيْرِ لَمْسٍ. فصل: وإنْ لمَسَت امْرَأةٌ رَجُلًا، ووُجِدَت الشهوةُ منهما، فظاهرُ كَلَامِ الْخِرَقِىِّ نَقْضُ وُضُوئِهما، بمُلاقاةِ بَشَرَتهما. وقد سُئِلَ أحْمَدُ عنِ المَرْأَةِ إذا مَسَّت زَوْجَها؟ قال: ما سَمِعْتُ فيه شيئًا، ولكن هي شَقِيقةُ الرَّجُلِ. يُعْجِبُنِى أنْ تَتَوَضَّأَ. لأَنَّ المَرْأةَ أحدُ المشتركَيْنِ في اللَّمْسِ، فهى كالرَّجُلِ. ويَنْتَقِضُ وُضوءُ المَلْمُوسِ إذا وُجِدَتْ منه الشَّهْوةُ؛ لأنَّ ما يَنْتَقِضُ بالْتِقاءِ البَشَرَتَيْنِ، لا فَرْقَ فيهِ بين اللَّامِسِ والمَلْمُوسِ، كالْتِقاءِ الخِتَانَيْنِ. وفيه رِوَايةٌ أُخْرَى: لا يَنْتَقِضُ وُضُوءُ المرأةِ، ولا وُضُوءُ المَلْمُوسِ. وللشَّافِعِىِّ قَوْلَانِ كالرِّوايَتَيْنِ. وَوَجْهُ عَدَمِ النَّقْضِ أنَّ النصَّ إنَّما وَرَدَ بالنَّقْضِ بمُلامَسةِ النِّسَاءِ، فيَتَنَاوَلُ اللَّامِسَ مِن الرِّجَالِ، فيخْتَصُّ به النَّقْضُ، كَلَمْسِ الفَرْجِ، ولأنَّ المَرْأَةَ والمَلْمُوسَ لا نَصَّ فيه، ولا هو في مَعْنَى المَنْصُوص؛ لأنَّ اللَّمْسَ مِنَ الرَّجُلِ مع الشَّهْوةِ مَظِنَّةٌ لخُرُوجِ المَذْىِ الناقِضِ، فأُقِيمَ مَقَامَهُ، ولا يُوجَدُ ذلك في حَقِّ المرأةِ، والشَّهْوةُ مِن اللَّامِسِ أشَدُّ منها في المَلْمُوسِ، وأَدْعَى إلى الخُرُوجِ، فلا يَصِحُّ القياسُ عليهما، وإذا امْتَنَعَ النَّصُّ والقِياسُ لم يَثْبُتِ الدليلُ. فصل: ولا يَنْتَقِضُ الوُضُوءُ بِلَمْسِ عُضْوٍ مَقْطُوعٍ مِن المَرْأَةِ؛ لزَوَالِ الاسْمِ، وخُرُوجهِ عن أنْ يَكُونَ مَحَلًّا للشَّهْوةِ. ولا بمَسِّ رَجُلٍ ولا صَبِىٍّ، ولا بمَسِّ (١٨) المَرْأَةِ المَرْأةَ؛ لأنَّه لَيْسَ بدَاخِلٍ في الآيةِ، ولا هُوَ في مَعْنَى ما فِي الآيةِ، لأنَّ المَرْأةَ مَحَلٌّ لشَهْوةِ الرَّجُلِ شَرْعًا وطَبْعًا، وهذا بخِلَافِهِ. ولا بمَسِّ البَهِيمَةِ؛ لذلك. ولا بمَسِّ خُنْثَى مُشْكِلٍ؛ لأنَّه لا يُعْلَمُ كَوْنُه رَجُلًا ولا امْرأةً. ولا بمَسِّ الخُنْثَى لرَجُلٍ

стр. 318

أو امْرَأةٍ؛ لذلك، والأَصْلُ الطهارةُ، فلا تَزُولُ بالشَّكِّ. ولا أعْلَمُ في هذا كُلِّه خِلَافًا. ٥١ - مسألة؛ قال: (مَنْ تَيَقَّنَ الطَّهارةَ وشَكَّ في الحَدَثِ، أو تَيَقَّنَ الحَدَثَ وشَكَّ في الطَّهَارَةِ، فَهُوَ عَلَى مَا تَيَقَّنَ مِنْهُما) يَعْنى: إذَا عَلِمَ أنَّه تَوَضَّأَ، وشَكَّ هَلْ أَحْدَثَ، أوْ لَا، بَنَى عَلَى أنه مُتَطَهِّرٌ. وإنْ كان مُحْدِثًا فشَكَّ؛ هل تَوَضَّأ، أوْ لَا، فهو مُحْدِثٌ. يَبْنِى في الحالتيْنِ على ما عَلِمَه قَبْلَ الشَّكِّ، ويُلْغِى الشَّكَّ، وبهذا قال الثَّوْرِىُّ، وأهلُ العِرَاقِ، والأَوْزَاعِىُّ، والشَّافِعِىُّ، وسائِرُ أهْلِ العِلْمِ، فيما عَلِمْنا، إلَّا الحَسَنَ ومالِكًا، فإن الحَسَنَ قال: إن شَكَّ في الحَدَثِ في الصَّلَاةِ، مَضَى فيها، وإنْ كانَ قَبْلَ الدُخُولِ فيها، تَوَضَّأَ. وقال مالِكٌ: إن شَكَّ في الحَدَثِ إنْ كانَ يسْتَنْكِحُه (١) كثيرًا، فهو على وُضُوئِه. وإن كان لا يَسْتَنْكِحُه (١) كثيرًا، تَوَضَّأَ؛ لأنَّه [قد دخَل] (٢) في الصَّلَاةِ مَعَ الشَّكِّ. ولنا، ما رَوَى عبدُ اللهِ بن زَيْدٍ قال: شُكِىَ إلَى النبيِّ ﷺ الرَّجُلُ يُخَيَّلُ إليه وهو في الصَّلاةِ أنَّه يَجِدُ الشىءَ، قال: "لَا يَنْصَرِفُ حَتَّى يَسْمَعَ صَوْتًا أو يَجِدَ رِيحًا". مُتَّفَقٌ عليه (٣). ولمُسْلِم عن أبي هُرَيْرَةَ، قال: قال رَسُولُ اللهِ ﷺ : "إذَا وَجَدَ أحَدُكُمْ

стр. 319

في بَطْنِه شَيْئًا فأَشْكَلَ عَلَيْه، أخَرَجَ مِنْهُ [شَىْءٌ] (٤) أمْ لَا (٥)، فلَا يَخْرُجْ (٦) مِنَ المَسْجِدِ حتى يَسْمَعَ صَوْتًا أو يَجِدَ رِيحًا" (٧). ولأنَّه إذا شَكَّ تعارَضَ عندَه الأمْران، فيَجِبُ سُقُوطُهُما، كالبَيِّنَتَيْن إذا تعَارَضَتَا، ويَرْجعُ إلَى اليَقِين (٨)، ولا فَرْقَ بَيْنَ أنْ يَغْلِبَ عَلَى ظَنِّه أحَدُهما، أو يَتَساوَى الأَمْرانِ عِنْدَه؛ لأَنَّ غَلَبةَ الظَّنِّ إذا لم تَكنْ مَضْبُوطةً بضابطٍ شَرْعِىٍّ، لا يُلْتَفَتُ إليْها، كما لا يَلْتَفِتُ الحاكِمُ إلى قَوْلِ أحدِ المُتَدَاعِيَيْنِ إذا غَلَبَ على ظَنِّه صِدْقُه بِغَيْرِ دَلِيلٍ. فصل: إذا تَيَقَّنَ الطهارةَ والحَدَثَ معًا، ولم يَعْلَمِ الآخِرَ منهما، مثل مَنْ تَيَقَّنَ أنَّه كان في وَقْتِ الظُهْرِ مُتَطَهِّرًا مَرَّةً ومُحْدِثًا أخْرَى، ولا يَعْلَمُ أيُّهما كان بعدَ صَاحِبهِ، فإنَّهُ يَرْجِعُ إلى حالِهِ قبلَ الزَّوَالِ؛ فإنْ كانَ مُحْدِثًا فهو الآن مُتَطَهِّرٌ؛ لأنَّه مُتَيَقِّنٌ أنَّه قد انْتَقَلَ عن هذا الحَدَثِ إلى الطَّهارةِ، ولم يَتَيَقَّنْ زَوَالهَا، والحَدَثُ المُتَيَقَّنُ بعدَ الزَّوَالِ يَحْتَمِلُ أنْ يَكُونَ قبلَ الطَّهَارَةِ، ويَحْتَمِلُ أن يكونَ بعدَها، فوُجُودُه بعدَها مَشْكُوكٌ فيه، فلا يَزولُ عن طَهَارَةٍ مُتَيَقَّنةٍ بِشَكٍّ، كما لو شَهِدَتْ بَيِّنَةٌ لِرَجُلٍ أنَّه وَفَى زَيْدًا حَقَّه وهو مائةٌ، فأقامَ المَشْهُودُ عليه بَيِّنةً بإقْرارِ خَصْمِه له بمائةٍ، لم يَثْبُتْ له حَقٌّ؛ لاحْتِمالِ أنْ يَكُونَ إقْرارُه قبلَ الاسْتِيفاءِ منه. وإنْ كانَ قَبْلَ الزَّوَالِ مُتَطَهِّرًا فهو الآن مُحْدِثٌ؛ لما ذَكَرْنَا في الطَّرَفِ الآخَرِ. فصل: وإن تَيَقَّنَ أنَّه في وَقْت الظُهْرِ نَقَضَ طَهارَته وتَوَضَّأ عن حَدَثٍ، وشَكَّ في السابِقِ منهما، نَظَرَ؛ فَإنْ كانَ قَبْلَ الزَّوَالِ مُتَطَهِّرًا، فهو علَى طَهارَةٍ؛ لأنَّه تَيَقَّنَ أنه نَقَضَ تِلْكَ الطهارةَ، ثم تَوَضَّأَ، إذْ لا يُمْكِنُ أن يَتَوَضَّأ عن حَدَثٍ مع بَقَاءِ تلك الطهارةِ، ونَقْضُ هذه الطَّهَارَةِ الثانِيةِ مَشْكُوكٌ فيه، فلا يَزُولُ عن اليَقِينِ بالشَّكِّ،

стр. 320

وإنْ كانَ قَبْلَ الزَّوَالِ مُحْدِثًا، فهو الآنَ مُحْدِثٌ؛ لأنه تَيَقَّنَ أنه انْتَقَلَ عَنْهُ إلَى الطَهَارَةِ ثم نَقَضَها، والطَّهَارَةُ بعدَ نَقْضِها مَشْكُوكٌ فِيها. واللهُ أعلمُ. فهذَا جَمِيعُ نَواقِضِ الطَّهَارَةِ. ولا تَنْتَقِضُ بغَيْرِ ذَلِكَ في قَوْلِ عامَّة العُلَماء، إلَّا أنَّه قد حُكِىَ عن مُجَاهدٍ، والحَكَمِ، وحَمَّادٍ: في قَصِّ الشَّارِبِ، وتَقْلِيمِ الأَظْفَارِ، ونَتْفِ الإِبْطِ، الوُضُوءُ. وقَوْلُ جُمْهورِ العُلَماء بخِلَافِهم، ولَا نَعْلَمُ فيما يَقُولُونَ حُجَّةً. واللهُ سبحانَه أعْلَمُ.

стр. 321

بابُ ما يُوجِبُ الغُسْلَ قال أبُو مُحمَّد بن بَرِّىٍّ النَّحْوِىّ (٩): غَسْلُ الجَنابةِ، بفَتْحِ الغَيْنِ. وقال ابنُ السِّكِّيت (١٠): الغُسْلُ: الماءُ الذي يُغْتَسَلُ بهِ. والغِسْلُ: ما غُسِلَ بهِ الرَّأْسُ (١١). ٥٢ - مسألة؛ قال أبو القاسِم، ﵀: (والمُوجِبُ لِلْغُسْلِ خُرُوجُ الْمَنِىِّ) الأَلفُ واللَّامُ هنا للاسْتِغْراقِ، ومعناه أنَّ جَمِيعَ مُوجِباتِ الغُسْلِ هذه السِّتَّةُ المُسَمَّاةُ: أوَّلُها؛ خُرُوجُ المَنِىِّ، وهو الماءُ الغَلِيظُ الدافِقُ الذي (١) يَخْرُجُ عِنْدَ اشْتِدادِ الشَّهْوةِ، ومَنِىُّ المرأةِ رَقِيقٌ أصْفَرُ. ورَوَى مُسْلم في "صَحِيحِه"، بإسْنادِه، أن أُمَّ سُلَيْمٍ حَدَّثَتْ، أنَّها سَأَلَتِ النبيَّ ﷺ : المرأةُ تَرَى في مَنامِها ما يرَىَ الرَّجُلُ؟ فقال رَسُولُ اللَّه ﷺ : "إذَا رَأَتْ ذَلِكَ المَرْأةُ فَلْتَغْتَسِلْ". فقَالَتْ أُمُّ سُلَيْمٍ: واسْتَحْيَيْتُ من ذلك. [قالتْ] (٢): وهل يكونُ هذا؟ فقالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "نَعَمْ، فَمِنْ أيْنَ يَكُونُ الشَّبَهُ! مَاءُ الرَّجُلِ غَلِيظٌ أبْيَضُ، وماءُ المَرْأةِ رَقِيقٌ أصْفَرُ، فَمِنْ أيِّهمَا عَلَا، أو سَبَق، يَكُونُ مِنْهُ الشَّبَهُ (٣) ". وفى لَفْظٍ أنَّها قَالتْ: هل علَى المَرْأةِ مِنْ (٤) غُسْلٍ إذَا

стр. 322

هِىَ احْتَلَمَت؟ فقال النَّبِىُّ ﷺ : "نَعَمْ، إذَا رَأَتِ الماءَ". مُتَّفَقٌ عليه (٥)، فخُروجُ المَنِىّ الدَّافِقِ بشَهْوةٍ (٦)، يُوجِبُ الغُسْلَ مِنَ الرَّجُلِ والمَرْأَةِ في يَقظَةٍ أو في نَوْمٍ. وهو قَوْلُ عَامَّةِ الفُقَهاءِ. قالَهُ التِّرْمِذِىُّ (٧). ولا نَعْلُم فِيهِ خِلَافًا. فصل: فإنْ خَرَجَ شَبِيهُ المَنِىِّ؛ لمَرَضٍ أو إِبْرِدَةٍ (٨) لَا عن شَهْوةٍ، فلا غُسْلَ فِيهِ. وهذا قولُ أبِى حَنِيفَةَ ومالِكٍ. وقالَ الشَّافِعِىُّ: يَجِبُ بهِ الغُسْلُ. ويَحْتَمِلهُ كَلَامُ الْخِرَقِىِّ؛ لِقَوْلهِ ﵇: "إذَا رَأَتِ الماءَ". وقَوْلِهِ: "الماءُ مِنَ الماءِ (٩) ". ولأنَّه مَنِىٌّ خارِجٌ فأوْجَبَ الغُسْلَ، كما لو خَرَجَ حالَ الإِغْمَاءِ. ولنا، أنَّ النَّبِىَّ ﷺ وَصَفَ المَنِىَّ المُوجِبَ للغُسْلِ بكَوْنِه أبْيَضَ غَلِيظًا، وقال لِعَلِىٍّ: "إذا فَضَخْتَ (١٠) الماءَ فاغْتَسِلْ". رَواه أبو داود (١١)، والأَثْرَمُ: "إذا رَأَيتَ (١٢) فَضْخَ الماءِ

стр. 323

فاغْتَسِلْ (١٣) ". والفَضْخُ: خُرُوجُه علَى وَجْهِ الشِّدَّةِ. وقال إبْراهيمُ الْحَرْبِىُّ (١٤): خُروجُه بالعَجَلَةِ. وقَولُه: "إذَا رَأَتِ الماءَ". يعني الاحْتِلامَ، وإنما يَخْرُجُ في الاحْتِلَامِ بالشَّهْوةِ، والحديثُ الآخَرُ مَنْسُوخٌ، علَى أَنَّ هذا يَجُوزُ أَنْ يَمْنَعَ كَوْنَهُ مَنِيًّا؛ لأنَّ النَّبِىَّ ﷺ وصَفَ المَنِىَّ بِصفَةٍ غيرِ مَوْجودةٍ في هذا. فصل: فإنْ أحَسَّ بانْتقالِ المَنِىِّ عندَ الشَّهْوَةِ فأَمْسَك ذَكَرَه، فلم يَخْرُجْ، فلا غُسْلَ عليه في ظاهِرِ قَوْلِ الْخِرَقِىِّ، وإحْدَى الرِّوايَتَيْنِ عن أحمدَ، وقَوْلِ أَكْثَرِ الفُقَهاءِ. والمشهورُ عن أحمدَ وُجُوبُ الغُسْلِ، وأنكَرَ أنْ يَكُونَ الماءُ يَرْجِعُ، وأحَبَّ أن يَغْتَسِلَ. ولم يذْكُرِ القاضِى في وُجُوبِ الغُسْلِ خِلَافًا، قال: لأَنَّ الجَنابةَ تُبَاعِدُ الماءَ عن مَحَلِّه، وقد وُجِدَ، فتَكُونُ الجَنَابةُ مَوْجُودَةً، فيَجِبُ الغُسْلُ بها، ولأنَّ الغُسْلَ تُرَاعَى فيه الشَّهْوةُ، وقد حَصَلَتْ بانْتِقَالِه، فأشْبَهَ ما لو ظَهَرَ. ولنا، أنَّ النَّبِىَّ ﷺ عَلَّقَ الاغْتِسالَ علَى الرُّؤْيةِ وفَضْخِه، بقوله: "إذَا رَأَتِ الماءَ"، و"إذا فَضَخْتَ الماءَ فاغْتَسِلْ". فلا يَثْبُت الحُكْمُ بدونِه، وما ذَكَرَه مِن الاشْتِقَاقِ لا يَصِحُّ؛ لأنَّه يجوزُ أنْ يُسَمَّى جُنُبًا لِمُجَانَبَتِهِ الماءَ، ولا يَحْصُلُ إلَّا بخُرُوجِه منه، أو لِمُجانَبَتِه الصَّلاةَ أو المَسْجِدَ أو غَيْرَهما؛ ممَّا مُنعَ منه، ولو سُمِّىَ بذلك مع الخُرُوجِ، لم يلزمْه وُجُودُ التَّسْمِيةِ من غيرِ خُرُوجٍ، فإنَّ الاشْتِقَاقَ لا يَلْزَمُ منه الاطِّرادُ، ومُرَاعاةُ الشَّهوةِ للحُكْمِ لا يلْزَمُ (١٥) منه اسْتِقْلَالُها به، فإنَّ أحَدَ وَصْفَىِ العِلَّةِ وشَرْطَ الحُكْمِ مُرَاعًى له، ولا يَسْتَقِلُّ بالحُكْمِ، ثم يَبْطُلُ بلَمْسِ النِّسَاءِ، وبما إذا وُجِدتَ الشَّهْوَةُ ههنا مِنْ غيرِ انْتِقَالٍ؛ فإنَّ الشَّهْوةَ لا تَسْتَقِلُّ بالحُكْمِ في المَوْضِعَيْن مع مُرَاعَاتِها فِيهِ، وكلامُ أَحْمَد ههنا إنما يَدُلُّ علَى أنَّ الماءَ إذَا انْتَقَلَ، لَزِمَ منه الخُروجُ، وإنَّما يتأَخَّرُ، ولِذَلِكَ يتأخَّرُ الغُسْلُ إلَى حِين خُرُوجِه، فعلى هذا إذا خَرَجَ المَنِىُّ بعد

стр. 324

ذلك لَزِمَه الغُسْلُ، سواءٌ اغْتَسَلَ قبلَ خُرُوجِه أو لم يَغْتَسِلْ؛ لأنَّه مَنِىٌّ خَرَجَ بسَبَبِ الشَّهْوةِ، فأوْجَبَ الغُسْلَ، كما لو خَرَجَ حال انْتِقالِه. وقد قال أحمدُ، ﵀، في الرَّجُلِ يُجامِعُ ولم يُنْزِلْ، فيَغْتَسِلُ، ثم يَخْرُجُ منه المَنِىُّ: عليه الغُسْلُ. وسُئِلَ عن رَجُلٍ رَأىَ في المنامِ أنه يُجَامِعُ فاسْتَيْقَظَ، فلم يَجِدْ شيئًا، فلما مَشَى خَرَجَ منه المَنِىُّ، قالَ: يَغْتَسِلُ. وقال القَاضِى في الذي أحَسَّ بانْتِقالِ المَنِىِّ، فأمْسَكَ ذَكَرَه، فاغْتَسَلَ، ثم خَرَج منه المَنِىُّ مِنْ غَيْرِ مُقارَنةِ شَهْوةٍ بَعْدَ البَوْلِ: لا (١٦) غُسْلَ عَلَيْه. رِوَايةً واحِدَةً. وإنْ كانَ قبلَ البَوْلِ فعلى رِوَايَتَيْنِ؛ لأنَّهُ بعدَ البَوْلِ غيرَ المَنِىِّ المُنْتَقِلِ خَرَجَ بغَيْرِ شَهْوةٍ، فأشْبَهَ الخارِجَ لِمَرَضٍ، وإنْ كانَ قَبْلَه فهو ذَلِكَ المَنِىُّ الذي انْتَقَلَ. وَوَجْهُ ما قُلْنا، أنَّ النَّبِىَّ ﷺ أمَرَ بالغُسْلِ عندَ رُؤْيةِ الماءِ وفَضْخِه، وقد وُجِدَ، ونَصَّ أحمدُ على وُجُوبِ الغُسْلِ على المُجامِعِ الذي يَرَى الماءَ بعدَ غُسْلِه، وهذا مثلُه، وقد دَلَّلْنا علَى (١٧) أنَّ مَنْ أحَسَّ بانتقالِ المَنِىِّ ولم يَخْرُجْ، لا غُسْلَ عليه، ويَلْزَمُ مِنْ ذلك وُجُوبُ الغُسْلِ عليه بظُهُورِه، لِئَلَّا يُفْضِى إلى نَفْىِ الوُجُوبِ عنه بالكُلِّيَّةِ، مع انْتِقالِ المَنِىِّ لِشَهْوةٍ وخُرُوجِه. فصل: فأمَّا إنِ احْتَلَمَ، أو جَامَعَ، فَأمْنَى، ثم اغْتَسَلَ، ثم خَرَجَ منه مَنِىٌّ، فالمَشْهُورُ عن أحمدَ أنه لا غُسْلَ عليه. قال الخَلَّالُ: تَواتَرَتِ الرِّوَاياتُ عن أبِي عبد اللَّه، أنَّه ليس عليه إلَّا الوُضُوءُ، بَالَ أو لم يَبُلْ، فَعَلَى هذا اسْتَقَرَّ قَوْلُه. ورُوِىَ ذلك عَن عَلِىٍّ، وابْنِ عَبَّاسٍ، وعَطَاءٍ، والزُّهْرِىِّ، ومالِكٍ، واللَّيْثِ، والثَّوْرِىِّ، وإِسْحَاقَ، وقال سَعِيدُ بنُ جُبَيْرٍ: لا غُسْلَ عليه إلَّا عن شَهْوَةٍ. وفِيهِ رِوَايةٌ ثانيةٌ: إنْ خَرَجَ بعدَ البَوْلِ، فَلَا غُسْلَ فيه، وإن خَرَجَ قَبْلَه اغْتَسَلَ. وهذا قَوْلُ الأَوْزَاعِىِّ، وأبِى حَنِيفَة، ونُقِلَ ذَلِكَ عن الحسن؛ لأَنّه بَقِيةُ ماءٍ خَرَجَ بالدَّفْقِ والشَّهْوَةِ، فأَوْجَبَ الغُسْلَ كالأَوَّلِ، وبعدَ البَوْلِ خَرَجَ بغَيْرِ دَفْقٍ وشَهْوَةٍ، ولا نَعْلَمُ أنَّه بَقِيةُ الأَوَّلِ؛ لأَنَّه لو كان بَقِيَتَّه لما تَخَلَّفَ بعدَ البَوْلِ، وقال القاضِى: فيه روايَةٌ ثَالِثَةٌ، عليهِ

стр. 325

الغُسْلُ بكُلِّ حالٍ. وهو مَذْهَبُ الشَّافِعِىِّ؛ لأنَّ الاعْتِبارَ بخُرُوجِهِ كَسَائِرِ الأَحْدَاثِ. وقال في مَوْضِعٍ آخَرَ: لا غُسْلَ عليه. روايةً واحدةً؛ لأَنَّه جَنَابَةٌ واحِدَةٌ، فلم يَجِبْ به غُسْلانِ، كما لو خَرَجَ دَفْعةً واحِدةً. والصَّحِيحُ الأوَّلُ (١٨) لأنَّ الخُرُوجَ يَصْلُحُ مُوجِبًا للغُسْلِ، وما ذَكَرَهُ يَبْطُلُ بما إذا جَامعَ فلم يُنْزِلْ، فاغْتسلَ، ثم أنْزَلَ، فإنَّ أحمدَ قد نَصَّ على وُجُوبِ الغُسْلِ عليه بالإِنْزَالِ مع وُجُوبِهِ بالْتِقَاءِ الخِتَانَيْنِ. فصل: إذَا رَأَى أنَّهُ قد احْتَلَمَ، ولم يَجِدْ مَنِيًّا، فلا غُسْلَ عليهِ. قال ابنُ المُنْذِر: أَجْمَعَ على هذا كُلُّ مَنْ أَحْفَظُ عنه مِنْ أَهْلِ العِلْمِ. لكِن إنْ مَشَى فَخَرَجَ منه المَنِىُّ، أو خَرَجَ بعدَ اسْتِيْقَاظِه، فعليه الغُسْلُ. نَصَّ عليه أحمدُ؛ لأنَّ الظَّاهِرَ أنَّه كان انْتَقَلَ، وتَخَلَّفَ خُرُوجُهُ إلَى ما بعدَ الاسْتِيْقَاظِ. وإنِ انْتَبَهَ فَرَأَى مَنِيًّا، ولم يَذْكُر احْتِلامًا، فعليهِ الغُسْلُ. لا نَعْلَمُ فيه خِلافًا أيضًا. ورُوِىَ نحوُ ذلِك عَنْ عُمَرَ، وعُثْمانَ، وبه قال ابنُ عَبَّاسٍ، وعَطَاء، وسَعِيدُ بنُ جُبَيْر، والشَّعْبِىُّ، والنَّخَعِىُّ، والحَسَنُ، ومُجاهِدٌ، وقَتَادَةُ، ومالِكٌ، والشَّافِعِىُّ، وإسْحَاقُ؛ لأنَّ الظَّاهِرَ أنَّ خُرُوجَهُ كان لاحْتِلَامٍ نَسِيَهُ. ورُوِىَ عن عُمَرَ، رَضِىَ اللهُ عنه، أنَّه صَلَّى الفَجْرَ بالمسلمين، ثم خَرَجَ إلى الجُرْفِ (١٩) فَرَأَى في ثَوْبِه احْتِلَامًا، فقال: ما أُرانِى إلَّا قد احْتَلَمْتُ، فاغْتَسَلَ، وغَسَلَ ثَوْبَه، وصَلَّى (٢٠). ورُوِىَ نَحْوُه عن عثمانَ، ورَوَتْ عائِشَةُ، رَضِىَ اللَّه عنها، قالت: سُئِلَ رَسُولُ اللهِ ﷺ عن الرَّجُلِ يَجِدُ البَلَلَ ولا يَذْكُرُ احْتِلَامًا؟ قال: "يَغْتَسِلُ". وعن الرَّجُلِ يَرَى أنَّه قد احْتَلَمَ، ولا يَجِدُ بَلَلًا، فقالَ: "لَا غُسْلَ عَلَيْه". رَوَاهُ أبُو دَاوُد، وابنُ مَاجَه (٢١). ورَوَتْ أُمُّ سَلَمة، أنَّ أُمَّ

стр. 326

سُلَيْمٍ قالَتْ: يا رَسُولَ اللهِ، هَلْ عَلَى المَرْأَةِ مِنْ غُسْلٍ إذَا هِىَ احْتَلَمَتْ؟ قالَ: "نَعَمْ، إذا رَأَتِ الماءَ". مُتَّفَقٌ عليه (٢٢)، وهذا يَدُلُّ على أنَّه لا غُسْلَ عليها إلَّا أَنْ تَرَى الماءَ. فصل: إذا انْتَبَهَ مِن النَّوْمِ فوَجَدَ بَلَلًا لا يَعْلَمُ هل هو مَنِىٌّ أو غيرُه؟ فقال أحمدَ: إذا وَجَدَ بَلَّةً اغْتَسَلَ، إلَّا أنْ يكونَ به إبْرِدَةٌ، أو لاعَبَ أَهْلَهُ؛ فإنَّه رُبَّما خرجَ منه المَذْىُ، فأَرْجُو أنْ لا يكونَ به بَأْسٌ. وكذلك إن كان انْتَشَرَ مِنْ أَوَّلِ اللَّيْلِ بتَذَكُّرٍ (٢٣) أوْ رُؤْيَةٍ، لا غُسْلَ عليه. وهو قَوْلُ الحسنِ؛ لأنَّه مَشْكُوكٌ فيه، يَحْتَمِلُ أنَّه مَذْىٌ، وقد وُجِد سَبَبُه، فلا يُوجِبُ الغُسْلَ مع الشَّكِّ. وإنْ لم يكنْ وَجَدَ ذلك، فعليه الغُسْلُ؛ لخَبَرِ عائِشةَ، ولأَنَّ الظَّاهِرَ أنَّه احْتِلَامٌ. وقد تَوَقَّفَ أحمدُ في هذه المَسْأَلةِ في مَواضِعَ. وقال مُجاهِدٌ، وقَتَادَةُ: لا غُسْلَ عليه حتى يُوقِنَ بالماءِ الدَّافِقِ. قال قَتَادةُ: يَشُمُّهُ. وهذا هو القِيَاسُ، ولأَنَّ اليَقِينَ بَقَاءُ الطَّهارَةِ، فلا يَزُولُ بالشَّكِّ. والأَوْلَى الاغْتِسَالُ؛ لِمُوافَقَةِ الخَبَرِ، وإزَالَةِ الشَّكِّ. فصل: فإنْ رَأَى في ثَوْبِه مَنِيًّا، وكان مِمَّا لا يَنَامُ فيه غَيْرُهُ، فعليه الغُسْلُ؛ لأَنَّ عُمَرَ وعُثْمَانَ اغْتَسَلَا حين رَأَيَاهُ في ثَوْبِهِمَا، ولأَنَّهُ لا يَحْتَمِلُ أنْ يَكُونَ إلَّا منه، ويُعِيدُ الصَّلَاةَ مِنْ أَحْدَثِ نَوْمَةٍ نَامَها فيه، إلَّا أَنْ يَرَى أمَارَةً تَدُلَّ على أنَّه قَبْلَهَا، فيُعِيدُ مِنْ أَدْنَى نَوْمَةٍ يَحْتَمِلُ أنَّه منها. وإنْ كان الرَّائِى له غُلَامًا يُمْكِنُ وُجُودُ المَنِىِّ منه، كابْنِ اثْنَتَىْ عَشَرَةَ سَنَةً، فهو كالرَّجُلِ؛ لأنَّه وُجدَ دَلِيلُهُ، وهو مُحْتَمِلٌ لِلْوُجُودِ. وإنْ كان أَقَلَّ مِنْ ذلك، فلا غُسْلَ عليه؛ لأنَّه لا يَحْتَمِلُ، فيَتَعَيَّنُ حَمْلُه عَلى أنَّه مِنْ غَيْرِه. فأمَّا إنْ وَجَدَ الرَّجُلُ مَنِيًّا في ثَوْبٍ يَنَامُ فيه هو وغَيْرُه مِمَّنْ يَحْتَلِمُ، فلا غُسْلَ على واحِدٍ مِنْهُما؛ لأنَّ كُلَّ واحِدٍ منهما بالنَّظَرِ إليه مُفْرَدًا يَحْتَمِلُ أن لا يكونَ

стр. 327

منه، فوُجُوبُ الغُسْلِ عليه مَشْكُوكٌ فيه، وليس لأحَدِهما أن يَأْتَمَّ بصَاحِبِه؛ لأنَّ أحَدَهُما جُنُبٌ يَقِينًا، فلا تَصِحُّ صَلَاتُهما، كما لو سَمِعَ كُلُّ وَاحِدٍ منهما صَوْتَ رِيحٍ، يَظُنُّ أَنَّها مِنْ صاحِبِه، أو لا يَدْرِى مِنْ أَيِّهما هي. فصل: إذا وَطِىءَ امْرَأَتَه دُونَ الفَرْجِ، فَدَبَّ ماؤُهُ إلى فَرْجِها، ثم خرجَ، أو وَطِئَها في الفَرْجِ، فاغْتَسَلَتْ، ثم خرجَ ماءُ الرَّجُلِ مِنْ فَرْجِها، فلا غُسْلَ عليها. وبهذا قَالَ قَتَادَةُ، والأَوْزَاعِىُّ، وإسْحَاقُ. وقال الحسن: تَغْتَسِلُ؛ لِأَنَّه [مَنِىٌ خارِجٌ منه] (٢٤)، فأشْبَهَ ماءَها. والأوَّلُ أَوْلَى؛ لأنَّه ليس مَنِيَّها، فأشْبَهَ غَيْرَ المَنِىِّ. ٥٣ - مسألة؛ قال: (والْتِقَاءُ الخِتَانَيْنِ) يَعْنِى: تَغْيِيبَ الحَشَفَةِ في الفَرْجِ، فإنَّ هذا هو المُوْجِبُ للغُسْلِ، سواءٌ كانا مُخْتَتِنيْن أو لا، وسواءٌ أصابَ مَوْضِعُ الخِتَانِ منه مَوْضِعَ خِتَانِها أو لم يُصِبْه. ولَوْ مَسَّ الخِتَانُ الخِتَانَ مِنْ غيرِ إِيلَاجٍ فَلَا غُسْلَ بالاتِّفَاقِ. واتَّفَقَ الفُقَهاءُ على وُجُوبِ الغُسْلِ في هذه المسألةِ، إلَّا ما حُكِىَ عن داود أنَّه قال: لا يَجِبُ؛ لِقَوْلِه ﵇: "الماءُ مِنَ الماءِ"، وكانَ جَمَاعَةٌ مِن الصحابةِ، رَضِىَ اللهُ عنهم، يقولون: لا غُسْلَ على مَنْ جَامَعَ فأَكْسَلَ. [يَعْنِى: لم يُنْزِلْ] (١). ورَوَوْا في ذلك أحادِيثَ عن النبيِّ ﷺ . وكانت رُخْصةً رَخَّصَ فيها رسولُ اللهِ ﷺ ثم أَمَرَ بالغُسْلِ، قالَ سَهْلُ بنُ سَعْدٍ: حَدَّثَنِى أُبَىُّ بنُ كَعْبٍ أنَّ "الماء مِنَ الماءِ" كان رُخْصَةً أَرْخَصَ فيها رسولُ اللهِ ﷺ ثم نَهَى عنها. مُتَّفَقٌ عليه (٢). ورَوَاهُ الإِمامُ أحمدُ، وأبو داود، وابنُ مَاجَه،

стр. 328

والتِّرْمِذِىُّ، وقال: حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ (٣). ورُوِىَ عَنْ أبِى مُوسَى الأَشْعَرِىِّ قال: اخْتَلَفَ في ذَلِكَ رَهْطٌ مِنَ المُهَاجِرِينَ والأنْصارِ، فقالَ الأَنْصَارِيُّونَ: لا يَجِبُ الغُسْلُ إلَّا مِنَ الماءِ الدَّافِقِ أو مِنَ الماءِ، وقال المُهَاجِرُونَ: بَلْ إذا خَالَطَ فَقَدْ وَجَبَ الغُسْلُ، [قال، قال] (٤) أبو موسى: فأَنَا أَشْفِيكُم مِنْ ذَلِكَ، فَقُمْتُ فاسْتَأْذَنْتُ على عائشةَ، فقلتُ: يا أُمَّاهُ، أو يا أُمَّ المُؤْمِنِين، إنِّي أُرِيدُ أَنْ أَسْأَلك عن شيءٍ، وأنا أَسْتَحْيِيكِ، فقالتْ: لا تَسْتَحْيِى أنْ تَسْأَلَنِى عن شيءٍ كُنْتَ سائِلًا عنه أُمَّكَ التي وَلَدَتْكَ، فإنَّما أنا أُمُّكَ. قُلْتُ: فما يُوجِبُ الغُسْلَ، قالتْ: قالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "إذا جَلَسَ بَيْنَ شُعَبِهَا الْأَرْبَعِ، ومَسَّ الخِتَانُ الخِتَانَ، فَقَدْ وَجَبَ الغُسْلُ" مُتَّفَقٌ عليه (٥). وفي حَدِيثٍ عَنْ عُمَر، رَضِىَ اللهُ عنه، أنه قالَ: مَنْ خَالَفَ في ذلك جَعَلْتُه نَكَالًا (٦). ورَوَى أبُو هُرَيْرَة أنَّ النَّبِىَّ ﷺ قال: "إذَا قَعَدَ بَيْنَ شُعَبِها الأَرْبَعِ، وجَهَدَهَا، فَقَدْ وَجَبَ عَلَيْهِ الغُسْلُ". مُتَّفَقٌ عليه (٧). زادَ مُسْلِمٌ: "وإنْ لَمْ يُنْزِلْ".

стр. 329

قال الأَزْهَرِىُّ (٨): أرَادَ بَيْنَ شُعْبَتَىْ رِجْلَيْها وشُعْبَتَىْ شُفْرَيْها (٩). وحَدِيثُهم مَنْسُوخٌ بدَلِيلِ حَدِيثِ سَهْلِ بنِ سَعْدٍ، والحمدُ للَّه. فصل: ويَجِبُ الغُسْلُ على كُلِّ وَاطِىءٍ ومَوْطُوءٍ، إذا كانَ مِنْ أَهْلِ الغُسْل، سواءٌ كان الفَرْجُ قُبُلًا أو دُبُرًا، مِنْ كُلِّ آدَمِىٍّ أو بَهِيمةٍ (١٠)، حَيًّا أو مَيِّتًا، طائِعًا أو مُكْرَهًا، نائِمًا أو يَقْظَانَ. وقال أبو حنيفة: لا يَجِبُ الغُسْلُ بِوَطْءِ المَيِّتَةِ والبَهِيمَةِ؛ لأنَّه ليس بمَقْصُودٍ، ولأنه ليس بمَنْصُوصٍ عليه، ولا في مَعْنَى المَنْصُوص. ولنا أنَّه إيلَاجٌ في فَرْجٍ، فوَجَبَ به الغُسْلُ، كَوَطْءِ الآدَمِيَّةِ في حياتِها، وَوَطْءُ الآدَمِيَّةِ الميتةِ (١١) داخِلٌ في عُمُومِ الأحادِيثِ المَرْوِيَّةِ، وما ذَكَرُوهُ يَنْتَقِضُ بِوَطْءِ العَجُوزِ والشَّوْهاءِ. فصل: وإنْ أَوْلَجَ بعضَ الحَشَفَةِ، أو وَطِىءَ دُونَ الفَرْجِ، أو فِي السُّرَّةِ، ولم يُنْزِلْ، فلا غُسْلَ عليه؛ لأنَّهُ لم يُوجَد الْتِقَاءُ الخِتَانَيْنِ ولا ما في مَعْناه. وإن انْقَطَعَتِ الحَشَفَةُ، فأَوْلَجَ الباقِى مِنْ ذَكَرِه، وكان بِقَدْرِ الحَشَفَةِ، وَجَبَ الغُسْلُ، وتَعَلَّقَتْ بهِ أحْكَامُ الوَطْءِ؛ مِنَ المَهْرِ وغَيْرِه. وإن كان أقَلَّ مِن ذلك، لَمْ يَجِبْ شيءٌ. فصل: فإنْ أَوْلَجَ في قُبُلِ خُنْثَى مُشْكِلٍ، أو أَوْلَجَ الخُنْثَى ذَكَرَهُ في فَرْجٍ، أو وَطِىءَ أَحَدُهُما الآخَرَ في قُبُلِهِ، فلا غُسْلَ على واحدٍ مِنْهُما؛ لأنَّه يَحْتَمِلُ أن تكونَ خِلْقَةً زَائِدَةً. فإن أَنْزَلَ الوَاطِىءُ أو أَنْزَلَ المَوْطُوءُ مِنْ قُبُلهِ، فعلى مَنْ أَنْزَلَ الغُسْلُ. ويَثْبُتُ لِمَنْ أَنْزَلَ مِنْ ذَكَرِه حُكْمُ الرِّجَالِ، ولِمَنْ أَنْزَلَ مِنْ قُبُلِه حُكْمُ النِّسَاءِ؛ لأنَّ اللهَ تعالى أَجْرَى العادةَ بذلك في حَقِّ الرِّجَالِ والنِّسَاءِ، وذكرَ القَاضِى في مَوْضِعٍ، أنَّهُ لا يُحْكَمُ له بالذُكورِيَّةِ بالإِنْزَالِ مِنْ ذَكَرِهِ، ولا بالأُنُوثِيَّةِ بالحَيْضِ مِنْ فَرْجِهِ، ولا بالبُلُوغِ بهذا. ولنا، أنَّهُ أَمْرٌ خَصَّ اللهُ تعالى بهِ أحَدَ الصِّنْفَيْنِ، فكان دَلِيلًا عليه،

стр. 330

كالبَوْلِ مِنْ ذَكَرِه أو مِنْ قُبُلهِ، ولأَنَّهُ أنْزَلَ الماءَ الدَّافِقَ لِشَهْوَةٍ، فَوَجَبَ عليه الغُسْلُ؛ لِقَوْلِه ﷺ : "الماءُ مِنَ الماءِ". وبالقِيَاسِ على مَنْ تَثْبُتُ له الذُّكُورِيَّةُ أو الأُنُوثِيَّةُ. فصل: فإن كانَ الواطِىءُ أو المَوْطُوءُ صَغِيرًا، فقال أحمدُ: يَجبُ عليهما الغُسْلُ. وقال: إذا أَتَى على الصَّبِيَّةِ تِسْعُ سِنِينَ، ومِثْلُها يُوطَأُ، وَجَبَ عليها الغُسْلُ. وسُئِلَ عنِ الغُلَامِ يُجَامِعُ مِثْلُه ولم يَبْلُغْ، فجَامَعَ المَرْأةَ، يكونُ عَلَيْهِما جَمِيعًا الغُسْلُ؟ قال: نَعَم. قيل له: أنْزَلَ أَوْ لَمْ يُنْزِلْ؟ قالَ: نَعَم. وقال: تَرَى (١٢) عائِشَةَ حينَ كان يَطؤُهَا النبيُّ ﷺ لَمْ تَكُنْ تَغْتَسِلُ! ويُرْوَى عَنْها: "إذَا الْتَقَى الخِتَانَان وَجَبَ الغُسْلُ". وحَمَل القاضي كَلَامَ أحمدَ على الاسْتِحْبابِ. وهو قَوْلُ أَصْحابِ الرَّأْىِ، وأبِى ثَوْرٍ؛ لأنَّ الصَّغِيرَةَ لا يَتَعَلَّقُ بها المَأْثَمُ، ولا هي مِنْ أَهْلِ التَّكْلِيفِ، ولا تَجِبُ عليها الصَّلاةُ التي تَجِبُ الطَّهَارَةُ لها، فأشْبَهَتِ الحائِضَ. ولا يَصِحُّ حَمْلُ كَلامِ أحمدَ على الاسْتِحْبابِ؛ لِتَصْرِيحِهِ بالوُجُوبِ، وذَمِّهِ قَوْلَ أصْحَابِ الرَّأْىِ، وقَوْله: هو قَوْلُ سَوْءٍ. واحتج بفِعْلِ عائِشَةَ، ورِوَايَتها للحَدِيثِ العامِّ في الصَّغِيرِ والكَبِيرِ، ولأَنَّها أجَابَتْ بفِعْلهِا وفِعْلِ النَّبِيِّ ﷺ ، بقَوْلِها: فَعَلْتُه أنَا ورَسُولُ اللهِ ﷺ فاغْتَسَلْنَا. فكَيْفَ تَكُونُ خارِجَةً منه! وليس مَعْنَى وُجُوب الغُسْلِ في الصَّغِيرِ التَّأْثِيمُ بِتَرْكِهِ، بل مَعْنَاهُ أنَّه شَرْطٌ لِصِحَّةِ الصَّلَاةِ، والطَّوافِ، وإبَاحَةِ قِرَاءَةِ القُرْآنِ، واللُّبْثِ في المَسْجِدِ، وإنَّما يَأْثَمُ البالغُ بتَأْخِيرِه في مَوْضِعٍ يتَأَخَّرُ الواجِبُ بِتَرْكِه، ولِذَلِكَ لَوْ أَخَّرَهُ في غيرِ وَقْتِ الصَّلَاةِ، لم يَأْثَمْ، والصَّبِىُّ لا صَلَاةَ عليه، فلم يَأْثَمْ بالتَّأْخِيرِ، وبَقِىَ في حَقِّهِ شَرْطًا، كما في حَقِّ الكَبِيرِ، وإذا بَلَغ كانَ حُكْمُ الحَدَثِ في حَقِّهِ باقِيًا، كالحَدَثِ الأَصْغَرِ، يَنْقُضُ الطَّهَارَةَ في حَقِّ الكَبِيرِ والصَّغِيرِ، واللهُ أعْلَمُ. ٥٤ - مسألة؛ قال: (وإذَا أَسْلَمَ الْكَافِرُ) وجُمْلَتُه أنَّ الكافِرَ إذا أَسْلَمَ، وَجَبَ عليه الغُسْلُ، سَوَاءٌ كان أَصْلِيًّا، أَوْ مُرْتَدًّا، اغْتَسَلَ قبلَ إسْلَامِهِ أو لم يَغْتَسِلْ، وُجِدَ منه في زَمَنِ كُفْرِهِ ما يُوجِبُ الغُسْلَ أو لم

стр. 331

يُوجَدْ. وهذا مَذْهَبُ مالِكٍ، وأبِى ثَوْرٍ، وابْنِ المُنْذِرِ، وقال أبو بكر: يُسْتَحَبُّ الغُسْلُ، وليس بوَاجِبٍ، إلَّا أنْ يكونَ قد وُجِدَتْ منه جَنَابَةٌ زَمَنَ كُفْرِه، فعليه الغُسْلُ إذا أسْلَمَ، سَوَاءٌ كان قد اغْتَسَلَ في زَمَنِ كُفْرِه أو لم يَغْتَسِلْ. وهذا مَذْهَبُ الشَّافِعِىِّ. ولمْ يُوجِبْ عليه أبو حنيفة الغُسْلَ بحالٍ؛ لأنَّ العَدَدَ الكَثِيرَ والجَمَّ الغَفِيرَ أسْلَمُوا، فلو أُمِرَ كُلُّ مَنْ أَسْلَمَ بالغُسْلِ، لَنُقِلَ نَقْلًا مُتَواتِرًا أو ظَاهِرًا، ولأنَّ النَّبِىَّ ﷺ لَمَّا بَعَثَ مُعَاذًا إلى اليَمَن قال: "ادْعُهُمْ إلَى شَهَادَة أنْ لَا إلهَ إلَّا اللهُ وأنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ ورَسُولُه، فإنْ هُمْ أطَاعُوكَ لِذَلِك فأعْلِمْهُم أنَّ (١) عَلَيْهِمْ صَدَقَةً تُؤْخَذُ مِنْ أغْنِيائِهم فَتُرَدُّ عَلَى فُقَرَائِهِم (٢) ". ولو كان الغُسْلُ واجِبًا لأَمَرَهُم به؛ لأَنَّه أَوَّلُ وَاجِبَاتِ الإِسْلَامِ. ولنا ما رَوَى قَيْسُ بنُ عاصِمٍ، قال: أَتَيْتُ النَّبِىَّ ﷺ أُرِيدُ الإِسْلامَ، فأَمَرَنِى أنْ أَغْتَسِلَ بماءٍ وسِدْرٍ (٣). رَوَاهُ أبو داود، والنَّسَائِىُّ (٤) وأمْرُهُ يَقْتَضِى الوُجُوبَ، وما ذَكَرَهُ من قِلَّةِ النَّقْلِ، فلَا يَصِحُّ مِمَّنْ أَوْجَبَ الغُسْلَ على مَنْ أَسْلَمَ بعدَ الجَنابةِ في شِرْكِه، فإنَّ الظَّاهِرَ أنَّ البالِغَ لا يَسْلَمُ منها، ثم إِنَّ الخبَرَ إذا صَحَّ كان حُجَّةً مِنْ غيرِ اعْتِبارِ شَرْطٍ آخَرَ، على أنَّه قد رُوِىَ، أنَّ سَعْدَ بنَ مُعَاذٍ،

стр. 332

وأُسَيْدَ بن حُضَيْر، حِينَ أَرَادَا الإِسْلامَ، سَأَلَا مُصْعَبَ بنَ عُمَيْرٍ، وأَسْعَدَ بن زُرَارَة: كيف تَصْنَعُونَ إذا دَخَلْتُم في هذا الأَمْرِ؟ قَالَا: نَغْتَسِلُ، ونَشْهَدُ شَهَادَةَ الحَقِّ (٥). وهذا يَدُلُّ على أنَّه كانَ مُسْتَفِيضًا، ولأَنَّ الكَافِرَ لا يَسْلَمُ غالِبًا مِن جَنَابَةٍ تَلْحَقُه، ونَجَاسَةٍ تُصِيبُه، وهو لا يَغْتَسِلُ، ولا يَرْتَفِعُ حَدَثُه إذا اغْتَسَلَ، فأُقِيمَت مَظِنَّةُ ذلك مُقَامَ حَقِيقَتِه، كما أُقِيمَ النَّوْمُ مُقَامَ الحَدَثِ، والْتِقَاءُ الخِتَانَيْنِ مُقَامَ الإِنْزَالِ. فصل: فإن أَجْنَبَ الكافِرُ ثم أَسْلَمَ، لم يَلْزَمْهُ غُسْلُ الجَنَابَةِ، سَوَاءٌ اغْتَسَلَ في كُفْرِه أو لم يَغْتَسِلْ. وهذا قَوْلُ مَنْ أَوْجَبَ غُسْلَ الإِسْلَامِ، وقَوْلُ أبى حنيفة. وقال الشَّافِعِىُّ: عليه الغُسْلُ في الحاليْنِ. وهذا اخْتِيارُ أبى بَكْرٍ؛ لأنَّ عَدَمَ التَّكْلِيفِ لا يَمْنَعُ وُجُوبَ الغُسْلِ، كالصِّبَا والجُنُونِ، واغْتِسَالُه في كُفْرِه لا يَرْفَعُ حَدَثَه؛ لأنَّه أحَدُ الحَدَثَيْنِ، فلم يَرْتَفِعْ في حالِ كُفْرِه كالحَدَثِ الأَصْغَرِ. وحُكِىَ عن أبى حنيفةَ. وأحَدُ الوَجْهَيْنِ لأصْحَابِ الشَّافِعِىِّ أنَّه يَرْفَعُ حَدَثَه؛ لأنَّه أصَحُّ نِيَّةً مِن الصَّبِىِّ. وليس بِصَحِيحٍ؛ لأنَّ الطَّهارَةَ عِبَادَةٌ مَحْضَةٌ، فلم تَصِحَّ مِنْ كافِرٍ، كالصَّلَاةِ. ولنا - على أنَّه لا يَجِبُ - أنَّه لم يُنْقَلْ عن النَّبِىِّ ﷺ أنَّه أَمَرَ أحَدًا بغُسْلِ الجَنَابَةِ مع كَثْرَةِ مَنْ أَسْلَمَ مِن الرِّجَالِ والنِّسَاءِ البَالِغِينَ المُتَزَوِّجِين، ولأنَّ المَظِنَّةَ أُقِيمَتْ مُقَامَ حَقِيقَةِ الحَدَثِ، فسَقَطَ حُكْمُ الحَدَثِ كالسَّفَرِ مع المَشَقَّةِ. فصل: ويُسْتَحَبُّ أنْ يَغْتَسِلَ المُسْلِمُ بماءٍ وسِدْرٍ، كما في حَدِيثِ قَيْسٍ. ويُسْتَحَبُّ إزَالَةُ شَعْرِه؛ لأنَّ النَّبىَّ ﷺ أمَرَ رَجُلًا أسْلَمَ، فقالَ: "احْلِقْ". وقال لآخَرَ معه: "ألْقِ عَنْكَ شَعْرَ الكُفْرِ واخْتَتِنْ" رَوَاهُ أبو داود (٦). وأقَلُّ أحْوَالِ الأَمْرِ الاسْتِحْبابُ. ٥٥ - مسألة؛ قال: (والطُّهْرُ مِنَ الحَيْضِ والنِّفَاسِ) قال ابنُ عَقِيلٍ: هذا تَجَوُّزٌ؛ فإنَّ المُوجِبَ للغُسْلِ في التَّحْقِيقِ هو الحَيْضُ

стр. 333

والنِّفَاسُ؛ لأنَّه هو الحَدَثُ، وانْقِطَاعُهُ شَرْطُ وُجُوبٍ للغُسْلِ وصِحَّتِه، فَسَمَّاهُ مُوجِبًا لذلك، وهذا كَقَوْلِهِم: انْقِطَاعُ دَمِ الاسْتِحَاضَةِ مُبْطِلٌ للصَّلَاةِ. والمُبْطِلُ إنَّما هو الحَدَثُ الخارِجُ، لكنْ عُفِىَ عنه للضَّرُورَةِ، فإذا انْقَطَعَ الدَّمُ زالَت الضَّرورَةُ، فظَهَرَ حُكْمُ الحَدَثِ حِينَئِذٍ، وأُضِيفَ الحُكْمُ إلى الانْقِطَاعِ؛ لِظُهُورِهِ عِنْدَه. ولا خِلَافَ في وُجُوبِ الغُسْلِ بالحَيْضِ والنِّفَاسِ، وقد أمَرَ النَّبِىُّ ﷺ بالغُسْلِ مِن الحَيْضِ في أحادِيثَ كَثيرةٍ، فقال لفاطمة بِنتِ أبي حُبَيْشٍ: "دَعِى الصَّلاةَ قَدْرَ الأَيَّامِ التي كُنْتِ تَحِيضِينَ فِيهَا، ثم اغْتَسِلِى وصَلِّى". مُتَّفَقٌ عليه (١). وأمَرَ بهِ في حَدِيثِ أُمِّ سَلَمَة، وحَدِيثِ عَدِيّ بنِ ثابِتٍ، عن أبِيهِ، عن جَدِّهِ رَوَاهُما أبو دَاوُد، وغيرُه (٢)، وأمَرَ بهِ في حَدِيثِ أُمِّ حَبِيبةَ، وسَهْلَة بنت سُهَيْل، وحَمْنَة بنت جَحْش، وغَيْرِهنَّ (٢)، وقد قِيلَ في قَوْلِ اللهِ تَعالَى: ﴿فَإِذَا تَطَهَّرْنَ فَأْتُوهُنَّ﴾ (٣) يَعْنِى: إذا اغْتَسَلْنَ. مَنَعَ الزَّوْجَ وَطْأَهَا قَبْلَ الغُسْلِ، فدَلَّ عَلَى وُجُوبِه عليها. والنِّفَاسُ كالحَيْضِ سواء؛ فإنَّ دَمَ النِّفَاسِ هو دَمُ الحَيْضِ، وإنّما كانَ في مُدَّةِ الحَمْلِ يَنْصَرِفُ إلى غِذَاءِ الوَلَدِ، فحِينَ خَرَجَ الوَلَدُ خَرَجَ الدَّمُ (٤) لِعَدَمِ مَصْرِفِه،

стр. 334

وسُمِّىَ نِفَاسًا. فصل: فأمّا الوِلَادَةُ إذا عَرِيَت عن دَمٍ، فَلَا يَجِبُ فيها الغُسْلُ، في ظَاهِرِ كَلَامِ الْخِرَقِىِّ. وقال غَيْرُه: فيها وَجْهَان؛ أحَدُهُما يَجِبُ الغُسْلُ بها؛ لأنَّها مَظِنَّةٌ للنِّفَاسِ المُوجِبِ، فقامَتْ مَقامَهُ في الإِيجَابِ، كالْتِقَاءِ الخِتَانَيْنِ، ولأنَّها يُسْتَبْرَأُ بها الرَّحِمُ، أشْبَهَتِ الحَيْضَ. ولِأَصْحابِ الشَّافِعِىِّ وَجْهان كالوَجْهيْنِ. والأوَّلُ (٥) الصَّحِيحُ؛ فإنَّ الوُجُوبَ بالشَّرْعِ، ولم يَرِدْ بالغُسْلِ ههُنا، ولا هو في مَعْنَى المَنْصُوص، فإنَّه لَيْسَ بدَمٍ ولا مَنِىٍّ؛ وإنما وَرَدَ الشَّرْعُ بالإِيجَابِ بهذيْنِ الشَّيْئَيْنِ. وقَوْلُهُمْ: إنَّه مَظِنَّةٌ. قلنا: المَظَانُّ إنَّما يُعْلَمُ جَعْلُها مَظِنَّةً بنَصٍّ أو إجْمَاعٍ، ولا نَصَّ في هذا ولا إجْماع، والقِيَاسُ الآخَرُ مُجَرَّدُ طَرْدٍ لا مَعْنَى تَحْتَه، ثم قد اخْتَلَفَا في أكثَرِ الأَحْكَامِ، فلَيْسَ تَشْبِيهُه (٦) بهِ في هَذَا الحُكْمِ أَوْلَى مِنْ مُخَالَفَتِه في سائِرِ الأَحْكَامِ. فصل: إذا كان على الحائِضِ جَنَابَةٌ، فليس عليها أنْ تَغْتَسِلَ حتى يَنْقَطِعَ حَيْضُها. نَصَّ عليه أحمدُ، وهو قَوْلُ إسْحَاق؛ وذلك لأنَّ الغُسْلَ لا يُفِيدُ شَيْئًا من الأحْكَامِ، فإن اغْتَسَلَتْ للجَنَابَةِ في زَمَنِ حَيْضِها، صَحَّ غُسْلُها، وزَالَ حُكْمُ الجنَابَةِ. نَصَّ عليه أحمد، وقال: تَزُولُ الجَنَابَةُ، والحَيْضُ لا يَزُولُ حَتَّى يَنْقَطِعَ الدَّمُ. قال: ولا أَعْلَمُ أحَدًا قال: لا تَغْتَسِلُ. إلَّا عَطَاء، فإنَّه قال: الحَيْضُ أكْبَرُ. قال: ثم نَزَلَ عن ذلك، وقال: تَغْتَسِلُ. وهذا لأنَّ أحَدَ الحَدَثَيْنِ لا يَمْنَعُ ارْتِفَاعَ الآخَر، كما لو اغْتَسَلَ المُحْدِثُ الحَدَثَ الأَصْغَر. فصل: ولا يَجِبُ الغُسْلُ مِنْ غَسْلِ المَيِّتِ. وبه قال ابنُ عَبَّاس، وابنُ عُمَر، وعائشة، والحسنُ، والنَّخَعِىُ، والشَّافِعِيُّ، وإسْحَاقُ، وأبو ثَوْرٍ، وابنُ المُنْذِرِ، وأصحابُ الرَّأىِ. وعن عَلِىٍّ، وأبى هُرَيْرة، أنَّهُما قَالَا: مَنْ غَسَّلَ مَيِّتًا فَلْيَغْتَسِل. وبه قال سَعِيدُ بنُ المُسَيَّبِ، وابنُ سِيرِينَ، والزُّهْرِىُّ. واخْتَارَهُ أبو إسْحاق

стр. 335

الجُوزَجَانِىّ؛ لِمَا رُوِىَ عن أبِى هُرَيْرَة، عن النَّبِيِّ ﷺ أنه قال: "مَنْ غَسَّلَ مَيِّتًا فَلْيَغْتَسِلْ، ومَنْ حَمَلَهُ (٧) فَلْيَتَوَضَّأْ (٨) ". قال التِّرْمِذِىُّ: هذا حَدِيثٌ حَسَنٌ، وذَكَرَ أصْحابُنا رِوَايةً أُخْرَى عن أحمد، في وُجُوبِ الغُسْلِ على مَنْ غَسَّلَ المَيِّتَ الكافِرَ خاصَّةً، لأَنَّ النَّبِىَّ ﷺ أمَرَ عَلِيًّا أن يَغْتَسِلَ لَمَّا غَسَّلَ أبَاهُ (٩). ولنا، قَوْلُ صَفْوانَ بنِ عَسَّالٍ المُرَادِيِّ (١٠)، قال: أمَرَنَا رَسُولُ اللهِ ﷺ أنْ لَا نَنْزِعَ خِفَافَنَا ثَلاثةَ أيَّامٍ ولَيَالِيهِنَّ (١١) إلَّا مِنْ جَنَابةٍ (١٢). ولأَنَّهُ غُسْلُ آدَمِىٍّ فلم يُوجِب الغُسْلَ كغُسْلِ الحَيِّ، وحَدِيثُهم مَوْقُوفٌ على أبى هُرَيرَة، قاله الإِمامُ أحمد. وقال ابنُ المُنْذِرِ: لَيْسَ في هذا حَدِيثٌ يَثْبُتُ، ولذلك لا يُعْمَلُ بهِ في وُجُوبِ الوُضُوءِ على مَنْ حَمَلَهُ. وقد ذُكِرَ لعائِشة قَوْلُ أبي هُرَيْرة: "ومَنْ حَمَلَهُ فَلْيَتَوَضَّأْ". قالَتْ: وهل هي إلَّا أَعْوادٌ حَمَلَها! ذكره الأَثْرَمُ بإسْنَادِهِ، ولا نَعْلَمُ أحَدًا قال به في الوُضُوءِ مِنْ حَمْلِه. وأما حَدِيثُ علىٍّ، رَضِىَ اللهُ عنه، فقال أبو إسْحاق الجُوزَجَانِىُّ: ليس فيه أنَّه غَسَّلَ أبا طالِبٍ، إنَّما قال النبيُّ ﷺ : "اذْهَبْ فَوَارِهِ، ولا تُحْدِثَنْ شَيْئًا حتى تَأْتِيَنِى". قال: فَأَتَيْتُه فأَخْبرْتُه، فأمَرَنى فاغْتَسَلْتُ. وقد قِيل: يَجِبُ الغُسْلُ مِنْ غُسْلِ الكافِرِ الحَىِّ. ولا نَعْلَمُ لقائِلِ هذا القَوْل حُجَّةً تُوجِبُه، وأهْلُ العِلْمِ على خِلَافِه. فصل: ولا يَجِبُ الغُسْلُ على المَجْنُونِ والمُغْمَى عليه إذَا أفَاقَا مِنْ غيرِ احْتِلَامٍ،

стр. 336

ولا أعْلَمُ في هذا خِلَافًا. قال ابنُ المُنْذِرِ: ثَبَتَ أنَّ رَسُولَ اللَّه ﷺ اغْتَسَلَ مِن (١٣) الإِغْمَاءِ (١٤). وأجْمَعُوا عَلَى أنَّه لا يَجِبُ، ولأنَّ زَوَالَ العَقْلِ في نَفْسِهِ ليس بمُوجِبٍ للغُسْلِ، ووُجُودُ الإِنْزَالِ مَشْكُوكٌ فيه، فلا نَزُولُ عَنِ اليَقِينِ بالشَّكِّ، فإن تُيُقِّنَ منهما الإِنْزَالُ فعليهما الغُسْلُ؛ لأنَّه يكونُ من احْتِلَامٍ، فيَدْخُلُ في جُمْلَةِ المُوجِبَاتِ المَذْكُورَةِ، ويُسْتَحَبُّ الغُسْلُ مِنْ جَمِيع ما نَفَيْنَا وُجُوبَ الغُسْلِ منه؛ لوُجُودِ ما يَدُلُّ عليه مِنْ فِعْلِ النَّبِيِّ ﷺ لَهُ، والخُرُوجِ مِن الخِلَافِ. ٥٦ - مسألة؛ قال: (والحائِضُ والجُنُبُ والمُشْرِكُ إذا غَمَسُوا أَيْدِيَهُمْ في الْمَاءِ، فَهُوَ طَاهِرٌ) أمَّا طَهَارَةُ الماءِ فلا إشْكَالَ فيه، إلَّا أنْ يكونَ على أَيْدِيهم نَجَاسَةٌ، فإنَّ أجْسَامَهُم طاهِرَةٌ، وهذه الأَحْدَاث لا تَقْتَضِى تَنْجِيسَها. قال ابنُ المُنْذِرِ: أجْمَعَ عَوَامُّ أهْلِ العِلْمِ على أنَّ عَرَقَ الجُنُبِ طَاهِرٌ، ثَبَتَ ذلك عن ابنِ عُمَر، وابنِ عَبَّاسٍ، وعائشة، رَضِىَ اللهُ عنهم، وغَيْرِهم مِن الفُقَهاءِ. وقالَت عائِشَة: عَرَقُ الحائِضِ طاهِرٌ. وكُلُّ ذلك قَوْلُ مالِكٍ، والشَّافِعِىِّ، وأَصْحابِ الرَّأْىِ، ولا يُحْفَظُ عن غَيْرِهِم خِلَافُهُم. وقد رَوَى أبو هُرَيْرة، أنَّ رَسُولَ اللَّه ﷺ لَقِيَه في بَعْضِ طُرُقِ المَدِينَةِ وهو جُنُبٌ، قال: فانْخَنَسْتُ مِنْهُ فاغْتَسَلْتُ، ثم جِئْتُ؛ فقال: "أيْنَ كُنْتَ يا أبَا هُرَيْرة؟ " قال: يا رَسُولَ اللهِ كُنْتُ جُنُبًا، فكَرِهْتُ أنْ أُجَالِسَكَ وأنَا عَلَى غَيْرِ طَهَارَةٍ. فقالَ: "سُبْحَانَ اللَّه! إنَّ المُؤمِنَ لا يَنْجُسُ" مُتَّفَقٌ عليه (١). ورُوِىَ أنَّ النبيَّ ﷺ قَدَّمَ إلَيْه بَعْضُ نِسَائِه قَصْعَةً لِيَتَوَضَّأ مِنْها. فقالت امْرَأةٌ: إنِّي غَمَسْتُ يَدَىَّ فِيها وأنَا جُنُبٌ. فقال: "الماءُ لا يُجْنِبُ" (٢). وقال لعائشة: "ناوِلِينِى الخُمْرةَ

стр. 337

مِنَ المَسْجِدِ". فقالت: إنِّي حائِضٌ، قال: "إنَّ حَيْضَتَكِ لَيْسَتْ في يَدِك". وكان رَسُولُ اللَّه يَشْرَبُ مِنْ سُؤْرِ عائشة وهى حائِضٌ، ويَضَعُ فَاهُ على مَوْضِعِ فِيهَا، وتَتَعَرَّقُ العَرْقَ، وهى حائِضٌ، فيأْخُذُه النبيُّ ﷺ ، ويَضَعُ فَاهُ عَلَى مَوْضِع فِيهَا. وكانت تَغْسِلُ رَأْسَ رَسُولِ اللهِ ﷺ ، وهى حائِضٌ (٣)، وتَوَضَّأَ النَّبِىُّ ﷺ مِنْ مَزَادَةِ مُشْرِكَةٍ، مُتَّفَقٌ عليه. وتَوَضَّأَ عُمَر مِن جَرَّةِ نَصْرَانِيَّة. وأجابَ النبيُّ ﷺ يَهُودِيًّا دَعَاهُ إلى خُبْزٍ وإهَالَةٍ سَنِخَةٍ (٤). ولأَنَّ الكُفْرَ معنًى في قَلْبِه، فلا يُؤَثِّرُ في نَجَاسَةِ ظاهِرِهِ كسائِرِ ما في القَلْبِ، والأَصْلُ الطَّهارَةُ. ويَتَخَرَّجُ التَّفْرِيقُ بين الكِتَابِيِّ الذي لا يَأْكُلُ الْمَيتَةَ والخِنْزِيرَ، وبين غَيْرِه مِمَّنْ يأْكُلُ الميتَةَ والخِنْزِيرَ، ومَنْ لا تَحلُّ ذَبِيحَتهم، كما فَرَّقْنا بينهم في آنِيَتِهِم وثِيَابِهِم. فصل: وأمَّا طُهُورِيَّةُ الماءِ، فإن الحائِضَ والكافِرَ لا يُؤَثِّرُ غَمْسُهُما يَدَيْهِما في الماءِ شَيْئًا؛ لأنَّ حَدَثَهُما لا يَرْتَفِعُ. وأما الجُنُبُ فإنْ لم يَنْوِ بِغَمْسِ يَدِه في الماءِ رَفْعَ الحَدَثِ عنها (٥)، فهو باقٍ على طُهُورِيَّتِه؛ بدَلِيلِ حَدِيثِ المرأةِ التي قالت: غَمَسْتُ يَدَىَّ في الماءِ، وأنا جُنُبٌ، فقال النبيُّ ﷺ : "الماءُ لا يُجْنِبُ". ولأن الحَدَثَ لا يَرْتَفِعُ مِنْ غيرِ نِيَّةٍ، فأشْبَهَ غَمْسَ الحائِضِ. وإن نَوَى رَفْعَ حَدَثِها، فحُكْمُ الماءِ حُكْمُ ما لو اغْتَسَلَ الجُنُبُ فيه للجَنَابَةِ. وقال بعضُ أصْحابِنَا: إذا نَوَى رَفْعَ الحَدَثِ، ثم غَمَسَ يَدَهُ في الماءِ لِيَغْتَرِفَ بها، صار الماءُ مُسْتَعْمَلًا. والصَّحِيحُ - إن شاء اللهُ - أنَّه إذا نَوَى الاغْتِرَافَ لم يَصِرْ مُسْتَعْمَلًا؛ لأنَّ قَصْدَ الاغْتِرَافِ مَنَعَ قَصْدَ غَسْلِها، على ما بَيَّناهُ في المُتَوَضِّىءِ إذا اغْتَرَفَ مِنَ الإِناءِ بعدَ غَسْلِ وَجْهِهِ. وإن انْقَطَعَ حَيْضُ المَرْأَةِ ولم تَغْتَسِلْ، فهى كالجُنُبِ، فيما ذَكَرْنا من التَّفْضِيل. وقد اخْتَلَفَ (٦) عن أحمدَ في هذا؛ فقال في مَوْضِعٍ، في الجُنُبِ والحائِضِ يَغْمِسُ يَدَهُ

стр. 338

في الإِنَاءِ: إذا كانَا نَظِيفَيْنِ، فلا بَأْسَ به. وقال في مَوْضِعٍ آخَرَ (٧): كُنْتُ لا أَرَى به بَأْسًا، ثم حُدِّثْتُ عن شُعْبة، عن مُحارِب بنِ دثارٍ، عن ابنِ عُمَر، وكأنِّى تَهَيَّبْتُه. وسُئِلَ عن جُنُبٍ وُضِعَ له ماءٌ فأَدْخَلَ يَدَهُ يَنْظُرُ حَرَّهُ مِنْ بَرْدِه؟ قال: إنْ كان إصْبَعًا فأرجو أن لا يكونَ به بَأْسٌ، وإن كانَت اليَدَ أجْمَعَ فكأَنَّه كَرِهَه. وسُئِلَ عَنِ الرَّجُلِ يَدْخُلُ الحَمَّامَ، وليس معه أحَدٌ، ولا ما يَصُبُّ بهِ على يَدِه، أتَرَى أنْ يَأْخُذَ بفَمِهِ؟ قال: لَا، يَدُهُ وفَمُهُ واحِدٌ. وقِياسُ المَذْهَبِ ما ذكرناهُ، وكلامُ أحمدَ مَحْمُولٌ على الكَرَاهَةِ المُجَرَّدَةِ؛ لِمَا فِيهِ مِنَ الخِلَافِ. وقال أبو يوسُف: إنْ أَدْخَلَ الجُنُبُ يَدَهُ في الماءِ لم يَفْسُدْ، وإن أَدْخَلَ رِجْلَهُ فَسَدَ؛ لأنَّ الجُنُبَ نَجِسٌ، وعُفِىَ عَنْ يَدِه لِمَوْضِعِ الحاجةِ. وكَرِه النَّخَعِىُّ الوُضُوءَ بِسُؤْرِ الحائِضِ. وقال جابرُ بن زَيْد: لا يَتَوَضَّأُ به للصَّلَاةِ. وأكْثَرُ أهْلِ العِلْمِ لا يَرَوْنَ بِسُؤْرِها بَأْسًا؛ منهم الحَسَنُ، ومُجَاهِد، والزُّهْرىُّ، ومالِكٌ، والأَوْزَاعِىُّ، والثَّوْرِيُّ، والشَّافِعِىُّ، وأبُو عُبَيْدٍ. وقد دَلَّلْنَا على طَهَارَةِ الجُنُبِ والحائِضِ، والتَّفْرِيقُ بين اليَدِ والرِّجْلِ لا يَصِحُّ؛ لأنَّهُما اسْتَوَيَا فيما إذا أصَابَتْهُما نَجَاسَةٌ، فاسْتَوَيَا في الجَنَابَةِ، ويَحْتَمِلُ أن نَقُولَ بهِ؛ لأنَّ اليَدَ يُرَادُ بها الاغْتِرَافُ، وقَصْدُه هو المانِعُ مِنْ جَعْلِ الماءِ مُسْتَعْمَلًا، وهذا لا يُوجَدُ في الرِّجْلِ؛ لأنَّها لا يُغْتَرَفُ بِها، فكان غَمْسُها بعدَ إرَادَةِ الغَسْلِ اسْتِعْمالًا للماءِ. واللهُ أعْلمُ. ٥٧ - مسألة؛ قال: (ولا يَتَوَضَّأُ الرَّجُلُ بِفَضْلِ وَضُوءِ (١) المَرْأَةِ إذا خَلَتْ بالْماءِ) اخْتَلَفَت الرِّوَايةُ عن أحمدَ، ﵀، في وُضُوءِ الرَّجُلِ بفَضْلِ طَهُورِ (٢) المَرْأَةِ إذا خَلَتْ به، والمشهورُ عنه: أنَّهُ لا يجوزُ ذلك. وهو قَوْلُ عَبْدِ اللهِ بنِ سَرْجِسَ (٣)

стр. 339

والحسنِ، وغُنَيْمِ بنِ قَيْسٍ (٤)، وهو قَوْلُ ابنِ عُمَر في الحائِضِ والجُنُبِ. قال أحمد: قد كَرِهَه غيرُ واحِدٍ مِنْ أصْحَابِ النبيِّ ﷺ ، وأمَّا إذا كان جَمِيعًا فلا بَأْسَ. والثانية، يجوزُ الوُضُوءُ به للرِّجَالِ والنِّسَاءِ. اخْتَارَها ابنُ عَقِيل، وهو قولُ أَكْثَرِ أهْلِ العِلْمِ؛ لِمَا رَوَى مُسْلِمٌ في صَحِيحهِ، قال: كان النَّبِىُّ ﷺ يَغْتَسِلُ بِفَضْلِ (٥) مَيْمُونَةَ (٦). وقالت مَيْمُونَةُ: اغْتَسَلْتُ مِنْ جَفْنَةٍ، فَفَضَلتْ فيها فَضْلَةٌ، فجاء النَّبِىُّ ﷺ يَغْتَسِلُ، فقلتُ: إنِّي قد اغْتَسَلْتُ مِنْهُ، فقالَ: "الماءُ لَيْسَ عَلَيْه جَنَابَةٌ (٧) ". ولأنَّه مَاءٌ طَهُورٌ، جَازَ لِلْمَرْأةِ الوُضُوءُ بِهِ، فجازَ لِلرَّجُلِ كَفَضْلِ الرَّجُلِ. وَوَجْهُ الرِّوَايةِ الأُولَى ما رَوَى الحَكَمُ بنُ عَمْرٍو، أنَّ النَّبىَّ ﷺ نَهَى أنْ يَتَوَضَّأَ الرَّجُلُ بِفَضَلِ طَهُورِ المَرْأةِ. قال التِّرْمِذِىُّ: هذا حَدِيثٌ حَسَنٌ (٨). ورَوَاهُ أبو داود، وابنُ مَاجَه (٩). قال الخَطَّابِىُّ (١٠): قال محمدُ بنُ إسماعيل: خَبَرُ الأَقْرَعِ (١١) لا يَصِحُّ. والصَّحِيحُ في هذا خَبَرُ عَبْدِ اللَّه بنِ سَرْجِسَ، وهو مَوْقُوفٌ، ومَنْ رَفَعَهُ فقد أَخْطَأَ. قُلْنَا: قد رَوَاهُ أحمدُ، واحْتَجَّ به، وهذا يُقَدَّمُ عَلَى التَّضْعِيفِ؛ لِاحْتِمالِ أن يكونَ قد رُوِىَ مِنْ وَجْهٍ صَحِيحٍ خَفِىَ على مَنْ ضَعَّفَهُ، وأيضًا فإنَّهُ قَوْلُ جَماعةٍ مِن

стр. 340

الصَّحَابَةِ، قال أحمدُ: أكْثَرُ أصْحَابِ رَسُولِ اللهِ ﷺ يقولون: إذا خَلَتْ بالماءِ فلا يَتَوَضَّأُ منه. فأمَّا حَدِيثُ مَيْمُونَةَ فقد قال أحمد: أَنْفِيهِ؛ لِحَالِ سِمَاكٍ (١٢)، لَيْسَ أحَدٌ يَرْوِيهِ غَيْرُه. وقال: هذا فيه اخْتِلَافٌ شَدِيدٌ، بَعْضُهُم يَرْفَعُهُ، وبَعْضُهم لا يَرْفَعُهُ. ولأنَّهُ يَحْتَمِلُ أنَّهَا لم تَخْلُ به، فَيُحْمَلُ عليه، جَمْعًا بين الخَبَرَيْنِ. فصل: واخْتَلَفَ أصحابُنا في تفسيرِ الخَلْوَةِ به، فقال الشَّريفُ أبو جعفر قولًا يدلُّ على أنَّ الخَلْوَةَ هي أن لا يَحْضُرَها مَن لا تَحْصُلُ الخَلْوَةُ في النِّكَاحِ بحُضُورِهِ، سواءٌ كان رَجُلًا، أو امْرَأةً، أو صبِيًّا عاقِلًا؛ لأنَّها إحْدَى الخَلْوَتَيْنِ، فنافاها حُضُورُ أَحَدِ هؤلاءِ كالأُخْرَى. وقال القاضِى: هي أنْ لا يُشَاهِدَها رَجُلٌ مُسْلِمٌ، فإنْ شاهَدَهَا صَبِىٌّ أوْ امْرَأةٌ أو رَجُلٌ كافِرٌ، لم تَخْرُجْ بحُضُورِهِمْ عَن الخَلْوَة. وذَهَبَ بَعْضُ الأصْحابِ إلى أنَّ الخَلْوَةَ اسْتِعْمالُها للماءِ مِنْ غَيْرِ مُشَارَكَةِ الرَّجُلِ في اسْتِعْمَالِه؛ لأنَّ أحمدَ قال: إذا خَلَتْ به فَلَا يُعْجِبُنِى أنْ يَغْتَسِل هو به. وإذا شَرَعَا فيه جَمِيعًا فلا بَأْسَ بهِ؛ وذلك (١٣) لِقولِ عبدِ اللهِ بنِ سَرْجِسَ: اغْتَسِلَا جَمِيعًا؛ هو هكذا، وأنْتِ هكذا - قال عبدُ الواحد (١٤) في إشَارَتِه: كان الإِناءُ بينهما - وإذا خَلَتْ به فلا تَقْرَبَنَّهُ. رَوَاهُ الأَثْرَمُ. وقد كانتْ عَائِشَةُ تَغْتَسِلُ هي ورَسُولُ اللهِ مِنْ إنَاءٍ واحِدٍ، يَغْتَرِفَانِ منه جميعًا. مُتَّفَقٌ عليه (١٥)، فيُخَصُّ بهذا عُمُومُ النَّهْىِ، وبَقِينا فيما عداهُ على العُمُومِ.

стр. 341

فصل: فإنْ خَلَتْ به في بعضِ أعضائِها، أو في تَجْدِيِد طهارةٍ، أو اسْتِنْجاءٍ، أو غَسْلِ نجاسةٍ، ففيه وَجْهان: أحدُهما المَنْعُ؛ لأنَّه طَهَارَةٌ شَرْعِيَّةٌ. والثانى لا يَمْنَعُ؛ لأنَّ الطَّهَارَةَ المُطْلَقَةَ تَنْصَرِفُ إلى طهارةِ الحَدَثِ الكَامِلَةِ. وإنْ خَلَتْ به ذِمِّيَّةٌ في اغْتِسَالِها، ففيه وَجْهان: أحدهما. هو كَخَلْوَةِ المُسْلِمَةِ؛ لأنَّها أَدْنَى حَالًا مِن المُسْلِمَةِ وأبْعَدُ مِن الطَّهَارَةِ، وقد تَعَلَّقَ بِغُسْلِها حُكْمٌ شَرْعِىٌّ، وهو حِلُّ وَطْئِها إذا اغْتَسَلَتْ مِن الحَيْضِ وأمْرُها به إذا كان مِنْ جَنَابَةٍ. والثانى لا يُؤَثِّرُ؛ لأنَّ طهارتها لا تَصِحُّ، فهى كَتَبَرُّدِهَا. وإن خَلَت المَرْأَةُ بالماءِ في تَبَرُّدِهَا، أو تَنْظِيفِها، أو غَسْلِ ثَوْبِها من الوَسَخِ، لم يُؤَثِّرْ؛ لأنَّه لَيْسَ بِطَهَارَةٍ. فصل: وإنَّما تُؤَثِّرُ خَلْوَتُها في الماءِ القَلِيلِ، وما بَلَغَ القُلَّتَيْنِ لا يُؤَثِّرُ خَلْوَتُها فيه؛ لأنَّ حَقِيقَةَ النَّجَاسَةِ والحَدَثِ لا تُؤَثِّرُ فِيه، فوَهْمُ ذلك أَوْلَى. فصل: ومَنْعُ الرَّجُلِ مِنَ اسْتِعْمَالِ فَضْلَةِ طَهُورِ المَرْأَةِ تعَبُّدِىٌ غيرُ مَعْقُولِ المعنَى، نَصَّ عَلَيْه أحمدُ. ولذلك يُبَاحُ لامْرَأَةٍ سِوَاها التَّطَهُّرُ بهِ في طهارةِ الحَدَثِ، وغَسْلِ النَّجَاسَةِ، وغَيْرِهِما؛ لأنَّ النَّهْىَ اخْتَصَّ الرَّجُلَ ولم يُعْقَلْ مَعْنَاهُ، فيَجِبُ قَصْرُهُ على مَحَلِّ النَّهْىِ، وهل يجوزُ للرَّجُلِ غَسْلُ النَّجَاسَةِ به؟ فيه وَجْهان: أحدهما لا يَجُوزُ. وهو قَوْلُ القَاضِى؛ لأَنَّه مانِعٌ لا يَرْفَعُ حَدَثَه، فَلَمْ يُزِل النَّجَسَ، كسائِرِ المائِعَاتِ. والثانِى يَجُوزُ. وهو الصَّحِيحُ؛ لأنَّه ماءٌ يُطَهِّرُ المَرْأَةَ مِنَ الحَدَثِ

стр. 342

والنَّجَاسَةِ، ويُزِيلُها مِنَ المَحَالِّ كُلِّها إذَا فَعَلَتْه المرأةُ (١٦)، فَيُزِيلُها إذا فَعَلَهُ الرَّجُلُ، كسائِرِ المِيَاهِ، ولأنَّهُ ماءٌ يُزِيلُ النَّجَاسَةَ بمُبَاشَرَةِ المَرْأَةِ، [فيُزِيلُها إذا فَعَلَهُ] (١٧) الرَّجُلُ، كسَائِرِ المِيَاهِ، والحديثُ لا نَعْقِلُ عِلَّتَهُ، فيُقْتَصَرُ على ما وردَ به لَفْظُه، ونَحْوُ هذا يُحْكَى عن ابْنِ أبي موسى (١٨). واللهُ أعلمُ.

стр. 343

بابُ الغُسْلِ مِن الجنابةِ ٥٨ - مسألة؛ قال أبو القاسم: (وإذَا أَجْنَبَ غَسَلَ مَا بِهِ مِنْ أَذًى، وتَوَضَّأَ وُضُوءَهُ للصَّلَاةِ، ثم أَفْرَغَ عَلَى رَأسِهِ ثَلَاثًا، يَرْوِى أُصُولَ الشَّعْرِ، ثم يُفيضُ الماءَ عَلَى سائِرِ جَسَدِهِ) قال الفَرَّاءُ: يقال جَنُبَ (١) الرَّجُلُ وأَجْنَبَ وتَجَنَّبَ (٢) واجْتَنَبَ، مِنَ الجَنَابَةِ. ولِغُسْلِ الجَنَابَةِ صِفَتَانِ: صِفَةُ إجْزَاءٍ، وصِفَةُ كَمَالٍ، فالذى ذَكَرهُ الْخِرَقِىُّ ههنا صِفَةُ الكمال. قال بعضُ أصحابِنا: الكامِلُ يَأْتِى فيه بعشرةِ أشْياء؛ النِّيَّةِ، والتَّسْمِيَةِ، وغَسْلِ يَدَيْهِ ثَلَاثًا، وغَسْلِ ما به مِنْ أَذًى، والوُضُوءِ، ويَحْثِى على رَأْسِه ثَلَاثًا يَرْوِى بهَا أُصُولَ الشَّعْر، ويُفِيضُ الماءَ على سائِرِ جَسَدِه، ويَبْدَأُ بِشِقِّهِ الأَيْمَنِ، ويَدْلُكُ بَدَنَهُ بِيَدِه، ويَنْتَقِلُ مِنْ مَوْضِعِ غُسْلِه فيَغْسِل قَدَمَيْه. ويُسْتَحَبُّ أنْ يُخَلِّلَ أُصُولَ شَعْرِ رَأْسِه ولِحْيَتِه بماءٍ قبلَ إفَاضَتِه عليه. قال أحمدُ: الغُسْلُ مِن الجنابَةِ على حَدِيثِ عائِشَة، وهو ما رُوِىَ عنها، قالت: كان رَسُولُ اللهِ ﷺ إذا اغْتَسَلَ مِنَ الجَنَابَةِ غَسَلَ يَدَيْهِ ثَلَاثًا، وتَوَضَّأَ وُضُوءَهُ للصَّلَاةِ، ثُمَّ يُخَلِّلُ شَعْرَهُ بِيَدِه، حَتَّى إذَا ظَنَّ أنَّه قَدْ أرْوَى بَشَرَتَهُ أفَاضَ عَلَيْهِ الماءَ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ، ثُمَّ غَسَلَ سائِرَ جَسَدِه. مُتَّفَقٌ عليه (٣). وقالت مَيْمُونَةُ: وَضَعَ رَسُولُ اللهِ ﷺ وَضُوءَ الجَنَابَةِ، فأَفْرَغَ على يَدَيْهِ,

стр. 344

فَغَسَلَهُما مَرَّتَيْنِ أو ثَلَاثًا، ثُمَّ أفْرَغَ بيَمِينِه على شِمَالِه، فَغَسَلَ مَذَاكِيرَهُ، ثم ضَرَبَ بِيَدِه (٤) الأَرْضَ أو الحائِطَ، مَرَّتَيْنِ أو ثَلَاثًا، ثم تَمَضْمَضَ، واسْتَنْشَقَ، وغَسَلَ وَجْهَهُ وذِرَاعَيْهِ، ثم أفَاضَ الماءَ على رَأْسِه، ثم غَسَلَ جَسَدَهُ [ثم تَنَحَّى عَنْ مَقَامِه ذلك فَغَسَلَ رِجْلَيْهِ] (٥)، فأَتَيْتُه بالمَنْدِيلِ، فَلَمْ يُرِدْها، وجَعَلَ يَنْفُضُ الماءَ بِيَدَيْهِ. مُتَّفَقٌ عليه (٦). وفى هذين الحديثين كَثِيرٌ مِن الخِصالِ المُسَمَّاةِ، وأمَّا البِدَايةُ بِشِقِّهِ الأَيْمَن فلأنَّ النَّبِىَّ ﷺ كان يُحِبُّ التَّيَمُّنَ في طُهُورِهِ، وفي حَدِيثٍ عَنْ عائِشَة: كان رسولُ اللهِ ﷺ إذا اغْتَسَلَ مِن الجَنَابَةِ دَعَا بشَىْءٍ نَحْوِ الحِلَابِ (٧)، فأخَذَ بكَفَّيْهِ، ثم بَدَأَ بشِقِّ رَأْسِهِ الأَيْمَنِ، ثُمَّ الأَيْسَرِ، ثم أخَذَ بكَفَّيْهِ فقَالَ بِهِمَا عَلَى رَأْسِهِ. مُتَّفَقٌ عليه (٨). وأمَّا غَسْلُ الرِّجْلَيْنِ بعدَ الغُسْلِ، فقد اخْتَلَفَ (٩) عَن أحمد في موضِعِه؛ فقال في روايةٍ: أَحَبُّ إلَىَّ أنْ يَغْسِلَهُما بعدَ الوُضُوءِ؛ لِحَدِيثِ مَيْمُونَةَ. وقال في روايةٍ:

стр. 345

العَمَلُ على حَدِيثِ عائِشَةَ. وفيه أنَّهُ تَوَضَّأَ للصَّلَاةِ قبلَ اغْتِسَالِهِ. وقال في مَوْضِعٍ: غَسْلُ رِجْلَيْهِ في موضعِهِ وبعده وقبلهُ، سَوَاءٌ. ولعله ذَهَبَ إلى أنَّ اخْتِلَافَ الأحاديثِ فيه يَدُلُّ على أنَّ مَوْضِعَ الغَسْلِ ليس بمَقْصُودٍ، وإنَّما المَقْصُودُ أَصْلُ الغَسْلِ، واللهُ تعالى أعلمُ. ٥٩ - مسألة؛ قال: (وإنْ غَسَلَ مَرَّةً، وعَمَّ بالماءِ رَأْسَهُ وجَسَدَهُ, ولَمْ يَتَوضَّأْ، أَجْزَأَهُ، بَعْدَ أنْ يَتَمَضْمَضَ ويَسْتَنْشِقَ ويَنْوِىَ بهِ الغُسْلَ والوُضُوءَ، وكانَ تارِكًا لِلاِخْتِيَارِ) هذا المذكورُ صِفَةُ الإِجْزاءِ، والأَوَّلُ هو المُخْتَارُ؛ ولذلك قال: "وكان تَارِكًا للاخْتِيار". يَعْنِى إذا اقْتَصَرَ على هذا أجْزَأَهُ مَعَ تَرْكِهِ للأَفْضَلِ والأَوْلَى. وقَوْلهُ: "ويَنْوِىَ بهِ الغُسْلَ والوُضُوءَ". يَعْنِى أنَّهُ يُجْزِئُه الغُسْلُ عَنهما إذا نَوَاهُما. نَصَّ عليه أحمدُ، وعنه رِوَايةٌ أُخْرَى: لا يُجْزِئُهُ الغُسْلُ عَن الوُضُوءِ، حتى يَأْتِىَ به قَبْلَ الغُسْلِ أو بعدَه. وهو أحَدُ قَوْلَى الشَّافِعِيِّ؛ لأنَّ النبيَّ ﷺ فَعَلَ ذلك، ولأنَّ الجَنَابَةَ والحَدَثَ وُجِدَا منه، فوَجَبَتْ لهما الطَّهَارَتَانِ، كما لو كانا مُفْرَدَيْن (١). ولنا؛ قَوْلُ اللهِ تَعالَى: ﴿لَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى حَتَّى تَعْلَمُوا مَا تَقُولُونَ وَلَا جُنُبًا إِلَّا عَابِرِي سَبِيلٍ حَتَّى تَغْتَسِلُوا﴾ (٢). جَعَلَ الغُسْلَ غايةً لِلْمَنْعِ مِن الصَّلَاةِ، فإذا اغْتَسَلَ يَجِبُ أنْ لا يُمْنَعَ منها، ولأنَّهما عبادتان مِنْ جِنْسٍ واحدٍ (٣)، فتَدْخُلُ الصُّغْرَى في الكُبْرَى، كالعُمْرَةِ في الحَجِّ. قال ابنُ عبدِ البَّرِّ: (٤) المُغْتَسِلُ مِنَ الجَنَابَةِ إذا لم يتوَضَّأْ وعَمَّ جَمِيعَ جَسَدِه، فقد أدَّى ما عليه؛ لأنَّ اللهَ تعالى إنَّمَا افْتَرَضَ على الجُنُبِ الغُسْلَ مِنَ الجَنَابَةِ، دُونَ الوُضُوءِ، بقوله: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُوا﴾ (٥). وهو إجْمَاعٌ لا خِلَافَ فِيهِ بين العُلَمَاءِ، إلَّا أنَّهم أجْمَعُوا على اسْتِحْبَابِ الوُضُوءِ قَبْلَ الغُسْلِ،

стр. 346

تأَسِّيًا برسولِ اللهِ ﷺ ، ولأنَّه أَعْوَنُ على الغُسْلِ، وأَهْذَبُ فيه. وروَى بإسْنَادِهِ، عَن عائِشَةَ، قالَتْ: كان النَّبِيُّ ﷺ لا يَتَوَضَّأُ بعدَ الغُسْلِ مِنَ الجنابةِ (٦). فإنْ لم يَنْوِ الوضوءَ لم يُجْزِهِ إلَّا عن الغُسْلِ. فإنْ نَوَاهُما ثم أحْدَثَ في أثْنَاءِ غُسْلِه، أتَمَّ غُسْلَهُ، وتَوَضَّأ (٧). وبهذا قال عطاء، وعَمْرُو بنُ دِيَنارٍ (٨)، والثَّوْرِيُّ. ويُشْبِهُ مَذْهَبَ الشَّافِعِيِّ. وقال الحسنُ: يَسْتَأْنِفُ الغُسْلَ. ولا يَصِحُّ؛ لأَنَّ الحَدَثَ لا يُنَافِي الغُسْلَ، فلا يُؤَثِّرُ وُجُودُه فيه، كَغَيْرِ الحَدَثِ. فصل: ولا يجبُ عليه إمْرَارُ يَدِه على جَسَدِه في الغُسْلِ والوُضُوء، إذا تَيَقَّنَ أو غَلَبَ على ظَنِّه وُصُولُ الماءِ إلى جَمِيعِ جَسَدِهِ. وهذا قَوْلُ الحسنِ، والنَّخَعِيِّ، والشَّعْبِيِّ، وحَمَّادٍ، والثَّوْرِيِّ، والأَوْزَاعِيِّ، والشَّافِعِيِّ، وإسْحَاق، وأصْحابِ الرَّأْيِ، وقال مالكٌ: إمْرَارُ يَدِه إلى حيثُ تَنَال يَدُه واجِبٌ. ونَحْوَه قال أبُو العالِيَةِ. وقال عَطَاء، في الجُنُبِ يُفيضُ عليه الماءَ، قال: لا، بل يَغْتَسِلُ غُسْلًا (٩)؛ لأنَّ اللهَ تَعالَى قالَ: ﴿حَتَّى تَغْتَسِلُوا﴾، ولا يُقالُ: اغْتَسَلَ. إلَّا لِمَنْ دَلَكَ نَفْسَه، ولأَنَّ الغُسْلَ طَهَارَةٌ عن حَدَثٍ، فوَجَبَ إمْرَارُ اليَدِ فيها، كالتَّيَمُّمِ. ولنَا، ما رَوَتْ أُمُّ سَلَمة، قالت: قُلْتُ يا رسولَ اللهِ، إنِّي امْرَأَةٌ أَشُدُّ [ضَفْرَ رَأْسِي] (١٠)، أفَأَنْقُضُه لِغُسْلِ الجَنَابَةِ؟ فقال: "لَا، إنَّمَا يَكْفِيكِ أنْ تَحْثِى عَلَى رَأْسِكِ ثَلاثَ حَثَياتٍ، ثم تُفِيضِينَ عَلَيْكِ الماءَ فَتَطْهُرِينَ". رَوَاهُ مُسْلِم (١١). ولأَنَّهُ غُسْلٌ واجِبٌ، فلم يَجِبْ

стр. 347

فيه إمْرَارُ اليدِ، كغَسْلِ النَّجَاسَةِ (١٢)، وما ذَكَرُوهُ في الغُسْلِ غير مُسَلَّمٍ؛ فإنَّه يُقَالُ: غَسَلَ الإِناءَ. وإن لم يُمِرَّ فيه (١٣) يَدَهُ، ويُسَمَّى السَّيْلُ الكبيرُ غَاسُولًا (١٤)، والتَّيَمُّمُ أُمرْنا فيه بالمَسْحِ؛ لأنَّه طَهَارَةٌ بالتُّرَابِ، ويَتَعَذَّرُ في الغالِبِ إمْرَارُ التُّرَابِ إلَّا باليدِ. فإنْ قِيلَ: فهذا الحديثُ لم تُذْكَرْ فيه النِّيَّةُ، وهي وَاجِبَةٌ، ولا المَضْمَضَةُ والاسْتِنْشَاقُ، وهما وَاجِبَانِ عندَكم. قلنا: أَمَّا النِّيَّةُ فإنَّها سَأَلَتْهُ عَن غُسْلِ (١٥) الجَنَابَةِ، ولا يكونُ الغُسْلُ لِلجنابةِ إلَّا بالنِّيَّةِ، وأمَّا المَضْمَضَةُ والاسْتِنْشَاقُ فقد دَخَلَا في عُمُومِه؛ لقَوْلِه: "ثُمَّ تُفِيضِينَ عَلَيْكِ الماءَ". والفَمُ والأَنْفُ مِنْ جُمْلَتِها. فصل: ولا يَجِبُ التَّرْتِيبُ ولا المُوَالَاةُ في أَعْضَاءِ الوُضُوءِ إذا قُلْنَا الغُسْلُ يُجْزِىءُ عنهما؛ لأنَّهما عبادتانِ دَخَلَتْ إحْدَاهُما في الأُخْرَى، فَسَقَطَ حُكْمُ الصُّغْرَى، كالعُمْرَةِ مع الحَجِّ. نَصَّ على هذا أحمدُ، قال حَنْبَل: سَأَلْتُه عَنْ جُنُبٍ اغْتَسَلَ وعليه خَاتَمٌ ضَيِّقٌ؟ قال: يَغْسِلُ مَوْضِعَ الخَاتَم. قلتُ: فإنْ جَفَّ غُسْلُه؟ قال: يَغْسِلُه، ليس هوَ بمَنْزِلَةِ الوضوءِ، الوضوءُ مَحْدُودٌ، وهذا على الجُمْلَةِ، قالَ اللهُ تَعالَى: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُوا (١٦)﴾ قُلْتُ: فإنْ صَلَّى ثم ذَكَرَ؟ قال: يَغْسِلُ مَوْضِعَه، ثُمَّ يُعِيدُ الصَّلَاةَ. وأكثرُ أَهْلِ العِلْمِ لا يَرَوْنَ تَفْرِيقَ الغُسْلِ مُبْطِلًا له، إلَّا أَنَّ رَبيعةَ قال: مَنْ تَعَمَّدَ ذَلِكَ فأَرَى عليه أنْ يُعِيدَ الغُسْلَ. وبه قال اللَّيْثُ. واخْتَلَفَ (١٧) فيه عَنْ مَالِكٍ، وفيه وَجْهٌ لأَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ. وما عليه الجُمْهُورُ

стр. 348

أَوْلَى؛ لأنَّه غُسْلٌ لا يَجِبُ فيه التَّرْتِيبُ، فلا تَجِبُ المُوَالَاةُ، كَغَسْلِ النَّجَاسَةِ. فلو اغْتَسَلَ إلَّا أَعْضَاءَ وُضُوئِه، لم يَجِب التَّرْتِيبُ فيها؛ لأَنَّ حُكْمَ الجَنَابَةِ باقٍ. وقال بنُ عَقِيلٍ، والآمِدِيُّ، فِيمَنْ غَسَلَ جَمِيعَ بَدَنِه إلَّا رِجْلَيْه، ثم أَحْدَثَ: يَجِبُ التَّرْتِيبُ في الأَعْضَاءِ الثَّلَاثَةِ؛ لانْفِرَادِها بالحَدَثِ الأَصْغَرِ، ولا يَجِبُ التَّرْتِيبُ في الرِّجْلَيْنِ؛ لاجْتِمَاعِ الحَدَثَيْن فيهما. فصل: فعلى هذا تكونُ وَاجِبَاتُ الغُسْلِ شَيْئَيْنِ لا غَيْرُ؛ النِّيَّةُ، وغَسْلُ جَمِيعِ البَدَنِ، فأَمَّا التَّسْمِيَةُ فَحُكْمُها حُكْمُ التَّسْمِيَةِ في الوضوءِ على ما مَضَى، بل حُكْمُها في الجَنَابَةِ أَخَفُّ؛ لأَنَّ حَدِيثَ التَّسْمِيَةِ إنَّمَا تَنَاوَلَ بصَريحِهِ الوضوءَ لا غيرُ. فصل: إذا اجْتَمَعَ شيئان يُوجِبَانِ الغُسْلَ، كالحَيْضِ والجَنَابَةِ، أو الْتِقَاءِ الخِتَانَيْنِ والإِنْزَالِ، فنوَاهُما بطَهَارَتِه، أَجْزَأَهُ عنهما. قالهُ أكثرُ أهْلِ العِلْمِ؛ منهم عَطَاء، وأبو الزِّناد، ورَبِيعةُ، ومَالِكٌ، والشَّافِعِيُّ، وإسْحَاق، وأَصْحابُ الرَّأْيِ. ويُرْوَى عَن الحسنِ، والنَّخَعِيِّ، في الحَائِضِ الجُنُبِ، تَغْتَسِلُ غُسْلَيْنِ. ولنا، أنَّ النَّبِيَّ ﷺ لم يكن يَغْتَسِلُ مِن الجماع إلَّا غُسْلًا واحدًا، وهو يَتَضَمَّنُ شيئين، إذْ هو لَازِمٌ للإِنْزَالِ في غالِبِ الأحوالِ، ولأنَّهما سَبَبان يُوجِبَان الغُسْلَ، فأَجْزَأَ الغُسْلُ الوَاحِدُ عنهما، كالحَدَثِ والنَّجَاسَةِ. وهكذا الحُكْمُ إن اجْتَمَعَتْ أَحْدَاثٌ تُوجِبُ الطَّهَارَةَ الصُغْرَى؛ كالنَّوْمِ، وخُرُوجِ النَّجَاسَةِ، واللَّمْسِ، فنواها بطَهارَتِه أو نَوَى رَفْعَ الحَدَثِ، أو اسْتِبَاحةَ الصَّلَاةِ، أجْزَأَهُ عن الجَمِيعِ. وإنْ نَوَى أحدَها، أو نَوَتِ المَرْأةُ الحَيْضَ دُونَ الجنابةِ، فهل تُجْزِئُه عن الآخَرِ؟ على وَجْهَيْنِ: أحدهما تُجْزِئُه عن الآخَر؛ لأَنَّه غُسْلٌ صَحِيحٌ نَوَى به الفَرْضَ، فأجْزَأَه، كما لو نَوَى اسْتِبَاحَةَ الصَّلَاةِ. والثاني تُجْزِئُه عَمَّا نَوَاهُ دون ما لم يَنْوِهِ؛ لِقَوْلِ النَّبِيِّ ﷺ : "إنَّما لِكُلِّ امْرِىءٍ مَا نَوَى". وكذلك لو اغْتَسَلَ للجُمُعَةِ، هل تُجْزِئُه عَن الجَنابةِ؟ على وَجْهَيْن، مَضَى تَوْجِيهُهما فيما مَضَى. فصل: إذا بَقِيَتْ لُمْعَةٌ مِنْ جَسَدِهِ لم يُصِبْها الماءُ، فَرُوِيَ عَنْ أحمدَ أنَّه سُئِلَ عن

стр. 349

حَدِيثِ العَلَاءِ بنِ زِيَادٍ (١٨)، أنَّ النَّبِيَّ ﷺ اغْتَسَلَ، فرَأَى لُمْعَةً لم يُصِبْها الماءُ، فَدَلَكَها بشَعَرِهِ. قال: نَعَم، آخُذُ به. ورَوَاهُ ابنُ مَاجَه (١٩)، عن ابْنِ عَبَّاس، عنِ النَّبِيِّ ﷺ . ورُوِيَ عَنْ عَلِيٍّ، قال: جاءَ رَجُلٌ إلى النبيِّ ﷺ فقال: إنِّي اغْتَسَلْتُ مِنَ الجَنَابَةِ، وصَلَّيْتُ، ثم أَضْحَيْتُ (٢٠) فرَأَيْتُ قَدْرَ مَوْضِعِ الظُّفْرِ لَمْ يُصِبْهُ الماءُ، فقالَ رسولُ اللهِ ﷺ : "لَوْ كُنْتَ مَسَحْتَ عَلَيْه بَيدِكَ أَجْزَأَكَ". رَوَاهُ ابنُ مَاجَه أيضًا (٢١). قال مُهَنَّا: وذَكَرَ لي أحمدُ، عن النَّبِيِّ ﷺ أنَّهُ رَأَى على رَجُلٍ مَوْضِعًا لم يُصِبْه الماءُ، فأَمَرَه أنْ يَعْصِرَ شَعَرَهُ عليه (٢٢). ورُوِيَ عَن أحمدَ أنَّه قالَ: يَأْخُذُ ماءً جَدِيدًا، فيه حديث لا يَثْبُتُ بِعَصْرِ شَعَرِه. وذُكِرَ لَهُ حَدِيثُ ابنِ عَبَّاسٍ، أنَّ النبيَّ ﷺ عَصَرَ لِمَّتَهُ عَلَى لُمْعَةٍ كانت في جَسَدِه. قال: ذاك. ولم يُصَحِّحْه. والصَّحِيحُ أنَّ ذَلِكَ يُجْزِئُه إذا كان مِنْ بَلَلِ الغَسْلَةِ الثانيةِ أو الثالثةِ، وجَرَى ماؤُهُ على تلك اللَّمْعَةِ؛ لأنَّ غَسْلَها بذلك البَلَلِ كغَسْلِها بماءٍ جَدِيدٍ، مع ما فيه مِن الأحَادِيثِ. واللهُ أعلمُ. ٦٠ - مسألة؛ قال: (ويَتَوَضَّأُ بالمُدِّ، وهو رَطْلٌ وثُلْثٌ، ويَغْتَسِلُ بالصَّاعِ، وهو أرْبَعَةُ أَمْدادٍ) ليس في حُصُولِ الإِجْزَاءِ بالمُدِّ في الوُضُوءِ والصَّاعِ في الغُسْلِ خِلَافٌ نَعْلَمُه، وقد روَىَ سَفِينَةُ (١)، قال: كانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ يُغَسِّلُهُ الصَّاعُ [مِنَ الماءِ] (٢) مِنَ

стр. 350

الجَنَابَةِ؛ ويُوَضِّئُهُ المُدُّ. رَوَاه مُسْلِمٌ (٣). ورُوِىَ أنَّ قَوْمًا سَأَلُوا جابِرًا عن الغُسْلِ، فقال: يَكْفِيكَ صَاعٌ. فقَالَ رَجُلٌ: ما يَكْفِينِي. فقالَ جابِرٌ: كانَ يَكْفِى مَنْ هُوَ أكْثَرُ (٤) شَعْرًا مِنْكَ، وخَيْرٌ مِنْكَ. يعني النبيَّ ﷺ . مُتَّفَقٌ عليه (٥). وفيه أخْبارٌ كثيرةٌ صِحَاحٌ، والصاعُ: خَمْسَةُ أَرْطَالٍ وثُلْثٌ بالعِرَاقيّ، والمُدُّ: رُبْعُ ذَلِكَ، وهو رَطْلٌ وثُلْثٌ. وهذا قَوْلُ مالِكٍ، والشَّافِعِيِّ، وإسْحَاق، وأبي عُبَيْدٍ، وأبي يوسف، وقال أبو حَنِيفَة: الصاعُ ثَمَانِيَةُ أَرْطالٍ؛ لأَنَّ أنَسَ بنَ مالِكٍ قال: كانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ يَتَوَضَّأُ بالمُدِّ - وهو رِطْلَان - ويَغْتَسِلُ بالصَّاعِ (٦). ولَنَا، ما رُوِيَ أنَّ النبيَّ ﷺ قال لِكَعْبِ بنِ عُجْرَةَ: "أَطْعِمْ سِتَّةَ مَسَاكِينَ فَرَقًا مِنْ طَعَامٍ" مُتَّفَقٌ عليه (٧).

стр. 351

قال أبو عُبَيْد: ولا اخْتلافَ بين النَّاسِ أعْلَمُه في أنَّ الفَرَقَ ثَلَاثةُ آصُعٍ، والفَرَقُ سِتَّةَ عَشَرَ رِطْلًا، فثَبَتَ أنَّ الصَّاعَ خَمْسَةُ أرْطَالٍ وثُلْثٌ. ورُوِىَ أن أبا يوسفَ دخلَ المدينة، فسألهم عن الصَّاعِ؟ فقالوا: خَمْسَةُ أَرْطالٍ وثُلْثٌ. [فسألهم الحُجَّةَ] (٨) فقالوا: غَدًا. فجاءَ مِن الْغَدِ سَبْعُونَ شَيْخًا، كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُم آخِذٌ صَاعًا تحتَ رِدَائِه، فقال: صَاعِى وَرِثْتُه عَن أَبِي، وَوَرِثَهُ أَبِى عَنْ جَدِّى، حتى انْتَهَوْا به إلى النَّبِيِّ ﷺ . فرجعَ أبو يوسف عن قَوْلِهِ. وهذا إسْنَادٌ مُتَوَاتِرٌ يُفِيدُ القَطْعَ، وقد ثَبَتَ أنَّ النبيَّ ﷺ قال: "المِكْيَالُ مِكْيَالُ أَهْلِ المَدِينةِ" (٩). ولم يَثْبُتْ لنا تَغْيِيرُه، وحَدِيثُ أنَسٍ هذا انْفَرَدَ به مُوسَى بنُ نَصْرٍ (١٠)، وهو ضَعِيفُ الحَدِيثِ. قالَهُ الدَّارَقُطْنِيُّ (١١). فصل: والرِّطْلُ العِرَاقِيُّ مائَةُ دِرْهَمٍ وثَمَانِيةٌ وعِشْرُونَ دِرْهَمًا وأَرْبَعَةُ أَسْباعٍ دِرْهَمٍ، وهو تِسْعُونَ مِثْقَالًا. والمِثْقَالُ دِرْهَمٌ وثَلَاثَةُ أَسْبَاعِ دِرْهَمٍ. هكَذا كانَ قَدِيمًا، ثم إنَّهم زَادُوا فيه مِثْقَالًا، فجعلوهُ إحْدَى وتِسْعِينَ مِثْقالًا وكَمُلَ به مِائةٌ وثلاثونَ دِرْهَمًا، وقَصَدُوا بهذه الزِّيَادَةِ إزَالةَ كَسْرِ الدِّرْهِم. والعَمَلُ على الأوَّلِ؛ لأنَّه الذي كان مَوْجُودًا وَقْتَ تَقْدِيرِ العُلَمَاءِ المُدَّ به، فيكونُ المُدُّ حِينَئِذٍ مائةَ دِرْهَمٍ وإحْدَى وسَبْعِينَ دِرْهَمًا وثَلَاثةَ أَسْبَاعِ دِرْهَمٍ، وذلك بالرِّطْلِ الدِّمَشْقِيِّ، الذي وَزْنُه سِتُّمائةِ دِرْهَمٍ، ثلاثةُ أَوَاقِيّ وثلاثةُ أسْبَاعِ أُوقِيَّة. والصَّاعُ أَربعةُ أَمْدَادٍ، فيكونُ رِطْلًا وأُوقِيَّةً وخَمْسَةَ أسْباعِ أُوقِيَّةٍ، وإنْ شِئْتَ قُلْتَ: هو رِطْلٌ وسُبْعُ رِطْلٍ.

стр. 352

٦١ - مسألة؛ قال: (فإنْ أَسْبَغَ بِدُونِهِما أَجْزَأَهُ) مَعْنَى الإِسْبَاغ أنْ يَعُمَّ جميعَ الأَعْضَاءِ بالماءِ بحيثُ يَجْرِى عليها؛ لأَنَّ هذا هو الغُسْلُ، وقد أُمِرْنا بالغَسْلِ. وقال أحمدُ: إنَّما هو الغَسْلُ ليس المَسْحُ، فإذَا أمْكَنَه أن يَغْسِلَ غَسْلًا وإن كان مُدًّا أو أَقَلَّ مِن مُدٍّ، أجْزَأَهُ. وهذا مذهبُ الشَّافِعِيِّ وأكثرِ أهْلِ العِلْمِ، وقد قيل: لا يُجْزِىءُ دونَ الصَّاعِ في الغُسْلِ والمُدِّ في الوضوءِ. وحُكِىَ هذا عن أبي حَنِيفَة؛ لأَنَّهُ رُوِىَ عن جَابرٍ، قال: قال رسولُ اللَّه ﷺ : "يُجْزِىءُ مِنَ الوُضُوءِ مُدٌّ، ومِنَ الجَنَابَةِ صَاعٌ" (١). والتَّقْدِيرُ بهذا يَدُلُّ على أنَّه لا يَحْصُلُ الإِجْزَاءُ بِدُونِهِ. ولَنا، أنَّ اللهَ تَعالَى أَمَرَ بالغُسْلِ وقد أَتَى به، فيجبُ أنْ يُجْزِئَه، وقد رُوِىَ عن عائِشَة، أنَّها كانَتْ تَغْتَسِلُ هِىَ والنبيُّ ﷺ مِنْ إنَاءٍ واحِدٍ، يَسَعُ ثَلَاثَةَ أمْدَادٍ، أو قَرِيبًا مِنْ ذَلِكَ. رَوَاهُ مُسْلِمٌ (٢). وعن عبدِ اللَّه بنِ زيدٍ، أنَّ النَّبِيَّ ﷺ تَوَضَّأَ بثُلُثَيْ مُدٍّ (٣). وحديثُهم إنَّمَا دَلَّ بمَفْهُومِه. وهم لا يقولُونَ به، ثم إنَّه إنَّما يَدُلُّ بشَرْطِ أنْ لا يكونَ للتَّخْصِيصِ فائِدَةٌ سِوَى تَخْصِيصِ الحُكْم به، وههُنا إنَّما خَصَّه لأَنَّه خَرَجَ مَخْرَجَ الغالِبِ، لأنَّه لا يَكْفِى في الغالِبِ أقَلُّ مِنْ ذلك، ثم ما ذَكَرْناه مَنْطُوقٌ، وهو مُقَدَّمٌ على المَفْهُومِ اتِّفَاقًا، وقد رَوَى الأَثْرَمُ، عن القَعْنَبِيِّ (٤)، عن سليمان بن بِلَالٍ (٥)، عن عبد الرحمن بن عطاء (٦)، أنه سَمِعَ سَعِيدَ

стр. 353

ابنَ المُسَيَّبِ، ورَجُلًا مِنْ أَهْلِ العِرَاقِ يسألهُ عَمَّا يَكْفِى الإِنْسَانَ مِن غُسْلِ الجَنَابَةِ؟ فقال سعيد: إنَّ لي تَوْرًا يَسَعُ مُدَّيْن مِنْ ماءٍ ونحوَ ذلك، فأَغْتَسِلُ به، ويَكْفِينِي، ويَفْضُلُ منه فَضْلٌ. فقال الرَّجُلُ: فَوَاللهِ إنِّي لأَسْتَنْثِرُ وأتَمَضْمَضُ بمُدَّيْنِ مِنْ ماءٍ [ونحو ذلك] (٧). فقال سعيدُ بنُ المُسَيَّبِ: فبِمَ تَأْمُرُنِي إنْ كان الشَّيْطانُ يَلْعَبُ بِكَ؟ فقال له الرَّجُلُ: فإنْ لم يَكْفِنِي، فإنِّي رَجُلٌ كما تَرَى عَظِيمٌ. فقال له سعيدُ بنُ المُسَيَّبِ: ثَلَاثَةُ أمْدَادٍ. فقال: ثَلَاثَةُ أمْدَادٍ قَلِيلٌ. فقال له سعيد: فَصَاعٌ. وقال سعيدٌ: إنَّ لِي رَكْوَةً (٨) أو قَدَحًا ما يَسَعُ إلَّا نِصْفَ المُدِّ ماءً أو نَحْوَهُ، ثُمَّ أَبُولُ ثم أَتَوَضَّأُ وأُفْضِلُ منه فَضْلًا. قال عبدُ الرحمن: فذكرْتُ هذا الحَدِيثَ الذي سَمِعْتُ مِنْ سعيد بنِ المُسَيَّبِ لسليمانَ بنِ يَسَارٍ (٩)، فقال سُليمانُ: وأنا يَكْفِينِي مِثْلُ ذلك. قال عبد الرحمن: فذَكَرْتُ ذلك لأبي عُبَيْدَة ابنِ عَمَّارِ بنِ ياسِرٍ (١٠)، فقالَ أبو عُبَيْدة: وهكذا سَمِعْنَا مِنْ أَصْحَابِ رسولِ اللَّه ﷺ . وقال إبراهيمُ النَّخَعِيُّ: إنِّي لأَتَوَضَّأُ مِنْ كُوزِ الحبِّ مَرَّتَيْنِ. فصل: وإن زادَ على المُدِّ في الوضوءِ، والصَّاعِ في الغُسْلِ، جَازَ؛ فإنَّ عائِشَة قالَتْ: كُنْتُ أَغْتَسِلُ أنَا والنبيُّ ﷺ مِنْ إنَاءٍ وَاحِدٍ، مِنْ قَدَحٍ يُقَالُ لَهُ: الفَرَقُ. رَوَاهُ البُخَارِيُّ (١١). والفَرَقُ ثَلَاثَةُ آصُعٍ، وعَنْ أَنَسٍ، قال: كان رسولُ اللهِ ﷺ يَغْتَسِلُ

стр. 354

بالصَّاعِ إلى خَمْسَة أمْدَادٍ. رَوَاهُ البُخَارِيُّ أيضًا (١٢) ويُكْرَهُ الإِسْرَافُ في الماءِ، والزِّيَادَةُ الكَثِيرةُ فيه؛ لِما رَوَيْنَا مِن الآثارِ. ورَوَى عبدُ اللهِ بنُ عَمْرٍو، أنَّ رسولَ اللهِ ﷺ مَرَّ بسَعْدٍ، وهو يَتَوَضَّأُ، فقالَ: "ما هَذَا السَّرَفُ؟ ". فقالَ: أفِى الوُضُوءِ إسْرَافٌ؟ فقال: "نَعَمْ، وإنْ كُنْتَ عَلَى نَهْرٍ جَارٍ" رَوَاهُ ابنُ مَاجَه (١٣). وعَنْ أُبَيِّ بنِ كَعْبٍ قال: قال رسولُ اللهِ ﷺ : "إنَّ لِلْوُضُوءِ شَيْطَانًا، يُقَالُ لَهُ: وَلْهَان، فاتَّقُوا وَسْوَاسَ الماءِ" (١٤). وكان يُقَالُ: مِنْ قِلَّةِ فِقْهِ الرَّجُلِ وَلُوعُه بالماءِ. ٦٢ - مسألة؛ قال: (وتَنْقُضُ المَرْأَةُ شَعْرَها لِغُسْلِهَا مِنَ الحَيْضِ، ولَيْسَ عَلَيْها نَقْضُه لِلْجَنَابةِ (١) إذَا أَرْوَتْ أُصُولَه) نَصَّ على هذا أحمدُ. قال مُهَنَّا: سألتُ أحمدَ عن المرأةِ تَنْقُضُ شَعَرَهَا إذا اغْتَسَلَتْ مِنَ الجَنَابَةِ؟ فقال: لا. فقلتُ له: في هذا شيءٌ؟ قال: نعم، حديثُ أُمِّ سَلَمَةَ (٢). قُلْتُ: فَتَنْقُضُ شَعَرَهَا مِنَ الحَيْضِ؟ قال: نعم. قلتُ له: وكيف تَنْقُضُهُ مِنَ الحَيْضَةِ، ولا تَنْقُضُهُ مِن الجَنَابَةِ؟ فقال: حديثُ أسْمَاءَ (٣) عن النَّبِيِّ ﷺ ، أنه قال: لا تَنْقُضُهُ. ولا يَخْتَلِفُ المَذْهَبُ في أنَّه لا يجبُ نَقْضُه مِن الجنابةِ، ولا أعلمُ فيه خِلَافًا بين العلماءِ، إلا ما رُوِيَ عَن عبدِ اللَّه بنِ عُمَرَ، رَوَى أحمدُ، في "المُسْنَدِ" (٤)،

стр. 355

حدثنا إسماعيل، حدثنا أيُّوب، عن أبِي الزُّبَيْرِ، عن عُبَيْدِ بنِ عُمَيْرِ، قال: بَلَغَ عائِشَةَ أنَّ عبدَ اللهِ بنَ عُمَرَ، يأْمُرُ النِّسَاءَ إذا اغْتَسَلْنَ أن يَنْقُضْنَ رُءُوسَهُنَّ، فقالتْ: يا عجبًا (٥) لابْنِ عُمَر، يأْمُرُ النِّسَاءَ إذا اغْتَسَلْنَ أنْ يَنْقُضْنَ رُءُوسَهُنَّ، أفلا يَأْمُرُهُنَّ أنْ يَحْلِقْنَ (٦)، لقد كُنْتُ أنا ورسولُ اللهِ ﷺ نَغْتَسِلُ فلا أَزِيدُ على أن أُفْرِغَ على رَأْسِي ثَلاثَ إفْرَاغاتٍ (٧). واتَّفَقَ الأئِمَّةُ الأربعةُ على أنَّ نَقْضَهُ غيرُ واجِبٍ؛ وذلك لِحَدِيثِ أُمِّ سَلَمة، أنَّها قالَتْ للنَّبِيِّ ﷺ : إنِّي امْرَأةٌ أشُدُّ ضَفْرَ رَأْسِي، أفَأَنْقُضُهُ للجنابةِ؟ قال: "لَا، إنَّمَا يَكْفِيكِ أنْ تَحْثِى عَلَى رَأْسِك ثَلاثَ حَثَياتٍ، ثم تُفِيضِينَ عَلَيْكِ الماءَ فَتَطْهُرِينَ". رواهُ مُسْلِمٌ (٨)، إلَّا أنْ يكونَ في رَأْسِها حَشْوٌ أو سِدْرٌ يَمْنَعُ وُصُولَ الماءِ إلى ما تحتَه، فيجبُ إزَالَتُه، وإنْ كان خَفِيفًا لا يَمْنَعُ، لم يَجِبْ، والرجلُ والمرأةُ في هذا سَوَاءٌ، وإنما خُصَّتِ (٩) المرأةُ بالذِّكْرِ؛ لأنَّ العادةَ اخْتِصَاصُها بكثرةِ الشَّعْرِ وتَوْفِيرِه وتَطْوِيلِه. وأمَّا نَقْضُهُ لِلْغُسْلِ مِن الحَيْضِ فاخْتَلَف أصْحَابُنا في وُجُوبِه، فمنهم مَنْ أَوْجَبَهُ، وهو قولُ الحسنِ، وطاوُس؛ لما رُوِيَ عن عائشةَ، ﵂، أن النَّبيَّ ﷺ قالَ لها إذْ كانتْ حائِضًا: "خُذِى مَاءَكِ وسِدْرَكِ، وامْتَشِطِى (١٠) ". ولا يكونُ المَشْطُ إلَّا في شَعَرٍ غيرِ مَضْفُورٍ، وللبُخَارِيِّ (١١): "انْقُضِى
следующие страницы →