← Фикх ханбали

Фикх ханбали · id 6910

المغني لابن قدامة - ت التركي

ابن قدامة

Полный текст (7 955 стр.). Показаны 3011–3050 · переход к 3016.

стр. 3011

مَعْرِفَةُ قَدْرِه، وخُرُوجُه مِن الجَهَالَةِ، وإمكانُ تَسْلِيمِه من غير تَنَازُعٍ، فبأيِّ قَدْرٍ قَدَّرَهُ جَازَ. ويُفَارِقُ بَيْعَ الرَّبَوِيّاتِ؛ فإنَّ التماثُلَ فيها في المَكِيلِ كَيْلًا وفى المَوْزُونِ وَزْنًا، شَرْطٌ، ولا نَعْلَمُ هذا الشَّرْطَ إذا قَدَّرَها بغيرِ مِقْدَارِها الأَصْلِىّ. إذا ثَبَتَ هذا، فإنَّ الحُبُوبَ كلَّها مَكِيلَةٌ، وكذلك التَّمْرُ والزَّبِيبُ والفُسْتُقُ والبُنْدُقُ والمِلْحُ. قال القاضي: وكذلك الأدْهانُ. وقال في السَّمْنِ واللَّبَنِ والزُّبْدِ: يجوزُ السَّلَمُ فيها كَيْلًا وَوَزْنًا. ولا يُسْلِمُ في اللِّبَإِ إلَّا وَزْنًا؛ لأنَّه يَجْمُدُ عَقِيبَ حَلْبِه، فلا يَتَحَقَّقُ الكَيْلُ فيه. فصل: فإن كان المُسْلَمُ فيه ممَّا لا يمكنُه وَزْنُه بالمِيزَانِ لِثِقَلِه، كالأَرْحِيَةِ والحِجَارَةِ الكِبَارِ، يُوزَنُ بالسَّفِينَةِ، فَتُتْرَكُ السَّفِينَةُ في الماءِ، ثم يُتْرَكُ ذلك فيها فيَنْظُرُ إلى أي مَوْضِعٍ تَغُوصُ، فَيُعَلِّمَهُ، ثم يُرْفَعُ ويُتْرَكُ مَكَانَه رَمْلٌ أو حِجَارَةٌ صِغَارٌ، إلى أن يَبْلُغَ الماءُ المَوْضِعَ الذي كان بَلَغَهُ، ثم يُوزَن بمِيزَانٍ. فما بَلَغَ فهو زِنَةُ ذلك الشىءِ الذي أُرِيدَ مَعْرِفَةُ وَزْنِه. فصل: ولا بُدَّ من تَقْدِيرِ المَذْرُوعِ بالذَّرْعِ، بغير خِلَافٍ نَعْلَمُه. قال ابنُ المُنْذِرِ: أجْمَعَ كلُّ مَن نَحْفَظُ عنه من أهْلِ العِلْمِ، على أنَّ السَّلَمَ جَائِزٌ في الثِّيَابِ بِذَرْعٍ مَعْلُومٍ. فصل: وما عدا المَكِيلَ والمَوْزُونَ والحَيَوانَ والمَذْرُوعَ، فعلى ضَرْبَيْنِ: مَعْدُودٍ، وغيرِه، فالمَعْدُودُ نَوْعَانِ؛ أحدُهما، لا يَتَبَايَنُ كَثِيرًا، كالجَوْزِ والبَيْضِ ونحوِهما، فيُسْلِمُ فيه عَدَدًا. وهو قول أبى حنيفةَ والأَوْزَاعِىِّ. وقال الشَّافِعِيُّ: يُسْلِمُ فيهما كَيْلًا أو وَزْنًا، ولا يَجوزُ عَدَدًا؛ لأنَّ ذلك يَتَبَايَنُ ويَخْتَلِفُ، فلم يَجُزْ عَدَدًا، كالبِطِّيخِ. ولَنا، أنَّ التَّفَاوُتَ يَسِيرٌ، ويَذْهَبُ ذلك بِاشْتِرَاطِ الكِبَرِ أو الصِّغَرِ أو الوَسَطِ، فيَذْهَبُ التَّفَاوُتُ، وإن بَقِىَ شيءٌ يَسِيرٌ عُفِىَ عنه، كسائِرِ التَّفَاوُتِ في المَكِيلِ والمَوْزُونِ المَعْفُوِّ عنه، ويُفَارِقُ البِطِّيخَ؛ فإنَّه ليس بِمَعْدُودٍ، والتَّفَاوُتُ فيه كَثِيرٌ لا يَنْضَبِطُ. النَّوْعُ الثانى، ما يَتَفَاوَتُ؛ كالرُّمَّانِ والسَّفَرْجَلِ والقِثَّاءِ والخِيَارِ، فهذا حُكْمُه حُكْمُ ما ليس بِمَعْدُودٍ من البِطِّيخِ والبُقُولِ، ففيه وَجْهَانِ؛

стр. 3012

أحَدُهما، يُسْلِمُ فيه عَدَدًا، ويَضْبطُه بالصِّغَرِ والكِبَرِ؛ لأنَّه يُبَاعُ هكذا. الثانى، لا يُسْلِمُ فيه إلَّا وَزْنًا. وبهذا قال أبو حنيفةَ والشَّافِعيُّ؛ لأنَّه لا يُمْكِنُ تَقْدِيرُه بالعَدَدِ، لأنَّه يَخْتَلِفُ كَثِيرًا، ويَتَبَايَنُ جدًّا، ولا بالكَيْلِ؛ لأنَّه يَتَجَافَى في المِكْيَالِ، ولا يُمْكِنُ تَقْدِيرُ البُقُولِ بالحَزْمِ؛ لأنَّه يَخْتَلِفُ، ويُمْكِنُ حَزْمُ الكَبِيرَةِ والصَّغِيرَةِ، فلم يُمْكِنْ تَقْدِيرُه بغيرِ الوَزْنِ، فتَعَيَّنَ تَقْدِيرُه به. ٧٧٥ - مسألة؛ قال: (إلَى أجَلٍ مَعْلُومٍ بِالْأَهِلَّةِ) وهذا الشَّرْطُ الرَّابِعُ، وهو أن يكونَ مؤجَّلًا أجَلًا مَعْلُومًا. وفى هذه المَسْأَلَةِ فُصُولٌ ثَلَاثَةٌ: أحدُها ، أنَّه يُشْتَرَطُ لِصِحَّةِ السَّلَمِ كَوْنُه مُؤَجَّلًا، ولا يَصِحُّ السَّلَمُ الحالُّ. قال أحْمَدُ، في رِوَايَةِ المَرُّوذِيِّ: لا يَصِحُّ حتى يَشْتَرِطَ الأَجَلَ. وبهذا قال أبو حنيفةَ، ومالِكٌ، والأَوْزَاعِيُّ. وقال الشَّافِعيُّ، وأبو ثَوْرٍ، وابنُ المُنْذِرِ: يجوزُ السَّلَمُ حَالًّا؛ لأنَّه عَقْدٌ يَصِحُّ مُؤَجَّلًا، فصَحَّ حَالًّا، كبُيُوعِ الأَعْيَانِ، ولأنَّه إذا جَازَ مُؤَجَّلًا فحالًّا أَجْوَزُ، ومن الغَرَرِ أبْعَدُ. ولَنا، قولُ النَّبِيِّ ﷺ : "مَنْ أَسْلَفَ في شَىءٍ، فَلْيُسْلِفْ فِي كَيْلٍ مَعْلُومٍ، أوْ وَزْنٍ مَعْلُومٍ، إلَى أجَلٍ مَعْلُومٍ" (١). فأمَرَ بالأَجَلِ، وأَمْرُه يَقْتَضِى الوُجُوبَ. ولأنَّه أمَرَ بهذه الأُمُورِ تَبْيِينًا لِشُرُوطِ السَّلَمِ، ومَنْعًا منه بدُونِها، ولذلك (٢) لا يَصِحُّ إذا انْتَفَى الكَيْلُ والوَزنُ، فكذلك الأَجَلُ. ولأنَّ السَّلَمَ إنَّما جَازَ رُخْصَةً لِلرِّفْقِ، ولا يَحْصُلُ الرِّفْقُ إلَّا بالأَجَلِ، فإذا انْتَفَى الأَجَلُ انْتَفَى الرِّفْقُ، فلا يَصِحُّ، كالكِتَابَةِ. ولأنَّ الحُلُولَ يُخْرِجُه عن اسْمِه ومَعْنَاه، أمَّا الاسْمُ فلأنَّه يُسَمَّى سَلَمًا وسَلَفًا؛ لِتَعَجُّلِ أحَدِ العِوَضَيْنِ وتَأَخُّرِ الآخَر، ومعناه ما ذَكَرْنَاهُ في أَوَّلِ البابِ، من أنَّ الشَّارِعَ أرْخَصَ فيه لِلْحَاجَةِ الدَّاعِيَةِ إليه، ومع حُضُورِ ما يَبِيعُه حَالًّا لا حَاجَةً إلى السَّلَمِ، فلا يَثْبُتُ. ويُفَارِقُ تَنَوُّعَ الأَعْيَانِ، فإنَّها لم

стр. 3013

تثْبُتْ على خِلَافِ الأَصْلِ لِمَعْنًى يَخْتَصُّ بالتَّأْجِيلِ. وما ذَكَرُوهُ من التَّنْبِيهِ غيرُ صَحِيحٍ؛ لأنَّ ذلك إنَّما يُجْزِىءُ فيما إذا كان المَعْنَى المُقْتَضِى مَوْجُودًا في الفَرْعِ بِصِفَةِ التَّأْكِيدِ، وليس كذلك هاهُنا؛ فإنَّ البُعْدَ من الضَّرَرِ ليس هو المُقْتَضِى لِصِحَّةِ السَّلَمِ المُؤَجَّلِ، وإنَّما المُصَحِّحُ له شىءٌ آخَرُ، لم نَذْكُرِ اجْتِمَاعَهما فيه، وقد بَيَّنَّا افْتِراقَهُما. إذا ثَبَتَ هذا، فإنَّه إن بَاعَهُ ما يَصِحُّ السَّلَمُ فيه حالًّا في الذِّمَّة، صَحَّ، ومَعْنَاهُ مَعْنَى السَّلَمِ، وإنما افْتَرَقَا في اللَّفْظِ. الفصل الثاني ، أنَّه لا بُدَّ من كَوْن الأَجَلِ مَعْلُومًا؛ لِقَوْلِه تعالى: ﴿إِذَا تَدَايَنْتُمْ بِدَيْنٍ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى﴾ (٣). وقَوْلِ النَّبيِّ ﷺ : "إلى أجَلٍ مَعْلُومٍ". ولا نَعْلَمُ في اشْتِرَاطِ العِلْمِ في الجُمْلَةِ اخْتِلافًا. فأمَّا كَيْفِيَّتُه فإنَّه يَحْتَاجُ أن يُعْلِمَهُ بِزَمَانٍ بِعَيْنِهِ لا يَخْتَلِفُ، ولا يَصِحُّ أن يُؤَجِّلَهُ بالحَصَادِ والجِزَازِ وما أشْبَهَهُ. وكذلك قال ابنُ عَبَّاسٍ، وأبو حنيفةَ، والشَّافِعِيُّ، وابنُ المُنْذِرِ. وعن أحمدَ، رِوَايَةٌ أُخْرَى، أنَّه قال: أَرْجُو أن لا يكونَ به بَأْسٌ. وبه قال مَالِكٌ وأبو ثَوْرٍ. وعن ابنِ عمرَ: أنَّه كان يَبْتَاعُ إلى العَطَاءِ. وبه قال ابنُ أبى لَيْلَى. وقال أحمدُ: إن كان شَىْءٌ يُعْرَفُ فأَرْجُو، وكذلك إن قال: إلى قُدُومِ الغُزَاةِ. وهذا مَحْمُولٌ على أنَّه أرادَ وَقْتَ العَطَاءِ؛ لأنَّ ذلك مَعْلُومٌ، فأمَّا نَفْسُ العَطَاءِ فهو في نَفْسِه مَجْهُولٌ يَخْتَلِفُ ويَتَقَدَّمُ ويَتَأَخَّرُ. ويَحْتَمِلُ أنَّه أرَادَ نَفْسَ العَطَاءِ؛ لكونِه يَتَفاوَتُ أيضًا، فأَشْبَهَ الحَصَادَ. واحْتَجَّ من أجَازَ ذلك، بأنَّه أَجَلٌ يَتَعَلَّقُ بِوَقْتٍ من الزَّمَنِ، يُعْرَفُ في العَادَةِ، لا يَتَفَاوَتُ فيه تَفَاوُتًا كثيرًا، فأشْبَهَ إذا قال: إلى رَأْسِ السَّنَةِ. ولَنا: ما رُوِىَ عن ابنِ عَبَّاسٍ، أنَّه قال: لا تَتَبَايَعُوا إلى الحَصادِ والدِّيَاسِ، ولا تَتَبَايَعُوا إلَّا إلى شَهْرٍ مَعْلُومٍ. ولأنَّ ذلك يَخْتَلِفُ ويَقْرُبُ ويَبْعُدُ، فلا يجوزُ أن يكونَ أجَلًا كَقُدُومِ زَيْدٍ. فإن قِيلَ: فقد رُوِىَ عن عَائِشَةَ أنَّها قالتْ: إنَّ رسولَ اللهِ ﷺ بَعَثَ إلى يَهُودِيٍّ، "أنِ ابْعَثْ إلَيَّ بِثَوْبَيْنِ إلَى المَيْسَرَةِ" (٤). قُلْنا: قال ابنُ المُنْذِرِ: رَوَاهُ حَرَمِيُّ بن عُمَارَةَ.

стр. 3014

قال أحمدُ: فيه غَفْلَةٌ، وهو صَدُوقٌ. قال ابنُ المُنْذِرِ: فأخَافُ أن يكونَ مِن غَفَلَاتِه، إذْ لم يُتَابَعْ عليه، ثم لا خِلَافَ في أنه لو جَعَلَ الأَجَلَ إلى المَيْسَرَةِ لم يَصِحَّ. فصل: إذا جَعَلَ الأَجَلَ إلى شَهْرٍ تَعَلَّقَ بأَوَّلِه. وإن جَعَلَ الأَجَلَ اسْمًا يَتَنَاوَلُ شَيْئَيْنِ كجُمادَى ورَبِيع ويَوْمِ النَّفْرِ، تَعَلَّقَ بأوَّلِهما. وإن قال: إلى ثَلَاثَةِ أشْهُرٍ كان (٥) إلى انْقِضَائِها؛ لأنَّه إذا ذَكَرَ ثَلَاثَةَ أشْهُرٍ مُبْهَمَةً، وَجَبَ أن يكونَ ابْتِداؤُها مِن حينِ لَفْظِه بها. وكذلك لو قال: إلى شَهْرٍ. كان آخِرَهُ. ويَنْصَرِفُ ذلك إلى الأَشْهُرِ الهِلَالِيَّةِ، بِدَلِيلِ قولِه تعالى: ﴿إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِنْدَ اللَّهِ اثْنَا عَشَرَ شَهْرًا فِي كِتَابِ اللَّهِ يَوْمَ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ مِنْهَا أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ﴾ (٦). وأرَادَ الهِلَالِيَّةَ. وإن كان في أَثْنَاء شَهْرٍ كَمَّلْنا شَهْرَيْنِ بالهِلَالِ وشَهْرًا بالعَدَدِ ثَلَاثِينَ يَوْمًا. وقيل: تكونُ الثَّلَاثَةُ كلُّها عَدَدِيَّةً. وقد ذَكَرْنَا هذا في غيرِ هذا المَوْضِعِ. وإن قال: مَحَلُّهُ شَهْرُ كذا أو يَوْمُ كذا. صَحَّ، وتَعَلَّقَ بأَوَّلِه. وقيل: لا يَصِحُّ؛ لأنَّه جَعَلَ ذلك ظَرْفًا، فيَحْتَمِلُ أَوَّلَهُ وآخِرَهُ. والصَّحِيحُ الأَوَّلُ؛ فإنَّه لو قال لِامْرَأَتِه: أَنْتِ طَالِقٌ في شَهْرِ كذا. تَعَلَّقَ بأَوَّلِه، وهو نَظِيرُ مَسْأَلَتِنَا. فإنْ قيل: الطَّلَاقُ يَتَعَلَّقُ بالإِخْطَارِ والإِغْرارِ، ويجوزُ تَعْلِيقُه على مَجْهُولٍ، كَنُزُولِ المَطَرِ، وقُدُومِ زَيْدٍ، بخِلَافِ مَسْأَلَتِنَا. قُلْنَا: إلَّا أنَّه إذا جَعَلَ مَحَلَّهُ في شَهْرٍ تَعَلَّقَ بأَوَّلِه، فلا يكونُ مَجْهُولًا، وكذا السَّلَمُ. فصل: ومِن شَرْطِ الأَجَلِ أن يكونَ مُدَّةً لها وَقْعٌ في الثَّمَنِ، كالشَّهْرِ وما قَارَبَهُ. وقال أصْحابُ أبى حنيفةَ: لو قَدَّرَهُ بِنِصْفِ يَوْمٍ، جَازَ. وقَدَّرَهُ بعضُهم بِثَلاثةِ أَيَّامٍ، وهو قولُ الأَوْزَاعِيِّ؛ لأنَّها مُدَّةٌ يجوزُ فيها خِيَارُ الشَّرْطِ، ولأنَّها آخِرُ حَدِّ القِلَّةِ، ويَتَعَلَّقُ بها عِنْدَهُم إبَاحَةُ رُخَصِ السَّفَرِ. وقال الآخَرُونَ: إنَّما اعْتُبِرَ التَّأْجِيلُ

стр. 3015

لأنَّ المُسْلَمَ فيه مَعْدُومٌ في الأَصْلِ، لكَوْنِ السَّلَمِ إنَّما ثَبَتَ رُخْصَةً في حَقِّ المَفَالِيسِ، فلا بُدَّ من الأَجَلِ ليَحْصُلَ ويُسَلَّمَ؛ وهذا يَتَحَقَّقُ بأقَلِّ مُدَّةٍ يَتَصَوَّرُ تَحْصِيلُه فيها. ولَنا، أنَّ الأَجَلَ إنَّما اعْتُبِرَ لِيَتَحَقَّقَ الْمَرْفَقُ الذي شُرعَ مِن أَجْلِهِ السَّلَمُ، ولا يَحْصُلُ ذلك بالمُدَّةِ التي لا وَقْعَ لها في الثَّمَنِ، ولا يَصِحُّ اعْتِبَارُه بمُدَّةِ الخِيَارِ؛ لأنَّ الخِيَارَ يجوزُ سَاعَةً، وهذا لا يجوزُ، والأَجَلُ يجوزُ أن يكونَ أعْوَامًا، وهم لا يُجِيزُونَ الخِيَارَ أكْثَرَ من ثَلَاثٍ، وكونُها آخِرَ حَدِّ القِلَّةِ، لا يَقْتَضِى التَّقْدِيرَ بها. وقولُهم: إنَّ المَقْصُودَ يَحْصُلُ بأقَلِّ مُدَّةٍ. غيرُ صَحِيحٍ؛ فإنَّ السَّلَمَ إنَّما يكونُ لحَاجَةِ المَفالِيسِ الذين لهم ثِمَارٌ أو زُرُوعٌ أو تِجَارَاتٌ يَنْتَظِرُونَ حُصُولَها، ولا تَحْصُلُ هذه في المُدَّةِ اليَسِيرَةِ. الفصل الثالث ، في كَوْنِ الأجَلِ مَعْلُومًا بالأَهِلَّةِ، وهو أن يُسْلِمَ إلى وَقْتٍ يُعْلَمُ بالهِلَالِ، نحو أَوَّلِ الشَّهْرِ، أو أَوْسَطِه، أو آخِرِه، أو يومٍ مَعْلُومٍ منه؛ لقولِ اللهِ تعالى: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَهِلَّةِ قُلْ هِيَ مَوَاقِيتُ لِلنَّاسِ وَالْحَجِّ﴾ (٧). ولا خِلَافَ في صِحَّةِ التَّأْجِيلِ بذلك. ولو أَسْلَمَ إلى عِيدِ الفِطْرِ، أو النَّحْرِ، أو يَوْمِ عَرَفَةَ، أو عَاشُورَاءَ، أو نحوِها، جَازَ؛ لأنَّه مَعْلُومٌ بالأَهِلَّةِ. وإن جَعَلَ الأجَلَ مُقَدَّرًا بغيرِ الشُّهُورِ الهِلَالِيَّةِ، فذلك قِسْمَانِ؛ أحدُهما، ما يَعْرِفُه المُسْلِمُونَ، وهو بينهم مَشْهُورٌ ككَانُون وشُبَاط، أو عِيدٍ لا يَخْتَلِفُ كالنَّيْرُوزِ والمِهْرَجَانِ عندَ من يَعْرِفُهُما، فظاهِرُ كَلامِ الخِرَقِيِّ وابنِ أبى موسَى، أنَّه لا يَصِحُّ؛ لأنَّه أسْلَمَ إلى غيرِ الشُّهُورِ الهِلَالِيَّةِ. أشْبَه إذا أسْلَمَ إلى الشَّعَانِينِ (٨) وعِيدِ الفَطِيرِ، ولأنَّ هذه لا يَعْرِفُها كَثِيرٌ من المُسْلِمِينَ، أشْبَهَ ما ذَكَرْنا. وقال القاضِى: يَصِحُّ. وهو قولُ الأَوْزَاعِيِّ، والشَّافِعِيِّ. قال الأَوْزَاعِيُّ: إذا أسْلَمَ إلى فِصْحِ النَّصَارَى وصَوْمِهِم، جَازَ؛ لأنه مَعْلُومٌ لا يَخْتَلِفُ، أشْبَه أَعْيَادَ المُسْلِمِين. وفَارَق ما يختلفُ؛ فإنَّه لا يَعْلَمُه

стр. 3016

المسلمون. القسم الثانى، ما لا يَعْرِفُه المسلِمون، كعِيدِ الشَّعَانِين وعِيدِ الفَطِيرِ ونحوِهما، فهذا لا يجوزُ السَّلَمُ إليه؛ لأنَّ المُسْلِمِينَ لا يَعْرِفُونَه، ولا يجوزُ تَقْلِيدُ أهْلِ الذِّمَّةِ فيه؛ لأنَّ قَوْلَهم غيرُ مَقْبُولٍ، ولأنَّهم يُقَدِّمُونَه ويُؤَخِّرُونَه على حِسَابٍ لهم لا يَعْرِفُه المسلِمون. وإن أسْلَمَ إلى ما لا يَخْتَلِفُ، مثل كَانُون الأَوَّل، ولا يَعْرِفُه المُتَعَاقِدَانِ أو أحَدُهما، لم يَصِحَّ؛ لأنَّه مَجْهُولٌ عنده. ٧٧٦ - مسألة؛ قال: (مَوْجُودًا عِنْدَ مَحَلِّهِ) هذا الشَّرْطُ الخامِسُ، وهو كَوْنُ المُسْلَمِ فيه عَامَّ الوُجُودِ في مَحلِّه، ولا نَعْلَمُ فيه خِلَافًا. وذلك لأنَّه إذا كان كذلك، أمْكَنَ تَسْلِيمُه عندَ وُجُوبِ تَسْلِيمِه. وإذا لم يكن عَامَّ الوُجُودِ، لم يكُنْ مَوْجُودًا عندَ المَحلِّ بِحُكْمِ الظَّاهِرِ، فلم يُمْكِنْ تَسْلِيمُه، فلم يَصِحَّ بَيْعُه، كبَيْعِ الآبِقِ، بل أَوْلَى؛ فإنَّ السَّلَمَ احْتَمَلَ فيه أَنْوَاعٌ من الغَرَرِ لِلْحَاجَةِ، فلا يَحْتَمِلُ فيه غَرَرٌ آخَرُ، لئَلَّا يَكْثُرَ الغَرَرُ فيه، فلا يجوزُ أن يُسْلِمَ في العِنَبِ والرُّطَبِ إلى شُبَاط أَو آذَار، ولا إلى مَحلٍّ لا يُعْلَمُ وُجُودُه فيه، كزَمَانِ أَوَّلِ العِنَبِ أو آخِرِه الذي لا يُوجَدُ فيه إلَّا نَادِرًا، فلا يُؤْمَنُ انْقِطَاعُه. فصل: ولا يجوزُ أن يُسْلِمَ في ثَمَرَةِ بُسْتَانٍ بِعَيْنِه، ولا قَرْيَةٍ صَغيرَةٍ؛ لكَوْنِه لا يُؤْمَنُ تَلَفُه وانْقِطَاعُه. قال ابنُ المُنْذِرِ: إبْطَالُ السَّلَمِ إذا أَسْلَمَ في ثَمَرَةِ بُسْتَانٍ بِعَيْنِه كالإِجْمَاعِ من أهْلِ العِلْمِ، ومِمَّنْ حَفِظْنَا عنه ذلك؛ الثَّوْرِيُّ، ومَالِكٌ، والأَوْزَاعِيُّ، والشَّافِعِيُّ، وأصْحَابُ الرَّأْىِ، وإسحاقُ. قال: ورَوَيْنا عن النَّبِيِّ ﷺ أنَّه أسْلَفَ إليه رَجُلٌ من اليَهُودِ دَنَانِيرَ في تَمْرٍ مُسَمًّى، فقال اليَهُودِيُّ: مِن تَمْرِ حَائِطِ بَنِى فُلَانٍ. فقال النَّبِىُّ ﷺ : "أمَّا مِنْ حَائِطِ بَنِى فُلَانٍ فَلَا، ولكِنْ كَيْلٌ مُسَمًّى إلَى أجَلٍ مُسَمًّى". رَوَاهُ ابنُ مَاجَه (١) وغيرُه، ورَوَاهُ أبو إسحاقَ الجُوزَجَانِيُّ، في "الْمُتَرْجَمِ". وقال: أجْمَعَ الناسُ على الكَرَاهَةِ لهذا البَيْعِ. ولأنَّه

стр. 3017

إذا أسْلَمَ في ثَمَرَةِ بُسْتَانٍ بعَيْنِه، لم يُؤْمَنِ انْقِطَاعُه وتَلَفُه، فلم يَصِحَّ، كما لو أسْلَمَ في شيءٍ قَدَّرَهُ بمِكْيَالٍ مُعَيَّنٍ، أو صَنْجَةٍ مُعَيَّنَةٍ، أو أحْضَرَ خِرْقَةً، وقال: أسْلَمْتُ إليك في مثلِ هذه. فصل: ولا يُشْتَرَطُ كَوْنُ المُسْلَمِ فيه مَوْجُودًا حالَ السَّلَمِ، بل يجوزُ أن يُسْلِمَ في الرُّطَبِ في أوَانِ الشِّتَاءِ، وفى كلِّ (٢) مَعْدُومٍ إذا كان مَوْجُودًا في المَحَلِّ. وهذا قولُ مالِكٍ، والشَّافِعِيِّ، وإسحاقَ، وابنِ المُنْذِرِ. وقال الثَّوْرِيُّ، والأَوْزَاعِىُّ، وأصْحَابُ الرَّأْىِ: لا يجوزُ حتى يكونَ جِنْسُه مَوْجُودًا حالَ العَقْدِ إلى حينِ المَحلِّ؛ لأنَّ كلَّ زَمَنٍ يجُوزُ أن يكونَ مَحلًّا لِلمُسْلَمِ فيه لِمَوْتِ المُسْلَمِ إليه، فَاعْتُبِرَ وُجُودُه فيه، كالمَحلِّ. ولَنا، أنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَدِمَ المَدِينَةَ وهم يُسْلِفُونَ في الثِّمَارِ السَّنَةَ والسَّنَتَيْنِ، فقال: "مَنْ أَسْلَفَ فَلْيُسْلِفْ فِي كَيْلٍ مَعْلُومٍ، [وَوَزْنٍ مَعْلُومٍ، إلَى أجَلٍ مَعْلُومٍ"] (٣). ولم يَذْكُر الوُجُودَ، ولو كان شَرْطًا لذَكَرَه، ولَنَهَاهُم عن السَّلَفِ سَنَتَيْنِ؛ لأنَّه يَلْزَمُ منه انْقِطَاعُ المُسْلَمِ فيه أوْسَطَ السَّنَة، ولأنَّه يَثْبُتُ في الذِّمَّةِ، ويُوجَدُ في مَحلِّه غَالِبًا، فجَازَ السَّلَمُ فيه، كالمَوْجُودِ، ولا نُسَلِّمُ أنَّ الدَّيْنَ يَحِلُّ بالمَوْتِ، وإن سَلَّمْنا فلا يَلْزَمُ أن يشْتَرِطَ ذلك الوُجُود، إذْ لو لَزِمَ أفْضَى إلى أن تكَونَ آجَالُ السَّلَمِ مَجْهُولَةً، والمَحلُّ ما جَعَلَهُ المُتَعَاقِدَانِ مَحلًّا، وهاهُنا لم يَجْعَلَاهُ. فصل: إذا تَعَذَّرَ تَسْلِيمُ المُسْلَمِ فيه عندَ المَحلِّ، إمَّا لِغَيْبَةِ المُسْلَمِ فيه (٤) أو عَجْزِه عن التَّسْلِيمِ، حتى عَدِمَ المُسْلَمُ فيه، أو لم تَحْمِلِ الثمارُ تلك السَّنَة، فالمُسْلِمُ بالخِيَارِ بين أن يَصْبِرَ إلى أن يُوجَدَ فيُطَالِبَ به، وبينَ أن يَفْسَخَ العَقْدَ ويَرْجِعَ بالثَّمَنِ إن كان مَوْجُودًا، أو بمِثْلِه إن كان مِثْلِيًّا، وإلَّا قِيمَتِه. وبه قال الشَّافِعِيُّ، وإسحاقُ،

стр. 3018

وابنُ المُنْذِرِ. وفيه وَجْهٌ آخَرُ، أنَّه يَنْفَسِخُ العَقْدُ بِنَفْسِ التَّعَذُّرِ؛ لكَوْنِ المُسْلَمِ فيه مِن ثَمَرَة العامِ، بِدَلِيلِ وُجُوبِ التَّسْلِيمِ منها، فإذا هَلَكَتْ انْفَسَخَ العَقْدُ، كما لو بَاعَهُ قَفِيزًا من صُبْرَةٍ فهَلَكَتْ. والأَوَّلُ الصَّحِيحُ؛ فإنَّ العَقْدَ قد صَحَّ، وإنَّما تَعَذَّرَ التَّسْلِيمُ، فهو كما لو اشْتَرَى عَبْدًا فأبَقَ قبلَ القَبْضِ. ولا يَصِحُّ دَعْوَى التَّعْيِينِ في هذا العامِ؛ فإنَّهما لو تَرَاضَيَا على دَفْعِ المُسْلَمِ فيه مِن غيرِها، جَازَ، وإنَّما أُجْبِرَ على دَفْعِه من ثَمَرَةِ العامِ، لِتَمْكِينِه من دَفْعِ ما هو بِصِفَةِ حَقِّه، ولذلك يَجِبُ عليه الدَّفْعُ من ثَمَرَةِ نَفْسه إذا وَجَدَها ولم يَجِدْ غيرَها، وليست مُتَعَيِّنَةً. وإن تَعَذَّرَ البَعْضُ، فلِلْمُشْتَرِى الخِيَارُ بين الفَسْخِ في الكُلِّ، والرُّجُوعِ بالثَّمنِ، وبين أن يَصْبِرَ إلى حينِ الإِمْكانِ، ويُطَالِبَ بِحَقِّه. فإن أحَبَّ الفَسْخَ في المَفْقُودِ دون المَوْجُودِ، فله ذلك؛ لأنَّ الفَسادَ طَرَأَ بعد صِحَّةِ العَقْدِ، فلا يُوجِبُ الفَسادَ في الكُلِّ, كما لو بَاعَهُ صُبْرَتَيْنِ فتَلِفَتْ إحْدَاهُما. وفيه وجهٌ آخَرُ: ليس له الفَسْخُ إلَّا في الكُلِّ، أو يَصْبِرُ، على ما ذَكَرْنَا من الخِلَافِ في الإِقَالَةِ في بعض المُسْلَمِ فيه. وإنْ قُلْنا: إنَّ الفَسْخَ يَثْبُتُ بِنَفْسِ التّعَذُّرِ. انْفَسَخَ في المَفْقُودِ دون المَوْجُودِ؛ لما ذَكَرْنَا مِن أنَّ الفَسادَ الطَّارِىءَ على بعضِ المَعْقُودِ عليه لا يُوجِبُ فَسادَ الجميعِ، ويَثْبُتُ لِلْمُشْتَرِى خِيارُ الفَسْخِ في المَوْجُودِ، كما ذَكَرْنا في الوَجْهِ الأَوَّلِ. فصل: إذا أَسْلَمَ نَصْرَانِيٌّ إلى نَصْرَانِيٍّ في خَمْرٍ، ثم أسْلَمَ أحَدُهما. فقال ابنُ المُنْذِرِ: أجْمَعَ كلُّ مَن نَحْفَظُ عنه من أهْلِ العِلْمِ، على أن المُسْلِمَ يَأْخُذُ دَرَاهِمَهُ. كذلك قال الثَّوْرِيُّ، وأحْمَدُ، وإسحاقُ، وأصْحابُ الرَّأْىِ. وبه نقولُ؛ لأنَّه إن كان المُسْلِمُ المُسَلِّمَ فليس له اسْتِيفَاءُ الخَمْرِ، فقد تَعَذَّرَ اسْتِيفَاءُ المَعْقُودِ عليه، وإن كان المُسْلَمَ إليه فقد تَعَذَّرَ عليه إِيفَاؤُها، فصارَ الأَمْرُ إلى رَأْسِ مَالِهِ. ٧٧٧ - مسألة؛ قال: (ويَقْبِضُ الثَّمَنَ كَامِلًا وَقْتَ السَّلَمِ قَبْلَ التَّفَرُّقِ) هذا الشَّرْطُ السَّادِسُ، وهو أن يَقْبِضَ رَأْسَ مَالِ السَّلَمِ في مَجْلِسِ العَقْدِ، فإن تَفَرَّقَا قبل ذلك بَطَلَ العَقْدُ. وبهذا قال أبو حنيفةَ والشَّافِعِيُّ. وقال مالِكٌ: يجوزُ

стр. 3019

أن يَتَأَخَّرَ قَبْضُه يَوْمَيْنِ وثلاثةً وأكْثَرَ، ما لم يكُنْ ذلك شَرْطًا؛ لأنَّه مُعَاوَضَةٌ لا يَخْرُجُ بِتَأْخِيرِ قَبْضِه من أن يكونَ سَلَمًا، فأشْبَه ما لو تَأَخَّرَ إلى آخِر المَجْلِسِ. ولَنا، أنَّه عَقْدُ مُعاوَضَةٍ، لا يجوزُ فيه شَرْطُ تَأْخِيرِ العِوَضِ المُطْلَقِ، فلا يجوزُ التَّفَرُّقُ فيه قبلَ القَبْضِ، كالصَّرْفِ، ويُفَارِقُ المَجْلِسُ ما بعدَه، بِدَلِيلِ الصَّرْفِ. وإن قَبَضَ بعدَه، ثم تَفَرَّقَا، فكلامُ الخِرَقِيِّ يَقْتَضِى أن لا يَصِحَّ؛ لقولِه: "كَامِلًا". وحُكِىَ ذلك عن ابنِ شُبْرُمَةَ والثَّوْرِىِّ. وقال أبو الخَطَّابِ: هل يَصِحُّ في غير المَقْبُوضِ؟ على وَجْهَيْنِ، بنَاءً على تَفْرِيقِ الصَّفْقَةِ. وهذا الذي يَقْتَضِيهِ مَذْهَبُ الشَّافِعِىِّ. وقد نَصَّ أحْمَدُ في رِوَايَةِ ابن مَنْصُورٍ، إذا أَسْلَمَ ثَلَاثَمائة دِرْهَمٍ في أصْنَافٍ شَتَّى؛ مائةً في حِنْطَةٍ، [ومائةً في شَعِيرٍ] (١)، ومائةً في شىءٍ آخَرَ، فخَرَجَ فيها زُيُوفٌ، رَدَّ على الأصْنافِ الثَّلَاثَةِ، على كلِّ صِنْفٍ بِقَدْرِ ما وَجَدَ من الزُّيُوفِ، فصَحَّ (٢) العَقْدُ في البَاقِى بِحِصَّتِه من الثمَنِ. وقال الشَّرِيفُ أبو جَعْفَرٍ، في مَن أسْلَمَ أَلْفًا إلى رَجُلٍ، فَقَبَّضَهُ نِصْفَه، وأحَالَه بِنِصْفِه، أو كان له دَيْنٌ على المُسْلَمِ إليه بِقَدْرِ نِصْفِه، فحَسَبَهُ عليه من الأَلْفِ: فإنه يَصِحُّ السَّلَمُ في النِّصْفِ المَقْبُوضِ، ويَبْطُلُ في البَاقِى. فأَبْطَلَ السَّلَمَ فيما لم يَقْبِضْ، وصَحَّحَهُ فيما قَبَضَ. وحُكِىَ عن أبي حنيفةَ أنَّه قال: يَبْطُلُ في الحَوَالَةِ في الكُلِّ. وفى المَسْأَلَةِ الأُخْرَى: يَبْطُلُ فيما لم يَقْبِضْ، ويَصِحَّ فيما قَبَضَ بِقِسْطِه؛ بنَاءً على تَفْرِيقِ الصَّفْقَةِ. فصل: وإن قَبَضَ الثَّمَنَ فوَجَدَهُ رَدِيئًا، فرَدَّهُ والثَّمَنُ مُعَيَّنٌ، بَطَلَ العَقْدُ بِرَدِّه، ويَبْتَدِئَانِ عَقْدًا آخَرَ إن أحَبَّا. وإن كان في الذِّمَّةِ، فله إبْدَالُه في المَجْلِسِ، ولا يَبْطُلُ العَقْدُ بِرَدِّه؛ لأنَّ العَقْدَ إنَّما وَقَعَ على ثَمَنٍ سَلِيمٍ، فإذا دَفَعَ إليه ما ليس بِسَلِيمٍ، كان له المُطَالَبَةُ بالسَّلِيمِ، ولا يُؤَثِّرُ قَبْضُ المَعِيبِ في العَقْدِ. وإن تَفَرَّقَا، ثم عَلِمَ عَيْبَه فرَدَّهُ، ففيه وَجْهانِ: أحَدُهما، يَبْطُلُ العَقْدُ بِرَدِّهِ، لِوُقُوعِ القَبْضِ بعد التَّفَرُّقِ،

стр. 3020

ولا يجوزُ ذلك في السَّلَمِ. والثانى، لا يَبْطُلُ؛ لأنَّ القَبْضَ الأَوَّلَ كان صَحِيحًا؛ بِدَلِيلِ ما لو أمْسَكَهُ ولم يَرُدَّهُ، وهذا يَدُلُّ على المَقْبُوضِ. وهذا قولُ أبى يوسفَ ومحمدٍ. وهو أحَدُ قَوْلَىِ الشَّافِعِيِّ. واخْتِيَارُ المُزَنِيِّ، لكن من شَرْطِه أن يَقْبِضَ البَدَلَ في مَجْلِسِ الرَّدِّ، فإن تَفَرَّقَا عن مَجْلِسِ الرَّدِّ قبلَ قَبْضِ البَدَلِ لم يَصِحَّ، وَجْهًا واحِدًا؛ لِخُلُوِّ العَقْدِ عن قَبْضِ الثَّمَنِ بعد تَفرُّقِهما. وإن وجَدَ بعضَ الثَّمَنِ رَدِيئًا فَرَدَّهُ، فعلى المَرْدُودِ التَّفْصِيلُ الذي ذَكَرْنَاهُ. وهل يَصِحُّ في غيرِ الرَّدِىءِ إذا قُلْنا بِفَسادِه في الرَّدِىءِ؟ عَلى وَجْهَيْنِ، بنَاءً على تَفْرِيقِ الصَّفْقَةِ. فصل: وإن خَرَجَتِ الدَّرَاهِمُ مُسْتَحَقَّةً والثَّمَنُ مُعَيَّنٌ، لم يَصِحَّ العَقْدُ. قال أحمدُ: إذا خَرَجَتِ الدَّرَاهِمُ مَسْرُوقَةً، فليس بينهما بَيْعٌ؛ وذلك لأنَّ الثَّمَنَ إذا كان مُعَيَّنًا فقد اشْتَرَى بِعَيْنِ مالِ غيرِه بغيرِ إِذْنِه، وإن كان غيرَ مُعَيَّنٍ فلَهُ المُطَالَبَةُ بِبَدَلِه في المَجْلِسِ. وإن قَبَضَهُ ثم تَفَرَّقَا بَطَلَ العَقْدُ؛ لأنَّ المَقْبُوضَ لا يَصْلُحُ عِوَضًا، فقد تَفَرَّقَا قبلَ أخْذِ الثَّمَنِ، إلَّا على الرِّوَايَةِ التي تقول بِصِحَّةِ تَصَرُّفِ الفُضُولِيِّ. [أو أنَّ النُّقُودَ لا تَتَعَيَّنُ بالتَّعْيِينِ] (٣). وإن وجد بعضه مُسْتَحَقًّا، بَطَلَ في ذلك البعضِ، وفى البَاقِى وَجْهانِ، بنَاءً على تَفْرِيقِ الصَّفْقَةِ. فصل: إذا كان له في ذِمَّةِ رَجُلٍ دِينَارٌ، فجَعَلَهُ سَلَمًا في طَعَامٍ إلى أَجَلٍ، لم يَصِحَّ. قال ابن المُنْذِرِ: أجْمَعَ على هذا كُلُّ مَن أَحْفَظُ عنه من أهْلِ العِلْمِ، منهم مَالِكٌ، والأَوْزَاعِيُّ، والثَّوْرِيُّ، وأحمدُ، وإسحاقُ، وأصْحابُ الرَّأْىِ، والشَّافِعِيُّ. وعن ابن عمرَ أنَّه قال: لا يَصْلُحُ (٤) ذلك. وذلك لأنَّ المُسْلَمَ فيه دَيْنٌ، فإذا جَعَلَ الثَّمَنَ دَيْنًا كان بَيْعَ دَيْنٍ بِدَيْنٍ، ولا يَصِحُّ ذلك بالإِجْمَاعِ. ولو قال: أسْلَمْتُ إليكَ مائةَ دِرْهَمٍ في كُرِّ (٥) طَعَامٍ. وشَرَطَا أن يُعَجِّلَ له منها خَمْسِينَ وخَمْسِينَ إلى أجَلٍ،

стр. 3021

لم يَصِحَّ العَقْدُ في الكلِّ، على قولِ الخِرَقِيِّ، ويُخَرَّجُ [في] (٦) صِحَّته في قَدْرِ المَقْبُوضِ وَجْهانِ، بنَاءً على تَفْرِيقِ الصَّفْقَةِ؛ أحدُهما، يَصِحُّ. وهو قولُ أبى حنيفةَ. والثانى، لا يَصِحُّ. وهو قولُ الشَّافِعيِّ. وهو أَصَحُّ؛ لأنَّ لِلْمُعَجَّلِ فَضْلًا على المُؤَجَّلِ، فيَقْتَضِى أن يكونَ في مُقَابَلَتِه أكْثَرَ ممَّا في مُقَابَلَةِ المُؤَجَّلِ، والزِّيَادَةُ مَجْهُولَةٌ، فلا يَصِحُّ. ٧٧٨ - مسألة؛ قال: (ومَتَى عَدِمَ شَىْءٌ مِنْ هذِهِ الْأَوْصَافِ، بَطَلَ) وجُمْلَةُ ذلك، أنَّ هذه الأوْصافَ السِّتَّةَ التي ذَكَرْنَاهَا، لا يَصِحُّ السَّلَمُ إلَّا بها، وقد دَلَّلْنَا على ذلك. واخْتَلَفَتِ الرِّوَايَةُ في شَرْطَيْنِ آخَرَيْنِ: أحدُهما، مَعْرِفَةُ صِفَةِ الثَّمَنِ المُعَيَّنِ. ولا خِلَافَ في اشْتِرَاطِ مَعْرِفَةِ صِفَتِه إذا كان في الذِّمَّةِ؛ لأنَّه أحَدُ عِوَضَىِ السَّلَمِ، فإذا لم يكُنْ مُعَيَّنًا اشْتَرَطَ مَعْرِفَةَ صِفَتِه، كالمُسْلَمِ فيه، إلَّا أنَّه إذا أَطْلَقَ وفى البَلَدِ نَقْدٌ مُعَيَّنٌ، انْصَرَفَ الإِطْلَاقُ إليه، وقَامَ مَقَامَ وَصْفِه، فأمَّا إن كان الثَّمَنُ مُعَيَّنًا، فقال القاضي وأبو الخَطَّابِ: لا بُدَّ من مَعْرِفَةِ وَصْفِه. واحْتَجَّا بقولِ أحمدَ: يقولُ: أسْلَمْتُ إليك كذا وكذا دِرْهَمًا. ويَصِفُ الثَّمن. فَاعْتَبَرَ ضَبْطَ صِفَتِه. وهذا قولُ مالِكٍ وأبى حنيفةَ؛ لأنَّه عَقْدٌ لا يَمْلِكُ إتْمامَهُ في الحال، ولا تَسْلِيمَ المَعْقُودِ عليه، ولا يُؤْمَنُ انْفِسَاخُه، فوَجَبَ مَعْرِفَةُ رَأْسِ المُسْلَمِ فيه، لِيَرُدَّ بَدَلَهُ، كالقَرْضِ والشَّرِكَةِ. ولأنَّه لا يُؤْمَنُ أن يَظْهَرَ بعضُ الثمَنِ مُسْتَحَقًّا، فَيَنْفَسِخَ العَقْدُ في قَدْرِه، فلا يَدْرِى في كم بَقِىَ وكم انْفَسَخَ؟ فإن قيل: هذا مَوْهُومٌ، والمَوْهُوماتُ لا تُعْتَبَرُ. قُلْنا: التَّوَهُّمُ مُعْتَبَرٌ هاهُنا؛ لأنَّ الأَصْلَ عَدَمُ الجَوازِ، وإنَّما جُوِّزَ إذا وَقَعَ الأَمْنُ من الغَرَرِ، ولم يُوجَدْ هاهُنا، بِدَلِيلِ ما إذا أسْلَمَ في ثَمَرَةِ بُسْتَانٍ بِعَيْنِه، أو قَدَّرَ المُسْلَمَ فيه بِصَنْجَةٍ أو مِكْيَالٍ مُعَيَّنٍ، فإنَّه لا يَصِحُّ.

стр. 3022

وظَاهِرُ كَلَامِ الخِرَقِيِّ، أنَّه لا يُشْتَرَطُ؛ لأنَّه ذَكَرَ شَرَائِطَ السَّلَمِ ولم يَذْكُرْهُ. وهو أحَدُ قَوْلَىِ الشَّافِعِيِّ؛ لأنَّه عِوَضٌ مُشاهَدٌ، فلم يَحْتَجْ إلى مَعْرِفَةِ قَدْرِه، كبُيُوعِ الأَعْيانِ. وكَلَامُ أحمدَ إنَّما تَنَاوَل غيرَ المُعَيَّنِ (١)، ولا خِلَافَ في اعْتِبارِ أوْصَافِه. وَدَلِيلُهُم يَنْتَقِضُ بِعَقْدِ الإِجارَةِ، وأنَّه يَنْفَسِخُ بِتَلَفِ العَيْنِ المُسْتَأْجَرَةِ، ولا يَحْتَاجُ مع اليَقِينِ إلى مَعْرِفَةِ الأَوْصَافِ. ولأنَّ رَدَّ مثلَ الثَّمَنِ إنَّما يُسْتَحَقُّ عند فَسْخِ العَقْدِ، لا من جِهَةِ عَقْدِه، وجَهالَةُ ذلك لا تُؤَثِّرُ، كما لو بَاعَ المَكِيلَ، أو المَوْزُونَ (٢). ولأنَّ العَقْدَ [قد تَمَّتْ شَرَائِطُه] (٣). فلا يَبْطُلُ بأَمْرٍ مَوْهُومٍ (٤)، فعَلَى القولِ الذي يَعْتَبِرُ صِفَاتَهُ، لا يَجُوزُ أن يَجْعَلَ رَأْسَ مَالِ السَّلَمِ مالا يُمْكِنُ ضَبْطُ صِفَاتِه، كالجَوَاهِرِ وسائِرِ ما لا يَجُوزُ السَّلَمُ فيه، فإن جَعَلَاهُ سَلَمًا بَطَلَ العَقْدُ، ويَجِبُ رَدُّه إن كان مَوْجُودًا، وقِيمَتِه إن عُرِفَتْ إذا كان مَعْدُومًا. فإن اخْتَلَفَا، فالقولُ قولُ المُسْلَمِ إليه؛ لأنَّه غَارِمٌ. وهكذا إن حَكَمْنَا بِصِحَّةِ العَقْدِ ثم انْفَسَخَ. وإن اخْتَلَفَا في المُسْلَمِ فيه، فقال أحَدُهما: في مائة مُدْيٍ حِنْطَةٍ. وقال الآخَرُ: في مائةِ مُدْيٍ شَعِيرٍ. تحَالَفَا، وتَفَاسَخَا به. قال الشَّافِعيُّ، وأبو ثَوْرٍ، وأصْحابُ الرَّأْىِ: كما لو اخْتَلَفَا في ثَمَنِ المَبِيعِ. فصل: وكل مَالَيْنِ حُرِّمَ النَّسَاءُ فيهما، لا يجوزُ إسْلامُ أحَدِهما في الآخَرِ؛ لأنَّ السَّلَمَ مِن شَرْطِهِ النَّسَاءُ والتَّأْجِيلُ. والخِرَقِيُّ مَنَعَ بَيْعَ العُرُوضِ بعضَها ببعضٍ نَسَاءً. فعلَى قولِه لا يجوزُ إسْلامُ بعضِها في بعضٍ. وقال ابنُ أبى موسى: لا يجوزُ أن يكونَ رأْسُ مَالِ السَّلَمِ إلَّا عَيْنًا أو وَرِقًا. وقال القاضي: وهو ظَاهِرُ كلامِ أحمدَ هاهُنا. قال ابنُ المُنْذِرِ قيل لأحمدَ: يُسْلِمُ مَا يُوزَنُ فيما يُكَالُ، وما يُكَالُ فيما يُوزَنُ؟

стр. 3023

فلم يُعْجِبْه. وعلى هذا لا يجوزُ أن يكونَ المُسْلَمُ فيه ثَمَنًا. وهو قولُ أبى حنيفةَ؛ لأنَّها لا تَثْبُتُ في الذِّمَّةِ إلَّا ثَمَنًا، فلا تكونُ مُثْمَنَةً. وعلى الرِّوَايَةِ التي تقولُ بِجَوَازِ النَّساءِ في العُرُوضِ، يجوزُ أن يكونَ رأْسُ مَالِ السَّلَمِ عَرْضًا، كالثَّمَنِ سَوَاءً، ويجوزُ إسْلامُها في الأَثْمَانِ. قال الشَّرِيفُ أبو جَعْفَرٍ: يجوزُ السَّلَمُ في الدَّرَاهِمِ والدَّنَانِيرِ. وهذا مذهبُ مالِكٍ والشَّافِعِىِّ؛ لأنَّها تَثْبُتُ في الذِّمَّةِ صَدَاقًا، فتَثْبُتُ سَلَمًا، كالعُرُوضِ. ولأنَّه لا رِبًا بينهما من حيث التَّفَاضُلُ ولا النَّسَاءُ، فصَحَّ إسْلامُ أحَدِهما في الآخَرِ، كالعَرْضِ في العَرْضِ، ولا يَصِحُّ ما قالَه أبو حنيفةَ؛ فإنَّه لو بَاعَ دَرَاهِمَ بِدَنَانِيرَ صَحَّ، ولا بُدَّ أن يكونَ أحَدُهما مُثْمَنًا. فعلى هذا إذا أسْلَمَ عَرْضًا في عَرْضٍ مَوْصُوفٍ بِصِفَاتِه، فجَاءَهُ عندَ الحُلُولِ بذلك العَرْضِ بِعَيْنِه، لَزِمَهُ قَبُولُه، على أحَدِ الوَجْهَيْنِ؛ لأنَّه أتَاهُ بالمُسْلَمِ فيه على صِفَتِه، فلَزِمَهُ قَبُولُه، كما لو كان غيرَه. والثانى، لا يَلْزَمُه؛ لأنَّه يُفْضِى إلى كَوْنِ الثَّمَنِ هو المُثْمَنَ، ومَن نَصَرَ الأَوَّلَ قال (٥): هذا لا يَصِحُّ؛ لأن الثَّمَنَ (٦) إنَّما هو في الذِّمَّةِ. وهذا عِوَضٌ عنه. وهكذا لو أسْلَمَ جَارِيةً صَغِيرَةً في كَبِيرَةٍ، فحلَّ الْمَحلُّ وهى على صِفَةِ المُسْلَمِ فيه، فأحْضَرَها، فعلى احْتِمالَيْنِ أيضًا؛ أحدُهما، لا (٧) يَصِحُّ؛ لما ذَكَرْنَا، ولأنَّه يُفْضِى إلى أن يكونَ قد اسْتَمْتَعَ بها ورَدَّهَا خَالِيَةً عن عُقْرٍ (٨). والثانى، يجوزُ؛ لأنَّه أحْضَرَ المُسْلَمَ فيه على صِفَتِه. ويَبْطُلُ الأَوَّلُ بما إذا وَجَدَ بها عَيْبًا فرَدَّهَا. واخْتَلَفَ أصْحَابُ الشَّافِعِيِّ في هاتَيْنِ المَسْأَلَتَيْنِ على هذَيْنِ الوَجْهَيْنِ. وإن فَعَل ذلك حِيلَةً؛ ليَنْتَفِعَ بالعَيْنِ، أو لِيَطَأَ الجَارِيَةَ ثم يَرُدَّها بغيرِ عِوَضٍ، لم يَجُزْ، وَجْهًا واحِدًا؛ لأنَّ الحِيَلَ كلَّها بَاطِلَةٌ.

стр. 3024

الشَّرْط الثاني المُخْتَلَفُ فيه، تَعَيُّنُ مَكَانِ الإِيفَاءِ. قال القاضِى: ليس بِشَرْطٍ. وحَكاهُ ابنُ المُنْذِرِ عن أحمدَ، وإسحاقَ، وطَائِفَةٍ من أهْلِ الحَدِيثِ. وبه قال أبو يوسفَ ومحمدٌ. وهو أحَدُ قَوْلَىِ الشَّافِعِيِّ؛ لقولِ النَّبيِّ ﷺ : "من أسْلَمَ فَلْيُسْلِمْ في كَيْلٍ مَعْلُومٍ، أو وَزْنٍ مَعْلُومٍ، إلى أجَلٍ مَعْلُومٍ" (٩). ولم يَذْكُرْ مَكَانَ الإِيفَاءِ، فدَلَّ على أنَّه لا يُشْتَرَطُ. وفى الحَدِيثِ الذي فيه، أنَّ اليَهُودِيَّ أسْلَمَ إلى النَّبِيِّ ﷺ ، فقال النَّبِيُّ ﷺ : "أَمَّا مِنْ حَائِطِ بَنِى فُلَانٍ فَلَا، ولكِنْ كَيْلٌ مُسَمًّى، إلَى أجَلِ مُسَمًّى" (١٠). ولم يَذْكُرْ مكانَ الإِيفَاءِ. ولأنَّه عَقْدُ مُعَاوَضَةٍ، فلا يُشْتَرَطُ فيه ذِكْرُ مَكانِ الإِيفَاءِ، كبُيُوعِ الأَعْيانِ، وقال الثَّوْرِيُّ: يُشْتَرَطُ ذِكْرُ مَكانِ الإِيفَاءِ. وهو القولُ الثانى للشَّافِعِيِّ. وقال الأَوْزَاعِيُّ: هو مَكْرُوهٌ؛ لأنَّ القَبْضَ يَجِبُ بِحُلُولِه، ولا يُعْلَمُ مَوْضِعُهُ حِينَئِذٍ، فيَجِبُ شَرْطُه لئَلَّا يكونَ مَجْهُولًا. وقال أبو حنيفةَ، وبعضُ أصْحَابِ الشَّافِعِيِّ: إنْ كان لِحَمْلِه (١١) مُؤْنَةً، وَجَبَ شَرْطُه، وإلَّا فلا يَجِبُ؛ لأنَّه إذا كان لِحَمْلِه مُؤْنَةً اخْتَلَفَ فيه الغَرَضُ، بِخِلَافِ ما لا مُؤْنَةَ فيه. وقال ابنُ أبي موسى: إنْ كانا في بَرِّيَّةٍ لَزِمَ (١٢) ذِكْرُ مَكَانِ الإِيفَاءِ، وإن لم يكُونَا في بَرِّيَّةٍ، فذِكْرُ مكانِ الإِيفَاءِ حَسَنٌ، وإن لم يَذْكُرَاهُ كان الإِيفَاءُ مكانَ العَقْدِ؛ لأنَّه متى كانا في بَرِّيَّةٍ لم يُمْكِنِ التَّسْلِيمُ في مكانِ العَقْدِ، فإذا تَرَكَ ذِكْرَه كان مَجْهُولًا، وإن لم يكُونَا في بَرِّيَّةٍ اقْتَضَى العَقْدُ التَّسْلِيمَ في مَكَانِه، فاكْتَفَى بذلك عن ذكْرِه، فإن ذَكَرَه كان تَأْكِيدًا، فكان حَسَنًا. فإن شَرَطَ الإِيفَاءَ في مَكَانٍ سَواءٍ، صَحَّ؛ لأنَّه عَقْدُ بَيْعٍ، فصَحَّ شَرْطُ ذِكْرِ الإِيفَاءِ في غيرِ مَكَانِه، كَبُيُوعِ الأَعْيَانِ. ولأنَّه شَرَطَ ذِكْرَ مَكانِ الإِيفَاءِ، فَصَحَّ، كما لو ذَكَرَهُ في مَكَانِ العَقْدِ. وذَكَرَ ابنُ أبى موسى رِوَايَةً أُخْرَى، أنَّه لا يَصِحُّ؛ لأنَّه شَرَطَ خِلَافَ ما اقْتَضَاهُ العَقْدُ، لأنَّ العَقْدَ يَقْتَضِى

стр. 3025

الإِيفَاءَ في مَكَانِه. وقال القاضِى، وأبو الخَطَّابِ: متى ذَكَرَ مَكانَ الإِيفَاءِ، ففيه رِوَايَتانِ، سَوَاء شَرَطَهُ في مَكَانِ العَقْدِ أو في غيره؛ لأنَّ فيه غَرَرًا، لأنَّه ربَّما تَعَذَّرَ تَسْلِيمُه في ذلك المَكَانِ، فأشْبَهَ تَعْيِينَ المِكْيَالِ. واخْتارَهُ أبو بكرٍ. وهذا لا يَصِحُّ؛ فإنَّ في تَعْيِينِ المَكَانِ غَرَضًا ومَصْلَحَةً لهما، فأَشْبَهَ تَعْيِينَ الزَّمَانِ. وما ذَكَرُوهُ من احْتِمالِ تَعَذُّرِ التَّسْلِيمِ فيه يَبْطُلُ بِتَعْيِينِ الزَّمَانِ، ثم لا يَخْلُو إمَّا أن يكونَ مُقْتَضَى العَقْدِ التَّسْلِيمَ في مَكَانِه، فإذا شَرَطَهُ فقد شَرَطَ مُقْتَضَى العَقْدِ، أو لا يكونَ ذلك مُقْتَضَى العَقْدِ، فيَتَعَيَّنَ ذِكْرُ مَكَانِ الإِيفَاءِ، نَفْيًا لِلْجَهَالَةِ عنه، وقَطْعًا للتَّنَازُعِ، فالغَرَرُ في تَرْكِه لا في ذِكْرِه. وفَارَقَ تَعْيِينَ المِكْيَالِ، فإنَّه لا حَاجَةَ إليه، ويَفُوتُ به عِلْمُ المِقْدَارِ المُشْتَرَطِ لِصِحَّةِ العَقْدِ، ويُفْضِى إلى التَّنَازُعِ، وفي مَسْأَلَتِنَا لا يَفُوتُ به شَرْطٌ، ويَقْطَعُ التَّنَازُعَ، والمَعْنَى (١٣) المانِعُ من التَّقْدِيرِ بمِكْيَالٍ بِعَيْنِه مَجْهُولٍ هو المُقْتَضِى لِشَرْطِ مَكَانِ الإِيفَاءِ، فكَيْفَ يَصِحُّ قِياسُهُم عليه. ٧٧٩ - مسألة؛ قال: (وبَيْعُ المُسْلَمِ فِيهِ مِنْ بَائِعِه، أوْ مِنْ غَيْرِه، قَبْلَ قَبْضِهِ، فَاسِدٌ. وكَذلِكَ الشَّرِكَةُ فِيهِ، والتَّوْلِيَةُ، والْحَوَالَةُ بِهِ، طَعَامًا كَانَ أوْ غَيْرَهُ) أمَّا بَيْعُ المُسْلَمِ فيه قبلَ قَبْضِه، فلا نَعْلَمُ في تَحْرِيمِه خِلَافًا، وقد نَهَى النَّبِيُّ ﷺ عن بَيْعِ الطَّعَامِ قبل قَبْضِه، وعن رِبْحِ ما لم يُضْمَنْ (١). ولأنَّه مَبِيعٌ لم يَدْخُلْ في ضَمَانِه، فلم يَجُزْ بَيْعُه، كالطَّعَامِ قبلَ قَبْضِه. وأمَّا الشَّرِكَةُ فيه والتَّوْلِيَةُ، فلا تجوزُ أيضًا؛ لأنَّهما بَيْعٌ على ما ذَكَرْنَا من قبلُ. وبهذا قال أكْثَرُ أهْلِ العِلْمِ. وحُكِىَ عن مَالِكٍ جَوازُ الشَّرِكَةِ والتَّوْلِيَةِ؛ لما رُوِىَ عن النَّبِيِّ ﷺ ، أنه نَهَى عن بَيْعِ الطَّعَامِ قبلَ قَبْضِه، وأَرْخَصَ في الشَّرِكَةِ والتَّوْلِيَةِ (٢). ولَنا، أنَّها مُعَاوَضَةٌ في المُسْلَمِ فيه

стр. 3026

قبلَ القَبْضِ، فلم يَجُزْ، كما لو كانت بِلَفْظِ البَيْعِ. ولأنَّهما نَوْعَا بَيْعٍ، فلم يَجُوزَا في المُسْلَمِ قبلَ قَبْضِه، كالنَّوْعِ الآخَرِ، والخَبَرُ لا نَعْرِفُهُ، وهو حُجَّةٌ لنا؛ لأنَّه نَهَى عن بَيْعِ الطَّعَامِ قبلَ قَبْضِه، والشَّرِكَةُ والتَّوْلِيَةُ بَيْعٌ، فيَدْخُلَانِ في النَّهْىِ. ويُحْمَلُ قولُه: وأَرْخَصَ في الشَّرِكَةِ والتَّوْلِيَةِ، على أنَّه أَرْخَصَ فيهما في الجُمْلَةِ، لا في هذا المَوْضِعِ. وأمَّا الإِقَالَةُ فإنَّها فَسْخٌ، ولَيْسَتْ بَيْعًا. وأمَّا الحَوَالَةُ به فغيرُ جَائِزةٍ (٣)، لأنَّ الْحَوَالَةَ إنَّما تجوزُ على دَيْنٍ مُسْتَقِرٍّ، والسَّلَمُ بعَرَضِ الفَسْخِ، فليس بمُسْتَقِرٍّ. ولأنَّه نَقْلٌ لِلْمِلْكِ في المُسْلَمِ فيه على غير وَجْهِ الفَسْخِ، فلم يَجُزْ كالبَيْعِ. ومعنى الحوَالَةِ به، أن يكونَ لِرَجُلٍ طَعَامٌ من سَلَمٍ، وعليه مثلُه من قَرْضٍ أو سَلَمٍ آخَرَ أو بَيْعٍ، فيُحِيلُ بما عليه من الطَّعَامِ على الذي له عنده السَّلَمُ، فلا يجوزُ. وإن أحَالَ المُسْلَمُ إلَيه المُسْلِمَ بالطَّعَامِ الذي عليْه لم يَصِحَّ أيضًا؛ لأنَّه مُعَاوَضَةٌ بالمُسْلَمِ فيه قبلَ قَبْضِه، فلم يَجُزْ، كالبَيْعِ. وأمَّا بَيْعُ المُسْلَمِ فيه من بَائِعِه، فهو أن يَأْخُذَ غيرَ ما أَسْلَمَ فيه عِوَضًا عن المُسْلَمِ فيه. فهذا حَرَامٌ، سواءٌ كان المُسْلَمُ فيه مَوْجُودًا أو مَعْدُومًا، سواءٌ كان الْعِوَضُ (٤) مثلَ المُسْلَمِ فيه في القِيمَةِ، أو أقَلَّ، أو أكْثَرَ. وبهذا قال أبو حنيفةَ، والشَّافِعِيُّ. وذَكَرَ ابنُ أبي موسى، عن أحمدَ، رِوَايَةً أخرى في مَن أسْلَمَ في بُرٍّ, فعَدِمَهُ عند المَحلِّ، فرَضِىَ المُسْلِمُ بِأَخْذِ الشَّعِيرِ مَكَانَ البُرِّ، جازَ. ولم يَجُزْ أكْثَرُ من ذلك. وهذا يُحْمَلُ على الرِّوَايَةِ التي فيها أن البُرَّ والشَّعِيرَ جِنْسٌ واحِدٌ، والصَّحِيحُ في المَذْهَبِ خِلَافُه. وقال مالِكٌ: يجوزُ أن يَأْخُذَ غيرَ المُسْلَمِ فيه مَكَانَه، يَتَعَجَّلُه ولا يُؤَخِّرُهُ إلّا (٥) الطَّعَام. قال ابن المُنْذِرِ: وقد ثَبَتَ أن ابنَ عَبَّاسٍ قال: إذا أسْلَمَ في شيءٍ إلى أجَلٍ فإن أخَذْتَ ما أَسْلَفْتَ فيه، وإلَّا فَخُذْ

стр. 3027

عِوَضًا (٦) أَنْقَصَ منه، ولا تَرْبَحْ مَرَّتَيْنِ. رَوَاهُ سَعِيدٌ في "سُنَنِه". ولنا، قولُ النَّبِيِّ ﷺ : "مَنْ أسْلَمَ في شَىْءٍ، فَلَا يَصْرِفْه إلَى غَيْرِهِ". رَوَاهُ أبو دَاوُدَ، وابنُ مَاجَه (٧). ولأنَّ أَخْذَ العِوَضِ عن المُسْلَمِ فيه بَيْعٌ، فلم يَجُزْ، كبَيْعِه مِن غيرِه. فأمَّا إنْ أعْطَاهُ من جِنْسِ ما أسْلَمَ فيه خَيْرًا منه، أو دُونَه في الصِّفَاتِ، جَازَ؛ لأنَّ ذلك ليس بِبَيْعٍ، إنَّما هو قَضَاءٌ لِلْحَقِّ، مع تَفَضُّلٍ من أحَدِهما. فصل: فأمَّا الإِقَالَةُ في المُسْلَمِ فيه، فجَائِزَةٌ، لأنَّها فَسْخٌ. قال ابنُ المُنْذِرِ: أجْمَعَ كلُّ مَن نَحْفَظُ عنه من أهْلِ العِلْمِ، على أنَّ الإِقَالَةَ في جَمِيعِ ما أسْلَمَ فيه جَائِزَةٌ؛ لأنَّ الإِقَالَةَ فَسْخٌ لِلْعَقْدِ، ورَفْعٌ له من أصْلِه، وليستْ بَيْعًا. قال القاضي: ولو قال: لي عِنْدَكَ هذا الطَّعَامُ، صَالِحْنِى منه على ثَمَنِه. جَازَ، وكانت إقَالَةً صَحِيحَةً. فأمَّا الإِقَالَةُ في بعضِ المُسْلَمِ فيه، فاخْتَلَفَ (٨) عن أحمدَ فيها؛ فَرُوِىَ عنه أنَّها لا تجوزُ. وَرُوِيَتْ كَرَاهَتُها عن ابنِ عمرَ، وسَعِيدِ بن المُسَيَّبِ، والحسنِ، وابنِ سِيرِينَ، والنَّخَعِيِّ، وسَعِيدِ بن جُبَيْرٍ، ورَبِيعَةَ، وابنِ أبى لَيْلَى، وإسحاقَ. ورَوَى حَنْبَلٌ، عن أحمدَ. أنَّه قال: لا بَأسَ بها. وَرُوِىَ ذلك عن ابنِ عَبَّاسٍ، وعَطاءٍ، وطَاوُسٍ، ومحمدِ بن عليٍّ، وحُمَيْدِ بن عبد الرَّحْمَنِ، وعَمْرِو بن دِينَارٍ، والحَكَمِ، والثَّوْرِىِّ، والشَّافِعِيِّ، والنُّعْمانِ وأصْحَابِه، وابنِ المُنْذِرِ. ولأنَّ الإِقَالَةَ مَنْدُوبٌ إليها، وكل مَعْرُوفٍ جَازَ في الجَمِيعِ جَازَ في البَعْضِ، كالإِبْرَاءِ والإِنْظَارِ. وَوَجْهُ الرِّوَايَةِ الأُولَى، أنَّ السَّلَفَ في الغَالِبِ يُزَادُ فيه في الثَّمَنِ من أجْلِ التَّأْجِيلِ، فإذا أقَالَهُ في البَعْضِ، بَقِىَ البَعْضُ بالبَاقِى من الثَّمَنِ وبِمَنْفَعَةِ الجُزْءِ الذي حَصَلَتِ الإِقَالَةُ فيه، فلم يَجُزْ، كما لو اشْتَرَطَ (٩) ذلك في ابْتِدَاءِ العَقْدِ. ويُخَرَّجُ عليه الإِبْرَاءُ

стр. 3028

والإِنْظَارُ؛ فإنَّه لا يَتَعَلَّقُ به شيءٌ من ذلك. فصل: إذا أقَالَهُ، رَدَّ الثَّمَنَ إن كان بَاقِيًا، أو مِثْلَه إن كان مِثْلِيًّا، أو قِيمَتَه إن لم يكُنْ مِثْلِيًّا. فإن أرادَ أن يُعْطِيَه عِوَضًا عنه، فقال الشَّرِيفُ أبو جَعْفَرٍ: ليس له صَرْفُ ذلك الثَّمَنِ في عَقْدٍ آخَرَ حتى يَقْبِضَهُ. وبه قال أبو حنيفةَ؛ لقَوْلِ النَّبِيِّ ﷺ : "مَنْ أسْلَمَ في شَىْءٍ، فَلَا يَصْرِفْهُ إلَى غَيْرِهِ" (١٠). ولأنَّ هذا مَضْمُونٌ على المُسْلَمِ إليه بِعَقْدِ السَّلَمِ، فلم يَجُز التَّصَرُّفُ فيه قبلَ قَبْضِه، كما لو كان في يَدِ المُشْتَرِى. وقال القاضِى أبو يَعْلَى: يجوزُ أخْذُ العِوَضِ عنه. وهو قولُ الشَّافِعِيِّ؛ لأنَّه عِوَضٌ مُستَقِرٌّ في الذِّمَّةِ، فجَازَ أخْذُ العِوَضِ عنه، كما لو كان قَرْضًا. ولأنَّه مَالٌ عَادَ إليه بِفَسْخِ العَقْدِ، فجازَ أخْذُ العِوَضِ عنه، كالثَّمَنِ في المَبِيعِ إذا فُسِخَ، والمُسْلَمُ فيه مَضْمُونٌ بالعَقْدِ، وهذا مَضْمُونٌ بعد فَسْخِه، والخَبَرُ أرَادَ به المُسْلَمَ فيه، فلم يَتَنَاوَلْ هذا. فإنْ قلْنا بهذا، فحُكْمُه حُكْمُ ما لو كان قَرْضًا أو ثَمَنًا في بُيُوعِ الأَعْيَانِ، لا يجوزُ جَعْلُه سَلَمًا في شيءٍ آخَرَ؛ لأنَّه يكُونُ بَيْعَ دَيْنٍ بِدَيْنٍ، ويجوزُ فيه ما يجوزُ في القَرْضِ وأَثْمَانِ البِيَاعَاتِ إذا فُسِخَتْ. ٧٨٠ - مسألة؛ قال: (وَإذَا أَسْلَمَ في جِنْسَيْنِ ثَمَنًا وَاحِدًا، لم يَجُزْ، حَتَّى يُبَيِّنَ ثَمَنَ كُلِّ جِنْسٍ) صُورةُ ذلك أن يُسْلِمَ دِينَارًا واحِدًا في قَفِيزِ حِنْطَةٍ وقَفِيزِ شَعِيرٍ، ولا يُبَيِّنَ ثَمَنَ الحِنْطَةِ من الدِّينَارِ، ولا ثَمَنَ الشَّعِيرِ، فلا يَصِحُّ ذلك. وجَوَّزَهُ مالِكٌ. وللشَّافِعِيِّ قَوْلَانِ كالمَذْهَبَيْنِ. واحْتَجُّوا بأنَّ كلَّ عَقْدٍ جَازَ على جِنْسَيْنِ في عَقْدَيْنِ، جَازَ عليهما في عَقْدٍ واحِدٍ، كبُيُوعِ الأعْيانِ، وكما لو بَيَّنَ ثَمَنَ أحَدِهما. ولَنا، أنَّ ما يُقَابِلُ كلَّ واحِدٍ من الجِنْسَيْنِ مَجْهُولٌ، فلم يَصِحَّ، كما لو عَقَدَ عليه مُفْرَدًا بِثَمَنٍ مَجْهُولٍ.

стр. 3029

ولأنَّ فيه غَرَرًا أنَّنا (١) لا نَأْمَنُ الفَسْخَ بِتَعَذُّرِ أحَدِهما، فلا يَعْرِفُ بم يَرْجِعُ؟ وهذا غَرَرٌ أثَّرَ مِثْلُه في السَّلَمِ. وبمثْلِ هذا عَلَّلْنَا مَعْرِفَةَ صِفَةِ الثَّمَنِ وقَدْرِهِ. وقد ذَكَرْنَا ثَمَّ وَجْهًا آخَرَ، أنَّه لا يُشْتَرَطُ، فيُخَرَّجُ هاهُنا مثلُه؛ لأنَّه في مَعْنَاه. ولأنَّه لمَّا جَازَ أن يُسْلِمَ في شَىءٍ واحِدٍ إلى أجَلَيْنِ، ولا يُبَيِّنَ ثَمَنَ كلِّ واحِدٍ منهما، كذا هاهُنا. قال ابنُ أبى موسى: ولا يجوزُ أن يُسْلِمَ خَمْسَةَ دَنَانِيرَ وخَمْسِينَ دِرْهَمًا في كُرِّ حِنْطَةٍ، حتى يُبَيِّنَ حِصَّةَ ما لكلِّ واحِدٍ منهما مِن الثَّمَنِ. والأَوْلَى صِحَّةُ هذا؛ لأنَّه إذا تَعَذَّرَ بعضُ المُسْلَمِ فيه، رَجَعَ بِقِسْطِه منهما؛ إن تَعَذَّرَ النِّصْفُ رَجَعَ بِنِصْفِهما، وإن تَعَذَّرَ الخُمْسُ رَجَعَ بِدِينَارٍ وعَشْرَةِ دَراهِمَ. ٧٨١ - مسألة؛ قال: (وَإذَا أَسْلَمَ فِي شَىْءٍ وَاحِدٍ، عَلَى أنْ يَقْبِضَهُ فِي أَوْقَاتٍ مُتَفَرِّقَةٍ أجْزَاءً مَعْلُومَةً، فجَائِزٌ) قال الأَثْرَمُ: قلتُ لأبى عبدِ اللهِ: الرَّجُلُ يَدْفَعُ إلى الرَّجُلِ الدَّرَاهِمَ في الشىءِ يُؤْكَلُ، فيَأْخُذُ منه كلَّ يَوْمٍ من تلك السِّلْعَةِ شَيئًا؟ فقال: على مَعْنَى السَّلَمِ إذًا؟ فقلتُ: نعم. قال: لا بَأْسَ. ثم قال: مثلُ الرَّجُلِ القَصَّابِ، يُعْطِيهِ الدِّينَارَ على أن يَأْخُذَ منه كل يَوْمٍ رِطْلًا من لَحْمٍ قد وَصَفَهُ. وبهذا قال مَالِكٌ. وقال الشَّافِعِيُّ: إذا أَسْلَمَ في جِنْسٍ واحِدٍ إلى أجَلَيْنِ، ففيه قَوْلَانِ: أحَدُهما: لا يَصِحُّ؛ لأنَّ ما يُقَابِلُ أبْعَدَهما أجَلًا أقَلُّ ممَّا يُقَابِلُ الآخَرَ، وذلك مَجْهُولٌ، فلم يَجُزْ. ولَنا، أنَّ كلَّ بَيْعٍ جَازَ في أجَلٍ واحِدٍ، جَازَ في أَجَلَيْنِ وآجالٍ، كبُيُوعِ الأَعْيَانِ، فإذا قَبَضَ البَعْضَ وتَعَذَّرَ قَبْضُ الباقِى، ففَسَخَ العَقْدَ، رَجَعَ بقِسْطِه من الثَّمنِ، ولا يَجْعَلُ للباقِى فَضْلًا عن المَقْبُوضِ؛ لأنَّه مَبِيعٌ واحدٌ مُتَماثِلُ الأَجْزَاءِ، فيُقَسِّطُ الثمنَ على أجْزَائِه بالسَّوِيَّةِ, كما لو اتَّفَقَ أجَلُهُ.

стр. 3030

٧٨٢ - مسألة؛ قال: (وَإِذَا لَمْ يَكُنِ السَّلَمُ فِيهِ، كالحَدِيدِ والرَّصَاصِ، ومَا لَا يَفْسُدُ، ولَا يَخْتَلِفُ قَدِيمُه وحَدِيثُه، لَمْ يَكُنْ عَلَيْهِ قَبْضُه قَبْلَ مَحَلِّهِ) يعني بالسَّلَمِ: المُسْلَمَ فيه، سُمِّىَ بِاسْمِ المَصْدَرِ، كما يُسَمَّى المَسْرُوقُ سَرِقَةً والمَرْهُونُ رَهْنًا. قال إبراهيمُ: خُذْ سَلَمَكَ أو دُونَ سَلَمِكَ، ولا تَأْخُذْ فَوْقَ سَلَمِكَ. ومتى أحْضَرَ المُسْلَمَ فيه على الصِّفَةِ المَشْرُوطَةِ، لم يَخْلُ من ثلاثةِ أحْوَالٍ: أحَدُها، أن يُحْضِرَهُ في مَحلِّه، فيَلْزَمُه قَبُولُه؛ لأنَّه أتَاهُ بِحَقِّه في محَلِّه، فلَزِمَهُ قَبُولُه، كالمَبِيعِ المُعَيَّنِ، وسواءٌ كان عليه في قَبْضِه ضَرَرٌ، أو لم يَكُنْ. فإن أَبَى، قِيلَ له: إمَّا أن تَقْبِضَ حَقَّكَ، وإما أن تُبْرِىءَ منه. فإن امْتَنَعَ، قَبَضَهُ الحَاكِمُ من المُسْلَمِ إليه لِلمُسْلِمِ، وبَرِئَتْ ذِمَّتُه منه؛ لأنَّ الحَاكِمَ يَقُومُ مقَامَ المُمْتَنِعِ بوِلَايَتِه، وليس له أن يُبْرِىءَ؛ لأنَّه لا يَمْلِكُ الإِبْرَاءَ. الحالُ الثاني، أن يَأْتِىَ به قبل مَحلِّه، فيُنْظَرَ فيه، فإن كان ممَّا في قَبْضِه قبلَ مَحلِّه (١) ضَرَرٌ، إمَّا لِكَوْنِه ممَّا يَتَغَيَّرُ، كالفَاكِهَةِ والأَطْعِمَةِ كلِّها، أو كان قَدِيمُه دونَ حَدِيثِه، كالحُبُوبِ ونحوِها، لم يَلْزَمِ المُسْلِمَ قَبُولُه؛ لأنَّ له غَرَضًا في تَأْخِيرِه، بأن يَحْتَاجَ إلى أكْلِه أو إطْعَامِه في ذلك الوَقْتِ، وكذلك الحَيَوَانُ؛ لأنَّه لا يَأْمَنُ تَلَفَه، ويَحْتَاجُ إلى الإِنْفَاقِ عليه إلى ذلك الوَقْتِ، وَرُبَّما يَحْتَاجُ إليه في ذلك الوَقْتِ دُونَ ما قَبْلَه. وهكذا (٢) إن كان مِمَّا يَحْتَاجُ في حِفْظِه إلى مُؤْنَةٍ، كالقُطْنِ ونحوِه، أو كان الوَقْتُ مَخُوفًا يَخْشَى نَهْبَ ما يَقْبِضُه، فلا يَلْزَمُه الأَخْذُ في هذه الأَحْوَالِ كلِّها؛ لأنَّ عليه ضَرَرًا في قَبْضِه، ولم يَأْتِ مَحلُّ اسْتِحْقَاقِه له، فجَرَى مَجْرَى نَقْصِ صِفَةٍ فيه. وإنْ كان ممَّا لا ضَرَرَ في قَبْضِه، بأن يكونَ لا يَتَغَيَّرُ، كالحَدِيدِ والرَّصَاصِ والنُّحَاسِ، فإنَّه يَسْتَوِى قدِيمُه وحَدِيثُه، ونحو ذلك الزَّيْتُ والعَسَلُ، ولا في قَبْضِه ضَرَرُ الخَوْفِ، ولا تَحَمُّلُ مُؤْنَةٍ، فعليه

стр. 3031

قَبْضُه؛ لأنَّ غَرَضَهُ حَاصِلٌ مع زِيَادَةِ تَعْجِيلِ (٣) المَنْفَعَةِ، فجَرَى مَجْرَى زِيَادَةِ الصَّفَةِ وتَعْجِيلِ الدَّيْنِ المُؤَجَّلِ. الحال الثالث، أن يُحْضِرَه بعد مَحَلِّ الوُجُوبِ، فحُكْمُه حُكْمُ ما لو أحْضَرَ المَبِيعَ بعد تَفَرُّقِهما. فصل: ولا يَخْلُو إمَّا أن يُحْضِرَ المُسْلَمَ فيه على صِفَتِه، أو دُونَها، أو أَجْوَدَ منها. فإن أحْضَرَهُ على صِفَتِه، لَزِمَ قَبُولُه؛ لأنَّه حَقُّه. وإن أتَى به دُونَ صِفَتِه، لم يَلْزَمْهُ قَبُولُه؛ لأنَّ فيه إسْقَاطَ حَقِّه، فإن تَرَاضَيَا على ذلك وكان من جِنْسِه، جَازَ, وإن كان من غير جِنْسِه، لم يَجُزْ؛ لما تَقَدَّمَ. وإن اتَّفَقا على أن يُعْطِيَهُ دُونَ حَقِّه، ويَزِيدَه شيئا، لم يَجُزْ؛ لأنَّه أفْرَدَ صِفَةَ الجَوْدَةِ بِالبَيْعِ، وذلك لا يجوزُ، لأن بَيْعَ المُسْلَمِ فيه قبلَ قَبْضِه غيرُ جَائِزٍ، فَبَيْعُ وَصْفِهِ أَوْلَى. الثالث (٤)، أن يُحْضِرَهُ أجْوَدَ من المَوْصُوفِ، فيُنْظَرُ فيه؛ فإن أتَاهُ به (٥) من نَوْعِه، لَزِمَهُ قَبُولُه؛ لأنَّه أتَى بما تَنَاوَلَهُ العَقْدُ وزِيَادَةً تَابِعَةً له، فيَنْفَعُه ولا يَضُرُّهُ، إذ لا يَفُوتُه غَرَضٌ. فإن أتَى به مِن نَوْعٍ آخَرَ، لم يَلْزَمْهُ قَبُولُه؛ لأنَّ العَقْدَ تَنَاوَلَ ما وَصَفَاهُ على الصِّفَةِ التى شَرَطَاهَا، وقد فَاتَ بعضُ الصِّفَاتِ، فإنَّ النَّوْعَ صِفَةٌ، وقد فَاتَ، فأَشْبَهَ ما لو فَاتَ غيرُه مِن الصِّفَاتِ. وقال القاضى: يَلْزَمُه قَبُولُه؛ لأنَّهما جِنْسٌ واحِدٌ يُضَمُّ أحَدُهما إلى الآخَرِ فى الزَّكَاةِ، فأَشْبَهَ الزِّيَادَةَ فى الصِّفَةِ مع اتِّفَاقِ النَّوْعِ. والأَوَّلُ أجْوَدُ؛ لأنَّ أحَدَهما يَصْلُحُ لما لا يَصْلُحُ له الآخَرُ، فإذا فَوَّتَهُ عليه، فَوَّتَ عليه الغَرَضَ (٦) المُتَعَلِّقَ به، فلم يَلْزَمْهُ قَبُولُه، كما لو فَوَّتَ عليه صِفَةَ الجَوْدَةِ. وهذا مذهبُ الشَّافِعِىِّ. فإن تَرَاضَيَا على أخْذِ النَّوْعِ بَدَلًا عن النَّوْعِ الآخَرِ، جَازَ؛ لأنَّهما جِنْسٌ واحِدٌ لا يجوزُ بَيْعُ أحَدِهِما بالآخَرِ مُتَفَاضِلًا، ويُضَمُّ أحَدُهما إلى الآخَرِ فى

стр. 3032

الزَّكَاةِ، فجازَ أخْذُ أحَدِهما عن الآخَرِ، كالنَّوْعِ الوَاحِدِ. وقال بعضُ أصْحَابِ الشَّافِعِىِّ: لا يجوزُ له أخْذُهُ؛ لِلْمَعْنَى الذى مَنَعَ لُزُومَ أخْذِه. وقال إبراهيمُ: لا تَأْخُذْ فَوقَ سَلَمِكَ فى كَيْلٍ ولا صِفَةٍ. ولَنا، أنَّهما تَرَاضَيَا على دَفْعِ المُسْلَمِ فيه من جنْسِه، فجَازَ، كما لو تَرَاضَيَا على دَفْعِ الرَّدِىءِ مَكانَ الجَيِّدِ، أو الجَيِّدِ مكان الرَّدِىءِ، وبهذا يَنْتَقِضُ ما ذَكَرُوهُ؛ فإنه لا يَلْزَمُ أَخْذُ الرَّدِىءِ، ويجُوزُ أخْذُه. ولأنَّ المُسْلِمَ أسْقَطَ حَقَّهُ من النَّوْعِ، فلم يَبْقَ بَيْنَهما (٧) إلَّا صِفَةُ الجَودَةِ، وقد سَمَحَ بها صَاحِبُها. فصل: إذا جَاءَهُ بالأَجْوَدِ، فقال: خُذْهُ، وَزِدْنِى دِرْهَمًا. لم يَصِحَّ. وقال أبو حنيفةَ: يَصِحُّ، كما لو أسْلَمَ فى عَشرَةٍ فجَاءَهُ بأحَدَ عَشَرَ. ولَنا، أنَّ الجَوْدَةَ صِفَةٌ، فلا يجوزُ إفْرَادُها بالعَقْدِ، كما لو كان مَكِيلًا أو مَوْزُونًا، فإن جَاءَهُ بِزِيَادَةٍ فى القَدْرِ، فقال: خُذْهُ، وَزِدْنِى دِرْهَمًا. ففَعَلَا، صَحَّ؛ لأنَّ الزِّيادَةَ هاهُنا يجوزُ إفْرَادُها بالعَقْدِ. فصل: وليس له إلَّا أقَلُّ ما تَقَعُ عليه الصِّفَةُ؛ لأنَّه إذا أَسْلَمَ إليه ذلك، فقد سَلَّمَ إليه ما تَنَاوَلَهُ العَقْدُ، فبَرِئَتْ ذِمَّتُه منه. وعليه أن يُسْلِمَ إليه الحِنْطَةَ نَقِيَّةً من التِّبْنِ والقَصْلِ والشَّعِيرِ ونحوِه، مما لا يَتَنَاوَلُه اسْمُ الحِنْطَةِ. وإن كان فيه تُرَابٌ كَثِيرٌ يَأْخُذُ مَوْضِعًا من المِكْيَالِ، لم يَجُزْ. وإن كان يَسِيرًا لا يُؤَثِّرُ فى المِكْيَالِ ولا يَعِيبُها، لَزِمَهُ أخْذُه. ولا يَلْزَمُه أخْذُ التَّمْرِ إلَّا جَافًّا. ولا يَلْزَمُ أن يَتَنَاهَى جَفَافُه؛ لأنَّه يَقَعُ عليه الاسْمُ. ولا يَلْزَمُه أن يَقْبَلَ مَعِيبًا بحالٍ، ومتى قبَضَ المُسْلَمَ فيه فوَجَدَهُ مَعِيبًا، فله المُطَالَبَةُ بالبَدَلِ أو الأَرْشِ، كالمَبِيعِ سَوَاءً. فصل: ولا يَقْبِضُ المَكِيلَ إلا بالكَيْلِ، ولا المَوْزُونَ [إلَّا بالوَزْنِ] (٨)،

стр. 3033

ولا يَقْبِضُهُ جُزَافًا، ولا بغيرِ ما يُقَدَّرُ به؛ لأنَّ الكَيْلَ والوَزْنَ يَخْتلفَانِ (٩)، فإن قَبَضَهُ بذلك، فهو كَقَبْضِه جُزَافًا، فيُقَدِّرُه بما أسْلَمَ فيه، ويَأْخُذُ قَدْرَ حَقِّه، ويَرُدُّ الباقِى، ويُطَالِبُ بالعِوَضِ. وهل له أن يَتَصَرَّفَ فى قَدْرِ حَقِّه منه قبلَ أن يَعْتَبِرَهُ؟ على وجْهَيْنِ، مَضَى ذِكْرُهُما فى بُيُوعِ الأَعْيَانِ. وإن اخْتَلَفَا فى قَدْرِه، فالقَولُ قولُ القَابِضِ مع يَمِينِه. قال القاضى: ويُسَلِّمُ إليه مِلْءَ المِكْيَالِ وما يَحْمِلُه، ولا يكون مَمْسُوحًا، ولا يُدَقُّ ولا يُهَزُّ؛ لأنَّ قَوْلَه: أسْلَمْتُ إليك فى قَفِيزٍ. يَقْتَضِى ما يَسَعُه المِكْيَالُ وما يَحْمِلُه، وهو ما ذَكَرْنَا. ٧٨٣ - مسألة؛ قال: (وَلَا يَجُوزُ أن يَأْخُذَ رَهْنًا، ولَا كَفِيلًا مِنَ المُسْلَمِ إلَيهِ) واخْتَلَفَتِ الرِّوَايَةُ فى الرَّهْنِ والضَّمِينِ فى السَّلَمِ، فرَوَى المَرُّوذِىُّ، وابنُ القَاسِمِ، وأبو طَالِبٍ، مَنْعَ ذلك، وهو اخْتِيارُ الخِرَقِىِّ وأبو بكرٍ. وَرُوِيَتْ كراهِيَةُ (١) ذلك عن عَلِىًّ، وابنِ عمرَ، وابنِ عَبّاسٍ، والحسنِ، وسَعِيدِ بن جُبَيْرٍ، والأَوْزَاعِىِّ. ورَوَى حَنْبَلٌ جَوَازَه. ورَخَّصَ فيه عَطَاءٌ، ومُجَاهِدٌ، وعَمْرُو بن دِينَارٍ، والحَكَمُ، ومَالِكٌ، والشَّافِعِىُّ، وإسحاقُ، وأصْحابُ الرَّأْىِ، وابنُ المُنْذِرِ؛ لقولِ اللهِ تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا تَدَايَنْتُمْ بِدَيْنٍ﴾ (٢). إلى قولهِ: ﴿فَرِهَانٌ مَقْبُوضَةٌ﴾ (٣). وقد رُوِىَ عن ابنِ عَبّاسٍ وابنِ عمرَ، أنَّ المُرَادَ به السَّلَمُ. ولأنَّ اللَّفْظَ عَامٌّ، فيَدْخُلُ السَّلَمُ فى عُمُومِه. ولأنَّه أحَدُ نَوْعَىِ البَيْعِ، فجازَ أخْذُ الرَّهْنِ بما فى الذِّمَّةِ منه، كبُيُوع الأعيانِ. وَوَجْهُ الأَوَّلِ، أنّ الرَّاهِنَ والضَّمِينَ إن أخَذَا بِرَأْسِ

стр. 3034

مَالِ السَّلَمِ، فقد أخَذَا بما ليس بوَاجِبٍ ولا مَآلُهُ إلى الوُجُوبِ؛ لأنَّ ذلك قد مَلَكَهُ المُسْلَمُ إليه، وإن أخَذَا بالمُسْلَمِ فيه، فالرَّهْنُ إنَّما يَجوزُ بشىءٍ يُمْكِنُ اسْتِيفَاؤُه من ثَمَنِ الرَّهْنِ، والمُسْلَمُ فيه لا يُمْكِنُ اسْتِيفَاؤُه من الرَّهْنِ، ولا من ذِمَّةِ الضَّامِنِ. ولأنَّه لا يَأْمَنُ هَلَاكَ الرَّهْنِ فى يَدِه بِعُدْوَانٍ، فيَصِيرُ مُسْتَوْفِيًا لِحَقِّه من غيرِ المُسْلَمِ فيه، وقد قال النبِىُّ ﷺ : "مَنْ أَسْلَمَ فِى شَىْءٍ فَلَا يَصْرِفْهُ إلَى غَيْرِهِ". رَوَاهُ أبو دَاوُدَ (٤). ولأنَّه يُقِيمُ ما فى ذِمَّةِ الضَّامِنِ مُقَامَ ما فى ذِمَّةِ المَضْمُونِ عنه، فيكونُ فى حُكْمِ أخْذِ العِوَضِ والبَدَلِ عنه، وهذا لا يجوزُ. فصل: فإن أخَذَ رَهْنًا أو ضَمِينًا بالمُسْلَمِ فيه، ثم تَقَايَلَا السَّلَمَ، أو فُسِخَ العَقْدُ لِتَعَذُّرِ المُسْلَمِ فيه، بَطَلَ الرَّهْنُ؛ لِزَوَالِ الدَّيْنِ الذى به الرَّهْنُ، وبَرِىءَ الضَّامِنُ، وعلى المُسْلَمِ إليه رَدُّ رَأْسِ مالِ السَّلَمِ فى الحالِ. ولا يُشْتَرَطُ قَبْضُه فى المَجْلِسِ؛ لأنَّه ليس بِعِوَضٍ. ولو أَقْرَضَهُ ألْفًا، وأخَذَ به رَهْنًا، ثم صَالَحَهُ من الأَلْفِ على طَعَامٍ مَعْلُومٍ فى ذِمَّتِه، صَحَّ، وزَالَ (٥) الرَّهْنُ، لِزَوَالِ دَيْنِه من الذِّمَّةِ، وبَقِىَ الطَّعَامُ فى الذِّمَّةِ، ويُشْتَرَطُ قَبْضُهُ فى المَجْلِسِ، كيلا يكونَ بَيْعَ دَيْنٍ بِدَيْنٍ. فإن تَفَرَّقَا قبلَ القَبْضِ، بَطَلَ الصُّلْحُ، ورَجَعَ الأَلْفُ إلى ذِمَّتِه بِرَهْنِه؛ لأنَّه يَعُودُ على ما كان عليه، كالعَصِيرِ إذا تَخَمَّرَ ثم عَادَ خَلًّا. وهكذا لو صَالَحَه عن الدَّرَاهِمِ بِدَنَانِيرَ فى ذِمَّتِه، فالحُكْمُ مثلُ ما بَيَّنَّا فى هذه المَسْأَلَةِ. فصل: وإذا حَكَمْنَا بِصِحَّةِ ضَمَانِ السَّلَمِ، فلِصَاحِبِ الحَقِّ مُطَالَبَةُ مَن شَاءَ منهما، وأَيَّهُما قَضَاهُ بَرِئَتْ ذِمَّتُهُما منه. فإن سَلَّمَ المُسْلَمُ إليه المُسْلَمَ فيه إلى الضَّامِنِ لِيَدْفَعَهُ إلى المُسْلِمِ، جَازَ، وكان وَكِيلًا. وإن قال: خُذْهُ عن الذى ضَمِنْتَ عَنِّى. لم يَصِحَّ، وكان قَبْضًا فَاسِدًا مَضْمُونًا عليه؛ لأنَّه إنَّما اسْتَحَقَّ الأَخْذَ بعد الوَفاءِ، فإن

стр. 3035

أوْصَلَهُ إلى المُسْلِمِ، بَرِىءَ بذلك؛ لأنَّه سَلَّمَ إليه ما [سَلَّطَه المُسْلَمُ] (٦) إليه فى التَّصَرُّفِ فيه. وإن أَتْلَفَهُ (٧) فعليه ضَمَانُه؛ لأنه قَبَضَهُ على ذلك. وإن صَالَحَ المُسْلِمُ الضَّامِنَ عن المُسْلَمِ فيه بِثَمَنِه، لم يَصِحَّ؛ لأنَّ هذا إِقَالَةٌ، فلا يَصِحُّ مِن غير المُسْلَمِ إليه. وإن صَالَحَه المُسْلَمُ إليه بِثَمَنِه صَحَّ، وبَرِئَتْ ذِمَّتُه وَذِمَّةُ الضَّامِنِ؛ لأنَّ هذا إِقَالَةٌ، وإن صَالَحَهُ على غيرِ ثَمَنِه، لم يَصِحَّ؛ لأنَّه بَيْعُ المُسْلَمِ فيه قبلَ القَبْضِ. فصل: والذى يَصِحُّ أَخْذُ الرَّهْنِ به، كُلُّ دَيْنٍ ثَابِتٍ فى الذِّمَّةِ يَصِحُّ اسْتِيفَاؤُه من الرَّهْنِ، كأَثْمَانِ البِيَاعَاتِ، والأُجْرَةِ فى الإِجَارَاتِ، والمَهْرِ، وعِوَضِ الخُلْعِ، والقَرْضِ، وأرْشِ الجِنَايَاتِ، وقِيَمِ المُتْلَفَاتِ. ولا يجوزُ أخْذُ الرَّهْنِ بما ليس بوَاجِبٍ، ولا مَآلُه إلى الوُجُوبِ، كالدِّيَةِ على العَاقِلَةِ قبل الحَوْلِ؛ لأنَّها لم تَجِبْ بعدُ، ولا يُعْلَمُ إفْضَاؤُها إلى الوُجُوبِ، فإنَّهم لو جُنُّوا أو افْتَقَرُوا أو مَاتُوا، لم تَجِبْ عليهم، فلم (٨) يَصِحَّ أخْذُ الرَّهْنِ بها. فأمَّا بعد الحَوْلِ، فيجوزُ أخْذُ الرَّهْنِ بها؛ لأنَّها قد اسْتَقَرَّتْ فى ذِمَّتِهِم. ويحْتَمِلُ جَوَازُ أخْذِ الرَّهْنِ بها قبلَ الحَوْلِ؛ لأنَّ الأصْلَ بَقَاءُ الحَيَاةِ واليَسَارِ والعَقْلِ. ولا يجوزُ أخْذُ الرَّهْنِ بالجُعْلِ فى الجَعَالَةِ قبلَ العَمَلِ؛ لأنَّه لم يَجِبْ، ولا يُعْلَمُ إفْضَاؤُه إلى الوُجُوبِ. وقال القاضى: يحْتَمِلُ أخْذُ الرَّهْنِ به (٩)؛ لأنَّ مآلَه إلى الوُجُوبِ واللُّزُومِ، فأشْبَهَتْ أثْمَانَ البِيَاعَاتِ. والأُولَى أَوْلَى؛ لأنَّ إفْضَاءَها إلى الوُجُوبِ مُحْتَمِلٌ؛ فأشْبَهَتِ الدِّيَةَ قبلَ الحَوْلِ. ويجوزُ أخْذُ الرَّهْنِ به بعدَ العَمَلِ؛ لأنَّه قد وَجَبَ. ولا يجوزُ أخْذُ الرَّهْنِ بمالِ الكِتَابَةِ؛ لأنَّه غيرُ لازِمٍ؛ فإنَّ لِلْعَبْدِ تَعْجِيزَ نَفْسِه، ولا يمكنُ اسْتِيفَاءُ دَيْنِه من الرَّهْنِ، لأنه لو عَجَزَ

стр. 3036

صَارَ الرَّهْنُ لِلسَّيِّدِ، لأنَّه من جُمْلَةِ مالِ المُكَاتَبِ. وقال أبو حنيفةَ: يجوزُ: ولَنا، أنَّها وَثِيقَةٌ لا يمكنُ اسْتِيفَاءُ الحَقِّ منها، فلم يَصِحَّ، كضَمانِ الخَمْرِ، ولا يجوزُ أخْذُ الرَّهْنِ بِعِوَضِ المُسَابَقةِ؛ لأنها جُعْلَةٌ، ولم يُعْلَمْ إفْضَاؤُها إلى الوُجُوبِ، لأنَّ الوُجُوبَ إنَّما يَثْبُتُ بِسَبْقِ غيرِ المُخْرجِ، وهذا غيرُ مَعْلُومٍ ولا مَظْنُونٍ وقال بعضُ أصْحابِنَا: فيها وَجْهانِ، هل هى إجَارَةٌ أو جُعَالَةٌ؟ فإن قُلْنا: هى إِجَارَةٌ. جَازَ أخْذُ الرَّهْنِ بِعِوَضِها. وقال القاضى: إن لم يكُنْ فيها مُحَلَّلٌ فهى جُعَالَةٌ، وإن كان فيها مُحَلَّلٌ فعلَى وَجْهَيْنِ. وهذا كلُّه بَعِيدٌ؛ لأنَّ الجُعْلَ ليس هو فى مُقَابَلَةِ العَمَلِ، بِدَلِيلِ أنَّه لا يَسْتَحِقُّه إذا كان مَسْبُوقًا. وقد عَمِلَ العَمَلَ، وإنَّما هو عِوَضٌ عن السَّبْقِ، ولا تُعَلَمُ القُدْرَةُ عليه. ولأنَّه لا فَائِدَةَ لِلجَاعِلِ فيه، ولا هو مُرَادٌ له، وإذا لم تكُنْ إجَارَةً مع عَدَمِ المُحَلَّلِ، فمع وُجُودِه أوْلَى، لأنَّ مُسْتَحِقَّ الجُعْلِ هو السَّابِقُ، وهو غيرُ مُعَيَّن، ولا يجوزُ اسْتِئْجَارُ رَجُلٍ غيرِ مُعَيَّنٍ، ثم لو كانت إجَارَةً لكانَ عِوَضُها غيرَ واجِبٍ فى الحالِ، ولا يُعْلَمُ إفْضَاؤُه إلى الوُجُوبِ ولا يُظَنُّ، فلم يَجُزْ أخْذُ الرَّهْنِ به كالجُعْلِ فى رَدِّ الآبِقِ واللُّقَطِ، ولا يجوزُ أَخْذُ الرَّهْنِ بِعِوَضٍ غيرِ ثَابِتٍ فى الذِّمَّةِ، كالثَّمَنِ المُعَيَّنِ، والأُجْرَةِ المُعَيَّنَةِ فى الإجَارَةِ، والمَعْقُودِ عليه فى الإجَارَةِ إذا كان مَنَافِعَ مُعَيَّنةً، مثلَ إِجَارَةِ الدَّارِ، والعَبْدِ المُعَيَّنِ، والجَمَلِ المُعَيَّنِ، مُدَّةً مَعْلُومَةً، أو لِحَمْلِ شىءٍ مُعَيَّنٍ إلى مَكَانٍ مَعْلُومٍ؛ لأنَّ هذا حَقٌّ تَعَلَّقَ بالعَيْنِ لا بالذِّمَّةِ، ولا يُمْكِنُ اسْتِيفَاؤُه (١٠) من الرَّهْنِ؛ لأنَّ مَنْفَعَةَ العَيْنِ لا يمكنُ اسْتِيفَاؤُها من غيرِها، وتَبْطُلُ الإجَارَةُ بِتَلَفِ العَيْنِ. وإن وَقَعَتِ الإجارَةُ على مَنْفَعَةٍ فى الذِّمَّةَ، كَخِيَاطَةِ ثَوْبٍ، وبنَاءِ دَارٍ، جَازَ أخْذُ الرَّهْنِ به؛ لأنَّه ثَابِتٌ فى الذِّمَّةِ، ويمكنُ اسْتِيفَاؤُه من الرَّهْنِ، بأَن يَسْتَأْجِرَ مِن ثَمَنِه مَن يَعْمَلُ ذلك العَمَلَ، فجازَ أخْذُ الرَّهْنِ به، كالدَّيْنِ. ومذهبُ الشَّافِعِىِّ فى هذا كلِّه كما قُلْنَا.

стр. 3037

فصل: فأمَّا الأعْيَانُ المَضْمُونَةُ، كالمَغْصُوبِ، والعَوَارِى، والمَقْبُوضِ بِبَيْعِ فَاسِدٍ، والمَقْبُوضِ على وَجْهِ السَّوْمِ، ففيها وَجْهانِ؛ أحَدُهما، لا يَصِحُّ الرَّهْنُ بها. وهو مذهبُ الشَّافِعِىِّ؛ لأنَّ الحَقَّ غيرُ ثَابِتٍ فى الذِّمَّةِ، فأشْبَهَ ما ذَكَرْنَا، ولأنَّه إن رَهَنَهُ على قِيمَتِها إذا تَلِفَتْ، فهو رَهْنٌ على ما ليس بوَاجِبٍ، ولا يُعْلَمُ إفْضَاؤُه إلى الوُجُوبِ. وإن أخَذَ الرَّهْنَ على عَيْنِها، لم يَصِحَّ؛ لأنَّه لا يُمْكِنُ اسْتِيفَاءُ عَيْنِها من الرَّهْنِ، فأَشْبَهَ أثْمَانَ البِياعَاتِ المُتَعَيَّنَة. والثانى، يَصِحُّ أخْذُ الرَّهْنِ بها. وهو مذهبُ أبى حنيفةَ، وقال: كلُّ عَيْنٍ كانتْ مَضْمُونَةً بِنَفْسِها، جَازَ أخْذُ الرَّهْنِ بها. يُرِيدُ ما يُضْمَنُ بمِثْلِه أو قِيمتِه، كالمَبِيعِ يجوزُ أخْذُ الرَّهْنِ بِهِ (١١)؛ لأنَّه مَضْمُونٌ بِفَسَادِ العَقْدِ، لأنَّ مَقْصُودَ الرَّهْنِ الوَثيِقَةُ بالحَقِّ، وهذا حَاصِلٌ، فإنَّ الرَّهْنَ بهذه الأعْيَانِ يَحْمِلُ الرَّاهِنَ على أدَائِها. وإن تَعَذَّرَ أدَاؤُها، اسْتَوْفَى بَدَلَها من ثَمَنِ الرَّهْنِ (١٢)، فأشْبَهَتِ الدَّيْنَ فى الذِّمَّةِ. فصل: قال القاضى: كلُّ ما جازَ أخْذُ الرَّهْنِ به، جازَ أخْذُ الضَّمِينِ به، وما لم يَجُزِ الرَّهْنُ به، لم يَجُزْ أخْذُ الضَّمِينِ به، إلَّا ثلاثَةَ أشْيَاءٍ؛ عُهْدَةُ المَبِيعِ يَصِحُّ ضَمَانُها ولا يَصِحُّ الرَّهْنُ بها، والكِتَابَةُ لا يَصِحُّ الرَّهْنُ بِدَيْنِهَا، وفى ضَمَانِها رِوَايَتَانِ، وما لم يَجِبْ لا يَصِحُّ الرَّهْنُ به ويَصِحُّ ضَمَانُه، والفَرْقُ بينهما من وَجْهَيْنِ. أحَدِهما، أنَّ الرَّهْنَ بهذه الأَشْيَاءِ يُبْطِلُ الإرْفَاقَ، فإنَّه إذا باعَ عَبْدَهُ بأَلْفٍ، ودَفَعَ رَهْنًا يُسَاوِى ألْفًا، فكأنَّه ما قَبَضَ الثَّمَنَ، ولا ارْتَفَقَ به، والمُكَاتَبُ إذا دَفَعَ ما يُسَاوِى كِتَابَتَهُ، فما ارْتَفَقَ بالأَجَلِ؛ لأنَّه كان يُمْكِنُه بَيْعُ الرَّهْنِ أو بَقاءُ الكِتَابَةِ، ويَسْتَرِيحُ من تَعْطِيلِ مَنَافِع عَبْدِه، والضَّمَانُ بخِلَافِ هذا. الثانى، أنَّ ضَرَرَ الرَّهْنِ يَعُمُّ؛ لأنَّه يَدُومُ بَقَاؤُه عند المُشْتَرِى، فيَمْنَعُ البَائِعَ التَّصَرُّفَ فيه، والضَّمَانُ بخِلَافِهِ.

стр. 3038

فصل: إذا اخْتَلَفَ المُسْلِمُ والمُسْلَمُ إليه، فى حُلُولِ الأَجَلِ، فالقولُ قولُ المُسْلَمِ إليه، لأنَّه مُنْكِرٌ. وإن اخْتَلَفَا فى أدَاءِ المُسْلَمِ فيه، فالقولُ قول المُسْلِمِ؛ لذلك. وإن اخْتَلَفَا فى قَبْضِ الثَّمَنِ، فالقولُ قولُ المُسْلَمِ إليه؛ لذلك. وإن اتَّفَقَا عليه، وقال أحَدُهما: كان فى المَجْلِسِ قبلَ التَّفَرُّقِ. وقال الآخَرُ: بعدَه. فالقولُ قولُ مَن يَدَّعِى القَبْضَ فى المَجْلِسِ؛ لأنَّ معه سَلَامَةَ العَقْدِ. وإن أقَامَ كلُّ واحِدٍ منهما بَيِّنَةً بمُوجِبِ دَعْوَاه، قُدِّمَتْ أيضا بَيِّنتُهُ؛ لأنَّها مُثْبِتَةٌ والأُخْرَى نَافِيَةٌ.

стр. 3039

[بابُ القرضِ] (١) والقَرْضُ (٢) نَوْعٌ من السَّلَفِ، وهو جَائِزٌ بالسُّنَّةِ والإجْمَاعِ؛ أمَّا السُّنَّةُ، فرَوَى أبو رَافِعٍ، أنّ النَّبِىَّ ﷺ اسْتَسْلَفَ مِنْ (٣) رَجُلٍ بَكْرًا، فَقَدِمَتْ علَى النَّبِىِّ ﷺ إِبِلُ الصَّدَقَةِ، فأمَرَ أبا رَافِعٍ أن يَقْضِىَ الرَّجُلَ بَكْرَهُ. فرَجَعَ إليه أبو رَافِعٍ، فقال يا رسولَ اللهِ، لم أجِدْ فيها إلَّا خِيَارًا رَبَاعِيًّا (٤). فقال: "أعْطِهِ، فَإنَّ خَيْرَ النَّاسِ أَحْسَنُهُمْ قَضَاءً". رَوَاهُ مُسْلِمٌ (٥). وعن ابنِ مَسْعُودٍ: أنَّ النَّبِىَّ ﷺ , قال: "مَا مِنْ مُسْلِمٍ يُقْرِضُ مُسْلِمًا قَرْضًا مَرَّتَيْنِ. إلَّا كَانَ كَصَدَقَةِ مَرَّةٍ". وعَن أنَسٍ، قال: قال رسولُ اللَّه ﷺ : "رَأَيْتُ لَيْلَةَ أُسْرِىَ بى عَلَى بَابِ الْجَنَّةِ مَكْتُوبًا: الصَّدَقَةُ بِعَشْرِ أَمْثَالِها، والْقَرْضُ بثَمَانِيَة عَشرَ. فَقُلْتُ: يَا جِبْرِيلُ، مَا بَالُ الْقَرْضِ أفْضَلُ مِنَ الصَّدَقَةِ؟ . قال: لأنَّ السَّائِلَ يَسْأَلُ وَعِنْدَهُ، والمُسْتَقْرِضُ لا يَسْتَقْرِضُ إلَّا مِن حَاجَةٍ". رَوَاهُما ابنُ مَاجَه (٦). وأجْمَع المسلمون على جَوَازِ القَرْضِ. فصل: والقَرْضُ مَنْدُوبٌ إليه فى حَقِّ المُقْرِضِ، مُبَاحٌ لِلْمُقْتَرِضِ؛ لما رَوَيْنَا من الأحَادِيثِ، ولما رَوَى أبو هُرَيْرَةَ، أنَّ النَّبِىَّ ﷺ قال: "مَنْ كَشَفَ عَنْ مُسْلِمٍ كُرْبَةً مِنْ كُرَبِ الدُّنْيَا، كَشَفَ اللهُ عَنْهُ كُرْبَةً مِنْ كُرَبِ يَوْمِ القِيَامَةِ، وَاللهُ فِى عَوْنِ

стр. 3040

الْعَبْدِ مَا دَامَ الْعَبْدُ فِى عَوْنِ أخِيهِ" (٧). وعن أبى الدَّرْدَاءِ، أنَّه قال: "لَأَنْ أُقْرِضَ دِينَارَيْنِ ثم يُرَدَّانِ، ثم أُقْرِضَهُما، أحَبُّ إلَىَّ مِنْ أن أتَصَدَّقَ بهما. ولأنَّ فيه تفْرِيجًا عن أخِيهِ المُسْلِمِ، وقَضَاءً لحَاجَتِه، وعَوْنًا له، فكان مَنْدُوبًا إليه، كالصَّدَقَةِ عليه وليس بوَاجِبٍ. قال أحْمدُ: لا إثْمَ على مَن سُئِلَ القَرْضَ فلم يُقْرِضْ. وذلك لأنَّه من المَعْرُوفِ، فأشْبَه صَدَقَةَ التَّطَوُّعِ. وليس بمَكْرُوهٍ فى حَقِّ المُقْرَضِ. قال أحمدُ: ليس القَرْضُ من المَسْأَلَةِ. يعنى ليس بمَكْرُوهٍ؛ وذلك لأنَّ النَّبِىَّ ﷺ كان يَسْتَقْرِضُ، بِدَلِيلِ حَدِيثِ أبى رَافِعٍ، ولو كان مَكْرُوهًا، كان أبْعَدَ النَّاسِ منه. ولأنَّه إنَّما يَأْخُذُه بعِوَضِه، فأشْبَه الشِّرَاءَ بِدَيْنٍ فى ذِمَّتِه. قال ابنُ أبى موسى: لا أُحِبُّ أن يَتَحَمَّلَ بأَمَانَتِه ما ليس عِنْدَه. يَعْنِى ما لا يَقْدِرُ على وَفَائِه. ومَن أرَادَ أن يَسْتَقْرِضَ، فَلْيُعْلِمْ مَن يَسْأَلُه القَرْضَ بِحَالِهِ، ولا يَغرَّه مِن نَفْسِه، إلَّا أن يكونَ الشىءُ اليَسِيرُ الذى لا يَتعَذَّرُ رَدُّ مِثْلِه. قال أحْمَدُ: إذا اقْتَرَضَ لغيرِه ولم يُعْلِمْه بحَالِه، لم يُعْجِبْنِى. وقال: ما أُحِبُّ أن يَقْتَرِضَ بجَاهِهِ لِإخْوَانِه. قال القاضى: يعنى إذا كان مَن يَقْتَرِضُ له غيرَ مَعْرُوفٍ بالوَفَاءِ؛ لِكَوْنِه تَغْرِيرًا بمالِ المُقْرِضِ، وإضْرَارا به، أمَّا إذا كان مَعْرُوفًا بالوَفَاءِ، لم يُكْرَهْ؛ لِكوْنِه إعَانَةً له، وتَفْريجًا لِكُرْبَتِه. فصل: ولا يَصِحُّ إلَّا من جَائِزِ التَّصَرُّفِ؛ لأنَّه عَقْدٌ على المالِ، فلم يَصِحَّ إلَّا من جَائِزِ التَّصَرُّفِ، كالبَيْعِ. وحُكْمُه فى الإيجَابِ والقَبُولِ حُكْمُ البَيْعِ، على ما مَضَى. ويَصِحُّ بِلَفْظِ السَّلَفِ والقَرْضِ؛ لِوُرُودِ الشَّرْعِ بهما، وبكل لَفْظٍ يُؤَدِّى مَعْنَاهُما، مثل أن يقولَ: مَلَّكْتُكَ هذا، على أن تَرُدَّ عَلَىَّ بَدَلهُ. أو تُوجَدَ قَرِينَةٌ دَالَّةٌ

стр. 3041

على إرَادَةِ القَرْضِ. فإن قال: مَلَّكْتُكَ. ولم يَذْكُر البَدَلَ، ولا وُجِدَ ما يَدُلُّ عليه، فهو هِبَةٌ. فإن اخْتَلَفَا، فالقولُ قولُ المَوْهُوبِ له؛ لأنَّ الظَّاهِرَ معه، لأنَّ التَّمْلِيكَ من غيرِ عِوَضٍ هِبَةٌ. فصل: ولا يَثْبُتُ فيه خِيَارٌ ما؛ لأنَّ المُقْرِضَ دَخَلَ على بَصِيرَةِ أنَّ الحَظَّ لِغَيْرِه، فأشْبَهَ الهِبَةَ، والمُقْتَرِضُ متى شَاءَ رَدّهُ، فَيَسْتَغْنِى بذلك عن ثُبُوتِ الخِيَارِ له. ويَثْبُتُ المِلْكُ فى القَرْضِ بالقَبْضِ. وهو عَقْدٌ لَازِمٌ فى حَقِّ المُقْرِضِ، جَائِزٌ فى حَقِّ المُقْتَرِضِ، فلو أرَادَ المُقْرِضُ الرُّجُوعَ فى عَيْنِ مَالِه، لم يَمْلِكْ ذلك. وقال الشَّافِعِىُّ: له ذلك؛ لأنَّ كلَّ ما يَمْلِكُ المُطَالَبَةَ بمثْلِه مَلَكَ أخْذَهْ إذا كان مَوْجُودًا، كالمَغْصُوبِ والعَارِيَّةِ. ولَنا، أنَّه أزَالَ مِلْكَهُ بِعِوَضٍ من غير خِيَارٍ، فلم يكنْ له الرُّجُوعُ فيه كالمَبِيعِ، ويُفَارِقُ المَغْصُوبَ والعَارِيَّةَ، فإنَّه لم يَزُلْ مِلْكُه عنهما، ولأنه لا يَمْلِكُ المُطَالَبَةَ بمِثْلِهما مع وُجُودِهما، وفى مَسْأَلَتِنَا بِخِلَافِه. فأمَّا المُقْتَرِضُ، فله رَدُّ ما اقْتَرَضَهُ على المُقْرِضِ، إذا كان على صِفَتِه لم يَنْقُصْ، ولم يَحْدُثْ به عَيْبٌ؛ لأنَّه على صِفَةِ حَقِّه، فلَزِمَهُ قَبُولُه كالمُسْلَمِ فيه، وكما لو أعْطَاهُ غيره. ويَحْتَمِلُ أن لا يَلْزَمَ المُقْتَرِضَ قَبُولُ ما ليس بمِثْلِىٍّ؛ لأنَّ القَرْضَ فيه يُوجِبُ رَدَّ القِيمَةِ على أحَدِ الوَجْهَيْنِ، فإذا رَدَّهُ بِعَيْنِه لم يَرُدَّ الوَاجب عليه، فلم يَجبْ قَبُولُه كالمَبِيعِ. فصل: ولِلْمُقْرِضِ المُطَالَبَةُ بِبَدلِه فى الحالِ؛ لأنَّه سَبَبٌ يُوجِبُ رَدَّ المِثْلِ فى المِثْلِيَّاتِ، فأَوْجَبَهُ حالًّا، كالإتْلَافِ. ولو أقْرَضَهُ تَفَارِيقَ، ثم طَالَبَه بها جُمْلَةً؛ فله ذلك؛ لأنَّ الجَمِيعَ حَالٌّ، فأَشْبَهَ ما لو بَاعَهُ بُيُوعًا حَالَّةً، ثم طَالَبَه بِثَمَنِهَا جُمْلَةً. وإن أَجَّلَ القَرْضَ، لم يَتَأَجَّلْ، وكان حالًّا. وكلُّ دَيْنٍ حَلَّ أجَلُه، لم يَصِرْ مَؤَجَّلًا بِتَأْجِيلِه. وبهذا قال الحارِثُ العُكْلِىُّ، والَأوْزَاعِىُّ، وابنُ المُنْذِرِ، والشَّافِعىُّ وقال ماِلكٌ واللَّيْثُ: يَتَأَجَّلُ الجَمِيعُ بالتَّأْجِيلِ؛ لقَوْلِ النَّبِىِّ ﷺ :

стр. 3042

"المُؤْمِنُونَ عِنْدَ شُرُوطِهِمْ" (٨). ولأنَّ المُتَعَاقِدَيْنِ يَمْلِكَانِ التَّصَرُّفَ فى هذا العَقْدِ بالإقَالَةِ والإمْضَاءِ، فمَلَكَا الزِّيادَةَ فيه، كخِيَارِ المَجْلِسِ. وقال أبو حنيفةَ فى القَرْضِ وبَدَلِ المُتْلَفِ كقَوْلِنَا، وفى ثَمَنِ المَبِيعِ والأُجْرَةِ والصَّدَاقِ وعِوَضِ الخُلْعِ كقَوْلِهِمَا؛ لأنَّ الأَجَلَ يَقْتَضِى جُزْءًا من العِوَضِ، والقَرْضُ لا يَحْتَمِلُ الزِّيَادَةَ والنَّقْصَ فى عِوَضِه، وبَدَلُ المُتْلَفِ الوَاجِبِ فيه المِثْلُ من غير زِيَادَةٍ ولا نَقْصٍ؛ فلذلك لم يَتَأَجَّلْ، وبَقِيَّةُ الأعْواضِ يجوزُ الزِّيادَةُ فيها، فجَازَ تَأَجِيلُها. ولَنا، أنَّ الحَقَّ يَثْبُتُ حَالًّا، والتَّأَجِيلُ تَبَرُّعٌ منه وَوَعْدٌ، فلا يَلْزَمُ الوَفاءُ به، كما لو أعَارَه شيئا، وهذا لا يَقَعُ عليه اسْمُ الشَّرْطِ ولو سُمِّىَ، فالخَبَرُ مَخْصُوصٌ بالعَارِيَّةِ فيَلْحَقُ به ممَّا اخْتَلَفَا فيه؛ لأنَّه مِثْلُه. ولَنا, على أبى حَنِيفَةَ أنَّها زِيَادَةٌ وبعد اسْتِقْرَارِ العَقْدِ, فأَشْبَه القَرْضَ، وأمَّا الإقَالَةُ: فهى فَسْخٌ وابْتِدَاءُ عَقْدٍ آخَرَ، بِخِلَافِ مَسْألَتِنَا، وأمَّا خِيَارُ المَجْلِسِ، فهو بمَنْزِلَةِ ابْتِداءِ العَقْدِ، بِدَلِيلِ أنه يُجْزِىءُ فيه القَبْضُ لما يُشْتَرَطُ قَبْضُه، والتَّعَيُّن لما فى الذِّمَّةِ. فصل: ويجوزُ قَرْضُ المَكِيلِ والمَوْزُونِ بغير خِلَافٍ. قال ابن المُنْذِرِ: أجْمَعَ كلُّ مَن نَحْفَظُ عنه من أهْلِ العِلْمِ، على أن اسْتِقْرَاضَ مَالَهُ مِثْلٌ من المَكِيلِ والمَوْزُونِ والأَطْعِمَةِ جَائِزٌ. ويَجُوزُ قَرْضُ كلِّ ما يَثْبُتُ فى الذِّمَّةِ سَلَمًا، سِوَى بَنِى آدَمَ. وبهذا قال الشَّافِعِىُّ وقال أبو حنيفةَ: لا يجوزُ قَرْضُ غير المَكِيلِ والمَوْزُونِ، لأنَّه لا مِثْلَ له، أشْبَهَ الجَوَاهِرَ. ولَنا، أنَّ النَّبِيَّ ﷺ اسْتَسْلَفَ بَكْرًا، وليس بمَكِيلٍ ولا مَوْزُونٍ. ولأنَّ ما يَثْبُتُ سَلَمًا، يُمْلَكُ بالبَيْعِ ويُضْبَطُ بالوَصْفِ، فجَازَ قَرْضُه، كالمَكِيلِ والمَوْزُونِ. وقولُهم: لا مِثْلَ له. خِلَافُ أصْلِهِم، فإنَّ عندَ أبى حنيفةَ، لو أَتْلَفَ على رَجُلٍ ثَوبًا، ثَبَتَ فى ذِمَّتِه مِثْلُه، ويجوزُ الصُّلْحُ عنه بأَكْثَرَ من قِيمَتِه. فأما ما لا يَثْبُتُ فى الذِّمَّةِ سَلَما، كالجَوَاهِرِ وشبهها، فقال القاضى: يجُوزُ قَرْضُها،

стр. 3043

ويَرُدُّ المُسْتَقْرِضُ القِيمَةَ؛ لأنَّ مالا مِثْلَ له يُضْمَنُ بالقِيمَةِ، والجَوَاهِرُ كغيرِها فى القِيَمِ. وقال أبو الخطَّابِ: لا يجوزُ قَرْضُها؛ لأنَّ القَرْضَ يَقْتَضِى رَدَّ المِثْلِ، وهذه لا مِثْلَ لها. ولأنَّه لم يُنْقَلْ قَرْضُها، ولا هى فى مَعْنَى ما نُقِلَ القَرْضُ فيه، لِكَوْنِها ليست من المَرَافِقِ، ولا يَثْبُتُ فى الذِّمَّةِ سَلَما، فوَجَبَ إبْقَاؤُها على المَنْعِ. ويمكنُ بِنَاءُ هذا الخِلَافِ على الوَجْهَيْنِ فى الوَاجِبِ فى بَدَلِ غيرِ المَكِيلِ والمَوْزُونِ، فإذا قُلْنا: الوَاجِبُ رَدُّ المِثْلِ. لم يَجُزْ قَرْضُ الجَوَاهِرِ وما لا يَثْبُتُ فى الذِّمَّةِ سَلَمًا، لِتَعَذُّرِ رَدِّ مِثْلِها. وإن قُلْنا: الوَاجِبُ رَدُّ القِيمَةِ. جَازَ قَرْضُه؛ لإمْكَانِ رَدِّ القِيمَةِ. ولأصْحَابِ الشَّافِعِىِّ وَجْهانِ كهذَيْنِ. فصل: فأمَّا بنو آدمَ، فقال أحمدُ: أكْرَهُ قَرْضَهم. فيَحْتَمِلُ كَرَاهِيَةَ تَنْزيهٍ، ويَصِحُّ قَرْضُهُم، وهو قولُ ابنِ جُرَيْجٍ، والمُزَنِىِّ؛ لأنَّه مالٌ يَثْبُتُ فى الذِّمَّةِ سَلَمًا، فصَحَّ قَرْضُه، كسَائِرِ الحَيَوانِ. ويَحْتَمِلُ أنَّه أرَادَ كَرَاهَةَ التَّحْريمِ، فلا يَصِحُّ قَرْضُهُم. اخْتَارَهُ القَاضِى؛ لأنَّه لم يُنْقَلْ قَرْضُهُم، ولا هو من المَرَافِقِ. ويَحْتَمِلُ صِحَّةَ قَرْضِ العَبِيدِ دون الإمَاءِ. وهو قولُ مالِكٍ والشّافِعِىِّ، إلَّا أن يقْرِضَهُنَّ من ذَوِى مَحَارِمِهِنّ، لأنَّ المِلْكَ بالقَرْضِ ضَعِيفٌ، فإنَّه لا يَمْنَعُه من رَدِّهَا على المُقْرِضِ، فلا يُسْتَبَاحُ به الوَطْءُ، كالمِلْكِ فى مُدَّةِ الخِيَارِ، وإذا لم يُبَحِ الوَطْءُ لم يَصِحَّ القَرْضُ، لِعَدَمِ القَائِلِ بالفَرْقِ، ولأنَّ الأْبضَاعَ ممَّا يُحْتَاطُ لها، ولو أبَحْنَا قَرْضَهُنَّ، أفْضَى إلى أن الرَّجُلَ يَسْتَقْرِضُ أمَةً، فيَطؤُها ثم يَرُدُّها من يَوْمِه، ومتى احْتَاجَ إلى وَطْئِها، اسْتَقْرَضَها فوَطِئَها ثم رَدَّها، كما يَسْتَعِيرُ المَتَاعَ، فيَنْتَفِعُ به ثم يَرُدُّه. ولَنا، أنَّه عَقْدٌ نَاقِلٌ لِلْمِلْكِ فاسْتَوَى فيه العَبِيدُ والإمَاءُ كسَائِرِ العُقُودِ. ولا نُسَلِّمُ ضَعْفَ المِلْكِ؛ فإنَّه مُطْلقٌ لِسَائِرِ التَّصَرُّفَاتِ، بخِلافِ المِلْكِ فى مُدَّةِ الخِيَارِ. وقولُهم: مَتَى شَاءَ المُقتَرِضُ رَدَّها. مَمْنُوعٌ؛ فإنَّنا إذا قُلْنا: الوَاجِبُ رَدُّ القِيمَةِ. لم يَمْلِك المُقْتَرِضُ رَدَّ الأمَةِ، وإنّما يَرُدُّ قِيمَتَها، وإن سَلَّمْنَا ذلك، لكن متى قَصَدَ المُقْتَرِضُ هذا لم يَحِلَّ له فِعْلُه، ولا يَصِحُّ اقْتِرَاضُه، كما لو اشْتَرَى أمَةً لِيَطَأَهَا ثم يَرُدَّها

стр. 3044

بالمُقَابَلَةِ أو بِعَيْبٍ فيها، وإن وَقَعَ هذا بِحُكْمِ الاتِّفَاقِ، لم يَمْنَعِ الصِّحَّةَ، كما لو وَقَعَ ذلك فى البَيْعِ، وكما لو أسْلَمَ جَارِيَةً فى أُخْرَى مَوْصُوفَةٍ بِصِفَاتِها، ثم رَدَّها بِعَيْنِها عند حُلُولِ الأَجَلِ. ولو ثَبَتَ أن القَرْضَ ضَعِيفٌ لا يُبِيحُ الوَطْءَ، لم يَمْنَعْ منه فى الجَوَارِى، كالبَيْعِ فى مُدَّةِ الخِيَارِ. وعَدَمُ القَائِلِ بالفَرْقِ ليس بشىءٍ، على ما عُرِفَ فى مَوَاضِعِه. وعَدَمُ نَقْلِه ليس بِحُجَّةٍ؛ فإنَّ أكْثَرَ الحَيَوانَاتِ لم يُنْقَلْ قَرْضُها، وهو جَائِزٌ. فصل: وإذا اقْتَرَضَ دَرَاهِمَ أو دَنَانِيرَ غيرَ مَعْرُوفَةِ الوَزْنِ، لم يَجُزْ؛ لأنَّ القَرْضَ فيها يُوجِبُ رَدَّ المِثْلِ، فإذا لم يُعْرَفِ المِثْلُ لم يُمْكِنِ القَضَاءُ. وكذلك لو اقْتَرَضَ مَكِيلًا أَو مَوْزُونًا جُزَافًا، لم يَجُزْ؛ لذلك. ولو قَدَّرهُ بمِكْيَالٍ بِعَيْنِه، أو صَنْجَةٍ بِعَيْنِها، غيرِ مَعْرُوفَيْنِ عند العَامَّةِ، لم يَجُزْ؛ لأنَّه لا يَأْمَنُ تَلَفَ ذلك، فيَتَعَذَّرَ رَدُّ المِثْلِ، فأشْبَهَ السَّلَمَ فى مثلِ ذلك. وقال الإمامُ أحمدُ، فى ماءٍ بينَ قَوْمٍ، لهم نُوَبٌ فى أيَّامٍ مُسَمَّاةٍ، فاحْتَاجَ بعضُهم إلى أن يَسْتَقِىَ فى غيرِ نَوْبَتِه، فَاسْتَقْرَضَ من نَوْبَةِ غيرِه، لِيَرُدَّ عليه بَدَلَهُ فى يومِ نَوْبَتِه: فلا بَأْسَ، وإن كان غيرَ مَحْدُودٍ كَرِهْتُه. فكَرِهَهُ إذا لم يكنْ مَحْدُودًا؛ لأنَّه لا يُمْكِنُه رَدُّ مِثْلِه. وإن كانت الدَّرَاهِمُ يَتَعَامَلُ بها عَدَدًا، فاسْتَقْرَضَ عَدَدًا، رَدَّ عَددًا. وإن اسْتَقْرَضَ وَزْنًا، رَدَّ وَزْنًا. وهذا قولُ الحسنِ، وابن سِيرِينَ، والأوْزَاعِىِّ. واسْتَقْرَضَ أيُّوبُ مِن حَمَّادِ بن زَيْدٍ دَرَاهِمَ بمَكَّةَ عَدَدًا، وأعْطَاهُ بالبَصْرَةِ عَدَدًا، لأنَّه وَفَّاهُ مِثْلَ ما اقْتَرَضَ فيما يَتَعَامَلُ به النَّاسُ، فأشْبَهَ ما لو كانُوا يَتَعَامَلُونَ بها وَزْنًا. فَرَدَّ وَزْنًا. فصل: ويَجِبُ رَدُّ المِثْلِ فى الْمَكِيلِ والمَوْزُونِ. لا نَعْلَمُ فيه خِلَافًا. قال ابنُ المُنْذِرِ: أجْمَعَ كلُّ مَن نَحْفَظُ عنه من أهْلِ العِلْمِ، على أنَّ مَن أسْلَفَ سَلَفًا، ممَّا يجوزُ أن يُسْلَفَ، فَرُدَّ عليه مِثْلُه، أنَّ ذلك جائِزٌ وأنَّ لِلْمُسْلِفِ أخْذَ ذلك. ولأنَّ المَكِيلَ والمَوْزُونَ يُضْمَنُ فى الغَصْبِ والإتْلَافِ بمِثْلِه. فكذا هاهُنا. فأمَّا غيرُ المَكِيلِ والمَوْزُونِ، ففيه وَجْهانِ؛ أحدُهما، يَجِبُ رَدُّ قِيمَتِه يومَ القَرْضِ؛ لأنَّه لا مِثْلَ له، فيَضْمَنُهُ بِقِيمَتِه، كحال الإتْلَافِ والغَصْبِ. والثانى، يَجِبُ رَدُّ مِثْلِه؛

стр. 3045

لأنَّ النَّبِىَّ ﷺ ، اسْتَسْلَفَ من رَجُلٍ بَكْرًا، فَرَدَّ مِثْلَه. ويُخَالِفُ الإتْلَافَ؛ فإنَّه لا مُسَامَحَةَ فيه، فَوَجَبَتِ القِيمَةُ، لأنَّها أحْصَرُ، والقَرْضُ أسْهَلُ، ولهذا جَازَتِ النَّسِيئَةُ فيه فيما فيه الرِّبَا، ويَعْتَبِرُ مثلَ صِفَاتِه تَقْرِيبًا، فإنَّ حَقِيقَةَ المِثْلِ إنَّما تُوجَدُ فى المَكِيلِ والمَوْزُونِ. "فإن تَعَذَّرَ المِثْلُ، فعَلَيْهِ قِيمَتُه يومَ تَعَذَّرَ المِثْلُ، لأنَّ القِيمَةَ ثَبَتَتْ فى ذِمَّتِه حِينَئِذٍ. وإذا قُلْنا: تَجِبُ القِيمَةُ. وَجَبَتْ حين القَرْضِ؛ لأنَّها حيِنَئِذٍ ثَبَتَتْ فى ذِمَّتِه. فصل: ويَجُوزُ قَرْضُ الخُبْزِ. ورَخَّصَ فيه أبو قِلابَةَ ومالِكٌ. ومنَع منه أبو حنيفةَ. ولَنا، أنَّه مَوْزُونٌ، فجازَ قَرْضُه، كسائِرِ المَوْزُوناتِ. وإذا أقْرَضَه بالوَزْنِ، ورَدَّ مثلَه بالوَزْنِ، جازَ. وإن أخَذَهُ عَدَدًا، فرَدَّهُ عَدَدًا، فقال الشَّرِيفُ أبو جَعْفَرٍ: فيه رِوايَتانِ؛ إحْدَاهما، لا يجوزُ؛ لأنَّه مَوْزُونٌ، أشْبَهَ سَائِرَ المَوْزُوناتِ. والثانية، يجوزُ: قال ابنُ أبى موسى: إذا كان يَتَحَرَّى أن يكونَ مِثْلًا بمِثْلٍ، فلا يَحْتَاجُ إلى الوَزْنِ، والوَزْنُ أحَبُّ إلىَّ. وَوَجْهُ الجَوَازِ، ما رَوَتْ عَائِشَةُ، رَضِىَ اللَّه عنها، قالتْ: قلتُ: يا رسولَ اللَّه، إنَّ الجِيرَانَ يَسْتَقْرِضُونَ الخُبْزَ والخَمِيرَ، ويَرُدُّونَ زِيَادَةً ونُقْصَانًا. فقال: "لَا بَأْسَ، إنَّ ذلِكَ مِنْ مَرَافِقِ النَّاسِ، لَا يُرَادُ بِهِ الْفَضْلُ". ذَكَرَهُ أبو بكرٍ فى "الشَّافِى" بإسْنَادِه. وفيه أيضا، بإسْنَادِه عن مُعَاذِ ابن جَبَلٍ، أنَّه سُئِلَ عن اسْتِقْرَاضِ الخُبْزِ والخَمِيرِ، فقال: سُبْحَانَ اللَّه، إنَّما هذَا مِنْ مَكَارِمِ الْأخْلَاقِ، فَخُذِ الْكَبِيرَ وَأَعْطِ الصَّغِيرَ، وَخُذِ الصَّغِيرَ وأَعْطِ الكَبيرَ، "خَيْرُكُمْ أَحْسَنُكُم قَضَاءً" (٩). سَمِعْتُ رسولَ اللَّه ﷺ يقولُ ذلك. ولأنًّ هذا ممَّا تَدْعُو الحَاجَةُ إليه، ويَشُقُّ اعْتِبَارُ الوَزْنِ فيه، وتَدْخُلُه المُسَامَحَةُ، فجازَ، كدُخُولِ الحَمَّامِ مِن غيرِ تَقْدِيرِ أُجْرَةٍ، والرُّكُوبِ فى سَفِينَةِ المَلَّاحِ، وأَشْبَاهِ هذا. فإن شَرَطَ أن يُعْطِيَهُ أكْثَرَ ممَّا أقْرَضَه أو أجْوَدَ، أو أعْطَاهُ مثلَ ما أخَذَ وزَادهُ كِسْرَةً،

стр. 3046

كان ذلك حَرَامًا. وكذلك إن أَقْرَضَهُ صَغِيرًا، قَصدَ أن يُعْطِيَه كَبِيرًا؛ لأنَّ الأَصْلَ تَحْرِيمُ ذلك، وإنَّما أُبِيحَ لِمَشَقَّةِ إمْكَانِ التَّحَرُّزِ منه، فإذا قَصَدَ أو شَرَطَ أو أُفْرِدَتِ الزِّيَادَةُ، فقد أمكن التَّحَرُّزُ منه، فحُرِّمَ بِحُكْمِ الأَصْلِ، كما لو فَعَلَ ذلك فى غيرِه. فصل: وكلُّ قَرْضٍ شَرَطَ فيه أن يَزِيدَهُ، فهو حَرَامٌ، بغير خِلَافٍ. قال ابنُ المُنْذِرِ: أجْمَعُوا على أن المُسْلِفَ إذا شَرَطَ على المُسْتَسْلِفِ زِيَادَةً أو (١٠) هَدِيَّةً، فأَسْلَفَ على ذلك، أنَّ أخْذَ الزِّيَادَةِ على ذلك رِبًا. وقد رُوِىَ عن أُبَىِّ بن كَعْبٍ، وابنِ عَبّاسٍ، وابنِ مَسْعُودٍ، أنَّهم نَهَوْا عن قَرْضٍ جَرَّ مَنْفعَةً. ولأنَّه عَقْدُ إِرْفَاقٍ وقُرْبَةٍ، فإذا شَرَطَ فيه الزِّيَادَةَ أخْرَجهُ عن مَوْضُوعِهِ. ولا فَرْقَ بين الزِّيَادَةِ فى القَدْرِ أو فى الصِّفَةِ، مثلُ أن يُقْرِضَهُ مُكَسَّرَةً، لِيُعْطِيَهُ صِحَاحًا، أو نَقْدًا، لِيُعْطِيَهُ خَيْرًا منه. وإن شَرَطَ أن يُعْطِيَهُ إيَّاهُ فى بَلَدٍ آخَرَ، وكان لِحَمْلِه مُؤْنَةٌ، لم يَجُزْ؛ لأنَّه زِيَادَةٌ. وإن لم يكُنْ لِحَمْلِه مُؤْنَةٌ، جَازَ. وحَكَاهُ ابنُ المُنْذِرِ عن علىٍّ، وابنِ عَبَّاسٍ، والحَسَنِ ابن علىًّ، وابن الزُّبِيْرِ، وابن سِيرِينَ، وعبد الرحمن بن الأَسْوَدِ، وأَيُّوبَ السَّخْتِيَانِىّ، والثَّوْرِىِّ، وأحمدَ، وإسحاقَ. وكَرِهَهُ الحسنُ البَصْرِىُّ، ومَيْمُونُ ابن أبى شَبِيبٍ (١١)، وعَبْدَةُ بن أبى لُبابَةَ (١٢)، ومالِكٌ، والأوْزَاعِىُّ، والشَّافِعِىُّ؛ لأنَّه قد يكون فى ذَلك زِيَادَةٌ. وقد نَصَّ أحمدُ على أنَّ مَن شَرَطَ أن يَكْتُبَ له بها سُفْتَجَةً (١٣) لم يَجُزْ، ومَعْنَاهُ: اشْتِرَاطُ القَضَاءِ فى بَلَدٍ آخَرَ، ورُوِىَ عنه جَوَازُها؛ لِكَوْنِها مَصْلَحَةً لهما جَمِيعًا. وقال عَطَاءٌ: كان ابن الزُّبَيْرِ لَا يَأْخُذُ من قَوْمٍ

стр. 3047

بمَكَّةَ دَرَاهِمَ، ثم يَكْتُبُ لهم بها إلى مُصْعَبِ بن الزُّبَيْرِ بالعِرَاقِ، فيَأْخُذُونَها منه. فسُئِلَ عن ذلك ابنُ عَبَّاسٍ، فلم يَرَ به بَأْسًا. وَرُوِىَ عن علىًّ رَضِىَ اللَّه عنه، أنَّه سُئِلَ عن مثل هذا، فلم يَرَ به بَأْسًا. ومِمَّنْ لم يَرَ بِهِ بَأْسًا ابنُ سِيرِينَ، والنَّخَعِىُّ. رَوَاهُ كله سَعِيدٌ. وذَكَرَ القاضى أنَّ لِلْوَصِىِّ قَرْضَ مَالِ اليَتِيمِ فى بَلَدٍ أُخْرَى لِيَرْبَحَ خَطَرَ الطَّرِيقِ. والصَّحِيحُ جَوَازُهُ؛ لأنَّه مَصْلَحَةٌ لهما مِن غيرِ ضَرَرٍ بواحِدٍ منهما، والشَّرْعُ لا يَرِدُ بِتَحْرِيمِ المَصَالِح التى لا مَضَرَّةَ فيها، بل بمَشْرُوعِيَّتِها. ولأنَّ هذا ليس بمَنْصُوصٍ على تَحْرِيمِه، ولا فى معنى المَنْصُوصِ، فوَجَبَ إبْقَاؤُه على الإِباحَةِ. وإن شَرَطَ فى القَرْضِ أن يُؤْجِرَهُ دَارَه، أو يَبِيعَه شَيئا، أو أن يُقْرِضَهُ المُقْتَرَضَ مَرَّةً أُخْرَى، لم يَجُزْ؛ لأنَّ النَّبِىَّ ﷺ نَهَى عَنْ بَيْعٍ وسَلَفٍ (١٤). ولأنَّه شَرَطَ عَقْدًا فى عَقْدٍ، فلم يَجُزْ، كما لو بَاعَهُ دَارَهُ بِشَرْطِ أن يَبِيعَهُ الآخَرُ دَارَهُ. وإن شَرَطَ أن يُؤْجِرَهُ دَارَهُ بأقَلَّ من أُجْرَتِها، أو على أن يَسْتَأْجِرَ دَارَ المُقْرِضِ بأكْثَرَ من أُجْرَتِها، أو على أن يُهْدِىَ له هَدِيَّةً، أو يَعْمَلَ له عَمَلًا، كان أبْلَغَ فى التَّحْرِيمِ. وإن فَعَلَ ذلك مِن غيرِ شَرْطٍ قبلَ الوَفَاءِ، لم يَقْبَلْهُ، ولم يَجُزْ قَبُولُه، إلَّا أن يُكَافِئَهُ، أو يَحْسُبَهُ من دَيْنِه، إلَّا أن يكونَ شيئا جَرَتِ العَادَةُ به بينهما قبلَ القَرْضِ؛ لما رَوَى الأَثْرَمُ أنَّ رَجُلًا كان له على سَمَّاكٍ عِشْرُونَ دِرْهَمًا، فجَعَلَ يُهْدِى إليه السَّمَكَ ويُقَوِّمُهُ، حتى بَلَغَ ثَلَاثَةَ عَشَرَ دِرْهمًا، فسَأَلَ ابنَ عَبَّاسٍ فقال: أَعْطِه سَبْعَةَ دَرَاهِمَ (١٥). وعن ابنِ سِيرِينَ، أن عمرَ أسْلَفَ أُبَىَّ بن كَعْبٍ عَشْرَةَ آلافِ دِرْهَمٍ، فأَهْدَى إليه أُبَىُّ بن كَعْبٍ من ثَمَرَةِ أَرْضِه، فَرَدَّها عليه، ولم يَقْبَلْها، فأتَاهُ أُبَىٌّ فقال: لقد عَلِمَ أهْلُ المَدِينَةِ أنِّى مِن أَطْيَبِهِم ثَمَرَةً، وأنَّه لا حَاجَةَ لنا، فِيمَ مَنَعْتَ هَدِيَّتَنَا! ثم أَهْدَى إليه بعد ذلك فَقَبِلَ. وعَن زِرِّ بن حُبَيْشٍ، قال: قلتُ لأُبَىَّ بن كَعْبٍ: إنِّى أُرِيدُ أن أَسِيرَ إلى أَرْضِ الجِهادِ إلى العِرَاقِ. فقال: إنَّك تَأْتِى أرْضًا فَاشٍ فيها الرِّبَا، فإن

стр. 3048

أَقْرَضْتَ رَجُلًا قَرْضًا، فأتَاكَ بِقَرْضِكَ ومعه هَدِيَّةٌ، فَاقْبِضْ قَرْضَكَ، وَارْدُدْ عليه هَدِيَّتَهُ. رَوَاهُمَا الأَثْرَمُ (١٦). ورَوَى البُخَارِىُّ (١٧)، عن أبى بُرْدَةَ، عن أبى موسى، قال: قَدِمْتُ المَدِينَةَ، فَلَقِيتُ عبدَ اللَّه بن سَلَامٍ. وذَكَرَ حَدِيثًا. وفيه: ثم قال لى: إنَّك بأَرْضٍ فيها الرِّبَا فَاشٍ، فإذا كان لك على رَجُلٍ دَيْنٌ، فأَهْدَى إليكَ حِمْلَ تِبْنٍ، أو حِمْلَ شَعِيرٍ، أو حِمْلَ قَتًّ، فلا تَأْخُذُه، فإنَّه رِبًا. قال ابنُ أبى موسى: ولو أقْرَضَهُ قَرْضًا، ثم اسْتَعْمَلَهُ عَمَلًا، لم يكُنْ لِيَسْتَعْمِلَه مثلَه قبلَ القَرْضِ، كان قَرْضًا جَرَّ مَنْفَعَةً. ولو اسْتَضَافَ غَرِيمَهُ، ولم تكُنْ العَادَةُ جَرَتْ بينهما بذلك، حسَب له ما أكَلَه؛ لما رَوَى ابنُ مَاجَه، فى "سُنَنِه" (١٨)، عن أنَسٍ قال: قال رسولُ اللَّه ﷺ : "إذا أَقْرَضَ أحَدُكُم قَرْضًا، فَأَهْدَى إلَيْهِ، أوْ حَمَلَهُ عَلَى الدَّابَّةِ، فَلَا يَرْكَبْها، ولَا يَقْبَلْهُ، إلَّا أنْ يَكُونَ جَرَى بَيْنَهُ وبَيْنَهُ قَبْلَ ذلِكَ". وهذا كلُّه فى مُدَّةِ القَرْضِ، فأمَّا بعدَ الوَفَاءِ، فهو كالزِّيَادَةِ من غيرِ شَرْطٍ، على ما سَنَذْكُرُه، إن شاءَ اللهُ تعالى. فصل: فإن أَقْرَضَهُ مُطْلَقًا مِن غير شَرْطٍ، فقَضَاهُ خَيْرًا منه فى القَدْرِ، أو الصِّفَةِ، أو دونه، بِرِضَاهما، جازَ. وكذلك إن كَتَبَ له بها سُفْتَجَةً، أو قَضَاهُ فى بَلَدٍ آخَرَ، جَازَ. ورَخَّصَ فى ذلك ابنُ عمرَ، وسَعِيدُ بن المُسَيَّبِ، والحسنُ، والنَّخَعِىُّ، والشَّعْبِىُّ، والزُّهْرِىُّ، ومَكْحُولٌ، وقَتادَةُ، ومَالِكٌ، والشَّافِعىُّ، وإسحاقُ. وقال أبو الخَطَّابِ: إن قَضَاهُ خَيْرًا منه، أو زَادَهُ زِيَادَةً بعدَ الوَفَاءِ مِن غيرِ مُوَاطَأةٍ، فعلى رِوَايَتَيْنِ. ورُوِىَ عن أُبَىَّ بن كَعْبٍ، وابنِ عَبَّاسٍ، وابنِ عمرَ، أنَّه يَأَخُذُ مثلَ قَرْضِه، ولا يَأْخُذُ فَضْلًا؛ لأنَّه إذا أخَذَ فَضْلًا كان قَرْضًا جَرَّ مَنْفَعَةً. ولَنا، أنَّ النَّبِيَّ ﷺ اسْتَسْلَفَ بَكْرًا، فرَدَّ خَيْرًا منه. وقال: "خَيْرُكُمْ أَحْسَنُكُم قَضَاءً". مُتَّفَقٌ

стр. 3049

عليه (١٩). ولِلْبُخَارِىِّ: "أَفْضَلُكُمْ أحْسَنُكُمْ قَضَاءً". ولأنَّه لم يَجْعَلْ تلك الزِّيَادَةَ عِوَضًا فى القَرْضِ، ولا وَسِيلَةً إليه، ولا إلى اسْتِيفَاءِ دَيْنِه، فحَلَّتْ، كما لو لم يكُنْ قَرْضٌ. وقال ابنُ أبى موسى: إذا زَادَهُ بعدَ الوَفاءِ، فعادَ المُسْتَقْرِضُ بعدَ ذلك يَلْتَمِسُ منه قَرْضًا ثانيا، ففَعَلَ، لم يَأْخُذْ منه إلَّا مِثْلَ ما أَعْطَاهُ، فإن أخَذَ زِيَادَةً، أو أَجْوَدَ مِمَّا أَعْطاهُ، كان حَرَامًا، قَوْلًا واحِدًا. وإن كان الرَّجُلُ مَعْرُوفًا بِحُسْنِ القَضَاءِ، لم يُكْرَهْ إقْرَاضُه. وقال القاضِى: فيه وَجْهٌ آخَرُ، أنَّه يُكْرَهُ؛ لأنَّه يَطْمَعُ فى حُسْنِ عَادَتِه. وهذا غيرُ صَحِيحٍ؛ فإنَّ النَّبِىَّ ﷺ كان مَعْرُوفًا بِحُسْنِ القَضَاءِ، فهل يَسُوغُ لأحَدٍ أن يقولَ: إنَّ إقْرَاضَهُ مَكْرُوهٌ. ولأنَّ المَعْرُوفَ بِحُسْنِ القَضَاءِ خيرُ النَّاسِ وأَفْضَلُهم، وهو أَوْلَى النَّاسِ بِقَضاءِ حَاجَتِه، وإِجَابَةِ مَسْأَلَتِه، وتَفْرِيجِ كُرْبَتِه، فلا يجوزُ أن يكونَ ذلك مَكْرُوهًا، وإنما يُمْنَعُ من الزِّيَادَةِ المَشْرُوطَةِ. ولو أَقْرَضَهُ مُكَسَّرَةً، فجاءَهُ مَكانَها بِصِحَاحٍ بغيرِ شَرْطٍ، جَازَ. وإن جَاءَهُ بِصِحَاحٍ أقَلَّ منها، فأَخَذَها بجَمِيعِ حَقِّه، لم يَجُزْ، قولًا واحِدًا؛ لأنَّ ذلك مُعاوَضَةٌ لِلنَّقْدِ بأَقَلَّ منه، فكان رِبًا. فصل: وإن شَرَطَ فى القَرْضِ أن يُوَفِّيَهُ أَنْقَصَ ممَّا أَقْرَضَهُ، وكان ذلك ممَّا يَجْرِى فيه الرِّبَا، لم يَجُزْ؛ لإِفْضَائِه إلى فَوَاتِ المُمَاثَلَةِ فيما هى شَرْطٌ فيه. وإن كان فى غيرِه، لم يَجُزْ أيضا. وهو أحَدُ الوَجْهَيْنِ لأصْحَابِ الشَّافِعِىَّ، وفى الوَجْهِ الآخَرِ، يجوزُ؛ لأنَّ القَرْضَ جُعِلَ لِلرِّفْقِ بالمُسْتَقْرِضِ، وشَرْطُ النُّقْصَانِ لا يُخْرِجُه عن مَوْضُوعِه، بِخِلَافِ الزِّيَادَةِ. ولَنا، أنَّ القَرْضَ يَقْتَضِى المِثْلَ، فشَرْطُ النُّقْصَانِ يُخَالِفُ مُقْتَضَاهُ. فلم يَجُزْ، كَشَرْطِ الزِّيادَةِ. فصل: ولو اقْتَرَضَ من رَجُلٍ نِصْفَ دِينَارٍ، فدَفَعَ إليه دِينَارًا صَحِيحًا، وقال: نِصْفُه قَضَاءٌ، ونِصْفُه وَدِيعَةٌ عِنْدَكَ، أو سَلَمًا فى شىءٍ، صَحَّ. وإن امْتَنَعَ المُقْرِضُ

стр. 3050

مِن قَبُولِه، فله ذلك؛ لأنَّ عليه فى الشَّرِكَةِ ضَرَرًا. ولو اشْتَرَى بالنِّصْفِ الثانى من الدِّينَارِ سِلْعَةً، جَازَ، إلَّا أن يكونَ ذلك عن مُشَارَطَةٍ، فقال: أَقْضِيكَ صَحِيحًا بِشَرْطِ أنِّى آخُذُ منك بِنِصْفِه الباقِى قَمِيصًا. فإنَّه لا يجوزُ؛ لأنَّه لم يَدْفَعْ إليه صَحِيحًا إلَّا لِيُعْطِيَهُ بالنِّصْفِ الباقِى فَضْلَ ما بينَ الصَّحِيحِ والمَكْسُورِ من النِّصْفِ المَقْضِىِّ. ولو لم يكن شَرْطًا، جازَ. فإن تَرَكَ النِّصْفَ الآخَرَ عندَة وَدِيعَةً، جَازَ، وكانا شَرِيكَيْنِ فيه. وإن اتَّفَقَا على كَسْرِه، كَسَرَاهُ. فإن اخْتَلَفَا، لم يُجْبَرْ أحَدُهُما على كَسْرِه؛ لأنَّه يُنْقِصُ قِيمَتَهُ. فصل: ولو أَفْلَسَ غَرِيمُه، فأَقْرَضَهُ ألْفًا، لِيُوَفِّيَهُ كلَّ شَهْرٍ شيئا مَعْلُومًا، جازَ؛ لأنّه إنَّما انْتَفَعَ بِاسْتِيفَاءِ ما هو مُسْتَحِقٌّ له. ولو كان له عليه حِنْطَةٌ. فأَقْرَضَهُ ما يَشْتَرِى به حِنْطَةً يُوَفِّيه إيَّاها، لم يكُنْ مُحَرَّمًا؛ لذلك. ولو أرَادَ رجلٌ أن يَبْعَثَ إلى عِيَالِه نَفَقَةً، فأَقْرَضَها رَجُلًا، على أن يَدْفَعَها إلى عِيَالِه. فلا بَأْسَ، إذا لم يَأْخُذْ عليها شيئا. ولو أَقْرَضَ أَكَّارَهُ (٢٠) ما يَشْتَرِى به بَقَرًا يَعْمَلُ عليهِا فى أَرْضِه، أو بَذْرًا يَبْذُرُه فيها، فإن شَرَطَ ذلك فى القَرْضِ، لم يَجُزْ؛ لأنَّه شَرَطَ ما يَنْتَفِعُ به، فأَشْبَه شَرْطَ الزِّيَادَةِ. وإن لم يكن شَرْطًا، فقال ابنُ أبى موسى: لا يجوزُ؛ لأنَّه قَرْضٌ جَرَّ مَنْفَعَةً. قال: ولو قال: أَقْرِضْنِى أَلْفًا، وادْفَعْ إلَىَّ أَرْضَكَ أَزْرَعْها بالثُّلُثِ. كان خَبِيثًا. والأَوْلَى جَوازُ ذلك، إذا لم يكن مَشْرُوطًا؛ لأنَّ الحَاجَةَ دَاعِيَةٌ إليه، والمُسْتَقْرِضُ إنَّما يَقْصِدُ نَفْعَ نَفْسِه، وإنَّما يَحْصُلُ انْتِفَاعُ المُقْرِضِ ضِمْنًا، فأشْبَه أخْذَ السُّفْتَجَةِ به، وإِيفاءَهُ فى بَلَدٍ آخَرَ، ولأنَّه مَصْلَحَةٌ لهما جمِيعا، فأَشْبَهَ ما ذَكَرْنَا. فصل: قال أحمدُ، فى مَن اقْتَرَضَ من رَجُلٍ دراهِمَ، وابْتَاعَ بها منه شيئا، فخرَجَت زُيُوفًا: فالبَيْعُ جَائِزٌ، ولا يَرْجِعُ عليه بشىءٍ. يعنى لا يَرْجِعُ البائِعُ على المُشْتَرِى بِبَدَلِ الثَّمَنِ؛ لأنَّها دَرَاهِمُه، فعَيْبُها عليه، وإنَّما له على المُشْتَرِى بَدَلُ
следующие страницы →