كان ذلك حَرَامًا. وكذلك إن أَقْرَضَهُ صَغِيرًا، قَصدَ أن يُعْطِيَه كَبِيرًا؛ لأنَّ الأَصْلَ تَحْرِيمُ ذلك، وإنَّما أُبِيحَ لِمَشَقَّةِ إمْكَانِ التَّحَرُّزِ منه، فإذا قَصَدَ أو شَرَطَ أو أُفْرِدَتِ الزِّيَادَةُ، فقد أمكن التَّحَرُّزُ منه، فحُرِّمَ بِحُكْمِ الأَصْلِ، كما لو فَعَلَ ذلك فى غيرِه.
فصل: وكلُّ قَرْضٍ شَرَطَ فيه أن يَزِيدَهُ، فهو حَرَامٌ، بغير خِلَافٍ. قال ابنُ المُنْذِرِ: أجْمَعُوا على أن المُسْلِفَ إذا شَرَطَ على المُسْتَسْلِفِ زِيَادَةً أو (١٠) هَدِيَّةً، فأَسْلَفَ على ذلك، أنَّ أخْذَ الزِّيَادَةِ على ذلك رِبًا. وقد رُوِىَ عن أُبَىِّ بن كَعْبٍ، وابنِ عَبّاسٍ، وابنِ مَسْعُودٍ، أنَّهم نَهَوْا عن قَرْضٍ جَرَّ مَنْفعَةً. ولأنَّه عَقْدُ إِرْفَاقٍ وقُرْبَةٍ، فإذا شَرَطَ فيه الزِّيَادَةَ أخْرَجهُ عن مَوْضُوعِهِ. ولا فَرْقَ بين الزِّيَادَةِ فى القَدْرِ أو فى الصِّفَةِ، مثلُ أن يُقْرِضَهُ مُكَسَّرَةً، لِيُعْطِيَهُ صِحَاحًا، أو نَقْدًا، لِيُعْطِيَهُ خَيْرًا منه. وإن شَرَطَ أن يُعْطِيَهُ إيَّاهُ فى بَلَدٍ آخَرَ، وكان لِحَمْلِه مُؤْنَةٌ، لم يَجُزْ؛ لأنَّه زِيَادَةٌ. وإن لم يكُنْ لِحَمْلِه مُؤْنَةٌ، جَازَ. وحَكَاهُ ابنُ المُنْذِرِ عن علىٍّ، وابنِ عَبَّاسٍ، والحَسَنِ ابن علىًّ، وابن الزُّبِيْرِ، وابن سِيرِينَ، وعبد الرحمن بن الأَسْوَدِ، وأَيُّوبَ السَّخْتِيَانِىّ، والثَّوْرِىِّ، وأحمدَ، وإسحاقَ. وكَرِهَهُ الحسنُ البَصْرِىُّ، ومَيْمُونُ ابن أبى شَبِيبٍ (١١)، وعَبْدَةُ بن أبى لُبابَةَ (١٢)، ومالِكٌ، والأوْزَاعِىُّ، والشَّافِعِىُّ؛ لأنَّه قد يكون فى ذَلك زِيَادَةٌ. وقد نَصَّ أحمدُ على أنَّ مَن شَرَطَ أن يَكْتُبَ له بها سُفْتَجَةً (١٣) لم يَجُزْ، ومَعْنَاهُ: اشْتِرَاطُ القَضَاءِ فى بَلَدٍ آخَرَ، ورُوِىَ عنه جَوَازُها؛ لِكَوْنِها مَصْلَحَةً لهما جَمِيعًا. وقال عَطَاءٌ: كان ابن الزُّبَيْرِ لَا يَأْخُذُ من قَوْمٍ
стр. 3047
بمَكَّةَ دَرَاهِمَ، ثم يَكْتُبُ لهم بها إلى مُصْعَبِ بن الزُّبَيْرِ بالعِرَاقِ، فيَأْخُذُونَها منه. فسُئِلَ عن ذلك ابنُ عَبَّاسٍ، فلم يَرَ به بَأْسًا. وَرُوِىَ عن علىًّ رَضِىَ اللَّه عنه، أنَّه سُئِلَ عن مثل هذا، فلم يَرَ به بَأْسًا. ومِمَّنْ لم يَرَ بِهِ بَأْسًا ابنُ سِيرِينَ، والنَّخَعِىُّ. رَوَاهُ كله سَعِيدٌ. وذَكَرَ القاضى أنَّ لِلْوَصِىِّ قَرْضَ مَالِ اليَتِيمِ فى بَلَدٍ أُخْرَى لِيَرْبَحَ خَطَرَ الطَّرِيقِ. والصَّحِيحُ جَوَازُهُ؛ لأنَّه مَصْلَحَةٌ لهما مِن غيرِ ضَرَرٍ بواحِدٍ منهما، والشَّرْعُ لا يَرِدُ بِتَحْرِيمِ المَصَالِح التى لا مَضَرَّةَ فيها، بل بمَشْرُوعِيَّتِها. ولأنَّ هذا ليس بمَنْصُوصٍ على تَحْرِيمِه، ولا فى معنى المَنْصُوصِ، فوَجَبَ إبْقَاؤُه على الإِباحَةِ. وإن شَرَطَ فى القَرْضِ أن يُؤْجِرَهُ دَارَه، أو يَبِيعَه شَيئا، أو أن يُقْرِضَهُ المُقْتَرَضَ مَرَّةً أُخْرَى، لم يَجُزْ؛ لأنَّ النَّبِىَّ ﷺ نَهَى عَنْ بَيْعٍ وسَلَفٍ (١٤). ولأنَّه شَرَطَ عَقْدًا فى عَقْدٍ، فلم يَجُزْ، كما لو بَاعَهُ دَارَهُ بِشَرْطِ أن يَبِيعَهُ الآخَرُ دَارَهُ. وإن شَرَطَ أن يُؤْجِرَهُ دَارَهُ بأقَلَّ من أُجْرَتِها، أو على أن يَسْتَأْجِرَ دَارَ المُقْرِضِ بأكْثَرَ من أُجْرَتِها، أو على أن يُهْدِىَ له هَدِيَّةً، أو يَعْمَلَ له عَمَلًا، كان أبْلَغَ فى التَّحْرِيمِ. وإن فَعَلَ ذلك مِن غيرِ شَرْطٍ قبلَ الوَفَاءِ، لم يَقْبَلْهُ، ولم يَجُزْ قَبُولُه، إلَّا أن يُكَافِئَهُ، أو يَحْسُبَهُ من دَيْنِه، إلَّا أن يكونَ شيئا جَرَتِ العَادَةُ به بينهما قبلَ القَرْضِ؛ لما رَوَى الأَثْرَمُ أنَّ رَجُلًا كان له على سَمَّاكٍ عِشْرُونَ دِرْهَمًا، فجَعَلَ يُهْدِى إليه السَّمَكَ ويُقَوِّمُهُ، حتى بَلَغَ ثَلَاثَةَ عَشَرَ دِرْهمًا، فسَأَلَ ابنَ عَبَّاسٍ فقال: أَعْطِه سَبْعَةَ دَرَاهِمَ (١٥). وعن ابنِ سِيرِينَ، أن عمرَ أسْلَفَ أُبَىَّ بن كَعْبٍ عَشْرَةَ آلافِ دِرْهَمٍ، فأَهْدَى إليه أُبَىُّ بن كَعْبٍ من ثَمَرَةِ أَرْضِه، فَرَدَّها عليه، ولم يَقْبَلْها، فأتَاهُ أُبَىٌّ فقال: لقد عَلِمَ أهْلُ المَدِينَةِ أنِّى مِن أَطْيَبِهِم ثَمَرَةً، وأنَّه لا حَاجَةَ لنا، فِيمَ مَنَعْتَ هَدِيَّتَنَا! ثم أَهْدَى إليه بعد ذلك فَقَبِلَ. وعَن زِرِّ بن حُبَيْشٍ، قال: قلتُ لأُبَىَّ بن كَعْبٍ: إنِّى أُرِيدُ أن أَسِيرَ إلى أَرْضِ الجِهادِ إلى العِرَاقِ. فقال: إنَّك تَأْتِى أرْضًا فَاشٍ فيها الرِّبَا، فإن
стр. 3048
أَقْرَضْتَ رَجُلًا قَرْضًا، فأتَاكَ بِقَرْضِكَ ومعه هَدِيَّةٌ، فَاقْبِضْ قَرْضَكَ، وَارْدُدْ عليه هَدِيَّتَهُ. رَوَاهُمَا الأَثْرَمُ (١٦). ورَوَى البُخَارِىُّ (١٧)، عن أبى بُرْدَةَ، عن أبى موسى، قال: قَدِمْتُ المَدِينَةَ، فَلَقِيتُ عبدَ اللَّه بن سَلَامٍ. وذَكَرَ حَدِيثًا. وفيه: ثم قال لى: إنَّك بأَرْضٍ فيها الرِّبَا فَاشٍ، فإذا كان لك على رَجُلٍ دَيْنٌ، فأَهْدَى إليكَ حِمْلَ تِبْنٍ، أو حِمْلَ شَعِيرٍ، أو حِمْلَ قَتًّ، فلا تَأْخُذُه، فإنَّه رِبًا. قال ابنُ أبى موسى: ولو أقْرَضَهُ قَرْضًا، ثم اسْتَعْمَلَهُ عَمَلًا، لم يكُنْ لِيَسْتَعْمِلَه مثلَه قبلَ القَرْضِ، كان قَرْضًا جَرَّ مَنْفَعَةً. ولو اسْتَضَافَ غَرِيمَهُ، ولم تكُنْ العَادَةُ جَرَتْ بينهما بذلك، حسَب له ما أكَلَه؛ لما رَوَى ابنُ مَاجَه، فى "سُنَنِه" (١٨)، عن أنَسٍ قال: قال رسولُ اللَّه ﷺ : "إذا أَقْرَضَ أحَدُكُم قَرْضًا، فَأَهْدَى إلَيْهِ، أوْ حَمَلَهُ عَلَى الدَّابَّةِ، فَلَا يَرْكَبْها، ولَا يَقْبَلْهُ، إلَّا أنْ يَكُونَ جَرَى بَيْنَهُ وبَيْنَهُ قَبْلَ ذلِكَ". وهذا كلُّه فى مُدَّةِ القَرْضِ، فأمَّا بعدَ الوَفَاءِ، فهو كالزِّيَادَةِ من غيرِ شَرْطٍ، على ما سَنَذْكُرُه، إن شاءَ اللهُ تعالى.
فصل: فإن أَقْرَضَهُ مُطْلَقًا مِن غير شَرْطٍ، فقَضَاهُ خَيْرًا منه فى القَدْرِ، أو الصِّفَةِ، أو دونه، بِرِضَاهما، جازَ. وكذلك إن كَتَبَ له بها سُفْتَجَةً، أو قَضَاهُ فى بَلَدٍ آخَرَ، جَازَ. ورَخَّصَ فى ذلك ابنُ عمرَ، وسَعِيدُ بن المُسَيَّبِ، والحسنُ، والنَّخَعِىُّ، والشَّعْبِىُّ، والزُّهْرِىُّ، ومَكْحُولٌ، وقَتادَةُ، ومَالِكٌ، والشَّافِعىُّ، وإسحاقُ. وقال أبو الخَطَّابِ: إن قَضَاهُ خَيْرًا منه، أو زَادَهُ زِيَادَةً بعدَ الوَفَاءِ مِن غيرِ مُوَاطَأةٍ، فعلى رِوَايَتَيْنِ. ورُوِىَ عن أُبَىَّ بن كَعْبٍ، وابنِ عَبَّاسٍ، وابنِ عمرَ، أنَّه يَأَخُذُ مثلَ قَرْضِه، ولا يَأْخُذُ فَضْلًا؛ لأنَّه إذا أخَذَ فَضْلًا كان قَرْضًا جَرَّ مَنْفَعَةً. ولَنا، أنَّ النَّبِيَّ ﷺ اسْتَسْلَفَ بَكْرًا، فرَدَّ خَيْرًا منه. وقال: "خَيْرُكُمْ أَحْسَنُكُم قَضَاءً". مُتَّفَقٌ
стр. 3049
عليه (١٩). ولِلْبُخَارِىِّ: "أَفْضَلُكُمْ أحْسَنُكُمْ قَضَاءً". ولأنَّه لم يَجْعَلْ تلك الزِّيَادَةَ عِوَضًا فى القَرْضِ، ولا وَسِيلَةً إليه، ولا إلى اسْتِيفَاءِ دَيْنِه، فحَلَّتْ، كما لو لم يكُنْ قَرْضٌ. وقال ابنُ أبى موسى: إذا زَادَهُ بعدَ الوَفاءِ، فعادَ المُسْتَقْرِضُ بعدَ ذلك يَلْتَمِسُ منه قَرْضًا ثانيا، ففَعَلَ، لم يَأْخُذْ منه إلَّا مِثْلَ ما أَعْطَاهُ، فإن أخَذَ زِيَادَةً، أو أَجْوَدَ مِمَّا أَعْطاهُ، كان حَرَامًا، قَوْلًا واحِدًا. وإن كان الرَّجُلُ مَعْرُوفًا بِحُسْنِ القَضَاءِ، لم يُكْرَهْ إقْرَاضُه. وقال القاضِى: فيه وَجْهٌ آخَرُ، أنَّه يُكْرَهُ؛ لأنَّه يَطْمَعُ فى حُسْنِ عَادَتِه. وهذا غيرُ صَحِيحٍ؛ فإنَّ النَّبِىَّ ﷺ كان مَعْرُوفًا بِحُسْنِ القَضَاءِ، فهل يَسُوغُ لأحَدٍ أن يقولَ: إنَّ إقْرَاضَهُ مَكْرُوهٌ. ولأنَّ المَعْرُوفَ بِحُسْنِ القَضَاءِ خيرُ النَّاسِ وأَفْضَلُهم، وهو أَوْلَى النَّاسِ بِقَضاءِ حَاجَتِه، وإِجَابَةِ مَسْأَلَتِه، وتَفْرِيجِ كُرْبَتِه، فلا يجوزُ أن يكونَ ذلك مَكْرُوهًا، وإنما يُمْنَعُ من الزِّيَادَةِ المَشْرُوطَةِ. ولو أَقْرَضَهُ مُكَسَّرَةً، فجاءَهُ مَكانَها بِصِحَاحٍ بغيرِ شَرْطٍ، جَازَ. وإن جَاءَهُ بِصِحَاحٍ أقَلَّ منها، فأَخَذَها بجَمِيعِ حَقِّه، لم يَجُزْ، قولًا واحِدًا؛ لأنَّ ذلك مُعاوَضَةٌ لِلنَّقْدِ بأَقَلَّ منه، فكان رِبًا.
فصل: وإن شَرَطَ فى القَرْضِ أن يُوَفِّيَهُ أَنْقَصَ ممَّا أَقْرَضَهُ، وكان ذلك ممَّا يَجْرِى فيه الرِّبَا، لم يَجُزْ؛ لإِفْضَائِه إلى فَوَاتِ المُمَاثَلَةِ فيما هى شَرْطٌ فيه. وإن كان فى غيرِه، لم يَجُزْ أيضا. وهو أحَدُ الوَجْهَيْنِ لأصْحَابِ الشَّافِعِىَّ، وفى الوَجْهِ الآخَرِ، يجوزُ؛ لأنَّ القَرْضَ جُعِلَ لِلرِّفْقِ بالمُسْتَقْرِضِ، وشَرْطُ النُّقْصَانِ لا يُخْرِجُه عن مَوْضُوعِه، بِخِلَافِ الزِّيَادَةِ. ولَنا، أنَّ القَرْضَ يَقْتَضِى المِثْلَ، فشَرْطُ النُّقْصَانِ يُخَالِفُ مُقْتَضَاهُ. فلم يَجُزْ، كَشَرْطِ الزِّيادَةِ.
فصل: ولو اقْتَرَضَ من رَجُلٍ نِصْفَ دِينَارٍ، فدَفَعَ إليه دِينَارًا صَحِيحًا، وقال: نِصْفُه قَضَاءٌ، ونِصْفُه وَدِيعَةٌ عِنْدَكَ، أو سَلَمًا فى شىءٍ، صَحَّ. وإن امْتَنَعَ المُقْرِضُ
стр. 3050
مِن قَبُولِه، فله ذلك؛ لأنَّ عليه فى الشَّرِكَةِ ضَرَرًا. ولو اشْتَرَى بالنِّصْفِ الثانى من الدِّينَارِ سِلْعَةً، جَازَ، إلَّا أن يكونَ ذلك عن مُشَارَطَةٍ، فقال: أَقْضِيكَ صَحِيحًا بِشَرْطِ أنِّى آخُذُ منك بِنِصْفِه الباقِى قَمِيصًا. فإنَّه لا يجوزُ؛ لأنَّه لم يَدْفَعْ إليه صَحِيحًا إلَّا لِيُعْطِيَهُ بالنِّصْفِ الباقِى فَضْلَ ما بينَ الصَّحِيحِ والمَكْسُورِ من النِّصْفِ المَقْضِىِّ. ولو لم يكن شَرْطًا، جازَ. فإن تَرَكَ النِّصْفَ الآخَرَ عندَة وَدِيعَةً، جَازَ، وكانا شَرِيكَيْنِ فيه. وإن اتَّفَقَا على كَسْرِه، كَسَرَاهُ. فإن اخْتَلَفَا، لم يُجْبَرْ أحَدُهُما على كَسْرِه؛ لأنَّه يُنْقِصُ قِيمَتَهُ.
فصل: ولو أَفْلَسَ غَرِيمُه، فأَقْرَضَهُ ألْفًا، لِيُوَفِّيَهُ كلَّ شَهْرٍ شيئا مَعْلُومًا، جازَ؛ لأنّه إنَّما انْتَفَعَ بِاسْتِيفَاءِ ما هو مُسْتَحِقٌّ له. ولو كان له عليه حِنْطَةٌ. فأَقْرَضَهُ ما يَشْتَرِى به حِنْطَةً يُوَفِّيه إيَّاها، لم يكُنْ مُحَرَّمًا؛ لذلك. ولو أرَادَ رجلٌ أن يَبْعَثَ إلى عِيَالِه نَفَقَةً، فأَقْرَضَها رَجُلًا، على أن يَدْفَعَها إلى عِيَالِه. فلا بَأْسَ، إذا لم يَأْخُذْ عليها شيئا. ولو أَقْرَضَ أَكَّارَهُ (٢٠) ما يَشْتَرِى به بَقَرًا يَعْمَلُ عليهِا فى أَرْضِه، أو بَذْرًا يَبْذُرُه فيها، فإن شَرَطَ ذلك فى القَرْضِ، لم يَجُزْ؛ لأنَّه شَرَطَ ما يَنْتَفِعُ به، فأَشْبَه شَرْطَ الزِّيَادَةِ. وإن لم يكن شَرْطًا، فقال ابنُ أبى موسى: لا يجوزُ؛ لأنَّه قَرْضٌ جَرَّ مَنْفَعَةً. قال: ولو قال: أَقْرِضْنِى أَلْفًا، وادْفَعْ إلَىَّ أَرْضَكَ أَزْرَعْها بالثُّلُثِ. كان خَبِيثًا. والأَوْلَى جَوازُ ذلك، إذا لم يكن مَشْرُوطًا؛ لأنَّ الحَاجَةَ دَاعِيَةٌ إليه، والمُسْتَقْرِضُ إنَّما يَقْصِدُ نَفْعَ نَفْسِه، وإنَّما يَحْصُلُ انْتِفَاعُ المُقْرِضِ ضِمْنًا، فأشْبَه أخْذَ السُّفْتَجَةِ به، وإِيفاءَهُ فى بَلَدٍ آخَرَ، ولأنَّه مَصْلَحَةٌ لهما جمِيعا، فأَشْبَهَ ما ذَكَرْنَا.
فصل: قال أحمدُ، فى مَن اقْتَرَضَ من رَجُلٍ دراهِمَ، وابْتَاعَ بها منه شيئا، فخرَجَت زُيُوفًا: فالبَيْعُ جَائِزٌ، ولا يَرْجِعُ عليه بشىءٍ. يعنى لا يَرْجِعُ البائِعُ على المُشْتَرِى بِبَدَلِ الثَّمَنِ؛ لأنَّها دَرَاهِمُه، فعَيْبُها عليه، وإنَّما له على المُشْتَرِى بَدَلُ
стр. 3051
ما أقْرَضَهُ إيَّاه بِصِفَتِه زُيُوفًا. وهذا يَحْتَمِلُ أنَّه أرَادَ فيما إذا بَاعَهُ السِّلْعَةَ بها وهو يَعْلَمُ عَيْبَها؛ فأمَّا إن بَاعَهُ فى ذِمَّتِه بِدَرَاهِمَ، ثم قَبَضَ هذه بَدَلًا عنها غيرَ عَالِمٍ بها، فَيَنْبَغِى أن يَجِبَ له دَرَاهِمُ خَالِيَةٌ من العَيْبِ، ويَرُدَّ هذه عليه، ولِلْمُشْتَرِى رَدُّها على البَائِعِ، وَفَاءً عن القَرْضِ، ويَبْقَى الثَّمَنُ فى ذِمَّتِه. وإن حَسَبَها على البَائِعِ وَفَاءً عن القَرْضِ، ووَفَّاهُ الثَّمَنَ جَيِّدًا، جَازَ. قال: ولو أَقْرَضَ رَجُلًا دَرَاهِمَ، وقال: إذا مِتُّ فأنْتَ فى حِلٍّ. كانت وَصِيَّةً. وإن قال: إن مِتُّ فأَنْتَ فى حِلٍّ. لم يَصِحَّ؛ وذلك لأنَّ هذا إبْرَاءٌ مُعَلَّقٌ على شَرْطٍ، ولا يَصِحُّ تَعْلِيقُه على الشُّرُوطِ، والأَوَّلُ وَصِيَّةٌ؛ لأنَّه عَلَّقَ ذلك على مَوْتِ نَفْسِه، والوَصِيَّةُ جَائِزَةٌ. قال: ولو أقْرَضَهُ تِسْعِينَ دِينَارًا بمائة عَدَدًا والوَزْنُ واحِدٌ، وكانت لا تَنْفَقُ فى مَكانٍ إلَّا بالوَزْنِ، جَازَ. وإن كانت تَنْفَقُ بِرُءُوسِها، فلا؛ وذلك لأنَّها إذا كانت تَنْفَقُ فى مكانٍ بِرُءُوسِها، كان ذلك زِيَادَةً، لأنَّ التِّسْعِينَ من المائةِ تَقُومُ مَقامَ التِّسْعِين التى أقْرَضَهُ إيَّاهَا، ويَسْتَفْضِلُ عَشَرَةً، ولا يجوزُ اشْتِرَاطُ الزِّيَادَةِ، وإذا كانت لا تَنْفَقُ إلَّا بالوَزْنِ، فلا زِيَادَةَ فيها وإن كَثُرَ عَدَدُها. قال: ولو قال: اقْتَرِضْ لى من فُلَانٍ مائةً، ولك عَشَرةٌ. فلا بَأْسَ، ولو قال: اكْفُلْ عَنِّى ولك أَلْفٌ. لم يَجُزْ؛ وذلك لأنَّ قولَه: اقْتَرِضْ لى ولك عَشرَةٌ. جُعَالَة على فِعْلٍ مُبَاحٍ، فجازَتْ؛ كما لو قال: ابْنِ لى هذا الحَائِطَ ولك عَشرَةٌ. وأمَّا الكَفَالَةُ، فإنَّ الكَفِيلَ يَلْزَمُه الدَّيْنُ، فإذا أَدَّاهُ وَجَبَ له على المَكْفُولِ عنه، فصَارَ كالقَرْضِ، فإذا أخَذَ عِوَضًا صارَ القَرْضُ جَارًّا لِلْمَنْفَعَةِ، فلم يَجُزْ.
فصل: قد ذَكَرْنَا أنَّ المُسْتَقْرِضَ يَرُدُّ الْمِثْلَ فى المِثْلِيَّاتِ، سواءٌ رَخُصَ سِعْرُه أو غَلَا، أو كان بحالِه. ولو كان ما أَقْرَضَهُ مَوْجُودًا بِعَيْنِه، فرَدَّهُ مِن غير عَيْبٍ يَحْدُثُ فيه، لَزِمَ قَبُولُه، سواءٌ تَغَيَّرَ سِعْرُه أو لم يَتَغَيَّرْ. وإن حَدَثَ به عَيْبٌ، لم يَلْزَمْهُ قَبُولُه. وإن كان القَرْضُ فُلُوسًا أو مُكَسَّرَةً، فحَرَّمَها السُّلْطانُ، وتُرِكَتِ المُعَامَلَةُ بها، كان لِلْمُقْرِضِ قِيمَتُها، ولم يَلْزَمْهُ قَبُولُها، سواءٌ كانت قَائِمَةً فى يَدِه أو اسْتَهْلَكَها؛ لأنَّها تَعَيَّبَتْ فى مِلْكِه. نَصَّ عليه أحمدُ فى الدَّرَاهِمِ المُكَسَّرَةِ، وقال: يُقَوِّمُها كم تُسَاوِى
стр. 3052
يومَ أخَذَها؟ ثم يُعْطِيه، وسواءٌ نَقَصَتْ قِيمَتُها قَلِيلًا أو كَثِيرًا. قال القاضى: هذا إذا اتَّفَقَ الناسُ على تَرْكِهَا، فأمَّا إن تَعَامَلُوا بها مع تَحْرِيمِ السُّلْطَانِ لها، لَزِمَ أخْذُها. وقال مالِكٌ، واللَّيْثُ بن سَعْدٍ، والشَّافِعِىُّ: ليس له إلَّا مِثْلُ ما أقْرَضَهُ؛ لأنَّ ذلك ليس بِعَيْبٍ حَدَثَ فيها، فجَرَى مَجْرَى نَقْصِ سِعْرِها. ولَنا، أنَّ تَحْرِيمَ السُّلْطَانِ لها مَنَعَ إِنْفاقَها، وأَبْطَلَ مَالِيَّتَها، فأَشْبَهَ كَسْرَها، أو تَلَفَ أجْزَائِها، وأما رُخْصُ السِّعْرِ فلا يَمْنَعُ رَدَّهَا، سواءٌ كان كثيرًا، مثلَ أن كانتْ عشرةً بِدَانَقٍ، فَصارَتْ عِشْرِينَ بِدَانِقٍ (٢١)، أو قليلا؛ لأنَّه لم يَحْدُثْ فيها شىءٌ، إنَّما تَغَيَّرَ السِّعْرُ، فأشْبَهَ الحِنْطَةَ إذا رَخُصَتْ أو غَلَتْ.
فصل: وإذا أَقْرَضَهُ ما لِحَمْلِه مُؤْنَةٌ، ثم طَالَبَه بمِثْلِه بِبَلَدٍ آخَرَ، لم يَلْزَمْهُ؛ لأنَّه لا يَلْزَمُه حَمْلُه له إلى ذلك البَلَدِ. فإن طَالَبَه بالقِيمَةِ لَزِمَهُ؛ لأنَّه لا مُؤْنَةَ لِحَمْلِهَا. فإن تَبَرَّعَ المُسْتَقْرِضُ بِدَفْعِ المِثْلِ، وأَبَى المُقْرِضُ قَبُولَه، فله ذلك، لأنَّ عليه ضَرَرًا فى قَبْضِه، لأنَّه ربما احْتَاجَ إلى حَمْلِه إلى المَكَانِ الذى أَقْرَضَهُ فيه، وله المُطَالَبَةُ بِقِيمَةِ ذلك فى البَلَدِ الذى أقْرَضَهُ فيه؛ لأنَّه المَكانُ الذى يَجِبُ التَّسْلِيمُ فيه، وإن كان القَرْضُ أَثْمانًا، أو مالا مُؤْنَةَ فى حَمْلِه، وطَالَبَه بها، وهما بِبَلَدٍ آخَرَ، لَزِمَهُ دَفْعُه إليه؛ لأنَّ تَسْلِيمَه إليه فى هذا البَلَدِ وغيرِه واحِدٌ.
فصل: وإن أَقْرَضَ ذِمِّىٌّ ذِمِّيًّا خَمْرًا، ثم أسْلَما أو أحَدُهما. بَطَلَ القَرْضُ. ولم يَجِبْ على المُقْتَرِضِ شىءٌ، سواءٌ كان هو المُسْلِمَ أو الآخَر؛ لأنَّه إذا أسْلَمَ لم يَجُزْ أن يَجِبَ عليه خَمْرٌ، لِعَدَمِ مَالِيَّتِها، ولا يَجِبُ بَدَلُها؛ لأنَّها لا قِيمَة لها، ولذلك لا يَضْمَنُها إذا أَتْلَفَها. وإن كان المُسلِمُ الآخَرَ لم يَجِبْ له شىءٌ، لذلك.
стр. 3053
كتابُ الرَّهْنِ
الرَّهْنُ فى اللُّغَةِ: الثُّبُوتُ والدَّوَامُ. يُقال: مَاءٌ رَاهِنٌ. أى رَاكِدٌ. ونِعْمَةٌ رَاهِنَةٌ. أى ثَابِتَةٌ دَائِمَةٌ. وقيل: هو من الحبْسِ. قال اللهُ تعالى: ﴿كُلُّ امْرِئٍ بِمَا كَسَبَ رَهِينٌ﴾ (١). وقال: ﴿كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ رَهِينَةٌ﴾ (٢). وقال الشَّاعِرُ:
وفَارَقَتْكَ بِرَهْنٍ لا فَكَاكَ لَهُ ... يَوْمَ الوَدَاعِ فأَضْحَى الرَّهْنُ قد غَلِقَا (٣)
شَبَّهَ لُزُومَ قَلْبِه لها، واحْتِبَاسَهُ عِنْدَها، لِشِدَّةِ وَجْدِه بها، بالرَّهْنِ الذى يَلْزَمُه المُرْتَهِنُ، فيُبْقِيه عِنْدَهُ، ولا يُفَارِقُه. وغَلَقُ الرَّهْنِ: اسْتِحْقَاقُ المُرْتَهِنِ إيَّاهُ، لِعَجْزِ الرَّاهِنِ عن فَكَاكِه. والرَّهْنُ فى الشَّرْعِ: المالُ الذى يُجْعَلُ وَثِيقَةً بالدَّيْنِ لِيُسْتَوْفَى مِن ثَمَنِه إن تَعَذَّرَ اسْتِيفَاؤُه ممَّن هو عليه. وهو جَائِزٌ. بالكِتَابِ والسُّنَّةِ والإِجْماعِ، أمَّا الكِتَابُ فقولُ اللهِ تعالى: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ عَلَى سَفَرٍ وَلَمْ تَجِدُوا كَاتِبًا فَرِهَانٌ مَقْبُوضَةٌ﴾. وتُقْرَأُ: ﴿فَرِهَانٌ﴾ (٤). والرِّهَانُ: جَمْعُ رَهْنٍ، والرُّهُنُ: جَمْعُ الجَمْعِ. قالَه الفَرَّاءُ (٥). وقال الزَّجَّاجُ: يَحْتَمِلُ أن يكونَ جَمْعَ رَهْنٍ، مثل سَقْفٍ وَسُقُفٍ. وأما السُّنَّةُ، فرَوَتْ عائِشةُ، رَضِىَ اللَّه عنها، أنَّ رسولَ اللَّه ﷺ اشْتَرَى من يَهُودِىٍّ طَعَامًا، ورَهَنَهُ دِرْعَهُ. مُتَّفَقٌ عليه (٦). ورَوَى أبو هُرَيْرَةَ
стр. 3054
رَضِىَ اللَّه عنه، قال: قال رسولُ اللَّه ﷺ : "الظَّهْرُ يُرْكَبُ بِنَفَقَتِه، إذَا كَانَ مَرْهُونًا، ولَبَنُ الدَّرِّ يُشْرَبُ بنَفَقَتِه، إذَا كَانَ مَرْهُونًا، وعَلَى الَّذِى يَرْكَبُ ويَشْرَبُ النَّفَقَةُ". رَوَاهُ البُخَارِىُّ (٧). وعن أبى هُرَيْرَةَ. رَضِىَ اللَّه عنه، أنَّ رسولَ اللَّه ﷺ قال: "لَا يَغْلَقُ الرَّهْنُ" (٨). وأما الإِجْمَاعُ، فأَجْمَعَ المسلمون على جَوازِ الرَّهْنِ فى الجُمْلَةِ.
فصل: ويجوزُ الرَّهْنُ فى الحَضَرِ، كما يجوزُ فى السَّفَرِ. قال ابنُ المُنْذِر: لا نَعْلَمُ أحَدًا خَالَفَ فى ذلك، إلَّا مُجَاهِدًا، قال: ليس الرَّهْنُ إلَّا فى السَّفَرِ؛ لأنَّ اللَّه تعالى شَرَطَ السَّفَرَ فى الرَّهْنِ بقولِه تعالى: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ عَلَى سَفَرٍ وَلَمْ تَجِدُوا كَاتِبًا فَرِهَانٌ مَقْبُوضَةٌ﴾. ولَنا، أنَّ النَّبِىَّ ﷺ اشْتَرَى من يَهُودِىٍّ طَعَامًا، ورَهَنَهُ دِرْعَهُ، وكَانَا بالمَدِينَةِ. ولأنَّها وَثِيقَةٌ تَجُوزُ فى السَّفَرِ، فجازَتْ فى الحَضَرِ، كالضَّمَانِ. فأمَّا ذِكْرُ السَّفَرِ، فإنَّه خَرَجَ مَخْرَجَ الغَالِبِ؛ لِكَوْنِ الكاتِبِ يُعْدَمُ فى السَّفَرِ غَالِبًا، ولهذا لم يَشْتَرِطْ عَدَمَ الكَاتِبِ، وهو مَذْكُورٌ معه أيضا.
فصل: والرَّهْنُ غيرُ واجِبٍ. لا نَعْلَمُ فيه مُخَالِفًا؛ لأنَّه وَثِيقَةٌ بالدَّيْنِ، فلم يَجِبْ، كالضَّمانِ والكِفَايَةِ. وقولُ اللَّه تعالى: ﴿فَرِهَانٌ مَقْبُوضَةٌ﴾. إرْشَادٌ لنا لا إِيجَابٌ علينا، بِدَلِيل قولِ اللهِ تعالى: ﴿فَإِنْ أَمِنَ بَعْضُكُمْ بَعْضًا فَلْيُؤَدِّ الَّذِي اؤْتُمِنَ أَمَانَتَهُ﴾. ولأنَّه أَمَرَ به عند إعْوَازِ (٩) الكِتَابَةِ، والكِتَابَةُ غير وَاجبَةٍ، فكذلك بَدَلُها.
فصل: ولا يَخْلُو الرَّهْنُ من ثلاثةِ أَحْوالٍ، أحَدُها، أن يَقَعَ بعدَ الحَقِّ، فيَصِحُّ بالإِجْماعِ؛ لأنَّه دَيْنٌ ثَابِتٌ تَدْعُو الحاجَةُ إلى (١٠) أَخْذِ الوَثِيقَةِ به، فجازَ أخْذُها به
стр. 3055
كالضَّمَانِ، ولأنَّ اللهَ تَعالى قال: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ عَلَى سَفَرٍ وَلَمْ تَجِدُوا كَاتِبًا فَرِهَانٌ مَقْبُوضَةٌ﴾. فجَعَلَهُ بَدَلًا عن الكِتَابَةِ، فيكونُ فى مَحَلِّها، ومَحَلُّهَا بعدَ وُجُوبِ الحَقِّ، وفى الآيةِ ما يَدُلُّ على ذلك، وهو قولُه: ﴿إِذَا تَدَايَنْتُمْ بِدَيْنٍ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى فَاكْتُبُوهُ﴾. فجَعَلَهُ جَزَاءً لِلمُدَايَنَةِ مَذْكُورًا بعدَها بفاءِ التَّعْقِيبِ. الحالُ الثانى، أن يَقَعَ الرَّهْنُ مع العَقْدِ المُوجِبِ لِلدَّيْنِ، فيقولُ: بِعْتُكَ ثَوْبِى هذا بِعَشَرَةٍ إلى شَهْرٍ (١١)، تَرْهَنُنِى بها عَبْدَكَ سَعْدًا. فيقولُ: قَبِلْتُ ذلك. فيَصِحُّ أيضا. وبه قال مالِكٌ، والشَّافِعِىُّ، وأصْحَابُ الرَّأْىِ؛ لأنَّ الحاجَةَ دَاعِيَةٌ إلى ثُبُوتِه، فإنَّه لو لم يَعْقِدْهُ مع ثُبُوتِ الحَقِّ، ويَشْتَرِطْ فيه، لم يَتَمَكنْ من إلْزَامِ المُشْتَرِى عَقْدَهُ، وكانت الخِيَرَةُ إلى المُشْتَرِى، والظَّاهِرُ أنَّه لا يَبْذُلُه، فتَفُوتُ الوَثِيقَةُ بالحَقِّ. الحالُ الثالث، أن يَرْهَنَهُ قبلَ الحَقِّ، فيقولُ: رَهَنْتُكَ عَبْدِى هذا بِعَشَرَةٍ تُقْرِضُنِيها. فلا يَصِحُّ فى ظَاهِرِ المَذْهَبِ. وهو اخْتِيَارُ أبى بكرٍ والقاضِى. وذَكَرَ القاضى: أنَّ أحمدَ نَصَّ عليه، فى رِوَايَةِ ابنِ مَنْصُورٍ. وهو مذهبُ الشَّافِعِىِّ. واخْتَارَ أبو الخَطَّابِ أنَّه يَصِحُّ. فمتى قال: رَهَنْتُكَ ثَوْبِى هذا بَعَشَرَةٍ تُقْرِضُنِيهَا غَدًا. وسَلَّمَهُ إليه، ثم أَقْرَضَه الدَّرَاهِمَ، لَزِمَ الرَّهْنُ. وهو مَذهبُ مالِكٍ وأبى حنيفةَ؛ لأنَّه وَثِيقَةٌ بحَقًّ، فجازَ عَقْدُها قبلَ وُجُوبِه، كالضَّمَانِ، أو فجَازَ انْعِقَادُها على شىءٍ يَحْدُثُ فى المُسْتَقْبَلِ، كضَمانِ الدَّرْكِ. ولَنا، أنَّه وَثِيقَةٌ بحَقٍّ لا يَلْزَمُ قَبْلَهُ، فلم تَصِحَّ قَبْلَهُ كالشَّهادَةِ، ولأنَّ الرَّهْنَ تَابعٌ للحَقِّ، فلا يَسْبِقُه، كالشَّهَادَةِ، والثَّمَنُ لا يَتَقَدَّمُ البَيْعَ. وأمَّا الضَّمانُ فيَحْتَمِلُ أن يُمْنَعَ صِحَّتُهُ، وإن سَلَّمْنَا فالفَرْقُ بينهما أن الضَّمَانَ الْتِزَامُ مَالٍ تَبَرُّعًا بالقَوْلِ، فجازَ من غيرِ حَقٍّ ثابِتٍ، كالنَّذْرِ، بخِلَافِ الرَّهْنِ.
٧٨٤ - مسألة؛ قال: (وَلَا يَصِحُّ الرَّهْنُ إلَّا أنْ يَكُونَ مَقْبُوضًا مِنْ جَائِزِ الْأمْرِ)
يَعْنِى لا يَلْزَمُ الرَّهْنُ إلّا بالقَبْضِ. وبهذا قال أبو حنيفةَ والشَّافِعِىُّ. وقال بعضُ
стр. 3056
أصْحَابِنَا: ما كان مَكِيلًا أو مَوْزُونًا، لا يَلْزَمُ رَهْنُه إلَّا بالقَبْضِ، وفيما عداهما رِوَايَتانِ؛ إحْدَاهما، لا يَلْزَمُ إلَّا بالقَبْضِ. والأُخْرَى، يَلْزَمُ بمُجَرَّدِ العَقْدِ، كالبَيْعِ. وقد نَصَّ أحمدُ على هذا، فى رِوَايَةِ المَيْمُونِىّ. وحَمَلَ القاضى كلامَ الخِرَقِىِّ على المَكِيلِ والمَوْزُونِ خاصَّةً. وليس بِصحِيحٍ؛ فإنَّ كَلامَ الخِرَقِىِّ مع عُمُومِه، قد أَتْبَعَهُ بما يَدُلُّ على إِرَادَةِ التَّعْمِيمِ، وهو قولُه: فإن كان مما يُنْقَلُ، فقَبْضُه أخْذُه إيَّاهُ من رَاهِنِه مَنْقُولًا، وإنْ كان ممَّا لا يُنْقَلُ، كالدُّورِ والأَرَضِينَ، فقَبْضُه بِتَخْلِيَةِ رَاهِنِه بَيْنَه وبَيْنه (١). [وقد قال] (٢) أحمدُ فى الدَّارِ والجَارِيَةِ إذا رَدَّهَا إلى الرَّاهِنِ: لم يكُنْ رَهْنًا فى الحال. وهذا كقَوْلِ الخِرَقِىِّ. وقال مالِكٌ: يَلْتَزِمُ الرَّهْنَ بمُجَرَّدِ العَقْدِ قبلَ القَبْضِ؛ لأنَّه عَقْدٌ يَلْزَمُ بالقَبْضِ، فلَزِمَ قبلَه، كالبَيْعِ. ولَنا، قولُ اللهِ تعالى: ﴿فَرِهَانٌ مَقْبُوضَةٌ﴾. وَصَفَها بِكَوْنِها مَقْبُوضَةً، ولأنَّه عَقْدُ إرْفَاقٍ يَفْتَقِرُ إلى القَبُولِ، فافْتَقَرَ إلى القَبْضِ، كالقَرْضِ، ولأنَّه رَهْنٌ لم يُقْبَضْ، فلا يَلْزَمُ إقْبَاضُهُ، كما لو ماتَ الرَّاهِنُ، ولا يُشْبِهُ البَيْعَ، فإنَّه مُعاوَضَةٌ، وليس بإِرْفاقٍ. وقولُ الخِرَقِىِّ: "مِن جَائِزِ الأَمْرِ". يعنى أنَّ الرَّاهِنَ الذى يَرْهَنُ ويقْبِضُ، يكونُ جَائِزَ التَّصَرُّفِ فى مَالِه، وهو الحُرُّ المُكَلَّفُ الرَّشِيدُ، ولا يكون مَحْجُورًا عليه، لِصِغَرٍ أو جُنُونٍ أو سَفَهٍ أو فَلَسٍ، ويُعْتَبرُ ذلك فى حالِ رَهْنِه وإِقْبَاضِه؛ لأنَّ العَقْدَ والتَّسْلِيمَ ليس بوَاجِبٍ، وإنَّما هو إلى اخْتِيَارِ الرَّاهِنِ، فإذا لم يكُنْ له اخْتِيَارٌ صَحِيحٌ، لم يَصِحَّ، ولأنَّه نَوْعُ تَصَرُّفٍ فى المالِ، فلم يَصِحَّ من المَحْجُورِ عليه من غيرِ إذْنٍ، كالبَيْعِ. فإنْ جُنَّ أحَدُ المُتَرَاهِنَيْنِ قبلَ القَبْضِ، أو مَاتَ، لم يَبْطُلِ الرَّهْنُ؛ لأنَّه عَقْدٌ يَؤُولُ إلى اللُّزُومِ، فلم يَبْطُلْ بِجُنُونِ أحَدِ المُتَعَاقِدَيْنِ أو مَوْتِه، كالبَيْعِ الذى فيه الخِيَارُ، ويَقُومُ وَلِىُّ المَجْنُونِ مَقامَهُ، فإن كان المَجْنُونُ الرَّاهِنَ، وكان الحَظُّ فى التَّقْبِيضِ، مثل أن يكونَ شَرْطًا فى بَيْعٍ يَسْتَضِرُّ بِفَسْخِه ونحوَه، أَقْبَضَهُ. وإن كان الحَظُّ فى
стр. 3057
تَرْكِه، لم يَجُزْ له تَقْبِيضُهُ. وإن كان المَجْنُونُ المُرْتَهِنَ، قَبَضَهُ وَلِيُّهُ إن اخْتَارَ الرَّاهِنُ، وإن امْتَنَعَ لم يُجْبَرْ. وإذا مَاتَ، قامَ وَارِثُه مَقَامَهُ فى القَبْضِ. فإن مَاتَ الرَّاهِنُ، لم يَلْزَمْ وَرَثَتَه تَقبِيضُه؛ لأنَّهم يَقُومُونَ مَقامَ الرَّاهِنِ، ولم يَلْزَمْهُ ذلك. فإن لم يكُنْ على المَيِّتِ دَيْنٌ سِوَى هذا الدَّيْنِ، فأَحَبَّ الوَرَثَةُ تَقْبيضَ الرَّهْنِ، جازَ. وإن كان عليه دَيْنٌ سِوَاه، فظَاهِرُ المَذْهَبِ أنَّه ليس لِلْوَارِثِ تَخْصِيصُ المُرْتَهِنِ بالرَّهْنِ. نَصَّ عليه أحمدُ، فى رِوَايَةِ علىِّ بن سَعِيدٍ. وهو مذهبُ الشَّافِعِىِّ. وذَكَرَ القاضى فيه رِوَايَةً أُخْرَى، أنَّ لهم ذلك، أخْذًا ممَّا نَقَلَ ابنُ مَنْصُورٍ وأبو طَالِبٍ عن أحمدَ، أنَّه قال: إذا مَاتَ الرَّاهِنُ أو أفْلَسَ، فالمُرْتَهِنُ أحَقُّ به من الغُرَمَاءِ. ولم يعْتَبِرْ وُجُودَ القَبْضِ بعدَ المَوْتِ أو قبلَه. وهذا لا يُعَارِضُ ما نَقَلَهُ علىُّ بن سَعِيدٍ؛ لأنَّه خَاصٌّ وهذا عَامٌّ، والاسْتِدْلَالُ به على هذه الصُّورَةِ يَضْعُفُ جِدًّا لِنُدْرَتِها، فكيف يُعَارَضُ به الخاصُّ! لكن يجوزُ أن يكونَ هذا الحُكْمُ مَبْنِيًّا على الرِّوَايَةِ التى لا يُعْتَبَرُ فيها القَبْضُ فى غير المَكِيلِ والمَوْزُونِ، فيكونُ الرَّهْنُ قد لَزِمَ قبلَ القَبْضِ، ووَجَبَ تَقْبِيضُه على الرَّاهِنِ، فكذلك على وَارِثِه. ويَخْتَصُّ هذا (٣) بما عدا المَكِيلِ والمَوْزُونِ، وأمَّا ما لم يَلْزَمِ الرَّهْنُ فيه، فليس لِلْوَرَثَةِ تَقْبِيضُه؛ لأنَّ الغُرَمَاءَ تَعَلَّقَتْ دُيُونُهُم بالتَّرِكَةِ قبلَ لُزُومِ حَقِّه فى الرَّهْنِ، فلم يَجُزْ تَخْصِيصُه به بغير رِضَاهُم، كما لو أفْلَسَ الرَّاهِنُ، إلّا إذا قُلْنا: إن لِلْوَرَثَةِ التَّصَرُّفَ فى التَّركَةِ، ووفاءَ الدَّيْنِ من أَمْوالِهم. فإن قِيل: فما الفَائِدَةُ فى القولِ بِصِحَّةِ الرَّهْنِ إذا لم يَخْتَصَّ به المُرْتَهِنُ؟ قُلْنا: فَائِدَتُه أنَّه يَحْتَمِلُ أن يَرْضَى الغُرَمَاءُ بِتَسْلِيمِه إليه، فيَتِمَّ الرَّهْنُ. ولا فَرْقَ فى جَمِيعِ ما ذَكَرْنَاهُ بينَ ما قبلَ الإِذْنِ فى القَبْضِ وما بعدَه؛ لكَوْنِ الإِذْنِ يَبْطُلُ بالجُنُونِ والمَوْتِ والإِغْمَاءِ والحَجْرِ.
فصل: ولو حُجِرَ على الرَّاهِنِ لِفَلَسٍ قبلَ التَّسْلِيمِ لم يكُنْ له تَسْلِيمُه؛ لأنَّ فيه
стр. 3058
تَخْصِيصًا لِلْمُرْتَهِنِ بِثَمَنِه، وليس له تَخْصِيصُ بعضِ غُرَمَائِه. وإن حُجِرَ عليه لِسَفَهٍ، فحُكْمُه حُكْمُ ما لو زَالَ عَقْلُه بِجُنُونٍ، على ما أسْلَفْنَاهُ. وإن أُغْمِىَ عليه، لم يكُنْ لِلْمُرْتَهِنِ قَبْضُ الرَّهْنِ، وليس لأحدٍ تَقْبِيضُه؛ لأنَّ المُغْمَى عليه لا وِلَايَةَ عليه. وإن أُغْمِىَ على المُرْتَهِنِ، لم يكُنْ لأحدٍ أن يَقُومَ مقَامَهُ فى قَبْضِ الرَّهْنِ أيضًا. وانْتُظِرَ إفَاقَتُه، وإن خَرِسَ (٤)، وكانت له كِتَابَةٌ مَفْهُومَةٌ، أو إشَارَةٌ مَعْلُومَةٌ (٥)، فحُكْمُه حُكْمُ المُتَكَلِّمِينَ، إن أَذِنَ فى القَبْضِ جَازَ، وإلَّا فلا. وإن لم تُفْهَمْ إشَارَتُه ولا كِتَابَتُه، لم يَجُزِ القَبْضُ. وإن كان أحدُ هؤلاء قد أَذِنَ فى القَبْضِ، فحُكْمُه حُكْمُ من لم يَأْذَنْ؛ لأنَّ إذْنَهُم يَبْطُلُ بما عَرَضَ لهم. وجَمِيعُ هذا تَنَاوَلَهُ قولُ الخِرَقِىِّ: "من جَائِزِ الأمْرِ". وليس أحَدٌ مِن هؤلاء جائزَ الأَمْرِ.
فصل: إذا تَصَرَّفَ الرَّاهِنُ فى الرَّهْنِ قبل القَبْضِ، بِهِبَةٍ أو بَيْعٍ أو عِتْقٍ، أو جَعَلَهُ صَدَاقًا، أو رَهَنَهُ ثانيًا، بَطَلَ الرَّهْنُ الأَوَّلُ، سواءٌ قَبَضَ الهِبَةَ والمَبِيعَ والرَّهْنَ الثانىَ أو لم يَقْبِضْه؛ لأنَّه أخْرَجَهُ عن إمْكَانِ اسْتِيفَاءِ الدَّيْنِ من ثَمَنِه، أو فَعَلَ ما يَدُلُّ على قَصْدِه ذلك، وإن دَبَّرَ العَبْدَ، أو أَجَرَهُ، أو زَوَّجَ الأَمَةَ، لم يَبْطُلِ الرَّهْنُ؛ لأنَّ هذا التَّصَرُّفَ لا يَمْنَعُ البَيْعَ، فلا يَمْنَعُ صِحَّةَ الرَّهْنِ. ولأنَّه لا يَمْنَعُ ابْتِدَاءَ الرَّهْنِ، فلا يَقْطَعُ اسْتِدَامَتَهُ كاسْتِخْدامِه. وإن كاتَبَ العَبْدَ، انْبَنَى على صِحَّةِ رَهْنِ المُكَاتَبِ، فإن قُلْنا: يجوزُ رَهْنُه. لم يَبْطُلْ رَهْنُه. وإن قُلْنا: لا يجوزُ رَهْنُه. بَطَلَ رَهْنُه، كما لو أعْتَقَهُ.
فصل: واسْتِدَامَةُ القَبْضِ شَرْطٌ لِلُزُومِ الرَّهْنِ. فإذا أَخْرَجَهُ المُرْتَهِنُ عن يَدِه بِاخْتِيَارِه، زَالَ لُزُومُ الرَّهْنِ، وبَقِىَ العَقْدُ، كأنه لم يُوجَدْ فيه قَبْضٌ، سواءٌ أخْرَجَهُ بإجارَةٍ أو إعَارَةٍ أو إِيداعٍ أو غير ذلك. فإذا عَادَ فَرَدَّهُ إليه، عادَ اللُّزُومُ بحُكْمِ
стр. 3059
العَقْدِ السَّابِقِ. قال أحمدُ، فى رِوَايَةِ ابن مَنْصُورٍ: إذا ارْتَهَنَ دَارًا، ثم أكْرَاهَا صَاحِبُها، خَرَجَتْ من الرَّهْنِ، فإذا رَجَعَتْ إليه، صَارَتْ رَهْنًا. وقال فى مَن رَهَنَ جَارِيَةً، ثم سَأَلَ المُرْتَهِنَ أن يَبْعَثَها إليه لِتَخْبِزَ لهم، فبَعَثَ بها، فوَطِئَها: انْتَقَلَتْ من الرَّهْنِ، فإن لم يكن وَطِئَها، فلا شىءَ. قال أبو بكرٍ: لا يكونُ رَهْنًا فى تلك الحالِ، فإذا رَدَّها رَجَعَتْ إلى الرَّهْنِ. وممَّن أوْجَبَ اسْتِدَامَةَ القَبْضِ مالِكٌ وأبو حنيفةَ. وهذا على القولِ الصَّحِيحِ، فأمَّا على قولِ مَن قال: ابْتِدِاءُ القَبْضِ ليس بِشَرْطٍ. فأَوْلَى أن يقولَ: الاسْتِدَامَةُ غيرُ مُشْتَرَطَةٍ؛ لأنَّ كلَّ شَرْطٍ يُعْتَبَرُ فى الاسْتِدَامَةِ، يُعْتَبَرُ فى الابْتِدَاءِ، وقد يُعْتَبَرُ فى الابْتِدَاءِ ما لا يُعْتَبَرُ فى الاسْتِدَامَةِ. قال أبو الخَطَّابِ: إذا قُلْنا: القَبْضُ شَرْطٌ فى الابْتِدَاءِ. كان شَرْطًا فى الاسْتِدَامَةِ. وقال الشَّافِعِىُّ: اسْتِدَامَةُ القَبْضِ ليست شَرْطًا؛ لأنه عَقْدٌ يُعْتَبَرُ القَبْضُ فى ابْتِدَائِه، فلم يُشْتَرَطْ اسْتِدَامَتُه كالهِبَةِ. ولَنا، قولُ اللَّه تعالى: ﴿فَرِهَانٌ مَقْبُوضَةٌ﴾. لأنَّها إحْدَى حَالَتَىِ الرَّهْنِ، فكان القَبْضُ فيها شَرْطًا، كالابْتِدَاءِ. ويُفَارِقُ الهِبَةَ؛ لأنَّ القَبْضَ فى ابْتِدَائِها يُثْبِتُ المِلْكَ، فإذا ثَبَتَ اسْتغْنى عن القَبْضِ ثانِيًا، والرَّهْنُ يُرَادُ لِلْوَثِيقَةِ من بَيْعِه، واسْتِيفَاءِ دَيْنِه من ثَمَنِه، فإذا لم يكُنْ فى يَدِه، لم يَتَمَكَّنْ مِن بَيْعِه، ولم تحْصُلْ وَثِيقَةٌ. وإن أُزِيلَتْ يَدُ المُرْتَهِنِ لغيرِ حَقًّ، كَغَصْبٍ، أو سَرِقَةٍ، أو إبَاقِ العَبْدِ، أو ضَيَاعِ المَتَاعِ، ونحوِ ذلك، لم يَزُلْ لُزُومُ الرَّهْنِ؛ لأنَّ يَدَهُ ثابِتَةٌ حُكْمًا، فكأنَّها لم تَزُلْ.
فصل: وليس لِلْمُرْتَهِنِ قَبْضُ الرَّهْنِ إلَّا بإِذْنِ الرَّاهِنِ؛ لأنَّه لا يَلْزَمُه تَقْبِيضُه، فاعْتُبِرَ إذْنُه فى قَبْضِه، كالوَاهِبِ. فإن تَعَدَّى المُرْتَهِنُ، فقَبَضَهُ بغيرِ إِذْنٍ، لم يَثْبُتْ حُكْمُه، وكان بِمَنْزِلَةِ مَن لم يَقْبِضْ. وإن أَذِنَ الرَّاهِنُ فى القَبْضِ، ثم رَجَعَ عن الإِذْنِ قبلَه، زَالَ حُكْمُ الإِذْنِ. وإن رَجَعَ عن الإِذْنِ بعدَ قَبْضِه، لم يُؤَثِّرْ (٦) رُجُوعُه؛ لأنَّ
стр. 3060
الرَّهْنَ قد لَزِمَ لِاتِّصَالِ القَبْضِ به. وكلُّ مَوْضِعٍ زَالَ لُزُومُ الرَّهْنِ لِزَوَالِ القَبْضِ، اعْتُبِرَ الإِذْنُ فى القَبْضِ الثانى؛ لأنَّه قَبْضٌ يَلْزَمُ به الرَّهْنُ، أشْبَهَ الأَوَّلَ، ويَقُومُ ما يَدُلُّ على الإِذْنِ مَقامَهُ، مثلُ إرْسَالِه العَبْدَ إلى مُرْتَهِنِه، ورَدِّه لما أخَذَهُ من المُرْتَهِنِ إلى يَدِه، ونحو ذلك؛ لأنَّ ذلك دَلِيلٌ على الإِذْنِ، فاكْتُفِىَ به، كدُعاءِ الناسِ إلى الطَّعَامِ، وتَقْدِيمِه بين أيْدِيهم، يَجْرِى مَجْرَى الإِذْنِ فى أكْلِه.
٧٨٥ - مسألة؛ قال: (والقَبْضُ فِيهِ مِنْ وَجْهَيْنِ؛ فَإنْ كَانَ مِمَّا يُنْقَلُ، فقَبْضُ المُرْتَهِنِ لَهُ أَخْذُه إيَّاهُ مِنْ رَاهِنِه مَنْقُولًا، وإنْ كَانَ مِمَّا لَا يُنْقَلُ، كالدُّورِ والأَرَضِينَ، فقَبْضُه تَحْلِيَةُ رَاهِنِه بَيْنَهُ وبَيْنَ مُرْتَهِنِه، لَا حَائِلَ دُونَهُ)
وجملةُ ذلك أنَّ القَبْضَ فى الرَّهْنِ كالقَبْضِ فى البَيْعِ والهِبَةِ، فإن كان مَنْقُولًا فَقَبْضُه نَقْلُه أو تَنَاوُلُه، وإن كان أثْمَانًا، أو شَيْئًا خَفِيفًا يُمْكِنُ قَبْضُه باليَدِ، فقَبْضُه تَنَاوُلُه بها، وإن كان مَكِيلًا رَهْنُه بالكَيْلِ، أو مَوْزُونًا رَهْنُه بالوَزْنِ، فقَبْضُه اكْتِيَالُه أو اتِّزَانُه؛ لقَوْلِ النَّبِىِّ ﷺ : "إذَا سَمَّيْتَ الكَيْلَ فَكِلْ" (١). وإن ارْتَهَنَ الصُّبْرَةَ جُزَافًا، أو كان ثِيَابًا أو حَيَوَانًا، فقَبْضُه نَقْلُه؛ لقولِ ابن عمرَ: كنا نَشْتَرِى الطَّعَامَ من الرُّكْبَانِ جُزَافًا. فنَهَانَا النَّبِىُّ ﷺ أن نَبِيعَهُ حَتَّى نَنْقُلَهُ (٢) مِن مَكَانِه. مُتَّفَقٌ عليه (٣). وإن كان الرَّهْنُ غيرَ مَنْقُولٍ، كالعَقَارِ والثَّمَرَةِ على الشَّجَرَةِ، فقَبْضُه التَّخْلِيَةُ بين مُرْتَهِنِه وبينه مِن غيرِ حَائِلٍ، بأن يَفْتَحَ له بابَ الدَّارِ، أو يُسَلِّمَ (٤) إليه مِفْتَاحَهَا. وإن خَلَّى بينه وبينَها وفيها قُمَاشٌ لِلرَّاهِنِ، صَحَّ التَّسْلِيمُ؛ لأنَّ اتِّصَالَها بِمِلْكِ الرَّاهِنِ لا يَمْنَعُ صِحَّةَ التَّسْلِيمِ، كالثَّمَرَةِ فى الشَّجَرَةِ. وكذلك لو رَهَنَهُ دَابَّةً عليها حِمْلٌ للرَّاهِنِ، فسَلَّمَها إليه، صَحَّ التَّسْلِيمُ. ولو رَهَنَ الحِمْلَ وهو على الدَّابَّةِ، وسَلَّمَها إليه
стр. 3061
بِحِمْلِهَا، صَحَّ القَبْضُ، لأنَّ القَبْضَ حَصَل فيهما جميعا، فيكونُ مَوْجُودًا في الرَّهْنِ منهما.
فصل: وإن رَهَنَهُ سَهْمًا مُشَاعًا مِمَّا لا يُنْقَلُ، خَلَّى بَيْنَه وبينَه، سواءٌ حَضَرَ الشَّرِيكُ أو لم يَحْضُرْ. وإن كان مَنْقُولًا كالجَوْهَرَةِ يَرْهَنُ نِصْفَها، فَقَبْضُها تَنَاوُلُها، ولا يُمْكِنُ تَنَاوُلُها إلَّا بِرِضَا الشَّرِيكِ، فإن رَضِىَ الشَّرِيكُ، تَنَاوَلَها، وإن امْتَنَعَ الشَّرِيكُ، فرَضِىَ المُرْتَهِنُ والرَّاهِنُ بِكَوْنِها في يَدِ الشَّرِيكِ، جازَ، ونَابَ عنه في القَبْضِ، وإن تَنَازَعَ الشَّرِيكُ والمُرْتَهِنُ، نَصَّبَ الحَاكِمُ عَدْلًا تكونُ في يَدِه لهما وإن نَاوَلَها الرَّاهِنُ لِلْمُرْتَهِنِ بغير رِضَا الشَّرِيكِ فتَنَاوَلَها، فإن قُلْنا: اسْتِدَامَةُ القَبْضِ شَرْطٌ. لم يَكْفِه ذلك التَّنَاوُلُ. وإن قُلْنا: ليس بِشَرْطٍ. فقد حَصَلَ القَبْضُ، لأنَّ الرَّهْنَ حَصَلَ في يَدِه مع التَّعَدِّى في غيرِه، فأشْبَه ما لو رَهَنَهُ ثَوْبًا فسَلَّمَهُ إليه مع ثَوْبٍ لغيره، فتَنَاوَلَهُما معا. ولو رَهَنَهُ ثَوْبًا، فاشْتَبَه عليه بغيرِه، فسَلَّمَ إليه أحَدَهما، لم يَثبُت القَبْضُ؛ لأنَّه لا يَعْلَمُ أنَّه أقْبَضَهُ الرَّهْنَ، فإن تَبَيَّنَ أنَّه الرَّهْنُ، تَبَيَّنَ صِحَّةُ التَّسْلِيمِ. وإن سَلَّمَ إليه الثَّوْبَيْنِ معا، حَصَلَ القَبْضُ، لأنَّه قد تَسَلَّمَ الرَّهْنَ يَقِينًا.
فصل: ولو رَهَنَهُ دَارًا، فخَلَّى بَيْنَه وبَيْنَها وهما فيها، ثم خَرَجَ الرَّاهِنُ، صَحَّ القَبْضُ. وبهذا قال [الشَّافِعِيُّ. وقال] (٥) أبو حنيفةَ: لا يَصِحُّ حتى يُخَلِّىَ بينه وبينها بعد خُرُوجِه منها؛ لأنَّه ما كان في الدَّارِ فيَدُه عليها، فما حَصَلَتِ التَّخْلِيَةُ. ولَنا، أنَّ التَّخْلِيَةَ تَصِحُّ بقولِه مع التَّمَكُّنِ (٦) منها وعَدَمِ المانِعِ، فأَشْبَهَ ما لو كانا خارِجَيْنِ عنها، ولا يَصِحُّ ما ذَكَرَهُ، ألا تَرَى أنَّ خُرُوجَ المُرْتَهِنِ منها لا يُزِيلُ يَدَهُ عنها، ودُخُولَهُ إلى دَارِ غيرِه لا يُثْبِتُ يَدَه عليها، ولأنه بِخُرُوجِه عنها مُحَقّقٌ لِقَوْلِه، فلا مَعْنَى لإعَادَةِ التَّخْلِيَةِ.
стр. 3062
فصل: وإن رَهَنَهُ مالًا له في يَدِ المُرْتَهِنِ؛ عَارِيَّةً أو وَدِيعَةً أو غَصْبًا أو نحوَه، صَحَّ الرَّهْنُ؛ لأنه مالِكٌ له يُمْكِنُ قَبْضُه، فصَحَّ رَهْنُه، كما لو كان في يَدِه. وظَاهِرُ كلامِ أحمد لُزُومُ الرَّهْنِ بِنَفسِ العَقدِ، من غير احْتِياجٍ إلي أمْرٍ زَائِدٍ، فإنَّه قال: إذا حَصَلَتِ الوَدِيعَةُ في يَدِه بعد الرَّهْنِ، فهو رَهْنٌ. فلم يَعْتَبِرْ أمْرًا زَائِدًا؛ وذلك لأنَّ اليَدَ ثَابِتَةٌ، والقَبْضُ حَاصِلٌ. وإنَّما يَتَغَيَّرُ الحُكْمُ لا غيرُ، ويُمْكِنْ تَغَيُّرُ الحُكْمِ مع اسْتِدَامَةِ القَبْضِ. كما لو طُولِبَ بالوَدِيعَةِ فجَحَدَها لِتَغَيُّرِ (٧) الحُكْمِ، وصَارَتْ مَضْمُونَةً عليه من غيرِ أمْرٍ زَائِدٍ. ولو عَادَ الجاحِدُ، فأقَرَّ بها، وقال لِصَاحِبِها: خُذْ وَدِيعَتَكَ. فقال: دَعْهَا عِنْدَكَ وَدِيعَةً كما كانت، ولا ضَمَانَ عليك فيها. لتَغَيَّرَ الحُكْمُ من غيرِ حُدُوثِ أمْرٍ زَائدٍ. وقال القاضِى وأصْحابُ الشَّافِعِيِّ: لا يَصِيرُ رهْنًا حتى تَمْضِىَ مُدَّةً يَتَأتَّى قَبْضُه فيها، فإن كان مَنْقُولًا فَبِمُضِىِّ مُدَّةٍ يُمْكِنُ نَقْلُه فيها، وإن كان مَكِيلًا فَبِمُضِىِّ مُدَّةٍ يُمْكِنُ اكتِيَالُه فيها، وإن كان غيرَ مَنْقُولٍ فَبِمُضِيِّ مُدَّةِ التَّخْلِيَةِ، وإن كان غَائِبًا عن المُرْتَهِنِ لم يَصِرْ مَقْبُوضًا حتى يُوَافِيهُ هو أو وَكِيلُه، ثم تَمْضِى مُدَّةٌ يُمْكِنُ قَبْضُه فيها؛ لأنَّ العَقْدَ يَفْتَقِرُ إلى القَبْضِ، والقَبْضُ إنَّما يَحْصُلُ بفِعلِه أو بإمْكَانِه، ويَكْفِى ذلك، ولا يَحْتَاجُ إلى وُجُودِ حَقِيقَةِ القَبْضِ، لأنَّه مَقْبُوضٌ حَقِيقَةً. فإن تَلِفَ قبل مُضِيِّ مُدَّةٍ يَتَأَتَّى قَبْضُه فيها، فهو كتَلَفِ الرَّهْنِ قبل القَبْضِ (٨). ثم هل يَفْتَقِرُ إلي الإذْنِ من الرَّاهِنِ في القَبْضِ؟ يَحْتَمِلُ وَجْهَيْنِ: أحدَهما، يَفْتَقِرُ، لأنَّه قَبْضٌ يَلْزَمُ به عَقْدٌ غير لازِمٍ، فلم يَحْصُلْ بغيرِ إذْنٍ، كما لو كان في يَدِ الرَّاهِنِ، وإقْرَارُه في يَدِه لا يَكْفِي، كما لو أقَرَّ المَغْصُوبَ في يَدِ غَاصِبِه مع إمْكَانِ أخْذِه منه. والثاني، لا يَفتَقِرُ إلي إذْنٍ في القَبْضِ؛ لأنَّ إقْرَارَهُ له (٩) في يَدِه بمَنْزِلَةِ إِذْنِه في القَبْضِ. فإن أذِنَ له في القَبْضِ، ثم رَجَعَ عنه قبل مُضِيِّ مُدَّةٍ
стр. 3063
يَتَأتَّى القَبْضُ فيها، لم يَلْزَمِ الرَّهْنُ. حتى يَعُودَ فيَأْذَن، ثم تَمْضِى مُدَّة يَقْبِضُه في مِثْلِها.
فصل: وإذا رَهَنَهُ المَضْمُونَ، كالمَغْصُوبِ والعَارِيَّةِ والمَقْبُوضِ في بَيْعٍ فَاسدٍ، أو على تَوَجُّهِ السَّوْمِ. صَحَّ، وزَالَ الضَّمَانُ. وبهذا قال مالِكٌ وأبو حَنِيفَةَ، وقال الشَّافِعِيِّ: لا يَزُولُ الضَّمَانُ، ويَثْبُتُ فيه حُكْمُ الرَّهْنِ، والحُكْمُ الذى كان ثَابِتًا فيه يَبْقَى بحَالِه؛ لأنَّه لا تَنَافِىَ بَيْنَهُما، بِدَلِيلِ أنه لو تَعَدَّى في الرَّهْنِ صَارَ مَضْمُونًا ضَمَانَ الغَصْبِ. وهو رَهْنٌ كما كان، فكذلك ابْتِدَاؤُه، لأنَّه أحَدُ حَالَتَىِ الرَّهْنِ. ولَنا، أنَّه مَأْذُونٌ له في إمْسَاكِه رَهْنًا لم يَتَجَدَّدْ منه فيه عُدْوَانٌ، فلم يَضْمَنْه، كما لو قَبَضَه منه ثم أَقْبَضَهُ إيَّاهُ، أو أبْرَأَهُ من ضَمَانِه. وقولُهم: لا تَنَافِىَ بَيْنَهُما. مَمْنُوعٌ؛ فإنَّ الغَاصِبَ يَدُه عَادِيَةٌ يَجِبُ عليه إزَالَتُها، ويَد المُرْتَهِنِ مُحِقَّةٌ جَعَلَهَا الشَّرْعُ له، ويَدُ المُرْتَهِنِ يَدُ أمَانَةٍ. ويَدُ الغَاصِبِ والمُسْتَعِيرِ ونحوِهما يَدٌ ضَامِنَةٌ، وهذان مُتَنَافِيَانِ. ولأنَّ السَّبَبَ المُقْتَضِىَ لِلضَّمَانِ زالَ، فزَالَ الضَّمَانُ لِزَوَالِه، كما لو رَدَّهُ إلى مالِكِه، وذلك لأنَّ سَبَبَ الضَّمَانِ الغَصْبُ أو العَارِيَّةُ (١٠) ونحوُهما، وهذا لم يَبْقَ غَاصِبًا ولا مُسْتَعِيرًا، ولا يَبْقَى الحُكْمُ مع زَوَالِ سَبَبه وحُدُوثِ سَبَبٍ يُخَالِفُ حُكْمُه حُكمَه، وأمَّا إذا تَعَدَّى في الرَّهْنِ، فإنَّه يَلْزَمُه الضَّمَانُ، لِعُدْوَانِه، لا لِكَوْنِه غَاصِبًا ولا مُستَعِيرًا، وهاهُنا قد زَالَ سَبَبُ الضَّمَانِ، ولم يَحْدُثْ ما يُوجِبُه، فلم يَثْبُتْ.
فصل: ويجوزُ أنَّ يُوَكِّلَ في قَبْضِ الرَّهْنِ، ويَقُومُ قَبْضُ وَكِيلِه مَقامَ قَبْضِه، في لُزُومِ الرَّهْنِ وسَائِرِ أحْكَامِه. وإن وَكَّلَ المُرْتَهِنُ الرَّاهِنَ في قَبْضِ الرَّهْنِ له من نَفْسِه، لم يَصِحَّ، ولم يَكُنْ ذلك قَبْضًا؛ لأنَّ الرَّهْنَ وَثِيقَةٌ لِيَسْتَوْفِىَ الحَقَّ منه عند تَعَذُّرِ اسْتِيفَائِه من الرَّاهِنِ، فإذا كان في يَدِ الرَّاهِنِ لم يَحْصُلْ مَعْنَى الوَثِيقَةِ، وقد ذَكَرْنَا في البَيْعِ، أنَّ المُشْتَرِىَ لو دَفَعَ إلى البَائِعِ غِرَارَةً، وقال: كِلْ لى (١١) حَقِّي في هذه. فَفَعلَ، كان ذلك قَبْضًا. فيُخَرَّجُ هاهُنا كذلك.
стр. 3064
فصل: وإذا أقَرَّ الرَّاهِنُ بِتَقْبِيضِ الرَّهْنِ، أو أقَرَّ المُرْتَهِنُ بِقَبْضِه، كان ذلك مَقْبُولًا فيما يمكنُ صِدْقُهُما فيه. وإن أقَرَّ الرَّاهِنُ بالتَّقْبِيضِ (١٢)، ثم أنْكَرَ (١٣)، وقال: أقْرَرْتُ بذلك ولم أكن قَبَّضْتُ شيئا. أو أقَرَّ المُرْتَهنُ بالقَبْضِ، ثم أنْكَرَ، فالقولُ قولُ المُقرِّ له، فإن طَلَبَ المُنْكِرُ يَمِينَه، ففيه وَجْهَانِ؛ أحدُهما، لا يَلْزَمُه يَمِينٌ؛ لأنَّ الإقْرَارَ أَقوَى من البَيِّنَةِ، ولو قَامَتِ البَيِّنَةُ بذلك وطَلَبَ المَشْهُودُ عليه يَمِينَ خَصْمِه لم يُقْبَلْ منه، فكذلك الإقْرَارُ. والثاني، يَلْزَمُه اليَمِينُ. وهو قولُ الشَّافِعِيِّ في مَنْصُوصِه؛ لأنَّ العادَةَ جَارِيَةٌ بأنَّ الإنْسَانَ يَشْهَدُ على نَفسِه بالقَبْضِ قبلَه، فَتُسْمَعُ دَعْوَاهُ، ويَلْزَمُ خَصْمَهُ اليَمِينُ، لما ذَكَرْنَا من حُكْمِ العَادَةِ، وهذا أجْوَدُ. ويُفَارِقُ البَيِّنَةَ، فإنَّها لا تَشهَدُ بالحَقِّ قبلَه، ولو فَعَلْتَ ذلك لم تكنْ بَيِّنَةً عَادِلَةً. وقال القاضي: إن كان المُقِرُّ غَائِبًا، فقال: أقْرَرْتُ لأنَّ وَكِيلِى كَتَبَ إلَىَّ بذلك، ثم بَانَ لى خِلَافُه. سَمِعْنَا قَوْلَه، وأحْلَفْنَا خَصْمَهُ. وإن أقَرَّ أنه بَاشَرَ ذلك بِنَفْسِه، ثم عادَ فأكْذَبَ نَفْسَه، لم يُحْلَفْ خَصْمُه. وهذا قولُ بعضِ أصْحَابِ الشَّافِعِيِّ، فأمَّا إن اخْتَلَفَا في القَبْضِ، فقال المُرْتَهِنُ: قَبَّضْتُه. وأنْكَرَ الرَّاهِنُ، فالقولُ قولُ مَن هو في يَدِه؛ لأنَّه إن كان في يَدِ الرَّاهِنِ فالأَصْلُ معه، وهو عَدَمُ الإقْبَاضِ، ولم يُوجَدْ ما يَدُلُّ على خِلَافِهِ، وإن كان في يَدِ المُرْتَهِنِ، فقد وُجِدَ القَبْضُ، لِكَوْنِه لا يَحْصُلُ في يَدِه إلَّا بعد قَبْضِه. وإن اخْتَلَفَا في الإذْنِ، فقال الرَّاهِنُ: أخَذْتَهُ بغير إِذْنِي. قال: بل بإذْنِكَ. وهو في يَدِ المُرْتَهِنِ، فالقولُ قولُه؛ لأنَّ الظَّاهِرَ معه، فإن العَقْدَ قد وُجِدَ، ويَدُهُ تَدُلُّ على أنَّه بِحَقٍّ. ويَحْتَمِلُ أن يكونَ القَوْلُ قولَ الرَّاهِنِ؛ لأنَّ الأصْلَ عَدَمُ الإذْنِ. وهذا مَذْهَبُ الشَّافِعيِّ. ذَكَرَ القاضي هذَيْنِ الوَجْهَيْنِ.
فصل: وإذا رَهَنَهُ عَيْنَيْنِ، فتَلِفَتْ إحْدَاهُما قبلَ قَبْضِها، انْفَسَخَ العَقْدُ فيها دون البَاقِيَةِ، لأنَّ العَقْدَ كان صَحِيحًا فيهما، وإنَّما طَرَأَ انْفِسَاخُ العَقْدِ في إحْدَاهما، فلم
стр. 3065
يُؤَثِّرْ، كما لو اشْتَرَى شَيْئَيْنِ، [ثم رَدَّ] (١٤) أحَدَهُما بِعَيْبٍ أو خِيَارٍ أو إقَالَةٍ، والرَّاهِنُ مُخَيَّرٌ بين إقْبَاضِ البَاقِيَةِ وبين مَنْعِهَا. وإن كان التَّلَفُ بعد قَبْضِ الأُخْرَى، فقد لَزِمَ الرَّهْنُ فيها، فإن كان الرَّهْنُ مَشْرُوطًا في بَيْعٍ ثَبَتَ للبَائِعِ الخِيَارُ؛ لِتَعَذُّرِ الرَّهْنِ بِكَمَالِه، فإن رَضِىَ لم يكُنْ له المُطَالَبَةُ بِبَدَلِ التَّالِفَةِ؛ لأنَّ الرَّهْنَ لم يَلْزَمْ فيها، وتكونُ المَقْبُوضَةُ رَهْنًا بجَمِيعِ الثَّمَنِ. ولو تَلِفَتْ إحْدَى العَيْنَيْنِ بعد القَبْضِ، فلا خِيَارَ للبَائِعِ؛ لأنَّ الرَّهْنَ لو تَلِفَ كلُّه لم يَكُنْ له خِيَارٌ، فإذا تَلِفَ بعضُه أَوْلَى. ثم إن كان تَلَفُها بعدَ قَبْضِ العَيْنِ الأُخْرَى، فقد لَزِمَ الرَّهْنُ فيها، وإن كان قبلَ قَبْضِ الأُخْرَى، فالرَّاهِنُ مُخَيَّرٌ بين إقْبَاضِهَا وبين تَرْكِه، فإن امْتَنَعَ من تَقْبِيضِها، ثَبَتَ للبَائِعِ الخِيَارُ، كما لو لم تَتْلَفِ الأُخْرَى.
فصل: وإن رَهَنَهُ دارًا، فانْهَدَمَتْ قبلَ قَبْضِها، لم يَنْفَسِخْ عَقْدُ الرَّهْنِ؛ لأنَّ مَالِيَّتَهَا لم تَذْهَبْ بالكُلِّيَّةِ، فإنَّ عَرْصَتَها وأنْقَاضَها بَاقِيَةٌ، ويَثْبُتُ لِلْمُرْتَهِنِ الخِيَارُ إن كان الرَّهْنُ مَشْرُوطًا في بَيْعٍ؛ لأنها تَعَيَّبَتْ ونَقَصَتْ قِيمَتُها. فإن قِيلَ: فلِمَ لا يَنْفَسِخُ عَقْدُ الرَّهْنِ كما تَنْفَسِخُ الإجَارَةُ؟ قُلْنَا: الإجَارَةُ عَقْدٌ على مَنْفَعَةِ السُّكْنَى، وقد تَعَذَّرَتْ وعَدِمَتْ، فبَطَلَ العَقْدُ لِعَدَمِ المَعْقُودِ عليه، والرَّهْنُ عقدُ اسْتِيثَاقٍ يَتَعَلَّقُ بالأعْيَانِ التى فيها المَالِيَّةُ، وهى بَاقِيَةٌ. فعلَى هذا تكون العَرْصَةُ والأنْقَاضُ من الأَخْشَابِ والأحْجَارِ ونحوِهما من الرَّهْنِ؛ لأنَّ العَقْدَ وَرَدَ على جَمِيعِ الأعْيَانِ والأَنقَاضُ منها، وما دَخَلَ في العَقْدِ اسْتَقَرَّ بالقَبْضِ.
فصل: وكلُّ عَيْنٍ جازَ بَيْعُها جَازَ رَهْنُها؛ لأنَّ مَقْصُودَ الرَّهْنِ الاسْتِيثاقُ بالدَّيْنِ لِلتَّوَصُّلِ إلى اسْتِيفَائِه من ثَمَنِ الرَّهْنِ إن تَعَذَّرَ اسْتِيفَاؤُه من ذِمَّةِ الرَّاهِنِ، وهذا يَتَحَقَّقُ في كلِّ عَيْنٍ جَازَ بَيْعُها، ولأنَّ ما كان مَحَلًّا لِلْبَيْعِ كان مَحَلًّا لحِكْمةِ الرَّهْنِ، ومَحلُّ الشَّىءِ مَحلُّ حِكْمَتِه (١٥)، إلَّا أن يَمْنَعَ مانِعٌ من ثُبُوتِه، أو يَفُوتَ شَرْطٌ، فَيَنْتَفِىَ
стр. 3066
الحُكْمُ لِانْتِفَائِه، فيَصِحُّ رَهْنُ المُشَاعِ لذلك. وبه قال ابنُ أبي لَيْلَى، ومالِكٌ، والبَتِّيُّ (١٦)، والأوْزَاعِيُّ، وسَوَّارٌ (١٧)، والْعَنْبَرِيُّ، والشَّافِعيُّ، وأبو ثَوْرٍ. وقال أصْحَابُ الرَّأْيِ: لا يَصِحُّ رَهْنُه، إلَّا أن يَرْهَنَه من شَرِيكِه، أو يَرْهَنَها الشَّرِيكَانِ من رَجُلٍ واحِدٍ، أو يَرْهَنَ رَجُلًا دَارَه من رَجُلَيْنِ، فيَقْبِضَانِها معًا؛ لأنَّه عَقْدٌ تَخَلَّفَ عنه مَقْصُودُه لِمَعْنًى اتَّصَلَ به، فلم يَصِحَّ، كما لو تَزَوَّجَ أُخْتَه من الرَّضَاعِ، بَيانُه أنَّ مَقْصُودَه الحَبْسُ الدَّائِمُ، والمُشَاعُ لا يُمْكِنُ المُرْتَهِنُ حَبْسَهُ، لأنَّ شَرِيكَه يَنْتَزِعُه يومَ نَوْبَتِه، ولأن اسْتِدَامَةَ القَبْضِ شَرْطٌ، وهذا يَسْتَحِقُّ زَوَالَ اليَدِ عنه لِمَعْنًى قَارَنَ العَقْدَ، فلم يَصِحَّ رَهْنُه كالمَغْصُوبِ. ولَنا، أنَّها عَيْنٌ يجوزُ بَيْعُها في مَحلِّ الحَقِّ، فيَصِحُّ (١٨) رَهْنُها كالمُفْرَزَةِ. ولا نُسَلِّمُ أنَّ مَقْصُودَه الحَبْسُ، بل مَقْصُودُه اسْتِيفَاءُ الدَّيْنِ من ثَمَنِه عندَ تَعَذُّرِه من غيرِه، والمُشَاعُ قابِلٌ لذلك، ثم يَبْطُلُ ما ذَكَرُوهُ بِرَهْنِ القَاتِلِ والمُرْتَدِّ والمَغْصُوبِ، وَرَهْنِ مِلْكِ غيره بغيرِ إِذْنِه من غيرِ وِلايَةٍ، فإنَّه يَصِحُّ عندَهم.
فصل: ويَصِحُّ أن يَرْهَنَ بعضَ نَصِيبِه من المُشَاعِ، كما يَصِحُّ أن يَرْهَنَ جَمِيعَه، سواءٌ رَهَنَه مُشَاعًا في نَصِيبِه، مثلَ أن يَرْهَنَ نِصْفَ نَصِيبِه، أو يَرْهَنَ نَصِيبَه من مُعَيَّنٍ، مثلَ أن يكونَ له نِصْفُ دَارٍ فيَرْهَنَ نَصِيبَه من بَيْتٍ منها بعَيْنِه. وقال القاضِى: يَحْتَمِلُ أن لا يَصِحَّ رَهْنُ حِصَّتِه من مُعَيَّنٍ من شىءٍ تمكنُ قِسْمَتُه، لِاحْتِمَالِ أن يَقْتَسِمَ الشَّرِيكَانِ، فيَحْصُلُ الرَّهْنُ في حِصَّةِ شَرِيكِه. ولَنا، أنَّه يَصِحُّ بَيْعُه، فصَحَّ رَهْنُه كغيرِه، وما ذَكَرَهُ لا يَصِحُّ؛ لأنَّ الرَّاهِنَ مَمْنُوعٌ من التَّصَرُّفِ في الرَّهْنِ بما يَضُرُّ بالمُرْتَهِنِ، فَيُمْنَعُ من القِسْمَةِ المُضِرَّةِ، كما يُمْنَعُ من بَيْعِه.
فصل: ويَصِحُّ رَهْنُ المُرْتَدِّ والقَاتِلِ في المُحَارَبَةِ والجَانِى، سواءٌ كانت جِنَايَتُه عَمْدًا أو خَطَأً على النَّفْسِ وما دُونَها. وقال القاضِي: لا يَصِحُّ رَهْنُ القَاتِلِ في
стр. 3067
الْمحَارَبَةِ، واختَارَ أبو بكرٍ أنَّه لا يَصِحُّ رَهْنُ الجانِى. وهو مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ. ومَبْنَى الخِلَافِ في هذا على الخِلَافِ في بَيْعِه، وقد سَبَقَ الكَلَامُ فيه في مَوْضِعِه. ثم إن كان المُرْتَهِنُ عَالِمًا بحَالِه، فلا خِيَارَ له؛ لأنَّه دَخَلَ على بَصِيرَةٍ، فأشْبَه المُشْتَرِىَ إذا عَلِمَ العَيْبَ، وإن لم يكُنْ عَالِمًا، ثم عَلِمَ بعد إسْلَامِ المُرْتَدِّ وفِدَاءِ الجانِى، فكذلك؛ لأنَّ العَيْبَ زَالَ، فهو كما لو زَالَ عَيْبُ المَبِيعِ. وإن عَلِمَ قبلَ ذلك، فله رَدُّه وفَسْخُ البَيْعِ إن كان مَشْرُوطًا في عَقْدِ بَيْعٍ؛ لأنَّ الشَّرْطَ اقْتَضَاهُ سَلِيمًا، فإذا سُلِّمَ إليه مَعِيبًا، مَلَكَ الفَسْخَ، كالبَيْعِ، وإن اخْتَارَ إمْسَاكَه، فليس له أرْشٌ ولا شىءٌ؛ لأنَّ الرَّهْنَ بجُمْلَتِه لو تَلِفَ (١٩) قبلَ قَبْضِه، لم يَمْلِكْ بَدَلَه، فبعضُه أَوْلَى. وكذلك لو لم يَعْلَمْ حتى قُتِلَ العَبْدُ بالرِّدَّةِ أو القِصَاصِ، أو أُخِذَ في الجِنَايَةِ، فلا أَرْشَ لِلْمُرْتَهِنِ. وذَكَرَ القاضي أنَّ قِيَاسَ المَذْهَبِ أنَّ له الأرْشَ في هذه المَوَاضِع، قِيَاسًا على البَيْعِ. وليس الأمرُ كذلكَ؛ فإنَّ المَبِيعَ عِوَضٌ عن الثَّمَنِ، فإذا فَاتَ بعضُه، رَجَعَ بما يُقَابِلهُ من الثَّمَنِ، ولو فَاتَ كله، مثلَ أن يَتْلَفَ المَبِيعُ (٢٠) قبلَ قَبْضِه، رَجَعَ بالثَّمَنِ كلِّه، والرَّهْنُ ليس بِعِوَضٍ. ولو تَلِفَ كلُّه قبلَ القَبْضِ، لما اسْتَحَقَّ الرُّجُوعَ بشىءٍ، فكيف يَسْتَحِقُّ الرُّجُوعَ بِبَدَل عَيْنِه (٢١) أو فَواتِ بَعْضِه؟ وإن امْتَنَعَ السَّيِّدُ من فِدَاءِ الجانِى، لم يُجْبَرْ، ويُبَاعُ في الجِنَايَةِ؛ لأنَّ حَقَّ المَجْنِى عليه مُقَدَّمٌ على الرَّهْنِ، فأشْبَهَ ما لو حَدَثَتِ الجِنَايَةُ بعد الرَّهْنِ. فعلَى هذا إن اسْتَغْرَقَ الأرْشُ (٢٢) قِيمَتَه، بِيعَ وبَطَلَ الرَّهْنُ، وإن لم يَسْتَغْرِقْها، بِيعَ منه بِقَدْرِ الأرْشِ، والباقِى رَهْنٌ.
فصل: ويَصِحُّ رَهْنُ المُدَبَّرِ، في ظَاهِرِ المَذْهَبِ، بِنَاءً على جَوَازِ بَيْعِه. ومَنَعَ منه أبو حنيفةَ والشَّافِعِيُّ؛ لأنَّه عَلَّقَ عِتْقَهُ بِصِفَةٍ، أشْبَه ما لو عَلَّق عِتْقَهُ بِصِفَةٍ تُوجَدُ
стр. 3068
قبلَ حُلُولِ الحَقِّ. ولَنا، أنَّه عَقْدٌ يُقْصَدُ منه [اسْتِيفَاءُ الحَقِّ من العَيْنِ، أشْبَهَ الإجارَةَ. ولأنَّه عَلَّقَ عِتْقَهُ بِصِفَةٍ لا تَمْنَعُ] (٢٣) اسْتِيفَاءَ الحَقِّ، أشْبَهَ ما لو عَلَّقَهُ بِصِفَةٍ تُوجَدُ بعدَ حُلُولِ الحَقِّ. وما ذَكَرُوه يَنْتَقِضُ بهذا الأصْلِ، ويُفَارِقُ التَّدْبِيرُ التَّعْلِيقَ بصِفَةٍ تَحِلُّ قبلَ حُلُولِ الدَّيْنِ؛ لأنَّ الرَّهْنَ لا يَمْنَعُ عِتْقَهُ بالصِّفَةِ، فإذا عَتَقَ تَعَذَّرَ اسْتِيفَاءُ الدَّيْنِ منه، فلا يَحْصُلُ المَقْصُودُ، والدَّيْنُ في المُدَبَّرِ يَمْنَعُ عِتْقَهُ بالتَّدْبِيرِ، ويُقَدَّمُ عليه، فلا يَمْنَعُ حُصُولَ المَقْصُودِ. والحُكْمُ فيما إذا عُلِمَ التَّدْبِيرُ أو لم يُعْلَمْ، كالحُكْمِ في العَبْدِ الجَانِى، على ما فُصِّلَ فيه. ومتى مَاتَ السَّيِّدُ قبلَ الوَفَاءِ، فعَتَقَ المُدَبَّرُ، بَطَلَ الرَّهْنُ، وإن عَتَقَ بعضُه، بَقِىَ الرَّهْنُ فيما بَقِىَ. وإن لم يَكُنْ لِلسَّيِّدِ مالٌ يَفْضُلُ عن وَفَاءِ الدَّيْنِ، بِيعَ المُدَبَّرُ في الدَّيْنِ، وبَطَلَ التَّدْبِيرُ؛ لأنَّ الدَّيْنَ مُقَدَّمٌ على التَّدْبِيرِ، ولا يَبْطُلُ الرَّهْنُ. وإن كان الدَّيْنُ لا يَسْتَغْرِقُه، بِيعَ منه بِقَدْرِ الدَّيْنِ، وعَتَقَ منه ثُلُث الباقِى، وما بَقِىَ لِلْوَرَثَةِ.
فصل: فأمَّا المُكَاتَبُ، فالصَّحِيحُ أنَّه لا يَصِحُّ رَهْنُه. وهو مذهبُ الشَّافِعِيِّ؛ لأنَّ اسْتِدَامَةَ القَبْضِ في الرَّهْنِ شَرْطٌ في الصَّحِيحِ، ولا يُمْكِنُ ذلك في المُكاتَبِ. وقال القاضي: قِياسُ المَذْهَبِ صِحَّةُ رَهْنِه. وهو مذهبُ مَالِكٍ؛ لأنَّه يجوزُ بَيْعُه وإيفَاءُ الدَّيْنِ من ثَمَنِه. فعلى هذا يكونُ ما يُؤَدِّيه مِن نُجُوم كِتَابَتِه رَهْنًا معه، فإنْ عَجَزَ ثَبَتَ الرَّهْنُ فيه وفي اكْتِسَابِه، وإن عَتَقَ كان ما أدَّاهُ مِن نُجُومِه رَهْنًا، بمَنْزِلَةِ ما لو كَسَبَ العبدُ الْقِنُّ، ثم ماتَ.
فصل: وأمَّا مَن عُلِّقَ عِتْقُه بصِفَةٍ تَحِلُّ قبلَ حُلُولِ الحَقِّ، كمَن عُلِّقَ عِتْقُه بهِلَالِ رمضانَ، ومَحَلُّ الحَقِّ آخِرُه، لم يَصِحَّ رَهْنُه؛ لكَوْنِه لا يُمْكِنُ بَيْعُه عندَ حُلُولِ الحَقِّ (٢٤)، ولا اسْتِيفَاءُ الدَّيْنِ من ثَمَنِه. وإن كان الدَّيْنُ يَحِلُّ قبلَها، مثلُ أن يُعَلَّقَ
стр. 3069
عِتْقُه بآخِر رمضانَ، والحقُّ يَحِلُّ في أوَّلهِ، صَحَّ رَهْنُه؛ لإمْكانِ اسْتِيفَاءِ الدَّيْنِ من ثَمَنِه. فإن كانت تَحْتَمِلُ الأَمْرَيْنِ، كقُدُومِ زَيْدٍ، فقِيَاسُ المَذْهَبِ صِحَّةُ رَهْنِه؛ لأنَّه في الحالِ مَحلٌّ لِلرَّهْنِ يُمْكِنُ أن يَيْقَى حتى يَسْتَوْفِىَ الدَّيْنَ مِن ثَمَنِه، فَصَحَّ رَهْنُه، كالمَرِيضِ والمُدَبَّرِ. وهذا مذهبُ أبي حنيفةَ رَضِىَ اللَّه عنه. ويَحْتَمِلُ أن لا يَصِحَّ رَهْنُه؛ لأنَّ فيه غَرَرًا، إذ يَحْتَمِلُ أن يَعْتِقَ قبلَ حُلُولِ الحَقِّ، ولأصْحابِ الشَّافِعِيِّ فيه اختِلَافٌ على نحوِ ما ذَكَرنَا.
فصل: ويجوزُ رَهْنُ الجارِيَةِ دُونَ وَلَدِها، وَرَهْنُ وَلَدِهَا دُونَها؛ لأنَّ الرَّهْنَ لا يُزِيلُ المِلْكَ، فلا يَحْصُلُ بذلك تَفْرِقَةٌ، ولأنَّه يُمْكِنُ تَسْلِيمُ الوَلَدِ مع أُمِّهِ، والأُمِّ مع وَلَدِهَا، فإن دَعَتِ الحاجَةُ إلى بَيْعِهَا في الدَّيْنِ، بِيعَ وَلَدُها معها؛ لأنَّ الجَمْعَ في العَقْدِ مُمْكِنٌ، والتَّفْرِيقَ بينهما حَرَامٌ، فوَجَبَ بَيْعُه معها. فإذا بِيعَا معًا، تَعَلَّقَ حَقُّ المُرْتَهِنِ من ذلك بِقَدْرِ قِيمَةِ الجَارِيَةِ من الثَّمَنِ، فإذا كانت قِيمَتُها مائةً، مع أنَّها ذَاتُ وَلَدٍ، وقِيمَةُ الوَلَدِ خَمْسُونَ، فَحِصَّتُها ثُلُثَا الثَّمَنِ. وإن لم يَعْلَم المُرْتَهِنُ بالوَلَدِ، ثم عَلِمَ، فله الخِيَارُ في الرَّدِّ والإمْسَاكِ؛ لأنَّ الوَلَدَ عَيْبٌ فيها، لِكَوْنِه لا يُمْكِنُ بَيْعُها بدونه، فإن أمْسَكَ، فهو كما لو عَلِمَ حالَ العَقْدِ، ولا شىءَ له غيرُها، وإن رَدَّهَا فله فَسْخُ البَيْعِ، إن كانت مَشْرُوطَةً فيه.
فصل: ويَصِحُّ رَهْنُ ما يُسْرِعُ إليه الفَسادُ، سواءٌ كان ممَّا يُمْكِنُ إصْلَاحُه بالتَّجْفِيفِ، كالعِنَبِ والرُّطَبِ، أو لا يُمْكِنُ، كالبِطِّيخِ والطَّبِيخِ. ثم إن كان ممَّا يُجَفَّفُ، فعلَى الرَّاهِنِ تَجْفِيفُه؛ لأنَّه مِن مُؤْنَةِ حِفْظِه وتَبْقِيَتِه، فلَزِمَ (٢٥) الرَّاهِنَ، كنَفَقَةِ الحَيَوانِ. وإن كان ممَّا لا يُجَفَّفُ، فإنَّه يُبَاعُ، ويَقْضِى الدَّيْنَ من ثَمَنِه، إن كان حَالًّا، أو يَحِلُّ قبلَ فَسَادِه، وإن كان لا يَحِلُّ قبل فَسَادِه، جَعَلَ ثَمَنَه مَكَانَه رَهْنًا، سواءٌ شَرَطَ في الرَّهْنِ بَيْعَه أو أطْلَقَ. وقال أصْحَابُ الشَّافِعِيِّ: إن كان ممَّا يَفْسُدُ قبلَ مَحلِّ الدَّيْنِ، فشَرَطَ المُرْتَهِنُ على الرَّاهِنِ بَيْعَه وجَعْلَ ثَمَنِه مَكَانه، صَحَّ. وإن أطْلَقَ، فعلَى قَوْلَيْنِ: أحدِهما، لا يَصِحُّ؛ لأنَّ بَيْعَ الرَّهْنِ قبلَ حُلُولِ الحَقِّ لا يَقْتَضِيهِ
стр. 3070
عَقْدُ الرَّهْنِ، فلم يَجِبْ، ولم يَصِحَّ رَهْنُه، كما لو شَرَطَ أن لا يَبِيعَه. وذَكَرَ القاضي فيه وَجْهَيْنِ، كالقَوْلَيْنِ. ولَنا، أنَّ العُرْفَ يَقْتَضِي ذلك؛ لأنَّ المالِكَ لا يُعَرِّضُ مِلْكَهُ لِلتَّلَفِ والهَلَاكِ، فإذا تَعَيَّنَ حِفْظُه في بَيْعِه، حُمِلَ عليه مُطْلَقُ العَقْدِ، كَتَجْفِيفِ ما يَجِفُّ، والإنْفَاقِ على الحَيَوانِ، وحَرْزِ ما يَحْتَاجُ إلى حَرْزٍ. وأمَّا إذا شَرَطَ أن لا يُبَاعَ، فلا يَصِحُّ؛ لأنَّه شَرَطَ ما يَتَضَمَّنُ فَسَادَه، وفَوَاتَ المَقصُودِ، فأَشْبَهَ مالو شَرَطَ أن لا يُجَفِّفَ ما يَجِفُّ، أو لا يُنْفِقَ على الحَيَوانِ. وإذا ثَبَتَ ما ذَكَرْنَاهُ، فإنَّه إن شَرَطَ لِلْمُرْتَهِنِ بَيْعَه، أو أذِنَ له في بَيْعِه بعدَ العَقْدِ، أو اتَّفَقَا على أن يَبِيعَهُ الرَّاهْنُ أو غيرُه، بَاعَهُ. وإن لم يُمْكِنْ ذلك، بَاعَهُ الحاكِمُ، وجَعَلَ ثَمَنَهُ رَهْنًا، ولا يَقْضِى الدَّيْنَ من ثَمَنِه؛ لأنَّه ليس له تَعْجِيلُ وَفَاءِ الدَّيْنِ قبلَ حُلُولِه (٢٦). وكذلك الحُكْمُ إن رَهَنَهُ ثِيَابًا فخَافَ تَلَفَها، أو حَيَوَانًا وخَافَ مَوْتَهُ، قال أحمدُ، في مَن رَهَنَ ثِيَابًا يَخافُ فَسَادَها، كالصُّوفِ: أتَى السُّلْطَانَ، فأَمَرَهُ بِبَيْعِها.
فصل: ويَصِحُّ (٢٧) رَهْنُ العَصِيرِ؛ لأنَّه يجوزُ بَيْعُه، وتَعَرُّضُه لِلخُرُوجِ عن المالِيَّةِ لا يَمْنَعُ صِحَّةَ رَهْنِه، كالمَرِيضِ والجَانِى. ثم إنِ اسْتَحَالَ إلى حالٍ لايخْرُجُ فيها عن المالِيَّةِ، كالخَلِّ، فالرَّهْنُ بحالِه، وإن صَارَ خَمْرًا زالَ لُزُومُ العَقْدِ، ووجَبَتْ إرَاقَتُه، فإن أُرِيقَ بَطَلَ العَقْدُ فيه، ولا خِيَارَ لِلْمُرْتَهِنِ؛ لأنَّ التَّلَفَ حَصَلَ في يَدِه. وإن عَادَ خَلًّا، عَادَ اللُّزُومُ، بِحُكْمِ العَقْدِ السَّابِقِ، كما لو زَالَتْ يَدُ المُرْتَهِنِ عن الرَّهْنِ ثم عَادَتْ إليه. وإن اسْتَحَالَ خَمْرًا قبلَ قَبْضِ المُرْتَهِنِ له، بَطلَ الرَّهْنُ، ولم يَعُدْ بِعَوْدِه خَلًّا؛ لأنَّه عَقْدٌ ضَعِيفٌ لِعَدَمِ القَبْضِ فيه (٢٨)، فأشْبَه إسْلامَ أحَدِ الزَّوْجَيْنِ قبلَ الدُّخُولِ. وذَكَرَ القَاضي أنَّ العَصِيرَ إذا اسْتَحَالَ خَمْرًا بعدَ القَبْضِ، بَطَلَ الرَّهْنُ، ثم إذا عَادَ خَلًّا، عَادَ مِلْكًا لِصَاحِبِه، مَرْهُونًا بالعَقْدِ السَّابِقِ؛ لأنَّه
стр. 3071
يَعُودُ مَمْلُوكًا بِحُكْمِ المِلْكِ الأوَّلِ، فيَعُودُ حُكْمُ الرَّهْنِ أيضا؛ لأنَّه زَالَ بِزَوَالِ المِلْكِ، فيَعُودُ بِعَوْدِه. وهذا مذهبُ الشَّافِعِيِّ. وقال مالِكٌ وأبو حنيفةَ: هو رَهْنٌ بحالِه؛ لأنه كانت له قِيمَةٌ حالَةَ كَوْنِهِ عَصِيرًا، ويَجوزُ أنَّ يَصِيرَ له قِيمَةٌ، فلا (٢٩) يَزُولَ المِلْكُ عنه، كما لو ارْتَدَّ الجانى، ولأنَّ اليَدَ لم تَزُلْ عنه حُكْمًا، ولهذا لو غَصَبَهُ غَاصِبٌ، فتَخَلَّلَ في يَدِه، كان مِلْكًا لِلمَغْصُوبِ منه، ولو زَالَتْ يَدُه، لَكان مِلْكًا لِلْغَاصِبِ، كما لو أراقَهُ فجَمَعَه إنْسَانٌ، فتَخَلَّلَ في يَدِه، كان له، دون مَن أَراقَهُ. وهذا القولُ هو قولُنا الأَوَّلُ في المعْنَى، إلَّا أن يقُولُوا بِبَقَاءِ اللُّزُومِ فيه حالَ كَوْنِه خَمْرًا. ولم يَظْهَرْ لى فَائِدَةُ الخِلافِ بعدَ اتِّفَاقِهِما على عَوْدِه رَهْنًا بِاسْتِحَالَتِه خَلًّا، وأَرَى القَوْلَ بِبَقَائِه رَهْنًا أقْرَبَ إلى الصِّحَةِ؛ لأنَّ العَقْدَ لو بَطَلَ لما عَادَ صَحِيحًا من غيرِ ابْتِدَاءِ عَقْدٍ. فإن قالوا: يُمكِنُ عَوْدُه صَحِيحًا لِعَوْدِ المَعْنَى الذى بَطَلَ بِزَوَالِه، كما أنَّ زَوْجَةَ الكَافِرِ إذا أَسْلَمَتْ خَرَجَتْ من حُكْمِ العَقْدِ، لِاختِلَافِ دِينِهما، فإذا أسْلَمَ الزَّوْجُ في العِدَّةِ، عادَتِ الزَّوْجِيَّةُ بالعَقْدِ الأوَّلِ، لِزَوَالِ الاخْتِلَافِ في الدِّينِ. قُلْنا: هناك ما زَالَتِ الزَّوْجِيَّةُ، ولا بَطَلَ العَقْدُ، ولو بَطَلَ بِانْقِضَاءِ العِدَّةِ لَما عَادَ إلَّا بِعَقْدٍ جَدِيدٍ، وإنَّما العَقْدُ كان مَوْقُوفًا مُرَاعًى، فإذا أسْلَمَا في العِدَّةِ تَبَيَّنَّا أنَّه لم يَبْطُلْ، وإن لم يُسْلِمْ تَبَيَّنَّا أنَّه كان قد بَطَلَ، وهاهُنا قد جَزَمْتُمْ بِبُطْلَانِه.
فصل: وهل يَصِحُّ رَهْنُ الثَّمَرةِ قبلَ بُدُوِّ صَلَاحِها، مِن غير شَرْطِ القَطْعِ أو الزَّرْعِ الأخْضَرِ؟ فيه وَجْهَانِ؛ أحدُهما، يجوزُ. وهو اخْتِيَارُ القاضي؛ لأنَّ الغَرَرَ يَقِلُّ فيه، فإنَّ الثَّمَرةَ متى تَلِفَتْ، عَادَ إلى حَقِّه في ذِمَّةِ الرَّاهِنِ، ولأنَّه يجوزُ بَيْعُه، فجَازَ رَهْنُه، ومتى حَلَّ الحَقُّ بِيعَ، وإن اخْتَارَ المُرْتَهِنُ تَأْخِيرَ بَيْعِه، فله ذلك. والثانى، لا يَصِحُّ. وهو مَنْصُوصُ الشَّافِعِيِّ؛ لأنَّه لا يجوزُ بَيْعُه، فلا يَصِحُّ رَهْنُه، كسائِرِ ما لا يجوزُ بَيْعُه. وذَكَرَ القاضي أنَّه يجوزُ رَهْنُ المَبِيعِ الذي يُشْتَرَطُ قَبْضُهُ،
стр. 3072
كالمَكِيلِ والمَوْزُونِ قبلَ قَبْضِه؛ لأنَّ قَبْضَه مُسْتَحَقٌّ، فيُمْكِنُ المُشْتَرِىَ قَبْضُه، ثم يَقْبِضُه. أمَّا البَيْعُ فإنَّه يُفْضِي إلى أن يَرْبَحَ فيما لم يضْمَنْ، وهو مَنْهِىٌّ عنه. ويَحْتَمِلُ أن لا يَصِحَّ رَهْنُه، لأنَّه لا يَصِحُّ بَيْعُه.
فصل: وفي رَهْنِ المُصْحَفِ رِوَايَتانِ؛ إحْداهما، لا يَصِحُّ رَهْنُه. نَقَلَ الجَماعَةُ عنه: أرْخَصَ (٣٠) في رَهْنِ المُصْحَفِ. وذلك لأنَّ المَقْصُودَ من الرَّهْنِ اسْتِيفَاءُ الدَّيْنِ من ثَمَنِه، ولا يَحْصُلُ ذلك إلَّا بِبَيْعِه، وبَيْعُه غيرُ جائِزٍ. والثَّانية، يَصِحُّ رَهْنُه. فإنَّه قال: إذا رَهَنَ مُصْحَفًا، لا يَقْرأُ فيه إلَّا بإذْنِه. فظَاهِرُ هذا صِحَّةُ رَهْنِه. وهو قولُ مالِكٍ، والشَّافِعِيِّ، وأبى ثَوْرٍ، وأصْحَابِ الرَّأىِ، بنَاءً على أنَّه يَصِحُّ بَيْعُه، فصَحَّ رَهْنُه، كغيرِه.
فصل: ويجوزُ أن يَسْتَعِيرَ شيئا يَرْهَنُه. قال ابنُ المُنْذِرِ: أجْمَعَ كلُّ من نَحْفَظُ (٣١) عنه من أهْلِ العِلْمِ، على أنَّ الرَّجُلَ إذا اسْتَعَارَ من الرَّجُلِ شَيْئًا يَرْهَنُه على دَنَانِيرَ مَعْلُومَة، عندَ رَجُلٍ سَمَّاهُ، إلى وَقْتٍ مَعْلُومٍ، فَفَعَلَ، أنَّ ذلك جَائِزٌ. ويَنْبَغِى أن يَذْكُرَ المُرْتَهِنَ، والقَدْرَ الذى يَرْهَنُه به، وجِنْسَه، ومُدَّةَ الرَّهْنِ؛ لأنَّ الضَّرَرَ يَخْتَلِفُ بذلك، فاحْتِيجَ إلى ذِكْرِه، كأصْلِ الرَّهْنِ. ومتى شَرَطَ شيئا من ذلك، فخَالَفَ، ورَهَنَهُ بغيرِه، لم يَصِحّ الرَّهْنُ؛ لأنَّه لم يُؤْذَنْ له في هذا الرَّهْنِ، فأشْبَهَ مَن لم يَأْذَنْ في أصْلِ الرَّهْنِ. قال ابنُ المُنْذِرِ: أجْمَع أهْلُ العِلْمِ على ذلك. وإن أذِنَ له في رَهْنِه بِقَدْرٍ من المالِ، فنَقَصَ عنه، مثل أن يَأْذَنَ له في رَهْنِه بمائةٍ، فَيرْهَنُه بخَمْسِينَ، صَحَّ، لأنَّ مَن أذِنَ في مائةٍ، فقد أذِنَ في خَمْسِينَ. وإن رَهَنَهُ بأَكْثَرَ، مثل أن رَهَنَه بمائةٍ وخَمْسِينَ، احْتَمَلَ أن يَبْطُلَ في الكُلِّ؛ لأنَّه خَالَفَ المَنْصُوصَ عليه، فبَطَلَ، كما لو قال: ارْهَنْهُ بدَنَانِيرَ. فرَهَنَهُ بِدَرَاهِمَ. أو بِحَالٍّ. فرَهَنَهُ بمُؤَجَّلٍ. أو بمُؤَجَّلٍ. فرَهَنَهُ بِحَالٍّ، فإنَّه لا يَصِحُّ. كذلك هاهُنا. وهذا مَنْصُوصُ
стр. 3073
الشَّافِعِيِّ. والوَجْهُ الثاني، أنَّه يَصِحُّ في المائةِ، ويَبْطُلُ في الزَّائِدِ عليها؛ لأنَّ العَقْدَ تَنَاوَلَ ما يجوزُ وما لا يجوزُ، فجَازَ فيما دون غيرِه، كَتَفْرِيقِ الصَّفْقَةِ. ويُفَارِقُ ما ذَكَرْنا من الأُصُولِ؛ فإنَّ العَقْدَ لم يَتَنَاوَلْ مَأْذُونًا فيه بحالٍ، وكل واحِدٍ من هذه الأُمُورِ يَتَعَلَّقُ به غَرَضٌ لا يُوجَدُ فى الآخَرِ، فإنَّ الرَّاهِنَ قد يَقْدِرُ على فَكَاكِه في الحالِ، ولا يَقْدِرُ على ذلك عند الأجَلِ وبالعَكْسِ. وقد يَقْدِرُ على فَكَاكِه بأحَدِ النَّقْدَيْنِ دون الآخَرِ، فيَفُوتُ الغَرَضُ بالمُخَالَفَةِ، وفي مَسْأَلَتِنَا إذا صَحَّ في المائَةِ المَأْذُونِ فيها لم يَخْتَلِف الغَرَضُ، فإن أَطْلَقَ الرَّهْنَ في الإذْنِ من غيرِ تَعْيِين، فقال القاضي: يَصِحُّ، وله رَهْنُه بما شَاءَ. وهو قولُ أصْحَابِ الرَّأْىِ، وأحَدُ قَوْلَىِ الشَّافِعيِّ. والآخَرُ: لا (٣٢) يجوزُ حتى يُبَيِّنَ قَدْرَ الذى يَرْهَنُه به، وصِفَتَه، وحُلُولَه، وتَأْجِيلَه؛ لأنَّ هذا بمَنْزِلَةِ الضَّمَانِ، لأنَّ مَنْفَعَةَ العَبْدِ لِسَيِّدِهِ، والعَارِيَّةُ ما أفَادَتِ المَنْفَعَةَ، إنَّما حَصَّلَتْ له نَفْعًا يكونُ الرَّهْنُ وَثِيقَةً عنه، فهو بمَنْزِلَةِ الضَّمَانِ في ذِمَّتِه، وضَمَانُ المَجْهُولِ لا يَصِحُّ. ولَنا، أنَّها عَارِيَّةٌ، فلم يُشْتَرَطْ لِصِحَّتِها ذِكْرُ ذلك، كالعَارِيَّةِ لغيرِ الرَّهْنِ، والدَّلِيلُ على أنَّه عَارِيَّةٌ أنَّه قَبَضَ مِلْكَ غيرِه لِمَنْفَعَةِ نَفْسِه، مُنْفَرِدًا بها من غير عِوَضٍ، فكان عَارِيَّةً، كَقَبْضِه لِلْخِدْمَةِ. وقولُهم: إنَّه ضَمَانٌ. غيرُ صَحِيحٍ؛ لأنَّ الضَّمَانَ يَثْبُتُ في الذِّمَّةِ، لهذا ثَبَتَ في الرَّقَبَةِ، ولأنَّ الضَّمَانَ لَازِمٌ في حَقِّ الضَّامِنِ، وهذا له الرُّجُوعُ (٣٣) في العَبْدِ قبلَ الرَّهْنِ، وإلْزَامُ المُسْتَعِيرِ بِفَكَاكِه بعدَه. وقولُهم: إن المَنَافِعَ لِلسَّيِّدِ. قُلْنا: المَنَافعُ مُخْتَلِفَةٌ، فيجوزُ أن يَسْتَعِيرَهُ لِتَحْصِيلِ مَنْفَعَةٍ واحِدَةٍ وسَائِرُ المَنَافِعِ لِلسَّيِّدِ، كما لو اسْتَعَارَهُ لِحِفْظِ مَتَاعٍ وهو مع ذلك يَخِيطُ لِسَيِّدِه. أو يَعْمَلُ له شَيْئًا، أو اسْتَعَارَهُ لِيَخِيطَ له، ويَحْفَظُ المَتَاعَ لِسَيِّدِه. فإنْ قيل: لو كان عَارِيَّةً لمَا صَحَّ رَهْنُه؛ لأنَّ العَارِيَّةَ لا تَلْزَمُ، والرَّهْنُ
стр. 3074
لازِمٌ. قُلْنا: العَارِيَّةُ غيرُ لَازِمَةٍ من جِهَةِ المُسْتَعِيرِ؛ فإنَّ لِصَاحِبِ العَبْدِ المُطَالَبَةَ بِفَكَاكِه قبلَ حَلُولِ الدَّيْنِ. ولأنَّ العَارِيَّةَ قد تكونُ لَازِمَةً، بِدَلِيلِ ما لو أعَارَهُ حَائِطًا لِيَبْنِىَ عليه، أو أرْضًا لِيَدْفِنَ فيها، أو لِيَزْرَعَ فيها ما لا يُحْصَدُ قَصِيلًا (٣٤). إذ ثَبَتَ هذا، فإنَّه يَصِحُّ رَهْنُه بما شَاءَ، إلى أى وَقْتٍ شَاءَ، ممَّن شَاءَ؛ لأنَّ الإذْنَ يَتَنَاوَلُ الكُلَّ بإِطْلَاقِه، ولِلسَّيِّدَ مُطالَبَةُ الرَّاهِنِ بِفَكَاكِ الرَّهْنِ، حَالًّا كان أو مُؤَجَّلًا، في مَحلِّ الحَقِّ وقبلَ مَحلَّه؛ لأنَّ العَارِيَّةَ لا تَلْزَمُ. ومتى حَلَّ الحَقُّ فلم يَقْبِضْه، فَلِلْمُرْتَهِنِ بَيْعُ الرَّهْنِ. واسْتِيفَاءُ الدَّيْنِ من ثَمَنِه، ويَرْجِعُ المُعِيرُ على الرَّاهِنِ بالضَّمَانِ، وهو قِيمَةُ العَيْنِ المُسْتَعَارَةِ، أو مِثْلُها إن كانتْ مِن ذَوَاتِ الأمْثَالِ، ولا يَرْجِعُ بما بِيعَتْ به، سواءٌ بِيعَتْ بأَقَلَّ من القِيمَةِ أو أكْثَرَ، في أحَدِ الوَجْهَيْنِ. والصَّحِيحُ أنَّها إن بِيعَت بأَقَلَّ من قِيمَتِها، رَجَعَ بالقِيمَةِ؛ لأنَّ العَارِيَّةَ مَضْمُونَةٌ، فيَضْمَنُ نَقْصَ ثَمَنِها، وإن بيعَتْ بأكْثَرَ، رَجَعَ بما بِيعَتْ به؛ لأنَّ العَبْدَ مِلْكٌ لِلْمُعِيرِ، فيكون ثَمَنُه كلُّه له. وكذلك لو أسْقَطَ المُرْتَهِنُ حَقَّهُ عن الرَّاهِنِ، رَجَعَ الثَّمَنُ كلُّه إلى صَاحِبِه. فإذا قَضَى به دَيْنَ الرَّاهِنِ، رَجَعَ به عليه، ولا يَلْزَمُ من وُجُوبِ ضَمَانِ النَّقْصِ أن لا تكونَ الزِّيَادَةُ لِصَاحِبِ العَبْدِ، كما لو كان بَاقِيًا بِعَيْنِه، وإن تَلِفَ الرَّهْنُ ضَمِنَهُ الرَّاهِنُ بِقِيمَتِه، سواءٌ تَلِفَ بِتَفْرِيطٍ أو غير تَفْرِيطٍ. نَصَّ على هذا أحمدُ. وذلك لأنَّ العَارِيَّةَ مَضْمُونَةٌ.
فصل: وإن فَكَّ المُعيرُ الرَّهْنَ، وأَدَّى الدَّيْنَ الذى (٣٥) عليه بإذْنِ الرَّاهِنِ، رَجَعَ عليه. وإن قَضَاهُ مُتَبَرِّعًا، لم يَرْجِعْ بشىءٍ. وإن قَضَاهُ بغير إذْنِه مُحْتَسِبًا بالرُّجُوعِ بغير إذْنِه، فهل يَرْجِعُ؟ على رِوَايَتَيْنِ، بنَاءً على ما إذا قَضَى دَيْنَه بغيرِ إذْنِه، ويَتَرَجَّحُ الرجُوعُ هاهُنا؛ لأنَّ له المُطَالَبَةَ بفَكَاكِ عَبْدِه، وأدَاءُ دَيْنِه فَكَاكُه. وإن اخْتَلَفَا في الإذْنِ، فالَقْولُ قولُ الرَّاهِنِ مع يَمِينِه؛ لأنَّه مُنْكِرٌ. وإن شَهِدَ المُرْتَهِنُ
стр. 3075
لِلْمُعِيرِ، قُبِلَتْ شَهادَتُه؛ لأنَّه لا يَجُرُّ بها نَفْعًا، ولا يَدْفَعُ بها ضَرَرًا، وإن قال: أذِنْتَ لى في رَهْنِه بِعَشرَةٍ. قال: بل بِخَمْسَةٍ. فالقولُ قولُ المالِكِ؛ لأنَّه مُنْكِرٌ للزِّيَادَةِ. وبهذا قال الشَّافِعِيِّ، وأبو ثَوْرٍ، وأصْحَابُ الرَّأْيِ. وإن كان الدَّيْنُ مُؤَجَّلًا، فقَضَاهُ حَالًّا بإذْنِه، رَجَعَ به حَالًّا، وإن قَضَاهُ بغيرِ إذْنِه، فقال القاضي: يَرْجِعُ به حَالًّا أيضا؛ لأنَّ (٣٦) له المُطَالَبَةَ بفَكَاكِ عَبْدِه في الحال.
فصل: ولو اسْتَعَارَ من رَجُلٍ عَبْدًا لِيَرْهَنَهُ بمائةٍ، فرَهَنَهُ عند رَجُلَيْنِ، صَحَّ، لأنَّ تَعْيِينَ ما يَرْهَنُ به ليس بِشَرْطٍ، فكذلك مَن يَرْهَنُ عندَه، ولأنَّ رَهْنَهُ من رَجُلَيْنِ أقَلُّ ضَرَرًا مِن رَهْنِه عند رجلٍ (٣٧) واحِدٍ؛ لأنَّه يَنْفَكُّ منه بعضُه بِقَضَاءِ بعض (٣٧) الدَّيْنِ، بِخِلَافِ ما لو كان رَهْنًا عند وَاحِدٍ. فعلى هذا، إذا قَضَى أحَدُهُما ما عليه من الدَّيْنِ، خَرَجَ نَصِيبُه من الرَّهْنِ، لأنَّ عَقْدَ الواحِدِ مع الاثْنَيْنِ عَقْدَانِ في الحَقِيقَةِ. ولو اسْتَعَارَ عَبْدًا من رَجُلَيْنِ، فرَهَنَهُ عند واحِدٍ بمائةٍ، فقَضَاهُ نِصْفَها عن أحَدِ النَّصِيبَيْنِ، ففيه وَجْهانِ؛ أحدُهما، لا يَنْفَكُّ من الرَّهْنِ شيءٌ؛ لأنَّه عَقْدٌ واحِدٌ، من رَاهِنٍ واحِدٍ، مع مُرْتَهِنٍ واحِدٍ، فأشْبَهَ ما لو كان العَبْدُ لِوَاحِدٍ. والثانى، يَنْفَكُّ نِصْفُ العَبْدِ، لأنَّ كلَّ واحِدٍ منهما إنَّما أُذِنَ في رَهْنِ نَصِيبِه بِخَمْسِينَ، فلا يكونُ رَهْنًا بأكْثَرَ منها، كما لو صَرَّحَ له بذلك، فقال: ارْهَنْ نَصِيبِى بِخَمْسِينَ، لا تَزِدْ عليها. فعلى هذا الوَجْهِ، إن كان المُرْتَهِنُ عَالِمًا بذلك، فلا خِيَارَ له، وإن لم يكن عَالِمًا بذلك (٣٨)، والرَّهْنُ مَشْرُوطٌ في بَيْعٍ، احْتَمَلَ أن يكونَ له الخِيَارُ؛ لأنَّه دَخَلَ على أنَّ كلَّ جُزْءٍ من الرَّهْنِ وَثِيقَةٌ بِجَمِيعِ الدَّيْنِ، وقد فَاتَهُ ذلك، [واحْتَمَلَ أن لا يكونَ له خِيارٌ؛ لأنَّ الرَّهْنَ سُلِّمَ لَهُ كُلُّه بالدَّيْنِ كُلِّه، وهو دَخَلَ على ذلك] (٣٩)
стр. 3076
ولو كان رَهَنَ هذا العَبْدَ عندَ رَجُلَيْنِ، فقَضَى أحَدَهُمَا، انْفَكَّ نَصِيبُ كُلِّ واحِدٍ مِن المُعِيرَيْنِ من نِصْفِه. وإن قَضَى نِصْفَ دَيْنِ أَحَدِهِما انْفَكَّ (٤٠) نَصِيبُ أحَدِهِما، على أحَدِ الوَجْهَيْنِ، وفى الآخَرِ، يَنْفَكُّ نِصْفُ نَصِيبِ كلِّ واحِدٍ منهما.
فصل: ولو كان لِرَجُلَيْنِ عَبْدانِ، فأَذِنَ كلُّ واحِدٍ منهما لِشَرِيكِه فى رَهْنِ نَصِيبِه مِن أحَدِ العَبْدَيْنِ، فرَهَنَاهما عند رَجُلٍ مُطْلَقًا، صَحَّ. فإنْ شَرَطَ أحَدُهما أنَّنِى متى قَضَيْتُ ما عَلَىَّ من الدَّيْنِ، انْفَكَّ الرَّهْنُ فى العَبْدِ الذى رَهَنْتُه، وفى العَبْدِ الآخَرِ، [أوْ فى] (٤١) قَدْرِ نَصِيبِى من العَبْدِ الآخَرِ. فهذا شَرْطٌ فاسِدٌ؛ لأنَّه شَرَطَ أن يَنْفَكَّ بِقَضَاءِ الدَّيْنِ رَهْنٌ على دَيْنٍ آخَرَ، ويَفْسُدُ الرَّهْنُ؛ لأنَّ فى هذا الشَّرْطِ نَقْصًا على المُرْتَهِنِ، وكل شَرْطٍ فاسِدٍ يَنْقُصُ حَقَّ المُرْتَهِنِ، يُفْسِدُ الرَّهْنَ. فأمَّا إن شَرَطَ أنَّه لا يَنْفَكُّ شَىْءٌ من العَبْدِ حتى يَقْضِىَ جَمِيعَ الدَّيْنِ، فهو فَاسِدٌ أيضا؛ لأنَّه شَرَطَ أن يَبْقَى الرَّهْنُ مَحْبُوسًا بغيرِ الدَّيْنِ الذى هو رَهْن به، لكنَّه لا يَنْقُصُ حَقَّ المُرْتَهِنِ، فهل يَفْسُدُ الرَّهْنُ بذلك؟ على وَجْهَيْنِ.
فصل: ولا يَصِحُّ رَهْنُ ما لا يَصِحُّ بَيْعُه، كأُمِّ الوَلَدِ، والوَقْفِ، والعَيْنِ المَرْهُونَةِ؛ لأنَّ مَقْصُودَ الرَّهْنِ اسْتِيفَاءُ الدَّيْنِ من ثَمَنِه، وما لا يجوزُ بَيْعُه لا يُمْكِنُ ذلك فيه. ولو رَهَنَ العَيْنَ المَرْهُونَةَ عندَ المُرْتَهِنِ، لم يَجُزْ. فلو قال الرَّاهِنُ لِلْمُرْتَهِنِ: زِدْنِى ما لا يكونُ الرَّهْنُ الذى عِنْدَكَ رَهْنًا به وبالدَّيْنِ الأوَّلِ. لم يَجُزْ. وبهذا قال أبو حنيفةَ ومحمدٌ. وهو أحَدُ قَوْلَىِ الشَّافِعِىِّ. وقال مالِكٌ، وأبو يوسفَ، وأبو ثَوْرٍ، والمُزنِىُّ، وابن المُنْذِرِ: يجوزُ ذلك؛ لأنَّه لو زادَهُ رَهْنًا جازَ، فكذلك إذا زادَ فى دَيْنِ الرَّهْنِ، ولأنَّه لو فَدَى المُرْتَهِنُ العَبْدَ الجَانِى بإِذْنِ الرَّاهِنِ، ليكُون رَهْنا بالمالِ الأَوَّلِ وبما فَداهُ به، جازَ، فكذلك هاهُنا، ولأنَّها وَثِيقَةٌ مَحْضَةٌ، فجازَتِ
стр. 3077
الزِّيادَةُ فيها كالضَّمَانِ. ولَنا، أنَّها عَيْنٌ مَرْهُونَةٌ، فلم يَجُزْ رَهْنُها بِدَيْنٍ آخَرَ، كما لو رَهَنَها عند غيرِ المُرْتَهِنِ، فأمَّا الزِّيَادَةُ فى الرَّهْنِ فيجوزُ؛ لأنَّه زِيادَةُ اسْتِيثَاقٍ، بخِلَافِ مَسْأَلَتِنَا، وأمَّا العَبْدُ الجَانِى فيَصِحُّ فِدَاؤُه، ليكُونَ رَهْنًا بالفِدَاءِ والمالِ الأَوَّلِ، لِكَوْنِ الرَّهْنِ لا يَمْنَعُ تَعَلُّقَ الأرْشِ بالجَانِى، لكَوْنِ الجِنَايَةِ أقْوَى، فإنَّ (٤٢) لِوَلِىِّ الجِنَايَةِ المُطَالَبَةَ بِبَيْعِ الرَّهْنِ وإخْرَاجِه من الرَّهْنِ، فصارَ بِمَنْزلَةِ الرَّهْنِ الجائِزِ قبلَ قَبْضِه، ويجوزُ أَن يَزِيدَهُ فى الرَّهْنِ الجائِزِ حَقًّا قبلَ لُزُومِه، فكذلك إذا صارَ جَائِزًا بالجِنَايَةِ، ويُفَارِقُ الرَّهْنُ الضَّمَانَ؛ فإنَّه يجوزُ أن يَضْمَنَ لغيْرِه. إذا ثَبَتَ هذا، فرَهَنَهُ بِحَقٍّ ثانٍ كان رَهْنًا بالأَوَّلِ خَاصَّةً، فإن شَهِدَ بذلك شَاهِدَانِ يَعْتَقِدَانِ فسَادَه، لم يكُنْ لهما أن يَشْهَدَا به، وإن اعْتَقَدا صِحَّتَهُ، لم يكُنْ لهما أن يَشْهَدَا أنَّه رَهَنَهُ بالحَقَّيْنِ مُطْلَقًا، بل يَشْهَدَانِ (٤٣) بِكَيْفِيَّةِ الحالِ، لِيَرَى الحاكِمُ فيه رَأْيَهُ.
فصل: وأمَّا رَهْنُ سَوَادِ العِرَاقِ، والأَرْضِ المَوْقُوفَةِ على المسلمين، فالصَّحِيحُ فى المَذْهَبِ أنَّه لا يجوزُ بَيْعُها، فكذلك رَهْنُها. وهذا مَنْصُوصُ الشَّافِعِىِّ. وما كان فيها مِن بِنَائِها، فحُكْمُه حُكْمُها، وما كان فيها من غيرِ تُرَابِهَا أو مِنَ (٤٤) الشَّجَرِ المُجَدَّدِ فيها، إن أفْرَدَهُ بالبَيْعِ والرَّهْنِ، فهل يَصِحُّ؟ على رِوَايَتَيْنِ، نَصَّ عليهما فى البَيْعِ؛ إحْدَاهُما: يَصِحُّ، لأنَّه طَلْقٌ. والثانية، لا (٤٥) يجوزُ؛ لأنَّه تَابِعٌ لما لا يجوزُ بَيْعُه ولا رَهْنُه، فهو كأساسَاتِ الحِيطَانِ. وإن رَهَنَهُ مع الأَرْضِ، بَطَلَ فى الأَرْضِ. وهل يجوزُ فى الأَشْجَارِ والبِنَاءِ على الرِّوَايَةِ التى يَجُوزُ رَهْنُها مُنْفَرِدَةً؟ يُخَرَّجُ على الرِّوَايَتَيْنِ فى تَفْرِيقِ الصَّفْقَةِ. وهذا مَذْهَبُ الشَّافِعِىِّ، رَضِىَ اللهُ عنه.
فصل: ولا يَصِحُّ رَهْنُ المَجْهُولِ؛ لأنَّه لا يَصِحُّ بَيْعُه، فلو قال: رَهَنْتُكَ هذا
стр. 3078
الجِرَابَ أو البَيْتَ أو الخَرِيطَةَ بما فيها. لا يَصِحُّ؛ لأنَّه مَجْهُولٌ. وإن لم يَقُلْ: بما فيها. صَحَّ رَهْنُها؛ لِلْعِلْمِ بها، إلَّا أن يكون ذَلك ممَّا لا قِيمَةَ له، كالجِرَابِ الخَلَقِ ونحوِه. ولو قال: رَهَنْتُكَ أحَدَ هذين العَبْدَيْنِ. لم يَصِحَّ؛ لِعَدَمِ التَّعْيِينِ. وفى الجُمْلَةِ أنَّه يُعْتَبَرُ لِلْعِلْمِ فى الرَّهْنِ ما يُعْتَبَرُ فى البَيْعِ، وكذلك القُدْرَةُ على التَّسْلِيمِ، فلا يَصِحُّ رَهْنُ الآبِقِ ولا الجَمَلِ الشَّارِدِ، ولا غير مَمْلُوكٍ.
فصل: ولو رَهَنَ عَبْدًا، أو بَاعَهُ، يَعْتَقِدُه مَغْصُوبًا، فبَانَ مِلْكُه، مثل إنْ رَهَنَ عَبْدَ أبِيه، فبَانَ أنَّ أباهُ قد مَاتَ، وصارَ العَبْدُ مِلْكَه (٤٦) بالمِيرَاثِ، أو وَكَّلَ إنْسَانًا يَشْتَرِى له عَبْدًا من سَيِّدِه، ثم إنَّ المُوَكِّلَ بَاعَ العَبْدَ أو رَهَنَهُ، يَعْتَقِدُه لِسَيِّدِه الأَوَّل، فبَانَ أنَّ تَصَرُّفَه بعدَ شِرَاءِ الوَكِيلِ له، ونحو ذلك، صَحَّ تَصَرُّفُه؛ لأنَّه تَصَرُّفٌ صَدَرَ من أهْلِه، وصادَفَ مِلْكَه، فصَحَّ كما لو عَلِمَ. ويَحْتَمِلُ أن لا يَصِحَّ؛ لأنَّه اعْتَقَدَهُ بَاطِلًا.
فصل: ولو رَهَنَ المَبِيعَ فى مُدَّةِ الخِيَارِ، لم يَصِحَّ، إلَّا أن يَرْهَنَهُ المُشْتَرِى والخِيَارُ له وَحْدَهُ، فيَصِحُّ تَصَرُّفُه، ويَبْطُلُ خِيَارُه. ذَكَرَهُ أبو بكرٍ. وهو مذهبُ الشَّافِعِىِّ. وكذلك بَيْعُه وتَصَرُّفَاتُه. ولو أَفْلَسَ المُشْتَرِى، فرَهَنَ البائِعُ عَيْنَ مَالِه التى له الرُّجُوعُ فيها [قبلَ الرُّجُوعِ فيها] (٤٧) لم يَصِحَّ؛ لأنَّه رَهَنَ ما لا (٤٨) يَمْلِكُه. وكذلك لو رَهَنَ الأَبُ العَيْنَ التى وَهَبَها لِابْنِه قبلَ رُجُوعِه فيها، لم يَصِحَّ؛ لما ذَكَرْنَاهُ، وللشَّافِعِىِّ فى ذلك وَجْهَانِ؛ أحَدُهُما، يَصِحُّ؛ لأنَّ له اسْتِرْجَاعَ العَيْنِ، فتَصَرُّفُه فيها يَدُلُّ على رُجُوعِه فيها. ولَنا، أنَّه رَهَنَ ما لا يَمْلِكُه. بغيرِ إِذْنِ المالِكِ، ولا وِلَايَةٍ عليه، فلم يَصِحّ، كما لو رَهَنَ الزَّوْجُ نِصْفَ الصَّدَاقِ قبلَ الدُّخُولِ.
стр. 3079
فصل: ولو رَهَنَ ثَمَرَ (٤٩) شَجَرٍ يَحْمِلُ فى السَّنَةِ حِمْلَيْنِ، لا يَتَمَيَّزُ أحَدُهُما من الآخَرِ، فرَهَنَ الثَّمَرةَ الأُولَى إلى مَحلٍّ تَحْدُثُ الثانيةُ علَى وَجْهٍ لا يَتَمَيَّزُ، فالرَّهْنُ باطِلٌ؛ لأنَّه مَجْهُولٌ حين حُلُولِ الحَقِّ، فلا يمكنُ اسْتِيفَاءُ الدَّيْنِ منه، فلما يَصِحَّ، كما لو كان مَجْهُولًا، حينَ العَقدِ، وكما لو رَهَنَهُ إيَّاهَا بعدَ اشْتِبَاهِها. فإن شَرَطَ قَطْعَ الأُولَى إذا خِيفَ اخْتِلَاطُها بالثانيةِ، صَحَّ. فإن كان الحِمْلُ المَرْهُونُ بِحَقٍّ حَالٍّ، وكانت الثمرَةُ الثانيةُ تَتَمَيَّزُ من الأُولَى إذا حَدَثَتْ، فالرَّهْنُ صَحِيحٌ. فإن وَقَعَ التَّوَانِى فى قَطْعِ الأُولَى حتى اخْتَلَطَتْ بالثانيةِ، وتَعَذَّرَ التَّمْيِيزُ، لم يَبْطُل الرَّهْنُ؛ لأنَّه وَقَعَ صَحِيحًا، وقد اخْتَلَطَ بغيرِه على وَجْهٍ لا يُمْكِنُ فَصْلُه. فعلى هذا إن سَمحَ الرَّاهِنُ بكَوْنِ الثَّمَرَةِ رَهْنًا، أو اتَّفَقَا على قَدْرِ المَرْهُونِ منهما، فحَسَنٌ، وإن اخْتَلَفَا، فالقولُ قولُ الرَّاهِنِ مع يَمِينِه فى قَدْرِ الرَّهْنِ؛ لأنه مُنْكِرٌ لِلْقَدْرِ الزَّائِدِ، والقولُ قولُ المُنْكِرِ.
فصل: ولو رَهَنَهُ مَنَافِعَ دَارِه شَهْرًا، لم يَصِحَّ؛ لأنَّ مَقْصُودَ الرَّاهِنِ اسْتِيفَاءُ الدَّيْنِ من ثَمَنِه، والمَنَافِعُ تَهْلِكُ إلى حُلُولِ الحَقِّ. وإن رَهَنَهُ أُجْرَةَ دَارِهِ شَهْرًا، لم يَصِحَّ؛ لأنَّها مَجْهُولَةٌ وغيرُ مَمْلُوكَةٍ.
فصل: ولو رَهَنَ المُكَاتَبَ مَن يَعْتِقُ عليه، لم يَصِحَّ؛ لأنَّه لا يَمْلِكُ بَيْعَه. وأجازَهُ أبو حنيفةَ؛ لأنَّهم لا يَدْخُلُونَ معه فى الكِتَابَةِ. ولو رَهَنَ العَبْدَ المَأْذُونَ من يَعْتِقُ على السَّيِّدِ، لم يَصِحَّ؛ لأنَّ ما فى يَدِه مِلْكٌ لِسَيِّدِه. فقد صَارَ حُرًّا بِشِرَائِه إيَّاهُ.
فصل: ولو رَهَنَ الوَارِثُ تَرِكَةَ المَيِّتِ، أو بَاعَها، وعلى المَيِّتِ دَيْنٌ، صَحَّ فى أحَدِ الوَجْهَيْنِ. وقال أصحابُ الشَّافِعِىِّ: لا يَصِحُّ, [فى أحَدِ الوَجْهَيْنِ] (٥٠)، إذا كان على المَيِّتِ دَيْنٌ يَسْتَغْرِقُ التَّرِكَةَ؛ لأنَّه تَعَلَّقَ به حَقُّ آدَمِىٍّ، فلم يَصِحَّ رَهْنُه، كالمَرْهُونِ. ولَنا، أنَّه تَصَرُّفٌ صَادَفَ مِلْكَه، ولم يُعَلِّقْ به حَقًّا، فَصَحَّ، كما لو
стр. 3080
رَهَنَ المُرْتَدَّ. وفَارَقَ المَرْهُونَ؛ لأنَّ الحَقَّ تَعَلَّقَ به بِاخْتِيَارِه، فأما فى مسْأَلَتِنَا فالحَقُّ تَعَلَّقَ به بغيرِ اخْتِيَارِه، فلم يَمْنَعْ تَصَرُّفَهُ. وهكذا كلُّ حَقٍّ ثَبَتَ من غيرِ إثْبَاتِه، كالزَّكَاةِ والجِنَايَةِ، فلا يَمْنَعُ رَهْنَهُ، فإذا رَهَنَهُ، ثم قَضَى الحَقَّ من غيرِه، فالرَّهْنُ بحَالِه، وإن لم يَقْضِ الحَقَّ، فَلِلْغُرَمَاءِ انْتِزاعُه؛ لأنَّ حَقَّهُم أسْبَقُ، والحُكْم فيه كالحُكْمِ فى الجَانِى. وهكذا الحُكْمُ لو تَصَرَّفَ فى التَّرِكَةِ، ثم رُدَّ عليه مَبِيعٌ بَاعَه المَيِّتُ بِعَيْبٍ ظَهَرَ فيه، أو حَقٌّ تجدَّدَ تَعَلُّقُه بالتَّرِكَةِ، مثل أن وَقَعَ إنْسَانٌ أو بَهِيمَةٌ فى بِئْرٍ حَفَرَهُ فى غيرِ مِلْكِه بعدَ مَوْتِه، فالحُكْمُ واحِدٌ، وهو أن تَصَرُّفَهُ صَحِيحٌ غيرُ نَافِذٍ، فإن قَضَى الحَقَّ من غيرِه نَفَذَ، وإلَّا فُسِخَ البَيْعُ والرَّهْنُ.
فصل: قال القاضى: لا يَصِحُّ رَهْنُ العَبْدِ المُسْلِمِ لِكَافِرٍ. واخْتَارَ أبو الخَطَّابِ صِحَّةَ رَهْنِه، إذا شَرَطَا كَوْنَهُ على يَدِ مُسْلِمٍ، ويَبِيعُه الحَاكِمُ إذا امْتَنَعَ مالِكهُ. وهذا أَوْلَى؛ لأنَّ مَقْصُودَ الرَّهْنِ يَحْصُلُ مِن غيرِ ضَرَرٍ.
٧٨٦ - مسألة؛ قال: (وَإذَا قَبَضَ الرَّهْنَ مَنْ تَشَارَطَا أنَّ الرَّهْنَ (١) يَكُونُ عَلَى يَدِهِ (٢)، صَارَ مَقْبُوضًا)
وجُمْلتُه أنَّ المُتَرَاهِنَيْنِ إذا شَرَطَا كَوْنَ الرَّهْنِ على يَدَىْ رَجُلٍ رَضِيَاهُ (٣)، واتَّفَقَا عليه، جازَ، وكان وَكِيلًا لِلْمُرْتَهِنِ نَائِبًا عَنه فى القَبْضِ، فمتى قَبَضَهُ صَحَّ قَبْضُه، فى قولِ جَماعَةِ الفُقَهاءِ، منهم عَطَاءٌ، وطاوُسٌ (٤)، وعَمْرُو بن دِينَارٍ، ومالِكٌ (٥)، والثَّوْرِىُّ، وابنُ المُبَارَكِ، والشَّافِعِىُّ، وإسْحَاقُ، وأبو ثَوْرٍ، وأصْحَابُ الرَّأْىِ. وقال الحَكَمُ، والحارِثُ العُكْلِىّ، وقَتَادَةُ، وابنُ أبى لَيْلَى:
стр. 3081
لا يكونُ مَقْبُوضًا بذلك؛ لأنَّ القَبْضَ مِن تَمَامِ العَقْدِ، فتَعَلَّقَ بأحَدِ المُتَعَاقِدَيْنِ، كالإِيجابِ والقَبُولِ. ولَنا، أنَّه قَبْضٌ فى عَقْدٍ، فجازَ فيه التَّوْكِيلُ، كسَائِرِ القُبُوضِ، وفَارَقَ القَبُولَ؛ لأنَّ الإِيجَابَ إذا كان لِشَخْصٍ كان القَبُولُ منه، لأنَّه يُخَاطَبُ به، ولو وَكَّلَ فى الإِيجَابِ والقَبُولِ قبلَ أن يُوجِبَ له، صَحَّ أيضا، وما ذَكَرُوه يَنْتَقِضُ بالقَبْضِ فى البَيْعِ، فيما يُعْتَبَرُ القَبْضُ فيه. إذا ثَبَتَ هذا، فإنَّه يجوزُ أن يَجْعَلَا الرَّهْنَ على يَدَىْ مَن يجوزُ تَوْكِيلُه، وهو الجائِزُ التَّصَرُّفِ، مُسْلِمًا كان أو كَافِرًا، عَدْلًا أو فَاسِقًا، ذَكَرًا أو أُنْثَى، ولا يجوزُ أن يكونَ صَبِيًّا؛ لأنَّه غيرُ جائِزِ التَّصَرُّفِ مُطْلَقًا، فإن فَعَلَا [كان قَبْضُه] (٦) وعَدَمُ القَبْضِ واحِدًا (٧)، ولا عَبْدًا بغيرِ إِذْنِ سَيِّدِه؛ لأنَّ مَنَافِعَ العَبْدِ لِسَيِّدِه، فلا يجوزُ تَضْيِيعُها فى الحِفْظِ بغير إِذْنِهِ (٨)، فإن أَذِنَ له السَّيِّدُ، جَازَ. وأما المُكَاتَبُ، فإن كان بِجُعْلٍ، جازَ؛ لأنَّ له الكَسْبَ، وبَذْلَ مَنَافِعِه بغيرِ إِذْنِ السَّيِّدِ، وإن كان بغيرِ جُعْلٍ، لم يَجُزْ؛ لأنَّه ليس له التَّبَرُّعُ بمَنَافِعِه.
فصل: فإن جَعَلَا الرَّهْنَ فى يَدَىْ (٩) عَدْلَيْنِ، جَازَ، ولهما إمْسَاكُه، ولا يجوزُ لأَحَدِهِما الانْفِرَادُ بِحِفْظِه. وإن سَلَّمَهُ أحَدُهُما إلى الآخَرِ، فعليه ضَمَانُ النِّصْفِ؛ لأنَّه القَدْرُ الذى تَعَدَّى فيه. وهذا أحَدُ الوَجْهَيْنِ لأَصْحَابِ الشَّافِعِىِّ، وفى الآخَرِ، إذا رَضِىَ أحَدُهُما بإِمْسَاكِ الآخَرِ، جَازَ. وبهذا قال أبو يوسفَ ومحمدٌ. وقال أبو حنيفةَ: إن كان ممَّا يَنْقَسِمُ، اقْتَسَمَاهُ، وإلَّا فلِكُلِّ واحِدٍ منهما إمْسَاكُ جَمِيعِه؛ لأنَّ اجْتِماعَهُما على حِفْظِه يَشُقُّ عليهما، فحُمِلَ الأَمْرُ على أنَّ لِكُلِّ واحدٍ منهما الحِفْظَ. ولَنا، أنَّ المُتَرَاهِنَيْنِ لم يَرْضَيَا إلَّا بِحِفْظِهِمَا معًا (١٠) فلم يَجُزْ لأَحَدِهِما الانْفِرَادُ بذلك، كالوَصِيَّيْنِ لا يَنْفَرِدُ أحَدُهُما بالتَّصَرُّفِ. وقولُهم: إن الاجْتِمَاعَ
стр. 3082
على الحِفْظِ يَشُقُّ. لَيس كذلك؛ فإنَّه يُمْكِنُ جَعْلُه فى مَخْزَنٍ لكل واحِدٍ منهما عليه قُفْلٌ.
فصل: وما دَامَ العَدْلُ بِحَالِه، لم يَتَغَيَّرْ عن الأَمَانَةِ، ولا حَدَثَتْ بينه وبينَ أحَدِهِما عَدَاوَةٌ، فليس لأحَدِهما، ولا لِلْحَاكمِ، نَقْلُ الرَّهْنِ عن يَدِهِ؛ لأنَّهما رَضِيَا به فى الابْتِدَاءِ. وإن اتَّفَقَا على نَقْلِه، جَازَ؛ لأنَّ الحَقَّ لهما لم يَعْدُهما. وكذلك لو كان الرَّهْنُ فى يَدِ المُرْتَهِنِ، فلم يَتَغَيَّرْ حَالُه، لم يَكُنْ لِلرَّاهِنِ ولا لِلْحَاكِم نَقْلُه عن يَدِه. وإن تَغَيَّرَتْ حالُ العَدْلِ بِفِسْقٍ، أو ضَعْفٍ عن الحِفْظِ، أو حَدَثَتْ عَدَاوَةٌ بينه وبينهما، أو بين أحَدِهِمَا، فلِمَنْ طَلَبَ نَقْلَهُ عن يَدِه ذلك، ويَضَعَانِه فى يَدِ مَن يَتَّفِقَانِ عليه، فإن اخْتَلَفَا، وَضَعَهُ الحاكِمُ على يَدِ عَدْلٍ، وإن اخْتَلَفَا فى تَغَيُّرِ حَالِه، بَحَثَ الحاكِمُ، وعَمِلَ بما يَظْهَرُ له. وهكذا لو كان فى يَدِ المُرْتَهِنِ، فتَغَيَّرَتْ حالُهُ فى الثِّقَةِ والحِفْظِ، فلِلرَّاهِنِ رَفْعُه عن يَدِه إلى الحاكِمِ، لِيَضَعَهُ فى يَدِ عَدْلٍ. وإذا ادَّعَى الرَّاهِنُ تَغَيُّرَ حَالِ المُرْتَهِنِ، فأنْكَرَ، بَحَثَ الحاكِمُ عن ذلك، وعَمِلَ بما بَانَ له. وإن مَاتَ العَدْلُ أو المُرْتَهِنُ، لم يكُنْ لِوَرَثَتِهِمَا إمْسَاكُه إلَّا بِتَرَاضِيهِمَا، فإن اتَّفَقَا على ذلك، جَازَ. وإن اتَّفَقَا على عَدْلٍ يَضَعَانِه على يَدِه، فلَهُما ذلك؛ لأنَّ الحَقَّ لهما، فَيُفَوَّضُ أمْرُه إليهما. فإن اخْتَلَفَ الرَّاهِنُ والمُرْتَهِنُ عندَ مَوْتِ العَدْلِ، أو اخْتَلَفَ الرَّاهِنُ ووَرَثَةُ المُرْتَهِنِ، رَفَعَا الأَمْرَ إلى الحاكِمِ، لِيَضَعَهُ على يَدِ عَدْلٍ. وإن كان الرَّهْنُ فى يَدِ اثْنَيْنِ، فماتَ أحَدُهُما، أو تَغَيَّرَتْ حَالُه، بِفِسْقٍ، أو ضَعْفٍ عن الحِفْظِ، أو عَدَاوَةٍ بين أحَدِ المُتَرَاهِنَيْنِ، أُقِيمَ مُقَامَه عَدْلٌ يَنْضَمُّ إلى العَدْلِ الآخَرِ، فيَحْفَظان معا.
فصل: ولو أرَادَ العَدْلُ رَدَّهُ عليهما، فلَه ذلك، وعليهما قَبُولُه. وبهذا قال الشَّافِعِىُّ؛ لأنَّه أَمِينٌ مُتَطَوِّعٌ بالحِفْظِ، فلا يَلْزَمُه المُقَامُ عليه. فإن امْتَنَعَا، أَجْبَرَهما الحَاكِمُ. فإن تَغَيَّبَا، نَصَبَ الحاكِمُ أَمِينًا يَقْبِضُه لهما؛ لأنَّ لِلْحَاكِمِ وِلَايةً على المُمْتَنِعِ من الحَقِّ الذى عليه. ولو دَفَعَهُ إلى الأَمِينِ من غير امْتِنَاعِهِما، ضَمِنَ، وضَمِنَ الحاكِمُ؛ لأنَّه لا وِلَايَةَ له على غيرِ المُمْتَنِعِ. وكذا لو تَرَكَهُ العَدْلُ عند آخَرَ
стр. 3083
مع وُجُودِهِمَا، ضَمِنَ، وضَمِنَ القَابِضُ. وإن امْتَنَعا، ولم يَجِدْ حَاكِمًا، فتَرَكَهُ عند عَدْلٍ آخَرَ، لم يَضْمَنْ. وإن امْتَنَعَ أحَدُهما، لم يكُنْ له دَفْعُه إلى الآخَرِ، فإن فَعَلَ ضَمِنَ، والفَرْقُ بينهما أنَّ أحَدَهما يُمْسِكُه لِنَفْسِه، والعَدْلُ يُمْسِكُه لهما، هذا فيما إذا كانا حَاضِرَيْنِ، فأمَّا إذا كانا غَائِبَيْنِ، نَظَرْتَ، فإن كان لِلعَدْلِ عُذْرٌ من مَرَضٍ أو سَفَرٍ أو نحوِه، رَفَعَهُ إلى الحاكِمِ، فقَبَضَهُ منه، أو نَصَبَ له عَدْلًا يَقْبِضُه لهما، فإن لم يَجِدْ حاكِمًا، أَوْدَعَهُ عندَ ثِقَةٍ (١١)، وليس له دَفْعُه إلى ثِقَةٍ يُودِعُه عنده، مع وُجُودِ الحاكِمِ، فإن فَعَلَ ضَمِنَ. فإن لم يكن له عُذْرٌ، وكانت الغَيْبَةُ بَعِيدَةً إلى مَسَافَةِ القَصْرِ، قَبَضَهُ الحَاكِمُ منه، فإن لم يَجِدْ حَاكِمًا، دَفَعَهُ إلى عَدْلٍ. وإن كانت الغَيْبَةُ دون مَسَافَةِ القَصْرِ، فهو كما لو كانا حَاضِرَيْنِ؛ لأنَّ ما دونَ مَسَافَة القَصْرِ فى حُكْمِ الإِقَامَةِ. وإن كان أحَدُهُما حَاضِرًا والآخَرُ غَائِبًا، فحُكْمُهُما حُكْمُ الغَائِبَيْنِ، وليس له دَفْعُه إلى الحَاضِرِ منهما. وفى جَمِيعِ هذه الأَقْسَامِ، متى دَفَعَهُ إلى أحَدِهما لَزِمَهُ رَدُّه إلى يَدِه، وإن لم يَفْعَلْ، فعليه ضَمَانُ حَقِّ الآخَرِ.
فصل: إذا كان الرَّهْنُ على يَدِ (١٢) عَدْلٍ، وشَرَطَا له أن يَبِيعَه عندَ حُلُولِ الحَقِّ، صَحَّ، ويَصِحُّ بَيْعُه. وبه قال أبو حنيفةَ، ومالِكٌ، والشَّافِعِىُّ. فإن عَزَلَ الرَّاهِنُ العَدْلَ عن البَيْعِ، صَحَّ عَزْلُه، ولم يَمْلِكِ البَيْعَ. وبهذا قال الشَّافِعِىُّ. وقال أبو حنيفةَ، ومالِكٌ: لا يَنْعَزِلُ؛ لأنَّ وَكَالَتَهُ صَارَتْ من حُقُوقِ الرَّهْنِ، فلم يكُنْ لِلرَّاهِنِ إسْقَاطُه، كسَائِرِ حُقُوقِه. وقال ابنُ أبى موسى: ويَتَوَجَّهُ لنا مثلُ ذلك؛ فإنَّ أحمدَ قد مَنَعَ الحِيلَةَ فى غيرِ مَوْضِعٍ من كُتُبِه، وهذا يَفْتَحُ بابَ الحِيلَةِ لِلرَّاهِنِ، فإنَّه يَشْتَرِطُ ذلك لِلْمُرْتَهِنِ، لِيُجِيبَه إليه، ثم يَعْزِلَه. والأَوَّلُ هو المَنْصُوصُ عنه؛ لأنَّ الوَكَالَةَ عَقْدٌ جَائِزٌ، فلم يَلْزَم المقَامُ عليها، كسَائِرِ الوَكَالَاتِ، وكونُه من حُقُوقِ الرَّاهِن لا يَمْنَعُ من (١٣) جَوَازِهِ، كما لو شَرَطَا الرَّهْنَ فى البَيْعِ، فإنَّه لا يَصِيرُ لَازِمًا،
стр. 3084
وكذلك لو مَاتَ الرَّاهِنُ بعدَ الإِذْنِ، انْفَسَخَتِ الوَكَالَةُ، وقِيَاسُ المَذْهَبِ أنَّه متى عَزَلَهُ عن البَيْعِ، فلِلْمُرْتَهِنِ فَسْخُ البَيْعِ الذى حَصَلَ الرَّهْنُ بِثَمَنِه، كما لو امْتَنَعَ الرَّاهِنُ من تَسْلِيمِ الرَّهْنِ المَشْرُوطِ فى البَيْعِ، فأمَّا إن عَزَلَهُ المُرْتَهِنُ، فلا يَنْعَزِلُ؛ لأنَّ العَدْلَ وَكِيلُ الرَّاهِنِ، إذِ الرَّهْنُ مِلْكُه، ولو انْفَرَدَ بِتَوْكِيلِه صَحَّ، فلم يَنْعَزِلْ بِعَزْلِ غيرِه، لكنْ لا يجوزُ بَيْعُه بغيرِ إِذْنِه. وهكذا لو لم يَعْزِلَاهُ، فحَلَّ الحَقُّ، لم يَبِعْهُ حتى يَسْتَأْذِنَ المُرْتَهِنَ؛ لأنَّ البَيْعَ لِحَقِّه، فلم يَجُزْ حتى يَأْذَنَ فيه، ولا يَحْتَاجُ إلى تَجْدِيدِ إذْنٍ من الرَّاهِنِ، فى ظَاهِر كَلَامِ أحمدَ؛ لأنَّ الإِذْنَ قد وُجِدَ مَرَّةً، فيَكْفِى، كما فى الوَكَالَةِ فى سائِرِ الحُقُوقِ. وذَكَرَ القاضى وَجْهًا آخَرَ، أنَّه يَحْتَاجُ إلى تَجْدِيدِ إِذْنٍ؛ لأنَّه قد (١٤) يكونُ له غَرَضٌ فى قَضَاءِ الحَقِّ مِن غيرِه. والأَوَّلُ أَوْلَى، فإنَّ الإِذْنَ كافٍ ما لم يغيّرْ، والغَرَضُ لا اعْتِبَارَ به مع صَرِيحِ الإِذْنِ بخِلَافِه، بِدَلِيلِ ما لو جَدَّدَ الإِذْنَ له، بخِلَافِ المُرْتَهِنِ، فإنَّ المَبيعَ يَفْتَقِرُ إلى مُطَالَبتِه بالحَقِّ، ومذهبُ الشَّافِعِىِّ نَحْوٌ من هذا.
فصل: ولو أَتْلَفَ الرَّهْنَ فى يَدِ العَدْلِ أجْنَبِىٌّ، فعلى الجَانِى قِيمَتُه، تكونُ رَهْنًا فى يَدِه، وله المُطَالَبَةُ بها؛ لأنَّها بَدَلُ الرَّهْنِ، وقَائِمَةٌ مقَامَهُ، وله إمْسَاكُ الرَّهْنِ وحِفْظُه. فإن كان المُتَراهِنَانِ أَذِنَا له فى بَيْعِ الرَّهْنِ، فقال القاضى: قِياسُ المذهبِ أنَّ له بَيْعَ قِيمَتِه؛ لأنَّ له بَيْعَ نَمَاءِ الرَّهْنِ تَبَعًا لِلأَصلِ، فالقِيمَةُ أَوْلَى. وقال أصْحابُ الشَّافِعِىِّ: ليس له ذلك؛ لأنَّه مُتَصَرِّفٌ بالإِذْنِ، فلا يَمْلِكُ بَيْعَ ما لم يُؤْذَنَ له فى بَيْعِه، والمَأْذُونُ فى بَيْعِه قد تَلِفَ، وقِيمَتُه غيرُه. وللقاضى أن يقولَ: إنَّه قد أُذِنَ له فى بَيْعِ الرَّهْنِ، والقِيمَةُ رَهْنٌ، يَثْبُتُ لها حُكْمُ الأَصْلِ، من كَوْنِه يَمْلِكُ المُطَالَبَةَ بها، وإمْسَاكَها، واسْتِيفَاءَ دَيْنِه من ثَمَنِها، فكذلك بَيْعُها، فإن كانت القِيمَةُ من جِنْسِ الدَّيْنِ، وقد أُذِنَ له فى وَفَائِه مِن ثَمَنِ الرَّهْنِ، مَلَكَ إِيفَاءَهُ من القِيمَةِ؛
стр. 3085
لأنَّها بَدَلُ الرَّهْنِ من جِنْسِ الدَّيْنِ، فأشْبَهَتْ ثَمَنَ البَيْعِ.
فصل: وإذا أَذِنَا لِلْعَدْلِ فى البَيْعِ، وعَيَّنَا له نَقْدًا، لم يَجُزْ له أن يُخَالِفَهما. وإن اخْتَلَفَا، فقال أحَدُهما: بِعْهُ بِدَرَاهِم. وقال الآخَرُ: بِدَنَانِيرَ. لم يَقْبَلْ قولَ واحدٍ منهما، لأنَّ لِكُلِّ واحِدٍ منهما فيه حَقًّا، لِلرَّاهِنِ مِلْكُ اليَمِينِ، وِللْمُرْتَهِنِ حَقُّ الوَثِيقَةِ واسْتِيفَاءُ حَقِّهِ، ويَرْفَعُ الأَمْرَ إلى الحَاكِمِ، فيَأْمُرُ من يَبِيعُه بِنَقْدِ البَلَدِ، سواءٌ كان من جِنْسِ الحَقِّ أو مِن غيرِ جِنْسِه، وافَقَ قَوْلَ أحَدِهما أو لم يُوَافِقْ؛ لأنَّ الحَظَّ فى ذلك، والأَوْلَى أن يَبِيعَهُ بما يَرَى الحَظَّ فيه، فإن كان فى البَلَدِ نَقْدَانِ بَاعَهُ بأَغْلَبِهما، فإن تَسَاوَيَا، فقال القاضِى: يَبِيعُ بما يُؤَدِّيه اجْتِهَادُه إليه. وهو قولُ الشَّافِعِىِّ؛ لأنَّه الأَحَظُّ، والغَرَضُ من تَحْصِيلِ الحَظِّ، فإن تَسَاوَيَا، بَاعَ بجِنْسِ الدَّيْنِ، فإن لم يكُنْ فيها جِنْسُ الدَّيْنِ، عَيَّنَ له الحاكِمُ ما يَبِيعُه به، وحُكْمُه حُكْمُ الوَكِيلِ فى وُجُوبِ الاحْتِيَاطِ، والمَنْعِ من البَيْعِ بدون ثَمَنِ المِثْلِ، ومن البَيْعِ نَسَاءً، متى خَالَفَ لَزِمَهُ ما يَلْزَمُ الوَكِيلَ المُخَالِفَ. وذَكَرَ فى البَيْعِ نَسَاءً رِوَايَةً أُخْرَى, أنَّه يجوزُ بنَاءً على الوَكِيلِ. ولا يَصِحُّ؛ لأنَّ البَيْعَ هاهُنا لإِيفَاءِ دَيْنٍ حَالٍّ يَجبُ تَعْجِيلُه، والبَيْعُ نَسَاءً يَمْنَعُ ذلك. وكذا نقولُ فى الوَكِيلِ، متى وُجِدَتْ فى حَقِّهِ قَرِينَةٌ دَالَّةٌ على مَنْعِ البَيْعِ نَسَاءً لم يَجُزْ له ذلك، وإنَّما الرِّوَايَتَانِ فيه عندَ انْتِفَاءِ القَرَائِن. وكلُّ مَوْضِعٍ حَكَمْنَا بأن البَيْعَ باطِلٌ، وَجَبَ رَدُّ المَبِيعِ إن كان بَاقِيًا، فإن تَعَذَّرَ، فَلِلْمُرْتَهِنِ تَضْمِينُ مَن شَاءَ من العَدْلِ والمُشْتَرِى بأَقَلّ الأَمْرَيْنِ من قِيمَةِ الرَّهْنِ أو قَدْرِ الدَّيْنِ؛ لأنَّه يَقْبِضُ قِيمَةَ الرَّهْنِ مُسْتَوْفِيًا لِحَقِّه، لا رَهْنًا، فلذلك لم يكُنْ له أن يَقْبِضَ أكْثَرَ من دَيْنِه، وما بَقِىَ من قِيمَةِ الرَّهْنِ لِلرَّاهِنِ، يَرْجِعُ به على من شَاءَ منهما. [وإن اسْتَوْفَى دَيْنَه من الرَّهْنِ، رَجَعَ الرَّاهِنُ بِقِيمَتِه على مَن شَاءَ منهما] (١٥). ومتى ضَمِنَ المُشْتَرِى لم يَرْجِعْ على أحَدٍ. لأنَّ العَيْنَ تَلِفَتْ فى يَدِه، وإن ضَمِنَ العَدْلُ رَجَعَ على المُشْتَرِى.