لا يكونُ مَقْبُوضًا بذلك؛ لأنَّ القَبْضَ مِن تَمَامِ العَقْدِ، فتَعَلَّقَ بأحَدِ المُتَعَاقِدَيْنِ، كالإِيجابِ والقَبُولِ. ولَنا، أنَّه قَبْضٌ فى عَقْدٍ، فجازَ فيه التَّوْكِيلُ، كسَائِرِ القُبُوضِ، وفَارَقَ القَبُولَ؛ لأنَّ الإِيجَابَ إذا كان لِشَخْصٍ كان القَبُولُ منه، لأنَّه يُخَاطَبُ به، ولو وَكَّلَ فى الإِيجَابِ والقَبُولِ قبلَ أن يُوجِبَ له، صَحَّ أيضا، وما ذَكَرُوه يَنْتَقِضُ بالقَبْضِ فى البَيْعِ، فيما يُعْتَبَرُ القَبْضُ فيه. إذا ثَبَتَ هذا، فإنَّه يجوزُ أن يَجْعَلَا الرَّهْنَ على يَدَىْ مَن يجوزُ تَوْكِيلُه، وهو الجائِزُ التَّصَرُّفِ، مُسْلِمًا كان أو كَافِرًا، عَدْلًا أو فَاسِقًا، ذَكَرًا أو أُنْثَى، ولا يجوزُ أن يكونَ صَبِيًّا؛ لأنَّه غيرُ جائِزِ التَّصَرُّفِ مُطْلَقًا، فإن فَعَلَا [كان قَبْضُه] (٦) وعَدَمُ القَبْضِ واحِدًا (٧)، ولا عَبْدًا بغيرِ إِذْنِ سَيِّدِه؛ لأنَّ مَنَافِعَ العَبْدِ لِسَيِّدِه، فلا يجوزُ تَضْيِيعُها فى الحِفْظِ بغير إِذْنِهِ (٨)، فإن أَذِنَ له السَّيِّدُ، جَازَ. وأما المُكَاتَبُ، فإن كان بِجُعْلٍ، جازَ؛ لأنَّ له الكَسْبَ، وبَذْلَ مَنَافِعِه بغيرِ إِذْنِ السَّيِّدِ، وإن كان بغيرِ جُعْلٍ، لم يَجُزْ؛ لأنَّه ليس له التَّبَرُّعُ بمَنَافِعِه.
فصل: فإن جَعَلَا الرَّهْنَ فى يَدَىْ (٩) عَدْلَيْنِ، جَازَ، ولهما إمْسَاكُه، ولا يجوزُ لأَحَدِهِما الانْفِرَادُ بِحِفْظِه. وإن سَلَّمَهُ أحَدُهُما إلى الآخَرِ، فعليه ضَمَانُ النِّصْفِ؛ لأنَّه القَدْرُ الذى تَعَدَّى فيه. وهذا أحَدُ الوَجْهَيْنِ لأَصْحَابِ الشَّافِعِىِّ، وفى الآخَرِ، إذا رَضِىَ أحَدُهُما بإِمْسَاكِ الآخَرِ، جَازَ. وبهذا قال أبو يوسفَ ومحمدٌ. وقال أبو حنيفةَ: إن كان ممَّا يَنْقَسِمُ، اقْتَسَمَاهُ، وإلَّا فلِكُلِّ واحِدٍ منهما إمْسَاكُ جَمِيعِه؛ لأنَّ اجْتِماعَهُما على حِفْظِه يَشُقُّ عليهما، فحُمِلَ الأَمْرُ على أنَّ لِكُلِّ واحدٍ منهما الحِفْظَ. ولَنا، أنَّ المُتَرَاهِنَيْنِ لم يَرْضَيَا إلَّا بِحِفْظِهِمَا معًا (١٠) فلم يَجُزْ لأَحَدِهِما الانْفِرَادُ بذلك، كالوَصِيَّيْنِ لا يَنْفَرِدُ أحَدُهُما بالتَّصَرُّفِ. وقولُهم: إن الاجْتِمَاعَ
стр. 3082
على الحِفْظِ يَشُقُّ. لَيس كذلك؛ فإنَّه يُمْكِنُ جَعْلُه فى مَخْزَنٍ لكل واحِدٍ منهما عليه قُفْلٌ.
فصل: وما دَامَ العَدْلُ بِحَالِه، لم يَتَغَيَّرْ عن الأَمَانَةِ، ولا حَدَثَتْ بينه وبينَ أحَدِهِما عَدَاوَةٌ، فليس لأحَدِهما، ولا لِلْحَاكمِ، نَقْلُ الرَّهْنِ عن يَدِهِ؛ لأنَّهما رَضِيَا به فى الابْتِدَاءِ. وإن اتَّفَقَا على نَقْلِه، جَازَ؛ لأنَّ الحَقَّ لهما لم يَعْدُهما. وكذلك لو كان الرَّهْنُ فى يَدِ المُرْتَهِنِ، فلم يَتَغَيَّرْ حَالُه، لم يَكُنْ لِلرَّاهِنِ ولا لِلْحَاكِم نَقْلُه عن يَدِه. وإن تَغَيَّرَتْ حالُ العَدْلِ بِفِسْقٍ، أو ضَعْفٍ عن الحِفْظِ، أو حَدَثَتْ عَدَاوَةٌ بينه وبينهما، أو بين أحَدِهِمَا، فلِمَنْ طَلَبَ نَقْلَهُ عن يَدِه ذلك، ويَضَعَانِه فى يَدِ مَن يَتَّفِقَانِ عليه، فإن اخْتَلَفَا، وَضَعَهُ الحاكِمُ على يَدِ عَدْلٍ، وإن اخْتَلَفَا فى تَغَيُّرِ حَالِه، بَحَثَ الحاكِمُ، وعَمِلَ بما يَظْهَرُ له. وهكذا لو كان فى يَدِ المُرْتَهِنِ، فتَغَيَّرَتْ حالُهُ فى الثِّقَةِ والحِفْظِ، فلِلرَّاهِنِ رَفْعُه عن يَدِه إلى الحاكِمِ، لِيَضَعَهُ فى يَدِ عَدْلٍ. وإذا ادَّعَى الرَّاهِنُ تَغَيُّرَ حَالِ المُرْتَهِنِ، فأنْكَرَ، بَحَثَ الحاكِمُ عن ذلك، وعَمِلَ بما بَانَ له. وإن مَاتَ العَدْلُ أو المُرْتَهِنُ، لم يكُنْ لِوَرَثَتِهِمَا إمْسَاكُه إلَّا بِتَرَاضِيهِمَا، فإن اتَّفَقَا على ذلك، جَازَ. وإن اتَّفَقَا على عَدْلٍ يَضَعَانِه على يَدِه، فلَهُما ذلك؛ لأنَّ الحَقَّ لهما، فَيُفَوَّضُ أمْرُه إليهما. فإن اخْتَلَفَ الرَّاهِنُ والمُرْتَهِنُ عندَ مَوْتِ العَدْلِ، أو اخْتَلَفَ الرَّاهِنُ ووَرَثَةُ المُرْتَهِنِ، رَفَعَا الأَمْرَ إلى الحاكِمِ، لِيَضَعَهُ على يَدِ عَدْلٍ. وإن كان الرَّهْنُ فى يَدِ اثْنَيْنِ، فماتَ أحَدُهُما، أو تَغَيَّرَتْ حَالُه، بِفِسْقٍ، أو ضَعْفٍ عن الحِفْظِ، أو عَدَاوَةٍ بين أحَدِ المُتَرَاهِنَيْنِ، أُقِيمَ مُقَامَه عَدْلٌ يَنْضَمُّ إلى العَدْلِ الآخَرِ، فيَحْفَظان معا.
فصل: ولو أرَادَ العَدْلُ رَدَّهُ عليهما، فلَه ذلك، وعليهما قَبُولُه. وبهذا قال الشَّافِعِىُّ؛ لأنَّه أَمِينٌ مُتَطَوِّعٌ بالحِفْظِ، فلا يَلْزَمُه المُقَامُ عليه. فإن امْتَنَعَا، أَجْبَرَهما الحَاكِمُ. فإن تَغَيَّبَا، نَصَبَ الحاكِمُ أَمِينًا يَقْبِضُه لهما؛ لأنَّ لِلْحَاكِمِ وِلَايةً على المُمْتَنِعِ من الحَقِّ الذى عليه. ولو دَفَعَهُ إلى الأَمِينِ من غير امْتِنَاعِهِما، ضَمِنَ، وضَمِنَ الحاكِمُ؛ لأنَّه لا وِلَايَةَ له على غيرِ المُمْتَنِعِ. وكذا لو تَرَكَهُ العَدْلُ عند آخَرَ
стр. 3083
مع وُجُودِهِمَا، ضَمِنَ، وضَمِنَ القَابِضُ. وإن امْتَنَعا، ولم يَجِدْ حَاكِمًا، فتَرَكَهُ عند عَدْلٍ آخَرَ، لم يَضْمَنْ. وإن امْتَنَعَ أحَدُهما، لم يكُنْ له دَفْعُه إلى الآخَرِ، فإن فَعَلَ ضَمِنَ، والفَرْقُ بينهما أنَّ أحَدَهما يُمْسِكُه لِنَفْسِه، والعَدْلُ يُمْسِكُه لهما، هذا فيما إذا كانا حَاضِرَيْنِ، فأمَّا إذا كانا غَائِبَيْنِ، نَظَرْتَ، فإن كان لِلعَدْلِ عُذْرٌ من مَرَضٍ أو سَفَرٍ أو نحوِه، رَفَعَهُ إلى الحاكِمِ، فقَبَضَهُ منه، أو نَصَبَ له عَدْلًا يَقْبِضُه لهما، فإن لم يَجِدْ حاكِمًا، أَوْدَعَهُ عندَ ثِقَةٍ (١١)، وليس له دَفْعُه إلى ثِقَةٍ يُودِعُه عنده، مع وُجُودِ الحاكِمِ، فإن فَعَلَ ضَمِنَ. فإن لم يكن له عُذْرٌ، وكانت الغَيْبَةُ بَعِيدَةً إلى مَسَافَةِ القَصْرِ، قَبَضَهُ الحَاكِمُ منه، فإن لم يَجِدْ حَاكِمًا، دَفَعَهُ إلى عَدْلٍ. وإن كانت الغَيْبَةُ دون مَسَافَةِ القَصْرِ، فهو كما لو كانا حَاضِرَيْنِ؛ لأنَّ ما دونَ مَسَافَة القَصْرِ فى حُكْمِ الإِقَامَةِ. وإن كان أحَدُهُما حَاضِرًا والآخَرُ غَائِبًا، فحُكْمُهُما حُكْمُ الغَائِبَيْنِ، وليس له دَفْعُه إلى الحَاضِرِ منهما. وفى جَمِيعِ هذه الأَقْسَامِ، متى دَفَعَهُ إلى أحَدِهما لَزِمَهُ رَدُّه إلى يَدِه، وإن لم يَفْعَلْ، فعليه ضَمَانُ حَقِّ الآخَرِ.
فصل: إذا كان الرَّهْنُ على يَدِ (١٢) عَدْلٍ، وشَرَطَا له أن يَبِيعَه عندَ حُلُولِ الحَقِّ، صَحَّ، ويَصِحُّ بَيْعُه. وبه قال أبو حنيفةَ، ومالِكٌ، والشَّافِعِىُّ. فإن عَزَلَ الرَّاهِنُ العَدْلَ عن البَيْعِ، صَحَّ عَزْلُه، ولم يَمْلِكِ البَيْعَ. وبهذا قال الشَّافِعِىُّ. وقال أبو حنيفةَ، ومالِكٌ: لا يَنْعَزِلُ؛ لأنَّ وَكَالَتَهُ صَارَتْ من حُقُوقِ الرَّهْنِ، فلم يكُنْ لِلرَّاهِنِ إسْقَاطُه، كسَائِرِ حُقُوقِه. وقال ابنُ أبى موسى: ويَتَوَجَّهُ لنا مثلُ ذلك؛ فإنَّ أحمدَ قد مَنَعَ الحِيلَةَ فى غيرِ مَوْضِعٍ من كُتُبِه، وهذا يَفْتَحُ بابَ الحِيلَةِ لِلرَّاهِنِ، فإنَّه يَشْتَرِطُ ذلك لِلْمُرْتَهِنِ، لِيُجِيبَه إليه، ثم يَعْزِلَه. والأَوَّلُ هو المَنْصُوصُ عنه؛ لأنَّ الوَكَالَةَ عَقْدٌ جَائِزٌ، فلم يَلْزَم المقَامُ عليها، كسَائِرِ الوَكَالَاتِ، وكونُه من حُقُوقِ الرَّاهِن لا يَمْنَعُ من (١٣) جَوَازِهِ، كما لو شَرَطَا الرَّهْنَ فى البَيْعِ، فإنَّه لا يَصِيرُ لَازِمًا،
стр. 3084
وكذلك لو مَاتَ الرَّاهِنُ بعدَ الإِذْنِ، انْفَسَخَتِ الوَكَالَةُ، وقِيَاسُ المَذْهَبِ أنَّه متى عَزَلَهُ عن البَيْعِ، فلِلْمُرْتَهِنِ فَسْخُ البَيْعِ الذى حَصَلَ الرَّهْنُ بِثَمَنِه، كما لو امْتَنَعَ الرَّاهِنُ من تَسْلِيمِ الرَّهْنِ المَشْرُوطِ فى البَيْعِ، فأمَّا إن عَزَلَهُ المُرْتَهِنُ، فلا يَنْعَزِلُ؛ لأنَّ العَدْلَ وَكِيلُ الرَّاهِنِ، إذِ الرَّهْنُ مِلْكُه، ولو انْفَرَدَ بِتَوْكِيلِه صَحَّ، فلم يَنْعَزِلْ بِعَزْلِ غيرِه، لكنْ لا يجوزُ بَيْعُه بغيرِ إِذْنِه. وهكذا لو لم يَعْزِلَاهُ، فحَلَّ الحَقُّ، لم يَبِعْهُ حتى يَسْتَأْذِنَ المُرْتَهِنَ؛ لأنَّ البَيْعَ لِحَقِّه، فلم يَجُزْ حتى يَأْذَنَ فيه، ولا يَحْتَاجُ إلى تَجْدِيدِ إذْنٍ من الرَّاهِنِ، فى ظَاهِر كَلَامِ أحمدَ؛ لأنَّ الإِذْنَ قد وُجِدَ مَرَّةً، فيَكْفِى، كما فى الوَكَالَةِ فى سائِرِ الحُقُوقِ. وذَكَرَ القاضى وَجْهًا آخَرَ، أنَّه يَحْتَاجُ إلى تَجْدِيدِ إِذْنٍ؛ لأنَّه قد (١٤) يكونُ له غَرَضٌ فى قَضَاءِ الحَقِّ مِن غيرِه. والأَوَّلُ أَوْلَى، فإنَّ الإِذْنَ كافٍ ما لم يغيّرْ، والغَرَضُ لا اعْتِبَارَ به مع صَرِيحِ الإِذْنِ بخِلَافِه، بِدَلِيلِ ما لو جَدَّدَ الإِذْنَ له، بخِلَافِ المُرْتَهِنِ، فإنَّ المَبيعَ يَفْتَقِرُ إلى مُطَالَبتِه بالحَقِّ، ومذهبُ الشَّافِعِىِّ نَحْوٌ من هذا.
فصل: ولو أَتْلَفَ الرَّهْنَ فى يَدِ العَدْلِ أجْنَبِىٌّ، فعلى الجَانِى قِيمَتُه، تكونُ رَهْنًا فى يَدِه، وله المُطَالَبَةُ بها؛ لأنَّها بَدَلُ الرَّهْنِ، وقَائِمَةٌ مقَامَهُ، وله إمْسَاكُ الرَّهْنِ وحِفْظُه. فإن كان المُتَراهِنَانِ أَذِنَا له فى بَيْعِ الرَّهْنِ، فقال القاضى: قِياسُ المذهبِ أنَّ له بَيْعَ قِيمَتِه؛ لأنَّ له بَيْعَ نَمَاءِ الرَّهْنِ تَبَعًا لِلأَصلِ، فالقِيمَةُ أَوْلَى. وقال أصْحابُ الشَّافِعِىِّ: ليس له ذلك؛ لأنَّه مُتَصَرِّفٌ بالإِذْنِ، فلا يَمْلِكُ بَيْعَ ما لم يُؤْذَنَ له فى بَيْعِه، والمَأْذُونُ فى بَيْعِه قد تَلِفَ، وقِيمَتُه غيرُه. وللقاضى أن يقولَ: إنَّه قد أُذِنَ له فى بَيْعِ الرَّهْنِ، والقِيمَةُ رَهْنٌ، يَثْبُتُ لها حُكْمُ الأَصْلِ، من كَوْنِه يَمْلِكُ المُطَالَبَةَ بها، وإمْسَاكَها، واسْتِيفَاءَ دَيْنِه من ثَمَنِها، فكذلك بَيْعُها، فإن كانت القِيمَةُ من جِنْسِ الدَّيْنِ، وقد أُذِنَ له فى وَفَائِه مِن ثَمَنِ الرَّهْنِ، مَلَكَ إِيفَاءَهُ من القِيمَةِ؛
стр. 3085
لأنَّها بَدَلُ الرَّهْنِ من جِنْسِ الدَّيْنِ، فأشْبَهَتْ ثَمَنَ البَيْعِ.
فصل: وإذا أَذِنَا لِلْعَدْلِ فى البَيْعِ، وعَيَّنَا له نَقْدًا، لم يَجُزْ له أن يُخَالِفَهما. وإن اخْتَلَفَا، فقال أحَدُهما: بِعْهُ بِدَرَاهِم. وقال الآخَرُ: بِدَنَانِيرَ. لم يَقْبَلْ قولَ واحدٍ منهما، لأنَّ لِكُلِّ واحِدٍ منهما فيه حَقًّا، لِلرَّاهِنِ مِلْكُ اليَمِينِ، وِللْمُرْتَهِنِ حَقُّ الوَثِيقَةِ واسْتِيفَاءُ حَقِّهِ، ويَرْفَعُ الأَمْرَ إلى الحَاكِمِ، فيَأْمُرُ من يَبِيعُه بِنَقْدِ البَلَدِ، سواءٌ كان من جِنْسِ الحَقِّ أو مِن غيرِ جِنْسِه، وافَقَ قَوْلَ أحَدِهما أو لم يُوَافِقْ؛ لأنَّ الحَظَّ فى ذلك، والأَوْلَى أن يَبِيعَهُ بما يَرَى الحَظَّ فيه، فإن كان فى البَلَدِ نَقْدَانِ بَاعَهُ بأَغْلَبِهما، فإن تَسَاوَيَا، فقال القاضِى: يَبِيعُ بما يُؤَدِّيه اجْتِهَادُه إليه. وهو قولُ الشَّافِعِىِّ؛ لأنَّه الأَحَظُّ، والغَرَضُ من تَحْصِيلِ الحَظِّ، فإن تَسَاوَيَا، بَاعَ بجِنْسِ الدَّيْنِ، فإن لم يكُنْ فيها جِنْسُ الدَّيْنِ، عَيَّنَ له الحاكِمُ ما يَبِيعُه به، وحُكْمُه حُكْمُ الوَكِيلِ فى وُجُوبِ الاحْتِيَاطِ، والمَنْعِ من البَيْعِ بدون ثَمَنِ المِثْلِ، ومن البَيْعِ نَسَاءً، متى خَالَفَ لَزِمَهُ ما يَلْزَمُ الوَكِيلَ المُخَالِفَ. وذَكَرَ فى البَيْعِ نَسَاءً رِوَايَةً أُخْرَى, أنَّه يجوزُ بنَاءً على الوَكِيلِ. ولا يَصِحُّ؛ لأنَّ البَيْعَ هاهُنا لإِيفَاءِ دَيْنٍ حَالٍّ يَجبُ تَعْجِيلُه، والبَيْعُ نَسَاءً يَمْنَعُ ذلك. وكذا نقولُ فى الوَكِيلِ، متى وُجِدَتْ فى حَقِّهِ قَرِينَةٌ دَالَّةٌ على مَنْعِ البَيْعِ نَسَاءً لم يَجُزْ له ذلك، وإنَّما الرِّوَايَتَانِ فيه عندَ انْتِفَاءِ القَرَائِن. وكلُّ مَوْضِعٍ حَكَمْنَا بأن البَيْعَ باطِلٌ، وَجَبَ رَدُّ المَبِيعِ إن كان بَاقِيًا، فإن تَعَذَّرَ، فَلِلْمُرْتَهِنِ تَضْمِينُ مَن شَاءَ من العَدْلِ والمُشْتَرِى بأَقَلّ الأَمْرَيْنِ من قِيمَةِ الرَّهْنِ أو قَدْرِ الدَّيْنِ؛ لأنَّه يَقْبِضُ قِيمَةَ الرَّهْنِ مُسْتَوْفِيًا لِحَقِّه، لا رَهْنًا، فلذلك لم يكُنْ له أن يَقْبِضَ أكْثَرَ من دَيْنِه، وما بَقِىَ من قِيمَةِ الرَّهْنِ لِلرَّاهِنِ، يَرْجِعُ به على من شَاءَ منهما. [وإن اسْتَوْفَى دَيْنَه من الرَّهْنِ، رَجَعَ الرَّاهِنُ بِقِيمَتِه على مَن شَاءَ منهما] (١٥). ومتى ضَمِنَ المُشْتَرِى لم يَرْجِعْ على أحَدٍ. لأنَّ العَيْنَ تَلِفَتْ فى يَدِه، وإن ضَمِنَ العَدْلُ رَجَعَ على المُشْتَرِى.
стр. 3086
فصل: ومتى قَدَّرَا له ثَمَنًا، لم يَجُزْ له بَيْعُه بدونِه، وإن أَطْلَقَا، فله بَيْعُه بِثَمَنِ مِثلِه، أو زِيَادَةٍ عليه. وبهذا قال الشَّافِعِىُّ، وقال أبو حنيفةَ: له بَيْعُه ولو بِدَرَاهِمَ (١٦) والكَلَامُ معه فى الوَكَالَةِ. فإن أَطْلَقَا، فبَاعَ بأَقَلَّ من ثِمَنِ المِثْلِ، ممَّا يَتَغَابَنُ النّاسُ به، صَحَّ، ولا ضَمَانَ عليه، لأنَّ ذلك لا يُضْبَطُ غَالِبًا. وإن كان النَّقْصُ ممَّا لا يَتَغَابَنُ الناسُ به، أو بَاعَ بأَنْقَصَ مما قَدَّرَا (١٧) له، صَحَّ البَيْعُ، وضَمِنَ النَّقْصَ كله. ذَكَرَهُ أصْحابُنا. والأَوْلَى أنَّه لا يَصِحُّ البَيْعُ؛ لأنَّه بَيْعٌ لم يُؤْذَنْ له فيه، فأَشْبَه ما لو خَالَفَ فى النَّقْدِ.
فصل: وإذا بَاعَ العَدْلُ الرَّهْنَ بإِذْنِهِما، وقَبَضَ الثمنَ، فتَلِفَ فى يَدِه من غير تَعَدٍّ، فلا ضَمَانَ عليه؛ لأنَّه أَمِينٌ، فهو كالوَكِيلِ. ولا نَعْلَمُ فى هذا خِلَافًا. ويكونُ من ضَمَانِ الرَّاهِنِ. وبهذا قال الشَّافِعِىُّ؛ وقال أبو حنيفةَ ومَالِكٌ: من ضَمَانِ المُرْتَهِنِ؛ لأنَّ البَيْعَ لأَجْلِه. ولَنا، أنَّه وَكِيلُ الرَّاهِنِ فى البَيْعِ، والثَّمَنُ مِلْكُه، وهو أمِينٌ له فى قَبْضِه، فإذا تَلِفَ، كان من ضَمَانِ مُوَكِّلِه، كسَائِرِ الأُمَنَاءِ. وإن ادَّعَى التَّلَفَ، فالقولُ قولُه مع يَمِينِه؛ لأنَّه أَمِينٌ، ويَتَعَذَّرُ عليه إقَامَةُ البَيِّنَةِ على ذلك، وإن كَلَّفْنَاهُ البَيِّنَةَ، شَقَّ عليه، وَرُبَّما أدَّى إلى أن لا يَدْخُلَ الناسُ فى الأَمَانَاتِ. فإن خَالَفَاهُ فى قَبْضِ الثَّمَنِ، فقالا: ما قَبَضَهُ من المُشْتَرِى. وادَّعَى ذلك، ففيه وَجْهَانِ: أحَدُهما، القولُ قولُه، لأنَّه أمِينٌ. والآخَرُ: لا يُقْبَلُ؛ لأنَّ هذا إِبْرَاءٌ لِلْمُشْتَرِى من الثَّمَنِ، فلا يُقْبَلُ قولُه فيه, كما لو أَبْرَأَهُ من غير الثَّمَنِ. وإن خَرَجَ المَبِيعُ مُسْتَحَقًّا، فالعُهْدَةُ على الرَّاهِنِ دون العَدْلِ، إذا كان قد أَعْلَمَ المُشْتَرِى أنَّه وَكِيلٌ. وكذلك كلُّ وَكِيلٍ بَاعَ مالَ غيرِه. وهذا مذهبُ الشَّافِعِىِّ. وقال أبو حنيفةَ: العُهْدَةُ على الوَكِيلِ. والكَلَامُ معه فى الوَكَالَةِ. فإن عَلِمَ المُشْتَرِى بعدَ تَلَفِ الثَّمَنِ فى يَدِ العَدْلِ، رَجَعَ على الرَّاهِنِ، ولا شىءَ على العَدْلِ. فإن قِيلَ: فلِمَ
стр. 3087
لا يَرْجِعُ المُشْتَرِى على العَدْلِ، لأنَّه قَبَضَ الثَّمَنَ بغيرِ حَقٍّ؟ قُلْنا: لأنَّه سَلَّمَهُ إليه على أنَّه أَمِينٌ فى قَبْضِه، يُسَلِّمُه إلى المُرْتَهِنِ. فلذلك لم يَجِبِ الضَّمَانُ عليه، فأما المُرْتَهِنُ، فقد بَانَ له أنَّ عَقْدَ الرَّهْنِ كان فَاسِدًا، فإن كَان مَشْرُوطًا فى بَيْعٍ، ثَبَتَ له الخِيَارُ فيه، وإلَّا سَقَطَ حَقُّهُ، فإن كان الرَّاهِنُ مُفْلِسًا، حَيًّا أو مَيِّتًا، كان المُرْتَهِنُ والمُشْتَرِى أُسْوَةَ الغُرَمَاءِ؛ لأنَّهم مُتَسَاوُونَ فى ثُبُوتِ حَقِّهم فى الذِّمَّةِ، فاسْتَوَوْا فى قِسْمَةِ مَالِه بينهم. فأما إن خَرَجَ مُسْتَحَقًّا بعد ما دَفَعَ الثَّمَنَ إلى المُرْتَهِنِ، رَجَعَ المُشْتَرِى على المُرْتَهِنِ. وبهذا قال الشَّافِعِىُّ. وقال أبو حنيفةَ: يَرْجِعُ على العَدْلِ، ويَرْجِعُ العَدْلُ على أَيِّهما شَاءَ من الرَّاهِنِ، والمُرْتَهِنِ. ولَنا، أنَّ عَيْنَ مَالِه صَارَ إلى المُرْتَهِنِ بغيرِ حَقٍّ، فكان رُجُوعُه عليه كما لو قَبَضَهُ منه، فأمَّا إن كان المُشْتَرِىَ رَدَّهُ بِعَيْبٍ، لم يَرْجِعْ على المُرْتَهِنِ؛ لأنَّه قَبَضَ الثَّمَنَ بحَقٍّ, ولا على العَدْلِ؛ لأنَّه أَمِينٌ وَوَكِيلٌ، ويَرْجِعُ على الرَّاهِنِ. وإن كان العَدْلُ حين بَاعَهُ لم يُعْلِمِ المُشْتَرِىَ أنَّه وَكِيلٌ، كان لِلْمُشْتَرِى الرُّجُوعُ عليه، ويَرْجِعُ هو على الرَّاهِنِ، إن أقَرَّ بذلك، أو قَامَتْ به بَيِّنَةٌ، وإن أنْكَرَ ذلك، فالقولُ قولُ العَدْلِ مع يَمينِه، فإن نَكَلَ عن اليَمِينِ، فَقُضِىَ عليه بالنُّكُولِ، أو رُدَّتْ اليَمِينُ على المُشْتَرِى، فحَلَفَ، ورَجَعَ على العَدْلِ، لم يَرْجِع العَدْلُ على الرَّاهِنِ؛ لأنَّه يُقِرُّ أنَّه ظَلَمَهُ. وعلى قولِ الخِرَقِىِّ، القولُ فى حُدُوثِ العَيْبِ قولُ المُشْتَرِى مع يَمِينِه. وهو إحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ عن أحمدَ. فإذا حَلَفَ المُشْتَرِى، رَجَعَ على العَدْلِ، ورَجَعَ العَدْلُ على الرَّاهِنِ. وإن تَلِفَ العَبْدُ المَبِيعُ فى يَدِ المُشْتَرِى، ثم بَانَ مُسْتَحَقًّا قبل وَزْنِ ثَمَنِه، فلِلْمَغْصُوبِ منه تَضْمِينُ مَن شَاءَ من الغَاصِبِ والعَدْلِ والمُرْتَهِنِ، ويَسْتَقِرُّ الضَّمَانُ على المُشْتَرِى؛ لأنَّ التَّلَفَ فى يَدِه، هذا إذا عَلِمَا بالغَصْبِ، وإن لم يكن عَالِمًا، فهل يَسْتَقِرُّ الضَّمَانُ عليه، أو على الغَاصِبِ؟ على رِوَايَتَيْنِ.
فصل: فإن ادَّعَى العَدْلُ دَفْعَ الثَّمَنِ إلى المُرْتَهِنِ، فأَنْكَرَ، فقال القاضى وأبو الخَطَّابِ: يُقبَلُ قَوْلُه فى حَقِّ الرَّاهِنِ، ولا يُقْبَلُ فى حَقِّ المُرْتَهِنِ. وهو مذهبُ الشَّافِعِىِّ؛ لأنَّ العَدْلَ وَكِيلُ الرَّاهِنِ فى دَفْعِ الدَّيْنِ إلى المُرْتَهِنِ، وليس بِوَكِيلٍ
стр. 3088
لِلْمُرْتَهِنِ فى ذلك، إنَّما هو وَكِيلُه فى الحِفْظِ فقط، فلم يُقْبَلْ قولُه عليه فيما ليس بِوَكِيلٍ له فيه، كما لو وَكَّلَ رَجُلًا فى قَضَاءِ دَيْنٍ، فَادَّعَى أنه سَلَّمَهُ إلى صَاحِبِ الدَّيْنِ. وقال الشَّرِيفُ أبو جعفرٍ وأبو الخَطَّابِ، فى رُءُوسِ مَسَائِلِهما: يُقْبَلُ قولُه على المُرْتَهِنِ فى إسْقَاطِ الضَّمَانِ عن نَفْسِه، ولا يُقْبَلُ فى نَفْىِ (١٨) الضَّمَانِ عن (١٩) غيرِه. وهذا مذهبُ أبى حنيفةَ؛ لأنَّه أَمِينٌ، فَقُبِلَ قولُه فى إسْقَاطِ الضَّمَانِ عن نَفْسِه، كالمُودعِ (٢٠) يَدَّعِى رَدَّ الوَدِيعَةِ. فعلى هذا، إذا حَلَفَ العَدْلُ له (٢١)، سَقَطَ الضَّمَانُ عنه، ولم يَثْبُتْ على (٢٢) المُرْتَهِنِ أنَّه قَبَضَهُ. وعلى القولِ الأَوَّلِ، يَحْلِفُ المُرْتَهِنُ، ويَرْجِعُ على مَن شَاءَ منهما، فإن رَجَعَ على العَدْلِ، لم يَرْجِع العَدْلُ على الرَّاهِنِ؛ لأنَّه يقول: ظَلَمَنِى وأخَذَ مِنِّى بغير حَقٍّ. فلم يَرْجِعْ على الرَّاهِنِ، كما لو غَصَبَهُ مالًا آخَرَ، فإن رَجَعَ على الرَّاهِنِ، فهل يَرْجِعُ الرَّاهِنُ على العَدْلِ؟ نَظَرْتَ؛ فإنْ كان دَفَعَهُ إلى المُرْتَهِنِ بِحَضْرَةِ الرَّاهِنِ أو بِبَيِّنَةٍ، فماتَتْ أو غَابَتْ، لم يَرْجِعْ عليه؛ لأنَّه أمِينٌ ولم يُفَرِّطْ فى القَضَاءِ، وإن دَفَعَهُ إليه [بغَيْرِ بَيِّنَةٍ] (٢٣) فى غَيبَةِ الرَّاهِنِ، ففيه رِوَايَتَانِ: إحْدَاهما، يَرْجِعُ الرَّاهِنُ عليه؛ لأنَّه مُفَرِّطٌ فى القَضَاءِ بغير بَيِّنَةٍ، فَلَزِمَهُ الضَّمَانُ، كما لو تَلِفَ الرَّهْنُ بتَفْرِيطِه، ويَحْتَمِلُ أن يكونَ هذا مَعْنَى قولِ الخِرَقِىِّ: ومن أمَرَ رَجُلًا أن يَدْفَعَ إلى رَجُلٍ مَالًا، وَادَّعَى أنه دَفَعَهُ إليه، لم يُقْبَلْ قولُه على الآمِرِ إلَّا بِبَيِّنَةٍ. والرِّوَايَةُ الثانيةُ، لا يَرْجِعُ الرَّاهِنُ عليه؛ لأنَّه أَمِينٌ فى حَقِّه، سواءٌ صَدَّقَهُ فى القَضَاءِ أو كَذَّبَهُ، إلَّا أنَّه إن كَذَّبَهُ فله عليه اليَمِينُ.
стр. 3089
فصل: إذا غَصَبَ المُرْتَهِنُ الرَّهْنَ من العَدْلِ، ثم رَدَّهُ إليه، زَالَ عنه الضَّمَانُ. ولو كان الرَّهْنُ فى يَدِ المُرْتَهِنِ، فتَعَدَّى فيه، ثم أزَالَ التَّعَدِّىَ، أو سَافَرَ به ثم رَدَّهُ، لم يَزُلْ عنه الضَّمَانُ، لأنَّ اسْتِئْمَانَهُ زَالَ بذلك، فلم يَعُدْ (٢٤) بِفعْلِهِ مع بَقَائِه فى يَدِه، بِخِلَافِ التى قَبْلَها، فإن رَدَّهُ إلى يَدِ نَائِبِ مَالِكِها، فأشْبهَ ما لو رَدَّهَا إلى يَدِ (٢٥) مَالِكِهَا.
فصل: وإذا اسْتَقْرَضَ ذِمِّىٌّ من مُسْلِمٍ مَالًا، ورَهَنَهُ خَمْرًا، لم يَصِحَّ، سواءٌ جَعَلَهُ فى (٢٦) يَدِ ذِمِّىٍّ أو غيرِه، فإن بَاعَها الرَّاهِنُ، أو نَائِبُه الذِّمِّىُّ، وجَاءَ المُقْرِضُ بِثَمَنِها، لَزِمَهُ قَبُولُه. فإن أَبَى، قِيلَ له: إمَّا أن تَقْبِضَ، وإمَّا أن تُبْرِىءَ؛ لأنَّ أهْلَ الذِّمَّةِ إذا تَقَابَضُوا فى العُقودِ الفَاسِدَةِ، جَرَتْ مَجْرَى الصَّحِيحَةِ. قال عمرُ، رَضِىَ اللَّه عنه، فى أهْلِ الذِّمَّةِ، معهم الخُمورُ (٢٧): وَلُّوهُمْ بَيْعَها، وخُذُوا من أَثْمَانِها. وإن جَعَلَهَا على يَدِ مُسْلِمٍ. فبَاعَها، لم يُجْبَر المُرْتَهِنُ على قَبُولِ الثَّمَنِ؛ لأنَّ ذلك البَيْعَ فَاسِدٌ، لا يُقَرَّانِ عليه، ولا حُكْمَ له.
٧٨٧ - مسألة؛ قال: (ولا يَرْهَنُ مالَ من أَوْصَى إليه بِحِفْظِ مَالِه إلَّا من ثِقَةٍ)
وجملته أن وَلِىَّ اليَتِيمِ ليس له رَهْنُ مَالِه، إلَّا عند ثِقَةٍ يُودِعُ مَالَهُ عنده، لئلا يجْحَدَهُ أو يُفَرِّطَ فيه فيَضِيعَ. قال القاضِى: ليس لِوَلِيِّهِ رَهْنُ مَالِهِ إلَّا بِشَرْطَيْنِ: أحَدِهما، أن يكونَ عند ثِقَةٍ. الثانى، أن يكونَ له فيه حَظٌّ، وهو أن يكونَ به حَاجَةٌ إلى نَفَقَةٍ، أو كُسْوَةٍ، أو إنْفَاقٍ على عَقَارِه المُسْتَهْدِمِ (١)، أو أَرْضِه، أو بَهَائِمِه، ونحو ذلك، ومَالُه غائِبٌ يَتَوَقَّعُ وُرُودَه، أو ثَمَرةٌ يَنْتَظِرُها، أو له دَيْنٌ مُؤَجَّلٌ يَحِلُّ،
стр. 3090
أو مَتَاعٌ كاسِدٌ يَرْجُو نَفاقَهُ؛ فيجوزُ لِوَلِيِّهِ الاقْتِرَاضُ وَرَهْنُ مَالِه. وإن لم يكُنْ له شىءٌ يَنْتَظِرُه، فلا حَظَّ له فى الاقْتِرَاضِ، فيَبِيعُ شَيْئًا من أُصُولِ مَالِه، ويَصْرِفُه فى إنْفاقِه (٢). وإن لم يَجِدْ من يُقْرِضُه، ووَجَدَ من يَبِيعُه نَسِيئَةً، وكان أحَظَّ من بَيْعِ أَصُولِه، جازَ أن يَشْتَرِيَهُ نَسِيئَةً ويَرْهَنَ به شيئا من مَالِه، والوَصِىُّ والحَاكِمُ وأَمِينُه فى هذا سواءٌ، وكذلك الأَبُ، إلَّا أنَّ لِلأَبِ أن يَرْهَنَ من نَفْسِه لِوَلَدِه ولِنَفسِه من وَلَدِه، ومَن عَداهُ بِخِلَافِه، على إحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ.
فصل: فأمَّا أَخْذُ الرَّهْنِ بمالِ اليَتِيمِ، فيكونُ فى بَيْعٍ أو قَرْضٍ، وقد ذَكَرْنَا القَرْضَ فى بَابِ المُصَرَّاةِ (٣) وفى البَيْعِ ثلاثُ مَسائِلَ: إحْدَاهُنَّ، أن يَبِيعَ ما يُسَاوِى مائةً نَقْدًا بمائةٍ أو دونها نَسِيئَةً، ويَأْخُذَها رَهْنًا، فهذا بَيْعٌ فَاسِدٌ؛ لأنَّ بَيْعَهُ نَقْدًا أَحْوَطُ، وكذلك لو جَعَلَ بعضَ الثَّمَنِ نَسِيئَةً. الثَّانية، أن يَبِيعَهُ بمائةٍ نَقْدًا وعِشْرِينَ نَسِيئَةً، يَأْخُذُ بها رَهْنًا، فهذا جائِزٌ؛ لأنَّه لو بَاعَهُ بمائةٍ نَقْدًا جازَ، فإذا زَادَ عليها، فقد زَادَه خَيْرًا، سواء قَلَّتِ الزِّيَادَةُ أو كَثُرَتْ. الثَّالثة، بَاعَهُ بمائةٍ وعِشْرِينَ نَسِيئَةً، وأخَذَ بها رَهْنًا، فهذا جَائِزٌ أيضا. ذَكَرَهُ القاضى. وهو قولُ أصْحابِ الشَّافِعِىِّ. وقال بعضُهم: لا يجوزُ؛ لأنَّه تَغْرِيرٌ بمَالِه، وبَيْعُ النَّقْدِ أَحْوَطُ له. ولَنا، أنَّ هذا عادَةُ التُّجَّارِ، وقد أمَرْناهُ بالتِّجَارَةِ وطَلَبِ الرِّبْحِ، وهذا مِن جِهَاتِه، والتَّغْرِيرُ يَزُولُ بالرَّهْنِ.
فصل: وحُكْمُ المُكَاتَبِ فيما ذَكَرْنَاهُ حُكْمُ وَلِىِّ اليَتِيمِ، له أن يَتَصَرَّفَ فيما فى يَدَيْه فيما له فيه الحَظُّ، فأمَّا المَأْذُونُ، فإن دَفَعَ له سَيِّدُه مَالًا يَتَّجِرُ فيه، أو لم يَدْفَعْ إليه، فقال القاضِى: ليس له التَّصَرُّفُ بالنَّسِيئَةِ؛ لأنَّ دُيُونَهُ تَتَعَلَّقُ بِذِمَّةِ السَّيِّدِ، فيَتَضَرَّرُ بذلك، لأنَّ الدَّيْنَ غَرَرٌ بخِلَافِ المُكَاتَبِ.
стр. 3091
فصل: ولو كان مَالُ اليَتِيمِ رَهْنًا، فاسْتَعَادَهُ الوَصِيُّ لِلْيَتِيمِ، جازَ. وإن اسْتَعَادَهُ لِنَفْسِه، لم يَجُزْ؛ لأنَّه لا يَمْلِكُ التَّصَرُّفَ في مَالِ اليَتِيمِ لِنَفْسِه، وعليه الضَّمانُ؛ لأنَّه قَبَضَهُ على وَجْهٍ ليس له قَبْضُه. وإن فَكَّه بمالِ اليَتِيمِ، وأطْلَقَ، فهو لِلْيَتِيمِ. وإن فَكَّه بمالِ نَفْسِه، وأَطْلَقَ، فالظَّاهِرُ أنَّه اسْتَعادَهُ لِنَفْسِه. فإن قال: اسْتَعَدْتُه لِلْيَتِيمِ بعدَ هَلَاكِه أو هَلَاكِ بعضه. لم يُقْبَلْ قولُه؛ لأنَّنا حَكَمْنا بالضَّمَانِ ظَاهِرًا، فلا يَزُولُ بقَوْلِه. والأَوْلَى أن يُقْبَلَ قولُه؛ لأنَّه أَمِينٌ، وهو أعْلَمُ بِنِيَّتِه، فيُقْبَلُ قولُه فيها، كما قَبْل التَّلَفِ (٤).
فصل: ولو رَهَنَ الوَصِيُّ أو الحاكِمُ مَالَ اليَتِيمِ عندَ مُكَاتَبِه، أو وَلَدِه الكَبِير، صَحَّ؛ لأنَّه لا وِلَايَةَ له عليهما.
فصل: ولو أَوْصَى إلى رَجُلٍ بِقَضَاءِ دَيْنهِ. فَرَهَنَ شيئا مِن تَرِكَتِه عند الغَرِيمِ، أو غيرِه، ضَمِنَ؛ لأنَّه لم يُؤْذَنْ له في رَهْنِها، فضَمِنَ، كما لو لم يُوصِ إليها (٥) بِقَضَاءِ دَيْنِه.
٧٨٨ - مسألة؛ قال: (وَإذا قَضَاهُ بَعْضَ الْحَقِّ، كَانَ الرَّهْنُ بِحَالِه عَلَى مَا بَقِىَ)
وجملةُ ذلك أنَّ حَقَّ الوَثِيقَةِ يَتَعَلَّقُ بالرَّهْنِ جَمِيعِه، فيَصِيرُ مَحْبُوسًا بِكُلِّ الحَقِّ، وبِكُلِّ جُزءٍ منه، لا يَنْفَكُّ منه شىءٌ حتى يَقْضِىَ جَمِيعَ الدَّيْنِ، سواءٌ كان ممَّا يُمْكِنُ قِسْمَتُه أو لا يُمْكِنُ. قال ابن المُنْذِرِ: أجْمَعَ كلُّ مَن أحْفَظُ عنه من أَهْلِ العِلْمِ، على أنَّ مَن رهَنَ شيئا بمالٍ، فأدَّى بعضَ المالِ، وأرَادَ إخْرَاجَ بعضِ الرَّهْنِ، أنَّ ذلك ليس له، ولا يَخرُجُ شىءٌ حتى يُوَفِّيَهُ آخِرَ حَقِّه، أو يُبْرِئَهُ مِن ذلك. كذلك قال مالِكٌ، والثَّوْرِيُّ، والشَّافِعِيُّ، وإسحاقُ، وأبو ثَوْرٍ، وأصْحابُ الرَّأْىِ؛ لأنَّ الرَّهْنَ وَثِيقَةٌ بِحَقٍّ، فلا يَزُولُ إلَّا بِزَوَالِ جَمِيعِه، كالضَّمانِ والشَّهادَةِ.
стр. 3092
٧٨٩ - مسألة؛ قال: (وَإذَا أَعْتَقَ الرَّاهِنُ عَبْدَهُ المَرْهُونَ، فَقَدْ صَارَ حُرًّا، ويُؤْخَذُ إنْ كَانَ لَهُ مالٌ بِقِيمَةِ المُعْتَقِ، فَيَكُونُ رَهْنًا)
وجُمْلَةُ ذلك أنَّه ليس لِلرَّاهِنِ عِتْقُ الرَّهْنِ؛ لأنَّه يُبْطِلُ حَقَّ المُرْتَهِنِ مِن الوَثِيقَةِ، فإن أَعْتَقَ، نَفَذَ عِتْقُه مُوسِرًا كان أو مُعْسِرًا. نَصَّ عليه أحمدُ، وبه قال شَرِيكٌ، والحَسَنُ بن صَالِحٍ، وأصْحابُ الرَّأْىِ، والشَّافِعِيُّ في أحَدِ أقْوَالِه، إلَّا أنَّ أبا حنيفةَ قال: يَسْتَسْعِى العَبْدَ في قِيمَتِه إن كان المُعْتِقُ مُعْسِرًا. وعن أحْمَدَ رِوَايَةٌ أُخْرَى: لا يَنْفُذُ عِتْقُ المُعْسِرِ. ذَكَرَها الشَّرِيفُ أبو جعفرٍ. وهو قولُ مَالِكٍ، والقولُ الثاني لِلشَّافِعِيِّ؛ لأنَّ عِتْقَه يُسْقِطُ حَقَّ المُرْتَهِنِ من الوَثِيقَةِ، من عَيْنِ الرَّهْنِ وبَدَلِهَا، فلم يَنْفُذْ، لما فيه من الإِضْرَارِ بالمُرْتَهِنِ، ولأنَّه عِتْقٌ يُبْطِلُ حَقَّ غيرِ المالِكِ، فنَفَذَ من المُوسِرِ دون المُعْسِرِ، كعِتْقِ شِرْكٍ له مِن عَبْدٍ. وقال عَطَاءٌ، والبَتِّيُّ، وأبو ثَوْرٍ: لا يَنْفُذُ عِتْقُ الرَّاهِنِ مُوسِرًا كان أو مُعْسِرًا. وهو القولُ الثالثُ للشَّافِعيِّ؛ لأنَّه مَعْنًى يُبْطِلُ حَقَّ (١) الوَثِيقَةِ من الرَّهْنِ، فلم يَنْفُذْ كالبَيْعِ. ولَنا، أنَّه إعْتَاقٌ من مَالِكٍ جَائِزِ التَّصَرُّفِ تَامِّ المِلْكِ، فنَفَذَ، كعِتْقِ المُسْتَأْجِرِ، ولأنَّ الرَّهْنَ عَيْنٌ مَحْبُوسَةٌ لاسْتِيفَاءِ الحَقِّ، فنَفَذَ فيها عِتْقُ المالِكِ، كالمَبِيعِ في يَدِ البَائِعِ، والعِتْقُ يُخَالِفُ البَيْعَ، فإنَّه مَبْنِيٌّ على التَّغْلِيبِ والسِّرايَةِ، ويَنْفُذُ في مِلْكِ الغيرِ، ويجوزُ عِتْقُ المَبِيعِ قبلَ قَبْضِه، والآبِقِ، والمَجْهُولِ، وما لا يَقْدِرُ على تَسْلِيمِه، ويجوزُ تَعْلِيقُه على الشُّرُوطِ، بِخِلَافِ البَيْعِ. إذا ثَبَتَ هذا فإنَّه إن كان مُوسِرًا أُخِذَتْ منه قِيمَتُه، فجُعِلَتْ مَكَانَه رَهْنًا؛ لأنَّه أبْطَلَ حَقَّ الوَثِيقَةِ بغيرِ إذْنِ المُرْتَهِنِ، فَلَزِمَتْهُ قِيمَتُه، كما لو أبْطَلَها أَجْنَبِيٌّ، أو كما لو أتْلَفَه، وتكونُ القِيمَةُ رَهْنًا؛ لأنَّها نَائِبَةٌ عن العَيْنِ، وبَدَلٌ عنها، وإن كان مُعْسِرًا فالقِيمَةُ في ذِمَّتِه، فإنْ أيْسَرَ قبلَ حُلُولِ الحَقِّ، أُخِذَتْ منه القِيمَةُ فَجُعِلَتْ رَهْنًا، إلَّا أن يَخْتَارَ تَعْجِيلَ الحَقِّ، فيَقْضِيَه، ولا يَحْتَاجُ إلى رَهْنٍ،
стр. 3093
وإن أَيْسَرَ بعدَ حُلُولِ الحَقِّ، طُولِبَ بالدَّيْنِ خاصَّةً، لأنَّ ذِمَّتَه تَبْرَأُ به مِن الحَقَّيْنِ معا، والاعْتِبَارُ بِقِيمَةِ العَبْدِ حالَ الإِعْتَاقِ، لأنَّه حَالُ الإِتْلَافِ. وبهذا قال الشَّافِعِيُّ، وقال أبو حنيفة، في المُعْسِرِ: يَسْتَسْعِى العَبْدَ في قِيمَتِه، ثم يَرْجِعُ على الرَّاهِنِ. وفيه إيجَابُ الكَسْبِ على العَبْدِ، ولا صُنْعَ له، ولا جِنَايَةَ منه، وإِلْزَامُ الغُرْمِ لمن وُجِدَ منه الإِتْلَافُ أَوْلَى، كحالِ اليَسَارِ، وكسائِرِ الإِتْلَافِ.
فصل: وإن أَعْتَقَهُ بإذْنِ المُرْتَهِنِ، فلا نَعْلَمُ خِلَافًا في نُفُوذِ عَتْقِه على كلِّ حالٍ؛ لأنَّ المَنْعَ كان لِحَقِّ المُرْتَهِنِ، وقد أَذِنَ، ويسْقُطُ (٢) حَقُّه من الوَثِيقَةِ مُوسِرًا كان المُعْتِقُ أو مُعْسِرًا، لأنَّه أَذِنَ فيما يُنَافِى حَقَّه، فإذا وُجِدَ، زَالَ حَقُّهُ، وقد رَضِىَ به لِرِضَاهُ بما يُنَافِيه، وإذْنِه فيه، فلم يَكُنْ له بَدَلٌ. فإن رَجَعَ عن الإِذْنِ قبلَ العِتْقِ، وعَلِمَ الرَّاهِنُ بِرُجُوعِه [كان كمَن لم يأْذَنْ، فإنْ عَلِمَ الرَّاهِنُ برُجُوعِه] (٣)، فأَعْتَقَ، ففيه وَجْهانِ، بنَاءً على عَزْلِ الوَكِيلِ بدُونِ عِلْمِه. وإن رَجَعَ بعدَ العِتْقِ، لم يَنْفَعْ رُجُوعُه، والقولُ قولُ المُرْتَهِنِ مع يَمِينِه؛ لأنَّ الأصْلَ عَدَمُ الإِذْنِ. ولو اخْتَلَفَ الرَّاهِنُ وَوَرَثَةُ المُرْتَهِنِ، فالقولُ قولُ وَرَثَةِ المُرْتَهِنِ أيضا، إلَّا أنَّ أيْمَانَهُم على نَفْى العِلْمِ، لأنَّها على فِعْلِ الغيرِ. وإن اخْتَلَفَ المُرْتَهِنُ وَوَرَثَةُ الرَّاهِنِ، فالقولُ قولُ المُرْتَهِنِ مع يَمِينهِ، وإن لم يَحْلِفْ، قُضِىَ عليه بالنُّكُولِ.
فصل: وإن تَصَرَّفَ الرَّاهِنُ. بغير العِتْقِ، كالبَيْعِ، والإِجَارَةِ، والهِبَةِ، والوَقْفِ، والرَّهْنِ، وغيرِه، فتَصَرُّفُه باطِلٌ؛ لأنَّه تَصَرُّفٌ يُبْطُل حَقَّ المُرْتَهِنِ مِن الوَثِيقَةِ، غيرُ مَبْنِيٍّ على التَّغْلِيبِ والسِّرَايَةِ، فلم يَصِحَّ بغيرِ إذْنِ المُرْتَهِنِ، كَفَسْخِ الرَّهْنِ. فإن أذِنَ فيه المُرْتَهِنُ، صَحَّ، وبَطَلَ الرَّهْنُ؛ لأنَّه أَذِنَ فيما يُنَافِى حَقَّه، فيَبْطُلُ بِفِعْلِه، كالعِتْقِ. وإن زَوَّجَ الأمَةَ (٤) المَرْهُونَةَ، لم يَصِحَّ. وهذا اخْتِيَارُ
стр. 3094
أبي الخَطَّابِ، وقولُ مالِكٍ والشَّافِعِيِّ، وقال القاضى وجَمَاعَةٌ من أصْحابِنا: يَصِحُّ، ولِلْمُرْتَهِنِ مَنْعُ الزَّوْجِ من وَطْئِها، ومَهْرُهَا رَهْنٌ معها. وهذا مذهبُ أبي حنيفةَ؛ لأنَّ محَلَّ النّكَاحِ غيرُ مَحلِّ عَقْدِ الرَّهْنِ، ولذلك صَحَّ رَهْنُ الأَمَةِ المُزَوَّجَةِ، ولأنَّ الرَّهْنَ لا يُزِيلُ المِلْكَ، فلا يَمْنَعُ التَّزْوِيجَ، كالإِجارَةِ. ولَنا، أنَّه تَصَرَّفٌ في الرَّهْنِ بما يَنْقُصُ ثَمَنَه، ويَسْتَغِلُّ بعضَ مَنَافِعِه، فلم يَمْلِكْهُ الرَّاهِنُ بغيرِ رِضَا المُرْتَهِنِ، كالإِجارَةِ، ولا يَخْفَى تَنْقِيصُه لِثَمَنِها، فإنَّه يُعَطِّلُ مَنَافِعَ بعضِها، ويَمْنَعُ مُشْتَرِيَها مِن وَطْئِها وحِلِّها، ويُوجِبُ عليه تَمْكِينَ زَوْجِها مِن اسْتِمْتَاعِها في اللَّيْلِ، ويُعَرِّضُها بِوَطْئِه لِلْحَمْلِ الذى يُخَافُ منه تَلَفُها، ويَشْغَلُهَا عن خِدْمَتِه بتَرْبِيَةِ وَلَدِهَا، فتَذْهَبُ الرَّغْبَةُ فيها، وتَنْقُصُ نَقْصًا كَثِيرًا، وَرُبَّما مَنَعَ بَيْعَها بالكُلِّيَّةِ. وقولُهم: إنَّ مَحلَّ عَقْدِ النِّكَاحِ غيرُ مَحلِّ الرَّهْنِ. غيرُ صَحِيحٍ؛ فإنَّ مَحلَّ الرَّهْنِ مَحلُّ البَيْعِ، والبَيْعُ يَتَناوَلُ جُمْلَتَها، ولهذا يُبَاحُ لِمُشْتَرِيها اسْتِمْتَاعُها، وإنَّما صَحَّ رَهْنُ المُزَوَّجَةِ لِبَقَاءِ مُعْظَم المَنْفَعَةِ فيها، وبَقَائِها مَحلًّا لِلْبَيْعِ، كما يَصِحُّ رَهْنُ المُسْتَأْجَرَةِ، ويُفَارِقُ الرَّهْنُ الإِجارَةَ؛ فإنَّ التَّزْوِيجَ لا يُؤَثِّرُ في مَقْصُودِ الإِجارَةِ، ولا يَمْنَعُ المُسْتَأْجِرَ من اسْتِيفَاءِ المَنَافِعِ المُسْتَحَقَّةِ له، ويُؤَثِّرُ في مَقْصُودِ الرَّهْنِ، وهو اسْتِيفَاءُ الدَّيْنِ مِن ثَمَنِها، فإنَّ تَزْوِيجَها يَمْنَعُ بَيْعَها، أو يَنْقُصُ ثَمَنَها، فلا يُمْكِنُ اسْتِيفَاءُ الدَّيْنِ بِكَمَالِه.
فصل: ولا يجوزُ لِلراهِنِ وَطْءُ أَمَتِه المَرْهُونَةِ، في قولِ أكْثَر أهْلِ العِلْمِ. وقال بعضُ أصْحابِ الشَّافِعِيِّ، رَضِىَ اللَّه عنه: له وَطْءُ الآيِسَةِ والصَّغِيرَةِ؛ لأنَّه لا ضَرَرَ فيه؛ فإنَّ عِلَّةَ المَنْعِ الخَوْفُ من الحَمْلِ، مَخَافَةَ أن تَلِدَ منه، فتَخْرُجُ بذلك عن الرَّهْنِ، أو تَتَعَرَّض لِلتَّلَفِ، وهذا مَعْدُومٌ فيهما. وأهْلُ العِلْمِ على خِلَافِ هذا. قال ابنُ المُنْذِرِ: أجْمَعَ أهْلُ العِلْمِ على أن لِلْمُرْتَهِنِ مَنْعَ الرَّاهِنِ من وَطْءِ أمَتِه المَرْهُونة. ولأنَّ سَائِرَ مَن يَحْرُمُ وَطْؤُهَا لا فَرْقَ فيه بين الآيِسَةِ والصَّغِيرَةِ وغَيْرِهِما، كالمُعْتَدَّةِ والمُسْتَبْرَأَةِ والأَجْنَبِيَّةِ، ولأنَّ الذى تَحْبَلُ فيه يَخْتَلِفُ،
стр. 3095
ولا يَنْحَرِزُ (٥)، فَمُنِعَ الوَطْءُ جُمْلَةً، كما حُرِّمَ الخَمْرُ لِلسُّكْرِ، وحُرِّمَ منه اليَسِيرُ الذى لا يُسْكِرُ، لِكَوْنِ السُّكْرِ يَخْتَلِفُ. وإن وَطِىءَ فلا حَدَّ عليه؛ لأنَّها مِلْكُه، وإنما حَرُمَتْ عليه لِعَارِضٍ، كالمُحْرِمَةِ والصَّائِمَةِ، ولا مَهْرَ عليه؛ لأنَّ المُرْتَهِنَ لا حَقَّ له في مَنْفَعَتِها، ووَطْؤُها لا يُنْقِصُ قِيمَتَها، فأشْبَه ما لو اسْتَخْدَمَها. وإن تَلِفَ جُزْءٌ منها أو نَقَصَها، مثلُ أن افْتَضَّ البِكْرَ أو أفْضَاها، فعليه قِيمَةُ ما أتْلَفَ، [فإن شَاءَ جَعَلَ رَهْنًا] (٦)، وإن شَاءَ جَعَلَهُ قَضَاءً من الحَقِّ، إن لم يكُنْ حَلَّ. فإنْ كان الحَقُّ قد حَلَّ، جَعَلَهُ قَضَاءً لا غيرُ؛ فإنَّه لا فَائِدَةَ في جَعْلِه رَهْنًا. ولا فَرْقَ بين الكَبِيرَةِ والصَّغِيرَةِ فيما ذَكَرْنَاهُ.
٧٩٠ - مسألة؛ قال: (وإنْ كَانت جَارِيَةً، فَأَوْلَدَهَا الرَّاهِنُ، خرَجَتْ أيْضًا مِنَ الرَّهْنِ، وَأَخذَ مِنْهُ قِيمَتَهَا، فَتَكُونُ رَهْنًا)
وجملتُه أنَّ الرَّاهِنَ إذا وَطِىءَ أمَتَه المَرْهُونَةَ، فأَوْلَدَها، خَرَجَتْ من الرَّهْنِ، وعليه قِيمَتُها حين أَحْبَلَهَا، كما لو جَرَحَ العَبْدَ كانت عليه قِيمَتُه حين جَرَحَه، ولا فَرْقَ بين المُوسِرِ والمُعْسِرِ، إلَّا أنَّ المُوسِرَ يُؤْخَذُ منه قِيمَتُها، والمُعْسِرَ يكونُ في ذِمَّتِه قِيمَتُها، على حَسَبِ ما ذَكَرْنَا في العِتْقِ. وهذا قولُ أصْحَابِ الرَّأْىِ. وقولُ الشَّافِعِيِّ هاهُنا كقَوْلِه في العِتْقِ، إلَّا أنَّه إذا قال له: لا يَنْفُذُ الإِحْبَالُ. فإنَّما هو في حَقِّ المُرْتَهِنِ، فأمَّا في حَقِّ الرَّاهِنِ، فهو ثَابِتٌ لا يجوزُ له أن يَهَبَها لِلْمُرْتَهِنِ. ولو حَلَّ الحَقُّ وهى حَامِلٌ، لم يَجُزْ بَيْعُها؛ لأنَّها حَامِلٌ بِحُرٍّ، فإذا وَلَدَتْ، لم يَجُزْ بيْعُها حتى تَسْقِىَ وَلَدَهَا اللِّبَأَ، فإن وَجَدَ من يُرْضِعُه بِيعَتْ، وإلَّا تُرِكَتْ حتى تُرْضِعَه، ثم يُبَاعُ منها بِقَدْرِ الدَّيْنِ خاصَّةً، ويَثبُتُ لِلْبَاقِى حُكْمُ الاسْتِيلَادِ (١)، فإذا مَاتَ
стр. 3096
الرَّاهِنُ عَتَقَ. وإن رَجَعَ هذا المَبِيعُ إلى الرَّاهِنِ بإِرْثٍ أو بَيْعٍ أو هِبَةٍ أو غير ذلك، أو بِيعَ جَمِيعُها، ثم رَجَعَتْ إليه، ثَبَتَ لها حُكْمُ الاستِيلَادِ. وقال مالِكٌ: إن كانت الأمَةُ تَخْرُجُ إلى الرَّاهِنِ وتَأْتِيهِ، خَرَجَتْ من الرَّهْنِ، وإن تَسَوَّرَ عليها، أخَذَ وَلَدَهَا، وبِيعَتْ. ولَنا، أنَّ هذه أُمُّ وَلَدٍ، فلم يَثْبُتْ فيها حُكْمُ الرَّهْنِ، كما لو كان الوَطْءُ سَابِقًا على الرَّهْنِ، أو نَقُولُ: مَعْنًى يُنَافِى الرَّهْنَ في ابْتِدَائِه، فنَافَاهُ في دَوَامِه، كالحُرِّيَّةِ.
فصل: فإن كان الوَطْءُ بإذْنِ المُرْتَهِنِ، خَرَجَتْ من الرَّهْنِ، ولا شىءَ لِلْمُرْتَهِنِ، لأنَّه أَذِنَ في سَبَبِ ما يُنَافِى حَقَّهُ، فكان إِذْنًا فيه. ولا نَعْلَمُ في هذا خِلَافًا. وإن لم تَحْبَلْ، فهى رَهْنٌ بحَالِها. فإن قيل: إنَّما أَذِنَ في الوَطْءِ، ولم يَأْذَنْ في الإِحْبَالِ. قُلْنا: الوَطْءُ هو المُفْضِى إلى الإِحْبَالِ، ولا يَقِفُ ذلك على اخْتِيَارِه، فالإِذْنُ في سَبَبِه إذْنٌ فيه، فإن أَذِنَ ثم رَجَعَ، فهو كمَن لم يَأْذَنْ. وإن اخْتَلَفَا في الإِذْنِ، فالقولُ قولُ مَن يُنْكِرُه، وإن أقَرَّ المُرْتَهِنُ بالإِذْنِ، وأنْكَرَ كَوْنَ الوَلَدِ من الوَطْءِ المَأْذُونِ فيه، أو قال: هو مِن زَوْجٍ أو زِنًا. فالقولُ قولُ الرَّاهِنِ، بَأرْبَعةِ شُرُوطٍ؛ أحَدِها، أن يَعْتَرِفَ المُرْتَهِنُ بالإِذْنِ. والثانى، أن يَعْتَرِفَ بالوَطْءِ. والثالثِ، أن يَعْتَرِفَ بالوِلَادَةِ. والرابعِ، أن يَعْتَرِفَ بِمُضِيِّ مُدَّةٍ بعدَ الوَطْءِ يُمْكِنُ أن تَلِدَ فيها، فَحِينَئِذٍ لا يُلْتَفَتُ إلى إنْكَارِه، ويكونُ القولُ قولَ الرَّاهِنِ بغيرِ يَمِينٍ؛ لأنَّنا لم نُلْحِقْهُ به بِدَعْوَاه، بل بالشَّرْعِ. فإن أنْكَرَ شَرْطًا من هذه الشُّرُوطِ، فقال: لم آذَنْ. أو قال: أَذِنْتُ فما وُطِئَتْ. أو قال: لم تَمْضِ مُدَّةٌ تَضَعُ فيها الحَمْلَ منذُ وُطِئَتْ. أو قال: ليس هذا وَلَدَهَا، وإنما اسْتَعَارَتْه. فالقولُ قولُه؛ لأنَّ الأَصْلَ عَدَمُ ذلك كلِّه، وبَقَاءُ الوَثِيقَةِ صَحِيحَةً حتى تَقُومَ البَيِّنَةُ. وهذا مذهبُ الشَّافِعِيِّ.
فصل: ولو أَذِنَ في ضَرْبِهَا، فضَرَبَها فتَلِفَتْ، فلا ضَمَانَ عليه؛ لأنَّ ذلك تَوَلَّدَ من المَأْذُونِ فيه، كتَوَلُّدِ الإِحْبَالِ من الوَطْءِ.
فصل: إذا أَقَرَّ الرَّاهِنُ بالوَطْءِ لم يَخْلُ من ثلاثةِ أحْوالٍ؛ أحَدِها، أن يُقِرَّ به
стр. 3097
حالَ العَقْدِ، أو قبلَ لُزُومِه، فحُكْمُ هذَين واحِدٌ، ولا يَمْنَعُ ذلك صِحَّةَ العَقْدِ؛ لأنَّ الأصْلَ عَدَمُ الحَمْلِ، فإن بَانَتْ حَائِلًا (٢)، أو حَامِلًا بِوَلَدٍ لا يَلْحَقُ بالرَّاهِنِ، فالرَّهْنُ بِحَالِه، وكذلك إن كان يَلْحَقُ به، لكنْ لا تَصِيرُ به أُمَّ وَلَدٍ، مثلَ إنْ وَطِئَها وهى زَوْجَتُه، ثم مَلَكَها ورَهَنَها. وإن بَانَتْ حَامِلًا بِوَلَدٍ تَصِيرُ به أُمَّ وَلَدٍ، بَطَلَ الرَّهْنُ، ولا خِيَارَ لِلْمُرْتَهِنِ، وإن كان مَشْرُوطًا في بَيْعٍ؛ لأنَّه دَخَلَ مع العِلْمِ بأنَّها لا تكونُ رَهْنًا، فإذا خَرَجَتْ من الرَّهْنِ بذلك السَّبَبِ الذى عَلِمَهُ، لم يكُنْ له خِيَارٌ، كالمَرِيضِ إذا مَاتَ، والجانِى إذ اقْتُصَّ منه. وهذا قولُ أكْثَرِ أصْحابِ الشَّافِعِيِّ. وقال بعضُهم: له الخِيارُ؛ لأنَّ الوَطْءَ نَفْسَه لا يُثْبِتُ الخِيَارَ، فلم يكُنْ رِضَاهُ به رِضًى بالحَمْلِ الذى يَحْدُثُ منه، بخِلَافِ الجِنايَةِ والمَرَضِ. ولَنا، أنَّ إِذْنَهُ في الوَطْءِ إِذْنٌ فيما يَؤُولُ إليه، كذلك رِضَاهُ به رِضًى بما يَؤُولُ إليه. الحالِ الثالث، أقَرَّ بالوَطْءِ بعدَ لُزُومِ الرَّهْنِ، فإنَّه يُقْبَلُ في حَقِّه، ولا يُقْبَلُ في حَقِّ المُرْتَهِنِ؛ لأنَّه أقَرَّ بما يَفْسَخُ عَقْدًا لَازِمًا لغيرِه، فلم يُقْبَلْ، كما لو أقَرَّ بعد بَيْعِهَا. ويَحْتَمِلُ أن يُقْبَلَ؛ لأنَّه أقَرَّ في مِلْكِه بما لا تُهْمَةَ فيه، لأنَّه يَسْتَضِرُّ بذلك أَكْثَر من نَفْعِه بِخُرُوجِهَا من الرَّهْنِ. والأَوَّلُ أَصَحُّ؛ لأنَّ إِقْرَارَ الإِنْسانِ على غيرِه لا يُقْبَلُ. وهكذا الحُكْمُ فيما إذا أقَرَّ بأنه غَصَبَها، أو أنَّها كانتْ جَنَتْ جِنَايَةً تَعَلَّقَ أَرْشُها بِرَقَبَتِها. وللشَّافِعِيِّ في ذلك قَوْلَانِ، وإن أقَرَّ أنَّه أَعْتَقَها، صَحَّ إقْرَارُه، وخَرَجَتْ من الرَّهْنِ. وبهذا قال أبو حنيفةَ. وقال الشَّافِعِيُّ في أحَدِ قَوْلَيْهِ: لا يُقْبَلُ. بنَاءً على أنَّه لا يَصِحُّ إعْتَاقُه لِلرَّهْنِ. ولَنا، أنَّه لو أَعْتَقَه لنَفَذَ عِتْقُه، فَقُبِلَ إقْرَارُه بِعِتْقِه، كغيرِ الرَّهْنِ، ولأنَّ إقْرَارَهُ بِعِتْقِه يَجْرى مَجْرَى عِتْقِه، فأشْبَه ما لو قال: أنْتَ حُرٌّ. ويَتَخَرَّجُ أن لا يَنْفُذَ إقْرَارُ المُعْسِرِ، بنَاءً على أنَّه لا يَنْفُذُ إعْتَاقُه. وكلُّ مَوْضِعٍ قُلْنا: القولُ قولُ الرَّاهِنِ. فقال القاضِى: ذلك مع يَمِينِه؛ لأنَّ كَذِبَهُ مُحْتَمِلٌ. ويَحْتَملُ أن لا يُسْتَحْلَفَ،
стр. 3098
لأنَّه لو رَجَعَ عن إقْرَارِه، لم يُقْبَلْ، فلا فَائِدَةَ في اسْتِحْلَافِه. واخْتَلَفَ أصْحابُ الشَّافِعِيِّ في اسْتِحْلَافِه، على نحوِ الوَجْهَيْنِ. والصَّحِيحُ عندى أنَّه إذا أقَرَّ بالعِتْقِ لم يُسْتَحْلَفْ؛ لأنَّ ذلك جَرَى مَجْرَى قولِه: أنْتَ حُرٌّ. فلم يَحْتَجْ إلى يَمِينٍ، كما لو صَرَّحَ به. وإن أقَرَّ بالغَصْبِ والجِنَايَةِ، فإنَّه إن لم يَدَّعِ ذلك المَغْصُوبُ منه والمَجْنِيُّ عليه، لم يُلْتَفَتْ إلى قولِ الرَّاهِنِ، وَجْهًا واحِدًا، وإنِ ادَّعَيَاهُ، فاليَمِينُ عليهما؛ لأنَّ الحَقَّ لهما، ورُجُوعُهما عنه مَقْبُولٌ، فكانت اليَمينُ عليهما، كسائِرِ الدَّعَاوَى. وإن أقَرَّ بِاسْتِيلَادِ أمَتِه، فعليه اليَمِينُ، لأنَّ نَفْعَها عائِدٌ إليه من حِلِّ اسْتِمْتَاعِها، ومِلْكِ خِدْمَتِهَا، فكانتِ اليَمِينُ عليه، بِخِلافِ ما قَبْلَها. وإن قُلْنا: القولُ قولُ المُرْتَهِنِ. فعليه اليَمِينُ بكلِّ حالٍ؛ لأنَّه لو اعْتَرَفَ ثَبَتَ الحَقُّ في الرَّهْنِ، ويَمِينُهُ على نَفْىِ العِلْمِ، لأنَّها على نَفْىِ فِعْلِ الغيرِ، فإذا حَلَفَ، سَقَطَتِ الدَّعْوَى بالنِّسْبَةِ إليه، وبَقِىَ حُكْمُها في حَقِّ الرَّاهِنِ، بحيثُ لو عَادَ إليه الرَّهْنُ ظَهَرَ فيه حُكْمُ إقْرَارِه، وإن أرَادَ المَجْنِيُّ عليه، أو المَغْصُوبُ منه، أن يُغَرِّمَاهُ في الحالِ، فلهما ذلك؛ لأنَّه مَنَعَ من اسْتِيفَاءِ الجِنَايَةِ بِتَصَرُّفِه، فلَزِمَهُ أَرْشُها، كما لو قَتَلَهُ.
فصل: ولا يَحِلُّ لِلْمُرْتَهِنِ وَطْءُ الجَارِيَةِ المَرْهُونَةِ إجْمَاعًا؛ لقولِ اللهِ تعالى: ﴿إِلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ﴾ (٣). وليست هذه زوْجَةً ولا مِلْكَ يَمِينٍ. فإن وَطِئَها، عَالِمًا بالتَّحْرِيمِ، فعليه الحَدُّ، لأنَّه لا شُبْهَةَ له فيه، فإنَّ الرَّهْنَ اسْتِيثَاقٌ بالدَّيْنِ، ولا مَدْخَلَ لذلك في إباحَةِ الوَطْءِ، لأنَّ وَطْءَ المُسْتَأْجَرَةِ يُوجِبُ الحَدَّ مع مِلْكِه لِنَفْعِها، فالرَّهْنُ أَوْلَى. فإن ادَّعَى الجَهْلَ بالتَّحْريِمِ، واحْتَمَلَ صِدْقَهُ لكَوْنِه ممَّن نَشَأَ بِبَادِيَةٍ أو حَدِيثَ عَهْدٍ بالإِسلامِ، فلا حَدَّ عليه، ووَلَدُه حُرٌّ؛ لأنَّه وَطِئَها مُعْتَقِدًا إبَاحَةَ وَطْئِها، فهو كما لو وَطِئَها يَظُنُّها أَمَتَهُ، وعليه قِيمَةُ وَلَدِها يومَ الوِلَادَةِ؛ لأنَّ اعْتِقَادَهُ الحِلَّ مَنَعَ انْخِلَاقَ الوَلَدِ رَقِيقًا، فَفَوَّتَ رِقَّ الوَلَدِ على سَيِّدِها، فلَزِمَتْهُ قِيمَتُه، كالمَغْرُورِ بِحُرِّيَّةِ أَمَةٍ. وإن لم يَحْتَمِلْ صِدْقَه، كالناشِئِ بِبِلادِ
стр. 3099
المسلمين (٤)، مُخْتَلِطًا بهم من أهْلِ العِلْمِ، لم تُقْبَلْ دَعْوَاهُ، لأنَّه لا يَخْلُو ممَّن يَسْمَعُ منه ما يَعْلَمُ به تَحْرِيمَ ذلك، فيكونُ كمَن لم يَدَّعِ الجَهْلَ، وَوَلَدُه رَقِيقٌ لِلرَّاهِنِ؛ لأنَّه مِن زِنًا. ولا فَرْقَ في جَمِيعِ ما ذَكَرْنا بينَ أن يكونَ الوَطْءُ بإذْنِ الرَّاهِنِ، أو بغيرِ إِذْنِه. وهذا المَنْصُوصُ عن الشَّافِعِيِّ. ويَحْتَمِلُ أن لا تَجِبَ قِيمَةُ الوَلَدِ مع الإِذْنِ في الوَطْءِ. وهو قولُ بعضِ أصْحابِ الشَّافِعِيِّ؛ لأنَّ الإِذْنَ في الوَطْءِ إذْنٌ فيما يَحْدُثُ منه، بِدَلِيلِ أنَّه لو أَذِنَ المُرْتَهِنُ للرَّاهِنِ في الوَطْءِ، فحَمَلَتْ منه، سَقَطَ حَقُّه مِن الرَّهْنِ. ولو أَذِنَ في قَطْعِ إِصْبَعٍ، فَسَرَتْ إلى أُخْرَى، لم يَضْمَنْهَا. ووَجْهُ الأَوَّلِ أنَّ وُجُوبَ الضَّمَانِ يَمْنَعُ انْخِلَاقَ الوَلَدِ رَقِيقًا، وسَبَبُه اعْتِقَادُ الحِلِّ، وما حَصَلَ ذلك بِإِذْنِه، بخِلَافِ الوَطْءِ، فإنَّ خُرُوجَها مِن الرَّهْنِ بالحَمْلِ الذى الوَطْء المَأْذُون فيه سَبَبٌ له. وأمَّا المَهْرُ، فإن كان الوَطْءُ بإِذْنِ الرَّاهِنِ، فلا مَهْرَ له. وقال أبو حنيفةَ: يَجِبُ له؛ لأنَّه يَجِبُ لها ابْتِدَاءً، فلا يَسْقُطُ بإِذْنِ غيرِها. وعن الشَّافِعِيَّةِ (٥) كالمَذْهَبَيْنِ. ولَنا، أنَّه أَذِنَ في سَبَبِه، وهو حَقُّه، فلم يَجِبْ، كما لو أَذِنَ في قَتْلِها، ولأنَّ المالِكَ أَذِنَ في اسْتِيفَاءِ المَنْفَعَةِ، فلم يَجِبْ عِوَضُها، كالحُرَّةِ المُطَاوِعَةِ (٦). وإن كان بغير إِذْنٍ، فالمَهْرُ واجِبٌ، سواءٌ أكْرَهَها أو طَاوَعَتْهُ. وقال الشَّافِعِيُّ: لا يَجِبُ المَهْرُ مع المُطَاوَعةِ؛ لأنَّ النَّبِيَّ ﷺ نَهَى عن مَهْرِ البَغِيِّ (٧). ولأنَّ الحَدَّ إذا وَجَبَ على المَوْطُوءَةِ لم يَجِبِ المَهْرُ، كالحُرَّةِ. ولَنا، أنَّ المَهْرَ يَجِبُ لِلسَّيِّدِ، فلا يَسْقُطُ بِمُطَاوَعَةِ الأمَةِ وإِذْنِها، كما لو أَذِنَتْ في قَطْعِ يَدِها، ولأنَّه اسْتَوْفَى هذه المَنْفَعَةَ المَمْلُوكَةَ لِلسَّيِّدِ بغيرِ إذْنِه، فكان عليه عِوَضُها، كما لو أكْرَهَها، وكأَرْشِ
стр. 3100
بَكارَتِها لو كانت بِكْرًا، والحَدِيثُ مُخْتَصٌّ (٨) بالمُكْرَهَةِ على البِغَاءِ؛ فإنَّ اللهَ تعالى سَمَّاها بذلك، مع كَوْنِها مُكْرَهَةً عليه، فقال: ﴿وَلَا تُكْرِهُوا فَتَيَاتِكُمْ عَلَى الْبِغَاءِ إِنْ أَرَدْنَ تَحَصُّنًا﴾ (٩). وقولُهم: لا يَجِبُ الحَدُّ والمَهْرُ. قُلْنا: لا يَجِبُ المَهْرُ لها، وفى مَسْأَلَتِنَا لا يَجِبُ لها، وإنَّما يَجِبُ لِسَيِّدِها، ويُفَارِقُ الحُرَّةَ، فإنَّ المَهْرَ لو وَجَبَ لوَجَبَ لها، وقد أَسْقَطَتْ حَقَّها بإِذْنِها، وهاهُنا المُسْتَحِقُّ لم يَأْذَنْ، ولأنَّ الوُجُوبَ في حَقِّ الحُرَّةِ يفْعَلُه (١٠) بإِكْرَاهِها، وسُقُوطُهُ بِمُطَاوَعَتِها، فكذلك السَّيِّدُ هاهُنا، لَمَّا تَعَلَّقَ السُّقُوطُ بإِذْنِه، يَنْبَغِى أن يَثْبُتَ عندَ عَدَمِه، وسواءٌ وَطِئَها مُعْتَقِدًا لِلْحِلِّ، أو غيرَ مُعْتَقِدٍ له، أو ادَّعَى شُبْهَةً، أو لم يَدَّعِها؛ لأنَّ المَهْرَ حَقُّ آدَمِيٍّ، فلا يَسْقُطُ بالشُّبُهَاتِ، ولا تَصِيرُ هذه الأمَةُ أُمَّ وَلَدٍ لِلْمُرْتَهِنِ بحالٍ، سواءٌ مَلَكَها بعدَ الوَضْعِ أو قبلَه، وسواءٌ حَكَمْنا [بِرِقِّ الوَلَدِ] (١١) أو حُرّيَّتِه، لأنَّه أَحْبَلَهَا في غيرِ مِلْكِه.
٧٩١ - مسألة؛ قال: (وَإذَا جَنَى الْعَبْدُ المَرْهُونُ، فَالمَجْنِيُّ عَلَيْهِ أَحَقُّ بِرَقَبَتِهِ مِنْ مُرْتَهِنِه، حَتَّى يَسْتَوْفِىَ حَقَّهُ، فَإن اختَارَ سَيِّدُهُ أنْ يَفْدِيَهُ وفَعَلَ، فَهُوَ رَهْنٌ بِحَالِهِ)
وجملتُه أنَّ العَبْدَ المَرْهُونَ إذا جَنَى على إِنْسَانٍ، أو على مَالِه، تَعَلَّقَتِ الجِنَايَةُ بِرَقَبَتِه، فكانت مُقَدَّمَةً على حَقِّ المُرْتَهِنِ. لا نَعْلَمُ في هذا خِلَافًا؛ وذلك لأنَّ الجِنَايَةَ مُقَدَّمَةٌ على حَقِّ المالِكِ، والمِلْكُ أَقْوَى من الرَّهْنِ، فأَوْلَى أن يُقَدَّمَ على الرَّهْنِ. فإن قيل: فحَقُّ المُرْتَهِنِ أيضا يُقَدَّمُ على حَقِّ المالِكِ. قُلْنا: حَقُّ المُرْتَهِنِ ثَبَتَ من جِهَةِ المالِكِ بِعَقْدِه، وحَقُّ الجِنَايَةِ ثَبَتَ بغيرِ اخْتِيَارِه مُقَدَّمًا على حَقِّه، فيُقَدَّمُ على
стр. 3101
ما ثَبَتَ بِعَقْدِه، ولأنَّ حَقَّ الجِنَايَةِ مُخْتَصٌّ بِالعَيْنِ، يَسْقُطُ بِفَوَاتِها، وحَقُّ المُرْتَهِنِ لا يَسْقُطُ بِفَوَاتِ العَيْنِ، ولا يَخْتَصُّ بها، فكان تَعَلُّقُه بها أخَفَّ وأَدْنَى، فإن كانتْ جِنَايَتُه مُوجِبَةً للقِصَاصِ، فَلِوَلِيِّ الجِنَايَةِ اسْتِيفَاؤُه، فإن اقْتَصَّ سَقَطَ الرَّهْنُ، كما لو تَلِفَ، وإن عَفَا على مالٍ تَعَلَّقَ بِرَقَبَة العَبْدِ، وصارَ كالجِنَايَةِ المُوجِبَةِ للمالِ، فيُقال لِلسَّيِّدِ: أنْتَ مُخَيَّرٌ بين فِدَائِه وبينَ تَسْلِيمِه لِلْبَيْعِ. فإن اخْتَارَ فِدَاءَهُ، فَبِكَمْ يَفْدِيهِ؟ على رِوَايَتَيْنِ؛ إحْداهما، بأقَلِّ الأَمْرَيْنِ من قِيمَتِه أو أَرْشِ جِنَايَتِه؛ لأنَّه إن كان الأَرْشُ أقَلَّ، فالمَجْنِيُّ عليه لا يَسْتَحِقُّ أكْثَرَ من أَرْشِ جِنَايَتِه، وإن كانت القِيمَةُ أقَلَّ، فلا يَلْزَمُه أكْثَرُ منها، لأنَّ ما يَدْفَعُه عِوَضٌ عن العَبْدِ، فلا يَلْزَمُ أكْثَرُ من قِيمَتِه، كما لو أتلَفَهُ. والثانية، يَفْدِيه بأَرْشِ جِنَايَتِه بَالِغًا ما بَلَغَ؛ لأنَّه ربما يَرْغَبُ فيه رَاغِبٌ، فيَشْتَرِيه بأَكْثَرَ من قِيمَتِه، فإذا فَدَاهُ فهو رَهْنٌ بحالِه؛ لأنَّ حَقَّ المُرْتَهِنِ قائِمٌ لِوُجُودِ سَبَبِه، وإنما قُدِّمَ حَقُّ المَجْنِيِّ عليه لِقُوَّتِه، فإذا زَالَ ظَهَرَ حُكْمُ الرَّهْنِ، كحَقِّ مَن لا رَهْنَ له مع حَقِّ المُرْتَهِنِ في تَرِكَةِ مُفْلِسٍ (١)، إذا أسْقَطَ المُرْتَهِنُ حَقَّهُ ظَهَرَ حُكْمُ الآخَرِ، فإن امْتَنَعَ قِيل لِلْمُرْتَهِنِ: أنْتَ مُخَيَّرٌ بين فِدَائِه وبين تَسْلِيمِه. فإن اخْتَارَ فِدَاءَهُ، فَبِكَمْ يَفْدِيه؟ على الرِّوَايَتَيْنِ. فإن فَدَاهُ بإِذْنِ الرَّاهِنِ، رَجَعَ به عليه؛ لأنَّه أدَّى الحَقَّ عنه بإِذْنِه، فرَجَعَ به، كما لو قَضَى دَيْنَه بإِذْنِه، وإن فَدَاهُ مُتَبَرِّعًا، لم يَرْجِعْ بشىءٍ. وإن نَوَى الرُّجُوعَ، فهل يَرْجِعُ بذلك؟ على وَجْهَيْنِ، بنَاءً على ما لو قَضَى دَيْنَه بغيرِ إِذْنِه. وإن زادَ في الفِدَاءِ على الوَاجِبِ، لم يَرْجِعْ به، وَجْهًا واحِدًا. ومذهبُ الشَّافِعِيِّ كما ذَكَرْنَا في هذا الفَصْلِ، إلَّا أنَّه لا يَرْجِعُ بما فَدَاهُ به بغيرِ إِذْنِه، قَوْلًا واحِدًا. وإن شَرَطَ له الرَّاهِنُ الرُّجُوعَ، رَجَعَ، قَوْلًا واحِدًا. وإن قَضَاهُ بإذْنِه من غير شَرْطِ الرُّجُوعِ، ففيه وَجْهَانِ، وهذا أصْلٌ يُذْكَرُ في غير هذا المَوْضِع. فإن فَدَاهُ، وشَرَطَ أن يكون رَهْنًا بالفِدَاءِ مع الدَّيْنِ الأوَّلِ، فقال القاضى: يجوزُ ذلك؛ لأنَّ
стр. 3102
المَجْنِيَّ عليه يَمْلِكُ بَيْعَ العَبْدِ، وإِبْطَالَ الرَّهْنِ، فصارَ بمَنْزِلَةِ الرَّهْنِ الجائِزِ قبلَ قَبْضِه، والزِّيَادَةُ في دَيْنِ الرَّهْنِ قبلَ لُزُومِه جَائِزَةٌ، ولأنَّ أَرْشَ الجِنَايَةِ مُتَعَلِّقٌ به، وإنَّما يَنْتَقِلُ من الجِنايَةِ إلى الرَّهْنِ. ويَحْتَمِلُ أن لا يَصِحَّ؛ لأن العَبْدَ رُهِنَ بِدَيْنٍ، فلا يجوزُ رَهْنُه ثانِيًا بِدَيْنٍ سِوَاه، كما لو رَهَنَهُ بِدَيْن سِوَى هذا. وذَهَبَ أبو حنيفةَ إلى أنَّ ضَمَانَ جِنَايَةِ الرَّهْنِ على المُرْتَهِنِ، فإن فَدَاهُ لم يَرْجِعْ بالفِدَاءِ، وإن فَدَاهُ الرَّاهِنُ أو بِيعَ في الجِنَايَةِ سَقَطَ دَيْنُ الرَّهْنِ، إن كان بقَدْرِ الفِدَاءِ. وبنَاءً على أصْلِه في أن الرَّهْنَ من ضَمَانِ المُرْتَهِنِ. وهذا يأتى الكَلَامُ عليه، إن شاء اللَّه تعالى. وإذا لم يَفْدِ الجَانِى، فَبِيعَ في الجِنَايَةِ التى تَسْتَغْرِقُ قِيمَتَهُ، بَطَلَ الرَّهْنُ، وإن لم تَسْتَغْرِقْها، بِيعَ منه بِقَدْرِ أرْشِ الجِنَايَةِ، وبَاقِيه رَهْنٌ، إلَّا أن يَتَعَذَّرَ بَيْعُ بعضِه، فَيُبَاعَ الكُلُّ، ويُجْعَلَ بَقِيَّةُ الثمنِ رَهْنًا. وقال أبو الخطَّابِ: هل يُبَاعُ منه بِقَدْرِ الجِنَايَةِ، أم يُبَاع جَمِيعُه، ويكونُ الفَاضِلُ من ثَمَنِه عن أَرْشِ جِنَايَتِه رَهْنًا؟ على وَجْهَيْنِ.
فصل: وإن كانت الجِنَايَةُ على سَيِّدِ العَبْدِ، فلا يَخْلُو من حَالَيْنِ؛ أحَدِهما، أن تكونَ الجنَايَةُ غيرَ مُوجِبَةٍ لِلْقَوَدِ، كجِنايَةِ الخَطَأ، أو شِبْهِ العَمْدِ، أو إتْلَافِ مالٍ، فيكون هَدْرًا، لأنَّ العَبْدَ مالٌ لِسَيِّدِه فلا يَثْبُتُ له مالٌ في مالِهِ (٢). الثانى، أن تكونَ مُوجِبَةً لِلْقَوَدِ، فلا يَخْلُو من أن تكونَ على النَّفْسِ أو على ما دُونَها، فإن كانت على ما دونَ النَّفْسِ، فالحَقُّ لِلسَّيِّدِ، فإن عَفَا على مالٍ سَقَطَ القِصَاصُ، ولم يَجِبِ المالُ؛ لما ذَكَرْنا. وكذلك إن عَفَا على غيرِ مالٍ. وإن أحَبَّ أن يَقْتَصَّ فله ذلك؛ لأنَّ السَّيِّدَ لا يَمْلِكُ الجِنَايَةَ على عَبْدِه، فيَثْبُتُ له ذلك بِجِنَايَتِه عليه، ولأنَّ القِصَاصَ يَجِبُ لِلزَّجْرِ، والحاجَةُ تَدْعُو إلى زَجْرِه عن سَيِّدِه. فإن اقْتَصَّ، فعليه قِيمَتُه، تكونُ رَهْنًا مَكانَه، وقَضَاءً عن الدَّيْنِ؛ لأنَّه يُخْرِجُه عن كَوْنِه رَهْنًا بِاخْتِيَارِه، فكان عليه بَدَلُه، كما لو أَعْتَقَهُ. وإن كانت الجِنَايَةُ على النَّفْسِ، فَلِلْوَرَثَةِ
стр. 3103
اسْتِيفَاءُ القِصَاصِ، وليس لهم العَفْوُ على مالٍ. وذَكَرَ القاضى وَجْهًا آخَرَ، أنَّ لهم ذلك؛ لأنَّ الجِنَايَةَ حَصَلَتْ في مِلْكِ غيرِهم، فكان لهم العَفْوُ على مالٍ، كما لو جَنَى على أجْنَبِيٍّ. وللشَّافِعِيِّ قَوْلَانِ، كالوَجْهَيْنِ (٣). فإن عَفَا بعضُ الوَرَثَةِ، سَقَطَ القِصَاصُ، وهل يَثْبُتُ لغيرِ العَافِى نَصِيبُه من الدِّيَةِ؟ على الوَجْهَيْنِ. ومذهبُ الشَّافِعِيِّ في هذا ال فَصْلِ كلِّه على نحوِ ما ذَكَرْناهُ.
فصل: وإن جَنَى العَبْدُ المَرْهُونُ على عَبْدٍ لِسَيِّدِه، لم يَخْلُ من حَالَيْنِ؛ أحَدِهما، أن لا يكونَ مَرْهُونًا، فحُكْمُه حُكْمُ الجِنايَةِ على طَرَفِ سَيِّدِه، له القِصَاصُ إن كانت جِنَايَتُه مُوجِبَةً له، وإن عَفَا على مالٍ أو غيرِه، أو كانت الجنَايَةُ لا تُوجِبُ القِصَاصَ، ذَهَبَتْ هَدْرًا، وسواءٌ كان المَجْنِيُّ عليه قِنًّا أو مُدَبَّرًا أو أُمَّ وَلَدٍ. الحال الثانى، أن يكونَ رَهْنًا، فلا يَخْلُو إمَّا أن يكونَ رَهْنًا عند مُرْتَهِنِ القاتِلِ، أو عندَ غيرِه، فإن كان عندَ مُرْتَهِنِ القاتِلِ والجِنَايَةُ مُوجِبَةٌ للقِصَاصِ، فلِلسَّيِّدِ (٤) القِصَاصُ. فإن اقْتَصَّ، بَطَلَ الرَّهْنُ في المَجْنِيِّ عليه، وعليه قِيمَتُه لِلْمُقْتَصِّ منه، فإن عَفَا على مالٍ، أو كانت الجِنَايَةُ مُوجِبَةً للمالِ، وكانا رَهْنًا بحَقٍّ واحِدٍ لجِنَايَتِه، هُدِرَ؛ لأنَّ الحَقَّ يَتَعَلَّقُ (٥) بكلِّ واحدٍ منهما، فإذا قُتِلَ أحَدُهُما، بَقِىَ الحَقُّ مُتَعَلِّقًا بالآخَرِ، وإن كان كلُّ واحدٍ منهما مَرْهُونًا بِحَقٍّ مُفْرَدٍ، ففيه أرْبَعُ مَسائِلَ؛ إحْدَاها، أن يكونَ الحَقَّانِ سواءً، وقِيمَتُهما سواءً، فتكونَ الجِنَايَةُ هَدْرًا، سواءٌ كان الحَقَّانِ من جِنْسَيْنِ، مثل أن يكونَ أحَدُهما بمائةِ دِينَارٍ والآخَرُ ألْفَ دِرْهَمٍ قِيمَتُها (٦) مائةُ دِينَارٍ، أو من جنْسٍ واحِدٍ؛ لأنَّه لا فَائِدَةَ في اعْتِبَارِ الجِنَايَةِ. المسألة الثانية، أن يَخْتَلِفَ الحَقَّانِ وتَتَّفِقَ القِيمَتانِ، مثل أن يكون دَيْنُ أحَدِهما مائةً ودَيْنُ
стр. 3104
الآخَرِ مائتَيْنِ، وقِيمَةُ كل واحِدٍ منهما مائةً، فإن كان دَيْنُ القاتِلِ أكْثَرَ، لم يُنْقَلْ إلى دَيْنِ المَقْتُولِ، لِعَدَمِ الغَرَضِ فيه، وإن كان دَيْنُ المَقْتُولِ أكْثَرَ، نُقِلَ إلى القَاتِلِ، لأنَّ لِلْمُرْتَهِنِ غَرَضًا في ذلك. وهل يُبَاع القاتِلُ، وتُجْعَلُ قِيمَتُه رَهْنًا مَكانَ المَقْتُولِ، أو يُنْقَلُ بحالِه؟ على وَجْهَيْنِ؛ أحَدِهما، لا يُبَاع؛ لأنَّه لا فَائِدَةَ فيه. والثانى، يُبَاع؛ لأنَّه ربَّما زَادَ فيه مُزَايِدٌ، فبَلَّغَه أكْثَرَ من ثَمَنِه، فإن عُرِضَ لِلْبَيْعِ فلم يُزَدْ فيه، لم يُبَعْ، لعَدَمِ ذلك. المسألة الثالثة؛ أن يَتَّفِقَ الدَّيْنَانِ وتَخْتَلِفَ القِيمَتَانِ، بأن يكونَ دَيْنُ كلِّ واحدٍ منهما مائةً، وقِيمَةُ أحَدِهِمَا مائةً، والآخَرُ مائَتَيْنِ، فإن كانت قِيمَةُ المَقْتُولِ أكْثَرَ، فلا غَرَضَ في النَّقْلِ، فيَبْقَى بحالِه، وإن كانت قِيمَةُ الجانِى أكْثَرَ، بِيعَ منه بِقَدْرِ جِنَايَتِه، يكونُ رَهْنًا بِدَيْنِ المَجْنِيِّ عليه، والباقى رَهْنٌ بِدَيْنِه، وإن اتَّفَقَا على تَبْقِيَتِه ونَقْلِ الدَّيْنِ إليه، صَارَ مَرْهُونًا بهما، فإن حَلَّ أحَدُ الدَّيْنَيْنِ، بِيعَ بكلِّ حالٍ؛ لأنَّه إن كان دَيْنُه المُعَجَّلَ بِيعَ لِيَسْتَوْفِىَ من ثَمَنِه، وما بَقِىَ منه رَهْنٌ بالدَّيْنِ الآخَرِ، فإن كان المُعَجّلُ بالآخَرِ بِيعَ لِيَسْتَوْفِىَ منه بِقَدْرِه، والبَاقِى رَهْنٌ بِدَيْنِه. المسألة الرابعة، أن يَخْتَلِفَ الدَّيْنَانِ والقِيمَتَانِ، مثل أن يكونَ أحَدُ الدَّيْنَيْنِ خَمْسِينَ والآخَرُ ثَمَانِينَ، وقِيمَةُ أحَدِهِما مائةً والآخَرُ مائتَيْنِ، فإن كان دَيْنُ المَقْتُولِ أكْثَرَ، نُقِلَ إليه، وإلَّا فلا. وأمَّا إن كان المَجْنِيُّ عليه رَهْنًا عندَ غيرِ مُرْتِهِنِ القاتِلِ، فلِلسَّيِّدِ القِصَاصُ؛ لأنَّه مُقَدَّمٌ على حَقِّ المُرْتَهِنِ، بِدَلِيلِ أنَّ الجِنَايَةَ المُوجِبَةَ للمالِ مُقَدَّمَةٌ عليه، فالقِصاصُ أَوْلَى، فإن اقْتَصَّ، بَطَلَ الرَّهْنُ في المَجْنِيِّ عليه؛ لأنَّ الجِنَايَةَ عليه لم تُوجِبْ ما لا يُجْعَلُ رَهْنًا مكانَه، وعليه قِيمَةُ المُقْتَصِّ منه، وتكونُ (٧) رَهْنًا، لأنَّه أبْطَلَ حَقَّ الوَثِيقَةِ فيه بِاخْتِيَارِه، ولِلسَّيِّد العَفْوُ على مالٍ، فتَصِيرُ الجِنَايَةُ كالجِنايَةِ المُوجِبَةِ للمالِ، فيَثْبُتُ المالُ في رَقَبَةِ العَبْدِ؛ لأنَّ السَّيِّدَ لو جَنَى على العَبْدِ، لوَجَبَ أَرْشُ جِنَايَتِه لِحَقِّ المُرْتَهِنِ، فبأن يَثْبُتَ على عَبْدِه أَوْلَى.
стр. 3105
فإن كان الأَرْشُ لا يَسْتَغْرِقُ قِيمَتَه، بِعْنَا منه بِقَدْرِ أرْشِ الجِنَايَةِ، يكونُ رَهْنًا عندَ مُرْتَهِنِ المَجْنِيِّ عليه، وبَاقِيه بَاقٍ عندَ مُرْتَهِنِه، وإن لم يُمْكِنْ بَيْعُ بعضِه، بِيعَ جَمِيعُه، وقُسِمَ ثَمَنُه بينهما على حَسَبِ ذلك، يكونُ (٨) رَهْنًا. وإن كانت الجِنَايَةُ تَسْتَغْرِقُ قِيمَتَه، نُقِلَ الجانِى، فجُعِلَ رَهْنًا عند الآخَرِ. ويَحْتَمِلُ أن يُبَاعَ، لِاحْتِمَالِ أن يَرْغَبَ فيه رَاغِبٌ أكْثَر من ثَمَنِه، فيَفْضُلُ من قِيمَتِه شىءٌ يكون رَهْنًا عندَ مُرْتَهِنِه. وهذا كلُّه قولُ الشَّافِعِيِّ.
فصل: فإن كانت الجِنَايَةُ على مَوْرُوثِ سَيِّدِه فيما دون النَّفْسِ، كأَطْرَافِه أو مَالِه، فهى كالجِنَايَةِ على أجْنَبِيٍّ، وله القِصَاصُ إن كانت مُوجِبَةً له، والعَفْوُ على مالِ غيرِه، وإن كانت مُوجِبَةً للمالِ ابْتِدَاءً، ثَبَتَ، فإن انْتَقَلَ ذلك إلى السَّيِّدِ بمَوْتِ المُسْتَحِقِّ، فله ما لِمُوَرِّثِه من القِصَاصِ والعَفْوِ على مالٍ؛ لأنَّ الاسْتِدَامَةَ أقْوَى من الابْتِدَاءِ، فجَازَ أن يَثْبُتَ بها ما لا يَثْبُتُ في الابْتِدَاءِ، وإن كانت الجِنَايَةُ على نَفْسِه بالقَتْلِ، ثَبَتَ الحُكْمُ لِسَيِّدِه، وله أن يَقْتَصَّ فيما يُوجِبُ القِصَاصَ. وإن عَفَا على مالٍ، أو كانت الجِنَايَةُ مُوجِبَةً للمالِ ابْتِدَاءً، فهل يَثْبُتُ لِلسَّيِّد؟ فيه وَجْهَانِ؛ أحَدُهما، يَثْبُتُ. وهو قولُ بعضِ أصْحابِ الشَّافِعِيِّ؛ لأنَّ الجِنَايَةَ على غيرِه، فأشْبَهَتِ الجِنَايَةَ على ما دون النَّفْسِ. والثانى، لا يَثْبُتُ له مالُه في عَبْدِه، ولا له العَفْوُ عليه. وهو قولُ أبي ثَوْرٍ؛ لأنَّه حَقٌّ ثَبَتَ (٩) لِلسَّيِّدِ ابْتِدَاءً، فلم يكُنْ له ذلك، كما لو كانت الجِنَايَةُ عليه. وأصْلُ الوَجْهَيْنِ، وُجُوبُ الحَقِّ في ابْتِدَائِه هل يَثْبُتُ لِلْقَتِيلِ ثم يَنْتَقِلُ إلى وَارِثِه، أو يَثْبُتُ لِلْوَارِثِ ابْتدَاءً؟ على وَجْهَيْنِ. وكلُّ مَوْضِعٍ يَثْبُتُ له المالُ في رَقَبَةِ عَبْدِه، فإنَّه يُقَدَّمُ على الرَّهْنِ؛ لأنَّه يَثْبُتُ لِلْمَوْرُوثِ كذلك، فيَنْتَقِلُ إلى وَارِثِه كذلك، وإن اقْتَصَّ
стр. 3106
فى هذه الصُّورَةِ لم (١٠) يَلْزَمْه بَدَلُ الرَّهْنِ؛ لأنَّه إذا قُدِّمَ المالُ على حَقِّ المُرْتَهِنِ، فالقِصَاصُ أَوْلَى، ولأنَّ القِصَاصَ يَثْبُتُ لِلْمَوْرُوثِ مُقَدَّمًا على حَقِّ المُرْتَهِنِ، فكذلك (١١) فى حَقِّ وَارِثِه.
فصل: وإن كانت الجِنايَةُ على مُكَاتَبِ السَّيِّدِ، فهى كالجِنايَةِ على وَلَدِه، وتَعْجِيزُه كَمَوْتِ وَلَدِه، فيما ذَكَرْنَا. واللَّه أعلم.
فصل: فإن جَنَى العَبْدُ المَرْهُونُ بإذْنِ سَيِّدِه، وكان ممَّن يَعْلَمُ تَحْرِيمَ الجِنَايَةِ، وأنَّه لا يَجِبُ عليه قَبُولُ ذلك من سَيِّدِه، فهى كالجِنَايَةِ بغيرِ إذْنِه، وإن كان أعْجَمِيًّا، أو صَبِيًّا لا يَعْلَمُ ذلك، فالسَّيِّدُ هو القاتِلُ، والقِصَاصُ والدِّيَةُ مُتَعَلِّقَانِ به، لا يُبَاعُ العَبْدُ فيها، مُوسِرًا كان السَّيِّدُ أو مُعْسِرًا كما لو بَاشَرَ السَّيِّدُ القَتْلَ. وذَكَرَ القاضى وَجْهًا آخَرَ، أنَّ العَبْدَ يُبَاعُ إذا كان السَّيِّدُ مُعْسِرًا؛ لأنَّه بَاشَرَ الجِنَايَةَ. والصَّحِيحُ الأَوَّلُ؛ لأنَّ العَبْدَ آلَةٌ، فلو تَعَلَّقَتِ الجِنَايَةُ به بِيعَ فيها وإن كان السَّيِّدُ مُوسِرًا، وحُكْمُ إقْرَارِ العَبْدِ بالجِنَايَةِ، حُكْمُ إقْرَارِ العَبْدِ غيرِ المَرْهُونِ، على ما مَضَى بَيَانُه فى مَوْضِعِه.
٧٩٢ - مسألة؛ قال: (وإذَا (١) جُرِحَ العَبْدُ المَرْهُونُ، أو قُتِلَ، فَالخَصْمُ فِى ذلِك سَيِّدُهُ، ومَا قَبَضَ بِسَبَبِ ذَلِك مِنْ شَىْءٍ فَهُوَ رَهْنٌ)
وجملتُه أنَّه إذا جُنِىَ على الرَّهْنِ، فَالخَصْمُ فى ذلك سَيِّدُه؛ لأنَّه مالِكُه، والأَرْشُ الوَاجِبُ بالجِنَايَةِ مِلْكُه، وإنَّما لِلْمُرْتَهِن فيه حَقُّ الوَثِيقَةِ، فصَارَ كالعَبْدِ المُسْتَأْجَرِ والمُودَعِ، وبهذا قال الشَّافِعِيُّ، وغيرُه. فإن تَرَكَ المُطَالَبَةَ، أو أَخَّرَها، أو كان غَائِبًا، أو له عُذْرٌ يَمْنَعُه منها، فَلِلْمُرْتَهِنِ المُطَالَبَةُ بها؛ لأنَّ حَقَّهُ مُتَعَلِّقٌ بمُوجِبِهَا، فكان له الطَّلَبُ به، كما لو كان الجانِى سَيِّدَه. ثمَّ إن كانت الجِنَايَةُ مُوجِبَةً للقِصَاصِ،
стр. 3107
فلِلسَّيِّدِ القِصَاصُ؛ لأنَّه حَقٌّ له، وإنَّما يَثْبُتُ لِيُسْتَوْفَى، فإن اقْتَصَّ، أُخِذَتْ منه قِيمَةُ أقَلِّهِما قِيمَةً، فجُعِلَتْ مكانَه رَهْنًا. نَصَّ عليه أحْمَدُ، فى رِوَايَةِ ابن منصورٍ، وهو (٢) قولُ إسْحاقَ. ويَتَخَرَّجُ أن لا يَجِبَ عليه شىءٌ. وهو مذهبُ الشَّافِعِيِّ؛ لأنَّه لم يَجِبْ بالجِنَايَةِ مالٌ، ولا اسْتُحِقَّ بحالٍ، وليس على الرَّاهِنِ أن يَسْعَى لِلْمُرْتَهِنِ فى اكْتِسَابِ مالٍ. ولَنا، أنَّه أتْلَفَ مالًا اسْتُحِقَّ بِسَبَبِ إتْلَافِ الرَّهْنِ، فغَرِمَ قِيمَتَه، كما لو كانت الجِنَايَةُ مُوجِبَةً للمالِ، وهكذا الحُكْمُ فيما إذا ثَبَتَ القِصَاصُ لِلسَّيِّدِ فى عَبْدِه المَرْهُونِ، وإنَّما أَوْجَبْنَا أقَلَّ القِيمَتَينِ، لأنَّ حَقَّ المُرْتَهِنِ إنَّما يَتَعَلَّقُ بالمالِيَّةِ، والواجِبُ من المالِ هو أقَلُّ القِيمَتَيْنِ، لأنَّ الرَّهْنَ إن كان أقَلَّ لم يَجِبْ أَكْثَرُ من قِيمَتِه، وإن كان الجانِى أقَلَّ لم يَجِبْ أكثَرُ من قِيمَتِه، وإن عَفَا على مالٍ صَحَّ عَفْوُه، وَوَجَبَ أقَلُّ القِيمَتَيْنِ، لما ذَكَرْنَا. هذا إذا كان القِصَاصُ قَتْلًا، وإن كان جُرْحًا أو قَلْعَ سِنٍّ ونحوَه، فالوَاجِبُ بالعَفْوِ أقَلُّ الأمْرَيْنِ؛ من أَرْشِ الجُرْحِ، أو قِيمَةِ الجانِى. وإن عَفَا مُطْلَقًا، أو على غيرِ مالٍ، انْبَنَى ذلك على مُوجِبِ العَمْدِ ما هو؟ فإنَّ قُلْنا: مُوجِبُه أحَدُ شَيْئَيْنِ. ثَبَتَ المالُ. وإن قُلْنا: مُوجِبُه القِصَاصُ عَيْنًا، فحُكْمُه حُكْمُ ما لو اقْتَصَّ؛ إن قُلْنا ثَمَّ: يَجِبُ قِيمَتُه على الرَّاهِنِ. وَجَبَ هاهُنا. وهو اخْتِيَارُ أبي الخَطَّابِ؛ لأنَّه فَوَّتَ بَدَلَ الرَّهْنِ بِفِعْلِه، أشْبَهَ ما لو اقْتَصَّ. وإن قُلْنا: لا يَجِبُ على الرَّاهِنِ شىءٌ ثَمَّ. لم يَجِبْ هاهُنا شَىءٌ. وهو قول القاضى، ومذهبُ الشَّافِعِيِّ؛ لأنَّه اكْتِسَابُ مالٍ، فلا يُجْبَرُ عليه. وأمَّا إن كانت الجِنَايَةُ مُوجِبَةً للمالِ، أو ثَبَتَ المالُ بالعَفْوِ عن الجِنَايَةِ المُوجِبَةِ للقِصَاصِ، فإنَّه يَتَعَلَّقُ به حَقُّ الرَّاهِنِ والمُرْتَهِنِ، ويكون من غالِبِ نَقْدِ البَلَدِ، كقِيَمِ المُتْلَفَاتِ، فلو أَرَادَ الرَّاهِنُ أن يُصَالِحَ عنها، أو يَأْخُذَ حَيَوَانًا عنها، لم يَجُزْ إلَّا بِإِذْنِ المُرْتَهِنِ، فإنْ أَذِنَ فيه جَازَ؛ لأنَّ الحَقَّ لهما لا (٣) يخرجُ عنهما، وما قَبَضَ مِن شَىءٍ فهو رَهْنٌ، بَدَلًا عن الأَوَّلِ، نَائِبًا عنه،
стр. 3108
وقَائِمًا مَقَامَهُ، فإن عَفَا الرَّاهِنُ عن المالِ، فقال القاضى: يَسْقُطُ حَقُّ الرَّاهِنِ دون حَقِّ المُرْتَهِنِ، فَتُؤْخَذُ القِيمَةُ تكون رَهْنًا، فإذا زَالَ الرَّهْنُ رَجَعَ الأَرْشُ إلى الجانِى، كما لو أقَرَّ أن الرَّهْنَ مَغْصُوبٌ أو جَانٍ. وإن اسْتَوْفَى الدَّيْنَ من الأَرْشِ، احْتَمَلَ أن يَرْجِعَ الجانِى على العَافِى؛ لأنَّ مَالَهُ ذَهَبَ فى قَضَاءِ دَيْنِه، فَلَزِمَتْهُ غَرَامَتُه، كما لو غَصَبَهُ أو اسْتَعَارَهُ فرَهَنَهُ، واحْتَمَلَ أن لا يَرْجِعَ عليه؛ لأنَّه لم يُوجَدْ منه فى حَقِّ الجانِى ما يَقتَضِى وُجُوبَ الضَّمَانِ، وإنَّما اسْتُوفِىَ بِسَبَبٍ كان منه حالَ مِلْكِه، فأَشْبَهَ ما لو جَنَى إنْسَانٌ على عَبْدِه. ثمَّ وَهَبَهُ لغيرِه، فتَلِفَ بالجِنَايَةِ السَّابِقَةِ. وقال أبو الخَطَّابِ: يَصِحُّ العَفْوُ مُطْلَقًا، ويُؤْخَذُ من الرَّاهِنِ قِيمَتُه تكونُ رَهْنًا، لأنَّه أسْقَطَ دَيْنَه عَن غَرِيمه، فصَحَّ، كسائِرِ دُيُونِه. قال: ولا يُمْكِنُ كَوْنُه رَهْنًا مع عَدَمِ حَقِّ الرَّاهِنِ فيه، فلَزِمَتْهُ القِيمَةُ، لِتَفْوِيتِه حَقَّ المُرْتَهِنِ، فأشْبَه. ما لو تَلِفَ بَدَلُ الرَّهْنِ. وقال الشَّافِعِيُّ: لا يَصِحُّ العَفْوُ أَصْلًا؛ لأنَّ حَقَّ المُرْتَهِنِ مُتَعَلِّقٌ به، فلم يَصِحّ [عَفْوُ الرَّاهِنِ عنه] (٤) كالرَّهْنِ نَفْسِه، وكما لو وُهِبَ الرَّهْنُ أو غُصِبَ، فَعُفِىَ عن غَاصِبِه. وهذا أصَحُّ فى النَّظَرِ، وإن قال المُرْتَهِنُ: أسْقَطْتُ حَقِّى من ذلك. سَقَطَ؛ لأنَّه يَنْفَعُ الرَّاهِنَ ولا يَضُرُّهُ. وإن قال: أسْقَطْتُ الأَرْشَ. أو: أَبْرَأْتُ منه. لم يَسْقُطْ؛ لأنَّه مِلْكٌ لِلرَّاهِنِ، فلا يَسْقُطُ بإسْقَاطِ غيرِه. وهل يَسْقُطُ حَقُّه؟ فيه وَجْهَانِ؛ أحَدُهما، يَسْقُطُ. وهو قولُ القاضى؛ لأنَّ ذلك يَتَضَمَّنُ إسْقَاطَ حَقِّه، فإذا لم يَسْقُطْ حَقُّ غيرِه سَقَطَ حَقُّهُ، كما لو قال: أسْقَطْتُ حَقِّى وحَقَّ الرَّاهِنِ. والثانِى: لا يَسْقُطُ؛ لأنَّ العَفْوَ والإِبرَاءَ منه لا يَصِحُّ. فلم يَصِحَّ ما تَضَمَّنَهُ.
فصل: وإذا أقَرَّ رَجُلٌ بالجِنَايَةِ على الرَّهْنِ، فكَذَّبَاهُ، فلا شَىْءَ لهما. وإن كَذَّبَهُ المُرْتَهِنُ، وصَدَّقَهُ الرَّاهِنُ، فله الأَرْشُ، ولا حَقَّ لِلْمُرْتَهِنِ فيه، فإِن صَدَّقَهُ المُرْتَهِنُ وَحْدَه، تَعَلَّقَ حَقُّه بالأَرْشِ، وله قَبْضُه. فإذا قَضَى الرَّاهِنُ الحَقَّ، أو أَبْرَأَهُ
стр. 3109
المُرْتَهِنُ، رَجَعَ الأَرْشُ إلى الجَانِى، ولا شَىْءَ لِلرَّاهِنِ فيه. وإن (٥) اسْتَوْفَى حَقَّهُ من الأَرْشِ، لم يَمْلِك الجانِى مُطَالَبَةَ الرَّاهِنِ بشىءٍ؛ لأنَّه مُقِرٍّ له بِاسْتِحْقَاقِه.
فصل: ولو كان الرَّهْنُ أَمَةً حَامِلًا، فضَرَبَ بَطْنَها أجْنَبِيٌّ، فأَلْقَتْ جَنِينًا مَيِّتًا، ففيه عُشْرُ قِيمَةِ أُمِّهِ. وإن أَلْقَتْه حَيًّا ثمَّ مَاتَ لِوَقْتٍ يَعِيشُ مثلُه، ففيه قِيمَتِه. ولا يَجِبُ ضَمَانُ نَقْصِ الوِلَادَةِ؛ لأنَّه لا يَتَمَيَّزُ نَقْصُها عمَّا وَجَبَ ضَمَانُه من وَلَدِها. ويَحْتَمِلُ أن يَضْمَنَ نَقْصَها بالوِلَادَةِ؛ لأنَّه حَصَلَ بِفِعْلِه، فلَزِمَهُ ضَمَانُه، كما لو غَصَبَها ثم جَنَى عليها. ويَحْتَمِلُ أن يَجِبَ أَكْثَرُ الأَمْرَيْنِ؛ من نَقْصِها، أو ضَمَانِ جَنِينِها؛ لأنَّ سَبَبَ ضَمَانِها وُجِدَ، فإذا لم يَجْتَمِعْ ضَمَانُهما، وَجَبَ ضَمَانُ أَكْثَرِهما. وإن ضَرَبَ بَطْنَ بَهِيمَةٍ، فأَلْقَتْ وَلَدَها مَيِّتًا، ففيه ما نَقَصَتْها الجِنَايَةُ لا غيرُ، وما وَجَبَ من ذلك كلِّه فهو رَهْنٌ مع الأُمِّ. وقال الشَّافِعيُّ: ما وَجَبَ لِنَقْصِ الأُمِّ، أو لِنَقْصِ البَهِيمَةِ، فهو رَهْنٌ معها، وكذلك ما وَجَبَ فى وَلَدِها، وما وَجَبَ فى جَنِينِ الأَمَةِ فليس بِرَهْنٍ؛ لأنَّ نَمَاءَ الرَّهْنِ ليس بِرَهْنٍ. ولَنا، أنَّ هذا ضَمَانٌ يَجِبُ بِسَبَبِ الجِنَايَةِ على الرَّهْنِ، فكان من الرَّهْنِ، كالوَاجِبِ لِنَقْصِ الوِلَادَةِ [وضَمَانِ وَلَدِ] (٦) البَهِيمَةِ. وقولُهم: إنَّ نَمَاءَ الرَّهْنِ لا يَدْخُلُ فى الرَّهْنِ. غيرُ مُسَلَّمٍ.
٧٩٣ - مسألة؛ قال: (وَإذَا اشْتَرَى مِنْهُ سِلْعَةً، عَلَى أنْ يَرْهَنَهُ بِهَا شيْئًا مِنْ مَالِه يَعْرِفَانِهِ، أوْ عَلَى أنْ يُعْطِيَهُ بالثَّمَنِ حَمِيلًا يَعْرِفَانِه، فالبَيْعُ جَائِزٌ. فَإنْ أَبَى تسْلِيمَ الرَّهْنِ، أو أَبَى الحَمِيلُ أنْ يَتَحَمَّلَ، فَالْبَائِعُ مُخيَّرٌ فِى فَسْخِ البَيْعِ، وَفِى إقَامَتِهِ بِلَا رَهْنٍ ولَا حَمِيلٍ)
الحَمِيلُ: الضَّمِينُ. وهو فَعِيلٌ بمَعْنَى فَاعِلٍ، يقال: ضَمِينٌ، وحَمِيلٌ،
стр. 3110
وَقَبِيلٌ، وكَفِيلٌ، وزَعِيمٌ، وصَبِيرٌ، بمعنًى واحِدٍ. وجُمْلَةُ ذلك أنَّ البَيْعَ بِشَرْطِ الرَّهْنِ أو الضَّمِينِ صَحِيحٌ، والشَّرْطُ صَحِيحٌ أيضًا؛ لأنَّه من مَصْلَحَةِ العَقْدِ، غيرُ مُنَافٍ لِمُقْتَضَاه، ولا نَعْلَمُ فى صِحَّتِه خِلَافًا إذا كان مَعْلُومًا، ولذلك قال الخِرَقِيُّ: "يَعْرِفَانِه" فى الرَّهْن والضَّمِينِ معا. ومَعْرِفَةُ الرَّهْنِ تَحْصُلُ بأحَدِ شَيْئَيْنِ؛ المُشَاهَدَةِ، أو الصِّفَةِ التى يُعْلَمُ بها المَوْصُوفُ، كما فى السَّلَمِ. ويَتَعَيَّنُ بالقَبْضِ. وأمَّا الضَّمِينُ فَيُعْلَمُ بالإِشَارَةِ إِليه، أو تَعْرِيفِه بالاسْمِ والنَّسَبِ، ولا يَصِحُّ بالصِّفَةِ بأن يقولَ: رَجُلٌ غَنِيٌّ. من غير تَعْيِينٍ؛ لأنَّ الصِّفَةَ لا تَأْتِى عليه. ولو قال: بِشَرْطِ رَهْنٍ أو ضَمِينٍ. كان فَاسِدًا؛ لأنَّ ذلك يَخْتَلِفُ، وليس له عُرْفٌ يَنْصَرِفُ إليه بإطْلَاقٍ. ولو قال: بشَرْطِ رَهْنِ أحَدِ هَذَيْنِ العَبْدَيْنِ. أو: يَضْمَنُنِى أحَدُ هَذَيْنِ الرَّجُلَيْنِ. لم يَصِحَّ؛ لَأنَّ الغَرَضَ يَخْتَلِفُ. فلم يَصِحَّ مع عَدَمِ التَّعْيِينِ، كالبَيْعِ. وهذا مذهبُ الشَّافِعِىِّ. وحُكِىَ عن مالِكٍ وأبي ثَوْرٍ، أنَّه يَصِحُّ شَرْطُ الرَّهْنِ المَجْهُولِ، ويَلْزَمُه أن يَدْفَعَ إليه رَهْنًا بِقَدْرِ الدَّيْنِ؛ لأنَّه وَثِيقَةٌ، فجَازَ شَرْطُها مُطْلَقًا، كالشَّهَادَةِ. وقال أبو حنيفةَ: إذا قال: على أن أَرْهَنَكَ أحَدَ هذين العَبْدَيْنِ. جازَ؛ لأنَّ بَيْعَهُ جَائِزٌ عندَه. ولَنا، أنَّه شَرَطَ رَهْنًا مَجْهُولًا، فلم يَصِحَّ، كما لو شَرَطَ رَهْنَ ما فى كُمِّهِ، ولأنَّه عَقْدٌ يَخْتَلِفُ فيه المَعْقُودُ عليه، فلم يَصِحَّ مع الجَهْلِ، كالبَيْعِ، وفَارَقَ الشَّهَادَةَ، فإنَّ لها عُرْفًا فى الشَّرْعِ حُمِلَتْ عليه، والكلامُ مع أبي حنيفةَ قد مَضَى فى البَيْعِ، فإنَّ الخِلَافَ فيهما واحِدٌ. إذا ثَبَتَ هذا فإنَّ المُشْتَرِىَ إِنْ وَفى بالشَّرْطِ، فسَلَّمَ الرَّهْنَ، أو حَمَلَ عنه الحَمِيلُ، لَزِمَ البَيْعُ، وإن أَبَى تَسْلِيمَ الرَّهْنِ، أو أَبَى الحَمِيلُ أن يَتَحَمَّلَ عنه، فلِلْبَائِعِ الخِيَارُ بين فَسْخِ البَيْعِ وبين إتْمامِهِ (١) والرِّضَا به بلا رَهْنٍ ولا حَمِيلٍ، فإن رَضِىَ به، لَزِمَهُ البَيْعُ. وهذا قولُ الشَّافِعِيِّ، وأَصْحَابِ الرَّأْىِ. ولا يَلْزَمُ المُشْتَرِىَ تَسْلِيمُ الرَّهْنِ. وقال مالِكٌ وأبو ثَوْرٍ: يَلْزَمُ الرَّهْنُ إذا
стр. 3111
كان مَشْرُوطًا فى عَقْدِ البَيْعِ. ويُجْبَرُ عليه المُشْتَرِى. وإن وجَدَهُ الحاكِمُ دَفَعَهُ إلى البائِع؛ لأنَّ عَقْدَ البَيْعِ وَقَعَ عليه، فأشْبَهَ الخِيَارَ. وقال القاضى: ما عدا المَكِيلَ والمَوْزُونَ يَلْزَمُ فيه (٢) الرَّهْنُ بمُجَرَّدِ العَقْدِ. وقد مَضَى الكَلَامُ معهم فى أوَّلِ البابِ. ولأنَّه رَهْنٌ، فلم يَلْزَمْ قبلَ القَبْضِ، كما لو لم يكن مَشْرُوطًا فى البَيْعِ، أو كغيرِ المَكِيلِ والمَوْزُونِ، وإنَّما لَزِمَ الخِيَارُ والأجَلُ بالشَّرْطِ، لأنَّه مِن تَوَابِعِ البَيْعِ، لا يَنفَرِدُ بِنَفْسِه، والرَّهْنُ عَقْدٌ مُنْفَرِدٌ (٣) بِنَفْسِه ليس من التَّوَابِعِ، ولأنَّ الخِيَارَ والأَجَلَ يَثْبُتُ بالقَوْلِ، ولا يَفْتَقِرُ إلى تَسْلِيمٍ، فاكْتُفِىَ فى ثُبُوتِه بمُجَرَّدِ القَوْلِ، بخِلَافِ الرَّهْنِ. وأَمَّا الضَّمِينُ، فلا خِلَافَ فى أنَّه لا يَلْزَمُه الضَّمَانُ، إذْ لا يَلْزَمُه شَغْلُ ذِمَّتِه وأَدَاءُ دَيْنِ غيرِه بِاشْتِرَاطِ غيره. ولو وَعَدَهُ بأنَّه يَضْمَنُ، ثمَّ لم يَفْعَلْ، لم يَلْزَمْ فى الحُكْمِ، كما لو وَعَدَهُ أَنَّه يَبِيعُه، ثمَّ أَبَى ذلك. ومتى لم يَفِ المُشْتَرِى لِلْبَائِعِ بِشَرْطِه، كان له الفَسْخُ، كما لو شَرَطَ له (٤) صِفَةً فى الثَّمَنِ، فلم يَفِ بها، ولأنَّه أحَدُ المُتَعَاقِدَيْنِ، فإذا لم يَفِ بما شَرَطَ فى العَقْدِ، ثَبَتَ الخِيَارُ لِصَاحِبِه، كالبائِعِ إذا شَرَطَ المَبِيعَ (٥) على صِفَةٍ، فبَانَ بِخِلَافِها.
فصل: ولو شَرَطَ رَهْنًا، أو ضَمِينًا مُعَيَّنًا، فجاءَ بِغَيْرِهِما، لم يَلْزَمِ البَائِعَ قَبُولُه، وإن كان ما أَتَى به خَيْرًا من المَشْرُوطِ، مثل أنْ يَأْتِىَ بأكْثَرَ قِيمَةً من المَشْرُوطِ، وحَمِيلٍ أوْثَقَ من المُعَيَّنِ؛ لأَنَّه عَقَدَ على مُعَيَّنٍ، فلم يَلْزَمْهُ قَبُولُ غيرِه، كالبَيْعِ، ولأنَّ الغَرَضَ يَخْتَلِفُ بالأَعْيَانِ، فمنها ما يَسْهُلُ بَيْعُه والاسْتِيفَاءُ من ثَمَنِه، ومنها ما هو أقَلُّ مُؤْنَةً وأَسْهَلُ حِفْظًا، وبعضُ الذِّمَمِ أمْلَأُ من بعض، وأَسْهَلُ إِيفَاءً، فلا يَلْزَمُه قَبُولُ غيرِ ما عَيَّنَه، كسَائِرِ العُقُودِ.
стр. 3112
فصل: وإن تَعَيَّبَ الرَّهْنُ، أو اسْتَحَالَ العَصِيرُ خَمْرًا قبلَ قَبْضِه، فلِلْبَائِعِ الخِيَارُ بين قَبْضِه مَعِيبًا، ورِضَاهُ بلا رَهْنٍ فيما إذا تَخَمَّرَ العَصِيرُ، وبين فَسْخِ البَيْعِ وَرَدِّ الرَّهْنِ. وإن عَلِمَ بالعَيْبِ بعدَ قَبْضِه، فكذلك. وليس له مع إمْسَاكِه أَرْشٌ من أَجْلِ العَيْبِ؛ لأنَّ الرَّهْنَ إنَّما لَزِمَ فيما حَصَلَ قَبْضُه، وهو المَوْجُودُ، والجُزْءُ الفَائِتُ لم يَلْزَمْ تَسْلِيمُه، فلم يَلْزَمِ الأَرْشُ بَدَلًا عنه، بخِلَافِ المَبِيعِ. وإن تَلِفَ أو تَعَيَّبَ بعد القَبْضِ، فلا خِيَارَ للبائِعِ. وإن اخْتَلَفا فى زَمَنِ حدُوثِ العَيْبِ، وهو ممَّا لا يَحْتَمِلُ إلَّا قولَ أحَدِهما، فالقولُ قولُه من غيرِ يَمِينٍ؛ لأنَّ اليَمِينَ إنَّما تُرَادُ لِدَفْعِ الاحْتِمَالِ، وهذا لا يَحْتَمِلُ. وإن احْتَمَلَ قَوْلَيْهما معا، انْبَنَى على اخْتِلَافِ المُتَبَايِعَيْنِ فى حُدُوثِ العَيْبِ فى المَبِيعِ، وفيه رِوَايَتَانِ، فيكونُ فيه هاهُنا وَجْهَانِ؛ أحَدُهما، القولُ قولُ الرَّاهِنِ. وهو قولُ أبي حنيفةَ والشَّافِعِيِّ؛ لأنَّ الأصْلَ صِحَّةُ العَقْدِ ولُزُومُه. والآخَرُ، القولُ قولُ المُرْتَهِنِ، وهو قِياسُ قولِ الخِرَقِيِّ؛ لِقَوْلِه مثلَ ذلك فى البَيْعِ، لأنَّهما اخْتَلَفَا فى قَبْضِ المُرْتَهِنِ لِلْجُزْءِ الفائِتِ، فكان القولُ قولَه، كما لو اخْتَلَفَا فى قَبْضِ جُزْءٍ مُنْفَصِلٍ منه. وإن اخْتَلَفَا فى زَمَنِ التَّلَفِ، فقال الرَّاهِنُ: بعد القَبْضِ. وقال المُرْتَهِنُ: قبلَه. فالقولُ قولُه؛ لأنَّه مُنْكِرٌ لِلْقَبْضِ. وإن كان الرَّهْنُ عَصِيرًا فَاسْتَحَالَ خَمْرًا، واخْتَلَفَا فى زَمَنِ اسْتِحَالَتِه، فالقولُ قولُ الرَّاهِنِ. نَصَّ عليه أحمدُ. وقال القاضى: يُخَرَّجُ فيه رِوَايةٌ أُخْرَى، أنَّ القولَ قولُ المُرْتَهِنِ، كالاخْتِلَافِ فى البَيْعِ. وهو قولُ أبي حنيفةَ؛ لأنَّ الأصْلَ عَدَمُ القَبْضِ، كما لو اخْتَلَفَا فى زَمَنِ التَّلَفِ. ولَنا، أنَّهما اتَّفَقَا على العَقْدِ والقَبْضِ، واخْتَلَفَا فيما يَفْسُدُ به، فكان القولُ قولَ مَن يَنْفِيهِ، كما لو اخْتَلَفَا فى شَرْطٍ فاسِدٍ، ويُفَارِقُ اخْتِلَافَهما فى حُدُوثِ العَيْبِ من وَجْهَيْنِ؛ أحَدِهما، أنَّه ما اتَّفَقَا على القَبْضِ هاهُنا، وثَمَّ اخْتَلَفَا فى قَبْضِ الجُزْءِ الفائِتِ. الثانى، أنَّهما اخْتَلَفَا هنا فيما يُفْسِدُ العَقْدَ، والعَيْبُ بِخِلَافِه.
فصل: ولو وَجَدَ بالرَّهْنِ عَيْبًا بعدَ أن حَدَثَ عِنْدَهُ عَيْبٌ آخَرُ، فله رَدُّه وفَسْخُ البَيْعِ؛ لأنَّ العَيْبَ الحادِثَ فى مِلْكِ الرَّاهِنِ لا يَلْزمُ المُرْتَهِنَ ضَمَانُه، بخِلَافِ
стр. 3113
المَبِيعِ. وخَرَّجَهُ القاضِى على رِوَايَتَيْنِ، بنَاءً على البَيْعِ، فعلى قولِه: لا يَمْلِكُ الرَّدَّ. لا يَمْلِكُ الفَسْخَ. والصَّحِيحُ ما ذَكَرْنَاهُ. وإن هَلَكَ الرَّهْنُ فى يَدِ المُرْتَهِنِ، ثمَّ عَلِمَ أنَّه كان مَعِيبًا، لم يَمْلِكْ فَسْخَ البَيْعِ، لأنَّه قد (٦) تَعَذَّرَ عليه رَدُّه. فإن قيلَ: فالرَّهْنُ غيرُ مَضْمُونٍ، ولهذا لا يُمْنَعُ (٧) رَدُّه بِحُدُوثِ العَيْبِ فيه. قُلْنا: إنَّما لا (٨) تُضْمَنُ قِيمَتُه، لأنَّ العَقْدَ لم يَقَعْ على مِلْكِه، وإنَّما وَقَعَ على الوَثِيقَةِ، فهو مَضْمُونٌ بالوَثِيقَةِ، أمَّا إذا تَعَيَّبَ فقد رَدَّه، فَيَسْتَحِقُّ بَدَلَ ما رَدَّه، وهاهُنا لم يَرُدَّ شيئًا، فلو أَوْجَبْنَا له بَدَلَه، لأَوْجَبْنَا على الرَّاهِنِ غيرَ ما شَرَطَ (٩) على نَفْسِه.
فصل: ولو لم يَشْتَرِطَا رَهْنًا فى البَيْعِ، فتَطَوَّعَ المُشْتَرِى بِرَهْنٍ، وقَبَضَهُ البائِعُ، كان حُكمُه حُكْمَ الرَّهْنِ المَشْرُوطِ فى البَيْعِ، ولا يَنْفَكُّ شىءٌ مِنه حتَّى يَقْضِىَ جَمِيعَ الدَّيْنِ، ولا يَمْلِكُ الرَّاهِنُ انْتِزَاعَه، ولا التَّصَرُّفَ فيه، إلَّا بإذْنِ المُرْتَهِنِ، إلَّا أنَّه إذا رَدَّهُ بِعَيْبٍ أو غيرِه، لم يَمْلِكْ فَسْخَ البَيْعِ.
فصل: وإذا تَبَايَعَا بِشَرْطِ أن يكونَ المَبِيعُ رَهْنًا (١٠) على ثَمَنِه، لم يَصِحَّ. قالَه ابنُ حَامِدٍ. وهو قولُ الشَّافِعِيِّ؛ لأنَّ المَبِيعَ حين شَرَطَ رَهْنَه لم يكُنْ مِلْكًا له، وسواءٌ شَرَطَ أنَّه يَقْبِضُه ثمَّ يَرْهَنُه، أو شَرَطَ رَهْنَه قبلَ قَبْضِه. وَرُوِىَ عن أحمدَ، أنَّه قال: إذا حَبَسَ المَبِيعَ بِبَقِيَّةِ الثَّمَنِ، فهو غاصِبٌ، ولا يكون رَهْنًا إلَّا أن يكونَ شَرْطًا عليه فى نَفْسِ البَيْعِ. وهذا يَدُلُّ على صِحَّةِ الشَّرْطِ، لأَنَّه يجوزُ بَيْعُه، فجَازَ رَهْنُه. وقال القاضى: معنى هذه الرِّوَايَةِ، أنَّه شَرَطَ (١١) عليه فى نَفْسِ البَيْعِ رَهْنًا غيرَ المَبِيعِ، فيكونُ له حَبْسُ المَبِيعِ حتَّى يَقْبِضَ الرَّهْنَ، وإن لم يَفِ به (١٢) فُسِخَ
стр. 3114
البَيْعُ. فأمَّا شَرْطُهُ (١٣) رَهْنَ المَبِيعِ بِعَيْنِه على ثَمَنِه، فلا يَصِحُّ؛ لِوُجُوهٍ، منها أنَّه غيرُ مَمْلُوكٍ له. ومنها أنَّ البَيْعَ يَقْتَضِى إيفَاءَ الثَّمَنِ من غير المَبِيعِ والرَّهْنُ يَقْتَضِى الوَفَاءَ منه. ومنها أن البَيْعَ يَقْتَضِى تَسْلِيمَ المَبِيعِ أَوَّلًا، ورَهْنُ المَبِيعِ يَقْتَضِى أن لا يُسَلِّمَه حتَّى يَقْبِضَ الثَّمَنَ. ومنها أنَّ البَيْعَ يَقْتَضِى أن يكونَ إمْسَاكُ المَبِيعِ مَضْمُونًا، والرَّهْنُ يَقْتَضِى أن لا يكونَ مَضْمُونًا، وهذا يُوجِبُ تَنَاقُضَ أحْكَامِهِما. وظَاهِرُ الرِّوَايَةِ صِحَّةُ رَهْنِه. وقولُهم: إنَّه غيرُ مَمْلُوكٍ. لَنا (١٤)، إنَّما شَرَطَ رَهْنَه بعد مِلْكِه (١٥). وقولُهم إنَّ (١٦) البَيْعَ يَقْتَضِى إيفَاءَ الثَّمَنِ من غيرِ المَبِيعِ. غيرُ صَحِيحٍ، إنَّما يَقْتَضِى وَفَاءَ الثمنِ مُطْلَقًا، ولو تَعَذَّرَ وَفَاءُ الثَّمَنِ من غيرِ المَبِيعِ لَاسْتَوْفَى من ثَمَنِه. وقولُهم: البَيْعُ يَقْتَضِى تَسْلِيمَ المَبِيعِ قَبْلَ (١٧) تَسْلِيمِ الثمَنِ. مَمْنُوعٌ. وإن سُلِّمَ فلا يَمْتَنِعُ أن يُثْبِتَ بالشَّرْطِ خِلَافَه. كما أنَّ مُقْتَضَى البَيْعِ حُلُولُ الثَّمَنِ وَوُجُوبُ تَسْلِيمِه فى الحالِ، ولو شَرَطَ التَّأْجِيلَ جَازَ، وكذلك مُقْتَضَى البَيْعِ ثُبُوتُ المِلْكِ فى المَبِيعِ، والتَّمْكِينُ من التَّصَرُّفِ فيه، ويَنْتَفِى بِشَرْطِ الخِيَارِ، وهذا هو الجَوَابُ عن (١٨) الوَجْهِ الثالثِ والرَّابعِ. فأمَّا إن لم يَشْتَرِطْ ذلك فى البَيْعِ، لكنْ رَهَنَهُ عندَه بعدَ البَيْعِ، فإن كان بعدَ لُزُومِ البَيْعِ، فالأوْلَى صِحَّتُه؛ لأنَّه يَصِحُّ رَهْنُه عندَ غيرِه، فصَحَّ عندَه كغيرِه، ولأنَّه يَصِحُّ رَهْنُه على غيرِ ثَمَنِه، فصَحَّ رَهْنُه على ثَمَنِه. وإن كان قبلَ لُزُومِ البَيْعِ، انْبَنَى على جَوَازِ التَّصَرُّفِ فى المَبِيعِ، ففى كلِّ مَوْضِعٍ جازَ التَّصَرُّفُ فيه جازَ رَهْنُه، وما لا فلا؛ لأنَّه نَوْعُ تَصَرُّفٍ، فأشْبَه بَيْعَه.
стр. 3115
فصل: وإذا شَرَطَ فى البَيْعِ رَهْنًا فَاسِدًا، كالمُحَرَّمِ، والمَجْهُولِ، والمَعْدُومِ، وما لا يَقْدِرُ على تَسْلِيمِه، أو غيرِ المُعَيَّنِ، أو شَرَطَ رَهْنَ المَبِيعِ على ثَمَنِه، ففى فَسَادِ البَيْعِ رِوَايَتَانِ، مَضَى تَوْجِيهُهُما فى الشُّرُوطِ الفَاسِدَةِ فى البَيْعِ. واخْتَارَ أبو الخَطَّابِ هاهُنا فَسَادَ البَيْعِ. وهو قولُ أبي حنيفةَ، وأحَدُ قَوْلَىِ الشَّافِعِيِّ، وقد مَضَى ذِكْرُ ذلك.
فصل: والشُّرُوطُ فى الرَّهْنِ تَنْقَسِمُ قِسْمَيْنِ؛ صَحِيحًا وفَاسِدًا، فالصَّحِيحُ مثلُ أن يَشْتَرِطَ كَوْنَه على يَدِ عَدْلٍ عَيَّنَهُ، أو عَدْلَيْنِ، أو أَكْثَرَ، أو أن يَبِيعَه العَدْلُ عندَ حُلُولِ الحَقِّ. ولا نَعْلَمُ فى صِحَّةِ هذا خِلَافًا، وإن شَرَطَ أن يَبِيعَه المُرْتَهِنُ، صَحَّ. وبه قال أبو حنيفةَ ومالِكٌ. وقال الشَّافِعِيُّ: لا يَصِحُّ؛ لأنَّه تَوكِيلٌ فيما يَتَنَافَى (١٩) فيه الغَرَضَانِ، فلم يَصِحَّ، كما لو وَكَّلَه فى بَيْعِه من نَفْسِه. وَوَجْهُ التَّنَافِى أن الرَّاهِنَ يُرِيدُ الصَّبْرَ على المَبِيعِ، والاحْتِيَاطَ فى تَوْفِيرِ الثَّمَنِ، والمُرْتَهِنَ يُرِيدُ تَعْجِيلَ الحَقِّ، وإنْجَازَ البَيْعِ. ولَنا، أنَّ ما جَازَ تَوْكِيلُ غيرِ المُرْتَهِنِ فيه، جَازَ تَوْكِيلُ المُرْتَهِنِ فيه، كبَيْعِ عَيْنٍ أُخْرَى، ولأنَّ مَن جَازَ أن يُشْتَرَطَ له الإِمْسَاكُ، جَازَ اشْتِرَاطُ البَيْعِ له، كالعَدْلِ، ولا يَضُرُّ اخْتِلَافُ الغَرَضَيْنِ، إذا كان غَرَضُ المُرْتَهِنِ مُسْتَحقًّا له، وهو اسْتِيفَاءُ الثَّمَنِ عندَ حُلُولِ الحَقِّ، وإنْجَازِ البَيْعِ؛ وعلى أنَّ الرَّاهِنَ إذا وَكَّلَهُ مع العِلْمِ بِغَرَضِه، فقد سَمَحَ له بذلك، والحَقُّ له، فلا يَمْنَعُ من السَّمَاحَةِ به، كما لو وَكَّلَ فَاسِقًا فى بَيْعِ مالِه وقَبْضِ ثَمَنِه. ولا نُسَلِّمُ أنَّه لا يجوزُ تَوْكِيلُه فى بَيْعِ شَىءٍ من نَفْسِه، وإن سَلَّمْنا، فلأنَّ الشَّخْصَ الواحِدَ يكونُ بَائِعًا مُشْتَرِيًا، ومُوجِبًا، قَابِلًا، وقَابِضًا من نَفْسِه لِنَفْسِه، بِخِلَافِ مَسْأَلَتِنَا.
فصل: وإذا رَهَنَهُ أمَةً، فشَرَطَ كَوْنَها عندَ امْرَأَةٍ، أو ذِى مَحْرَمٍ لها، أو كَوْنَها فى يَدِ المُرْتَهِنِ، أو أجْنَبِيٍّ على وَجْهٍ لا يُفْضِى إلى الخَلْوَةِ بها، مثل أن يكونَ لهما
стр. 3116
زَوْجَاتٌ، أو سَرَارِيُّ، أو نِسَاءٌ مِن مَحَارِمِهِمَا معهما فى دَارِهِمَا، جَازَ؛ لأنَّه لا يُفْضِى إلى مُحَرَّمٍ. وإن لم يكُنْ كذلك، فَسَدَ الشَّرْطُ؛ لأنَّه يُفْضِى إلى الخَلْوَةِ المُحَرَّمَةِ، ولا يُؤْمَنُ عليها. ولا يَفْسُدُ الرَّهْنُ؛ لأنَّه لا يَعُودُ إلى نَقْصٍ، ولا ضَرَرٍ فى حَقِّ المُتَعَاقِدَيْنِ، ويكونُ الحُكْمُ فيه كما لو رَهَنَها من غيرِ شَرْطٍ، يَصِحُّ الرَّهْنُ، ويَجْعَلُها الحاكِمُ على يَدِ مَن يجوزُ أن تكونَ عنده. وإن كان الرَّهْنُ عَبْدًا، فشَرَطَ مَوْضِعَه، جَازَ، وإن لم يَشْتَرِطْ مَوْضِعَه، صَحَّ أيضًا، كالأمَةِ. ويَحْتَمِلُ أن لا يَصِحَّ؛ لأنَّ لِلْأمَةِ عُرْفًا، بِخِلَافِ العَبْدِ. والأوَّلُ أصَحُّ؛ فإنَّ الأمَةَ إذا كان المُرْتَهِنُ ممَّن يجوزُ وَضْعُها عنده كالعَبْدِ، وإذا كان مُرْتَهِنُ العَبْدِ امْرَأةً لا زَوْجَ لها، فَشَرَطَتْ كونَه عندَها على وَجْهٍ يُفْضِى إلى خَلْوَتِه بها، لم يَجُزْ أيضًا، فاسْتَوَيَا.
فصل: والقِسْمُ الثاني، الشُّرُوطُ الفَاسِدَةُ، مثلُ أن يَشْتَرِطَ ما يُنَافِى مُقْتَضَى الرَّهْنِ، نحو أن يَشْتَرِطَ ألَّا يُبَاعَ الرَّهْنُ عندَ حُلُولِ الحَقِّ، أو لا يُسْتَوْفَى الدَّيْنُ من ثَمَنِه، أو لا يُبَاعَ ما خِيفَ تَلَفُه، أو بَيْعَ الرَّهْنِ بأى ثَمَنٍ كان، أو أن لا يَبِيعَهُ إلِّا بما يُرْضِيهِ. فهذه شُرُوطٌ فاسِدَةٌ؛ لِمُنَافَاتِها مُقْتَضَى العَقْدِ، فإنَّ المَقْصُودَ مع الوَفَاءِ بهذه الشُّرُوطِ مَفْقُودٌ. وكذلك إن شَرَطَ الخِيَارَ لِلرَّاهِنِ، أو أن لا يكونَ العَقْدُ لَازِمًا فى حَقِّه، أو تَوْقِيتَ الرَّهْنِ، أو أن يكون رَهْنًا يَوْمًا ويَوْمًا لا (٢٠)، أو كَوْنَ الرَّهْنِ فى يَدِ الرَّاهِنِ، أو أن يَنْتَفِعَ به، أو يَنْتَفِعَ به المُرْتَهِنُ، أو كَوْنَه مَضْمُونًا على المُرْتَهِنِ أو العَدْلِ، فهذه كلها فَاسِدَةٌ؛ لأنَّ منها ما يُنَافِى مُقْتَضَى العَقْدِ، ومنها ما لا يَقْتَضِيهِ العَقْدُ، ولا هو من مَصْلَحَتِه. وإن شَرَطَا شَيْئًا منها فى عَقْدِ الرَّهْنِ، فقال القاضى: يَحْتَمِلُ أن يَفْسُدَ الرَّهْنُ بها بكلِّ حال؛ لأنَّ العَاقِدَ إنَّما بَذَلَ مِلْكَه بهذا الشَّرْطِ، فإذا لم يُسَلَّمْ له، لم يَصِحَّ العَقْدُ، لِعَدَمِ الرِّضَى به بدُونِه. وقيل: إن شَرَطَ الرَّهْنَ مُؤَقَّتًا، أو رَهَنَهُ يَوْمًا ويَوْمًا لا، فَسَدَ الرَّهْنُ. وهل يَفْسُدُ بِسَائِرِهَا؟ على وَجْهَيْنِ،
стр. 3117
بنَاءً على الشُّرُوطِ الفاسِدَةِ فى البَيْعِ. ونَصَرَ أبو الخَطَّابِ فى "رُءُوسِ المَسَائِلِ" صِحَّتَهُ، وبه قال أبو حنيفةَ، لأنَّ النَّبِيَّ ﷺ قال: "لا يَغْلَقُ الرَّهْنُ" (٢١) وهو مَشْرُوطٌ فيه شَرْطٌ فاسِدٌ. ولم يُحْكَمْ بِفَسَادِه. وقيل: ما يَنْقُصُ حَقَّ المُرْتَهِنِ يُبْطِلُه، وَجْهًا واحِدًا، وما لا فعلى وَجْهَيْنِ، وهذا مذهبُ الشَّافِعِيِّ؛ لأنَّ المُرْتَهِنَ شُرِطَتْ له زِيَادَةٌ لم تَصِحَّ له، فإذا فَسَدَتِ الزِّيَادَةُ لم يَبْطُلْ أَصْلُ الرَّهْنِ.
فصل: وإن شَرَطَ أنَّه مَتَى حَلَّ الحَقُّ ولم يُوَفِّنِى، فالرَّهْنُ لى بالدَّيْنِ. أو: فهو مَبِيعٌ لى بالدَّيْنِ الذى عليكَ. فهو شَرْطٌ فَاسِدٌ. رُوِىَ ذلك عن ابنِ عمرَ، وشُرَيْحٍ، والنَّخَعِيِّ، ومالِكٍ، والثَّوْرِيِّ، والشَّافِعِيِّ، وأصْحابِ الرَّأْىِ. لا نَعْلَمُ أحَدًا خَالَفَهُم. والأصْلُ فى ذلك ما رَوَى مُعاوِيَةُ بن عبدِ اللهِ بن جعفرٍ، قال: قال رسولُ اللهِ ﷺ : "لا يَغْلَقُ الرَّهْنُ". رَوَاهُ الأَثْرَمُ (٢٢). قال الأَثْرَمُ: قلتُ لأحمدَ: ما مَعْنَى قَوْله: "لا يَغْلَقُ الرَّهْنُ"؟ قال: لا يَدْفَعُ رَهْنًا إلى رَجُلٍ، ويقولُ: إن جِئْتُكَ بالدَّرَاهِم إلى كذا وكذا، وإلَّا فالرَّهْنُ لك. قال ابنُ المُنْذِرِ: هذا مَعْنَى قَوْلِه: "لا يَغْلَقُ الرَّهْنُ" عند مالِكٍ، والثَّوْرِيِّ، وأحمدَ. وفى حَدِيثِ مُعاوِيَةَ بن عبد اللهِ بن جعفرٍ، أنَّ رَجُلًا رَهَنَ دارًا بالمَدِينَةِ إلى أجَلٍ مُسَمًّى، فمَضَى الأَجَلُ، فقال الذى ارْتَهَنَ: مَنْزِلِى. فقال النَّبِيُّ ﷺ : "لا يَغْلَقُ الرَّهْنُ". ولأنَّه عَلَّقَ البَيْعَ على شَرْطٍ، فإنَّه جَعَلَهُ مَبِيعًا بِشَرْطِ أن لا يُوَفِّيَه الحَقَّ فى مَحلِّه، والبَيْعُ المُعَلَّقُ بِشَرْطٍ لا يَصِحُّ، وإذا شَرَطَ هذا الشَّرْطَ فَسَدَ الرَّهْنُ. ويَتَخَرَّجُ أنْ لا يَفْسُدَ، لما ذَكَرْنَا فى سَائِرِ الشُّرُوطِ الفَاسِدَةِ، وهذا ظَاهِرُ قولِ أبي الخَطَّابِ، فى "رُءُوسِ الْمَسَائِلِ"، واحْتَجَّ بقولِ النَّبِيِّ ﷺ : "لا يَغْلَقُ الرَّهْنُ". فنَفَى غَلْقَه دُونَ أصْلِه، فيَدُلُّ على صِحَّتِه، ولأن الرَّاهِنَ قد رَضِىَ بِرَهْنِه مع هذا الشَّرْطِ، فمع بُطْلَانِه أوْلَى أن يَرْضَى به. ولَنا،
стр. 3118
أنَّه رَهْنٌ بِشَرْطٍ فَاسِدٍ، فكان فَاسِدًا، كما لو شَرَطَ تَوْفِيَتَه، وليس فى الخَبَرِ أنَّه شَرَطَ ذلك فى ابْتِدَاءِ العَقْدِ، فلا يكونُ فيه حُجَّةٌ.
فصل: ولو قال الغَرِيمُ: رَهَنْتُكَ عَبْدِى هذا، على أن تَزِيدَنِى فى الأَجَلِ. كان بَاطِلًا؛ لأنَّ الأجَلَ لا يَثْبتُ فى الدَّيْنِ، إلَّا أن يكونَ مَشْرُوطًا فى عَقْدٍ وَجَبَ به، فإذا لم يَثْبُتِ الأَجَلُ، لم يَصِحَّ الرَّهْنُ، لأنَّه جَعَلَهُ فى مُقَابَلَتِه، ولأنَّ ذلك يُضَاهِى رِبَا الجَاهِلِيَّةِ، كانوا يَزِيدُونَ فى الدَّيْنِ لِيَزْدَادُوا فى الأَجَلِ.
فصل: إذا كان له على رَجُلٍ أَلْفٌ، فقال: أقْرِضْنِى ألْفًا، بشَرْطِ أن أَرْهَنَكَ عَبْدِى هذا بالأَلْفَيْنِ. فنَقَلَ حَنْبَلٌ، عن أحمدَ، أنَّ القَرْضَ باطِلٌ. وهو مذهبُ الشَّافِعِيِّ؛ لأنَّه قَرْضٌ يَجُرُّ مَنْفَعَةً، وهو الاسْتِيثَاقُ بالأَلْفِ الأوَّلِ. وإذا بَطَلَ القَرْضُ بَطَلَ الرَّهْنُ. فإنْ (٢٣) قيل: أليس لو شَرَطَ أنَّه يُعْطِيَه رَهْنًا بما يَقْتَرِضُه جازَ؟ قُلْنا: ليس هذا قَرْضًا جَرَّ مَنْفَعَةً؛ لأنَّ غَايَةَ ما حَصَلَ له تَأْكِيدُ الاسْتِيفَاءِ لِبَدَلِ ما أقْرَضَهُ، وهو مِثْلُه، والقَرْضُ يَقْتَضِى وُجُوبَ الوَفَاءِ، وفى مَسْأَلَتِنَا شَرَطَ فى هذا القَرْضِ الاسْتِيثَاقَ لِدَيْنِه الأوَّل، فقد شَرَطَ اسْتِيثَاقًا لغيرِ مُوجِبِ القَرْضِ. ونَقَلَ مُهَنَّا أنَّ القَرْضَ صَحِيحٌ. ولعلَّ أحمدَ حَكَمَ بِصِحَّةِ القَرْضِ مع فَسَادِ الشَّرْطِ، كيلا يُفْضِى إلى جَرِّ المَنْفَعَةِ بالقَرْضِ، أو حَكَمَ بِفَسَادِ الرَّهْنِ فى الأَلْفِ الأَوَّلِ وَحْدَه، وصَحَّحَهُ فيما عَداهُ. ولو كان مكان القَرْضِ بَيْعٌ، فقال: بِعْنِى عَبْدَكَ هذا بأَلْفٍ، على أن أرْهَنَكَ عَبْدِى به وبالأَلْفِ الآخَرِ الذى عَلَيَّ. فالبَيْعُ بَاطِلٌ، رِوَايَةً واحِدَةً؛ لأنَّ الثَّمَنَ مَجْهُولٌ، فإنَّه جَعَلَ الثَّمنَ أَلْفًا ومَنْفَعَةً هى وَثِيقَةٌ بالأَلْفِ الأَوَّلِ، وتلك المَنْفَعَةُ مَجْهُولَةٌ، ولأنَّه شَرَطَ عَقْدَ الرَّهْنِ بالأَلْفِ الأوَّلِ، فلم يَصِحَّ، كما لو أفْرَدَهُ، أو كما لو بَاعَهُ دَارَه بِشَرْطِ أن يَبِيعَه الآخَرُ دَارَهُ.
стр. 3119
فصل: وإذا فَسَدَ الرَّهْنُ، وقَبَضَهُ المُرْتَهِنُ، لم يَكُنْ عليه ضَمَانُه؛ لأنَّه قَبَضَه بحُكْمِ أنَّه رَهْنٌ، وكل عَقْدٍ كان صَحِيحُه غيرَ مَضْمُونٍ، أو مَضْمُونًا، ففَاسِدُه كذلك. فإن كان مُؤَقَّتًا، أو شَرَطَ أنَّه يَصِيرُ لِلْمُرْتَهِنِ بعدَ انْقِضَاءِ مُدَّتِه، صارَ بعدَ ذلك مَضْمُونًا؛ لأنَّه مَقْبُوضٌ بحُكْمِ بَيْعٍ فاسِدٍ، وحُكْمُ الفَاسِدِ من العُقُودِ حُكْمُ الصَّحِيحِ فى الضَّمَانِ. فإن كان أرْضًا فَغَرَسَها قبلَ انْقِضَاءِ الأَجَلِ، فهو كغَرْسِ الغَاصِبِ؛ لأنَّه غَرْسٌ (٢٤) بغيرِ إذْنٍ، وإن غَرَسَ بعدَ الأَجَلِ، وكان قد شَرَطَ أن الرَّهْنَ يَصِيرُ له، فقد غَرَسَ بإِذْنٍ؛ لأنَّ البَيْعَ وإن كان فَاسِدًا، فقد تَضَمَّنَ الإذْنَ فى التَّصَرُّفِ، فيكونُ الرَّاهِنُ مُخَيَّرًا بين ثلاثةِ أشياء؛ بين أن يُقِرَّ غَرْسَه له، وبينَ أخْذِهِ بِقِيمَتِه، وبينَ أن يُجْبِرَه على قَلْعِه، ويَضْمَنَ له ما نَقَصَ.
٧٩٤ - مسألة؛ قال: (وَلَا يَنْتَفِعُ الْمُرْتَهِنُ مِنَ الرَّهْنِ بِشَىْءٍ، إلَّا مَا كَانَ مَرْكُوبًا أَوْ مَحْلُوبًا، فيَرْكَبُ ويَحْلُبُ بِقَدْرِ (١) العَلَفِ)
الكَلامُ فى هذه المَسْأَلَةِ فى حَالَيْنِ (٢)؛ أحَدِهما، ما لا يَحْتَاجُ إلى مُؤْنَةٍ، كالدَّارِ والمَتَاعِ ونحوِه، فلا يجوزُ لِلْمُرْتَهِنِ الانتِفَاعُ به بغيرِ إذْنِ الرَّاهِنِ بحالٍ. لا نَعْلَمُ فى هذا خِلَافًا؛ لأنَّ الرَّهْنَ مِلْكُ الرَّاهِنِ، فكذلك نَمَاؤُه ومَنَافِعُه، فليس لغيره أخْذُها بغير إذْنِه، فإن أذِنَ الرَّاهِنُ لِلْمُرْتَهِنِ فى الانْتِفَاعِ بغيرِ عِوَضٍ، وكان دَيْنُ الرَّهْنِ من قَرْضٍ، لم يَجُزْ؛ لأنَّه يُحَصِّلُ قَرْضًا يَجُرُّ مَنْفَعَةً، وذلك حَرَامٌ. قال أحمدُ: أكْرَهُ قَرْضَ الدُّورِ، وهو الرِّبَا المَحْضُ. يعنى: إذا كانت الدَّارُ رَهْنًا فى قَرْضٍ يَنْتَفِعُ بها المُرْتَهِنُ. وإن كان الرَّهْنُ بِثَمَنِ مَبِيعٍ، أو أَجْرِ دَارٍ، أو دَيْنٍ غير القَرْضِ، فأَذِنَ له الرَّاهِنُ فى الانْتِفَاعِ، جَازَ ذلك. رُوِىَ ذلك عن الحسنِ، وابنِ سِيرِينَ، وبه قال إسْحاقُ. فأمَّا إن كان الانْتِفَاعُ بِعِوَضٍ، مثل إن اسْتَأْجَرَ المُرْتَهِنُ الدَّارَ من الرَّاهِنِ بأُجْرَةِ (٣) مِثْلِها، من غير مُحَابَاةٍ، جَازَ فى القَرْضِ
стр. 3120
وغيرِه، لِكَوْنِه ما انْتَفَعَ بالقَرْضِ، بل بالإِجارَةِ، وإن حابَاهُ فى ذلك فحُكْمُه حُكْمُ الانْتِفَاعِ بغيرِ عِوَضٍ، لا يجوزُ فى القَرْضِ، ويجوزُ فى غيرِه. ومتى اسْتَأْجَرَها المُرْتَهِنُ، أو اسْتَعَارَها، فظَاهِرُ كلامِ أحمدَ أنَّها تَخْرُجُ عن كَوْنِها رَهْنًا، فمتى انْقَضَتِ الإِجَارَةُ، أو العَارِيَّةُ، عَادَ الرَّهْنُ بحالِه. قال أحمدُ، فى رِوَايَةِ الحسنِ بن ثَوَابٍ [عن أحْمَدَ] (٤). إذا كان الرَّهْنُ دَارًا، فقال المُرْتَهِنُ: اسْكُنْها بكِرَائِها، وهى وَثِيقَةٌ بِحَقِّى. يَنْتَقِلُ فيَصِيرُ دَيْنًا، ويَتَحَوَّل عن الرَّهْنِ. وكذلك إن أكْرَاها لِلرَّاهِنِ، قال أحمدُ، فى رِوَايَةِ ابن منصورٍ: إذا ارْتَهَنَ دَارًا، ثمَّ أكْرَاهَا لِصَاحِبِها، خَرَجَتْ من الرَّهْنِ، فإذا رَجَعَتْ إليه صَارَتْ رَهْنًا. والأَوْلَى أَنَّها لا تَخْرُجُ عن الرَّهْنِ، إذا اسْتَأْجَرَها المُرْتَهِنُ، أو اسْتَعَارَها؛ لأنَّ القَبْضَ مُسْتَدامٌ، ولا تَنَافِىَ بين العَقْدَيْنِ، وكَلامُ أحمدَ فى رِوَايَةِ الحَسَنِ بن ثَوَابٍ، مَحْمُولٌ على أَنَّه أذِنَ للرَّاهِنِ فى سُكْنَاها، كما في رِوايَةِ ابن منصورٍ؛ لأنَّها خَرَجَتْ عن يَدِ المُرْتَهِنِ، فزَالَ اللُّزُومُ لِزَوَالِ اليَدِ، بخِلَافِ ما إذا سَكَنَها المُرْتَهِنُ. ومتى اسْتَعَارَ المُرْتَهِنُ الرَّهْنَ صَارَ مَضْمُونًا عليه. وبهذا قال الشَّافِعِيُّ. وقال أبو حنيفةَ: لا ضَمَانَ عليه. ومَبْنَى ذلك على العَارِيَّةِ، فإنَّها عِنْدَنَا مَضْمُونَةٌ، وعِنْدَهُ غيرُ مَضْمُونَةٍ.
فصل: فإن شَرَطَ فى الرَّهْنِ أن يَنْتَفِعَ به المُرْتَهِنُ، فالشَّرْطُ فَاسِدٌ؛ لأنَّه يُنَافِى مُقْتَضَى الرَّهْنِ. وعن أحمدَ، أنَّه يجوزُ فى المَبِيعِ. قال القاضى: مَعْنَاهُ أن يقولَ: بِعْتُكَ هذا الثَّوْبَ بِدِينَارٍ، بِشَرْطِ أن تَرْهَنَنِى (٥) عَبْدَكَ يَخْدِمُنِى شَهْرًا. فيكونُ بَيْعًا وإِجَارَةً، فهو صَحِيحٌ. وإن أطْلَقَ، فالشَّرْطُ باطِلٌ؛ لِجَهَالَةِ ثَمَنِه. وقال مالِكٌ: لا بَأْسَ أن يَشْتَرِطَ فى البَيْعِ مَنْفَعَةَ الرَّهْنِ إلى أجَلٍ فى الدُّورِ والأَرَضِينَ، وكَرِهَهُ فى الحَيَوانِ والثِّيابِ، وكَرِهَهُ فى القَرْضِ. ولَنا، أنَّه شَرَطَ فى الرَّهْنِ ما يُنَافِيه، فلم يَصِحَّ، كما لو شَرَطَهُ فى القَرْضِ.