← Фикх ханбали

Фикх ханбали · id 6910

المغني لابن قدامة - ت التركي

ابن قدامة

Полный текст (7 955 стр.). Показаны 3116–3155 · переход к 3121.

стр. 3116

زَوْجَاتٌ، أو سَرَارِيُّ، أو نِسَاءٌ مِن مَحَارِمِهِمَا معهما فى دَارِهِمَا، جَازَ؛ لأنَّه لا يُفْضِى إلى مُحَرَّمٍ. وإن لم يكُنْ كذلك، فَسَدَ الشَّرْطُ؛ لأنَّه يُفْضِى إلى الخَلْوَةِ المُحَرَّمَةِ، ولا يُؤْمَنُ عليها. ولا يَفْسُدُ الرَّهْنُ؛ لأنَّه لا يَعُودُ إلى نَقْصٍ، ولا ضَرَرٍ فى حَقِّ المُتَعَاقِدَيْنِ، ويكونُ الحُكْمُ فيه كما لو رَهَنَها من غيرِ شَرْطٍ، يَصِحُّ الرَّهْنُ، ويَجْعَلُها الحاكِمُ على يَدِ مَن يجوزُ أن تكونَ عنده. وإن كان الرَّهْنُ عَبْدًا، فشَرَطَ مَوْضِعَه، جَازَ، وإن لم يَشْتَرِطْ مَوْضِعَه، صَحَّ أيضًا، كالأمَةِ. ويَحْتَمِلُ أن لا يَصِحَّ؛ لأنَّ لِلْأمَةِ عُرْفًا، بِخِلَافِ العَبْدِ. والأوَّلُ أصَحُّ؛ فإنَّ الأمَةَ إذا كان المُرْتَهِنُ ممَّن يجوزُ وَضْعُها عنده كالعَبْدِ، وإذا كان مُرْتَهِنُ العَبْدِ امْرَأةً لا زَوْجَ لها، فَشَرَطَتْ كونَه عندَها على وَجْهٍ يُفْضِى إلى خَلْوَتِه بها، لم يَجُزْ أيضًا، فاسْتَوَيَا. فصل: والقِسْمُ الثاني، الشُّرُوطُ الفَاسِدَةُ، مثلُ أن يَشْتَرِطَ ما يُنَافِى مُقْتَضَى الرَّهْنِ، نحو أن يَشْتَرِطَ ألَّا يُبَاعَ الرَّهْنُ عندَ حُلُولِ الحَقِّ، أو لا يُسْتَوْفَى الدَّيْنُ من ثَمَنِه، أو لا يُبَاعَ ما خِيفَ تَلَفُه، أو بَيْعَ الرَّهْنِ بأى ثَمَنٍ كان، أو أن لا يَبِيعَهُ إلِّا بما يُرْضِيهِ. فهذه شُرُوطٌ فاسِدَةٌ؛ لِمُنَافَاتِها مُقْتَضَى العَقْدِ، فإنَّ المَقْصُودَ مع الوَفَاءِ بهذه الشُّرُوطِ مَفْقُودٌ. وكذلك إن شَرَطَ الخِيَارَ لِلرَّاهِنِ، أو أن لا يكونَ العَقْدُ لَازِمًا فى حَقِّه، أو تَوْقِيتَ الرَّهْنِ، أو أن يكون رَهْنًا يَوْمًا ويَوْمًا لا (٢٠)، أو كَوْنَ الرَّهْنِ فى يَدِ الرَّاهِنِ، أو أن يَنْتَفِعَ به، أو يَنْتَفِعَ به المُرْتَهِنُ، أو كَوْنَه مَضْمُونًا على المُرْتَهِنِ أو العَدْلِ، فهذه كلها فَاسِدَةٌ؛ لأنَّ منها ما يُنَافِى مُقْتَضَى العَقْدِ، ومنها ما لا يَقْتَضِيهِ العَقْدُ، ولا هو من مَصْلَحَتِه. وإن شَرَطَا شَيْئًا منها فى عَقْدِ الرَّهْنِ، فقال القاضى: يَحْتَمِلُ أن يَفْسُدَ الرَّهْنُ بها بكلِّ حال؛ لأنَّ العَاقِدَ إنَّما بَذَلَ مِلْكَه بهذا الشَّرْطِ، فإذا لم يُسَلَّمْ له، لم يَصِحَّ العَقْدُ، لِعَدَمِ الرِّضَى به بدُونِه. وقيل: إن شَرَطَ الرَّهْنَ مُؤَقَّتًا، أو رَهَنَهُ يَوْمًا ويَوْمًا لا، فَسَدَ الرَّهْنُ. وهل يَفْسُدُ بِسَائِرِهَا؟ على وَجْهَيْنِ،

стр. 3117

بنَاءً على الشُّرُوطِ الفاسِدَةِ فى البَيْعِ. ونَصَرَ أبو الخَطَّابِ فى "رُءُوسِ المَسَائِلِ" صِحَّتَهُ، وبه قال أبو حنيفةَ، لأنَّ النَّبِيَّ ﷺ قال: "لا يَغْلَقُ الرَّهْنُ" (٢١) وهو مَشْرُوطٌ فيه شَرْطٌ فاسِدٌ. ولم يُحْكَمْ بِفَسَادِه. وقيل: ما يَنْقُصُ حَقَّ المُرْتَهِنِ يُبْطِلُه، وَجْهًا واحِدًا، وما لا فعلى وَجْهَيْنِ، وهذا مذهبُ الشَّافِعِيِّ؛ لأنَّ المُرْتَهِنَ شُرِطَتْ له زِيَادَةٌ لم تَصِحَّ له، فإذا فَسَدَتِ الزِّيَادَةُ لم يَبْطُلْ أَصْلُ الرَّهْنِ. فصل: وإن شَرَطَ أنَّه مَتَى حَلَّ الحَقُّ ولم يُوَفِّنِى، فالرَّهْنُ لى بالدَّيْنِ. أو: فهو مَبِيعٌ لى بالدَّيْنِ الذى عليكَ. فهو شَرْطٌ فَاسِدٌ. رُوِىَ ذلك عن ابنِ عمرَ، وشُرَيْحٍ، والنَّخَعِيِّ، ومالِكٍ، والثَّوْرِيِّ، والشَّافِعِيِّ، وأصْحابِ الرَّأْىِ. لا نَعْلَمُ أحَدًا خَالَفَهُم. والأصْلُ فى ذلك ما رَوَى مُعاوِيَةُ بن عبدِ اللهِ بن جعفرٍ، قال: قال رسولُ اللهِ ﷺ : "لا يَغْلَقُ الرَّهْنُ". رَوَاهُ الأَثْرَمُ (٢٢). قال الأَثْرَمُ: قلتُ لأحمدَ: ما مَعْنَى قَوْله: "لا يَغْلَقُ الرَّهْنُ"؟ قال: لا يَدْفَعُ رَهْنًا إلى رَجُلٍ، ويقولُ: إن جِئْتُكَ بالدَّرَاهِم إلى كذا وكذا، وإلَّا فالرَّهْنُ لك. قال ابنُ المُنْذِرِ: هذا مَعْنَى قَوْلِه: "لا يَغْلَقُ الرَّهْنُ" عند مالِكٍ، والثَّوْرِيِّ، وأحمدَ. وفى حَدِيثِ مُعاوِيَةَ بن عبد اللهِ بن جعفرٍ، أنَّ رَجُلًا رَهَنَ دارًا بالمَدِينَةِ إلى أجَلٍ مُسَمًّى، فمَضَى الأَجَلُ، فقال الذى ارْتَهَنَ: مَنْزِلِى. فقال النَّبِيُّ ﷺ : "لا يَغْلَقُ الرَّهْنُ". ولأنَّه عَلَّقَ البَيْعَ على شَرْطٍ، فإنَّه جَعَلَهُ مَبِيعًا بِشَرْطِ أن لا يُوَفِّيَه الحَقَّ فى مَحلِّه، والبَيْعُ المُعَلَّقُ بِشَرْطٍ لا يَصِحُّ، وإذا شَرَطَ هذا الشَّرْطَ فَسَدَ الرَّهْنُ. ويَتَخَرَّجُ أنْ لا يَفْسُدَ، لما ذَكَرْنَا فى سَائِرِ الشُّرُوطِ الفَاسِدَةِ، وهذا ظَاهِرُ قولِ أبي الخَطَّابِ، فى "رُءُوسِ الْمَسَائِلِ"، واحْتَجَّ بقولِ النَّبِيِّ ﷺ : "لا يَغْلَقُ الرَّهْنُ". فنَفَى غَلْقَه دُونَ أصْلِه، فيَدُلُّ على صِحَّتِه، ولأن الرَّاهِنَ قد رَضِىَ بِرَهْنِه مع هذا الشَّرْطِ، فمع بُطْلَانِه أوْلَى أن يَرْضَى به. ولَنا،

стр. 3118

أنَّه رَهْنٌ بِشَرْطٍ فَاسِدٍ، فكان فَاسِدًا، كما لو شَرَطَ تَوْفِيَتَه، وليس فى الخَبَرِ أنَّه شَرَطَ ذلك فى ابْتِدَاءِ العَقْدِ، فلا يكونُ فيه حُجَّةٌ. فصل: ولو قال الغَرِيمُ: رَهَنْتُكَ عَبْدِى هذا، على أن تَزِيدَنِى فى الأَجَلِ. كان بَاطِلًا؛ لأنَّ الأجَلَ لا يَثْبتُ فى الدَّيْنِ، إلَّا أن يكونَ مَشْرُوطًا فى عَقْدٍ وَجَبَ به، فإذا لم يَثْبُتِ الأَجَلُ، لم يَصِحَّ الرَّهْنُ، لأنَّه جَعَلَهُ فى مُقَابَلَتِه، ولأنَّ ذلك يُضَاهِى رِبَا الجَاهِلِيَّةِ، كانوا يَزِيدُونَ فى الدَّيْنِ لِيَزْدَادُوا فى الأَجَلِ. فصل: إذا كان له على رَجُلٍ أَلْفٌ، فقال: أقْرِضْنِى ألْفًا، بشَرْطِ أن أَرْهَنَكَ عَبْدِى هذا بالأَلْفَيْنِ. فنَقَلَ حَنْبَلٌ، عن أحمدَ، أنَّ القَرْضَ باطِلٌ. وهو مذهبُ الشَّافِعِيِّ؛ لأنَّه قَرْضٌ يَجُرُّ مَنْفَعَةً، وهو الاسْتِيثَاقُ بالأَلْفِ الأوَّلِ. وإذا بَطَلَ القَرْضُ بَطَلَ الرَّهْنُ. فإنْ (٢٣) قيل: أليس لو شَرَطَ أنَّه يُعْطِيَه رَهْنًا بما يَقْتَرِضُه جازَ؟ قُلْنا: ليس هذا قَرْضًا جَرَّ مَنْفَعَةً؛ لأنَّ غَايَةَ ما حَصَلَ له تَأْكِيدُ الاسْتِيفَاءِ لِبَدَلِ ما أقْرَضَهُ، وهو مِثْلُه، والقَرْضُ يَقْتَضِى وُجُوبَ الوَفَاءِ، وفى مَسْأَلَتِنَا شَرَطَ فى هذا القَرْضِ الاسْتِيثَاقَ لِدَيْنِه الأوَّل، فقد شَرَطَ اسْتِيثَاقًا لغيرِ مُوجِبِ القَرْضِ. ونَقَلَ مُهَنَّا أنَّ القَرْضَ صَحِيحٌ. ولعلَّ أحمدَ حَكَمَ بِصِحَّةِ القَرْضِ مع فَسَادِ الشَّرْطِ، كيلا يُفْضِى إلى جَرِّ المَنْفَعَةِ بالقَرْضِ، أو حَكَمَ بِفَسَادِ الرَّهْنِ فى الأَلْفِ الأَوَّلِ وَحْدَه، وصَحَّحَهُ فيما عَداهُ. ولو كان مكان القَرْضِ بَيْعٌ، فقال: بِعْنِى عَبْدَكَ هذا بأَلْفٍ، على أن أرْهَنَكَ عَبْدِى به وبالأَلْفِ الآخَرِ الذى عَلَيَّ. فالبَيْعُ بَاطِلٌ، رِوَايَةً واحِدَةً؛ لأنَّ الثَّمَنَ مَجْهُولٌ، فإنَّه جَعَلَ الثَّمنَ أَلْفًا ومَنْفَعَةً هى وَثِيقَةٌ بالأَلْفِ الأَوَّلِ، وتلك المَنْفَعَةُ مَجْهُولَةٌ، ولأنَّه شَرَطَ عَقْدَ الرَّهْنِ بالأَلْفِ الأوَّلِ، فلم يَصِحَّ، كما لو أفْرَدَهُ، أو كما لو بَاعَهُ دَارَه بِشَرْطِ أن يَبِيعَه الآخَرُ دَارَهُ.

стр. 3119

فصل: وإذا فَسَدَ الرَّهْنُ، وقَبَضَهُ المُرْتَهِنُ، لم يَكُنْ عليه ضَمَانُه؛ لأنَّه قَبَضَه بحُكْمِ أنَّه رَهْنٌ، وكل عَقْدٍ كان صَحِيحُه غيرَ مَضْمُونٍ، أو مَضْمُونًا، ففَاسِدُه كذلك. فإن كان مُؤَقَّتًا، أو شَرَطَ أنَّه يَصِيرُ لِلْمُرْتَهِنِ بعدَ انْقِضَاءِ مُدَّتِه، صارَ بعدَ ذلك مَضْمُونًا؛ لأنَّه مَقْبُوضٌ بحُكْمِ بَيْعٍ فاسِدٍ، وحُكْمُ الفَاسِدِ من العُقُودِ حُكْمُ الصَّحِيحِ فى الضَّمَانِ. فإن كان أرْضًا فَغَرَسَها قبلَ انْقِضَاءِ الأَجَلِ، فهو كغَرْسِ الغَاصِبِ؛ لأنَّه غَرْسٌ (٢٤) بغيرِ إذْنٍ، وإن غَرَسَ بعدَ الأَجَلِ، وكان قد شَرَطَ أن الرَّهْنَ يَصِيرُ له، فقد غَرَسَ بإِذْنٍ؛ لأنَّ البَيْعَ وإن كان فَاسِدًا، فقد تَضَمَّنَ الإذْنَ فى التَّصَرُّفِ، فيكونُ الرَّاهِنُ مُخَيَّرًا بين ثلاثةِ أشياء؛ بين أن يُقِرَّ غَرْسَه له، وبينَ أخْذِهِ بِقِيمَتِه، وبينَ أن يُجْبِرَه على قَلْعِه، ويَضْمَنَ له ما نَقَصَ. ٧٩٤ - مسألة؛ قال: (وَلَا يَنْتَفِعُ الْمُرْتَهِنُ مِنَ الرَّهْنِ بِشَىْءٍ، إلَّا مَا كَانَ مَرْكُوبًا أَوْ مَحْلُوبًا، فيَرْكَبُ ويَحْلُبُ بِقَدْرِ (١) العَلَفِ) الكَلامُ فى هذه المَسْأَلَةِ فى حَالَيْنِ (٢)؛ أحَدِهما، ما لا يَحْتَاجُ إلى مُؤْنَةٍ، كالدَّارِ والمَتَاعِ ونحوِه، فلا يجوزُ لِلْمُرْتَهِنِ الانتِفَاعُ به بغيرِ إذْنِ الرَّاهِنِ بحالٍ. لا نَعْلَمُ فى هذا خِلَافًا؛ لأنَّ الرَّهْنَ مِلْكُ الرَّاهِنِ، فكذلك نَمَاؤُه ومَنَافِعُه، فليس لغيره أخْذُها بغير إذْنِه، فإن أذِنَ الرَّاهِنُ لِلْمُرْتَهِنِ فى الانْتِفَاعِ بغيرِ عِوَضٍ، وكان دَيْنُ الرَّهْنِ من قَرْضٍ، لم يَجُزْ؛ لأنَّه يُحَصِّلُ قَرْضًا يَجُرُّ مَنْفَعَةً، وذلك حَرَامٌ. قال أحمدُ: أكْرَهُ قَرْضَ الدُّورِ، وهو الرِّبَا المَحْضُ. يعنى: إذا كانت الدَّارُ رَهْنًا فى قَرْضٍ يَنْتَفِعُ بها المُرْتَهِنُ. وإن كان الرَّهْنُ بِثَمَنِ مَبِيعٍ، أو أَجْرِ دَارٍ، أو دَيْنٍ غير القَرْضِ، فأَذِنَ له الرَّاهِنُ فى الانْتِفَاعِ، جَازَ ذلك. رُوِىَ ذلك عن الحسنِ، وابنِ سِيرِينَ، وبه قال إسْحاقُ. فأمَّا إن كان الانْتِفَاعُ بِعِوَضٍ، مثل إن اسْتَأْجَرَ المُرْتَهِنُ الدَّارَ من الرَّاهِنِ بأُجْرَةِ (٣) مِثْلِها، من غير مُحَابَاةٍ، جَازَ فى القَرْضِ

стр. 3120

وغيرِه، لِكَوْنِه ما انْتَفَعَ بالقَرْضِ، بل بالإِجارَةِ، وإن حابَاهُ فى ذلك فحُكْمُه حُكْمُ الانْتِفَاعِ بغيرِ عِوَضٍ، لا يجوزُ فى القَرْضِ، ويجوزُ فى غيرِه. ومتى اسْتَأْجَرَها المُرْتَهِنُ، أو اسْتَعَارَها، فظَاهِرُ كلامِ أحمدَ أنَّها تَخْرُجُ عن كَوْنِها رَهْنًا، فمتى انْقَضَتِ الإِجَارَةُ، أو العَارِيَّةُ، عَادَ الرَّهْنُ بحالِه. قال أحمدُ، فى رِوَايَةِ الحسنِ بن ثَوَابٍ [عن أحْمَدَ] (٤). إذا كان الرَّهْنُ دَارًا، فقال المُرْتَهِنُ: اسْكُنْها بكِرَائِها، وهى وَثِيقَةٌ بِحَقِّى. يَنْتَقِلُ فيَصِيرُ دَيْنًا، ويَتَحَوَّل عن الرَّهْنِ. وكذلك إن أكْرَاها لِلرَّاهِنِ، قال أحمدُ، فى رِوَايَةِ ابن منصورٍ: إذا ارْتَهَنَ دَارًا، ثمَّ أكْرَاهَا لِصَاحِبِها، خَرَجَتْ من الرَّهْنِ، فإذا رَجَعَتْ إليه صَارَتْ رَهْنًا. والأَوْلَى أَنَّها لا تَخْرُجُ عن الرَّهْنِ، إذا اسْتَأْجَرَها المُرْتَهِنُ، أو اسْتَعَارَها؛ لأنَّ القَبْضَ مُسْتَدامٌ، ولا تَنَافِىَ بين العَقْدَيْنِ، وكَلامُ أحمدَ فى رِوَايَةِ الحَسَنِ بن ثَوَابٍ، مَحْمُولٌ على أَنَّه أذِنَ للرَّاهِنِ فى سُكْنَاها، كما في رِوايَةِ ابن منصورٍ؛ لأنَّها خَرَجَتْ عن يَدِ المُرْتَهِنِ، فزَالَ اللُّزُومُ لِزَوَالِ اليَدِ، بخِلَافِ ما إذا سَكَنَها المُرْتَهِنُ. ومتى اسْتَعَارَ المُرْتَهِنُ الرَّهْنَ صَارَ مَضْمُونًا عليه. وبهذا قال الشَّافِعِيُّ. وقال أبو حنيفةَ: لا ضَمَانَ عليه. ومَبْنَى ذلك على العَارِيَّةِ، فإنَّها عِنْدَنَا مَضْمُونَةٌ، وعِنْدَهُ غيرُ مَضْمُونَةٍ. فصل: فإن شَرَطَ فى الرَّهْنِ أن يَنْتَفِعَ به المُرْتَهِنُ، فالشَّرْطُ فَاسِدٌ؛ لأنَّه يُنَافِى مُقْتَضَى الرَّهْنِ. وعن أحمدَ، أنَّه يجوزُ فى المَبِيعِ. قال القاضى: مَعْنَاهُ أن يقولَ: بِعْتُكَ هذا الثَّوْبَ بِدِينَارٍ، بِشَرْطِ أن تَرْهَنَنِى (٥) عَبْدَكَ يَخْدِمُنِى شَهْرًا. فيكونُ بَيْعًا وإِجَارَةً، فهو صَحِيحٌ. وإن أطْلَقَ، فالشَّرْطُ باطِلٌ؛ لِجَهَالَةِ ثَمَنِه. وقال مالِكٌ: لا بَأْسَ أن يَشْتَرِطَ فى البَيْعِ مَنْفَعَةَ الرَّهْنِ إلى أجَلٍ فى الدُّورِ والأَرَضِينَ، وكَرِهَهُ فى الحَيَوانِ والثِّيابِ، وكَرِهَهُ فى القَرْضِ. ولَنا، أنَّه شَرَطَ فى الرَّهْنِ ما يُنَافِيه، فلم يَصِحَّ، كما لو شَرَطَهُ فى القَرْضِ.

стр. 3121

فصل: الحال الثانى، ما يَحْتَاجُ فيه إلى مُؤْنَةٍ، فَحُكْمُ المُرْتَهِنِ فى الانْتِفَاعِ به، بِعِوَضٍ أو بغير عِوَضٍ، بإذْنِ الرَّاهِنِ، كالقِسْمِ الذى قبلَه. وإن أَذِنَ له فى الإِنْفَاقِ والانْتِفَاعِ بِقَدْرِه، جَازَ؛ لأنَّه نَوْعُ مُعَاوَضَةٍ. وأمَّا مع عَدَمِ الإِذْنِ، فإن الرَّهْنَ يَنْقَسِمُ قِسْمَيْنِ؛ مَحْلُوبًا ومَرْكُوبًا، وغيرَهما، فأمَّا المَحْلُوبُ والمَرْكُوبُ، فلِلْمُرْتَهِنِ أن يُنْفِقَ عليه، ويَرْكَبَ، ويَحْلُبَ، بِقَدْرِ نَفَقَتِه، مُتَحَرِّيًا لِلْعَدْلِ فى ذلك. ونَصَّ عليه أحمدُ، فى رِوَايَةِ محمدِ بن الحَكَمِ، وأحمدَ بن القاسِمِ، واخْتَارَهُ الخِرَقِىُّ، وهو قولُ إسحَاقَ. وسواء أنفَقَ مع تَعَذُّرِ النَّفَقَةِ من الرَّاهِنِ، لِغَيْبَتِه، أو امْتِنَاعِه من الإِنْفَاقِ، أو مع القُدْرَةِ على أخْذِ النَّفَقَةِ من الرَّاهِنِ، واسْتِئْذَانِه. وعن أحمدَ رِوَايَةٌ أُخْرَى، لا يُحْتَسَبُ له بما أنْفَقَ، وهو مُتَطَوِّعٌ بها، ولا يَنْتَفِعُ من الرَّهْنِ بشىءٍ. وهذا قولُ أبى حنيفةَ، ومالِكٍ، والشَّافِعِىِّ؛ لقولِ النَّبِىّ ﷺ : "الرَّهْنُ مِنْ رَاهِنِهِ، لَهُ غُنْمُه، وعَلَيْهِ غرْمُهُ" (٦). ولأنه مِلْكُ غيرِه لم يَأْذَنْ له فى الانْتِفَاعِ به، ولا الإِنْفَاقِ عليه. فلم يكُنْ له ذلك، كغيرِ الرَّهْنِ. ولَنا، ما رَوَى البُخَارِىُّ، وأبو دَاوُدَ، والتِّرمِذِىُّ، عن أبى هُرَيْرَةَ، رَضِىَ اللَّه عنه، قال: قال رسولُ اللَّه ﷺ : "الرَّهْنُ (٧) يُرْكَبُ بِنَفَقَتِه إذَا كَانَ مَرْهُونًا، وَلَبَنُ الدّرِّ يُشْرَبُ بِنَفَقَتِهِ إذَا كَانَ مَرْهُونًا، عَلَى الَّذِى يَرْكَبُ ويَشْرَبُ النَّفَقَةُ". فجَعَلَ مَنْفَعَتَه بِنَفَقَتِه، وهذا محَلُّ النِّزَاعِ، فإن قِيلَ: المُرَادُ به أنَّ الرَّاهِنَ يُنْفِقُ ويَنْتَفِعُ. قُلْنا: لا يَصِحُّ لِوَجْهَيْنِ؛ أحَدِهما، أنَّه قد رُوِىَ فى بعضِ الألْفَاظِ: "إذَا كَانَتِ الدَّابَّةُ مَرْهُونَةً، فَعَلى المُرْتَهِنِ عَلْفُها، ولَبَنُ الدّرِّ يُشْرَبُ، وَعَلَى الَّذِى يَشْرَبُ ويَرْكَبُ نَفَقَتُه". فجَعَلَ المُنْفِقَ

стр. 3122

المُرْتَهِنَ، فيكونُ هو المُنْتَفِعَ. والثانى، أنَّ قولَه: "بِنَفَقَتِه" يُشِيرُ إلى أنَّ الانْتِفَاعَ عِوَضُ النَّفَقَةِ، وإنَّما ذلك حَقُّ المُرْتَهِن، أمَّا الرَّاهِنُ فإنْفَاقُه وانْتِفَاعُه لا بِطرِيقِ المُعَاوَضَةِ لأحَدِهِما بالآخَرِ، ولأنَّ نَفَقَةَ الحَيَوانِ وَاجِبَةٌ، ولِلْمُرْتَهِنِ حَقٌّ قد أمْكَنَهُ اسْتِيفَاءُ حَقِّه مِن نَمَاءِ الرَّهْنِ، والنِّيَابَةِ عن المالِكِ فيما وَجَبَ عليه واسْتِيفَاءِ ذلك من مَنَافِعِه، فجازَ ذلك، كما يجوزُ لِلْمَرْأَةِ أَخْذُ مُؤْنَتِها من مَالِ زَوْجِها عند امْتِنَاعِه بغير إذْنِه، والنِّيَابَةُ عنه فى الإِنْفَاقِ عليها، والحَدِيثُ نَقُولُ: والنَّمَاءُ للرَّاهِنِ، ولكنْ لِلْمُرْتَهِنِ وِلَايَةُ صَرْفِها إلى نَفَقَتِه، لِثُبُوتِ يَدِه عليه ووِلايَتِه، وهذا فى مَن أَنْفَقَ مُحْتَسِبًا بالرُّجُوعِ، فأمَّا إن أنْفَقَ مُتَبَرِّعًا بغيرِ نِيَّةِ الرُّجُوعِ، لم يَنْتَفِعْ به، رِوَايَةً واحِدَةً. فصل: وأمَّا غيرُ المَحْلُوبِ والمَرْكُوبِ، فيَتَنَوَّعُ نَوْعَيْنِ؛ حَيَوَانٌ، وغيرُه، فأمَّا الحَيَوانُ كالعَبْدِ والأَمَةِ ونحوِهما، فهل لِلْمُرْتَهِنِ أن يُنْفِقَ ويَسْتَخْدِمَهُ بِقَدْرِ نَفَقَتِه؟ ظَاهِرُ المذهبِ أنَّه لا يجوزُ. ذَكَرَها الخِرَقِىُّ، ونَصَّ عليه أحمدُ، فى رِوَايةِ الأَثْرَمِ. قال: سَمِعْتُ أبا عبدِ اللَّه يُسْأَلُ عن الرَّجُلِ يَرْهَنُ العَبْدَ، فَيَسْتَخْدِمُه، فقال: الرَّهْنُ لا يُنْتَفَعُ منه بشىءٍ، إلَّا حَدِيثَ أبى هُرَيْرَةَ خَاصَّةً فى الذى يُرْكَبُ ويُحْلَبُ ويُعْلَفُ. قلت له: فإن كان اللَّبَنُ والرُّكُوبُ أكْثَرَ؟ قال: لا إلَّا بِقَدْرٍ. ونَقَلَ حَنْبَلٌ، عن أحمدَ، أنَّ له اسْتِخْدَامَ العَبْدِ أيضا -وبه قال أبو ثَوْرٍ- إذا امْتَنَعَ المالِكُ منَ الإنْفَاقِ عليه. قال أبو بكرٍ: خَالَفَ حَنْبَلٌ الجَمَاعَةَ، والعَمَلُ على أنَّه لا ينْتَفِعُ من الرَّهْنِ بشىءٍ، إلَّا ما خَصَّهُ الشَّرْعُ به، فإنّ القِيَاسَ يَقْتَضِى أن لا يَنْتَفِعَ بشىءٍ منه، تَرَكْنَاهُ فى المَرْكُوبِ والمَحْلُوبِ لِلأَثَرِ، ففيما عَداهُ يَبْقَى على مُقْتَضَى القِيَاسِ. النَّوْعُ الثانى، غيرُ الحَيَوانِ، كدارٍ اسْتَهْدَمَتْ، فعَمَرَهَا المُرْتَهِنُ، لم يَرْجِعْ بشىءٍ. رِوَايَةً واحِدَةً. وليس له الانْتِفَاعُ بها بِقَدْرِ نَفَقَتِه، فإنَّ عِمَارَتَها غيرُ وَاجِبَةٍ على الرَّاهِنِ، فليس لغيرِه أن يَنُوبَ عنه فيما لا يَلْزَمُه، فإن فَعَلَ كان مُتَبَرِّعًا، بخِلَافِ الحَيَوانِ، فإنه يَجِبُ على مَالِكِه الإنْفَاقُ عليه، لِحُرْمَتِه فى (٨) نَفْسِه.

стр. 3123

فصل: فأمَّا الحَيَوانُ، إذا أَنْفَقَ عليه مُتَبَرِّعًا، لم يَرْجِعْ بشىءٍ؛ لأنَّه تَصَدَّقَ به، فلم يَرْجِعْ بِعِوَضِه، كما لو تَصَدَّقَ على مِسْكِينٍ. وإن نَوَى الرُّجُوعَ على مَالِكِه، وكان ذلك بإذْنِ المالِكِ، رَجَعَ عليه؛ لأنَّه نَابَ عنه فى الإِنْفَاقِ بإِذْنِه، فكانتِ النَّفَقَةُ على المالِكِ، كما لو وَكَّلَهُ فى ذلك، وإن كان بغيرِ إِذْنِه، فهل يَرْجِعُ عليه؟ يُخَرَّجُ على رِوَايَتَيْنِ، بنَاءً على ما إذا قَضَى دَيْنَه بغيرِ إِذْنِه؛ لأنَّه نَابَ عنه فيما يَلْزَمُه. وقال أبو الخَطَّابِ: إن قَدَرَ على اسْتِئْذَانِه فلم يَسْتَأْذِنْهُ، فهو مُتَبَرِّعٌ، لا يَرْجِعُ بشىءٍ، وإن عَجَزَ عن اسْتِئْذَانِه، فعلى رِوَايَتَيْنِ، وكذلك الحُكْمُ فيما إذا مَاتَ العَبْدُ المَرْهُونُ فكَفَنَه. والأوَّلُ أقْيَسُ فى المَذْهَبِ؛ إذْ لا يُعْتَبَرُ فى قَضَاءِ الدَّيْنِ العَجْزُ عن اسْتِئْذَانِ الغَرِيمِ. فصل: وإذا انْتَفَعَ المُرْتَهِنُ بالرَّهْنِ، بِاسْتِخْدَامٍ، أو رُكُوبٍ، أو لُبْسٍ، أو اسْتِرْضَاعٍ، أو اسْتِغْلَالٍ، أو سُكْنَى، أو غيرِه، حُسِبَ من دَيْنِه بِقَدْرِ ذلك. قال أحمدُ: يُوضَعُ عن الرَّاهِنِ بِقَدْرِ ذلك؛ لأنَّ المَنَافِعَ مِلْكُ الرَّاهِنِ، فإذا اسْتَوْفَاهَا فعليه قِيمَتُها فى ذِمَّتِه لِلرَّاهِنِ، فيَتَقاصُّ القِيمَةَ وقَدْرَها من الدَّيْنِ، ويَتَسَاقَطَانِ. ٧٩٥ - مسألة؛ قال: (وغَلَّةُ الدَّارِ، وخِدْمَةُ العَبْدِ، وحَمْلُ الشَّاةِ وغَيْرِهَا، وثَمَرَةُ الشَّجَرَةِ المَرْهُونَةِ، مِنَ الرَّهْنِ) أرَادَ بِغَلَّةِ الدَّارِ أَجْرَهَا. وكذلك خِدْمَة العَبْدِ. وجُمْلَةُ ذلك أنَّ نَمَاءَ الرَّهْنِ جَمِيعَه وغَلَّاتَهُ تكونُ رَهْنًا فى يَدِ مَن الرَّهْنُ فى يَدِه، كالأصْلِ. وإذا احْتِيجَ إلى بَيْعِه فى وَفَاءِ الدَّيْنِ، بِيعَ مع الأَصْلِ، سَواءٌ فى ذلك المُتَّصِلُ، كالسِّمَنِ والتَّعَلُّمِ، والمُنْفَصِلُ كالكَسْبِ والأُجْرَةِ والوَلَدِ والثَّمَرةِ واللَّبَنِ والصُّوفِ والشَّعْرِ. وبنحو هذا قال النَّخَعِىُّ، والشَّعْبِىُّ. وقال الثَّوْرِىُّ، وأصْحَابُ الرَّأْىِ: فى النَّمَاءِ يَتْبَعُ، وفى الكَسْبِ لا يَتْبَعُ؛ لأنَّ الكَسْبَ فى حُكْمِ الكِتَابَةِ والاسْتِيلَادِ والتَّدْبِيرِ، فلا يَتْبَعُ فى الرَّهْنِ، كأعْيَانِ مالِ الرَّاهِنِ. وقال مَالِكٌ: يَتْبَعُ الوَلَدُ فى الرَّهْنِ خاصَّةً، دونَ سَائِر النَّماءِ؛ لأنَّ الوَلَدَ يَتْبَعُ الأَصْلَ فى الحُقُوقِ الثَّابِتَةِ، كوَلَدِ أُمِّ الوَلَدِ. وقال الشَّافِعِىُّ،

стр. 3124

وأبو ثَوْرٍ، وابنُ المُنْذِرِ: لا يَدْخُلُ فى الرَّهْنِ شىءٌ من النَّمَاءِ المُنْ فَصِلِ ، ولا من الكَسْبِ؛ لأنَّه حَقٌّ تَعَلَّقَ بالأَصْلِ، يُسْتَوْفَى من ثَمَنِه، فلا يَسْرِى إلى غيرِه، كحَقِّ الجِنَايَةِ. قال الشَّافِعىُّ: ولو رَهَنَهُ ماشيةً مَخَاضًا، فَنُتِجَتْ، فالنَّتَاجُ خَارِجٌ من الرَّهْنِ. وخَالَفَهُ أبو ثَورٍ، وابنُ المُنْذِرِ. ومن حُجَّتِهِم أيضا قولُ النَّبِىِّ ﷺ : "الرَّهْنُ مِنْ رَاهِنِه، لَهُ غُنْمُه، وعَلَيْهِ غُرْمُه" (١). والنَّمَاءُ غُنْمٌ، فيكونُ لِلرَّاهِنِ. ولأنَّها عَيْنٌ من أَعْيَانِ مِلْكِ الرَّاهِنِ، لم يَعْقِدْ عليها عَقْدَ رَهْنٍ، فلم تَكُنْ رَهْنًا، كسَائِر مَالِه. ولَنا، أنَّه حُكْمٌ يَثْبُتُ فى العَيْنِ بِعَقْدِ المالِكِ، فيَدْخُلُ فيه النَّمَاءُ والمَنَافِعُ، كالمِلْكِ بِالبَيْعِ وغيرِه، ولأنَّ النَّمَاءَ نَمَاءٌ حَادِثٌ من عَيْنِ الرَّهْنِ، فيَدْخُلُ فيه، كالمُتَّصِلِ، ولأنَّه حَقٌّ مُسْتَقِرٌّ فى الأُمِّ، ثَبَتَ بِرِضَى المالِكِ، فيَسْرِى إلى الوَلَدِ، كالتَّدْبِيرِ والاسْتِيلَادِ. لَنا على مالِكٍ، أنَّه نَمَاءٌ حَادِثٌ من عَيْنِ الرَّهْنِ، فسَرَى إليه حُكْمُ الرَّهْنِ، كالوَلَدِ. وعلى أبى حنيفةَ؛ أنَّه عَقْدٌ يَسْتَتْبِعُ النَّمَاء، فاسْتَتْبَعَ الكَسْبَ، كالشِّرَاءِ. فأمَّا الحَدِيثُ. فنقُولُ به، وأنَّ غُنْمَهُ ونَمَاءَهُ وكَسْبَهُ لِلرَّاهِنِ، لكنْ يَتَعَلَّقُ به حَقُّ الرَّهْنِ، كالأَصْلِ، فإنَّه لِلرَّاهِنِ، والحَقُّ مُتَعَلِّقٌ به، والفَرْقُ بينه وبين سَائِرِ مَالِ الرَّاهِنِ، أنَّه تَبَعٌ، فثَبَتَ له حُكْمُ أَصْلِه. وأمَّا حَقُّ الجِنَايَةِ، فإنَّه ثَبَتَ بغيرِ رِضَى المالِكِ، فلم يَتَعَدَّ ما ثَبَتَ فيه، ولأنَّه جَزَاءُ عُدْوَانٍ، فَاخْتصَّ الجانِى كالقِصَاصِ، ولأنَّ السِّرايَةَ فى الرَّهْنِ لا تُفْضِى إلى اسْتِيفَاءِ أكْثَرَ من دَيْنِه، فلا يَكْثُرُ الضَّرَرُ فيه. فصل: وإذا ارْتَهَنَ أرْضًا، أو دَارًا، أو غيرَهما، تَبِعَهُ فى الرَّهْنِ ما يَتْبَعُ فى البَيْعِ، فإن كان فى الأرْضِ شَجَرٌ، فقال: رَهَنْتُكَ هذه الأرْضَ بِحُقُوقِها. أو ذَكَرَ ما يَدُلُّ على أن الشَّجَرَ فى الرَّهْنِ، دَخَلَ فيه، وإن لم يَذْكُرْ ذلك، فهل يَدْخُلُ الشَّجَرُ فى الرَّهْنِ؟ على وَجْهَيْنِ، بنَاءً على دُخُولِه فى البَيْعِ. وإن رَهَنَهُ شَجَرًا مُثْمِرًا، وفيه

стр. 3125

ثَمَرَةٌ ظَاهِرَةٌ، لم تَدْخُلْ فى الرَّهْنِ، كما لا تَدْخُلُ فى البَيْعِ، وإن لم تكُنْ ظَاهِرَةً دَخَلَتْ. وقال الشَّافِعِىُّ: لا تَدْخُلُ الثَّمَرةُ فى الرَّهْنِ بحالٍ. وقال أبو حنيفةَ: تَدْخُلُ بكلِّ حالٍ؛ لأنَّ الرَّهْنَ عندَه لا يَصِحُّ على الأُصُولِ دُونَ الثَّمَرةِ، وقد قَصَدَ إلى عَقْدٍ صَحِيحٍ، فتَدْخُلُ الثَّمرَةُ ضَرُورَةَ الصِّحَّةِ. ولَنا، أن الثَّمَرَةَ المُؤَبَّرَةَ لا تَدْخُلُ فى البَيْعِ، مع قُوَّتِه، وإزَالَتِه لِمِلْكِ البائِعِ، فالرَّهْنُ مع ضَعْفِه أوْلَى، وعلى الشَّافِعِىِّ، أنَّه عَقْدٌ على الشَّجَرَةِ، فاسْتَتْبَعَ الثمَرةَ غيرَ المُؤَبَّرَةِ، كالبَيْعِ، ويَدْخُلُ فى الرَّهْنِ الصُّوفُ واللَّبَنُ المَوْجُودَانِ، كما يَدْخُلُ فى البَيْعِ، وكذلك الحمْلُ وسَائِرُ البَيْعِ فى ما بِيعَ؛ لأنَّه عَقْدٌ وارِدٌ على العَيْنِ، فدَخَلَتْ فيه هذه التَّوَابعُ، كالبَيْعِ، ولو كان الرَّهْنُ دَارًا فَخَرِبَتْ، كانت أنْقَاضُها رَهْنًا؛ لأنَّها من أجْزَائِها، ولو كانت مَرْهُونَةً قبلَ خَرَابِها، ولو رَهَنَهُ أَرْضًا، فنَبَتَ فيها شَجَرٌ، فهو من الرَّهْنِ، سواءٌ نَبَتَ بِفِعْلِ الرَّاهِنِ، أو بِفِعْلِ غيرِه؛ لأنَّه مِن نَمَائِها. فصل: وليس لِلرَّاهِنِ الانْتِفَاعُ بالرَّهْنِ، بِاسْتِخْدَامٍ، ولا وَطْءٍ، ولا سُكْنَى، ولا غيرِ ذلك. ولا يَمْلِكُ التَّصَرُّفَ فيه، بإجَارَةٍ، [ولا إعَارَةٍ] (٢)، ولا غيرِهما، بغير رِضَى المُرْتَهِنِ. وبهذا قال الثَّوْرِىُّ، وأَصحَابُ الرَّأْى. وقال مالِكٌ، وابنُ أبى لَيْلَى، والشَّافِعِىُّ، وابنُ المُنْذِرِ: لِلرَّاهِنِ إجَارَتُه وإعَارَتُه مُدَّةً لا يَتَأخَّرُ انْقِضَاؤُها عن حُلُولِ الدَّيْنِ. وهل له أن يَسْكُنَ بِنَفْسِه؟ على اخْتِلَافٍ بينهم فيه. وإن كان الرَّهْنُ عَبْدًا، فله اسْتِيفَاءُ مَنَافِعِه بغيرِه. وهل له ذلك بِنَفْسِه؟ على الخِلَافِ. وليس له إجَارَةُ الثَّوْبِ ولا ما يَنْقُصُ بالانْتِفَاعِ. وبَنَوْهُ على أنَّ المَنَافِعَ لِلرَّاهِنِ، لا تَدْخُلُ فى الرَّهْنِ، ولا يَتَعَلَّقُ بها حَقُّهُ. وقد سَبَقَ الكلامُ فى هذا. ولأنَّها عَيْنٌ مَحْبُوسَةٌ، فلم يكُنْ لِلْمَالِكِ الانْتِفَاعُ بها، كالبَيْعِ المَحْبُوسِ عندَ البائِع على اسْتِيفَاءِ ثَمَنِه. أو نقولُ: نَوْعُ انْتِفَاعٍ، فلا يَمْلِكهُ الرَّاهِنُ، كالذى يَنْقُصُ قِيمَةَ الرَّهْنِ. إذا ثَبَتَ هذا فإنَّ المُتَرَاهِنَيْنِ إذا لم يَتَّفِقَا على الانْتِفَاعِ [بها، لم يَجُز الانْتِفَاعُ بها] (٣)، وكانت

стр. 3126

مَنَافِعُها مُعَطَّلَةً، فإن كانت دَارًا أُغْلِقَتْ، وإن كان عَبْدًا أو غيرَه تَعَطَّلَتْ مَنَافِعُه حتى يُفَكَّ الرَّهْنُ. وإن اتَّفَقَا على إجَارَةِ الرَّهْنِ، أو إعَارَتِه، جازَ ذلك. هذا ظاهِرُ كَلَامِ الخِرَقِىِّ؛ لأنَّه جَعَلَ غَلَّةَ الدَّارِ وخِدْمَةَ العَبْدِ رَهْنًا، ولو عُطِّلَتْ مَنَافِعُهُما لم يَكُنْ لهما غَلَّةٌ. وقال ابنُ أبى موسى: إن أَذِنَ الرَّاهِنُ لِلْمُرْتَهِنِ فى إعَارَتِه، أو إِجَارَتِه، جَازَ، والأُجْرَةُ رَهْنٌ، وإن أجَرَهُ الرَّاهِنُ بإِذْنِ المُرْتَهِنِ، خَرَجَ من الرَّهْنِ، فى أحَدِ الوَجْهَيْنِ، والآخَرُ لا يَخْرُجُ، كما لو أجَرَهُ المُرْتَهِنُ. وقال أبو الخَطَّابِ، فى المُشَاعِ: يُؤجِرُه الحاكِمُ لهما. وذكر أبو بكرٍ فى الخِلَافِ، أنَّ مَنَافِعَ الرَّهْنِ تُعَطَّلُ مُطْلَقًا، ولا يُؤْجِرَاهُ. وهذا قولُ الثَّوْرِىِّ، وأصْحابِ الرَّأْىِ. وقالوا: إذا أجَرَ الرَّاهِنُ الرَّهْنَ بإذْنِ المُرْتَهِنِ، كان إخْرَاجًا من الرَّهْنِ، لأنَّ الرَّهْنَ يَقتَضِى حَبْسَه عند المُرْتَهِنِ أو نَائِبِه على الدَّوَامِ، فمتى وُجِدَ عَقدٌ يَسْتَحِقُّ به زَوَالَ الحَبْسِ زَالَ الرَّهْنُ. ولَنا، أنَّ مَقْصُودَ الرَّهْنِ الاسْتِيثَاقُ بالدَّيْنِ، واسْتِيفَاؤُه مِن ثَمَنِه عندَ تَعَذُّرِ اسْتِيفَائِه من ذِمَّةِ الرَّاهِنِ، وهذا لا يُنَافِى الانْتِفَاعَ به، ولا إجَارَتَه، ولا إعَارَتَه، فجازَ اجْتِمَاعُهُما، كانْتِفَاعِ المُرْتَهِنِ به، ولأنَّ تَعْطِيلَ مَنْفعَتِه تَضْييعٌ لِلْمَالِ، وقد نَهَى النَّبِىُّ ﷺ عن [إِضَاعَة المالِ] (٤)، ولأنَّه عَيْنٌ تَعَلَّقَ بها حَقُّ الوَثِيقَةِ، فلم يَمْنَعْ إِجَارَتَها، كالعَبْدِ إذا ضمِنَ بإِذْنِ سَيِّدِه، ولا نُسَلِّمُ أن مُقْتَضَى الرَّهْنِ الحَبْسُ، وإنَّما مُقْتَضَاهُ تَعَلُّقُ الحَقِّ به على وَجْهٍ تَحْصُلُ به الوَثِيقَةُ، وذلك غيرُ مُنَافٍ لِلانْتِفَاعِ به، ولو سَلَّمْنَا أنَّ مُقْتَضَاهُ الحَبْسُ، فلا يَمْنَعُ أن يكونَ المُسْتَأْجِرُ نَائِبًا عنه فى إمْسَاكِه وحَبْسِه، ومُسْتَوْفِيًا لِمَنْفَعَتِه لِنَفْسِه.

стр. 3127

فصل: ولا يُمْنَعُ الرَّاهِنُ من إصْلَاحِ الرَّهْنِ، ودَفْعِ الفَسَادِ عنه، ومُدَاوَاتِه إن احْتَاجَ إليها، فإذا كان الرَّهْنُ مَاشِيَةً فاحْتَاجَتْ إلى إطْرَاقِ الفَحْلِ، فَلِلرَّاهِنِ ذلك؛ لأنَّ فيه مَصْلَحَةً لِلرَّهْنِ، وزِيادَتَهُ، وذلك زِيَادَةٌ فى حَقِّ المُرْتَهِنِ من غير ضَرَرٍ، وإن كانت فُحُولًا لم يَكُنْ لِلرَّاهِنِ إطْرَاقُها بغيرِ رِضَى المُرْتَهِنِ؛ لأنَّه انْتِفَاعٌ لا مَصْلَحَةَ لِلرَّهْنِ فيه، فهو كالاسْتِخْدَامِ، إلَّا أن يَصِيرَ إلى حالٍ يَتَضَرَّرُ بِتَرْكِ الإِطْرَاقِ، فيجوزُ؛ لأنَّه كالمُدَاوَاةِ له. ٧٩٦ - مسألة؛ قال: (ومُؤْنَةُ الرَّهْنِ عَلَى الرَّاهِنِ، وإنْ كَانَ عَبْدًا فمَاتَ، فَعَلَيْهِ كَفَنُه، وَإِنْ كَانَ مِمَّا يُخْزَنُ، فَعَلَيْهِ كِرَاءُ مَخْزَنِهِ) وجملتُه أنَّ مُؤْنَةَ الرَّهْنِ فى (١) طَعَامِه، وكُسْوَتِه، ومَسْكَنِه، وحَافِظِه، وحَرْزِه، ومَخْزَنِه، وغيرِ ذلك على الرَّاهِنِ. وبهذا قال مَالِكٌ، والشَّافِعِىُّ، والعَنْبَرِىُّ، وإسحاقُ. وقال أبو حنيفةَ: أجْرُ المَسْكَنِ والحافِظِ على المُرْتَهِنِ؛ لأنَّه مِن مُؤْنَةِ إمْسَاكِه وارْتهَانِه. ولَنا، قولُ النَّبِىِّ ﷺ : "الرَّهْنُ من رَاهِنِه له غُنْمُه وعليه غُرْمُه" (٢). ولأنَّه نَوْعُ إنْفَاقٍ، فكان على الرَّاهِنِ، كالطَّعَامِ، ولأنَّ الرَّهْنَ مِلْكٌ لِلرَّاهِنِ، فكان عليه مَسْكَنُه وحَافِظُه، كغيرِ الرَّهْنِ. وإن أَبَقَ العَبْدُ فأَجْرُ (٣) من يَرُدُّه على الرَّاهِنِ. وقال أبو حنيفةَ: يكونُ بِقَدْرِ الأَمَانَةِ على الرَّاهِنِ، وبِقَدْرِ الضَّمَانِ على المُرْتَهِنِ. وإن احْتِيجَ إلى مُدَاوَاتِه لِمَرَضٍ أو جُرْحٍ فذلك على الرَّاهِنِ. وعند أبى حنيفةَ، هو كأَجْرِ من يَرُدُّه من إبَاقِه. وبَنَى ذلك على أصْلِه فى أنَّ يَدَ المُرْتَهِنِ يَدُ ضَمَانٍ، بِقَدْرِ دَيْنِه فيه، وما زَادَ فهو أمَانَةٌ عندَه. والكلامُ على ذلك فى غير هذا المَوْضِعِ. وإن مَاتَ العَبْدُ كانت مُؤْنَتُه، كتَجْهِيزِه،

стр. 3128

وتَكْفِينِه، ودَفْنِه [على الرَّاهِنِ؛ لأنَّ ذلك تَابعٌ لِمُؤْنَتِه، فإنَّ كلَّ مَن لَزِمَتْه مُؤْنَةُ شَخْصٍ كانتْ مُؤْنَتُهُ كتَجْهِيزِه ودَفْنِه] (٤) عليه، كسَائِرِ العَبِيدِ والإمَاءِ والأقَارِبِ من الأحْرارِ. فصل: وإن كان الرَّهْنُ ثَمَرَةً، فاحْتَاجَتْ إلى سَقْىٍ وتَسْوِيَةٍ وجِذَاذٍ، فذلك على الرَّاهِنِ، وإن احْتَاجَتْ إلى تَجْفِيفٍ، والحَقُّ مُؤَجَّلٌ، فعليه التَّجْفِيفُ؛ لأنَّه يَحْتاجُ أن يَسْتَبْقِيَها رَهْنًا حتى يَحِلَّ الحَقُّ. وإن كانت حالًّا، بِيعَتْ ولم يَحْتَجْ إلى تَجْفِيفِها. وإن اتَّفَقَا على بَيْعِها وجَعْلِ ثَمَنِها رَهْنًا بالحَقِّ المُؤَجَّلِ، جازَ، وإن اخْتَلَفَا فى ذلك، قُدِّمَ قولُ مَن يَسْتَبْقِيها بِعَيْنِها؛ لأنَّ العَقْدَ يَقْتَضِى ذلك، إلَّا أن يكونَ ممَّا تَقِلُّ قِيمَتُه بالتَّجْفِيفِ، وقد جَرَتِ العَادَةُ بِبَيْعِه رَطْبًا، فإنَّه يُباعُ، ويُجْعَلُ ثَمَنُه مَكَانَه. وإن اتَّفَقَا على قَطْعِ الثمَرةِ فى وَقْتٍ، فلهما ذلك، سواءٌ كان الحقُّ حالًّا أو مُؤَجَّلًا، وسواء كان الأَصْلَحُ القَطْعَ أو التَّرْكَ؛ لأنَّ الحَقَّ لا يَخْرُجُ عنهما، وإن اخْتَلَفَا قَدَّمْنَا قولَ من طَلَبَ الأَصْلَحَ، إن كان ذلك قبلَ حُلُولِ الحَقِّ. وإن كان الحَقُّ حَالًّا قُدِّمَ قولُ مَن طَلَبَ القَطْعَ؛ لأنَّه إن كان المُرْتَهِنَ، فهو طَالِبٌ لِاسْتِيفَاءِ حَقِّه الحالِّ، فَلَزِمَ إجَابَتُه، وإن كان الرَّاهِنَ، فهو يَطْلُبُ تَبْرِئَةَ ذِمَّتِه، وتَخْلِيصَ عَيْنِ مِلْكِه من الرَّهْنِ، والقَطْعُ أحْوَطُ من جِهَةِ أنَّ فى تَبْقِيَتِه غَرَرًا. ذَكَرَ القاضى هذا فى المُفْلِسِ، وهو قولُ أكْثَر أصْحابِ الشَّافِعِىِّ، وهذا فى مَعْنَاه. ويَحْتَمِلُ أن يُنْظَرَ فى الثَّمَرةِ، فإن كانت تَنْقُصُ بالقَطْعِ نَقْصًا كَثِيرًا، لم يُجْبَرِ المُمْتَنِعُ من قَطْعِها عليه؛ لأنَّ ذلك إتْلَافٌ، فلا يُجْبَرُ عليه؛ كما لا يُجْبَرُ على نَقْضِ دَارِهِ لِيَبِيعَ أنْقَاضَها، ولا على ذَبْحِ فَرَسِه لِيَبِيعَ لَحْمَها، وإن كانت الثَّمَرةُ ممَّا لا يُنْتَفَعُ بها قبلَ كَمَالِها، لم يَجُزْ قَطْعُها قبلَه، ولم يُجْبَرْ عليه بحالٍ.

стр. 3129

فصل: وإن كان الرَّهْنُ مَاشِيَةً تَحْتَاجُ إلى إطْرَاقِ الفَحْلِ، لم يُجْبَرِ الرَّاهِنُ عليه؛ لأنَّه ليس عليه ما يَتَضَمَّنُ زِيَادَةً فى الرَّهْنِ، وليس ذلك ممَّا يَحْتَاجُ إليه لِبَقَائِها، ولا يُمْنَعُ من ذلك؛ لِكَوْنِها زِيَادَةً لهما، لا ضَرَرَ على المُرْتَهِنِ فيه. وإن احْتَاجَتْ إلى رَعْىٍ، فعلَى الرَّاهِنِ أن يُقِيمَ لها رَاعِيًا؛ لأنَّ ذلك يَجْرِى مَجْرَى عَلْفِها. وإن أرَادَ الرَّاهِنُ السَّفَرَ بها لِيَرْعَاهَا فى مكان آخَرَ، وكان لها فى مَكَانِها مَرْعًى تَتَمَاسَكُ به، فِللْمُرْتَهِنِ مَنْعُه من ذلك؛ لأنَّ فى السَّفَرِ بها إِخْرَاجَها عن نَظَرِه ويَدِه. وإن أجْدَبَ مَكانُها، فلم يَجِدْ ما تَتَمَاسَكُ به فلِلرَّاهِنِ السَّفَرُ بها؛ لأنَّه مَوْضِعُ ضَرُورَةٍ، لأنَّها تَهْلَكُ إذا لم يُسَافِرْ بها، إلَّا أنَّها تكونُ فى يَدِ عَدْلٍ يَرْضَيَانِ به، أو يَنْصِبُه الحاكِمُ، ولا يَنْفَرِدُ الرَّاهِنُ بها، فإن امْتَنَعَ الرَّاهِنُ من السَّفَرِ بها، فلِلْمُرْتَهِنِ نَقْلُها؛ لأنَّ فى بَقَائِها هَلَاكَها، وضَيَاعَ حَقِّه من الرَّاهِنِ. فإن أرَادَا جَمِيعًا السَّفَرَ بها، واخْتَلَفَا فى مَكَانِها، قَدَّمْنَا قَوْلَ مَن يُعَيِّنُ الأَصْلَحَ، فإن اسْتَوَيَا، قَدَّمْنَا قَوْلَ المُرْتَهِنِ. وقال الشَّافِعِىُّ: يُقَدَّمُ قولُ الرَّاهِنِ، وإن كان الأصْلَحُ غيرَه؛ لأنَّه أمْلَكُ بها، إلَّا أن يكونَ مَأْوَاها إلى يَدِ عَدْلٍ. ولَنا، أنَّ اليَدَ لِلْمُرْتَهِنِ، فكان أوْلَى، كما لو كانا فى بَلَدٍ واحِدٍ، وأيُّهما أرَادَ نَقْلَها عن البَلَدِ مِع خِصْبِه لم يكُنْ له، سواءٌ أرَادَ نَقْلَها إلى مِثْلِه، أو أخْصَبَ منه، إذ لا مَعْنَى لِلمُسَافَرَةِ بالرَّهْنِ مع إمكانِ تَرْكِ السَّفَرِ به. وإن اتَّفَقَا على نَقْلِهَا، جَازَ أيضا، سواءٌ كان أنْفَعَ لها أو لا؛ لأنَّ الحَقَّ لهما، لا يَخْرُجُ عنهما. فصل: وإن كان عَبْدًا يَحْتَاجُ إلى خِتَانٍ، والدَّيْنُ حَالٌّ، أو أجَلُهُ قبلَ بُرْئِه، مُنِعَ منه؛ لأنَّه يَنْقُصُ ثَمَنُه، وفيه ضَرَرٌ، وإن كان يَبْرَأُ قبلَ مَحلِّ الحَقِّ، والزَّمَانُ مُعْتَدِلٌ لا يخَافُ عليه فيه، فلَهُ ذلك؛ لأنَّه من الوَاجِباتِ، ويَزِيدُ به الثَّمَنُ، ولا يَضُرُّ المُرْتَهِنَ، ومُؤْنَتُه على الرَّاهِنِ. فإن مَرِضَ، فاحْتَاجَ إلى دَوَاءٍ، لم يُجْبَرِ الرَّاهِنُ عليه؛ لأنَّه يَتَحَقَّقُ أنَّه سَبَبٌ لِبَقَائِه، وقد يَبْرَأُ بغير عِلَاجٍ، بِخِلَافِ النَّفَقَةِ. وإن أرَادَ الرَّاهِنُ مُدَاوَاتَه بما لا ضَرَرَ فيه، لم يُمْنَعْ منه؛ لأنَّه مَصْلَحَةٌ لهما من غيرِ ضَرَرٍ بواحِدٍ منهما. وإن كان الدَّوَاءُ ممَّا يُخَافُ غَائِلَتُه، كالسُّمُومِ، فلِلْمُرْتَهِنِ مَنْعُه منه؛ لأنَّه لا يَأْمَنُ تَلَفَه. وإن احْتَاجَ إلى فَصْدٍ، أو احْتَاجَتِ الدَّابّةُ إلى تَوْدِيجٍ، ومَعْناه فَتْحُ الوَدَجَيْنِ

стр. 3130

حتى يَسِيلَ الدَّمُ، وهما عِرْقَانِ عَرِيضَانِ غَلِيظَانِ من جَانِبَىْ ثَغْرَةِ النَّحْرِ، أو تَبْزِيغٍ، وهو فَتْحُ الرَّهْصَةِ (٥)، فَلِلرَّاهِنِ فِعْلُ ذلك، ما لم يَخَفْ منه ضَرَرًا. وإن احْتِيجَ إلى قَطْعِ شَىءٍ من بَدَنِه بِدَوَاءٍ لا يُخَافُ منه، جَازَ، وإن خِيفَ منه، [فأيُّهما امْتَنَعا منه] (٦) لم يُجْبَرْ. وإن كانت به آكِلَةٌ (٧) كان له قَطْعُها؛ لأنَّه يُخَافُ من تَرْكِها لا من قَطْعِهَا، لأنَّه لا يُحِسُّ بلَحْمٍ مَيِّتٍ. وإن كانتْ به خَبِيثَةٌ، فقال أهْلُ الخِبْرَةِ: الأَحْوَطُ قَطْعُها. وهو أَنْفَعُ من بَقَائِها، فَلِلرَّاهِنِ ذلك، وإلَّا فليس له فِعْلُه. وإن تَسَاوَى الخَوْفُ عليه فى الحَالَيْنِ، لم يكُنْ له قَطْعُها؛ لأنَّه يُحْدِثُ جُرْحًا فيه لم يَتَرَجَّحْ إحْدَاثُه. وإن كانت به سِلْعَةٌ (٨)، أو إصْبَعٌ زَائِدَةٌ، لم يَمْلِك الرَّاهِنُ قَطْعَها؛ لأنَّ قَطْعَها يُخَافُ منه، وتَرْكَها لا يُخَافُ منه. وإن كانت الماشِيَةُ جَرِبَةً، فأرَادَ الرَّاهِنُ دَهْنَها بما يُرْجَى نَفْعُه، ولا يُخَافُ ضَرَرُه، كالقَطِرَانِ والزَّيْتِ اليَسِيرِ، لم يُمْنَعْ. وإن خِيفَ ضَرَرُه، كالكَثِيرِ، فَلِلْمُرْتَهِنِ مَنْعُه. وقال القاضى: له ذلك بغيرِ إِذْنِ المُرْتَهِنِ؛ لأنَّ له مُعَالَجَةَ مِلْكِه، وإن امْتَنَعَ من ذلك، لم يُجْبَرْ عليه. ولو أرَادَ المُرْتَهِنُ مُدَاوَاتَها بما يَنْفَعُها، ولا يُخْشَى ضَرَرُه، لم يُمْنَعْ؛ لأنَّ فيه إصْلَاحَ حَقِّه بما لا يَضُرُّ بغيرِه. وإن خِيفَ منه الضَّرَرُ لم يُمَكَّنْ منه؛ لأن فيه خَطَرًا بِحَقِّ (٩) غيرِه. فصل: فإن كان الرَّهْنُ نَخْلًا، فاحْتَاجَ إلى تَأْبِيرٍ، فهو على الرَّاهِنِ، وليس لِلْمُرْتَهِنِ مَنْعُه؛ لأنَّ فيه مَصْلَحَةً بغير مَضَرَّةٍ. وما يَسْقُطُ من لِيفٍ أو سَعَفٍ أو عَرَاجِينَ، فهو من الرَّهْنِ؛ لأنَّه من أجْزَائِه، أو من نَمَائِه. وقال أصْحَابُ الشَّافِعِىِّ:

стр. 3131

ليس من الرَّهْنِ. بنَاءً منهم على أنَّ النَّمَاءَ ليس منه. ولا يَصِحُّ ذلك هاهُنا؛ لأن السَّعَفَ من جُمْلَةِ الأَعْيَانِ التى وَرَدَ عليها عَقْدُ الرَّهْنِ، فكانتْ منه، كالأُصُولِ وأنْقَاضِ الدَّارِ. وإن كان الرَّهْنُ كَرْمًا فله زِبَارُهُ (١٠)؛ لأنَّه لِمَصْلَحَتِه، ولا ضَرَرَ فيه. والزَّرَجُونُ (١١) من الرَّهْنِ. ولو كان الشَّجَرُ مُزْدَحِمًا، وفى قَطْعِ بعضه صَلَاحٌ لما يَبْقَى، فله ذلك. وإن أرَادَ تَحْوِيلَه كلَّه لم يَمْلِكْ ذلك. وإن قيل: هو الأوْلَى؛ لأنَّه قد لا يَعْلَقُ فيَفُوتُ الرَّهْنُ. وإن امْتَنَعَ الرَّاهِنُ من فِعْلِ هذا كلِّه، لم يُجْبَرْ عليه؛ لأنَّه لا يَلْزَمُه فِعْلُ ما فيه زِيَادَةٌ من الرَّهْنِ. فصل: وكلُّ زِيَادَةٍ تَلْزَمُ الرَّاهِنَ إذا امْتَنَعَ، أجْبَرَهُ الحاكِمُ عليها، وإن لم يَفْعَلْ اكْتَرَى له الحاكِمُ من مَالِه، فإن لم يكُنْ له مَالٌ اكْتَرَى من الرَّهْنِ. فإن بَذَلَها المُرْتَهِنُ مُتَطَوِّعًا لم يَرْجِعْ بشىءٍ. وإن أَنْفَقَ بإذْنِ الرَّاهِنِ، أو إذْنِ الحاكِمِ عند تَعَذُّرِ إذْنِ الرَّاهِنِ، مُحْتَسِبًا، رَجَعَ به. وإن تَعَذَّرَ إذْنُهُما، أَشْهَدَ على أنَّه أنْفَقَ، لِيَرْجِعَ بالنَّفَقَةِ. وله الرُّجُوعُ بها، وإن أنْفَقَ مِن غير اسْتِئْذَانِ الحاكِمِ مع إمْكَانِه، أو من غير إشْهَادٍ بالرُّجُوعِ عندَ تَعَذُّرِ اسْتِئْذَانِه لِيَرْجِعَ به، فهل يَرْجِعُ بِهِ (١٢)؟ على رِوَايَتَيْنِ. وإن أنْفَقَ بإِذْنِ الرَّاهِنِ؛ ليَكُونَ الرَّهْنُ رَهْنًا بالنَّفَقَةِ والدَّيْنِ الأَوَّلِ، لم يَصِحَّ، ولم يَصِرْ رَهْنًا بالنَّفَقَةِ لما ذكَرْنا (١٣). وإن قال الرَّاهِنُ: أنْفَقْتَ مُتَبَرِّعًا. وقال المُرْتَهِنُ: بل أنْفَقْتُ مُحْتَسِبًا بالرُّجُوعِ. فالقولُ قولُ المُرْتَهِنِ؛ لأنَّ الخِلَافَ فى نِيَّتِه، وهو أعْلَمُ بها، ولا اطِّلَاعَ لغيرِه من النَّاسِ عليها، وعليه اليَمِينُ؛ لأنَّ ما قالَه الرَّاهِنُ مُحْتَمِلٌ. وكل مُؤْنَةٍ لا تَلْزَمُ الرَّاهِنَ، كنَفَقَةِ المُدَاوَاةِ والتَّأْبِيرِ وأشْبَاهِهِما، لا يَرْجِعُ بها المُرْتَهِنُ إذا أنْفَقَها مُحْتَسِبًا أو مُتَبَرِّعًا.

стр. 3132

٧٩٧ - مسألة؛ قال: (والرَّهْنُ إذَا تَلِفَ بِغَيْرِ جِنَايَةٍ مِنَ المُرْتَهِنِ، رَجَعَ المُرْتَهِنُ بِحَقِّه عِنْدَ مَحلِّه، وكَانَتْ المُصِيبَةُ فِيهِ مِنْ رَاهِنِهِ، وَإن كَانَ بِتَعَدِّى المُرْتَهِنِ، أوْ لَمْ يَحْرُزْهُ، ضَمِنَ) أمَّا إذا تَعَدَّى المُرْتَهِنُ فى الرَّهْنِ، أو فَرَّطَ فى الحِفْظِ للرَّهْنِ الذى عندَه حتى تَلِفَ، فإنَّه يَضْمَنُ. لا نَعْلَمُ فى وُجُوبِ الضَّمَانِ عليه خِلَافًا؛ ولأنَّه أمَانَةٌ فى يَدِه، فلَزِمَه إذا تَلِفَ بِتَعَدِّيه أو تَفْرِيطِه، كالوَدِيعَةِ. وأمَّا إن تَلِفَ من غيرِ تَعَدٍّ منه ولا تَفْرِيطٍ، فلا ضَمَانَ عليه، وهو من مَالِ الرَّاهِنِ. يُرْوَى ذلك عن عَلِىٍّ رَضِىَ اللَّه عنه. وبه قال عَطَاءٌ، والزُّهْرِىُّ، والأوْزَاعِىُّ، والشَّافِعِىُّ، وأبو ثَوْرٍ، وابنُ المُنْذِرِ. ويُرْوَى عن شُرَيْحٍ، والنَّخَعِىِّ، والحسنِ، أنَّ الرَّهْنَ يُضْمَنُ بِجَمِيعِ الدَّيْنِ، وإن كان أكْثَرَ من قِيمَتِه؛ لأنَّه رُوِىَ عن النَّبِىِّ ﷺ ، أنَّه قال: "الرَّهْنُ بِمَا فِيهِ" (١). وقال مَالِكٌ إن كان تَلَفُه بأمْرٍ ظَاهِرٍ، كالمَوْتِ والحَرِيقِ، فمِن ضَمَانِ الرَّاهِنِ، وإن ادَّعَى تَلَفَه بأَمْرٍ خَفِىٍّ، لم يُقبَلْ قولُه، وضَمِنَ. وقال الثَّوْرِىُّ، وأصْحَابُ الرَّأْىِ: يَضْمَنُه المُرْتَهِنُ بأقَلِّ الأَمْرَيْنِ مِن قِيمَتِه أو قَدْرِ الدَّيْنِ. ويَرْوِى ذلك عُمَرُ بن الخَطَّابِ، رَضِىَ اللهُ عنه. واحْتَجُّوا بما رَوَى عَطَاءٌ، أنَّ رَجُلًا رَهَنَ فَرَسًا، فنَفَقَ عند المُرْتَهِنِ، فجاء إلى النَّبِىِّ ﷺ ، فأخْبَرَه بذلك، فقال: "ذَهَبَ حَقُّكَ" (٢). ولأنَّها عَيْنٌ مَقْبُوضَةٌ لِلاسْتِيفَاءِ، فيَضْمَنُها مَن قَبَضَها لذلك، أو من قَبَضَها نَائِبُه، كحَقِيقَةِ المُسْتَوْفَى، ولأنَّه مَحْبُوسٌ بِدَيْنٍ، فكان مَضْمُونًا، كالمَبِيعِ إذا حُبِسَ لِاسْتِيفَاءِ

стр. 3133

ثَمَنِه. ولَنا، ما رَوَى ابنُ أبى ذِئْبٍ، عن الزُّهْرِىِّ، عن سَعِيدِ بن المُسَيَّبِ، أنَّ رسولَ اللَّه ﷺ قال: "لا يَغْلَقُ الرَّهْنُ، لِصَاحِبِه غُنْمُه، وعَلَيْه غُرْمُهُ" (٣). رَوَاهُ الأَثْرَمُ عن أحْمَدَ بن عبد اللهِ بن يُونسَ عن ابن أبى ذِئْبٍ، ورَوَاهُ الشَّافِعِىُّ عن ابنِ أبى فُدَيْكٍ عن ابن أبى ذِئْبٍ، ولَفْظُه: "الرَّهْنُ من صَاحِبِه الذى رَهَنَهُ". وبَاقِيهِ سواءٌ. قال: وَوَصَلَهُ ابنُ المُسَيَّبِ، عن أبِى هُرَيْرَةَ، عن النَّبِىِّ ﷺ مثلَه أو مثلَ مَعْنَاه من حَدِيثِ [ابن] (٤) أبى أُنَيْسَة. ولأنَّه وَثِيْقَةٌ بالدَّيْنِ، فلا يَضْمَنُ، كالزِّيَادَةِ على قَدْرِ الدَّيْنِ، وكالكَفِيلِ والشَّاهِدِ، ولأنَّه مَقْبُوضٌ بِعَقْدٍ واحدٍ بعضُه أمَانَةٌ، فكان جَمِيعُه أمَانَةً، كالوَدِيعَةِ. وعلَى (٥) مالِكٍ: أنَّ ما لا يُضْمَنُ به العَقَارُ، لا يُضْمَنُ به الذَّهَبُ. كالوَدِيعَةِ، فأمَّا حَدِيثُ عَطَاءٍ فهو مُرْسَلٌ، وقولُ عَطَاءٍ يُخَالِفُه، قال الدَّارَقُطْنِىّ: يَرْوِيه إسْمَاعِيلُ بن أُمَيَّةَ، وكان كَذَّابًا، وقيل: يَرْوِيهِ مُصْعَبُ بن ثَابِتٍ، وكان ضَعِيفًا. ويَحْتَمِلُ أنَّه أرَادَ، ذَهَبَ حَقُّكَ من الوَثِيقَةِ، بِدَلِيلِ أنَّه لم يَسْأَلْ عن قَدْرِ الدَّيْنِ وقِيمَةِ الفَرَسِ، وحَدِيثُ أَنَسٍ إن صَحَّ، فيَحْتَمِلُ أنَّه مَحْبُوسٌ بما فيه، وأمَّا المُسْتَوْفَى فإنه صَارَ مِلْكًا لِلْمُسْتَوْفِى، وله نَمَاؤُه وغُنْمُه، فكان عليه ضَمَانُه وغُرْمُه، بِخِلَافِ الرَّهْنِ، والبَيْعُ قبلَ القَبْضِ مَمْنُوعٌ. فصل: وإذا قَضاهُ جَمِيعَ الحَقِّ، أو أبْرَأَهُ من الدَّيْنِ، بَقِىَ الرَّهْنُ أمَانَةً فى يَدِه، وبهذا قال الشَّافِعِىُّ. وقال أبو حنيفةَ: إذا قَضاهُ كان مَضْمُونًا، وإذا أبْرَأَهُ أو وَهَبَهُ لم يكُنْ مَضْمُونًا اسْتِحْسَانًا. وهذا مُنَاقَضَةٌ؛ لأنَّ القَبْضَ مَضْمُونٌ منه، لم يَزُلْ، ولم يُبْرِئْهُ منه. وعندنا أنَّه كان أمَانَةً، وبَقِىَ على ما كان عليه، وليس عليه رَدُّه؛ لأنَّه أمْسَكَهُ بإذْنِ مَالِكِه، ولا يَخْتَصُّ بنَفْعِه، فهو كالوَدِيعَةِ، بخِلَافِ العَارِيَّةِ، فإنَّه يَخْتَصُّ بِنَفْعِها، وبِخِلَافِ ما لو أطَارَتِ الرِّيحُ إلى دَارِه ثَوْبًا، لَزِمَهُ رَدُّه إلى مَالِكِه؛ لأنَّ مَالِكَه لم يَأْذَنْ فى إمْسَاكِه، فأمَّا إن سَأَلَ مَالِكُه فى هذه الحالِ دَفْعَهُ إليه،

стр. 3134

لَزِمَ مَن هو فى يَدِه، من المُرْتَهِنِ أو العَدْلِ، دَفْعُه إليه، إذا أمْكَنَه، فإن لم يَفْعَلْ، صَارَ ضَامِنًا، كالمُودَعِ إذا امْتَنَعَ مِن رَدِّ الوَدِيعَةِ عندَ طَلَبِها. وإن كان امْتِنَاعُه لِعُذْرٍ، مثل أن يكونَ بينَه وبينَه طَرِيقٌ مُخِيفٌ، أو بَابٌ مُغْلَقٌ لا يمكنُه فَتْحُه، أو كان يَخَافُ فَوْتَ جُمُعَةٍ أو جَمَاعَةٍ، أو فَوْتَ (٥) صَلَاةٍ، أو به مَرَضٌ، أو جُوعٌ شَدِيدٌ، وما أشْبَهَهُ، فأخَّرَ التَّسْلِيمَ لذلك، فَتَلِفَ، فلا ضَمَانَ عليه؛ لأنَّه لا تَفْرِيطَ منه، فأشْبَه المُودعَ. فصل: وإذا قَبَضَ المُرْتَهِنُ الرَّهْنَ، فوَجَدَه مُسْتَحَقًّا، لَزِمَهُ رَدُّه على مَالِكِه، والرَّهْنُ بَاطِلٌ من أصْلِه. فإن أمْسَكَه، مع عِلْمِه بالغَصْبِ، حتى تَلِفَ فى يَدِه، اسْتَقَرَّ عليه الضَّمَانُ، ولِلْمالِكِ تَضْمِينُ أيهما شَاءَ، فإن ضَمَّنَ المُرْتَهِنَ، لم يَرْجِعْ على أحدٍ لذلك، وإن ضَمَّنَ الرَّاهِنَ، رَجَعَ عليه. وإن لم يَعْلَمْ بالغَصْبِ حتى تَلِفَ بِتَفْرِيطِه، فالحُكْمُ كذلك؛ لأنَّ الضَّمَانَ مُسْتَقِرٌّ (٦) عليه، وإن تَلِفَ بغير تَفْرِيطِه، ففيه ثَلَاثَةُ أوْجُهٍ؛ أحَدُها، يَضْمَنُ، ويَسْتَقِرُّ الضَّمَانُ عليه (٧)؛ لأنَّ مالَ غيره تَلِفَ تَحْتَ يَدِه العَادِيَةِ، فاسْتَقَرَّ الضَّمَانُ عليه، كما لو عَلِمَ. والثانى، لا ضَمَانَ عليه؛ لأنَّه قَبَضَهُ على أنَّه أمَانَةٌ من غير عِلْمِهِ، فلم يَضْمَنْه، كالوَدِيعَةِ. فعلى هذا يَرْجِعُ المالِكُ على الغَاصِبِ لا غيرُ. والوجهُ الثالث، أنَّ لِلْمَالِكِ تَضْمِينَ أيِّهما شَاءَ، ويَسْتَقِرُّ الضَّمَانُ على الغَاصِبِ، فإن ضَمَّنَ الغَاصِبَ لم يَرْجِعْ على أحَدٍ، وإن ضَمَّنَ المُرْتَهِنَ رَجَعَ على الغَاصِبِ؛ لأنه غَرَّهُ، فرَجَعَ عليه، كالمَغْرُورِ بِحُرِّيَةِ أمَةٍ. ٧٩٨ - مسألة؛ قال: (وَإِنِ اخْتَلَفَا فِى الْقِيمَةِ، فَالْقَوْلُ قَوْلُ الْمُرْتَهِنِ مَعَ يَمِينِهِ، وَإنِ اخْتَلَفَا فِى قَدْرِ الْحَقِّ، فالْقَوْلُ قَوْلُ الرَّاهِنِ مَعَ يَمِينِهِ، إذَا لَمْ يَكُنْ لِوَاحِدٍ مِنْهُمَا بِمَا قَالَ بَيِّنَةٌ) يعنى: إذا اخْتَلَفَا فى قِيمَةِ الرَّهْنِ، إذا تَلِفَ فى الحالِ التى يَلْزَمُ المُرْتَهِنَ ضَمَانُه،

стр. 3135

وهى إذا تَعَدَّى، أو لم يَحْرُزْ، فالقولُ قولُ المُرْتَهِنِ مع يَمِينِه؛ لأنَّه غَارِمٌ، ولأنه مُنْكِرٌ لِوُجُوبِ الزِّيَادَةِ على ما أقَرَّ به، والقولُ قولُ المُنْكِرِ. وبهذا قال الشَّافِعِىُّ، ولا نَعْلَمُ فيه مُخَالِفًا. وإن اخْتَلَفَا فى قَدْرِ الحَقِّ، نحوُ أن يقولَ الرَّاهِنُ: رَهَنْتُكَ عَبْدِى هذا بأَلْفٍ. فقال المُرْتَهِنُ: بل بَأَلْفَيْنِ. فالقولُ قولُ الرَّاهِنِ. وبهذا قال النَّخَعِىُّ، والثَّوْرِىُّ، والشَّافِعِىُّ، والْبَتِّىُّ، وأبو ثَوْرٍ، وأصْحَابُ الرَّأْىِ. وحُكِىَ عن الحسنِ، وقَتادَةَ، أنَّ القولَ قولُ المُرْتَهِنِ، ما لم يُجَاوِزْ ثَمَنَ الرَّهْنِ، أو قِيمَتَه، ونحوُه قولُ مالِكٍ؛ لأنَّ الظَّاهِرَ أن الرَّهْنَ يكونُ بقَدْرِ الحَقِّ. ولَنا، أنَّ الرَّاهِنَ مُنْكِرٌ لِلزِّيَادَةِ التى يَدَّعِيهَا المُرتَهِنُ، والقولُ قولُ المُنْكِرِ؛ لقَوْلِ رسولِ اللَّه ﷺ : "لو يُعْطَى النّاسُ بِدَعْوَاهُم، لَادَّعَى قَوْمٌ دِمَاءَ رِجَالٍ وأمْوَالَهُمْ، ولكِنَّ اليَمِينَ عَلَى المُدَّعَى عَلَيْهِ". رَوَاهُ مُسْلِمٌ (١). ولأنَّ الأَصْلَ بَرَاءَةُ الذِّمَّةِ من هذه الأَلْفِ، فالقولُ قولُ مَن يَنْفِيها، كما لو اخْتَلَفَا فى أصْلِ الدَّيْنِ، وما ذَكَرَهُ من الظَّاهِرِ غيرُ مُسَلَّمٍ؛ فإنَّ العادَةَ رَهْنُ الشىءِ بأقَلَّ من قِيمَتِه. إذا ثَبَتَ هذا، فالقولُ قولُ الرَّاهِنِ فى قَدْرِ ما رَهَنَه به، سواءٌ اتَّفَقَا على أنَّه رَهَنَهُ بجمِيعِ الدَّيْنِ أو اخْتَلَفَا، فلو اتَّفَقَا على أن الدَّيْنَ أَلْفَانِ، وقال الرَّاهِنُ: إنَّما رَهَنْتُكَ بأحَدِ الأَلْفَيْنِ. وقال المُرْتَهِنُ: بل رَهَنْتُه بهما. فالقولُ قولُ الرَّاهِنِ مع يَمِينِه؛ لأنَّه يُنْكِرُ تَعَلُّقَ حَقِّ المُرْتَهِنِ فى أحَدِ الأَلْفَيْنِ بِعَبْدِه، والقولُ قولُ المُنْكِرِ. وإن اتَّفَقَا على أنَّه رَهْنٌ بأحَدِ الأَلْفَيْن، وقال الرَّاهِنُ: هو رَهْنٌ بالمُؤَجَّلِ. وقال المُرْتَهنُ: بل بالحالِّ. فالقولُ قولُ الرَّاهِنِ مع يَمِينِه؛ لأنَّه مُنْكِرٌ، ولأنَّ القولَ قولُه فى أَصْلِ الرَّهْنِ، فكذلكِ فى صِفِتِه، وهذا إذا لم يكُنْ بَيِّنَةٌ، فإن كان لأَحَدهِما بَيِّنَةٌ، حُكِمَ بها، بغيرِ خِلَافٍ فى جمِيعِ هذه الْمَسائِلِ.

стр. 3136

فصل: وإن اخْتَلَفَا فى قَدْرِ الرَّهْنِ، فقال: رَهَنْتُكَ هذا العَبْدَ. قال: بل هو والعَبْدَ الآخَرَ. فالقولُ قولُ الرَّاهِنِ؛ لأنَّه مُنْكِرٌ. ولا نَعْلَمُ فى هذا خِلَافًا. وإن قال: رَهَنْتُكَ هذا العَبْدَ. قال: بل هذه الجَارِيَةَ. خَرَجَ العَبْدُ من الرَّهْنِ، لِاعْترَافِ المُرْتَهِنِ بأنَّه لم يَرْهَنْهُ، وحَلَفَ الرَّاهِنُ على أنه ما رَهَنَهُ الجَارِيَةَ، وخَرَجَتْ من الرَّهْنِ أيضا. وإن اخْتَلَفَا فى رَدِّ الرَّهْنِ إلى الرَّاهِنِ، فالقولُ قولُه أيضًا؛ لأنَّه مُنْكِرٌ، والأَصْلُ معَه. وكذلك الحُكْمُ فى المُسْتَأْجِرِ، إذا ادَّعَى رَدَّ العَيْنِ المُسْتَأْجَرَةِ. وقال أبو الخَطَّابِ: يَتَخَرَّجُ فيهما وَجْهٌ آخَرُ، أنَّ القولَ قولُ المُرْتَهِنِ والمُسْتَأْجِرِ فى الرَّدِّ، بنَاءً على المُضارِبِ والوَكِيلِ بِجُعْلٍ، إذا ادَّعَيَا الرَّدَّ، فإنَّ فيهما وَجْهَيْنِ، والفَرْقُ بينهما وبينَ المُرْتَهِنِ، أن المُرْتَهِنَ قَبَضَ العَيْنَ لِيَنْتَفِعَ بها، وكذلك المُسْتَأْجِرُ والوَكِيلُ، قَبَضَ العَيْنَ لِيَنْتَفِعَ بالجُعْلِ لا بِالعَيْنِ، والمُضَارِبُ قَبَضَها لِيَنْتَفِعَ بِرِبْحِها لا بِهَا. وإن اخْتَلَفَا فى تَلَفِ العَيْنِ، فالقولُ قولُ المُرْتَهِنِ مع يَمِينِه؛ لأنَّ يَدَهُ يَدُ أَمانَةٍ، ويَتَعَذَّرُ عليه إقَامَة البَيِّنَةِ على التَّلَفِ، فقُبِلَ قَوْلُه فيه، كالمُودَعِ. فصل: فإن قال: بِعْتُكَ هذا الثَّوْبَ، على أن تَرْهَنَنِى بِثَمَنِه عَبْدَيْكَ هَذَيْنِ. قال: بل على أن أرْهَنَكَ هذا وَحْدَه. ففيها رِوَايَتَانِ، حَكاهُما القاضى؛ إحْدَاهما، يَتَحَالَفَانِ؛ لأنَّه اخْتِلَافٌ فى البَيْعِ، فهو كالاخْتِلَافِ فى الثَّمَنِ. والثانية، القولُ قولُ الرَّاهِنِ؛ لأنَّه مُنْكِرٌ لِشَرْطِ رَهْنِ العَبْدِ الذى اختَلَفَا فيه، والقولُ قولُ المُنْكِرِ. وهذا أصَحُّ. فصل: وإن قال: أَرْسَلْتَ وَكِيلَكَ، فرَهَنَنِى عَبْدَكَ، على عِشْرِينَ قَبَضَها. قال: ما أمَرْتُه بِرَهْنِه إلَّا بِعَشَرَةٍ، ولا قَبَضْتُ إلَّا عَشَرَةً. سُئِلَ الرَّسُولُ، فإن صَدَّقَ الرَّاهِنَ، فعليه اليَمِينُ أنَّه ما رَهَنَهُ إلَّا بِعَشَرَةٍ، ولا قَبَضَ إلَّا عَشَرَةً، ولا يَمِينَ على الرَّاهِنِ؛ لأنَّ الدَّعْوَى على غيرِه، فإذا حَلَفَ الوَكيِلُ بَرِئَا جَمِيعا، وإن نَكَلَ، فعلَيْه العَشَرَةُ المُخْتَلَفُ فيها، ولا يَرْجِعُ بها على أحَدٍ؛ لأنَّه يُصَدِّقُ الراهِنَ فى أنَّه ما أخَذَها، ولا أمَرَهُ بأَخْذِها، وإنَّما المُرْتَهِن ظَلَمَهُ. وإن صَدَّق الوَكِيلُ المُرْتَهِنَ، وادَّعَى أنَّه

стр. 3137

سَلَّمَ العِشْرِينَ إلى الرَّاهِنِ، فالقولُ قولُ الرَّاهِنِ مع يَمِينِه. فإن نَكَلَ، قُضِىَ عليه بالعَشَرَةِ، ويَدْفَعُ إلى المُرْتَهِنِ، وإن حَلَفَ بَرِىءَ، وعلى الرَّسُولِ غَرَامَةُ العَشَرَةِ لِلْمُرْتَهِنِ؛ لأنَّه يَزْعُمُ أنَّها حَقٌّ له، وإنَّما الرَّاهِنُ ظَلَمَهُ. وإن عَدِمَ الرَّسُولَ، أو تَعَذَّرَ إحْلَافُه، فعَلَى الرَّاهِنِ اليَمِينُ أنَّه ما أذِنَ فى رَهْنِه إلَّا بِعَشَرَةٍ، ولا قَبَضَ أكْثَرَ منها، ويَبْقَى الرَّهْنُ بالعَشَرَةِ الأُخْرَى. فصل: إذا كان على رَجُلٍ أَلْفَانِ، أحَدُهما بِرَهْنٍ، والآخَرُ بغيرِ رَهْنٍ، فقَضَى ألْفًا، وقال: قَضَيْتُ دَيْنَ الرَّهْنِ. وقال المُرْتَهِنُ: بل قَضَيْتَ الدَّيْنَ الآخَرَ. فالقولُ قولُ الرَّاهِنِ مع يَمِينِه، سواءٌ اخْتَلَفَا فى نِيَّةِ الرَّاهِنِ بذلك أو فى لَفْظِه؛ لأنَّه أعْلَمُ بِنِيَّتِه وصِفَةِ دَفْعِه، ولأنَّه يقولُ: إن الدَّيْنَ الباقِىَ بلا رَهْنٍ، والقولُ قولُه فى أصْلِ الرَّهْنِ، فكذلك فى صِفَتِه، وإن أَطْلَقَ القَضَاءَ، ولم يَنْوِ شَيْئًا، فقال أبو بكرٍ: له صَرْفُها إلى أيِّهما شاءَ، كما لو كان له مالٌ حاضِرٌ وغائِبٌ، فأدَّى قَدْرَ زَكَاةِ أحدِهِما، كان له أن يُعَيِّنَ عن أىِّ المالَيْنِ شاءَ. وهذا قولُ بعضِ أصْحابِ الشَّافِعِىِّ. وقال بعضُهم: يَقَعُ الدَّفْعُ عن الدَّيْنَيْنِ معا، عن كل واحِدٍ منهما نِصْفُه؛ لأنَّهما تَساوَيَا فى القَضَاءِ، فتَسَاوَيَا فى وُقُوعِه عنهما، فأما إن أَبْرَأَهُ المُرْتَهِنُ مِن أحدِ الدَّيْنَيْنِ، واخْتَلَفَا، فالقولُ قولُ المُرْتَهِنِ، على التَّفْصِيلِ الذى ذَكَرْنَاهُ فى الرَّاهِنِ، ذَكَرَهُ أبو بكرٍ. فصل: وإذا اتَّفَقَ المُتَرَاهِنَانِ على قَبْضِ العَدْلِ لِلرَّهْنِ، لَزِمَ الرَّهْنُ فى حَقِّهِما، ولم يَضُرَّ إنْكَارُه؛ لأنَّ الحَقَّ لهما. وإن قال أحَدُهما: قَبَضَهُ العَدْلُ. فأَنْكَرَ الآخَرُ، فالقولُ قولُ المُنْكِرِ، كما لو اخْتَلَفا فى قَبْضِ المُرْتَهِنِ له. ولو شَهِدَ العَدْلُ بالقَبْضِ، لم تُقْبَلْ [شَهادتُه؛ لأنَّها] (٢) شهَادَةُ الوَكِيلِ (٣) لِمُوَكِّلِه.

стр. 3138

فصل: إذا كان فى يَدِ رَجُلٍ عَبْدٌ، فقال: رَهَنْتَنِى عَبْدَكَ هذا بأَلْفٍ. فقال: بل قد غَصَبْتَهُ، أو اسْتَعَرْتَهُ. فالقولُ قولُ السَّيِّدِ، سواءٌ اعْتَرَفَ بالدَّيْنِ أو جَحَدَهُ؛ لأنَّ الأصْلَ عَدَمُ الرَّهْنِ. وإن قال السَّيِّدُ: بِعْتُكَ عَبْدِى هذا بأَلْفٍ. قال: بل رَهَنْتَهُ عِنْدِى بها. فالقولُ قولُ كلِّ واحِدٍ منهما فى العَقْدِ الذى يُنْكِرُه، ويَأْخُذُ السَّيِّدُ عَبْدَه. وهكذا لو قال: رَهَنْتُكَه بأَلْفٍ أقْرَضْتَنِيهِ. قال: بل بِعْتَنِيهِ بأَلْفٍ قَبَضْتَهُ مِنِّى ثَمَنًا. فكذلك، ويَرُدُّ صَاحِبُ العَبْدِ الأَلْفَ، ويَأْخُذُ عَبْدَهُ. فصل: وإذا ادَّعَى على رَجُلَيْنِ، فقال: رَهَنْتُمَانِى عَبْدَكُمَا بِدَيْنِى عَلَيْكُما. فأنْكَرَاهُ. فالقولُ قولُهما، فإن شَهِدَ كلُّ واحِدٍ منهما على صَاحِبِه، قُبِلَتْ شهَادَتُه إذا كان عَدْلًا، ولِلْمُرْتَهِنِ أن يَحْلِفَ مع كلِّ واحِدٍ منهما ويَصِيرَ جَميِعُه رَهْنًا، أو يَحْلِفَ مع أحَدِهِما ويَصِيرَ نَصِيبُ الآخَرِ رَهْنًا. وإن أقَرَّ أحَدُهما، ثَبَتَ فى حَقِّه وَحْدَهُ. وإن شَهِدَ المُقِرُّ على المُنْكِرِ، قُبِلَتْ شهَادَتُه إن كان عَدْلًا؛ لأنَّه لا يَجْلُبُ لِنَفْسِه نَفْعًا، ولا يَدْفَعُ عنها ضُرًّا (٤). وبهذا قال أصْحَابُ الشَّافِعِىِّ. وقال بَعْضُهم: إذا أَنْكَرَا جَمِيعًا فَفِى شَهَادَتِهِمَا نَظرٌ؛ لأن المَشْهُودَ له يَدَّعِى أن كلَّ واحِدٍ منهما ظَالِمٌ له بِجُحُودِه حَقَّه من الرَّهْنِ، فإذا طَعَنَ المَشْهُودُ له فى شُهُودِه، لم تُقْبَلْ شهَادَتُهم له. قلْنا: لا يَصِحُّ هذا؛ فإنَّ إنْكَارَ الدَّعْوَى لا يَثْبُتُ به فِسْقُ المُدَّعَى عليه. وإن كان الحَقُّ عليه، لِجَوَازِ أن يَنْسَى، أو تَلْحَقهُ شُبْهَةٌ فيما يَدَّعِيهِ أو يُنْكِرهُ. وكذلك لو تَدَاعَى رَجُلَانِ شَيْئًا، وتَخَاصَمَا فيه، ثم شَهِدَا عندَ الحاكِمِ بشىءٍ، لم تُرَدَّ شَهَادَتُهما، وإن كان أحدُهما كَاذِبًا فى مُخَالَفَتِه لِصَاحِبِه، ولو ثَبَتَ الفِسْقُ بذلك، لم يَجُزْ قَبُولُ شَهَادَتِهِما جَمِيعًا، مع تَحَقُّقِ الجَرْحِ فى أحَدِهِما. فصل: وإذا رَهَنَ عَيْنًا عند رَجُلَيْنِ، فنِصْفُها رَهْنٌ عندَ كلِّ واحِدٍ منهما بِدَيْنِه، ومتى وَفَّى أحَدَهما، خَرَجَتْ حِصَّتُه من الرَّهْنِ؛ لأنَّ عَقْدَ الواحِدِ مع الاثْنَيْنِ بِمَنْزِلَةِ

стр. 3139

عَقْدَيْنِ، فكأنَّه رَهَنَ كلَّ واحِدٍ منهما النِّصْفَ مُفْرَدًا، فإن أرَادَ مُقَاسَمَةَ المُرْتَهِنِ، وأَخْذَ نَصِيبِ مَن وَفَّاهُ، وكان الرَّهْنُ ممَّا لا تَنْقُصُه القِسْمَةُ، كالمَكِيلِ والمَوْزُونِ، لَزِمَ ذلك، وإن كان ممَّا تَنْقُصُه القِسْمَةُ، لم تَجِبْ قِسْمَتُه؛ لأنَّ على المُرْتَهِنِ ضَرَرًا فى قِسْمَتِه، ويُقَرُّ فى يَدِ المُرْتَهِنِ، نِصْفُه رَهْنٌ، ونِصْفُه وَدِيعَةٌ. وإن رَهَنَ اثْنَانِ عَبْدَهُما عند رَجُلٍ، فوَفَّاهُ أحَدُهما، انْفَكَّ الرَّهْنُ فى نَصِيبِه. وقد قال أحمدُ، فى رِوَايَةِ مُهَنَّا، فى رَجُلَيْنِ رَهَنَا دَارًا لهما عندَ رَجُلٍ، على أَلْفٍ، فقَضَاهُ أحَدُهما، ولم يَقْضِ الآخَرُ: فالدَّارُ رَهَنٌ على ما بَقِىَ. وقال أبو الخطَّابِ، فى رَجُلٍ رَهَنَ عَبْدَه عندَ رَجُلَيْنِ، فوَفَّى أحَدَهما، فجَمِيعُه رَهْنٌ عند الآخَرِ، حتى يُوَفِّيَهُ. وهذا من كَلامِ أحمدَ وأبى الخَطَّابِ مَحْمُولٌ على أنَّه ليس لِلرَّاهِنِ مُقَاسَمَةُ المُرْتَهِنِ، لِمَا عليه من الضَّرَرِ، لا بِمَعْنَى أنَّ العَيْنَ كلَّها تكونُ رَهْنًا، إذ لا يجوزُ أن يُقالَ: إنَّه رَهَنَ نصْفَ العَبْدِ عندَ رَجُلٍ، فصَارَ جَمِيعُه رَهْنًا. ولو رَهَنَ اثْنَانِ عَبْدًا لهما عندَ اثْنَيْنِ بِأَلْفٍ، فهذه أرْبَعَةُ عُقُودٍ، ويَصِيرُ كلُّ رُبْعٍ من العَبْدِ رَهْنًا بمائتَيْنِ وخَمْسِينَ، فمتى قَضاهَا مَن هى عليه، انْفَكَّ من الرَّهْنِ ذلك القَدْرُ. قالَه القاضى، وهو الصَّحِيحُ. فصل: ولو ادَّعَى رَجُلَانِ على رَجُلٍ أنَّه رَهَنَهما عَبْدَه، وقال كلُّ واحدٍ منهما: رَهَنَهُ عندى دون صَاحِبِى. فأنْكَرَهُما جَمِيعًا، فالقولُ قولُه مع يَمِينِه. وإن أنْكَرَ أحَدَهما، وصَدَّقَ الآخَرَ، سُلِّمَ إلى من صَدَّقَهُ، وحُلِّفَ الآخَرُ. وإن قال: لا أعْلَمُ عَيْنَ المُرْتَهِنِ منهما. حَلَفَ على ذلك، والقولُ قولُ مَن هو فى يَدِه منهما مع يَمِينِه. وإن كان فى أَيْدِيهِما، حَلَفَ كلُّ واحِدٍ منهما على نِصْفِه، وصَارَ رَهْنًا عندَه. وإن كان فى يَدِ غَيْرِهِما، أَقْرَعَ بينهما، فمن قَرَعَ صَاحِبَه، حَلَفَ وأخَذَهُ، كما لو ادَّعَيَا مِلْكَه. ولو قال: رَهَنْتُه عند أحَدِهِما، ثم رَهَنْتُه للآخَرِ، ولا أعْلَمُ السَّابِقَ منهما. فكذلك. وإن قال: هذا هو السَّابِقُ بالعَقْدِ والقَبْضِ. سُلِّمَ إليه، وحَلَفَ لِلآخَرِ. وإن نَكَلَ والعَبْدُ فى يَدِ الأَوَّلِ، أو يَدِ غيرِه، فعليه قِيمَتُه للثَّانِى، كما لو قال: هذا العَبْدُ لِزَيْدٍ، وغَصَبْتُه من عَمْرٍو. فإنَّه يُسَلَّمُ إلى زَيْدٍ، ويَغْرَمُ قِيمَتَه لِعَمْرٍو. وإن نَكَلَ والعَبْدُ فى يَدِ الثانى، أُقِرَّ فى يَدِه، وغَرِمَ قِيمَتَه لِلْأوَّلِ؛ لأنَّه أقَرَّ له بعدَ

стр. 3140

ما فَعَلَ ما حَالَ بينه وبين مَن أقَرَّ له (٥)، فلَزِمَتْهُ قِيمَتُه، كما قُلْنا. وقال القاضى: إذا اعْتَرَفَ به لغيرِ مَن هو فى يَدِه، فهل يَرْجِعَ صَاحِبُ اليَدِ أو المُقرُّ له؟ على وَجْهَيْنِ. ولو اعْتَرَفَ لأحَدِهما وهو فى يَدَيْهِما. ثَبَتَتْ يَدُ المُقرِّ له [فى النِّصْفِ] (٦)، وفى النِّصْفِ الآخَرِ وَجْهَانِ. فصل: إذا أَذِنَ لِلرَّاهِنِ فى بَيْعِ الرَّهْنِ بعدَ حُلُولِ الحَقِّ، جَازَ، وتَعَلَّقَ حَقُّه بِثَمَنِه. وإن أذِنَ له قبلَ حُلُولِه مُطْلَقًا، فبَاعَهُ، بَطَلَ الرَّهْنُ، ولم يكن عليه عِوَضُه؛ لأنَّه أَذِنَ له فيما يُنَافِى حَقَّهُ، فأشْبَهَ ما لو أذِنَ فى عِتْقِه، ولِلْمَالِكِ أخْذُ ثَمَنِه. وبه قال الشَّافِعِىُّ. وقال أبو حنيفةَ ومحمدٌ: يكونُ الثَّمَنُ رَهْنًا؛ لأنَّ الرَّاهِنَ بَاعَ الرَّهْنَ بإِذْنِ المُرْتَهِنِ فَوَجَبَ أن يَثْبُتَ حَقُّهُ فيه، كما لو حَلَّ الدَّيْنُ. قال الطَّحَاوِىُّ: حَقُّ المُرْتَهِنِ مُتَعَلِّقٌ بِعَيْنِ الرَّهْنِ، والثَّمنُ بَدَلُه، فوَجَبَ أن يَتَعَلَّقَ به، كما لو أتْلَفَهُ مُتْلِفٌ. ولَنا، أنَّه تَصَرُّفٌ يُبْطِلُ حَقَّ المُرْتَهِنِ من عَيْنِ الرَّهْنِ، لا يَمْلِكُه المُرْتَهِنُ، فإذا أذِنَ فيه، أسْقَطَ حَقَّه، كالعِتْقِ، ويُخَالِفُ ما بعدَ الحُلُولِ؛ لأنَّ المُرْتَهِنَ يَسْتَحِقُّ البَيْعَ، ويُخَالِفُ الإِتْلَافَ؛ لأنَّه غيرُ مَأذُونٍ فيه من جِهَةِ المُرْتَهِنِ. فإن قال: إنَّما أرَدْتُ بإِطْلَاقِ الإذْنِ أن يكون ثَمَنُه رَهْنًا. لم يُلْتَفَتْ إلى دَعْوَاهُ؛ لأنَّ إطْلَاقَ الإذْنِ يَقْتَضِى بَيْعًا بِفَسْخِ الرَّهْنِ، وبهذا قال الشَّافِعِىُّ. وإن أذِنَ فيه بِشَرْطِ أن يَجْعَلَ ثَمَنَه مَكَانَه رَهْنًا، أو يُعَجِّلَ له دَيْنَه من ثَمَنِه، جَازَ، ولَزِمَ ذلك. وإن اخْتَلَفَا فى الإِذْنِ، فالقولُ قولُ المُرْتَهِنِ؛ لأنَّه مُنْكِرٌ. وإن أذِنَ فى البَيْعِ، واخْتَلَفَا فى شَرْطِ جَعْلِ ثَمَنِه رَهْنًا، أو تَعْجِيلِ دَيْنِه منه، فالقولُ قولُ الرَّاهِنِ؛ لأنَّ الأصْلَ عَدَمُ الشَّرْطِ. ويَحْتَمِلُ أن يكونَ القولُ قولَ المُرْتَهِنِ؛ لأنَّ الأصْلَ بَقاءُ الوَثِيقَةِ. وإن أَذِنَ الرَّاهِنُ فى البَيْعِ، ثم رَجَعَ قبلَ البَيْعِ، فباعَهُ المُرْتَهِنُ بعدَ العِلْمِ بالرُّجُوعِ، لم يَصِحَّ بَيْعُه. وإن بَاعَهُ

стр. 3141

بعدَ الرُّجُوعِ، وقَبْلَ العِلْمِ، احْتَمَلَ وَجْهَيْنِ، بنَاءً على عَزْلِ الوَكِيلِ قبلَ عِلْمِه. فإن اخْتَلَفَا فى الرُّجُوعِ قبلَ البَيْعِ، فقال القاضى: القولُ قولُ المُرْتَهِنِ أيضا؛ لأنَّ الأَصْلَ عَدَمُ الرُّجُوعِ، وعَدَمُ البَيْعِ قبلَ الرُّجُوعِ، فتَعَارَضَ الأَصْلانِ، وبَقِيَتِ العَيْنُ رَهْنًا على ما كانتْ (٧). وبهذا كلِّه قال الشَّافِعِىُّ. وهذا فيما لا يُحْتَاجُ إلى بَيْعِه، فأمَّا ما دَعَتِ الحاجَةُ إلى بَيْعِه، كالذى خِيفَ تَلَفُه، إذا أذِنَ فى بَيْعِه مُطْلَقًا، تَعَلَّقَ الحَقُّ بِثَمَنِه؛ لأنَّ بَيْعَهُ مُسْتَحقٌّ، فأشْبَه ما بِيعَ بعدَ حُلُولِ الدَّيْنِ. فصل: إذا حَلَّ الحَقُّ، لَزِمَ الرَّاهِنَ الإِيفَاءُ؛ لأنَّه دَيْنٌ حَالٌّ، فلَزِمَ إِيفَاؤُه، كالذى لا رَهْنَ بِه، فإن لم يُوَفِّ، وكان قد أَذِنَ لِلْمُرتَهِنِ أو لِلْعَدْلِ فى بَيْعِ الرَّهْنِ، بَاعَهُ، وَوَفَّى الحَقَّ من ثَمَنِه، وما فَضَلَ من ثَمَنِه فَلِمَالِكِه، وإن فَضَلَ من الدَّيْنِ شىءٌ فعَلَى الرَّاهِنِ. وإن لم يكُنْ أَذِنَ لهما فى بَيْعِه، أو كان قد أذِنَ لهما ثم عَزَلَهُما، طُولِبَ بالوَفَاءِ أو بَيْعِ (٨) الرَّهْنِ، فإن فَعَلَ، وإلَّا فَعَلَ الحاكِمُ ما يَرَى من حبْسِه وتَعْزِيرِه لِبَيْعِه، أو يَبِيعُه بِنَفْسِه أو أمِينِه. وبهذا قال الشَّافِعِىُّ. وقال أبو حنيفةَ: لا يَبِيعُه الحاكِمُ؛ لأَنَّ وِلَايَةَ الحاكِمِ على مَن عليه الحَقُّ، لا على مَالِه، فلم يَنْفُذْ بَيْعُه بغيرِ إِذْنِه. ولَنا، أنَّه حَقٌّ تَعَيَّنَ عليه، فإذا امْتَنَعَ من أدَائِه. قَامَ الحاكِمُ مَقَامَهُ فى أَدَائِه كالإِيفَاءِ مِن جِنْسِ الدَّيْنِ، وإن وَفَّى الدَّيْنَ من غيرِ الرَّهْنِ، انْفَكَّ الرَّهْنُ. ٧٩٩ - مسألة؛ قال: (وَالْمُرْتَهِنُ أحَقُّ بِثَمَنِ الرَّهْنِ مِنْ جَمِيعِ الْغُرَمَاءِ، حَتَّى يَسْتَوْفِىَ حَقَّهُ، حَيًّا كان الرَّاهِنُ أو مَيِّتًا) وجملتُه أنَّه إذا ضَاقَ مالُ الرَّاهِنِ عن دُيُونِه، وطالَبَ الغُرَماءُ بِدُيُونِهم، أو حُجِرَ عليه لِفَلَسِه، وأُرِيدَ قِسْمَةُ مَالِه بينَ غُرَمَائِه، فأوَّلُ مَن يُقَدَّمُ مَنْ له أرْشُ جِنَايَةٍ يَتَعَلَّقُ بِرَقَبَةِ بعضِ عَبِيدِ المُفْلِسِ؛ لما ذَكَرْنَا من قبلُ، ثم مَنْ له رَهْنٌ؛ فإنَّه يُخَصُّ بِثَمَنِه

стр. 3142

عن سَائِرِ الغُرَماءِ؛ لأنَّ حَقَّهُ مُتَعَلِّقٌ بِعَيْنِ الرَّهْنِ وذِمَّةِ الرَّاهِنِ معًا، وسَائِرُهم يَتَعَلَّقُ حَقُّهُ بالذِّمَّةِ دونَ العَيْنِ، فكان حَقُّه أَقْوَى، وهذا من أكْثَرِ فَوَائِدِ الرَّهْنِ، وهو تَقْدِيمُه بِحَقِّهِ عندَ فَرْضِ مُزَاحَمَةِ الغُرَمَاءِ. ولا نَعْلَمُ فى هذا خِلَافًا. وهو مذهبُ الشَّافِعِىِّ، وأصْحابِ الرَّأْى، وغيرِهم، فَيُباعُ الرَّهْنُ، فإن كان ثَمَنُه وَفْقَ حَقِّه أخَذَهُ، وإن كان فيه فَضْلٌ عن دَيْنِه رُدَّ البَاقِى على الغُرَمَاءِ، وإن فَضَلَ من دَيْنِه شىءٌ أخَذَ ثَمَنَهُ، وضَرَبَ مع الغُرَمَاءِ بِبَقِيَّةِ دَيْنِه، ثم مِنْ بعد ذلك مَنْ وَجَدَ عَيْنَ مَالِهِ فهو أحَقُّ بها، ثم يُقْسمُ البَاقِى بين الغُرَمَاءِ، على قَدْرِ دُيُونِهِم، ولو كان فيهم مَنْ دَيْنُه ثَابِتٌ بِجِنَايَةِ المُفْلِسِ، لم يُقَدَّمْ، وكان أُسْوَةَ الغُرَمَاءِ؛ لأنَّ أرْشَ جِنَايَتِه يَتَعَلَّقُ بِذِمَّتِه دون مَالِه، فهو كَبقِيَّةِ الدُّيُونِ، بخِلَافِ أَرْشِ جِنَايَةِ العَبْدِ، فإنَّها تَتَعَلَّقُ بِرَقَبَةِ العَبْدِ، فلذلك كان أحَقَّ به ممَّن تَعَلَّقَ حَقُّه بمُجَرَّدِ الذِّمَّةِ، ولا فَرْقَ فى اسْتِحْقَاقِ ثَمَنِ الرَّهْنِ والاخْتِصَاصِ به بينَ كون الرَّاهِنِ حَيًّا أو مَيِّتًا؛ لأنَّ تَقْدِيمَ حَقِّه من حيثُ كان حَقُّهُ مُتَعَلِّقًا بِعَيْنِ المالِ، وهذا المَعْنَى لا يَخْتَلِفُ بالحَيَاةِ والمَوْتِ، فكذلك ما ثَبَتَ به، كأرْشِ الجِنَايَةِ. فصل: ولو باعَ شيئا أو بَاعَهُ وَكِيلُه وقَبَضَ الثَّمنَ، أو بَاعَ العَدْلُ الرَّهْنَ وقَبَضَ الثَّمَنَ فَتلِفَ، وتَعَذَّرَ رَدُّه، وخَرَجَتِ السِّلْعَةُ مُسْتَحقَّةً، سَاوَى المُشْتَرِى الغُرَمَاءَ؛ لاُنَّ حَقَّهُ لم يَتَعَلَّقْ بِعَيْنِ المالِ، فهو بِمَنْزِلَةِ أَرْشِ جِنَايَةِ المُفْلِسِ. وذَكَرَ القاضى احْتِمَالًا آخَرَ، أنَّه يُقَدَّمُ على الغُرَمَاءِ؛ لأنَّه لم يَرْضَ بمُجَرَّدِ الذِّمَّةِ، فكان أَوْلَى، كالمُرْتَهِنِ، ولأنَّه لو لم يُقَدَّمْ على الغُرَمَاءِ، لَامْتَنَعَ الناسُ عن (١) شِرَاءِ مَالِ المُفْلِسِ، خَوْفًا مِن ضَيَاعِ أمْوَالِهِم، فتَقِلُّ الرَّغَبَاتُ فيه، ويَقِلُّ ثَمَنُه، فكان تَقْدِيمُ المُشْتَرِى بذلك على الغُرَمَاءِ أنْفَعَ لهم. وهذا وَجْهٌ لأصْحَابِ الشَّافِعِىِّ. ولَنا، أنَّ هذا حَقٌّ لم يَتَعَلَّقْ بِعَيْنِ المالِ، فلم يُقَدَّمْ، كالذى جَنَى عليه المُفْلِسُ، وفَارَقَ

стр. 3143

المُرْتَهِنَ، فإنَّ حَقَّهُ تَعَلَّقَ بالعَيْنِ، وما ذَكَرُوهُ من المَعْنَى الأوَّلِ مُنْتَقضٌ بأَرْشِ جِنَايَةِ المُفْلِسِ، والثانى مَصْلَحَةٌ لا أَصْلَ لها، فلا يَثْبُتُ الحُكْمُ بها. فأمَّا إن كان الثمنُ مَوْجُودًا، يُمْكِنُ رَدُّه، وَجَبَ رَدُّه، ويَنفَرِدُ به صَاحِبُه؛ لأنَّ عَيْنَ مَالِه لم يَتَعَلَّقْ به حَقُّ أحَدٍ من الناسِ، وكذلك صَاحِبُ السِّلْعَةِ المُسْتَحَقَّةِ يَأْخُذُها، ومتى بَاعَ العَدْلُ مَالَ المُفْلِسِ، أو بَاعَ الرَّهْنَ وخَرَجَتِ السِّلْعَةُ مُسْتَحقَّةً، فالعُهْدَةُ على المُفْلِسِ، فلا شَىْءَ على العَدْلِ؛ لأنَّه أمِينٌ. فصل: ومن اسْتَأْجَرَ دَارًا أو بَعِيرًا بِعَيْنِه، أو شيئا غَيْرَهما بِعَيْنِه، ثم أَفْلَسَ المُؤْجِرُ، فالمُسْتَأْجِرُ أحَقُّ بالعَيْنِ التى اسْتَأْجَرَها من الغُرَمَاءِ، حتى يَسْتَوْفِىَ حَقَّهُ؛ لأنَّ حَقَّهُ مُتَعَلِّقٌ بِعَيْنِ المالِ، والمَنْفَعَةُ مَمْلُوكَةٌ له فى هذه المُدَّةِ، فكان أحَقَّ بها، كما لو اشْتَرَى منه شيئا. فإن هَلَكَ البَعِيرُ، أو انْهَدَمَتِ الدَّارُ، قبلَ انْقِضَاءِ المُدَّةِ، انْفَسَخَتِ الإجَارَةُ، ويَضْرِبُ مع الغُرَمَاءِ ببَقِيَّةِ الأُجْرَةِ. وإن اسْتَأْجَرَ جَمَلًا فى الذِّمَّةِ أو غيرَه، ثم أَفْلَسَ المُؤْجِرُ، فالمُسْتَأْجِرُ أُسْوَةُ الغُرَمَاءِ؛ لأنَّ حَقَّهُ لم يَتَعَلَّقْ بالعَيْنِ. وهذا مذهبُ الشَّافِعِىِّ. ولا نَعْلَمُ فيه خِلَافًا. فإن آجَرَ دَارًا ثم أفْلَسَ، فاتَّفَقَ الغُرَمَاءُ والمُفْلِسُ على البَيْعِ قبلَ انْقِضَاءِ مُدَّةِ الإجَارَةِ، فلهم ذلك، ويَبِيعُونَها مُسْتَأجَرَةً، وإن اخْتَلَفُوا، قُدِّمَ قولُ مَن طَلَبَ البَيْعَ فى الحالِ؛ لأنَّه أحْوَطُ من التَّأْخِيرِ، فإذا اسْتَوْفَى المُسْتَأْجِرُ يُسَلِّمُ المُشْتَرِى. وإن اتَّفَقُوا على تَأْخِيرِ البَيْعِ حتى تَنْقَضِىَ مُدَّةُ الإِجَارَةِ، فلهم ذلك؛ لأنَّ الحَقَّ لهم، لا يَخْرُجُ عنهم. فصل: ولو بَاعَ سِلْعَةً، ثم أَفْلَسَ قبلَ تَقْبِيضِها، فالمُشْتَرِى أحَقُّ بها من الغُرَمَاءِ، سواءٌ كانت من المَكِيلِ والمَوْزُونِ أو غيرِهما؛ لأنَّ المُشْتَرِىَ قد مَلَكَها، وثَبَتَ مِلْكُه فيها، فكان أحَقَّ بها، كما لو قَبَضَها، ولا فَرْقَ بين ما قبل قَبْضِ الثَّمَنِ وما بعدَه. وإن كان عليه سَلَمٌ، فَوَجَدَ المُسْلِمُ الثَّمَنَ قَائِمًا. فهو أحَقُّ به؛ لأنَّه وَجَدَ عَيْنَ مَالِه، وإن لم يَجِدْه، فله أُسْوَةُ الغُرَمَاءِ؛ لأنَّه

стр. 3144

لم يَتَعَلَّقْ حَقُّه بِعَيْنِ مَالٍ، ولا ثَبَتَ مِلْكُه فيه، ويَضْرِبُ مع الغُرَمَاءِ بالمُسْلَمِ فيه الذى يَسْتَحِقُّه دونَ الثَّمَنِ، فيُعْزَلُ له قَدْرُ حَقِّهِ، فإن كان فى المالِ جِنْسُ حَقِّه، أخَذَ منه بِقَدْرِ ما يَسْتَحِقُّه، وإن لم يكُنْ فيه جِنْسُ حَقِّه، عُزِلَ له بِقَدْرِ حَقِّه، فيَشْتَرِى به المُسْلَمَ فيه، فيَأْخُذُه، وليس له أن يَأْخُذَ المَعْزُولَ بِعَيْنِه؛ لِئَلَّا يكونَ بَدَلًا عمَّا فى الذِّمَّةِ من المُسْلَمِ فيه. ولا يجوزُ أخْذُ البَدَلِ عن المُسْلَمِ فيه. وإن أمْكَنَ أن يشْتَرى بالمَعْزُولِ أكْثَرَ ممَّا قُدِّرَ له، لِرُخْصِ المُسْلَمِ فيه، اشْتُرِىَ له بِقَدْرِ حَقِّه، وَرُدَّ الباقِى على الغُرَمَاءِ. مِثالُه، رَجُلٌ أَفلَسَ وله دِينَارٌ، وعليه لِرَجُلٍ دِينَارٌ، ولآخَرَ قَفِيزُ حِنْطَةٍ من سَلَمٍ قِيمَتُه (٢) دِينَارٌ. فإنَّه يُقْسَمُ دِينَارُ المُفْلِسِ نِصْفَيْنِ، لِصَاحِبِ الدِّينَارٍ نِصْفُه، ويُعْزَلُ نِصْفُه لِلْمُسْلِمِ، فإن رَخُصَتِ الحِنْطَةُ، فصَارَ قِيمَةُ القَفِيزِ نِصْفَ دِينَارٍ، تَبَيَّنَّا أنَّ حَقَّهُ مثلُ نِصْفِ حَقِّ صَاحِبِ الدِّينَارِ، فلا يَسْتَحِقُّ من دِينَارِ المُفْلِسِ إلَّا ثُلُثَه، فيُشْتَرَى (٣) له به ثُلُثَا قَفِيزٍ، فيُدْفَعُ إليه، ويُرَدُّ سُدُسُ الدِّينَارِ على الغَرِيمِ الآخَرِ، فإن غَلَا المُسْلَمُ فيه، فصَارَ قِيمَةُ القَفِيزِ دِينَارَيْنِ، تَبَيَّنَّا أنَّه يَسْتَحِقُّ مِثْلَىْ ما يَسْتَحِقُّه صَاحِبُ الدِّينَارِ، فيكونُ له من دِينَارِ المُفْلِسِ ثُلُثَاهُ فيُشْتَرَى له بالنِّصْفِ المَعْزُولِ، ويُرْجَعُ على الغَرِيمِ بِسُدُسِ دِينَارٍ، يُشْتَرَى له به أيضا؛ لأنَّ المَعْزُولَ مِلْكُ المُفْلِس، وإنما لِلْمُسْلِمِ قَدْرُ حَقِّه، فإن زَادَ فَلِلْمُفْلِسِ، وإن نَقَصَ فعليه. فصل: قال عبدُ اللَّه بن أحمدَ: سألتُ أبى عن رجلٍ عندَه رُهُونٌ كَثِيرَةٌ، لا يَعْرِفُ أصْحَابَها، ولا مَن رَهَنَ عندَه. قال: إذا أَيِسْتَ من مَعْرِفَتِهِم، ومَعْرِفَةِ وَرَثَتِهِمْ، فأَرَى أن تُبَاعَ ويُتَصَدَّقَ بِثَمَنِها، فإن عَرَفَ بعدُ أَرْبَابَها، خَيَّرَهُم بين الأَجْرِ أو يَغْرَمَ لهم، هذا الذى أذْهَبُ إليه. وقال أبو الحارِثِ، عن أحمدَ، فى

стр. 3145

الرَّهْنِ يكونُ عنده السِّنِينَ الكَثِيرَةَ، يَأْيَسُ من صَاحِبِه: يَبِيعُه، ويَتَصَدَّقُ بالفَضْلِ. فظاهِرُ هذا أنَّه يَسْتَوْفِى حَقَّه. ونَقَلَ أبو طَالِبٍ: لا يَسْتَوْفِى حَقَّه من ثَمَنِه. لكنْ (٤) [إن جاءَ] (٥) صاحِبُه (٦) فطَلَبهُ، أعْطَاهُ إيَّاهُ، وطَلَبَ منه حَقَّهُ، وأمَّا إن رَفَعَ أمْرَه إلى الحاكِمِ، فبَاعَه ووَفَّاهُ منه حَقَّهُ، جازَ ذلك.

стр. 3146

كتابُ المُفْلِسِ المُفْلِسُ هو الَّذى لا مَالَ له، ولا ما يَدْفَعُ به حاجَتَهُ، ولهذا لمَّا قال النَّبِىُّ ﷺ لأصْحَابِه: "أتَدْرُونَ مَنِ المُفْلِسُ؟ ". قالوا: يا رسولَ اللهِ، المُفْلِسُ فينا مَن لا دِرْهَمَ له ولا مَتَاعَ. قال: "لَيْسَ ذَلِكَ المُفْلِسَ، ولَكِنَّ المُفْلِسَ مَنْ يَأْتِى يَوْمَ القِيَامَةِ بِحَسَنَاتٍ أَمْثَالِ الجِبَالِ، ويَأْتِى وَقَدْ ظَلَمَ هَذَا، وَلَطَمَ هَذَا، وأَخَذَ مِنْ عِرْضِ هَذَا، فيَأخُذُ هَذَا مِنْ حَسَنَاتِهِ، وهَذَا مِنْ حَسَنَاتِه، فَإِنْ بَقِىَ عَلَيْهِ شَىْءٌ أُخِذَ مِنْ سَيِّئَاتِهم، فَرُدَّ عَلَيْهِ، ثُمَّ صُكَّ لَهُ صَكٌّ إلَى النَّارِ". أخْرَجَهُ مُسْلِمٌ بمعناه (١). فقَوْلُهم ذلك إخْبَارٌ عن حَقِيقَةِ المُفْلِسِ، وقولُ النَّبِىِّ ﷺ : "لَيْسَ ذَلِكَ (٢) المُفْلِسَ". تَجَوُّزٌ لم يُرِدْ به نَفْىَ الحَقِيقَةِ، بل أَرَادَ أنَّ فَلَسَ الآخِرَةِ أشَدُّ وأعْظَمُ؛ بحيثُ يَصِيرُ مُفْلِسُ الدُّنْيَا بالنِّسْبَةِ إليه كالغَنِىِّ. ونحوُ هذا قولُه ﷺ : "لَيْسَ الشَّدِيدُ بِالصُّرَعَةِ، ولَكِنَّ الشَّدِيدَ الَّذِى يَغْلِبُ نَفْسَهُ عِنْدَ الغَضَبِ" (٣). وقولُه: "لَيْسَ السَّابِقُ مَنْ سَبَقَ بَعيرُهُ، وَإِنَّمَا السَّابِقُ مَنْ غُفِرَ لَهُ" (٤). وقولُه: "لَيْسَ الغِنَى عَنْ كَثْرَةِ العَرَضِ،

стр. 3147

إنَّمَا الْغِنَى غِنَى النَّفْسِ" (٥). ومنه قولُ الشَّاعرِ (٦): لَيْسَ مَنْ مَاتَ فَاسْتَرَاحَ بِمَيْتٍ ... إنَّما المَيْتُ مَيِّتُ الأَحْيَاءِ وإنما سُمِّى هذا مُفْلِسًا؛ لأنَّه لا مَالَ له إلَّا الفُلُوسُ، وهى أَدْنَى أَنْوَاعِ المالِ. والمُفْلِسُ فى عُرْفِ الفُقَهَاءِ: مَن دَيْنُه أكْثَرُ من مَالِه، وخَرْجُه أكْثَرُ من دَخْلِه. وسمّوْهُ مُفْلِسًا وإن كان ذا مَالٍ؛ لأنَّ مَالَهُ مُسْتَحقُّ الصَّرْفِ فى جِهَةِ دَيْنِه، فكأنَّه مَعْدُومٌ. وقد دَلَّ عليه تَفْسِيرُ النَّبِىِّ ﷺ مُفْلِسَ الآخِرَةِ، فإنَّه أخْبَرَ أنَّ له حَسَنَاتٍ أمثالَ الجِبَالِ، لكنَّها كانت دُونَ ما عليه، فقُسِمَتْ بينَ الغُرَمَاءِ، وبَقِىَ لا شَىءَ له. ويجوزُ أن يَكونَ سُمِّىَ بذلك لما يَؤُولُ إليه من عَدمِ مَالِه بعدَ وَفَاءِ دَيْنِه، ويجُوزُ أن يكونَ سُمِّى بذلك، لأنَّه يُمْنَعُ من التَّصَرُّفِ فى مَالِه، إلَّا الشَّىْءَ التَّافِهَ الَّذى لا يَعِيشُ إلَّا به، كالفُلُوسِ ونَحْوِها. فصل: ومتى لَزِمَ الإِنْسَانَ دُيُونٌ حَالَّةٌ، لا يَفِى مَالُه بها، فسَألَ غُرَماؤُه الحاكِمَ الحَجْرَ عليه، لَزِمَتْه إجابَتُهم، ويُسْتَحَبُّ أن يَظْهَرَ الحَجْرُ عليه لِتُجْتَنَبَ مُعامَلَتُه، فإذا حُجِرَ عليه ثَبَتَ بذلك أربعةُ أحْكامٍ؛ أحَدُها، تَعَلُّقُ حُقُوقِ الغُرَمَاءِ بعَيْنِ مَالِه. والثانى، مَنْعُ تَصَرُّفِه فى عَيْنِ مَالِه. والثالث، أنَّ مَن وَجَدَ عَيْنَ مَالِه عندَه فهو أحَقُّ بها من سَائِرِ الغُرَمَاءِ إذا وُجِدَتِ الشُّرُوطُ. الرابع، أنَّ لِلْحَاكِمِ بَيْعَ مَالِه وإِيفَاءَ الغُرَمَاءِ. والأصْلُ فى هذا ما رَوَى كَعْبُ بن مالِكٍ، أنَّ رسولَ اللَّه ﷺ حَجَرَ على

стр. 3148

مُعاذِ بن جَبَلٍ، وبَاعَ مَالَهُ. رَوَاهُ الخَلَّالُ بإِسْنَادِه (٧). وعن عبد الرحمنِ بن كَعْبٍ، قال: كان مُعَاذُ بن جَبَلٍ من أَفْضَلِ شَبَابِ قَوْمِه، ولم يكُنْ يُمْسِكُ شَيْئًا، فلم يَزَلْ يُدَانُ حتى أَغرَقَ مَالَهُ فى الدَّيْنِ، فكَلَّمَ النَّبِىَّ ﷺ غُرَمَاءَهُ، فلو تُرِكَ أحَدٌ من أجْلِ أحَدٍ لَتَرَكُوا مُعَاذًا من أَجْلِ رسولِ اللهِ ﷺ ، فبَاعَ لهم رسولُ اللهِ ﷺ مَالَهُ، حتى قَامَ مُعَاذٌ بغَيرِ شىءٍ (٨). قال بعضُ أهْلِ العِلْمِ: إنَّما لم يَتْرُكِ الغُرَمَاءُ لِمُعَاذٍ حين كَلَّمَهُم رسولُ اللَّه ﷺ ، لأنَّهم كانوا يَهُودًا. ٨٠٠ - مسألة؛ قال: (وإِذَا فَلَّسَ الْحَاكِمُ رَجُلًا، فَأَصَابَ أحَدُ الغُرَمَاءِ عَيْنَ مَالِهِ، فَهُوَ أَحَقُّ بِهِ، إِلَّا أنْ يَشَاءَ تَرْكَهُ، ويَكُونَ أُسْوَةَ الغُرَمَاءِ) وجُمْلتُه أنَّ المُفْلِسَ متى حُجِرَ عليه، فوَجَدَ بعضُ غُرَمَائِه سِلْعَتَهُ التى بَاعَه إيَّاهَا بِعَيْنِها، بالشُّرُوطِ التى يَذْكُرُها، مَلَكَ فَسْخَ البَيْعِ، وأخَذَ سِلْعَتَه. ورُوِىَ ذلك عن عُثْمَانَ، وعَلِىٍّ، وأبى هُرَيْرَةَ. وبه قال عُرْوَةُ، ومالِكٌ، والأوْزَاعِىُّ، والشَّافِعِىُّ، والعَنْبَرِىُّ، وإسحاقُ، وأبو ثَوْرٍ، وابنُ المُنْذِرِ. وقال الحسَنُ، والنَّخَعِىُّ، وابنُ شُبْرُمَةَ، وأبو حنيفةَ: هو أُسْوَةُ الغُرَمَاءِ؛ لأنَّ البائِعَ كان له حَقُّ الإمْسَاكِ لِقَبْضِ الثَّمَنِ، فلمَّا سَلَّمَه أَسْقَطَ حَقَّه من الإِمْساكِ، فلم يكُنْ له أن يَرْجِعَ فى ذلك بالإِفْلاسِ، كالمُرْتَهِنِ إذا سَلَّمَ الرَّهْنَ إلى الرَّاهِنِ. ولأنَّه ساوَى الغُرَماءَ فى سَبَبِ الاسْتِحْقاقِ، فَيُساوِيهم فى الاسْتِحْقاقِ، كسائِرِهم. ولَنا، ما روَى أبو هُرَيْرَةَ، أنَّ النَّبِىَّ ﷺ قال: "مَنْ أَدْرَكَ مَتَاعَهُ بِعَيْنِهِ عِنْدَ إنْسَانٍ قَدْ أفْلَسَ فَهُوَ أَحَقُّ

стр. 3149

بِهِ". مُتَّفَقٌ عليه (١). قال أحمدُ: لو أن حَاكِمًا حَكَمَ أنه أُسْوَةُ الغُرَمَاءِ، ثم رُفِعَ إلى رجلٍ يَرَى العَمَلَ بالحَدِيثِ، جازَ له نَقْضُ حُكْمِه. ولأنَّ هذا العَقْدَ يَلْحَقُه الفَسْخُ بالإِقَالَةِ، فجازَ فيه الفَسْخُ، لِتَعَذُّرِ العِوَضِ، كالمُسْلَمِ فيه إذا تَعَذَّرَ. ولأنه لو (٢) شَرَطَ فى البَيْعِ رَهْنًا، فعَجَزَ عن تَسْلِيمِه، اسْتَحَقَّ الفَسْخَ، وهو وَثِيقَةٌ بالثَّمَنِ، فالعَجْزُ عن تَسْلِيمِ الثَّمَنِ بِنَفْسِه أَوْلَى. ويُفَارِقُ المَبِيعُ الرَّهْنَ؛ فإن إمْساكَ الرَّهْنِ إمْسَاكٌ مُجَرَّدٌ على سَبِيلِ الوَثِيقَةِ، وليس بِبَدَلٍ، والثَّمَنُ هاهُنا بَدَلٌ عن العَيْنِ، فإذا تَعَذَّرَ اسْتِيفَاؤُه، رَجَعَ إلى المُبْدَلِ. وقولُهم: تَسَاوَوْا فى سَبَبِ الاسْتِحْقَاقِ. قُلْنا: لكن اخْتَلَفُوا فى الشَّرْطِ، فإنَّ بَقَاءَ العَيْنِ شَرْطٌ لِمِلْكِ الفَسْخِ، وهى مَوْجُودَةٌ فى حَقِّ مَن وَجَدَ مَتاعَهُ دُونَ مَن لم يَجِدْه. إذا ثَبَتَ هذا، فإنَّ البائِعَ بالخِيَارِ، إن شاءَ رَجَعَ فى السِّلْعَةِ، وإن شاءَ لم يَرْجِعْ، وكان أُسْوَةَ الغُرَماءِ، وسواءٌ كانت السِّلْعَةُ مُسَاوِيَةً لِثَمنِها أو أقَلَّ أو أكْثَرَ؛ لأنَّ الإِعْسَارَ سَبَبٌ يُثْبِتُ (٣) جَوَازَ الفَسْخِ، فلا يُوجِبُه، كالعَيْبِ والخِيَارِ. ولا يَفْتَقِرُ الفَسْخُ إلى حُكْمِ حَاكِمٍ لأنَّه فَسْخٌ ثَبَتَ بالنَّصِّ، فلم يَفْتَقِرْ إلى حُكْمِ حَاكِمٍ، كفَسْخِ النِّكاحِ لِعَتْقِ الأَمَةِ. فصل: وهل خِيَارُ الرُّجُوعِ على الفَوْرِ، أو على التَّرَاخِى؟ على وَجْهَيْنِ، بنَاءً على خِيَارِ الرَّدِّ بِالعَيْبِ، وفى ذلك رِوَايَتانِ، إحْدَاهما، هو على التَّرَاخِى؛ لأنَّه حَقُّ

стр. 3150

رُجُوعٍ يَسْقُطُ إلى عِوَضٍ، فكان على التَّرَاخِى، كالرُّجُوعِ فى الهِبَةِ. والثانى، هو على الفورِ؛ لأنَّه خِيَارٌ يَثْبُتُ فى البَيْعِ لِنَقْصٍ فى العِوَضِ، فكان على الفَوْرِ، كالرَّدِّ بِالعَيْبِ. ولأنَّ جَوَازَ تَأْخِيرِه (٤) يُفضِى إلى الضَّرَرِ بالغُرَمَاءِ، لإفْضَائِه إلى تَأْخِيرِ حُقُوقِهِم، فأشْبَهَ خِيارَ الأَخْذِ بالشُّفْعَةِ. ونَصَرَ القاضِى هذا الوَجْهَ، ولأصْحابِ الشَّافِعِىِّ وَجْهانِ كهذَيْنِ. فصل: فإن بَذَلَ الغُرَمَاءُ الثَّمَنَ لِصَاحِبِ السِّلْعَةِ لِيَتْرُكَها، لم يَلْزَمْهُ قَبُولُه. نَصَّ عليه أحمدُ. وبه قال الشَّافِعِىُّ. وقال مالِكٌ: ليس له الرُّجُوعُ؛ لأنَّ الرُّجُوعَ إنَّما يجوزُ لِدَفْعِ ما يَلْحَقُه من النَّقْصِ فى الثَّمَنِ، فإذا بُذِلَ له بِكَمَالِه، لم يكُنْ له الرُّجُوعُ، كما لو زَالَ العَيْبُ من المَعِيبِ. ولَنا، الخَبَرُ الذى رَوَيْناه، ولأنَّه تَبَرُّعٌ بِدَفْعِ الحَقِّ مِن غَيْرِ مَن هو عليه، فلم يُجْبَرْ صَاحِبُ الحَقِّ على قَبْضِه، كما لو أعْسَرَ الزَّوْجُ بالنَّفَقَةِ، فبَذَلَها غيرُه، أو عَجَزَ المُكَاتَبُ، فبَذَلَ غيرُه ما عليه لِسَيِّدِه، وبهذا يَنْتَقِضُ ما ذَكَرُوه، وسواءٌ بَذَلُوه من أمْوَالِهِم أو خَصُّوه بِثَمَنِه من التَّرِكَةِ، وفى هذا القَسْمِ ضَرَرٌ آخَرُ؛ لأنَّه لا يَأْمَنُ تَجَدُّدَ ثُبُوتِ دَيْنٍ آخَرَ، فَيَرْجِعُ عليه. وإن دَفَعُوا إلى المُفْلِسِ الثَّمَنَ، فبَذَلَه لِلْبائِعِ، لم يكُنْ له الفَسْخُ؛ لأنه زَالَ العَجْزُ عن تَسْلِيمِ الثَّمَنِ، فزَالَ مِلْكُ الفَسْخِ، كما لو أسْقَطَ سَائِرُ الغُرَماءِ حُقُوقَهم عنه، فمَلَكَ أدَاءَ الثَّمَنِ. ولو أسْقَطَ الغُرَماءُ حُقُوقَهُم (٥) عنه، فتَمَكَّنَ من الأَدَاءِ، أو وُهِبَ له مَالٌ. فأمْكَنَهُ الأدَاءُ منه، أو غَلَتْ أعْيَانُ مَالِه، فصَارَتْ قِيمَتُها وَافِيَةً بحُقُوقِ الغُرَمَاءِ، بحيثُ يُمكِنُه أداءُ الثَّمَنِ كلِّه، لم يكُنْ لِلْبَائِع الفَسْخُ؛ لِزَوالِ سَبَبِه، ولأنَّه أمْكَنَه الوُصُولُ إلى ثَمَنِ سِلْعَتِه (٦) من المُشْتَرِى، فلم يكن له الفَسْخُ، كما لو لم يُفْلِسْ. فصل: فإن اشْتَرَى المُفْلِسُ من إنْسَانٍ سِلْعَةً بعد ثُبُوتِ الحَجْرِ عليه فى ذِمَّتِه،

стр. 3151

لم يكُنْ له الفَسْخُ؛ لِتَعَذُّرِ الاسْتِيفَاءِ، سواءٌ عَلِمَ أو لم يَعْلَمْ. ولأنَّه لا يَسْتَحِقُّ المُطَالَبةَ بِثَمَنِها، فلا يَسْتَحِقُّ الفسْخَ لِتَعَذُّرِه، كما لو كان ثَمَنُها مُؤَجَّلًا. ولأنَّ العَالِمَ بالعَيْبِ دَخَلَ على بَصِيرَةٍ بِخَرَابِ الذِّمَّةِ، فأشْبَه من اشْتَرَى مَعِيبًا يَعْلَمُ عَيْبَه. وفيه وَجْهٌ آخَرُ، أنَّ له الخِيَارَ؛ لِعُمُومِ الخَبَرِ، ولأنَّه عَقَدَ عليه وَقْتَ الفَسْخِ، فلم يَسْقُطْ حَقُّه من الفَسْخِ، كما لو تَزَوَّجَتِ امْرأَةٌ فَقِيرًا مُعْسِرًا بِنَفَقَتِها. وفيه وَجْهٌ ثالِثٌ، إن بَاعَهُ عَالِمًا بِفَلَسِه فلا فَسْخَ له، وإن لم يَعْلَمْ فله الفَسْخُ، كَمُشْتَرِى المَعِيبِ. ويُفارِقُ المُعْسِرَ بالنَّفَقَةِ؛ لكَوْنِ النَّفَقَةِ يَتَجَدَّدُ وُجُوبُها كلَّ يومٍ، فالرِّضَى بالمُعْسِرِ بها رِضًى بِعَيْبِ ما لم يَجِبْ، بخِلَافِ مَسْأَلَتِنَا، وإنَّما يُشْبِهُ هذا إذا تَزَوَّجَتْ (٧) مُعْسِرًا بالصَّدَاقِ. وسَلَّمَتْ نَفْسَها إليه، ثم أرَادَتِ الفَسْخَ. فصل: ومَن اسْتَأْجَرَ أرْضًا لِيَزْرَعَها، فأَفلَسَ قبلَ مُضِىِّ شىءٍ من المُدَّةِ، فَلِلْمُؤْجِرِ فَسْخُ الإجارَةِ؛ لأنَّه وَجَدَ عَيْنَ مَالِه، وإن كان بعدَ انْقِضاءِ المُدَّةِ، فهو غَرِيمٌ بالأُجْرَةِ. وإن كان بعدَ مُضِىِّ بعضِها، لم يَمْلِكِ الفَسْخَ فى قِيَاسِ قَوْلِنا فى المَبِيعِ إذا تَلِفَ بعضُه، فإنَّ المُدَّةَ هاهُنا كالمَبِيعِ، ومُضِىُّ بَعْضِها كَتَلَفِ بعضِه، لكن يُعتَبرُ مُضِىُّ مُدَّةٍ لِمثْلِها أُجْرَةٌ؛ لأنَّه لا يُمكِنُ التَّحَرُّزُ عن مُضِىِّ جُزْءٍ منها بحالٍ. وقال القاضِى، فى مَوْضِعٍ آخَرَ: من اكْتَرَى أرْضًا فزَرَعَها، ثم أفْلَسَ، ففَسَخَ صَاحِبُ الأرْضِ، فعليه تَبْقِيَةُ زَرْعِ المُفْلِسِ إلى حينِ الحَصَادِ بِأَجْرِ مثلِه؛ لأنَّ المَعْقُودَ عليه المَنْفَعَةُ، فإذا فَسَخَ العَقْدَ، فَسَخَه فيما مَلَكَ عليه بالعَقْدِ، وقد تَعَذَّرَ رَدُّها عليه، فكان عليه عِوَضُها، كما لو فَسَخَ البَيْعَ بعدَ أن أتْلَفَ المَبِيعَ، فله قِيمَتُه، ويَضْرِبُ بذلك مع الغُرَمَاءِ، كذا هاهُنا، ويَضْرِبُ مع الغُرَمَاءِ بأجْرِ المِثْلِ دونَ المُسَمَّى. وهذا مذهبُ الشَّافِعِىِّ، وهذا لا يَقْتَضِيهِ مَذْهَبُنا، ولا يَشْهَدُ لِصِحَّتِه الخَبَرُ، وَلا يَصِحُّ فى النَّظرِ؛ أمَّا الخَبَرُ، فلأنَّ النَّبىَّ ﷺ إنَّما قال: "مَنْ أَدْرَكَ

стр. 3152

مَتَاعَهُ بِعَيْنِهِ عِنْدَ رَجُلٍ قَدْ أفْلَسَ، فَهُوَ أحَقُّ به" (٨). وهذا ما أدْرَكَ مَتَاعَهُ بِعَيْنِه، ولا هو أحَقُّ به بالإِجْمَاعِ، فإنَّهم وَافَقُوا على وُجُوبِ تَبْقِيَتِها، وعَدَمِ الرُّجُوعِ فى عَيْنِها، ولأن مَعْنَى قَوْلِه: "مَنْ أَدْرَكَ مَتَاعَهُ بِعَيْنِه". أىْ على وَجْهٍ يُمْكِنُه أخْذُه، لا يَتَعَلَّقُ حَقُّه بِعَيْنِه، وليس هذا كذلك. وأما النَّظَرُ، فلأنَّ البَائِعَ إنَّما كان أحَقَّ بِعَيْنِ مَالِه؛ لِتَعَلُّقِ حَقِّه بالعَيْنِ، وإمْكَانِ رَدِّ مَالِه إليه بِعَيْنِه، فيَرْجِعُ على مَن تَعَلَّقَ حَقُّه بمُجَرَّدِ الذِّمَّةِ، وهذا لم يَتَعَلَّقْ حَقُّه بالعَيْنِ، ولا أمكنَ رَدُّها إليه، وإنَّما صَارَ فَائِدَةُ الرُّجُوعِ الضَّرْبَ بالقِيمَةِ دونَ المُسَمَّى، وليس هذا هو المُقْتَضِى فى مَحلِّ النَّصِّ، ولا هو فى مَعْناه، فإثْباتُ الحُكْمُ به تَحَكُّمٌ بغَيرِ دَلِيلٍ. ولو اكْتَرَى رَجُلًا يَحْمِلُ له مَتَاعًا إلى بَلَدٍ، ثم أفْلَسَ المُكتَرِى قبلَ حَمْلِ شىءٍ، فلِلْمُكْتَرِى الفَسْخُ. وإن حَمَلَ البعضَ، أو بعضَ المَسَافَةِ، فقِياسُ المَذْهَبِ ليس له الفَسْخُ، وقِيَاسُ قولِ القاضِى: له ذلك. فإذا فَسَخَ سَقَطَ عنه حَمْلُ ما بَقِىَ، وضَرَبَ مع الغُرَمَاءِ بِقِسْطِ ما حَمَلَ من الأَجْرِ المُسَمَّى. وعلى قِيَاسِ قولِ القاضِى: يَنْفَسِخُ العَقْدُ فى الجَمِيعِ، ويَضْرِبُ بِقِسْطِ ما حَمَلَ من أجْرِ المِثْلِ؛ لما ذَكَرْنَا من قولِه فى المَسْأَلَةِ التى حَكَيْنا قَوْلَه فيها. فصل: فإن أَقْرَضَ رجلًا مالًا، ثم أفْلَسَ المُقْتَرِضُ، وعينُ المالِ قائِمٌ، فله الرُّجُوعُ فيها؛ لقولِه ﵇: "مَنْ أَدْرَكَ مَتَاعَهُ بِعَيْنِهِ عِنْدَ رَجُلٍ قَدْ أفْلَسَ، فَهُوَ أحَقُّ به". ولأنه غَرِيمٌ وَجَدَ عَيْنَ مَالِه، فكان له أخْذُها، كالبَائِعِ. وإن أَصْدَقَ امْرأةً (٩) عَيْنًا، ثم انْفَسَخَ نِكَاحُها بِسَبَبٍ من جِهَتِها يُسْقِطُ صَدَاقَها، أو طَلَّقَها قبلَ دُخُولِه بها، فَاسْتَحَقَّ الرُّجُوعَ فى نِصْفِه، وقد أفْلَسَتْ وَوَجَدَ عَيْنَ مَالِه، فهو أحَقُّ بها؛ لما ذَكَرْنَا.

стр. 3153

٨٠١ - مسألة؛ قال: (فَإِنْ كَانَتِ السِّلْعَةُ قَدْ تَلِفَ بَعْضُهَا، أوْ مَزِيدَةً (١) بِمَا لَا تَنْفَصِلُ زِيَادَتُها، أوْ نقَد بَعْضَ ثَمَنِهَا، كَانَ البائِعُ فِيهَا كَأُسْوَةِ الغُرَمَاءِ) وجُمْلَةُ ذلك أنَّ البائِعَ إنَّما يَسْتَحِقُّ الرُّجُوعَ فى السِّلْعَةِ بِخَمْسِ شَرَائِطَ؛ أحدُها، أن تكونَ السِّلْعَةُ باقِيَةً بِعَيْنِها، لم يَتْلَفْ بعضُها، فإن تَلِفَ جُزْءٌ منها كبعضِ أطْرَافِ العَبْدِ، أو ذَهَبَتْ عَيْنُه، أو تَلِفَ بعضُ الثَّوْبِ، أو انْهَدَمَ بعضُ الدَّارِ، أو اشْتَرَى شَجَرًا مُثْمِرًا لم تَظْهَرْ ثَمَرَتُه، فتَلِفَتِ الثَّمرَةُ، أو نحوُ هذا، لم يكنْ لِلْبائِعِ الرُّجُوعُ، وكان أُسْوَةَ الغُرَمَاءِ. وبهذا قال إسحاقُ. وقال مالِكٌ، والأوْزَاعِىُّ، والشَّافِعِىُّ، والعَنْبَرِىُّ: له الرُّجُوعُ فى الباقِى، ويَضْرِبُ مع الغُرَمَاءِ بحِصَّةِ التَّالِفِ؛ لأنَّها عَيْنٌ يَمْلِكُ الرُّجُوعَ فى جَمِيعِها، فمَلَكَ الرُّجُوعَ فى بعضِها، كالذى له الخِيَارُ، وكالأبِ فيما وَهَبَ لِولَدِه. ولَنا، قولُ النَّبِىِّ ﷺ : "مَنْ أَدْرَكَ مَتَاعَهُ بِعَيْنِهِ عِنْدَ إِنْسَانٍ قَدْ أَفْلَسَ، فَهُوَ أحَقُّ به" (٢). فشَرَطَ أن يَجِدَه بِعَيْنِهِ، ولم يَجِدْهُ بِعَيْنِه. ولأنَّه إذا أَدْرَكَه بِعَيْنِه، حَصَلَ له بالرُّجُوعِ فَصْلُ الخُصُومَةِ، وانْقِطَاعُ ما بينهما من المُعامَلَةِ، بِخِلَافِ ما إذا وَجَدَ بَعْضَهُ. ولا فَرْقَ بينَ أن يَرْضَى بالمَوْجُودِ بجميعِ الثَّمَنِ، أو يَأْخُذَهُ بِقِسْطِه من الثَّمِنِ؛ لأنَّه فَاتَ شَرْطُ الرُّجُوعِ. وإن كان المَبِيعُ عَيْنَيْنِ، كعَبْدَيْنِ، أو ثَوْبَيْنِ تَلِفَ أحدُهما، أو بعضُ أحَدِهما، فَفِى جوازِ الرُّجُوعِ فى الباقِى منهما روايتانِ؛ إحْداهما، لا يَرْجِعُ. نَقَلَها أبو طَالِبٍ، عن أحمدَ، قال: لا يَرْجِعُ بِبَقِيَّةِ العَيْنِ، ويكونُ أُسْوَةَ الغُرَمَاءِ؛ لأنَّه لم يَجِدِ المَبِيعَ بِعَيْنِه، فأشْبَهَ ما لو كان عَيْنًا واحِدَةً. ولأنَّ بعضَ المَبِيعِ تَالِفٌ، فلم يَمْلِكِ الرُّجُوعَ، كما لو قُطِعَتْ يَدُ العَبْدِ. ونَقَلَ الحَسَنُ بن ثَوَابٍ (٣) عن أحمدَ، إن كان ثَوْبًا واحِدًا، فتَلِفَ بعضُه، فهو أُسْوَةُ

стр. 3154

الغُرَمَاءِ، وإن كان رِزَمًا، فتَلِفَ بعضُها، فإنه يَأْخُذُ بِقِيمَتِها إذا كان بِعَيْنِه؛ لأنَّ السَّالِمَ من المَبِيعِ وَجَدَهُ البَائِعُ بِعَيْنِه، فيَدْخُلُ فى عُمُومِ قولِه ﷺ : "مَنْ أَدْرَكَ مَتَاعَهُ بِعَيْنِهِ عِنْدَ إنْسَانٍ قَدْ أفْلَسَ. فَهُوَ أحَقُّ بِهِ". ولأنَّه مَبِيعٌ، وَجَدَه بِعَيْنِه، فكان لِلْبَائِعِ الرُّجُوعُ فيه، كما لو كان جميعَ المَبِيعِ. فصل: وإن باعَ بعضَ المَبِيعِ، أو وَهَبَه، أو وَقَفَهُ، فهو بمَنْزِلَةِ تَلَفِه؛ لأنَّ البائِعَ ما أَدْرَكَ مالَهُ بِعَيْنِه. فصل: وإن نَقَصَتْ مَالِيَّةُ المَبِيعِ، لِذَهَابِ صِفَةٍ مع بَقَاءِ عَيْنِه، كعبدٍ هُزِلَ، أو نسِىَ صِناعَةً أو كِتابَةً، أو كَبِرَ، أو مَرِضَ، أو تَغَيَّرَ عَقلُه، أو كان ثَوْبًا فَخَلَقَ، لم يَمْنَعِ الرُّجُوعَ؛ لأنَّ فَقْدَ الصِّفَةِ لا يُخْرِجُه عن كَوْنِه عَيْنَ مالِه، لكنّه يَتَخَيَّرُ بين أخْذِه نَاقِصًا بِجَمِيعِ حَقِّه، وبين أن يَضْرِبَ مع الغُرَمَاءِ بِكَمالِ ثَمَنِه؛ لأنَّ الثَّمَنَ لا يَتَقَسَّطُ على صِفَةِ السِّلْعَةِ من سِمَنٍ، أو هُزَالٍ، أو عِلْمٍ، أو نحوِه، فيصيرُ كنقصِه لتَغَيُّرِ الأسعارِ. ولو كان المَبِيعُ أمَةً ثَيِّبًا، فوَطِئَها المُشْتَرِى، ولم تَحْمِلْ، فله الرُّجُوعُ فيها؛ لما ذَكَرْنَا، فإنَّها لم تَنْقُصْ فى ذاتٍ ولا فى صِفَاتٍ. وإن كانت بِكْرًا، فقال القاضى: له الرُّجُوعُ؛ لأنَّه فَقَدَ صِفَةً، فإنَّه لم يَذْهَبْ منها جُزءٌ، وإنَّما هو كالجِراحِ. وقال أبو بكرٍ: ليس له الرُّجُوعُ؛ لأنَّه أذْهَبَ منها جُزْءًا، فأشْبَه ما لو فَقَأ عَيْنَها. وإن وُجِدَ الوَطْءُ من غيرِ المُفْلِسِ، فهو كَوَطْءِ المُفْلِسِ، فيما ذَكَرْنَا. فصل: وإن جُرِحَ العَبْدُ أو شُجَّ، فعلى قولِ أبى بكرٍ: لا يَرْجِعُ؛ لأنَّه ذَهَبَ جُزْءٌ يَنْقُصُ به الثَّمَنُ، فأشْبَه ما لو فقِئَتْ عَيْنُ العَبْدِ؛ لأنَّه ذَهَبَ من العَيْنِ جُزْءٌ له بَدَلٌ، فمَنَعَ الرُّجُوعَ، كما لو قُطِعَتْ يَدُ العَبْدِ، ولأنَّه لو نَقَصَ صِفَةً مُجَرَّدَةً، لم يكُنْ للبائِعِ من الرُّجُوعِ فيها شىءٌ سِواهُ، كما ذَكَرْنا فى هُزالِ العَبْدِ، ونِسيانِ الصَّنْعَةِ، وهاهُنا بِخِلافِه، ولأنَّ الرُّجُوعَ فى المَحلِّ المَنْصُوصِ عليه يَقْطَعُ النِّزاعَ، ويُزِيلُ المُعامَلَةَ بينهما، فلا يَثْبُتُ فى مَحلٍّ لا يَحْصُلُ به هذا المَقْصُودُ. وقال القاضى: قِياسُ المذهبِ أنَّ له الرُّجُوعَ؛ لأنَّه فَقَدَ صِفَةً، فأشْبَه نسيانَ الصَّنْعَةِ، واسْتِخْلَاقَ

стр. 3155

الثَّوْبِ. فإذا رَجَعَ، نَظَرْنَا فى الجَرْحِ، فإن كان ممَّا لا أرْشَ له، كالحاصِلِ بِفعْلِ اللهِ تعالى، أو فِعْلِ بَهيمَةٍ، أو جِنَايَةِ المُفْلِسِ، أو جنايَةِ عبدِه، أو جنايَةِ العبدِ على نفسِه، فليس له مع الرُّجُوعِ أرْشٌ. وإن كان الجَرْحُ مُوجِبًا لِأرْشٍ، كجنايَةِ الأجنبِىِّ، فللبائِع إذا رَجَعَ أن يَضْرِبَ مع الغُرَماءِ بِحِصَّةِ ما نَقَصَ من الثَّمَنِ، فينظُرُ كم نَقَصَ من قِيمَتِه، فيَرْجِعُ بِقِسْطِ ذلك من الثَّمَنِ؛ لأنَّه مَضْمُونٌ على المشتَرِى لِلْبَائِعِ بالثَّمَنِ. فإن قِيلَ: فهلَّا جَعَلْتُم له الأرْشَ الذى وَجَبَ على الأجنبىِّ؛ لأنَّه لو لم يَجِبْ به أرْشٌ لم يَرْجِعْ بشىءٍ، فلا يجوزُ أن يَرْجِعَ بأكثرَ من الأرْشِ. قُلْنا: لَمَّا أتْلَفَهُ الأجنَبِىُّ، صارَ مَضْمُونًا بإتْلَافِه لِلْمُفْلِسِ، فكان بالأرْشِ له وهو مَضْمُونٌ على المُفْلِسِ للبائِعِ بالثَّمَنِ، فلا يجوزُ أن يَضْمَنَه بالأَرْشِ، وإذا لم يُتْلِفْه أجْنَبِىٌّ، فلم يكُنْ مَضْمُونًا، فلم يَجِبْ بِفَواتِه شىءٌ. فإن قيل: فهلَّا كان هذا الأرْشُ للمشتَرِى ككَسْبِه، لا يَضْمَنُه للبائِعِ. قُلْنا: الكَسْبُ بَدَلُ مَنَافِعِه، ومَنَافِعُه مَمْلُوكَةٌ للمُشترِى بغَيرِ عِوَضٍ، وهذا بَدَلُ جُزْءٍ من العَيْنِ، والعَيْنُ جميعُها مَضْمُونَةٌ بالعِوَضِ، فلهذا ضَمِنَ ذلك للمشترِى. فصل: فإن اشْتَرَى زَيْتًا، فخَلَطَهُ بزَيْتٍ آخَرَ، أو قَمْحًا، فخَلَطَه بما لا يُمكنُ تَمْيِيزُه منه، سَقَطَ حَقُّ الرُّجُوعِ. وقال مالِكٌ: يَأْخُذُ زَيْتَه. وقال الشَّافِعِىُّ: إن خَلَطَه بمِثْلِه أو دُونِه، لم يَسْقُطِ الرُّجُوعُ، وله أن يأخُذَ متاعَه بالكَيْلِ أو الوَزْنِ، وإن خَلَطَه بأجوَدَ منه، ففيه قَوْلَانِ؛ أحَدُهما، يَسْقُطُ حَقُّه من العَيْنِ. قال الشَّافِعِىُّ: وبه أَقُولُ. واحْتَجُّوا بأن عَيْنَ مَالِه مَوْجُودَةٌ من طَريقِ الحُكْمِ، فكان له الرُّجُوعُ كما لو كانت مُنْفَرِدَةً، ولأنَّه ليس فيه أكثرُ من اختلاطِ مالِه بغيرِه، فلم يَمْنَعِ الرُّجُوعَ، كما لو اشْتَرَى ثَوْبًا فَصَبَغَهُ، أو سَوِيقًا فَلَتَّهُ. ولَنا، أنَّه لم يَجِدْ عَيْنَ مَالِه، فلم يكُنْ له الرُّجُوعُ، كما لو تَلِفَتْ، ولأنّ ما يَأْخُذُه من غيرِ عينِ مَالِه، إنَّما يَأْخُذُه عِوَضًا عن مالِه، فلم يَخْتَصَّ به دُونَ الغُرَمَاءِ، كما لو تَلِفَ مَالُه. وقولُ النَّبِىِّ ﷺ : "مَنْ أدْرَكَ مَتَاعَهُ بِعَيْنِهِ". أى مَن قَدَرَ عليه، وتَمَكَّنَ من أخْذِه من المُفْلِسِ؛ بِدَلِيلِ ما لو وَجَدَه بعد زوالِ مِلْكِ المُفْلِسِ، أو كانت مَسَامِيرَ قد سَمَّرَ بها بَابًا، أو حَجَرًا
следующие страницы →