لم يكُنْ له الفَسْخُ؛ لِتَعَذُّرِ الاسْتِيفَاءِ، سواءٌ عَلِمَ أو لم يَعْلَمْ. ولأنَّه لا يَسْتَحِقُّ المُطَالَبةَ بِثَمَنِها، فلا يَسْتَحِقُّ الفسْخَ لِتَعَذُّرِه، كما لو كان ثَمَنُها مُؤَجَّلًا. ولأنَّ العَالِمَ بالعَيْبِ دَخَلَ على بَصِيرَةٍ بِخَرَابِ الذِّمَّةِ، فأشْبَه من اشْتَرَى مَعِيبًا يَعْلَمُ عَيْبَه. وفيه وَجْهٌ آخَرُ، أنَّ له الخِيَارَ؛ لِعُمُومِ الخَبَرِ، ولأنَّه عَقَدَ عليه وَقْتَ الفَسْخِ، فلم يَسْقُطْ حَقُّه من الفَسْخِ، كما لو تَزَوَّجَتِ امْرأَةٌ فَقِيرًا مُعْسِرًا بِنَفَقَتِها. وفيه وَجْهٌ ثالِثٌ، إن بَاعَهُ عَالِمًا بِفَلَسِه فلا فَسْخَ له، وإن لم يَعْلَمْ فله الفَسْخُ، كَمُشْتَرِى المَعِيبِ. ويُفارِقُ المُعْسِرَ بالنَّفَقَةِ؛ لكَوْنِ النَّفَقَةِ يَتَجَدَّدُ وُجُوبُها كلَّ يومٍ، فالرِّضَى بالمُعْسِرِ بها رِضًى بِعَيْبِ ما لم يَجِبْ، بخِلَافِ مَسْأَلَتِنَا، وإنَّما يُشْبِهُ هذا إذا تَزَوَّجَتْ (٧) مُعْسِرًا بالصَّدَاقِ. وسَلَّمَتْ نَفْسَها إليه، ثم أرَادَتِ الفَسْخَ.
فصل: ومَن اسْتَأْجَرَ أرْضًا لِيَزْرَعَها، فأَفلَسَ قبلَ مُضِىِّ شىءٍ من المُدَّةِ، فَلِلْمُؤْجِرِ فَسْخُ الإجارَةِ؛ لأنَّه وَجَدَ عَيْنَ مَالِه، وإن كان بعدَ انْقِضاءِ المُدَّةِ، فهو غَرِيمٌ بالأُجْرَةِ. وإن كان بعدَ مُضِىِّ بعضِها، لم يَمْلِكِ الفَسْخَ فى قِيَاسِ قَوْلِنا فى المَبِيعِ إذا تَلِفَ بعضُه، فإنَّ المُدَّةَ هاهُنا كالمَبِيعِ، ومُضِىُّ بَعْضِها كَتَلَفِ بعضِه، لكن يُعتَبرُ مُضِىُّ مُدَّةٍ لِمثْلِها أُجْرَةٌ؛ لأنَّه لا يُمكِنُ التَّحَرُّزُ عن مُضِىِّ جُزْءٍ منها بحالٍ. وقال القاضِى، فى مَوْضِعٍ آخَرَ: من اكْتَرَى أرْضًا فزَرَعَها، ثم أفْلَسَ، ففَسَخَ صَاحِبُ الأرْضِ، فعليه تَبْقِيَةُ زَرْعِ المُفْلِسِ إلى حينِ الحَصَادِ بِأَجْرِ مثلِه؛ لأنَّ المَعْقُودَ عليه المَنْفَعَةُ، فإذا فَسَخَ العَقْدَ، فَسَخَه فيما مَلَكَ عليه بالعَقْدِ، وقد تَعَذَّرَ رَدُّها عليه، فكان عليه عِوَضُها، كما لو فَسَخَ البَيْعَ بعدَ أن أتْلَفَ المَبِيعَ، فله قِيمَتُه، ويَضْرِبُ بذلك مع الغُرَمَاءِ، كذا هاهُنا، ويَضْرِبُ مع الغُرَمَاءِ بأجْرِ المِثْلِ دونَ المُسَمَّى. وهذا مذهبُ الشَّافِعِىِّ، وهذا لا يَقْتَضِيهِ مَذْهَبُنا، ولا يَشْهَدُ لِصِحَّتِه الخَبَرُ، وَلا يَصِحُّ فى النَّظرِ؛ أمَّا الخَبَرُ، فلأنَّ النَّبىَّ ﷺ إنَّما قال: "مَنْ أَدْرَكَ
стр. 3152
مَتَاعَهُ بِعَيْنِهِ عِنْدَ رَجُلٍ قَدْ أفْلَسَ، فَهُوَ أحَقُّ به" (٨). وهذا ما أدْرَكَ مَتَاعَهُ بِعَيْنِه، ولا هو أحَقُّ به بالإِجْمَاعِ، فإنَّهم وَافَقُوا على وُجُوبِ تَبْقِيَتِها، وعَدَمِ الرُّجُوعِ فى عَيْنِها، ولأن مَعْنَى قَوْلِه: "مَنْ أَدْرَكَ مَتَاعَهُ بِعَيْنِه". أىْ على وَجْهٍ يُمْكِنُه أخْذُه، لا يَتَعَلَّقُ حَقُّه بِعَيْنِه، وليس هذا كذلك. وأما النَّظَرُ، فلأنَّ البَائِعَ إنَّما كان أحَقَّ بِعَيْنِ مَالِه؛ لِتَعَلُّقِ حَقِّه بالعَيْنِ، وإمْكَانِ رَدِّ مَالِه إليه بِعَيْنِه، فيَرْجِعُ على مَن تَعَلَّقَ حَقُّه بمُجَرَّدِ الذِّمَّةِ، وهذا لم يَتَعَلَّقْ حَقُّه بالعَيْنِ، ولا أمكنَ رَدُّها إليه، وإنَّما صَارَ فَائِدَةُ الرُّجُوعِ الضَّرْبَ بالقِيمَةِ دونَ المُسَمَّى، وليس هذا هو المُقْتَضِى فى مَحلِّ النَّصِّ، ولا هو فى مَعْناه، فإثْباتُ الحُكْمُ به تَحَكُّمٌ بغَيرِ دَلِيلٍ. ولو اكْتَرَى رَجُلًا يَحْمِلُ له مَتَاعًا إلى بَلَدٍ، ثم أفْلَسَ المُكتَرِى قبلَ حَمْلِ شىءٍ، فلِلْمُكْتَرِى الفَسْخُ. وإن حَمَلَ البعضَ، أو بعضَ المَسَافَةِ، فقِياسُ المَذْهَبِ ليس له الفَسْخُ، وقِيَاسُ قولِ القاضِى: له ذلك. فإذا فَسَخَ سَقَطَ عنه حَمْلُ ما بَقِىَ، وضَرَبَ مع الغُرَمَاءِ بِقِسْطِ ما حَمَلَ من الأَجْرِ المُسَمَّى. وعلى قِيَاسِ قولِ القاضِى: يَنْفَسِخُ العَقْدُ فى الجَمِيعِ، ويَضْرِبُ بِقِسْطِ ما حَمَلَ من أجْرِ المِثْلِ؛ لما ذَكَرْنَا من قولِه فى المَسْأَلَةِ التى حَكَيْنا قَوْلَه فيها.
فصل: فإن أَقْرَضَ رجلًا مالًا، ثم أفْلَسَ المُقْتَرِضُ، وعينُ المالِ قائِمٌ، فله الرُّجُوعُ فيها؛ لقولِه ﵇: "مَنْ أَدْرَكَ مَتَاعَهُ بِعَيْنِهِ عِنْدَ رَجُلٍ قَدْ أفْلَسَ، فَهُوَ أحَقُّ به". ولأنه غَرِيمٌ وَجَدَ عَيْنَ مَالِه، فكان له أخْذُها، كالبَائِعِ. وإن أَصْدَقَ امْرأةً (٩) عَيْنًا، ثم انْفَسَخَ نِكَاحُها بِسَبَبٍ من جِهَتِها يُسْقِطُ صَدَاقَها، أو طَلَّقَها قبلَ دُخُولِه بها، فَاسْتَحَقَّ الرُّجُوعَ فى نِصْفِه، وقد أفْلَسَتْ وَوَجَدَ عَيْنَ مَالِه، فهو أحَقُّ بها؛ لما ذَكَرْنَا.
стр. 3153
٨٠١ - مسألة؛ قال: (فَإِنْ كَانَتِ السِّلْعَةُ قَدْ تَلِفَ بَعْضُهَا، أوْ مَزِيدَةً (١) بِمَا لَا تَنْفَصِلُ زِيَادَتُها، أوْ نقَد بَعْضَ ثَمَنِهَا، كَانَ البائِعُ فِيهَا كَأُسْوَةِ الغُرَمَاءِ)
وجُمْلَةُ ذلك أنَّ البائِعَ إنَّما يَسْتَحِقُّ الرُّجُوعَ فى السِّلْعَةِ بِخَمْسِ شَرَائِطَ؛ أحدُها، أن تكونَ السِّلْعَةُ باقِيَةً بِعَيْنِها، لم يَتْلَفْ بعضُها، فإن تَلِفَ جُزْءٌ منها كبعضِ أطْرَافِ العَبْدِ، أو ذَهَبَتْ عَيْنُه، أو تَلِفَ بعضُ الثَّوْبِ، أو انْهَدَمَ بعضُ الدَّارِ، أو اشْتَرَى شَجَرًا مُثْمِرًا لم تَظْهَرْ ثَمَرَتُه، فتَلِفَتِ الثَّمرَةُ، أو نحوُ هذا، لم يكنْ لِلْبائِعِ الرُّجُوعُ، وكان أُسْوَةَ الغُرَمَاءِ. وبهذا قال إسحاقُ. وقال مالِكٌ، والأوْزَاعِىُّ، والشَّافِعِىُّ، والعَنْبَرِىُّ: له الرُّجُوعُ فى الباقِى، ويَضْرِبُ مع الغُرَمَاءِ بحِصَّةِ التَّالِفِ؛ لأنَّها عَيْنٌ يَمْلِكُ الرُّجُوعَ فى جَمِيعِها، فمَلَكَ الرُّجُوعَ فى بعضِها، كالذى له الخِيَارُ، وكالأبِ فيما وَهَبَ لِولَدِه. ولَنا، قولُ النَّبِىِّ ﷺ : "مَنْ أَدْرَكَ مَتَاعَهُ بِعَيْنِهِ عِنْدَ إِنْسَانٍ قَدْ أَفْلَسَ، فَهُوَ أحَقُّ به" (٢). فشَرَطَ أن يَجِدَه بِعَيْنِهِ، ولم يَجِدْهُ بِعَيْنِه. ولأنَّه إذا أَدْرَكَه بِعَيْنِه، حَصَلَ له بالرُّجُوعِ فَصْلُ الخُصُومَةِ، وانْقِطَاعُ ما بينهما من المُعامَلَةِ، بِخِلَافِ ما إذا وَجَدَ بَعْضَهُ. ولا فَرْقَ بينَ أن يَرْضَى بالمَوْجُودِ بجميعِ الثَّمَنِ، أو يَأْخُذَهُ بِقِسْطِه من الثَّمِنِ؛ لأنَّه فَاتَ شَرْطُ الرُّجُوعِ. وإن كان المَبِيعُ عَيْنَيْنِ، كعَبْدَيْنِ، أو ثَوْبَيْنِ تَلِفَ أحدُهما، أو بعضُ أحَدِهما، فَفِى جوازِ الرُّجُوعِ فى الباقِى منهما روايتانِ؛ إحْداهما، لا يَرْجِعُ. نَقَلَها أبو طَالِبٍ، عن أحمدَ، قال: لا يَرْجِعُ بِبَقِيَّةِ العَيْنِ، ويكونُ أُسْوَةَ الغُرَمَاءِ؛ لأنَّه لم يَجِدِ المَبِيعَ بِعَيْنِه، فأشْبَهَ ما لو كان عَيْنًا واحِدَةً. ولأنَّ بعضَ المَبِيعِ تَالِفٌ، فلم يَمْلِكِ الرُّجُوعَ، كما لو قُطِعَتْ يَدُ العَبْدِ. ونَقَلَ الحَسَنُ بن ثَوَابٍ (٣) عن أحمدَ، إن كان ثَوْبًا واحِدًا، فتَلِفَ بعضُه، فهو أُسْوَةُ
стр. 3154
الغُرَمَاءِ، وإن كان رِزَمًا، فتَلِفَ بعضُها، فإنه يَأْخُذُ بِقِيمَتِها إذا كان بِعَيْنِه؛ لأنَّ السَّالِمَ من المَبِيعِ وَجَدَهُ البَائِعُ بِعَيْنِه، فيَدْخُلُ فى عُمُومِ قولِه ﷺ : "مَنْ أَدْرَكَ مَتَاعَهُ بِعَيْنِهِ عِنْدَ إنْسَانٍ قَدْ أفْلَسَ. فَهُوَ أحَقُّ بِهِ". ولأنَّه مَبِيعٌ، وَجَدَه بِعَيْنِه، فكان لِلْبَائِعِ الرُّجُوعُ فيه، كما لو كان جميعَ المَبِيعِ.
فصل: وإن باعَ بعضَ المَبِيعِ، أو وَهَبَه، أو وَقَفَهُ، فهو بمَنْزِلَةِ تَلَفِه؛ لأنَّ البائِعَ ما أَدْرَكَ مالَهُ بِعَيْنِه.
فصل: وإن نَقَصَتْ مَالِيَّةُ المَبِيعِ، لِذَهَابِ صِفَةٍ مع بَقَاءِ عَيْنِه، كعبدٍ هُزِلَ، أو نسِىَ صِناعَةً أو كِتابَةً، أو كَبِرَ، أو مَرِضَ، أو تَغَيَّرَ عَقلُه، أو كان ثَوْبًا فَخَلَقَ، لم يَمْنَعِ الرُّجُوعَ؛ لأنَّ فَقْدَ الصِّفَةِ لا يُخْرِجُه عن كَوْنِه عَيْنَ مالِه، لكنّه يَتَخَيَّرُ بين أخْذِه نَاقِصًا بِجَمِيعِ حَقِّه، وبين أن يَضْرِبَ مع الغُرَمَاءِ بِكَمالِ ثَمَنِه؛ لأنَّ الثَّمَنَ لا يَتَقَسَّطُ على صِفَةِ السِّلْعَةِ من سِمَنٍ، أو هُزَالٍ، أو عِلْمٍ، أو نحوِه، فيصيرُ كنقصِه لتَغَيُّرِ الأسعارِ. ولو كان المَبِيعُ أمَةً ثَيِّبًا، فوَطِئَها المُشْتَرِى، ولم تَحْمِلْ، فله الرُّجُوعُ فيها؛ لما ذَكَرْنَا، فإنَّها لم تَنْقُصْ فى ذاتٍ ولا فى صِفَاتٍ. وإن كانت بِكْرًا، فقال القاضى: له الرُّجُوعُ؛ لأنَّه فَقَدَ صِفَةً، فإنَّه لم يَذْهَبْ منها جُزءٌ، وإنَّما هو كالجِراحِ. وقال أبو بكرٍ: ليس له الرُّجُوعُ؛ لأنَّه أذْهَبَ منها جُزْءًا، فأشْبَه ما لو فَقَأ عَيْنَها. وإن وُجِدَ الوَطْءُ من غيرِ المُفْلِسِ، فهو كَوَطْءِ المُفْلِسِ، فيما ذَكَرْنَا.
فصل: وإن جُرِحَ العَبْدُ أو شُجَّ، فعلى قولِ أبى بكرٍ: لا يَرْجِعُ؛ لأنَّه ذَهَبَ جُزْءٌ يَنْقُصُ به الثَّمَنُ، فأشْبَه ما لو فقِئَتْ عَيْنُ العَبْدِ؛ لأنَّه ذَهَبَ من العَيْنِ جُزْءٌ له بَدَلٌ، فمَنَعَ الرُّجُوعَ، كما لو قُطِعَتْ يَدُ العَبْدِ، ولأنَّه لو نَقَصَ صِفَةً مُجَرَّدَةً، لم يكُنْ للبائِعِ من الرُّجُوعِ فيها شىءٌ سِواهُ، كما ذَكَرْنا فى هُزالِ العَبْدِ، ونِسيانِ الصَّنْعَةِ، وهاهُنا بِخِلافِه، ولأنَّ الرُّجُوعَ فى المَحلِّ المَنْصُوصِ عليه يَقْطَعُ النِّزاعَ، ويُزِيلُ المُعامَلَةَ بينهما، فلا يَثْبُتُ فى مَحلٍّ لا يَحْصُلُ به هذا المَقْصُودُ. وقال القاضى: قِياسُ المذهبِ أنَّ له الرُّجُوعَ؛ لأنَّه فَقَدَ صِفَةً، فأشْبَه نسيانَ الصَّنْعَةِ، واسْتِخْلَاقَ
стр. 3155
الثَّوْبِ. فإذا رَجَعَ، نَظَرْنَا فى الجَرْحِ، فإن كان ممَّا لا أرْشَ له، كالحاصِلِ بِفعْلِ اللهِ تعالى، أو فِعْلِ بَهيمَةٍ، أو جِنَايَةِ المُفْلِسِ، أو جنايَةِ عبدِه، أو جنايَةِ العبدِ على نفسِه، فليس له مع الرُّجُوعِ أرْشٌ. وإن كان الجَرْحُ مُوجِبًا لِأرْشٍ، كجنايَةِ الأجنبِىِّ، فللبائِع إذا رَجَعَ أن يَضْرِبَ مع الغُرَماءِ بِحِصَّةِ ما نَقَصَ من الثَّمَنِ، فينظُرُ كم نَقَصَ من قِيمَتِه، فيَرْجِعُ بِقِسْطِ ذلك من الثَّمَنِ؛ لأنَّه مَضْمُونٌ على المشتَرِى لِلْبَائِعِ بالثَّمَنِ. فإن قِيلَ: فهلَّا جَعَلْتُم له الأرْشَ الذى وَجَبَ على الأجنبىِّ؛ لأنَّه لو لم يَجِبْ به أرْشٌ لم يَرْجِعْ بشىءٍ، فلا يجوزُ أن يَرْجِعَ بأكثرَ من الأرْشِ. قُلْنا: لَمَّا أتْلَفَهُ الأجنَبِىُّ، صارَ مَضْمُونًا بإتْلَافِه لِلْمُفْلِسِ، فكان بالأرْشِ له وهو مَضْمُونٌ على المُفْلِسِ للبائِعِ بالثَّمَنِ، فلا يجوزُ أن يَضْمَنَه بالأَرْشِ، وإذا لم يُتْلِفْه أجْنَبِىٌّ، فلم يكُنْ مَضْمُونًا، فلم يَجِبْ بِفَواتِه شىءٌ. فإن قيل: فهلَّا كان هذا الأرْشُ للمشتَرِى ككَسْبِه، لا يَضْمَنُه للبائِعِ. قُلْنا: الكَسْبُ بَدَلُ مَنَافِعِه، ومَنَافِعُه مَمْلُوكَةٌ للمُشترِى بغَيرِ عِوَضٍ، وهذا بَدَلُ جُزْءٍ من العَيْنِ، والعَيْنُ جميعُها مَضْمُونَةٌ بالعِوَضِ، فلهذا ضَمِنَ ذلك للمشترِى.
فصل: فإن اشْتَرَى زَيْتًا، فخَلَطَهُ بزَيْتٍ آخَرَ، أو قَمْحًا، فخَلَطَه بما لا يُمكنُ تَمْيِيزُه منه، سَقَطَ حَقُّ الرُّجُوعِ. وقال مالِكٌ: يَأْخُذُ زَيْتَه. وقال الشَّافِعِىُّ: إن خَلَطَه بمِثْلِه أو دُونِه، لم يَسْقُطِ الرُّجُوعُ، وله أن يأخُذَ متاعَه بالكَيْلِ أو الوَزْنِ، وإن خَلَطَه بأجوَدَ منه، ففيه قَوْلَانِ؛ أحَدُهما، يَسْقُطُ حَقُّه من العَيْنِ. قال الشَّافِعِىُّ: وبه أَقُولُ. واحْتَجُّوا بأن عَيْنَ مَالِه مَوْجُودَةٌ من طَريقِ الحُكْمِ، فكان له الرُّجُوعُ كما لو كانت مُنْفَرِدَةً، ولأنَّه ليس فيه أكثرُ من اختلاطِ مالِه بغيرِه، فلم يَمْنَعِ الرُّجُوعَ، كما لو اشْتَرَى ثَوْبًا فَصَبَغَهُ، أو سَوِيقًا فَلَتَّهُ. ولَنا، أنَّه لم يَجِدْ عَيْنَ مَالِه، فلم يكُنْ له الرُّجُوعُ، كما لو تَلِفَتْ، ولأنّ ما يَأْخُذُه من غيرِ عينِ مَالِه، إنَّما يَأْخُذُه عِوَضًا عن مالِه، فلم يَخْتَصَّ به دُونَ الغُرَمَاءِ، كما لو تَلِفَ مَالُه. وقولُ النَّبِىِّ ﷺ : "مَنْ أدْرَكَ مَتَاعَهُ بِعَيْنِهِ". أى مَن قَدَرَ عليه، وتَمَكَّنَ من أخْذِه من المُفْلِسِ؛ بِدَلِيلِ ما لو وَجَدَه بعد زوالِ مِلْكِ المُفْلِسِ، أو كانت مَسَامِيرَ قد سَمَّرَ بها بَابًا، أو حَجَرًا
стр. 3156
قد بَنَى عليه، أو خَشَبًا فى سَقْفِه، أو أَمَةً اسْتَوْلَدَها، وهذا إذا أخَذَ كَيْلَه أو قِيمَتَه إنَّما يَأْخُذُ عِوَضَ مَالِه، فهو كالثَّمَنِ والقِيمَةِ. وفَارَقَ المَصْبُوغَ، فإن عَيْنَه يُمْكِنُه أخْذُها، والسَّوِيق كذلك، فَاخْتَلَفَا.
فصل: وإن اشْتَرَى حِنْطَةً فطَحَنَها أو زَرَعَها، أو دَقِيقًا فخَبَزَهُ، أو زَيْتًا فعَمِلَهُ صَابُونًا، أو ثَوْبًا فقَطَعَه قَمِيصًا، أو غَزْلًا فنَسَجَه ثَوْبًا، أو خَشَبًا فَنَجَرَه أبوابًا، أو شَرِيطًا فعَمِلَه إبرًا، أو شيئًا فعَمِلَ به ما أزَالَ اسْمَه، سَقَطَ حَقُّ الرُّجُوعِ. وقال الشَّافِعِىُّ: فيه قَوْلَانِ؛ أحَدُهما، به أقولُ، يَأْخُذُ عَيْنَ مَالِه، ويُعْطِى قِيمَةَ عَمَلِ المُفْلِسِ فيها؛ لأنَّ عَيْنَ مَالِه مَوْجُودَةٌ، وإنَّما تَغَيَّرَ اسْمُها، فأشبهَ ما لو كان المَبِيعُ (٤) حَمَلًا فصارَ كَبْشًا، أو وَدِيًّا (٥) فَصارَ نَخْلًا. ولنا، أنَّه لم يَجِدْ مَتاعَه بِعَيْنِه، فلم يكُنْ [له] (٦) الرُّجُوعُ، كما لو تَلِفَ، ولأنَّه غَيَّرَ اسْمَهُ وصِفَتَه، فلم يَمْلِكِ الرُّجُوعَ، كما لو كان نَوى فنَبَتَ شَجَرًا. والأَصْلُ الذى قَاسُوا عليه مَمْنُوعٌ، وإن سُلِّمَ، فإنه لم يَتَغَيَّرِ اسْمُه، بخلافِ مسأَلَتِنا.
فصل: وإن كان حَبًّا فصَارَ زَرْعًا، أو زَرْعًا فصَارَ حَبًّا، أو نَوًى فنَبَتَ شَجَرًا، أو بَيْضًا فصَارَ فِرَاخًا، سَقَطَ حَقُّ (٧) الرُّجُوعِ. وقال القاضِى: لا يَسْقُطُ. وهو أحَدُ الوَجْهَيْنِ لأصْحابِ الشَّافِعِىِّ المَنْصُوصِ عليه منهما؛ لأنَّ الزَّرْعَ نَفْسُ الحَبِّ، والفَرْخَ نَفْسُ البَيْضَةِ. ولَنا، أنَّه لم يَجِدْ عَيْنَ مالِه، فلم يَرْجِعْ، كما لو أتْلَفَه مُتْلِفٌ فأخَذَ قِيمَتَه. ولأنَّ الحَبَّ أعْيَانٌ ابتدأها اللهُ تَعَالَى، لم تكن مَوْجُودَةً عند البَيْعِ، وكذلك [الزَّرعُ و] (٨) أعيانُ الفَرْخِ. ولو اسْتَأْجَرَ أرْضًا، واشْتَرَى بَذْرًا ومَاءً، فزَرَعَ، وسَقَى، واسْتَحْصَدَ، وأفْلَسَ، فالمُؤْجِرُ وبَائِعُ البَذْرِ والمَاءِ غُرَمَاءُ،
стр. 3157
لا حَقَّ لهم فى الرُّجُوعِ؛ لأنَّهم لم يَجِدُوا أعيانَ أموالِهِم. وعلى قولِ مَن قال: له الرُّجُوعُ فى الزَّرْعِ. يكونُ عليه غَرامَةُ الأُجْرَةِ وثَمَنُ الماءِ، أو قِيمَةُ ذلك.
فصل: وإن اشْتَرَى ثَوْبًا فصَبَغَهُ، أو سَوِيقًا فَلَتَّه بِزَيْتٍ، فقال أصحابُنا: لِبائِعِ الثَّوْبِ والسَّوِيقِ الرُّجُوعُ فى أعيانِ أموالِهِما. وهو مذهبُ الشَّافِعِىِّ؛ لأنَّ عَيْنَ مالِهِما قائِمةٌ مُشاهَدَةٌ، ما تَغَيَّرَ اسْمُها، ويكونُ المُفْلِسُ شَرِيكًا لِصَاحِبِ الثَّوْبِ والسَّوِيقِ بما زادَ عن قِيمَتِهِما. فإن حَصَلَ زِيادَةٌ، فهى له، وإن حَصَلَ نَقْصٌ، فعليه. وإن نَقَصَتْ قِيمَةُ الثَّوْبِ أو السَّوِيقِ، فإن شاءَ البائِعُ أخذهما ناقِصَيْنِ، ولا شىءَ له، وإن شاءَ تَرَكَهما، وله أُسْوَةُ الغُرَماءِ؛ لأنَّ هذا نَقْصُ صِفَةٍ، فهو كالهُزالِ. ويَحْتَمِلُ أنْ لا يكونَ له الرُّجُوعُ إذا زادَتِ القِيمَةُ؛ لأنَّه اتَّصَلَ بالمَبِيعِ زِيَادَةٌ لِلْمُفْلِسِ، فمَنَعَتِ الرُّجُوعَ، كما لو سَمِنَ العَبْدُ، ولأنَّ الرُّجُوعَ هاهُنا لا يَتَخَلَّصُ به البائِعُ من المُفْلِسِ، ولا يَحْصُلُ به المَقْصُودُ مِن قَطْعِ المُنازَعَةِ، وإزَالَةِ المُعامَلَةِ، بل يَحْصُلُ به ضَرَرُ الشَّرِكَةِ، فلم يكُنْ فى مَعْنَى المَنْصُوصِ عليه، فلا يُمْكِنُ إلْحاقُه به.
فصل: وإن اشْتَرَى صِبْغًا فصَبَغَ به ثَوْبًا، أو زَيْتًا فَلَتَّ به سَوِيقًا، فبائِعُهما أُسْوَةُ الغُرَماءِ. وقال أصحابُ الشَّافِعِىِّ: له الرُّجُوعُ؛ لأنَّه وَجَدَ عَيْنَ مالِه. قالوا: ولو اشْتَرَى ثَوْبًا وصِبْغًا، وصَبَغَ الثَّوْبَ بالصِّبْغِ، رَجَعَ بائِعُ كلَّ شىءٍ فى عَيْنِ مالِه، وكان بائِعُ الصِّبْغِ شَرِيكًا لِبائِعِ الثَّوْبِ. وإن حَصَلَ نَقْصٌ، فهو من صاحِبِ الصِّبْغِ؛ لأنَّه الذى يَتَفَرَّقُ ويَنْقُصُ الثَّوْبُ بحالِه، فإذا كانت قِيمَةُ الثَّوْبِ عَشَرَةً، وقِيمَةُ الصِّبْغِ خَمْسَةً، فصَارَتْ قِيمَتُهما اثْنَا عَشَرَ، كان لِصَاحِبِ الثَّوْبِ خَمْسَةُ أسْداسِه، وللآخَرِ سُدُسُه، ويَضْرِبُ مع الغُرَماءِ بما نَقَصَ، وذلك ثلاثَةُ دَراهِمَ. وذَكَرَ القاضِى مثلَ هذا فى مَوْضِعٍ. ولَنا، أنَّه لم يَجِدْ عَيْنَ مالِه، فلم يكُنْ له الرُّجُوعُ، كما لو تَلِفَ، ولأنَّ المُشْتَرِىَ شَغَلَه بغَيرِه على وَجْهِ البَيْعِ، فلم يَمْلِكْ بائِعُه الرُّجُوعَ فيه، كما لو كان حَجَرًا بَنَى عليه، أو مَسَامِيرَ سَمَّرَ بها بَابًا. ولو اشْتَرَى ثَوْبًا وصِبْغًا من واحِدٍ، فصَبَغَه به، فقال أصحابُنا: لا فَرْقَ بينَ ذلك وبينَ كَوْنِ الصِّبْغِ من غيرِ بائِعِ الثَّوْبِ. فعلى قَوْلِهِم يَرْجِعُ فى الثَّوْبِ وَحْدَه، ويكونُ المُفْلِسُ
стр. 3158
شريكًا له بِزِيادَةِ الصِّبْغِ، ويَضْرِبُ مع الغُرَماءِ بِثَمَنِ الصِّبْغِ. ويَحْتَمِلُ أن يَرْجِعَ فيهما هاهُنا؛ لأنَّه وَجَدَ عَيْنَ مالِه مُتَمَيِّزًا عن غيرِه، فكان له الرُّجُوعُ فيه، لِلْخَبَرِ، ولأنَّ المَعْنَى فى المَحلِّ الذى يَثْبُتُ فيه الرُّجُوعُ مَوْجُودٌ هاهُنا، فيَمْلِكُ الرُّجُوعَ به، كما يَمْلِكُه ثَمَّ، ولو أنَّه اشْتَرَى (٩) رُفُوفًا ومَسامِيرَ من رَجُلٍ واحدٍ، فسَمَّرَها بها، رَجَعَ بائِعُهما فيهما كذلك، وكذلك ما أشبَهَه.
فصل: إذا اشْتَرَى ثَوْبًا فَقَصَره (١٠)، لم يَخْلُ من حَالَيْنِ؛ أحَدِهما، أن لا تَزِيدَ قِيمَتُه بذلك، فَلِلْبَائِعِ الرُّجُوعُ فيه؛ لأنَّ عَيْنَ مَالِه قَائِمَةٌ لم يَزُلِ اسْمُها، ولم يَتْلَفْ بَعْضُها ولا اتَّصَلَتْ بغيرِها، فكان له الرُّجُوعُ فيها، كما لو عَلَّمَ العَبْدَ صِنَاعَةً لم تَزِدْ قِيمَتُه بها. وسَواءٌ نَقَصَتْ قِيمَتُه بذلك أو لم تَنْقُصْ؛ لأنَّ ذلك النَّقْصَ نَقْصُ صِفَةٍ، فلا يَمْنَعُ الرُّجُوعَ، كنِسْيَانِ صِنَاعَةٍ، وهُزَالِ العَبْدِ، ولا شىءَ له مع الرُّجُوعِ. الثانى، أن تَزِيدَ قِيمَتُه بذلك، فليس لِلْبَائِعِ الرُّجُوعُ، على قِيَاسِ قَوْلِ الخِرَقِىِّ؛ لأنَّ الثَّوْبَ زَادَ زِيَادَةً لا تَتَمَيَّزُ زِيادَتُها (١١) فلم يَمْلِك البائِعُ الرُّجُوعَ فيه، كما لو سَمِنَ العَبْدُ، ولأنَّه لم يَجِدْ عَيْنَ مَالِه مُتَمَيِّزَةً عن غيرِها، فلم يَمْلِك الرُّجُوعَ، كبائِعِ الصِّبْغِ إذا صُبغَ به، والزَّيْتِ إذا لُتَّ به سَوِيقٌ. وقال القاضى وأَصْحَابُه. له الرُّجُوعُ فيها، لأنَّه أدْرَكَ مَتَاعَهُ بِعَيْنِه، ولأنَّه وَجَدَ عَيْنَ مَالِه لم يَتَغَيَّرِ اسْمُها ولا ذَهَبَتْ عَيْنُها، فَمَلَكَ الرُّجُوعَ فيها، كما لو صَبَغَها. فعلى قَوْلِهِم، إن كانت القصَارَةُ بِعَمَلِ المُفْلِسِ، أو بِأُجْرَةٍ وَفَّاهَا، فهما شَرِيكانِ فى الثَّوْبِ، فإذا كانت قِيمَةُ الثَّوْبِ خَمْسَةً، فصارَ يُسَاوِى سِتَّةً، فلِلْمُفْلِسِ سُدُسُه، ولِبَائِعِه خَمْسَةُ أسْدَاسِه، فإن اخْتَارَ البائِعُ دَفْعَ قِيمَةِ الزِّيَادَةِ إلى المُفْلِسِ، لَزِمَهُ قَبُولُها؛ لأنَّه يَتَخَلَّصُ بذلك من ضَرَرِ الشَّرِكَةِ من غيرِ مَضَرَّةٍ تَلْحَقُه، فأشْبَهَ ما لو دَفَعَ الشَّفِيعُ قِيمَةَ البِنَاءِ إلى المُشْتَرِى. وإن لم يَخْتَرْ،
стр. 3159
بِيعَ الثَّوْبُ، وأخَذَ كلُّ واحِدٍ منهما بِقَدْرِ حَقِّه. وإن كان العَمَلُ من صَانِعٍ لم يَسْتَوْفِ أجْرَهُ، فله حَبْسُ الثَّوْبِ على اسْتِيفَاءِ أَجرِه. فإن كانت الزِّيَادَةُ بِقَدْرِ الأَجْرِ، دُفِعَتْ إليه، وإن كانت أقَلَّ، فله حَبْسُ الثَّوْبِ على اسْتِيفَاءِ قَدْرِ الزِّيَادَةِ، ويَضْرِبُ مع الغُرَمَاءِ بما بَقِىَ، وإن كانت أكْثَرَ، مثل أن تكونَ الزِّيَادَةُ دِرْهَمَيْنِ، والآخَرُ دِرْهَمٌ، فله قَدْرُ أجْرِه، وما فَضَلَ لِلْغُرَمَاءِ.
فصل: الشَّرْطُ الثانِى، أن لا يكونَ المَبِيعُ زَادَ زِيَادَةً مُتَّصِلَةً، كالسِّمَنِ، والكِبَرِ، وتَعَلُّمِ الصِّنَاعَةِ أو الكِتَابَةِ أو القُرْآنِ، ونحوِ ذلك. واخْتَلَفَ المذهبُ فى هذا، فذَهَبَ الخِرَقِىُّ إلى أنَّها تَمْنَعُ الرُّجُوعَ. ورَوَى المَيْمُونِىُّ، عن أحمدَ، أنَّها لا تَمْنَعُ. وهو مذهبُ مَالِكٍ، والشَّافِعِىِّ، إلَّا أن مَالِكًا يُخَيِّرُ الغُرَمَاءَ بينَ أن يُعْطُوهُ السِّلْعَةَ أو ثَمَنَها الذى بَاعَها به. احْتَجُّوا بالخَبَرِ، وبأنَّه فَسْخٌ لا تَمْنَعُ منه الزِّيَادَةُ المُنْفَصِلَةُ، فلا تَمْنَعُه المُتَّصِلَةُ، كالرَّدِّ بالعَيْبِ، وفَارَقَ الطَّلَاقَ، فإنَّه ليس بِفَسْخٍ، ولأنَّ الزَّوْجَ يُمْكِنُه الرُّجُوعُ فى قِيمَةِ العَيْنِ، فيَصِلُ إلى (١٢) حَقِّه تَامًّا. وهاهُنا لا يُمْكِنُه الرُّجُوعُ فى الثَّمَنِ. ولَنا، أنَّه فَسْخٌ بِسَبَبٍ حَادِثٍ، فلم يَمْلِكْ به الرُّجُوعَ فى عَينِ المالِ الزَّائِدَةِ زِيَادَةً مُتَّصِلَةً، كفَسْخِ النِّكَاحِ بالإعْسَارِ أو الرَّضَاعِ، ولأنَّها زِيَادَةٌ فى مِلْكِ المُفْلِسِ، فلم يَسْتَحِقَّ البائِعُ أخْذَها، كالمُنْفَصِلَةِ، وكالحَاصِلَةِ بِفِعْلِه، ولأنَّ النَّمَاءَ لم يَصِلْ إليه من البائِعِ، فلم يَسْتَحِقَّ أخْذَه منه، كغيرِه من أمْوَالِه، وفَارَقَ الرَّدَّ بالعَيْبِ لِوَجْهَيْنِ؛ أحَدِهما، أنَّ الفَسْخَ فيه من المُشْتَرِى، فهو رَاضٍ بإِسْقَاطِ حَقِّه من الزِّيَادَةِ، وتَرْكِهَا لِلْبَائِعِ، بِخِلَافِ مَسْأَلَتِنَا. والثانى، أنَّ الفَسْخَ ثَمَّ لِمَعْنًى قَارَنَ العَقْدَ، وهو العَيْبُ القَدِيمُ، والفَسْخُ هاهُنا لِسَبَبٍ حادِثٍ، فهو أشْبَهُ بِفَسْخِ النِّكَاحِ الذى لا يَسْتَحِقُّ به اسْتِرْجَاعَ العَيْنِ الزَّائِدَةِ. وقولُهم: إن الزَّوْجَ إنَّما لم يَرْجِعْ فى العَيْنِ لِكَوْنِه يَنْدَفِعُ (١٣) عنه الضَّرَرُ بالقِيمَةِ.
стр. 3160
لا يَصِحُّ؛ فإن انْدِفَاعَ الضَّرَرِ عنه بِطرَيقٍ آخَرَ لا يَمْنَعُه من أَخذِ حَقِّه من العَيْنِ، ولو كان مُسْتَحِقًّا لِلزِّيَادَةِ لم يَسْقُطْ حَقُّه منها بالقُدْرَةِ على أخْذِ القِيمَةِ، كمُشْتَرِى المَعِيبِ. ثم كان يَنْبَغِى أن يَأْخُذَ قِيمَةَ العَيْنِ زَائِدَةً؛ لِكَوْنِ الزِّيَادَةِ مُسْتَحَقَّةً له (١٤)، فلمَّا لم يَكُنْ كذلك، عُلِمَ أنَّ المانِعَ من الرُّجُوعِ كَوْنُ الزِّيَادَةِ لِلْمَرْأَةِ، وأنَّه لا يُمْكِنُ فَصْلُ ها، كذلك هاهُنا، بل أوْلَى؛ فإنَّ الزِّيَادَةَ يَتَعَلَّقُ بها حَقُّ المُفْلِسِ والغُرَمَاءِ، فمَنْعُ المُشْتَرِى من أخْذِ زِيَادَةٍ لَيْسَتْ له، أَوْلَى من تَفْوِيتِهَا على الغُرَمَاءِ الذين لم يَصِلُوا إلى تَمَامِ دُيُونِهم، والمُفْلِسِ المُحْتَاجِ إلى تَبْرِئَةِ ذِمَّتِه عندَ اشْتِدَادِ حَاجَتِه (١٥).
فصل: وأما الخَبرُ فمَحْمُولٌ على مَن وَجَدَ مَتَاعَهُ على صِفَتِه، ليس بِزَائِدٍ، ولم يَتَعَلَّقْ به حَقٌّ آخَرُ، وهاهُنا قد تَعَلَّقَتْ به حُقُوقُ الغُرَمَاءِ، لما فيه من الزِّيَادَةِ، لما ذَكَرْنَا من الدَّلِيلِ، يُحَقِّقُه أنَّه إذا كان تَلَفُ بعضِ المَبِيعِ مَانِعًا من الرُّجُوعِ من غيرِ ضَرَرٍ يَلْحَقُ بالمُفْلِسِ، ولا بالغُرَمَاءِ، فلَأنْ يَمْنَعَ الزِّيَادَةَ فيه مع تَفْوِيتِها بالرُّجُوعِ عليهم أَوْلَى، ولأنَّه إذا رَجَعَ فى النَّاقِصِ، فما رَجَعَ إلَّا فيما بَاعَهُ وخَرَجَ منه، وإذا رَجَعَ فى الزَّائِدِ، أخَذَ ما لم يَبِعْهُ، واسْتَرْجَعَ ما لم يَخْرُجْ عنه، فكان بالمَنْعِ أحَقَّ.
فصل: فأمَّا الزِّيَادَةُ المُنْفَصِلَةُ، كالوَلَدِ والثَّمرَةِ والكَسْبِ، فلا تَمْنَعُ الرُّجُوعَ. بغير خِلَافٍ بين أَصْحَابِنَا، وهو قولُ مَالِكٍ، والشَّافِعِىِّ. وسواءٌ نَقَصَ بها المَبِيعُ أو لم يَنْقُصْ، إذا كان نَقْصَ صِفَةٍ، والزِّيَادَةُ لِلْمُفْلِسِ. هذا ظَاهِرُ كلامِ الخِرَقِىِّ؛ لأنَّه مَنَعَ الرُّجُوعَ بالزِّيَادَةِ المُتَّصِلَةِ، لِكَوْنِها لِلْمُفْلِسِ، فالمُنْفَصِلَةُ أَوْلَى. وهذا قولُ ابنِ حَامِدٍ والقاضى، ومذهبُ الشَّافِعِىِّ، وهو الصَّحِيحُ إن شاءَ اللهُ تعالى. وقال أبو بكرٍ: الزِّيَادَةُ لِلْبَائِعِ. وهو مذهبُ مَالِكٍ. ونقَلَ حَنْبَلٌ عن أحمدَ، فى وَلَدِ الجَارِيَةِ، ونِتَاجِ الدَّابَّةِ: هو للبَائِعِ؛ لأنَّها زِيَادَةٌ، فكانت لِلْبَائِعِ كالمُتَّصِلَةِ. ولَنا، أنَّها زِيَادَةٌ انْفَصَلَتْ فى مِلْكِ المُشْتَرِى، فكانتْ له، كما لو رَدَّهُ بِعَيْبٍ، ولأنَّه
стр. 3161
فَسْخٌ اسْتَحَقَّ به اسْتِرْجَاعَ العَيْنِ، فلم يَسْتَحقَّ أَخْذَ الزِّيَادَةِ المُنْ فَصِلَ ةِ، كَفَسْخِ البَيْعِ بالعَيْبِ أو الخِيَارِ أو الإِقَالَةِ، وفَسْخِ النِّكَاحِ بِسَبَبٍ من أَسْبَابِ الفَسْخِ، وقولُ النَّبِىِّ ﷺ : "الخَرَاجُ بالضَّمَانِ" (١٦). يَدُلُّ على أنَّ النَّماءَ والغَلَّةَ لِلْمُشْتَرِى، لكَوْنِ الضَّمَانِ عليه، وأما الزِّيَادَةُ المُتَّصِلَةُ، فقد دَلَّلْنَا على أنَّها لِلْمُفْلِسِ أيضًا، وفى ذلك تَنْبِيهٌ على كَوْنِ المُنْفَصِلَةِ له. ثم لو سَلَّمْنَا ثَمَّ، فالفَرْقُ ظَاهِرٌ، فإنَّ المُتَّصِلَةَ تَتْبَعُ فى الفُسُوخِ والرَّدِّ بالعَيْبِ، بِخِلَافِ المُنْفَصِلَةِ، ولا يَنْبَغِى أن يَقَعَ فى هذا اخْتِلَافٌ لِظُهُورِه، وكلامُ أحمدَ، فى رِوَايَةِ حَنْبَلٍ، يُحْمَلُ على أنَّه بَاعَهما فى حالِ حَمْلِهما (١٧)، فيَكُونَانِ مَبِيعَيْنِ، ولهذا خَصَّ هذَيْنِ بالذِّكْرِ دُونَ بَقِيَّةِ النَّمَاءِ.
فصل: ولو اشْتَرَى أمَةً حَامِلًا، ثم أفْلَسَ وهى حَامِلٌ، فله الرُّجُوعُ فيها، إلَّا أن يكونَ الحَمْلُ قد زَادَ بِكِبَرِهِ، وكَثُرَتْ قِيمَتُها من أَجْلِه، فيكونَ من قَبِيلِ الزَّائِدِ زِيَادَةً مُتَّصِلَةً، على ما مَضَى. وإن أَفْلَسَ بعدَ وَضْعِهَا، فقال القاضى: له الرُّجُوعُ فيهما بكلّ حالٍ، من غير تَفْصِيلٍ. والصَّحِيحُ أنَّنا إن قلْنَا: إن الحَمْلَ لا حُكْمَ له. فالوَلَدُ زِيَادَةٌ مُنْفَصِلَةٌ، فعلَى قولِ أبى بكرٍ، لا يَمْنَعُ الرُّجُوعَ فيهما، وعلى قولِ غيرِه، يكونُ الوَلَدُ للمُفْلِسِ، فيَحْتَملُ أن يَمْنعَ الرُّجُوعَ فى الأُمِّ؛ لئلَّا يُفْضِى إلى التَّفْرِيقِ بين الأمِّ وَوَلَدِها، ويَحْتَمِلُ أن يَرْجِعَ فى الأمِّ، ويَدْفَعَ قِيمَةَ الوَلَدِ؛ ليكونَا جَمِيعًا.
стр. 3162
وإن لم يَفْعَلْ، بِيعَتِ الأُمُّ وَوَلَدُها جميعا، وقُسِمَ الثمنُ على قَدْرِ قِيمَتِهِما، فما خَصَّ الأُمَّ فهو لِلْبَائِعِ، وما خَصَّ الوَلَدَ كان لِلْمُفْلِسِ. وإن قُلْنا إنَّ لِلْوَلَدِ حُكْمًا. وهو الصَّحِيحُ؛ لما ذَكَرْنَاهُ فيما تَقَدَّمَ، فإن كانت الأُمُّ والوَلَدُ قد زَادَا بالوَضْعِ، فحُكْمُهما حُكْمُ المَبِيعِ الزَّائِدِ زِيَادَةً مُتَّصِلَةً. وإن لم يَزِيدَا، جازَ الرُّجُوعُ فيهما. وإن زَادَ أحَدُهما دون الآخَرِ، خُرِّجَ على الرِّوَايَتَيْنِ فيما إذا كان المَبِيعُ عَيْنَيْنِ فتَلِفَ بعضُ أحَدِهما، فهل يَمْنَعُ ذلك الرُّجُوعَ فى الأُخْرَى كذلك؟ يُخَرَّجُ هاهُنا وَجْهَانِ؛ أحَدُهما، أنَّه له الرُّجُوعَ فيما لم يَزِدْ، دون ما زَادَ، فيكونُ حُكْمُه كحُكْمِ الرُّجُوعِ فى الأُمِّ دونَ الوَلَدِ، على ما فَصَّلْ نَاهُ. الثانى، ليس له الرُّجُوعُ فى شىءٍ منهما؛ لأنَّه لم يَجِدِ المَبِيعَ إلَّا زَائِدًا، فَامْتَنَعَ عليه الرُّجُوعُ، كالعَيْنِ الواحِدَةِ. وإن كان المَبِيعُ حَيَوانًا غيرَ الأَمَةِ، فحُكْمُه حُكْمُها، إلَّا فى أنَّ التَّفْرِيقَ بينها وبين وَلَدِهَا جَائِزٌ، والأَمَةُ بِخِلَافِ ذلك.
فصل: وإن اشْتَرَى حَائِلًا، فحَمَلَتْ، ثم أَفْلَسَ وهى حَامِلٌ، فزَادَتْ قِيمَتُها به، فهى زِيَادَةٌ مُتَّصِلَةٌ تَمْنَعُ الرُّجُوعَ، على قَوْلِ الخِرَقِىِّ، ولا تَمْنَعُه، على رِوَايَةِ المَيْمُونِىِّ، وإن أفْلَسَ بعدَ وَضْعِها، فهى زِيَادَةٌ مُنْفَصِلَةٌ، فتكونُ لِلْمُفْلِسِ، على الصَّحِيحِ. ويَمْتَنِعُ الرُّجُوعُ فى الأُمِّ دون وَلَدِها؛ لما فيه من التَّفْرِيقِ بينهما. وهذا أحَدُ قَوْلِى الشَّافِعىِّ. ويَحْتَمِلُ أن يَرجِعَ فى الأُمِّ، على ما ذَكَرْنَا فى التى قَبْلَها. وعلى قولِ أبى بكرٍ، الزِّيَادَةُ لِلْبَائِعِ، فيكونُ له الرُّجُوعُ فيهما. وقال القاضى: إذا وَجَدْنَا حَامِلًا، انْبَنَى على أنَّ الحَمْلَ هل له حُكْمٌ أو لا؟ فإن قُلْنا: لا حُكْمَ له. جَرَى مَجْرَى الزِّيَادَةِ المُتَّصِلَةِ. وإن قُلْنا: له حُكْمٌ. فالوَلَدُ فى حُكْمِ المُنْفَصِلِ، يَتَرَبَّصُ به حتى تَضَعَ، ويكونُ الحُكْمُ فيه كما لو وَجَدَه بعدَ وَضْعِه. وإن كان الحَمْلُ فى غير الآدَمِيَّةِ، جازَ التَّفْرِيقُ بينهما، كما تَقَدَّمَ.
فصل: إذا كان المَبِيعُ نَخْلًا أو شَجَرًا، فأَفْلَسَ المُشْتَرِى، لم يَخْلُ من أَربَعَةِ أحْوَالٍ: أحَدِها، أن يُفْلِسَ وهى بحَالِها، لم تَزِدْ ولم تُثْمِرْ ولم يَتْلَفْ بعضُها، فله الرُّجُوعُ فيها. الثانى، أن يكونَ فيها ثَمَرٌ ظَاهِرٌ، أو طَلْعٌ مُؤَبَّرٌ، ويَشْتَرِطَه المُشْتَرِى،
стр. 3163
فيَأْكُلَه، أو يَتَصَرَّفَ فيه، أو يَذْهَبَ بِجَائِحَةٍ، ثم يُفْلِسَ، فهذا فى حُكْمِ ما لو اشْتَرَى عَيْنَيْنِ فتَلِفَتْ إحْدَاهما، ثم أفْلَس، فهل لِلْبَائِعِ الرُّجُوعُ فى الأُصُولِ، ويَضْرِبُ مع الغُرَمَاءِ بِحِصَّةِ التَّالِفِ من الثَّمَرِ؟ على رِوَايَتَيْنِ. وإن تَلِفَ بعضُها، فهو كتَلَفِ جَمِيعِها. وإن زَادَتْ، أو بَدَا صَلَاحُها، فهذه زِيَادَةٌ مُتَّصِلَةٌ فى إحْدَى العَيْنَيْنِ، وقد ذَكَرْنا بَيَانَ حُكْمِهَا. الحالُ الثالث، أن يَبِيعَهُ نَخْلًا قد أطْلَعَتْ ولم تُؤَبَّرْ، أو شَجَرًا فيها ثَمَرَةٌ لم تَظْهَرْ، فهذه الثَّمَرَةُ تَدْخُلُ فى البَيْعِ المُطْلَقِ، فإن أفْلَسَ بعدَ تَلَفِ الثَّمَرةِ، أو تَلَفِ بَعْضِها، أو الزِّيَادَةِ فيها، أو بُدُوِّ صَلَاحٍ، فحُكْمُ ذلك حُكْمُ تَلَفِ بعضِ المَبِيعِ وزِيَادَتِه المُتَّصِلَةِ؛ لأنَّ المَبِيعَ كان بِمَنْزِلَةِ العَيْنِ الواحِدَةِ، ولهذا دَخَلَ الثَّمَرُ فى مُطْلَقِ البَيْعِ، بِخِلَافِ التى قَبْلَهَا. الحال الرَّابع، بَاعَهُ نَخْلًا حَائِلًا فأطْلَعَتْ، أو شَجَرًا فأَثْمَرَ، فذلك على أَرْبَعَةِ أضْرُبٍ، أحَدها، أن يُفْلِسَ قبلَ تَأْبِيرِها، فالطَّلْعُ زيَادَةٌ مُتَّصِلَةٌ، تَمْنَعُ الرُّجُوعَ، على قولِ الخِرَقِىِّ، كالسِّمَنِ والكِبَرِ. ويَحْتَمل أن يَرْجِعَ فى النَّخْلِ دُونَ الطَّلْعِ، لأنَّه يُمْكِنُ فَصْلُه، ويَصِحُّ إفْرَادُه بالبَيْعِ، فهو كالمُؤَبَّرِ، بخِلَافِ السِّمَنِ والكِبَرِ. وهذا قولُ ابنِ حَامِدٍ. وعلى رِوَايَةِ المَيْمُونِىِّ، لا يَمْنَعُ، بل يَرْجِعُ، ويكونُ الطَّلْعُ للبَائِعِ، كما لو فُسِخَ بِعَيْبٍ. وهو أحَدُ قَوْلَى الشَّافِعِىِّ. والقولُ الثانِى، يَرْجِعُ فى الأَصْلِ دون الطَّلْعِ، وكذلك عِنْدَهُم الرَّدُّ بالعَيْبِ، والأخْذُ بالشُّفْعَةِ. الضَّرْبُ الثانِى، أفْلَسَ بعدَ التَّأْبيرِ وظُهُورِ الثَّمَرَةِ، فلا يَمْنَعُ الرُّجُوعَ. بغير خِلَافٍ، والطَّلْعُ لِلْمُشْتَرِى، إلَّا على قَوْلِ أبى بكرٍ. والصَّحِيحُ الأَوَّلُ، لأنَّ الثَّمَرَةَ لا تَتْبَعُ فى البَيْعِ الذى ثَبَتَ بِتَرَاضِيهِما، ففى الفَسْخِ الحاصِلِ بغير رِضَى المُشْتَرِى أوْلَى. ولو بَاعَهُ أرْضًا فَارِغَةً فزَرَعَها المُشْتَرِى، ثم أفْلَسَ، فإنَّه يَرْجِعُ فى الأرْضِ دون الزَّرْعِ، وَجْهًا وَاحِدًا؛ لأنَّ ذلك من فِعْلِ المُشْتَرِى. الضَّرْبُ الثالِثُ، أفْلَسَ والطَّلْعُ غيرُ مُؤَبَّرٍ، فلم يَرْجِعْ حتى أُبِّرَ، لم يكُنْ له الرُّجُوعُ، كما لو أفْلَسَ بعدَ تَأْبِيرِهَا؛ لأنَّ العَيْنَ لا تَنْتَقِلُ إلَّا بِاخْتِيَارِه لها، وهذا لم يَخْتَرْها إلَّا بعدَ تَأْبِيرِهَا. فإن ادَّعَى البَائِعُ الرُّجُوعَ قبلَ التَّأْبِيرِ، وأنْكَرَهُ المُفْلِسُ، فالقولُ قولُ المُفْلِسِ مع يَمِينِه؛ لأنَّ الأَصْلَ بَقَاءُ مِلْكِه، وعَدَمُ زَوَالِه. وإن قال له البَائِعُ: بِعْتُ
стр. 3164
بعد التَّأْبِيرِ، وقال المُفْلِسُ: بل قبلَه. فالقولُ قولُ البائِعِ؛ لهذه العِلَّةِ. فإن شَهِدَ الغُرَمَاءُ لِلْمُفْلِسِ، لم تُسْمَعْ شهَادَتُهم؛ لأنَّهم يَجُرُّونَ إلى أنْفُسِهِمْ نَفْعًا. وإن شَهِدُوا لِلْبَائِعِ، وهم عُدُولٌ، قُبِلَتْ شهَادَتُهم؛ لِعَدَمِ التُّهْمَةِ. الضَّرْبُ الرَّابِعُ، أفْلَسَ بعدَ أخْذِ الثَّمَرَةِ، أو ذَهَبَتْ بِجَائِحَةٍ، أو غيرِها، رَجَعَ البائِعُ فى الأَصْلِ، والثَّمَرَةُ لِلْمُشْتَرِى، إلَّا على قولِ أبى بكرٍ. وكلُّ مَوْضِعٍ لا يَتْبَعُ الثَّمَرُ الشَّجَرَ إذا رَجَعَ البائِعُ فيه، فليس له مُطَالَبَةُ المُفْلِسِ بِقَطْعِ الثَّمرَةِ قبلَ أوَانِ الجِذَاذِ. وكذلك إذا رَجَعَ فى الأَرْضِ، وفيها زَرْعٌ لِلْمُفْلِسِ، فليس له المُطَالَبَةُ بِأخْذِه قبلَ أوَانِ الحَصَادِ؛ لأنَّ المُشْتَرِىَ زَرَعَ فى أَرْضِه بِحَقٍّ، وطَلْعُه على الشَّجَرِ بِحَقٍّ، فلم يَلْزَمْهُ أخْذُه، كما لو بَاعَ الأَصْلَ وعليه الثَّمَرَةُ أو الزَّرْعُ، وليس على صَاحِبِ الزَّرْعِ أَجْرٌ؛ لأنَّه زَرَعَ فى أَرْضِهِ زَرْعًا تَجِبُ تَبْقِيَتُه، فكأنَّه اسْتَوْفَى مَنْفَعَةَ الأَرْضِ، فلم يكُنْ عليه ضَمَانُ ذلك. إذا ثَبَتَ هذا، فإن اتَّفَقَ المُفْلِسُ والغُرَمَاءُ على التَّبْقِيَةِ، أو القَطْعِ، فلهم ذلك، وإن اخْتَلَفُوا فطَلَبَ بعضُهم قَطْعَه، وبعضُهم تَبْقِيَتَه، نَظَرْنَا؛ فإن كان ممَّا لا قِيمَةَ له مَقْطُوعًا، أو قِيمَتُه يَسِيرَةً، لم يُقْطَعْ؛ لأن قَطْعَهُ سَفَهٌ. وتَضْيِيعٌ لِلْمَالِ، وقد نَهَى النَّبِىُّ ﷺ عن إضَاعَتِه (١٨)، وإن كانت قِيمَتُه كَثِيرَةً، ففيه وَجْهَانِ؛ أحَدُهما، يُقَدَّمُ قولُ من طَلَبَ القَطْعَ؛ لأنَّه أحْوَطُ، فإنَّ فى تَبْقِيَتِه غَرَرًا، ولأن طَالِبَ القَطْعِ إن كان المُفْلِسَ فهو يَقْصِدُ تَبْرِئَةَ ذِمَّتِه، وإن كان الغُرَمَاءَ فهم يَطْلُبُونَ تَعْجِيلَ حُقُوقِهم، وذلك حَقٌّ لهم. وهذا قولُ القاضى، وأكْثَرِ أصْحابِ الشَّافِعِىِّ. والثانى، يُنْظَرُ إلى ما فيه الحَظُّ فيعمَلُ به؛ لأنَّ ذلك أنْفَعُ لِجَمِيعِهم، والظَّاهِرُ سَلَامَتُه، ولهذا يجوزُ أن يُزْرَعَ للمُوَلَّى عليه. وفيه وَجْهٌ آخَرُ، أنَّه إن كان الطَّالِبُ للِقَطْعِ الغُرَمَاءَ، وَجَبَتْ إجَابَتُهم؛ لأنَّ حُقُوقَهم حَالَّةٌ، فلا يَلْزَمُهم تَأْخِيرُها مع إمْكَانِ إيفَائِها، وإن كان الطَّالِبُ له المُفْلِسَ دُونَهم، وكان التَّأْخِيرُ أحَظَّ له،
стр. 3165
لم يَقْطَعْ؛ لأنَّهم رَضُوا بِتَأْخِيرِ حُقُوقِهِم لِحَظٍّ يَحْصُلُ لهم، والمُفْلِسُ (١٩) يَطْلُبُ ما فيه ضَرَرٌ بِنَفْسِه، ومَنْعٌ لِلْغُرَمَاءِ من اسْتِيفَاءِ القَدْرِ الذى يَحْصُلُ من الزِّيَادَةِ بالتَّأْخِيرِ، فلا يَلْزَمُ الغُرَمَاءَ إجَابَتُه إلى ذلك.
فصل: إذا أقَرَّ الغُرَمَاءُ بأن الزَّرْعَ أو الطَّلْعَ لِلْبَائِعِ، ولم يَشْهَدُوا به، أو شَهِدُوا به ولم يَكُونُوا عُدُولًا، أو لم يُحْكَمْ بِشَهَادَتِهِمْ. حَلَف المُفْلِسُ، وثَبَتَ الطَّلْعُ له، يَنْفَرِدُ به دُونَهُم؛ لأنَّهم يُقِرُّونَ أنَّهم لا حَقَّ لهم فيه. فإن أرَادَ دَفْعَهُ إلى أحَدِهِم وتَخْصِيصَه بثَمَنِه، فله ذلك؛ لإِقْرَارِ بَاقِيهِم بِعَدَمِ حَقِّهِمْ فيه، فإن امْتَنَعَ ذلك الغَرِيمُ مِن قَبُولِه، أُجْبِرَ على قَبُولِه، أو الإِبرَاءِ من قَدْرِه من دَيْنِه، فيُقَالُ له: إمَّا أن تَقْبِضَهُ، وإمَّا أن تُبْرِىءَ مِن قَدْرِ ذلك مِن دَيْنِك، وهذا مذهبُ الشَّافِعِىِّ؛ لأنَّه مَحْكُومٌ به على المُفْلِسِ، فكان له أن يَقْضِىَ دَيْنَه منه، كما لو أَدَّى المُكَاتَبُ إلى سَيِّدِه نُجُومَ كِتَابَتِه، فقال سَيِّدُه: هذا حَرَامٌ. وأنْكَرَ المُكَاتَبُ. وإن أرَادَ قِسْمَتَهُ على الغُرَمَاء، لَزِمَهم قَبُولُه، أو الإِبرَاءُ؛ لذلك. فإن قَبَضُوا الثَّمَرةَ بِعَيْنِها، لَزِمَهُمْ رَدُّ ما حَصَلَ لهم إلى البائِعِ؛ لأنَّهم يُقِرُّونَ له بها، فلَزِمهم دَفْعُها إليه، كما لو أقَرُّوا بِعِتْقِ عَبْدٍ فى مِلْكِ غيرِهم، ثم اشْتَرَوْهُ منه. وإن بَاعَ الثَّمرَةَ، وفَرَّقَ ثَمَنَها فيهم، أو دَفَعَهُ إلى بَعْضِهِم، لم يَلْزَمْهم رَدُّ ما أخَذُوا من ثَمنِها؛ لأَنَّهم إنَّما اعْتَرَفُوا بالعَيْنِ، لا بِثَمَنِها. وإن شَهِدَ بعضُ الغُرَمَاءِ دَونَ بعضٍ، أو أَقَرَّ بعضُهم دُونَ بعضٍ، لَزِمَ الشَّاهِدَ أو المُقِرَّ الحُكْمُ الذى ذَكَرْنَاهُ، دون غيرِه. وإن عَرَضَ عليهم المُفْلِسُ الثَّمَرةَ بِعَيْنِها، فأبَوْا أخْذَها، لم يَلْزَمُهم ذلك؛ لأنَّه إنَّما يَلْزَمُهم الاسْتِيفاءُ من جِنْسِ دُيُونِهم، إلَّا أن يكون فيهم مَن له جِنْسٌ من الثَّمَرِ أو الزَّرْعِ، كالمُقْرِضِ أو المُسْلِمِ، فيَلْزَمُه أخْذُ ما عُرِضَ عليه، إذا كان بِصِفَةِ حَقِّه. ولو أقَرَّ الغُرَمَاءُ بأنَّ المُفْلِسَ أعْتَقَ عَبْدًا
стр. 3166
له قبلَ فَلَسِه، فأنْكَرَ ذلك، لم يُقْبَلْ قَوْلُهم، إلَّا أن يَشْهَدَ منهم عَدْلَانِ، ويكونُ حُكْمُهم فى قَبْضِ العَبْدِ أو أخْذِ ثَمَنِه إن عَرَضَهُ عليهم، حُكْمَ ما لو أقَرُّوا بالثَّمَنِ لِلْبَائِعِ. وكذلك إن أَقَرُّوا بِعَيْنٍ ممَّا فى يَدَيْهِ أنَّها غَصْبٌ أو عَارِيَّةٌ أو نحوُ ذلك، فالحُكْمُ كما ذَكَرْنَا سواءً. وإن أقَرُّوا بأنَّه أعْتَقَ عَبْدَه بعد فَلَسِه، انْبَنَى ذلك على صِحَّةِ عِتْقِ المُفْلِسِ، فإن قُلْنا: لا يَصِحُّ عِتْقُه. فلا أثَرَ لإقْرَارِهم، وإن قُلْنا بِصِحَّتِه، فهو كإقْرَارِهم بِعِتْقِه قبلَ فَلَسِه، وإن حَكَمَ الحاكِمُ بِصِحَّتِه، أو بِفَسَادِه، نَفَذَ حُكْمُه على كلِّ حالٍ؛ لأنَّه فِعْلٌ مُجْتَهَدٌ فيه، فَيلْزَمُ ما حَكَمَ به الحاكِمُ، ولا يجوزُ نَقْضُه ولا تَغْيِيرُه.
فصل: وإن صَدَّقَ المُفْلِسُ البَائِعَ فى الرُّجُوعِ قبلَ التَّأْبِيرِ، وكَذَّبَهُ الغُرَمَاءُ، لم يُقْبَلْ إقْرَارُه؛ لأن حُقُوقَهم تَعَلَّقَتْ بالثمَرةِ ظَاهِرًا، فلم يُقْبَلْ إقْرَارُه، كما لو أقَرَّ بالنَّخِيلِ، وعلى الغُرَمَاءِ اليَمِينُ، أنَّهم لا يَعْلَمُونَ أنَّ البائِعَ رَجَعَ قبلَ التَّأْبِيرِ؛ ولأنَّ هذه اليَمِينَ لا يَنُوبُونَ فيها عن المُفْلِسِ، بل هى ثَابِتَةٌ فى حَقِّهم ابْتِدَاءً، بِخِلَافِ ما لو ادَّعَى حَقًّا وأقَامَ شَاهِدًا فلم يَحْلِفْ، لم يكُنْ لِلْغُرَمَاءِ أن يَحْلِفُوا معه؛ لأنَّ اليَمِينَ ثَمَّ على المُفْلِسِ، فلو حَلَفُوا حَلَفُوا لِيُثْبِتُوا حَقًّا لغيرِهم، ولا يَحْلِفُ الإنْسَانُ لِيُثْبِتَ لغيرِه حَقًّا، ولا يجوزُ أن يكون نَائِبًا فيها؛ لأنَّ الأَيْمَانَ لا تَدْخُلُها النِّيَابَةُ، وفى مَسْأَلَتِنَا الأصْلُ أنَّ هذا الطَّلْعَ قد تَعَلَّقَتْ حُقُوقُهم به، لِكَوْنِه فى يَدِ غَرِيمِهم، ومُتَّصِلٌ بِنَخْلِه، والبائِعُ يَدَّعِى ما يُزِيلُ حُقُوقَهُم عنه، فأشْبَهَ سَائِرَ أعْيَانِ مَالِه، ويَحْلِفُونَ على نَفْىِ العِلْمِ؛ لأنَّه يَمِينٌ على نَفْىِ الدَّيْنِ عن المَيِّتِ. ولو أقَرَّ المُفْلِسُ بِعَيْنٍ من أعْيَانِ مَالِه لأَجْنَبِىٍّ، أو لبعض غُرَمَائِه، فأنْكَرَهُ الغُرَمَاءُ، فالقولُ قولُهم، وعليهم اليَمِينُ أنَّهم لا يَعْلَمُونَ ذلك. وكذلك لو أقَرَّ بِغَرِيمٍ آخَرَ يَسْتَحِقُّ مُشَارَكَتَهُمْ، فأنْكَرُوهُ، فعليهم اليَمِينُ أيضًا، ويكونُ على نَفْىِ العِلْمِ لذلك. وإن أقَرَّ أنَّه، أعْتَقَ عَبْدَه، انْبَنَى ذلك على صِحَّةِ عِتْقِ المُفْلِسِ. فإن قلْنا: يَصِحُّ عِتْقُه صَحَّ إقْرَارُه، وعَتَقَ؛ لأنَّ من مَلَكَ شَيْئًا مَلَكَ الإقْرَارَ به، ولأنَّ الإقْرَارَ بالعِتْقِ يَحْصُلُ به العِتْقُ، فكأنَّه أعْتَقَه فى الحالِ. وإن قُلْنا: لا يَصِحُّ عِتْقُه. لم يُقْبَلْ إقْرَارُه، وكان على الغُرَمَاءِ اليَمِينُ أنَّهم لا يَعْلَمُونَ
стр. 3167
ذلك. وكلُّ مَوْضِعٍ قُلْنا على الغُرَمَاءِ اليَمِينُ، فهو على جَمِيعِهم، فإن حَلَفُوا أَخَذُوا، وإن نَكَلُوا قُضِىَ لِلْمُدَّعِى بما ادَّعَاهُ، إلَّا أن نقولَ بِرَدِّ اليَمِينِ، فَتُرَدُّ على المُدَّعِى، فيَحْلِفُ ويَسْتَحِقُّ، وإن حَلَفَ بعضُهم دُونَ بعضٍ، أخَذَ الحالِفُ نَصِيبَه، وحُكْمُ النَّاكِلِ ما ذَكَرْنَاهُ.
فصل: وإن أقَرَّ المُفْلِسُ أنَّه أعْتَقَ عَبْدَه منذُ شَهْرٍ، وكان العَبْدُ قد اكْتَسَبَ بعدَ ذلك مَالًا، وأنْكَرَ الغُرَمَاءُ، فإن قُلْنا: لا يُقْبَلُ إقْرَارهُ. حَلَفُوا، واسْتَحَقُّوا العَبْدَ وكَسْبَه. وإن قُلْنا: يُقْبَلُ إقْرَارُه. لم يُقْبَلْ فى كَسْبِه، وكان لِلْغُرَمَاءِ أن يَحْلِفُوا أَنَّهم لا يَعْلَمُونَ أنَّه أعْتَقَهُ قبلَ الكَسْبِ، ويَأْخُذُونَ كَسْبَهُ، لأنَّ إقْرَارَه إنَّما قُبِلَ فى العِتْقِ دُونَ غيرِه لِصِحَّتِه منه، ولِبِنَائِه على التَّغْلِيبِ والسّرَايَةِ، فلا يُقْبَلُ فى المالِ، لِعَدَمِ ذلك فيه، ولأنَّنا نَزَّلْنَا إقْرَارَه مَنْزِلَةَ إعْتَاقِه فى الحالِ، فلا تَثْبُتُ له الحُرِّيَّةُ فيما مَضَى، فيكونُ كَسْبُه مَحْكُومًا به لِسَيِّدِه، كما لو أقَرَّ بِعِتقِه، ثم أقَرَّ له بِعَيْنٍ فى يَدِه.
فصل: فإن كان المَبِيعُ أَرْضًا فَبَنَاهَا المُشْتَرِى، أو غَرَسَها، ثم أفْلَسَ، فأرَادَ البَائِعُ الرُّجُوعَ فى الأَرْضِ، نَظَرْتَ؛ فإن اتَّفَقَ المُفْلِسُ والغُرَمَاءُ على قَلْعِ الغِرَاسِ والبِنَاءِ، فلهم ذلك؛ لأنَّ الحَقَّ لهم، لا يَخْرُجُ عنهم، فإذا قَلَعُوهُ، فَلِلْبَائِعِ الرُّجُوعُ فى أَرْضِه؛ لأنَّه وَجَدَ مَتَاعَه بِعَيْنِه. قال أصْحابُنا، ويَسْتَحِقُّ الرُّجُوعَ قبل القَلْعِ، وهو مذهبُ الشَّافِعِىِّ. ويَحْتَمِلُ أن لا يَسْتَحِقَّه حتى يُوجَدَ القَلْعُ؛ لأنَّه قبلَ القَلْعِ لم يُدْرِكْ مَتَاعَهُ إلَّا مَشْغُولًا بمِلْكِ المُشْتَرِى، فأشْبَهَ ما لو كانت مَسَامِيرَ فى بَابِ المُشْتَرِى. فإن قُلْنا: له الرُّجُوعُ قبلَ القَلْعِ. فقَلَعُوهُ، لَزِمَهُم تَسْوِيَةُ الأرْضِ من الحَفْرِ، وأرْشِ نَقْصِ الأرْضِ الحَاصِلِ به؛ لأنَّ ذلك نَقْصٌ حَصَلَ لِتَخْلِيصِ مِلْكِ المُفْلِسِ، فكان عليه، كما لو دَخَلَ فَصِيلُه دَارَ إنْسَانٍ وكَبِرَ، فأرَادَ صَاحِبُه إخْرَاجَهُ، فلم يُمْكِنْ إلَّا بِهَدْمِ بَابِها، فإنَّ البَابَ يُهْدَمُ لِيَخْرُجَ، ويَضْمَنُ صَاحِبُه ما نَقَصَ، بِخِلَافِ ما إذا وَجَدَ البائِعُ عَيْنَ مَالِه نَاقِصَةً. فرَجَعَ فيها، فإنَّه لا يَرْجِعُ فى النَّقْصِ؛ لأنَّ النَّقْصَ كان فى مِلْكِ المُفْلِسِ، وهنا حَدَثَ بعدَ رُجُوعِه فى العَيْنِ، فلهذا ضَمِنُوه، ويَضْرِبُ بالنَّقْصِ مع الغُرَمَاءِ. وإن قلنا: ليس له الرُّجُوعُ قبلَ القَلْعِ.
стр. 3168
لم يَلْزَمْهُم تَسْوِيَةُ الحَفْرِ، ولا أَرْشُ النَّقْصِ، لأنَّهم فَعَلُوا ذلك فى أرْضِ المُفْلِسِ قبلَ رُجُوعِ البائِعِ فيها، فلم يَضْمَنُوا النَّقْصَ، كما لو قَلَعَهُ المُفْلِسُ قبلَ فَلَسِه، فأمَّا إن امْتَنَعَ المُفْلِسُ والغُرَمَاءُ من القَلْعِ، فلهم ذلك، ولا يُجْبَرُونَ عليه، لأنَّه غَرْسٌ بِحَقٍّ. ومَفْهُومُ قوله ﵇: "لَيْسَ لِعِرْقٍ ظَالِمٍ حَقٌّ" (٢٠). أنَّه إذا لم يكُنْ ظالمًا فله حَقٌّ. فإن بَذَلَ البائِعُ قِيمَةَ الغِرَاسِ والبِنَاءِ، ليكونَ له الكُلُّ. أو قال: أنا أقْلَعُ، وأضْمَنُ ما نَقَصَ. فإن قُلْنا: له الرُّجُوعُ قبلَ القَلْعِ. فله ذلك؛ لأنَّ البِنَاءَ والغِرَاسَ حَصَلَ فى مِلْكِه لغيرِه بِحَقٍّ، فكان له أخْذُه بِقِيمَتِه، أو قَلْعُه. وضَمَانُ نَقْصِه، كالشَّفِيعِ إذا أخَذَ الأَرْضَ وفيها غِرَاسٌ وبِنَاءٌ لِلْمُشْتَرِى، والمُعِيرِ إذا رَجَعَ فى أرْضِه بعدَ غَرْسِ المُسْتَعِيرِ. وإن قُلْنا: ليس له الرُّجُوعُ قبلَ القَلْعِ. لم يكُنْ له ذلك؛ لأنَّ بِنَاءَ المُفْلِسِ وغَرْسَه فى مِلْكِه، فلم يُجْبَرْ على بَيْعِه لهذا البَائِعِ، ولا على قَلْعِه، كما لو لم يَرْجِعْ فى الأَرْضِ. فأمَّا إن امْتَنَعَ البائِعُ من بَذْلِ ذلك، سَقَطَ حَقُّ الرُّجُوعِ. وهذا قولُ ابنِ حامِدٍ، وأحَدُ الوَجْهَيْنِ لأصْحَابِ الشَّافِعِىِّ. وقال القاضى: يَحْتَمِلُ أنَّ له الرُّجُوعَ. وهو القولُ الثانى لِلشَّافِعِىِّ؛ لأنَّه أدْرَكَ مَتَاعَهُ بِعَيْنِه، وفيه مَالُ المُشْتَرِى على وَجْهِ التَّبَعِ، فلم يَمْنَعْهُ ذلك الرُّجُوعَ، كالثَّوْبِ إذا صَبَغَهُ المُشْتَرِى. ولَنا، أنَّه لم يُدْرِكْ مَتَاعَهُ على وَجْهٍ يمكنُه أخْذُه مُنْفَرِدًا عن غيرِه، فلم يكُنْ له أَخْذُه، كالحَجَرِ فى البِنَاءِ، والمَسَامِيرِ فى البَابِ، ولأنَّ فى ذلك ضَرَرًا على المُشْتَرِى والغُرَمَاءِ، ولا يُزَالُ الضَّرَرُ بالضَّرَرِ، ولأنَّه لا يَحْصُلُ بالرُّجُوعِ هاهُنا انْقِطَاعُ النِّزَاعِ والخُصُومَةِ، بخِلَافِ ما إذا وَجَدَها غيرَ مَشْغُولَةٍ بشىءٍ. وأمَّا الثَّوْبُ إذا صَبَغَهُ، فلا نُسَلِّمُ أن له الرُّجُوعَ، فهو كمَسْأَلَتِنَا، وإن سَلَّمْنَا فالفَرْقُ بينهما من وَجْهَيْنِ؛ أحَدُهما، أنَّ الصِّبْغَ تَفَرَّقَ فى الثَّوْبِ، فصَارَ كالصِّفَةِ فيه، بخِلَافِ البِنَاءِ والغَرْسِ، فإنَّه أعْيَانٌ مُتَمَيِّزَةٌ، وأصْلٌ فى نَفْسِه. والثانى، أنَّ الثَّوْبَ لا يُرَادُ لِلْبَقَاءِ،
стр. 3169
بِخِلَافِ الأرْضِ والبِناءِ (٢١)، فإذا قُلْنا: لا يَرْجِعُ. فلا كَلَامَ. وإن قُلْنا: يَرْجِعُ. فَرَجَعَ، واتَّفَقَ الجَمِيعُ على بَيْعِهِما، بِيعَا لهما، وأخَذَ كلُّ واحِدٍ بِقَدْرِ حَقِّه. وإن امْتَنَعَ أحَدُهما من البَيْعِ، احْتَمَلَ أن يُجْبَرَ عليه، كما لو كان المَبِيعُ ثَوْبًا، فصَبَغَهُ المُشْتَرِى، فإنَّ الثَّوْبَ يُبَاعُ لهما، كذا هاهُنا. ويَحْتَمِلُ أن لا يُجْبَرَ؛ لأنَّه أمْكَنَ طَالِبُ البَيْعِ أن يَبِيعَ مِلْكَهُ مُفْرَدًا، بِخِلَافِ الثَّوبِ المَصْبُوغِ، فإن بِيعَا لهما، قَسَمَا الثَّمَنَ على قَدْرِ القِيمَتَيْنِ، فتُقَوَّمُ الأَرْضُ غيرَ ذاتِ شَجَرٍ ولا بِنَاءٍ، ثم تُقَوَّمُ وهما فيها، فما كان قِيمَةَ الأرْضِ بغير غِرَاسٍ ولا بِنَاءٍ، فلِلْبَائِعِ قِسْطُه من الثَّمَنِ، وما زَادَ فهو لِلْمُفْلِسِ والغُرَمَاءِ. وإن قُلْنا: لا يُجْبَرُ المُمْتَنِعُ على البَيْعِ. أو لم يَطْلُبْ أحَدُهما البَيْعَ. فَاتَّفَقَا على كَيْفِيَّةِ كَوْنِهِما بينهما، جَازَ ما اتَّفَقَا عليه، وإن اخْتَلَفَا، كانت الأرْضُ لِلْبَائِعِ، والغِرَاسُ والبِنَاءُ لِلْمُفْلِسِ والغُرَمَاءِ، ولهم دُخُولُ الأَرْضِ لِسَقْىِ الشَّجَرِ وأخْذِ الثَّمرَةِ، وليس لهم دُخُولُها لِلتَّفَرُّجِ ولغيرِ حَاجَةٍ، ولِلْبَائِعِ دُخُولُها لِلزَّرْعِ، ولما شَاءَ؛ لأنَّ الأَرْضَ له ومِلْكُه. وإن بَاعُوا الشَّجَرَ والبِنَاءَ لإِنْسَانٍ، فحُكْمُه فى ذلك حُكْمُهم. ولو بَذَلَ المُفْلِسُ والغُرَمَاءُ، أو المُشْتَرِى منهم، قِيمَةَ الأَرْضِ لِلْبَائِعِ، لِيَدْفَعَها لهم، لم يَلْزَمْهُ ذلك؛ لأنَّ الأرْضَ أصْلٌ، فلا يُجْبَرُ على بَيْعِها، بِخِلافِ ما فيها من الغَرْسِ والبِنَاءِ.
فصل: إذا اشْتَرَى غِرَاسًا، فَغَرَسَهُ فى أَرْضِه، ثم أَفْلَسَ، ولم يَزِدِ الغِرَاسُ، فله الرُّجُوعُ فيه، لأنَّه أدْرَكَ مَتَاعَهُ بِعَيْنِه. وإذا أخَذَه، فعليه تَسْوِيَةُ الأَرْضِ، وأَرْشُ نَقْصِهَا الحاصِلُ بِفِعْلِه (٢٢)، لأنَّه نَقْصٌ حَصَلَ لِتَخْلِيصِ مِلْكِه من مِلْكِ غيره. وإن بَذَلَ المُفْلِسُ والغُرَمَاءُ له قِيمَتَهُ، لِيَمْلِكُوه بذلك، لم يُجْبَرْ على قَبُولِها؛ لأنَّه اخْتَارَ أخْذَ مَالِه، وتَفْرِيغَ مِلْكِهِم، وإزَالَةَ ضَرَرِه عنهم، فلم يكُنْ لهم مَنْعُه، كالمُشْتَرِى
стр. 3170
إذا غَرَسَ فى الأرْضِ المَشْفُوعَةِ. وإن امْتَنَعَ من القَلْعِ، فبَذَلُوا له القِيمَةَ لِيَمْلِكَه المُفْلِسُ، أو أرَادُوا قَلْعَهُ وضَمَانَ النَّقْصِ، فلهم ذلك. وكذلك إذا أرَادُوا قَلْعَه من غير ضَمَان النَّقْصِ؛ لأنَّ المُفْلِسَ إنَّما ابْتَاعَهُ مَقْلُوعًا، فلم يَجِبْ عليه إبْقَاؤُه فى أرْضِه. وقيل: ليس لهم قَلْعُه من غيرِ ضَمَانِ النَّقْصِ، لأنَّه غرْسٌ بِحَقٍّ، فأشْبَهَ غَرسَ المُفْلِسِ فى الأَرْضِ التى ابْتَاعَها إذا رَجَعَ بَائِعُها فيها. والفَرْقُ بينهما ظَاهِرٌ، فإنَّ إِبْقَاءَ الغِرَاسِ فى هذه الصُّورَةِ حَقٌّ عليه، فلم يَجِبْ عليه بِفِعْلِه، وفى التى قبلَها إبْقَاؤُه حَقٌّ له فوَجَبَ له بِغِرَاسِه فى مِلْكِه. فإن اخْتَارَ بعضُهم القَلْعَ، وبعضُهم التَّبْقِيَةَ، قُدِّمَ قَوْلُ مَن طَلَبَ القَلْعَ، سواءٌ كان المُفْلِسَ أو الغُرَمَاءَ، أو بعضَ الغُرَمَاءِ؛ لأنَّ الإبقَاءَ ضَرَرٌ غيرُ واجِبٍ، فلم يَلْزَم المُمْتَنِعَ منه الإجَابَةُ إليه. وإن زَادَ الغِرَاسُ فى الأَرْضِ، فهى زِيَادَةٌ مُتَّصِلَةٌ، تَمْنَعُ الرُّجُوعَ على قولِ الخِرَقِىِّ، ولا تَمْنَعُه على رِوَايَةِ المَيْمُونِىِّ.
فصل: وإن اشْتَرَى أرْضًا من رَجُلٍ، وغِرَاسًا من آخَرَ، فغَرَسَهُ فيها، ثم أفْلَسَ ولم يَزِد الشَّجَرُ، فلِكُلِّ واحدٍ منهما الرُّجُوعُ فى عَيْنِ مَالِه، ولِصَاحِبِ الأرْضِ قَلْعُ الغِرَاسِ من غير ضَمَانِ نَقْصِه بالقَلْعِ، على ما ذَكَرْنَا، لأنَّ البَائِعَ إنَّما بَاعَهُ مَقْلُوعًا، فلا يَسْتَحِقُّه إلَّا كذلك. وإن أرَادَ بَائِعُه قَلْعَه من الأَرْضِ، فقَلَعَهُ، فعليه تَسْوِيَةُ الحَفْرِ، وضَمَانُ نَقْصِها الحاصِلِ به؛ لما تَقَدَّمَ. وإن بَذَلَ صَاحِبُ الغِرَاسِ قِيمَةَ الأرْضِ لِصَاحِبِها لِيَمْلِكَه، لم يُجْبَرْ على ذلك؛ لأنَّ الأَرْضَ أصْلٌ، فلا يُجْبَرُ على بَيْعِها تَبَعًا. وإن بَذَلَ صَاحِبُ الأَرْضِ قِيمَةَ الغِراسِ (٢٣)، لِيَمْلِكَه إذا امْتَنَعَ من القَلْعِ، فله ذلك؛ لأنَّ غَرْسَه حَصَلَ فى مِلْكِ غيرِه بِحَقٍّ، فأشْبَهَ غَرْسَ المُفْلِسِ فى أرْضِ البائِعِ. ويَحْتَمِلُ أن لا يَمْلِكَ ذلك؛ لأنَّه لا يُجْبَرُ على إِبْقَائِه إذا امْتَنَعَ من دَفْعِ قِيمَتِه، أو أرْشِ نَقْصِه، فلا يكونُ له أن يَتَمَلَّكَه بالقِيمَةِ، بِخِلَافِ التى قبلَها. والأُولَى أوْلَى. وهذا يَنْتَقِضُ بِغَرْسِ الغَاصِبِ.
стр. 3171
فصل: الشَّرْط الثالث، أن لا يكونَ البَائِعُ قَبَضَ من ثَمَنِها شيئا. فإن كان قد قَبَضَ بعضَ ثَمَنِها، سَقَطَ حَقُّ الرُّجُوعِ. وبهذا قال إسحاقُ، والشَّافِعِىُّ فى القَدِيمِ، وقال فى الجَدِيدِ: له أن يَرْجِعَ فى قَدْرِ ما بَقِىَ من الثَّمَنِ؛ لأنَّه سَبَبٌ تَرْجِعُ به العَيْنُ كلُّها إلى العَاقِدِ، فجازَ أن يَرْجِعَ به بعضُها، كالفُرْقَةِ قبلَ الدُّخُولِ فى النِّكَاحِ. وقال مالِكٌ: هو مُخَيَّرٌ، إن شَاءَ رَدَّ ما قَبَضَهُ ورَجَعَ فى جَمِيعِ العَيْنِ، وإن شَاءَ حَاصَّ الغُرَماءَ ولم يَرْجِعْ. ولَنا، ما رَوَى أبو بَكْرِ بن عبد الرحمنِ، عن أبى هُرَيْرَةَ: أنَّ رسولَ اللَّه ﷺ قال: "أَيُّمَا رَجُلٍ بَاعَ سِلْعَةً، فأَدْرَكَ سِلْعَتَه بِعَيْنِها عند رَجُلٍ قَدْ أفْلَسَ، ولم يَكُنْ قَدْ قَبَضَ مِنْ ثَمَنِها شَيْئًا، فَهِىَ لَهُ، وَإنْ كَانَ قَدْ قَبَضَ مِنْ ثَمَنِها شَيْئًا، فَهُوَ أُسْوَةُ الْغُرَمَاءِ". رَوَاهُ أبو دَاوُدَ، وابنُ مَاجَه، والدَّارَقُطْنِىُّ (٢٤). ولأنَّ فى الرُّجُوعِ فى قِسْطِ ما بَقِىَ تَبْعِيضًا لِلصَّفْقَةِ على المُشْتَرِى، وإضْرَارًا به، وليس ذلك لِلْبَائِعِ. فإن قيل: لا ضَرَرَ عليه فى ذلك؛ لأنَّ مَالَهُ يُبَاعُ، ولا يَبْقَى له، فيَزُولُ عنه الضَّرَرُ. قُلْنا: لا يَنْدَفِعُ الضَّرَرُ بالبَيْعِ؛ فإنَّ قِيمَتَهُ تَنقُصُ بالتَّشْقِيصِ، ولا يُرْغَبُ فيه مُشَقَّصًا، فيَتَضَرَّرُ المُفْلِسُ والغُرَمَاءُ بِنَقْصِ القِيمَةِ. ولأنَّه سَبَبٌ يُفْسَخُ به البَيْعُ، فلم يَجُزْ تشْقِيصُه، كالرَّدِّ بالعَيْبِ والخِيَارِ، وقِيَاسُ البَيْعِ على البَيْعِ أوْلَى من قِيَاسِه على النِّكَاحِ. ولا فَرْقَ بينَ كَوْنِ المَبِيعِ عَيْنًا واحِدَةً، أو عَيْنَيْنِ، لما ذَكَرْنا من الحَدِيثِ والمَعْنَى. فإن قِيل: حَدِيثُكم يَرْوِيه أبو بكرِ بن عبد الرحمنِ، عن النَّبِىِّ ﷺ مُرْسَلًا، ولا حُجَّةَ فى المَرَاسِيلِ. قُلْنا: قد رَوَاهُ مالِكٌ ومُوسَى بن عُقْبَةَ، عن الزُّهْرِىِّ، عن أبى بكرِ بن عبد الرَّحْمَنِ، عن أبى هُرَيْرَةَ، كذلك ذَكَرَه ابنُ عبدِ البَرِّ، وأخْرَجَهُ أبو دَاوُدَ وابنُ مَاجَه والدَّارَقُطْنِىُّ فى "سُنَنِهِم" مُتَّصِلًا، فلا يَضُرُّ إِرْسَالُ مَن أَرْسَلَهُ، فإنَّ رَاوِى المُسْنَدِ معه زِيَادَةٌ لا يُعَارِضُها تَرْكُ مُرْسِلِ الحَدِيثِ لها، وعلى أن المُرْسَلَ حُجَّةٌ، فلا يَضُرُّ إرْسَالُه.
стр. 3172
فصل: الشَّرْطُ الرَّابع، أن لا يكونَ تَعَلَّقَ بها حَقُّ الغَيْرِ. فإن رَهَنَها المُشْتَرِى، ثم أفلَسَ أو وَهَبَها (٢٥)، لم يَمْلِكِ البائِعُ الرُّجُوعَ، كما لو بَاعَها أو أعْتَقَها، ولأنَّ فى الرُّجُوعِ إضْرَارًا بِالمُرْتَهِنِ، ولا يُزَالُ الضَّرَرُ بالضَّرَرِ، ولأنَّ النَّبىَّ ﷺ قال: "مَنْ وَجَدَ مَتَاعَهُ بِعَيْنِهِ عِنْدَ رَجُلٍ قَدْ أفْلَسَ، فَهُوَ أحَقُّ بِهِ" (٢٦). وهذا لم يَجِدْهُ عند المُفْلِسِ. ولا نَعْلَمُ فى هذا خِلَافًا. فإن كان دَيْنُ المُرْتَهِنِ دونَ قِيمَةِ الرَّهْنِ، بِيعَ كلُّه، فقُضِىَ منه دَيْنُ المُرْتَهِنِ، والباقِى يُرَدُّ على سائِرِ مالِ المُفْلِسِ، ويَشْتَرِكُ الغُرَمَاءُ فيه، وإن بِيعَ بعضُه، فبَاقِيه بينهم يُبَاعُ لهم أيضًا، ولا يَرْجِعُ به البائِعُ. قال القاضى: له الرُّجُوعُ به. وهو مذهب الشَّافِعِىِّ؛ لأنَّه عَيْنُ مَالِه، لم يَتَعَلَّقْ به حَقُّ غيره. ولَنا، أنَّه لم يَجِدْ مَتَاعَهُ بِعَيْنِه، فلم يكُنْ له أخْذُه، كما لو كان الدَّيْنُ مُسْتَغْرِقًا له. وما ذَكَرَهُ القاضى لا يُخَرَّجُ على المَذْهَبِ؛ لأنَّ تَلَفَ بعضِ المَبِيعِ يَمْنَعُ الرُّجُوعَ، فكذلك ذَهَابُ بَعْضِه بالبَيْعِ. ولو رَهَنَ بعضَ العَبْدِ لم يكُنْ لِلْبَائِعِ الرُّجُوعُ فى بَاقِيه؛ لما ذَكَرْنَا. وإن كان المَبِيعُ عَيْنَيْنِ، فرَهَنَ إحْدَاهُما، فهل يَمْلِكُ البائِعُ الرُّجُوعَ فى الأُخْرَى؟ على وَجْهَيْنِ، بنَاءً على الرِّوَايَتَيْنِ فيما إذا تَلِفَتْ إحْدَى العَيْنَيْنِ. وإن فَكَّ الرَّهْنَ قبلَ فَلَسِ المُشْتَرِى، أو أَبْرَأَ من دَيْنِه، فَلِلْبَائِعِ الرُّجُوعُ؛ لأنَّه أَدْرَكَ مَتَاعَهُ بِعَيْنِه عندَ المُشْتَرِى. وإن أفْلَسَ وهو رَهْنٌ، فأَبْرَأ المُرْتَهِنُ المُشْتَرِى من دَيْنِه، أو قَضَى الدَّيْنَ من غيرِه، فلِلْبَائِعِ الرُّجُوعُ أيضا كذلك.
فصل: وإن كان عَبْدًا، فأَفْلَسَ المُشْتَرِى بعدَ تَعَلُّقِ أرْشِ الجِنَايَةِ بِرَقَبَتِه، ففيه وَجْهَانِ؛ أحَدُهما، ليس لِلْبَائِعِ الرُّجُوعُ؛ لأنَّ تَعَلُّقَ الرَّهْنِ به يَمْنَعُ الرُّجُوعَ، وأَرْشُ الجِنَايَةِ يُقَدَّمُ على حَقِّ المُرْتَهِنِ، فأَوْلَى أن لا يَرْجِعَ. ذَكَرَهُ أبو الخَطَّابِ. والثانى، لا يَمْنَعُ الرُّجُوعَ فيه؛ لأنَّه حَقٌّ لا يَمْنَعُ تَصَرُّفَ المُشْتَرِى فيه (٢٧)، فلم يَمْنَعْ
стр. 3173
الرُّجُوعَ، كالدَّيْنِ فى ذِمَّتِه. وفَارَقَ الرَّهْنَ؛ فإنَّه يَمْنَعُ تَصَرُّفَ المُشْتَرِى فيه. فإن قُلْنا: لا يَرْجِعُ. فَحُكْمُه حُكْمُ الرَّهْنِ. وإن قُلْنا: له الرُّجُوعُ. فهو مُخَيَّرٌ؛ إن شاءَ رَجَعَ فيه نَاقِصًا بأرْشِ الجِنَايَةِ، وإن شاءَ ضَرَبَ بِثَمَنِه مع الغُرَمَاءِ. وإن أَبْرَأَ الغَرِيمَ من الجِنَايَةِ، فَلِلْبَائِعِ الرُّجُوعُ فيه؛ لأنَّه وَجَدَ مَتَاعَهُ بِعَيْنِه خَالِيًا من تَعَلُّقِ حَقِّ غيرِه به.
فصل: وإن أفْلَسَ بعدَ خُرُوجِ المَبِيعِ من مِلْكِه؛ بِبَيْعٍ، أو هِبَةٍ، أو وقْفٍ، أو عِتْقٍ، أو غيرِ ذلك، لم يكُنْ لِلْبَائِعِ الرُّجُوعُ؛ لأنَّه لم يُدْرِكْ مَتَاعَهُ بِعَيْنِه عندَ المُفْلِسِ، سواءٌ كان المُشْتَرِى يُمْكِنُه اسْتِرْجَاعُه بخِيَارٍ له، أو عَيْبٍ فى ثَمَنِه، أو رُجُوعِه فى هِبَةِ وَلَدِه، أو غيرِ ذلك؛ لما ذَكَرْنَا. وخُرُوجُ بَعْضِه كَخُرُوجِ جَمِيعِه؛ لما تَقَدَّمَ. فإن أفْلَسَ بعدَ رُجُوعِ ذلك إلى مِلْكِه، ففيه ثلاثةُ أوْجُهٍ: أحَدُها، له الرُّجُوعُ؛ لِلْخَبَرِ، ولأنَّه وَجَدَ عَيْنَ مَالِه خَالِيًا عن حَقِّ غيرِه، أشْبَهَ ما لو لم يَبِعْهُ. والثانى، لا يَرْجِعُ؛ لأنَّ هذا المِلْكَ لم يَنْتَقِلْ إليه منه، فلم يَمْلِكْ فَسْخَهُ. ذَكَرَ أصْحَابُنا هذَيْنِ الوَجْهَيْنِ. ولِأصْحابِ الشَّافِعِىِّ مثلُ ذلك. والثالث، أنَّه (٢٨) إن عَادَ إليه بِسَبَبٍ جَدِيدٍ، كبَيْعٍ، أو هِبَةٍ، أو إرْثٍ، أو وَصِيَّةٍ، أو نحوِ ذلك. لم يكُنْ لِلْبَائِعِ الرُّجُوعُ؛ لأنَّه لم يَصِرْ إليه من جِهَتِه. وإن عَادَ إليه بِفَسْخٍ، كالإِقَالَةِ، والرَّدِّ بِعَيْبٍ أو خِيَارٍ، ونحوِ ذلك، فلِلْبَائِعِ الرُّجُوعُ؛ لأنَّ هذا المِلْكَ اسْتَنَدَ إلى السَّبَبِ الأوَّلِ، فإنَّ فَسْخَ العَقْدِ الثانى لا يَقْتَضِى ثُبُوتَ المِلْكِ، وإنَّما أزَالَ السَّبَبَ المُزِيلَ لمِلْكِ البائِعِ، فثَبَتَ المِلْكُ بِالسَّبَبِ الأَوَّلِ، فمَلَكَ اسْتِرْجَاعَ ما ثَبَتَ المِلْكُ فيه بِبَيْعِه.
فصل: وإن كان المَبِيعُ شِقْصًا مَشْفُوعًا، ففيه ثلاثةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: البائِعُ أحقُّ به. هذا قولُ ابنِ حامِدٍ؛ لِلْخَبَرِ، ولأنَّه إذا رَجَعَ فيه عَادَ الشِّقْصُ إليه، فزَالَ الضَّرَرُ
стр. 3174
عن الشَّفِيعِ، لأنَّه عَادَ كما كان قبلَ البَيْعِ، ولم تَتَجَدَّدْ شَرِكَةُ غيره. والثانى، أنَّ الشَّفِيعَ أحَقُّ. ذَكَرَه أبو الخَطَّابِ؛ لأنَّ حَقَّهُ أسْبَقُ فكان أَوْلَى، بَيَانُه أنَّ حَقَّ البَائِعِ ثَبَتَ بالحَجْرِ، وحَقَّ الشَّفِيعِ ثَبَتَ بالبَيْعِ، ولأنَّ (٢٩) حَقَّهُ آكَدُ؛ لأنَّه يَسْتَحِقُّ انْتِزَاعَ الشِّقْصِ من المُشْتَرِى، وممَّن نَقَلَهُ إليه، وحَقُّ البَائِعِ إنَّما يَتَعَلَّقُ بالعَيْنِ، ما دَامَتْ فى يَدِ المُشْتَرِى، ولا يَزُولُ الضَّرَرُ عنه بِرَدِّه إلى البَائِعِ، بِدَلِيلِ ما لو بَاعَهُ المُشْتَرِى لِبَائِعِه، أو وَهَبَهُ إياه، أو أقَالَه، لم يَسْقُطْ حَقُّ الشَّفِيعِ، ولأنَّ البائِعَ إنَّما يَسْتَحِقُّ الرُّجُوعَ فى عَيْنٍ لم يَتَعَلَّقْ بها حَقُّ الغَيْرِ، وهذه قد تَعَلَّقَ بها حَقُّ الشَّفِيعِ. الوَجْهُ الثالث، أنَّ الشَّفِيعَ إن كان طَالَبَ بالشُّفْعَةِ، فهو أحَقُّ، لأنَّ حَقَّهُ تَأَكَّدَ هنا (٣٠) بالمُطَالَبَةِ، وإن كان لم يُطَالِبْ يها، فالبَائِعُ أَوْلَى. ولأَصْحَابِ الشَّافِعِىِّ وَجْهَانِ، كالأَوَّلَيْنِ، ولهم وَجْهٌ ثَالِثٌ، أنَّ الثَّمَنَ يُؤْخَذُ من الشَّفِيعِ، فيَخْتَصُّ به البَائِعُ، جَمْعًا بين الحَقَّيْنِ، فإنَّ غَرَضَ الشَّفِيعِ فى عَيْنِ الشِّقْصِ المَشْفُوعِ، وغَرَضَ البائِعِ فى ثَمَنِه، فيَحْصُلُ ذلك بما ذَكَرْنا. وليس هذا جَيِّدًا، لأنَّ حَقَّ البائِعِ إنَّما ثَبَتَ فى العَيْنِ، فإذا صَارَ الأَمْرُ إلى وُجُوبِ الثَّمَنِ، تَعَلَّقَ بِذِمَّتِه، فساوَى الغُرَمَاء فيه.
فصل: وإن كان المَبِيعُ صَيْدًا، فأفْلَسَ المُشْتَرِى والبائِعُ مُحْرِمٌ، لم يَرْجِعْ فيه؛ لأنَّه تَمَلَّكَ الصَّيْدَ، فلم يَجُزْ مع الإحْرَامِ، كشِرَاءِ الصَّيْدِ. وإن كان البائِعُ حَلَالًا، فى الحَرَمِ، والصَّيْدُ فى الحِلِّ، فأفْلَسَ المُشْتَرِى، فَلِلْبَائِعِ الرُّجُوعُ فيه؛ لأنَّ الحَرَمَ إنَّما يَحْرُمُ الصَّيْدُ الذى فيه، وهذا ليس مِن صَيْدِه، فلا يَحْرُمُ، ولو أفْلَسَ المُحْرِمُ، وفى مِلْكِه صَيْدٌ، بَائِعُه حَلالٌ، فله أخْذُه؛ لأنَّ المانِعَ غيرُ مَوْجُودٍ فى حَقِّه.
فصل: وإذا أفْلَسَ، وفى يَدِه عَيْنُ مَالٍ دَيْنُ بَائِعها مُؤَجَّلٌ، وقُلْنا: لا يَحِلُّ الدَّيْنُ
стр. 3175
بالفَلَسِ. فقال أحمدُ، فى رِوَايَةِ الحسنِ بن ثَوَابٍ: يكونُ مَالُه مَوْقُوفًا إلى أن يَحِلَّ دَيْنُه، فيَخْتَارَ البَائِعُ الفَسْخَ أو التَّرْكَ. وهذا قولُ بعضِ أصْحَابِ الشَّافِعِىِّ. والمَنْصُوصُ عن الشَّافِعِىِّ، أنَّه يُبَاعُ فى الدُّيُونِ الحالَّةِ. ويَتَخَرَّجُ لنا مثلُ ذلك؛ لأنَّها حُقُوقٌ حَالَّةٌ، فَقُدِّمَتْ على الدَّيْنِ المُؤَجَّلِ، كدَيْنِ مَن لم يَجِدْ عَيْنَ مَالِه. ولِلأَوَّلِ الخَبَرُ، ولأنَّ حَقَّ هذا البائِعِ تَعَلَّقَ بالعَيْنِ، فَقُدِّمَ على غيرِه، وإن كان مُؤَجَّلًا. كالمُرْتَهِنِ، والمَجْنِىِّ عليه.
فصل: قال أحمدُ، فى رَجُلٍ ابْتَاعَ طَعَامًا نَسِيئَةً، ونَظَرَ إليه وقَلَّبَهُ، وقال: أقْبِضُهُ غَدًا. فمَاتَ البَائِعُ وعليه دَيْنٌ، فالطَّعَامُ لِلْمُشْتَرِى، ويَتْبَعُه الغُرَمَاءُ فى الثَّمَنِ، وإن كان رَخِيصًا. وكذلك قال الثَّوْرِىُّ، وإسحاقُ؛ لأن المِلْكَ ثَبَتَ لِلْمُشْتَرِى فيه بالشِّرَاءِ، وزَالَ مِلْكُ البائِعِ عنه، فلم يُشَارِكْهُ غُرَمَاءُ البائِعِ فيه، كما لو قَبَضَهُ.
الشَّرْطُ الخامس، أن يكونَ المُفْلِسُ حَيًّا. ويأتى شَرْحُ ذلك فى آخِرِ البابِ، إن شاءَ اللهُ تعالى.
فصل: ورُجُوعُ البائِعِ فى المَبِيعِ فَسْخٌ لِلْبَيْعِ، لا يَحْتَاجُ إلى مَعْرِفَةِ المَبِيعِ، ولا القُدْرَةِ على تَسْلِيمِه، ولا اشْتِبَاهِ المَبِيعِ بغيرِه، فلو رَجَعَ فى المَبِيعِ الغَائِبِ بعدَ مُضِىِّ مُدَّةٍ يَتَغَيَّرُ فيها، ثم وَجَدَه على حَالِه لم يَتْلَفْ شىءٌ منه، صَحَّ رُجُوعُه. وإن رَجَعَ فى العَبْدِ بعد إبَاقِه، أو الجَمَلِ بعد شُرُودِه، أو الفَرَسِ العَائِرِ (٣١)، صَحَّ، وصَارَ ذلك له، فإن قَدَرَ عليه أخَذَهُ، وإن ذَهَبَ كان من مَالِه. وإن تَبَيَّنَ أنَّه كان تَالِفًا حين اسْتِرْجَاعُه، لم يَصِحَّ اسْتِرْجَاعُه، وكان له أن يَضْرِبَ مع الغُرَمَاءِ فى المَوْجُودِ من مَالِه. وإن رَجَعَ فى المَبِيعِ، واشْتَبَه بغيرِه، فقال البائِعُ: هذا هو المَبِيعُ. وقال المُفْلِسُ: بل هذا. فالقولُ قولُ المُفْلِسِ؛ لأنَّه مُنْكِرٌ لِاسْتِحْقَاقِ ما ادَّعَاهُ البائِعُ، والأصْلُ معه.
стр. 3176
٨٠٢ - مسألة؛ قال: (وَمَنْ وَجَبَ لَهُ حَقٌّ بِشَاهِدٍ، فَلَمْ يَحْلِفْ، لَمْ يَكُنْ لِلْغُرَمَاءِ أنْ يَحْلِفُوا مَعَهُ، ويَسْتَحِقُّوا)
وجملةُ ذلك أنَّ المُفْلِسَ فى الدَّعْوَى كغَيرِه، فإذا ادَّعَى حَقًّا له به شَاهِدُ عَدْلٍ، وحَلَفَ مع شاهِدِه، ثَبَتَ المالُ، وتَعَلَّقَتْ به حُقوقُ الغُرَماءِ. وإن امتنعَ لم يُجْبَرْ؛ لأنَّنا لا نَعلَمُ صِدْقَ الشَّاهِدِ، ولو ثَبَتَ الحَقُّ بِشهادَتِه لم يَحْتَجْ إلى يَمِينٍ معه، فلا يُجْبَرُ على الحَلْفِ على ما لا يَعْلَمُ صِدْقَه كغيرِه. فإن قال الغُرَماءُ: نحن نَحْلِفُ مع الشَّاهِدِ. لم يكُنْ لهم ذلك. وبهذا قال الشَّافِعِىُّ فى الجَدِيدِ، وقال فى القَدِيمِ: يَحْلِفُونَ معه؛ لأنَّ حُقُوقَهم تَعَلَّقَتْ بالمالِ، فكان لهم أن يَحْلِفُوا، كالوَرَثَةِ يَحْلِفون على مَالِ مَوْرُوثِهم. ولنا، أنَّهم يُثْبِتون مِلْكًا لِغَيْرِهم؛ لِتَعَلُّقِ حُقُوقِهِمْ به بعد ثُبُوتِه، فلم يَجُزْ لهم ذلك، كالمَرْأَةِ تَحْلِفُ لإِثْبَاتِ مِلْكٍ لِزَوْجِهَا؛ لِتَعَلُّقِ نَفَقَتِها به، وكالوَرَثَةِ قبلَ مَوْتِ مَوْرُوثِهم. وفَارَقَ ما بعدَ المَوْتِ، فإنَّ المالَ انْتَقَلَ إليهم، وهم يُثْبِتون بأيْمانِهم مِلْكًا لأَنْفُسِهم.
٨٠٣ - مسألة؛ قال: (وإذَا كَانَ عَلَى المُفْلِسِ دَيْنٌ مُؤَجَّلٌ، لَمْ يَحِلَّ بِالتَّفْلِيسِ، وَكَذَلِكَ فِى الدَّيْنِ الَّذِى عَلَى المَيِّتِ، إذَا وَثَّقَ الوَرَثَةُ)
وجُمْلَتُه أن الدَّيْنَ المُؤَجَّلَ لا يَحِلُّ بفَلَسِ مَن هو عليه، رِوَايَةً واحِدَةً. قالَه القاضِى. وذَكَرَ أبو الخَطَّاب فيه رِوَايَةً أُخْرَى، أنَّه يَحِلُّ. وبه قال مالِكٌ. وعن الشَّافِعِىِّ كالمَذْهَبَيْنِ. واحْتَجُّوا بأنَّ الإفْلَاسَ يَتَعَلَّقُ به الدَّيْنُ بالمالِ، فأَسْقَطَ الأَجَلَ كالمَوْتِ. ولنا، أنَّ الأَجَلَ حَقٌّ لِلْمُفْلِسِ، فلا يَسْقُطُ بِفَلَسِه، كسَائِرِ حُقُوقِه، ولأنَّه لا يُوجِبُ حُلُولَ ماله، فلا يُوجِبُ حُلُولَ ما عليه، كالجُنُونِ والإغْمَاءِ، ولأنَّه دَيْنٌ مُؤَجَّلٌ على حَىٍّ، فلم يَحِلَّ قبلَ أَجَلِه، كغيرِ المُفْلِسِ، ولا نُسَلِّمُ أنَّ الدَّيْنَ يَحِلُّ بالمَوْتِ، فهو كمَسْأَلَتِنَا، وإن سَلَّمْنَا، فالفَرْقُ بينهما أنَّ ذِمَّتَه خَرِبَتْ وبَطَلَتْ، بِخِلَافِ المُفْلِسِ. إذا ثَبَتَ هذا، فإنَّه إذا حُجِرَ على المُفْلِسِ، فقال أصْحَابُنَا: لا يُشَارِكُ أصْحَابُ الدُّيُونِ المُؤَجَّلَةِ غُرَمَاءَ الدُّيُونِ الحالَّةِ، بل يُقْسَمُ المالُ المَوْجُودُ
стр. 3177
بين أصْحَابِ الدُّيُونِ الحالَّةِ، ويَبْقَى المُؤَجَّلُ فى الذِّمَّةِ إلى وَقْتِ حُلُولِه، فإن لم يَقْتَسِم الغُرَمَاءُ حتى حَلَّ الدَّيْنُ، شَارَكَ الغُرَمَاءَ، كما لو تَجَدَّدَ على المُفْلِسِ دَيْنٌ بِجِنَايَتِه، وإن أدْرَكَ بعضَ المالِ قبلَ قَسْمِهِ، شَارَكَهم فيه، ويَضْرِبُ فيه بِجَمِيعِ دَيْنِه، ويَضْرِبُ سَائِرُ الغُرَمَاءِ بِبَقِيَّةِ دُيُونِهِم. وإن قُلْنا: إن الدَّيْنَ يَحِلُّ. فإنَّه يَضْرِبُ مع الغُرَمَاءِ بِدَيْنِه، كغيرِه من أرْبَابِ الدُّيُونِ الحالَّةِ. فأما إن مَاتَ وعليه دُيُونٌ مُؤَجَّلَةٌ، فهل تَحِلُّ بالمَوْتِ؟ فيه رِوَايَتَانِ، إحْدَاهما، لا تَحِلُّ إذا وَثَّقَ الوَرَثَةُ. وهو قول ابن سِيرِينَ، وعبدِ اللهِ بن الحسنِ، وإسْحاقَ، وأبى عُبَيْدٍ. وقال طَاوُسٌ، وأبو بَكرِ بن محمدٍ، والزُّهْرِىُّ، وسَعْدُ (١) بن إبْراهيمَ: الدَّيْنُ إلى أجَلِه. وحُكِىَ ذلك عن الحسنِ. والرِّوَايَةُ الأُخْرَى، أنَّه يَحِلُّ بالمَوْتِ. وبه قال الشَّعْبِىُّ، والنَّخَعِىُّ، وسِوَارٌ، ومالِكٌ، والثَّوْرِىُّ، والشَّافِعِىُّ، وأصْحَابُ الرَّأْىِ، لأنَّه لا يَخْلُو إمَّا أن يَبْقَى فى ذِمَّةِ المَيِّتِ، أو الوَرَثَةِ، أو يَتَعَلَّقُ بالمالِ، لا يجوزُ بَقَاؤُه فى ذِمَّةِ المَيِّتِ لِخَرَابِها، وتَعَذُّرِ مُطَالَبَتِه بها، ولا ذِمَّةِ الوَرَثَةِ؛ لأنَّهم لم يَلْتَزِمُوها، ولا رَضِىَ صَاحِبُ الدَّيْنِ بِذِمَمِهم، وهى مُخْتَلِفَةٌ مُتَبَايِنَةٌ، ولا يجوزُ تَعْلِيقُه على الأَعْيَانِ وتَأْجِيلُه؛ لأنَّه ضَرَرٌ بالمَيِّتِ وصَاحِبِ الدَّيْنِ، ولا نَفْعَ لِلْوَرَثَةِ فيه؛ أمَّا المَيِّتُ فلأنَّ النَّبِىَّ ﷺ قال: "المَيِّتُ مُرْتَهَنٌ بِدَيْنِه، حَتَّى يُقْضَى عَنْهُ" (٢). وأمَّا صَاحِبُه فيَتَأَخَّرُ حَقُّه، وقد تَتْلَفُ العَيْنُ فيَسْقُطُ حَقُّه. وأمَّا
стр. 3178
الوَرَثَةُ، فإنَّهم لا يَنْتَفِعُونَ بالأَعْيَانِ، ولا يَتَصَرَّفُونَ فيها، وإن حَصَلَتْ لهم مَنْفَعَةٌ، فلا يَسْقُطُ حَظُّ المَيِّتِ وصَاحِبِ الدَّيْنِ لِمَنْفَعَةٍ لهم. ولَنا، ما ذَكَرْنَا فى المُفْلِسِ، ولأنَّ المَوْتَ ما جُعِلَ مُبْطِلًا لِلْحُقُوقِ، وإنَّما هو مِيقَاتٌ لِلْخِلَافَةِ، وعَلَامَةٌ على الوِرَاثَةِ، وقد قال النَّبِىُّ ﷺ : "مَنْ تَرَكَ حَقًّا أو مَالًا فَلِوَرَثَتِه" (٣). وما ذَكَرُوهُ إثْبَاتُ حُكْمٍ بالمَصْلَحَةِ المُرْسَلَةِ، ولا يَشْهَدُ لها شاهِدُ الشَّرْعِ باعْتِبَارٍ، ولا خِلَافَ فى فَسَادِ هذا، فعلى هذا يَبْقَى الدَّيْنُ فى ذِمَّةِ المَيِّتِ كما كان، ويَتَعَلَّقُ بِعَيْنِ مَالِه كتَعَلُّقِ حُقُوقِ الغُرَمَاءِ بمَالِ المُفْلِسِ عند الحَجْرِ عليه. فإن أحَبَّ الوَرَثَةُ أدَاءَ الدَّيْنِ، والْتِزَامَه لِلْغَرِيمِ، ويَتَصَرَّفُونَ فى المالِ، لم يكُنْ لهم ذلك، إلَّا أن يَرْضَى الغَرِيمُ أو يُوَثِّقُوا الحَقَّ بِضَمِينٍ مَلِىءٍ، أو رَهْنٍ يَثِقُ به لِوَفَاءِ حَقِّه، فإنَّهم قد لا يَكُونُوا أمْلِيَاءَ، ولم يَرْضَ بهم الغَرِيمُ، فيُؤَدِّى إلى فَوَاتِ الحَقِّ. وذَكَرَ القاضى أنَّ الحَقَّ يَنْتَقِلُ إلى ذِمَمِ الوَرَثَةِ بِمَوْتِ مُوَرِّثِهِم، من غير أن يُشْتَرَطَ الْتِزَامُهم له. ولا يَنْبَغِى أن يَلْزَمَ الإِنْسَانَ دَيْنٌ لم يَلْتَزِمْهُ، ولم يَتَعَاطَ سَبَبَهُ، ولو لَزِمَهُم ذلك لِمَوْتِ مَوَرِّثِهم (٤) لَلَزِمَهم وإن لم يُخْلِفْ وَفَاءً، وإن قُلْنا: إنَّ الدَّيْنَ يَحِلُّ بالمَوْتِ. فأَحَبَّ الوَرَثَةُ القَضَاءَ مِن غيرِ التَّرِكَةِ، واسْتِخْلَاصَ التَّرِكَةِ، فلهم ذلك، وإن قَضَوْا منها، فلهم
стр. 3179
ذلك، وإن امْتَنَعُوا من القَضَاءِ، بَاعَ الحاكِمُ من التَّرِكَةِ ما يُقْضَى به الدَّيْنُ. وإِن مَاتَ مُفْلِسٌ وله غُرَمَاءُ، بعضُ دُيُونِهم مُؤَجَّلٌ، وبعضُها حَالٌّ، وقُلْنا: المُؤَجَّلُ يَحِلُّ بالمَوْتِ. تَسَاوَوْا فى التَّرِكَةِ، فَاقْتَسَمُوهَا على قَدْرِ دُيُونِهم. وإن قُلْنا: لا يَحِلُّ بالمَوْتِ. نَظَرْنَا؛ فإن وَثَّقَ الوَرَثَةُ لِصَاحِبِ المُؤَجَّلِ، اخْتَصَّ أصْحَابُ الحالِّ بالتَّرِكَةِ، وإن امْتَنَعَ الوَرَثَةُ من التَّوْثِيقِ، حَلَّ دَيْنُه، وشَارَكَ أصْحَابَ الحالِّ، لئَلَّا يُفْضِىَ إلى إسْقَاطِ دَيْنِه بالكُلِّيَّةِ.
فصل: حَكَى بعضُ أصْحَابِنَا فى مَن مَاتَ وعليه دَيْنٌ، هل يَمْنَعُ الدَّيْنُ نَقْلَ التَّرِكَةِ إلى الوَرَثَةِ؟ على رِوَايَتَيْنِ؛ إحْدَاهما، لا يَمْنَعُه؛ لِلْخَبَرِ، ولأنَّ تَعَلُّقَ الدَّيْنِ بالمالِ لا يُزِيلُ المِلْكَ فى حَقِّ الجَانِى والرَّاهِنِ والمُفْلِسِ، فلم يَمْنَعْ نَقْلَه. فإن تَصَرَّفَ الوَرَثةُ فى التَّرِكَةِ بِبَيْعٍ أو غيرِه، صَحَّ تَصَرُّفُهُم، ولَزِمَهُم أدَاءُ الدَّيْنِ، فإن تَعَذَّرَ وَفَاؤُه، فُسِخَ تَصَرُّفُهم، كما لو بَاعَ السَّيِّدُ عَبْدَه الجانِى، أو النِّصَابَ الذى وَجَبَتْ فيه الزَّكَاةُ. والرِّوَايَةُ الثَّانِيَةُ، يَمْنَعُ نَقْلَ التَّرِكَةِ إليهم، لِقَوْلِ اللهِ تعالى: ﴿مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِي بِهَا أَوْ دَيْنٍ﴾ (٥). فجَعَلَ التَّرِكَةَ لِلْوَارِثِ من بعدِ الدَّيْنِ والوَصِيَّةِ، فلا يَثْبُتُ لهم المِلْكُ قبلَهما. فعلى هذا، لو تَصَرَّفَ الوَرَثَةُ، لم يَصِحَّ تَصَرُّفُهم؛ لأنَّهم تَصَرَّفُوا فى غيرِ مِلْكِهِم، إلَّا أن يَأْذَنَ الغُرَمَاءُ لهم، وإن تَصَرَّفَ الغُرَمَاءُ، لم يَصِحَّ إلا بِإِذْنِ الوَرَثَةِ.
٨٠٤ - مسألة؛ قال: (وَكُلُّ مَا فَعَلَهُ المُفْلِسُ فِى مَالِه قَبْلَ أنْ يَقفَهُ الْحَاكِمُ، فَجَائِزٌ)
يعنى قبلَ أن يَحْجُرَ عليه الحاكِمُ. فنَبْدَأُ بِذِكْرِ سَبَبِ الحَجْرِ، فنقولُ: إذا رُفِعَ إلى الحاكِمِ رَجُلٌ عليه دَيْنٌ، فسَأَلَ غُرَمَاؤُه الحاكِمَ الحَجْرَ عليه، لم يُجِبْهم حتى تَثْبُتَ دُيُونُهم بِاعْتِرَافِه أو بِبَيِّنَةٍ، فإذا ثَبَتَتْ، نَظرَ فى مَالِه، فإن كان وَافِيًا بِدَيْنِه،
стр. 3180
لم يَحْجُرْ عليه، وأمَرَه بِقَضَاءِ دَيْنِه، فإن أبَى حَبَسَهُ، فإن لم يَقْضِه (١)، وصَبَرَ على الحَبسِ قَضَى الحاكِمُ دَيْنَه من مَالِه، وإن احْتَاجَ إلى بَيْعِ مَالِه فى قَضَاءِ دَيْنِه بَاعَهُ، وإن كان مَالُه دونَ دَيْنِه، ودُيُونُه مُؤَجَّلَةٌ، لم يَحْجُرْ عليه؛ لأنَّه لا تُسْتَحَقُّ مُطَالَبَتُه بها، فلا يَحْجُرُ عليه من أجْلِهَا. وإن كان بعضُها مُؤَجَّلًا، وبعضُها حالًّا، ومَالُه يَفِى بالحالِّ، لم يَحْجُرْ عليه أيضا كذلك. وقال بعضُ أصْحابِ الشَّافِعِىِّ: إن ظَهَرَتْ أمَارَاتُ الفَلَسِ، لِكَوْنِ مَالِه بإِزَاءِ دَيْنِه، ولا نَفَقَةَ له إلَّا من مَالِه، ففيه وَجْهانِ؛ أحَدُهما، يَحْجُرُ عليه؛ لأنَّ الظَّاهِرَ أن مَالَه يَعْجِزُ عن دُيُونِه، فهو كما لو كان مَالُه نَاقِصًا. ولنا: أن مَالَهُ وافٍ بما يَلْزَمُه أدَاؤُه، فلم يُحْجَرْ عليه، كما لو لم تَظْهَرْ أمَارَاتُ الفَلَسِ، ولأنَّ الغُرَمَاءَ لا يُمْكِنُهُم طَلَبُ حُقُوقِهم فى الحال، فلا حَاجَةَ إلى الحَجْرِ. وأما إن كانت دُيُونُه حالَّةً، يَعْجِزُ مَالُه عن أدَائِها، فسَأَلَ غُرَمَاؤُه الحَجْرَ عليه، لَزِمَتْهُ إجَابَتُهم. ولا يجوزُ الحَجْرُ عليه بغيرِ سُؤَالِ غُرَمَائِه؛ لأنَّه لا وِلَايةَ له فى ذلك، وإنما يَفْعَلُه لِحَقِّ الغُرَمَاءِ، فاعْتُبِرَ رِضَاهُم به. وإن اخْتَلَفُوا، فطَلَبَ بعضُهم دُونَ بعضٍ، أُجِيبَ مَن طَلَبَ؛ لأنَّه حَقٌّ له. وبهذا قال مَالِكٌ، والشَّافِعِىُّ، وقال أبو حنيفةَ: ليس لِلْحَاكِمِ الحَجْرُ عليه، فإذا أدَّى اجْتِهَادُه إلى الحَجْرِ عليه ثَبَتَ؛ لأنَّه فِعْلٌ (٢) مُجْتَهَدٌ فيه، وليس له التَّصَرُّفُ فى مَالِه؛ لأنَّه لا وِلَايةَ عليه، إلَّا أنَّ الحَاكِمَ يُجْبِرُه على البَيْعِ إذا لم يُمْكِنِ الإيفَاءُ بدونه، فإن امْتَنَعَ لم يَبِعْه، وكذلك إن امْتَنَعَ المُوسِرُ من وَفَاءِ الدَّيْنِ، لا يَبِيعُ مَالَه، وإنَّما يَحْبِسُهُ لِيَبِيعَ بِنَفْسِه، إلَّا أن يكونَ عليه أحَدُ النَّقْدَيْنِ، ومَالُه من النَّقْدِ الآخَرِ، فيَدْفَعُ الدَّرَاهِمَ عن الدَّنَانِيرِ، والدَّنَانِيرَ عن الدَّرَاهِمِ؛ لأنَّه رَشِيدٌ لا وِلَايةَ (٣) عليه، فلم يَجُزْ لِلْحَاكِمِ بَيْعُ مَالِه بغيرِ إذْنِه، كالذى لا دَيْنَ عليه، وخَالَفَهُ صَاحِبَاهُ فى ذلك. ولَنا، ما رَوَى كَعْبُ بن مَالكٍ،
стр. 3181
أنَّ النَّبِيَّ ﷺ حَجَرَ على مُعَاذٍ، وبَاعَ مَالَهُ في دَيْنِه. رَوَاهُ الخَلَّالُ بإِسْنَادِه (٤). وَرُوِيَ عن عمرَ بن الخَطَّابِ، ﵁، أنَّه خَطَبَ الناسَ، وقال: ألا إنَّ أُسَيْفِعَ جُهَيْنَةَ قد رَضِيَ من دينِهِ وأمَانَتِه بأن يُقال: سَبَقَ الحَاجَّ، فادَّانَ مُعْرِضًا، فأصْبح وقد رِين (٥) به، فمَن كان له عليه مَالٌ فَلْيَحْضُرْ غَدًا، فإنَّا بائِعُو مَالِه، وقَاسِمُوهُ بين غُرَمَائِه. ولأنَّه مَحْجُورٌ عليه، مُحْتَاجٌ إلى قَضَاءِ دَيْنِه، فجَازَ بَيْعُ مَالِه بغيرِ رِضَاهُ، كالصَّغِيرِ والسَّفِيهِ، ولأنَّه نَوْعُ مَالٍ، فجازَ بَيْعُه في قَضَاءِ دَيْنِه، كالأثْمَانِ. وقِيَاسُهم يَبْطُلُ بِبَيْعِ الدَّرَاهِمِ بالدَّنَانِيرِ. إذا ثَبَتَ هذا عُدْنَا إلى مَسْألةِ الكِتَابِ، فنقولُ: ما فَعَلَهُ المُفْلِسُ قبلَ حَجْرِ الحَاكِمِ عليه، من بَيْعٍ، أو هِبَةٍ، أو إقْرَارٍ، أو قَضَاءِ بعض الغُرَمَاءِ، أو غيرِ ذلك، فهو جَائِزٌ نَافِذٌ. وبهذا قال أبو حنيفةَ، ومالِكٌ، والشَّافِعِيُّ. ولا نَعْلَمُ أحَدًا خَالَفَهم. ولأنَّه رَشِيدٌ غيرُ مَحْجُورٍ عليه، فنَفَذَ تَصَرُّفُه كغيرِه، ولأنَّ سَبَب المَنْعِ الحَجْرُ، فلا يَتَقَدَّمُ سَبَبَهُ، ولأنَّه من أهْلِ التَّصَرُّفِ، ولم يُحْجَرْ عليه، فأشْبَه المَلِىءَ، وإن أكْرَى (٦) جَمَلًا بِعَيْنِه، أو دَارًا، لم تَنْفَسِخْ إجَارَتُه بالفَلَسِ، وكان المُكتَرِى أحَقَّ به، حتى تَنْقَضِىَ مُدَّتُه.
فصل: ومتى حُجِرَ عليه، لم يَنْفُذْ تَصَرُّفُه في شيْءٍ من مَالِه، فإن تَصَرَّفَ بِبَيْعٍ، أو هِبَةٍ، أو وقْفٍ، أَو أصْدَقَ امْرأةً مَالًا له، أو نحو ذلك، لم يَصِحَّ. وبهذا قال مَالكٌ، والشَّافِعِيُّ في قولٍ، وقال في آخَرَ: يَقِفُ تَصَرُّفُه، فإن كان فيما بَقِيَ من مَالِه وفاءُ الغُرَمَاء نَفَذَ، وإلَّا بَطَلَ. ولَنا، أنَّه مَحْجُورٌ عليه بِحُكْمِ حَاكِمٍ، فلم يَصِحَّ تَصَرُّفُه، كالسَّفِيهِ، ولأنَّ حُقُوقَ الغُرَمَاءِ تَعَلَّقَتْ بأعْيَانِ مَالِه، فلم يَصِحَّ تَصَرُّفُه فيها، كالمَرْهُونَةِ. فأمَّا إن تَصَرَّفَ في ذِمَّتِه، فاشْتَرَى، أو اقْتَرَضَ، أو تَكَفَّلَ، صَحَّ تَصَرُّفُه؛ لأنَّه أهْلٌ لِلتَّصَرُّفِ، وإنَّما وُجِدَ في حَقِّه الحَجْرُ، والحَجْرُ
стр. 3182
إنَّما يَتَعَلَّقُ بمَالِه لا بِذِمَّتِه، ولكن لا يُشَارِكُ أَصْحَابُ هذه الدُّيُونِ الغُرَمَاءَ؛ لأنَّهم رَضُوا بذلك، إذا عَلِمُوا أنه مُفْلِسٌ وعَامَلُوهُ، ومَن لم يَعْلَمْ فقد فَرَّطَ في ذلك، فإنَّ هذا في مَظِنَّةِ الشُّهْرَةِ، ويُتْبَعُ بها بعدَ فَكِّ الحَجْرِ عنه. وإن أقَرَّ بِدَيْنٍ، لَزِمَهُ بعد فَكِّ الحَجْرِ عنه. نَصَّ عليه أحمدُ، وهو قولُ مَالِكٍ، ومحمدِ بن الحسنِ، والثَّوْرِيِّ، والشَّافِعِيِّ في قولٍ، وقال في الآخَرِ (٧): يُشَارِكُهُمْ، واخْتَارَهُ ابنُ المُنْذِرِ؛ لأنَّه دَيْنٌ ثَابِتٌ مُضَافٌ إلى ما قَبْلَ الحَجْرِ، فيُشَارِكُ صَاحِبُه الغُرَمَاءَ، كما لو ثَبَتَ بِبَيِّنَةٍ. ولَنا، أنَّه مَحْجُورٌ عليه، فلم يَصِحَّ إقْرَارُه فيما حُجِرَ عليه فيه، كالسَّفِيهِ، أو كالرَّاهِنِ يُقِرُّ على الرَّهْنِ، ولأنَّه إقْرَارٌ يُبْطِلُ ثُبُوتُه حَقَّ غيرِ المُقِرِّ، فلم يُقْبَلْ، أو إقْرَارٌ على الغُرَمَاءِ، فلم يُقْبَلْ، كإقْرارِ الرَّاهِنِ، ولأنَّه مُتَّهَمٌ في إقْرَارِه، فهو كالإقْرَارِ على غيرِه، وفَارَقَ البَيِّنَةَ، فإنَّه لا تُهْمَةَ في حَقِّها. ولو كان المُفْلِسُ صَانِعًا، كالقَصَّارِ (٨)، والحائِكِ، في يَدَيْهِ مَتَاعٌ، فأقَرَّ به لأرْبَابِه، لم يُقْبَلْ إقْرَارُه، والقولُ فيها كالتي قبلَها، وتُبَاعُ العَيْنُ التي في يَدَيْهِ، وتُقْسَمُ بين الغُرَمَاءِ، وتكونُ قِيمَتُها واجِبَةً على المُفْلِسِ إذا قَدَرَ عليها؛ لأنَّها صُرِفَتْ في دَيْنِه بِسَبَبٍ من جِهَتِه، فكانت قِيمَتُها عليه، كما لو أذِنَ في ذلك. وإن تَوَجَّهَتْ على المُفْلِسِ يَمِينٌ، فنَكَلَ عنها، فَقُضِيَ عليه، فحُكْمُه حُكْمُ إقْرَارِه، يَلْزَمُ في حَقِّه، ولا يَحَاصُّ الغُرَمَاءَ.
فصل: وإن أعْتَقَ المُفْلِسُ بعضَ رَقِيقِه، فهل يَصِحُّ؟ على رِوَايَتَيْنِ؛ إحْداهما، يَصِحُّ ويَنْفُذُ. وهو قولُ أبي يوسفَ، وإسحاقَ؛ لأنَّه عِتْقٌ من مالِكٍ رَشِيدٍ، فنَفَذَ، كما قبلَ الحَجْرِ، ويُفَارِقُ سَائِرَ التَّصَرُّفَاتِ؛ لأنَّ لِلْعِتْقِ تَغْلِيبًا وسِرَايَةً، ولهذا يَسْرِي إلى مِلْكِ الغَيْرِ، ويَسْرِي واقِفهُ، بِخِلَافِ غيرِه. والرِّوَايَةُ الأُخْرَى، لا يَنْفُذُ عِتْقُه. وبهذا قال مَالِكٌ، وابنُ أبي لَيْلَى، والثَّوْرِيُّ، والشَّافِعِيُّ، واخْتَارَهُ أبو الخَطَّابِ،
стр. 3183
في "رُءُوسِ المسَائِلِ"؛ لأنَّه مَمْنُوعٌ من التَّبَرُّعِ لِحَقِّ الغُرَمَاءِ، فلم يَنْفُذْ عِتْقُه كالمَرِيضِ الذي يَسْتَغْرِقُ دَيْنُه مَالَهُ، ولأنَّ المُفْلِسَ مَحْجُورٌ عليه، فلم يَنْفُذْ عِتْقُه كالسَّفِيهِ، وفَارَقَ المُطْلقَ. وأمَّا سِرَايَتُه إلى مِلْكِ الغَيْرِ، فمِن شَرْطِه أن يكونَ مُوسِرًا، يُؤْخَذُ منه قِيمَةُ نَصِيبِ شَرِيكِه، فلا يَتَضَرَّرُ، ولو كان مُعْسِرًا، لم يَنْفُذْ عِتْقُه إلَّا فيما يَمْلِكُ، صِيَانَةً لِحَقِّ الغيرِ، وحِفْظًا له من (٩) الضَّيَاعِ، كذا هاهُنا. وهذا أصَحُّ، إن شاءَ اللهُ تعالى.
فصل: ويُسْتَحَبُّ إظْهَارُ الحَجْرِ عليه، لِتُجْتَنَبَ مُعَامَلَتُه، كيلا يَسْتَضِرَّ النَّاسُ بِضَيَاعِ أمْوَالِهِم عليه، والإشْهَادِ عليه، لِيَنْتَشِرَ ذلك عنه، ورُبَّما عُزِلَ الحاكِمُ أو مَاتَ، فيَثْبُتُ الحَجْرُ عند الآخَرِ، فيُمْضِيهِ، ولا يَحْتَاجُ إلى ابْتِدَاءِ حَجْرٍ ثَانٍ.
فصل: وإن ثَبَتَ عليه حَقٌّ بِبَيِّنَةٍ، شَارَكَ صَاحِبُه الغُرَمَاءَ؛ لأنَّه دَيْنٌ ثَابِتٌ قبلَ الحَجْرِ عليه، فأشْبَهَ ما لو قَامَتِ البَيِّنَةُ به قبلَ الحَجْرِ. ولو جَنَى المُفْلِسُ بعدَ الحَجْرِ جِنَايَةً أوْجَبَتْ مَالا، شَارَكَ المَجْنِيُّ عليه الغُرَمَاءَ؛ لأنَّ حَقَّ المَجْنِيِّ عليه ثَبَتَ بغير اخْتيَارِه. ولو كانت الجِنَايَةُ مُوجِبَةً لِلقِصَاصِ، فعَفَا صَاحِبُها عنها إلى مَالٍ، أو صَالَحَهُ المُفْلِسُ على مَالٍ، شَارَكَ الغُرَمَاءَ؛ لأنَّ (١٠) سَبَبَهُ ثَبَتَ بغيرِ اخْتِيَارِ صَاحِبِه، فأشْبهَ ما لو أوْجَبَتِ المالَ. فإنْ قِيل: ألا قَدَّمْتُمْ حَقَّهُ على الغُرَمَاءِ، كما قَدَّمْتُمْ حَقَّ مَن جَنَى عليه بعضُ عَبِيدِ المُفْلِسِ؟ قُلْنا: لأنَّ الحَقَّ في العَبْدِ الجانِي تَعَلَّقَ بِعَيْنِه، فَقُدِّمَ لذلك، وحَقُّ هذا تَعَلَّقَ بالذِّمَّةِ، كغيرِه من الدُّيُونِ، فَاسْتَوَيَا.
فصل: ولو قَسَمَ الحاكِمُ مَالَه بين غُرَمَائِه، ثم ظَهَرَ غَرِيمٌ آخَرُ، رَجَعَ على الغُرَمَاءِ بِقِسْطِه، وبهذا قال الشَّافِعِيُّ، وحُكِيَ ذلك عن مَالِكٍ، وحُكِيَ عنه: لا يَحَاصُّهُم (١١)؛ لأنَّه نَقْضٌ لِحُكْمِ الحاكِمِ. ولَنا، أَنَّه غَرِيمٌ لو كان حَاضِرًا
стр. 3184
قَاسَمَهُم، فإذا ظَهَرَ بعد ذلك، قَاسَمَهُم، كغَريمِ المَيِّتِ يَظْهَرُ بعد قَسْمِ مَالِه، وليس قَسْمُ الحاكِمِ مَالَه حُكْمًا، إنَّما هو قِسْمَةٌ بانَ الخَطَأُ فيها، فأشْبَهَ ما لو قَسّمَ مالَ المَيِّت بين غُرَمَائِهِ ثم ظَهَرَ غَرِيمٌ آخَرُ. أو قَسَمَ أرْضًا بين شُرَكَاءَ، ثم ظَهَرَ شَرِيكٌ آخَرُ. أو قَسّمَ المِيرَاثَ بين وَرَثَةٍ، ثم ظَهَرَ وَارِثٌ سِواهُ، أو وَصِيَّةٌ، ثم ظَهَرَ مُوصًى له آخَرُ.
فصل: ولو أفْلَسَ وله دَارٌ مُسْتَأْجَرَةٌ، فَانْهَدَمَتْ بعدَ قَبْضِ المُفْلِسِ الأُجْرَةَ، انْفَسَخَتِ الإجَارَةُ فيما بَقِيَ من المُدَّةِ، وسَقَطَ من الأُجْرَةِ بِقَدْرِ ذلك، ثم إن وَجَدَ عَيْنَ مَالِه، أخَذَ بِقَدْرِ ذلك، وإن لم يَجِدْه، ضَرَبَ مع الغُرَمَاءِ بِقَدْرِه. وإن كان ذلك بعد قَسْمِ مَالِه، رَجَعَ على الغُرَمَاءِ بِحِصَّتِه؛ لأنَّه سَبَبُ وُجُوبِه قبلَ الحَجْرِ، ولذلك يُشَارِكُهم إذا وَجَبَ قبلَ القِسْمَةِ. ولو بَاعَ سِلْعَةً، وقَبَضَ ثَمَنَها، ثم أفْلَسَ فوَجَدَ بها المُشْتَرِي عَيْبًا، فرَدَّها به، أو رَدَّها بِخِيَارٍ، أو اخْتِلَافٍ في الثَّمَنِ، ونحوِه، ووجَدَ عَيْنَ مَالِه، أخَذَها؛ لأنَّ البَيْعَ لمَّا انْفَسَخَ، زَالَ مِلْكُ المُفْلِسِ عن الثَّمَنِ، كزَوَالِ مِلْكِ المُشْتَرِي عن المَبِيعِ، وإن كان بعدَ تَصَرُّفِه فيه، شَارَكَ المُشْتَرِى الغُرَمَاءَ.
٨٠٥ - مسألة؛ قال: (ويُنْفَقُ على المُفْلِسِ، وعَلى مَنْ تَلْزَمُه مُؤْنَتُه بالْمَعْرُوفِ مِنْ مَالِه، إلَى أنْ يُفْرَغَ مِنْ قِسْمَتِهِ (١) بينَ غُرَمَائِهِ)
وجُمْلَةُ ذلك أنَّه إذا حُجِرَ على المُفْلِسِ، وكان ذا كَسْبٍ يَفِي بِنَفَقَتِه، ونَفَقَةِ مَن تَلْزَمُه نَفَقَتُه، فنَفَقَتُه في كَسْبِه، فإنَّه لا حَاجَةَ إلى إخْرَاجِ مَالِه معِ غِنَاهُ بِكَسْبِه، فلم يَجُزْ أخْذُ مَالِه، كالزِّيَادَةِ على النَّفَقَةِ، وإن كان كَسْبُه دون نَفقَتِه، كَمَّلْنَاهَا من مَالِه، وإن لم يكُنْ ذا كَسْبٍ، أُنْفِقَ عليه من مَالِه مُدَّةَ الحَجْرِ، وإن طَالَتْ؛
стр. 3185
لأنَّ مِلْكَه بَاقٍ، وقد قال النبيُّ ﷺ : "ابْدَأْ بِنَفْسِكَ، ثُمَّ بِمَنْ تَعُولُ" (٢). ومَعْلُومٌ أنَّ في مَن يَعُولُه مَن تَجِبُ نَفَقَتُه عليه، ويكونُ دَيْنًا عليه، وهي الزَّوْجَةُ، فإذا قَدَّمَ نَفَقَةَ نَفْسِه على نَفَقَةِ الزَّوجَةِ، فكذلك على حَقِّ الغُرَمَاءِ، ولأنَّ الحَيَّ آكَدُ حُرْمَةً من المَيِّتِ، لأنَّه مَضْمُونٌ بالإتْلَافِ، وتَقْدِيمُ تَجْهِيزِ المَيِّتِ، ومُؤْنَةِ دَفْنِه على دَيْنِه، مُتَّفَقٌ عليه. فنَفَقَتُه أوْلَى. وتُقَدَّمُ أيضًا نَفَقَةُ مَن تَلْزَمُه نَفَقَتُه من أقَارِبِه، مثلِ الوَالِدِينَ، والمَوْلُودِينَ، وغيرِهم، ممَّن تَجِبُ نَفَقَتُهُم؛ لأنَّهم يَجْرُونَ مَجْرَى نَفْسِه، لأنَّ ذَوِي رَحِمِه منهم يَعْتِقُونَ إذا مَلَكَهم، كما يَعْتِقُ إذا مَلَكَ نَفْسَه، فكانت نَفَقَتُهُم كنَفَقَتِه، وكذلك زَوْجَتُه تُقَدَّمُ نَفَقَتُها، لأنَّ نَفَقَتَها آكَدُ من نَفَقَةِ الأقَارِبِ؛ لأنَّها تَجِبُ من طَرِيقِ المُعَاوَضَةِ، وفيها مَعْنَى الإحْيَاءِ، كما في الأقَارِبِ، وممَّن أوْجَبَ الإنفَاقَ على المُفْلِسِ وَزَوْجَتِه وأولَادِه الصِّغَارِ من مَالِه، أبو حنيفةَ، ومَالِكٌ، والشَّافِعِيُّ. ولا نَعْلَمُ أحَدًا خَالَفَهم. وتَجِبُ كُسْوَتُهم أيضا، لأنَّ ذلك ممَّا لابُدَّ منه، ولا تَقُومُ النَّفْسُ بِدُونِه، والوَاجِبُ من النَّفَقَةِ والكُسْوَةِ أدْنَى ما يُنْفَقُ على مِثْلِه بالمَعْرُوفِ، وأدْنَى ما يَكْتَسِي مِثْلُه، إن كان من جِنْسِ الطَّعَامِ أو مُتَوَسِّطِه،
стр. 3186
وكذلك كُسْوَتُه من جِنْسِ ما يَكْتَسِيه مِثْلُه، وكُسْوَةُ امْرَأتِه ونَفَقَتُها مثلُ ما يُفْتَرضُ على مِثْلِه. وأقلُّ ما يَكْفِيه من اللّبَاسِ قميِصٌ، وسَرَاوِيلُ، وشيءٌ يَلْبَسُه على رَأْسِه، إمَّا عِمَامَةٌ وإمَّا (٣) قَلَنْسُوَةٌ أو غيرُهما، ممَّا جَرَتْ به عَادَتُه، ولِرِجْلِه حِذَاءٌ، إن كان يعْتَادُه. وإن احْتَاجَ إلى جُبَّةٍ، أو فَرْوَةٍ لِدَفْعِ البَرْدِ، دُفِعَ إليه ذلك. وإن كانت له ثِيَابٌ لا يَلْبَسُ مثله مِثْلَها، بِيعَتْ، واشْتُرِىَ له كُسْوَةٌ مثلُها، وَرُدَّ الفَضْلُ على الغُرَمَاءِ، فإن كانت إذا بِيعَتْ، واشْتُرِىَ له كُسْوَةٌ، لا يَفْضُلُ منها شىءٌ، تُرِكَتْ؛ فإنَّه لا فَائِدَةَ في بَيْعِهَا.
فصل: وإن ماتَ المُفْلِسُ، كُفِّنَ من مَالِه؛ لأنَّ نَفَقَتَهُ كانت وَاجِبَةً من مَالِه في حال حَيَاتِه، فوَجَبَ تَجْهِيزُه منه بعدَ المَوْتِ، كغيرِه. وكذلك يَجِبُ كَفْنُ مَن يَمُونُه؛ لأنَّهم بمَنْزِلَتِه، ولا يَلْزَمُ تَكْفِينُ الزَّوْجَةِ؛ لأنَّ النَّفَقَةَ تَجِبُ في مُقَابَلَةِ الاسْتِمْتَاعِ، وقد فَاتَ بالمَوْتِ، فسَقَطَتِ النَّفَقَةُ. ويُفَارِقُ الأقَارِبَ؛ لأنَّ قَرَابَتَهُم بَاقِيَةٌ. وإن مَاتَ مِن عَبِيدِه أحَدٌ، وَجَبَ تَكْفِينُه وتَجْهِيزُه؛ لأنَّ نَفقتَه ليست في مُقَابَلَةِ الانْتِفَاعِ به، ولذلك تَجِبُ نَفَقَةُ الصَّغِيرِ والمَبِيعِ قبل التَّسْلِيمِ، ويُكَفَّنُ في ثَلَاثَةِ أثْوابٍ، كما كان يَلْبَسُ في حَيَاتِه ثَلَاثَةً، ويَحْتَمِلُ أن يُكَفَّنَ في ثَوْبٍ واحِدٍ يَسْتُرُهُ، لأن ذلك يَكْفِيهِ، فلا حَاجَةَ إلى الزِّيَادَةِ، وفَارَقَ حَالَةَ الحَيَاةِ؛ لأنَّه لابُدَّ له من تَغْطِيةِ رَأْسِه، وكَشْفُ ذلك يُؤْذِيه، بِخِلَافِ المَيِّتِ. ويَمْتَدُّ الإنْفَاقُ على المُفْلِسِ إلى حينِ فَرَاغِه من القِسْمَةِ بينَ الغُرَمَاءِ؛ لأنَّه لا يَزُولُ مِلْكُه إلَّا بذلك. ومذهبُ الشَّافِعِيِّ في هذا الفَصْلِ قَرِيبٌ ممَّا ذَكَرْنَا.
٨٠٦ - مسألة؛ قال: (ولا تُبَاعُ دَارُه الَّتِي لَا غِنَى لَهُ (١) عَنْ سُكْنَاهَا)
وجُمْلَتهُ أنَّ المُفْلِسَ إذا حُجِرَ عليه، بَاعَ الحاكِمُ مَالَه، ويُسْتَحَبُّ أن يَحْضُرَ
стр. 3187
المُفْلِسُ البَيْعَ، لِمَعَانٍ أرْبَعَةٍ؛ أحَدُها، لِيُحْصِيَ ثَمَنَهُ، ويَضْبِطَهُ. الثاني، أنَّه أَعْرَفُ بِثَمَنِ مَتَاعِه، وجَيِّدِه ورَدِيئِه، فإذا حَضَرَ تَكَلَّمَ عليه، وعَرَفَ الغَبْنَ من غيرِه. الثالث، أن تَكْثُرَ الرَّغْبَةُ فيه، فإنَّ شِرَاءَه من صَاحِبِه أحَبُّ إلى المُشْتَرِى. الرابع، أنَّ ذلك أطْيَبُ لِنَفْسِه، وأسْكَنُ لِقَلْبِه. ويُسْتَحَبُّ إحْضَارُ الغُرَمَاءِ أيضًا، لأمُورٍ أرْبَعَةٍ، أحَدُها، أَنَّه يُبَاعُ لهمْ. الثاني، أنَّهم رُبَّما رَغِبُوا في شِرَاءِ شىءٍ منه، فزَادُوا في ثَمَنِه، فيكونُ أصْلَحَ لهم ولِلْمُفْلِسِ. الثالث، أنَّه أطْيَبُ لِقُلُوبِهِم، وأبعَدُ من التُّهْمَةِ. الرَّابع، أَنَّه ربَّما كان فيهم من يَجِدُ عَيْنَ مَالِه، فيَأْخُذُها. فإن لم يَفْعَلْ، وبَاعَه من غير حُضُورِهِم كلِّهم، جَازَ؛ لأنَّ ذلك مَوْكُولٌ إليه، ومُفَوَّضٌ إلى اجْتِهَادِه، ورُبَّما أدَّاهُ اجْتِهَادُه إلى خِلَافِ ذلك، وبَانَتْ له المَصْلَحَةُ في المُبَادَرَةِ إلى البَيْعِ قبلَ إحْضَارِهِم. ويَأمُرُهُم الحاكِمُ أن يُقِيمُوا مُنَادِيًا يُنَادِي لهم على المَتَاعِ، فإن تَرَاضَوْا بِرَجُلٍ ثِقَةٍ، أمْضَاهُ الحاكِمُ، وإن اتَّفَقُوا على غير ثِقَةٍ رَدَّهُ. فإن قِيلَ: فلِمَ يَرُدُّه وأصْحَابُ الحَقِّ قد اتَّفَقُوا عليه، فأشْبَه ما لو اتَّفَقَ الرَّاهِنُ والمُرْتَهِنُ على أن يَبِيعَ الرَّهْنَ غيرُ ثِقَةٍ لم يَكُنْ لِلْحَاكِمِ الاعْتِرَاضُ؟ قُلْنا: لأنَّ لِلْحَاكِمِ هاهُنا نَظرًا واجْتِهَادًا؛ فإنَّه قد يَظهَر غَرِيمٌ آخَرُ، فيَتَعَلَّقُ حَقُّه به، فلهذا نَظَرَ فيه، بِخِلَافِ الرَّهْنِ، فإنَّه لا نَظَرَ لِلْحَاكِمِ فيه. فإن اخْتَارَ المُفْلِسُ رَجُلًا، واخْتَارَ الغُرَمَاءُ آخَرَ، أقَرَّ الحاكِمُ الثِّقَةَ منهما، فإن كانا ثِقَتَيْنِ، قَدَّمَ المُتَطوِّعَ منهما؛ لأنَّه أوْفَرُ، فإن كانا مُتَطَوِّعَيْنِ، ضَمَّ أحَدَهما إلى الآخَرِ، وإن كانا بِجُعْلٍ، قَدَّمَ أعْرَفَهما وأوْثَقَهما، فإن تَسَاوَيا قَدَّمَ مَن يَرَى منهما. فإن وَجَدَ مُتَطَوِّعًا بالنِّدَاءِ، وإلَّا دُفِعَتِ الأُجْرَةُ من مَالِ المُفْلِسِ؛ لأنَّ البَيْعَ حَقٌّ عليه، لِكَوْنِه طَرِيقَ وَفَاءِ دَيْنِه. وقيل: يَدْفَعُ من بَيْتِ المالِ؛ لأنَّه من المَصَالِحِ، وكذلك الحُكْمُ في أجْرِ مَن يَحْفَظُ المَتَاعَ والثَّمَنَ، وأجْرِ الحَمَّالِينَ، ونحوِهم. ويُسْتَحَبُّ بَيْعُ كل شَىءٍ في سُوقِه، البَزُّ في البَزَّازِينَ، والكُتُبُ في سُوقِها، ونحوُ ذلك؛ لأنَّه أحْوَطُ وأكْثَرُ لِطُلَّابِه، ومَعْرِفَة قِيمَتِه. فإن بَاعَ في غير سُوقِه بِثَمَنِ مِثْلِه، جَازَ؛ لأنَّ الغَرَضَ تَحْصِيلُ الثَّمَنِ، وربما أدَّى الاجْتِهَادُ إلى أنَّ ذلك أصْلَحُ، ولذلك لو قال: بِعْ ثَوْبِى في سُوقِ كذا بكذا. فبَاعَهُ بذلك
стр. 3188
في سُوقٍ آخَرَ، جَازَ. ويَبِيعُ بِنَقْدِ البَلَدِ؛ لأنَّه أوْفَرُ. فإن كان في البَلَدِ نُقُودٌ بَاعَ بِغَالِبِها، فإن تَساوَتْ بَاعَ بِجِنْسِ الدَّيْنِ. وإن زَادَ في السِّلْعَةِ زَائِدٌ في مُدَّةِ الخِيَارِ، ألزَمَ الأمِينَ الفَسْخَ؛ لأنَّه أمْكَنَه بَيْعُه بِثَمَنٍ، فلم يَجُزْ بَيْعُه بدُونِه، كما لو زِيدَ فيه قبلَ العَقْدِ. وإن زَادَ بعدَ لُزُومِ العَقْدِ، اسْتُحِبَّ للأمِينِ سُؤَالُ المُشْتَرِى الإقَالَةَ، واسْتُحِبَّ لِلْمُشْتَرِي الإجَابَةُ إلى ذلك؛ لِتَعْلِيقِه بمَصْلَحَةِ المُفْلِسِ، وقَضَاءِ دَيْنِه، فيَبْدَأُ بِبَيْعِ العَبْدِ الجَانِي، فيَدْفَعُ إلى المَجْنِيِّ عليه أقَلَّ الأمْرَيْنِ مِن ثَمَنِه أو أرْشِ جِنَايَتِه، وما فَضَلَ منه رَدَّهُ إلى الغُرَمَاءِ، ثم يَبِيعُ الرَّهْنَ، فيَدْفَعُ إلى المُرْتَهِنِ قَدْرَ دَيْنِه، وما فَضَلَ من ثَمَنِه رَدَّهُ إلى الغُرَمَاءِ، وإن بَقِيَتْ من دَيْنِه بَقِيَّةٌ، ضَرَبَ بها مع الغُرَمَاءِ، ثم يَبِيعُ ما يُسْرِعُ إليه الفَسَادُ من الطَّعَامِ الرَّطْبِ؛ لأنَّ بَقَاءَهُ يُتْلِفُه بِيَقِينٍ، ثم يَبِيعُ الحَيَوانَ، لأنَّه مُعَرَّضٌ لِلتَّلَفِ، ويَحْتَاجُ إلى مُؤْنَةٍ في بَقَائِه، ثم يَبِيعُ السِّلَعَ والأثَاثَ، لأنَّه يُخَافُ عليه، وتَنَالُه الأَيْدِى، ثم العَقَارَ آخِرًا؛ لأنَّه لا يُخَافُ تَلَفُه، وبَقَاؤُه أشْهَرُ له وأكْثَرُ لِطُلَّابِه. ومتى بَاعَ شَيْئًا من مَالِه، وكان الدَّيْنُ لواحِدٍ وَحْدَهُ، دَفَعَهُ إليه؛ لأنَّه لا حَاجَةَ إلى تَأْخِيرِه. وإن كان له غُرمَاءُ، فأمْكَنَ قِسْمَتُه عليهم، قَسَمَ ولم يُؤَخِّرْ، وإن لم يُمْكِنْ قِسْمَتُه، أُودِعَ عند ثِقَةٍ، إلى أن يَجْتَمِعَ، ويُمْكِنَ قِسْمَتُه فيُقْسَمُ. وإن احْتَاجَ في حِفْظِه إلى غَرَامَةٍ، دَفَعَ ذلك إلى مَن يَحفَظُه. إذا ثَبَتَ هذا عُدْنَا إلى مَسْألَة الكِتَابِ، فنقولُ: لا تُبَاعُ دَارُه التي لا غِنًى له عن سُكْنَاهَا. وبهذا قال أبو حنيفةَ وإسحاقُ. وقال شُرَيْحٌ، ومالِكٌ، والشَّافِعِيُّ: تُبَاعُ، ويَكْتَرِى له بَدَلَها. واخْتَارَهُ ابنُ المُنْذِرِ؛ لأنَّ النَّبِيَّ ﷺ قال في الذي أُصِيبَ في ثِمَارٍ ابْتَاعَها، فكَثُرَ دَيْنُه، فقال لِغُرَمَائِه: "خُذُوا ما وَجَدْتُمْ" (٢). وهذا مما وَجَدُوهُ، ولأنَّه عَيْنُ
стр. 3189
مالِ المُفْلِسِ، فوَجَبَ صَرْفُه في دَيْنِه، كسَائِرِ مَالِه. ولَنا، أنَّ هذا ممَّا لا غِنًى لِلْمُفْلِسِ عنه، فلم يُصْرَفْ في دَيْنِه، كثِيَابِه وقُوتِه، والحَدِيثُ قَضِيَّةٌ في عَيْنٍ، ويَحْتَمِلُ أنَّه لم يكن له عَقَارٌ، ولا خَادِمٌ، ويَحْتَمِلُ أنَّ النَّبِيَّ ﷺ قال: "خُذُوا مَا وَجَدْتُمْ" ممَّا تُصُدِّقَ به عليه، فإنَّ المَذْكُورَ قبلَ ذلك، كذلك رُوِيَ أنَّ النبيَّ ﷺ قال: "تَصَدَّقُوا عَلَيْهِ". فتَصَدَّقُوا عليه، فلم يَبْلُغْ ذلك وَفَاءَ دَيْنِه، فقال النَّبِيُّ ﷺ : "خُذُوا مَا وَجَدْتُمْ". أي ممَّا تُصُدِّقَ به عليه، والظَّاهِرُ أنَّه لم يُتَصَدَّقْ عليه بِدَارٍ وهو مُحْتَاجٌ إلى سُكْنَاهَا، ولا خَادِمٍ وهو مُحْتَاجٌ إلى خِدْمَتِه، ولأنَّ الحَدِيثَ مَخْصُوصٌ بِثِيَابِ المُفْلِسِ وقُوتِه، فنَقِيسُ عليه مَحلَّ النِّزَاعِ، وقِيَاسُهم مُنْتَقِضٌ بذلك أيضا، وبَأَجْرِ المَسْكَنِ، وسَائِر مَالِه يَسْتَغْنِى عنه، بِخِلَافِ مَسْأَلَتِنَا.
فصل: وإن كان له دَارَانِ يَسْتَغْنِى بِسُكْنَى إحْدَاهما، بِيعَتِ الأُخْرَى؛ لأنَّ به غِنًى عن سُكْنَاها. وإن كان مَسْكَنُه وَاسِعًا، لا يَسْكنُ مِثْلُه في مِثْلِه، بِيعَ، واشْتُرِىَ له مَسْكَنُ مِثْلِه، ورُدَّ الفَضْلُ على الغُرَمَاءِ، كالثِّيَابِ التي له إذا كانت رَفِيعَةً لا يَلْبَسُ مثلُه مثلَها. ولو كان المَسْكَنُ والخَادِمُ اللَّذَيْن لا يَسْتَغْنِى عنهما عَيْنَ مَالِ بعضِ الغُرَمَاءِ، أو كان جَمِيعُ مَالِه أعْيَانَ أمْوَالٍ أفْلَسَ بأثْمَانِها، وَوَجَدَها أصْحَابُها، فلهم أخْذُها، بالشَّرَائِطِ التي ذَكَرْنَاهَا؛ لقولِ النَّبِيِّ ﷺ : "مَنْ أدْرَكَ مَتَاعَهُ بِعَيْنِهِ عِنْدَ رَجُلٍ قَدْ أفْلَسَ، فَهُوَ أحَقُّ بِهِ" (٣). ولأنَّ حَقَّهُ تَعَلَّقَ بالعَيْنِ، فكان أقْوَى سَبَبًا من المُفْلِسِ، ولأنَّ الإعْسارَ بالثَّمَنِ سَبَبٌ يَسْتَحِقُّ به الفَسْخَ، فلم يَمْنَعْهُ (٤) منه تَعَلُّقُ حَاجَةِ المُشْتَرِى، كما قبلَ القَبْضِ، وكالعَيْبِ والخِيَارِ. ولأنَّ مَنْعَهم من أخْذِ أعْيَانِ أمْوالِهم يَفْتَحُ بَابَ الحِيَلِ، بأن يَجِىءَ مَن لا مَالَ له، فيَشْتَرِىَ في ذِمَّتِه ثِيَابًا يَلْبَسُها، ودَارًا يَسْكُنُها، وخَادِمًا يَخْدِمُه، وفَرَسًا يَرْكَبُها، وطَعَامًا له ولِعَائِلَتِه، ويَمْتَنِعَ على أرْبَابِهَا أخْذُها؛ لِتَعَلُّقِ حَاجَتِه بها، فتَضِيعَ أمْوَالُهم ويَسْتَغْنِىَ هو بها. فعلى هذا
стр. 3190
يُؤْخَذُ ذلك. ولا يُتْرَكُ له شىءٌ منه؛ لأنَّه أعْيانُ أمْوَالِ الناسِ، فكانوا أحَقَّ بها منه، كما لو كانت في أيْدِيهِم، أو أخَذَها منهم غَصْبًا.
فصل: ولو كان المُفْلِسُ ذا صَنْعَةٍ، يَكْسِبُ ما يَمُونُه ويَمُونُ مَن تَلْزَمُه مُؤْنَتُه، أو كان يَقْدِرُ على أن يَكْسِبَ ذلك بأن يُؤْجِرَ نَفْسَه، أو يَتَوَكَّلَ لإنْسَانٍ، أو يَكْتَسِبَ من المُبَاحَاتِ ما يَكْفِيه، لم يُتْرَكْ له من مَالِه شىءٌ. وإن لم يَقْدِرْ على شىءٍ ممَّا ذَكَرْنَاهُ، تُرِكَ له من مَالِه قَدْرُ ما يَكْفِيهِ. قال الإمامُ أحمدُ، رحمه اللهُ تعالى، في رِوَايَةِ أبي دَاوُدَ: ويُتْرَكُ له قُوتٌ يَتَقَوَّتُ به، وإن كان له عِيَالٌ تُرِكَ له قِوَامٌ. وقال، في رِوَايَةِ المَيْمُونِيِّ: يُتْرَكُ له قَدْرُ ما يَقُومُ به مَعَاشُه، ويُبَاعُ الباقِى. وهذا في حَقِّ الشَّيْخِ الكَبِيرِ، وذَوِى الهَيْئَاتِ الذين لا يُمْكِنُهم التَّصَرُّفُ بأبْدَانِهم. ويَنْبَغِى أن يُجْعَلَ ذلك ممَّا لا يَتَعَلَّقُ به حَقُّ بعضِهم بِعَينِه؛ لأنَّ مَن تَعَلَّقَ حَقُّه بالعَيْنِ أقْوَى سَبَبًا من غيرِه.
فصل: وإذا تَلِفَ شىءٌ من مَالِ المُفْلِسِ تحتَ يَدِ الأمِينِ، أو بِيعَ شىءٌ من مَالِه وأُودِعَ ثَمَنُهُ فتَلِفَ عند المُودَعِ، فهو من ضَمَانِ المُفْلِسِ. وبهذا قال الشَّافِعيُّ. وقال مالِكٌ: العُرُوضُ من مَالِه، والدَّرَاهِمُ والدَّنَانِيرُ من مالِ الغُرَمَاءِ. وقال المُغِيرَةُ: الدَّنَانِيرُ من مَالِ أصْحابِ الدَّنَانِيرِ، والدَّرَاهِمُ من مَالِ أصْحابِ الدَّرَاهِمِ. ولَنا، أَنَّه من مالِ المُفْلِسِ، ونَمَاؤُه له، فكان تَلَفُه في مَالِه، كالعُرُوضِ.
فصل: وإذا اجْتَمَعَ مالُ المُفْلِسِ، قُسِمَ بين غُرَمَائِه، فإن كانت دُيُونُهم من جِنْسِ الأثْمانِ، أخَذُوهَا، وإن كان فيهم مَنْ دَيْنُه من غيرِ جِنْسِ الأثْمانِ، كالقَرْضِ بغير الأثْمَانِ، فرَضِيَ أن يَأْخُذَ عِوَضَ حَقِّه من الأثْمَانِ، جَازَ، وإن امْتَنَعَ، وطَلَبَ جِنْسَ حَقِّه، ابْتِيعَ له بِحِصَّتِه من جِنْسِ دَيْنِه. ولو أرَادَ الغَرِيمُ الأخْذَ من المالِ المَجْمُوعِ، وقال المُفْلِسُ: لا أُوَفِّيكَ إلَّا من جِنْسِ دَيْنِكَ. قُدِّمَ قولُه؛ لأنَّ هذا على سَبِيلِ المُعَاوَضَةِ، فلا يجوزُ إلَّا بِتَرَاضِيهما عليه. وإن كان فيهم مَنْ له دَيْنٌ من سَلَمٍ، لم يَجُزْ أن يَأخُذَ إلَّا من جِنْسِ حَقِّه، وإن تَرَاضَيا على دَفْعِ عِوَضِه، لأنَّ ما في الذِّمَّةِ من السَّلَمِ لا يجوزُ أخْذُ البَدَلِ عنه، لقوله ﷺ : "مَنْ أسْلَمَ في شَىْءٍ، فَلَا يَصْرِفْهُ