← Фикх ханбали

Фикх ханбали · id 6910

المغني لابن قدامة - ت التركي

ابن قدامة

Полный текст (7 955 стр.). Показаны 3186–3225 · переход к 3191.

стр. 3186

وكذلك كُسْوَتُه من جِنْسِ ما يَكْتَسِيه مِثْلُه، وكُسْوَةُ امْرَأتِه ونَفَقَتُها مثلُ ما يُفْتَرضُ على مِثْلِه. وأقلُّ ما يَكْفِيه من اللّبَاسِ قميِصٌ، وسَرَاوِيلُ، وشيءٌ يَلْبَسُه على رَأْسِه، إمَّا عِمَامَةٌ وإمَّا (٣) قَلَنْسُوَةٌ أو غيرُهما، ممَّا جَرَتْ به عَادَتُه، ولِرِجْلِه حِذَاءٌ، إن كان يعْتَادُه. وإن احْتَاجَ إلى جُبَّةٍ، أو فَرْوَةٍ لِدَفْعِ البَرْدِ، دُفِعَ إليه ذلك. وإن كانت له ثِيَابٌ لا يَلْبَسُ مثله مِثْلَها، بِيعَتْ، واشْتُرِىَ له كُسْوَةٌ مثلُها، وَرُدَّ الفَضْلُ على الغُرَمَاءِ، فإن كانت إذا بِيعَتْ، واشْتُرِىَ له كُسْوَةٌ، لا يَفْضُلُ منها شىءٌ، تُرِكَتْ؛ فإنَّه لا فَائِدَةَ في بَيْعِهَا. فصل: وإن ماتَ المُفْلِسُ، كُفِّنَ من مَالِه؛ لأنَّ نَفَقَتَهُ كانت وَاجِبَةً من مَالِه في حال حَيَاتِه، فوَجَبَ تَجْهِيزُه منه بعدَ المَوْتِ، كغيرِه. وكذلك يَجِبُ كَفْنُ مَن يَمُونُه؛ لأنَّهم بمَنْزِلَتِه، ولا يَلْزَمُ تَكْفِينُ الزَّوْجَةِ؛ لأنَّ النَّفَقَةَ تَجِبُ في مُقَابَلَةِ الاسْتِمْتَاعِ، وقد فَاتَ بالمَوْتِ، فسَقَطَتِ النَّفَقَةُ. ويُفَارِقُ الأقَارِبَ؛ لأنَّ قَرَابَتَهُم بَاقِيَةٌ. وإن مَاتَ مِن عَبِيدِه أحَدٌ، وَجَبَ تَكْفِينُه وتَجْهِيزُه؛ لأنَّ نَفقتَه ليست في مُقَابَلَةِ الانْتِفَاعِ به، ولذلك تَجِبُ نَفَقَةُ الصَّغِيرِ والمَبِيعِ قبل التَّسْلِيمِ، ويُكَفَّنُ في ثَلَاثَةِ أثْوابٍ، كما كان يَلْبَسُ في حَيَاتِه ثَلَاثَةً، ويَحْتَمِلُ أن يُكَفَّنَ في ثَوْبٍ واحِدٍ يَسْتُرُهُ، لأن ذلك يَكْفِيهِ، فلا حَاجَةَ إلى الزِّيَادَةِ، وفَارَقَ حَالَةَ الحَيَاةِ؛ لأنَّه لابُدَّ له من تَغْطِيةِ رَأْسِه، وكَشْفُ ذلك يُؤْذِيه، بِخِلَافِ المَيِّتِ. ويَمْتَدُّ الإنْفَاقُ على المُفْلِسِ إلى حينِ فَرَاغِه من القِسْمَةِ بينَ الغُرَمَاءِ؛ لأنَّه لا يَزُولُ مِلْكُه إلَّا بذلك. ومذهبُ الشَّافِعِيِّ في هذا الفَصْلِ قَرِيبٌ ممَّا ذَكَرْنَا. ٨٠٦ - مسألة؛ قال: (ولا تُبَاعُ دَارُه الَّتِي لَا غِنَى لَهُ (١) عَنْ سُكْنَاهَا) وجُمْلَتهُ أنَّ المُفْلِسَ إذا حُجِرَ عليه، بَاعَ الحاكِمُ مَالَه، ويُسْتَحَبُّ أن يَحْضُرَ

стр. 3187

المُفْلِسُ البَيْعَ، لِمَعَانٍ أرْبَعَةٍ؛ أحَدُها، لِيُحْصِيَ ثَمَنَهُ، ويَضْبِطَهُ. الثاني، أنَّه أَعْرَفُ بِثَمَنِ مَتَاعِه، وجَيِّدِه ورَدِيئِه، فإذا حَضَرَ تَكَلَّمَ عليه، وعَرَفَ الغَبْنَ من غيرِه. الثالث، أن تَكْثُرَ الرَّغْبَةُ فيه، فإنَّ شِرَاءَه من صَاحِبِه أحَبُّ إلى المُشْتَرِى. الرابع، أنَّ ذلك أطْيَبُ لِنَفْسِه، وأسْكَنُ لِقَلْبِه. ويُسْتَحَبُّ إحْضَارُ الغُرَمَاءِ أيضًا، لأمُورٍ أرْبَعَةٍ، أحَدُها، أَنَّه يُبَاعُ لهمْ. الثاني، أنَّهم رُبَّما رَغِبُوا في شِرَاءِ شىءٍ منه، فزَادُوا في ثَمَنِه، فيكونُ أصْلَحَ لهم ولِلْمُفْلِسِ. الثالث، أنَّه أطْيَبُ لِقُلُوبِهِم، وأبعَدُ من التُّهْمَةِ. الرَّابع، أَنَّه ربَّما كان فيهم من يَجِدُ عَيْنَ مَالِه، فيَأْخُذُها. فإن لم يَفْعَلْ، وبَاعَه من غير حُضُورِهِم كلِّهم، جَازَ؛ لأنَّ ذلك مَوْكُولٌ إليه، ومُفَوَّضٌ إلى اجْتِهَادِه، ورُبَّما أدَّاهُ اجْتِهَادُه إلى خِلَافِ ذلك، وبَانَتْ له المَصْلَحَةُ في المُبَادَرَةِ إلى البَيْعِ قبلَ إحْضَارِهِم. ويَأمُرُهُم الحاكِمُ أن يُقِيمُوا مُنَادِيًا يُنَادِي لهم على المَتَاعِ، فإن تَرَاضَوْا بِرَجُلٍ ثِقَةٍ، أمْضَاهُ الحاكِمُ، وإن اتَّفَقُوا على غير ثِقَةٍ رَدَّهُ. فإن قِيلَ: فلِمَ يَرُدُّه وأصْحَابُ الحَقِّ قد اتَّفَقُوا عليه، فأشْبَه ما لو اتَّفَقَ الرَّاهِنُ والمُرْتَهِنُ على أن يَبِيعَ الرَّهْنَ غيرُ ثِقَةٍ لم يَكُنْ لِلْحَاكِمِ الاعْتِرَاضُ؟ قُلْنا: لأنَّ لِلْحَاكِمِ هاهُنا نَظرًا واجْتِهَادًا؛ فإنَّه قد يَظهَر غَرِيمٌ آخَرُ، فيَتَعَلَّقُ حَقُّه به، فلهذا نَظَرَ فيه، بِخِلَافِ الرَّهْنِ، فإنَّه لا نَظَرَ لِلْحَاكِمِ فيه. فإن اخْتَارَ المُفْلِسُ رَجُلًا، واخْتَارَ الغُرَمَاءُ آخَرَ، أقَرَّ الحاكِمُ الثِّقَةَ منهما، فإن كانا ثِقَتَيْنِ، قَدَّمَ المُتَطوِّعَ منهما؛ لأنَّه أوْفَرُ، فإن كانا مُتَطَوِّعَيْنِ، ضَمَّ أحَدَهما إلى الآخَرِ، وإن كانا بِجُعْلٍ، قَدَّمَ أعْرَفَهما وأوْثَقَهما، فإن تَسَاوَيا قَدَّمَ مَن يَرَى منهما. فإن وَجَدَ مُتَطَوِّعًا بالنِّدَاءِ، وإلَّا دُفِعَتِ الأُجْرَةُ من مَالِ المُفْلِسِ؛ لأنَّ البَيْعَ حَقٌّ عليه، لِكَوْنِه طَرِيقَ وَفَاءِ دَيْنِه. وقيل: يَدْفَعُ من بَيْتِ المالِ؛ لأنَّه من المَصَالِحِ، وكذلك الحُكْمُ في أجْرِ مَن يَحْفَظُ المَتَاعَ والثَّمَنَ، وأجْرِ الحَمَّالِينَ، ونحوِهم. ويُسْتَحَبُّ بَيْعُ كل شَىءٍ في سُوقِه، البَزُّ في البَزَّازِينَ، والكُتُبُ في سُوقِها، ونحوُ ذلك؛ لأنَّه أحْوَطُ وأكْثَرُ لِطُلَّابِه، ومَعْرِفَة قِيمَتِه. فإن بَاعَ في غير سُوقِه بِثَمَنِ مِثْلِه، جَازَ؛ لأنَّ الغَرَضَ تَحْصِيلُ الثَّمَنِ، وربما أدَّى الاجْتِهَادُ إلى أنَّ ذلك أصْلَحُ، ولذلك لو قال: بِعْ ثَوْبِى في سُوقِ كذا بكذا. فبَاعَهُ بذلك

стр. 3188

في سُوقٍ آخَرَ، جَازَ. ويَبِيعُ بِنَقْدِ البَلَدِ؛ لأنَّه أوْفَرُ. فإن كان في البَلَدِ نُقُودٌ بَاعَ بِغَالِبِها، فإن تَساوَتْ بَاعَ بِجِنْسِ الدَّيْنِ. وإن زَادَ في السِّلْعَةِ زَائِدٌ في مُدَّةِ الخِيَارِ، ألزَمَ الأمِينَ الفَسْخَ؛ لأنَّه أمْكَنَه بَيْعُه بِثَمَنٍ، فلم يَجُزْ بَيْعُه بدُونِه، كما لو زِيدَ فيه قبلَ العَقْدِ. وإن زَادَ بعدَ لُزُومِ العَقْدِ، اسْتُحِبَّ للأمِينِ سُؤَالُ المُشْتَرِى الإقَالَةَ، واسْتُحِبَّ لِلْمُشْتَرِي الإجَابَةُ إلى ذلك؛ لِتَعْلِيقِه بمَصْلَحَةِ المُفْلِسِ، وقَضَاءِ دَيْنِه، فيَبْدَأُ بِبَيْعِ العَبْدِ الجَانِي، فيَدْفَعُ إلى المَجْنِيِّ عليه أقَلَّ الأمْرَيْنِ مِن ثَمَنِه أو أرْشِ جِنَايَتِه، وما فَضَلَ منه رَدَّهُ إلى الغُرَمَاءِ، ثم يَبِيعُ الرَّهْنَ، فيَدْفَعُ إلى المُرْتَهِنِ قَدْرَ دَيْنِه، وما فَضَلَ من ثَمَنِه رَدَّهُ إلى الغُرَمَاءِ، وإن بَقِيَتْ من دَيْنِه بَقِيَّةٌ، ضَرَبَ بها مع الغُرَمَاءِ، ثم يَبِيعُ ما يُسْرِعُ إليه الفَسَادُ من الطَّعَامِ الرَّطْبِ؛ لأنَّ بَقَاءَهُ يُتْلِفُه بِيَقِينٍ، ثم يَبِيعُ الحَيَوانَ، لأنَّه مُعَرَّضٌ لِلتَّلَفِ، ويَحْتَاجُ إلى مُؤْنَةٍ في بَقَائِه، ثم يَبِيعُ السِّلَعَ والأثَاثَ، لأنَّه يُخَافُ عليه، وتَنَالُه الأَيْدِى، ثم العَقَارَ آخِرًا؛ لأنَّه لا يُخَافُ تَلَفُه، وبَقَاؤُه أشْهَرُ له وأكْثَرُ لِطُلَّابِه. ومتى بَاعَ شَيْئًا من مَالِه، وكان الدَّيْنُ لواحِدٍ وَحْدَهُ، دَفَعَهُ إليه؛ لأنَّه لا حَاجَةَ إلى تَأْخِيرِه. وإن كان له غُرمَاءُ، فأمْكَنَ قِسْمَتُه عليهم، قَسَمَ ولم يُؤَخِّرْ، وإن لم يُمْكِنْ قِسْمَتُه، أُودِعَ عند ثِقَةٍ، إلى أن يَجْتَمِعَ، ويُمْكِنَ قِسْمَتُه فيُقْسَمُ. وإن احْتَاجَ في حِفْظِه إلى غَرَامَةٍ، دَفَعَ ذلك إلى مَن يَحفَظُه. إذا ثَبَتَ هذا عُدْنَا إلى مَسْألَة الكِتَابِ، فنقولُ: لا تُبَاعُ دَارُه التي لا غِنًى له عن سُكْنَاهَا. وبهذا قال أبو حنيفةَ وإسحاقُ. وقال شُرَيْحٌ، ومالِكٌ، والشَّافِعِيُّ: تُبَاعُ، ويَكْتَرِى له بَدَلَها. واخْتَارَهُ ابنُ المُنْذِرِ؛ لأنَّ النَّبِيَّ ﷺ قال في الذي أُصِيبَ في ثِمَارٍ ابْتَاعَها، فكَثُرَ دَيْنُه، فقال لِغُرَمَائِه: "خُذُوا ما وَجَدْتُمْ" (٢). وهذا مما وَجَدُوهُ، ولأنَّه عَيْنُ

стр. 3189

مالِ المُفْلِسِ، فوَجَبَ صَرْفُه في دَيْنِه، كسَائِرِ مَالِه. ولَنا، أنَّ هذا ممَّا لا غِنًى لِلْمُفْلِسِ عنه، فلم يُصْرَفْ في دَيْنِه، كثِيَابِه وقُوتِه، والحَدِيثُ قَضِيَّةٌ في عَيْنٍ، ويَحْتَمِلُ أنَّه لم يكن له عَقَارٌ، ولا خَادِمٌ، ويَحْتَمِلُ أنَّ النَّبِيَّ ﷺ قال: "خُذُوا مَا وَجَدْتُمْ" ممَّا تُصُدِّقَ به عليه، فإنَّ المَذْكُورَ قبلَ ذلك، كذلك رُوِيَ أنَّ النبيَّ ﷺ قال: "تَصَدَّقُوا عَلَيْهِ". فتَصَدَّقُوا عليه، فلم يَبْلُغْ ذلك وَفَاءَ دَيْنِه، فقال النَّبِيُّ ﷺ : "خُذُوا مَا وَجَدْتُمْ". أي ممَّا تُصُدِّقَ به عليه، والظَّاهِرُ أنَّه لم يُتَصَدَّقْ عليه بِدَارٍ وهو مُحْتَاجٌ إلى سُكْنَاهَا، ولا خَادِمٍ وهو مُحْتَاجٌ إلى خِدْمَتِه، ولأنَّ الحَدِيثَ مَخْصُوصٌ بِثِيَابِ المُفْلِسِ وقُوتِه، فنَقِيسُ عليه مَحلَّ النِّزَاعِ، وقِيَاسُهم مُنْتَقِضٌ بذلك أيضا، وبَأَجْرِ المَسْكَنِ، وسَائِر مَالِه يَسْتَغْنِى عنه، بِخِلَافِ مَسْأَلَتِنَا. فصل: وإن كان له دَارَانِ يَسْتَغْنِى بِسُكْنَى إحْدَاهما، بِيعَتِ الأُخْرَى؛ لأنَّ به غِنًى عن سُكْنَاها. وإن كان مَسْكَنُه وَاسِعًا، لا يَسْكنُ مِثْلُه في مِثْلِه، بِيعَ، واشْتُرِىَ له مَسْكَنُ مِثْلِه، ورُدَّ الفَضْلُ على الغُرَمَاءِ، كالثِّيَابِ التي له إذا كانت رَفِيعَةً لا يَلْبَسُ مثلُه مثلَها. ولو كان المَسْكَنُ والخَادِمُ اللَّذَيْن لا يَسْتَغْنِى عنهما عَيْنَ مَالِ بعضِ الغُرَمَاءِ، أو كان جَمِيعُ مَالِه أعْيَانَ أمْوَالٍ أفْلَسَ بأثْمَانِها، وَوَجَدَها أصْحَابُها، فلهم أخْذُها، بالشَّرَائِطِ التي ذَكَرْنَاهَا؛ لقولِ النَّبِيِّ ﷺ : "مَنْ أدْرَكَ مَتَاعَهُ بِعَيْنِهِ عِنْدَ رَجُلٍ قَدْ أفْلَسَ، فَهُوَ أحَقُّ بِهِ" (٣). ولأنَّ حَقَّهُ تَعَلَّقَ بالعَيْنِ، فكان أقْوَى سَبَبًا من المُفْلِسِ، ولأنَّ الإعْسارَ بالثَّمَنِ سَبَبٌ يَسْتَحِقُّ به الفَسْخَ، فلم يَمْنَعْهُ (٤) منه تَعَلُّقُ حَاجَةِ المُشْتَرِى، كما قبلَ القَبْضِ، وكالعَيْبِ والخِيَارِ. ولأنَّ مَنْعَهم من أخْذِ أعْيَانِ أمْوالِهم يَفْتَحُ بَابَ الحِيَلِ، بأن يَجِىءَ مَن لا مَالَ له، فيَشْتَرِىَ في ذِمَّتِه ثِيَابًا يَلْبَسُها، ودَارًا يَسْكُنُها، وخَادِمًا يَخْدِمُه، وفَرَسًا يَرْكَبُها، وطَعَامًا له ولِعَائِلَتِه، ويَمْتَنِعَ على أرْبَابِهَا أخْذُها؛ لِتَعَلُّقِ حَاجَتِه بها، فتَضِيعَ أمْوَالُهم ويَسْتَغْنِىَ هو بها. فعلى هذا

стр. 3190

يُؤْخَذُ ذلك. ولا يُتْرَكُ له شىءٌ منه؛ لأنَّه أعْيانُ أمْوَالِ الناسِ، فكانوا أحَقَّ بها منه، كما لو كانت في أيْدِيهِم، أو أخَذَها منهم غَصْبًا. فصل: ولو كان المُفْلِسُ ذا صَنْعَةٍ، يَكْسِبُ ما يَمُونُه ويَمُونُ مَن تَلْزَمُه مُؤْنَتُه، أو كان يَقْدِرُ على أن يَكْسِبَ ذلك بأن يُؤْجِرَ نَفْسَه، أو يَتَوَكَّلَ لإنْسَانٍ، أو يَكْتَسِبَ من المُبَاحَاتِ ما يَكْفِيه، لم يُتْرَكْ له من مَالِه شىءٌ. وإن لم يَقْدِرْ على شىءٍ ممَّا ذَكَرْنَاهُ، تُرِكَ له من مَالِه قَدْرُ ما يَكْفِيهِ. قال الإمامُ أحمدُ، رحمه اللهُ تعالى، في رِوَايَةِ أبي دَاوُدَ: ويُتْرَكُ له قُوتٌ يَتَقَوَّتُ به، وإن كان له عِيَالٌ تُرِكَ له قِوَامٌ. وقال، في رِوَايَةِ المَيْمُونِيِّ: يُتْرَكُ له قَدْرُ ما يَقُومُ به مَعَاشُه، ويُبَاعُ الباقِى. وهذا في حَقِّ الشَّيْخِ الكَبِيرِ، وذَوِى الهَيْئَاتِ الذين لا يُمْكِنُهم التَّصَرُّفُ بأبْدَانِهم. ويَنْبَغِى أن يُجْعَلَ ذلك ممَّا لا يَتَعَلَّقُ به حَقُّ بعضِهم بِعَينِه؛ لأنَّ مَن تَعَلَّقَ حَقُّه بالعَيْنِ أقْوَى سَبَبًا من غيرِه. فصل: وإذا تَلِفَ شىءٌ من مَالِ المُفْلِسِ تحتَ يَدِ الأمِينِ، أو بِيعَ شىءٌ من مَالِه وأُودِعَ ثَمَنُهُ فتَلِفَ عند المُودَعِ، فهو من ضَمَانِ المُفْلِسِ. وبهذا قال الشَّافِعيُّ. وقال مالِكٌ: العُرُوضُ من مَالِه، والدَّرَاهِمُ والدَّنَانِيرُ من مالِ الغُرَمَاءِ. وقال المُغِيرَةُ: الدَّنَانِيرُ من مَالِ أصْحابِ الدَّنَانِيرِ، والدَّرَاهِمُ من مَالِ أصْحابِ الدَّرَاهِمِ. ولَنا، أَنَّه من مالِ المُفْلِسِ، ونَمَاؤُه له، فكان تَلَفُه في مَالِه، كالعُرُوضِ. فصل: وإذا اجْتَمَعَ مالُ المُفْلِسِ، قُسِمَ بين غُرَمَائِه، فإن كانت دُيُونُهم من جِنْسِ الأثْمانِ، أخَذُوهَا، وإن كان فيهم مَنْ دَيْنُه من غيرِ جِنْسِ الأثْمانِ، كالقَرْضِ بغير الأثْمَانِ، فرَضِيَ أن يَأْخُذَ عِوَضَ حَقِّه من الأثْمَانِ، جَازَ، وإن امْتَنَعَ، وطَلَبَ جِنْسَ حَقِّه، ابْتِيعَ له بِحِصَّتِه من جِنْسِ دَيْنِه. ولو أرَادَ الغَرِيمُ الأخْذَ من المالِ المَجْمُوعِ، وقال المُفْلِسُ: لا أُوَفِّيكَ إلَّا من جِنْسِ دَيْنِكَ. قُدِّمَ قولُه؛ لأنَّ هذا على سَبِيلِ المُعَاوَضَةِ، فلا يجوزُ إلَّا بِتَرَاضِيهما عليه. وإن كان فيهم مَنْ له دَيْنٌ من سَلَمٍ، لم يَجُزْ أن يَأخُذَ إلَّا من جِنْسِ حَقِّه، وإن تَرَاضَيا على دَفْعِ عِوَضِه، لأنَّ ما في الذِّمَّةِ من السَّلَمِ لا يجوزُ أخْذُ البَدَلِ عنه، لقوله ﷺ : "مَنْ أسْلَمَ في شَىْءٍ، فَلَا يَصْرِفْهُ

стр. 3191

إلَى غَيْرِهِ" (٥). فصل: وإذا فُرِّقَ مالُ المُفْلِسِ، وبَقِيَتْ عليه بَقِيَّةٌ، وله صَنْعَةٌ، فهل يُجْبِرُه الحاكِمُ على إيجَارِ نَفْسِه، لِيَقْضِيَ دَيْنَه؟ على رِوَايَتَيْنِ؛ إحْدَاهما، لا يُجْبِرُه، وهو قولُ مالِكٍ، والشَّافِعيِّ؛ لقولِ اللهِ تعالى: ﴿وَإِنْ كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍ﴾ (٦). ولما رَوَى أبو سَعِيدٍ، أن رَجُلًا أُصِيبَ في ثِمَارٍ ابْتَاعَها، وكَثُرَ دَيْنُه، فقال النَّبِيُّ ﷺ : "تَصَدَّقُوا عَلَيْهِ". فتَصَدَّقُوا عليه، فلم يَبْلُغْ وَفَاءَ دَيْنِه، فقال النَّبِيُّ ﷺ : "خُذُوا مَا وَجَدْتُمْ، ولَيْسَ لَكُمْ إلَّا ذلِكَ". رَوَاهُ مُسْلِمٌ (٧). ولأنَّ هذا تَكَسُّبٌ لِلْمَالِ، فلم يُجْبِرْهُ عليه، كقَبُولِ الهِبَةِ والصَّدَقَةِ، وكما لا تُجْبَرُ المَرأةُ على التزوِيجِ لِتَأخُذَ المَهْرَ. والثانية، يُجْبَرُ على الكَسْبِ. وهو قولُ عمرَ بن عبد العزيزِ، وسَوَّارٍ العَنْبَرِيِّ، وإسحاقَ؛ لأنَّ النَّبِيَّ ﷺ بَاعَ سُرَّقًا في دَيْنِه، وكان سُرَّقٌ رَجُلًا دَخَلَ المَدِينَةَ، وذَكَرَ أن وَرَاءَهُ مَالًا، فَدَايَنَهُ النّاسُ، فرَكِبَتْهُ دُيُونٌ، ولم يكُنْ وَرَاءَهُ مَالٌ، فسَمَّاهُ سُرَّقًا، وبَاعَهُ بِخَمْسَةِ أبْعِرَةٍ (٨). والحُرُّ لا يُبَاعُ، ثَبَتَ أنَّه بَاعَ مَنَافِعَه. ولأنَّ المَنَافِعَ تَجْرِى مَجْرَى الأعْيَانِ، في صِحَّةِ العَقْدِ عليها وتَحْريِمِ أخْذِ الزّكَاةِ، وثُبُوتِ الغِنَى بها، فكذلك في وَفَاءِ الدَّيْنِ منها. ولأنَّ الإجَارَةَ عَقْدُ مُعَاوَضَةٍ، فجَازَ إجْبَارُه عليها، كبَيْعِ مَالِه [في وَفَاءِ الدَّيْنِ منها] (٩). ولأنَّها إجَارَةٌ لما يمْلِكُ إجَارَتَه، فيُجْبَرُ عليها في وَفَاءِ دَيْنِه، كإِجَارَةِ أُمِّ وَلَدِه. ولأنه قَادِرٌ على وَفَاءِ دَيْنِه، فَلَزِمَهُ. كَمالِكِ مالٍ (١٠) يَقْدِرُ على الوَفَاءِ منه. فإن قِيل: حَدِيثُ سُرَّقٍ

стр. 3192

مَنْسُوخٌ، بِدَلِيلِ أن الحُرَّ لا يُبَاعُ، والبَيْعُ وَقَعَ على رَقَبَتِه، بِدَلِيلِ أن في الحَدِيثِ أنَّ الغُرَمَاءَ قالوا لِمُشْتَرِيه: ما تَصْنَعُ به؟ قال أعْتِقُه. قالوا: لَسْنَا بأَزْهَدَ منك في إعْتَاقِه. فأَعْتَقُوهُ. قُلْنا: هذا إِثْبَاتُ النَّسْخِ بالاحْتِمَالِ، ولا يجوزُ، ولم يَثْبُتْ أن بَيْعَ الحُرِّ كان جَائِزًا في شَرِيعَتِنَا، وحَمْلُ لَفْظِ بَيْعِه على بَيْعِ مَنَافِعِه أسْهَلُ من حَمْلِه على بَيْعِ رَقَبَتِه المُحَرَّمِ، فإنَّ حَذْفَ المُضَافِ وإقَامَةَ المُضَافِ إليه مُقَامَهُ سَائِغٌ كَثِيرٌ في القُرْآن، وفي كَلَامِ العَرَبِ، كقَوْلِه تعالى: ﴿وَأُشْرِبُوا فِي قُلُوبِهِمُ الْعِجْلَ﴾ (١١). ﴿وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ﴾ (١٢). ﴿وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ﴾ (١٣). وغيرِ ذلك. وكذلك قولُه: "أُعْتِقُهُ". أي من حَقِّي عليه. وكذلك قال: "فأعْتَقُوهُ" يَعْنِي الغُرَمَاءَ، وهم لا يَمْلِكُونَ إلا الدَّيْنَ الذي عليه. وأمَّا قولُه تَعَالَى: ﴿وَإِنْ كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍ﴾. فيَتَوَجَّه مَنْعُ كَوْنِه دَاخِلًا تَحْتَ عُمُومِها؛ فإنَّ هذا في حُكْمِ الأغْنِيَاءِ، في حِرْمَانِ الزَّكَاةِ، وسُقُوطِ نَفَقَتِه عن قَرِيبِه، ووُجُوبِ نَفَقَةِ قَرِيبِه عليه، وحَدِيثُهم قَضِيَّةُ عَيْنٍ، لا يَثْبُتُ حُكْمُها إلَّا في مِثْلِها، ولم يَثْبُتْ أنَّ لذلك الغَرِيمِ كَسْبًا يَفْضُلُ عن قَدْرِ نَفَقَتِه. وأمَّا قَبُولُ الهِبَةِ والصَّدَقَةِ، ففيه مِنَّةٌ ومَعَرَّةٌ (١٤) تَأْبَاهَا قُلُوبُ ذَوِى المُرُوءَاتِ، بِخِلَافِ مَسْأَلَتِنَا. إذا ثَبَتَ هذا، فلا يُجْبَرُ على الكَسْبِ إلَّا مَن في كَسْبِه فَضْلَةٌ عن نَفَقَتِه، ونَفَقَةِ من يَمُونُه، على ما تَقَدَّمَ ذِكْرُه. فصل: ولا يُجْبَرُ على قَبُولِ هَدِيَّةٍ، ولا صَدَقَةٍ، ولا وَصِيَّةٍ ولا قَرْضٍ، ولا تُجْبَرُ المَرْأةُ على التَّزَوُّجِ، لِيَأخُذَ مَهْرَهَا، لأن في ذلك ضَرَرًا لِلُحُوقِ المِنَّةِ في الهَدِيَّةِ والصَّدَقَةِ والوَصِيَّةِ، والعِوَضِ في القَرْضِ، ومِلْكِ الزَّوْج لِلْمَرْأةِ في النِّكَاحِ،

стр. 3193

ووُجُوبِ حُقُوقِه عليها. ولو بَاعَ بِشَرْطِ الخِيَارِ، ثم أفْلَسَ، فالخِيَارُ بحَالِه، ولا يُجْبَرُ على ما فيه الحَظُّ من الرَّدِّ والإمْضَاءِ؛ لأنَّ الفَلَسَ يَمْنَعُه من إحْدَاثِ عَقْدٍ، أمَّا مِن إمْضَائِه وتَنْفِيذِ عُقُودِه فلا. وإن جُنِىَ على المُفْلِسِ جِنَايَةٌ تُوجِبُ المالَ، ثَبَتَ المالُ، وتَعَلَّقَتْ حُقُوقُ الغُرَمَاءِ به، ولا يَصِحُّ منه العَفْوُ عنه. وإن كانت مُوجِبَةً لِلْقِصَاصِ، فهو مُخَيَّرٌ بين القِصَاصِ والعَفْوِ، ولا يُجْبَرُ على العَفْوِ على مَالٍ؛ لأنَّ ذلك يُفَوِّتُ القِصَاصَ الذي يَجِبُ لِمَصْلَحَتِه، فإن اقْتَصَّ، لم يَجِبْ لِلْغُرَمَاءِ شيءٌ. وإن عَفَا على مَالٍ، ثَبَتَ، وتَعَلَّقَتْ حُقُوقُ الغُرَمَاءِ به. وإن عَفَا مُطْلَقًا، انْبَنَى على الرِّوَايَتَيْنِ، في مُوجِبِ العَمْدِ، إن قُلْنا: القِصَاصُ خَاصَّةً. لم يَثْبُتْ شيءٌ، وسَقَطَ القِصَاصُ. وإن قُلْنا: أحَدُ أمْرَيْنِ. ثَبَتَتْ له الدِّيَةُ، وتَعَلَّقَتْ بها حُقُوقُ الغُرَمَاءِ. وإن عَفَا على غير مَالٍ، فعلى الرِّوَايَتَيْنِ أيضا. فإن قُلْنا: القِصَاصُ عَيْنًا. لم يَثْبُتْ شيْءٌ. وإن قُلْنا: أحَدُ الأمْرَيْنِ. تَثْبُتُ الدِّيَةُ، ولم يَصِحَّ إسْقَاطُه، لأنَّ عَفْوَهُ عن القِصَاصِ يُثْبِتُ له الدِّيَةَ، ولا يَصِحُّ إسْقَاطُهَا. وإن وَهَبَ هِبَةً بشَرْطِ الثَّوَابِ، ثم أفْلَسَ، فَبُذِلَ له الثَّوَابُ، لَزِمَهُ قَبُولُه، ولم يكُنْ له إسْقَاطُه؛ لأَنَّه أخَذَهُ على سَبِيلِ العِوَضِ عن المَوْهُوبِ، فلَزِمهُ قَبُولُه، كالثَّمَنِ في البَيْعِ. وليس له إسْقَاطُ شىءٍ من ثَمَنِ مَبِيعٍ، أو أُجْرَةٍ في إجَارَةٍ، ولا قَبْضُه رَدِيئًا، ولا قَبْضُ المُسْلَمِ فيه دُونَ صِفَاتِه، إلَّا بإذْنِ غُرَمَائِه. ومذهبُ الشَّافِعي في هذا ال فَصْلِ كله كمذهبِنا. فصل: إذا فُرِّقَ مَالُ المُفْلِسِ، فهل يَنْفَكُّ عنه الحَجْرُ بذلك، أو يَحْتَاجُ إلى فَكِّ الحَجْرِ عنه؟ فيه وَجْهَانِ؛ أحَدُهما، يَزُولُ بِقِسْمَةِ مَالِه؛ لأنَّه حُجِرَ عليه لأجْلِه، فإذا زَالَ مِلْكُه عنه، زَالَ سَبَبُ الحَجْرِ، فزَالَ الحَجْرُ، كزَوَالِ حَجْرِ المَجْنُونِ، لِزَوَالِ جُنُونِه. والثاني، لا يَزُولُ إلَّا بِحُكْمِ الحاكِمِ؛ لأنَّه ثَبَتَ بحُكْمِه، فلا يَزُولُ إلَّا بحُكْمِه، كالمَحْجُورِ عليه لِسَفَهٍ. وفَارَقَ الجُنُونَ، فإنَّه يَثْبُتُ بِنَفْسِه، فزَالَ بِزَوَالِه. ولأنَّ فَرَاغَ مَالِه يَحْتَاجُ إلى مَعْرِفَةٍ وبَحْثٍ، فَوَقْفُ ذلك على الحاكِمِ، بِخِلَافِ المَجْنُونِ (١٥).

стр. 3194

فصل: ومتى ثَبَتَ إعْسَارُهُ عندَ الحاكِمِ، لم يكُنْ لأحَدٍ مُطَالَبَتُه ومُلَازَمَتُه. وبهذا قال الشَّافِعِيُّ، وقال أبو حنيفةَ: لِغُرَمَائِه مُلَازَمَتُه من غيرِ أن يَمْنَعُوهُ من الكَسْبِ، فإذا رَجَعَ إلى بَيْتِه، فأذِنَ لهم في الدُّخُولِ، دَخَلُوا معه، وإلَّا مَنَعُوهُ من الدُّخُولِ، لقولِ النَّبِيِّ ﷺ : "لِصَاحِبِ الْحَقِّ اليَدُ وَاللِّسَانُ" (١٦). ولَنا، أنَّ مَن ليس لِصَاحِبِ الحَقِّ مُطَالَبَتهُ، لم يكُنْ له مُلَازَمَتُه، كما لو كان دَيْنُه مُؤَجَّلًا، وقولُ اللَّه تعالى: ﴿فَنَظِرَةٌ إلَى مَيْسَرَةٍ﴾ (١٧). ومن وَجَبَ إنْظَارُه، حَرُمَتْ مَلَازَمَتُه، كمن دَيْنُه مُؤَجَّلٌ. والحَدِيثُ فيه مَقَالٌ. قالَه ابنُ المُنْذِرِ. ثم نَحْمِلُه على المُوسِرِ، بِدَلِيلِ ما ذَكَرْنَا، فقد ثَبَتَ أنَّ النَّبِيَّ ﷺ قال لِغُرَمَاءِ الذي أُصِيبَ في ثِمَارٍ ابْتَاعَها، فَكَثُرَ دَيْنُه: "خُذُوا مَا وَجَدْتُمْ، ولَيْسَ لَكُمْ إلَّا ذَلِكَ". رَوَاهُ مُسْلِمٌ، والتِّرْمِذِيُّ (١٨). وإن فُكَّ الحَجْرُ عنه لم يكُنْ لأحَدٍ مُطَالَبَتُهُ، ولا مُلَازَمَتُهُ، حتى يَمْلِكَ مَالًا، فإن جَاءَ الغُرَمَاءُ عَقِيبَ فَكِّ الحَجْرِ عنه، فادَّعَوا أنَّ له مَالًا، لم يُلْتَفَتْ إلى قَوْلِهم، حتى يُثْبِتُوا سَبَبَهُ [فإن جَاءُوا بعد مُدَّةٍ، فَادَّعَوا أنَّ في يَدِه مَالًا، أو ادَّعَوا ذلك عَقِيبَ فَكِّ الحَجْرِ، وبَيَّنُوا سَبَبَهُ] (١٩)، أحْضَرَهُ الحاكِمُ وسَأَلَهُ، فإن أنْكَرَ، فالقولُ قولُه مع يَمِينِه؛ لأنَّه ما فُكَّ الحَجْرُ عنه حتَّى لم يَبْقَ له شيءٌ، وإن أقَرَّ، وقال: هو لِفُلَانٍ، وأنا وَكِيلُه أو مُضَارِبُه. وكان المُقَرُّ له حَاضِرًا، سَأَلَهُ الحاكِمُ، فإن صَدَّقَهُ فهو له، ويَسْتَحْلِفُه الحاكِمُ، لِجَوَازِ أن يكونَا تَوَاطآ على ذلك، لِيَدْفَعَ المُطَالَبَةَ عن المُفْلِسِ. وإن قال: ما هو لي. عَرَفْنَا كَذِبَ المُفْلِسِ، فيَصِيرُ كأنَّه قال: المالُ لي. فَيُعَاد الحَجْرُ عليه إن طَلَبَ الغُرَمَاءُ ذلك. وإن أقَرَّ لِغَائِبٍ، أُقِرَّ في يَدَيْهِ حتى يَحْضُرَ الغائِبُ، ثم يُسْأَلُ، كما حَكَمْنَا في الحَاضِرِ.

стр. 3195

ومتى أُعِيدَ الحَجْرُ عليه لِدُيُونٍ تَجَدَّدَتْ عليه، شَارَكَ غُرَمَاءُ الحَجْرِ الأوَّلِ غُرَمَاءَ الحَجْرِ الثَّاني، إلَّا أنَّ الأوَّلِينَ يَضْرِبُونَ بِبَقِيَّةِ دُيُونِهِم، والآخِريِنَ يَضْرِبُونَ بِجَمِيعِهَا. وبهذا قال الشَّافِعِيُّ. وقال مالِكٌ: لا يَدْخُلُ غُرَمَاءُ الحَجْرِ الأوَّلِ على هَؤُلَاءِ الذين تَجَدَّدَتْ حُقُوقُهُم، حتى يَسْتَوْفُوا، إلَّا أن تكونَ له فَائِدَةٌ من مِيرَاثٍ، أو يُجْنَى عليه جِنَايَةٌ، فيَتَحَاصُّ الغُرَمَاءُ فيه. ولَنا، أنَّهم تَسَاوَوْا في ثُبُوتِ حُقُوقِهم في ذِمَّتِه، فتَسَاوَوْا في الاسْتِحْقَاقِ، كالذين تَثْبُتُ حُقُوقُهم في حَجْرٍ واحِدٍ، وكتَسَاوِيهم في المِيرَاثِ وأرْشِ الجِنَايَةِ، ولأنَّ مَكْسَبَهُ مالٌ له، فَتَسَاوَوْا فيه، كالمِيرَاثِ. ٨٠٧ - مسألة؛ قال: (وَمَنْ وَجَبَ عَلَيْهِ حَقٌّ، فَذَكَرَ أنَّه مُعْسِرٌ بِهِ، حُبِسَ إلَى أنْ يَأتِيَ بِبَيِّنَةٍ تَشْهَدُ بِعُسْرَتِهِ) وجملتُه أنَّ مَن وَجَبَ عليه دَيْنٌ حَالٌّ، فطُولِبَ به، ولم يُؤَدِّه، نَظَرَ الحاكِمُ؛ فإن كان في يَدِه مَالٌ ظَاهِرٌ أمَرَهُ بالقَضَاءِ، فإن ذَكَرَ أنَّه لِغَيْرِه، فقد ذَكَرْنَا حُكْمَهُ في الفَصْلِ الذي قبلَ هذا، وإن لم يَجِدْ له مَالًا ظَاهِرًا، فَادَّعَى الإعْسَارَ، فصَدَّقَهُ غَرِيمُه، لم يُحْبَسْ، ووجَبَ إنْظَارُه، ولم تَجُزْ مُلَازَمَتُه، لقولِ اللهِ تعالى: ﴿وَإِنْ كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍ﴾ (١). ولقولِ النَّبِيِّ ﷺ لِغُرَمَاءِ الذي كَثُرَ دَيْنُه: "خُذُوا مَا وَجَدْتُمْ، وَلَيْسَ لَكُمْ إلَّا ذلِكَ" (٢). ولأن الحَبْسَ إما أن يكونَ لإثْبَاتِ عُسْرَتِه أو لِقَضَاءِ دَيْنِه، وعُسْرَتُه ثَابِتَةٌ، والقَضَاءُ مُتَعَذِّرٌ، فلا فَائِدَةَ في الحَبْسِ. وإن كَذَّبَهُ غَرِيمُه فلا يَخْلُو، إمَّا أن يكونَ عُرِفَ له مالٌ أو لم يُعْرَفْ، فإن عُرِفَ له مَالٌ لكَوْنِ الدَّيْنِ ثَبَتَ عن مُعَاوَضَةٍ، كالقَرْضِ والبَيْعِ، أو عُرِفَ له أصْلُ مَالٍ سِوَى هذا، فالقولُ قولُ غَرِيمِه مع يَمِينِه. فإذا حَلَفَ أنَّه ذو مَالٍ، حُبِسَ حتى

стр. 3196

تَشْهَدَ البَيِّنَةُ بإعْسَارِه. قال ابنُ المُنْذِرِ: أكْثَرُ مَن نَحْفَظُ عنه من عُلَمَاءِ الأمْصَارِ وقُضَاتِهم، يَرَوْنَ الحَبْسَ فى الدَّيْنِ، منهم: مالِكٌ، والشَّافِعِىُّ، وأبو عُبَيْدٍ، والنُّعْمَانُ، وسَوَّارٌ، وعُبَيْدُ اللَّه بن الحسنِ. ورُوِىَ عن شُرَيْحٍ، والشَّعْبِىِّ. وكان عمرُ بن عبد العزِيزِ يقول: يُقْسَمُ مَالُه بين الغُرَمَاءِ، ولا يُحْبَسُ. وبه قال عبدُ اللهِ ابن جعفرٍ، واللَّيْثُ بن سَعْدٍ. ولَنا أنَّ الظَّاهِرَ قَولُ الغَرِيمِ، فكان القولُ قولَه، كسَائِرِ الدَّعَاوَى. فإن شَهِدَتِ البَيِّنَةُ بتَلَفِ مَالِه، قُبِلَتْ شَهَادَتُهُم، سواءٌ كانت من أهْلِ الخِبْرَةِ البَاطِنَةِ أو لم تكُنْ؛ لأنَّ التَّلَفَ يَطَّلِعُ عليه أهْلُ الخِبْرَةِ وغيرُهم. وإن طَلَبَ الغَرِيمُ إحْلَافَه على ذلك، لم يُجَبْ إليه؛ لأنَّ ذلك تَكْذِيبٌ لِلْبَيِّنَةِ، وإن شَهِدَتْ مع ذلك بالإِعْسَارِ اكْتُفِىَ بِشهَادَتِها، وثَبَتَتْ عُسْرَتُه، وإن لم تَشْهَدْ بِعُسْرَتِه، وإنَّما شَهِدَتْ بالتَّلَفِ لا غيرُ، وطَلَبَ الغَرِيمُ يَمِينَه على عُسْرِهِ، وأنَّه ليس له مالٌ آخَرُ، اسْتُحْلِفَ على ذلك؛ لأنَّه غيرُ ما شَهِدَتْ به البَيِّنَةُ. وإن لم تَشْهَدْ بالتَّلَفِ، وإنَّما شَهِدَتْ بالإعْسَارِ، لم تُقْبَلِ الشهَادَةُ إلَّا من ذى خِبْرَةٍ باطِنَةٍ، ومَعْرِفَةٍ مُتَقَادِمَةٍ، لأنَّ هذا من الأُمُورِ البَاطِنَةِ، لا يَطَّلِعُ عليه فى الغَالِبِ إلَّا أَهْلُ الخِبْرَةِ والمُخَالَطَةِ. وهذا مذهبُ الشَّافِعِىِّ، وحُكِىَ عن مالِكٍ أنَّه قال: لا تُسْمَعُ البَيِّنَةُ على الإِعْسَارِ؛ لأنَّها شَهَادَةٌ على النَّفْىِ، فلم تُسْمَعْ، كالشَّهَادَةِ على أنَّه لا دَيْنَ عليه. ولَنا، ما رَوَى قَبيصَةُ بنُ المُخَارِقِ، أنَّ النبىَّ ﷺ قال له: "يَا قِبيصَةُ، إنَّ المَسْأَلَةَ لا تَحِلُّ إلَّا لأَحَدِ ثَلَاثَةٍ: رَجُلٌ تَحَمَّلَ حَمَالَةً، فَحلَّتِ المَسْأَلَةُ حَتَّى يُصِيبَها، ثم يُمْسِكَ، ورَجُل أصَابَتْه جَائِحَةٌ، فاجْتَاحَتْ مَالَه، فحَلَّتْ له المَسأَلَةُ، حتى يُصِيبَ قِوَامًا من عَيْشٍ" أو قال: "سِدَادًا مِنْ عَيْشٍ، وَرَجُلٌ أصَابَتْهُ فَاقَةٌ، حَتَّى يَقُولَ ثَلَاثَةٌ مِنْ ذَوِى الْحِجَا مِنْ قَوْمِه: لَقَدْ أصَابَتْ فُلَانًا فَاقَةٌ. فَحَلَّتْ له المَسْأَلَةُ حَتَّى يُصِيبَ قِوَامًا مِنْ عَيْشٍ" أو قال: "سِدَادًا مِنْ عَيْشٍ". رَوَاهُ مُسْلِمٌ وأبو دَاوُدَ (٣).

стр. 3197

وقولُهم: إن الشَّهَادَةَ على النَّفْىِ لا تُقْبَلُ. قُلْنا: لا تُرَدُّ مُطْلَقًا، فإنه لو شَهِدَتِ البَيِّنَةُ أنَّ هذا وَارِثُ المَيِّتِ، لا وَارِثَ له سِوَاهُ، قُبِلَتْ، ولأنَّ هذه وإن كانت تَتَضَمَّنُ النَّفْىَ، فهى تُثْبِتُ حَالَةً تَظْهَرُ، ويُوقَفُ عليها بالمُشَاهَدَةِ، بِخِلَافِ ما إذا شَهِدَتْ أنَّه لا حَقَّ له، فإنَّ هذا ممَّا لا يُوقَفُ عليه، ولا يُشْهَدُ به حالٌ يُتَوَصَّلُ بها إلى مَعْرِفَتِه به، بِخِلَافِ مَسْأَلَتِنَا. وتُسْمَعُ البَيِّنَةُ فى الحالِ، وبهذا قال الشَّافِعِىُّ. وقال أبو حنيفةَ: لا تُسْمَعُ فى الحالِ، ويُحْبَسُ شَهْرًا، ورُوِىَ ثَلَاثَةَ أشْهُرٍ، ورُوِى أرْبَعَةَ أشْهُرٍ، حتى يَغْلِبَ على ظَنِّ الحاكِمِ أنَّه لو كان له مالٌ لأظْهَرَهُ. ولَنا، أنَّ كلَّ بَيِّنَةٍ جَازَ سَمَاعُها بعدَ مُدَّةٍ، جَازَ سَمَاعُها فى الحالِ، كسَائِرِ البَيِّنَاتِ، وما ذَكَرُوهُ لو كان صَحِيحًا لأَغْنَى عن البَيِّنَةِ. فإن قال الغَرِيمُ: أحْلِفُوهُ لى. مع يَمِينِه أَنَّه لا مَالَ له، لم يُسْتَحْلَفْ فى ظَاهِرِ كَلَامِ أحمدَ؛ لأنَّه قال، فى رِوَايَةِ إسحاقَ بن إبراهيمَ، فى رَجُلٍ جَاءَ بِشُهُودٍ على حَقٍّ، فقال الغَرِيمُ اسْتَحْلِفُوهُ: لا يُسْتَحْلَفُ؛ لأن ظَاهِرَ الحَدِيثِ: "البَيِّنَةُ عَلَى المُدَّعِى، والْيَمِينُ عَلَى مَنْ أنْكَرَ" (٤). قال القاضِى: سواء شَهِدَتِ البَيِّنَةُ بِتَلَفِ المالِ أو بالإِعْسَارِ وهذا أحَدُ قَوْلَىِ الشَّافِعىِّ؛ لأنها بَيِّنَةٌ مَقْبُولَةٌ، فلم يُسْتَحْلَفْ معها، كما لو شَهِدَتْ بأن هذا عَبْدُه، أو هذه دَارُه. ويَحْتَمِلُ أن يُسْتَحْلَفَ. وهذا القولُ الثانى لِلشَّافِعىِّ؛ لأنَّه يَحْتَمِلُ أنَّ له مَالًا خَفِىَ على البَيِّنَةِ. ويَصِحُّ عندى إلْزَامُه اليَمِينَ على الإِعْسَارِ، فيما إذا شَهِدَتِ البَيِّنَةُ بِتَلَفِ المالِ، وسُقُوطُها عنه فيما إذا شَهِدَتْ بالإِعْسَارِ؛ لأنَّها إذا شَهِدَتْ بالتَّلَفِ، صَارَ كمن لم يَثْبُتْ له أصْلُ مالٍ، أو بِمَنْزِلَةِ مَن أقَرَّ له غَرِيمُه بِتَلَفِ ذلك المالِ، وادَّعَى أنَّ له مَالًا سِوَاه، أو أنَّه اسْتَحْدَثَ مَالًا بعدَ تَلَفِه. ولو لم تَقُمِ البَيِّنَةُ، وأقَرَّ له غَرِيمُه

стр. 3198

بِتَلَفِ مَالِه، وَادَّعَى أنَّ له مَالًا سِوَاهُ، لَزِمَتْهُ اليَمِينُ، فكذلك إذا قَامَتْ به البَيِّنَةُ، فإنَّها لا تَزِيدُ على الإِقْرَارِ. وإن كان الحَقُّ يَثْبُتُ عليه فى غيرِ مُقَابَلَةِ مالٍ أخَذَهُ، كأَرْشِ جِنَايَةٍ، وقِيمَةِ مُتْلَفٍ، ومَهْرٍ أو ضَمَانٍ أو كَفَالَةٍ، أو عِوَضِ خُلْعٍ، إن كان امْرَأةً، وإن لم يُعْرَفْ له مالٌ، حَلَفَ أنَّه لا مَالَ له، وخُلِّىَ سَبِيلُه، ولم يُحْبَسْ. وهذا قولُ الشَّافِعِىِّ، وابنِ المُنْذِرِ. فإن شَهِدَتِ البَيِّنَةُ بإعْسَارِه، قُبِلَتْ، ولم يُسْتَحْلَفْ معها؛ لما تَقَدَّمَ. وإن شَهِدَتْ أنَّه كان له مَالٌ، فتَلِفَ، لم يُسْتَغْنَ بذلك عن يَمينِه؛ لما ذَكَرْنَاهُ. وكذلك لو أقَرَّ له به غَرِيمُه، وإنَّما اكْتَفَيْنَا بِيَمِينِه؛ لأنَّ الأصْلَ عَدَمُ المالِ، لما رُوِىَ أنَّ النبىَّ ﷺ قال لِحِبَّةَ وسَوَاءٍ ابْنَىْ خَالِدِ (٥) بن سَوَاءٍ: "لا تَيْئَسا مِنَ الرِّزْقِ مَا اهْتَزَّتْ رُءُوسُكُما، فإنَّ ابنَ آدَمَ يُخْلَقُ ولَيْسَ لَهُ إلَّا قِشْرَتَاهُ (٦)، ثُمَّ يَرْزُقُه اللهُ تَعَالَى" (٧). قال ابنُ المُنْذِرِ: الحَبْسُ عُقُوبَةٌ، ولا نَعْلَمُ له ذَنْبًا يُعَاقَبُ به. والأَصْلُ عَدَمُ مَالِه، بِخِلَافِ المَسْأَلَةِ الأُولَى، فإنَّ الأصْلَ ثُبُوتُ مَالِه، فيُحْبَسُ حتى يُعْلَمَ ذَهَابُهُ. والخِرَقِىُّ لم يُفَرِّقْ بين الحَالَيْنِ، لكنه يُحْمَلُ كَلَامُهُ على ما ذَكَرْنَا، لِقِيَامِ الدَّلِيلِ على الفَرْقِ. فصل: إذا امْتَنَعَ المُوسِرُ من قَضَاءِ الدَّيْنِ، فلِغَرِيمِه مُلَازَمَتُهُ، ومُطَالَبَتُهُ، والإِغْلَاظُ له بالقولِ، فيقول: يا ظَالِمُ، يا مُعْتَدِى. ونحو ذلك؛ لقولِ رسولِ اللَّه ﷺ : "لَىُّ الوَاجِدِ، يُحِلُّ عُقُوبَتَهُ وعِرْضَهُ" (٨). فَعُقُوبَتُه حَبْسُه، وعِرْضُه أى

стр. 3199

يُحِلُّ القولَ فى عِرْضِه بالإِغْلَاظِ له (٩). وقال النَّبِىُّ ﷺ : "مَطْلُ الغَنِىِّ ظُلْمٌ" (١٠). وقال: "إنَّ لِصَاحِبِ الحَقِّ مقَالًا" (١١). ٨٠٨ - مسألة؛ قال: (وإذا مَاتَ، فتَبَيَّنَ أنَّهُ كَانَ مُفْلِسًا، لَمْ يَكُنْ لِأحَدٍ مِنَ الغُرَمَاءِ أنْ يَأْخُذَ عَيْنَ مَالِهِ) هذا الشَّرْطُ الخَامِسُ لِاسْتِحْقَاقِ اسْتِرْجَاعِ عَيْنِ المالِ من المُفْلِسِ، وهو أن يكونَ حَيًّا، فإن مَاتَ، فالبَائِعُ أُسْوَةُ الغُرَمَاءِ، سواءٌ عَلِمَ بفَلَسِه قبلَ المَوْتِ، فحَجَرَ عليه ثم مَاتَ، أو مَاتَ فتبَيَّنَ فَلَسُهُ. وبهذا قال مالِكٌ، وإسحاقُ. وقال الشَّافِعىُّ: له الفَسْخُ واسْتِرْجَاعُ العَيْنِ؛ لما رَوَى ابن خَلْدَةَ الزُّرَقِىُّ، قَاضِى المَدِينَة قال: أتَيْنَا أبا هُرَيْرَة فى صَاحِبٍ لَنا قد أفْلَسَ، فقال أبو هُرَيْرَةَ: هذا الذى قَضَى فيه رسولُ اللَّه ﷺ : "أيُّمَا رَجُلٍ مَاتَ، أوْ أفْلَسَ، فصَاحِبُ المَتَاعِ أحَقُّ بمَتَاعِه إذَا وَجَدَهُ بِعَيْنِه". رَوَاهُ أبو دَاوُدَ، وابنُ مَاجَه (١). واحْتَجُّوا بِعُمُومِ قولِه ﵇:

стр. 3200

"من أدْرَكَ مَتَاعَهُ بِعَيْنِه عِنْدَ رَجُلٍ، أوْ إنْسَانٍ، قَدْ أفْلَسَ، فَهُوَ أحَقُّ بِهِ" (٢). ولأنَّ هذا العَقْدَ يَلْحَقُه الفَسْخُ بالإِقَالَةِ، فجَازَ فَسْخُه لِتَعَذُّرِ العِوَضِ، كما لو تَعَذَّرَ المُسْلَمُ فيه، ولأنَّ الفَلَسَ سَبَبٌ لاسْتِحْقَاقِ الفَسْخِ، فجَازَ الفَسْخُ به بعدَ المَوْتِ كَالعَيْبِ. ولَنا، ما رَوَى أبو بكرِ بن عبد الرحمنِ بن الحارِثِ بن هِشَامٍ، عن أبى هُرَيْرَةَ، عن النَّبِىِّ ﷺ ، فى حَدِيثِ المُفْلِسِ: "فإن مَاتَ فصَاحِبُ المَتَاعِ أُسْوَةُ الغُرَمَاءِ". رَوَاهُ أبو دَاوُدَ (٣). ورَوَى أبو الْيَمَانِ، عن الزَّبِيدِىِّ، عن الزُّهْرِىِّ، عن أبى سَلَمَةَ، عن أبى هُرَيْرَةَ قال: قال رسولُ اللَّه ﷺ : "أيُّمَا امْرِئٍ مَاتَ، وَعِنْدَهُ مالُ امْرِئٍ بِعَيْنِه، اقْتَضَى مِنْ ثَمَنِه شَيْئًا، أو لَمْ يَقْتَضِ، فَهُوَ أُسْوَةُ الغُرَمَاءِ" (٤). رَوَاهُ ابن مَاجَه (٥). ولأنه تَعَلَّقَ به حَقُّ غير المُفْلِسِ والغُرَمَاءِ، وهم الوَرَثَةُ، فأشْبَه المَرْهُونَ. وحَدِيثُهُم مَجْهُولُ الإسْنَادِ، قال ابنُ المُنْذِرِ: قال ابن عَبد البَرِّ: يَرْوِيه أبو المُعْتَمِرِ، عن الزُّرَقِىِّ، وأبو المُعْتَمِرِ غيرُ مَعْرُوفٍ بِحَمْلِ العِلْمِ. ثم هو غير مَعْمُولٍ به إجْمَاعًا؛ فإنَّه جَعَلَ المَتَاعَ لِصَاحِبِه بمُجَرَّدِ مَوْتِ المُشْتَرِى، من غيرِ شَرْطِ فَلَسِه، ولا تَعَذُّرِ وَفَائِه، ولا عَدَمِ قَبْضِ ثَمَنِه، والأمْرُ بِخِلَافِ ذلك عندَ جَمِيعِ العُلَمَاءِ، إلَّا ما حُكِىَ عن الإِصْطَخْرِىِّ (٦) من أصْحَابِ الشَّافِعِىِّ، أنَّه قال: لِصَاحِبِ السِّلْعَةِ أن يَرْجِعَ فيها إذا مَاتَ المُشْتَرِى، وإن خَلَّف وَفَاءً. وهذا شُذُوذٌ عن أقْوَالِ أهْلِ العِلْمِ، وخِلَافٌ لِلسُّنَّةِ لا يُعَرَّجُ على مِثْلِه. وأمَّا الحَدِيثُ الآخَرُ، فنقُولُ به، وأنَّ صَاحِبَ المَتَاعِ أحَقُّ به إذا وَجَدَهُ عندَ المُفْلِسِ، وما وَجَدَهُ فى مَسأَلَتِنا عندَه، إنَّما وَجَدَهُ عند وَرَثَتِه، فلا يَتَنَاوَلُه الخَبَرُ، وإنَّما يَدُلُّ بمَفْهُومِه

стр. 3201

على أنَّه لا يَسْتَحِقُّ الرُّجُوعَ فيه، ثم هو مُطْلَقٌ وحَدِيثُنا يُقَيِّدُه، وفيه زِيَادَةٌ، والزِّيَادَةُ من الثِّقَةِ مَقْبُولَةٌ. وتُفَارِقُ حَالَةُ الحَيَاةِ حَالَ المَوْتِ لأَمْرَيْنِ؛ أحَدِهما، أنَّ المِلْكَ فى الحَيَاةِ لِلْمُفْلِسِ، وهاهُنا لغيرِه. والثانى، أنَّ ذِمَّةَ المُفْلِسِ خَرِبَتْ هاهُنا خَرَابًا لا يَعُودُ، فاخْتِصَاصُ هذا بالعَيْنِ يَسْتَضِرُّ به الغُرمَاءُ كَثِيرًا، بِخِلَافِ حَالَةِ الحَيَاةِ. ٨٠٩ - مسألة؛ قال: (وَمَنْ أرَادَ سَفَرًا وَعَلَيْهِ حَقٌّ يُسْتَحَقُّ قَبْلَ مُدَّةِ سَفَرِهِ، فَلِصَاحِبِ الحَقِّ مَنْعُهُ) وجُمْلَةُ ذلك أنَّ مَن عليه دَيْنٌ إذا أرَادَ السَّفَرَ، وأرَادَ غَرِيمُه مَنْعَهُ، نَظَرْنَا؛ فإن كان مَحَلُّ الدَّيْنِ قبلَ مَحَلِّ قُدُومِه من السَّفَرِ، مثل أن يكونَ سَفَرُه إلى الحَجِّ لا يَقْدَمُ إلَّا فى صَفَر، ودَيْنُه يَحِلُّ فى المُحَرَّمِ أو ذِى الحجَّةِ، فله مَنْعُه من السَّفَرِ؛ لأنَّ عليه ضَرَرًا فى تَأْخِيرِ حَقِّه عن مَحَلِّهِ. فإن أَقامَ ضَمِينًا مَلِيئًا، أو دَفَعَ رَهْنًا يَفى بالدَّيْنِ عندَ المَحَلِّ، فله السَّفَرُ؛ لأنَّ الضَّرَرَ يَزُولُ بذلك. وأمَّا إن كان الدَّيْنُ (١) لا يَحِلُّ إلَّا بعدَ مَحَلِّ السَّفَرِ، مثل أن يكونَ مَحَلُّه فى رَبِيعٍ، وقُدُومُه فى صَفَر، نَظَرْنا؛ فإن كان سَفَرُه إلى الجِهَادِ، فله مَنْعُه إلَّا بِضَمِينٍ أو رَهْنٍ؛ لأنه سَفَرٌ يَتَعَرَّضُ فيه للشَّهَادَةِ، وذَهَابِ النَّفْسِ، فلا يَأْمَنُ فَوَاتَ الحَقِّ. وإن كان السَّفَرُ لغير الجهَادِ فظاهِرُ كلام الخِرَقِىِّ أنَّه ليس له مَنْعُه، وهو إحدى الرِّوَايَتَيْنِ عن أحمدَ؛ لأنَّ هذا السَّفَرَ ليس بأَمَارَةٍ على مَنْعِ الحَقِّ فى مَحَلِّه، فلم يَمْلِكْ مَنْعَه منه، كالسَّفَرِ القَصِيرِ، وكالسَّعْىِ إلى الجُمُعَةِ. وقال الشَّافِعِىُّ: ليس له مَنْعُه من السَّفَرِ، ولا المُطَالَبَةُ بِكَفِيلٍ إذا كان الدَّيْنُ مُؤَجَّلًا بحالٍ، سواءٌ كان الدَّيْنُ يَحِلُّ قبلَ مَحَلِّ سَفَرِه [أو بعدَه] (٢)، أو (٣) إلى الجِهَادِ أو إلى (٤) غيرِه؛ لأنَّه لا يَمْلِكُ المُطَالَبَةَ بالدَّيْنِ، فلم يَمْلِكْ مَنْعَهُ

стр. 3202

من السَّفَرِ، ولا المُطَالَبَةَ بِكَفِيلٍ، كالسَّفَر الآمِنِ القَصِيرِ. ولَنا، أنَّه سَفَرٌ يَمْنَعُ اسْتِيفَاءَ الدَّيْنِ فى مَحَلِّه، فمَلَكَ مَنْعَه منه، إن لم يُوَثِّقْهُ بِكَفِيلٍ، أو رَهْنٍ، كالسَّفَرِ بعد حُلُولِ الحَقِّ، ولأنَّه لا يَمْلِكُ تَأْخِيرَ الدَّيْنِ عن مَحَلِّه، وفى السَّفَرِ المُخْتَلَفِ فيه تَأْخِيرُهُ عن مَحَلِّه، فلم يَمْلِكْه، كجَحْدِه.

стр. 3203

كتابُ الحَجْرِ الحَجْرُ؛ فى اللُّغَةِ: المَنْعُ والتَّضْيِيقُ. ومنه سُمِّىَ الحَرَامُ حِجْرًا، قال تعالى: ﴿وَيَقُولُونَ حِجْرًا مَحْجُورًا﴾ (١). أى حَرَامًا مُحَرَّمًا، ويُسَمَّى العَقْلُ حِجْرًا، قال اللَّه تعالى: ﴿هَلْ فِي ذَلِكَ قَسَمٌ لِذِي حِجْرٍ﴾ (٢). أى عَقْلٍ، سُمِّىَ حِجْرًا؛ لأنَّه يَمْنَعُ صاحِبَه من ارْتِكابِ ما يَقْبُحُ، وتَضُرُّ عَاقِبَتُه، وهو فى الشَّرِيعَةِ: مَنْعُ الإِنسانِ من التَّصَرُّفِ فى مالِه. والحَجْرُ على ضَرْبَيْنِ، حَجْرٌ على الإِنسَانِ لِحَقٍّ لِنَفْسِه، وحَجْرٌ عليه لِحَقِّ غيرِه، [فالحَجْرُ عليه لِحَقِّ غيرِه] (٣)، كالحَجْرِ على المُفْلِسِ، لِحَقِّ غُرَمَائِه، وعلى المَرِيضِ فى التَّبَرُّعِ بِزِيَادِةٍ على الثُّلُثِ، أو التَّبرُّعِ بِشَىْءٍ لِوَارِثٍ لِحَقِّ وَرَثَتِه، وعلى المُكَاتَبِ والعَبْدِ لِحَقِّ سَيِّدِهِما، والرَّاهِنِ يُحْجَرُ عليه فى الرَّهْنِ لِحَقِّ المُرْتَهِنِ، ولِهَؤُلَاءِ أبْوَابٌ يُذْكَرُونَ فيها. وأمَّا المَحْجُورُ عليه لِحَقِّ نَفْسِه، فثَلاثَةٌ؛ الصَّبِىُّ، والمَجْنُونُ، والسَّفِيهُ، وهذا البابُ مُخْتَصٌّ بِهَؤُلَاءِ الثَّلَاثَةِ. والحَجْرُ عليهم [حَجْرٌ عامٌّ؛ لأنَّهم] (٤) يُمْنَعُونَ التَّصَرُّفَ فى أمْوَالِهم وذِمَمِهِم. والأَصْلُ فى الحَجْرِ عليهم قولُ اللهِ تعالى: ﴿وَلَا تُؤْتُوا السُّفَهَاءَ أَمْوَالَكُمُ الَّتِي جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ قِيَامًا﴾ (٥). والآيَةُ التى بعدَها. قال سَعِيدُ بنُ جُبَيْرٍ، وعِكْرِمَةُ: هو مالُ اليَتِيمِ عِنْدَكَ، لا تُؤْتِه إيَّاهُ، وأنفِقْ عليه. وإنَّما أضافَ الأمْوَالَ إلى الأَوْلِيَاءِ وهى لِغَيْرِهِم؛ لأنَّهم قُوَّامُها ومُدَبِّرُوها، وقولُه تعالى: ﴿وَابْتَلُوا

стр. 3204

الْيَتَامَى﴾. يعنى، اخْتَبِرُوهُم فى حفْظِهِم لأموالِهِم. ﴿حَتَّى إِذَا بَلَغُوا النِّكَاحَ﴾. أى مَبْلَغَ الرِّجالِ والنِّسَاءِ. ﴿فَإِنْ آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْدًا﴾. أى أَبْصَرْتُمْ وعَلِمْتُمْ منهم حِفْظًا لأمْوَالِهِمْ، وصَلاحًا (٦) فى تَدْبِيرِ مَعَايِشِهِم. ٨١٠ - مسألة؛ قال أبو القَاسِمِ، ﵀: (وَمَنْ أُونِسَ مِنْهُ رُشدٌ، دُفِعَ إلَيْهِ مَالُهُ، إذَا كَانَ قَدْ بَلَغَ) الكَلامُ فى هذه المَسْأَلَةِ فى فُصُولٍ ثَلاثةٍ: أحدُها ، فى وُجُوبِ دَفْعِ المالِ إلى المَحْجُورِ عليه إذا رَشَدَ وبَلَغَ، وليس فيه اخْتِلَافٌ بِحَمْدِ اللهِ تعالى. قال ابنُ المُنْذِرِ: اتَّفَقُوا على ذلك، وقد أمَرَ اللهُ تعالى به فى نَصِّ كِتَابِه، بقَوْلِه سُبْحَانَهُ: ﴿وَابْتَلُوا الْيَتَامَى حَتَّى إِذَا بَلَغُوا النِّكَاحَ فَإِنْ آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْدًا فَادْفَعُوا إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ﴾ (١). ولأنَّ الحَجْرَ عليه إنَّما كان لِعَجْزِه عن التَّصَرُّفِ فى مَالِه على وَجْهِ المَصْلَحَةِ، حِفْظًا لِمَالِه عليه، وبِهذَيْنِ المَعْنَيَيْنِ يَقْدِرُ على التَّصَرُّفِ، ويُحْفَظُ مَالُه، فيَزُولُ الحَجْرُ، لِزَوَالِ سَبَبِهِ. ولا يُعْتَبَرُ فى زَوَالِ الحَجْرِ عن المَجْنُونِ إذا عَقَلَ حُكْمُ حَاكِمٍ، بِغَيْرِ خِلَافٍ، ولا يُعْتَبَرُ ذلك فى الصَّبِىِّ إذا رَشَدَ وبَلَغَ. وبهذا قال الشَّافِعِىُّ. وقال مالِكٌ: لا يَزُولُ إلَّا بِحَاكِمٍ. وهو قولُ بعضِ أصْحَابِ الشَّافِعِىِّ؛ لأنَّه مَوْضِعُ اجْتِهَادٍ ونَظَرٍ، فإنَّه يَحْتَاجُ فى مَعْرِفَةِ البُلُوغِ والرُّشْدِ إلى اجْتِهَادٍ، فيُوقَفُ ذلك على حُكْمِ الحاكِمِ، كزَوَالِ الحَجْرِ عن السَّفِيهِ. ولَنا، أنَّ اللَّه تعالى أمَرَ بِدَفْعِ أمْوَالِهِمْ إليهم عِنْدَ البُلُوغِ وإينَاسِ الرُّشْدِ، فَاشْتِرَاطُ حُكْمِ الحَاكِمِ زِيَادَةٌ تَمْنَعُ الدَّفْعَ عند وُجُوبِ ذلك بدُونِ حُكْمِ الحَاكِمِ، وهذا خِلَافُ النَّصِّ، ولأنَّه حَجْرٌ بغير حُكْمِ حَاكِمٍ، فيَزُولُ بغير حُكْمِه، كالحَجْرِ على

стр. 3205

المَجْنُونِ، وبهذا فَارَقَ السَّفِيهَ. وقد ذَكَرَ أبو الخَطَّابِ أنَّ الحَجْرَ على السَّفِيهِ يَزُولُ بِزَوَالِ السَّفَهِ. والأوَّلُ أوْلَى. فصَارَ الحَجْرُ مُنْقَسِمًا إلى ثَلَاثَةِ أقْسامٍ، قِسْمٌ يَزُولُ بغيرِ حُكْمِ (٢) حَاكِمٍ، وهو حَجْرُ المَجْنُونِ، وقِسْمٌ لا يَزُولُ إلَّا بِحَاكِمٍ، وهو حَجْرُ السَّفِيهِ، وقِسْمٌ فيه الخِلَافُ، وهو حَجْرُ الصَّبِىِّ. الفصل الثانى ، أنَّه لا يُدْفَعُ إليه مَالُه قَبْلَ وُجُودِ الأمْرَيْنِ، البُلُوغِ والرُّشْدِ ولو صَارَ شَيْخًا. وهذا قولُ أكْثَرِ أهْلِ العِلْمِ. قال ابنُ المُنْذِرِ: أكْثَرُ عُلمَاءِ الأمْصارِ من أهْلِ الحِجَازِ، والعِرَاقِ، والشَّامِ، ومِصْرَ، يَرَوْنَ الحَجْرَ على كل مُضَيِّعٍ لِمَالِه، صَغِيرًا كان أو كَبِيرًا. وهذا قولُ القَاسِمِ بن مُحَمَّدِ بن أبى بَكْرٍ الصِّدِّيقِ. وبه قال مالِكٌ، والشَّافِعِىُّ، وأبو يوسفَ، ومحمدٌ. ورَوَى الجُوزَجَانِىُّ، فى "كِتَابِه"، قال: كان القاسمُ بنُ محمدٍ يَلِى أمْرَ شَيْخٍ من قُرَيْشٍ ذِى أَهْلٍ ومَالٍ، فلا يَجُوزُ له أمْرٌ فى مَالِه دُونَه؛ لِضَعْفِ عَقْلِه. قال ابنُ إسحاقَ: رَأيْتُه شَيْخًا يَخْضِبُ، وقد جاءَ إلى القاسمِ بن محمدٍ، فقال: يا أبا محمدٍ، ادْفَعْ إلَىَّ مَالِى، فإنَّه لا يُوَلَّى على مِثْلِى. فقال: إنَّكَ فَاسِدٌ. فقال: امْرَأَتُه طَالِقٌ أَلْبَتَّةَ، وكُلُّ مَمْلُوكٍ له (٣) حُرٌّ، إنْ لم تَدْفَعْ إلَىَّ مَالِى. فقال له القاسمُ بنُ محمدٍ: وما يَحِلُّ لنا أن نَدْفَعَ إليك مَالَكَ على حَالِكَ هذه. فبَعَثَ إلى امْرَأَتِه، وقال: هى حُرَّةٌ مُسْلِمَةٌ، وما كنتُ لأَحْبِسَها عليك وقد فُهْتَ بِطَلاقِهَا. فأَرْسَلَ إليها فأخْبَرَها ذلك، وقال: أمَّا رَقِيقُكَ فلا عِتْقَ لك، ولا كَرَامَةَ. فحَبَسَ رَقِيقَه. قال ابنُ إسحاقَ: ما كان يُعَابُ على الرَّجُلِ إلَّا سَفَهُه. وقال أبو حنيفةَ: لا يُدْفَعُ مَالُه إليه قَبْلَ خَمْسٍ وعِشْرِينَ سَنَةً، وإن تَصَرَّفَ نَفَذَ تَصَرُّفُه، فإذا بَلَغَ خَمْسًا وعِشْرِينَ سَنَةً، فُكَّ عنه الحَجْرُ. ودُفِعَ إليه مَالُهُ؛ لِقَولِ اللهِ تعالى: ﴿وَلَا تَقْرَبُوا مَالَ الْيَتِيمِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ حَتَّى يَبْلُغَ

стр. 3206

أَشُدَّهُ﴾ (٤). وهذا قد بَلَغَ أشُدَّهُ، ويَصْلُحُ أن يكونَ جَدًّا، ولأنَّه حُرٌّ بَالِغٌ عَاقِلٌ مُكَلَّفٌ، فلا يُحْجَرُ عليه، كالرَّشِيدِ. ولَنا، قولُ اللهِ تعالى: ﴿وَابْتَلُوا الْيَتَامَى حَتَّى إِذَا بَلَغُوا النِّكَاحَ فَإِنْ آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْدًا فَادْفَعُوا إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ﴾. عَلَّقَ الدَّفْعَ على شَرْطَيْنِ، والحُكْمُ المُعَلَّقُ على شَرْطَيْنِ لا يَثْبُتُ بدونِهِما، وقال اللَّه تعالى: ﴿وَلَا تُؤْتُوا السُّفَهَاءَ أَمْوَالَكُمُ﴾ (٥). يعنى أمْوَالَهُمْ، وقولُ اللَّه تَعَالَى: ﴿فَإِنْ كَانَ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ سَفِيهًا أَوْ ضَعِيفًا أَوْ لَا يَسْتَطِيعُ أَنْ يُمِلَّ هُوَ فَلْيُمْلِلْ وَلِيُّهُ بِالْعَدْلِ﴾ (٦). فأَثْبَتَ الوِلَايَةَ على السَّفِيهِ، ولأنَّه مُبَذِّرٌ لِمَالِه، فلا يجوزُ دَفْعُه إليه، كمَنْ له دُونَ ذلك. وأمَّا الآيَةُ التى احْتَجَّ بها، فإنَّما تَدُلُّ بِدَلِيلِ خِطابِها، وهو لا يقولُ به، ثم هى مُخَصَّصَةٌ فيما قَبْلَ خَمْسٍ وعِشْرِينَ سَنَةً بالإِجْمَاعِ، لِعِلَّةِ السَّفَهِ، وهو مَوْجُودٌ بعد خَمْسٍ وعِشْرِينَ، فيَجِبُ أن تُخَصَّ به أيضًا، كما أنَّها لمَّا خُصِّصَتْ فى حَقِّ المَجْنُونِ لأَجْلِ جُنُونِه قبلَ خَمْسٍ وعِشْرِينَ، خُصَّتْ أيضًا بعد خَمْسٍ وعِشْرِينَ، وما ذَكَرْنَاهُ من المَنْطُوقِ أوْلَى ممَّا اسْتدَلَّ به من المَفْهُومِ المُخَصِّصِ، ومَا ذَكَرُوهُ من كَوْنِه جَدًّا لَيْسَ تَحْتَه مَعْنًى يَقْتَضِى الحُكْمَ، ولا له أصْلٌ يشْهَدُ له فى الشَّرْعِ، فهو إثْبَاتٌ لِلْحُكْمِ بالتَّحَكُّمِ. ثم هو مُتَصَوَّرٌ فى مَن له دُونَ هذه السِّنِّ، فإنَّ المَرْأَةَ تكونُ جَدَّةً لإحْدَى وعِشْرِينَ سَنَةً، وقِيَاسُهُم مُنْتَقِضٌ بمن له دونَ خَمْسٍ وعِشْرِينَ سَنَةً، وما أَوْجَبَ الحَجْرَ قَبْلَ خَمْسٍ وعِشْرِينَ يُوجِبُه بَعْدَها. إذا ثَبَتَ هذا فإنَّه لا يَصِحُّ تَصَرُّفُه، ولا إقْرَارُه. وقال أبو حنيفةَ: يَصِحُّ بَيْعُه وإقْرَارُه. وإنَّما لا يُسَلَّمُ إليه مَالُه؛ لأنَّ البَالِغَ عِنْدَه لا يُحْجَرُ عليه، وإنَّما مُنِعَ تَسْلِيمُ مَالِه إليه لِلآيَةِ. وقال أصْحَابُنَا فى إقْرَارِه: يَلْزَمُه بعد فَكِّ الحَجْرِ عنه، إذا كان بَالِغًا. ولَنا، أنه لا يُدْفَعُ إليه مَالُه لِعَدَمِ رُشْدِه، فلا يَصِحُّ تَصَرُّفُه وإقْرَارُهُ،

стр. 3207

كالصَّبِىِّ، والمَجْنُونِ، ولأنَّه إذا نَفَذَ تَصَرُّفُه وإقْرَارُه تَلِفَ مَالُه، ولم يُفِدْ مَنْعُه من مَالِه شَيْئًا، ولأنَّ تَصَرُّفَهُ لو كان نَافِذًا، لَسُلِّمَ إليه مَالُه، كالرَّشِيدِ، فإنه إنما يُمْنَعُ مَالَه حِفْظًا له، فإذا لم يُحْفَظْ (٧) بالمَنْعِ، وَجَبَ تَسْليمُه إليه بِحُكْمِ الأصْلِ. الفصلُ الثالثُ ، فى البُلُوغِ، ويَحْصُلُ فى حَقِّ الغُلَامِ والجَارِيَةِ بأحَدِ ثَلاثَةِ أشْياء، وفى حَقِّ الجَارِيَةِ بِشَيْئَيْنِ يَخْتَصَّانِ بها، أمَّا الثَّلَاثَةُ المُشْتَرَكَةُ بين الذَّكَرِ والأُنْثَى، فأَوَّلُها خُرُوجُ المَنِىِّ من قُبُلِه، وهو الماءُ الدَّافِقُ الذى يُخْلَقُ منه الوَلَدُ، فَكَيْفَما خَرجَ فى يَقَظَةٍ أو مَنَامٍ، بِجمَاعٍ، أو احْتِلَامٍ، أو غيرِ ذلك، حَصَلَ به البُلُوغُ. لا نَعْلَمُ فى ذلك اخْتِلافًا؛ لقَوْلِ اللهِ تعالى: ﴿وَإِذَا بَلَغَ الْأَطْفَالُ مِنْكُمُ الْحُلُمَ فَلْيَسْتَأْذِنُوا﴾ (٨). وقولِه: ﴿وَالَّذِينَ لَمْ يَبْلُغُوا الْحُلُمَ مِنْكُمْ﴾ (٩). وقَوْلِ النَّبِىِّ ﷺ : "رُفِعَ القَلَمُ عن ثَلَاثٍ؛ عَنِ الصَّبِىِّ حَتَّى يَحْتَلِمَ". وقَوْلِه ﵇ لِمُعاذٍ: "خُذْ مِنْ كُلِّ حَالِمٍ دِينَارًا". رَواهما أبو دَاوُدَ (١٠). وقال ابنُ المُنْذِرِ: وأجْمَعُوا على أنَّ الفَرَائِضَ والأحْكامَ تَجِبُ على المُحْتَلِمِ العاقِلِ، وعلى المَرأَةِ بِظُهُورِ الحَيْضِ منها. وأمَّا الإنْبَاتُ فهو أن يَنْبُتَ الشَّعْرُ الخَشِنُ حَوْلَ ذَكَرِ الرَّجُلِ، أو فَرْجِ المرْأَةِ، الَّذى اسْتَحَقَّ أخْذَه بالمُوسى، وأمَّا الزَّغَبُ الضَّعِيفُ، فلا اعْتِبَارَ به، فإنَّه يَثْبُتُ فى حَقِّ الصَّغِيرِ. وبهذا قال مَالِكٌ، والشَّافِعِىُّ فى قولٍ، وقال فى الآخَرِ: هو بُلُوغٌ فى حَقِّ المُشْرِكِينَ، وهل هو بُلُوغٌ فى حَقِّ المُسْلِمِينَ؟ فيه قَوْلَانِ. وقال أبو حنيفةَ: لا اعْتِبَارَ به؛ لأنَّه نَبَاتُ شَعْرٍ، فأشْبَه نَبَاتَ شَعْرِ سَائِرِ البَدَنِ. ولَنا، أنَّ النَّبِىَّ ﷺ لما حَكَّمَ سَعْدَ بنَ مُعَاذٍ فى بَنِى قُرَيْظَةَ، حَكَمَ بأنْ يُقْتَلَ مُقَاتِلَتُهُمْ، وتُسْبَى ذَرَارِيهمْ، وأمَرَ أن يُكْشَفَ عن مُؤْتَزَرِهِمْ، فمن أنْبَتَ، فهو من المُقَاتِلَةِ،

стр. 3208

ومن لم يُنْبِتْ، أَلْحَقُوهُ بالذُّرِّيَّةِ. وقال عَطِيَّةُ القُرَظِىُّ: عُرِضْتُ على رَسُولِ اللهِ ﷺ يَوْمَ قُرَيْظَةَ، فَشَكُّوا فِىَّ، فأمَرَ النَّبِىُّ ﷺ أن يُنْظَرَ إلَىَّ، هل أَنْبَتُّ بَعْدُ، فنَظَرُوا إلَىَّ، فلم يَجِدُونِى أَنْبَتُّ بَعْدُ، فألْحَقُونِى بالذُّرِّيَّةِ. مُتَعَلِّقٌ (١١) على مَعْنَاه (١٢). وكَتَبَ عمرُ، رَضِىَ اللَّه عنه، إلى عَامِلِه، أنْ لا تَأْخُذَ الجِزْيَةَ إلا من مَن جَرَتْ عليه المَوَاسِى. ورَوَى محمدُ بن يَحْيَى بن حَبَّانَ (١٣)، أنَّ غُلَامًا من الأنْصَارِ شَبَّبَ بِامْرَأَةٍ فى شِعْرِه، فَرُفِعَ إلى عمرَ، فلم يَجِدْهُ أنْبَتَ، فقال: لو أنْبَتَّ الشَّعْرَ لحَدَدْتُكَ. ولأنَّه خَارِجٌ يُلَازِمُه البُلُوغُ غَالِبًا، ويَسْتَوِى فيه الذَّكَرُ والأُنْثَى، فكان عَلَمًا على البُلُوغِ، كالاحْتِلامِ، ولأنَّ الخَارِجَ ضَرْبانِ، مُتَّصِلٌ، ومُنْفَصِلٌ، فلمَّا كان مِن المُنْفَصِلِ ما يَثْبُتُ به البُلُوغُ، كان كذلك المُتَّصِلُ. وما كان بُلُوغًا فى حَقِّ المُشْرِكِينَ، كان بُلُوغًا فى حَقِّ المُسْلِمِينَ، كالاحْتِلامِ، والسِّنِّ. وأمَّا السِّنُّ، فإنَّ البُلُوغَ به فى الغلَامِ والجَارِيَةِ بِخَمْسَ عَشَرَةَ سَنَةً. وبهذا قال الأوْزَاعِىُّ، والشَّافِعِىُّ، وأبو يوسفَ، ومحمدٌ. وقال دَاوُدُ: لا حَدَّ لِلْبُلُوغِ من السِّنِّ، لِقَوْلِه ﵇: "رُفِعَ القَلَمُ عن [ثلاثٍ، عَنِ] (١٤) الصَّبِىُّ حتى يَحْتَلِمَ". وإثْباتُ البُلُوغِ بِغَيْرِه يُخَالِفُ الخَبَرَ. وهذا قولُ مَالِكٍ، وقال أصْحابُه: سَبْعَ عَشرَةَ، أو ثَمَانِى عَشرَةَ. ورُوِىَ عن أبى حنيفةَ فى الغُلَامِ رِوايَتانِ. إحْداهما، سَبْعَ عَشرَةَ، والثانية، ثَمَانِ عَشرَةَ. والجَارِيَةُ سَبْعَ عَشرَةَ بِكُلِّ حالٍ؛ لأنَّ الحَدَّ لا يَثْبُتُ إلّا بِتَوْقِيفٍ، أو اتِّفَاقٍ، ولا تَوْقِيفَ فى [ما دُونَ] (١٥) هذا، ولا اتِّفَاقَ. ولَنا، أن ابنَ

стр. 3209

عمرَ، قال: عُرِضْتُ على رسولِ اللَّه ﷺ وأنا ابنُ أرْبَعَ عَشرَةَ سَنَةً، فلم يُجْزِنِى فى القِتَالِ، وعُرِضْتُ عليه وأنا ابنُ خَمْسَ عَشرَةَ، فأَجَازَنِى. مُتَّفَقٌ عليه (١٦). وفى لَفْظٍ: عُرِضْتُ عليه يَوْمَ أُحُدٍ وأنا ابنُ أَرْبَعَ عَشرَةَ فَرَدَّنِى، ولم يرَنِى بَلَغْتُ، وعُرِضْتُ عليه عَامَ الخَنْدَقِ وأنا ابنُ خَمْسَ عَشرَةَ، فأجَازَنِى. فأُخْبِرَ بهذا عمرُ بنُ عبدِ العزيزِ، فكَتَبَ إلى عُمَّالِه: أن لا تَفْرِضُوا إلَّا لِمَن بَلَغَ خَمْسَ عَشرَةَ. رَوَاهُ الشَّافِعِىُّ (١٧) فى "مُسْنَدِه"، ورَوَاهُ التِّرْمِذِىُّ (١٨)، وقال: حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ. ورُوِىَ عن أنَسٍ، أن النَّبِىَّ ﷺ ، قال: "إذا اسْتَكْمَلَ المَوْلُودُ خَمْسَ عَشَرَةَ سَنَةً كُتِبَ مَالَهُ وَمَا عَلَيْهِ، وأُخِذَتْ مِنْهُ الحُدُودُ" (١٩). ولأنَّ السِّنَّ مَعْنًى يَحْصُلُ به البُلوغُ، يَشْتَرِكُ فيه الغلامُ والجارِيَةُ، فَاسْتَوَيَا فيه، كالإنْزَالِ. وما ذَكَرَهُ أصْحابُ أبى حنيفةَ، ففيما رَوَيْنَاهُ جَوَابٌ عنه، وما احْتَجَّ به دَاوُدُ لا يَمْنَعُ إنْبَاتَ البُلُوغِ بِغَيْرِ الاحْتِلامِ إذا ثَبَتَ بالدَّلِيلِ، ولهذا كان إنْبَاتُ الشَّعْرِ عَلَمًا. وأمَّا الحَيْضُ فهو عَلَمٌ على البُلُوغِ، لا نَعْلَمُ فيه خِلَافًا، وقد قال النَّبِىُّ ﷺ : "لا يَقْبَلُ اللهُ صَلَاةَ حَائِضٍ إلا بِخِمَارٍ". رَوَاهُ التِّرْمِذِىُّ (٢٠)، وقال: حَدِيثٌ حَسَنٌ. وأمَّا الحَمْلُ فهو عَلَمٌ (٢١) على

стр. 3210

البُلُوغِ، لأنَّ اللهَ تعالى أَجْرَى العَادَةَ أنَّ الوَلَدَ لا يُخْلَقُ إلَّا من مَاءِ الرَّجُلِ ومَاءِ المَرْأَةِ. قال اللهُ تعالى: ﴿فَلْيَنْظُرِ الْإِنْسَانُ مِمَّ خُلِقَ (٥) خُلِقَ مِنْ مَاءٍ دَافِقٍ (٦) يَخْرُجُ مِنْ بَيْنِ الصُّلْبِ وَالتَّرَائِبِ﴾ (٢٢). وأخْبَرَ النَّبىُّ ﷺ بذلك فى الأحاديثِ، فمتى حَمَلَتْ، حُكِمَ بِبُلُوغِهَا فى الوَقْتِ الذى حَمَلَتْ فيه. فصل: وإذا وُجِدَ خُرُوجُ المَنِىِّ من ذَكَرِ الخُنْثَى المُشْكِلِ، فهو عَلَمٌ على بُلُوغِه، وكَوْنِه رَجُلًا، وإن خرَجَ من فَرْجِه، أو حَاضَ، فهو عَلَمٌ على بُلُوغِه، وكَوْنِهِ امْرَأةً. وقال القاضِى: ليس واحدٌ منهما عَلَمًا على البُلُوغِ، فإن اجْتَمَعَا، فقد بَلَغَ. وهذا مَذْهَبُ الشَّافِعِىُّ؛ لِجَوَازِ أن يكون الفَرْجُ الذى خَرَجَ منه ذلك خِلْقَةً زَائِدَةً. ولَنا، أنَّ خُرُوجَ البَوْلِ من أحَدِ الفَرْجَيْنِ دَلِيلٌ على كَوْنِه رَجُلًا أو امْرَأةً، فخُرُوجُ المَنِىِّ والحَيْضِ أوْلَى، وإذا ثَبَتَ كَوْنُه رَجُلًا خَرَجَ المَنِىُّ من ذَكَرِه، أو امْرَأَةً خَرَجَ الحَيْضُ من فَرْجِهَا، لَزِمَ وُجُودُ البُلُوغِ، ولأنَّ خُرُوجَ مَنِىِّ الرَّجُلِ من المَرْأةِ، والحَيْضِ من الرَّجُلِ، مُسْتَحِيلٌ، فكان دَلِيلًا على التَّعْيِينِ، فإذا ثَبَتَ التَّعْيِينُ لَزِمَ كَوْنُه دَلِيلًا على البُلُوغِ، كما لو تَعَيَّنَ قَبْلَ خُرُوجِه، ولأنَّه مَنِىٌّ خَارِجٌ من ذَكَرٍ، أو حَيْضٌ خَارِجٌ من فَرْجٍ، فكان عَلَمًا على البُلُوغ كالمَنِىِّ الخَارِجِ من الغُلَامِ، والحَيْضِ الخَارِجِ من الجَارِيَةِ، ولأنَّهم سَلَّمُوا أنَّ خُرُوجَهُما معًا دَلِيلٌ على البُلُوغِ، فخُرُوجُ أحَدِهِما مُنْفَرِدًا أوْلَى؛ لأنَّ خُرُوجَهُما معًا يَقْتَضِى تَعَارُضَهُما، وإسْقَاطَ دِلَالَتِهِما، إذْ لا يُتَصَوَّرُ أن يَجْتَمِعَ حَيْضٌ صَحِيحٌ ومَنِىٌّ رَجُلٍ، فيَلْزَمُ أن يكونَ أحَدُهما فَضْلَةً خَارِجَةً من غيرِ مَحَلِّها، وليس أحَدُهما بذلك أَوْلَى من الآخَرِ، فتَبْطُلُ دَلَالَتُهما، كالبَيِّنَتَيْن إذا تعارَضَتَا، وكالبَوْلِ إذا خَرَجَ من المَخْرَجَيْنِ جَمِيعًا، بِخِلَافِ ما إذا وُجِدَ أحَدُهُما مُنْفِردًا، فإنَّ اللهَ تَعَالَى أجْرَى العَادَةَ بأنَّ الحَيْضَ يَخْرُجُ من فَرْجِ المَرْأةِ عند بُلُوغِها، ومَنِىِّ الرَّجُلِ يَخْرُجُ من ذَكَرِه عند بُلُوغِه، فإذا وُجِدَ ذلك مِنْ غَيْرِ مُعارِضٍ، وَجَبَ

стр. 3211

أنْ يَثْبُتَ حُكْمُه، ويُقْضَى بِثُبُوتِ دَلَالَتِه، كالحُكْمِ بِكَوْنِه رَجُلًا، بِخُرُوجِ البَوْلِ من ذَكَرِه، وبِكَوْنِه امْرَأةً، بِخُرُوجِه من فَرْجِها، والحُكْمِ لِلْغُلَامِ بالبُلُوغِ بِخُرُوجِ المَنِيِّ من ذَكَرِه، ولِلْجَارِيَةِ بِخُرُوجِ الحَيْضِ من فَرْجِها، فعلى هذا إنْ خَرَجَا جَمِيعًا (٢٣) لم يَثْبُتْ كَوْنُه رَجُلًا ولا امْرَاةً؛ لأنَّ الدَّلِيلَيْنِ تَعَارَضَا، فأشْبَه ما لَوْ خَرَجَ البَوْلُ من الفَرْجَيْنِ. وهل يَثْبُتُ البُلُوغُ بذلك؟ فيه وَجْهانِ؛ أحَدُهما، يَثْبُتُ. وهو اخْتِيَارُ القَاضِى، ومَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ؛ لأنَّه إنْ كان رَجُلًا، فقد خَرَجَ المَنِيِّ من ذَكَرِه، وإن كان امْرَأَةً، فقد حَاضَتْ. والثانى، لا يَثبُتُ؛ لأنَّه يجوزُ أن لا يكونَ هذا حَيْضًا ولا مَنِيًّا، فلا يكونُ فيه دَلَالَةٌ، وقد دَلَّ تَعَارُضُهما على ذلك، فَانْتَفَتْ دَلالَتُهما على البُلُوغِ، كَانْتِفاءِ دَلالتِهِما على الذُّكُورِيَّة والأُنُوثِيَّةِ، واللهُ أعْلَمُ. ٨١١ - مسألة؛ قال: (وكذلك الجَارِيَةُ، وإنْ لَمْ تَنْكِحْ) يَعْنِى أنَّ الجَارِيَةَ إذا بَلَغَتْ، وأُونِسَ رُشْدُها بعد بلُوغِها، دُفِعَ إليها مالُها، وزَالَ (١) الحَجْرُ عنها، وإن لم تَتَزَوَّجْ. وبهذا قال عَطَاءٌ، والثَّوْرِىُّ، وأبو حنيفةَ، والشَّافِعِيُّ، وأبو ثَوْرٍ، وابنُ المُنْذِرِ. ونَقَلَ أبو طَالِبٍ، عن أحمدَ: لا يُدْفَعُ إلى الجَارِيَةِ مَالُها بعد بُلُوغِهَا، حتَّى تَتَزَوَّجَ وتَلِدَ، أو يَمْضِىَ عليها سَنَةٌ فى بَيْتِ الزَّوْجِ. رُوِىَ ذلك عن عمرَ، وبه قال شُرَيْحٌ، والشَّعْبِيُّ، وإسحاقُ؛ لِمَا رُوِىَ عن شُرَيْحٍ، أنَّه قال: عَهِدَ إلَيَّ عمرُ بن الخَطَّابِ، رَضِىَ اللَّه عنه، أنْ لا أُجِيزَ لِجَارِيَةٍ عَطِيَّةً حتَّى تَحُولَ فى بَيْتِ زَوْجِهَا حَوْلًا، أو تَلِدَ وَلَدًا. رَوَاهُ سَعِيدٌ فى "سُنَنِه"، ولا يُعْرَفُ له مُخَالِفٌ، فصَارَ إجْمَاعًا. وقال مالِكٌ: لا يُدْفَعُ إليها مَالُها حتَّى تَتَزَوَّجَ، ويَدْخُلَ عليها زَوْجُهَا؛ لأنَّ كُلَّ حَالَةٍ جَازَ لِلْأَبِ تَزوِيجُها من غير إذْنِها، لم يَنْفَكَّ

стр. 3212

عنها الحَجْرُ، كالصَّغِيرَةِ. ولَنا، عُمُومُ قولِه تعالى: ﴿وَابْتَلُوا الْيَتَامَى حَتَّى إِذَا بَلَغُوا النِّكَاحَ فَإِنْ آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْدًا فَادْفَعُوا إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ﴾ (٢). ولأنَّها يِتَيمٌ بَلَغَ وأُونِسَ منه الرُّشْدُ؛ فيُدْفَعُ إليه مَالُه كالرَّجُلِ، ولأنَّها بَالِغَةٌ رَشِيدَةٌ، فجَازَ لها التَّصَرُّفُ فى مَالِها، كالَّتى دَخَلَ بها الزَّوْجُ، وحَديثُ عمرَ إنْ صَحَّ، فلم يُعْلَمْ انْتِشَارُه فى الصَّحَابَةِ، ولا يُتْرَكُ به الكتَابُ والقِياسُ، على أنَّ حَدِيثَ عمرَ مُخْتَصٌّ بِمَنْعِ العَطِيَّةِ، فلا يَلْزَمُ منه المَنْعُ من تَسْلِيمِ مَالِهَا إليها، ومَنْعُها من سَائِرِ التَّصَرُّفَاتِ، ومَالِكٌ لم يَعْمَلْ به، وإنَّما اعْتَمَدَ على إجْبَارِ الأبِ لها على النِّكاحِ، ولنا أنْ نَمْنَعَ ذلك، وإنْ سَلَّمْنَاهُ، فإنَّما أَجْبَرَها على النِّكاحِ لأنَّ اخْتِيارَها لِلنِّكاحِ ومَصَالِحِه لا يُعْلَمُ إلَّا بِمُباشَرَتِه، والبَيْعُ والشِّرَاءُ والمُعامَلاتُ مُمْكِنَةٌ قَبْلَ النِّكاحِ، وعلى هذه الرِّوايَةِ، إذا لم تَتَزَوَّجْ أَصْلًا احْتَمَلَ أنْ يَدُومَ الحَجْرُ عليها، عَمَلًا بِعُمُومِ حَدِيثِ عمرَ، ولأنَّه لم يُوجَدْ شَرْطُ دَفْعِ مَالِهَا إليها، فلم يَجُزْ دَفْعُه إليها، كما لو لم تَرْشُدْ. وقال القاضِى: عِنْدِى أنَّه يُدْفَعُ إليها مَالُها إذا عَنَسَتْ وبَرَزَتْ لِلرِّجَالِ، يَعْنِى كَبِرَتْ. فصل: وظَاهِرُ كَلامِ الخِرَقِيِّ، أنَّ للمرْأةِ الرَّشِيدَةِ التَّصَرُّفَ فى مَالِها كُلُّه، بالتَّبَرُّعِ، والمُعاوَضَةِ. وهذا إحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ عن أحمدَ. وهو مذهبُ أبي حنيفةَ، والشَّافِعِيِّ، وابن المُنْذِر. وعن أحمدَ رِوَايَةٌ أُخْرَى، ليس لها أنْ تَتَصَرَّفَ فى مَالِها بِزِيَادَةٍ على الثُّلُثِ بغير عِوَضٍ، إلَّا بإِذْنِ زَوْجِهَا. وبه قال مَالِكٌ. وحُكِىَ عنه في امرأةٍ حَلَفَتْ أن تَعْتِقَ جَارِيَةً لَهَا (٣) ليس لها غَيْرُها، فَحنِثَتْ، ولها زَوْجٌ، فرَدَّ ذلك عليها زَوْجُها، قال: له أن يَرُدَّ عليها، وليس لها عِتْقٌ؛ لما رُوِىَ أنَّ امْرأةَ كَعْبِ بنِ مالِكٍ أَتَتِ النَّبِىَّ ﷺ بِحُلِىٍّ لها، فقال لها النَّبِيُّ ﷺ : "لا يَجُوزُ لِلْمَرْأَةِ عَطِيَّةٌ حتَّى يَأْذَنَ زَوْجُها، فهل اسْتَأْذَنْتِ كَعْبًا؟ ". فقالت: نعم. فبَعَثَ رسولُ اللَّه

стр. 3213

- ﷺ إلى كَعْبٍ، فقال: "هَلْ أَذِنْتَ لها أن تَتَصَدَّقَ بِحُلِيِّهَا؟ ". قال: نعم. فقَبِلَهُ رسولُ اللَّه ﷺ . رَوَاهُ ابنُ مَاجَه (٤). رَوَى أيضًا (٤) عن عَمْرِو بنِ شُعَيْبٍ، عن أبِيهِ، عن جَدِّه، أنَّ رَسُولَ اللَّه ﷺ ، قال فى خُطْبَةٍ خَطَبَها: "لا يَجُوزُ لِامْرَأَةٍ عَطِيَّةٌ [مِنْ مَالِها] (٥) إلَّا بِإِذْنِ زَوْجِهَا؛ [إذ هُوَ مَالِكُ عِصْمَتِها". رواه أبو داودَ (٦) بلَفْظِه، عن عبد اللَّه بن عَمرٍو، أنَّ رسول اللَّه ﷺ ، قال: "لا يَجُوزُ لامْرَأَةٍ عَطِيِّةٌ إلَّا بِإِذْنِ زَوْجِها] (٥). ولأنَّ حَقَّ الزَّوْجِ مُتَعَلِّقٌ بِمَالِها، فإنَّ النَّبِيَّ ﷺ ، قال: "تُنْكَحُ المَرأةُ لِمَالِها وجَمَالِها وَدِينِها" (٧). والعادَةُ أنَّ الزَّوْجَ يَزِيدُ فى مَهْرِها من أجْلِ مالِها، ويَتَبَسَّطُ فيه، ويَنْتَفِعُ به، فإذا أَعْسَرَ بالنَّفَقَةِ أَنْظَرَتْهُ، فجَرَى ذلك مَجْرَى حُقُوقِ الوَرَثَةِ المُتَعَلِّقَةِ بِمَالِ المَرِيضِ. ولَنا، قولُه تعالى: ﴿فَإِنْ آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْدًا فَادْفَعُوا إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ﴾ (٨). وهو ظَاهِرٌ فى فَكِّ الحَجْرِ عنهم، وإطْلَاقِهم فى التَّصَرُّفِ، وقد ثَبَتَ أنَّ النَّبِيَّ ﷺ ، قال: "يَا مَعْشَرَ النِّسَاءِ تَصَدَّقْنَ، ولَوْ مِنْ حُلِيِّكُنَّ". وأَنَّهُنَّ تَصَدَّقْنَ فقَبِلَ صَدَقَتَهُنَّ ولم يَسْأَلْ ولم يَسْتَفْصِلْ. وأَتَتْهُ زَيْنَبُ امْرَأَةُ عبدِ اللَّه، وامْرَأَةٌ أُخْرَى اسْمُها زَيْنَبُ، فسَأَلَتْهُ عن الصَّدَقَةِ، هل يَجْزِيهِنَّ

стр. 3214

أن يَتَصَدَّقْنَ على أَزْوَاجِهِنَّ، وأَيْتَامٍ لَهُنَّ؟ فقال: "نَعَمْ" (٩). ولم يَذْكُرْ لهن هذا الشَّرْطَ، ولأنَّ من وَجَبَ دَفْعُ مَالِه إليه لِرُشْدٍ، جَازَ له التَّصَرُّفَ فيه من غير إذْنٍ، كالغُلام، ولأنَّ المرأةَ من أهْلِ التَّصَرُّفِ، ولا حَقَّ لِزَوْجِها فى مَالِها، فلم يَمْلِك الحَجْرَ عليها فى التَّصَرُّفِ بِجَمِيعِه، كأُخْتِها. وحَدِيثُهُم ضَعِيفٌ، وشُعَيْبٌ لم يُدْرِكْ عبدَ اللَّه بنَ عَمْرٍو، فهو مُرْسَلٌ. وعلى أنَّه مَحْمُولٌ على أنَّه لا يجوزُ عَطِيَّتُها لِمالِه بغيرِ إذْنِه، بِدَلِيلِ أَنَّه يَجُوزُ عَطِيَّتها ما دُونَ الثُّلُثِ من مَالِها، وليس معهم حَدِيثٌ يَدُلُّ على تَحْدِيدِ المَنْعِ بالثُّلُثِ، فالتَّحْدِيدُ بذلك تَحَكُّمٌ ليس فيه تَوْقِيفٌ، ولا عليه دَلِيلٌ. وقِياسُهم على المريضِ غيرُ صَحِيحٍ، لِوُجُوهٍ؛ أحَدِها، أنَّ المَرَضَ سَبَبٌ يُفْضِى إلى وُصُولِ المالِ إليهم بالمِيرَاثِ، والزَّوْجِيَّةُ إنَّما تَجْعَلُهُ من أهْلِ المِيرَاثِ، فهى أحَدُ وَصْفَىِ العِلَّةِ، فلا يَثْبُتُ الحُكْمُ بمُجَرَّدِها، كما لا يَثْبُتُ للمرأةِ الحَجْرُ على زَوْجِها، ولا لِسائِرِ الوُرَّاثِ بدونِ المَرَضِ. الثاني، أنَّ تَبَرُّعَ المَرِيضِ مَوْقُوفٌ، فإن بَرِىءَ من مَرَضِهِ، صَحَّ تَبَرُّعُهُ، وهاهُنا أَبْطَلُوه على كُلِّ حالٍ، والفَرْعُ لا يَزِيدُ على أصْلِه. الثالث، أنَّ ما ذَكَرُوه مُنْتَقِضٌ بالمرأةِ، فإنَّها تَنْتَفِعُ بمالِ زَوْجِها وتَتَبَسَّطُ فيه عادَةً، ولها النَّفَقَةُ منه، وانْتِفاعُها بمَالِه أكْثَرُ من انْتِفَاعِه بمَالِها، وليس لها الحَجْرُ عليه، وعلى أنَّ هذا المَعْنَى ليس بمَوْجُودٍ فى الأصْلِ، ومن شَرْطِ صِحَّةِ القِيَاسِ وُجُودُ المَعْنَى المُثْبِتِ لِلْحُكْمِ فى الأصْلِ والفَرْعِ جَمِيعًا.

стр. 3215

فصل: وهل يجوزُ للمرأةِ الصَّدَقَةُ من مَالِ زَوْجِها بالشىءِ اليَسِيرِ، بغير إِذْنِه؟ على رِوَايَتَيْنِ؛ إحْداهما، الجَوَازُ؛ لأنَّ عَائِشَةَ قالت: قال رسول اللَّه ﷺ : "مَا أَنْفَقَتِ الْمرأةُ مِنْ بَيْتِ زَوْجِها، غَيْرَ مُفْسِدَةٍ، كَانَ لَهَا أَجْرُها، وَلَهُ مِثْلُه بِمَا كَسَبَ، وَلَهَا بِمَا أَنْفَقَتْ، ولِلْخَازِنِ مِثْلُ ذلِكَ، مِنْ غَيْرِ أن يُنْتَقَصَ مِنْ أُجُورِهِمْ شَىْءٌ". ولَم يَذْكُرْ إِذْنًا. وعن أسماءَ، أنَّها جَاءَتِ النَّبِيَّ ﷺ ، فقالت: يا رسولَ اللهِ ليس لِى شىءٌ إلَّا ما أدْخَلَ عَلَيَّ الزُّبَيْرُ، فهل عَلَيَّ جُنَاحٌ أن أرْضَخَ (١٠) مِمَّا يُدْخِلُ عَلَيَّ؟ فقال: "ارْضَخِى ما اسْتَطَعْتِ، ولا تُوعِى (١١)، فَيُوعَى (١٢) عَلَيْكِ". مُتَّفَقٌ عليهما (١٣). ورُوِىَ أن امرأةً أَتَتِ النَّبِيَّ ﷺ ، فقالتْ: يا رسول اللهِ إنَّا كَلٌّ على أزْوَاجِنا وآبائِنا، فما يَحِلُّ لنا من أَمْوَالِهِمْ؟ قال: "الرَّطْبُ (١٤) تَأْكُلِينَه،

стр. 3216

وتُهْدِينَهُ" (١٥). ولأنَّ العَادَةَ السَّمَاحُ بذلك، وطِيبُ النَّفْسِ، فجَرَى مَجْرَى صَرِيحِ الإذْنِ، كما أنَّ تَقْدِيمَ الطَّعَامِ بين يَدَىِ الأَكَلَةِ قَامَ مَقامَ صَرِيحِ الإذْنِ فى أَكْلِهِ. والرِّواية الثانية، لا يجوزُ؛ لما رَوَى أبو أُمَامَةَ البَاهِلِيُّ، قال: سَمِعْتُ رسول اللَّه ﷺ ، يقولُ: "لَا تُنْفِقُ الْمَرْأةُ شَيْئًا من بَيْتِها إلَّا بإذْنِ زَوْجِها". قيل: يا رسول اللَّه ولا الطَّعَامَ؟ . قال: "ذاكَ أفْضَلُ أموَالِنا". رَوَاهُ سَعِيدٌ فى "سُنَنِه" (١٦). وقال النَّبِيُّ ﷺ : "لَا يَحِلُّ مَالُ امْرِئٍ مُسْلِمٍ إلَّا عَنْ طِيبِ نَفْسٍ مِنْهُ" (١٧). وقال: "إنَّ اللَّه حَرَّمَ بَيْنَكُمْ دِمَاءَكُمْ وأمْوَالَكُمْ كحُرْمَةِ يَوْمِكُمْ هذَا، فِى شَهْرِكُمْ هذَا، فِى بَلَدِكُمْ هذا" (١٨). ولأنَّه تَبَرَّعَ بمَالِ غيرِه بغيرِ إذْنِه، فلم يَجُزْ، كغيرِ الزَّوْجَةِ. والأَوَّلُ أصَحُّ؛ لأنَّ الأحادِيثَ فيها خَاصَّةٌ صَحِيحَةٌ، والخاصُّ يُقَدَّمُ على العَامِّ ويُبَيِّنُه، ويُعَرِّفُ أنَّ المُرادَ بالعَامِّ غيرُ هذه الصُّورَةِ المَخْصُوصَةِ، والحَدِيثُ الخاصُّ لهذه الرِّوَايَةِ ضَعِيفٌ، ولا يَصِحُّ قِيَاسُ المرأةِ على غيرِها؛ لأنَّها بِحُكْمِ العادَةِ تَتَصَرَّفُ فى مالِ زَوْجِهَا، وتَتَبَسَّطُ فيه، وتَتَصَدَّقُ منه، لِحُضُورِها وغَيْبَتِه، والإِذْنُ العُرْفِيُّ يَقُومُ مَقامَ الإِذْنِ الحَقِيقِيِّ، فصارَ كأنَّه قال لها: افْعَلِى هذا. فإنْ مَنَعَها ذلك، وقال: لا تَتَصَدَّقِى بشَىْءٍ، ولا تَتَبَرَّعِى من مَالِى بِقَلِيلٍ، ولا كَثِيرٍ. لم يَجُزْ لها ذلك؛ لأنَّ المَنْعَ الصَّرِيحَ نَفْىٌ للإِذْنِ العُرْفِيِّ. ولو كان فى بَيْتِ الرَّجُلِ من يَقُومُ مَقَامَ امْرَأَتِه كجارِيَتِه، أو أُخْتِه. أو غُلَامِهِ المُتصَرِّفِ فى بَيْتِ سَيِّدِه وطَعَامِه، جَرَى

стр. 3217

مَجْرَى الزَّوْجَةِ فيما ذَكَرْنا؛ لِوُجُودِ المَعْنَى فيه. ولو كانت امْرَأَتُه مَمْنُوعَةً من التَّصَرُّفِ فى بَيْتِ زَوْجِها، كالَّتى يُطْعِمُها بالفَرْضِ، ولا يُمَكِّنُها من طَعَامِه، ولا من التَّصَرُّفِ فى شَىْءٍ من مَالِه، لم يَجُزْ لها الصَّدَقَةُ بشىءٍ من مَالِه؛ لِعَدَمِ المَعنَى فيها، واللهُ أعلمُ. ٨١٢ - مسألة؛ قال: (والرُّشْدُ الصَّلَاحُ فى المَالِ) هذا قولُ أَكْثَرِ أهْلِ العِلْمِ، منهم؛ مَالِكٌ، وأبو حنيفةَ. وقال الحسنُ والشَّافِعِيُّ، وابنُ المُنْذِرِ: الرُّشْدُ صَلَاحُه فى دِينِه ومَالِه؛ لأنَّ الفَاسِقَ غيرُ رَشِيدٍ، ولأنَّ إفْسَادَهُ لدِينِه يَمْنَعُ الثِّقَةَ به فى حِفْظِ مَالِه، كما يَمْنَعُ قَبُولَ قَوْلِه، وثُبُوتَ الوِلَايَةِ على غيرِه، وإنْ لم يُعْرَفْ منه كَذِبٌ ولا تَبْذِيرٌ. ولَنا، قَوْلُ اللهِ تعالى: ﴿فَإِنْ آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْدًا فَادْفَعُوا إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ﴾ (١). قال ابنُ عَبَّاسٍ: يَعْنِى صَلَاحًا فى أموالِهِمْ. وقال مُجاهِدٌ: إذا كان عَاقِلًا. ولأنَّ هذا إثْباتٌ فى نَكِرَةٍ، ومَن كان مُصْلِحًا لِمالِه، فقد وُجِدَ منه رُشْدٌ، ولأنَّ العَدَالَةَ لا تُعْتَبَرُ فى الرُّشْدِ فى الدَّوَامِ، فلا تُعْتَبَرُ فى الابْتِدَاءِ، كالزُّهْدِ فى الدُّنْيا، ولأنَّ هذا مُصْلِحٌ لِمالِه، فأشْبَه العَدْلَ، يُحَقِّقُه أنَّ الحَجْرَ عليه إنَّما كان لِحِفْظِ مَالِه عليه، فالمُؤَثِّر فيه ما أثَّرَ فى تَضْيِيعِ المالِ، أو حِفْظِه. وقَوْلُهُم: إنَّ الفَاسِقَ غيرُ رَشِيدٍ. قُلْنا: هو غيرُ رَشِيدٍ فى دِينِه، أمَّا فى مَالِه وحِفْظِه فهو رَشِيدٌ، ثمَّ هو مُنْتَقِضٌ بالكَافِرِ، فإنَّه غيرُ رَشِيدٍ ولا (٢) يُحْجَرُ عليه [لِذلك، وكذلك لو طَرَأ الفِسْقُ على المُسْلِم بعدَ دَفْع مَالِه إليه، لم يَزُلْ رُشْدُه، ولم يُحْجَرْ عليه] (٣) من أجْلِه، ولو كانتِ العَدالَةُ شَرْطًا فى الرُّشْدِ، لَزَالَ بِزَوَالِها، كحِفْظِ المالِ، ولا يَلْزَمُ من مَنْعِ قَبُولِ القَوْلِ مَنْعُ دَفْعِ مَالِه إليه، فإنَّ من يُعْرَفُ بِكَثْرَةِ الغَلَطِ والغَفْلَةِ والنِّسْيَانِ، أو من يَأْكُلُ فى السُّوقِ، ويَمُدُّ رِجْلَيْهِ فى مَجَامِع

стр. 3218

الناسِ، وأشْبَاهِهِمْ. لا تُقْبَلُ شَهَادَتُهُم، وتُدْفَعُ إليهم أمْوَالُهم. إذا ثَبَتَ هذا، فإِنَّ الفاسِقَ إن كان يُنْفِقُ مَالَهُ فى المَعاصِى، كشِرَاءِ الخَمْرِ، وآلاتِ اللَّهْوِ، أو يَتَوَصَّلُ به إلى الفَسادِ، فهو غيرُ رَشِيدٍ؛ لِتَبْذِيرِه لِمَالِه، وتَضْيِيعِه إيَّاهُ فى غير فائِدَةٍ. وإن كان فِسْقُه لغير ذلك، كالكَذِبِ، ومَنْعِ الزَّكاةِ، وإضاعَةِ الصَّلاةِ، مع حِفْظِه لِمَالِه، دُفِعَ مَالُه إليه، لأنَّ المَقْصُودَ بالحَجْرِ حِفْظُ المالِ، ومَالُه مَحْفُوظٌ بدُونِ الحَجْرِ، ولذلك لو طَرَأَ الفِسْقُ بعد دَفْعِ مَالِه إليه، لم يُنْزَعْ مِنْهُ (٤). فصل: وإنَّما يُعْرَفُ رُشْدُه باخْتِبَارهِ؛ لقولِ اللهِ تعالى: ﴿وَابْتَلُوا الْيَتَامَى حَتَّى إِذَا بَلَغُوا النِّكَاحَ﴾ (٥). يعنى اخْتَبِرُوهم. كقولِه تعالى: ﴿لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا﴾ (٦) أى يَخْتَبِرَكم. واخْتِبارُه بِتَفْويِضِ التَّصَرُّفاتِ التى يَتَصَرَّفُ فيها أمْثَالُه إليه (٧)؛ فإنْ كان من أوْلادِ التُّجَّارِ فُوِّضَ إليه البَيْعُ، والشِّرَاءُ، فإذا تَكَرَّرَتْ منه، فلم يُغْبَنْ، ولم يُضَيِّعْ ما فى يَدَيْهِ، فهو رَشِيدٌ. وإن كان من أوْلادِ الدَّهاقِينِ، والكُبَرَاءِ الَّذين يُصَانُ أمْثالُهُم عنِ الأسْوَاقِ، رُفِعَتْ إليه نَفَقَةُ مُدَّةٍ، لِيُنْفِقَها فى مَصَالِحِه، فإن كان قَيِّمًا بذلك، يَصْرِفُها ومَوَاقِعِهَا، ويَسْتَوْفِى على وَكِيلِه، ويَسْتَقْصِى عليه، فهو رَشِيدٌ. والمرأةُ يُفَوَّضُ إليها ما يُفَوَّضُ إلى رَبَّةِ البَيْتِ، من اسْتَئْجَارِ الغَزالَاتِ، وتَوكِيلها فى شِرَاءِ الكَتَّانِ، وأشْبَاهِ ذلك. فإنْ وُجِدَتْ ضَابِطَةً لما فى يَدَيْها، مُسْتَوْفِيَةً من وَكِيلِها، فهى رَشِيدَةٌ. ووَقْتُ الاخْتِبَارِ قبلَ البُلُوغِ، فى إحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ، وهو أحَدُ الوَجْهَيْنِ لأصْحابِ الشَّافِعِيِّ، لأنَّ اللَّه تَعالى قال: ﴿وَابْتَلُوا الْيَتَامَى حَتَّى إِذَا بَلَغُوا النِّكَاحَ فَإِنْ آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْدًا فَادْفَعُوا إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ﴾. فظَاهِرُ الآيَةِ أنَّ ابْتِلاءَهم قبلَ البُلُوغِ، لِوَجْهَيْنِ، أحَدِهما، أنَّه سَمَّاهُمْ يَتَامَى، وإنَّما

стр. 3219

يَكُونُونَ يَتَامَى قبل البُلُوغِ. والثانى، أَنَّه مَدَّ اخْتِبَارَهم إلى البُلُوغِ بِلَفظَةِ: ﴿حَتَّى﴾، فدَلَّ (٨) على أن الاخْتِبَارَ قَبْلَه، ولأنَّ تَأخِيرَ الاخْتِبَارِ إلى البُلُوغِ مُؤَدٍّ إلى الحَجْرِ على البالِغ الرَّشِيدِ؛ لأنَّ الحَجْرَ يَمْتَدُّ إلى أن يُخْتَبَرَ ويُعْلَمَ رُشْدُه، واخْتِبَارُه قَبْل البُلُوغِ يَمْنَعُ ذلك، فكان أَولَى. لكن لا يُختَبَرُ إلَّا المُرَاهِقُ المُمَيِّزُ، الَّذى يَعْرِفُ اليَيْعَ والشِّرَاءَ. والمَصْلَحَةَ من المَفْسَدَةِ. ومتى أَذِنَ له وَلِيُّه فتَصَرَّفَ، من تَصَرُّفُه، علي ما ذَكَرْنا فيما مَضَى. وقد أوْمَأ أحمدُ فى مَوْضِعٍ إلى اخْتِبَارِه بعد البُلُوغِ؛ لأنَّ تَصَرُّفَه قَبْلَ ذلك تَصَرُّفٌ مِمَّنْ لم يُوجَدْ فيه مَظِنَّةُ العَقْلِ. وقد اخْتَلَفَ أصْحَابُ الشَّافِعِيِّ فى وَقْتِ الاخْتِبَارِ على نَحْوِ ما ذَكَرنا فيما مَضَى من الرِّوَايَتَيْنِ. ٨١٣ - مسألة؛ قال: (فَإنْ عَاوَدَ السَّفَهَ، حُجِرَ عَلَيْهِ) وجُمْلَتُه، أنَّ المَحْجُورَ عليه إذا فُكَّ عنه الحَجْرُ لِرُشْدِه وبُلُوغِه، ودُفِعَ إليه مَالُه، ثمَّ عَادَ إلى السَّفَهِ، أُعِيدَ عليه الحَجْرُ. وبهذا قال القاسِمُ بن محمدٍ، ومالِكٌ، والشَّافِعِيُّ، والأوْزَاعِيُّ، وإسحاقُ، [وأبو ثَوْرٍ] (١)، وأبو عُبَيْدٍ، وأبو يوسفَ، ومحمدٌ. وقال أبو حنيفةَ: لا يُبْتَدَأُ الحَجْرُ على بَالِغٍ عَاقِلٍ، وتَصَرُّفُه نَافِذٌ. ورُوِىَ ذلك عن ابنِ سِيرِينَ، والنَّخَعيِّ؛ لأنَّه حُرٌّ مُكَلَّفٌ، فلا يُحْجَرُ عليه كالرَّشِيدِ. ولَنا، إجْمَاعُ الصَّحابةِ، ورَوَى عُرْوَةُ بنُ الزُّبَيْرِ، أنَّ عبدَ اللَّه بنَ جَعْفَرٍ ابْتَاعَ بَيْعًا، فقال عَلِيٌّ رَضِىَ اللَّه عنه: لآتِيَنَّ عثمانَ لِيَحْجُرَ عليكَ. فأتَى عبدُ اللَّه بنُ جَعْفَرٍ الزُّبَيْرَ، فقال: قد ابْتَعْتُ يَيْعًا، وإنَّ عَلِيًّا يُرِيدُ أن يَأْتِىَ أمِيرَ المُؤْمِنِينَ عثمانَ، فيَسْأَلَه الحَجْرَ عَلَيَّ. فقال الزُّبَيْرُ: أنا شَرِيكُكَ فى البَيْعِ. فأتَى عَلِيٌّ عثمانَ، فقال: إنَّ ابنَ جَعْفَرٍ قد ابْتَاعَ بَيْعَ كذا، فَاحْجُرْ عليه. فقال الزُّبَيْرُ: أنا شَرِيكُه فى البَيْعِ. فقال عثمانُ: كيف أحْجُرُ على رَجُلٍ شَرِيكُه الزُّبَيْرُ؟ . قال أحمدُ: لم أسْمَعْ هذا إلَّا من

стр. 3220

أبي يوسفَ القاضِى. وهذه قِصَّةٌ يَشْتَهِرُ مِثْلُها، ولم يُخَالِفْها أحَدٌ فى عَصْرِهِم، فتكونُ إجْمَاعًا. ولأنَّ هذا سَفِيهٌ، فيُحْجَرُ عليه، كما لو بَلَغَ سَفِيهًا؛ فإنَّ العِلَّةَ التى اقْتَضَتِ الحَجْرَ عليه إذا بَلَغَ سَفِيهًا سَفَهُهُ، وهو مَوْجُودٌ، ولأنَّ السَّفَهَ لو قَارَنَ البُلُوغَ مَنَعَ دَفْعَ مَالِه إليه، فإذا حَدَثَ، أوْجَبَ انْتِزَاعَ المالِ كالجُنُونِ. وفَارَقَ الرَّشِيدَ؛ فإنَّ رُشْدَهُ لو قَارَنَ البُلُوغَ لم يَمْنَعْ دَفْعَ مَالِه إليه. فصل: ولا يَحْجُرُ عليه إلَّا الحَاكِمُ، وبهذا قال الشَّافِعيُّ. وقال محمدٌ: يَصِيرُ مَحْجُورًا عليه بمُجَرَّدِ تَبْذِيرِه؛ لأنَّ ذلك سَبَبُ الحَجْرِ، فأشْبَه الجُنُونَ (٢). ولَنا: أن التَّبْذِيرَ يَخْتَلِفُ، ويُخْتَلَفُ فيه، ويَحْتَاجُ إلى الاجْتِهَادِ، فإذا افْتَقَرَ السَّبَبُ إلى الاجْتِهَادِ، لم يَثْبُتْ إلَّا بِحُكْمِ الحَاكِمِ، [كابْتِدَاءِ مُدَّةِ العُنَّةِ (٣)، ولأنه حَجْرٌ مُخْتَلَفٌ فيه، فلم يَثْبُتْ إلَّا بُحْكْمِ الحَاكِمِ] (٤)، كالحَجْرِ على المُفْلِسِ، وفَارَقَ الجُنُونَ؛ فإنَّه لا يَفْتَقِرُ إلى الاجْتِهَادِ، ولا خِلَافَ فيه، ومتى حُجِرَ عليه، ثمَّ عَادَ فرَشَدَ، فُكَّ الحَجْرُ عنه. ولا يَزُولُ إلَّا بِحُكْمِ الحاكِمِ. وبه قال الشَّافِعيُّ. وقال أبو الخَطَّابِ: يَزُولُ السَّفَهُ؛ لأنَّه سَبَبُ الحَجْرِ، فيَزُولُ بِزَوَالِه، كما فى حَقِّ الصَّبِىِّ والمَجْنُونِ. ولَنا، أنَّه حَجْرٌ ثَبَتَ بحُكْمِ الحَاكِمِ، فلا يَزُولُ إلَّا به، كحَجْرِ المُفْلِسِ، ولأنَّ الرُّشْدَ يَحْتَاجُ إلى تَأَمُّلٍ واجْتِهَادٍ فى مَعْرِفَتِه، وزَوَالِ تَبْذِيرِه، فكان كابْتِدَاءِ الحَجْرِ عليه. وفَارَقَ الصَّبِيَّ والمَجْنُونَ؛ فإنَّ الحَجْرَ عليهما بغيرِ حُكْمِ حَاكِمٍ، فَيزُولُ بغير حُكْمِه. ولأنَّنا لو وَقَفْنَا تَصَرُّفَ النَّاسِ على الحاكِمِ، كان أكْثَرُ النَّاسِ مَحْجُورًا عليه. قال أحمدُ: والشَّيْخُ الكَبِيرُ يُنْكَرُ عَقْلُهُ، يُحْجَرُ عليه. يعنى: إذا كَبِرَ، واخْتَلَّ عَقْلُه، حُجِرَ عليه، بمَنْزِلَةِ المَجْنُونِ؛ لأنَّه يَعْجِزُ بذلك عن التَّصَرُّفِ فى مَالِه على وَجْهِ المَصْلَحَةِ، وحِفْظِه، فأشْبَه الصَّبِيَّ والسَّفِيهَ.

стр. 3221

٨١٤ - مسألة؛ قال: (فمَن عَامَلَهُ بَعْدَ ذلِكَ، فَهُوَ الْمُتْلِفُ لِمَالِهِ) وجملتُه أنَّ الحَاكِمَ إذا حَجَرَ على السَّفِيهِ، اسْتُحِبَّ أن يُشْهِدَ عليه، لِيُظْهِرَ أمْرَه، فتُجْتَنَبَ مُعَامَلَتُه. وإن رَأَى أَن يَأْمُرَ مُنَادِيًا يُنَادِى بذلك، لِيَعْرِفَهُ النّاسُ، فَعَلَ. ولا يُشْتَرَطُ الإِشْهَادُ عليه؛ لأنَّه قد يَنْتَشِرُ أمْرُه بِشُهْرَتِه، وحَدِيثِ الناسِ به. فإذا حُجِرَ عليه، فبَاعَ واشْتَرَى، كان ذلك فَاسِدًا، واسْتَرْجَعَ الحاكِمُ ما بَاعَ من مَالِه، ورَدَّ الثمنَ إن كان بَاقِيًا. وإن أتْلَفَهُ السَّفِيهُ، أو تَلِفَ فى يَدِه، فهو من ضَمَانِ المُشْتَرِى، ولا شىءَ على السَّفِيهِ. وكذلك ما أخَذَ من أمْوَالِ النّاسِ بِرِضَا أصْحَابِها، كالذى يَأْخُذُه بِقَرْضٍ أو شِرَاءٍ أو غيرِ ذلك، رَدَّهُ الحاكِمُ إن كان بَاقِيًا، وإن كان تَالِفًا، فهو من ضَمَانِ صَاحِبِه، عَلِمَ بالحَجْرِ عليه أو لم يَعْلَمْ؛ لأنَّه إن عَلِمَ فقد فَرَّطَ، بِدَفْعِ مَالِه إلى من حُجِرَ عليه، وإن لم يَعْلَمْ، فهو مُفَرِّطٌ إذا كان فى مَظِنَّةِ الشُّهْرَةِ، هذا إذا كان صَاحِبُه قد سَلَّطَهُ عليه، فأمَّا إن حَصَلَ فى يَدِه باخْتِيَارِ صَاحِبِه مِن غيرِ تَسْلِيطٍ، كالوَدِيعَةِ والعَارِيَّةِ، فَاخْتَارَ القاضى أَنَّه يَلْزَمُه الضَّمَانُ إن أَتْلَفَه، أو تَلِفَ بِتَفْرِيطِه؛ لأنَّه أَتْلَفَه بغير اخْتِيَارِ صَاحِبِه، فأشْبَه ما لو كان القَبْضُ بغيرِ اخْتِيَارِه (١)، ويَحْتَمِلُ أنَّه لا يَضْمَنُ، لأنَّه عَرَّضَهَا لإِتْلَافِه، وسَلَّطَهُ عليها، فأشْبَهَ المَبِيعَ. وأمَّا مَا أخَذَهُ بغير اخْتِيَارِ صَاحِبِه، أو أَتْلَفَهُ، كالغَصْبِ والجِنَايَةِ، فعليه ضَمَانُه؛ لأنَّه لا تَفْرِيطَ من المالِكِ، لأنَّ الصَّبِيَّ والمَجْنُونَ لو فَعَلَا ذلك، لَزِمَهُما الضَّمَانُ، فالسَّفِيهُ أوْلَى. ومذهبُ الشَّافِعِيِّ فى هذا كلِّه كذلك. فصل: والحُكْمُ فى الصَّبِيِّ والمَجْنُونِ، كالحُكْمِ فى السَّفِيهِ، فى وُجُوبِ الضَّمَانِ عليهما فيما أَتْلَفَاهُ من مَالِ غيرِهِما بغيرِ إذْنِه، أو غَصَبَاهُ فتَلِفَ فى أَيْدِيهِما، وانْتِفَاءِ الضَّمَانِ عنهما فيما حَصَلَ فى أيْدِيهِما بِاخْتِيَارِ صَاحِبِه وتَسْلِيطِه، كالثَّمَنِ

стр. 3222

والمَبِيعِ والقَرْضِ والاسْتِدَانَةِ. وأمَّا الوَدِيعَةُ والعَارِيَّةُ، فلا ضَمَانَ عليهما فيما تَلِفَ بِتَفْرِيطِهِما، وإن أَتْلَفَاهُ ففى ضَمَانِه وَجْهَانِ. فصل: ولا يَنْظُرُ فى مَالِ الصَّبِيِّ والمَجْنُونِ، ما دَامَا فى الحَجْرِ، إلَّا الأبُ، أو وَصِيُّهُ بعدَه، أو الحَاكِمُ عندَ عَدَمِهِمَا. وأمَّا السَّفِيهُ، فإنْ كان مَحْجُورًا عليه صَغِيرًا، واسْتُدِيمَ الحَجْرُ عليه لِسَفَهِه، فالوَلِىُّ فيه مَن ذَكَرْنَاهُ. وإن جُدِّدَ الحَجْرُ عليه بعد بُلُوغِهِ، لم يَنْظُرْ فى مَالِه إلَّا الحَاكِمُ؛ لأنَّ الحَجْرَ يَفْتَقِرُ إلى حُكْمِ حَاكِمٍ، وزَوَالَهُ يَفْتَقِرُ إلى ذلك، فكذلك النَّظَرُ فى مَالِه. ٨١٥ - مسألة؛ قال: (وَإنْ أقَرَّ المَحْجُورُ عَلَيْهِ بِمَا يُوجِبُ حَدًّا أو قِصَاصًا، أوْ طَلَّقَ زَوْجَتَهُ، لَزِمَهُ ذلِكَ) وجُمْلَتُه أنَّ المَحْجُورَ عليه، لِفَلَسٍ، أو سَفَهٍ، إذا أقَرَّ بما يُوجِبُ حَدًّا أو قِصَاصًا، كالزِّنَا، والسَّرِقَةِ، والشُّرْبِ، والقَذْفِ، والقَتْلِ العَمْدِ، أو قَطْعِ اليَدِ، وما أشبهها، فإنَّ ذلك مَقْبُولٌ، ويَلْزَمُه حُكْمُ ذلك فى الحال. لا نَعْلَمُ فى هذا خِلَافًا. قال ابن المُنْذِرِ: أجْمَعَ كلُّ مَن نَحْفَظُ عنه من أهْلِ العِلْمِ على أنَّ إقْرَارَ المَحْجُورِ عليه على نَفْسِه جَائِزٌ، إذا كان إقْرَارُه بِزِنًا، أو سَرِقَةٍ، أو شُرْبِ خَمْرٍ، أو قَذْفٍ، أو قَتْلٍ، وأنَّ الحُدُودَ تُقَامُ عليه. وهذا قولُ الشَّافِعيِّ، وأبى ثَوْرٍ، وأصْحَابِ الرَّأْىِ، ولا أحْفَظُ عن غيرِهِم خِلَافَهم (١). وذلك لأنَّه غيرُ مُتَّهَمٍ فى حَقِّ نَفْسِه، والحَجْرُ إنَّما تَعَلَّقَ بمَالِه، فَقُبلَ إقْرَارُهُ على نَفْسِه بما لا يَتَعَلَّقُ بالمَالِ. وإن طَلَّقَ زَوْجَتَه، نَفَذَ طَلَاقُه، فى قولِ أكْثَر أهْلِ العِلْمِ. وقال ابنُ أبي لَيْلَى: لا يَقَعُ طَلَاقُه؛ لأنَّ البُضْعَ يَجْرِى مَجْرَى المالِ بِدَلِيلِ أنَّه يَمْلِكُه بمَالٍ، ويَصِحُّ أن يَزُولَ مِلْكُه عنه بمَالٍ، فلم يَمْلِك التَّصَرُّفَ فيه كالمَالِ. ولَنا، أنَّ الطَّلَاقَ ليس بِتَصَرُّفٍ فى المَالِ،

стр. 3223

ولا يَجْرِى مَجْرَاهُ، فلا يُمْنَعُ منه، كالإِقْرَارِ بالحَدِّ والقِصَاصِ. ودَلِيلُ أنَّه لا يَجْرِى مَجْرَى المالِ، أنَّه يَصِحُّ من العَبْدِ بغيرِ إذْنِ سَيِّدِه، مع مَنْعِه من التَّصَرُّفِ فى المالِ، ولا يُمْلَكُ بالمِيرَاثِ، ولأنَّه مُكَلَّفٌ طَلَّقَ امْرَأَتَه مُخْتَارًا، فوَقَعَ طَلَاقُه، كالعَبْدِ والمُكَاتَبِ. فصل: وإذا أقَرَّ بما يُوجِبُ القِصَاصَ، فعَفَا المُقَرُّ له على مَالٍ، احْتَمَلَ أن يَجِبَ المالُ؛ لأنَّه عَفْوٌ عن قِصَاصٍ ثَابِتٍ، فصَحَّ، كما لو ثَبَتَ بالبَيِّنَةِ. واحْتَمَلَ أن لا يَصِحَّ؛ لئلَّا يُتَّخَذَ ذلك وَسِيلَةٌ إلى الإِقْرَارِ بالمَالِ، بأن يَتَوَاطَأَ المَحْجُورُ عليه والمُقَرُّ له على الإقْرَارِ بالقِصَاصِ، والعَفْوِ عنه على (٢) مَالٍ. ولأنَّه وُجُوبُ مَالٍ، مُسْتَنَدُهُ إقْرَارُه، فلم يَثْبُتْ، كالإِقْرَارِ به ابْتدَاءً. فعلى هذا القول يَسْقُطُ وُجُوبُ (٣) القِصَاصِ، ولا يَجِبُ المالُ فى الحالِ. فصل: وإن خَالَعَ، صَحَّ خُلْعُهُ؛ لأنَّه إذا صَحَّ الطَّلَاقُ، ولا يَحْصُلُ منه شىءٌ، فالخُلْعُ الذى يَحْصُلُ به المالُ أوْلَى، إلَّا أنَّ العِوَضَ لا يُدْفَعُ إليه، وإن دُفِعَ إليه، لم يَصِحَّ قَبْضُه، وإن أَتْلَفَهُ، لم يَضْمَنْهُ، ولم تَبْرَإِ المَرْأةُ بِدَفْعِه إليه، وهو من ضَمَانِها إن أَتْلَفَهُ أو تَلِفَ فى يَدِه؛ لأنَّها سَلَّطَتْهُ على إتْلَافِه. فصل: وإن أَعْتَقَ، لم يَصِحَّ عِتْقُهُ، وهذا قولُ القَاسِمِ بن محمدٍ، والشَّافِعِيِّ. وحَكَى أبو الخَطَّابِ، عن أحمدَ، رِوَايَةً أُخرى: أنَّه يَصِحُّ؛ لأنَّه عِتْقٌ من مُكَلَّفٍ مَالِكٍ تَامِّ الْمِلْكِ، فصَحَّ، كعِتْقِ الرَّاهِنِ والمُفْلِسِ. ولَنَا، أنَّه تَصَرُّفٌ فى مَالِه، فلم يَصِحَّ، كسَائِرِ تَصَرُّفَاتِه، ولأنَّه تَبَرُّعٌ فأَشْبَهَ هِبَتَهُ وَوَقْفَهُ، ولأنَّه مَحْجُورٌ عليه لِحِفْظِ مَالِه عليه، فلم يَصِحَّ عِتْقُه، كالصَّبِيِّ والمَجْنُونِ. وفَارَقَ المُفْلِسَ والرَّاهِنَ؛ فإنَّ الحَجْرَ عليهما لِحَقِّ غيرِهما.

стр. 3224

فصل: وإن تَزَوَّجَ، صَحَّ النِّكَاحُ بإِذْنِ وَلِيِّه، وبغيرِ إذْنِه، وبهذا قال أبو حنيفةَ. وقال أبو الخَطَّابِ: لا يَصِحُّ بغيرِ إِذْنِ وَلِيِّهِ، وهو قولُ الشَّافِعِيِّ، وأبي ثَوْرٍ؛ لِأنَّه تَصَرُّفٌ يَجِبُ به مالٌ، فلم يَصِحَّ بغيرِ إِذْنِ وَلِيِّهِ، كالشِّرَاءِ. ولَنا، أَنَّه عَقْدٌ غيرُ مَالِيٍّ، فصَحَّ منه، كخُلْعِه وطَلَاقِه، وإن لَزِمَ منه المالُ، فحُصُولُه بِطَرِيقِ الضِّمْنِ، فلا يَمْنَعُ من العَقْدِ، كما لو لَزِمَ ذلك من الطَّلاقِ. فصل: ويَصِحُّ تَدْبِيرُه، وَوَصِيَّتُه؛ لأنَّ ذلك مَحْضُ مَصْلَحَتِه، لأَنَّه تَقَرَّبَ إلى اللَّه تَعَالَى بمَالِه بعدَ غِنَاهُ عنه. ويَصِحُّ اسْتِيلَادُه، وتَعْتِقُ الأَمَةُ المُسْتَوْلَدَةُ بمَوْتِه؛ لأنَّه إذا صَحَّ ذلك من المَجْنُونِ، فمن السَّفِيهِ أوْلَى. وله المُطَالَبَةُ بالقِصَاصِ؛ لأنَّه مَوْضُوعٌ لِلتَّشَفِّى والانْتِقَامِ، [وهو من أهْلِه] (٤). وله العَفْوُ على مَالٍ؛ لأنَّه تَحْصِيلٌ لِلْمَالِ، لا تَضْيِيعٌ له. وإن عَفَا على غيرِ مَالٍ نَظَرْتَ؛ فإن قُلْنا: الوَاجِبُ القِصَاصُ عَيْنًا. صَحَّ عَفْوُه؛ لأنَّه لم يَتَضَمَّنْ تَضْيِيعَ المالِ. وإن قُلْنا: أحدُ الشَّيْئَيْنِ. لم يَصِحَّ عَفْوُه عن المالِ، وَوَجَبَ المالُ، كما لو سَقَطَ القِصَاصُ بعَفْوِ أحَدِ الشَّرِيكَيْنِ. وإن أحْرَمَ بالحَجِّ، صَحَّ إِحْرَامُه؛ لأنَّه مُكَلَّفٌ أحْرَمَ بالحَجِّ، أشْبَه غيرَه، ولأنَّ ذلك عِبَادَةٌ، فصَحَّتْ منه، كسَائِر عِبَادَاتِه. ثمَّ إن كان أَحْرَمَ بِفَرْضٍ، دُفِعَ إليه النَّفَقَةُ من مَالِه لِيُسْقِطَ الفَرْضَ عن نَفْسِه، وإنْ كان تَطوُّعًا فكانت نَفَقَتُه فى السَّفَرِ كنَفَقَتِه فى الحَضَرِ، دُفِعَتْ إليه، لأنَّه لا ضَرَرَ فى إحْرَامِه. وإن كانت نَفَقَةُ السَّفَرِ أَكْثَرَ، فقال: أنا أكْتَسِبُ تَمَامَ نَفَقَتِى، دُفِعَتْ إليه أيضًا، لأنَّه لا يَضُرُّ بمَالِه. وإن لم يكُنْ له كَسْبٌ، فَلِوَلِيِّه تَحْلِيلُه؛ لما فيه من تَضْيِيعِ مَالِه، ويَتَحَلَّلُ بالصِّيَامِ كالمُعْسِرِ؛ لأنَّه مَمْنُوعٌ من التَّصَرُّفِ فى مَالِه. ويَحْتَمِلُ أن لا يَمْلِكَ وَلِيُّهُ تَحْلِيلَه، بنَاءً على العَبْدِ إذا أحْرَمَ بغير إِذْنِ سَيِّدِه. وإن حَنِثَ فى يَمِينِه، أو عَادَ فى ظِهَارِه، أو لَزِمَتْهُ كَفَّارَةٌ بالقَتْلِ أو الوَطْءِ فى نَهَارِ رَمَضَانَ، كَفَّرَ بالصِّيَامِ لذلك. وإن أعْتَقَ أو أطْعَمَ عن ذلك، لم يُجْزِهِ. وبهذا قال الشَّافِعِيُّ؛ لأنَّه مَمْنُوعٌ من مَالِه، أشْبَهَ المُفْلِسَ.

стр. 3225

ويَتَخَرَّجُ أن يُجْزِئَهُ العِتْقُ، بنَاءً على قولِنا بِصِحَّتِه منه. وإن نَذَرَ عِبَادَةً بَدَنِيَّةً، لَزِمَهُ فِعْلُها؛ لأَنَّه غيرُ مَحْجُورٍ عليه فى بَدَنِه. وإن نَذَرَ صَدَقَةَ المالِ، لم يَصِحَّ منه، وكَفَّرَ بالصِّيَامِ. وإن فُكَّ الحَجْرُ عنه قبلَ تَكْفِيرِه فى هذهِ المَوَاضِع كلِّها، لَزِمَهُ العِتْقُ، إن قَدَرَ عليه. ومُقْتَضَى قولِ أصْحَابِنَا أنَّه يَلْزَمُه الوَفَاءُ بِنَذْرِه، بنَاءً على قولِهِم فى مَن أقَرَّ قبلَ فَكِّ الحَجْرِ عنه، ثم فُكَّ عنه، فإنَّه يَلْزَمُه أَدَاؤُه، وإن فُكَّ بعدَ تَكْفِيرِه، لم يَلْزَمْهُ شىءٌ، كما لو كَفَّرَ عن يَمِينِه بالصِّيَامِ ثم فُكَّ الحَجْرُ عنه. فصل: وإن أقَرَّ بِنَسَبِ وَلَدٍ، قُبِلَ منه؛ لأنَّه ليس بإقْرَارٍ بمالٍ، ولا تَصَرُّفٍ فيه، فَقُبِلَ، كإقرَارِه بالحَدِّ والطَّلاقِ. وإذا ثَبَتَ النَّسَبُ، لَزِمَتْهُ أحْكَامُه، من النَّفَقَةِ وغيرها؛ لأنَّ ذلك حَصَلَ ضِمْنًا لما صَحَّ منه، فأشْبَهَ نَفَقَةَ الزَّوْجَةِ. ٨١٦ - مسألة؛ قال: (وَإِنْ أقَرَّ بِدَيْنٍ، لَمْ يَلْزَمْهُ فِى حَالِ حَجْرِهِ) وجُمْلَتُه أنَّ السَّفِيهَ إذا أقَرَّ بمَالٍ، كالدَّيْنِ، أو بما يُوجِبُه، كجِنَايَةِ الخَطَإِ وشِبْهِ العَمْدِ، وإتْلَافِ المالِ، وغَصْبِه، وسَرِقَتِه، لم يُقْبَلْ إقْرَارُه بِه؛ لأنَّه مَحْجُورٌ عليه لِحَظِّه، فلم يَصِحَّ إقْرَارُه بالمالِ، كالصَّبِيِّ والمَجْنُونِ. ولأنَّا لو قَبِلْنا إقْرَارَهُ فى مَالِه، لَزَالَ مَعْنَى الحَجْرِ؛ لأنَّه يَتَصَرَّفُ فى مَالِه، ثم يُقِرُّ به، فيَأْخُذُه المُقَرُّ له. ولأنَّه أقَرَّ بما هو مَمْنُوعٌ من التَّصَرُّفِ فيه، [فلم يَنْفُذْ] (١) كإِقْرَارِ الرَّاهِنِ على الرَّهْنِ، والمُفْلِسِ على المَالِ. ومُقْتَضَى قولِ الخِرَقِيِّ، أنَّهُ يَلْزَمُه ما أقَرَّ به بعد فَكِّ الحَجْرِ عنه. وهو الظَّاهِرُ من قولِ أصْحَابِنَا، وقولِ أبِى ثَوْرٍ؛ لأنَّه مُكَلَّفٌ أقَرَّ بما لا يَلْزَمُهُ فى الحالِ، فلَزِمَهُ بعدَ فَكِّ الحَجْرِ عنه، كالعَبْدِ يُقِرُّ بِدَيْنٍ، والرَّاهِنِ يُقِرُّ (٢) على الرَّهْنِ، والمُفْلِس [على المالِ] (٣). ويَحْتَمِلُ أن لا يَصِحَّ إقرَارُه، ولا يُؤْخَذ به فى
следующие страницы →