٨١٤ - مسألة؛ قال: (فمَن عَامَلَهُ بَعْدَ ذلِكَ، فَهُوَ الْمُتْلِفُ لِمَالِهِ)
وجملتُه أنَّ الحَاكِمَ إذا حَجَرَ على السَّفِيهِ، اسْتُحِبَّ أن يُشْهِدَ عليه، لِيُظْهِرَ أمْرَه، فتُجْتَنَبَ مُعَامَلَتُه. وإن رَأَى أَن يَأْمُرَ مُنَادِيًا يُنَادِى بذلك، لِيَعْرِفَهُ النّاسُ، فَعَلَ. ولا يُشْتَرَطُ الإِشْهَادُ عليه؛ لأنَّه قد يَنْتَشِرُ أمْرُه بِشُهْرَتِه، وحَدِيثِ الناسِ به. فإذا حُجِرَ عليه، فبَاعَ واشْتَرَى، كان ذلك فَاسِدًا، واسْتَرْجَعَ الحاكِمُ ما بَاعَ من مَالِه، ورَدَّ الثمنَ إن كان بَاقِيًا. وإن أتْلَفَهُ السَّفِيهُ، أو تَلِفَ فى يَدِه، فهو من ضَمَانِ المُشْتَرِى، ولا شىءَ على السَّفِيهِ. وكذلك ما أخَذَ من أمْوَالِ النّاسِ بِرِضَا أصْحَابِها، كالذى يَأْخُذُه بِقَرْضٍ أو شِرَاءٍ أو غيرِ ذلك، رَدَّهُ الحاكِمُ إن كان بَاقِيًا، وإن كان تَالِفًا، فهو من ضَمَانِ صَاحِبِه، عَلِمَ بالحَجْرِ عليه أو لم يَعْلَمْ؛ لأنَّه إن عَلِمَ فقد فَرَّطَ، بِدَفْعِ مَالِه إلى من حُجِرَ عليه، وإن لم يَعْلَمْ، فهو مُفَرِّطٌ إذا كان فى مَظِنَّةِ الشُّهْرَةِ، هذا إذا كان صَاحِبُه قد سَلَّطَهُ عليه، فأمَّا إن حَصَلَ فى يَدِه باخْتِيَارِ صَاحِبِه مِن غيرِ تَسْلِيطٍ، كالوَدِيعَةِ والعَارِيَّةِ، فَاخْتَارَ القاضى أَنَّه يَلْزَمُه الضَّمَانُ إن أَتْلَفَه، أو تَلِفَ بِتَفْرِيطِه؛ لأنَّه أَتْلَفَه بغير اخْتِيَارِ صَاحِبِه، فأشْبَه ما لو كان القَبْضُ بغيرِ اخْتِيَارِه (١)، ويَحْتَمِلُ أنَّه لا يَضْمَنُ، لأنَّه عَرَّضَهَا لإِتْلَافِه، وسَلَّطَهُ عليها، فأشْبَهَ المَبِيعَ. وأمَّا مَا أخَذَهُ بغير اخْتِيَارِ صَاحِبِه، أو أَتْلَفَهُ، كالغَصْبِ والجِنَايَةِ، فعليه ضَمَانُه؛ لأنَّه لا تَفْرِيطَ من المالِكِ، لأنَّ الصَّبِيَّ والمَجْنُونَ لو فَعَلَا ذلك، لَزِمَهُما الضَّمَانُ، فالسَّفِيهُ أوْلَى. ومذهبُ الشَّافِعِيِّ فى هذا كلِّه كذلك.
فصل: والحُكْمُ فى الصَّبِيِّ والمَجْنُونِ، كالحُكْمِ فى السَّفِيهِ، فى وُجُوبِ الضَّمَانِ عليهما فيما أَتْلَفَاهُ من مَالِ غيرِهِما بغيرِ إذْنِه، أو غَصَبَاهُ فتَلِفَ فى أَيْدِيهِما، وانْتِفَاءِ الضَّمَانِ عنهما فيما حَصَلَ فى أيْدِيهِما بِاخْتِيَارِ صَاحِبِه وتَسْلِيطِه، كالثَّمَنِ
стр. 3222
والمَبِيعِ والقَرْضِ والاسْتِدَانَةِ. وأمَّا الوَدِيعَةُ والعَارِيَّةُ، فلا ضَمَانَ عليهما فيما تَلِفَ بِتَفْرِيطِهِما، وإن أَتْلَفَاهُ ففى ضَمَانِه وَجْهَانِ.
فصل: ولا يَنْظُرُ فى مَالِ الصَّبِيِّ والمَجْنُونِ، ما دَامَا فى الحَجْرِ، إلَّا الأبُ، أو وَصِيُّهُ بعدَه، أو الحَاكِمُ عندَ عَدَمِهِمَا. وأمَّا السَّفِيهُ، فإنْ كان مَحْجُورًا عليه صَغِيرًا، واسْتُدِيمَ الحَجْرُ عليه لِسَفَهِه، فالوَلِىُّ فيه مَن ذَكَرْنَاهُ. وإن جُدِّدَ الحَجْرُ عليه بعد بُلُوغِهِ، لم يَنْظُرْ فى مَالِه إلَّا الحَاكِمُ؛ لأنَّ الحَجْرَ يَفْتَقِرُ إلى حُكْمِ حَاكِمٍ، وزَوَالَهُ يَفْتَقِرُ إلى ذلك، فكذلك النَّظَرُ فى مَالِه.
٨١٥ - مسألة؛ قال: (وَإنْ أقَرَّ المَحْجُورُ عَلَيْهِ بِمَا يُوجِبُ حَدًّا أو قِصَاصًا، أوْ طَلَّقَ زَوْجَتَهُ، لَزِمَهُ ذلِكَ)
وجُمْلَتُه أنَّ المَحْجُورَ عليه، لِفَلَسٍ، أو سَفَهٍ، إذا أقَرَّ بما يُوجِبُ حَدًّا أو قِصَاصًا، كالزِّنَا، والسَّرِقَةِ، والشُّرْبِ، والقَذْفِ، والقَتْلِ العَمْدِ، أو قَطْعِ اليَدِ، وما أشبهها، فإنَّ ذلك مَقْبُولٌ، ويَلْزَمُه حُكْمُ ذلك فى الحال. لا نَعْلَمُ فى هذا خِلَافًا. قال ابن المُنْذِرِ: أجْمَعَ كلُّ مَن نَحْفَظُ عنه من أهْلِ العِلْمِ على أنَّ إقْرَارَ المَحْجُورِ عليه على نَفْسِه جَائِزٌ، إذا كان إقْرَارُه بِزِنًا، أو سَرِقَةٍ، أو شُرْبِ خَمْرٍ، أو قَذْفٍ، أو قَتْلٍ، وأنَّ الحُدُودَ تُقَامُ عليه. وهذا قولُ الشَّافِعيِّ، وأبى ثَوْرٍ، وأصْحَابِ الرَّأْىِ، ولا أحْفَظُ عن غيرِهِم خِلَافَهم (١). وذلك لأنَّه غيرُ مُتَّهَمٍ فى حَقِّ نَفْسِه، والحَجْرُ إنَّما تَعَلَّقَ بمَالِه، فَقُبلَ إقْرَارُهُ على نَفْسِه بما لا يَتَعَلَّقُ بالمَالِ. وإن طَلَّقَ زَوْجَتَه، نَفَذَ طَلَاقُه، فى قولِ أكْثَر أهْلِ العِلْمِ. وقال ابنُ أبي لَيْلَى: لا يَقَعُ طَلَاقُه؛ لأنَّ البُضْعَ يَجْرِى مَجْرَى المالِ بِدَلِيلِ أنَّه يَمْلِكُه بمَالٍ، ويَصِحُّ أن يَزُولَ مِلْكُه عنه بمَالٍ، فلم يَمْلِك التَّصَرُّفَ فيه كالمَالِ. ولَنا، أنَّ الطَّلَاقَ ليس بِتَصَرُّفٍ فى المَالِ،
стр. 3223
ولا يَجْرِى مَجْرَاهُ، فلا يُمْنَعُ منه، كالإِقْرَارِ بالحَدِّ والقِصَاصِ. ودَلِيلُ أنَّه لا يَجْرِى مَجْرَى المالِ، أنَّه يَصِحُّ من العَبْدِ بغيرِ إذْنِ سَيِّدِه، مع مَنْعِه من التَّصَرُّفِ فى المالِ، ولا يُمْلَكُ بالمِيرَاثِ، ولأنَّه مُكَلَّفٌ طَلَّقَ امْرَأَتَه مُخْتَارًا، فوَقَعَ طَلَاقُه، كالعَبْدِ والمُكَاتَبِ.
فصل: وإذا أقَرَّ بما يُوجِبُ القِصَاصَ، فعَفَا المُقَرُّ له على مَالٍ، احْتَمَلَ أن يَجِبَ المالُ؛ لأنَّه عَفْوٌ عن قِصَاصٍ ثَابِتٍ، فصَحَّ، كما لو ثَبَتَ بالبَيِّنَةِ. واحْتَمَلَ أن لا يَصِحَّ؛ لئلَّا يُتَّخَذَ ذلك وَسِيلَةٌ إلى الإِقْرَارِ بالمَالِ، بأن يَتَوَاطَأَ المَحْجُورُ عليه والمُقَرُّ له على الإقْرَارِ بالقِصَاصِ، والعَفْوِ عنه على (٢) مَالٍ. ولأنَّه وُجُوبُ مَالٍ، مُسْتَنَدُهُ إقْرَارُه، فلم يَثْبُتْ، كالإِقْرَارِ به ابْتدَاءً. فعلى هذا القول يَسْقُطُ وُجُوبُ (٣) القِصَاصِ، ولا يَجِبُ المالُ فى الحالِ.
فصل: وإن خَالَعَ، صَحَّ خُلْعُهُ؛ لأنَّه إذا صَحَّ الطَّلَاقُ، ولا يَحْصُلُ منه شىءٌ، فالخُلْعُ الذى يَحْصُلُ به المالُ أوْلَى، إلَّا أنَّ العِوَضَ لا يُدْفَعُ إليه، وإن دُفِعَ إليه، لم يَصِحَّ قَبْضُه، وإن أَتْلَفَهُ، لم يَضْمَنْهُ، ولم تَبْرَإِ المَرْأةُ بِدَفْعِه إليه، وهو من ضَمَانِها إن أَتْلَفَهُ أو تَلِفَ فى يَدِه؛ لأنَّها سَلَّطَتْهُ على إتْلَافِه.
فصل: وإن أَعْتَقَ، لم يَصِحَّ عِتْقُهُ، وهذا قولُ القَاسِمِ بن محمدٍ، والشَّافِعِيِّ. وحَكَى أبو الخَطَّابِ، عن أحمدَ، رِوَايَةً أُخرى: أنَّه يَصِحُّ؛ لأنَّه عِتْقٌ من مُكَلَّفٍ مَالِكٍ تَامِّ الْمِلْكِ، فصَحَّ، كعِتْقِ الرَّاهِنِ والمُفْلِسِ. ولَنَا، أنَّه تَصَرُّفٌ فى مَالِه، فلم يَصِحَّ، كسَائِرِ تَصَرُّفَاتِه، ولأنَّه تَبَرُّعٌ فأَشْبَهَ هِبَتَهُ وَوَقْفَهُ، ولأنَّه مَحْجُورٌ عليه لِحِفْظِ مَالِه عليه، فلم يَصِحَّ عِتْقُه، كالصَّبِيِّ والمَجْنُونِ. وفَارَقَ المُفْلِسَ والرَّاهِنَ؛ فإنَّ الحَجْرَ عليهما لِحَقِّ غيرِهما.
стр. 3224
فصل: وإن تَزَوَّجَ، صَحَّ النِّكَاحُ بإِذْنِ وَلِيِّه، وبغيرِ إذْنِه، وبهذا قال أبو حنيفةَ. وقال أبو الخَطَّابِ: لا يَصِحُّ بغيرِ إِذْنِ وَلِيِّهِ، وهو قولُ الشَّافِعِيِّ، وأبي ثَوْرٍ؛ لِأنَّه تَصَرُّفٌ يَجِبُ به مالٌ، فلم يَصِحَّ بغيرِ إِذْنِ وَلِيِّهِ، كالشِّرَاءِ. ولَنا، أَنَّه عَقْدٌ غيرُ مَالِيٍّ، فصَحَّ منه، كخُلْعِه وطَلَاقِه، وإن لَزِمَ منه المالُ، فحُصُولُه بِطَرِيقِ الضِّمْنِ، فلا يَمْنَعُ من العَقْدِ، كما لو لَزِمَ ذلك من الطَّلاقِ.
فصل: ويَصِحُّ تَدْبِيرُه، وَوَصِيَّتُه؛ لأنَّ ذلك مَحْضُ مَصْلَحَتِه، لأَنَّه تَقَرَّبَ إلى اللَّه تَعَالَى بمَالِه بعدَ غِنَاهُ عنه. ويَصِحُّ اسْتِيلَادُه، وتَعْتِقُ الأَمَةُ المُسْتَوْلَدَةُ بمَوْتِه؛ لأنَّه إذا صَحَّ ذلك من المَجْنُونِ، فمن السَّفِيهِ أوْلَى. وله المُطَالَبَةُ بالقِصَاصِ؛ لأنَّه مَوْضُوعٌ لِلتَّشَفِّى والانْتِقَامِ، [وهو من أهْلِه] (٤). وله العَفْوُ على مَالٍ؛ لأنَّه تَحْصِيلٌ لِلْمَالِ، لا تَضْيِيعٌ له. وإن عَفَا على غيرِ مَالٍ نَظَرْتَ؛ فإن قُلْنا: الوَاجِبُ القِصَاصُ عَيْنًا. صَحَّ عَفْوُه؛ لأنَّه لم يَتَضَمَّنْ تَضْيِيعَ المالِ. وإن قُلْنا: أحدُ الشَّيْئَيْنِ. لم يَصِحَّ عَفْوُه عن المالِ، وَوَجَبَ المالُ، كما لو سَقَطَ القِصَاصُ بعَفْوِ أحَدِ الشَّرِيكَيْنِ. وإن أحْرَمَ بالحَجِّ، صَحَّ إِحْرَامُه؛ لأنَّه مُكَلَّفٌ أحْرَمَ بالحَجِّ، أشْبَه غيرَه، ولأنَّ ذلك عِبَادَةٌ، فصَحَّتْ منه، كسَائِر عِبَادَاتِه. ثمَّ إن كان أَحْرَمَ بِفَرْضٍ، دُفِعَ إليه النَّفَقَةُ من مَالِه لِيُسْقِطَ الفَرْضَ عن نَفْسِه، وإنْ كان تَطوُّعًا فكانت نَفَقَتُه فى السَّفَرِ كنَفَقَتِه فى الحَضَرِ، دُفِعَتْ إليه، لأنَّه لا ضَرَرَ فى إحْرَامِه. وإن كانت نَفَقَةُ السَّفَرِ أَكْثَرَ، فقال: أنا أكْتَسِبُ تَمَامَ نَفَقَتِى، دُفِعَتْ إليه أيضًا، لأنَّه لا يَضُرُّ بمَالِه. وإن لم يكُنْ له كَسْبٌ، فَلِوَلِيِّه تَحْلِيلُه؛ لما فيه من تَضْيِيعِ مَالِه، ويَتَحَلَّلُ بالصِّيَامِ كالمُعْسِرِ؛ لأنَّه مَمْنُوعٌ من التَّصَرُّفِ فى مَالِه. ويَحْتَمِلُ أن لا يَمْلِكَ وَلِيُّهُ تَحْلِيلَه، بنَاءً على العَبْدِ إذا أحْرَمَ بغير إِذْنِ سَيِّدِه. وإن حَنِثَ فى يَمِينِه، أو عَادَ فى ظِهَارِه، أو لَزِمَتْهُ كَفَّارَةٌ بالقَتْلِ أو الوَطْءِ فى نَهَارِ رَمَضَانَ، كَفَّرَ بالصِّيَامِ لذلك. وإن أعْتَقَ أو أطْعَمَ عن ذلك، لم يُجْزِهِ. وبهذا قال الشَّافِعِيُّ؛ لأنَّه مَمْنُوعٌ من مَالِه، أشْبَهَ المُفْلِسَ.
стр. 3225
ويَتَخَرَّجُ أن يُجْزِئَهُ العِتْقُ، بنَاءً على قولِنا بِصِحَّتِه منه. وإن نَذَرَ عِبَادَةً بَدَنِيَّةً، لَزِمَهُ فِعْلُها؛ لأَنَّه غيرُ مَحْجُورٍ عليه فى بَدَنِه. وإن نَذَرَ صَدَقَةَ المالِ، لم يَصِحَّ منه، وكَفَّرَ بالصِّيَامِ. وإن فُكَّ الحَجْرُ عنه قبلَ تَكْفِيرِه فى هذهِ المَوَاضِع كلِّها، لَزِمَهُ العِتْقُ، إن قَدَرَ عليه. ومُقْتَضَى قولِ أصْحَابِنَا أنَّه يَلْزَمُه الوَفَاءُ بِنَذْرِه، بنَاءً على قولِهِم فى مَن أقَرَّ قبلَ فَكِّ الحَجْرِ عنه، ثم فُكَّ عنه، فإنَّه يَلْزَمُه أَدَاؤُه، وإن فُكَّ بعدَ تَكْفِيرِه، لم يَلْزَمْهُ شىءٌ، كما لو كَفَّرَ عن يَمِينِه بالصِّيَامِ ثم فُكَّ الحَجْرُ عنه.
فصل: وإن أقَرَّ بِنَسَبِ وَلَدٍ، قُبِلَ منه؛ لأنَّه ليس بإقْرَارٍ بمالٍ، ولا تَصَرُّفٍ فيه، فَقُبِلَ، كإقرَارِه بالحَدِّ والطَّلاقِ. وإذا ثَبَتَ النَّسَبُ، لَزِمَتْهُ أحْكَامُه، من النَّفَقَةِ وغيرها؛ لأنَّ ذلك حَصَلَ ضِمْنًا لما صَحَّ منه، فأشْبَهَ نَفَقَةَ الزَّوْجَةِ.
٨١٦ - مسألة؛ قال: (وَإِنْ أقَرَّ بِدَيْنٍ، لَمْ يَلْزَمْهُ فِى حَالِ حَجْرِهِ)
وجُمْلَتُه أنَّ السَّفِيهَ إذا أقَرَّ بمَالٍ، كالدَّيْنِ، أو بما يُوجِبُه، كجِنَايَةِ الخَطَإِ وشِبْهِ العَمْدِ، وإتْلَافِ المالِ، وغَصْبِه، وسَرِقَتِه، لم يُقْبَلْ إقْرَارُه بِه؛ لأنَّه مَحْجُورٌ عليه لِحَظِّه، فلم يَصِحَّ إقْرَارُه بالمالِ، كالصَّبِيِّ والمَجْنُونِ. ولأنَّا لو قَبِلْنا إقْرَارَهُ فى مَالِه، لَزَالَ مَعْنَى الحَجْرِ؛ لأنَّه يَتَصَرَّفُ فى مَالِه، ثم يُقِرُّ به، فيَأْخُذُه المُقَرُّ له. ولأنَّه أقَرَّ بما هو مَمْنُوعٌ من التَّصَرُّفِ فيه، [فلم يَنْفُذْ] (١) كإِقْرَارِ الرَّاهِنِ على الرَّهْنِ، والمُفْلِسِ على المَالِ. ومُقْتَضَى قولِ الخِرَقِيِّ، أنَّهُ يَلْزَمُه ما أقَرَّ به بعد فَكِّ الحَجْرِ عنه. وهو الظَّاهِرُ من قولِ أصْحَابِنَا، وقولِ أبِى ثَوْرٍ؛ لأنَّه مُكَلَّفٌ أقَرَّ بما لا يَلْزَمُهُ فى الحالِ، فلَزِمَهُ بعدَ فَكِّ الحَجْرِ عنه، كالعَبْدِ يُقِرُّ بِدَيْنٍ، والرَّاهِنِ يُقِرُّ (٢) على الرَّهْنِ، والمُفْلِس [على المالِ] (٣). ويَحْتَمِلُ أن لا يَصِحَّ إقرَارُه، ولا يُؤْخَذ به فى
стр. 3226
الحُكْمِ بحالٍ، وهذا مذهبُ الشَّافِعِىِّ؛ لأنَّه مَحْجُورٌ عليه، لِعَدَمِ رُشْدِه، فلم يَلْزَمْهُ حُكْمُ إقْرَارِه بعدَ فَكِّ الحَجْرِ عنه، كالصَّبِىِّ والمَجْنُونِ. ولأنَّ المَنْعَ من نُفُوذِ إقْرَارِه فى الحال، إنَّما ثَبَتَ لِحِفْظِ مَالِه عليه، ودَفْعِ الضَّرَرِ عنه، فلو نَفَذَ بعدَ فَكِّ الحَجْرِ، لم يُفِدْ إلَّا تَأْخِيرَ الضَّرَرِ عليه إلى أكْمَل حَالَتَيْهِ. وفَارَقَ المَحْجُورَ عليه لِحَقِّ غيرِه، فإنَّ المانِعَ تَعَلُّقُ حَقِّ الغيرِ بمَالِه، فيَزُولُ المانِعُ بِزَوَالِ الحَقِّ عن مَالِه، فيَثْبُتُ مُقْتَضَى إقْرَارِه. وفى مَسْأَلَتِنَا انْتَفَى الحُكْمُ لِخَلَلٍ فى الإِقْرَارِ، فلم يَثْبُتْ كَوْنُه سَبَبا، وبِزَوَالِ الحَجْرِ لم يَكْمُلِ السَّبَبُ، فلا يَثْبُتُ الحُكْمُ مع اخْتِلَافِ السَّبَبِ، كما لم يَثْبُتْ قبلَ فَكِّ الحَجْرِ. ولأنَّ الحَجْرَ لِحَقِّ الغَيْرِ لم يَمْنَعْ تَصَرُّفَهم فى ذِمَمِهم، فأمْكَنَ تَصْحِيحُ إقْرَارِهِم فى ذِمَمِهم على وَجْهٍ لا يَضُرُّ بِغَيْرِهِم، بأن يَلْزَمَهم بعدَ زَوَالِ حَقِّ غيرِهِم (٤)، والحَجْرُ هاهُنا لِحَظِّ نَفْسِه، من أجْل ضَعْفِ عَقْلِه، وسُوءِ تَصَرُّفِه، ولا يَنْدَفِعُ الضَّرَرُ إلَّا بإِبْطَالِ إقْرَارِه بالكُلِّيَّةِ، كالصَّبِىِّ والمَجْنُونِ. فأمَّا صِحَّتُه فيما بينَه وبين اللهِ تعالى، فإن عَلِمَ صِحَّةَ ما أقَرَّ به، كَدَيْنٍ لَزِمَهُ من جِنَايَةٍ، أو دَيْنٍ لَزِمَهُ قبلَ الحَجْرِ عليه، فعليه أدَاؤُه؛ لأنَّه عَلِمَ أنَّ عليه حَقًّا، فَلَزِمَهُ أدَاؤُه، كما لو لم يُقِرَّ به. وإن عَلِمَ فَسَادَ إقْرَارِه، مثل أن عَلِمَ أنَّه أقرَّ بِدَيْنٍ ولا دَيْنَ عليه، أو بِجِنَايَةٍ لم تُوجَدْ منه، أو أقَرَّ بما لا يَلْزَمُه، مثل إن أَتْلَفَ مَالَ مَنْ دَفَعَهُ إليه بِقَرْضٍ أو بَيْعٍ، لم يَلْزَمْهُ أدَاؤُه؛ لأنَّه يَعْلَمُ أنَّه لا دَيْنَ عليه، فلم يَلْزَمْهُ شىءٌ، كما لو لم يُقِرَّ به.
فصل: إذا أَذِنَ وَلِىُّ السَّفِيهِ له فى البَيْعِ والشِّرَاءِ، فهل يَصِحُّ منه؟ على وَجْهَيْنِ؛ أحَدِهما، يَصِحُّ؛ لأنَّه عَقْدُ مُعَاوَضَة، فَمَلَكَهُ بالإِذْنِ، كالنِّكَاحِ. ولأنَّه عَاقِلٌ مَحْجُورٌ عليه، فصَحَّ تَصَرُّفُه بالإِذْنِ فيه كالصَّبِىِّ. يُحَقِّقُ هذا أنَّ الحَجْرَ على الصَّبِىِّ أَعْلَى (٥) من الحَجْرِ عليه، ثُمَّ يَصِحُّ تَصَرُّفُه بالإِذْنِ، فهاهُنا أَوْلَى. ولأَنَّا لو مَنَعْنَا
стр. 3227
تَصَرُّفَه بالإِذْنِ، لم يكُنْ لنا طَرِيقٌ إلى مَعْرِفَةِ رُشْدِه واخْتِبَارِه. والثانى، لا يَصِحُّ؛ لأنَّ الحَجْرَ عليه لِتَبْذِيرِه وسُوءِ تَصَرُّفِه، فإذا أَذِنَ له، فقد أَذِنَ فيما لا مَصْلَحَةَ فيه، فلم يَصِحَّ، كما لو أَذِنَ فى بَيْعِ ما يُسَاوِى عَشَرةً بِخَمْسَةٍ. وللشَّافِعِىِّ وَجْهَانِ كهذَيْنِ. واللَّه أعْلَمُ.
стр. 3228
المُغْنِى
لمُوَفَّق الدين أبى محمد عبد اللَّه بن أحمد بن محمد بن قُدامة المقْدسىّ الجَمَّاعِيلىّ الدِّمَشْقىّ الصَّالحِىّ الحَنْبَلِىّ
٥٤١ - ٦٢٠ هـ
تحقيق الدكتور عبد اللَّه بن عبد المحسن التركى والدكتور عبد الفتاح محمد الحلو
الجزء السّابع
دَار عَالَم الكُتب للطباعة والنشر والتوزيع - الريَاض
стр. 3229
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
стр. 3230
المُغْنِى
стр. 3231
حقوق الطبع محفوظة
الطبعة الأولى ١٤٠٦ هـ = ١٩٨٦ م
الطبعة الثانية ١٤١٢ هـ = ١٩٩٢ م
الطبعة الثالثة ١٤١٧ هـ = ١٩٩٧ م
مصححة، منقحة
دَار عَالَم الكُتب للطباعة والنشر والتوزيع
العليا - غرب مؤسسة التحلية - ت ٤٦٥١٦٨٩/ ٤٦٣١٧٢٢ ص. ب. ٦٤٦٠ - الرياض ١١٤٤٢ - تليفاكس: ٤٦٣١٣٣٦ المملكة العربية السعودية
стр. 3232
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
كتابُ الصُّلْحِ
الصُّلْحُ مُعاقَدةٌ يُتَوَصَّلُ بها إلَى الإِصْلَاحِ بَيْنَ المُخْتَلِفَيْنِ، ويَتنوَّعُ أَنْواعًا؛ صُلْحٌ بَيْنَ المُسْلِمينَ وأهْلِ الحَرْبِ، وصُلْحٌ بَيْنَ أهْلِ العَدْلِ وأهْلِ البَغْىِ، وصُلْحٌ بَيْنَ الزَّوْجيْنِ إذَا خِيفَ الشِّقَاقُ بيْنَهما، قال اللهُ تعالى: ﴿وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا﴾ (١)، وقال تعالى: ﴿وَإِنِ امْرَأَةٌ خَافَتْ مِنْ بَعْلِهَا نُشُوزًا أَوْ إِعْرَاضًا فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا أَنْ يُصْلِحَا بَيْنَهُمَا صُلْحًا وَالصُّلْحُ خَيْرٌ﴾ (٢). ورَوَى أبو هُرَيْرَةَ، أَنَّ رَسولَ اللهِ ﷺ قال: "الصُّلْحُ بَيْنَ المُسْلِمين جَائِزٌ، إلَّا صُلْحًا حَرَّمَ حَلَالًا أَوْ أَحَلَّ حَرَامًا". أخْرَجَهُ التِّرْمِذِىُّ (٣)، وقال: حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ. وَرُوِىَ عن عُمَرَ، أنَّه كَتَبَ إلى أبِى مُوسَى بمثلِ ذلك. وأَجْمَعَتِ الأُمَّةُ (٤) على جَوَازِ الصُّلْحِ فى هذه الأَنْوَاعِ التى ذَكَرْنَاهَا، ولِكُلِّ واحِدٍ منها بَابٌ يُفْرَدُ له، ويُذْكَرُ فيه أحْكامُه. وهذا البابُ لِلصُّلْحِ بَيْنَ المُتَخاصِمَيْنِ فى الأَمْوَالِ، وهو نَوْعَانِ؛ صُلْحٌ على إِقْرَارٍ، وصُلْحٌ على إِنْكَارٍ. ولَمْ
стр. 3233
يُسَمِّ الخِرَقِىُّ الصُّلْحَ إلَّا فى الإِنْكَارِ خاصَّةً.
٨١٧ - مسألة؛ قال: (وَالصُّلْحُ الَّذِى يَجُوزُ، هُوَ أنْ يَكُونَ لِلْمُدَّعِى حَقٌّ لا يَعْلَمُهُ المُدَّعَى عَلَيْهِ، فيَصْطَلِحَانِ عَلَى بَعْضِهِ، فَإِنْ كَان يَعْلَمُ مَا عَلَيْهِ، فجَحَدَهُ، فالصُّلْحُ بَاطِلٌ)
وجُمْلَةُ ذلك، أنّ الصُّلْحَ علَى الإِنْكَارِ صَحِيحٌ. وبه قالَ مالِكٌ، وأبو حَنيفَةَ. وقالَ الشَّافِعِىُّ: لا يَصِحُّ؛ لأنَّه عاوَضَ على ما لَمْ يَثْبُتْ له (١)، فلَمْ تَصِحَّ المُعَاوَضَةُ، كَما لو بَاعَ مَالَ غيْرِه، ولأنَّه عَقْدُ مُعَاوَضَةٍ خَلَا عن العِوَضِ فى أَحَدِ جَانِبَيْهِ، فبَطَلَ، كالصُّلْحِ علَى حَدِّ القَذْفِ. ولَنا، عُمومُ قَوْلِه ﷺ : "الصُّلْحُ بَيْنَ المُسْلِمِينَ جَائِزٌ". فيَدْخُلُ هذا فى عُمومِ قَوْلِه. فإنْ قالوا: فقد قال: "إِلَّا صُلْحًا أَحَلَّ حَرَامًا". وهذا دَاخِلٌ فيه؛ لِأنَّه لَمْ يَكُنْ له أنْ يَأْخُذَ مِن مَالِ المُدَّعَى عَلَيْه، فَحلَّ بالصُّلْحِ. قُلْنَا: لا نُسَلِّمُ دُخُولَهُ فيه، ولا يَصِحُّ حَمْلُ الحَدِيثِ علَى ما ذَكَرُوهُ لِوَجْهَيْنِ؛ أحَدُهما، أنَّ هذا يُوجَدُ فى الصُّلْحِ بِمَعْنَى البَيْعِ، فإنَّه يُحِلُّ لِكُلِّ واحدٍ منْهُما ما كان مُحَرَّمًا عليه قَبْلَه، وكذلك الصُّلْحُ بمَعْنَى الهِبَةِ، فإنَّه يُحِلُّ لِلْمَوْهُوبِ له ما كان حَرَامًا عليه، والإِسْقَاطُ يُحِلُّ له تَرْكَ أدَاءِ ما كان وَاجِبًا عليه. الثانى، أنَّه لو حَلَّ به المُحَرَّمُ، لكان الصُّلْحُ صَحِيحًا، فإنَّ الصُّلْحَ الفَاسِدَ لا يُحِلُّ الحَرامَ، وإنَّما مَعْنَاهُ ما يُتَوَصَّلُ به إلَى تَنَاوُلِ المُحَرَّمِ مع بَقَائِهِ على تَحْرِيمِه، كما لو صالَحَهُ على اسْتِرْقَاقِ حُرٍّ، أوْ إحْلَالِ بُضْعٍ مُحَرَّمٍ، أو صَالَحَهُ بِخَمْرٍ أو خِنْزِيرٍ. وليس ما نحن فيه كذلك. وعلَى أنَّهم لا يَقُولُون بهذا، فإنَّهم يُبِيحُون لمَنْ له حَقٌّ يَجْحَدُهُ غَرِيمُه، أن يَأْخُذَ مِن مَالِه بِقَدْرِه أو دُونَه، فإذا حَلَّ له ذلك مِن غَيْرِ اخْتِيَارِه ولا عِلْمِه، فَلَأَنْ يَحِلَّ بِرِضاهُ وبَذْلِه أَوْلَى، وكذَلِك (٢) إذا حَلَّ مع اعْتِرَافِ الغَرِيمِ، فلَأَنْ يَحِلَّ مع جَحْدِه وعَجْزِه عن الوُصُولِ إلى حَقِّه إلّا بِذَلِك أَوْلَى، ولأنَّ
стр. 3234
المُدَّعِىَ هاهُنا يَأْخُذُ عِوَضَ حَقِّه الثَّابِتِ له، والمُدَّعَى عليه يَدْفَعُه لِدَفْعِ الشَّرِّ عنه، وقَطْعِ الخُصُومَةِ، ولَمْ يَرِدِ الشَّرْعُ بِتَحْرِيمِ ذلك فى مَوْضِعٍ، ولأنَّه صُلْحٌ يَصِحُّ مع الأَجْنَبِىِّ، فَصَحَّ مع الخَصْمِ، كالصُّلْحِ مع الإِقْرَارِ. يُحَقِّقُه أنَّه إذا صَحَّ مع الأَجْنَبِىِّ مع غِنَاهُ عنه، فلَأَنْ يَصِحَّ مع الخَصْمِ مع حَاجَتِه إليه أَوْلَى. وقولُهم: إنَّه مُعاوَضَةٌ. قُلْنا: فى حَقِّهِما أمْ فى حَقِّ أحَدِهما؟ الأَوَّلُ مَمْنُوعٌ، والثانى مُسَلَّمٌ؛ وهذا لأنَّ المُدَّعِىَ يَأْخُذُ عِوَضَ حَقِّهِ مِن المُنْكِرِ لِعِلْمِه بِثُبُوتِ حَقِّهِ عندَه، فهو مُعاوَضَةٌ فى حَقِّه، والمُنْكِرُ يَعْتَقِدُ أنَّه يَدْفَعُ المالَ لِدَفْعِ الخُصُومَةِ واليَمِينِ عنه، ويُخَلِّصُه من شَرِّ المُدَّعِى، فهو أَبْرَأُ فى حَقِّه، وغيرُ مُمْتَنِعٍ ثُبُوتُ المُعاوَضَةِ فى حَقِّ أحَدِ المُتَعاقِدَيْن دونَ الآخَرِ، كما لو اشْتَرَى عَبْدًا شَهِدَ بِحُرِّيَّتِه، فإنَّه يَصِحُّ، ويكونُ مُعاوَضَةً فى حَقِّ البائِعِ، واسْتِنْقَاذًا له من الرِّقِّ فى حَقِّ المُشْتَرِى، كذا هاهُنا. إذا ثَبَتَ هذا، فلا يَصِحُّ هذا الصُّلْحُ، إلَّا أنْ يكونَ المُدَّعِى مُعْتَقِدًا أنَّ ما ادَّعَاهُ حَقٌّ، والمُدَّعَى عليه يَعْتَقِدُ أنَّه لا حَقَّ عليه، فيَدْفَعُ إلَى المُدَّعِى شَيْئًا افْتِدَاءً لِيَمِينِه، وقَطْعًا لِلْخُصُومةِ، وصِيَانَةً لِنَفْسِه عن التَّبَذُّلِ، وحُضُورِ مَجْلِسِ الحاكِمِ، فإنَّ ذَوِى النُّفُوسِ الشَّرِيفَةِ والمُرُوءَةِ يَصْعُبُ عليهم ذلك، ويَرَوْنَ دَفْعَ ضَرَرِها عنهم مِن أَعْظَمِ مَصالِحِهم، والشَّرْعُ لا يَمْنَعُهم مِن وِقَايَةِ أنْفُسِهِمْ وصِيَانَتِها، ودَفْعِ الشَّرِّ عنهم بِبَذْلِ أَمْوَالِهِمْ، والمُدَّعِى يَأْخُذُ ذلك عِوَضًا عن حَقِّه الثَّابِتِ له، فلا يَمْنَعُه الشَّرْعُ من ذلك أيضا، سواءٌ كان المأْخُوذُ مِن جِنْس حَقِّه، أو مِن غيرِ جِنْسِه، بِقَدْرِ حَقِّه أو دُونَه، فإن أخَذَ مِن جِنْسِ حَقِّه بِقَدْرِه فهو مُسْتَوْفٍ له، وإن أَخَذَ دُونَه، فقد اسْتَوْفَى بَعْضَه وتَرَكَ بعضَه، وإنْ أخَذَ مِن غير جِنْسِ حَقِّه فقد أخَذَ عِوَضَه. ولا يجوزُ أن يَأْخُذَ مِن جِنْسِ حَقِّه أكْثَرَ مِمَّا ادَّعَاهُ؛ لأنَّ الزَّائِدَ لا مُقَابِلَ له، فيكونَ ظَالِمًا بِأَخْذِه. وإنْ أخَذَ مِن غيرِ جِنْسِه جَازَ، ويكونُ بَيْعًا فى حَقِّ المُدَّعِى؛ لِاعْتِقادِه أَخْذَه عِوَضًا، فيَلْزَمُه حُكْمُ إقْرَارِه. فإن كان المَأْخُوذُ شِقْصًا فى دَارٍ أو عَقَارٍ، وَجَبَتْ فيه الشُّفْعَةُ، وإنْ وَجَدَ به عَيْبًا فلَهُ رَدُّه، والرُّجُوعُ فى دَعْوَاه، ويكونُ فى حَقِّ المُنْكِرِ بمَنْزِلَةِ الإِبْرَاءِ؛ لِأنَّه دَفَعَ المالَ افْتِدَاءً لِيَمِينِه، ودَفْعًا لِلضَّرَرِ عنه، لا عِوَضًا عن حَقٍّ يَعْتَقِدُه، فيَلْزَمُه أيضا حُكْمُ إقْرَارِه. فإنْ وَجَدَ بالمُصالَحِ عنه عَيْبًا، لم يَرْجِعْ به علَى المُدَّعِى؛
стр. 3235
لِاعْتِقَادِه أنَّه ما أخَذَ (٣) عِوَضًا. وإنْ كان شِقْصًا لَمْ تَثْبُتْ (٤) فيه الشُّفْعَةُ؛ لأنَّه يَعْتَقِدُه علَى مِلْكِه، لم يَزُلْ، وما مَلَكَهُ بالصُّلْحِ. ولو دَفَعَ المُدَّعَى عليه [إلى المُدَّعِى] (٥) ما ادَّعَاهُ أو بعضَه، لَمْ يَثْبُتْ فِيهِ حُكْمُ البَيْعِ، ولا تَثْبُتُ فيه الشُّفْعَةُ؛ لأنَّ المُدَّعِىَ يَعْتَقِدُ أنَّه اسْتَوْفَى بعضَ حَقِّه، وأخَذَ عَيْنَ مَالِه، مُسْتَرْجِعًا لها مِمَّنْ هى عِنْدَه، فلَمْ يَكُنْ بَيْعًا، كاسْتِرْجاعِ العَيْنِ المَغْصُوبَةِ. فأمَّا إنْ كان أحَدُهُما كاذِبًا، مثْلُ أن يَدَّعِىَ المُدَّعِى شيئًا يَعْلَمُ أنَّه ليس له، [أو يُنْكِرُ] (٦) المُنْكِرُ حَقًّا يَعْلَمُ أنَّه عليه، فالصُّلْحُ بَاطِلٌ فى الباطِنِ؛ لأنَّ المُدَّعِىَ إذا كان كاذِبًا، فما يَأْخُذُه أكْلُ مَالٍ بالبَاطِلِ، أخَذَهُ بِشَرِّه وظُلْمِه ودَعْوَاهُ البَاطِلَةِ، لا عِوَضًا عن حَقٍّ له، فيكونُ حَرَامًا عليه، كمَن خَوَّفَ رَجُلًا بِالقَتْلِ حتى أخَذَ مَالَهُ. وإن كان صَادِقًا، والمُدَّعَى عليه يَعْلَمُ صِدْقَه وثُبُوتَ حَقِّه، فجَحَدَهُ لِيَنْتَقِصَ حَقَّهُ، أو يُرْضِيَهُ عنه بشىءٍ، فهو هَضْمٌ لِلْحَقِّ، وأَكْلُ مالٍ بالبَاطِلِ، فيكونُ ذلك حَرَامًا، والصُّلْحُ باطِلٌ، ولا يَحِلُّ له مَالُ المُدَّعِى بذلك. وقد ذَكَرَهُ الخِرَقِىُّ فقالَ (٧): "وإِنْ كانَ يَعْلَمُ ما عَلَيْهِ فجَحَدَهُ، فالصُّلْحُ بَاطِلٌ". يعنِى فى الحَقِيقَةِ، وأَمَّا الظَّاهِرُ لَنا فهو الصِّحَّةُ؛ لأنَّنا لا نَعْلَمُ بَاطِنَ الحالِ، وإنَّما يَنْبَنِى الأَمْرُ علَى الظَّوَاهِرِ، والظَّاهِرُ من المُسْلِم السَّلَامَةُ.
فصل: ولو ادَّعَى علَى رَجُلٍ وَدِيعَةً، أو قَرْضًا، أو تَفْرِيطًا فى وَدِيعَةٍ أو مُضَارَبةٍ، فأنْكَرَهُ، واصْطَلَحا، صَحَّ لِمَا ذَكَرْنَاهُ.
فصل: وإنْ صَالَحَ عن المُنْكِرِ أَجْنَبِىٌّ، صَحَّ، سواءٌ اعْتَرَفَ لِلْمُدَّعِى بِصِحَّةِ دَعْوَاه أوْ لم يَعْتَرِفْ، وسواءٌ كان بإِذْنِه أو غيرِ إِذْنِه. وقال أصْحابُ الشَّافِعِىِّ: إنَّما يَصِحُّ
стр. 3236
إذا اعْتَرَفَ لِلْمُدَّعِى بِصِدْقِه، وهذا مَبْنِىٌّ علَى صُلْحِ المُنْكِرِ، وقد ذَكَرْنَاهُ. ثم لا يَخْلُو الصُّلْحُ، إمَّا أنْ يكونَ عن دَيْنٍ أو عَيْنٍ، فإنْ كان عن دَيْنٍ، صَحَّ، سواءٌ كان بإِذْنِ المُنْكِرِ، أو بغيرِ إِذْنِه؛ لأنَّ قَضَاءَ الدَّيْنِ عن غيرِه بإِذْنِه وبغَيْرِ إِذْنِه، فإنَّ عَلِيًّا وأبَا قَتَادَةَ، رَضِىَ اللهُ عنهما، قَضَيَا عن المَيِّتِ، فأجَازَهُ النبىُّ ﷺ (٨)، وإنْ كان الصُّلْحُ عن عَيْنٍ بإِذْنِ المُنْكِرِ، فهُو كالصُّلْحِ منه؛ لأنَّ الوَكِيلَ يَقُومُ مَقامَ المُوَكِّلِ. وإنْ كان بغيرِ إِذْنِه، فهُو افْتِدَاءٌ لِلْمُنْكِرِ من الخُصُومةِ، وإبْرَاءٌ له من الدَّعْوَى، وذلك جَائِزٌ. وفى المَوْضِعَيْنِ، إذا صَالَحَ عنه بغيرِ إِذْنِه، لَمْ يَرْجِعْ عليه بشىءٍ؛ لأنَّه أَدَّى عنه ما لا يَلْزَمُه أدَاؤُه. وخَرَّجَهُ القَاضِى وأبو الخَطَّابِ على الرِّوَايَتَيْنِ، فيما إذا قَضَى دَيْنَهُ الثَّابِتَ بغير إِذْنِه، وليس هذا بِجَيِّدٍ؛ لأنَّ هذا لم يَثْبُتْ وُجُوبُه على المُنْكِرِ، ولا يَلْزَمُه أدَاؤُه إلى المُدَّعِى، فكيف يَلْزَمُه أدَاؤُه إلى غيرِه! ولأنَّه أَدَّى عنه ما لا يَجِبُ عليه، فكان مُتَبَرِّعًا، كما لو تَصَدَّقَ عنه. ومن قال بِرُجُوعِه، فإنَّه يَجْعَلُه كالمُدَّعِى فى الدَّعْوَى على المُنْكِرِ لا غيرُ، أمَّا أنْ يَجِبَ له الرُّجُوعُ بما أَدَّاهُ حَتْمًا، فلا وَجْهَ له أصْلَا؛ لأنَّ أكْثَرَ ما يَجِبُ لمَن قَضَى دَيْنَ غيرِه أن يَقُومَ مَقامَ صَاحِبِ الدَّيْنِ، وصَاحِبُ الدَّيْنِ هاهُنا لم يَجِبْ له حَقٌّ، ولا لَزِمَ الأَدَاءُ إليه، ولا يَثْبُتُ له أكْثَرُ من جَوازِ الدَّعْوَى، فكذلك هذا. ويُشْتَرَطُ فى جَوَازِ الدَّعْوَى أن يَعْلَمَ صِدْقَ المُدَّعِى، فأمَّا إن لم يَعْلَمْ، لم يَحِلَّ له دَعْوَى بشىءٍ لا يَعْلَمُ ثُبُوتَهُ. وأمَّا ما إذا صَالَحَ عنه بإِذْنِه، فهو وَكِيلُه، والتَّوْكِيلُ فى ذلك جائِزٌ. ثم إن أَدَّى عنه بإِذْنِه، رَجَعَ اليه (٩)، وهذا قولُ الشَّافِعِىِّ. وإن أَدَّى عنه بغيرِ إِذْنِه مُتَبَرِّعًا، لم يَرْجِعْ بِشىءٍ، وإن قَضَاهُ مُحْتَسِبًا بالرُّجُوعِ، خُرِّجَ على الرِّوَايَتَيْنِ فى مَن قَضَى دَيْنَ غيرِه بغيرِ إِذْنِه؛ لأنَّه قد
стр. 3237
وَجَبَ عليه أدَاؤُه بِعَقْدِ الصُّلْحِ، بِخِلَافِ ما إذا صَالَحَ وقَضَى بغَيْرِ إِذْنِه، فإنَّه قَضَى ما لا يَجِبُ على المُنْكِرِ قَضَاؤُهُ.
فصل: وإن صَالَحَ الأَجْنَبِىُّ المُدَّعِىَ لِنَفْسِه؛ لِتَكُونَ المُطَالَبةُ له، فلا يَخْلُو مِن أن يَعْتَرِفَ لِلمُدَّعِى بِصِحَّةِ دَعْوَاهُ، أوْ لا يَعْتَرِفَ له، فإن لم يَعْتَرِفْ له، كان الصُّلْحُ بَاطِلًا؛ لأنَّه يَشْتَرِى منه ما لم يَثْبُتْ له، ولمْ تَتَوَجَّهْ إليه خُصُومةٌ يَفْتَدِى منها، فأَشْبَهَ ما لو اشْتَرَى منه مِلْكَ غيرِه. وإنِ اعْتَرَفَ له بِصِحَّةِ دَعْوَاهُ، وكان المُدَّعَى دَيْنًا، لم يَصِحَّ؛ لأنَّه اشْتَرَى ما لا يَقْدِرُ البائِعُ على تَسْلِيمِه، ولأنَّه بَيْعٌ لِلدَّيْنِ (١٠) مِن غيرِ مَن هو فى ذِمَّتِه. ومن أَصْحابِنَا مَن قال: يَصِحُّ. وليس بِجَيِّدٍ؛ لأنَّ بَيْعَ الدَّيْنَ المُقَرِّ به من غير مَن هو فى ذِمَّتِه لا يَصِحُّ، فبَيْعُ دَيْنٍ فى ذِمَّةِ مُنْكِرٍ مَعْجُوزٍ عن قَبْضِه أوْلَى. وإن كان المُدَّعَى عَيْنًا، فقال الأَجْنَبِىُّ لِلمُدَّعِى: أنا أعْلَمُ أنك صَادِقٌ، فَصَالِحْنِى عنها، فإنِّى قَادِرٌ على اسْتِنْقَاذِهَا من المُنْكِرِ. فقال أصْحَابُنَا: يَصِحُّ الصُّلْحُ. وهو مذهبُ الشَّافِعِىِّ؛ لأنَّه اشْتَرَى منه مِلْكَه الذى يَقْدِرُ على تَسْلِيمِه. ثم إن قَدَرَ على انْتِزَاعِه، اسْتَقَرَّ الصُّلْحُ، وإن عَجَزَ، كان له الفَسْخُ؛ لأنَّه لم يُسَلِّمْ له المَعْقُودَ عليه، فكان له الرُّجُوعُ إلى بَدَلِه. ويَحْتَمِلُ أنَّه إنْ تَبَيَّنَ أنَّه لا يَقْدِرُ على تَسْلِيمِه، تَبَيَّنَ أنّ الصُّلْحَ كان فَاسِدًا؛ لأنَّ الشَّرْطَ الذى هو القُدْرَةُ على قَبْضِه مَعْدُومٌ حال العَقْدِ، فكان فَاسِدًا، كما لو اشْتَرَى عَبْدَه، فتَبَيَّنَ أنه آبِقٌ، أوْ مَيِّتٌ. ولو اعْتَرَفَ له بِصِحَّةِ دَعْوَاهُ، ولا يُمْكِنُه اسْتِيفَاؤُه، لم يَصِحَّ الصُّلْحُ؛ لأنَّه اشْتَرَى ما لا يُمْكِنُه قَبْضُه (١١)، فأشْبَهَ شِرَاءَ العَبْدِ الآبِقِ، والجَمَلِ الشَّارِدِ. فإن اشْتَرَاهُ وهو يَظُنُّ أنَّه عَاجِزٌ عن قَبْضِه، فتَبَيَّنَ أنَّ قَبْضَهُ مُمْكِنٌ، صَحَّ البَيْعُ؛ لأنَّ البَيْعَ تَنَاوَلَ ما يُمْكِنُ قَبْضُه، فصَحَّ، ما لو عَلِمَا (١٢) ذلك. ويَحْتَمِلُ أن لا يَصِحَّ؛ لأنَّه ظَنَّ عَدَمَ الشَّرْطِ، فأَشْبَهَ ما لو بَاعَ عَبْدًا يَظُنُّ أنَّه حُرٌّ، أو أنَّه عَبْدُ غيرِه، فتَبَيَّنَ أنَّه عَبْدُه. ويَحْتَمِلُ أن يُفَرَّقَ بين من يَعْلَمُ أن البَيْعَ يَفْسُدُ بالعَجْزِ عن تَسْلِيمِ
стр. 3238
المَبِيعِ، وبين مَن لم يَعْلَمْ ذلك؛ لأنَّ من يَعْلَمُ ذلك يَعْتَقِدُ فَسَادَ البَيْعِ والشِّرَاءِ، فكان بَيْعُه فَاسِدًا؛ لِكَوْنِه مُتَلَاعِبًا بقولِه، مُعْتَقِدًا فَسَادَهُ، ومن لا يَعْلَمُ يَعْتَقِدُه صَحِيحًا، وقد تَبَيَّنَ اجْتِمَاعُ شُرُوطِه، فصَحَّ، كما لو عَلِمَهُ مَقْدُورًا على تَسْلِيمِه.
فصل: فإن قال الأَجْنَبِىُّ لِلْمُدَّعِى: أنا وَكِيلُ المُدَّعَى عليه فى مُصَالَحَتِكَ عن هذه العَيْنِ، وهو مُقِرٌّ لك بها، وإنَّما يَجْحَدُها فى الظَّاهِرِ. فظَاهِرُ كَلَامِ الخِرَقِىِّ أنَّ الصُّلْحَ لا يَصِحُّ؛ لأنَّه يَجْحَدُها فى الظَّاهِرِ لِيَنْتَقِصَ المُدَّعِىَ بَعْضَ حَقِّه، أوْ يَشْتَرِيَهُ بأقَلَّ مِن (١٣) ثَمَنِه، فهو هَاضِمٌ لِلْحَقِّ، يَتَوَصَّلُ إلى أخْذِ المُصَالَحِ عنه بالظُّلْمِ والعُدْوَانِ، فهو بِمَنْزِلَةِ ما لو شَافَهَهُ بذلك، فقال: أنا أَعْلَمُ صِحَّةَ دَعْوَاكَ، وأنَّ هذا لك، ولكنْ لا أُسَلِّمُه إليك، ولا أُقِرُّ لك به عندَ الحاكِمِ حتى تُصَالِحَنِى منه على بعضِه، أو عِوَضٍ عنه. وقال القاضِى: يَصِحُّ. وهذا مذهبُ الشَّافِعِىِّ. قالوا: ثم يَنْظُرُ إلى المُدَّعَى عليه، فإن صَدَّقَهُ على ذلك، مَلَكَ العَيْنَ، [ورَجَعَ الأَجْنَبِىُّ عليه] (١٤) بما أَدَّى عنه، إن كان أَذِنَ له فى الدَّفْعِ، وإن أَنْكَرَ الإِذْنَ فى الدَّفْعِ، فالقَوْلُ قولُه مع يَمِينِه، ويكون حُكْمُه حُكْمَ من قَضَى دَيْنَه بغيرِ إِذْنِه. وإن أنْكَرَ الوِكَالَةَ، فالقَوْل قولُه مع يَمِينِه، وليس لِلْأَجْنَبِىِّ الرُّجُوعُ عليه، ولا يُحْكَمُ له بِمِلْكِها. فأمَّا حُكْمُ مِلْكِها فى البَاطِنِ، فإن كان وَكَّلَ الأَجْنَبِىَّ فى الشِّرَاءِ، فقدْ مَلَكَها؛ لأنَّه اشْتَرَاهَا بإِذْنِه، فلا يَقْدَحُ إنْكَارُه فى مِلْكِها؛ لأنَّ مِلْكَهُ ثَبَتَ قبلَ إِنْكَارِه، وإنَّما هو ظَالِمٌ بالإِنْكَارِ لِلْأَجْنَبِىِّ، وإن كان لم يُوَكِّلْهُ، لم يَمْلِكها؛ لأنَّه اشْتَرَى له عَيْنًا بغيرِ إِذْنِه. ويَحْتَمِلُ أنْ يَقِفَ على إِجازَتِه، كمَا قُلْنا فى مَن اشْتَرَى لِغيرِه شيئا بغيرِ إِذنِه بِثَمَنٍ فى ذِمَّتِه، فإنْ أجَازَهُ، لَزِمَ فى حقِّه، وإن لم يُجِزْهُ، لَزِمَ مَن اشْتَرَاهُ. وإن قال الأَجْنَبِىُّ لِلْمُدَّعِى: قد عَرَفَ المُدَّعَى عليه صِحَّةَ دَعْوَاكَ، وهو يَسْأَلُكَ أن تُصَالِحَهُ عنه، وقد وَكَّلَنِى فى المُصَالَحَةِ عنه. فصَالَحَهُ، صَحَّ، وكان الحُكْمُ كما ذَكَرْنَا؛ لأنَّه
стр. 3239
هاهُنا لم يَمْتَنِعْ مِن أدَائِه، بلِ اعْتَرَفَ به، وصَالَحَهُ عليه، مع بَذْلِه له، فأَشْبَهَ ما لو لم يَجْحَدْهُ.
٨١٨ - مسألة؛ قال: (ومَنِ اعْتَرَف بِحَقٍّ، فصَالَحَ عَلَى بَعْضِهِ، لَمْ يَكُنْ ذلِكَ صُلْحًا؛ لِأَنَّهُ هَضْمٌ لِلْحَقِّ)
وجُمْلَتُه أنَّ مَنِ اعْتَرَفَ بِحَقٍّ، وامْتَنَعَ مِن أدَائِه حتى صُولِحَ على بعضِه، فالصُّلْحُ بَاطِلٌ؛ لأنَّه صَالَحَ عن بَعْضِ مَالِه ببَعْضٍ، وهذا مِحالٌ (١)، وسواءٌ كان بلَفْظِ الصُّلْحِ، أو بلَفْظِ الإِبْرَاءِ، أو بِلَفْظِ الهِبَةِ المَقْرُونِ بِشَرْطٍ، مثلُ أن يقولَ: أَبْرَأْتُكَ عن خَمْسِمائةٍ، أو وَهَبْتُ لك خَمْسَمائةٍ، بِشَرْطِ أن تُعْطِيَنِى ما بَقِىَ. ولو لم يَشْتَرِطْ، إلَّا أنَّه لَمْ يُعْطِ بَعْضَ حَقِّه إلَّا بإِسْقَاطِه (٢) بعضَه، فهو حَرَامٌ أيضا؛ لأنَّه هَضَمَهُ حَقَّهُ. قال ابنُ أبِى موسى (٣): الصُّلْحُ علَى الإِقْرَارِ هَضْمٌ لِلْحَقِّ، فمتى أَلْزَمَ المُقَرَّ له تَرْكَ بَعْضِ حَقِّه، فتَرَكَهُ عن غيرِ طيبِ نَفْسِهِ (٤)، لم يَطِبِ الأَخْذُ. وإنْ تَطوَّعَ المُقَرُّ له بإِسْقاطِ بَعْضِ حَقِّه بِطِيبٍ مِن نَفْسِهِ، جَازَ، غيرَ أنَّ ذلك ليس بِصُلْحٍ، ولا من بابِ الصُّلْحِ بِسَبِيلٍ. ولَمْ يُسَمِّ الخِرَقِىُّ الصُّلْحَ إلَّا فى الإِنكَارِ، على الوَجْهِ الذى قَدَّمْنَا ذِكْرَه، فأمَّا فى الاعْتِرَافِ، فإذا اعْتَرَفَ بشىءٍ، وقَضَاهُ مِن جِنْسِه، فهو وَفَاءٌ, وإنْ قَضَاهُ مِن غيرِ جِنْسِه، فهى مُعَاوَضةٌ، وإنْ أبْرَأَهُ مِن بعضِه اخْتِيَارًا منه، واسْتَوْفَى البَاقِىَ، فهو إِبْرَاءٌ، وإن وَهَبَ له بعضَ العَيْنِ، وأخَذَ بَاقِيَها بِطِيبِ نَفْسٍ، فهِى هِبَةٌ، فلا يُسَمّى ذلك صُلْحًا. ونحوَ ذلك قال ابنُ أبى مُوسَى، وسَمَّاهُ القاضِى وأَصْحابُه صُلْحًا. وهو قَوْلُ الشَّافِعِىِّ وغيرِه؛ والخِلَافُ فى التَّسْمِيَةِ، أمَّا المَعْنَى فمُتَّفَقٌ عليه، وهو فِعْلُ ما عَدَا وَفَاءَ الحَقِّ، وإسْقَاطُه على وَجْهٍ يَصِحُّ، وذلك ثَلَاثةُ أَقْسَامٍ؛ مُعَاوَضَةٌ، وإِبْرَاءٌ، وهِبَةٌ.
стр. 3240
فأمَّا المُعَاوَضَةُ، فهو أن يَعْتَرِفَ له بِعَيْنٍ فى يَدِه، أو دَيْنٍ فى ذِمَّتِه، ثم يَتَّفِقان على تَعْوِيضِه عن ذلك بما يجوزُ تَعْوِيضُه به، وهذا ثَلَاثَةُ أضْرُبٍ؛ أحدها، أن يَعْتَرِفَ له بأَحَدِ النَّقْدَيْنِ، فَيُصَالِحَه [على] الآخرِ، نحوُ أن يَعْتَرِفَ له بمائَةِ دِرْهَمٍ، فَيُصَالِحَهُ منها بِعَشرَةِ دَنَانِيرَ، أو يَعْتَرِفَ له بِعَشرَةِ دَنَانِيرَ، فَيُصَالِحَه على مائَةِ دِرْهَمٍ، فهذا صَرْفٌ، يُشْتَرَطُ له شُرُوطُ الصَّرْفِ، من التَّقَابُضِ فى المَجْلِسِ ونحوِه. الثانى، أن يَعْتَرِفَ له بِعُرُوضٍ، فيُصَالِحَه على أَثْمَانٍ، أوْ بِأَثْمَانٍ، فيُصَالِحَه على عُرُوضٍ، فهذا بَيْعٌ يَثْبُتُ فيه أحْكَامُ البَيْعِ. وإن اعْتَرَفَ له بِدَيْنٍ، فصَالَحَه على مَوْصُوفٍ فى الذِّمَّةِ، لمْ يَجُزِ التَّفَرُّقُ قبْلَ القَبْضِ؛ لأنَّه بَيْعُ دَيْنٍ بِدَيْنٍ. الثالثُ. أن يُصَالِحَهُ على سُكْنَى دَارٍ، أو خِدْمَةِ عَبْدٍ، ونحوِه، أو على أن يَعْمَلَ له عَمَلًا مَعْلُومًا، فيكونُ ذلك إِجَارَةً، لها حُكْمُ سَائِرِ الإِجَارَاتِ، وإذا أُتْلِفَ (٥) الدَّارُ أو العَبْدُ قبلَ اسْتِيفَاءِ شىءٍ من المَنْفَعَةِ، انْفَسَخَتِ الإِجَارَةُ، ورَجَعَ بما صَالَحَ عنه. وإن تَلِفَتْ (٦) بعد اسْتِيفَاءِ شَىءٍ من المَنْفَعَةِ، انْفَسَخَتْ فيما بَقِىَ من المُدَّةِ، ورَجَعَ بِقِسْطِ ما بَقِىَ. ولو صَالَحَهُ على أن يُزَوِّجَهُ جَارِيَتَهُ، وهو ممَّن يجوزُ له نِكَاحُ الإِمَاءِ، صَحَّ. وكان المُصَالَحُ عنه صَدَاقَهَا (٧)، فإن انْفَسَخَ النِّكَاحُ قبل الدُّخُولِ بِأَمْرٍ يُسْقِطُ الصَّدَاقَ، رَجَعَ الزَّوْجُ بما صَالَحَ عنه، وإن طَلَّقَها قبلَ الدُّخُولِ، رَجَعَ بِنِصْفِهَا، وإن كان المُعْتَرِفُ امْرأَةً، فصَالَحَتِ المُدَّعِى على أن تُزَوِّجَهُ نَفْسَهَا، جَازَ. ولو كان المُعْتَرَفُ به عَيْبًا فى مَبِيعِها، فصَالَحَتْهُ على نِكَاحِهَا، صَحَّ. فإن زَالَ العَيْبُ، رَجَعَتْ بِأَرْشِه؛ لأنَّ ذلك صَدَاقُها، فرَجَعَتْ به، لا بِمَهْرِ مِثْلِهَا. وإن لم يَزُلِ العَيْبُ، لكن انْفَسَخَ نِكَاحُها بما يُسْقِطُ صَدَاقَها، رَجَعَ عليها بِأَرْشِهِ.
стр. 3241
القسم الثانى، الإِبْرَاءُ، وهو أن يَعْتَرِفَ له بِدَيْنٍ فى ذِمَّتِه، فيقولَ: قد أَبْرأْتُكَ من نِصْفِه أو جُزْءٍ مُعَيَّنٍ منه، فأَعْطِنِى ما بَقِىَ. فَيَصِحُّ إذا كانتِ البَرَاءَةُ مُطْلَقَةً من غير شَرْطٍ. قال أحْمَدُ: إذا كان لِلرَّجُلِ على الرَّجُلِ الدَّيْنُ، ليس عنده وفاءٌ فوَضَعَ عنه بعضَ حَقِّه، وأخَذَ منه البَاقِىَ، كان ذلك جَائِزًا لهما، ولو فَعَلَ ذلك قَاضٍ، لم يكُنْ عليه فى ذلك إِثْمٌ؛ لأنَّ النبىَّ ﷺ (٨) كَلَّمَ غُرَمَاءَ جَابِرٍ لِيَضَعُوا عنه، فوَضَعُوا عنه الشَّطْرَ (٩). وفى الذى أُصِيبَ فى حَدِيقَتِه فمَرَّ به النبيُّ ﷺ ، وهو مَلْزُومٌ، فأشَارَ إلى غُرَمَائِه بالنِّصْفِ، فأَخَذُوه منه (١٠). فإن فَعَلَ ذلك قَاضٍ اليوم، جَازَ إذا كان على وَجْهِ الصُّلْحِ والنَّظَرِ لهما. ورَوَى يُونُسُ، عن الزُّهْرِىِّ، عن عبدِ اللهِ بن كَعْبٍ، عن أبِيهِ، أنَّه تَقَاضَى ابنَ أبي حَدْرَدٍ دَيْنًا كان له (١١) عليه فى المَسْجِدِ، فارْتَفَعَتْ أَصْوَاتُهُما حتى سَمِعَها رسولُ اللَّه ﷺ ، فخَرَجَ إليهما، ثم نَادَى: "يَا كَعْبُ". قال: لَبَّيْكَ يا رسولَ اللَّه. فأشَارَ إليه، أن ضَعِ الشَّطْرَ من دَيْنِكَ. قال: قد فَعَلْتُ يا رسولَ اللَّه. قال رسُولُ اللَّه ﷺ : "قُمْ فأَعْطِه" (١٢). فإن قال: على أن تُوَفِّيَنِى ما بَقِىَ بَطَلَ؛ لأنَّه ما أَبْرَأَةُ عن
стр. 3242
بعضِ الحَقِّ إلَّا لِيُوفِّيَهُ بَقِيَّتَهُ، فكأنه عَاوَضَ (١٣) بعضَ حَقِّه ببعضٍ.
القسم الثالث، الهِبَةُ. وهو أن يكونَ له فى يَدِه عَيْنٌ، فيقولَ: قد وَهَبْتُكَ نِصْفَها، فأَعْطِنِى بَقِيَّتها. فيَصِحُّ، ويُعْتَبَرُ له شُرُوطُ الهِبَةِ. وإن أخْرَجَهُ مَخْرَجَ الشَّرْطِ، لم يَصِحَّ. وهذا مذهبُ الشَّافِعِىِّ؛ لأنَّه إذا شَرَطَ فى الهِبَةِ الوَفَاءَ جَعَلَ الهِبَةَ عِوَضًا عن الوَفاءِ به (١٤)، فكأنَّه عَاوَضَ (١٥) بعضَ حَقِّه ببعضٍ. وإن أبْرأَهُ من بعضِ الدَّيْنِ، أو وَهَبَ له بعضَ العَيْنِ بِلَفْظِ الصُّلْحِ، مثلَ أن يقولَ: صَالِحْنِى بِنِصْفِ دَيْنِكَ عَلَىَّ، أو بِنِصْفِ دَارِكَ هذه. فيقولَ: صَالَحْتُكَ بذلك. لم يَصِحَّ. ذَكَرَهُ القاضى وابنُ عَقِيلٍ. وهو قولُ بعضِ أصْحَابِ الشَّافِعِىِّ. وقال أكْثَرُهُم: يجوزُ الصُّلْحُ؛ لأنَّه إذا لم يَجُزْ بِلَفْظِه خَرَجَ عن أن يكونَ صُلْحًا، ولا يَبْقَى له تَعَلُّقٌ به، فلا يُسَمَّى صُلْحًا، أما إذا كان بِلَفْظِ الصُّلْحِ سُمِّىَ صُلْحًا؛ لوُجُودِ اللَّفْظِ، وإن تَخَلَّفَ المَعْنَى، كالهِبَةِ بِشَرْطِ الثَّوَابِ، وإنَّما يَقْتَضِى لَفْظُ الصُّلْحِ المُعَاوَضَةَ إذا كان ثَمَّ عِوَضٍ، أمَّا مع عَدَمِه فلا. وإنَّما مَعْنَى الصُّلْحِ الاتِّفَاقُ والرِّضَى، وقد يَحْصُلُ هذا من غيرِ عِوَضٍ، كالتَّمْلِيكِ إذا كان بِعِوَضٍ سُمِّىَ بَيْعًا، وإن خَلَا عن العِوَضِ سُمِّىَ هِبَةً. ولَنا، أنَّ لَفْظَ الصُّلْحِ يَقْتَضِى المُعَاوَضَةَ؛ لأنَّه إذا قال: صَالِحْنِى بِهِبَةِ كذا، أو على [هِبَةِ كذا، أو على] (١٦) نِصْفِ هذه العَيْنِ، ونحو هذا. فقد أضَافَ إليه بالمُقَابَلَةِ، فصَارَ كقَوْلِه: بِعْنِى بأَلْفٍ. وإن أضَافَ إليه "عَلَى" جَرَى مَجْرَى الشَّرْطِ. كقوله تعالى: ﴿فَهَلْ نَجْعَلُ لَكَ خَرْجًا عَلَى أَنْ تَجْعَلَ بَيْنَنَا وَبَيْنَهُمْ سَدًّا﴾ (١٧). وكِلَاهُما لا يجوزُ؛ بِدَلِيلِ ما لو صَرَّحَ بِلَفْظِ
стр. 3243
الشَّرْطِ أو بِلَفْظِ المُعَاوَضَةِ (١٨). وقولهم: إنه يُسَمَّى صُلْحًا. مَمْنُوعٌ، وإن سُمِّىَ صُلْحًا فمجازٌ؛ لِتَضَمُّنِه قَطْعَ النِّزَاعِ وإزَالَةَ الخُصُومَةِ. وقولُهم: إن الصُّلْحَ لا يَقْتَضِى المُعَاوَضَةَ. قُلْنا: لا نُسَلِّمُ. وإن سَلَّمْنَا لكن المُعَاوَضَةَ حَصَلَتْ من اقْتِرَانِ حَرْفِ البَاءِ، أو عَلَى، أو نحوِهما به (١٩)، فإنَّ لَفْظَةَ الصُّلْحِ تَحْتَاجُ إلى حَرفٍ تُعَدَّى به، وذلك يَقْتَضِى المُعَاوَضَةَ، على ما بَيَّنَّاهُ.
فصل: وإن ادَّعَى على رَجُلٍ بَيْتًا، فصَالَحَهُ على بعضِه، أو على بِنَاءِ غُرْفَةٍ فَوْقَه، أو على أن يَسْكُنَه سَنَةً، لم يَصِحَّ؛ لأنَّه يُصَالِحُه من مِلْكِهِ على مِلْكِهِ أو مَنْفَعَتِه. وإن أسْكَنَه كان تَبَرُّعًا منه، متى شَاءَ أَخْرَجَهُ منها. وإن أعْطَاهُ بعضَ دَارِه بنَاءً على هذا، فمتى شاءَ انْتَزَعَهُ منه؛ لأنَّه أَعْطَاهُ إيَّاهُ عِوَضًا عمَّا لا يَصْلُحُ عِوَضًا عنه. وإن فَعَلَ ذلك على سَبِيلِ المُصَالَحَةِ، مُعْتَقِدًا أنَّ ذلك وَجَبَ عليه [بالصُّلْحِ، رجَع عليه] (٢٠) بأَجْرِ ما سَكَنَ وأَجْرِ ما كان فى يَدِه من الدَّارِ؛ لأنَّه أخَذَهُ بِعَقْدٍ فَاسِدٍ، فأَشْبَهَ المَبِيعَ المَأْخُوذَ بِعَقْدٍ فَاسِدٍ، وسُكْنَى الدَّار بإِجَارَةٍ فَاسِدَةٍ. وإن بَنَى فَوْقَ البَيْتِ غُرْفَةً، أُجْبِرَ على نَقْضِهَا. وإذا آجَرَ السَّطْحَ مُدَّةَ مُقَامِهِ فى يَدَيْهِ، فله أخْذُ آلَتِه. ولو اتَّفَقَا على أن يُصَالِحَهُ صَاحِبُ البَيْتِ عن بِنَائِه بِعِوَضٍ، جَازَ. وإن بَنَى الغُرْفَةَ بِتُرَابٍ من أَرْضِ صَاحِبِ البَيْتِ وآلاتِه، فليس له أخْذُ بِنَائِه؛ لأنَّه مِلْكٌ لِصَاحِبِ البَيْتِ. وإن أرَادَ نَقْضَ البِنَاءِ، لم يكُنْ له ذلك، إذا أَبْرَأَهُ المالِكُ من ضَمَانِ ما يَتْلَفُ به. ويَحْتَمِلُ أن يَمْلِكَ نَقْضَه، كقَوْلِنا فى الغَاصِبِ.
فصل: وإذا صَالَحَهُ بِخِدْمَةِ عَبْدِه سَنَةً، صَحَّ، وكانتْ إِجَارَةً. وقد ذَكَرْنا ذلك. فإن بَاعَ العَبْدَ فى السَّنَةِ، صَحَّ البَيْعُ، ويكون الْمُشْتَرِى مَسْلُوبَ المَنْفَعَةِ بَقِيَّةَ السَّنَةِ،
стр. 3244
ولِلْمُسْتَأْجِرِ اسْتِيفَاءُ مَنْفَعَتِه إلى انْقِضَاءِ مُدَّتِه، كما لو زَوَّجَ أَمَتَهُ ثم بَاعَها. وإن لم يَعْلَم المُشْتَرِى بذلك، فله الفَسْخُ؛ لأنَّه عَيْبٌ. وإن أَعْتَقَ العَبْدَ فى أثْنَاءِ المُدَّةِ، نَفَذَ عِتْقُه؛ لأنَّه مَمْلُوكُه يَصِحُّ بَيْعُه، فصَحَّ عِتْقُه لغيرِه، ولِلْمُصَالِحِ أن يَسْتَوْفِىَ نَفْعَهُ فى المُدَّةِ؛ لأنَّه أعْتَقَهُ بعدَ أن مَلَّكَ مَنْفَعَتَهُ لغيرِه، فأشْبَهَ ما لو أعْتَقَ الأمَةَ المُزَوَّجَةَ لِحُرٍّ. ولا يَرْجِعُ العَبْدُ على سَيِّدِه بشىءٍ؛ لأنَّه ما زَالَ مِلْكُه بالعَتْقِ إلَّا عن الرَّقَبَةِ، والمَنَافِعُ حِينَئِذٍ مَمْلُوكَةٌ لغيرِه، فلم تَتْلَفْ مَنَافِعُه بالعَتْقِ، فلم يَرْجِعْ بشىءٍ، وإن أعْتَقَهُ مَسْلُوبَ المَنْفَعَةِ، فلم يَرْجِعْ بشىءٍ، كما لو أعْتَقَ زَمِنًا أو مَقْطُوعَ اليَدَيْنِ، أو أعْتَقَ أمَةً مُزَوَّجَةً، وذَكَرَ القاضى وابنُ عَقِيلٍ وَجْهًا آخَرَ، أنَّه يَرْجِعُ على سَيِّده بأَجْرِ مثله. وهو قولُ الشَّافِعِىِّ؛ لأَنَّ العِتْقَ اقْتَضَى إزَالَةَ مِلْكِه عن الرَّقَبَةِ والمَنْفَعَةِ جَمِيعًا، فلمَّا لم تَحْصُلِ المَنْفَعَةُ لِلْعَبْدِ هاهُنا، فكأنَّه حَالَ بينَه وبينَ مَنْفَعَتِه. ولَنا، أنَّ إِعْتَاقَهُ لم يُصَادِفْ لِلْمُعْتقِ سِوَى مِلْكِ الرَّقَبَةِ، فلم يُؤَثِّرْ إلَّا فيه، كما لو وَصَّى لِرَجُلٍ بِرَقَبَةِ عَبْدٍ (٢١) ولآخَرَ بِنَفْعِه، فأَعْتَقَ صَاحِبُ الرَّقَبَةِ، وكما لو أعْتَقَ أَمَةً مُزَوَّجَةً. وقولُهم: إنَّه اقْتَضَى زَوَالَ المِلْكِ عن المَنْفَعَةِ. قُلْنا: إنَّما يَقْتَضِى ذلك إذا كانت مَمْلُوكَةً له (٢٢)، أمَّا إذا كانت مَمْلُوكَةً لغيرِه فلا يَقْتَضِى إعْتَاقهُ إزَالَةَ ما ليس بمَوْجُودٍ، وإن تَبَيَّنَ أن العَبْدَ مُسْتَحَقٌّ، تَبَيَّنَ بُطْلَانُ الصُّلْحِ لِفَسَادِ العِوَضِ، ورَجَعَ المُدَّعِى فيما أَقَرَّ له به. وإن وَجَدَ العَبْدَ مَعِيبًا عَيْبًا تَنْقُصُ به المَنْفَعَةُ، فله رَدُّه وفَسْخُ الصُّلْحِ. وإن صَالَحَ على العَبْدِ بِعَيْنِه، صَحَّ الصُّلْحُ، ويكونُ بَيْعًا. والحُكْمُ فيما إذا خَرَجَ مُسْتَحَقًّا أو ظهَرَ به عَيْبٌ، كما ذكَرْنَا.
فصل: إذا ادَّعَى زَرْعًا فى يَدِ رَجُلٍ، فأقَرَّ له به، ثم صَالَحَهُ منه على دَرَاهِمَ، جَازَ على الوَجْهِ الذي يجُوزُ به بَيْعُ الزَّرْعِ. وقد ذَكَرْنَا ذلك فى البَيْعِ. وإن كان الزَّرْعُ فى يَدِ رَجُلَيْنِ، فأقَرَّ له أحَدُهما بِنِصْفِه، ثم صَالَحَهُ عليه قبلَ اشْتِدَادِ حَبِّه، لم يَجُزْ؛ لأنَّه إن صَالَحَهُ عليه بِشَرْطِ التَّبْقِيَةِ، أو من غيرِ شَرْطِ القَطْعِ، لم يَجُزْ؛ لأنَّه لا يجوزُ بَيْعُه كذلك. وإن شَرَطَ القَطْعَ لم يَجُزْ؛ لأنَّه لا يُمْكِنُه قَطْعُه إلَّا بِقَطْعِ زَرْعِ الآخَرِ. ولو كان
стр. 3245
الزَّرْعُ لواحدٍ، فأقَرَّ لِلمُدَّعِى بِنِصْفِه، ثم صَالَحَه عنه بِنِصْفِ الأَرْضِ، لِيَصِيرَ الزَّرْعُ كله لِلْمُقِرِّ، والأَرْضُ بينهما نِصْفَيْنِ، فإن شَرَطَ القَطْعَ جَازَ؛ لأنَّ الزَّرْعَ كله للْمُقِرِّ، فجَازَ شَرْطُ قَطْعِه. ويَحْتَمِلُ أن لا يجوزَ؛ لأنَّ فى الزَّرْعِ ما ليس بِمَبِيعٍ، وهو النِّصْفُ الذى لم يُقِرَّ به، وهو فى النِّصْفِ الباقِى له، فلا يَصِحُّ اشْتِرَاطُ قَطْعِه، كما لو شَرَطَ قَطْعَ زَرْعٍ آخَرَ فى أرْضٍ أُخْرَى. وإن صَالَحَهُ عنه (٢٣) بِجَمِيعِ الأَرْضِ بِشَرْطِ القَطْعِ لِيُسَلِّمَ الأَرْضَ إليه فَارِغَةً، صَحَّ؛ لأنَّ قَطْعَ جَمِيعِ الزَّرْعِ مُسْتَحَقٌّ نِصْفُه بِحُكْمِ الصُّلْحِ، والباقِى لِتَفْرِيغِ الأَرْضِ، فأمكن القَطْعُ. وإن كان إقْرَارُه بِجَمِيعِ الزَّرْعِ، فصَالَحَهُ من نِصْفِه على نِصْفِ الأرضِ، ليكونَ الأَرْضُ والزَّرْعُ بينهما نِصْفَيْنِ، وشَرَطَ القَطْعَ فى الجَمِيعِ، احْتَمَلَ الجَوَازَ؛ لأنَّهما قد شَرَطَا قَطْعَ كلِّ الزَّرْعِ وتَسْلِيمَ الأَرْضِ فَارِغَةً، واحْتَمَلَ المَنْعَ؛ لأنَّ بَاقِى الزَّرْعِ ليس بِمَبِيعٍ، فلا يَصِحُّ شَرْطُ قَطْعِه فى العَقْدِ.
فصل: إذا حَصَلَتْ أَغْصَانُ شَجَرَتِه فى هَوَاءِ مِلْكِ غيرِه، أو هَوَاءِ جِدَارٍ له فيه شَرِكَةٌ، أو على نَفْسِ الجِدَارِ، لَزِمَ مَالِكَ الشَّجَرَةِ إزَالَةُ تلك الأَغْصَان، إمَّا بِرَدِّهَا إلى نَاحِيَةٍ أُخْرَى، وإمَّا بالقَطْعِ؛ لأنَّ الهَوَاءَ مِلْكٌ لِصَاحِبِ القَرَارِ، فوَجَبَ إزَالَةُ ما يَشْغَلُه من مِلْكِ غيرِه كالقَرَارِ. فإن امْتَنَعَ المالِكُ من إزَالَتِه، لم يُجْبَرْ؛ لأنَّه من غيرِ فِعْلِه، فلم يُجْبَرْ على إزَالَتِه، كما إذا لم يكُنْ مَالِكًا له (٢٤). وإن تَلِفَ بها شىءٌ، لم يَضْمَنْهُ كذلك. ويَحْتَمِلُ أن يُجْبَرَ على إزَالَتِه، ويَضْمَنَ ما تَلِفَ به، إذا أُمِرَ بإزَالَتِه فلم يَفْعَلْ، بنَاءً على ما إذا مَالَ حَائِطُه إلى مِلْكِ غيره، على ما سَنَذْكُرُه إن شاءَ اللَّه تعالى. وعلى كلا الوَجْهَيْنِ، إذا امْتَنَعَ من إزَالَتِه كان لِصَاحِبِ الهَوَاءِ إزَالَتُه بأحَدِ الأَمْرَيْنِ؛ لأنَّه بمَنْزِلَةِ البَهِيمَةِ التى تَدْخُلُ دَارَه، له إخْرَاجُها، كذا هاهُنا. وهذا مذهبُ الشَّافِعِىِّ. فإن أَمْكَنَه إزَالَتُها بلا إتْلَافٍ ولا قَطْعٍ، من غيرِ مَشَقَّةٍ تَلْزَمُه ولا غَرَامَةٍ، لم يَجُزْ له إتْلَافُها، كما أنَّه إذا
стр. 3246
أمْكَنَه إخْرَاجُ البَهِيمَةِ من غير إتْلَافٍ لم يَجُزْ له إتْلَافُها. فإن أتْلَفَها فى هذه الحال غَرِمَهَا، وإن لم يُمْكِنْه إزَالَتُها إلَّا بالإِتْلَافِ، فله ذلك، ولا شىءَ عليه؛ فإنَّه لا يَلْزَمُه إقْرَارُ مالِ غيرِه فى مِلْكِه. فإن صَالَحَهُ على إقْرَارِها بِعِوَضٍ مَعْلُومٍ، فَاخْتَلَفَ أصْحَابُنا. فقال ابنُ حامِدٍ وابنُ عَقِيلٍ: يجوزُ ذلك رَطْبًا كان الغُصْنُ أو يَابِسًا؛ لأنَّ الجَهَالَةَ فى المُصالَحِ عنه لا تَمْنَعُ الصِّحَّةَ، لِكَوْنِها لا تَمْنَعُ التَّسْلِيمَ، بِخِلَافِ العِوَضِ، فإنَّه يَفْتَقِرُ إلى العِلْمِ؛ لِوُجُوبِ تَسْلِيمِه، ولأنَّ الحاجَةَ دَاعِيَةٌ إلى الصُّلْحِ عنه، لكَوْنِ ذلك يَكْثُرُ فى الأَمْلَاكِ المُتَجَاوِرَةِ، وفى القَطْعِ إِتْلَافٌ وضَرَرٌ، والزِّيَادَةُ المُتَجَدِّدَةُ يُعْفَى عنها، كالسِّمَنِ الحادِثِ فى المُسْتَأْجَرِ لِلرُّكْوبِ، والمُسْتَأْجِرِ للغُرْفةِ يَتَجَدَّدُ له الأَوْلَادُ، والغِرَاسِ الذى يَسْتَأْجِرُ له الأَرْضَ يَعْظُمُ ويَجْفُو. وقال (٢٥) أبو الخَطَّابِ: لا تَصِحُّ المُصَالَحَةُ عنه بحالٍ، رَطْبًا كان أو يَابِسًا؛ لأنَّ الرَّطْبَ يَزِيدُ ويَتَغَيَّرُ، واليَابِسُ يَنْقُصُ، وَرُبَّما ذَهَبَ كلُّه. وقال القاضى: إن كان يَابِسًا مُعْتَمِدًا على نَفْسِ الجِدَارِ، صَحَّتِ المُصَالَحَةُ عنه؛ لأنَّ الزِّيَادَةَ مَأْمُونَةٌ فيه، ولا يَصِحُّ الصُّلْحُ على غيرِ ذلك؛ لأنَّ الرَّطْبَ يَزِيدُ فى كل وَقْتٍ، وما لا يَعْتَمِدُ على الجِدَارِ، لا يَصِحُّ الصُّلْحُ عليه؛ لأنَّه تَبَعُ الهَوَاءِ. وهذا مذهبُ الشَّافِعِىِّ. واللَّائِقُ بمَذْهَبِ أحْمَدَ صِحَّتُه؛ لأنَّ الجَهَالَةَ فى المُصالَحِ عنه لا تَمْنَعُ الصِّحَّةَ إذا لم يكُنْ إلى العِلْمِ به سَبِيلٌ، وذلك لِدُعَاءِ الحَاجَةِ اليه، وكَوْنِه لا يَحْتَاجُ إلى تَسْلِيمٍ، وهذا كذلك. والهَوَاءُ كالقَرَارِ فى كونِه مَمْلُوكًا لِصَاحِبِه، فَجازَ الصُّلْحُ على ما فيه، كالذى فى القَرَارِ.
فصل: وإن صَالَحَهُ على إقْرَارِهَا بِجُزْءٍ مَعْلُومٍ من ثَمَرِهَا، أو بِثَمَرِهَا كلِّه، فقد نَقَلَ المَرُّوذِىُّ وإسحاقُ بن إبراهيمَ، عن أحمدَ، أنَّه سُئِلَ عن ذلك، فقال: لا أَدْرِى. فيَحْتَمِلُ أن يَصِحّ. ونحوَه قال مَكْحُولٌ، فإنَّه نُقِلَ عنه أنَّه قال: أيُّما شَجَرَةٍ ظَلَّلَتْ على قَوْمٍ، فهم بالخِيَارِ بين قَطْعِ ما ظَلَّلَ، أو أَكْلِ ثَمَرِهَا. ويَحْتَمِلُ أن لا يَصِحَّ. وهو قَوْلُ
стр. 3247
الأَكْثَرِينَ. وإليه ذَهَبَ الشَّافِعِىُّ؛ لأنَّ العِوَضَ مَجْهُولٌ، فإنَّ الثَّمَرةَ مَجْهُولَةٌ (٢٦)، وجُزْؤُهَا مَجْهُولٌ، ومن شَرْطِ الصُّلْحِ العِلْمُ بالعِوَضِ، ولأنَّ المُصالَحَ عليه أيضا مَجْهُولٌ؛ لأنَّه يَزِيدُ ويَتَغَيَّرُ على ما أسْلَفْنَا. ووَجْهُ الأوَّل، أنَّ هذا ممَّا يَكْثُرُ فى الأَمْلَاكِ، وتَدْعُو الحَاجَةُ إليه، وفى القَطْعِ إتْلَافٌ، فجَازَ مع الجَهَالَةِ، كالصُّلْحِ على مَجْرَى مِيَاهِ الأَمْطَارِ، والصُّلْحِ على المَوَارِيثِ الدَّارِسَةِ، والحُقُوق المَجْهُولَةِ التى لا سَبِيلَ إلى عِلْمِهَا، ويَقْوَى عندى أنَّ (٢٧) الصُّلْحَ هاهُنا يَصِحُّ، بمَعْنَى أنَّ كلَّ واحِدٍ منهما يُبِيحُ صاحِبَه ما بَذَلَ له، فصاحِبُ الهَوَاءِ يُبَيحُ صَاحِبَ الشَّجَرَةِ إِبْقَاءَهَا، ويَمْتَنِعُ من قَطْعِها وإزَالَتِها، وصَاحِبُ الشَّجَرَةِ يُبِيحُه ما بَذَلَ له من ثَمَرتِها، ولا يكونُ هذا بمَعْنَى البَيْعِ؛ لأنَّ البَيْعَ لا يَصِحُّ بِمَعْدُومٍ ولا مَجْهُولٍ، والثَّمَرةُ فى حالِ الصُّلْحِ مَعْدُومَةٌ مَجْهُولَةٌ، ولا هو لَازِمٌ، بل لكلِّ واحدٍ منهما الرُّجُوعُ عمَّا بَذَلَه، والعَوْدُ فيما قالَه؛ لأنَّه مُجَرَّدُ إبَاحَةٍ من كلِّ واحدٍ منهما لِصَاحِبِه، فَجَرَى مَجْرَى قولِ كلِّ واحدٍ منهما لِصَاحِبِه: اسْكُنْ دَارِى، وأَسْكُنُ دَارَكَ. من غير تَقْدِيرِ مُدَّةٍ، ولا ذِكْرِ شُرُوطِ الإِجَارَةِ، أو قولِه: أَبَحْتُكَ الأَكْلَ من ثمرَةِ بُسْتَانِى، فأبِحْنِى الأَكْلَ من ثمَرةِ بُسْتَانِكَ. وكذلك قوله: دَعْنِى أُجْرِى فى أَرْضِكَ مَاءً، ولك أن تَسْقِىَ به ما شِئْتَ، وتَشْرَبَ منه. ونحو ذلك، فهذا مِثْلُه بل أوْلَى، فإنَّ هذا ممَّا تَدْعُو الحاجَةُ إليه كَثِيرًا، وفى إلْزَامِ القَطْعِ ضَرَرٌ كَبِيرٌ، وإتْلَافُ أَمْوَالٍ كَثِيرَةٍ، وفى التَّرْكِ من غير نَفْعٍ يَصِلُ إلى صَاحِبِ الهَوَاءِ ضَرَرٌ عليه، وفيما ذَكَرْنَاهُ جَمْعٌ بين الأَمْرَيْنِ، ونَظَرٌ لِلْفَرِيقَيْنِ، وهو على وَفْقِ الأُصُولِ، فكان أَوْلَى.
فصل: وكذلك الحُكْمُ فى كل (٢٨) ما امْتَدَّ من عُرُوقِ شَجَرَةِ إِنْسَانٍ إلى أَرْضِ جَارِه، سواءٌ أَثَّرَتْ ضَرَرًا مثلَ تَأْثِيرِها فى المَصَانِعِ، وطَىِّ الآبَارِ، وأَسَاسِ الحِيطَانِ أو مَنْعِها من
стр. 3248
ثَبَاتِ شَجَرٍ لِصَاحِبِ الأَرْضِ أو زَرْعٍ، أو لم يُؤثِّرْ؛ فإنَّ الحُكْمَ فى قَطْعِه والصُّلْحِ عليه كالحُكْمِ فى الفُرُوعِ، إلَّا أن العُرُوقَ لا ثَمَرَ لها، فإن اتَّفَقَا على أنَّ ما نَبَتَ من عُرُوقِهَا لِصَاحِبِ الأَرْضِ، أو جُزْءٍ مَعْلُومٍ منه، فهو كالصُّلْحِ على الثَّمَرِ فيما ذَكَرْنَا، فعلَى قولِنا، إذا اصْطَلَحَا على ذلك، فمَضَتْ مُدَّةٌ، ثم أبَى صَاحِبُ الشَّجَرَةِ دَفْعَ نَبَاتِها إلى صَاحِبِ الأَرْضِ، فعليه أَجْرُ المِثْلِ؛ لأنَّه إنَّما تَرَكَهُ فى أرْضِه لهذا، فلما لم يُسَلِّمْه (٢٩) له، رَجَعَ بأَجْرِ المثل، كما لو بَذَلَها بِعَوضٍ فلم يُسَلِّمْ له. وكذلك الحُكْمُ فى مَن مَالَ حَائِطُه إلى هَوَاءِ مِلْكِ غيرِه، أو ذَلِقَ من أخْشَابِه إلى مِلْكِ غيرِه، فالحُكْمُ فيه على ما ذَكَرْنَا.
فصل: وإذا صَالَحَهُ على المُؤَجَّلِ ببعضِه حَالًّا، لم يَجُزْ، كَرِهَهُ زَيْدُ بن ثَابِتٍ، وابنُ عُمَرَ -وقال: نَهَى عُمَرُ أن تُبَاعَ العَيْنُ بالدَّيْنِ- وسَعِيدُ بن المُسَيَّبِ، والقَاسِمُ، وسَالِمٌ، والحَسَنُ، والشَّعْبِىُّ، ومَالِكٌ، والشَّافِعِىُّ، والثَّوْرِيُّ، وابنُ عُيَيْنَةَ، وهُشَيْمٌ، وأبو حنيفةَ، وإسحاقُ. ورُوِى عن [ابن عَبَّاسٍ] (٣٠)، والنَّخَعِىِّ، وابن سِيرِينَ، أنَّه لا بَأْسَ به. وعن الحَسَنِ وابنِ سِيرِينَ، أنَّهما كانا لا يَرَيَانِ بَأْسًا بالعُرُوضِ (٣١) يَأْخُذُها من حَقِّه قبلَ مَحَلِّه؛ لأنَّهما تَبَايَعَا العُرُوضَ بما فى الذِّمَّةِ، فصَحَّ، كما لو اشْتَرَاهَا بِثَمَنِ مِثْلِها. ولعل ابنَ سِيرِينَ يَحْتَجُّ بأنَّ التَّعْجيلَ جَائِزٌ، والإِسْقَاطَ وَحْدَه جَائِزٌ، فجازَ الجَمْعُ بينهما، كما لو فَعَلَا ذلك من غير مُوَاطَأةٍ (٣٢) عليه. ولَنا، أنّه يَبْذُلُ القَدْرَ الذى يَحُطُّه عِوَضًا عن تَعْجِيلِ ما فى ذِمَّتِه، وبَيْعُ الحُلُولِ والتَّأْجِيلِ لا يجوزُ، كما لا يجوزُ أن يُعْطِيَهُ عَشَرَةً حَالَّةً بِعِشْرِينَ مُؤَجَّلَة، ولأنَّه يَبيعُه عَشَرَةً بِعِشْرِينَ، فلم يَجُزْ، كما لو كانت مَعِيبَةً، ويُفَارِقُ ما إذا كان من غيرِ مُوَاطَأَةٍ ولا عَقْدٍ؛ لأنَّ كلَّ واحدٍ منهما مُتَبَرِّعٌ بِبَذْلِ حَقِّه من غير
стр. 3249
عِوَضٍ. ولا يَلْزَمُ من جَوَازِ ذلك جَوَازُه فى العَقْدِ، أو مع الشَّرْطِ (٣٣) كَبَيْعِ [دِرْهَمٍ بدِرْهميْن] (٣٤). ويُفَارِقُ ما إذا اشْتَرَى العُرُوضَ بِثَمَنِ مِثْلِها؛ لأنَّه لم يَأْخُذْ عن الحُلُولِ عِوَضًا. فأما إن صَالَحَهُ عن أَلْفٍ حَالَّة (٣٥) بِنِصْفِهَا مُؤَجَّلًا، فإن فَعَلَ ذلك اخْتِيَارًا منه، وتَبَرُّعًا به، صَحَّ الإِسْقَاطُ، ولم يَلْزَمِ التَّأْجِيلُ؛ لأنَّ الحالَّ لا يَتَأَجَّلُ بالتَّأْجِيلِ، على ما ذَكَرْنا فيما مَضَى، والإِسْقَاطُ صَحِيحٌ. وإن فَعَلَهُ لِمَنْعِه من حَقِّه بدونِه، أو شَرَطَ ذلك في الوَفَاءِ، لم يَسْقُطْ شىءٌ أيضا. على ما ذَكَرْنا فى أَوَّلِ البَابِ. وذَكَرَ أبو الخَطَّابِ فى هذا رِوَايَتَيْنِ، أَصَحُّهما لا يَصِحُّ. وما ذَكَرْنا من التَّفْصِيلِ أَوْلَى، إن شاءَ اللَّه تعالى.
فصل: ويَصِحُّ الصُّلْحُ عن المَجْهُولِ، سواءٌ كان عَيْنًا أو دَيْنًا، إذا كان مِمَّا لا سَبِيلَ إلى مَعْرِفَتِه. قال أحمدُ فى الرَّجُلِ يُصَالِحُ على (٣٦) الشَّىْءِ، فإن عَلِمَ أنَّه أكْثَرُ منه، لم يَجُزْ إلَّا أن يُوقِفَهُ عليه، إلَّا أن يكونَ مَجْهُولًا لا يَدْرِى ما هو، ونَقَلَ عنه عبْدُ اللَّه، إذا اخْتَلَطَ قَفِيزُ حِنْطَةٍ بِقَفِيزِ شَعِيرٍ، وطُحِنَا، فإن عَرَفَ قِيمَةَ دَقِيقِ الحِنْطَةِ ودَقِيقِ الشَّعِيرِ، بِيعَ هذا، وأُعْطِىَ كلُّ واحدٍ منهما قِيمَةَ مَالِه، إلَّا أن يَصْطَلِحَا على شَىْءٍ ويَتَحَالَّا. وقال ابن أبي موسى: الصُّلْحُ الجائِزُ هو صُلْحُ الزَّوْجَةِ من صَدَاقِهَا الذي لا بَيِّنَةَ لها به، ولا عِلْمَ لها، ولا لِلْوَرَثَةِ بِمَبْلَغِه، وكذلك الرَّجُلَانِ يكون بَيْنَهما المُعَامَلَةُ والحِسَابُ الذى قد مَضَى عليه الزَّمَانُ الطَّوِيلُ، لا عِلْمَ لكلِّ واحدٍ منهما بما عليه لِصَاحِبِه، فيجوزُ الصُّلْحُ بَيْنَهما، وكذلك مَن عليه حَقٌّ لا عِلْمَ له بِقَدْرِه، جَازَ أن يُصَالِحَ عليه، وسواء كان صَاحِبُ الحَقِّ يَعْلَمُ قَدْرَ حَقِّهِ ولا بَيِّنَةَ له، أو لا عِلْمَ له. ويقول القَابِضُ: إن كان لى عليك حَقٌّ فأَنْتَ في حِلٍّ منه (٣٧). ويقول الدَّافِعُ: إن كنت أَخَذْتَ مِنِّى أكْثَرَ من حَقِّكَ فأَنْتَ منه فى حِلٍّ.
стр. 3250
وقال الشَّافِعِىُّ: لا يَصِحُّ الصُّلْحُ على مَجْهُولٍ؛ لأنَّه فَرْعُ البَيْعِ، ولا يَصِحُّ البَيْعُ على مَجْهُولٍ. ولَنا، ما رُوِىَ عن النَّبِىِّ ﷺ ، أنَّه قال فى رَجُلَيْنِ اخْتَصَمَا فى مَوَاريثَ دَرَسَتْ: "اسْتَهِمَا، وتَوَاخَيَا، ولْيَحْلِلْ أَحَدُكُمَا صَاحِبَهُ" (٣٨). وهذا صُلْحٌ على المَجْهُولِ. ولأنَّه إِسْقَاطُ حَقٍّ، فصَحَّ فى المَجْهُولِ، كالعَتَاقِ والطَّلَاقِ، ولأنَّه إذا صَحَّ الصُّلْحُ مع العِلْمِ، وإمكانِ أدَاءِ الحَقِّ بعَيْنِه، فَلَأَنْ يَصِحَّ مع الجَهْلِ أَوْلَى، وذلك لأنَّه إذا كان مَعْلُومًا فلهما طَرِيقٌ إلى التَّخَلُّصِ، وبَرَاءَةِ أحَدِهِما من صَاحِبِه بدُونِه، ومع الجَهْلِ لا يُمْكِنُ ذلك، فلو لم يَجُزِ (٣٩) الصُّلْحُ أَفْضَى إلى ضَيَاعِ المالِ، على تَقْدِيرِ أن يكونَ بينهما مالٌ لا يَعْرِفُ كلُّ واحدٍ منهما قَدْرَ حَقِّه منه (٤٠). ولا نُسَلِّمُ كَوْنَه بَيْعًا، ولا فَرْعَ بَيْعٍ، وإنَّما هو إِبْرَاءٌ. وإن سَلَّمْنَا كَوْنَه بَيْعًا، فإنَّه يَصِحُّ فى المَجْهُولِ عندَ الحاجَةِ، بِدَلِيلِ بَيْعِ أسَاسَاتِ الحِيطَانِ، وطَىِّ الآبَارِ، وما مَأْكُولُهُ فى جَوْفِه، ولو أتْلَفَ رَجُلٌ صُبْرَةَ طَعَامٍ لا (٤١) يَعْلَمُ قَدْرَها، فقال صَاحِبُ الطَّعَامِ لِمُتْلِفِه: بِعْتُكَ الطَّعَامَ الذى فى ذِمَّتِكَ [بهذه الدَّرَاهِم] (٤٢)، أو بهذا الثَّوْبِ. صَحَّ. إذا ثَبَتَ هذا، فإن كان العِوَضُ فى الصُّلْحِ ممَّا لا يَحْتَاجُ إلى تَسْلِيمِه، ولا سَبِيلَ إلى مَعْرِفَتِه، كالمُخْتَصِمين فى مَوَارِيث دَارِسةٍ، وحُقُوقٍ سَالِفَةٍ، أو عَيْنٍ من المالِ لا يَعْلَمُ كلُّ واحدٍ منهما قَدْرَ حَقِّه منها، صَحَّ الصُّلْحُ مع الجَهَالَةِ من الجانِبَيْنِ؛ لما ذَكَرْنَاهُ من الخَبَرِ والمَعْنَى. وإن كان ممَّا يَحْتَاجُ إلى تَسْلِيمِه، لم يَجُزْ مع الجَهَالَةِ، ولا بُدَّ من كَوْنِه مَعْلُومًا؛ لأنَّ تَسْلِيمَه وَاجِبٌ، والجَهَالَةُ تَمْنَعُ التَّسْلِيمَ، وتُفْضِى إلى التَّنَازُعِ، فلا يَحْصُلُ مَقْصُودُ الصُّلْحِ.
فصل: فأمَّا ما يُمْكِنُهما مَعْرِفَتُه، كَتَرِكَةٍ مَوْجُودَةٍ، أو يَعْلَمُه الذى هو عليه، ويَجْهَلُه صَاحِبُه، فلا يَصِحُّ الصُّلْحُ عليه مع الجَهْلِ. قال أحمدُ: إن صُولِحَت امْرَأَةٌ من
стр. 3251
ثُمُنِها، لم يَصِحَّ. واحْتَجَّ بقولِ شُرَيْحٍ: أيُّما امْرَأَةٍ صُولِحَتْ من ثُمُنِها، لم يَتَبَيَّنْ لها ما تَرَكَ زَوْجُها، فهى الرِّيبَةُ كلُّها. قال: وإن وَرِثَ قَوْمٌ مَالًا ودُورًا وغيرَ ذلك، فقالوا لبعضِهم: نُخْرِجُكَ من المِيرَاثِ بأَلْف دِرْهَمٍ. أكْرَهُ (٤٣) ذلك، ولا يُشْتَرَى منها شىءٌ، وهى لا تَعْلَمُ، لعلَّها تَظُنُّ أنه قَلِيلٌ، وهو يَعْلَمُ أنَّه كَثِيرٌ، ولا يَشْتَرِى حتى تَعْرِفَهُ وتَعْلَمَ ما هو، وإنما يُصَالِحُ الرَّجُلُ الرَّجُلَ على الشىءِ لا يَعْرِفُه، ولا يَدْرِى ما هو حِسَابُ بينهِما، فَيُصَالِحُه، أو يكونُ رَجُلٌ يَعْلَمُ مَالَهُ على رَجُلٍ، والآخَرُ لا يَعْلَمُهُ فيُصَالِحُه، فأمَّا إذا عَلِمَ فلم يُصَالِحُه؟ إنَّما يُرِيدُ أن (٤٤) يَهْضِمَ حَقَّه [ويَذْهَبَ به] (٤٥). وذلك لأنَّ الصُّلْحَ إنَّما جَازَ مع الجَهَالَةِ، لِلْحَاجَةِ إليه لإِبْرَاءِ الذِّمَمِ، وإِزَالَةِ الخِصَامِ (٤٦)، فمع إمْكَانِ العِلْمِ لا حَاجَةَ إلى الصُّلْحِ مع الجَهَالَةِ، فلم يَصِحَّ كالبَيْعِ.
فصل: ويَصِحُّ الصُّلْحُ عن كلِّ ما يجُوزُ أخْذُ العِوَضِ عنه سواءٌ كان ممَّا يجوزُ بَيْعُه أو لا يجوزُ، فيَصِحُّ عن دَمِ العَمْدِ، وسُكْنَى الدَّارِ، وعَيْبِ المَبِيعِ. ومتى صَالَحَ عمَّا يُوجِبُ القِصَاصَ بأَكْثَرَ من دِيَتِه أو أَقَلَّ، جَازَ. وقد رُوِىَ أنَّ الحسنَ والحسينَ (٤٧) وسَعِيدَ ابنَ الْعاصِ بَذَلُوا للذى وَجَبَ له القِصَاصُ على هُدْبَةَ بن خَشْرَمٍ (٤٨) سَبْعَ دِيَاتٍ، فأبَى أن يَقْبَلَها. ولأنَّ المالَ غيرُ مُتَعَيَّنٍ، فلا يَقَعُ العِوَضُ فى مُقَابَلَتِه. فأمَّا إن صَالَحَ عن قَتْلِ الخَطَأِ بأكْثَرَ من دِيَتِه من جِنْسِها، لم يَجُزْ. وكذلك لو أَتْلَفَ عَبْدًا أو شيئًا غيرَه، فصَالَحَ عنه بأَكْثَرَ من قِيمَتِه من جِنْسِهَا، لم يَجُزْ. وبهذا قال الشَّافِعِىُّ. وقال أبو حنيفةَ: يجوزُ؛ لأنَّه يَأْخُذُ عِوَضًا عن المُتْلَفِ، فجَازَ أن يَأْخُذَ أكْثَرَ من قِيمَتِه، كما لو بَاعَهُ بذلك.
стр. 3252
ولَنا، أنَّ الدِّيَةَ والقِيمَةَ ثَبَتَتْ فى الذِّمَّةِ مُقَدَّرَةً، فلم يَجُزْ أن يُصَالِحَ عنها بأَكْثَرَ منها من جِنْسِها، كالثَّابِتَةِ عن قَرْضٍ أو ثَمَنِ مَبِيعٍ، ولأنَّه إذا أخَذَ أكْثَرَ منها فقد أخَذَ حَقَّهُ وزِيَادَةً لا مُقَابِلَ لها، فيكونُ أكْلُ مَالٍ بالبَاطِلِ. فأمَّا إن صَالَحَهُ على غيرِ جِنْسِها، بأكْثَرَ قِيمَةً منها، جَازَ؛ لأنَّه بَيْعٌ، ويَجُوزُ أن يَشْتَرِىَ الشىءَ بأكْثَرَ من قِيمَتِه أو أَقَلَّ.
فصل: ولو صَالَحَ عن المائةِ الثَّابِتَةِ فى الذِّمَّةِ بالإِتْلَافِ، بمائةٍ مُؤَجَّلَةٍ، لم يَجُزْ، وكانت حَالَّةً. وبهذا قال الشَّافِعِىُّ. وعن أحْمَدَ: يجوزُ. وهو قولُ أبي حنيفةَ؛ لأنَّه عَاوَضَ عن المُتْلَفِ بمائةٍ مُؤَجَّلَةٍ، فجَازَ، كما لو بَاعَهُ إيَّاهُ. ولَنا، أنَّه إنَّما يَسْتَحِقُّ عليه قِيمَةَ المُتْلَفِ، وهو مائةٌ حالَّةٌ، والحالُّ لا يَتَأَجَّلُ بالتَّأْجِيلِ، وإن جَعَلْنَاهُ بَيْعًا فهو بَيْعُ دَيْنٍ بِدَيْنٍ، وبَيْعُ الدَّيْنِ بالدَّيْنِ غيرُ جَائِزٍ.
فصل: ولو صَالَحَ عن القِصَاصِ بِعَبْدٍ، فخَرَجَ مُسْتَحَقًّا، رَجَعَ بِقِيمَتِه فى قولِهم جَمِيعًا. وإن خَرَجَ حُرًّا فكذلك. وبه قال أبُو يوسفَ ومحمدٌ. وقال أبو حنيفةَ: يَرْجِعُ بالدِّيَةِ؛ لأنَّ الصُّلْحَ فَاسِدٌ، فيرْجِعُ (٤٩) بِبَذْلِ ما صَالَحَ عنه، وهو الدِّيَةُ. ولَنا، أنَّه تَعَذَّرَ تَسْلِيمُ ما جَعَلَهُ عِوَضًا، فرَجَعَ فى قِيمَتِه، كما لو خَرَجَ مُسْتَحَقًّا.
فصل: ولو صَالَحَ عن دَارٍ أو عَبْدٍ بِعِوَضٍ، فوَجَدَ العِوَضَ مُسْتَحَقًّا أو حُرًّا، رَجَعَ فى الدَّارِ وما صَالَحَ عنه، وبقِيمَتِه إن كان تَالِفًا؛ لأنَّ الصُّلحَ هاهُنا بَيْعٌ فى الحَقِيقَةِ، فإذا تَبَيَّنَ أنَّ العِوَضَ كان مُسْتَحَقًّا أو حُرًّا كان البَيْعُ فَاسِدًا، فرَجَعَ فيما كان له، بِخِلَافِ الصُّلْحِ عن القِصَاصِ، فإنَّه ليس بِبَيْعٍ، وإنما يَأْخُذُ عِوَضًا عن إسْقاطِ القِصَاصِ. ولو اشْتَرى شَيْئًا فوَجَدَه مَعِيبًا، فصَالَحَه [عن عَيْبِه] (٥٠) بِعَبْدٍ، فبَانَ مُسْتَحَقًّا أو حُرًّا، رَجَعَ بأَرْشِ العَيْبِ. ولو كان البائِعُ امْرأَةً، فزَوَّجَتْهُ نَفْسَها عِوَضًا عن أرْشِ العَيْبِ، فزَالَ العَيْبُ رَجَعَتْ بأَرْشِه، لا بِمَهْرِ المِثْلِ؛ لأنَّها رَضِيَتْ ذلك مَهْرًا لها.
стр. 3253
فصل: ولو صَالَحَه عن القِصَاصِ (٥١) بِحُرٍّ يَعْلَمَانِ حُرِّيَّتَهُ أو عَبْدٍ يَعْلَمَانِ أنَّه مُسْتَحقٌّ، أو تَصَالَحا بذلك عن غير القِصَاص، رَجَعَ بالدِّيَةِ، وبما صَالَحَ عنه؛ لأنَّ الصُّلْحَ هاهُنا بَاطِلٌ يَعْلَمَانِ بُطْلَانَه، فكان وُجُودُه كعَدَمِه.
فصل: إذا صَالَحَ رَجُلًا على مَوْضِعِ قَنَاةٍ من أَرْضِه يَجْرِى فيها مَاءٌ، وبَيَّنَا مَوْضِعَها وعَرْضَها وطُولَها، جَازَ؛ لأنَّ ذلك بَيْعٌ لِمَوْضِعٍ (٥٢) من أَرْضِه، ولا حَاجَةَ إلى بَيَانِ عُمْقِه؛ لأنَّه إذا مَلَكَ المَوْضِعَ كان له إلى تُخُومِه، فله أن يَتْرُكَ فيه ما شاءَ. وإن صالَحَه (٥٣) على إِجْرَاءِ الماءِ فى سَاقِيَةٍ من أَرْضِ رَبِّ الأَرْضِ، مع بَقَاءِ مِلْكِه عليها، فهذا إِجَارَةٌ لِلْأَرْضِ، فيُشْتَرَطُ تَقْدِيرُ المُدَّةِ؛ لأنَّ هذا شَأْنُ الإِجَارَةِ. فإن كانتِ الأَرْضُ فى يَدِ رَجُلٍ بإِجَارَةٍ، جَازَ له أن يُصَالِحَ رَجُلًا على إِجْرَاءِ الماءِ فيها فى سَاقِيَة مَحْفُورَةٍ مُدَّةً لا تُجَاوِزُ مُدَّةَ إجَارَتِه. وإن لم تكن السَّاقِيَةُ مَحْفُورَةً لم يَجُزْ أن يُصَالِحَه على ذلك؛ لأنَّه لا يَجُوزُ إحْدَاثُ سَاقِيَةٍ فى أَرْضٍ فى يَدِه بإجَارَةٍ. فأمَّا إن كانت الأَرْضُ فى يَدِه وَقْفًا عليه، فقال القاضى: هو كالمُسْتَأْجِرِ، له أن يُصَالِحَ على إِجْرَاءِ الماءِ فى سَاقِيَةٍ مَحْفُورَةٍ فى مُدَّةٍ مَعْلُومَةٍ، وليس له أن يَحْفِرَ فيها سَاقِيَةً؛ لأنَّه لا يَمْلِكُها، إنَّما يَسْتَوْفِى مَنْفَعَتَها، كالأَرْضِ المُسْتَأْجَرَةِ سواءً. وهذا كلُّه مذهبُ الشَّافِعِىِّ. والأَوْلَى أنَّه يجوزُ له حَفْرُ السَّاقِيَةِ؛ لأنَّ الأَرْضَ له، وله التَّصَرُّفُ فيها كيفما شاءَ، ما لم يَنْقُلِ المِلْكَ فيها إلى غيرِه، بِخِلَافِ المُسْتَأْجِرِ، فإنَّه إنَّما يَتَصَرَّفُ فيها بما أُذِنَ له فيه، فكان المَوْقُوفُ عليه بمَنْزِلَةِ المُسْتَأْجِرِ إذا أُذِنَ له فى الحَفْرِ، فإن مَاتَ المَوْقُوفُ عليه فى أثْنَاءِ المُدَّةِ، فهل لمن انْتَقَلَ إليه فَسْخُ الصُّلْحِ فيما بَقِىَ من المُدَّةِ؟ على وَجْهَيْنِ، بنَاءً على ما إذا آجَرَهُ مُدَّةً، فماتَ فى أثْنَائِها. فإن قُلْنا: له فَسْخُ الصُّلْحِ. فَفَسَخَه، رَجَعَ المُصَالِحُ على وَرَثَةِ الذى صَالَحَه بِقِسْطِ ما بَقِىَ من المُدَّةِ. وإن قُلْنا: ليس له الفَسْخُ. رَجَعَ مَن انْتَقَلَ إليه الوَقْفُ على الوَرَثَةِ.
стр. 3254
فصل: وإن صَالَحَ رَجُلًا على إِجْرَاءِ ماءِ سَطْحِه من المَطَرِ على سَطْحِه، [أو فى أرْضِه عن سَطْحِه] (٥٤)، أو فى أرْضِه عن أرْضِه، جَازَ، إذا كان ما يَجْرِى ماؤُه (٥٥) مَعْلُومًا، إمَّا بالمُشَاهَدَةِ، وإِمَّا بِمَعْرِفَةِ المِسَاحَةِ؛ لأنَّ الماءَ يَخْتَلِفُ بِصِغَرِ السَّطْحِ وكِبَرِه. ولا يُمْكِنُ ضَبْطُه بغيرِ ذلك. ويُشْتَرَطُ مَعْرِفَةُ المَوْضِعِ الذى يَجْرِى (٥٦) منه الماءُ إلى السَّطْحِ؛ لأنَّ ذلك يَخْتَلِفُ. ولا يَفْتَقِرُ إلى ذِكْرِ مُدَّةٍ؛ لأنَّ الحاجَةَ تَدْعُو إلى هذا، ويَجوزُ العَقْدُ على المَنْفَعَةِ فى مَوْضِعِ الحاجَةِ غيرَ مُقَدَّرٍ، كما فى النِّكَاحِ، ولا يَمْلِكُ صَاحِبُ الماءِ مَجْرَاهُ؛ لأنَّ هذا لا يَسْتَوْفِى به مَنَافِعَ المَجْرَى دائِمًا (٥٧)، ولا (٥٨) فى أكْثَر المُدَّةِ، بِخِلَافِ السَّاقِيَةِ، ويَخْتَلِفَانِ أيضا (٥٩) فى أنَّ الماءَ الذى فى السَّاقِيَةِ لا يَحْتَاجُ إلى ما يُقَدَّرُ به؛ لأن تَقْدِيرَ ذلك حَصَلَ بِتَقْدِيرِ السَّاقِيَةِ، فإنَّه لا يَمْلِكُ أن يُجْرِىَ فيها أكْثَرَ من مَائِها، والماءُ الذى على السَّطْحِ يَحْتَاجُ إلى مَعْرِفَةِ مِقْدَارِ السَّطْحِ؛ لأنَّه يَجْرِى منه القَلِيلُ والكَثِيرُ. وإن كان السَّطْحُ الذى يَجْرِى عليه الماءُ مُسْتَأْجَرًا، أو عَارِيَّةً مع إنْسَانٍ، لم يَجُزْ أن يُصَالِحَ على إجْرَاءِ الماءِ عليه؛ لأنَّه يَتَضَرَّرُ بذلك، ولم يُؤْذَنْ له فيه، فلم يكُنْ له أن يَتَصَرَّفَ به، بِخِلَافِ الماءِ فى السَّاقِيَةِ المَحْفُورَةِ، فإنَّ الأَرْضَ لا تَتَضَرَّرُ به. وإن كان مَاءُ السَّطْحِ يَجْرِى على أرْضٍ، احْتَمَلَ أن لا يجوزَ له الصُّلْحُ على ذلك؛ لأنَّه إن احْتَاجَ إلى حَفْرٍ لم يَجُزْ له أن يَحْفِرَ أرْضَ غيرِه، ولأنَّه يَجْعَلُ لغيرِ صَاحِبِ الأَرْضِ رَسْمًا، فَرُبَّما ادَّعَى اسْتِحْقَاقَ ذلك على صَاحِبِها. واحْتَمَلَ الجَوَاز إذا لم يَحْتَجْ إلى حَفْرٍ، ولم تكُنْ فيه مَضَرَّةٌ؛ لأنَّه بمَنْزِلَةِ إجْرَاءِ الماءِ فى سَاقِيَةٍ مَحْفُورَةٍ. ولا يجوزُ إلَّا مُدَّةً لا تَزِيدُ على مُدَّةِ إجَارَتِه، كما قُلْنا فى إجْرَاءِ الماءِ فى السَّاقِيَةِ. واللَّه أعلمُ.
стр. 3255
فصل: وإذا أرَادَ أن يُجْرِىَ مَاءً فى أَرْضِ غيرِه لغيرِ ضَرُورَةٍ، لم يَجُزْ إلّا بإِذْنِه، وإن كان لِضَرُورَةٍ، مثلُ أن يكونَ له أرْضٌ لِلزِّرَاعَةِ، لها ماءٌ لا طَرِيقَ له إلَّا أَرْضُ جَارِه، فهل له ذلك؟ على رِوَايَتَيْنِ، إحْداهما، [لا يجوزُ] (٦٠)؛ لأنَّه تَصَرَّفَ في أرْضِ غيرِه بغيرِ إِذْنِه، فلم يَجُزْ، كما لو لم تَدْعُ إليه ضَرُورَةٌ، ولأنَّ مثلَ هذه الحاجَةِ لا تُبِيحُ مالَ غيرِه، بِدَلِيلِ أنَّه لا يُبَاحُ له (٦١) الزَّرْعُ فى أرْضِ غيرِه، ولا البِنَاءُ فيها، ولا الانْتفاعُ (٦٢) بشىءٍ من مَنَافِعِهَا المُحَرَّمَةِ عليه قبل هذه الحاجَةِ. والأُخْرَى يجوزُ؛ لما رُوِىَ أنَّ الضَّحَّاكَ بن خَلِيفَةَ سَاقَ خليجًا من العُرَيْضِ (٦٣)، فأرَادَ أن يَمُرَّ به فى أرْضِ مُحَمَّدِ بن مَسْلَمَةَ، فأبَى، فقال له الضَّحَّاكُ: لِمَ تَمْنَعُنِى وهو مَنْفَعَةٌ لك، تَشْرَبُه أَوَّلًا وآخِرًا، ولا يَضُرُّكَ؟ فأبَى مُحَمَّدٌ، فكَلَّمَ فيه الضَّحَّاكُ عُمَرَ، فدَعَا مُحَمَّدَ بن مَسْلَمَةَ، وأمَرَهُ أن يُخَلِّىَ سَبِيلَه. فقال محمدٌ: لا واللهِ. فقال له عمرُ (٦٤): لِمَ تَمْنَعُ أخَاكَ [ما يَنْفَعُه] (٦٥)، وهو لك نَافِعٌ، تَشْرَبُه أَوَّلًا وآخِرًا؟ فقال محمدٌ: لا واللهِ. فقال عُمَرُ: واللَّه ليَمُرَّنَّ به ولو على بَطْنَكِ. فأمَرَهُ عُمَرُ أن يَمُرَّ به، ففَعَلَه (٦٦). رَوَاهُ مَالِكٌ فى "مُوَطَّأه" (٦٧)، وسَعِيدٌ فى "سُنَنِه". والأَوَّلُ أقْيَسُ، وقول عُمَرَ يُخَالِفُه قولُ مُحَمَّدِ بن مَسْلَمَةَ، وهو مُوافِقٌ للأُصُولِ، فكان أَوْلَى.
فصل: وإن صَالَحَ رَجُلًا على أن يَسْقِىَ أرْضَه من نَهْرِ الرَّجُلَ يَوْمًا أو يَوْمَيْنِ، أو من عَيْنِه، وقَدَّرَهُ بشىءٍ يُعْلَمُ به، فقال القاضى: لا يجوزُ؛ لأنَّ الماءَ ليس بِمَمْلُوكٍ، ولا يجوزُ بَيْعُه، فلا يجوزُ الصُّلْحُ عليه، ولأنَّه مَجْهُولٌ. قال: وإن صَالَحَهُ على سَهْمٍ من العَيْنِ أو
стр. 3256
النَّهْرِ كالثُّلُثِ أو الرُّبُعِ، جَازَ، وكان بَيْعًا لِلْقَرَارِ، والماءُ تَابعٌ له. ويَحْتَمِلُ أن يجوزَ الصُّلْحُ على السَّقْىِ من نَهْرِه وقَنَاتِه؛ لأنَّ الحَاجَةَ تَدْعُو إلى ذلك، والماءُ مما يجوزُ أخْذُ العِوَضِ عنه فى الجُمْلَةِ، بِدَلِيلِ ما لو أخَذَهُ فى قِرْبَتِه أو إِنَائِه، ويجوزُ الصُّلْحُ على مالا يجوزُ بَيْعُه؛ بِدَلِيلِ الصُّلْحِ عن دَمِ العَمْدِ وأشْبَاهِه، والصُّلْحِ على المَجْهُولِ (٦٨).
فصل: ولا يَصِحُّ الصُّلْحُ على ما لا يجوزُ أخْذُ العِوَضِ عنه، مثل أن يُصَالِحَ امْرَأةً لِتُقِرَّ له (٦٩) بالزَّوْجِيَّةِ؛ لأنَّه صُلْحٌ يُحِلُّ حَرَامًا، ولأنَّها لو أرادَتْ بَذْلَ نَفْسِها بِعِوَضٍ لم يَجُزْ. وإن دَفَعَتْ إليه عِوَضًا عن هذه الدَّعْوَى لِيَكُفَّ عنها، ففيه وَجْهَانِ؛ أحدُهما، لا يَجُوزُ؛ لأنَّ الصُّلْحَ فى الإنْكَارِ إنَّما يكون فى حَقِّ المُنْكِرِ لافْتِدَاءِ اليَمِينِ، وهذه لا يَمِينَ عليها، وفى حَقِّ المُدَّعِى بِأخْذِ العِوَضِ فى مُقَابَلَةِ حَقِّه الذى يَدَّعِيه، وخُرُوجُ البُضْعِ من مِلْكِ الزَّوْجِ لا قِيمَةَ له، وإنَّما أُجِيزَ الخُلْعُ للحَاجَةِ إلى افْتِدَاءِ نَفْسِهَا. والثاني، يَصِحُّ، ذَكَرَهُ أبو الخَطَّابِ وابنُ عَقِيلٍ؛ لأنَ المُدَّعِىَ يَأْخُذُ عِوَضًا عن حَقِّه من النِّكَاحِ، فجازَ كعِوَض الخُلْعِ، والمَرْأةُ تَبْذُلُه لِقَطْعِ خُصُومَتِه وإزَالَةِ شَرِّه، وَرُبَّمَا تَوَجَّهَتِ اليَمِينُ عليها لكَوْنِ الحاكِمِ يَرى ذلك، [أو لأنَّها مَشْرُوعَةٌ فى حَقِّها فى إحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ] (٧٠)، ومتى صَالَحَتْهُ على ذلك، ثم (٧١) ثَبَتَتِ الزَّوْجِيَّةُ بإِقْرَارِهَا أو بِبَيِّنَةٍ، فإن قُلْنا: الصُّلْحُ بَاطِلٌ. فالنِّكَاحُ بَاقٍ بِحَالِه؛ لأنَّه لم يُوجَدْ من الزَّوْجِ طَلَاقٌ ولا خُلْعٌ. وإن قُلْنا: هو صَحِيحٌ. احْتَمَلَ ذلك أيضا؛ [لذلك، واحْتَمَلَ] (٧٢) أن تَبِينَ منه بأَخْذِ العِوَضِ؛ لأنَّه أخَذَ العِوَضَ عمَّا يَسْتَحِقُّه من نِكَاحِها، فكان خُلْعًا، كما لو أَقَرَّتْ له بالزَّوْجِيَّةِ فخَالَعَها (٧٣). ولو ادَّعَتْ أن زَوْجَها طَلَّقَها ثلاثا، فصالَحَها على مَالٍ لِتَنْزِلَ عن
стр. 3257
دَعْوَاها، لم يَجُزْ؛ لأنَّه لا يجوزُ لها بَذْلُ نَفْسِهَا لِمُطَلِّقِهَا بِعِوَضٍ ولا بغيرِه. وإن دَفَعَتْ إليه مَالًا لِيُقِرَّ بِطَلَاقِها، لم يَجُزْ، فى أحدِ الوَجْهَيْنِ، وفى الآخَرِ يجوزُ، كما لو بَذَلَتْ له عِوَضًا لِيُطَلِّقَها ثلاثا.
فصل: وإن ادَّعَى على رَجُلٍ أنَّه عَبْدُه، فأنْكَرَه، فصَالَحَهُ على مَالٍ لِيُقِرَّ له بالعُبُودِيَّةِ، لم يَجُزْ؛ لأنَّه يُحِلُّ حَرَامًا، فإنَّ إرْقَاقَ الحُرِّ نَفْسَه لا يَحِلُّ بِعِوَضٍ ولا بغيرِه. وإن دَفَعَ إليه المُدَّعَى عليه مَالًا صُلْحًا عن دَعْوَاه، صَحَّ؛ لأنَّه يجوزُ أن يَعْتِقَ عَبْدَه بمالٍ، ويُشْرَعُ لِلدَّافِعِ (٧٤) لِدَفْعِ اليَمِينِ الوَاجِبَةِ عليه، والخُصُومَةِ المُتَوَجهَةِ إليه. ولو ادَّعَى على رَجُلٍ ألْفًا، فأنْكَرَهُ، فدَفَعَ إليه شَيْئًا لِيُقِرَّ له بالأَلْفِ، لم يَصِحَّ. فإن أقَرَّ لَزِمَهُ ما أقَرَّ به، ويَرُدُّ ما أخَذَهُ؛ لأنَّه تَبَيَّنَ بإقْرَارِه كَذِبُه فى إنْكَارِه، وأنَّ الأَلْفَ عليه، فيَلْزَمُه أدَاؤُه بغيرِ عِوَضٍ، ولا يَحِلُّ له أخْذُ العِوَضِ عن أدَاءِ الوَاجِبِ عليه. وإن دَفَعَ إليه المُنْكِرُ مَالًا، صُلْحًا عن دَعْوَاه، صَحَّ. وقد مَضَى ذِكْرُه.
فصل: ولو صَالَحَ شَاهِدًا على أن لا يَشْهَدَ عليه، لم يَصِحَّ؛ لأنَّه لا يَخْلُو من ثَلَاثَةِ أحْوَالٍ: أحدها، أن يُصَالِحَهُ على أن لا يَشْهَدَ عليه بِحَقٍّ تَلْزَمُ الشَّهَادَةُ به، كدَيْنِ آدَمِىٍّ (٧٥)، أو حَقٍّ للَّه تعالى لا يَسْقُطُ بالشُّبْهَةِ، كالزَّكَاةِ ونحوِها، فلا يجوزُ كِتْمَانُه، ولا يجوزُ أخْذُ العِوَضِ عن ذلك، كما لا يجوزُ أخْذُ العِوَضِ على شُرْبِ الخَمْرِ وتَرْكِ الصَّلَاةِ. الثانى، أن يُصَالِحَهُ على أن لا يَشْهَدَ عليه بالزُّورِ. فهذا يَجِبُ عليه تَرْكُ ذلك، ويحرمُ عليه فِعْلُه، فلا يجوزُ أخْذُ العِوَضِ عنه، كما لا يجوزُ أن يُصَالِحَهُ على أن لا يَقْتُلَه ولا يَغْصِبَ مَالَهُ. الثالث، أن يُصَالِحَهُ على أن لا يَشْهَدَ عليه بما يُوجِبُ حَدًّا، كالزِّنَا والسَّرِقَةِ، فلا يجوزُ أخْذُ العِوَضِ عنه؛ لأنَّ ذلك ليس بِحَقٍّ له، فلم يَجُزْ له أخْذُ عِوَضِه، كسَائِرِ ما ليس بِحَقٍّ له. ولو صَالَحَ السَّارِقَ والزَّانِىَ والشَّارِبَ بِمَالٍ، على أن لا يَرْفَعَهُ إلى
стр. 3258
السُّلْطَانِ، لم يَصِحَّ الصُلْحُ لذلك، ولم يَجُزْ له أخْذُ العِوَضِ. وإن صَالَحَهُ عن حَدِّ القَذْفِ، لم يَصِحَّ الصُّلْحُ؛ لأنَّه إن كانِ للهِ تعالى، لم يكُنْ له أن يَأْخُذَ عِوَضَه، لِكَوْنِه ليس بِحَقٍّ له، فأَشْبَه حَدَّ الزِّنَى والسَّرِقَةِ، وإن كان حَقًّا له، لم يَجُز الاعْتِيَاضُ عنه، لكَوْنِه حَقًّا ليس بمَالِىٍّ، ولهذا لا يَسْقُطُ إلى بَدَلٍ، بِخِلَافِ القِصَاصِ، ولأنَّه شُرِعَ لِتَنْزِيهِ العِرْضِ، فلا يجوزُ أن يَعْتاضَ عن عِرْضِه بمالٍ. وهل يَسْقُطُ الحَدُّ بالصُّلْحِ؛ فيه وَجْهَانِ، مَبْنِيَّانِ على الخِلَافِ فى كَوْنِه حَقًّا للَّه تعالى، أو حَقًّا لآدَمِىٍّ؛ فإن كان حَقًّا للَّه تعالى، لم يَسْقُطْ بِصُلْحِ الآدَمِىِّ ولا إسْقَاطِه، كَحدِّ الزِّنَى والسَّرِقَةِ، وإن كان حَقًّا لآدَمِىٍّ، سَقَطَ بِصُلْحِه وإسْقَاطِه، مثل القِصَاصِ. وإن صَالَحَ عن حَقِّ الشُّفْعَةِ، لم يَصِحَّ الصُّلْحُ، لأنَّه حَقٌّ شُرِعَ على خِلَافِ الأصْلِ لِدَفْعِ ضَرَرِ الشَّرِكَةِ، فإذا رَضِىَ بالْتِزَامِ الضَّرَرِ، سَقَطَ الحَقُّ من غير بَدَلٍ، كحَدِّ القَذْفِ، إلَّا أنَّه يَسْقُطُ هاهُنا وَجْهًا واحِدًا؛ لِكَوْنِه حَقًّا لآدَمِىٍّ.
فصل: ولا يجوزُ أن يَشْرَعَ إلى طَرِيقٍ نَافِذٍ جَنَاحا؛ وهو الرَّوْشَنُ يكُونُ على أطْرَافِ خَشَبَةٍ مَدْفُونَةٍ فى الحائِطِ، وأَطْرَافُها خَارِجَةٌ فى الطَّريقِ، سواءٌ كان ذلك يَضُرُّ فى العَادَةِ بالمَارَّةِ أو لا يَضُرُّ. ولا يجوزُ أن يَحْمِلَ (٧٦) عليها سَابَاطًا (٧٧) بِطَرِيقِ الأوْلَى، وهو المُسْتَوفِى لِهَوَاءِ الطَّرِيقِ كلِّه على حَائِطَيْنِ، سواءٌ كان الحائِطَانِ مِلْكَه أو لم يكُونا، وسواءٌ أذِنَ الإِمَامُ فى ذلك أو لم يَأْذَنْ. وقال ابنُ عَقِيلٍ: إن لم يكُنْ فيه ضَرَرٌ جَازَ بإِذْنِ الإِمَامِ؛ لأنَّه نَائبُهم، فجَرَى إِذْنُه مَجْرَى إِذْنِ المُشْتَرِكِينَ فى الدَّرْبِ الذى ليس بِنَافِذٍ. وقال أبو حنيفةَ: يجوزُ من ذلك ما لا ضَرَرَ فيه، وإن عَارَضَهُ رَجُلٌ من المُسْلِمِينَ وَجَبَ قَلْعُه. وقال مالِكٌ، والشَّافِعِىُّ، والأَوْزَاعِىُّ، وإسحاقُ، وأبو يوسفَ، ومحمدٌ: يجوزُ ذلك إذا لم يَضُرَّ بالمَارَّةِ، ولا يَمْلِكُ أحَدٌ مَنْعَه؛ لأنَّه ارْتَفَقَ بما لم يَتَعَيَّنْ مِلْكُ أحَدٍ فيه من غير مَضَرَّةٍ، فكان جَائِزًا، كالمَشْىِ فى الطَّرِيقِ والجُلُوسِ فيها. واخْتَلَفُوا فيما لا يَضُرُّ،
стр. 3259
فقال بعضُهم: إن كان فى شَارِعٍ تَمُرُّ فيه الجُيُوشُ والأحْمَالُ، فيكونُ بحيثُ إذا سَارَ فيه الفَارِسُ وَرُمْحُه مَنْصُوبٌ لا يَبْلُغُه. وقال أكْثَرُهُم: لا يُقَدَّرُ بذلك، بل يكونُ بحيثُ لا يَضُرُّ بالْعَمَّارِيَّاتِ (٧٨) والمَحَامِلِ. ولَنا، أنَّه بِنَاءٌ فى مِلْكِ غيره بغيرِ إِذْنِه، فلم يَجُزْ، كبِنَاءِ الدَّكَّةِ أو بِنَاءِ ذلك فى دَرْبٍ غيرِ نَافِذٍ بغير إِذْنِ أهْلِه، ويُفَارِقُ المُرُورَ فى الطَّرِيقِ، فإنَّها جُعِلَتْ لذلك، ولا مَضَرَّةَ فيه، والجُلُوسُ لا يَدُومُ، ولا يُمْكِنُ التَّحَرُّزُ منه، ولا نُسَلِّمُ أنَّه لا مَضَرَّةَ فيه، فإنَّه يُظْلِمُ الطَّرِيقَ، ويَسُدُّ الضَّوْءَ، وربَّما سَقَطَ على المارَّةِ، أو سَقَطَ منه شىءٌ، وقد تَعْلُو الأرْضُ بمُرُورِ الزَّمَانِ، فيَصْدِمُ رُءُوسَ النّاسِ، ويَمْنَعُ مُرُورَ الدَّوَابِّ بالأحْمَالِ، ويَقْطَعُ الطَّرِيقَ إلَّا على الماشِى، وقد رَأيْنَا مثل هذا كثيرا، وما يُفْضِى إلى الضَّرَرِ فى ثانى الحالِ، يَجِبُ المَنْعُ منه فى ابْتِدَائِه، كما لو أرَادَ بِنَاءَ حَائِطٍ مائِلٍ إلى الطَّرِيقِ يُخْشَى وُقُوعُه على من يَمُرُّ فيها. وعلى أبى حنيفةَ: أنَّه بِنَاءٌ فى حَقٍّ مُشْتَرَكٍ، لو مَنَعَ منه بعضُ أهْلِه لم يَجُزْ، فلم يَجُزْ بغير إذْنِهِم، كما لو أخْرَجَهُ إلى هَوَاءِ دَارٍ مُشْتَرَكَةٍ، وذلك لأنَّ حَقَّ الآدَمِىِّ لا يجوزُ لغيرِه التَّصَرُّفُ فيه بغيرِ إِذْنِه، وإن كان سَاكِنًا، كما لا يجوزُ إذا مَنَعَ منه.
فصل: ولا يجوزُ أن يَبْنِىَ فى الطَّرِيقِ دُكَّانًا، بغير خِلَافٍ نَعْلَمُه، سواءٌ كان الطَّرِيقُ وَاسِعًا أو غيرَ وَاسِعٍ، سواءٌ أذِنَ الإِمَامُ فيه أو لم يَأْذَنْ؛ لأنَّه بِنَاءٌ فى مِلْكِ غيرِه بغيرِ إذْنِه، ولأنَّه يُؤْذِى المارَّةَ ويُضَيِّقُ عليهم، ويَعْثُرُ به العاثِرُ، فلم يَجُزْ، كما لو كان الطَّرِيقُ ضَيِّقًا.
فصل: ولا يجوزُ أن يَبْنِىَ دُكَّانًا ولا يُخْرِجَ رَوْشَنًا، ولا سَابَاطًا على دَرْبٍ غيرِ نافِذٍ، إلَّا بإِذْنِ أهْلِه. وبهذا قال الشَّافِعِىُّ، إذا لم يكُنْ له فى الدَّرْبِ بَابٌ، وإن كان له فى الدَّرْبِ بَابٌ، فقد اخْتَلَفَ أصْحَابُه (٧٩)، فمنهم من مَنَعَهُ أيضا، ومنهم مَن أجَازَ له إخْرَاجَ الجَنَاحِ والسَّابَاطِ؛ لأنَّ له فى الدَّرْبِ اسْتِطْرَاقا، فمَلَكَ ذلك، كما يَمْلِكُهُ فى الدَّرْبِ
стр. 3260
النَّافِذِ. ولَنا، أنَّه بِنَاءٌ في هَوَاءِ مِلْكِ قَوْمٍ مُعَيَّنِينَ، أشْبَه ما لو لم يكن له (٨٠) فيه بَابٌ، ولا نُسَلِّمُ الأَصْلَ الذى قَاسُوا عليه. فأما إن أَذنَ أهْلُ الدَّرْبِ فيه، جَازَ؛ لأنَّ الحَقَّ لهم، فجَازَ بِإِذْنِهم، كما لو كان المالِكُ واحدًا. وإن صَالَحَ أهْل الدَّرْبِ من ذلك على عِوَضٍ مَعْلُومٍ، جَازَ. وقال القاضِى، وأصْحَابُ الشَّافِعِىِّ: لا يجوزُ؛ لأنَّه بَيْعٌ لِلْهَوَاءِ دون القَرَارِ. ولَنا، أنَّه يَبْنِى فيه بإذْنِهِم، فجَازَ، كما لو أَذِنُوا له بغيرِ عِوَضٍ، ولأنَّه مِلْكٌ لهم، فجَازَ لهم أخْذُ عِوَضِه، كالقَرَارِ. إذا ثَبَتَ هذا، فإنَّما يَجوزُ بشَرْطِ كَوْنِ ما يُخْرِجُه مَعْلُومَ المِقْدَارِ فى الخُرُوج والعُلُوِّ، وهكذا الحُكْمُ فيما إذا أخْرَجَه إلى مِلْكِ إنْسَانٍ مُعَيَّنٍ، لا يجوزُ بغير إِذْنِه، ويجوزُ بِإِذْنِه، بِعوَضٍ وبغيرِه، إذا كان مَعْلُومَ المِقْدَارِ. واللَّه أعلمُ.
فصل: ولا يجوزُ أن يَحْفِرَ فى الطَّرِيقِ النَّافِذَةِ بِئْرًا لِنَفْسِه، سواءٌ جَعَلَها لِمَاءِ المَطَرِ، أو لِيَسْتَخْرِجَ منها ما يَنْتَفِعُ به، ولا غير ذلك؛ لما ذَكَرْنَا من قبلُ. وإن أرَادَ حَفْرَهَا لِلْمُسْلِمِينَ ونَفْعِهم (٨١) أو لِنَفْعِ الطَّرِيقِ، مثل أن يَحْفِرَهَا لِيَسْتَقِىَ الناسُ من مَائِها، ويَشْرَبَ منه المارَّةُ، أو لِيَنْزِلَ فيها مَاءُ المَطَرِ عن الطَّرِيقِ، نَظَرْنَا، فإن كان الطَّرِيقُ ضَيِّقًا، أو يَحْفِرُها فى مَمَرِّ الناس بحيثُ يُخَافُ سُقُوطُ إنْسِانٍ فيها أو دَابَّةٍ، أو يُضَيِّقُ عليهم مَمَرَّهم، لم يَجُزْ ذلك؛ لأن ضَرَرَهَا أكْثَرُ من نَفْعِهَا، وإن حَفَرَها فى زَاوِيَةٍ فى (٨٢) طرِيقٍ واسِعٍ، وجَعَلَ عليها ما يَمْنَعُ الوُقُوعَ فيها، جَازَ؛ لأنَّ ذلك نَفْعٌ بلا ضَرَر، فجَازَ، كتَمْهِيدِها، وبِنَاءِ رَصِيفٍ فيها، فأمَّا (٨٣) فِعْلُه فى دَرْبٍ غيرِ نافِذٍ، فلا يجوزُ إلَّا بإذْنِ أهْلِه؛ لأنَّ هذا مِلْكٌ لِقَوْمٍ مُعَيَّنِينَ، فلم يَجُزْ فِعْلُ ذلك بغيرِ إذْنِهم. كما لو فَعَلَهُ فى بُسْتانِ إِنْسِانٍ. ولو صَالَحَ أَهلَ الدَّرْبِ عن ذلك بِعِوَضٍ، جَازَ، سواءٌ حَفَرَها لِنَفْسِه