← Фикх ханбали

Фикх ханбали · id 6910

المغني لابن قدامة - ت التركي

ابن قدامة

Полный текст (7 955 стр.). Показаны 351–390 · переход к 356.

стр. 351

قال أبو عُبَيْد: ولا اخْتلافَ بين النَّاسِ أعْلَمُه في أنَّ الفَرَقَ ثَلَاثةُ آصُعٍ، والفَرَقُ سِتَّةَ عَشَرَ رِطْلًا، فثَبَتَ أنَّ الصَّاعَ خَمْسَةُ أرْطَالٍ وثُلْثٌ. ورُوِىَ أن أبا يوسفَ دخلَ المدينة، فسألهم عن الصَّاعِ؟ فقالوا: خَمْسَةُ أَرْطالٍ وثُلْثٌ. [فسألهم الحُجَّةَ] (٨) فقالوا: غَدًا. فجاءَ مِن الْغَدِ سَبْعُونَ شَيْخًا، كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُم آخِذٌ صَاعًا تحتَ رِدَائِه، فقال: صَاعِى وَرِثْتُه عَن أَبِي، وَوَرِثَهُ أَبِى عَنْ جَدِّى، حتى انْتَهَوْا به إلى النَّبِيِّ ﷺ . فرجعَ أبو يوسف عن قَوْلِهِ. وهذا إسْنَادٌ مُتَوَاتِرٌ يُفِيدُ القَطْعَ، وقد ثَبَتَ أنَّ النبيَّ ﷺ قال: "المِكْيَالُ مِكْيَالُ أَهْلِ المَدِينةِ" (٩). ولم يَثْبُتْ لنا تَغْيِيرُه، وحَدِيثُ أنَسٍ هذا انْفَرَدَ به مُوسَى بنُ نَصْرٍ (١٠)، وهو ضَعِيفُ الحَدِيثِ. قالَهُ الدَّارَقُطْنِيُّ (١١). فصل: والرِّطْلُ العِرَاقِيُّ مائَةُ دِرْهَمٍ وثَمَانِيةٌ وعِشْرُونَ دِرْهَمًا وأَرْبَعَةُ أَسْباعٍ دِرْهَمٍ، وهو تِسْعُونَ مِثْقَالًا. والمِثْقَالُ دِرْهَمٌ وثَلَاثَةُ أَسْبَاعِ دِرْهَمٍ. هكَذا كانَ قَدِيمًا، ثم إنَّهم زَادُوا فيه مِثْقَالًا، فجعلوهُ إحْدَى وتِسْعِينَ مِثْقالًا وكَمُلَ به مِائةٌ وثلاثونَ دِرْهَمًا، وقَصَدُوا بهذه الزِّيَادَةِ إزَالةَ كَسْرِ الدِّرْهِم. والعَمَلُ على الأوَّلِ؛ لأنَّه الذي كان مَوْجُودًا وَقْتَ تَقْدِيرِ العُلَمَاءِ المُدَّ به، فيكونُ المُدُّ حِينَئِذٍ مائةَ دِرْهَمٍ وإحْدَى وسَبْعِينَ دِرْهَمًا وثَلَاثةَ أَسْبَاعِ دِرْهَمٍ، وذلك بالرِّطْلِ الدِّمَشْقِيِّ، الذي وَزْنُه سِتُّمائةِ دِرْهَمٍ، ثلاثةُ أَوَاقِيّ وثلاثةُ أسْبَاعِ أُوقِيَّة. والصَّاعُ أَربعةُ أَمْدَادٍ، فيكونُ رِطْلًا وأُوقِيَّةً وخَمْسَةَ أسْباعِ أُوقِيَّةٍ، وإنْ شِئْتَ قُلْتَ: هو رِطْلٌ وسُبْعُ رِطْلٍ.

стр. 352

٦١ - مسألة؛ قال: (فإنْ أَسْبَغَ بِدُونِهِما أَجْزَأَهُ) مَعْنَى الإِسْبَاغ أنْ يَعُمَّ جميعَ الأَعْضَاءِ بالماءِ بحيثُ يَجْرِى عليها؛ لأَنَّ هذا هو الغُسْلُ، وقد أُمِرْنا بالغَسْلِ. وقال أحمدُ: إنَّما هو الغَسْلُ ليس المَسْحُ، فإذَا أمْكَنَه أن يَغْسِلَ غَسْلًا وإن كان مُدًّا أو أَقَلَّ مِن مُدٍّ، أجْزَأَهُ. وهذا مذهبُ الشَّافِعِيِّ وأكثرِ أهْلِ العِلْمِ، وقد قيل: لا يُجْزِىءُ دونَ الصَّاعِ في الغُسْلِ والمُدِّ في الوضوءِ. وحُكِىَ هذا عن أبي حَنِيفَة؛ لأَنَّهُ رُوِىَ عن جَابرٍ، قال: قال رسولُ اللَّه ﷺ : "يُجْزِىءُ مِنَ الوُضُوءِ مُدٌّ، ومِنَ الجَنَابَةِ صَاعٌ" (١). والتَّقْدِيرُ بهذا يَدُلُّ على أنَّه لا يَحْصُلُ الإِجْزَاءُ بِدُونِهِ. ولَنا، أنَّ اللهَ تَعالَى أَمَرَ بالغُسْلِ وقد أَتَى به، فيجبُ أنْ يُجْزِئَه، وقد رُوِىَ عن عائِشَة، أنَّها كانَتْ تَغْتَسِلُ هِىَ والنبيُّ ﷺ مِنْ إنَاءٍ واحِدٍ، يَسَعُ ثَلَاثَةَ أمْدَادٍ، أو قَرِيبًا مِنْ ذَلِكَ. رَوَاهُ مُسْلِمٌ (٢). وعن عبدِ اللَّه بنِ زيدٍ، أنَّ النَّبِيَّ ﷺ تَوَضَّأَ بثُلُثَيْ مُدٍّ (٣). وحديثُهم إنَّمَا دَلَّ بمَفْهُومِه. وهم لا يقولُونَ به، ثم إنَّه إنَّما يَدُلُّ بشَرْطِ أنْ لا يكونَ للتَّخْصِيصِ فائِدَةٌ سِوَى تَخْصِيصِ الحُكْم به، وههُنا إنَّما خَصَّه لأَنَّه خَرَجَ مَخْرَجَ الغالِبِ، لأنَّه لا يَكْفِى في الغالِبِ أقَلُّ مِنْ ذلك، ثم ما ذَكَرْناه مَنْطُوقٌ، وهو مُقَدَّمٌ على المَفْهُومِ اتِّفَاقًا، وقد رَوَى الأَثْرَمُ، عن القَعْنَبِيِّ (٤)، عن سليمان بن بِلَالٍ (٥)، عن عبد الرحمن بن عطاء (٦)، أنه سَمِعَ سَعِيدَ

стр. 353

ابنَ المُسَيَّبِ، ورَجُلًا مِنْ أَهْلِ العِرَاقِ يسألهُ عَمَّا يَكْفِى الإِنْسَانَ مِن غُسْلِ الجَنَابَةِ؟ فقال سعيد: إنَّ لي تَوْرًا يَسَعُ مُدَّيْن مِنْ ماءٍ ونحوَ ذلك، فأَغْتَسِلُ به، ويَكْفِينِي، ويَفْضُلُ منه فَضْلٌ. فقال الرَّجُلُ: فَوَاللهِ إنِّي لأَسْتَنْثِرُ وأتَمَضْمَضُ بمُدَّيْنِ مِنْ ماءٍ [ونحو ذلك] (٧). فقال سعيدُ بنُ المُسَيَّبِ: فبِمَ تَأْمُرُنِي إنْ كان الشَّيْطانُ يَلْعَبُ بِكَ؟ فقال له الرَّجُلُ: فإنْ لم يَكْفِنِي، فإنِّي رَجُلٌ كما تَرَى عَظِيمٌ. فقال له سعيدُ بنُ المُسَيَّبِ: ثَلَاثَةُ أمْدَادٍ. فقال: ثَلَاثَةُ أمْدَادٍ قَلِيلٌ. فقال له سعيد: فَصَاعٌ. وقال سعيدٌ: إنَّ لِي رَكْوَةً (٨) أو قَدَحًا ما يَسَعُ إلَّا نِصْفَ المُدِّ ماءً أو نَحْوَهُ، ثُمَّ أَبُولُ ثم أَتَوَضَّأُ وأُفْضِلُ منه فَضْلًا. قال عبدُ الرحمن: فذكرْتُ هذا الحَدِيثَ الذي سَمِعْتُ مِنْ سعيد بنِ المُسَيَّبِ لسليمانَ بنِ يَسَارٍ (٩)، فقال سُليمانُ: وأنا يَكْفِينِي مِثْلُ ذلك. قال عبد الرحمن: فذَكَرْتُ ذلك لأبي عُبَيْدَة ابنِ عَمَّارِ بنِ ياسِرٍ (١٠)، فقالَ أبو عُبَيْدة: وهكذا سَمِعْنَا مِنْ أَصْحَابِ رسولِ اللَّه ﷺ . وقال إبراهيمُ النَّخَعِيُّ: إنِّي لأَتَوَضَّأُ مِنْ كُوزِ الحبِّ مَرَّتَيْنِ. فصل: وإن زادَ على المُدِّ في الوضوءِ، والصَّاعِ في الغُسْلِ، جَازَ؛ فإنَّ عائِشَة قالَتْ: كُنْتُ أَغْتَسِلُ أنَا والنبيُّ ﷺ مِنْ إنَاءٍ وَاحِدٍ، مِنْ قَدَحٍ يُقَالُ لَهُ: الفَرَقُ. رَوَاهُ البُخَارِيُّ (١١). والفَرَقُ ثَلَاثَةُ آصُعٍ، وعَنْ أَنَسٍ، قال: كان رسولُ اللهِ ﷺ يَغْتَسِلُ

стр. 354

بالصَّاعِ إلى خَمْسَة أمْدَادٍ. رَوَاهُ البُخَارِيُّ أيضًا (١٢) ويُكْرَهُ الإِسْرَافُ في الماءِ، والزِّيَادَةُ الكَثِيرةُ فيه؛ لِما رَوَيْنَا مِن الآثارِ. ورَوَى عبدُ اللهِ بنُ عَمْرٍو، أنَّ رسولَ اللهِ ﷺ مَرَّ بسَعْدٍ، وهو يَتَوَضَّأُ، فقالَ: "ما هَذَا السَّرَفُ؟ ". فقالَ: أفِى الوُضُوءِ إسْرَافٌ؟ فقال: "نَعَمْ، وإنْ كُنْتَ عَلَى نَهْرٍ جَارٍ" رَوَاهُ ابنُ مَاجَه (١٣). وعَنْ أُبَيِّ بنِ كَعْبٍ قال: قال رسولُ اللهِ ﷺ : "إنَّ لِلْوُضُوءِ شَيْطَانًا، يُقَالُ لَهُ: وَلْهَان، فاتَّقُوا وَسْوَاسَ الماءِ" (١٤). وكان يُقَالُ: مِنْ قِلَّةِ فِقْهِ الرَّجُلِ وَلُوعُه بالماءِ. ٦٢ - مسألة؛ قال: (وتَنْقُضُ المَرْأَةُ شَعْرَها لِغُسْلِهَا مِنَ الحَيْضِ، ولَيْسَ عَلَيْها نَقْضُه لِلْجَنَابةِ (١) إذَا أَرْوَتْ أُصُولَه) نَصَّ على هذا أحمدُ. قال مُهَنَّا: سألتُ أحمدَ عن المرأةِ تَنْقُضُ شَعَرَهَا إذا اغْتَسَلَتْ مِنَ الجَنَابَةِ؟ فقال: لا. فقلتُ له: في هذا شيءٌ؟ قال: نعم، حديثُ أُمِّ سَلَمَةَ (٢). قُلْتُ: فَتَنْقُضُ شَعَرَهَا مِنَ الحَيْضِ؟ قال: نعم. قلتُ له: وكيف تَنْقُضُهُ مِنَ الحَيْضَةِ، ولا تَنْقُضُهُ مِن الجَنَابَةِ؟ فقال: حديثُ أسْمَاءَ (٣) عن النَّبِيِّ ﷺ ، أنه قال: لا تَنْقُضُهُ. ولا يَخْتَلِفُ المَذْهَبُ في أنَّه لا يجبُ نَقْضُه مِن الجنابةِ، ولا أعلمُ فيه خِلَافًا بين العلماءِ، إلا ما رُوِيَ عَن عبدِ اللَّه بنِ عُمَرَ، رَوَى أحمدُ، في "المُسْنَدِ" (٤)،

стр. 355

حدثنا إسماعيل، حدثنا أيُّوب، عن أبِي الزُّبَيْرِ، عن عُبَيْدِ بنِ عُمَيْرِ، قال: بَلَغَ عائِشَةَ أنَّ عبدَ اللهِ بنَ عُمَرَ، يأْمُرُ النِّسَاءَ إذا اغْتَسَلْنَ أن يَنْقُضْنَ رُءُوسَهُنَّ، فقالتْ: يا عجبًا (٥) لابْنِ عُمَر، يأْمُرُ النِّسَاءَ إذا اغْتَسَلْنَ أنْ يَنْقُضْنَ رُءُوسَهُنَّ، أفلا يَأْمُرُهُنَّ أنْ يَحْلِقْنَ (٦)، لقد كُنْتُ أنا ورسولُ اللهِ ﷺ نَغْتَسِلُ فلا أَزِيدُ على أن أُفْرِغَ على رَأْسِي ثَلاثَ إفْرَاغاتٍ (٧). واتَّفَقَ الأئِمَّةُ الأربعةُ على أنَّ نَقْضَهُ غيرُ واجِبٍ؛ وذلك لِحَدِيثِ أُمِّ سَلَمة، أنَّها قالَتْ للنَّبِيِّ ﷺ : إنِّي امْرَأةٌ أشُدُّ ضَفْرَ رَأْسِي، أفَأَنْقُضُهُ للجنابةِ؟ قال: "لَا، إنَّمَا يَكْفِيكِ أنْ تَحْثِى عَلَى رَأْسِك ثَلاثَ حَثَياتٍ، ثم تُفِيضِينَ عَلَيْكِ الماءَ فَتَطْهُرِينَ". رواهُ مُسْلِمٌ (٨)، إلَّا أنْ يكونَ في رَأْسِها حَشْوٌ أو سِدْرٌ يَمْنَعُ وُصُولَ الماءِ إلى ما تحتَه، فيجبُ إزَالَتُه، وإنْ كان خَفِيفًا لا يَمْنَعُ، لم يَجِبْ، والرجلُ والمرأةُ في هذا سَوَاءٌ، وإنما خُصَّتِ (٩) المرأةُ بالذِّكْرِ؛ لأنَّ العادةَ اخْتِصَاصُها بكثرةِ الشَّعْرِ وتَوْفِيرِه وتَطْوِيلِه. وأمَّا نَقْضُهُ لِلْغُسْلِ مِن الحَيْضِ فاخْتَلَف أصْحَابُنا في وُجُوبِه، فمنهم مَنْ أَوْجَبَهُ، وهو قولُ الحسنِ، وطاوُس؛ لما رُوِيَ عن عائشةَ، ﵂، أن النَّبيَّ ﷺ قالَ لها إذْ كانتْ حائِضًا: "خُذِى مَاءَكِ وسِدْرَكِ، وامْتَشِطِى (١٠) ". ولا يكونُ المَشْطُ إلَّا في شَعَرٍ غيرِ مَضْفُورٍ، وللبُخَارِيِّ (١١): "انْقُضِى

стр. 356

رَأْسَكِ وامْتَشِطِى". ولابْنِ مَاجَه (١٢): "انْقُضِى شَعْرَكِ واغْتَسِلِى". ولأنَّ الأصلَ وجوبُ نَقْضِ الشَّعَرِ ليتحقَّقَ وصولُ الماءِ إلى ما يجبُ غَسْلُه، فعُفِىَ عنه في غُسْلِ الجنابةِ؛ لأنَّه يكثر فيشُقُّ ذلك فيه، والحيضُ بخلافِه، فَبَقِىَ على مُقْتَضَى الأصلِ في الوجوبِ. وقال بعضُ أصحابِنا: هذا مُسْتَحَبٌّ غيرُ واجبٍ. وهو قولُ أكثرِ الفقهاءِ، وهو الصحيحُ، إن شاء اللهُ؛ لأنَّ في بعضِ ألفاظِ حديثِ أُمِّ سَلَمَة، أنَّها قالتْ للنَّبِيِّ ﷺ : إنِّي امْرَأَةٌ أشُدُّ ضَفْرَ رَأْسِي أفَأَنْقُضُهُ لِلْحَيْضَةِ ولِلْجنابةِ؟ فقال: "لَا، إنَّما يَكْفِيكِ أن تَحْثِي عَلَى رَأْسِكِ ثَلاثَ حَثَياتٍ، ثم تُفِيضِينَ عَلَيْكِ الماءَ، فَتَطْهُرِينَ". رَوَاهُ مُسْلِمٌ (١٣). وهذه زيادةٌ يجبُ قَبُولُهَا، وهذا صريحٌ في نَفْيِ الوُجُوبِ، ورَوَتْ أَسْماءُ، أنَّها سألت النَّبِيَّ ﷺ عن غُسْلِ المَحِيضِ، فقال: "تَأْخُذُ إحْدَاكُنَّ ماءَهَا وسِدْرَتَهَا (١٤) فَتَطَهَّرُ فتُحْسِن الطُّهُورَ، ثُمَّ تَصُبُّ عَلَى رَأْسِها، فَتَدْلُكُه دَلْكًا شَدِيدًا، حَتَّى تَبْلُغَ شُؤُونَ رَأْسِها، ثُمَّ تَصُبُّ عَلَيْهَا الْمَاءَ". رواهُ مُسْلِمٌ (١٥). ولو كان النَّقْضُ واجبًا لذَكره؛ لأنَّهُ لا يجوزُ تأخيرُ البيانِ عن وقتِ الحاجةِ، ولأنَّهُ مَوْضِعٌ مِن البَدَنِ، فاسْتَوَى فيه الحَيْضُ والجَنَابَةُ، كسائرِ البدنِ،

стр. 357

وحديثُ عائِشَةَ، الذي رَوَاهُ البُخَارِيُّ، ليس فيه أمْرٌ بالغُسْلِ، ولو أُمِرَتْ بالغُسْلِ لم يكنْ فيه حُجَّةٌ؛ لأنَّ ذلك ليس هو غُسْلَ الحَيْضِ، إنَّما أُمِرَتْ بالغُسْلِ في حالِ الحَيْضِ للإِحْرَامِ بالحَجّ؛ فإنَّها قالتْ: أدْرَكَنِي يومُ عَرَفَةَ، وأنا حائِضٌ، فشَكَوْتُ ذلك إلى النَّبِيِّ ﷺ ، فقال: "دَعِى عُمْرَتَكِ، وانْقُضِى رَأْسَكِ، وامْتَشِطِي (١٦) ". وإنْ ثَبَتَ الأمْرُ بالغُسْلِ حُمِلَ على الاسْتِحْبَابِ، بما ذكرنا مِن الحديثِ، وفيه ما يَدُلُّ على الاسْتِحْبابِ؛ لأنَّه أَمرَهَا بالمَشْطِ، وليس بواجِبٍ، فما هو مِنْ ضَرُورَتِهِ أَوْلَى. فصل: وغَسْلُ بَشَرَةِ الرَّأْسِ واجِبٌ، سَوَاءٌ كان الشَّعَرُ كَثِيفًا أو خَفِيفًا، وكذلك كلُّ ما تَحتَ الشَّعَرِ، كجِلْدِ اللِّحْيَةِ، وغيرِها؛ لما رَوَتْ أسْمَاءُ، أَنَّها سأَلَت النَّبِيَّ ﷺ عن غُسْلِ الجنابةِ، فقال: "تَأْخُذُ إحْدَاكُنَّ ماءً، فتَطَهَّرُ، فَتُحْسِنُ الطُّهُورَ، أو تَبْلُغُ الطُّهُورَ، ثم تَصُبُّ عَلَى رَأْسِها، فتَدْلُكُه حَتَّى تَبْلُغَ شُئُونَ رَأْسِها، ثُمَّ تُفِيضُ عَلَيْهَا الماءَ". وعن عليٍّ، ﵁، عن النَّبِيِّ ﷺ ، أنَّه قال: "مَنْ تَرَكَ مَوْضِعَ شَعَرَةٍ مِنْ جَنَابَةٍ لَمْ يُصِبْها الماءُ فُعِلَ بهِ مِنَ النَّارِ كَذَا وكَذَا". قال عليٌّ: فَمِنْ ثَمَّ عادَيْتُ شَعَرِي. قال: وكان يَجُزُّ شَعَرَهُ. رواه أبو داود (١٧). ولأَنَّ ما تَحتَ الشَعَرِ بَشَرَةٌ، أمْكَنَ إيصالُ الماءِ إليها مِن غيرِ ضَرَرٍ، فَلَزِمَهُ كسائرِ بَشَرَتِه. فصل: فأمَّا غَسْلُ ما اسْتَرْسَلَ من الشَّعَرِ، وبَلُّ ما على الجسدِ منه، ففيه وَجْهان: أحَدُهما؛ يجبُ، وهو ظاهرُ قولِ الأصحابِ، ومذهبُ الشَّافِعِيِّ؛ لما رُوِيَ من النَّبِيِّ ﷺ أنَّه قال: "تَحْتَ كُلِّ شَعَرَةٍ جَنَابَةٌ، فَبُلُّوا الشَّعَرَ، وأَنْقُوا البَشَرَةَ". رواهُ أبو داود، وغيره (١٨)، ولأنَّه شَعَرٌ نابِتٌ في مَحَلِّ الغُسْلِ، فوجب غَسْلُه،

стр. 358

كشَعَرِ الحاجِبَيْنِ وأهْدابِ العينينِ. والثاني، لا يجبُ، ويَحْتَمِلُه كلامُ الْخِرَقِيِّ، وهو قول أبي حنيفة؛ لأنَّ النَّبِيَّ ﷺ قال: "يَكْفِيكِ أن تَحْثِى عَلَى رَأْسِكِ ثَلَاثَ حَثَيَاتٍ"، مع إخْبَارِهَا إيَّاهُ بِشَدِّ ضَفْرِ رأْسِها، ومثلُ هذا لا يَبُلُّ الشَّعَرَ المَشْدُودَ ضَفْرُه في العادةِ، ولأنَّه لو وَجبَ بَلُّهُ لَوجَبَ نَقْضُهُ، ليُعْلَمَ أنَّ الغُسْلَ قد أتَى عليه، ولأنَّ الشَّعَرَ ليس مِنْ أجزاءِ الحيوانِ، بدليلِ أنَّه لا يَنْجُسُ بِمَوْتِه، ولا حياةَ فيه، ولا يَنْقُضُ الوُضُوءَ مَسُّه مِن المرأةِ، ولا تَطْلُقُ بِطَلاقِه، فلم يَجِبْ غَسْلُهُ للجنابةِ كَثِيَابها. وأمَّا حديثُ: "بُلُّوا الشَّعَرَ". فيَرْوِيهِ الحارِثُ بنُ وَجِيهٍ (١٩) وَحْدَه، وهو ضعيفُ الحديثِ، عن مالِكِ بنِ دِينَار. وأمَّا الحاجِبانِ فيَجِبُ غَسْلُهُما؛ لأنَّ مِنْ ضَرُورَةِ غَسْلِ بَشَرَتِهِما غَسْلُهما، وكذا كُلُّ شَعَرٍ مِنْ ضَرُورَةِ غَسْلِ بَشَرَتِه غَسْلُه، فيجبُ غَسْلُه؛ ضَرُورَةَ أنَّ الوَاجِبَ لا يَتِمُّ إلَّا به. وإنْ قُلْنَا بوُجوبِ غَسْلِه، فَتَرَكَ غَسْلَ بعضِه، لم يَتِمَّ غُسْلُه. فإن قَطَعَ المَتْروكَ، تَمَّ (٢٠) غُسْلُه؛ لأنَّه لم يَبْقَ في بَدَنِهِ شيءٌ غيرُ مَغْسُولٍ. ولو غَسَلَهُ، ثم انْقَطَعَ، لم يَجِبْ غَسْلُ مَوْضِعِ المَقْطوعِ (٢١). ولم يَقْدَحْ ذلك في غُسْلِهِ. فصل: وغُسْلُ الحَيْضِ كغُسْلِ الجنابةِ، إلَّا في نَقْضِ الشَّعَرِ، وأنَّه يُستحبُّ أن تَغتسلَ بماءٍ وسِدْرٍ، وتَأْخُذَ فِرْصَةً مُمَسَّكةً فَتَتَّبِعُ بها مَجْرَى الدَّمِ، والموضعَ الذي يصلُ إليه الماءُ مِن فَرْجِها؛ لِيَقْطَعَ عنها زُفُورَةَ الدَّمِ ورائحتَه، فإنْ لم تجدْ مِسْكًا فغَيرَه مِن الطِّيبِ، فإن لم تجدْ فالماءُ شافٍ كافٍ. قالتْ عائِشَةُ، رَضِىَ اللهُ عنها: إنَّ أَسْمَاءَ سَأَلَتِ النَّبِيَّ ﷺ عَنْ غُسْلِ المَحِيضِ، فقال: "تَأْخُذُ إحْدَاكُنَّ سِدْرَتَها ومَاءَها، فتَتَطَهَّرُ فَتُحْسِنُ الطُّهُورَ، ثم تَأْخُذُ فِرْصَةً مُمَسَّكَةً، فتَتَطَهَّرُ بِهَا". فقالتْ أسْماءُ: وكيف أتَطَهَّرُ بها؟ فقال: "سُبْحَانَ اللهِ! تَطهَّرِي بِها". فقالتْ عائِشَةُ، كأنَّها

стр. 359

تُخْفِى ذلك: تَتَبَّعِي (٢٢) أثَرَ الدَّمِ. رواه مسلم (٢٣). الفِرْصَةُ: هي القِطْعَةُ مِنْ كلِّ شيءٍ. فصل: ويُسْتَحَبُّ للجُنُبِ إذا أراد أن ينامَ، أو يَطأَ ثانِيا، أو يأكلَ، أن يغسلَ فرجَه ويتوضَّأَ، ورُوِىَ ذلك عن عليٍّ، وعبدِ اللَّه بنِ عُمَر، وكان عبدُ اللهِ بن عُمَر يَتَوَضَّأُ إلَّا غَسْلَ قَدَمَيْه. وقال ابنُ المُسَيَّب: إذا أراد أنْ يأكلَ يَغْسِلُ كَفَّيْهِ ويَتَمَضْمَضُ. وحُكِيَ نحوُه عن إمامِنا، وإسْحاق، وأصْحابِ الرَّأْي. وقال مُجاهِد: يَغْسِلُ كَفَّيْهِ؛ لِمَا رُوِيَ عن عائِشَةَ، أنَّ النَّبِيَّ ﷺ كان إذا أراد أنْ يأكلَ، وهو جُنُبٌ، غسلَ يَدَيْهِ. رواه أبو داود، والنَّسائِيُّ، وابنُ مَاجَه (٢٤). وقال مالِكٌ: يَغْسِلُ يَدَيْه إن كانَ أصابَهما أَذًى. وقال ابنُ المُسَيَّب، وأصْحَابُ الرَّأْي: ينامُ ولا يَمَسُّ ماءً؛ لِمَا رَوَى الأَسْوَدُ، عن عائِشَةَ، قالتْ: كان النَّبِيُّ ﷺ يَنَامُ، وهو جُنُبٌ، ولا يَمَسُّ ماءً. رواهُ أبو داود، وابنُ ماجَه، وغيرُهما (٢٥). ورَوَى أحمدُ، في "المُسْنَدِ" (٢٦): حدثنا أبو بكر بنُ عَيَّاش، حدثنا الأعْمَشُ، عن أبي إسحاق، عن الأَسْوَدِ، عن عائِشَةَ، قالتْ: كان رسولُ اللهِ ﷺ يُجْنِبُ، ثم ينامُ، ولا يَمَسُّ ماءً حتى يقومَ بعدَ ذلك فَيَغْتَسِلَ. ورُوِيَ أنَّ النَّبِيَّ ﷺ كان يَطُوفُ على نِسَائِه بغُسْلٍ واحِدٍ. [رواهُ البُخَارِيُّ] (٢٧)، ولأنَّه حَدَثٌ يُوجِبُ الغُسْلَ، فلا يُسْتَحَبُّ الوضوءُ

стр. 360

مع بقائِهِ، كالحَيْضِ. ولنا، ما رُوِيَ أنَّ عُمَرَ سأل النَّبِيَّ ﷺ : أيرقدُ أحدُنا، وهو جُنُبٌ؟ قال: "نَعَمْ، إذَا تَوَضَّأَ". مُتَّفَقٌ عليه (٢٨). وعن أبي سعيدٍ قال: قال رسولُ اللهِ ﷺ : "إذَا أَتَى أَحَدُكُم أَهْلَه ثُمَّ أَرَادَ أَنْ يَعُودَ، فَلْيَتَوَضَّأْ". رواه مسلمٌ (٢٩). وعن عائشةَ، أنَّ النَّبِيَّ ﷺ كان إذا أراد أن يأكلَ، أو ينامَ، تَوَضَّأَ. يَعْنِي وهو جُنُبٌ. رواه أبو داود (٣٠). فأما حديثُ عائشةَ: يَنَامُ، وهو جُنُبٌ، ولا يَمَسُّ ماءً. فرواهُ أبو إسحاق، عن الأسْوَدِ، عن عائِشَةَ، ورواهُ غيرُ واحِدٍ عن الأَسْوَدِ، عن عائِشَةَ، أنَّ النَّبِيَّ ﷺ كانَ يَتَوَضَّأُ قَبْلَ أنْ يَنَامَ. رواه شُعْبَةُ، والثَّوْرِيُّ، ويَرَوْنَ أنَّه غَلَطٌ مِن أبي إسْحَاق (٣١). قال أحمدُ: أبو إسْحَاق رَوَى عن الأسْوَدِ حديثًا خَالَفَ فيه الناسَ، فلم يَقُلْ أحَدٌ عَنِ الأسْوَدَ مِثْلَ ما قد قال، فلو أحَالَهُ على غيرِ الأسْوَدِ! والحديثُ الآخَرُ ليس فيه أنَّه لم يَتَوَضَّأْ حين أراد أنْ يعودَ، على أن هذه الأحاديثَ مَحْمُولَةٌ

стр. 361

على الجَوازِ، وأحادِيثُنا تَدُلُّ على الاسْتِحْبَابِ، فالحائِضُ حَدَثُها قائِمٌ، فلا وضوءَ مع ما يُنَافِيهِ، [فلا مَعْنَى لِلْوضوءِ] (٣٢). فُصُولٌ في الحَمَّامِ: بِنَاءُ الحَمَّامِ، وبَيْعُهُ، وشِرَاؤُهُ، وكِرَاؤُهُ، مَكْرُوهٌ عندَ أبى عبدِ اللَّه. قال في الذي يَبْنِى حَمَّامًا للنِّسَاءِ: ليس بِعَدْلٍ. قال أبو داود: سألتُ أحمدَ عن كِرَا الحَمَّامِ؟ قالَ: أَخْشَى. كأنَّه كَرِهَه. وقيل له، فإن اشْتَرَطَ على المُكْتَرِى أنْ لا يَدْخُلَه أحَدٌ بِغَيْرِ إزَارٍ. فقال: ويُضْبَطُ هَذا؟ وكأنَّه لم يُعْجِبْه. وإنَّما كَرِهَهُ؛ لِمَا فيه مِنْ فِعْلِ المُنْكَرَاتِ، مِنْ كَشْفِ العَوْراتِ، ومُشَاهَدَتِها، ودُخُولِ النِّسَاءِ إيَّاه. فصل: فأمَّا دُخُولُه؛ فإنْ كان الدَّاخِلُ رجلًا يَسْلَمُ مِن النَّظَرِ إلى العَوْرَاتِ، ونَظَرِ الناسِ إلى عَوْرَتِه، فلا بَأْسَ بِدُخُولِه؛ فإنَّهُ يُرْوَى، أنَّ ابنَ عَبَّاسٍ دَخَلَ حَمَّامًا بالجُحْفَةِ. ويُرْوَى ذلك عن النَّبِيِّ ﷺ . ويُرْوَى عن خالد بنِ الوليد، أنَّهُ دخلَ الحَمَّامَ. وكان الحسنُ وابنُ سِيرِينَ يَدْخُلَانِ الحَمَّامَ، رَوَاهُ الخَلَّالُ. وإن خَشِىَ أنْ لا يَسْلَمَ مِن ذلك، كُرِهَ له ذلك؛ لأنَّه لا يَأْمَنُ وُقُوعَه في المَحْظُورِ، فإنَّ كَشْفَ العَوْرَةِ ومُشَاهَدَتَها حَرَامٌ، بدليلِ ما رَوَى بَهْزُ بنُ حَكِيمٍ، عن أبيه، عن جَدِّه، أنَّه قال: يا رسولَ اللهِ، عَوْرَاتُنا ما نَأْتِى منها وما نَذَرُ؟ قال: "احْفَظْ عَوْرَتَكَ، إلَّا مِنْ زَوْجَتِكَ أوْ مَا مَلَكَتْ يَمِينُكَ". قال يا رسولَ اللهِ، فإذا كانَ أحَدُنَا خالِيًا؟ قال: فاللهُ أحَقُّ أن يُسْتَحْيَى مِنْهُ مِنَ (٣٣) النَّاسِ (٣٤) ". وقال النَّبِىُّ ﷺ : "لَا يَنْظُرُ الرَّجُلُ إلَى عَوْرَةِ الرَّجُلِ، ولا تَنْظُرُ المَرْأَةُ إلَى عَوْرَةِ المَرْأَةِ". وقال ﵇: "لَا تَمْشُوا عُرَاةً". رواهُما مُسْلِمٌ (٣٥). قال أحمدُ: إن عَلِمْتَ أنَّ كلَّ مَنْ في الحَمَّامِ عليه إزَارٌ

стр. 362

فادْخُلْهُ، وإلَّا فلا تدخُلْ. وقال سعيدُ بنُ جُبَيْر: دخولُ الحَمَّامِ بغيرِ إزَارٍ حَرَامٌ. فصل: فأمَّا النِّسَاءُ فليس لَهُنَّ دُخُولُه، مع ما ذكرْنا مِن السَّتْرِ، إلَّا لِعُذْرٍ؛ مِنْ حَيْضٍ، أو نِفَاسٍ، أو مَرَضٍ، أو حاجَةٍ إلى الغُسْلِ، ولا يُمْكِنُها أن تَغْتَسِلَ في بَيْتِها؛ لِتَعَذُّرِ ذلك عليها، أو خَوْفِها مِنْ مَرَضٍ أو ضَرَرٍ، فيُباحُ لها ذلك، إذا غَضَّتْ بَصَرَها، وسَتَرَتْ عَوْرَتَها. وأمَّا مع عَدَمِ العُذْرِ، فلا؛ لِمَا رُوِىَ، أنَّ رسولَ اللهِ ﷺ قال: "سَتُفْتَحُ عَلَيْكُم أرْضُ العَجَمِ، وسَتَجِدُونَ فِيهَا حَمَّامَاتٍ، فامْنَعُوا نِسَاءَكُم، إلَّا حائِضًا أو نُفَسَاءَ". (٣٦) ورُوِىَ أنَّ عائشةَ دخلَ عليها نِسَاءٌ مِنْ أهلِ حِمْصَ، فقالتْ: لَعَلَّكُنَّ مِن النِّسَاءِ اللَّائِى يَدْخُلْنَ الحَمَّامَاتِ، سَمِعْتُ رسولَ اللهِ ﷺ يقولُ: "إنَّ المَرْأَةَ إذَا خَلَعَتْ ثِيَابهَا في غَيْرِ بَيْتِ زَوْجِها هَتَكَتْ سِتْرَها بَيْنَها وبَيْنَ اللهِ (٣٧) ". فصل: ومَن اغْتَسَلَ عُرْيَانًا بينَ الناسِ، لم يَجُزْ له ذلك؛ لأنَّ كَشْفَها للنَّاسِ مُحَرَّمٌ، لِمَا ذكرْنا، وإنْ كان خالِيًا جازَ؛ لأنَّ موسى، ﵇، اغْتَسَلَ عُرْيَانًا (٣٨).

стр. 363

رواهُ البُخَارِىُّ، وأَيُّوبُ، ﵇، اغْتَسَلَ عُرْيَانًا (٣٩). وإنْ سَتَرَهُ إنْسَانٌ بثَوْبٍ فلا بَأْسَ، فقد كان النَّبِىُّ ﷺ يَسْتَتِرُ بِثَوْبٍ، ويَغْتَسِلُ (٤٠)، ويُسْتَحَبُّ التَّسَتُّرُ، وإن كان خالِيًا؛ لِقَوْلِ النَّبِيِّ ﷺ : "فاللهُ أحَقُّ أن يُسْتَحْيَى منْهُ (٤١) مِنَ النَّاسِ". فصل: ويُجْزِئُهُ الغُسْلُ بماءِ الحَمَّامِ. قال الخَلَّالُ: ثَبَت عن أصْحاب أبى عبدِ اللَّه، أنَّ ماءَ الحَمَّامِ يُجْزِىءُ أنْ يُغْتَسَلَ به، ولا يُغْتَسَلُ منه؛ وذلك أَنَّ الأصْلَ الطَّهَارَةُ، فلا تَزُولُ بالشَّكِّ. وقالَ أحمد: لا بأْسَ بالوضوءِ مِن ماءِ الحَمَّامِ. ورُوِىَ عنه أنَّه قال: لا بَأْسَ أَنْ يَأْخُذَ مِن الأُنْبُوبَةِ. وهذا عَلى سَبِيلِ الاحْتِيَاطِ، ولو لم يَفْعَلْه جازَ؛ لأنَّ الأصْلَ الطَّهَارَةُ، وقد قال أحمد: ماءُ الحَمَّامِ عندى طَاهِرٌ، وهو بمَنْزِلَةِ الماءِ الجارِى. [ورَوَى عنه] (٤٢) الأَثْرَمُ، أنَّه قال: من النَّاسِ مَن يُشَدِّدُ فيه، ومنهم مَنْ يقول: هو بِمَنْزِلَةِ الماءِ الجارِى؛ لأنَّه يُنْزَفُ، يَخْرُجُ الأوَّلُ فالأَوَّلُ. قُلْتُ: يكونُ كالجارِى، وهو يَسْتَقِرُّ في مكانٍ قبلَ أنْ يَخْرُجَ؟ ! فقَال: قد قلتُ لك فيه اخْتِلَافٌ.

стр. 364

وأُرَاهُ قد ظَهَرَ منه أنَّه يُسْتَحَبُّ أن يَحْتَاطَ بماءٍ آخَرَ، ولم يُبَيِّنْ ذلك. وهذا يَدُلُّ على أنَّ الماءَ الجارِىَ لا يُنَجِّسُه إلَّا التَّغَيُّرُ؛ لأنَّه لو كان يَتَنَجَّسُ لم يكنْ لِكَوْنِه جارِيًا أَثَرٌ. ويَدُلُّ أيضًا على اسْتِحْبابِه (٤٣) الاحْتِياطَ مع الحُكْمِ بطَهَارَةِ الماءِ؛ لأنَّ ماءَ الحَمَّامِ طَاهِرٌ لِمَا ذَكَرْنا مِنْ قَبْلُ، وإنّما جَعَلَهُ بمَنْزِلَةِ الماءِ الجَارِى إذا كان الماءُ يَفِيضُ من الحَوْضِ ويَخْرُجُ، فإنَّ الذي يَأْتِى أخِيرًا يَدْفَعُ ما في الحَوْضِ، ويَثْبُتُ في مكانِه، بدَلِيلِ أنَّه لو كان ما في الحَوْضِ كَدِرًا، وتَتَابَعَتْ عليه دُفَعٌ مِن الماءِ صافِيًا، لَزَالَتْ كُدُورَتُه، واللهُ أعلمُ. فصل: ولا بَأسَ بِذِكْرِ اللهِ في الحَمَّامِ؛ فإنَّ ذِكْرَ اللهِ حَسَنٌ في كلِّ مكانٍ، ما لم يَرِد المَنْعُ منه، وقد رُوِىَ أنَّ أَبا هُرَيْرَةَ دخلَ الحَمَّامَ فقال: لَا إلهَ إلَّا اللهُ. ورُوِىَ عن النَّبِيِّ ﷺ ، أنَّه كان يَذْكُرُ اللهَ على كُلِّ أَحْيَانِهِ (٤٤). فأمَّا قِراءةُ القرآنِ، فقال أحمدُ: لم يُبْنَ لهذا. وكَرِهَ قراءةَ القُرْآنِ فيه أبو وَائِل، والشَّعْبِىُّ والحسنُ، ومَكْحُولٌ، وقَبِيصَةُ بن ذُؤَيْبٍ (٤٥). ولم يكرهْهُ النَّخَعِىُّ، ومالِكٌ؛ لما ذكرْنا في ذِكْرِ اللهِ فيه. ووجْهُ الأوَّلِ، أنَّه مَحَلٌّ للتَّكَشُّفِ، ويُفْعَلُ فيه ما لا يُسْتَحْسَنُ عملُه في غيرِه، فاسْتُحِبَّ صِيَانَةُ القرآنِ عنه [وإن قرأهُ في الحَمَّام، فلا بَأْسَ] (٤٦)؛ لأنَّنا لا نَعْلَمُ فِيهِ حُجَّةً تَمْنَعُ مِنْ قِرَاءَتِه. فأمَّا التَّسْلِيمُ فيه، فقال أحمدُ: لا أعلمُ أنَّنى سمعتُ فيه شيئًا. والأَوْلَى جَوَازُه؛ لِدُخُولِهِ في عُمُومِ قَوْلِه ﵇: "أفْشُوا السَّلَامَ بَيْنَكُم (٤٧) ".

стр. 365

فصل: قال أحمد: لا يُعْجِبُنِى أن يدخلَ الماءَ إلَّا مُسْتَتِرًا؛ إنَّ لِلْمَاءِ سُكَّانًا. وذلك لِمَا رُوِىَ عن الحسنِ والحسينِ، أنَّهُما دَخَلَا الماءَ، وعليهما بُرْدَانِ، فقيل لهما في ذلك، فقالا: إنَّ لِلْمَاء سُكَّانًا. ولأنَّ الماءَ لا يَسْتُرُ، فتَبْدُو عَوْرَةُ مَنْ دَخَلَهُ عُرْيَانًا.

стр. 366

بابُ التَّيّمُّمِ التَّيَمُّمُ في اللُّغَةِ: القَصْدُ. قالَ اللهُ تَعَالَى: ﴿وَلَا تَيَمَّمُوا الْخَبِيثَ مِنْهُ تُنْفِقُونَ﴾ (٤٨). وقال امْرُؤُ القَيْسِ (٤٩): تَيَمَّمْتُ لِلْعَيْنِ الَّتِى عِنْدَ ضَارِجٍ ... يَفِىءُ عَلَيْها الظِّلُّ عَرْمَضُهَا طَامِى (٥٠) وقولُ اللهِ تعالى: ﴿فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا﴾ (٥١). أي: اقْصِدُوهُ. ثم نُقِلَ في عُرْفِ الفقهاءِ إلى مَسْحِ الوَجْهِ واليَدَيْنِ بشيءٍ مِن الصَّعِيدِ. وهو جائِزٌ بالكِتَابِ والسُّنَّةِ والإِجْمَاعُ، أمَّا الكِتابُ، فَقَوْلُه تَعالَى: ﴿فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ مِنْهُ﴾. وأمَّا السُّنَّةُ، فحَديثُ عَمَّارٍ وغَيْرِه (٥٢)، وأمَّا الإِجْمَاعُ، فأَجْمَعَت الأُمَّةُ على جَوازِ التَّيَمُّمِ في الجملةِ. ٦٣ - مسألة؛ قال [أبو القاسم] (١): (ويَتَيَمَّمُ فِي قَصِيرِ السَّفَرِ وطَوِيلِهِ). طَوِيلُ السَّفَرِ: مَا يُبِيحُ القَصْرَ والفِطْرَ، وقَصِيرُه: ما دُونَ ذَلكَ، مِمَّا يَقَعُ عَلَيْه اسْمُ سَفَرٍ، مِثْلَ أن يَكُونَ بَيْنَ قَرْيَتَيْنِ مُتَقَارِبَتَيْنِ أو مُتَبَاعِدَتَيْنِ. قال القاضِى: لو خَرَجَ إلَى ضَيْعَةٍ لَهُ، ففَارَقَ البُنْيانَ والمَنَازِلَ، ولَوْ بخَمْسِينَ خُطْوَةً جَازَ لَهُ التَّيَمُّمُ،

стр. 367

والصَّلَاةُ عَلَى الرَّاحِلَةِ، وأَكْلُ المَيْتَةِ لِلضَّرُورَةِ. فَيُبَاحُ لَهُ التَّيَمُّمُ فِيهِمَا جَمِيعًا. وهذا قَوْلُ مالِكٍ والشَّافِعِىِّ. وقَدْ قِيلَ: لا يُبَاحُ إلّا في السَّفَرِ الطَّوِيلِ. وقَوْلُ اللهِ : ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ﴾ إلى قَوْلهِ: ﴿فَتَيَمَّمُوا﴾ (٢) يَدُلُّ بمُطْلَقِهِ على إباحةِ التَّيَمُّمِ في كلِّ سَفَرٍ؛ ولأنَّ السَّفَرَ القَصِيرَ يَكْثُرُ، فيكثرُ عَدَمُ الماءِ فِيه، فيُحْتَاجُ إلى التَّيَمُّمِ فِيه فيَنْبَغِى أنْ يَسْقُطَ به الفَرْضُ، كالطَّوِيلِ. فصل: ولا فَرْقَ بين سَفَرِ الطَّاعَةِ والمَعْصِيَةِ؛ لأنَّ التَّيَمُّمَ عَزِيمةٌ، فلا يجوزُ تَرْكُه، بخِلَافِ بَقَّيةِ الرُّخَصِ، ولأنَّه حُكْمٌ لا يَخْتَصُّ بالسَّفَرِ، فأُبِيحَ في سَفَرِ المَعْصِيَةِ، كمَسْحِ يَوْمٍ ولَيْلَةٍ. فصل: فإنْ عَدِمَ الماءَ في الحَضَرِ، بأن انْقَطَعَ الماءُ عنهم، أو حُبِسَ في مِصْرٍ، فعليه التَّيَمُّمُ والصلاةُ. وهذا قولُ مالِكٍ، والثَّوْرِىِّ، والأوْزَاعِىِّ، والشَّافِعِىِّ، وقال أبو حنيفة، في روايةٍ عنه: لا يُصَلِّى؛ لأنَّ اللهَ تعالى شَرَطَ السَّفَرَ لِجَوَازِ التَّيَمُّمِ، فلا يجُوزُ. لغيرِه، وقد رُوِىَ عَن أحمدَ: أنَّه سُئِلَ عن رجلٍ حُبِسَ في دَارٍ، وأُغْلِقَ عليه البابُ [بمَنْزِلِ المُضِيفِ] (٣)، أيَتَيَمَّمُ؟ قال: لا. ولَنا، ما رَوَى أبو ذَرٍّ، أنَّ رسولَ اللهِ ﷺ قال: "إنَّ الصَّعِيدَ الطَّيِّبَ طَهُورُ المُسْلِمِ، وإنْ لَمْ يَجِد الْماءَ عَشْرَ سِنِين. فإذَا وَجَدَ الماءَ فَلْيُمِسَّهُ بَشَرَتَهُ. فَإنَّ ذَلِكَ خَيْرٌ" (٤). قال التِّرْمِذِىُّ: هذا حديثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ. فيَدْخُلُ تَحْتَ عُمُومِه مَحَلُّ النِّزَاعِ، ولأنَّه عادِمٌ للمَاءِ، فأَشْبَه المُسَافِرَ. والآيةُ يَحْتَمِلُ أن يكونَ ذِكْرُ السَّفَرِ فيها خَرَجَ مَخْرَجَ (٥) الغَالِبِ، لأنَّ الغَالِبَ؛ أنَّ الماءَ إنَّما يُعْدَمُ (٦)، كما ذُكِرَ، في السَّفَرِ، وعدمُ وُجُودُ الكاتِبِ في الرَّهْنِ، وليسا شَرْطَيْنِ فيه، ولو كان حُجَّةً فالمَنْطوقُ مُقَدَّمٌ عليه، على أنَّ أبا حنيفة لا يَرَى دَلِيلَ

стр. 368

الخِطَابِ حُجَّةً، والآيَةُ إنَّما يُحْتَجُّ بدَلِيلِ خِطَابِها. فعلى هذا إذا تَيَمَّمَ في الحَضَر، وصلَّى، ثم قَدَرَ على الماءِ، فهل يُعِيدُ؟ على رِوَايَتَيْنِ؛ إحداهما يُعِيدُ. وهو مذهبُ الشَّافِعِىِّ؛ لأنَّ هذا عُذْرٌ نادِرٌ، فلا يَسْقُطُ به القضاءُ، كالحَيْضِ في الصومِ. والثانية لا يُعِيدُ. وهو مذهبُ مالِكٍ؛ لأنَّه أَتَى بما أُمِرَ به، فخرجَ مِن عُهْدَتِهِ، ولأنَّهُ صَلَّى بالتَّيَمُّمِ المشروعِ على الوَجْهِ المشروعِ، فأشْبَهَ المريضَ والمُسَافِرَ، مع أنَّ عُمُومَ الخَبَرِ يَدُلُّ عليه. وقال أبو الخَطَّاب: إنْ حُبِسَ في المِصْرِ صَلَّى. ولم يَذْكُر إعَادَةً. وذَكَرَ الرِّوَايَتَيْنِ في، غيرِه. ويَحْتَمِلُ أنَّه إنْ كان عَدَمَ الماءِ لِعُذْرٍ نادِرٍ، أو يَزُول قريبًا، كرجلٍ أُغْلِقَ عليه البابُ، مِثْل الضَّيْفِ ونحوِه، أو ما أَشْبَهَ هذا مِن الأعذارِ التي لا تَتَطَاوَلُ؛ فعليه الإِعادةُ؛ لأنَّ هذا بمَنْزِلَةِ المُتَشَاغِلِ بِطَلَبِ الماءِ وتَحْصِيلِهِ. وإن كان عُذْرًا مُمْتَدًّا، ويُوجَدُ كثيرًا، كالمَحْبُوسِ، أو مَن انْقَطَعَ الماءُ في قَرْيَته، واحْتَاجَ إلى اسْتِقاءِ الماءِ مِن مسافةٍ بَعِيدَةٍ، فله التَّيَمُّمُ، ولا إعادةَ عليه؛ لأنَّ (٧) هذا عادِمٌ لِلْمَاءِ بِعُذْرٍ مُتَطَاولٍ مُعْتَادٍ، فهو كالمُسَافِرِ، ولأنَّ عَدَمَ هذا الماء أَكْثَرُ مِنْ عَدَمِ المُسَافِرِ له، فالنَّصُّ على التَّيَمُّمِ للمُسَافِرِ تَنْبِيهٌ على التَّيَمُّمِ ههُنا. واللهُ أعلمُ. فصل: ومَنْ خَرَجَ مِن المِصْرِ إلى أَرْضٍ مِنْ أَعْمَالِهِ؛ لحاجَةٍ (٨)، كالحَرَّاثِ، والحَصَّادِ، والحَطَّابَ، والصَّيَّادِ، وأشْباهِهم مِمَّنْ لا يُمْكِنُه حَمْلُ الماءِ معه لِوُضُوئِهِ، فحضرتِ الصَّلَاةُ ولا ماءَ معه، ولا يُمْكِنُه الرُّجُوعُ لِيَتَوَضَّأَ إلَّا بِتَفْوِيتِ حَاجَتِه، فله أنْ يُصَلِّىَ بالتَّيَمُّمِ، ولا إعادةَ عليه؛ لأنَّه مُسَافِرٌ، فأَشْبَهَ الخارِجَ إلى قَرْيَةٍ أُخْرَى. ويَحْتَمِلُ أَنْ يَلْزَمُه الإِعَادَةُ؛ لِكَوْنِه في أرضٍ مِنْ أعْمالِ (٩) المِصْرِ، فأشْبَهَ المُقِيمَ فيه. فإنْ كانتِ الأرضُ التي يَخْرُجُ إليها مِنْ عَمَلِ قَرْيَةٍ أُخْرَى، فلا إعادةَ عليه، وَجْهًا وَاحِدًا؛ لأنَّهُ مُسَافِرٌ.

стр. 369

٦٤ - مسألة؛ قال: (إذَا دَخَلَ وَقْتُ الصَّلَاةِ وطَلَبَ الماءَ فَأَعْوَزَهُ) هذه ثلاثةُ شُرُوطٍ لِصِحَّةِ التَّيَمُّمِ: أحدُها ؛ دُخُولُ وَقْتِ الصَّلَاةِ. فإنْ كانتِ الصلاةُ مَكْتُوبَةً مُؤَدَّاةً لم يَجُزِ التَّيَمُّمُ قَبْلَ دخولِ وَقْتِها. وإنْ كانت نافِلَةً لم يَجُزِ التَّيَمُّمُ لها في وَقْتٍ نُهِىَ عن فِعْلِها فيه؛ لأَنَّه ليس بِوَقْتٍ لها. وإن كانَتْ فائِتَةً جَازَ التَّيَمُّمُ له في كُلِّ وَقْتٍ؛ لأنَّ فِعْلَها جائِزٌ في كُلِّ وَقْتٍ. وبهذا قال مالِك، والشَّافِعِىُّ. وقال أبو حنيفة: يَصِحُّ التَّيَمُّمُ قبلَ وَقْتِ الصَّلَاةِ؛ لأنَّها طَهَارَةٌ تُبِيحُ الصَّلَاةَ، فأُبِيحَ تَقْدِيمُها عَلى وَقتِ الصَّلَاةِ، كسَائِرِ الطَّهَارَاتِ. ورُوِىَ عن أحمد، أنَّه قال: القِيَاسُ أنَّ التَّيَمُّمَ بمَنْزِلَةِ الطَّهَارَةِ حتى يَجِدَ الماءَ، أوْ يُحْدِثَ. فعلى هذا يَجُوزُ قبلَ الوَقْتِ. والمَذْهَبُ الأَوَّلُ؛ لأنَّه طَهَارَةُ ضَرُورَةٍ، فلم يَجُزْ قَبْلَ الوَقْتِ كطهارِة المُسْتَحَاضَةِ، أو نقولُ: يَتَيَمَّمُّ لِلْفَرْضِ في وَقْتٍ هو مُسْتَغْنٍ عنه، فأَشْبَهَ ما لو تَيَمَّمَ عندَ وُجُودِ الماءِ. وقِياسُهم يَنْتَقِضُ بِطهَارَةِ المُسْتَحَاضَةِ، ويُفَارِقُ التَّيَمُّمُ سائِرَ الطَّهَارَاتِ؛ لِكَوْنِها ليست لِضَرُورَةٍ. الشَّرْطُ الثانِى ؛ طَلَبُ الماءِ. وهذا الشَّرْطُ وإعْوَازُ الماءِ إنَّما يُشْتَرَطُ لِمن يَتَيَمَّمُ لِعُذْرِ عَدَمِ الماءِ. والمشهورُ عَن أحمدَ اشْتِرَاطُ طَلَبِ الماءِ لِصِحَّةِ التَّيَمُّمِ. وهو مَذْهَبُ الشَّافِعِىِّ. ورُوِىَ عن أحمد: لا يُشْتَرَطُ الطَّلَبُ. وهو مذهبُ أبى حنيفة؛ لِقَوْلِهِ ﵇: "التُّرَابُ كَافِيكَ مَا لَمْ تَجِدِ الْمَاءَ (١) ". ولأنَّه غَيْرُ عَالِمٍ بِوُجُودِ الماءِ قَرِيبًا منه، فأشْبَهَ ما لو طَلَبَ فلم يَجدْ. ولنَا، قولُه تعالى: ﴿فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا﴾، ولا يَثْبُتُ أنَّه غَيْرُ وَاجِدٍ إلَّا بعدَ الطَّلَبِ؛ لِجَوَازِ أنْ يكونَ بِقُرْبِهِ ماءٌ لا يَعْلَمُهُ، ولذلك لَمَّا أَمَرَ في الظِّهَارِ بِتَحْرِيرِ رَقَبَةٍ، قال: ﴿فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ﴾ (٢)، لم يُبِحْ له الصِّيَامَ حتى يَطْلُبَ الرَّقَبَةَ، ولم يُعَدَّ قبلَ ذلك غير

стр. 370

وَاجِدٍ، ولأنَّه سَبَبٌ لِلصّلَاةِ مُخْتَصٌّ بها، فلَزِمَهُ الاجْتِهَادُ في طلبه عندَ الإِعْوَاز، كالقِبْلَةِ. فصل: وصِفَةُ الطَّلَبِ أن يَطْلُبَ في رَحْلِهِ، ثم إنْ رَأَى خُضْرَةً أو شَيْئًا يَدُلُّ على الماءِ قَصَدَهُ فاسْتَبْرَأَهُ، وإن كان بِقُرْبِهِ رَبْوَةٌ أو شيءٌ قائِمٌ أتاهُ وطَلَبَ عندَه، وإنْ لم يكنْ نَظَرَ أمامَهُ ووراءَهُ، وعن يَمِينِهِ ويسارِهِ، وإن كانت له رِفْقَةٌ يُدِلُّ عليهم طَلَبَ منهم، وإنْ وَجَدَ مَنْ له خِبْرَةٌ بالمكانِ سَألهُ عن مِيَاهِهِ، فإنْ لم يَجدْ فهو عادِمٌ. وإنْ دُلَّ على ماءٍ لَزِمَهُ قَصْدُهُ إن كان قَرِيبًا، ما لم يَخَفْ على نَفْسِه أَو مَالِه، أوْ يَخْشَى فَوَاتَ رِفْقَتِه، ولم يَفُتِ الوَقْتُ. وهذا مَذْهَبُ الشَّافِعِىِّ. فصل: فإنْ طَلَبَ الماءَ (٣) قبلَ الوَقْتِ، فعليه إعَادَةُ الطَّلَبِ بعدَهُ. قالَه ابنُ عَقِيلٍ؛ لأنَّه طَلَبٌ قبل المُخَاطَبَةِ بالتَّيَمُّمِ، فلم يَسْقُطْ فَرْضُهُ، كالشَّفِيعِ إذا طَلَبَ الشُفْعةَ قبلَ البَيْعِ. وإن طَلَبَ بعدَ الوَقْتِ، ولم يَتَيَمَّمْ عَقِيبَهُ، جازَ التَّيَمُّمُ بعدَ ذلك مِنْ غيرِ تَجْدِيدِ طَلَبٍ. الشَّرْطُ الثَّالِثُ ؛ إعْوَازُ الماءِ بعدَ الطَّلَبِ. ولا خِلافَ في اشْتِرَاطِهِ؛ لأنَّ اللَّه تعالى قالَ: ﴿فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا﴾. وقال ﵇: "التُّرَابُ كَافِيكَ مَا لَمْ تَجِدِ الماءَ". فاشْتَرَطَ أنْ لا يَجِدَ الماءَ، ولأنَّ التَّيَمُّمَ طهارَةُ ضَرُورَةٍ، لا (٤) يَرْفَعُ الحَدَثَ، فلا يَجُوزُ إلَّا عندَ الضَّرُورَةِ، ومع وُجُودِ الماءِ، لا ضَرُورَةَ. فصل: وإذا وَجَدَ الجُنُبُ ما يَكْفِي بعضَ أعْضَائِهِ، لَزِمَهُ اسْتِعْمَالُه، ويَتَيَمَّمُ للباقى. نَصَّ عليه أحمدُ فِيمَنْ وَجَدَ ما يَكْفِيهِ لِوُضُوئِهِ، وهو جُنُبٌ، قال: يَتَوَضَّأُ ويَتَيَمَّمُ. وبه قال عبدةُ بن أبي لُبَابَةَ، ومَعْمَرٌ، ونَحْوَه قال عَطَاء، وهو أحَدُ قَوْلَىِ الشَّافِعِىِّ. وقال الحسنُ، والزُّهْرِىُّ، وحَمَّاد، ومَالِك، وأَصْحَابُ الرَّأْىِ، وابنُ المُنْذِرِ، والشَّافِعِىُّ في القولِ الثاني: يَتَيَمَّمُ، ويَتْرُكُه؛ لأنَّ هذا الماءَ لا يُطَهِّرُهُ، فلم يَلْزَمْه اسْتِعْمَالُه، كالمُسْتَعْمَلِ. ولنا، قَوْلُه تعالى: ﴿فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا﴾،

стр. 371

وخَبَرُ أبى ذَرٍّ، شَرَطَ في التَّيَمُّمِ عَدَمَ (٥) الماءِ، وهذا واجِدٌ، وقال النَّبِىُّ ﷺ : "إذَا أَمَرْتُكُمْ بِأَمْرٍ فأْتُوا مِنْهُ مَا اسْتَطَعْتُمْ". روَاهُ البُخَارِىُّ (٦)، ولِأنَّه وَجَدَ مِن الماءِ ما يُمْكِنُه اسْتِعْمَالُه في بعضِ جَسَدِه، فَلَزِمَهُ ذلك، كما لو كان أكْثَرُ بَدَنِه صَحِيحًا وباقِيهِ جَريحًا، ولأنَّه قَدَرَ على بَعْضِ الشَّرْطِ، فلَزِمَهُ؛ كالسُّتْرَةِ، وإزَالَةِ النَّجَاسَةِ، وإذا كان أَكْثَرُ بَدَنِهِ صَحِيحًا، ولا يُسَلَّمُ الحُكْمُ في المُسْتَعْمَلِ، وإنْ سَلَّمْنَا فلأنَّه لا يُطَهِّرُ شَيْئًا منه بخلافِ هذا. إذا ثَبَتَ هذا، فإنَّه يَسْتَعْمِلُ الماءَ قبل التَّيَمُّمِ؛ لِيَتَحَقَّقَ الإِعْوَازُ المُشْتَرَطُ. فصل: وإنْ وَجَدَ المُحْدِثُ الحَدَثَ الأصْغَرَ بعضَ ما يَكْفِيهِ، فهل يَلْزَمُه اسْتِعْمَالُه؟ على وَجْهَيْنِ: أحدُهما؛ يَلْزَمُهُ اسْتِعْمالُه؛ لما ذَكَرْنا في الجُنُبِ، ولأنَّه قَدَرَ على بعضِ الطَّهَارَةِ بالماءِ، فَلَزِمَهُ كالجُنُبِ، وكما لو كان بعضُ بَدَنِهِ صَحِيحًا، وبعضُه جَرِيحًا. والثانى؛ لا يَلْزَمُه؛ لأنَّ المُوَالَاةَ شَرْطٌ فيها، فإذا غَسَلَ بعضَ الأَعْضَاءِ دُونَ بَعْضٍ، لم يُفِدْ، بخِلَافِ الجنابَةِ، ولذلك إذا وَجَدَ الماءَ أجْزَأَهُ (٧) غَسْلُ ما لم يَغْسِلْهُ فقط، وفى الحَدَثِ يَلْزَمُه اسْتِئْنافُ الطَّهَارَةِ، وفَارَقَ ما إذا كان بعضُ أعْضَائِهِ صَحِيحًا وبعضُهُ جَرِيحًا؛ لأنَّ العَجْزَ بِبَعْضِ البَدَنِ يُخالِفُ العَجْزَ بِبَعْضِ الواجِبِ، بِدليلِ أنَّ مَنْ بعضُه حُرٌّ إذا مَلَكَ رَقَبةً لَزِمَهُ إعْتَاقُها في كَفَّارَتِه، ولو مَلَكَ الحُرُّ بَعْضَ رَقَبَةٍ لم يَلْزَمْه إعْتَاقُه. وللِشَّافِعِىِّ قَوْلَانِ كالوَجْهَيْنِ. فصل: ومَنْ حالَ بينه وبين الماءِ سَبُعٌ، أو عَدُوٌّ، أو حَرِيقٌ، أو لِصٌّ، فهو كالعادِمِ. ولو كان الماءُ بمَجْمَعِ الفُسَّاقِ، تَخَافُ المَرْأَةُ على نَفْسِها منهم، فهى

стр. 372

عادِمَتُه. وقد تَوَقَّف أحمدُ عن هذه المَسْأَلةِ. وقال ابنُ أبي موسى: تَتَيَمَّمُ، ولا إعَادَةَ عليها في أَصَحِّ الوَجْهَيْنِ. والصَّحِيحُ أنَّها تَتَيَمَّمُ، ولا إعَادَةَ عليها، وَجْهًا واحِدًا، بل لا يَحِلُّ لها المُضِىُّ إلى الماءِ؛ لما فيه مِن التَّعَرُّضِ لِلزِّنَا، وهَتْكِ نَفْسِها وعِرْضِها، وتَنْكِيسِ رُءُوسِ أهْلِها، ورُبَّما أَفْضَى إلى قَتْلِها، وقد أُبِيحَ لها التَّيَمُّمُ حِفْظًا لِلْقَلِيلِ مِنْ مَالِها، المُبَاحِ لها بَذْلُهُ، وحِفْظًا لِنَفْسِها مِنْ مَرَضٍ أو تَبَاطُؤِ بُرْءٍ، فههُنا أَوْلَى. ومَنْ كان في مَوْضِعٍ عندَ رَحْلِه، فخافَ إنْ ذَهَبَ إلى الماءِ ذَهَبَ شَىْءٌ مِنْ رَحْلِه، أو شَرَدَتْ دَابَّتُه، أو سُرِقَتْ، أو خَافَ على أهْلِهِ لِصًّا، أو سَبُعًا، خَوْفًا شَدِيدًا، فهو كالعَادِمِ. ومَنْ كان خَوْفُه جُبْنًا، لا عن سَبَبٍ يُخَافُ مِنْ مِثْلِهِ، لم تُجْزِهِ الصَّلَاةُ بالتَّيَمُّمِ. نَصَّ عليه أحمدُ، في رجُلٍ يَخَافُ بِاللَّيْلِ، وليس شَىْءٌ يُخَافُ منهُ، قال: لا بُدَّ مِنْ أنْ يَتَوَضَّأَ. ويَحْتَمِلُ أنْ تُبَاحَ له بالتَّيَمُّمِ، ويُعِيدَ إذا كان مِمَّنْ يَشْتَدُّ خوفُهُ؛ لأنَّه بمَنْزِلَةِ الخائِفِ لِسَبَبٍ. ومَنْ كان خَوْفُهُ لِسَبَبٍ ظَنَّهُ، فَتَبَيَّنَ عَدَمُ السَّبَبِ، مِثْل مَنْ رَأَى سَوَادًا باللَّيْلِ ظَنَّهُ عَدُوًّا، فَتَبَيَّنَ له أنَّه ليس بِعَدُوٍّ، أو رَأَى كَلْبًا فَظَنَّهُ أَسَدًا أو نَمِرًا، فَتَيَمَّمَ وصَلَّى، ثم بانَ خِلَافُه، فهل يَلْزَمُهُ الإِعَادَةُ؟ على وَجْهَيْنِ: أحدهما؛ لا يَلْزَمُهُ الإِعادُة؛ لأنَّه أَتَى بما أُمِرَ به، فَخَرَجَ عن عُهْدَتِه. والثانى؛ يَلْزَمُه الإِعادةُ؛ لأنَّه تَيَمَّمَ مِنْ غيرِ سَبَبٍ يُبِيحُ التَّيَمُّمَ، فأَشْبَهَ مَنْ نَسِىَ الماءَ في رَحْلِه، وتَيَمَّمَ. فصل: ومَنْ كان مَرِيضًا لا يَقْدِرُ على الحَرَكَةِ، ولا يَجِدُ مَنْ يُنَاوِلُهُ الماءَ، فهو كالعَادِمِ. قالَه ابنُ أبي موسى. وهو قَوْلُ الحسن؛ لأنَّه لا سَبِيلَ له إلى الماءِ فأَشْبَهَ مَنْ وَجَدَ بِئْرًا ليس له ما يَسْتَقِى به منها. وإن كان له مَنْ يُنَاوِلُه الماءَ قبلَ خُرُوجِ الوَقْتِ، فهو كالواجِدِ؛ لأنَّه بمَنْزِلَةِ مَنْ يَجِدُ ما يَسْتَقِى به في الوَقْتِ. وإنْ خَافَ خُرُوجَ الوَقْتِ قبلَ مَجِيئهِ، فقال ابنُ أبي موسى: له التَّيَمُّمُ، ولا إعادةَ عليه. وهو قَوْلُ الحسنِ؛ لأنَّه عادِمٌ في الوَقْتِ، فأشْبَهَ العادِمَ مُطْلَقًا، ويَحْتَمِلُ أنْ يَنْتَظِرَ مَجِىءَ مَنْ يُنَاوِلُه؛ لأنَّه حاضِرٌ يَنْتَظِرُ حُصُولَ الماءِ قَرِيبًا، فأشْبَهَ المُشْتَغِلَ باسْتِقَاءِ الماءِ وتَحْصِيلِهِ. فصل: إذا وَجَدَ بِئْرًا، وقَدَرَ على التَّوَصُّلِ إلى مائِها بالنُّزُولِ مِنْ غيرِ ضَرَرٍ، أو

стр. 373

الاغْتِرافِ بدَلْوٍ أوْ ثَوْبٍ يَبُلُّه ثم يَعْصِرُهُ. لَزِمَهُ ذلك، وإنْ خافَ فَوْتَ الوَقْتِ؛ لأنَّ الاشْتِغَالَ به كالاشْتِغَالِ بالوُضُوءِ. وحُكْمُ مَنْ في السَّفِينَةِ في الماءِ كحُكْمِ واجِدِ البِئْرِ، وإنْ لم يُمْكِنْه الوُصُولُ إلى مائِها إلَّا بِمَشَقَّةٍ، أو تغرِيرٍ بالنَّفْسِ، فهو كالعادِمِ. وهذا قَوْلُ الثَّوْرِىِّ، والشَّافِعِىِّ، ومَنْ تَبِعَهُم. ومَنْ كان الماءُ قَرِيبًا منه، يُمْكِنُه تَحْصِيلُهُ، إلَّا أنه يخافُ فَوْتَ الوَقْتِ، لَزِمَهُ السَّعْىُ إليه والاشْتِغَالُ بتَحْصِيلِهِ، وإنْ فَاتَ الوَقْتُ؛ لأنَّه واجِدٌ لِلْمَاءِ، فلا يُبَاحُ له التَّيَمُّمُ؛ لِقَوْلِهِ تعالى: ﴿فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا﴾. فصل: وإنْ بُذِلَ له مَاءٌ لِطهَارَتِه، لَزِمَهُ قَبُولُهُ؛ لأنَّه قَدَرَ على اسْتِعْمَالِه، ولا مِنَّةَ في ذلك في العادَةِ. وإنْ لم يَجِدْهُ إلَّا بِثَمَنٍ لا يَقْدِرُ عليه، فَبُذِلَ له الثَّمَنُ، لم يَلْزَمْهُ قَبُولُه؛ لأنَّ المِنَّةَ تَلْحَقُ به. وإنْ وَجَدَهُ (٨) يُبَاعُ بِثَمَنِ مِثْلِهِ في مَوْضِعِهِ، أو زِيَادَةٍ يَسِيرَةٍ، يَقْدِرُ على ذلك، مع اسْتِغْنَائِه عنه، لِقُوتِهِ ومُؤْنَةِ سَفَرِهِ، لَزِمَهُ شِرَاؤُه. وإن كانت الزِّيادَةُ كَثِيرَةً تُجْحِفُ بِمالِهِ، لم يَلْزَمْه شِراؤُه؛ لأنَّ عليه ضَرَرًا. وإن كانت كثيرةً (٩)، لا تُجْحِفُ بِمَالِهِ، فقد تَوَقَّفَ أحمدُ فِيمَنْ بُذِلَ له ماءٌ بِدِينَارٍ، معه مائةٌ. فيَحْتَمِلُ إذَنْ وَجْهَيْنِ: أحدهما؛ يَلْزَمُهُ شِراؤُهُ؛ لأنَّه واجِدٌ لِلْمَاءِ، قادِرٌ عليه، فيَلْزَمُهُ استِعْمالُهُ بِدَلالةِ قَوْلِهِ تَعالَى: ﴿فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا﴾. والثانى؛ لا يَلْزَمُهُ شِراؤُهُ؛ لأنَّ عليه ضَرَرًا في الزِّيادَةِ الكثِيرةِ، فلم يَلْزَمْهُ بَذْلُها، كما لو خافَ لِصًّا يَأْخُذُ مِنْ مَالِهِ ذلك المِقْدَارَ. وقال الشَّافِعِىُّ: لا يَلْزَمُهُ شِراؤُهُ بِزِيادةٍ يَسِيرَةٍ ولا كَثِيرَةٍ؛ لذلك. ولَنا، قَوْلُ اللهِ تعالى: ﴿فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا﴾. وهذا وَاجِدٌ، فإنَّ القُدْرَةَ على ثَمَنِ العَيْنِ كالقُدْرَةِ على العَيْنِ، في المَنْعِ من الانْتِقَالِ إلى البَدَلِ، بِدَلِيلِ ما لو بِيعَتْ بِثَمَنِ مِثْلِها، وكالرَّقَبَةِ في كَفَّارَةِ الظِّهَارِ، ولأنَّ ضَرَرَ المالِ دُونَ ضَرَرِ النَّفْسِ، وقد قالوا في المريضِ: يَلْزَمُهُ الغُسْلُ، ما لم يَخَفِ التَّلَفَ. فَتَحَمُّلُ الضَّرَرِ اليَسِيرِ في المالِ أَحْرَى. فإن لم يكنْ معه ثَمَنُه، فُبذِلَ له بِثَمَنٍ في الذِّمَّةِ يَقْدِرُ على

стр. 374

أدَائِه في بَلَدِهِ، فقال القاضي: يَلْزَمُهُ شِراؤُهُ؛ لأنَّه قادِرٌ على أَخْذِهِ بما لا مَضَرَّةَ فيه. وقال أبو الحسن الآمِدِىُّ: لا يَلْزَمُهُ شِراؤُه؛ لأنَّ عليه ضَرَرًا في بَقاءِ الدَّيْنِ في ذِمَّتِهِ، ورُبَّما يَتْلَفُ مالُه قَبْلَ أَدائِهِ. وإن لم يكن في بَلَدِه ما يُؤَدِّى ثَمَنَه، لم يلْزَمْهُ شِراؤُهُ؛ لأنَّ عليه ضَرَرًا. وإن لم يَبْذُلْهُ له، وكان فاضِلًا عن حاجَتِه، لم يَجُزْ له مُكَاثَرَتُه عليه؛ لأنَّ الضَّرُورَةَ لا تَدْعُو إليه، لأنَّ هذا له بَدَلٌ، وهو التَّيَمُّمُ، بِخِلَافِ الطَّعَامِ في المَجَاعَةِ. فصل: إذا كان معهُ ماءٌ، فأَرَاقَهُ قبلَ الوَقْتِ، أو مَرَّ بماءٍ قبلَ الوَقْتِ، فَتَجَاوَزَهُ، وعَدِمَ الماءَ في الوَقْتِ، صَلَّى بالتَّيَمُّمِ مِنْ غيرِ إعَادَةٍ. وبه يقولُ الشَّافِعِىُّ، وقال الأوْزَاعِىُّ، إنْ ظَنَّ أنَّه يُدْرِكُ الماءَ في الوَقْتِ، كَقَوْلِنَا، وإلَّا صَلَّى بالتَّيَمُّمِ، وعليه الإِعادَةُ؛ لأنَّه مُفَرِّطٌ. ولنَا، أنَّه لم يَجِبْ عليه اسْتِعْمَالُهُ. فأَشْبَهَ ما لو ظَنَّ أنَّه يُدْرِكُ الماءَ في الوَقْتِ. وإن أراقَ الماءَ في الوَقْتِ، أو مَرَّ به في الوَقْتِ فلم يَسْتَعْمِلْه، ثم عَدِمَ الماءَ، يَتَيَمَّمُ ويُصَلِّى. وفِي الإِعادةِ وَجْهَانِ: أحدُهما؛ لا يُعِيدُ؛ لأنَّه صَلَّى بِتَيَمُّمٍ صَحِيحٍ، تَحَقَّقَتْ شَرَائِطُه، فهو كما لو أَرَاقَهُ قبلَ الوَقْتِ. والثانى؛ يُعِيدُ؛ لأنَّه وَجَبَتْ عليه الصَّلَاةُ بِوُضُوءٍ، وهو قد فَوَّتَ القُدْرَةَ على نَفْسِه، فَبَقِىَ في عُهْدَةِ الواجِبِ، وإنْ وَهَبَهُ بعدَ دُخُولِ الوَقْتِ لم تَصِحَّ الهِبَةُ، والماءُ باقٍ على مِلْكِهِ، فلو تَيَمَّمَ مع بقاءِ الماءِ، لم يَصِحَّ تَيَمُّمُهُ. وإنْ تَصَرَّفَ فيه المَوْهُوبُ له، فهو كما لو أَرَاقَهُ. فصل: إذا نَسِىَ في رَحْلِه، أو مَوْضِعٍ يُمْكِنُه اسْتِعْمَالُه، وصَلَّى بالتَّيَمُّمِ. فقد تَوَقَّفَ أحمدُ، ﵀، في هذه المَسألةِ، وقَطَعَ في مَوْضِعٍ أنَّه لا يُجْزِئُه. وهو قولُ الشَّافِعِىِّ. وقال أبو حنيفة، وأبو ثَوْر: يُجْزِئُهُ. وعن مالِكٍ كالمَذْهَبَيْنِ؛ لأنَّه مع النِّسْيانِ غيرُ قادِرٍ على اسْتِعْمالِ الماءِ، فهو كالعَادِمِ. ولَنا، أنَّها طَهَارَةٌ تَجِبُ مع الذِّكْرِ، فلم تَسْقُطْ بالنِّسْيانِ، كما لو صَلَّى نَاسِيًا لِحَدَثِهِ، ثُمَّ ذَكَرَ، أو صَلَّى الماسِحُ، ثُمَّ بانَ له انْقِضَاءُ مُدَّةِ المَسْحِ قبلَ صلاتِهِ، ويُفارِقُ ما قَاسُوا عليه؛ فإنَّه غيرُ مُفَرِّطٍ، وههُنا هو مُفَرِّطٌ بِتَرْكِ الطَّلَبِ. فصل: وإنْ ضَلَّ عن رَحْلِه الذي فيه الماءُ، أو كان يَعْرِفُ بِئْرًا فضَاعَتْ عنه، ثم

стр. 375

وجدَها، فقال ابنُ عَقِيلٍ: يَحْتَمِلُ أن يكونَ كالنَّاسِى. والصَّحِيحُ أنَّه لا إعادةَ عليه. وهو قولُ الشَّافِعِىِّ؛ لأنَّه ليس بِوَاجِدٍ لِلْمَاءِ، فَيَدْخُلُ في عُمُومِ قَوْلِه تعالى: ﴿فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا﴾. ولأنَّه غيرُ مُفَرِّطٍ، بِخِلَافِ النَّاسِى، وإنْ كان الماءُ مع عَبْدِهِ، فَنَسِيَهُ العَبْدُ حتى صَلَّى سَيِّدُه، احْتَمَلَ أن يكونَ كالنَّاسِى، واحْتَمَلَ أنْ لا يُعِيدَ؛ لأنَّ التَّفْرِيطَ مِنْ غيرِه. فصل: إذَا صَلَّى، ثم بانَ أنَّه كان بِقُرْبِه بِئْرٌ أو ماءٌ، نُظِرَتْ، فإنْ كانتْ خَفِيَّةً بغيرِ عَلَامَةٍ، وطَلَبَ فلم يَجِدْها فلا إعَادَةَ عليه؛ لأنَّه غيرُ مُفَرِّطٍ. وإن كانت أَعْلَامُهُ ظَاهِرَةً، فقد فَرَّطَ، فعليه الإِعَادَةُ. ٦٥ - مسألة؛ قال: (والِاخْتِيَارُ تَأْخِيرُ التَّيَمُّمِ) ظَاهِرُ كَلَامُ الْخِرَقِىِّ أَنَّ تَأْخِيرَ التَّيَمُّمِ أَوْلَى بِكُلِّ حالٍ، وهو المَنْصُوصُ عن أحمدَ، ورُوِىَ ذلك عن عليٍّ، وعَطَاءٍ، والحسنِ، وابْنِ سِيرِينَ، والزُّهْرِىِّ، والثَّوْرِىِّ، وأَصْحَابِ الرَّأْىِ. وقال أبو الخَطَّاب: يُسْتَحَبُّ التَّأْخِيرُ إنْ رَجَا وُجُودَ الماءِ، وإن يَئِسَ مِن وُجُودِهِ اسْتُحِبَّ تَقْدِيمُه. وهو مذهبُ (١) مالِكٍ. وقال الشَّافِعِىُّ في أحَدِ قَوْلَيْهِ: التَّقْدِيمُ أفْضَلُ، إلَّا أن يكونَ واثِقًا بِوُجُودِ الماءِ في الوَقْتِ؛ لأنَّه لا يُسْتَحَبُّ تَرْكُ فَضِيلَةِ أَوَّلِ الوَقْتِ، وهى مُتَحَقِّقَةٌ، لأَمْرٍ مَظْنُونٍ. ولَنا، قولُ عليٍّ، رَضِىَ اللهُ عنه، في الجُنُبِ: يتَلَوَّمُ (٢) ما بينه وبين آخِرِ الوَقْتِ، فإن وَجَدَ الماءَ، وإلَّا تَيَمَّمَ. ولأنَّه يُسْتَحَبُّ التَّأْخِيرُ للصَّلَاةِ إلى بعد العشاءِ وقَضَاءِ الحاجةِ كَيْلَا يَذْهَب خُشُوعُها وحُضُورُ القَلْبِ فيها، ويُسْتَحَبُّ تَأْخِيرُها لإِدْرَاكِ الجماعةِ، فتأْخِيرُها لإِدْراكِ الطَّهارةِ المُشْتَرَطَةِ أَوْلَى. ٦٦ - مسألة؛ قال: (فإنْ تَيَمَّمَ في أَوَّلِ الوَقْتِ وَصَلَّى، أَجْزَأَهُ، وإنْ أَصَابَ الماءَ في الوَقْتِ) وجُمْلَةُ ذلك أنَّ العَادِمَ لِلْمَاءِ في السَّفَرِ إذا صَلَّى بالتَّيَمُّمِ، ثم وَجَدَ الماءَ، إنْ

стр. 376

وَجَدَه بعدَ خُرُوجِ الوَقْتِ، فلا إعَادَةَ عليه إجْمَاعًا. قال أبو بكر بنُ المُنْذِرِ: أَجْمَعَ أَهْلُ العِلْمِ على أنَّ مَنْ تَيَمَّمَ وصَلَّى، ثم وَجَدَ الماءَ بعدَ خُرُوجِ وَقْتِ الصَّلَاةِ، أنْ لا إعَادَةَ عليه. وإنْ وَجَدَهُ في الوَقْتِ، لم يَلْزَمْه أيضًا إعَادَةٌ، سَوَاءٌ يَئِسَ مِنْ وُجُودِ الماءِ في الوَقْتِ، أو غَلَبَ على ظَنِّه وُجُودُه فيه. وبهذا قال أبو سَلَمةَ (١)، والشَّعْبِىُّ، والنَّخَعِىُّ، والثَّوْرِىُّ، ومالكٌ، والشَّافِعِىُّ، وإسحاق، وابنُ المُنْذِرِ، وأصْحابُ الرَّأْىِ. وقال عَطَاء، وطَاوُس، والقاسِمُ بنُ محمد، ومَكْحُولٌ، وابنُ سِيرِينَ، والزُّهْرِىُّ، ورَبِيعةُ: يُعِيدُ الصلاةَ. ولَنا، ما رَوَى أبو داود، عن أبي سعيدٍ، أنَّ رَجُلَيْنِ خرجا في سَفَرٍ، فحضرتِ الصلاةُ، وليس معهما ماءٌ، فَتَيَّمَمَا صَعِيدًا، فَصَلَّيَا، ثم وَجَدَا الماءَ في الوَقْتِ، فأَعَادَ أحَدُهما الوُضُوءَ والصَّلَاةَ ولم يُعِدِ الآخَرُ، ثم أتيا رسولَ اللهِ ﷺ ، فذكرا له ذلك، فقال للذى لم يُعِدْ: "أَصَبْتَ السُّنَّةَ، وَأَجْزَأَتْكَ صَلَاتُكَ". وقال للذى أعاد: "لَكَ الأَجْرُ مَرَّتَيْنِ (٢) ". واحْتَجَّ أحمدُ بأنَّ ابنَ عُمَر تَيَمَّمَ، وهو يَرَى بُيُوتَ المَدِينَةِ، فصَلَّى العَصْرَ، ثم دخلَ المدينةَ والشَّمْسُ مُرْتَفِعَةٌ فلم يُعِدْ، ولأنَّه أَدَّى فَرْضَه كما أُمِرَ، فلم يَلْزَمْهُ الإِعَادَةُ، كما لو وجدَهُ بعدَ الوَقْتِ، ولأنَّ عَدَمَ الماءِ عُذْرٌ مُعْتَادٌ، فإذا تَيَمَّمَ معه يَجِبُ أنْ يُسْقِطَ فَرْضَ الصَّلَاةِ كالمَرَضِ، ولأنَّه أَسْقَطَ فَرْضَ الصَّلَاةِ، فلم يَعُدْ إلَى ذِمَّتِه، كما لو وَجَدَهُ بعدَ الوَقْتِ. ٦٧ - مسألة؛ قال: (والتَّيَمُّمُ ضَرْبَةٌ وَاحِدةٌ) المَسْنُونُ عندَ أحمد التَّيَمُمُ بِضَرْبَةٍ واحِدَةٍ. فإنْ تَيَمَّمَ بِضَرْبَتَيْنِ جازَ. وقال القاضي: الإِجْزَاءُ يَحْصُلُ بضَرْبَةٍ، والكَمَالُ ضَرْبَتان. والمَنْصُوصُ ما ذَكَرْنَاه، قال

стр. 377

الأَثْرَمُ: قلتُ لأبي عبدِ اللَّه: التَّيَمُّمُ ضَرْبَةٌ وَاحِدَةٌ؟ فقال: نَعَمْ، ضَرْبَةٌ لِلوَجْهِ والكَفَّيْنِ، ومَنْ قال ضَرْبَتَيْنِ، فإِنَّما هو شَىءٌ زَادَهُ. قال التِّرْمِذِىُّ (١): وهو قولُ غيرِ واحِدٍ مِنْ أَهْلِ العِلْمِ مِنْ أصْحابِ رسولِ اللهِ ﷺ وغَيْرِهم؛ مِنْهُم: علىّ، وعَمَّار، وابنُ عَبَّاسٍ، وعَطَاء، والشَّعْبِىُّ، ومَكْحُول، والأوْزَاعِىّ، ومالِك، وإسْحَاق. وقال الشَّافِعِىُّ: لا يُجْزِىءُ التَّيَمُّمُ إلَّا بِضَرْبَتَيْنِ لِلْوَجْهِ واليَدَيْنِ إلى المِرْفَقَيْنِ. ورُوِىَ ذلك عن ابنِ عُمَر، وابْنِهِ سَالِم (٢)، والحسنِ، والثَّوْرِىِّ، وأصْحَابِ الرَّأْىِ؛ لما رَوَى ابنُ الصِّمَّةِ (٣)، أنَّ النَّبِىَّ ﷺ تَيَمَّمَ، فَمَسَحَ وَجْهَهُ وذِرَاعَيْهِ (٤). ورَوَى ابنُ عُمَر، وجَابِر، وأبو أُمَامَة، أنَّ النَّبِىَّ ﷺ قال: "التَّيَمُّمُ ضَرْبَةٌ لِلْوَجْهِ، وضَرْبَةٌ لِلْيَدَيْنِ إلَى المِرْفَقَيْنِ (٥) ". ولأنَّه بَدَلٌ يُؤْتَى به في مَحَلِّ مُبْدَلِهِ، وكانَ حَدُّهُ عنهما واحِدًا كالوَجْهِ. ولَنا، ما رَوَى عَمَّار، قالَ: بَعَثَنِى النَّبِىُّ ﷺ في حاجةٍ، فأَجْنَبْتُ، فلم أَجِد الماءَ، فتَمَرَّغْتُ في الصَّعِيدِ كما تَمَرَّغُ الدَّابةُ، ثم أَتَيْتُ النَّبِىَّ ﷺ ، فذكرتُ

стр. 378

ذلك له، فقال: "إنَّما كَانَ يَكْفِيكَ أنْ تَقُولَ بِيَدَيْكَ هَكَذَا"، ثم ضربَ بِيَدَيْهِ الأرْضَ ضَرْبَةً وَاحِدَةً، ثم مَسَحَ الشِّمَالَ على اليَمِينِ، وظَاهِرَ كَفَّيْهِ وَوَجْهَهُ. مُتَّفَقٌ عليه (٦). ولأنَّه حُكْمٌ عُلِّقَ على مُطْلَقِ اليدينِ فلم يَدْخُلْ فيه الذِّراعُ، كقَطْعِ السَّارِقِ، ومَسِّ الفَرْجِ، وقد احْتَجَّ ابنُ عَبَّاس بهذا فقال: إنَّ اللهَ تعالى قال في التَّيَمُّمِ: ﴿فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ﴾ (٧) وقال: ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا﴾ (٨). وكانت السُّنَّةُ في القَطْعِ مِن الكَفَّيْنِ، إنَّما هو الوَجْهُ والكَفَّان. يَعْنِى التَّيَمُّمَ. وأمَّا أحاديثُهم فضعيفةٌ. قال الخَلَّالُ: الأحاديثُ في ذلك ضعيفةٌ جِدًّا، ولم يَرْوِ منها أصْحَابُ السُّنَنِ إلَّا حديثَ ابنِ عُمَرَ. وقال أحمدُ: ليس بِصَحِيحٍ عَن النَّبِيِّ ﷺ ، إنَّما هو عَن ابنِ عُمَرَ، وهو عِندَهم حديثٌ مُنْكَرٌ. وقال الخَطَّابِىُّ (٩): يَرْوِيهِ محمدُ بنُ ثابِت، وهو ضَعِيفٌ (١٠). وقال ابنُ عَبْدِ البَرِّ: لَمْ يَرْوِهِ غَيْرُ محمدِ بن ثابِت، وبه يُعْرَفُ، ومِنْ أَجْلِه يضْعُفُ (١١) عندَهم، وهو حديثٌ مُنْكَرٌ (١٢). وحَدِيثُ ابنِ الصِّمَّةِ صَحِيحٌ، لكن إنَّما جَاءَ في المُتَّفَقِ عليه: فمَسحَ وَجْهَهُ ويَدَيْهِ. فيكون حُجَّةً لنا؛ لأنَّ ما عُلِّقَ على مُطْلَقِ اليَدَيْنِ لا يَتَنَاوَلُ الذِّرَاعَيْنِ.

стр. 379

ثم أحاديثُهم لا تُعَارِضُ حديثَنا؛ فإنَّها تَدُلُّ على جوازِ التَّيَمُّمِ بِضَرْبَتَيْنِ، ولا يَنْفِى ذلك جَوَازَ التَّيمُّمِ بضَرْبَةٍ، كما أنَّ وُضُوءَ النَّبِيِّ ﷺ ثلاثًا ثلاثًا لا يَنْفِى الإِجْزَاءَ بمَرَّةٍ (١٣) واحدَةٍ. فإنْ قِيل: فقد رُوىَ في حديثِ عَمَّار: إلَى المِرْفَقَيْنِ. ويَحْتَمِلُ أنَّه أرادَ بالكَفَّيْنَ اليَدَيْنِ إلى المِرْفَقَيْنِ. قُلْنا: أمَّا حديثُه إلى المِرْفَقَيْنِ، فلا يُعَوَّل عليه، إنَّما رَوَاهُ سَلَمَةُ (١٤)، وشَكَّ فيه، فقال له منصور (١٥): ما تقُولُ فيه، فإنَّه لا يَذْكُرُ الذِّرَاعَيْنِ أحَدٌ غَيْرَك؟ فشَكَّ، وقال: لا أَدْرِى، أذَكَرَ الذِّرَاعَيْنِ، أم لا؟ قال ذلك النَّسَائِيُّ (١٦). فلا يَثْبُتُ مع الشَّكِّ، وْقد أُنْكِرَ عليه، وخالف به سائِرَ الرُّوَاةِ الثِّقاتِ، فكيف يُلْتَفَتُ إلى مِثْلِ هذا؟ وهو لو انْفَرَدَ لم يُعَوَّلْ عليه، ولم يُحْتَجَّ به. وأمَّا التَّأْوِيلُ فباطلٌ؛ لِوُجُوهٍ (١٧): أحدُها، أنَّ عَمَّارًا الرَّاوِىَ له الحَاكِىَ لِفِعْل النَّبِيِّ ﷺ أَفْتَى بعدَ النَّبِيِّ ﷺ في التَّيمُّمِ لِلْوَجْهِ والكَفَّيْنِ عَمَلًا بالحديثِ. وقد شاهَدَ فِعْلَ النَّبِيِّ ﷺ ، والفِعْلُ لا احْتِمَالَ فيه. والثاني، أَنَّه قال ضَرْبَةً واحِدَةً، وهم يقولون ضَرْبتانِ. والثالثُ، أنَّنا لا نَعْرِفُ في اللُّغَةِ التَّعْبِيرَ بالكَّفَّيْنِ عَن الذِّرَاعَيْنِ. والرابعُ، أنَّ الجَمْعَ بينَ الخَبَرَيْنِ بما ذَكَرْنَاهُ مِنْ أنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِن الفِعْلَيْنِ جائِزٌ أَقرَبُ مِنْ تَأْوِيلِهِم وأَسْهَلُ، وقِيَاسُهُم يَنْتَقِضُ بالتَّيَمُّمِ عن الغُسْلِ الوَاجِبِ، فإنَّهُ يَنْقُصُ عَنِ المُبْدَلِ، وكذلك في الوُضُوءِ، فإنَّه في أربعةِ أعْضَاء، والتَّيَمُّمُ في عُضْوَيْن، وكذا نقولُ في الوَجْهِ، فإنَّه لا يجبُ مَسْحُ ما تحت الشُّعُورِ الخفيفةِ، ولا المَضْمَضَةُ والاسْتِنْشَاقُ. فصل: ولا يَخْتَلِفُ المَذْهَبُ أنَّه يُجْزِىءُ التَّيَمُّمُ بِضَرْبَةٍ واحِدَةٍ وبِضَرْبَتَيْنِ،

стр. 380

وإنْ تَيَمَّمَ بأكْثَرَ مِنْ ضَرْبَتَيْنِ جاز أيضًا؛ لأنَّ المَقْصُودَ إِيصَالُ التُّرَابِ إلى مَحَلِّ الفَرْضِ، فَكَيْفَما حصل جاز، كالوُضُوءِ. فصل: فإنْ وَصَلَ التُّرابُ إلى وَجْهِهِ ويَدَيْهِ بِغيِر ضَرْبٍ، نَحْو أنْ يَنْسِفَ الرِّيحُ عليه غُبَارًا يَعُمُّه، فإنْ كان قَصَدَ ذلك، وأحْضَرَ النِّيَّةَ، احْتَمَلَ أن يُجْزِئَهُ، كَما لَوْ صَمَدَ لِلْمَطرَ حتى جَرَى على أعْضَائِهِ. والصَّحِيحُ أَنَّه لا يُجْزِئُه؛ لأنَّه لم يَمْسَحْ به، وقد أمرَ اللهُ تعالى بالمَسْحِ به. فإنْ مَسَحَ وَجْهَهُ بما على وَجْهِهِ، احْتَمَلَ أنْ يُجْزِئَهُ؛ لأنَّه مَسَحَ بالتُّرَاب، واحْتَمَلَ أنْ لا يُجْزِئَهُ؛ لأنَّ اللهَ تعالى أمَرَ بِقَصْدِ الصَّعِيدِ والمَسْحِ به، ولم يَأْخُذ الصَّعِيدَ. وإنْ لم يكنْ قَصَدَ الرِّيحَ، ولا صَمَدَ لها، فأَخَذَ غَيْرَ ما على وَجْهِهِ، فمَسَحَ به وَجْهَهُ، جازَ. وإنْ أمَرَّ مَا على وَجْهِهِ منه على وَجْهِهِ، لم يُجْزِهِ؛ لأنَّه لم يَأْخُذ التُّرابَ لِوَجْهِهِ. فصل: إذا عَلَا على يَدَيْهِ تُرَابٌ كَثِيرٌ، لم يُكْرَهْ نَفْخُهُ؛ فإنَّ فِي حَدِيثِ عَمَّار، أنَّ النَّبِىَّ ﷺ ضَرَبَ بكَفَّيْهِ الأرْضَ، ونَفَخَ فِيهما. قال أحمدُ: لا يَضُرُّهُ فَعَلَ أو لم يَفْعَلْ. وإنْ كان خَفِيفًا، فقال أصْحابُنا: يُكْرَهُ نَفْخُهُ، رِوَايةً وَاحِدَةً. فإنْ ذَهَبَ ما عليها بالنَّفْخِ، لم يُجْزِهِ حَتَّى يُعِيدَ الضَّرْبَ؛ لأنَّه مَأْمُورٌ بِالمَسْحِ بِشَىْءٍ مِن الصَّعِيدِ. ٦٨ - مسألة؛ قال: (ويَضْرِبُ بِيَدَيْهِ عَلَى الصَّعِيدِ الطَّيِّبِ، وهُوَ التُّرَابُ) وجُمْلَةُ ذلك أنَّه لا يَجُوزُ التَّيَّمُمُ إلَّا بِتُرَابٍ طَاهِرٍ ذِى غُبَارٍ يَعْلَقُ باليَدِ؛ لأنَّ اللهَ تعالى قال: ﴿فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ مِنْهُ﴾. قال ابنُ عَبَّاس: الصَّعِيدُ تُرَابُ الحَرْثِ. وقِيل في قَوْلِه تعالى: ﴿فَتُصْبِحَ صَعِيدًا زَلَقًا﴾ (١) تُرَابًا أَمْلَسَ. والطَّيِّبُ: الطَّاهِرُ. وبهذا قال الشَّافِعِىُّ، وإسْحَاق، وأبو يوسف، وداود. وقال مالِك، وأبو حَنِيفة: يَجُوزُ بِكُلِّ (٢) ما كان مِنْ جِنْسِ الأَرْضِ؛ كالنُّورَةِ والزِّرْنِيخِ (٣) والحِجَارَةِ. وقال الأوْزَاعِىُّ: الرَّمْلُ مِن الصَّعِيدِ. وقال حَمَّادُ

стр. 381

ابنُ أبي سليمان: لا بَأْسَ أنْ يَتَيَمَّمَ بالرُّخَامِ؛ لِمَا رَوَى البُخَارِىُّ، عَن النَّبِيِّ ﷺ أنَّه قال: "جُعِلَتْ لِىَ الأَرْضُ مَسْجِدًا وطَهُورًا (٤) ". وعَنْ أبي هُرَيْرة، أنَّ رَجُلًا أَتَى النَّبِيَّ ﷺ فقال: يا رسولَ اللهِ، إنَّا نكونُ بالرَّمْلِ فتُصِيبُنا الجَنابةُ، والحَيْضُ، والنِّفَاسُ، ولا نَجِدُ الماءَ أَرْبَعَةَ أشهُرٍ أو خَمْسَةَ أشْهُرٍ، فقال النَّبِيُّ ﷺ : "عَلَيْكُمْ بالْأَرْضِ" (٥). ولأنَّه (٦) مِنْ جِنْسِ الأرضِ، فجاز التَّيَمُّمُ به كالتُّرَابِ. ولَنا، الآيةُ؛ فإنَّ اللهَ سبحانه أمرَ بالتَّيَمُّمِ بالصَّعِيدِ، وهو التُّرَابُ، فقال: ﴿فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ مِنْهُ﴾، ولا يَحْصُلُ المَسْحُ بشيءٍ منه، إلَّا أنْ يكونَ ذا غُبَارٍ يَعْلَقُ باليَدِ، ورُوِىَ عَنْ عَلِيٍّ، رَضِىَ اللهُ عنه، قال: قال رسولُ اللهِ ﷺ : "أُعْطِيتُ مَا لَمْ يُعْطَ نَبِىٌّ مِنْ أَنْبِيَاءِ اللهِ، جُعِلَ لِىَ التُّرَابُ طَهُورًا". وذَكَرَ الحديثَ، رَوَاهُ الشَّافِعِىُّ في "مُسْنَدِهِ" (٧)، ولَوْ كانَ غَيْرُ التُّرَابِ طَهُورًا لذَكَرَهُ فِيمَا مَنَّ اللهُ تَعالَى بِهِ عَلَيْهِ، وقَدْ رَوَى حُذَيْفَةُ أنَّ النَّبِىَّ ﷺ قال: "جُعِلَتْ لِىَ الأَرْضُ مَسْجِدًا وتُرَابُها طَهُورًا" (٨). فَخَصَّ تُرَابَها بكَوْنهِ طَهُورًا، ولأنَّ الطَّهَارَةَ اختَصَّتْ بأَعَمِّ المائِعَاتِ وُجُودًا، وهو الماءُ، فتَخْتَصُّ بأَعَمِّ الجامِداتِ وُجُودًا، وهو التُّرَابُ، وخَبَرُ أبى ذَرٍّ نَخُصُّهُ بِحَدِيثِنا، وخَبَرُ أبى هُرَيْرَةَ يَرْوِيهِ المُثَنَّى بنُ الصَّبَّاح (٩)، وهو ضعيفٌ. فصل: وعن أحمد، ﵀، روَايَةٌ أُخْرَى، في السَّبَخَةِ والرَّمْلِ، أنَّه يَجوزُ

стр. 382

التَّيَمُّم به. قال أبو الحارثِ: قال أحمدُ: أرْضُ الحَرْثِ أحَبُّ إلىَّ، وإنْ تَيَمَّمَ مِنْ أرْضِ السَّبْخَةِ أجْزَأَهُ. قال القاضي: المَوْضِعُ الذي أجَازَ التَّيَمُّمَ بها إذا كان لها غُبَارٌ، والمَوْضِعُ الذي مَنَعَ إذا لم يكن لها غُبَارٌ. قال: ويُمْكِنُ أنْ يُقال في الرَّمْلِ مِثْلُ ذلك. وعنه أنَّه يجوزُ ذلك مع الاضْطِرَارِ خَاصَّةً. قال: وفي رِوَايةِ سِنْدِيٍّ (١٠): أرْضُ الحَرْثِ أَجْوَدُ مِن السَّبَخِ، ومِنْ مَوْضِعِ النُّورَةِ والْحَصَا، إلَّا أنْ يُضْطَرَّ إلى ذلك، فإنِ اضْطُرَّ أَجْزَأَهُ. قال الخَلَّالُ: إنَّما سَهَّلَ أحمدُ فيها إذا اضْطُرَّ إليها، إذا كانَتْ غَبَرَةً كالتُّرَابِ، فأمَّا إذا كانَتْ قَلِحَةً (١١) كالمِلْحِ، فلا يَتَيَمَّمُ بها أَصْلًا. وقال ابنُ أبي موسى: يَتَيَمَّمُ عندَ عَدَم التُّرَابِ بكُلِّ طَاهِرٍ تَصَاعَدَ على وَجْهِ الأرضِ، مِثْل الرَّمْلِ والسَّبَخَةِ والنُّورَةِ والكُحْلِ، وما فى مَعْنَى ذلك، ويُصَلِّى، وهل يُعِيد؟ علَى رِوَايتَيْن. فصل: فإنْ دُقَّ الخَزَفُ أو الطِّينُ المُحْرَقُ، لم يَجُز التَّيَمُّمُ به، لأنَّ الطَّبْخَ أخْرَجَهُ عن أنْ يَقَعَ عليه اسْمُ التُّرَابِ. وكذا إنْ نُحِتَ المَرْمَرُ (١٢) والكَذَّانُ (١٣) حتَّى صارَ غُبارًا، لم يَجُزِ التَّيَمُّمُ به؛ لأنَّه غيرُ تُرابٍ. وإن دُقَّ الطِّينُ الصُّلْبُ كالأرْمَنِىِّ، جازَ التَّيَمُّمُ به؛ لأنَّه تُرابٌ. فصل: فإنْ ضرب بِيَدِهِ على لِبْدٍ أو ثَوْبٍ أو جُوَالِقٍ أو بَرْذَعَةٍ أو في شَعِيرٍ، فعَلِقَ بَيدَيْهِ غُبَارٌ، فَتَيَمَّمَ به، جازَ. نَصَّ أحمدُ على ذلك كُلِّه. وكَلَامُ أحمدَ يَدُلُّ على اعْتِبَارِ التُّرَابِ حَيْثُ كان، فعلى هذا لو ضرب بِيَدِهِ على صَخْرَةٍ، أو حائِطٍ، أو حيوانٍ، أو أيِّ شيءٍ كان، فصار على يَدَيْهِ غُبَارٌ، جاز له التَّيَمُّمُ به. وإنْ لم يكُنْ فيه غُبَارٌ، فلا يَجُوزُ. وقد رَوَى ابنُ عُمَرَ، أنَّ النَّبِىَّ ﷺ ضرب يَدَيْهِ على الحائِطِ، ومسح بهما

стр. 383

وَجْهَهُ، ثم ضرب ضَرْبَةً أُخْرَى، فمسح ذِرَاعَيْهِ. رَوَاهُ أبو داود (١٤). ورَوَى الأَثْرَمُ، عن عُمَرَ، رَضِىَ اللهُ عنه، أنَّه قال: لا يَتَيَمَّمُ بالثَّلْجِ، فَمَنْ لم يَجِدْ، فضَفَّةُ سَرْجِهِ، أو مَعْرَفَةُ (١٥) دابَّتِهِ. وأجاز مالِكٌ، وأبو حنيفة، التَّيَمُّمَ بِصَخْرَةٍ لا غُبَارَ عليها، وتُرَابٍ نَديٍّ لا يَعْلَقُ باليَدِ منه غُبَارٌ. وأجازَ مالِكٌ التَّيَمُّمَ بالثَّلْجِ، والجِبْسِ، وكُلِّ ما تَصَاعَدَ على وَجْهِ الأرضِ. ولا يَجُوزُ عنده التَّيَمُّمُ بِغُبَارِ اللِّبْدِ والثَّوْبِ؛ لأنَّ النَّبِىَّ ﷺ لَمَّا ضَرَبَ بِيَدِهِ نَفَخَهُمَا. ولنَا، قَوْلُ اللهِ تعالى: ﴿فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ مِنْهُ﴾. و"مِنْ" لِلتَّبْعِيضِ، فيَحْتَاجُ أنْ يَمْسَحَ بِجُزْءٍ منه، والنَّفْخُ لا يُزِيلُ الغُبَارَ المُلَاصِقَ، وذلك يَكْفِى. فصل: إذا خَالَطَ التُّرَابُ ما لا يجوزُ التَّيَمُّم به، كالنُّورَةِ والزِّرْنِيخِ والجِصِّ، فقال القاضِى: حُكْمُهُ حُكْمُ الماءِ إذا خَالَطَتْه الطَّاهِراتُ، إنْ كانت الغَلَبَةُ للتُّرَابِ جاز، وإنْ كانت الغَلَبَةُ للمُخَالِطِ، لم يَجُزْ. وقال ابنُ عَقِيلٍ: يَمْنَعُ، وإنْ كان قَلِيلًا. وهو مذهبُ الشَّافِعِىِّ. لأنَّه رُبَّما حَصَلَ في العُضْوِ، فمنَعَ وُصُولَ التُّرَابِ إليه. وهذا فيما يَعْلَقُ باليَدِ، فأمَّا ما لا يَعْلَقُ باليدِ، فلا يَمْنَعُ؛ فإنَّ أحمدَ قد نَصَّ على أنَّه يَجُوزُ التَّيَمُّم مِنَ الشَّعِيرِ؛ وذلك لأنَّهُ لا يَحْصُلُ على اليَدِ منه ما يَحُولُ بين الغُبَارِ وبينها. فصل: إذا كان في طِينٍ لا يَجِدُ تُرَابًا، فحُكِىَ عن ابنِ عَبَّاسٍ أنَّه قال: يأْخُذُ الطِّينَ، فيَطْلِى به جَسَدَهُ. فإذا جَفَّ تَيَمَّمَ به. وإن خَافَ فَوَاتَ الوَقْتِ قبل جَفَافِهِ، فهو كالعَادِمِ. ويَحْتَمِلُ أنَّه إنْ كان يَجِفُّ قَرِيبًا انْتَظَرَ جَفَافَهُ، وإنْ فَاتَ الوَقْتُ؛ لأنَّه كَطَالِبِ الماءِ القَرِيبِ، والمُشْتَغِلِ بتَحْصِيلِهِ مِنْ بِئْرٍ ونَحْوِه. وإنْ لَطَخَ وَجْهَهُ بِطِينٍ، لم يُجْزِهِ؛ لأنَّه لم يَقَعْ عليه اسْمُ الصَّعِيدِ، ولأنَّه لا غُبَارَ فيه، أشْبَهَ التُّرَابَ النَّدِىَّ. فصل: وإن عَدِمَ بكُلِّ حَالٍ صَلَّى على حَسَبِ حَالِه. وهذا قَوْلُ الشَّافِعِىِّ، وقال

стр. 384

أبو حنيفة، والثَّوْرِىُّ، والأوْزَاعِيُّ: لا يُصَلِّى حتَّى يَقْدِرَ، ثُمَّ يَقْضِى؛ لأنَّها عِبَادَةٌ لا تُسْقِطُ القضاءَ، فلم تكنْ وَاجِبَةً، كصِيَامِ (١٦) الحائِضِ. وقال مالِك: لا يُصَلِّى ولا يَقْضِى؛ لأنَّه عَجَزَ عن الطَّهَارَةِ، فلم تَجِبْ عليه الصَّلاةُ، كالحائِضِ. وقال ابنُ عبدِ البَرِّ: هذه رِوَايةٌ مُنْكرَةٌ عن مالك. وذَكَرَ عن أَصْحابِه قَوْلَيْنِ: أحدُهما كقَوْلِ أبى حنيفة، والثاني يُصَلِّى على (١٧) حَسَبِ حالِه، ويُعِيدُ. ولَنا، ما رَوَى مُسْلِمٌ، في "صَحِيحِه" (١٨)، أنَّ النَّبِىَّ ﷺ بَعَثَ أُنَاسًا لِطَلَبِ قِلَادَةٍ أَضَلَّتْها عائِشَةُ، فحَضَرَتِ الصَّلَاةُ، فصَلُّوا بِغيرِ وُضُوءٍ، فأتَوُا النَّبِىَّ ﷺ ، فذَكَرُوا ذلك له، فنَزَلَتْ آيةُ التَّيَمُّمِ. ولَمْ يُنْكِر النبيُّ ﷺ ذلك، وَلَا أَمَرَهُم، بإعادةٍ (١٩). فدَلَّ عَلَى أَنَّها غيرُ واجِبَةٍ، ولأنَّ الطَّهَارَةَ شَرْطٌ، فلم تُؤَخَّر الصَّلاةُ عِنْدَ عَدَمِها، كالسُّتْرَةِ واسْتِقْبَالِ القِبْلَةِ. وإذا ثَبَتَ هذا، فإذا صَلَّى على حَسَبِ حالِه، ثم وَجَدَ الماءَ أو التُّرَابَ، لم يَلْزَمْهُ إعَادَةُ الصَّلَاةِ في إحْدَى الرِّوَايَتَيْن، والأُخْرَى عليه الإِعادَةُ. وهو مذهبُ الشَّافِعِىِّ؛ لأنَّه فَقَدَ شَرْطَ الصَّلَاةِ، أشْبَهَ ما لو صَلَّى بالنَّجَاسَةِ. والصَّحِيحُ الأوَّلُ؛ لِمَا ذَكَرْنَا مِن الخَبَرِ، ولأنَّه أَتَى بما أُمِرَ، فخَرَجَ عن عُهْدَتِه، ولأنَّه شَرْطٌ مِنْ شَرَائِطِ الصَّلَاةِ فيَسْقُطُ عند العَجْزِ عنه، كسَائِرِ شُرُوطِها وأرْكانِها، ولأنَّه أَدَّى فَرْضَه على حَسَبِه، فلم يَلْزَمْهُ الإِعادَةُ، كالعاجِزِ عن السُّتْرَةِ إذا صَلَّى عُرْيانًا،

стр. 385

والعاجِزِ عن الاسْتِقْبَالِ إذا صَلَّى إلى غَيْرِها (٢٠)، والعاجِزِ عن القِيَامِ إذا صَلَّى جالِسًا، وقِيَاسُ أبى حنيفة على الحائِضِ في تَأْخِيرِ الصِّيَامِ لا يَصِحُّ؛ لأنَّ الصَّوْمَ يدخلُه التَّأْخِيرُ، بخِلافِ الصلاةِ، بدَلِيلِ أنَّ المُسَافِرَ يُؤَخِّرُ الصَّوْمَ دونَ الصلاةِ، ولأنَّ عَدَمَ الماءِ لو قام مَقامَ الحَيْضِ لأَسْقَطَ الصلاةَ بالكُلِّيَّةِ؛ ولأنَّ قِيَاسَ الصلاةِ على الصلاةِ أَوْلَى مِنْ قِيَاسِها على الصِّيَامِ، وأمَّا قِيَاسُ مالِك فلا يَصِحُّ؛ لأنَّ النَّبِىَّ ﷺ قال: "إذَا أمَرْتُكُمْ بأَمْرٍ فَأْتُوا مِنْهُ ما اسْتَطَعْتُمْ (٢١) ". وقِيَاسُ الطَّهارةِ على سائِرِ شرائِطِ الصلاةِ أَوْلَى مِنْ قِيَاسِها على الحائِضِ، فإنَّ الحَيْضَ أَمْرٌ مُعْتَادٌ يَتَكَرَّرُ عادَةً، والعَجْزُ ههُنا عُذْرٌ نادِرٌ غيرُ مُعْتادٍ، فلا يَصِحُّ قِيَاسُه على الحَيْضِ، ولأنَّ هذا عُذْرٌ نادِرٌ فلم يُسْقِط الفَرْضَ، كنِسْيَانِ الصلاةِ وفَقْدِ سائِرِ الشُّرُوطِ. واللهُ تعالى أعلمُ. ٦٩ - مسألة؛ قال: (ويَنْوِى بِهِ المَكْتُوبَةَ) لا نعلمُ خلافًا في أنَّ التَّيَمُّمَ لا يَصِحُّ إلَّا بِنِيَّةٍ، غيرَ ما حُكِىَ عن الأوْزَاعِىِّ، والحسنِ بنِ صالِحٍ (١) أنه يَصِحُّ بغيرِ نِيَّةٍ. وسائِرُ أهْلِ العِلْمِ على إيجابِ النِّيَّةِ فيه. ومِمَّنْ قال ذلك: رَبِيعةُ، ومالِكٌ، واللَّيْثُ، والشَّافِعِىُّ، وأبو عُبَيْد، وأبو ثَوْر، وابنُ المُنْذِر، وأصْحابُ الرَّأْىِ؛ وذلك لِمَا ذَكَرْنَا في الوُضُوءِ، ويَنْوِى اسْتِبَاحَة الصلاةِ. فإنْ نَوَى رَفْعَ الحَدَثِ لم يَصِحَّ؛ لأنَّه لا يَرْفَعُ الحَدَثَ. قال ابنُ عَبْدِ البَرِّ (٢): أجْمَعَ العُلَماءُ على أنَّ طَهَارَةَ التَّيَمُّمِ لا تَرْفَعُ الحَدَثَ إذا وَجَدَ الماءَ. بل متى وَجَدَهُ أعادَ الطهارةَ، جُنُبًا كان أو مُحْدِثًا. وهذا مذهبُ مالِكٍ، والشَّافِعِىِّ، وغيرِهما، وحُكِىَ عن أبي حَنِيفة أنَّه يَرْفَعُ الحَدَثَ؛ لأنَّه طَهَارةٌ عن حَدَثٍ يُبِيحُ الصَّلَاةَ، فيَرْفَعُ الحَدَثَ، كطهارةِ الماءِ. ولَنا، أنَّه لو وَجَدَ الماءَ لَزِمَهُ اسْتِعْمَالُه لرَفْعِ الحدثِ الذي

стр. 386

كان قبلَ التَّيَمُّمِ، إن كان جُنُبًا، أوْ مُحْدِثًا، أو امْرَأةً حائِضًا، ولو رَفَعَ الحَدَثَ لَاسْتَوَى الجَمِيعُ؛ لاسْتِوَائِهِم في الوِجْدَانِ، ولأنَّها طهارةُ ضَرُورَةٍ، فلم تَرْفَع الحَدَثَ كطهارةِ المُسْتَحَاضَةِ، وبهذا فارَقَ الماءَ. إذا ثَبَتَ هذا، فإنَّه إنْ نَوَى بِتَيَمُّمِهِ فَرِيضَةً، فله أنْ يُصَلِّىَ ما شاء مِنَ الفَرْضِ والنَّفْلِ، سواءٌ نَوَى فَرِيضَةً مُعَيَّنَةً أو مُطْلَقَةً. فإنْ نَوَى نَفْلًا أو صلاة مُطْلَقَةً، لم يَجُزْ أنْ يُصَلِّىَ به إلَّا نَافِلَةً. وبهذا قال الشَّافِعِىُّ، وقال أبو حَنِيفة: له أنْ يُصَلِّىَ ما شاءَ؛ لأنَّها طَهَارَةٌ يَصِحُّ بها النَّفْلُ، فصَحَّ بها الفَرْضُ، كطهارةِ الماءِ. ولَنا، قَوْلُ النَّبِيِّ ﷺ : "إنَّمَا الأَعْمَالُ بالنِّيَّاتِ، وإنَّما [لِكُلِّ امْرِىءٍ] (٣) مَا نَوَى". وهذا [ما نَوَى] (٤) الفَرْضَ، فلا يكونُ له، وفارق طهارةَ الماءِ؛ لأنَّها تَرْفَعُ الحَدَثَ المانِعَ مِنْ فِعْلِ الصلاةِ، فيُبَاحُ له جميعُ ما يَمْنَعُه الحَدَثُ. ولا يَلْزَمُ اسْتِبَاحَةُ النَّفْلِ بِنِيَّةِ الفَرْضِ؛ لأنَّ الفَرْضَ أعْلَى ما في البابِ، فَنِيَّتُه تَضَمَّنَتْ نِيَّةَ ما دُونَه، وإذا اسْتَبَاحَهُ اسْتَبَاحَ ما دُونَه تَبَعًا. فصل: إذا نَوَى الفَرْضَ اسْتَبَاحَ كُلَّ ما يُبَاحُ بالتَّيَمُّمِ مِنَ النَّفْلِ، قَبْلَ الفَرْضِ وبعدَه، وقِرَاءَةِ، القُرْآنِ، ومَسِّ المُصْحَفِ، واللُّبْثِ في المَسْجِدِ. وبهذا قال الشَّافِعِيُّ، وأصْحابُ الرَّأْى. وقال مالِكٌ: لا يتَطَوَّعُ قبلَ الفَرِيضَةِ بِصلاةٍ غيرِ رَاتِبَةٍ. وحُكِىَ نَحْوُه عن أحمد؛ لأنَّ النَّفْلَ تَبَعٌ لِلْفَرْضِ، فلا يَتَقَدَّمُ المَتْبُوعَ. ولَنا، أنَّه تَطَوُّعٌ، فَأُبِيحَ له فِعْلُه إذا نَوَى الفَرْضَ، كالسُّنَنِ الرَّاتِبَةِ وكما بَعْدَ الفَرْضِ. وقوله: إنَّه تَبَعٌ. قُلْنا: إنَّما هو تَبَعٌ في الاسْتِباحةِ، لا في الفعلِ، كالسُّنَنِ الرَّاتِبَةِ، وقِراءةِ القُرْآنِ، وغيرِهما. وإنْ نَوَى نافِلَةً أُبِيحَتْ له، وأُبِيحَ له قِراءةُ القُرْآنِ، ومَسُّ المُصْحَفِ، والطَّوَافُ؛ لأنَّ النَّافِلَةَ آكَدُ مِن ذلك كُلِّه؛ لأنَّ الطَّهَارَتَيْنِ مُشْتَرطتان لها بالإِجْماعِ، وفى اشْتِراطِهما لِمَا سِواها خِلافٌ، فيَدْخُلُ الأدْنَى في الأعْلَى، كدُخُولِ النَّافِلةِ في الفَرِيضَةِ، ولأنَّ النَّفْلَ يشْتَمِلُ على قِراءةِ القُرآنِ، فَنِيَّةُ النَّفْلِ

стр. 387

تَشْمَلُه. وإنْ نَوَى شيْئًا مِنْ ذلك لم يُبَحْ له التَّنَفُّلُ بالصَّلَاةِ؛ لأنَّه أدْنَى، فلا يَسْتَبِيحُ الأَعْلَى بِنِيَّتِهِ، كالفَرْضِ مع النَّفْلِ. وإنْ تَيَمَّمَ للطَّوَافِ أُبِيحَ له قِراءةُ القُرْآنِ، واللُّبْثُ في المَسْجِدِ؛ لأنَّه أعْلَى منهما، فإنَّه صَلَاةٌ، ويُشْتَرَطُ له الطَّهارتانِ، وله نَفْلٌ وفَرْضٌ، ويَدْخُلُ في ضِمْنِه اللُّبْثُ في المَسْجِدِ؛ لأنَّه لا يكونُ إلَّا في المَسْجِدِ. وإنْ نَوَى أحَدَهُما لم يستَبِح الطَّوافَ؛ لأنَّه أعْلَى مِنْهُما. وإنْ نَوَى فَرْضَ الطَّوَافِ، اسْتَبَاحَ نَفْلَه. وإن نَوَى نَفْلَه، لم يَسْتَبِحْ فَرْضَهُ كالصلاةِ. وإنْ نَوَى بِتَيَمُّمِه قِرَاءةَ القُرآنِ لِكَوْنِه جُنُبًا، أو اللبْثَ (٥) في المَسْجِدِ، أو مَسَّ المُصْحَفِ، لم يَسْتَبِحْ غيرَ ما نَوَاهُ؛ لِقَوْلهِ ﷺ : "وإنَّمَا لكُلِّ امْرِىءٍ مَا نَوَى". ولِأنَّه لم يَنْوِ ذلك، ولا ما هو أَعْلَى منه، فلم يَسْتَبِحْه، كما لا يَسْتَبِيحُ الفَرْضَ إذا لم يَنْوِهِ. فصل: وإنْ تَيَمَّمَ الصَّبِىُّ لإِحْدَى الصَّلَواتِ الخَمْسِ، ثُم بَلَغ، لم يَسْتَبِحْ بِتَيَمُّمِهِ فَرْضًا؛ لأنَّ ما نَوَاهُ كان نَفْلًا، ويُبَاحُ أن يَتَنَفَّلَ به، كما لو نَوَى به البالِغُ النَّفْلَ. فأمَّا إنْ تَوَضَّأَ قبلَ البُلُوغِ، ثم بَلَغَ، فله أنْ يُصَلِّىَ به (٦) فَرْضًا ونَفْلًا؛ لأنَّ الوُضُوءَ للنَّفْلِ يُبِيحُ فِعْلَ الفَرْضِ. ٧٠ - مسألة؛ قال: (فَيَمْسَحُ بِهِمَا وَجْهَهُ وكَفَّيْهِ) لا خِلافَ في وُجُوبِ مَسْحِ الوَجْهِ والْكَفَّيْنِ؛ لِقَوْلِ اللهِ تعالى: ﴿فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ مِنْهُ﴾. ويَجِبُ مَسْحُ جَمِيعِهَا (١)، واسْتِيعَابُ ما يَأْتِى عليه الماءُ منها (١)، لا يَسْقُطُ مِنها إلَّا المَضْمَضةُ والاسْتِنْشَاقُ، وما تحتَ الشُّعُورِ الخَفِيفَةِ، وبهذا قال الشَّافِعِيُّ. وقال سليمان بنُ داود (٢): يُجْزِئُه إنْ لم يصِبْ إلَّا بعضَ وَجْهِه

стр. 388

وبعضَ كَفَّيْه. ولنَا، قَوْلُه تعالى: ﴿فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ مِنْهُ﴾، [والباءُ زائِدةٌ، فصارَ كأنَّه قال: فَامْسَحُوا وُجُوهَكمْ وَأَيْدِيَكُمْ مِنْه] (٣). فيَجِبُ تَعْمِيمُهُما، كما يجبُ تعميمُهما بالغَسْلِ؛ لِقَوْلهِ: ﴿فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ﴾. فَيَضْرِبُ ضَرْبَةً واحِدَةً، فيمْسَحُ وَجْهَه بِباطنِ أصَابِعِ يَدَيْهِ، وظَاهِرَ كَفَّيْهِ إلى الكُوعَيْن بباطنِ رَاحَتَيْه، ويُسْتَحَبُّ أنْ يمسحَ إحْدَى الرَّاحَتَيْنِ بالأُخْرَى، ويُخَلِّلَ بينَ الأصَابِعِ، وليس بِفَرْضٍ؛ لأنَّ فَرْضَ الرَّاحَتَيْنِ قد سَقَطَ بإمْرَارِ كُلِّ وَاحِدَةٍ على ظَهْرِ الكَفِّ. قال ابنُ عَقِيل: رأيتُ التَّيَمُّمَ بضَرْبَةٍ واحدةٍ قد أسْقَطَ تَرْتِيبًا مُسْتَحَقًّا في الوُضُوءِ، وهو أنَّه يَعْتَدُّ بمَسْحِ بَاطِنِ يَدَيْهِ قبلَ مَسْحِ وَجْهِهِ، وكيْفما مَسَحَ بعدَ اسْتِيعابِ مَحَلِّ الفَرْضِ أجْزَأَهُ، سَواءٌ كان بِضَرْبَةٍ، أو ضَرْبَتَيْنِ أو ثلاثٍ، أو أكْثَرَ. فصل: وإن تَيَمَّمَ بِضَرْبتيْن لِلْوَجْهِ والْيَدَيْنِ إلى المِرْفَقَيْنِ، فإنَّه يَمْسَحُ بالأُولَى وجهَه، ويمسحُ بالثانيةِ يَدَيْهِ، فيَضَعُ بُطُونَ أصَابِعِ يَدهِ اليُسْرَى على ظُهُورِ أصَابِعِ يَدِهِ اليُمْنَى، ويُمِرُّها على ظَهْرِ الكَفِّ، فإذا بلغَ الكُوعَ قَبَضَ أطْرَافَ أصَابِعِهِ على حَرْفِ الذِّرَاعِ، ويُمِرُّها إلى مِرْفَقِهِ، ثم يُدِيرُ بَطْنَ كَفِّه إلى بَطْنِ الذِّرَاعِ، ويُمِرُّها عليه، ويَرْفَعُ إبْهامَهُ، فإذا بلغَ الكُوعَ أمَرَّ الإِبْهامَ على ظَهْرِ إبْهامِ يَدِهِ اليُمْنَى، ويمسحُ بيَدِهِ اليُمْنَى يَدَهُ اليُسْرَى كذلك، ويمسحُ إحْدَى الرَّاحَتَيْنِ بالأُخْرَى، ويُخَلِّلُ بَيْنَ أصَابِعِهما، ولو مسحَ إلى المِرْفَقَيْنِ بِضَرْبَةٍ واحِدَةٍ، أو ثَلَاثٍ، أو أكْثَرَ، جازَ؛ لأنَّه مسحَ مَحَلَّ التَّيمُّمِ بالغُبَارِ، فجازَ، كما لو مسحَه بِضَرْبَتَيْنِ. فصل: فإنْ بَقِىَ مِنْ مَحَلِّ الفَرْضِ شيءٌ لم يَصِلْهُ الترابُ، أمَرَّ يَدَهُ عليه (٤)، ما لم يَفْصِلْ راحَتَهُ، [فإنْ فَصَلَ رَاحَتَه] (٥)، وكان قد بَقِىَ عليها غُبَارٌ، جازَ أنْ يمسحَ بها. وإنْ لم يَبْقَ عليها غُبَارٌ، احْتاجَ إلى ضَرْبَةٍ أُخْرَى. وإنْ كان المَتْرُوكُ مِن الوَجْهِ مَسَحَهُ، وأعادَ مَسْحَ يَدَيَهِ، لِيَحْصُلَ التَّرْتِيبُ. وإنْ تَطاوَلَ الفَصْلُ بينهما، وقُلْنَا

стр. 389

بِوُجُوبِ المُوَالَاةِ، اسْتَأْنَفَ التَّيَمُّمَ، لِتَحْصُلَ المُوَالَاةُ. ويُرْجَعُ في طُولِ ال فَصْلِ وقِصَرِهِ إلى القَدْرِ الذي ذكرْنَاهُ في الطهارة؛ لأنَّ التَّيَمُّمَ فَرْعٌ عليها. والحُكْمُ في التَّسْمِيَةِ كالحُكْمِ في التَّسْمِيَةِ في الوُضُوءِ، على ما مَضَى مِن الخِلافِ فيه؛ لأَنَّهُ بَدَلٌ منه. فصل: ويَجِبُ مَسْحُ اليَدَيْنِ إلى المَوْضِعِ الذي يُقْطَعُ منه السَّارِقُ، أومَأَ أحمدُ إلى هذا لَمَّا سُئِلَ عَن التَّيَمُّمِ، فأَوْمَأَ إلى كَفِّه ولم يُجَاوِزْهُ، وقال: قال اللهُ تعالى: ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا﴾ (٦). مِنْ أيْنَ تُقْطَعُ يَدُ السَّارِقِ؟ أليس مِنْ ههُنا؟ وأشار إلى الرُّسْغِ. وقد رَوَيْنا عن ابنِ عَبَّاس نَحْوَ هذا، فعلى هذا، إنْ كان أقْطعَ مِنْ فوقِ الرُّسْغِ سَقَطَ مَسْحُ اليَدَيْنِ، وإنْ كان مِنْ دُونِه مَسَحَ ما بَقِىَ، وإنْ كان مِنَ المَفْصِلِ، فقال ابنُ عَقِيل: يَمْسَحُ مَوْضِعَ القَطْعِ. قال: ونَصَّ عليه أحمدُ؛ لأنَّ الرُّسْغَيْنِ في التَّيَمُّمِ كالمِرْفَقَيْنِ في الوُضُوءِ، فكما أَنَّه إذا قُطِعَ مِنَ المِرْفَقَيْنِ في الوُضُوءِ، غَسَلَ ما بَقِىَ، كذا ههُنا يَمْسَحُ العَظْمَ الباقِىَ. وقال القاضي: يَسْقُطُ الفَرْضُ؛ لأنَّ مَحَلَّه الكَفُّ الذِى يُؤْخَذُ في السَّرِقَةِ، وقد ذَهَبَ، لكنْ يُسْتَحَبُّ إمْرَارُ التُّرَابِ عليه. ومَسْحُ العَظْمِ الباقِى مع بَقَاءِ الكَفِّ إنَّما كان ضَرُورَةَ اسْتِيعَابِ الوَاجِبِ؛ لأنَّ الوَاجِبَ لا يَتِمُّ إِلَّا به، فإذا زَالَ الأصْلُ المَأْمُورُ به، سَقَطَ ما وَجَبَ لِضَرُورَتِه، كمنْ سَقَطَ عنه غَسْلُ الوَجْهِ، لا يَجِبُ عليه غَسْلُ جُزْءٍ مِن الرَّأْسِ، ومَنْ سَقَطَ عنه الصِّيَامُ، لا يَجِبُ عليه إمْسَاكُ جُزْءٍ مِن اللَّيْلِ. وإن أَوْصَلَ التُّرَابَ إلى مَحَلِّ الفَرْضِ بخِرقَةٍ أو خَشَبَةٍ، فقال القاضي: يُجْزِئُه؛ لأنَّ اللَّه تعالى أَمَرَ بالمَسْحِ، ولم يُعَيِّنْ آلَتَه، فلا يَتَعَيَّنُ. وقال ابنُ عَقِيلٍ: فيه وَجْهَان، بِناءً على مَسْحِ الرَّأْسِ بِخِرْقَةٍ رَطْبَةٍ. وإنْ مَسَحَ مَحَلَّ الفَرْضِ بِيَدٍ وَاحِدَةٍ، أو بِبَعْضِ يَدِهِ، أجْزَأهُ، إذْ كانَتْ يَدُهُ أَقْرَبَ إليه مِنْ غيرها. وإنْ يَمَّمَهُ غَيْرُه جَازَ، كما لو وَضَّأَهُ غيرُه، تُعْتَبَرُ النِّيَّةُ في المُتَيَمِّمِ دُونَ المُيَمِّمِ؛ لأنَّه الذي يَتَعَلَّقُ الإِجْزَاءُ والمَنْعُ به.

стр. 390

٧١ - مسألة؛ قال: (وإنْ كانَ مَا ضَرَبَ بِيَدَيْهِ غَيْرَ طَاهِرٍ لَمْ يُجْزِهِ) لا نعلمُ في هذا خِلَافًا. وبه قال الشَّافِعِىُّ، وأبو ثَوْرٍ، وأَصْحابُ الرَّأْى، إلَّا أنَّ الأَوْزَاعِىَّ، قال: إنْ تَيَمَّمَ بِتُرَابِ المَقْبَرَةِ وصَلَّى، مَضَتْ صَلَاتُهُ. ولَنا، قَوْلُ اللهِ تعالى: ﴿فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا﴾. والنَّجِسُ ليس بِطَيِّبٍ، ولأنَّ التَّيَمُّمَ طَهَارَةٌ، فلم يَجُزْ بِغيرِ طَاهِرٍ، كالوُضُوءِ، فأمَّا المَقْبَرَةُ فإنْ كَانتْ لم تُنْبَشْ، فتُرَابُها طَاهِرٌ، وإنْ كان نَبْشُها والدَّفْنُ فيها تَكَرَّرَ، لا يجوزُ التَّيَمُّمُ بِتُرَابِها؛ لاخْتِلَاطِه بصَدِيِد المَوْتَى ولُحُومِهِم. وإنْ شَكَّ في تَكَرُّرِ الدَّفْنِ فيها، أو في نَجَاسَةِ التُّرَابِ الذي تَيَمَّمَ به، جازَ التَّيَمُّمُ به؛ لأنَّ الأصْلَ الطَّهَارَةُ، فلا يَزُولُ بالشَّكِّ، كما لو شَكَّ في طَهَارَةِ الماءِ. فصل: ويجوزُ أنْ يَتَيَمَّمَ جَمَاعَةٌ مِنْ مَوْضِعٍ وَاحِدٍ بِغيرِ خِلافٍ، كما يجوزُ أنْ يَتَوَضَّأَ جماعةٌ مِنْ حَوْضٍ واحِدٍ. فأمَّا ما تَنَاثَرَ مِن الوَجْهِ واليَدَيْنِ بعدَ مَسْحِهِما به، ففيه وَجْهان: أحدُهما، يجوزُ التَّيَمُّمُ به؛ لأنَّه لم يَرْفَعِ الحَدَثَ. وهذا قَوْلُ أبى حنيفة. والثانى، لا يجوزُ؛ لأنَّه مُسْتَعْمَلٌ في طهارةٍ أبَاحَتِ (١) الصلاةَ، أشْبَهَ الماءَ المُسْتَعْمَلَ في الطهارةِ. ولِلشَّافِعِىِّ وَجْهَان، كهذين. ٧٢ - مسألة؛ قال: (وإذَا كانَ بِهِ قَرْحٌ أو مَرَضٌ مَخُوفٌ، وأَجْنَبَ، فَخشِىَ عَلَى نَفْسِه إنْ أَصَابَهُ الماءُ، غَسَلَ الصَّحِيحَ مِنْ جَسَدِهِ، وتَيَمَّمَ لِمَا لَمْ يُصِبْهُ الماءُ) هذه المَسألةُ دالَّةٌ على أحكامٍ: منها، إباحَةُ التَّيَمُّمِ لِلْجُنُبِ، وهو قَوْلُ جُمْهُورِ العُلماءِ، منهم: علىّ، وابنُ عَبَّاس، وعمرو بن العاص، وأبو موسى، وعَمَّار، وبه قال الثَّوْرِىُّ، ومالِك، والشَّافِعِىُّ، وأبو ثَوْرٍ، وإسْحَاق، وابنُ المُنْذِرِ، وأصْحَابُ الرَّأْىِ. وكان ابنُ مَسْعُودٍ لا يرى التَّيَمُّمَ لِلْجُنُبِ، ونَحْوُه عن عمر، رَضِىَ اللهُ عنهما. ورَوَىَ البُخَارِىُّ (٢) عَن شِقَيقِ بنِ سَلَمَةَ، أنَّ أبا موسى ناظَرَ ابنَ مَسْعُودٍ في ذلك، واحْتَجَّ عليه بحَدِيثِ عَمَّارٍ، وبالآيةِ التي في المائِدَة، قال: فما دَرَى عَبْدُ اللهِ
следующие страницы →