يَفْعَلَ ما أمَرَهُ بفِعْلِه؛ لأنَّ الذين وَكَّلَهُم النَّبِىُّ ﷺ لم يُنْقَلْ عنهم سِوَى امْتِثَال أَمْرِه. ولأنَّه إِذْنٌ في التَّصَرُّفِ، فجازَ القَبُولُ فيه بالفِعْلِ، كأَكْلِ الطَّعَامِ. ويجوزُ القَبُولُ على الفَوْرِ والتَّرَاخِى، نحو أن يَبْلُغَهُ أن رَجُلًا وَكَّلَهُ في بَيْعِ شيءٍ منذ سَنَةٍ، فيَبِيعَه. أو يقولَ: قَبِلْتُ. أو يَأْمُره بفِعْلِ شَىءٍ، فيَفْعَلُه بعد مُدَّةٍ طَوِيلَةٍ؛ لأنَّ قَبُولَ وُكَلَاءِ النَّبِيِّ ﷺ لوَكَالَتِه كان بِفِعْلِهم، وكان مُتَرَاخِيًا عن تَوْكِيلِه إيَّاهم. ولأنَّه إِذْنٌ في التَّصَرُّفِ، والإِذْنُ قائِمٌ، ما لم يَرْجِعْ عنه، فأشْبَه الإِبَاحَةَ. وهذا كلُّه مذهبُ الشَّافِعِىِّ.
فصل: ويجوزُ تَعْلِيقُها على شَرْطٍ، نحو قوله: إذا قَدِمَ الحاجُّ فَبِعْ هذا الطَّعَامَ. وإذا جَاءَ الشِّتَاءُ فاشْتَرِ لنا فَحْمًا. وإذا جاءَ الأَضْحَى فاشْتَرِ لنا أُضْحِيَّةً. وإذا طَلَبَ منك أهْلِى شَيْئًا فَادْفَعْهُ إليهم. وإذا دَخَلَ رَمَضَانُ فقد وَكَّلْتُكَ في كذا (٢٢)، أو فأنتَ وَكِيلِى. وبهذا قال أبو حنيفةَ. وقال الشّافِعِىُّ: لا يَصِحُّ، لكن إن تَصَرَّفَ صَحَّ تَصَرُّفُه؛ لِوُجُودِ الإِذْنِ، وإن كان وَكِيلًا بِجُعْلٍ فَسَدَ المُسَمَّى، وله أجْرُ المِثْلِ؛ لأنَّه عَقْدٌ يَمْلِكُ به التَّصَرُّفَ في الحيَاةِ، فأشْبَه البَيْعَ. ولَنا، أنَّ النَّبِىَّ ﷺ قال: "أَمِيرُكُم زَيْدٌ، فإن قُتِلَ فجَعْفَرٌ، فإن قُتِلَ فعبدُ اللهِ بنُ رَوَاحَةَ" (٢٣). وهذا في مَعْناه. ولأنَّه عَقْدٌ اعْتُبِرَ في حَقِّ الوَكِيلِ (٢٤) حُكْمُهُ، وهو إِبَاحَةُ التَّصَرُّفِ وصِحَّتُه، فكان صَحِيحًا، كما لو قال: أنْتَ وَكِيلِى في بَيْعِ عَبْدِى إذا قَدِمَ الحاجُّ. ولأنَّه لو قال: وَكَّلْتُكَ في شِرَاءِ كذا، في وَقْتِ كذا. صَحَّ بلا خِلَافٍ، ومَحلُّ النِّزَاعِ في مَعْناه. ولأنَّه إِذْنٌ في التَّصَرُّفِ، أشْبَهَ الوَصِيَّةَ والتَّأْمِيرَ. ولأنَّه عَقْدٌ يَصِحُّ بغيرِ جُعْلٍ، ولا يَخْتَصُّ فاعِلُه بكَوْنِه من أهْلِ القُرْبَةِ، فصَحَّ بالجُعْلِ، كالتَّوْكِيلِ الناجِزِ.
فصل: ويجوزُ التَّوْكِيلُ بِجُعْلٍ وبغيرِ (٢٥) جُعْلٍ؛ فإنَّ النَّبِيَّ ﷺ وَكَّلَ أُنَيْسًا في إقَامَةِ
стр. 3432
الحَدِّ (٢٦)، وعُرْوَةَ في شِرَاءِ شاةٍ (٢٧)، وعَمْرًا وأبا رَافِعٍ في قَبُولِ النِّكَاحِ بغير جُعْلٍ (٢٨). وكان يَبْعَثُ عُمَّالَه لِقَبْضِ الصَّدَقاتِ، ويَجْعَلُ لهم عُمَالَةً. ولهذا قال له ابْنَا عَمِّه: لو بَعَثْتَنَا على هذه الصَّدَقَاتِ، فَنُؤَدِّى إليك ما يُؤَدِّى الناسُ، ونُصِيبُ ما يُصِيبُه الناسُ (٢٩)؟ يَعنِيانِ العُمالَةَ. فإن كانت بِجُعْلٍ، اسْتَحَقَّ الوَكِيلُ الجُعْلَ بِتَسْلِيمِ ما وُكِّلَ فيه إلى المُوَكِّلِ، إن كان ممَّا يُمْكِنُ تَسْلِيمُه، كثَوْبٍ يَنسِجُه أو يَقْصِرُه أو يَخِيطُه، فمتى سَلَّمَهُ إلى المُوَكِّلِ مَعْمُولًا فله الأَجْرُ. وإن كان الخَيَّاطُ في دارِ المُوَكِّلِ، فكُلَّما عَمِلَ شيئا وَقَعَ مَقْبُوضًا، فيَسْتَحِقُّ الوَكِيلُ الجُعْلَ إذا فَرَغَ الخيَّاطُ من الخِيَاطَةِ. وإن وُكِّلَ في بَيْعٍ أو شِرَاءٍ أو حَجٍّ، اسْتَحَقَّ الأَجْرَ إذا عَمِلَهُ. وإن لم يَقْبِضِ الثَّمَنَ في البَيْعِ. وإن قال: إذا بِعْتَ الثَّوْبَ، وقَبَضْتَ ثَمَنَهُ، وسَلَّمْتَهُ إلَىَّ، فلك الأجْرُ. لم يَسْتَحِقّ منها شيئا حتى يُسَلِّمَهُ إليه، فإن فاتَه التَّسْلِيمُ لم يَسْتَحِقَّ شيئا؛ لِفَوَاتِ الشَّرْطِ.
فصل: ولا تَصِحُّ الوَكَالَةُ إلَّا في تَصَرُّفٍ مَعْلُومٍ. فإن قال: وَكَّلْتُكَ في كلِّ شيءٍ. أو في كلِّ قَلِيلٍ وكَثِيرٍ. أو في كلِّ تَصَرُّفٍ يجوزُ لي. أو في كلِّ ما لِىَ التَّصَرُّفُ فيه. لم يَصِحَّ. وبهذا قال أبو حنيفةَ، والشَّافِعِىُّ. وقال ابنُ أبي لَيْلَى: يَصِحُّ، ويَمْلِكُ به كلَّ ما تَنَاوَلَهُ لَفْظُه؛ لأنَّه لَفْظٌ عامٌّ، فصَحَّ فيما يَتَنَاوَلُه، كما لو قال: بِعْ مالِى كُلَّه. ولَنا، أنَّ في هذا غَرَرًا عَظِيمًا، وخَطَرًا كَبِيرًا؛ لأنَّه تَدْخُلُ فيه هِبَةُ مالِه، وطَلَاقُ نِسَائِه (٣٠)، وإعْتَاقُ رَقِيقِه، وتَزَوُّجُ نِسَاءٍ كَثِيرٍ (٣١). ويَلْزَمُه المُهُورُ الكَثِيرَةُ، والأَثْمانُ العَظِيمَةُ، فيَعْظُمُ الضَّرَرُ. وإن قال: اشْتَرِ لي ما شِئْتَ. لم يَصِحَّ؛ لأنَّه قد يَشْتَرِى ما لا يَقْدِرُ على ثَمَنِه. وقد رُوِىَ عن أحمدَ، ما يَدُلُّ على صِحَّتِه؛ لِقَوْلِه في رَجُلَيْنِ، قال كلُّ واحدٍ
стр. 3433
منهما لِصَاحِبِه: ما اشْتَرَيْتَ من شيءٍ فهو بيننا: إنَّه جائِزٌ. وأَعْجَبَهُ. ولأنَّ الشَّرِيكَ والمُضَارِبَ وَكِيلَانِ في شِرَاءِ ما شاءَ. فعلى هذا ليس له أن يَشْتَرِىَ إلَّا بِثَمَنِ المِثْلِ فما دُون، ولا يَشْتَرِىَ ما لا يَقْدِرُ المُوَكِّلُ على ثَمَنِه، ولا ما لا يَرَى المَصْلَحَةَ له في شِرَائِه. وإن قال: بِعْ مالِى كلَّه، واقْبِضْ دُيُونِى كلَّها. صَحَّ؛ لأنَّه قد يَعْرِفُ مالَه ودُيُونَهُ. وإن قال: بِعْ ما شِئْتَ من مَالِى، واقْبِضْ ما شِئْتَ من دُيُونِى. جازَ؛ لأنَّه إذا جازَ التَّوْكِيلُ في الجَمِيعِ، ففى بعضِه أوْلَى. وإن قال: اقْبِضْ دَيْنِى كلَّه، وما يَتَجَدَّدُ في المُسْتَقْبَلِ. صَحَّ. وقال أصْحابُ الشّافِعِىِّ: إذا قال: بِعْ ما شِئْتَ من مالِى. لم يَجُزْ. وإن قال: مِنْ عَبِيدِى. جازَ؛ لأنَّه مَحْصُورٌ بالجِنْسِ. ولَنا، أنَّ ما جازَ التَّوْكِيلُ في جَمِيعِه، جازَ في بعضِه، كعَبِيدِه (٣٢). وإن قال: اشْتَرِ لي عَبْدًا تُرْكِيًّا، أو ثَوْبًا هَرَوِيًّا. صَحَّ. وإن قال: اشْتَرِ لي عَبْدًا، أو قال ثَوْبًا. ولم يَذْكُرْ جِنْسَه، صَحَّ أيضًا. وقال أبو الخَطَّابِ: لا يَصِحُّ. وهو مَذْهَبُ الشّافِعِىِّ، لأنَّه مَجْهُولٌ. ولَنا، أنَّه تَوْكِيلٌ في شِرَاءِ عَبْدٍ، فلم يُشْتَرَطْ ذِكْرُ نَوْعِه، كالقِرَاضِ. ولا يُشْتَرَطُ ذِكْرُ قَدْرِ الثَّمَنِ. ذَكَرَه القاضي. وقال أبو الخَطَّابِ: لا يَصِحُّ حتى يَذْكُرَ قَدْرَ الثمَنِ. وهو أحدُ الوَجْهَيْنِ لأَصْحابِ الشّافِعِىِّ؛ لأن العَبِيدَ تَتَفاوَتُ من الجِنْسِ الواحدِ، وإنما تَتَمَيَّزُ بالثَّمَنِ. ولَنا، أنَّه إذا ذَكَرَ نَوْعًا، فقد أَذِنَ في أعْلاهُ ثَمَنًا، فيَقِلُّ الغَرَرُ، ولأنَّ تَقْدِيرَ الثَّمنِ يَضُرُّ، فإنَّه قد لا يَجِدُ بِقَدْرِ الثَّمنِ. ومن اعْتَبَرَ ذِكْرَ الثَّمنِ، جَوَّزَ أن يَذْكُرَ له أكثَرَ الثَّمنِ وأقَلَّهُ.
فصل: وإذا وَكَّلَ وَكِيلَيْنِ في تَصَرُّفٍ، وجَعَلَ لكلِّ واحدٍ الانْفِرَادَ بالتَّصَرُّفِ، فله ذلك؛ لأنَّه مَأْذُونٌ له فيه (٣٣). فإن لم يَجْعَلْ له ذلك، فليس لأحَدِهما الانْفِرَادُ به؛ لأنَّه لم يَأْذَنْ له في ذلك، وإنَّما يجوزُ له ما أَذِنَ فيه مُوَكِّلُه. وبهذا قال الشّافِعِىُّ، وأصْحابُ الرَّأْىِ. وإن وَكَّلَهُما في حِفْظِ مالِه، حَفِظَاهُ معا في حِرْزٍ لهما؛ لأنَّ قولَه: افْعَلَا كذا.
стр. 3434
يَقْتَضِى اجْتِمَاعَهُما على فِعْلِه، وهو ممَّا يُمْكِنُ، فتَعَلَّقَ بهما. وفارَقَ هذا قولَه: بِعْتُكُما. حيث كان منْقَسِمًا بينهما؛ لأنَّه لا يُمْكِنُ كونُ المِلْكِ لهما على الاجْتِماعِ، فانْقَسَمَ بينهما. فإن غابَ أحدُ الوَكِيلَيْنِ، لم يكُنْ للآخَرِ أن يَتَصَرَّفَ، ولا لِلْحاكِم ضَمُّ أمِينٍ إليه لِيَتَصَرَّفا؛ لأنَّ المُوَكِّلَ رَشِيدٌ جائِزُ التَّصَرُّفِ، لا وِلايَةَ لِلْحَاكِم عليه، فلا يَضُمُّ الحاكِمُ وَكِيلًا له بغيرِ أمْرِه. وفارَقَ ما لو ماتَ أحدُ الوَصِيَّيْنِ، حيث يُضِيفُ الحاكِمُ إلى الوَصِىِّ أمِينًا لِيَتَصَرَّفَا (٣٤)؛ لِكَوْنِ الحاكِم له النَّظَرُ في حَقِّ المَيِّتِ واليَتِيمِ، ولهذا لو لم يُوص إلى أحَدٍ، أقَامَ الحاكِمُ أمِينًا في النَّظَرِ لِلْيَتِيمِ. وإن حَضَرَ الحاكِمَ أحَدُ الوَكِيلَيْنِ، والآخَرُ غائِبٌ، وادَّعَى الوَكالَةَ لهما، وأقَامَ بَيِّنَةً سَمِعَها الحاكِمُ، وحَكَمَ بِثُبُوتِ الوَكَالَةِ لهما، ولم يَمْلِك الحاضِرُ التَّصَرُّفَ وَحْدَه، فإذا حَضَرَ الآخَرُ (٣٥) تَصَرَّفَا معا، ولا يَحْتاجُ إلى إِعادَةِ البَيِّنَةِ؛ لأنَّ الحاكِمَ سَمِعَها لهما مَرَّةً. فإن قِيل: هذا حُكْمٌ للغائِبِ. قُلْنا: يجوزُ تَبَعًا لِحَقِّ الحاضِرِ، كما يجوزُ أن يَحْكُمَ بالوَقْفِ الذي يَثْبُتُ لمن لم يُخْلَقْ لأَجْلِ من يَسْتَحِقُّه في الحالِ، كذا ههُنا. وإن جَحَدَ الغائِبُ الوَكالةَ، أو عَزَلَ نَفْسَه، لم يكُنْ للآخَرِ أن يَتَصَرَّفَ. وبما ذَكَرْناه قال أبو حنيفةَ، والشَّافِعِىُّ. ولا نَعْلَمُ فيه خِلافًا. وجَمِيعُ التَّصَرُّفاتِ في هذا سَوَاءٌ. وقال أبو حنيفةَ: إذا وَكَّلَهما في خُصُومَةٍ، فلكلِّ واحد منهما الانْفِرَادُ بها. ولَنا، أنَّه لم يَرْضَ بِتَصَرُّفِ أحَدِهِما، أشْبَه البَيْعَ والشِّرَاءَ.
٨٤١ - مسألة؛ قال: (وَلَيْسَ لِلْوَكِيلِ أنْ يُوَكِّلَ فِيمَا وُكِّلَ فِيهِ، إلَّا أنْ يَجْعَلَ ذلِكَ إلَيْهِ)
لا يَخْلُو التَّوْكِيلُ من ثلاثةِ أحْوالٍ:
أحدُها، أن يَنْهَى المُوَكِّلُ وَكِيلَه عن التَّوْكِيلِ، فلا يجوزُ له ذلك بغيرِ خِلَافٍ، لأنَّ
стр. 3435
ما نَهاهُ عنه غيرُ داخِلٍ في إِذْنِه. قلم يَجُزْ له (١)، كما لو لم يُوَكِّلْهُ.
الثاني، أَذِنَ له في التَّوْكِيلِ، فيجوزُ له ذلك؛ لأنَّه عَقْدٌ أذِنَ له فيه، فكان له فِعْلُه، كالتَّصَرُّفِ المَأْذُونِ له (٢) فيه. ولا نَعْلَمُ في هذَيْنِ خِلَافًا. وإن قال له: وَكَّلْتُكَ فاصْنَعْ ما شِئْتَ. فله أن يُوَكِّلَ. وقال أصْحابُ الشّافِعِىِّ: ليس له التَّوْكِيلُ في أحَدِ الوَجْهَيْنِ؛ لأنَّ التَّوْكِيلَ يَقْتَضِى تَصَرُّفًا يَتَوَلّاهُ بِنَفْسِه، وقولُه: اصْنَعْ ما شِئْتَ. يَرْجِعُ إلى ما يَقْتَضِيه التَّوْكِيلُ من تَصَرُّفِه بِنَفْسِه. ولَنا، أنَّ لَفْظَهُ عَامٌّ فيما شاءَ، فيَدْخُلُ في عُمُومِه التَّوْكِيلُ.
الثالث، أَطْلَقَ الوَكَالَةَ، فلا يَخْلُو من أَقْسامٍ ثلاثةٍ؛ أحدُها، أن يكونَ العَمَلُ ممَّا يَرْتَفِعُ الوَكِيلُ عن مِثْلِه، كالأَعْمالِ الدَّنِيَّةِ (٣) في حَقِّ [أَشْرافِ الناسِ] (٤) المُرْتَفعِينَ عن فِعْلِها في العادَةِ، أو يَعْجِزُ عن عَمَلِه لكَوْنِه لا يُحْسِنُه، أو غير ذلك، فإنَّه يجوزُ له التَّوْكِيلُ فيه؛ لأنَّه إذا كان مما لا يعْمَلُه (٥) الوَكِيلُ عادَةً، انْصَرَفَ الإِذْنُ إلى ما جَرَتْ به العادَةُ من الاسْتِنَابَةِ فيه. القسم الثاني، أن يكونَ ممَّا يَعْمَلُه بِنَفْسِه، إلَّا أنَّه يَعْجِزُ عن عَمَلِه كلِّه (٦)؛ لِكَثْرَتِه وانْتِشَارِه، فيجُوزُ له التَّوْكِيلُ في عَمَلِه أيضًا؛ لأنَّ الوَكَالةَ اقْتَضَتْ جَوَازَ التَّوْكِيلِ، فجازَ التَّوْكِيلُ في فِعْلِ جَمِيعِه، كما لو أَذِنَ في التَّوْكِيلِ بِلَفْظِه. وقال القاضِى: عِنْدِى أنَّه إنَّما له التَّوْكِيلُ فيما زادَ على ما يَتَمَكَّنُ من عَمَلِه بِنَفْسِه؛ لأنَّ التَّوْكِيلَ إنَّما جازَ لِلْحاجَةِ، فاخْتَصَّ ما دَعَتْ إليه الحاجَةُ، بِخِلَافِ وُجُودِ إِذْنِه، فإنَّه مُطْلَقٌ. ولأَصْحابِ الشّافِعِىِّ وَجْهانِ كهذَيْنِ. القِسْم الثالِث: ما عدا هذَيْنِ
стр. 3436
القِسْمَيْنِ، وهو ما يُمْكِنُه عَمَلُه بِنَفْسِه، ولا يَتَرَفَّعُ (٧) عنه، فهل يجوزُ له التَّوْكِيلُ فيه؟ على رِوَايَتَيْنِ؛ إحداهما، لا يجوزُ. نَقَلَها ابنُ مَنْصُورٍ. وهو مذهبُ أبى حنيفةَ، وأبى يوسُفَ، والشّافِعِىِّ؛ لأنَّه لم يَأْذَنْ له في التَّوْكِيلِ، ولا تَضَمَّنَهُ إِذْنُه، فلم يَجُزْ، كما لو نَهَاهُ، ولأنَّه اسْتِئْمانٌ فيما يُمْكِنُه النُّهُوضُ فيه، فلم يكُنْ له أن يُوَلِّيَهُ مَن (٨) لم يَأْمَنْه عليه، كالوَدِيعَةِ. والأُخْرَى، يجوزُ. نَقَلَها حَنْبَلٌ. وبه قال ابنُ أبي لَيْلَى، إذا مَرِضَ أو غابَ؛ لأنَّ الوَكِيلَ له أن يَتَصَرَّفَ بِنَفْسِه، فمَلَكَهُ نِيَابَةً كالمالِكِ. والأَوَّلُ أوْلَى. ولا يُشْبِهُ الوَكِيلُ المالِكَ؛ فإنَّ المالِكَ يَتَصَرَّفُ بِنَفْسِه (٩) في مِلْكِه كيف شاءَ، بِخِلَافِ الوَكِيلِ.
فصل: وكلُّ وَكِيلٍ جازَ له التَّوْكِيلُ، فليس له أن يُوَكِّلَ إلَّا أمِينًا؛ لأنَّه لا نَظَرَ لِلْمُوَكِّلِ في تَوْكِيلِ مَن ليس بأَمِينٍ، فيُقَيَّدُ جَوَازُ التَّوْكِيلِ بما فيه الحَظُّ والنَّظَرُ، كما أنَّ الإِذْنَ في البَيْعِ يَتَقَيَّدُ بالبَيْعِ بِثَمَنِ المِثْلِ، إلَّا أن يُعَيِّنَ له المُوَكِّلُ من يُوَكِّلُه، فيجوزُ تَوْكِيلُه، وإن لم يكُنْ أَمِينًا؛ لأنَّه قَطَعَ نَظَرَهُ بِتَعْيِينِه. وإن وكَّل أَمِينًا، وصارَ خَائِنًا، فعليه عَزْلُه؛ لأنَّ تَركَهُ يَتَصَرَّفُ مع الخِيَانَةِ تَضْيِيعٌ وتَفرِيطٌ، والوَكَالَةُ تَقْتَضِى اسْتِئْمانَ أمِينٍ، وهذا ليس بأَمِينٍ، فوَجَبَ عَزْلُه.
فصل: والحُكْمُ في الوَصِىِّ يُوَكِّلُ فيما أُوصِىَ به إليه، وفى الحاكِمِ يُوَلَّى القَضاء في ناحِيَةٍ يَسْتَنِيبُ غيرَه، حُكْمُ الوَكِيلِ فيما ذَكَرْنا من التَّفْصِيلِ، إلَّا أنَّ المَنْصُوصَ عن أحمدَ، في رِوَايةِ مُهَنَّا، جَوَازُ ذلك. وهو قولُ الشّافِعِىِّ في الوَصِىِّ؛ لأنَّ الوَصِىَّ يَتَصَرَّفُ بِوَلايةٍ، بدَلِيلِ أنَّه يَتَصَرَّفُ فيما لم يُنَصَّ له على التَّصَرُّفِ فيه، والوَكِيلُ لا يَتَصَرَّفُ إلَّا فيما نُصَّ له عليه. والجَمْعُ بينهما أَوْلَى؛ لأنَّه مُتَصَرِّفٌ في مالِ غيره بالإِذْنِ، فأشْبَه الوَكِيلَ، وإنما يَتَصَرَّفُ فيما اقْتَضَتْهُ الوَصِيَّةُ، كالوَكِيلِ إنَّما يَتَصَرَّفُ فيما اقْتَضَتْهُ الوَكَالَةُ.
стр. 3437
فصل: فأمَّا الوَلِىُّ في النِّكاحِ، فله التَّوْكِيلُ في تَزْوِيج مُولِّيَتِه بغيرِ إِذْنِها، أَبًا كان أو غيره. وقال القاضي في مَن وِلَايَتُه غير وِلَايةِ الإِجْبَارِ: هو كالوَكِيلِ، يُخَرَّجُ على الرِّوَايَتَيْنِ المَنْصُوصِ عليهما في الوَكِيلِ. ولأَصْحابِ الشَّافِعِىِّ فيه وَجْهَانِ؛ أحَدُهُما، لا يَمْلِكُ التَّوْكِيلَ إلَّا (١٠) بإِذْنِها؛ لأنَّه لا يَمْلِكُ التَّزْوِيجَ إلَّا بإِذْنِها، أشْبَه الوَكِيلَ. ولَنا، أنَّ وِلَايَتَهُ من غيرِ جِهَتِها، فلم يُعْتَبَرْ إِذْنُها في تَوْكِيلِه فيها، كالأَبِ، بخِلَافِ الوَكِيلِ، ولأنَّه يَتَصَرَّفُ (١١) بِحُكْمِ الوِلَايَةِ الشَّرْعِيَّةِ، أشْبَهَ الحاكِمَ، ولأنَّ الحاكِمَ يَمْلِكُ تَفْوِيضَ عُقُودِ الأَنْكِحَةِ إلى غيرِه بغيرِ إِذْنِ النِّسَاءِ، فكذلك الوَلِىُّ. وما ذَكَرُوهُ يَبْطُلُ بالحاكِمِ. والذي يُعْتَبَرُ إِذْنُها فيه هو غيرُ ما يُوَكَّلُ فيه، بِدَلِيلِ أنَّ الوَكِيلَ لا يَسْتَغْنِى عن إِذْنِها له في التَّزْوِيجِ أيضًا، فهو كالمُوَكَّلِ في ذلك.
فصل: إذا أَذِنَ المُوَكِّلُ في التَّوْكِيلِ، فوَكَّلَ، كان (١٢) الوَكِيلُ الثاني وَكِيلًا لِلْمُوَكِّلِ (١٣)، لا يَنْعَزِلُ بمَوْتِ الوَكِيلِ الأَوَّلِ، ولا عَزْلِه، ولا يَمْلِكُ الأَوَّلُ عَزْلَ الثانِى؛ لأنَّه ليس بِوَكِيلِه. وإن أَذِنَ له أن يُوَكّلَ لِنَفْسِه، جازَ، وكان وَكِيلًا لِلمُوَكَّلِ (١٤) يَنْعَزِلُ بمَوْتِه وعَزْلِه إيَّاه، وإن ماتَ المُوَكَّلُ، أو عُزِلَ الأَوَّلُ، انْعَزَلَا جميعا؛ لأنَّهما فَرْعانِ له، لكنَّ أحَدَهما فَرْعٌ للآخَرِ، فذَهَبَ حُكْمُهما بذَهابِ أصْلِهما. وإن وَكَّلَ من غيرِ أن يُؤْذَنَ له في التَّوْكِيلِ نُطْقًا، بل وُجِدَ عُرْفًا، أو على الرِّوَايةِ التي أجَزْنَا له التَّوْكِيلَ من غيرِ إِذْنٍ، فالثانى وَكِيلُ الوَكِيلِ الأَوَّلِ، حُكْمُه حُكْمُ ما لو أَذِنَ له أن يُوَكِّلَ لِنَفْسِه.
стр. 3438
فصل: إذا وَكَّلَ رَجُلًا في الخُصُومةِ، لم يُقْبَلْ إقْرَارُه على مُوَكِّلِه بِقَبْضِ الحَقِّ (١٥) ولا غيرِه. وبه قال مالِكٌ، والشَّافِعِىُّ، وابنُ أبي لَيْلَى. وقال أبو حنيفةَ ومحمدٌ: يُقْبَلُ إقْرَارُه في مَجْلِسِ الحُكْمِ، فيما عدا الحُدُودَ والقِصَاصَ. وقال أبو يوسُفَ: يُقْبَلُ إقْرَارُه في مَجْلِسِ الحُكْمِ وغيره؛ لأنَّ (١٦) الإِقْرارَ أحَدُ جَوَابَىِ الدَّعْوَى، فصَحَّ من الوَكِيلِ، كالإِنْكارِ. ولَنا، أنَّ الإِقْرارَ مَعْنًى يَقْطَعُ الخُصُومةَ [ويُنَافِيهَا، فلا يَمْلِكُه الوَكِيلُ فيها، كالإِبْراءِ. وفارَقَ الإِنْكارَ؛ فإنَّه لا يَقْطَعُ الخُصُومَةَ] (١٧)، ويَمْلِكُه في الحُدُودِ والقِصَاصِ، وفى غير مَجْلِسِ الحاكِمِ. ولأنَّ الوَكِيلَ لا يَمْلِكُ الإِنْكارَ على وَجْهٍ يَمْنَعُ المُوَكِّلَ من الإِقْرارِ، فلو مَلَكَ الإِقْرَارَ، لَامْتَنَعَ على المُوَكِّلِ الإِنْكارُ، فَافْتَرَقَا، ولا يَمْلِكُ المُصَالَحةَ عن الحَقِّ، ولا الإِبْرَاءَ منه، بغيرِ خِلَافٍ نَعْلَمُه؛ لأنَّ الإِذْنَ في الخُصُومةِ لا يَقْتَضِى شيئًا من ذلك. وإن أَذِنَ له في تَثْبِيتِ حَقٍّ، لم يَمْلِكْ قَبْضَهُ. وبه قال الشَّافِعِىُّ. وقال أبو حنيفةَ: يَمْلِكُ قَبْضَه؛ لأنَّ المَقْصُودَ من التَّثْبِيتِ قَبْضُه وتَحْصِيلُه. ولَنا، أن القَبْضَ لا يَتَنَاوَلُه الإِذْنُ نُطْقًا ولا عُرْفًا، إذْ ليس كلُّ من يَرْضَاهُ لِتَثْبِيتِ الحَقِّ يَرْضَاهُ لِقَبْضِه. وإن وَكَّلَهُ في قَبْضِ حَقٍّ، فجَحَدَ مَن عليه الحَقُّ، كان وَكِيلًا في تَثْبِيتِه عليه، في أحدِ الوَجْهَيْنِ. [وبه قال أبو حنيفةَ. والآخَر: ليس له ذلك. وهو أحدُ الوَجْهَيْنِ] (١٧) لأَصْحابِ الشّافِعِىِّ؛ لأنَّهما مَعْنَيانِ مُخْتَلِفانِ، فالوَكِيلُ في أحَدِهما لا يكونُ وَكِيلًا في الآخَرِ، كما لا يكونُ وَكِيلًا في القَبْضِ بالتَّوْكِيلِ في الخُصُومَةِ. ووَجْهُ الأَوَّلِ، أنَّه لا يَتَوَصَّلُ إلى القَبْضِ إلَّا بالتَّثْبِيتِ؛ فكان إِذْنًا فيه عُرْفًا، ولأنَّ القَبْضَ لا يَتِمُّ إلَّا به، فمَلَكَهُ، كما لو وكَّلَ في شِرَاءِ شيءٍ مَلَكَ وَزْنَ ثَمَنِه، أو في بَيْعِ شيءٍ مَلَكَ تَسْلِيمَهُ. ويَحْتَمِلُ أنَّه إن كان المُوَكِّلُ عالِمًا بِجَحْدِ مَن عليه الحَقُّ أو مَطْلِهِ، كان تَوْكِيلًا في تَثْبِيتِه
стр. 3439
والخُصُومَةِ فيه، لِعِلْمِه بوُقُوفِ القَبْضِ عليه. وإن لم يَعْلَمْ ذلك، لم يكُنْ تَوْكِيلًا فيه؛ لِعَدَمِ عِلْمِه بِتَوَقُّفِ القَبْضِ عليه. ولا فَرْقَ بين كَوْنِ الحَقِّ عَيْنًا أو دَيْنًا. وقال بعضُ أصْحابِ أبى حنيفةَ: إن وَكَّلَهُ في قَبْضِ عَيْنٍ لم يَمْلِكْ تَثْبِيتَها؛ لأنَّه وَكِيلٌ في نَقْلِها، أشْبَهَ الوَكِيلَ في نَقْلِ الزَّوْجةِ. ولَنا، أنَّه وَكِيلٌ في قَبْضِ حَقٍّ، فأَشْبَه الوَكِيلَ في قَبْضِ الدَّيْنِ. وما ذَكَرُوهُ يَبْطُلُ بالتَّوْكِيلِ في قَبْضِ الدَّيْنِ؛ فإنَّه وَكِيلٌ في قَبْضِه ونَقْلِه إليه.
فصل: وإن وَكَّلَهُ في بَيْعِ شَىءٍ، مَلَكَ تَسْلِيمَهُ؛ لأنَّ إطْلاقَ التَّوْكِيلِ في البَيْعِ يَقْتَضِى التَّسْلِيمَ، لكَوْنِه من تَمَامِه، ولم يَمْلِك الإِبْرَاءَ من ثَمَنِه. وبهذا قال الشّافِعِىُّ. وقال أبو حنيفةَ: يَمْلِكُه. ولَنا، أنَّ الإِبْراءَ ليس من البَيْعِ، ولا من تَتِمَّتِه، فلا يكون التَّوْكِيلُ في البَيْعِ تَوْكِيلًا فيه، كالإِبْراءِ من غير ثَمَنِه. وأما قَبْضُ الثَّمَنِ، فقال القاضي وأبو الخَطَّابِ: لا يَمْلِكُه (١٨). وهو أحدُ الوَجْهَيْنِ لأَصْحابِ الشّافِعِىِّ؛ لأنَّه قد يُوَكِّلُ في البَيْعِ مَن لا يَأْمَنُه على قَبْضِ الثمَنِ. فعلى هذا إن تَعَذَّرَ قَبْضُ الثَّمَنِ من المُشْتَرِى، لم يَلْزَمِ الوَكيلَ شيءٌ. ويَحْتَمِلُ أن يَمْلِكَ قَبْضَ الثَّمَنِ؛ لأنَّه من مُوجِبِ البَيْعِ، فمَلَكَهُ الوَكِيلُ فيه، كتَسْلِيمِ المَبِيعِ. فعلى هذا ليس له تَسْلِيمُ المَبِيعِ إلَّا بِقَبْضِ الثَّمَنِ أو حُضُورِه. وإن سَلَّمَهُ قبل قَبْض ثَمَنِه ضَمِنَهُ. والأَوْلَى أن يَنْظُرَ فيه، فإن دَلَّتْ قَرِينَةُ الحالِ على قَبْضِ الثَّمَنِ، مثل تَوْكِيلِه في بَيْعِ ثَوْبٍ في سُوقٍ غائِبٍ عن المُوَكِّلِ، أو مَوْضِعٍ يَضِيعُ الثمَنُ بِتَرْكِ قَبْضِ الوَكِيلِ له، كان إِذْنًا في قَبْضِه. ومتى تَرَكَ قَبْضَهُ كان ضَامِنًا له؛ لأنَّ ظاهِرَ حالِ المُوَكِّلِ أنَّه إنَّما أمَرَهُ بالبَيْعِ لِتَحْصِيلِ ثَمَنِه، فلا يَرْضَى بِتَضْيِيعِه، ولهذا يُعَدُّ من فَعَلَ ذلك مُضَيِّعًا مُفَرِّطًا. وإن لم تَدُلَّ القَرِينَةُ على ذلك، لم يكُنْ له قَبْضُهُ.
فصل: وإن وَكَّلَهُ في بَيْعِ شيءٍ، أو طَلَبِ الشُّفْعَةِ، أو قَسْمِ شيءٍ، ففيه وَجْهانِ؛ أحَدُهما، يَمْلِكُ تَثْبِيتَه. وهو قولُ أبى حنيفةَ في القِسْمَةِ وطَلَبِ الشُّفْعَةِ؛ لأنَّه لا يَتَوَصَّلُ إلى ما وَكَّلَهُ فيه إلَّا بِالتَّثْبِيتِ. والثانى، لا يَمْلِكُه. وهو قولُ بعضِ أصْحابِ الشّافِعِىِّ؛
стр. 3440
لأنَّه يُمْكِنُ أحَدُهما دون الآخَرِ، فلم يَتَضَمَّن الإِذْنُ في أحَدِهِما الإِذْنَ في الآخَرِ.
فصل: وإن وَكَّلَهُ في شِرَاءِ شَىءٍ، مَلَكَ تَسْلِيمَ ثَمَنِه؛ لأنَّه مِن تَتِمَّتِه وحُقُوقِه، فهو كتَسْلِيمِ المَبِيعِ في البَيْعِ. والحُكْمُ في قَبْضِ المَبِيعِ كالحُكْمِ في قَبْضِ الثمَنِ في المَبِيعِ، على ما مَضَى من القولِ فيه. فإن اشْتَرَى عَبْدًا، ونَقَدَ ثَمَنَهُ، فخَرَجَ العَبْدُ مُسْتَحقًّا؛ فهل يَمْلِكُ أن يُخَاصِمَ البائِعَ في الثَّمَنِ؟ على وَجْهَيْنِ. فإن اشْتَرَى شيئا، وقَبَضَهُ، وأخَّرَ تَسْلِيمَ الثَّمَنِ لغير عُذْرٍ، فهَلَكَ في يَدِه، فهو ضامِنٌ له. وإن كان له عُذْرٌ، مثل أن ذَهَبَ لِيَنْقُدَهُ فهَلَكَ، أو نحو ذلك، فلا ضَمَانَ عليه. نَصَّ عليه أحمدُ؛ لأنَّه مُفَرِّطٌ في إمْساكِه (١٩) في الصُّورَةِ الأُولَى دون الثانِيةِ، فلذلك لَزِمَهُ الضَّمَانُ، بِخِلَافِ ما إذا لم يُفَرِّطْ.
فصل: وإذا وَكَّلَهُ في قَبْضِ دَيْنٍ من رَجُلٍ، فماتَ، نَظَرْتَ في لَفْظِه؛ فإن قال: اقْبِضْ حَقِّى من فُلَانٍ. لم يكُنْ له قَبْضُه من وارِثِه؛ لأنَّه لم يُؤْمَرْ بذلك. وإن قال: اقْبِضْ حَقِّى الذي قِبَلَ فُلَانٍ. أو على فُلَانٍ. فله مُطَالَبَةُ وارِثِه والقَبْضُ؛ لأنَّ قَبْضَهُ من الوارِثِ قَبْضٌ لِلْحَقِّ الذي على مَوْرُوثِه. فإن قيل: فلو قال: اقْبِضْ حَقِّى من زَيْدٍ. فوَكَّلَ زَيْدٌ إنْسانًا في الدَّفعِ إليه، كان له القَبْضُ منه، والوارِثُ نائِبُ المَوْرُوثِ، فهو كوَكِيلِه. قُلْنا: إن (٢٠) الوَكِيلَ إذا دَفَعَ عنه بإِذْنِه، جَرَى مَجْرَى تَسْلِيمِه؛ لأنَّه أقَامَهُ مُقَامَ نَفْسِه، وليس كذلك ههنا، فإنَّ الحَقَّ انْتَقَلَ إلى الوَرَثَةِ فاسْتحقَّت المُطَالَبَةُ عليهم، لا بِطَرِيقِ النِّيابَةِ عن المَوْرُوثِ، ولهذا لو حَلَفَ لا يَفْعَلُ شيئًا، حَنِثَ بِفِعْلِ وَكِيلِه له، ولا يَحْنَثُ بِفِعْلِ وارِثِه.
٨٤٢ - مسألة؛ قال: (وَإِذَا بَاعَ الْوَكِيلُ، ثُمَّ ادَّعَى تَلَفَ الثَّمَنِ مِنْ غَيْرِ تَعَدٍّ، فَلَا ضَمَانَ عَلَيْهِ. فَإنِ اتُّهِمَ، حَلَفَ)
إذا اخْتَلَفَ الوَكِيلُ والمُوَكِّلُ، لم يَخْلُ من سِتَّةِ أحْوالٍ:
стр. 3441
أحدُها، أن يَخْتَلِفَا في التَّلَفِ، فيقولَ الوَكِيلُ: تَلِفَ مَالُكَ في يَدِى، أو الثَّمنُ الذي قَبَضْتُه ثَمنَ مَتَاعِكَ تَلِفَ في يَدِى. فيُكَذِّبُه المُوَكِّلُ. فالقولُ قولُ الوَكِيلِ مع يَمِينِه؛ لأنَّه أمِينٌ، وهذا ممَّا يَتَعَذَّرُ إقَامَةُ البَيِّنَةِ عليه، فلا يُكَلَّفُ ذلك كالمُودِعِ. وكذلك كلُّ مَن كان في يَدِه شيءٌ لغيرِه على سَبِيلِ الأمَانةِ، كالأبِ، والوَصِىِّ، وأمِينِ الحاكِمِ، والمُودعِ، والشَّرِيكِ، والمُضَاربِ، والمُرْتَهِنِ، والمُسْتَأْجِرِ، والأَجِيرِ المُشْتَركِ، وإنَّما كان كذلك، لأنَّه لو كُلِّفَ ذلك مع تَعَذُّرِه عليه، لَامْتَنَعَ الناسُ من الدُّخُولِ في الأَمَاناتِ مع الحاجَةِ إليها، فيَلْحَقَهُم الضَّرَرُ. قال القاضي: إلَّا أن يَدَّعِىَ التَّلَفَ بأَمْرٍ ظاهِرٍ، كالحَرِيقِ والنَّهْبِ وشِبْهِهما، فعليه إقامَةُ البَيِّنَةِ على وُجُودِ هذا الأَمْرِ في تلك الناحِيَةِ، ثم يكونُ القولُ قولَه في تَلَفِها بذلك. وهذا قولُ الشَّافِعِىِّ؛ لأنَّ وُجُودَ الأَمْرِ الظَّاهِرِ ممَّا (١) لا يَخْفَى، فلا تَتَعَذَّرُ إقَامةُ البَيِّنَةِ عليه.
الحال الثانية، أن يَخْتَلِفَا في تَعَدِّى الوَكِيلِ أو تَفْرِيطِه في الحِفْظِ، ومُخَالَفَتِه أمْرَ مُوَكِّلِه، مثل أن يَدَّعِىَ عليه أنَّكَ حَمَلْتَ على الدَّابّةِ فوق طَاقَتِها، أو حَمَلْتَ عليها شَيْئًا لِنَفْسِكَ، أو فَرَّطْتَ في حِفْظِها، أو لَبِسْتَ الثَّوْبَ، أو أَمَرْتُك بِرَدِّ المالِ فلم تَفْعَلْ. ونحو ذلك، فالقولُ قولُ الوَكِيلِ أيضًا مع يَمِينِه؛ لما ذَكَرْنا في الذي قَبْلَه، ولأنَّه مُنْكِرٌ لِما يُدَّعَى عليه، والقولُ قولُ المُنْكِرِ. ومتى ثَبَتَ التَّلَفُ في يَدِه من غير تَعَدِّيه، إمَّا لقَبُولِ قَوْلِه، وإمَّا بإِقْرَارِ مُوَكِّلِه أو بَيِّنَةٍ (٢)، فلا ضَمَانَ عليه، سواءٌ تَلِفَ المتَاعُ الذي أُمِرَ بِبَيْعِه، أو بَاعَهُ وقَبَضَ ثَمَنَهُ فتَلِفَ الثَّمَنُ، وسواءٌ كان بِجُعْلٍ أو بغيرِ جُعْلٍ؛ لأنَّه نائِبُ المالِكِ في اليَدِ والتَّصَرُّفِ، فكان الهَلَاكُ في يَدِه كالهَلَاكِ في يَدِ المالِكِ، وجَرَى مَجْرَى المُودِعِ والمُضَارِبِ وشِبْهِهما. وإن تَعَدَّى أو فَرَّطَ، ضَمِنَ. وكذلك سائِرُ الأُمَناءِ. ولو باعَ الوَكِيلُ سِلْعةً وقَبَضَ ثَمَنَها، فتَلِفَ من غير تَعَدٍّ، واسْتُحِقَّ المَبِيعُ، رَجَعَ المُشْتَرِى بالثَّمَنِ على المُوَكِّلِ دون الوَكِيلِ؛ لأنَّ المَبِيعَ له، فالرُّجُوعُ بالعُهْدَةِ عليه، كما لو باعَ بِنَفْسِه.
стр. 3442
الحال الثالثة، أن يَخْتَلِفَا في التَّصَرُّفِ، فيقولَ الوَكِيلُ: بِعْتُ الثَّوْبَ وقَبَضْتُ الثَّمنَ، فتَلِفَ. فيقول المُوَكِّلُ: لم تَبِعْ ولم تَقْبِضْ. أو يقول: بِعْتَ ولم تَقْبِضْ شيئا. فالقولُ قولُ الوَكِيلِ. ذَكَرَهُ ابنُ حامِدٍ. وهو قولُ أصْحابِ الرَّأْىِ؛ لأنَّه يَمْلِكُ البَيْعَ والقَبْضَ، فيُقْبَلُ قَوْلُه فيهما، كما يُقْبَلُ قَوْلُ وَلِىِّ المَرْأَةِ المُجْبَرَةِ على النِّكَاحِ في تَزْوِيجِها. ويَحْتَمِلُ أن لا يُقْبَلَ قَوْلُه. وهو أحَدُ القَوْلَيْنِ لأَصحابِ الشّافِعِىِّ؛ لأنَّه يُقِرُّ بِحَقٍّ لغيرِه على مُوَكِّلِه، فلم يُقْبَلْ، كما لو أقَرَّ بِدَيْنٍ عليه. وإِن (٣) وَكَّلَهُ (٤) في شِرَاءِ عَبْدٍ، فاشْتَراهُ، واخْتَلَفَا في قَدْرِ ما اشْتَرَاهُ به، فقال: اشْتَرَيْتُه بأَلْفٍ. وقال: بل اشْتَرَيْتَهُ بخَمْسِمائة. فالقولُ قولُ الوَكِيلِ؛ لما ذَكَرْناهُ. وقال القاضي: القولُ قولُ المُوَكِّلِ، إلَّا أن يكونَ عَيَّنَ له الشِّرَاءَ بما ادَّعَاهُ، فقال: اشْتَرِ لي عَبْدًا بأَلْفٍ. فادَّعَى الوَكِيلُ أنَّه اشْتَرَاهُ بذلك، فالقولُ قولُ الوَكِيلِ إِذًا، وإلَّا فالقولُ قولُ المُوَكِّلِ؛ لأنَّ مَن كان القولُ قَوْلَه في أصْلِ شيءٍ، كان القولُ قَوْلَه في صِفَتِه. ولِلشّافِعِىِّ قَوْلانِ كهذَيْنِ الوَجْهَيْنِ. وقال أبو حنيفةَ: ان كان الشِّرَاءُ في الذِّمَّةِ، فالقولُ قولُ المُوَكِّلِ؛ [لأنَّه غَارِمٌ (٥) مُطَالَبٌ بالثَّمَنِ. وان اشْتَرَى بِعَيْنِ المالِ، فالقولُ قولُ الوَكِيلِ؛ لكَوْنِه الغارِمَ؛ فإنه يُطَالِبُه] (٦) بِرَدِّ ما زادَ على الخَمْسِمائة (٧). ولَنا، أنَّهما اخْتَلَفَا في تَصَرُّفِ الوَكِيلِ، فكان القولُ قولَه، كما لو اخْتَلَفَا في البَيْعِ، ولأنَّه أَمِينٌ في الشِّراءِ، فكان القولُ قولَه في قَدْرِ ثَمَنِ المُشْتَرَى، كالمُضَارِبِ، وكما لو قال له: اشْتَرِ بأَلْفٍ عند القاضِى.
الحال الرابعة، أن يَخْتَلِفَا في الرَّدِّ، فيَدَّعِيهِ الوَكِيلُ، فيُنْكِرُه المُوَكِّلُ، فإن كان بغيرِ جُعْلٍ، فالقولُ قولُ الوَكِيلِ؛ لأنَّه قَبَضَ المالَ لِنَفْعِ مالِكِه، فكان القولُ قولَه، كالمُودعِ، وإن كان بِجُعْلٍ، ففيه وَجْهانِ؛ أحَدُهما، أنَّ القولَ قولُه؛ لأنَّه وَكِيلٌ،
стр. 3443
فكان القولُ قولَه، كالأَوَّلِ. والثانى، لا يُقْبَلُ قَوْلُه؛ لأنَّه قَبَضَ المالَ لِنَفْعِ نَفْسِه، فلم يُقْبَلْ قَوْله في الرَّدِّ، كالمُسْتَعِيرِ. وسواءٌ اخْتَلَفَا في رَدِّ العَيْنِ، أو رَدِّ ثَمَنِهَا. وجُمْلَةُ الأُمَناءِ على ضَرْبَيْنِ؛ أحدِهما، مَن قَبَضَ المالَ لِنَفْعِ مالِكِه لا غيرُ، كالمُودَعِ والوَكِيلِ بغير جُعْلٍ، فيُقْبَلُ قَوْلُهم في الرَّدِّ؛ لأنَّه لو لم يُقْبَلْ قَوْلُهم لَامْتَنَعَ النَّاسُ من قَبُولِ هذه الأَمَاناتِ، فيَلْحَقُ الناسَ الضَّرَرُ. الثاني، مَن يَنْتَفِعُ بِقَبْضِ الأَمانَةِ، كالوَكِيلِ بِجُعْلٍ، والمُضَارِبِ، والأَجِيرِ المُشْتَركِ، والمُسْتَأْجِرِ، والمُرْتَهِنِ، ففيهم وَجْهانِ. ذَكَرَهما أبو الخَطّابِ. وقال القاضي: لا يُقْبَلُ قَوْلُ المُرْتَهِنِ والمُسْتَأْجِرِ والمُضَارِبِ في الرَّدِّ؛ لأنَّ أحمدَ نَصَّ عليه في المُضَارِبِ، في رِوَايةِ ابن مَنْصُورٍ، ولأنَّ مَن قَبَضَ المالَ لِنَفْعِ نَفْسِه، لا يُقْبَلُ قولُه في الرَّدِّ. ولو أَنْكَرَ الوَكِيلُ قَبْضَ المالِ، ثم ثَبَتَ ذلك بِبَيِّنَةٍ، أو اعْتِرافٍ (٨)، فَادَّعَى الرَّدَّ أو التَّلَفَ، لم يُقْبَلْ قَوْلُه؛ لأنَّ خِيَانَتَهُ قد ثَبَتَتْ بِجَحْدِه. فإن أقَامَ بَيِّنَةً بما ادَّعاهُ من الرَّدِّ أو التَّلَفِ، فهل تُقْبَلُ بَيِّنَتُهُ؟ على وَجْهَيْنِ؛ أحدهما، لا تُقْبَلُ؛ لأنَّه كَذَّبَها بِجَحْدِه، فإنَّ قَوْلَهُ: ما قَبَضْتُ. يَتَضَمَّنُ أنَّه لم يَرُدَّ شيئا. والثانى: تُقْبَلُ؛ لأنَّه يَدَّعِى الرَّدَّ والتَّلَفَ قبلَ وُجُودِ خِيَانَتِه. وإن كان جُحُودُه أنَّك لا تَسْتَحِقُّ علَىَّ شيئا، أو مالَكَ عِنْدِى شيءٌ، سُمِعَ قولُه مع يَمِينِه؛ لأنَّ جَوَابَهُ لا يُكَذِّبُ ذلك، فإنَّه إذا كان قد تَلِفَ أو رُدَّ، فليس له (٩) عندَه شيءٌ. فلا تَنَافِىَ بين القَوْلَيْنِ، إلَّا أن يَدَّعِىَ أنَّه رَدَّهُ أو تَلِفَ بعد قولِه: مالَكَ عندى شيءٌ. فلا يُسْمَعُ قولُه أيضًا؛ لِثُبُوتِ كَذِبِه وخِيَانَتِه.
الحال الخامسة، إذا اخْتَلَفَا في أَصْلِ الوَكَالَةِ، فقال: وَكَّلْتَنِى. فأنْكَرَ المُوَكِّلُ، فالقولُ قولُ المُوَكِّلِ؛ لأنَّ الأَصْلَ عَدَمُ الوَكَالةِ، فلم يُثْبِتْ أنَّه أمِينُه لِيُقْبَلَ قولُه عليه. ولو
стр. 3444
قال: وَكَّلْتُكَ، ودَفَعْتُ إليك مالًا. فأنْكَرَ الوَكِيلُ ذلك كلَّه، أو اعْتَرَفَ بالتَّوْكِيلِ، وأنْكَرَ دَفْعَ المالِ إليه، فالقولُ قولُه؛ لذلك. ولو قال رَجُلٌ لآخَرَ: وَكَّلْتَنِى أن أتَزَوَّجَ لك فُلَانَةَ، بصَدَاقِ كذا، ففَعَلْتُ. وَادَّعَتِ المَرْأةُ ذلك، فأنْكَرَ المُوَكِّلُ، فالقولُ قولُه. نَصَّ عليه أحمدُ، فقال: إن أقَامَ البَيِّنَةَ، وإلَّا لم يَلْزَم الآخَرَ عَقْدُ النِّكاحِ. قال أحمدُ: ولا يُسْتَحْلَفُ. قال القاضي: لأنَّ الوَكِيلَ يَدَّعِى حَقًّا لغيرِه. فأمَّا إن ادَّعَتْهُ المَرْأَةُ، فيَنْبَغِى أن يُسْتَحْلَفَ؛ لأنَّها تَدَّعِى الصَّدَاقَ في ذِمَّتِه، فإذا حَلَفَ لم يَلْزَمْهُ الصَّدَاقُ، ولم يَلْزَمِ الوَكِيلَ منه شيءٌ؛ لأنَّ دَعْوَى المَرْأةِ على المُوَكِّلِ، وحُقُوقُ العَقْدِ لا تَتَعَلَّقُ بالوَكِيلِ. ونَقَلَ إسحاقُ بن إبراهيمَ عن أحمدَ، أنَّ الوَكِيلَ يَلْزَمُه نِصْفُ الصَّدَاقِ؛ لأنَّ الوَكِيلَ في الشِّرَاءِ ضامِنٌ للثَّمَنِ، ولِلْبائِعِ مُطَالَبَتُه به، كذا ههُنا. والأَوَّلُ أَوْلَى؛ لما ذَكَرْناهُ. ويُفارِقُ الشِّرَاءَ؛ لأنَّ الثَّمَنَ مَقْصُودُ البائِعِ، والعادَةُ تَعْجِيلُه وأخْذُه من المُتَوَلِّى لِلشِّرَاءِ، والنِّكَاحُ يُخَالِفُه في هذا كُلِّه، ولكنْ إن كان الوَكِيلُ ضَمِنَ المَهْرَ، فلها الرُّجُوعُ عليه بِنِصْفِه؛ لأنَّه ضَمِنَهُ عن المُوَكِّلِ، وهو مُقِرٌّ بأنَّه في ذِمَّتِه. وبهذا قال أبو حنيفةَ، وأبو يوسفَ، والشَّافِعِىُّ. وقال محمدُ بن الحَسَنِ: يَلْزَمُ الوَكِيلَ جَمِيعُ الصَّدَاقِ؛ لأنَّ الفُرْقَةَ (١٠) لم تَقَعْ بإِنْكارِه، فيكونُ ثَابِتًا في الباطِنِ، فيَجِبُ جَمِيعُ الصَّدَاقِ. ولَنا، أنَّه يَمْلِكُ الطَّلَاقَ، فإذا أنْكَرَ فقد أقَرَّ بِتَحْرِيمِها عليه، فصارَ بمَنْزِلَةِ إِيقَاعِه لما تَحْرُمُ به. قال أحمَدُ: ولا تَتَزَوَّجُ المَرْأةُ حتى يُطَلِّقَ، لعَلَّهُ يكونُ كاذِبًا في إنْكارِه. وظَاهِرُ هذا تَحْرِيمُ نِكَاحِها قبلَ طَلاقِها؛ لأنَّها مُعْتَرِفَةٌ بأنها زَوْجَةٌ له، فيُؤْخَذُ بإِقْرَارِها، وإنْكَارُه ليس بِطَلاقٍ. وهل يَلْزَمُ المُوَكِّلَ طَلَاقُها؟ يَحْتَمِلُ أن لا يَلْزَمَهُ؛ لأنَّه لم يَثْبُتْ في حَقِّه نِكَاحٌ، ولو ثَبَتَ لم يُكَلَّفِ الطَّلَاقَ. ويَحْتَمِلُ أن يُكَلَّفَهُ، لإِزالَةِ الاحْتِمالِ، وإِزَالَةِ الضَّرَرِ عنها بما لا ضَرَرَ عليه فيه. فأشْبَهَ النِّكَاحَ الفاسِدَ. ولو ادَّعَى أنَّ فُلَانًا الغائِبَ وَكَّلَه في تَزَوُّجِ (١١) امْرَأةٍ، فتَزَوَّجَها له، ثم ماتَ الغائِبُ، لم تَرِثْهُ
стр. 3445
المَرْأةُ، إلَّا أن يُصَدِّقَهُ الوَرَثَةُ، أَو يَثْبُتَ بِبَيِّنَةٍ. وإن أقَرَّ المُوَكِّلُ بالتَّوْكِيلِ في التَّزْوِيجِ، وأنْكَرَ أن يكونَ الوَكِيلُ تَزَوَّجَ له، فههُنا الاخْتِلَافُ في تَصَرُّفِ الوَكِيلِ، والقولُ قولُ الوَكِيلِ فيه، فيَثْبُتُ التَّزْوِيجُ ههُنا. وقال القاضي: لا يَثْبُتُ. وهو قولُ أبى حنيفةَ؛ لأنَّه لا تَتَعَذَّرُ إقامَةُ البَيِّنَةِ عليه، لكَوْنِه لا يَنْعَقِدُ إلَّا بها. وذَكَرَ أن أحْمَدَ نَصَّ عليه. وأشَارَ إلى نَصِّه فيما إذا أَنْكَرَ المُوَكِّلُ الوَكَالَةَ من أَصْلِها. ولَنا، أنَّهما اخْتَلَفَا في فِعْلِ الوَكِيلِ ما أُمِرَ (١٢) به، فكان القولُ قولَه، كما لو وَكَّلَهُ في بَيْعِ ثَوْبٍ فَادَّعَى أنَّه باعَه، أو في شِرَاءِ عَبْدٍ بأَلْفٍ فَادَّعَى أنَّه اشْتَراهُ به. وما ذَكَرَهُ القاضِى من نَصِّ أحْمَدَ فيما إذا أنْكَرَ المُوَكِّلُ الوَكَالَةَ، فليس بِنَصٍّ ههُنا؛ لِاخْتِلَافِ أحْكَامِ الصُّورَتَيْنِ وتَبَايُنِهما (١٣)، فلا يكونُ النَّصُّ في إحْدَاهما نَصًّا في الأُخْرَى. وما ذَكَرَه من المَعْنَى لا أَصْلَ له، فلا يُعَوّلُ عليه. ولو غابَ رَجُلٌ، فجاءَ رجلٌ (١٤) إلى امْرَأَتِه، فذَكَرَ أنَّ زَوْجَها طَلَّقَها وأبَانَها، ووَكَّلَهُ في تَجْدِيدِ نِكَاحِها بأَلْفٍ. فأَذِنَتْ له (١٥) في نِكَاحِها، فعَقَدَ عليها، وضَمِنَ الوَكِيلُ الأَلْفَ، ثم جاء زَوْجُها فأنْكَرَ هذا كلَّه، فالقولُ قولُه، والنِّكَاحُ الأَوَّلُ بحَالِه. وقِيَاسُ ما ذَكَرْناه أنَّ المَرْأةَ إن صَدَّقَتِ الوَكِيلَ، لَزِمَهُ الأَلْفُ، إلَّا أن يُبِينَها زَوْجُها قبلَ دُخُولِه (١٦) بها. وحكى ذلك عن مالِكٍ، وزُفَر. وحُكِىَ عن أبي حنيفةَ، والشَّافِعِىِّ، أنَّه لا يَلزَمُ الضّامِنَ شيءٌ؛ لأنَّه فَرْعٌ عن المَضْمُونِ عنه، ولم يَلْزَمِ المَضْمُونَ عنه شيءٌ، فكذلك فَرْعُه. ولَنا، أنَّ الوَكِيلَ مُقِرٌّ بأن الحَقَّ في ذِمَّةِ المَضْمُونِ عنه، وأنَّه ضامِنٌ عنه، فلَزِمَهُ ما أقَرَّ به، كما لو ادَّعَى على رَجُلٍ أنَّه ضَمِنَ له ألْفًا على أَجْنَبِىٍّ، فأقَرَّ الضّامِنُ بالضَّمَانِ وصِحَّتِه وثُبُوتِ الحَقِّ في ذِمَّةِ المَضْمُونِ عنه، [وأنْكَرَهُ المَضْمُونُ] (١٧). وكما
стр. 3446
لو ادَّعَى شُفْعَةً على إِنْسانٍ في شِقْصٍ اشْتَرَاهُ، فأقَرَّ البائِعُ بالبَيْعِ، وأنْكَرَهُ المُشْتَرِى، فإنَّ الشَّفِيعَ يَسْتَحِقُّ الشُّفْعَةَ في أصَحِّ الوَجْهَيْنِ. وإن لم تَدَّعِ المَرْأَةُ صِحَّةَ ما ذَكَرَهُ الوَكِيلُ، فلا شىءَ عليه. ويَحْتَمِلُ أنَّ من أسْقَطَ عنه الضَّمَانَ أسْقَطَهُ (١٨) في هذه الصُّورَةِ، ومَن أَوْجَبَهُ أوْجَبَهُ في [الصُّورَةِ الأُخْرَى] (١٩)، فلا يكونُ فيها اخْتِلَافٌ. واللَّه أعلمُ.
الحال السادسة، أن يَخْتَلِفَا في صِفَةِ الوَكَالَةِ، فيقولَ: وَكَّلْتُكَ في بَيْعِ هذا العَبْدِ. قال: بل وَكَّلْتَنِى في بَيْعِ هذه الجاريَةِ. أو قال: وَكَّلْتُكَ في البَيْعِ بأَلْفَيْنِ. قال: بل بأَلْفٍ. أو قال: وَكَّلْتُكَ في بَيْعِه نَقْدًا. قال: بل نَسِيئَةً. أو قال: وَكَّلْتُكَ في شِرَاءِ عَبْدٍ. قال: بل في شِرَاءِ أَمَةٍ. أو قال: وَكَّلْتُكَ في الشِّرَاءِ بِخَمْسَةٍ. قال: بل بِعَشرَةٍ. فقال القاضي: القولُ قولُ المُوَكِّلِ. وهو مذهبُ الشَّافِعِىِّ، وأصْحَابِ الرَّأْىِ، وابنِ المُنْذِرِ. وقال أبو الخَطَّابِ: إذا قال: أَذِنْتُ لك في البَيْعِ نَقْدًا، وفى الشِّراءِ بخَمْسَةٍ. قال: بل أَذِنْتَ لي في البَيْعِ نَسِيئَةً، وفى الشِّرَاءِ بِعَشرَةٍ. فالقولُ قولُ الوَكِيلِ. نَصَّ عليه أحمدُ في المُضَارَبةِ؛ لأنَّه أَمِينٌ في التَّصَرُّفِ، فكان القولُ قولَه في صِفَتِه، كالخَيَّاطِ إذا قال: أَذِنْتَ لي في تَفْصِيلِه قَبَاءً. قال: بل قَمِيصًا. وحُكِىَ عن مالِكٍ، إن أُدْرِكَتِ السِّلْعةُ، فالقولُ قولُ المُوَكِّلِ، وإن فاتَتْ، فالقولُ قولُ الوَكِيلِ؛ لأنَّها إذا فاتَتْ لَزِمَ الوَكِيلَ (٢٠) الضَّمَانُ، والأَصْلُ عَدَمُه، بِخِلَافِ ما إذا كانت مَوْجُودَةً. والقولُ الأَوَّلُ أصَحُّ، لِوَجْهَيْنِ؛ أحدِهما، أنَّهما اخْتَلَفَا (٢١) في التَّوْكِيلِ الذي يَدَّعِيهِ الوَكِيلُ، والأَصْلُ عَدَمُهُ، فكان القولُ قولَ مَن يَنْفِيهِ، كما لو لم يُقِرَّ المُوَكِّلُ بِتَوْكِيلِه في غيرِه. والثانى، أنَّهما اخْتَلَفَا في صِفَةِ قولِ المُوَكِّلِ، فكان القولُ قولَه في صِفَةِ كَلَامِه، كما لو اخْتَلَفَ الزَّوْجانِ في صِفَةِ الطَّلَاقِ. فعلى هذا إذا قال: اشْتَرَيْتُ لك هذه الجارِيَةَ بإِذْنِكَ.
стр. 3447
قال: ما أَذِنْتُ لك (٢٢) إلَّا في شِرَاءِ غيرِها. أو قال: اشْتَرَيْتُها لك بأَلْفَيْنِ. فقال: ما أَذِنْتُ لك في شِرَائِها إلَّا بأَلْفٍ. فالقولُ قولُ المُوَكِّلِ، وعليه اليَمِينُ. فإذا حَلَفَ بَرِئَ من الشِّرَاءِ، ثم لا يَخْلُو إمَّا أن يكونَ الشِّرَاءُ بِعَيْنِ المالِ، أو في الذِّمَّةِ، فإن كان بعَيْنِ المالِ، فالبَيْعُ باطِلٌ، وتُرَدُّ الجارِيَةُ على البائِعِ إن اعْتَرَفَ بذلك، وإن كَذَّبَهُ في أنَّ الشِّرَاءَ لغيرِه أو بمالِ غيرِه بغيرِ إذْنِه، فالقولُ قولُ البائِعِ؛ لأنَّ الظَّاهِرَ أنَّ ما في يَدِ الإِنْسانِ له. فإن ادَّعَى الوَكِيلُ عِلْمَهُ بذلك، حَلَّفَهُ (٢٣) أنَّه لا يَعْلَمُ أنَّه اشْتَراهُ بمالِ مُوَكِّلِه؛ لأنَّه يَحْلِفُ على نَفْىِ فِعْلِ غيرِه، فكانت يَمِينُه على نَفْىِ العِلْمِ، فإذا حَلَفَ، أمْضَى البَيْعَ، وعلى الوَكِيلِ غَرَامَةُ الثَّمَنِ لِمُوَكِّلِه، ودَفْعُ الثمَنِ إلى البائِعِ، وتَبْقَى الجارِيَةُ في يَدِه، ولا تَحِلُّ له؛ لأنَّه لا يَخْلُو من أن يكونَ صَادِقًا، فتكون لِلْمُوَكِّلِ، أو كاذِبًا فتكونُ لِلْبائِعِ، فإذا أرَادَ اسْتِحْلَالَها، اشْتَراهَا مِمَّنْ هي له في الباطِنِ، فإن امْتَنَعَ من بَيْعِه إيَّاها، رَفَعَ الأَمْرَ إلى الحاكِمِ، ليَرْفُقَ به لِيَبيعَه إيَّاهَا، ليَثْبُتَ المِلْكُ له ظَاهِرًا وباطِنًا، ويَصِيرَ ما ثَبَتَ له في ذِمَّتِه ثَمَنًا قِصَاصًا بالذى أَخَذَ منه الآخَرُ ظُلْمًا، فإن امْتَنَعَ الآخَرُ من البَيْعِ، لم يُجْبَرْ عليه؛ لأنَّه عَقْدُ مُرَاضَاةٍ. وإن قال: إن كانت الجارِيَةُ لي فقد بِعْتُكَها. أو قال المُوَكِّلُ: إن كنتُ أذِنْتُ لك في شِرَائِها بأَلْفَيْنِ، فقد بِعْتُكَها. ففيه وَجْهانِ؛ أحدُهما، لا يَصِحُّ. وهو قولُ القاضي وبعضِ الشّافِعِيَّةِ؛ لأنَّه بَيْعٌ مُعَلَّقٌ على شَرْطٍ. والثانى، يَصِحُّ؛ لأنَّ هذا أَمْرٌ واقِعٌ يَعْلَمانِ وُجُودَهُ، فلا يَضُرُّ جَعْلُه شَرْطًا، كما لو قال: إن كانت هذه الجارِيَةُ جَارِيَتِى، فقد بِعْتُكَها. وكذلك كل شَرْطٍ عَلِمَا وُجُودَه، فإنَّه لا يُوجِبُ وُقُوفَ (٢٤) البَيْعِ ولا شَكًّا فيه. فأمَّا إن كان الوَكِيلُ اشْتَرَى في الذِّمَّةِ، ثم نَقَدَ الثَّمَنَ، صَحَّ الشِّرَاءُ، ولَزِمَ الوَكِيلَ في الظّاهِرِ، فأمَّا في الباطِنِ، فإن كان الوَكِيلُ كاذِبًا في دَعْوَاهُ، فالجارِيَةُ له؛ لأنَّه اشْتَرَاهَا في ذِمَّتِه بغيرِ أمْرِ غيرِه، وإن كان صَادِقًا، فالجارِيَةُ لِمُوَكِّلِه. فإذا أرَادَ إحْلَالَها له، تَوَصَّلَ إلى شِرَائِها منه، كما ذَكَرْنا. وكلُّ مَوْضِعٍ كانت لِلْمُوَكِّلِ في الباطِنِ
стр. 3448
فَامْتَنَعَ من بَيْعِها لِلْوَكِيلِ، فقد حَصَلَتْ في يَدِ الوَكِيلِ، وهى لِلْمُوَكِّلِ، وفى ذِمَّتِهِ لِلْوَكِيلِ ثَمَنُها. فأَقْرَبُ الوُجُوهِ أن يَأْذَنَ لِلْحَاكِمِ في بَيْعِها، وتَوْفِيَةِ حَقِّه من ثَمَنِها، فإن كانت لِلْوَكِيلِ، فقد أَذِنَ في بَيْعِها، وإن كانت لِلْمُوَكِّلِ، فقد بَاعَها الحاكِمُ في إِيفَاءِ دَيْنٍ امْتَنَعَ المَدِينُ من وَفَائِه. وقد قيل غيرُ ما ذَكَرْنا. وهذا أقْرَبُ، إن شاءَ اللهُ تعالى. وإن اشْتَرَاها الوَكِيلُ من الحاكِمِ بمَالَهُ على المُوَكِّلِ، جازَ؛ لأنَّه قائِمٌ مُقَامَ المُوَكِّلِ في هذا، فأشْبَهَ ما لو اشْتَرَى منه.
فصل: ولو وَكَّلَهُ في بَيْعِ عَبْدٍ، فبَاعَهُ نَسِيئَةً، فقال المُوَكِّلُ: ما أَذِنْتُ في بَيْعِه إلَّا نَقْدًا. وصَدَّقَهُ الوَكِيلُ والمُشْتَرِى، فَسَدَ البَيْعُ، وله مُطَالَبَةُ مَن شاءَ منهما بالعَبْدِ، إن كان بَاقِيًا، أو بِقِيمَتِه إن كان تالِفًا. فإن أخَذَ القِيمَةَ من الوَكِيلِ، رَجَعَ على المُشْتَرِى بها؛ لأنَّ التَّلَفَ في يَدِه، فاسْتَقَرَّ الضَّمَانُ عليه، وإن أخَذَها من المُشْتَرِى، لم يَرْجِعْ على أحَدٍ. وإن كَذَّبَاهُ، وادَّعَيَا أنَّه أَذِنَ في البَيْعِ نَسِيئَةً، فعلى قولِ القاضي: يَحْلِفُ المُوَكِّلُ، ويَرْجِعُ في العَيْنِ إن كانت قائِمَةً، وإن كانت تَالِفَةً، رَجَعَ بقِيمتِها على مَن شاءَ منهما، فإن رَجَعَ على المُشْتَرِى، رَجَعَ على الوَكِيلِ بالثَّمَنِ الذي أخَذَهُ منه لا غيرُ؛ لأنَّه لم يُسَلِّمْ له المَبِيعَ، وإن ضَمِنَ الوَكِيلُ، لم يَرْجِعْ على المُشْتَرِى في الحالِ؛ لأنَّه يُقِرُّ بِصِحَّةِ البَيْعِ وتَأْجِيلِ الثَّمَنِ، وأنَّ البائِعَ ظَلَمَهُ بالرُّجُوعِ عليه، وأنَّه إنَّما يَسْتَحِقُّ المُطَالَبَةَ بالثمَنِ بعد الأَجَلِ، فإذا حَلَّ الأَجَلُ، رَجَعَ الوَكِيلُ على المُشْتَرِى بأقَلِّ الأَمْرَيْنِ من القِيمَةِ أو الثَّمَنِ المُسَمَّى؛ لأنَّ القِيمَةَ إن كانت أقَلَّ، فما غَرِمَ أكْثَرَ منها، فلا يَرْجِعُ بأكْثَرَ مما غَرِمَ، وإن كان الثمَنُ أقَلَّ، فالوَكِيلُ مُعْتَرِفٌ لِلْمُشْتَرِى أنَّه لا يَسْتَحِقُّ عليه أكْثَرَ منه، وأنَّ المُوَكِّلَ ظَلَمَهُ بِأَخْذِ الزَّائِدِ على الثَّمَنِ، فلا يَرْجِعُ على المُشْتَرِى بما ظَلَمَهُ به المُوَكِّلُ. وإن كَذَّبَهُ أحَدُهما دونَ الآخَر، فله الرُّجُوعُ على المُصَدِّقِ بغيرِ يَمِينٍ، ويَحْلِفُ على المُكَذِّبِ، ويَرْجِعُ على حَسَبِ ما ذَكَرْنا. هذا إن اعْتَرَفَ المُشْتَرِى بأنَّ الوَكِيلَ وَكِيلٌ في البَيْعِ، وإن أنْكَرَ ذلك، وقال: إنَّما بِعْتَنِى مِلْكَكَ، فالقولُ قولُه مع يَمِينِه أنَّه لا يَعْلَمُ كَوْنَه وَكِيلًا، ولا يَرْجِعُ عليه بشيءٍ.
стр. 3449
فصل: وإذا قَبَضَ الوَكِيلُ ثَمَنَ المَبِيعِ، فهو أمانَةٌ في يَدِه، لا يَلْزَمُه تَسْلِيمُه قبلَ طَلَبِه، ولا يَضْمَنُه بِتَأْخِيرِه؛ لأنَّه رَضِىَ بكَوْنِه في يَدِه، ولم يَرْجِع عن ذلك. فإن طَلَبَهُ فأَخَّرَ رَدَّهُ مع إمْكانِه، فتَلِفَ، ضَمِنَهُ. وإن وَعَدَهُ بِرَدِّه، ثم ادَّعَى أنَّنِى كُنْتُ رَدَدْتُه قبلَ طَلَبِه، أو أنَّه كان تَلِفَ، لم يُقبَلْ قَوْلُه؛ لأنَّه مُكَذِّبٌ لِنَفْسِه بِوَعْدِه بِرَدِّه. فإن صَدَّقَهُ المُوَكِّلُ، بَرِئَ، وإن كَذَّبَهُ، فالقولُ قولُ المُوَكِّلِ. فإن أقامَ الوَكِيلُ بَيِّنَةً بذلك، فهل يُقْبَلُ، على وَجْهَيْنِ؛ أحدهما، يُقبَلُ؛ لأنَّه لو صَدَّقَهُ المُوَكِّلُ بَرِئَ، فكذلك إذا قامَتْ له بَيِّنَةٌ، ولأنَّ البَيِّنَةَ إحْدَى الحُجَّتَيْنِ، فبَرِئَ بها كالإِقْرَارِ. والثانى: لا يُقْبَلُ؛ لأنَّه كَذَّبَها (٢٥) بوَعْدِه بالدَّفْعِ. أمَّا إذا صَدَّقَهُ، فقد أقَرَّ بِبَرَاءَتِه، فلم يَبْقَ له مُنَازِعٌ. وإن لم يَعِدْهُ بِرَدِّه، لكنْ مَنَعَهُ أو مَطَلَهُ بِرَدِّه مع إمْكانِه، ثم ادَّعَى التَّلَفَ أو الرَّدَّ، لم يُقْبَلْ قَوْلُه؛ لأنَّه ضامِنٌ بالمَنْعِ، خارِجٌ عن حالِ الأَمَانةِ. وإن أقَامَ بِمَا ادَّعَاهُ من الرَّدِّ أو التَّلَفِ بَيِّنَةً، سُمِعَتْ؛ لأنَّه لم يُكَذِّبْها.
فصل: قال أحمدُ، في رِوَايَةِ أبى الحارِثِ، في رَجُلٍ له على آخَرَ دَرَاهِمُ، فبَعَثَ إليه رَسُولًا يَقْبِضُها، فبَعَثَ إليه مع الرَّسُولِ دِينَارًا، فضاعَ مع الرَّسُولِ، فهو من مالِ الباعِثِ؛ لأنَّه لم يَأْمُرْهُ بمُصَارَفَتِه، إنَّما كان من ضَمَانِ الباعِثِ لأنَّه دَفَعَ إلى الرَّسُولِ غيرَ ما أمَرَهُ به المُرْسِلُ، فإن المُرْسِلَ إنَّما أمَرَهُ بِقَبْضِ مالَه في ذِمَّتِه، وهى الدَّرَاهِم، ولم يَدْفَعْها، وإنما دَفَعَ دِينَارًا عِوَضًا عن (٢٦) دَراهِمَ (٢٧)، وهذا صَرْفٌ يَفْتَقِرُ إلى رِضَى صاحِبِ الدَّيْنِ وإِذْنِه، ولم يَأْذَنْ، فصَارَ الرَّسُولُ وَكِيلًا لِلْبَاعِثِ في تَأْدِيَتِه إلى صَاحِبِ الدَّيْن ومُصَارَفَتِه به، فإذا تَلِفَ في يَدِ وَكِيلِه. كان من ضَمَانِه، اللَّهُمَّ إِلَّا أن يُخْبِرَ الرَّسُولُ الغَرِيمَ أنَّ رَبَّ الدَّيْنِ أَذِنَ له في قَبْضِ الدِّينَارِ عن الدَّرَاهِم (٢٨). فيكونُ حِينَئِذٍ من
стр. 3450
ضَمَانِ الرَّسُولِ؛ لأنَّه غَرَّهُ وأخَذَ الدِّينارَ على أنَّه وَكِيلٌ لِلْمُرْسِلِ. وإن قَبَضَ منه الدَّرَاهِمَ التي أَمَرَ بِقَبْضِها، فضَاعَتْ من الرَّسُولِ، فهى مِن (٢٩) ضَمَانِ صاحِبِ الدَّيْنِ؛ لأنَّها تَلِفَتْ في (٣٠) يَدِ وَكِيلِه. وقال أحمدُ، في رِوَايةِ مُهَنَّا، في رَجُلٍ له عند آخَرَ دَنَانِيرُ وثِيَابٌ، فبَعَثَ إليه رَسُولًا، وقال: خُذْ دِينارًا وثَوْبًا. فأخَذَ دِينَارَيْنِ وَثَوْبَيْنِ، فضَاعَتْ، فالضَّمَانُ على الباعِثِ. يَعْنِى الذي أعْطَاهُ الدِّينَارَيْنِ والثَّوْبَيْنِ، ويَرْجِعُ به على الرَّسُولِ. يَعْنِى عليه ضَمَانُ الدِّينَارِ والثَّوْبِ الزَّائِدَيْنِ؛ إنَّما جُعِلَ عليه الضَّمَانُ لأنَّه دَفَعَهما إلى مَنْ لم يُؤْمَرْ بِدَفْعِهِما إليه، ورَجَعَ بهما على الرَّسُولِ؛ لأنَّه غَرَّهُ، وحَصَلَ التَّلَفُ في يَدِه، فاسْتَقَرَّ عليه الضَّمَانُ. ولِلْمُوَكِّلِ تَضْمِينُ الوَكِيلِ؛ لأنَّه تَعَدَّى بِقَبْضِ ما لم يُؤْمَرْ بِقَبْضِه. فإذا ضَمِنَه، لم يَرْجِعْ على أحَدٍ؛ لأنَّ التَّلَفَ حَصَلَ في يَدِه، فاسْتَقَرَّ الضَّمَانُ عليه. وقال أحمدُ، في رَجُلٍ وَكَّلَ وَكِيلًا في اقْتِضَاءِ دَيْنِه، وغابَ، فأخَذَ الوَكِيلُ به رَهْنًا، فتَلِفَ الرَّهْنُ في يَدِ الوَكِيلِ، فقال: أسَاءَ الوَكِيلُ في أَخْذِ الرَّهْنِ، ولا ضَمَانَ عليه. إنما لم يَضْمَنْهُ لأنَّه رَهْنٌ فاسِدٌ، والقَبْضُ في العَقْدِ الفاسِدِ، كالقَبْضِ في الصَّحِيحِ، فما كان القَبْضُ في صَحِيحِه مَضْمُونًا، كان مَضْمُونًا في فاسِدِه، وما كان غيرَ مَضْمُونٍ في صَحِيحِه، كان غيرَ مَضْمُونٍ في فاسِدِه. ونَقَلَ البَغَوِىُّ، عن أحمدَ، في رَجُلٍ أعْطَى آخَرَ دَرَاهِمَ يَشْتَرِى له بها شاةً، فخَلَطَها مع دَرَاهِمِه، فضَاعَا، فلا شىءَ عليه. وإن ضَاعَ أحَدُهما، أيُّهما ضَاعَ غَرِمَهُ قال القاضي: هذا مَحْمُولٌ على أنَّه خَلَطَها بما تَمَيَّزَ منها. ويَحْتَمِلُ أنَّه (٣١) أَذِنَ له في خَلْطِها. [أَمَّا إن خَلَطَها] (٣٢) بما لا تَتَمَيَّزُ منه بغيرِ إِذْنِه، ضَمِنَها، كالوَدِيعَةِ. وإنما لَزِمَهُ الضَّمَانُ إذا ضاعَ أحَدُهما، لأنَّه لا يَعْلَمُ أن الضَّائِعَ دَرَاهِمُ المُوَكِّلِ، والأَصْلُ بَقَاؤُها. ومَعْنَى الضَّمَانِ ههُنا، أنَّه يَحْسُبُ
стр. 3451
الضائِعَ من دَرَاهِم نَفْسِه. فأمَّا على المَحْمَلِ الآخَرِ، وهو إذا خَلَطَها بما تَتَمَيَّزُ منه، فإذا ضَاعَتْ دَرَاهِمُ المُوَكِّلِ وَحْدَها فلا ضَمَانَ عليه؛ لأنَّها ضاعَتْ من غيرِ تَعَدٍّ منه.
٨٤٣ - مسألة؛ قال: (وَلَوْ أمَرَهُ أنْ يَدْفَعَ إلَى رَجُلٍ مَالًا، فَادَّعَى أنَّهُ دَفَعَهُ إلَيْهِ، لَمْ يُقْبَلْ قَوْلُه عَلَى الْآمِرِ (١) إلَّا بِبَيِّنَةٍ)
وجُمْلته أنَّ الرَّجُلَ إذا وَكَّلَ وَكِيلًا في قَضَاءِ دَيْنِه، ودَفَعَ إليه مَالًا لِيَدْفَعَهُ إليه، فادَّعَى الوَكِيلُ قَضاءَ الدَّيْنِ ودَفْعَ المالِ إلى الغَرِيمِ، لم يُقْبَلْ قولُه على الغَرِيمِ إلَّا بِبَيِّنَةٍ؛ لأنَّه ليس بأَمِينِه، فلم يُقْبَلْ قولُه عليه في الدَّفْعِ إليه، كما لو ادَّعَى المُوَكِّلُ ذلك. فإذا حَلَفَ الغَرِيمُ، فله مُطَالَبَةُ المُوَكِّلِ؛ لأنَّ ذِمَّتَهُ لا تَبْرَأُ بِدَفْعِ المالِ إلى وَكِيلِه. فإذا دَفَعَهُ فهل لِلْمُوَكِّلِ الرُّجُوعُ على وَكِيلِه؟ يُنْظَرُ، فإن ادَّعَى أنَّه قَضَى الدَّيْنَ بغيرِ بَيِّنَةٍ، فلِلْمُوَكِّلِ [الرُّجُوعُ عليه إذا (٢) قضَاهُ في غَيْبةِ المُوَكِّلِ] (٣). قال القاضِى: سواءٌ صَدَّقَه أنَّه قَضَى الحَقَّ أو كَذَّبَهُ. وهذا قولُ الشّافِعِىِّ؛ لأنَّه أذِنَ له في قَضَاءٍ يُبْرِئُه، ولم يُوجَدْ. وعن أحمدَ، رِوَايَةٌ أُخْرَى: لا يَرْجِعُ عليه بِشىءٍ، إلَّا أن يكونَ أمَرَهُ بالإِشْهَادِ فلم يَفْعَلْ. فعلى هذه الرِّوَايةِ، إن صَدَّقهُ المُوَكِّلُ (٤) في الدَّفْعِ، لم يَرْجِعْ عليه بشيءٍ، وإن كَذَّبَهُ، فالقولُ قولُ الوَكِيلِ مع يَمِينِه. وهذا قولُ أبى حنيفةَ، وَوَجهٌ لأَصْحابِ الشّافِعِىِّ؛ لأنَّه ادَّعَى فِعْلَ ما أمَرَ به مُوَكِّلُه، فكان القولُ قولَه، كما لو أمَرَهُ بِبَيْعِ ثَوْبِه، فَادَّعَى أنه بَاعَهُ. وَوَجْهُ الأَوَّلِ أنَّه مُفَرِّطٌ بِتَرْكِ الإِشْهَادِ، فضَمِنَ، كما لو فَرَّطَ في البَيْعِ بدون ثمَنِ المِثْلِ. فإن قِيلَ: فلم يَأْمُرُهُ بالإِشْهَادِ؟ قُلْنا: إطْلَاقُ الأَمْرِ بالقَضَاءِ يَقْتَضِى ذلك؛ لأنَّه لا يَثْبُتُ إلَّا به، فيَصِيرُ كأَمْرِه بالبَيْعِ والشِّرَاءِ، يَقْتَضِى ذلك العُرْفُ لا العُمُومُ. كذا ههُنا. وقِيَاسُ القَوْلِ الآخَر يُمْكِنُ القولُ بمُوجِبِه. وأنَّ قَوْلَهُ مَقْبُولٌ في القَضَاءِ، لكنْ
стр. 3452
لَزِمَهُ الضَّمَانُ لِتَفْرِيطِه، لا لِرَدِّ قَوْلِه. وعلى هذا، لو كان القَضَاءُ بِحَضْرَةِ المُوَكِّلِ، لم يَضْمَن الوَكِيلُ شيئا؛ لأنَّ تَرْكَهُ الإِشْهَادَ والاحْتِيَاط رِضًى منه بما فَعَلَ وَكِيلُه. وكذلك لو أَذِنَ له في القَضَاءِ بغيرِ إشْهَادٍ، فلا ضَمَانَ على الوَكِيلِ؛ لأنَّ صَرِيحَ قَوْلِه يُقَدَّمُ على ما تَقْتَضِيه دَلَالَةُ الحالِ. وكذلك إن أشْهَدَ على القَضَاءِ عُدُولًا فماتُوا أو غابُوا، فلا ضَمَانَ عليه؛ لِعَدَمِ تَفْرِيطِه. وإن أشْهَدَ مَن يُخْتَلَفُ في ثُبُوتِ الحَقِّ بِشَهَادَتِه، كشَاهِدٍ واحِدٍ، أو رَجُلًا وامْرَأَتَيْنِ، فهل يَبْرأُ من الضَّمَانِ؟ يُخَرَّجُ على رِوَايَتَيْنِ. وإن اخْتَلَفَ الوَكِيلُ والمُوَكِّلُ فقال: قَضَيْتُ الدَّيْنَ بِحَضْرَتِكَ. قال: بل (٥) في غَيْبَتِى، أو قال: أَذِنْتَ لي في قَضَائِه بغير بَيِّنَةٍ. فأَنْكَرَ الإِذْنَ. أو قال: أشْهَدْتُ على القَضَاءِ شُهُودًا فماتُوا. فأنْكَرَهُ (٦) المُوَكِّلُ، فالقولُ قولُ المُوَكِّلِ؛ لأنَّ الأَصْلَ معه.
فصل: وإن وَكَّلَهُ في إِيدَاعِ مالِه، فأَوْدَعَهُ ولم يُشْهِدْ، فقال أصحابُنا: لا يَضْمَنُ إذا أنْكَرَ المُودَعُ. وكَلَامُ الخِرَقِىِّ بعُمُومِه يَقْتَضِى أن لا يُقْبَلَ قَوْلُه على الآمِرِ. وهو أحَدُ الوَجْهَيْنِ لأَصْحابِ الشّافِعِىّ؛ لأنَّ الوَدِيعَةَ لا تَثْبُتُ إلَّا بالبَيِّنَةِ، فهى كالدَّيْنِ. وقال أصحابُنا: لا يَصِحُّ القِيَاسُ على الدَّيْنِ؛ لأنَّ قولَ المُودَع يُقْبَلُ في الرَّدِ والهَلَاكِ، فلا فائِدَةَ في الاسْتِيثَاقِ، بخِلَافِ الدَّيْنِ. فإن قال الوَكِيلُ: دَفَعْتُ المالَ إلى المُودَع. فقال: لم تَدْفَعْهُ. فالقولُ قولُ الوَكِيلِ؛ لأنَّهما اخْتَلَفَا في تَصَرُّفِه، فيما وُكِّلَ فيه، فكان القولُ قولَه فيه.
فصل: وإذا كان على رَجُلٍ دَيْنٌ أو عندَه (٧) وَدِيعَةٌ، فجَاءَهُ إِنْسانٌ فَادَّعَى أنَّه وَكِيلُ صاحِبِ الدَّيْنِ والوَدِيعَةِ في قَبْضِهِما، وأقامَ بذلك بَيِّنَةً، وَجَبَ الدَّفْعُ إليه. وإن لم يُقِمْ بَيِّنَةً، لم يَلْزَمْهُ دَفْعُها إليه، سواءٌ صَدَّقَهُ في أنَّه وَكِيلُه أو كَذَّبَهُ. وبهذا قال الشَّافِعِىُّ. وقال
стр. 3453
أبو حنيفةَ: إن صَدَّقَهُ، لَزِمَهُ وَفَاءُ الدَّيْنِ. وفى دَفْعِ العَيْنِ إليه رِوَايَتانِ؛ أشْهَرُهما، لا يَجِبُ تَسْلِيمُها. واحْتَجَّ بأنَّه أقَرَّ له بحَقِّ الاسْتِيفاءِ، فلَزِمَهُ إِيفاؤُه، كما لو أقَرَّ له أنَّه وارِثُه. ولَنا، أنَّه تَسْلِيمٌ لا يُبْرِئُه، فلا يَجِبُ، كما لو كان الحَقُّ عَيْنًا، وكما لو أقَرَّ بأنَّ هذا وَصِىُّ الصَّغِيرِ. وفارَقَ الإِقْرَارَ بكونِه وارِثَهُ؛ لأنَّه يَتَضَمَّنُ بَرَاءَتَهُ، فإنَّه أَقَرَّ بأنَّه لا حَقَّ لِسِوَاه. فأمَّا إن أنْكَرَ وَكَالَتَهُ، لم يسْتَحْلفْ. وقال أبو حنيفةَ: يسْتَحْلفُ. ومَبْنَى الخِلَافِ [على الخِلَافِ] (٨) في وُجُوبِ الدَّفْعِ مع التَّصْدِيقِ، فمَن أَوجَبَ عليه الدَّفْعَ مع التَّصْدِيقِ، أَلْزَمَهُ اليَمِينَ عندَ التَّكْذِيبِ، كسائِرِ الحُقُوقِ، ومن لم يُوجِبْ عليه الدَّفْعَ مع التَّصْدِيقِ، قال: لا يَلْزَمُه اليَمِينُ عند التَّكْذِيبِ؛ لِعَدَمِ فائِدَتِها. فإن دَفَعَ إليه مع التَّصْدِيقِ أو مع عَدَمِه، فحَضَرَ المُوَكِّلُ، وصَدَّقَ الوَكِيلَ، بَرِئَ الدّافِعُ، وإن كَذَّبَهُ، فالقولُ قولُه مع يَمِينِه، فإذا حَلَفَ، وكان الحَقُّ عَيْنًا قائِمَةً في يَدِ الوَكِيلِ، فله أخْذُها، وله مُطَالَبَةُ من شَاءَ بِرَدِّها؛ لأنَّ الدّافِعَ دَفَعَها إلى غير مُسْتَحِقِّها، والوَكِيلُ عَيْنُ مالِه في يَدِه. فإن طالَبَ الدَّافِعَ، فَلِلدّافِعِ مُطَالَبَةُ الوَكِيلِ بها، وأخْذُها من يَدِه، لِيُسَلِّمَها إلى صَاحِبِها. وإن تَلِفَتِ العَيْنُ، أو تَعَذَّرَ رَدُّها، فلِصَاحِبِها الرُّجُوعُ بِبَدَلِها على من شاءَ منهما؛ لأنَّ الدَّافِعَ ضَمِنَها بالدَّفْعِ، والمَدْفُوعَ إليه قَبَضَ ما لا يَسْتَحِقُّ قَبْضَه. وأيُّهما ضَمِنَ لم يَرْجِعْ على الآخَرِ؛ لأنَّ كل واحدٍ منهما يَدَّعِى أنَّ ما أخَذَهُ (٩) المالِكُ ظُلْمٌ، ويُقِرُّ بأنَّه لم يُوجَدْ من صاحِبِه تَعَدٍّ، فلا يَرْجِعُ على صاحِبِه بِظُلْمِ غيرِه، إلَّا أن يكونَ الدّافِعُ دَفَعَها إلى الوَكِيلِ من غيرِ تَصْدِيقِه فيما ادَّعاهُ من الوَكَالَةِ. فإن ضَمِنَ رَجَعَ على الوَكِيلِ؛ لِكَوْنِه لم يُقِرَّ بوَكَالَتِه، ولا ثَبَتَتْ بِبَيِّنَةٍ. وإن ضَمِنَ الوَكِيلُ، لم يَرْجِعْ عليه. وإن صَدَّقَهُ لكنَّ الوَكِيلَ تَعَدَّى فيها أو فَرَّطَ، اسْتَقَرَّ الضَّمَانُ عليه. فإن ضَمِنَ، لم يَرْجِعْ على أحدٍ، وإن ضَمِنَ الدَّافِعُ، رَجَعَ عليه؛ لأنَّه وإن كان يُقِرُّ أنَّه قَبَضَهُ قَبْضًا صَحِيحًا، لكنْ لَزِمَهُ الضَّمانُ بِتَفْرِيطِه وتَعَدِّيه، فالدّافِعُ يقول: ظَلَمَنِى المالِكُ بالرُّجُوعِ
стр. 3454
عَلَىَّ. وله على الوَكِيلِ حَقٌّ (١٠) يَعْتَرِفُ به الوَكِيلُ، فَبِأخْذِه يَسْتَوْفِى حَقَّه منه. فأمَّا إن كان المَدْفُوعُ دَيْنًا، لم يَرْجِعْ إلَّا على الدَّافِعِ وَحْدَه؛ لأنَّ حَقَّهُ في ذِمَّةِ الدّافِعِ لم يَبْرَأَ منه (١١) بِتَسْلِيمِه إلى غير وَكِيلِ صاحِبِ الحَقِّ، والذي أخَذَهُ الوَكِيلُ عَيْنُ مالِ الدّافِعِ في زَعْمِ صَاحِبِ الحَقِّ، والوَكِيلُ والدّافِعُ يَزْعُمانِ أنَّه صارَ مِلْكًا لِصَاحِبِ الحَقِّ، وأنَّه ظَالِمٌ للدّافِعِ بالأَخْذِ منه، فيَرْجِعُ الدَّافِعُ فيما أخَذَ منه الوَكِيلُ، ويكونُ قِصَاصًا ممَّا أخَذَ (١٢) منه صاحِبُ الحَقِّ. وإن كان قد تَلِفَ في يَد الوَكِيلِ، لم يَرْجِعْ عليه بشيءٍ؛ لأنَّه مُقِرٌّ بأنه أَمينٌ لا ضَمَانَ عليه، إلَّا أن يَتْلَفَ بِتَعَدِّيهِ وتَفْرِيطِه، فيَرْجِعَ عليه.
فصل: فإن جاءَ رَجُلٌ، فقال: أنا وارِثُ صاحِبِ الحَقِّ. فإن أنْكَرَهُ، لَزِمَتْهُ اليَمِينُ أنَّه لا يَعْلَمُ صِحَّةَ ما قال؛ لأنَّ اليَمِينَ ههُنا على نَفْىِ فِعْلِ الغيرِ، فكانت على نَفْىِ العِلْمِ؛ لأنَّه لو صَدَّقَهُ لَزِمَهُ الدَّفْعُ إليه، فلما لَزِمَهُ الدَّفْعُ مع الإِقْرارِ، لَزِمَتْه اليَمِينُ مع الإِنْكارِ. وإن صَدَّقَهُ في أنَّه وارِثُ صاحِبِ الحَقِّ، لا وارِثَ له سِوَاهُ، لَزِمَهُ الدَّفْعُ إليه. بغيرِ خِلَافٍ نَعْلَمُه؛ لأنَّه مُقِرٌّ له بالحَقِّ، وأنه يَبْرَأُ بهذا الدَّفْعِ، فلَزِمَهُ، كما لو جاءَ صَاحِبُ الحَقِّ. فأمَّا إن جاءَ رَجُلٌ، فقال: قد أحَالَنِى عليكَ صاحِبُ الحَقِّ. فصَدَّقَهُ، ففيه وَجْهانِ؛ أحدُهما: لا يَلْزَمُه الدَّفْعُ إليه؛ لأنَّ الدَّفْعَ إليه غيرُ مُبْرِئٍ، لِاحْتِمالِ أن يَجِىءَ المُحِيلُ فيُنْكِرَ الحَوالةَ ويُضَمِّنَهُ (١٣)، فأشْبَهَ المُدَّعِىَ لِلوَكَالَةِ. والثانى، يَلْزَمُه الدَّفْعُ إليه؛ لأنَّه مُعْتَرِفٌ بأن الحَقَّ له لا لغيرِه، فأشْبَه الوَارِثَ. فإن قُلْنا: يَلْزَمُه الدَّفْعُ مع الإِقْرارِ. لَزِمَتْهُ اليَمِينُ مع الإِنْكارِ. وإن قلنا: لا يَلْزَمُه الدَّفْعُ مع الإِقْرارِ. لم تَلْزَمْهُ اليَمِينُ مع الإِنْكارِ؛ لِعَدَمِ الفائِدَةِ فيها. ومثلُ هذا مذهبُ الشَّافِعِىِّ.
стр. 3455
فصل: ومن طُلِبَ منه حَقٌّ، فَامْتَنَعَ من دَفْعِه حتى يُشْهِدَ القابِضُ على نَفْسِه بالقَبْضِ، نَظَرْتَ؛ فإن كان الحَقُّ عليه بغيرِ بَيِّنَةٍ، لم يَلْزَمِ (١٤) [القابِضَ الإِشْهادُ] (١٥) لأنَّه لا ضَرَرَ (١٦) في ذلك، فإنَّه متى ادَّعَى الحَقَّ على الدَّافِعِ بعدَ ذلك، قال: لا يُسْتَحَقُّ علىَّ شَىْءٌ. والقولُ قولُه مع يَمِينِه. وإن كان الحَقُّ ثَبَتَ بِبَيِّنَةٍ، وكان مَنْ عليه الحَقُّ يُقْبَلُ قَوْلُه في الرَّدِّ، كالمُودعِ والوَكِيلِ بغير جُعْلٍ، فكذلك؛ لأنَّه متى ادُّعِىَ عليه حَقٌّ، أو قامَتْ به (١٧) بَيِّنَةٌ، فالقولُ قولُه في الرَّدِّ. وإن كان مِمَّنْ لا يُقْبَلُ قَوْلُه في الرَّدِّ، أو يُخْتَلَفُ في قَبُولِ قَوْلِه، كالغاصِبِ والمُسْتَعِيرِ والمُرْتَهِنِ، لم يَلْزَمْهُ تَسْلِيمُ ما قَبِلَه إلَّا بالإِشْهَادِ، لئلَّا يُنْكِرَ القابِضُ القَبْضَ. ولا يُقْبَلُ قولُ الدَّافِعِ في الرَّدِّ. وإن قال: لا يَسْتَحِقُّ علىَّ شيئا. قامَتْ عليه البَيِّنَةُ. وإذا (١٨) أشْهَدَ على نَفْسِه بالقَبْضِ، لم يَلْزَمْهُ تَسْلِيمُ الوَثِيقَةِ بالحَقِّ إلى مَن عليه الحَقُّ؛ لأنَّ بَيِّنَةَ القَبْضِ تُسْقِطُ البَيِّنَةَ الأُولَى، والكِتابُ مِلْكُه، فلا يَلْزَمُه تَسْلِيمُه إلى غيرِه.
٨٤٤ - مسألة؛ قال: (وشِرَاءُ الوَكِيلِ مِنْ نَفْسِهِ غَيْرُ جَائِزٍ. وكَذلِكَ الْوَصِىُّ)
وجُمْلَةُ ذلك أنَّ مَن وُكِّلَ في بَيْعِ شيءٍ، لم يَجُزْ له أن يَشْتَرِيَهُ من نَفْسِه، في إحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ. نَقَلَهَا مُهَنَّا. وهو مذهَبُ الشَّافِعِىِّ وأصْحَابِ الرَّأْىِ. وكذلك الوَصِىُّ، لا يجوزُ أن يَشْتَرِىَ من مالِ اليَتِيمِ شيئا لِنَفْسِه، في إحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ. وهو مذهبُ الشَّافِعِىِّ. وحُكِىَ عن مالِكٍ، والأَوْزَاعِىِّ جَوازُ ذلك فيهما. والرِّوَايةُ الثانيةُ عن أحمدَ: يجوزُ لهما أن يَشْتَرِيَا بِشَرْطَيْنِ؛ أحدِهما، أن يَزِيدَا على مَبْلَغِ ثَمَنِه في النِّدَاءِ. والثانى، أن يَتَوَلَّى النِّدَاءَ غيرُه. قال القاضي: يَحْتَمِلُ أن يكونَ اشْتِرَاطُ تَوَلِّى غيرِه النِّدَاءَ (١) واجِبًا،
стр. 3456
ويَحْتَمِلُ أن يكونَ مُسْتَحَبًّا، والأَوَّلُ أشْبَه بظَاهِرِ كَلَامِهِ. وقال أبو الخَطَّابِ: الشَّرْطُ الثاني، أن يُوَلِّىَ مَن يَبِيعُ، ويكونَ هو أحدَ المُشْتَرِينَ. فإن قيل: فكيف يجوزُ له دَفْعُها إلى غيرِه لِيَبِيعَها، وهذا تَوْكِيلٌ وليس لِلْوَكِيلِ التَّوْكِيلُ؟ قُلْنا: يجوزُ التَّوْكِيلُ فيما لا يَتَوَلَّى مِثْلَه بِنَفْسِهِ، والنَّدَاءُ ممَّا لم تَجْرِ العادَةُ أن يَتَوَلَّاهُ أَكْثَرُ الناسِ بِنُفُوسِهِم. وإن وَكَّلَ إنْسانًا يَشْتَرِى له، وبَاعَه هو، جازَ على هذه الرِّوَايَةِ؛ لأنَّه امْتَثَلَ أمْرَ مُوَكِّلِه في البَيْعِ، وحَصَّلَ غَرَضَه من الثَّمَنِ، فجازَ، كما لو اشْتَراهَا أجْنَبِىٌّ. وقال أبو حنيفةَ: يجوزُ لِلْوَصِىِّ الشِّرَاءُ دُونَ الوَكِيلِ؛ لأنَّ اللَّه تعالى قال: ﴿وَلَا تَقْرَبُوا مَالَ الْيَتِيمِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ (٢). وإذا اشْتَرَى مالَ اليَتِيمِ بأكثَرَ من ثَمَنِ مِثْلِه، فقد قَرِبَهُ بالتى هي أحْسَنُ. ولأنَّه نائِبٌ عن الأَبِ، وذلك جائِزٌ للأَبِ، فكذلك لِنَائِبِه. ووَجْهُ الرِّوايةِ الأُولَى، أنَّ العُرْفَ في البَيْعِ بَيْعُ الرَّجُلِ من غيرِه، فحُمِلَتِ الوَكَالَةُ عليه، كما لو صَرَّحَ به، فقال: بِعْهُ غيرَكَ. ولأنَّه تَلْحَقُه التُّهْمَةُ، ويَتَنَافَى الغَرَضانِ في بَيْعِه نَفْسَهُ، فلم يَجُزْ، كما لو نَهَاهُ. والوَصِىُّ كالوَكِيلِ، لأنَّه (٣) يَلِى بَيْعَ مالِ غيرِه بِتَوَلِّيه (٤)، فأشْبَه الوَكِيلَ، بل التُّهْمَةُ في الوَصِىِّ آكَدُ [من الوَكِيلِ] (٥)؛ لأنَّ الوَكِيلَ يُتَّهَمُ في تَرْكِ الاسْتِقْصَاءِ في الثَّمَنِ لا غيرُ، والوَصِىُّ يُتَّهَمُ في ذلك، وفى أنَّه يَشْتَرِى من مالِ اليَتِيمِ ما لَا حَظَّ لِلْيَتِيمِ في بَيْعِه، فكان أَوْلَى بالمَنْعِ، وعند ذلك لا يكونُ أَخْذُهُ لمالِه قُرْبًا له بالتى هي أحْسنُ. وقد رُوِىَ عن ابنِ مَسْعُودٍ، أنَّه قال في رَجُلٍ أَوْصَى إلى رَجُلٍ بِتَرِكَتِه، وقد تَرَكَ فرَسًا، فقال الوَصِىُّ: أشْتَرِيه (٦)؟ قال: لا.
فصل: والحُكْمُ في الحاكِمِ وأَمِينِه، كالحُكْمِ في الوَكِيلِ، والحُكْمُ في بَيْعِ أحَدِ هَؤُلاءِ لِوَكِيلِه، أو وَلَدِه الصَّغِيرِ، أو طِفْلٍ (٧) يَلِى عليه، أو لِوَكِيلِه، أو عَبْدِه
стр. 3457
المَأْذُونِ، كالحُكْمِ في بَيْعِه لِنَفْسِه، كلُّ ذلك يُخَرَّج على رِوَايَتَيْنِ، بنَاءً على بَيْعِه لِنَفْسِه، أمَّا بَيْعُه لِوَلَدِه الكَبِيرِ، أو والِدِه، أو مُكَاتَبِه، فذكَرَهم أصْحابُنا أيضًا في جُمْلَةِ ما يُخَرَّجُ على رِوَايَتَيْنِ. ولأَصحابِ الشَّافِعِىِّ فيهم وَجْهانِ. وقال أبو حنيفةَ: يجوزُ بَيْعُه لِوَلَدِه الكَبِيرِ؛ لأنَّه امْتَثَلَ أمْرَ مُوَكِّلِه، ووَافَقَ العُرْفَ في بَيْعِ غيرِه، فصَحَّ، كما لو باعَهُ لأَخِيه، وفارَقَ البَيْعَ لِوَكِيلِه؛ لأنَّ الشِّرَاءَ إنَّما يَقَعُ لِنَفْسِه، وكذلك بَيْعُ عَبْدِه المَأْذُونِ، وبَيْعُ طِفْلٍ يَلِى عليه، بَيْعٌ لِنَفْسِه؛ لأنَّه هو المُشْتَرِى له، وَوَجْهُ الجَمْعِ بينهم، أنَّه يُتَّهَمُ في حَقِّهم، ويَمِيلُ إلى تَرْكِ الاسْتِقْصاءِ عليهم في الثَّمَنِ، كتُهْمَتِه في حَقِّ نَفْسِه، ولذلك (٨) لا تُقْبَلُ شَهَادَتُه. والحُكْمُ فيما إذا (٩) أرَادَ أن يَشْتَرِىَ لِمُوَكِّلِه، كالحُكْمِ في بَيْعِه لمَالِه (١٠) لأنَّهما سَوَاءٌ في المَعْنَى.
فصل: وإن وَكَّلَ رَجُلًا يَتَزَوَّجُ له امْرَأةً، فهل له أن يُزَوِّجَهُ ابْنَتَهُ؟ يُخَرَّجُ على ما ذَكَرْنا في الوَكِيلِ في البَيْعِ، هل يَبِيعُ لِوَلَدِه؟ وقال أبو يوسف (١١) ومحمدٌ: يجوزُ. وَوَجْهُ القَوْلَيْنِ ما تَقَدَّمَ في التي قَبْلَها. وإن أَذِنَتْ له وَلِيَّتُه في تَزْوِيجِها، خُرِّجَ في تَزْوِيجها لِنَفْسِه أو [وَلَدِه أو والِده] (١٢) وَجْهَان، بِنَاءً على ما ذُكِرَ (١٣) في البَيْعِ. وكذلك إن وَكَّلَهُ رَجُل في تَزْوِيجِ ابْنَتِه، خُرِّجَ فيه مثلُ ذلك.
فصل: وإن وَكَّلَهُ رَجُلٌ في بَيْعِ عَبْدِه ووَكَّلَهُ آخَرُ في شِرَاءِ عَبْدٍ، فقِياسُ المَذْهَبِ أنَّه يجوزُ له أن يَشْتَرِيَهُ له من نَفْسِه؛ لأنَّه أُذِنَ له في طَرَفَىِ العَقْدِ، فجازَ له أن يَلِيَهما إذا كان غيرَ مُتَّهَمٍ، كالأَبِ يَشْتَرِى من مالِ وَلَدِه لِنَفْسِه. ولو وَكَّلَهُ المُتَدَاعِيانِ في الدَّعْوَى عنهما، فالقِيَاسُ جَوَازُه؛ لأنَّه تُمْكِنُه الدَّعْوَى عن أحَدِهما، والجَوابُ عن الآخَرِ،
стр. 3458
وإقَامَةُ حُجَّةِ كلِّ واحدٍ منهما. ولأَصْحابِ الشَّافِعِىِّ في المَسْأَلَتَيْنِ (١٤) وَجْهانِ.
فصل: وإذا أَذِنَ لِلْوَكِيلِ أن يَشْتَرِىَ من نَفْسِه، جَازَ له ذلك. وقال أصْحابُ الشّافِعِىّ، في أحدِ الوَجْهَيْنِ: لا يجوزُ؛ لأنَّه يَجْتَمِعُ له في عَقْدِه غَرَضانِ، الاسْتِرْخاصُ لِنَفْسِه، والاسْتِقْصاءُ لِلْمُوَكِّلِ، وهما مُتَضَادَّانِ، فتَمانَعَا. ولَنا، أنَّه وَكَلَّهُ (١٥) في التَّصَرُّفِ لِنَفْسِه، فجازَ، كما لو وَكَّلَ المَرْأَةَ في طَلَاقِ نَفْسِها، ولأنَّ عِلَّةَ المَنْعِ هي من الشِّراءِ (١٦) لِنَفْسِه في مَحلٍّ لِاتِّفاقِ التُّهْمَةِ، لِدَلَالَتِها على عَدَمِ رِضَى المُوَكِّلِ بهذا التَّصَرُّفِ، وإخْرَاجِ هذا التَّصَرُّف عن عُمُومِ لَفْظِه وإِذْنِه، وقد صَرَّحَ ههُنا بالإِذْنِ فيها (١٧)، فلا تَبْقَى دَلَالَةُ الحالِ مع نَصِّه بِلَفْظِه على خِلَافِها (١٨). وقولُهم: إنَّه يَتَضَادُّ مَقْصُودُه في البَيْعِ والشِّرَاءِ. قُلْنا: إن عَيَّنَ المُوَكِّلُ له الثمَنَ، فاشْتَرَى به، فقد زَالَ مَقْصُودُ الاسْتِقْصاءِ، فإنَّه لا يُرَادُ أكْثَرَ ممَّا قد حَصَّلَ، وإن لم يُعَيِّنْ له الثَّمَنَ، تَقَيَّدَ البَيْعُ بِثَمَنِ المِثْلِ، كما لو باعَ لأَجْنَبِىٍّ (١٩). وقد ذَكَرَ أصْحابُنا فيما إذا وَكَّلَ عَبْدًا يَشْتَرِى له نَفْسَهُ من سَيِّدِه وَجْهًا، أنَّه لا يجوزُ، فيُخَرَّج ههُنا مثلُه. والصَّحِيحُ ما قُلْنَا، إن شاءَ اللهُ تعالى.
فصل: إذا وَكَّلَ عَبْدًا يَشْتَرِى نَفْسَهُ من سَيِّدِه، أو يَشْتَرِى منه عَبْدًا آخَرَ، ففَعَلَ، صَحَّ. وبه قال أبو حنِيفةَ وبعضُ الشّافِعِيّةِ. وقال بعضُهم: لا يجوزُ؛ لأنَّ يَدَ العَبْدِ كيَدِ سَيِّدِه، فأشْبَهَ ما لو وَكَّلَهُ في الشِّرَاءِ من نَفْسِه، ولهذا يُحْكَمُ للإِنْسانِ بما في يَدِ عَبْدِه. وذَكَرَ أصحابُنا وَجْهًا كذلك. ولَنا، أنَّه يجوزُ أن يَشْتَرِىَ عَبْدًا من غيرِ مَوْلَاه، فجازَ أن
стр. 3459
يَشْتَرِيَهُ من مَوْلَاهُ، كالأَجْنَبِىِّ، وإذا جازَ أن يَشْتَرِىَ غيرَه، جازَ أن يَشْتَرِىَ نَفْسَهُ، كما أنَّ المَرْأةَ لمَّا جازَ تَوْكِيلُها في طَلَاقِ غيرِها، جازَ في طَلَاقِ نَفْسِها. والوَجْهُ الذي ذَكَرَهُ أصحابُنا لا يَصِحُّ؛ لأنَّ أكْثَرَ ما يُقَدَّرُ ههُنا جَعْلُ تَوْكِيلِ العَبْدِ كتَوْكِيلِ سَيِّده، وقد ذَكَرْنا صِحَّةَ تَوْكِيلِ السَّيِّدِ في الشِّرَاءِ والبَيْعِ من نَفْسِه، فههُنا أَوْلَى. فعلى هذا، إذا قال العَبْدُ: اشْتَرَيْتُ نَفْسِى لِزَيْدٍ. فصَدَّقَهُ سَيِّدُه وزَيْدٌ، صَحَّ، ولَزِمَ زَيْدًا الثَّمَنُ. وإن قال السَّيِّدُ: ما اشْتَرَيْتَ نَفْسَكَ إلَّا لِنَفْسِكَ. عَتَقَ العَبْدُ بقَوْلِه وإقْرَارِه على نَفْسِه بما يَعْتِقُ به، ويَلْزَمُ العَبْدَ الثَّمَنُ في ذِمَّتِه لِسَيِّدِه؛ لأنَّ زَيْدًا لا يَلْزَمُه الثَّمَنُ، لِعَدَمِ حُصُولِ العَبْدِ له، وكَوْنِ سَيِّدِه لا يَدَّعِيهِ عليه، فلَزِمَ العَبْدَ، لأنَّ الظَّاهِرَ ممَّن باشَرَ العَقْدَ أنَّه له. وإن صَدَّقَهُ السَّيِّدُ وكَذَّبَهُ زَيْدٌ، نَظَرْتَ في تَكْذِيبِه، فإن كَذَّبَهُ في الوَكَالَةِ، حَلَفَ وبَرِئَ، ولِلسَّيِّدِ فَسْخُ البَيْعِ، واسْتِرْجاعُ عَبْدِه؛ لِتَعَذُّرِ ثَمَنِه، وإن صَدَّقَهُ في الوَكَالَةِ وكَذَّبَهُ في أنَّك ما اشْتَرَيْتَ نَفسَكَ لي، فالقولُ قولُ العَبْدِ؛ لأنَّ الوَكِيلَ يُقْبَلُ قَوْلُه في التَّصَرُّفِ المَأْذُونِ فيه.
فصل: وإن وَكَّلَ عَبْدَهُ في إعْتاقِ نَفْسِه، أو امْرَأَتَهُ في طَلَاقِ نَفْسِها، صَحَّ. وإن وَكَّلَ العَبْدَ في إعْتَاقِ عَبِيدِه، والمَرْأَةَ في طَلَاقِ نِسَائِه، لم يَمْلِكِ العَبْدُ إعْتَاقَ نَفْسِه، ولا المَرْأَةُ طَلَاقَ نَفْسِهَا؛ لأنَّ ذلك يَنْصَرِفُ بإِطْلَاقِه إلى التَّصَرُّفِ في غيرِه. ويَحْتَمِلُ أنَّ لهما ذلك، أَخْذًا من عُمُومٍ لَفْظِه، كما يَجوزُ لِلْوَكِيلِ في البَيْعِ، البَيْعُ من نَفْسِه، في إحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ. وإن وَكَّلَ غرِيمًا له في إِبْرَاءِ نَفْسِه، صَحَّ؛ لأنَّه وَكَّلَهُ في إسْقاطِ حَقٍّ عن نَفْسِه، فأَشْبَه تَوْكِيلَ العَبْدِ في إِعْتاقِ نَفْسِه. وإن وَكَّلَهُ في إِبْرَاءِ غُرَمَائِه، لم يكُنْ له أن يُبْرِئَ نَفْسَه، كما لو وَكَّلَهُ في حَبْسِ غُرَمائِه، لم يَمْلِكْ حَبْسَ نَفْسِه. ولو وَكَلَّهُ في خُصُومَتِهِم، لم يكُنْ وَكِيلًا في خُصُومَةِ نَفْسِه. ويَحْتَمِلُ أن يَمْلِكَ إِبْراءَ نَفْسِه؛ لما ذَكَرْنا من قبلُ. وإن وَكَّلَ المَضْمُونَ عنه في إِبْراءِ الضَّامِنِ، فأَبْرَأَهُ، صَحَّ. ولا يَبْرَأُ المَضْمُونُ عنه. وإن وَكَّلَ الضَّامِنَ في إِبْراءِ المَضْمُونِ عنه، أو الكَفِيلَ في إِبْرَاءِ المَكْفُولِ عنه، فأَبْرَأَهُ، صَحَّ، وبَرِئَ الوَكِيلُ بِبَرَاءَتِه؛ لأنَّه فَرْعٌ عليه، فإذا بَرِئَ الأَصْلُ بَرِئَ الفَرْعُ بِبَرَاءَتِه.
стр. 3460
فصل: وإن وَكَّلَهُ في إِخْراجِ صَدَقَةٍ على المَسَاكِينِ وهو مِسْكِينٌ، أو أَوْصَى إليه بِتَفْرِيقِ ثُلُثه على قَوْمٍ وهو منهم، أو دَفَعَ إليه مَالًا وأمَرَهُ بِتَفْرِيقِه على من يُرِيدُ، أو دَفْعِهِ إلى من شَاءَ، فالمَنْصُوصُ عن أحمدَ أنَّه لا يجوزُ له أن يأْخُذَ منه شيئا، فإنَّ أحمدَ قال: إذا كان في يَدِه مالٌ لِلْمَساكِينِ وأَبْوابِ البِرِّ وهو مُحْتاجٌ، فلا يَأْكُلْ منه شيئا، وإنَّما أَمَرَهُ بِتَنْفِيذِه؛ وذلك لأنَّ إطْلَاقَ لَفْظِ المُوَكِّلِ يَنْصَرِفُ إلى دَفْعِه إلى غيرِه. ويَحْتَمِلُ أن يجوزَ له الأَخْذُ إذا تَنَاوَلَهُ عُمُومُ اللَّفْظِ، كالمَسَائِل التي تَقَدَّمَتْ، ولأنَّ المَعْنَى الذي حَصَلَ به الاسْتِحْقاقُ مُتَحَقِّقٌ فيه، واللَّفْظُ مُتَنَاوِلٌ له، فجازَ له الأَخْذُ كغيرِه. ويَحْتَمِلُ الرُّجُوع في ذلك إلى قَرَائِن الأَحْوالِ، فما غَلَبَ على الظَّنِّ فيه أنَّه أرَادَ العُمُومَ فيه وفى غيرِه، فله الأَخْذُ منه، وما غَلَبَ أنَّه لم يُرِدْهُ، فليس له الأَخْذُ، وما تَسَاوىَ فيه الأَمْرَانِ، احْتَمَلَ وَجْهَيْنِ. وهل له أن يُعْطِيَهُ لِوَلَدِه أو والِدِه أو امْرَأَتِه؟ فيه وَجْهَانِ؛ أوَّلُهما، جَوَازُه؛ لِدُخُولِهِم، في عُمُومِ لَفْظِه، ووُجُودِ المَعْنَى المُقْتَضِى لِجَوَازِ الدَّفْعِ إليهم. فأمَّا مَن تَلْزَمُه مُؤْنَتُه غيرَ هؤلاءِ، فيجوزُ الدَّفْعُ إليهم، كما يجوزُ دَفْعُ صَدَقَةِ التَّطَوُّعِ إليهم.
٨٤٥ - مسألة؛ قال: (وشِرَاءُ الرَّجُلِ لِنَفْسِهِ مِنْ مَالِ وَلَدِه الطِّفْلِ جَائِزٌ. وكَذلِكَ شِرَاؤُهُ لَهُ مِنْ نَفْسِهِ)
يَعْنِى أنَّ الأَبَ يجوزُ أن يَشْتَرِىَ لِنَفْسِه من مالِ ابْنِه الذي في حِجْرِهِ. ويَبِيعَ وَلَدَهُ من مالِ نَفْسِه. وبهذا قال أبو حنيفةَ، والشَّافِعِىُّ، ومالِكٌ، والأَوْزَاعِىُّ. وزَادُوا الجَدَّ، فأبَاحُوا له ذلك. وقال زُفَر: لا يجوزُ؛ لأنَّ حُقُوقَ العَقْدِ تَتَعَلَّقُ بالعاقِدِ، فلا يجوزُ أن يَتَعَلَّقَ به حُكْمانِ مُتَضَادَّانِ، ولأنَّه لا يجوزُ أن يكونَ مُوجِبًا وقَابِلًا في عَقْدٍ واحِدٍ، كما لا يجوزُ أن يَتَزَوَّجَ (١) بِنْتَ عَمِّه من نَفْسِه. ولَنا، أنَّ هذا يَلِى بِنَفْسِه، فجَازَ أن يَتَوَلَّى طَرَفَىِ العَقْدِ، كالأَبِ يُزَوِّجُ ابنتَهُ عَبْدَه الصَّغِيرَ، والسَّيِّدِ يُزَوِّجُ عَبْدَهُ أمَتَهُ. ولا نُسَلِّمُ ما ذَكَرَهُ من تَعَلُّقِ حُقُوقِ العَقْدِ بالعاقِدِ لغيرِه. فأمَّا الجَدُّ فلا وِلَايَةَ له على ابنِ ابْنِه، على ما سَنَذْكُرُه في
стр. 3461
مَوْضِعِه، فَيُنَزَّلُ مَنْزِلَةَ الأَجْنَبِىِّ. ولأنَّ التُّهْمَةَ بين الأَبِ وَوَلَدِه مُنْتَفِيَةٌ، إذْ من طَبْعِه الشَّفَقَةُ عليه، والمَيْلُ إليه (٢)، وتَرْكُ حَظِّ نَفْسِه لِحَظِّه، فلذلك جازَ. وفارَقَ الجَدَّ والوَصِىَّ والحاكِمَ وأَمِينَه؛ فإنَّ التُّهْمَةَ غيرُ مُنْتَفِيَةٍ في حَقِّهِم. وأمَّا تَولِّى طَرَفَىِ العَقْدِ، فيَجوزُ، بِدَلِيلِ الأَصْلِ الذي ذَكَرْناه. ولا نُسَلِّمُ ما ذَكَرَهُ فيما إذا أَرَادَ أن يَتَزَوَّجَ ابْنَةَ عَمِّه، بل يَجوزُ بِدَلِيلِ أن عبدَ الرحمنِ بن عَوْفٍ قال لِابْنَةِ قارِظٍ: أتجْعَلِينَ أمْرَكِ إلىَّ؟ قالتْ: نعم. قال: قد تَزَوَّجْتُكِ (٣). [ولَئِنْ سَلَّمْنَا فلأَنَّ] (٤) التُّهْمَةَ غيرُ مُنْتَفِيَةٍ ثَمَّ.
٨٤٦ - مسألة؛ قال: (وَمَا فَعَلَ الْوَكِيلُ بَعْدَ فَسْخِ المُوَكِّلِ أوْ مَوْتِه فبَاطِلٌ)
وجملتُه أنَّ الوَكَالَةَ عَقْدٌ جائِزٌ من الطَّرَفَيْنِ، فَلِلْمُوَكِّلِ عَزْلُ وَكِيلِه متى شاءَ، ولِلْوَكِيلِ عَزْلُ نَفْسِه؛ لأنَّه إذْن في التَّصَرُّفِ، فكان لكلِّ واحدٍ منهما إِبْطَالُه، كما لو أَذِنَ في أَكْلِ طَعَامِه. وتَبْطُلُ أيضًا بمَوْتِ أحَدِهما، أيِّهما كان، وجُنُونِه المُطْبِقِ. ولا خِلَافَ في هذا كلِّه فيما نَعْلَمُ. فمتى تَصَرَّفَ الوَكِيلُ بعدَ فَسْخِ المُوَكِّلِ، أو مَوْتِه، فهو باطِلٌ إذا عَلِمَ ذلك. فإن لم يَعْلَم الوَكِيلُ بالعَزْلِ، ولا مَوْتِ المُوَكِّلِ، فعن أحمدَ فيه رِوَايَتانِ. ولِلشّافِعِىِّ فيه قَوْلانِ. وظاهِرُ كلامِ الخِرَقِىّ هذا أنَّه يَنْعَزِلُ، عَلِمَ أو لم يَعْلَمْ. ومتى تَصَرَّفَ، فبَانَ أن تَصَرُّفَهُ بعدَ عَزْلِه، أو مَوْتِ مُوَكِّلِه، فتَصَرُّفُه باطِلٌ؛ لأنَّه رَفْعُ عَقْدٍ لا يَفْتَقِرُ إلى رِضَى صَاحِبِه، فلا يَفْتَقِرُ إلى عِلْمِه، كالطَّلَاقِ والعَتَاقِ. والرِّوَايةُ الثانية عن أحمدَ، لا يَنْعَزِلُ قبلَ عِلْمِه بمَوْتِ المُوَكِّلِ وعَزْلِه. نَصَّ عليه في رِوَايةِ جَعْفَرِ بن محمدٍ، لأنَّه لو انْعَزَلَ قبلَ عِلْمِه، كان فيه ضَرَرٌ؛ لأنَّه قد يَتَصَرَّفُ تَصَرُّفَاتٍ فتَقَعُ باطِلَةً، ورُبَّما باعَ الجارِيَةَ فيَطَؤُهَا المُشْتَرِى، أو الطَّعامَ فيَأْكُلُه، أو غير ذلك، فيَتَصَرَّفُ فيه المُشْتَرِى، ويَجِبُ ضَمَانُه، ويَتَضَرَّرُ المُشْتَرِى والوَكِيلُ. ولأنَّه يَتَصَرَّفُ
стр. 3462
بأَمْرِ المُوَكِّلِ، ولا يَثْبُتُ حُكْمُ الرُّجُوعِ في حَقِّ المَأْمُورِ قبلَ عِلْمِه، كالفَسْخِ. فعلى هذه الرِّوَايةِ، متى تَصَرَّفَ قبل العِلْمِ، نَفَذَ تَصَرُّفُه. وعن أبي حنيفةَ أنَّه إن عَزَلَهُ المُوَكِّلُ، فلا يَنْعَزِلُ قبلَ عِلْمِه؛ لما ذَكَرْنا. وإن عَزَلَ الوَكِيلُ نَفْسَه، لم يَنْعَزِلْ إلَّا بِحَضْرَةِ المُوَكِّلِ؛ لأنَّه مُتَصَرِّفٌ بأَمْرِ المُوَكِّلِ، فلا يَصِحُّ رَدُّ (١) أَمْرِه بغيرِ حَضْرَتِه، كالمُودعِ في رَدِّ الوَدِيعَةِ. ولَنا، ما تَقَدَّمَ. فأمَّا الفَسْخُ ففيه وَجْهانِ، كالرِّوَايَتَيْنِ. ثم هما مُفْتَرِقانِ؛ فإنَّ أَمْرَ الشَّارِعِ يَتَضَمَّنُ المَعْصِيَةَ بِتَرْكِه، ولا يكون عاصِيًا من غيرِ عِلْمِه، وهذا يَتَضَمَّنُ العَزْلُ عنه إِبْطَالَ التَّصَرُّفِ، فلا يَمْنَعُ منه عَدَمُ العِلْمِ.
فصل: ومتى خَرَجَ أحَدُهما عن كَوْنِه من أهْلِ التَّصَرُّفِ، مثل أن يُجَنَّ، أو يُحْجَرَ عليه لِسَفَهٍ، فحُكْمُه حُكْمُ المَوْتِ؛ لأنَّه لا يَمْلِكُ التَّصَرُّفَ، فلا يُمَلِّكُه غيرَه من جِهَتِه. قال أحمدُ في الشَّرِكَةِ: إذا وَسْوَسَ أحَدُهما، فهو مثل العَزْلِ. وإن حُجِرَ على الوَكِيلِ لِفَلَسٍ (٢)، فالوَكَالَةُ بحَالِها؛ لأنَّه لم يَخْرُجْ عن كَوْنِه أهْلًا لِلتَّصَرُّفِ. وإن حُجِرَ على المُوَكِّلِ، وكانت الوَكَالَةُ في أعْيانِ مالِه، بَطَلَتْ؛ لِانْقِطاعِ تَصَرُّفِه في أعْيَانِ مالِه. وإن كانت في الخُصُومَةِ، أو الشِّرَاءِ في الذِّمَّةِ، أو الطَّلَاقِ، أو الخُلْعِ، أو القِصَاصِ، فالوَكَالَةُ بحَالِها؛ لأنَّ المُوَكِّلَ أهْلٌ لذلك، وله أن يَسْتَنِيبَ فيه ابْتِداءً، فلا تَنْقَطِعُ الاسْتِدَامَةُ. وإن فَسَقَ الوَكِيلُ لم يَنْعَزِلْ؛ لأنَّه من أهْلِ التَّصَرُّفِ، إلَّا أن تكونَ الوَكَالَةُ فيما يُنَافِيهِ الفِسْقُ، كالإِيجابِ في عَقْدِ النِّكَاحِ، فإنَّه يَنْعَزِلُ بِفِسْقِهِ أو فِسْق مُوَكِّله بِخُرُوجِه عن أهْلِيَّةِ التَّصَرُّفِ. وإن كان وَكِيلًا في القَبُولِ لِلْمُوَكِّلِ، لم يَنْعَزِلْ بِفِسْقِ مُوَكِّلِهَ؛ لأنَّه لا يُنَافِى جَوَازَ قَبُولِه. وهل يَنْعَزِلُ بِفِسْقِ نَفْسِه؟ فيه وَجْهانِ. وإن كان وَكِيلًا فيما [تُشْتَرَطُ فيه] (٣) الأمَانَةُ، كوَكِيلِ وَلِىِّ اليَتِيمِ، ووَلِىِّ الوَقْفِ على المَسَاكِينِ، ونحو هذا، انْعَزَلَ بِفِسْقِه وفِسْقِ مُوَكِّلِه بخُرُوجِهِما بذلك عن أهْلِيَّةِ
стр. 3463
التَّصَرُّفِ، وإن كان (٤) وَكِيلًا لِوَكِيلِ مَن يَتَصَرَّفُ في مالِ نَفسِه، انْعَزَلَ بِفِسْقِه؛ لأنَّ الوَكِيلَ ليس له تَوْكِيلُ فاسِقٍ، ولا يَنْعَزِلُ بِفِسْقِ مُوَكِّلِه؛ لأنَّ مُوَكِّلَهُ وَكِيلٌ لِرَبِّ المالِ، ولا يُنَافِيه الفِسْقُ، ولا تَبْطُلُ الوَكَالةُ بالنَّوْمِ والسُّكْرِ والإِغْمَاءِ؛ لأنَّ ذلك لا يُخْرِجُه عن أهْلِيَّةِ التَّصَرُّفِ، ولا يَثْبُتُ عليه وِلَايَةٌ، إلَّا أن يَحْصُلَ الفِسْقُ بالسُّكْرِ، فيكونَ فيه من التَّفْصِيلِ ما أسْلَفْنَاهُ.
فصل: ولا تَبْطُلُ الوَكَالَةُ بالتَّعَدِّى فيما وُكِّلَ فيه، مثل أن يَلْبَسَ الثَّوْبَ، ويَرْكَبَ الدَّابّةَ. وهذا أحَدُ الوَجْهَيْنِ لأَصْحابِ الشّافِعِىّ. والوَجْهُ الثّانى، تَبْطُلُ الوَكَالَةُ؛ لأنَّها عَقْدُ أمَانةٍ، فبَطَلَتْ (٥) بالتَّعَدِّى كالوَدِيعَةِ. ولَنا، أنَّه إذا تَصَرَّفَ فقد تَصَرَّفَ بإِذْنِ مُوَكِّلِه، فصَحَّ، كما لو لم يَتَعَدَّ. ويُفَارِقُ الوَدِيعَةَ من جِهَةِ أنَّها أمانَةٌ مُجَرَّدَةٌ، فنَافَاهَا التَّعَدِّى والخِيَانةُ، والوَكَالَةُ إِذْنٌ في التَّصَرُّفِ تَضَمَّنَتِ الأَمَانَةَ، فإذا انْتَفَتِ الأمَانَةُ بالتَّعَدِّى، بَقِىَ الإِذْنُ بحالِه. فعلى هذا لو وَكَّلَهُ في بَيْعِ ثَوْبٍ فلَبِسَه، صَارَ ضَامِنًا. فإذا باعَهُ، صَحَّ بَيْعُه، وبَرِئَ من ضَمَانِه؛ لِدُخُولِه في مِلْكِ المُشْتَرِى وضَمَانِه. فإذا قَبَضَ الثمَنَ، كان أمانةً في يَدِه غيرَ مَضْمُونٍ عليه؛ لأنَّه قَبَضَهُ بإِذْنِ المُوَكِّلِ، ولم يَتَعَدَّ فيه. ولو دَفَعَ إليه مَالًا، وَوَكَّلَه في شِرَاءِ شيءٍ، فتَعَدَّى في الثَّمَنِ، صَارَ ضامِنًا له، فإذا اشْتَرَى به وسَلَّمَهُ، زَالَ الضَّمَانُ، وقَبْضُه لِلْمَبِيعِ قَبْضُ أمَانةٍ. وإن وُجِدَ بالمَبِيعِ عَيْبٌ، فَرُدَّ عليه، أو وَجَدَ هو بما اشْتَرَى عَيْبًا، فرَدَّهُ وقَبَضَ الثَّمَنَ، كان مَضْمُونًا عليه؛ لأنَّ العَقْدَ المُزِيلَ لِلضَّمانِ زَالَ، فعَادَ ما زَالَ به (٦).
فصل: وإن وَكَّلَ امْرَأَتَهُ في بَيْعٍ أو شِرَاءٍ أو غيرِه، ثم طَلَّقَها، لم تَنْفَسِخِ الوَكَالَةُ؛ لأنَّ زَوَالَ النِّكَاحِ لا يَمْنَعُ ابْتِدَاءَ الوَكَالَةِ، فلا يَقْطَعُ اسْتِدَامَتَها. وإن وَكَّلَ عَبْدَه، ثم أَعْتَقَه، أو بَاعَهُ، لم يَنْعَزِلْ؛ لذلك. ويَحْتَمِلُ أن يَنْعَزِلَ؛ لأنَّ تَوْكِيلَ عَبْدِه ليس بِتَوْكِيلٍ
стр. 3464
في الحَقِيقَةِ، إنَّما هو اسْتِخْدَامٌ بحَقِّ المِلْكِ، فيَبْطُلُ بِزَوَالِ المِلْكِ. وإذا باعَهُ فقد صارَ إلى مِلْكِ مَنْ لم يَأْذَنْ في تَوْكِيلِه، وثُبُوتُ مِلْك غيرِه فيه يَمْنَعُ ابْتِدَاءَ تَوْكِيلِه بغيرِ إِذْنِه، فيَقْطَعُ اسْتِدَامَتَهُ. وهكذا الوَجْهانِ فيما إذا وَكَّلَ عَبْدَ غيرِه ثم بَاعَهُ. والصَّحِيحُ أنَّ الوَكَالَةَ لا تَبْطُلُ؛ لأنَّ سَيِّدَ العَبْدِ أَذِنَ له في بَيْعِ مالِه، والعِتْقُ لا يُبْطِلُ الإِذْنَ. وهكذا إن بَاعَهُ، إلَّا أنَّ المُشْتَرِىَ إن رَضِىَ بِبَقَائِه على الوَكَالةِ، بَقِىَ، وإن لم يَرْضَ بذلك، بَطَلَتِ الوَكَالَةُ. وإن وَكَّلَ عَبْدَ غيرِه، فأعْتَقَهُ، لم تَبْطُل الوَكَالَةُ، وَجْهًا واحِدًا؛ لأنَّ هذا تَوْكيلٌ حَقِيقَةً، والعِتْقُ غير مُنَافٍ له. وإن اشْتَراهُ المُوَكِّلُ (٧) منه لم تَبْطُل الوَكَالَةُ (٨)؛ لأنَّ مِلْكَه له لا يُنَافِى إِذْنَه له في البَيْعِ والشِّرَاءِ (٩).
فصل: وإن وَكَّلَ مُسْلِمٌ كافِرًا فيما يَصِحُّ تَصَرُّفُه فيه، صَحَّ تَوْكِيلُه، سواءٌ كان ذِمِّيًّا، أو مُسْتَأْمَنًا، أو حَرْبِيًّا، أو مُرْتَدًّا؛ لأنَّ العَدَالَةَ غيرُ مُشْتَرَطَة فيه، وكذلك الدِّينُ، كالبَيْعِ. وإن وَكَّلَ مُسْلِمًا فَارْتَدَّ، لم تَبْطُلْ وَكالتُه (١٠)، سواءٌ لَحِقَ بِدَار الحَرْبِ، أو أقَامَ. وقال أبو حنيفةَ: إن لَحِقَ بِدَارِ الحَرْبِ بَطَلَتْ وَكَالَتُه؛ لأنَّه صَارَ منهم. ولَنا، أنَّه يَصِحُّ تَصَرُّفُه لِنَفْسِه، فلم تَبْطُلْ وَكَالَتُه، كما لو لم يَلْحَقْ بِدَارِ الحَرْبِ، ولأنَّ الرِّدَّةَ لا تَمْنَعُ ابْتِدَاءَ وَكَالَتِه فلم (١١) تَمْنَعِ اسْتِدَامَتَها، كسَائِرِ الكُفْرِ. وإن ارْتَدَّ المُوَكِّلُ، لم تَبْطُل الوَكَالَةُ فيما له التَّصَرُّفُ فيه، فأمَّا الوَكِيلُ في مالِه، فيَنْبَنِى على تَصَرُّفِه نَفْسِه، فإن قُلْنا: يَصِحُّ تَصَرُّفُه. لم يَبْطُلْ تَوْكِيلُه، وإن قُلْنا: هو مَوْقُوفٌ. فوَكَالَتُه مَوْقُوفَةٌ، وإن قُلْنا: يَبْطُلُ تَصَرُّفُه. بَطَلَ تَوْكِيلُه. وإن وَكَّلَ في حال رِدَّتِه، ففيه الوُجُوهُ الثلاثةُ أيضًا.
стр. 3465
فصل: ولو وَكَّلَ رَجُلًا في نَقْلِ امْرَأَتِه، أو بَيْعِ عَبْدِه، أو قَبْضِ دَارِه من فُلَانٍ، فقامَتِ البَيِّنَةُ بِطَلَاقِ الزَّوْجَةِ، وعِتْقِ العَبْدِ، وانْتِقَالِ الدَّارِ عن المُوَكِّلِ، بَطَلَتِ الوَكَالَةُ؛ لأنَّه زالَ تَصَرُّفُ المُوَكِّلِ، فزَالَتْ وَكَالَتُه.
فصل: وإن تَلِفَتِ العَيْنُ التي وَكَّلَ في التَّصَرُّفِ فيها، بَطَلَتِ الوَكَالَةُ؛ لأنَّ مَحَلَّها ذَهَبَ، فذَهَبَتِ الوَكَالَةُ، كما لو وَكَّلَهُ في بَيْعِ عَبْدٍ فماتَ. ولو دَفَعَ إليه دِينَارًا، ووَكَّلَهُ في الشِّرَاءِ به، فهَلَكَ الدِّينَارُ، أو ضاعَ، أو اسْتَقْرَضَهُ الوَكِيلُ وتَصَرَّفَ فيه، بَطَلَتِ الوَكَالَةُ، [سواء وَكَّلَهُ] (١٢) في الشِّرَاء بعَيْنِه أو مُطْلَقًا؛ لأنَّه إن وَكَّلَهُ في الشِّرَاءِ بعَيْنِه، فقد اسْتَحالَ الشِّرَاءُ بِعَيْنِه بعدَ تَلَفِه، فبَطَلَتِ الوَكَالَةُ، وإن وَكَلَهُ في الشِّرَاءِ مُطْلَقًا، ونَقَدَ الدِّينَارَ، بَطَلَتْ أيضًا؛ لأنَّه (١٣) إنَّما وَكَّلَهُ في الشِّرَاءِ به، ومَعْناه أن يَنْقُدَهُ ثَمَنَ ذلك البَيْع، إمَّا قبلَ الشِّرَاءِ أو بعدَه، وقد تَعَذَّرَ ذلك بِتَلَفِه، ولأنَّه (١٤) لو صَحَّ شِرَاؤُه، لَلَزِمَ المُوَكِّلَ ثَمَنٌ [لم يَلْزَمْهُ] (١٥)، ولا رَضِىَ بِلُزُومِه. وإذا اسْتَقْرَضَهُ الوَكِيلُ، ثم عَزَلَ دِينَارًا عِوَضَهُ، واشْتَرَى به، فهو كالشِّرَاءِ له من غيرِ إِذْنٍ؛ لأنَّ الوَكَالةَ بَطَلَتْ، والدِّينَارُ الذي (١٦) عَزَلَهُ عِوَضًا لا يَصِيرُ لِلْمُوَكِّلِ حتى يَقْبِضَه، فإذا اشْتَرَى لِلْمُوَكِّلِ به (١٧) شيئا وَقَفَ على إجَازَةِ المُوَكِّلِ، فإن أجَازَهُ صَحَّ ولَزِمَه (١٨) الثَّمَنُ، وإلا لَزِمَ الوَكِيلَ. وعنه يَلْزَمُ الوَكِيلَ بكل حالٍ. وقال القاضِى: متى اشْتَرَى بِعَيْنِ مالِه لغيرِه شيئا، فالشِّرَاءُ باطِلٌ؛ لأنَّه لا يَصِحُّ أن يَشْتَرِىَ بعَيْنِ مالِه ما يَمْلِكُه غيرُه. وقال أصْحابُ الشَّافِعِىِّ: متى اشْتَرَى لغيرِه بمالِ نَفْسِه شيئا (١٩)، صَحَّ الشِّرَاءُ لِلْوَكِيلِ، سواءٌ اشْتَراهُ
стр. 3466
بِعَيْنِ المالِ أو في الذِّمَّةِ؛ لأنَّه اشْتَرَى له ما لم يُؤْذَنْ له في شِرَائِه، أشْبَهَ ما لو اشْتَراهُ في الذِّمَّةِ.
فصل: نَقَلَ الأَثْرَمُ عن أحمدَ، في رَجُلٍ كان له على آخَرَ دَرَاهِمُ، فقال له: إذا أمْكَنَكَ قَضَاؤُهَا فادْفَعْها إلى فُلَانٍ. وغَابَ صاحِبُ الحَقِّ، ولم يُوصِ إلى هذا الذي أَذِنَ له في القَبْضِ، لكن جَعَلَهُ وَكِيلًا، وتَمَكَّنَ مَن عليه الدَّيْنُ من القَضَاءِ، فَخافَ إن دَفَعَها إلى الوَكِيلِ أن يكونَ المُوَكِّلُ قد ماتَ، ويَخافُ التَّبِعَةَ من الوَرَثَةِ. فقال: لا يُعْجِبُنِى أن يَدْفَعَ إليه لعَلَّه قد ماتَ، لكن يَجْمَعُ بين الوَكِيلِ والوَرَثَةِ، ويَبْرَأُ إليهما من ذلك. هذا ذَكَرَهُ أحمدُ على طَرِيقِ النَّظَرِ لِلْغَرِيمِ، خَوْفًا من التَّبِعَةِ من الوَرَثَةِ إن كان مَوْرُوثُهُم قد ماتَ، فانْعَزَلَ وَكِيلُه وصَارَ الحَقُّ لهم، فيَرجِعُونَ على الدَّافِعِ إلى الوَكِيلِ. فأمَّا من طَرِيقِ الحُكْمِ، فَلِلْوَكِيلِ المُطَالَبَةُ، وللآخَرِ الدَّفْعُ إليه، فإنَّ أحمدَ قد نَصَّ في رِوَايةِ حَرْبٍ: إذا وَكَّلَه في الحَدِّ وغَابَ، اسْتَوْفَاهُ الوَكِيلُ. وهو أبْلَغُ من هذا؛ لكَوْنِه يُدْرَأُ بالشُّبُهاتِ، لكن هذا احْتِيَاطٌ حَسَنٌ، وَتَبْرِئَةٌ لِلْغَرِيمِ (٢٠) ظَاهِرًا وبَاطِنًا، وإزَالَةٌ لِلتَّبِعَةِ عنه. وفى هذه الرِّوَايَةِ دَلِيلٌ على أنَّ الوَكِيلَ انْعَزَلَ بمَوْتِ المُوَكِّلِ، وإن لم يَعْلَمْ بِمَوْتِه؛ لأنَّه اخْتَارَ أن لا يَدْفَعَ إلى الوَكِيلِ خَوْفًا مِن أن يكونَ المُوَكِّلُ قد ماتَ، فانْتَقَلَ إلى الوَرَثَةِ. ويجوزُ أن يكونَ اخْتَارَ هذا لئلَّا يكونَ القاضِى مِمَّن يَرَى أن الوَكِيلَ يَنْعَزِلُ بالمَوْتِ، فيَحْكُمُ عليه بانْعِزَالِه (٢١). وفيها دَلِيلٌ على جَوَازِ تَرَاخِى القَبُولِ عن الإِيجَابِ؛ لأنَّه وَكَّلَهُ في قَبْضِ (٢٢) الحَقِّ ولم يَعْلَمْهُ، ولم يكُنْ حاضِرًا فيَقْبَلُ. وفيها دَلِيلٌ على صِحَّةِ التَّوْكِيلِ بغيرِ لَفْظِ التَّوْكِيلِ. وقد نَقَلَ جعفرُ بن محمدٍ، في رَجُلٍ قال لِرَجُلٍ: بِعْ ثَوْبِى. ليس (٢٣) بشيءٍ (٢٤) حتى يقولَ: قد وَكَّلْتُكَ. وهذا سَهْوٌ من النَّاقِلِ. وقد تَقَدَّمَ
стр. 3467
ذِكْرُ الدَّلِيلِ على جَوَازِ التَّوْكِيلِ بغيرِ لَفْظِ التَّوْكِيلِ، وهو الذي نَقَلَهُ (٢٥) الجَمَاعَةُ.
٨٤٧ - مسألة؛ قال: (وَإِذَا وَكَّلَهُ فِي طَلَاقِ زَوْجَتِهِ، فَهُوَ فِي يَدِهِ حَتَّى يَفْسَخَ أوْ يَطَأَ)
وجُمْلَةُ ذلك أنَّ الوَكَالَةَ إذا وَقَعَتْ مُطْلَقَةً غيرَ مُؤَقَّتَةٍ، مَلَكَ التَّصَرُّفَ أبدًا، ما لم تَنْفَسِخ الوَكَالَةُ، وفَسْخُ الوَكَالةِ أن يقولَ: فَسَخْتُ الوَكَالَةَ، أو أَبْطَلْتُها، أو نَقَضْتُها، أو عَزَلْتُكَ، أو صَرَفْتُكَ عنها، وأَزَلْتُكَ عنها. أو يَنْهَاهُ عن فِعْلِ ما أمَرَهُ به أو وَكَّلَهُ فيه، وما أشْبَهَ هذا من الأَلْفَاظِ المُقْتَضِيَةِ عَزْلَهُ أو (١) المُؤَدِّيَةِ (٢) مَعْنَاه، أو يَعْزِلَ الوَكِيلُ نَفْسَه، أو يُوجَدَ ما يَقْتَضِى فَسْخَهَا حُكْمًا، على ما قد ذَكَرْنا، أو يَزُولَ مِلْكُه عَمّا قد وَكَّلَهُ في التَّصَرُّفِ فيه، أو يُوجَدَ ما يَدُلُّ على الرُّجُوعِ عن (٣) الوَكَالةِ. فإذا وَكَّلَهُ في طَلَاقِ امْرأَتِه، ثم وَطِئَها، انْفَسَخَتِ الوَكَالَةُ؛ لأنَّ ذلك يَدُلُّ على رَغْبَتِه فيها، واخْتِيَارِه إمْسَاكَها. وكذلك لو (٤) وَطِئَها بعد طَلَاقِها طَلَاقًا رَجْعِيًّا، كان ارْتِجَاعًا لها، فإذا اقْتَضَى رَجْعَتَها بعد طَلَاقِها، فَلأَنْ يَقْتَضِىَ اسْتِبْقَاءَها على نِكاحِه (٥) ومَنْعَ طَلَاقِهَا أَوْلَى. وإن بَاشَرَها دون الفَرْجِ، أو قَبَّلَها، أو فَعَلَ بها ما يَحْرُمُ على غيرِ الزَّوْجِ، فهل تَنْفَسِخُ الوَكَالَةُ في الطَّلَاقِ؟ يَحْتَمِلُ وَجْهَيْنِ، بِنَاءً على الخِلَافِ في حُصُولِ الرَّجْعَةِ به. وإن وَكَّلَهُ في بَيْعِ عَبْدٍ، ثم أعْتَقَهُ، أو بَاعَهُ بَيْعًا صَحِيحًا، أو كَاتَبَهُ، أو دَبَّرَهُ، انْفَسَخَتِ الوَكَالَةُ؛ لأنَّه بِزَوَالِ مِلْكِه لا يَبْقَى له إِذْن في التَّصَرُّفِ فيما لا يَمْلِكُه، وفى الكِتَابَةِ والتَّدْبِيرِ على احْدَى الرِّوَايَتَيْنِ لم يَبْقَ مَحلًّا لِلْبَيْعِ، وعلى الرِّوَايَةِ الأُخْرَى، تَصَرُّفُه
стр. 3468
فيه بذلك يَدُلُّ على أنَّه قَصَدَ الرُّجُوعَ عن بَيْعِه. وإن بَاعَهُ بَيْعًا فَاسِدًا لم تَبْطُل الوَكَالَةُ؛ لأنَّ مِلْكَه في العَبْدِ لم يَزُلْ. ذَكَرَهُ ابنُ المُنْذِرِ.
٨٤٨ - مسألة؛ قال: (ومن وُكِّلَ في شِرَاءِ شَىْءٍ فَاشْتَرَى غَيْرَهُ، كَانَ الْآمِرُ مُخَيَّرًا فِي قُبُولِ الشِّرَاءِ، فَإنْ لَمْ يَقْبَلْ، لَزِمَ الوَكِيلَ، إلَّا أنْ يَكُونَ اشْتَرَاهُ بِعَيْنِ الْمَالِ، فَيَبْطُلُ الشِّرَاءُ)
وجملتُه أنَّ الوَكِيلَ في الشِّرَاءِ إذا خَالَفَ مُوَكِّلَهُ، فَاشْتَرَى غيرَ ما وُكِّلَ في شِرَائِه، مثل أن يُوَكِّلَهُ في شِرَاءِ عَبْدٍ فيَشْتَرِىَ جَارِيَةً، لم يَخْلُ من أَنْ يكونَ اشْتَراهُ في ذِمَّتِه أو بِعَيْنِ المالِ، فإن كان اشْتَرَاهُ في ذِمَّتِه، ثم نَقَدَ ثَمَنَهُ، فالشِّرَاءُ صَحِيحٌ؛ لأنَّه إنَّما اشْتَرَى بِثَمَنٍ في ذِمَّتِه، ليس ذلك مِلْكًا لغيرِه. وقال أصحابُ الشّافِعِىِّ: لا يَصِحُّ، في أحَدِ الوَجْهَيْنِ؛ لأنَّه عَقَدَهُ على أنَّه لِلْمُوَكِّلِ، ولم يَأْذَنْ فيه، فلم يَصِحَّ، كما لو اشْتَرَى بِعَيْنِ مَالِه. ولَنا، أنَّه لم يَتَصَرَّفْ في مِلْكِ غيرِه، فصَحَّ، كما لو لم يَنْوِهِ لغيرِه. إذا ثَبَتَ هذا، فعن أحمدَ رِوَايَتَانِ؛ إحْدَاهما، الشِّرَاءُ لازِمٌ لِلْمُشْتَرِى. وهو الوَجْهُ الثاني لأصحابِ الشَّافِعِىِّ؛ لأنَّه اشْتَرَى في ذِمَّتِه بغير إِذْنِ غيرِه، فكان الشِّرَاءُ له، كما لو لم يَنْوِ غيرَه. والرِّوَايةُ الثانية، يَقِفُ على إِجَازَةِ المُوَكِّلِ، فإن أجَازَهُ لَزِمَهُ؛ لأنَّه اشْتَرَى له وقد أجَازَهُ، فلَزِمَهُ، كما لو اشْتَرَى بإِذْنِه، وإن لم يُجِزْهُ لَزِمَ الوَكِيلَ؛ لأنَّه لا يجوزُ أن يَلْزَمَ المُوَكِّلَ، لأنَّه لم يَأْذَنْ في شِرَائِه، ولَزِمَ الوَكِيلَ؛ لأنَّ الشِّرَاءَ صَدَرَ منه، ولم يَثْبُتْ لغيرِه، فيَثْبُتُ في حَقِّه، كما لو اشْتَرَاهُ لِنَفْسِه. وهكذا الحُكْمُ في كلِّ من اشْتَرَى شيئًا في ذِمَّتِه لغيرِه بغيرِ إِذْنِه، سواءٌ كان وَكِيلًا للذى قَصَدَ الشِّرَاءَ له، أو لم يكُنْ وَكِيلًا له. فأمَّا إن اشْتَرَى بِعَيْنِ المالِ، مثل أن يقولَ: بِعْنِى الجارِيَةَ بهذه الدَّنَانِير. أو باعَ مالَ غيرِه بغيرِ إِذْنِه، فالصَّحِيحُ في المذهبِ أنَّ البَيْعَ باطِلٌ. وهو مذهبُ الشّافِعِىِّ. وفيه رِوَايَةٌ أُخْرَى أنَّه صَحِيحٌ، ويَقِفُ على إِجَازَةِ المالِكِ، فإنَّ لم يُجِزْهُ بَطَلَ، وإن أجَازَهُ صَحَّ؛ لِحَدِيثِ
стр. 3469
عُرْوَةَ بن الجَعْدِ، أنَّه باعَ ما لم يُؤْذَنْ له في بَيْعِه، فأقَرَّهُ عليه النبيُّ ﷺ ، ودَعَا له (١)، ولأنَّه تَصَرَّفَ له بِخَيْرٍ، فصَحَّ، ووَقَفَ على الإِجازَةِ، كالوَصِيَّةِ بالزَّائِدِ على الثُّلُثِ. ووَجْهُ الرِّوَايَةِ الأُولَى، أنَّه عَقَدَ على مالِ مَنْ لم يَأْذَنْ له في العَقْدِ، فلم يَصِحَّ، كما لو باعَ مالَ الصَّبِىِّ المُرَاهِقِ، ثم بَلَغ، فأجَازَهُ، ولأنَّ النَّبِىَّ ﷺ قال لِحَكِيمِ بن حِزَامٍ: "لَا تَبِعْ ما لَيْسَ عِنْدَكَ" (١). يَعْنِى ما لا (٢) تَمْلِكُ. وأمَّا حَدِيثُ عُرْوَةَ فإنَّه يَحْتَمِلُ أنَّه كان وَكِيلًا مُطْلَقًا، بِدَلِيلِ أنَّه باعَ وسَلَّمَ المَبِيعَ وأخَذَ ثَمَنَهُ، وليس ذلك جائِزًا لمن لم يُؤْذَنْ له فيه اتِّفاقًا. ومتى حَكَمْنا بِبُطْلَانِ البَيْعِ، فاعْتَرَفَ له العاقِدُ معه بِبُطْلَانِ البَيْعِ، أو ثَبَتَ ذلك بِبَيِّنةٍ، فعليه رَدُّ ما أخَذَهُ، وإن لم يَعْتَرِفْ بذلك، ولا قامَتْ به بَيِّنَةٌ، حَلَفَ العاقِدُ، ولم يَلْزَمْهُ رَدُّ شيءٍ؛ لأنَّ الأَصْلَ أن [تَصَرُّفَ الإِنْسانِ] (٣) لِنَفْسِه، فلا يَصْدُقُ على غيره فيما يُبْطِلُ عَقْدَه. وإن ادَّعَى البائِعُ أنَّه بَاعَ مالَ غيرِه بغير إِذْنِه، فالقولُ قولُ المُشْتَرِى؛ لما ذَكَرْنَاهُ. ولو قال المُشْتَرِى: إنَّك بِعْتَ مالَ غيرِكَ بغيرِ إِذْنِه، فأنْكَرَ البائِعُ ذلك. وقال: بل بِعْتُ مِلْكِى. أو [قال: بِعْتُ] (٤) مالَ مُوَكِّلِى بإِذْنِه. فالقولُ قولُه أيضًا. وإن اتَّفَقَ البائِعُ والمُشْتَرِى على ما يُبْطِلُ البَيْعَ، وقال المُوَكِّلُ: بل البَيْعُ صَحِيحٌ. فالقولُ قولُه مع يَمِينِه، ولا يَلْزَمُه رَدُّ ما أخَذَه من العِوَضِ.
فصل: وإن وَكَّلَهُ في أن يَتَزَوَّجَ له امْرَأةً، فتَزَوَّجَ له غيرَها، أو تَزَوَّجَ له بغير إِذْنِه، فالعَقْدُ فاسِدٌ بكلِّ حالٍ، في إحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ. وهو مذهبُ الشّافِعِىِّ؛ لأنَّ من شَرْطِ صِحَّةِ النِّكَاحِ ذِكْرَ الزَّوْجِ، فإذا كان بغيرِ إِذْنِه، لم يَقَعْ له ولا لِلْوَكِيلِ؛ لأنَّ المَقْصُودَ أَعْيَانُ الزَّوْجَيْنِ، بخِلَافِ البَيْعِ، فإنَّه يجوزُ أن يَشْتَرِىَ له من غيرِ تَسْمِيَةِ المُشْتَرَى له، فَافْتَرَقَا. والرِّواية الثانية، يَصِحُّ النِّكَاحُ، ويَقِفُ على إِجَازَةِ المُتَزَوَّجِ له، فإن أجَازَهُ
стр. 3470
صَحَّ، وإلَّا بَطَلَ. وهذا مذهبُ أبي حنيفةَ. والقولُ فيه كالقولِ في البَيْعِ، على ما تَقَدَّمَ.
فصل: قال القاضي: إذا قال لِرَجُلٍ: اشْتَرِ لِى (٥) بِدَيْنِى عليك طَعَامًا. لم يَصِحَّ. ولو قال: اسْتَلِفْ (٦) لي ألْفًا من مَالِكَ في كُرِّ (٧) [طَعَامٍ. ففَعَلَ، يَصِحَّ؛ لأنَّه لا يجوزُ أن يَشْتَرِىَ الإِنسانُ بمالِه ما يَمْلِكُه غيرُه. وإن قال: اشْتَرِ لي في ذِمَّتِكَ. أو قال: اسْتَلِفْ (٦) لي ألْفًا في كُرِّ طَعَامٍ] (٨)، واقْضِ الثمَنَ عَنِّى من مَالِكَ، أو من الدَّيْنِ الذي لي عليك. صَحَّ؛ لأنَّه إذا اشْتَرَى في الذِّمَّةِ حَصَلَ الشِّرَاءُ لِلْمُوَكِّلِ والثَّمَنُ عليه، فإذا قَضَاهُ من الدَّيْنِ الذي عليه، فقد دَفَعَ الدَّيْنَ إلى مَنْ أمَرَهُ صاحِبُ الدَّيْنِ بِدَفْعِه إليه، وإن قَضَاهُ من مَالِه عن دَيْنِ السَّلَفِ الذي عليه، صارَ قَرْضًا عليه.
فصل: ولا يَمْلِكُ الوَكِيلُ من التَّصَرُّفِ إلَّا ما يَقْتَضِيهِ إِذْنُ مُوَكِّلِه، من جِهَةِ النُّطْقِ، أوٍ من جِهَةِ العُرْفِ؛ لأنَّ تَصَرُّفَه بالإِذْنِ، فاخْتَصَّ بما أَذِنَ فيه، والإِذْنُ يُعْرَفُ بالنُّطْقِ تارَةً وبالعُرْفِ أُخْرَى. ولو وَكَّلَ رجلًا في التَّصَرُّفِ في زَمَنٍ مُقَيَّدٍ، لم يَمْلِكِ التَّصَرُّفَ قَبْلَهُ ولا بعدَه؛ لأنَّه لم يَتَناوَلْهُ إِذْنُه نُطْقًا (٩) ولا عُرْفًا؛ لأنَّه قد يُؤْثِرُ التَّصَرُّفَ في زَمَنِ الحاجَةِ إليه دونَ غيرِه، ولهذا لمَّا عَيَّنَ اللهُ تعالى لِعِبادَتِه وَقْتًا، لم يَجُزْ تَقْدِيمُها عليه ولا تَأْخِيرُها عنه. فلو قال له: بِعْ ثَوْبِى غَدًا. لم يَجُزْ بَيْعُه اليَوْمَ ولا بعدَ غَدٍ. وإن عَيَّنَ له المَكانَ، وكان يَتَعلَّقُ به غَرَضٌ، مثل أن يَأْمُرَهُ ببَيْعِ ثَوْبِه في سُوقٍ، وكان ذلك السُّوق مَعْرُوفًا بِجَوْدَةِ النَّقْدِ، أو كَثْرَةِ الثمَنِ، أو حِلِّه، أو بِصَلاحِ أهْلِه، أو بِمَوَدَّةٍ بين المُوَكِّلِ وبينهم، تَقَيَّدَ الإِذْنُ به؛ لأنَّه قد نَصَّ على أمْرٍ له فيه غَرَضٌ، فلم يَجُزْ تَفْوِيتُه. وإن كان هو وغيرُه سواءً في الغَرَضِ، لم يَتَقَيَّد الإِذْنُ به، وجازَ له البَيْعُ في غيرِه؛ لِمُسَاوَاتِه