← Фикх ханбали

Фикх ханбали · id 6910

المغني لابن قدامة - ت التركي

ابن قدامة

Полный текст (7 955 стр.). Показаны 3466–3505 · переход к 3471.

стр. 3466

بِعَيْنِ المالِ أو في الذِّمَّةِ؛ لأنَّه اشْتَرَى له ما لم يُؤْذَنْ له في شِرَائِه، أشْبَهَ ما لو اشْتَراهُ في الذِّمَّةِ. فصل: نَقَلَ الأَثْرَمُ عن أحمدَ، في رَجُلٍ كان له على آخَرَ دَرَاهِمُ، فقال له: إذا أمْكَنَكَ قَضَاؤُهَا فادْفَعْها إلى فُلَانٍ. وغَابَ صاحِبُ الحَقِّ، ولم يُوصِ إلى هذا الذي أَذِنَ له في القَبْضِ، لكن جَعَلَهُ وَكِيلًا، وتَمَكَّنَ مَن عليه الدَّيْنُ من القَضَاءِ، فَخافَ إن دَفَعَها إلى الوَكِيلِ أن يكونَ المُوَكِّلُ قد ماتَ، ويَخافُ التَّبِعَةَ من الوَرَثَةِ. فقال: لا يُعْجِبُنِى أن يَدْفَعَ إليه لعَلَّه قد ماتَ، لكن يَجْمَعُ بين الوَكِيلِ والوَرَثَةِ، ويَبْرَأُ إليهما من ذلك. هذا ذَكَرَهُ أحمدُ على طَرِيقِ النَّظَرِ لِلْغَرِيمِ، خَوْفًا من التَّبِعَةِ من الوَرَثَةِ إن كان مَوْرُوثُهُم قد ماتَ، فانْعَزَلَ وَكِيلُه وصَارَ الحَقُّ لهم، فيَرجِعُونَ على الدَّافِعِ إلى الوَكِيلِ. فأمَّا من طَرِيقِ الحُكْمِ، فَلِلْوَكِيلِ المُطَالَبَةُ، وللآخَرِ الدَّفْعُ إليه، فإنَّ أحمدَ قد نَصَّ في رِوَايةِ حَرْبٍ: إذا وَكَّلَه في الحَدِّ وغَابَ، اسْتَوْفَاهُ الوَكِيلُ. وهو أبْلَغُ من هذا؛ لكَوْنِه يُدْرَأُ بالشُّبُهاتِ، لكن هذا احْتِيَاطٌ حَسَنٌ، وَتَبْرِئَةٌ لِلْغَرِيمِ (٢٠) ظَاهِرًا وبَاطِنًا، وإزَالَةٌ لِلتَّبِعَةِ عنه. وفى هذه الرِّوَايَةِ دَلِيلٌ على أنَّ الوَكِيلَ انْعَزَلَ بمَوْتِ المُوَكِّلِ، وإن لم يَعْلَمْ بِمَوْتِه؛ لأنَّه اخْتَارَ أن لا يَدْفَعَ إلى الوَكِيلِ خَوْفًا مِن أن يكونَ المُوَكِّلُ قد ماتَ، فانْتَقَلَ إلى الوَرَثَةِ. ويجوزُ أن يكونَ اخْتَارَ هذا لئلَّا يكونَ القاضِى مِمَّن يَرَى أن الوَكِيلَ يَنْعَزِلُ بالمَوْتِ، فيَحْكُمُ عليه بانْعِزَالِه (٢١). وفيها دَلِيلٌ على جَوَازِ تَرَاخِى القَبُولِ عن الإِيجَابِ؛ لأنَّه وَكَّلَهُ في قَبْضِ (٢٢) الحَقِّ ولم يَعْلَمْهُ، ولم يكُنْ حاضِرًا فيَقْبَلُ. وفيها دَلِيلٌ على صِحَّةِ التَّوْكِيلِ بغيرِ لَفْظِ التَّوْكِيلِ. وقد نَقَلَ جعفرُ بن محمدٍ، في رَجُلٍ قال لِرَجُلٍ: بِعْ ثَوْبِى. ليس (٢٣) بشيءٍ (٢٤) حتى يقولَ: قد وَكَّلْتُكَ. وهذا سَهْوٌ من النَّاقِلِ. وقد تَقَدَّمَ

стр. 3467

ذِكْرُ الدَّلِيلِ على جَوَازِ التَّوْكِيلِ بغيرِ لَفْظِ التَّوْكِيلِ، وهو الذي نَقَلَهُ (٢٥) الجَمَاعَةُ. ٨٤٧ - مسألة؛ قال: (وَإِذَا وَكَّلَهُ فِي طَلَاقِ زَوْجَتِهِ، فَهُوَ فِي يَدِهِ حَتَّى يَفْسَخَ أوْ يَطَأَ) وجُمْلَةُ ذلك أنَّ الوَكَالَةَ إذا وَقَعَتْ مُطْلَقَةً غيرَ مُؤَقَّتَةٍ، مَلَكَ التَّصَرُّفَ أبدًا، ما لم تَنْفَسِخ الوَكَالَةُ، وفَسْخُ الوَكَالةِ أن يقولَ: فَسَخْتُ الوَكَالَةَ، أو أَبْطَلْتُها، أو نَقَضْتُها، أو عَزَلْتُكَ، أو صَرَفْتُكَ عنها، وأَزَلْتُكَ عنها. أو يَنْهَاهُ عن فِعْلِ ما أمَرَهُ به أو وَكَّلَهُ فيه، وما أشْبَهَ هذا من الأَلْفَاظِ المُقْتَضِيَةِ عَزْلَهُ أو (١) المُؤَدِّيَةِ (٢) مَعْنَاه، أو يَعْزِلَ الوَكِيلُ نَفْسَه، أو يُوجَدَ ما يَقْتَضِى فَسْخَهَا حُكْمًا، على ما قد ذَكَرْنا، أو يَزُولَ مِلْكُه عَمّا قد وَكَّلَهُ في التَّصَرُّفِ فيه، أو يُوجَدَ ما يَدُلُّ على الرُّجُوعِ عن (٣) الوَكَالةِ. فإذا وَكَّلَهُ في طَلَاقِ امْرأَتِه، ثم وَطِئَها، انْفَسَخَتِ الوَكَالَةُ؛ لأنَّ ذلك يَدُلُّ على رَغْبَتِه فيها، واخْتِيَارِه إمْسَاكَها. وكذلك لو (٤) وَطِئَها بعد طَلَاقِها طَلَاقًا رَجْعِيًّا، كان ارْتِجَاعًا لها، فإذا اقْتَضَى رَجْعَتَها بعد طَلَاقِها، فَلأَنْ يَقْتَضِىَ اسْتِبْقَاءَها على نِكاحِه (٥) ومَنْعَ طَلَاقِهَا أَوْلَى. وإن بَاشَرَها دون الفَرْجِ، أو قَبَّلَها، أو فَعَلَ بها ما يَحْرُمُ على غيرِ الزَّوْجِ، فهل تَنْفَسِخُ الوَكَالَةُ في الطَّلَاقِ؟ يَحْتَمِلُ وَجْهَيْنِ، بِنَاءً على الخِلَافِ في حُصُولِ الرَّجْعَةِ به. وإن وَكَّلَهُ في بَيْعِ عَبْدٍ، ثم أعْتَقَهُ، أو بَاعَهُ بَيْعًا صَحِيحًا، أو كَاتَبَهُ، أو دَبَّرَهُ، انْفَسَخَتِ الوَكَالَةُ؛ لأنَّه بِزَوَالِ مِلْكِه لا يَبْقَى له إِذْن في التَّصَرُّفِ فيما لا يَمْلِكُه، وفى الكِتَابَةِ والتَّدْبِيرِ على احْدَى الرِّوَايَتَيْنِ لم يَبْقَ مَحلًّا لِلْبَيْعِ، وعلى الرِّوَايَةِ الأُخْرَى، تَصَرُّفُه

стр. 3468

فيه بذلك يَدُلُّ على أنَّه قَصَدَ الرُّجُوعَ عن بَيْعِه. وإن بَاعَهُ بَيْعًا فَاسِدًا لم تَبْطُل الوَكَالَةُ؛ لأنَّ مِلْكَه في العَبْدِ لم يَزُلْ. ذَكَرَهُ ابنُ المُنْذِرِ. ٨٤٨ - مسألة؛ قال: (ومن وُكِّلَ في شِرَاءِ شَىْءٍ فَاشْتَرَى غَيْرَهُ، كَانَ الْآمِرُ مُخَيَّرًا فِي قُبُولِ الشِّرَاءِ، فَإنْ لَمْ يَقْبَلْ، لَزِمَ الوَكِيلَ، إلَّا أنْ يَكُونَ اشْتَرَاهُ بِعَيْنِ الْمَالِ، فَيَبْطُلُ الشِّرَاءُ) وجملتُه أنَّ الوَكِيلَ في الشِّرَاءِ إذا خَالَفَ مُوَكِّلَهُ، فَاشْتَرَى غيرَ ما وُكِّلَ في شِرَائِه، مثل أن يُوَكِّلَهُ في شِرَاءِ عَبْدٍ فيَشْتَرِىَ جَارِيَةً، لم يَخْلُ من أَنْ يكونَ اشْتَراهُ في ذِمَّتِه أو بِعَيْنِ المالِ، فإن كان اشْتَرَاهُ في ذِمَّتِه، ثم نَقَدَ ثَمَنَهُ، فالشِّرَاءُ صَحِيحٌ؛ لأنَّه إنَّما اشْتَرَى بِثَمَنٍ في ذِمَّتِه، ليس ذلك مِلْكًا لغيرِه. وقال أصحابُ الشّافِعِىِّ: لا يَصِحُّ، في أحَدِ الوَجْهَيْنِ؛ لأنَّه عَقَدَهُ على أنَّه لِلْمُوَكِّلِ، ولم يَأْذَنْ فيه، فلم يَصِحَّ، كما لو اشْتَرَى بِعَيْنِ مَالِه. ولَنا، أنَّه لم يَتَصَرَّفْ في مِلْكِ غيرِه، فصَحَّ، كما لو لم يَنْوِهِ لغيرِه. إذا ثَبَتَ هذا، فعن أحمدَ رِوَايَتَانِ؛ إحْدَاهما، الشِّرَاءُ لازِمٌ لِلْمُشْتَرِى. وهو الوَجْهُ الثاني لأصحابِ الشَّافِعِىِّ؛ لأنَّه اشْتَرَى في ذِمَّتِه بغير إِذْنِ غيرِه، فكان الشِّرَاءُ له، كما لو لم يَنْوِ غيرَه. والرِّوَايةُ الثانية، يَقِفُ على إِجَازَةِ المُوَكِّلِ، فإن أجَازَهُ لَزِمَهُ؛ لأنَّه اشْتَرَى له وقد أجَازَهُ، فلَزِمَهُ، كما لو اشْتَرَى بإِذْنِه، وإن لم يُجِزْهُ لَزِمَ الوَكِيلَ؛ لأنَّه لا يجوزُ أن يَلْزَمَ المُوَكِّلَ، لأنَّه لم يَأْذَنْ في شِرَائِه، ولَزِمَ الوَكِيلَ؛ لأنَّ الشِّرَاءَ صَدَرَ منه، ولم يَثْبُتْ لغيرِه، فيَثْبُتُ في حَقِّه، كما لو اشْتَرَاهُ لِنَفْسِه. وهكذا الحُكْمُ في كلِّ من اشْتَرَى شيئًا في ذِمَّتِه لغيرِه بغيرِ إِذْنِه، سواءٌ كان وَكِيلًا للذى قَصَدَ الشِّرَاءَ له، أو لم يكُنْ وَكِيلًا له. فأمَّا إن اشْتَرَى بِعَيْنِ المالِ، مثل أن يقولَ: بِعْنِى الجارِيَةَ بهذه الدَّنَانِير. أو باعَ مالَ غيرِه بغيرِ إِذْنِه، فالصَّحِيحُ في المذهبِ أنَّ البَيْعَ باطِلٌ. وهو مذهبُ الشّافِعِىِّ. وفيه رِوَايَةٌ أُخْرَى أنَّه صَحِيحٌ، ويَقِفُ على إِجَازَةِ المالِكِ، فإنَّ لم يُجِزْهُ بَطَلَ، وإن أجَازَهُ صَحَّ؛ لِحَدِيثِ

стр. 3469

عُرْوَةَ بن الجَعْدِ، أنَّه باعَ ما لم يُؤْذَنْ له في بَيْعِه، فأقَرَّهُ عليه النبيُّ ﷺ ، ودَعَا له (١)، ولأنَّه تَصَرَّفَ له بِخَيْرٍ، فصَحَّ، ووَقَفَ على الإِجازَةِ، كالوَصِيَّةِ بالزَّائِدِ على الثُّلُثِ. ووَجْهُ الرِّوَايَةِ الأُولَى، أنَّه عَقَدَ على مالِ مَنْ لم يَأْذَنْ له في العَقْدِ، فلم يَصِحَّ، كما لو باعَ مالَ الصَّبِىِّ المُرَاهِقِ، ثم بَلَغ، فأجَازَهُ، ولأنَّ النَّبِىَّ ﷺ قال لِحَكِيمِ بن حِزَامٍ: "لَا تَبِعْ ما لَيْسَ عِنْدَكَ" (١). يَعْنِى ما لا (٢) تَمْلِكُ. وأمَّا حَدِيثُ عُرْوَةَ فإنَّه يَحْتَمِلُ أنَّه كان وَكِيلًا مُطْلَقًا، بِدَلِيلِ أنَّه باعَ وسَلَّمَ المَبِيعَ وأخَذَ ثَمَنَهُ، وليس ذلك جائِزًا لمن لم يُؤْذَنْ له فيه اتِّفاقًا. ومتى حَكَمْنا بِبُطْلَانِ البَيْعِ، فاعْتَرَفَ له العاقِدُ معه بِبُطْلَانِ البَيْعِ، أو ثَبَتَ ذلك بِبَيِّنةٍ، فعليه رَدُّ ما أخَذَهُ، وإن لم يَعْتَرِفْ بذلك، ولا قامَتْ به بَيِّنَةٌ، حَلَفَ العاقِدُ، ولم يَلْزَمْهُ رَدُّ شيءٍ؛ لأنَّ الأَصْلَ أن [تَصَرُّفَ الإِنْسانِ] (٣) لِنَفْسِه، فلا يَصْدُقُ على غيره فيما يُبْطِلُ عَقْدَه. وإن ادَّعَى البائِعُ أنَّه بَاعَ مالَ غيرِه بغير إِذْنِه، فالقولُ قولُ المُشْتَرِى؛ لما ذَكَرْنَاهُ. ولو قال المُشْتَرِى: إنَّك بِعْتَ مالَ غيرِكَ بغيرِ إِذْنِه، فأنْكَرَ البائِعُ ذلك. وقال: بل بِعْتُ مِلْكِى. أو [قال: بِعْتُ] (٤) مالَ مُوَكِّلِى بإِذْنِه. فالقولُ قولُه أيضًا. وإن اتَّفَقَ البائِعُ والمُشْتَرِى على ما يُبْطِلُ البَيْعَ، وقال المُوَكِّلُ: بل البَيْعُ صَحِيحٌ. فالقولُ قولُه مع يَمِينِه، ولا يَلْزَمُه رَدُّ ما أخَذَه من العِوَضِ. فصل: وإن وَكَّلَهُ في أن يَتَزَوَّجَ له امْرَأةً، فتَزَوَّجَ له غيرَها، أو تَزَوَّجَ له بغير إِذْنِه، فالعَقْدُ فاسِدٌ بكلِّ حالٍ، في إحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ. وهو مذهبُ الشّافِعِىِّ؛ لأنَّ من شَرْطِ صِحَّةِ النِّكَاحِ ذِكْرَ الزَّوْجِ، فإذا كان بغيرِ إِذْنِه، لم يَقَعْ له ولا لِلْوَكِيلِ؛ لأنَّ المَقْصُودَ أَعْيَانُ الزَّوْجَيْنِ، بخِلَافِ البَيْعِ، فإنَّه يجوزُ أن يَشْتَرِىَ له من غيرِ تَسْمِيَةِ المُشْتَرَى له، فَافْتَرَقَا. والرِّواية الثانية، يَصِحُّ النِّكَاحُ، ويَقِفُ على إِجَازَةِ المُتَزَوَّجِ له، فإن أجَازَهُ

стр. 3470

صَحَّ، وإلَّا بَطَلَ. وهذا مذهبُ أبي حنيفةَ. والقولُ فيه كالقولِ في البَيْعِ، على ما تَقَدَّمَ. فصل: قال القاضي: إذا قال لِرَجُلٍ: اشْتَرِ لِى (٥) بِدَيْنِى عليك طَعَامًا. لم يَصِحَّ. ولو قال: اسْتَلِفْ (٦) لي ألْفًا من مَالِكَ في كُرِّ (٧) [طَعَامٍ. ففَعَلَ، يَصِحَّ؛ لأنَّه لا يجوزُ أن يَشْتَرِىَ الإِنسانُ بمالِه ما يَمْلِكُه غيرُه. وإن قال: اشْتَرِ لي في ذِمَّتِكَ. أو قال: اسْتَلِفْ (٦) لي ألْفًا في كُرِّ طَعَامٍ] (٨)، واقْضِ الثمَنَ عَنِّى من مَالِكَ، أو من الدَّيْنِ الذي لي عليك. صَحَّ؛ لأنَّه إذا اشْتَرَى في الذِّمَّةِ حَصَلَ الشِّرَاءُ لِلْمُوَكِّلِ والثَّمَنُ عليه، فإذا قَضَاهُ من الدَّيْنِ الذي عليه، فقد دَفَعَ الدَّيْنَ إلى مَنْ أمَرَهُ صاحِبُ الدَّيْنِ بِدَفْعِه إليه، وإن قَضَاهُ من مَالِه عن دَيْنِ السَّلَفِ الذي عليه، صارَ قَرْضًا عليه. فصل: ولا يَمْلِكُ الوَكِيلُ من التَّصَرُّفِ إلَّا ما يَقْتَضِيهِ إِذْنُ مُوَكِّلِه، من جِهَةِ النُّطْقِ، أوٍ من جِهَةِ العُرْفِ؛ لأنَّ تَصَرُّفَه بالإِذْنِ، فاخْتَصَّ بما أَذِنَ فيه، والإِذْنُ يُعْرَفُ بالنُّطْقِ تارَةً وبالعُرْفِ أُخْرَى. ولو وَكَّلَ رجلًا في التَّصَرُّفِ في زَمَنٍ مُقَيَّدٍ، لم يَمْلِكِ التَّصَرُّفَ قَبْلَهُ ولا بعدَه؛ لأنَّه لم يَتَناوَلْهُ إِذْنُه نُطْقًا (٩) ولا عُرْفًا؛ لأنَّه قد يُؤْثِرُ التَّصَرُّفَ في زَمَنِ الحاجَةِ إليه دونَ غيرِه، ولهذا لمَّا عَيَّنَ اللهُ تعالى لِعِبادَتِه وَقْتًا، لم يَجُزْ تَقْدِيمُها عليه ولا تَأْخِيرُها عنه. فلو قال له: بِعْ ثَوْبِى غَدًا. لم يَجُزْ بَيْعُه اليَوْمَ ولا بعدَ غَدٍ. وإن عَيَّنَ له المَكانَ، وكان يَتَعلَّقُ به غَرَضٌ، مثل أن يَأْمُرَهُ ببَيْعِ ثَوْبِه في سُوقٍ، وكان ذلك السُّوق مَعْرُوفًا بِجَوْدَةِ النَّقْدِ، أو كَثْرَةِ الثمَنِ، أو حِلِّه، أو بِصَلاحِ أهْلِه، أو بِمَوَدَّةٍ بين المُوَكِّلِ وبينهم، تَقَيَّدَ الإِذْنُ به؛ لأنَّه قد نَصَّ على أمْرٍ له فيه غَرَضٌ، فلم يَجُزْ تَفْوِيتُه. وإن كان هو وغيرُه سواءً في الغَرَضِ، لم يَتَقَيَّد الإِذْنُ به، وجازَ له البَيْعُ في غيرِه؛ لِمُسَاوَاتِه

стр. 3471

المَنْصُوصَ عليه في الغَرَضِ، فكان تَنْصِيصُه على أحَدِهما إِذْنًا في الآخَرِ، كما لو اسْتَأْجَرَ أو اسْتَعارَ أَرْضًا لِزِرَاعَةِ شيءٍ، كان إِذْنًا في زِرَاعَةِ مثلِه وما (١٠) دُونَهُ، ولو اكْتَرَى (١١) عَقَارًا كان له أن يُسْكِنَه مثلَه، ولو نَذَرَ صَلَاةً أو اعْتِكافًا في مَسْجِدٍ، جازَ الاعْتِكافُ والصلاةُ في غيرِه. وسواءٌ قَدَّرَ له الثَّمَنَ أو لم يُقَدِّرْهُ. [وإن عَيَّنَ له المُشْتَرِى، فقال: بِعْهُ فُلَانًا. لم يَمْلِكْ بَيْعَه لغيرِه، بغير خِلَافٍ عَلِمْناهُ، سواءٌ قَدَّرَ له الثَّمَنَ أو لم يقَدِّرْهُ] (١٢)؛ لأنَّه قد يكونُ له غَرَضٌ في تَمْلِيكِه إيَّاه دونَ غيرِه، إلَّا أن يَعْلَمَ الوَكِيلُ بقَرينَةٍ أو صَرِيحٍ أنَّه لا غرَضَ له في عَيْنِ المُشْتَرِى. فصل: وإن وَكَّلَهُ في عَقْدٍ فاسِدٍ، لم يَمْلِكْهُ؛ لأنَّ اللهَ تعالى لم يَأْذَنْ فيه، ولأنَّ المُوَكِّلَ لا يَمْلِكُه، فالوَكِيلُ أَوْلَى. ولا يَمْلِكُ الصَّحِيحَ؛ لأنَّ المُوَكِّلَ لم يَأْذَنْ فيه. وبهذا قال الشّافِعِىّ. وقال أبو حنيفةَ: يَمْلِكُ الصَّحِيحَ؛ لأنَّه إذا أَذِنَ في الفاسِدِ، فالصَّحِيحُ أَوْلَى ولَنا، أنَّه أَذِنَ له في مُحَرَّمٍ، فلم يَمْلِك الحَلالَ بهذا الإِذْنِ، كما لو أَذِنَ في شِرَاءِ خَمْرٍ وخِنْزِيرٍ، لم يَمْلِكْ شِرَاءَ الخَيْلِ والغَنَمِ. فصل: وإن وَكَّلَهُ في بَيْعِ عَبْدٍ أو حَيَوانٍ أو عَقَارٍ ونحوِه، أو شِرَائِه، لم يَمْلِكِ العَقْدَ على بَعْضِه؛ لأنَّ التَّوْكِيلَ تَنَاوَلَ جَمِيعَهُ، وفى التَّبْعِيضِ إِضْرَارٌ بالمُوَكِّلِ وتَشْقِيصٌ لِمِلْكِه، ولم يَأْذَنْ له (١٣) فيه. وإن وَكَّلَهُ في بَيْعِ عَبِيدٍ أو شِرَائِهِم، مَلَكَ العَقْدَ عليهم [جُمْلَةً، وواحِدًا] (١٤) واحدًا، لأنَّ الإِذْنَ يَتَناوَلُ العَقْدَ عليهم جُمْلَةً، والعُرْفُ في بَيْعِهِم وشِرَائِهِم العَقْدُ على واحدٍ واحدٍ، ولا ضَرَرَ في جَمْعِهِم ولا إِفْرَادِهم. وإن قال: اشْتَرِ لي عَبِيدًا صَفْقةً واحِدَةً، أو واحدًا واحدًا، أو بِعْهُم. لم تَجُزْ مُخَالَفَتُه؛ لأنَّ تَنْصِيصَه على

стр. 3472

ذلك يَدُلُّ على غَرَضِه فيه، فلم يَتَنَاوَلْ إِذْنُه سِوَاه. وإن قال: اشْتَرِ لي عَبْدَيْنِ صَفْقةً. فاشْتَرَى عَبْدَيْنِ لِاثْنَيْنِ مُشْتَرَكَيْنِ بينهما، من وَكِيلِهما، أو من أحَدِهما بإِذْنِ الآخَرِ، جازَ. وإن كان لكلِّ واحدٍ منهما عَبْدٌ مُفْرَدٌ، فاشْتَرَاهما من المالِكَيْنِ، بأن أوْجَبَا له البَيْعَ فيهما، وقَبِلَ ذلك منهما بِلَفْظٍ واحدٍ، فقال القاضي: لا يَلْزَمُ المُوَكِّلَ. وهو مذهبُ الشَّافِعِىِّ؛ لأنَّ عَقْدَ الواحِدِ مغ الاثْنَيْنِ عَقْدَانِ. ويَحْتَمِلُ أن يَلْزَمَهُ؛ لأنَّ القَبُولَ هو الشِّرَاءُ، وهو مُتَّحِدٌ، والغَرَضُ لا يَخْتَلِفُ. وإن اشْتَرَاهما من وَكِيلِهما، وعَيَّنَ ثَمَنَ كلِّ واحدٍ منهما، مثل أن يقولَ: بِعْتُكَ (١٥) هذَيْنِ العَبْدَيْنِ، هذا بمائةٍ وهذا بمائتَيْنِ. فقال: قَبِلْتُ. احْتَمَلَ أيضًا وَجْهَيْنِ. وإن لم يُعَيِّنْ ثمَنَ كلِّ واحدٍ منهما، لم يَصِحَّ البَيْعُ في أحَدِ الوَجْهَيْنِ؛ لأنَّ ثمَنَ كلِّ واحدٍ منهما مَجْهُولٌ. ويَحْتَمِلُ أن يَصِحَّ ويُقَسَّطَ الثمَنُ على قَدْرِ قِيمَتِهما. فصل: فإن دَفَعَ إليه دَراهِمَ، وقال: اشتَرِ لي بهذه عَبْدًا. كان له أن يَشْتَرِيَهُ بِعَيْنِها، وفى الذِّمَّةِ؛ لأنَّ الشِّرَاءَ يَقَعُ على هذَيْنِ الوَجْهَيْنِ، فإذا أَطْلَقَ الوَكَالةَ، كان له فِعْلُ ما شَاءَ منهما. وإن قال: اشْتَرِ بِعَيْنِها. فاشْتَرَاهُ في ذِمَّتِه، ثم نَقَدَها، لم يَلْزَمِ المُوَكِّلَ؛ لأنَّه إذا تَعَيَّنَ الثَّمَنُ، انْفَسَخَ العَقْدُ بِتَلَفِه، أو كَوْنِه مَغْصُوبًا، ولم يَلْزَمْهُ ثمَنٌ في ذِمَّتِه، وهذا غَرَضٌ لِلْمُوَكِّلِ، فلم تَجُزْ مُخَالَفَتُه، ويَقَعُ الشِّرَاءُ لِلْوَكِيلِ. وهل يَقِفُ على إِجَازَةِ المُوَكِّلِ؟ على رِوَايَتَيْنِ. وإن قال: اشْتَرِ لي في ذِمَّتِكَ، وانْقُدْ هذه الدَّرَاهِمَ ثمَنًا. فاشْتَرَاهُ بِعَيْنِها، فقال أصحابُنا: يَلْزَمُ المُوَكِّلَ؛ لأنَّه أَذِنَ له في عَقْدٍ يَلْزَمُه به الثمَنُ مع بَقَاءِ الدَّرَاهِم وتَلَفِها، فكان إِذْنًا في عَقْدٍ (١٦) لا يَلْزَمُه الثَّمَنُ إلَّا مع بَقائِها. ويَحْتَمِلُ أن لا يَصِحَّ؛ لأنَّه قد يكونُ له غَرَضٌ في الشِّرَاءِ بغير عَيْنِها، لكَوْنِها فيها شُبْهَةٌ لا يَجِبُ أن يَشْتَرِىَ بها، أو يَجِبُ وُقُوعُ العَقْدِ على وَجْهٍ لا يَنْفَسِخُ بِتَلَفِها، ولا يَبْطُلُ بِتَحْرِيمِها، وهذا غَرَضٌ صَحِيحٌ، فلا يجوزُ تَفْوِيتُه عليه، كما لم يَجُزْ تَفْوِيتُ غَرَضِه في الصُّورةِ

стр. 3473

الأُولَى. ومذهبُ الشَّافِعِىّ في هذا كلِّه كنَحْوِ ما ذَكَرْناهُ. فصل: وإن عَيَّنَ له الشِّرَاءَ بِنَقْدٍ أو حَالًّا، لم تَجُزْ مُخَالَفَتُه. وإن أَذِنَ له في النَّسِيئَةِ والبَيْعِ بأيِّ نَقْدٍ شاءَ، جَازَ. وإن أطْلَقَ، لم يَبِعْ إلَّا حَالًّا بِنَقْدِ البَلَدِ؛ لأنَّ الأَصْلَ في البَيْعِ الحُلُولُ، وإطْلَاقُ النَّقْدِ يَنْصَرِفُ إلى نَقْدِ البَلَدِ، ولهذا لو باعَ عَبْدَه بِعَشرَة دَرَاهِم وأَطْلَقَ، حُمِلَ على الحُلُولِ بِنَقْدِ البَلَدِ. وإن كان في البَلَدِ نَقْدَانِ، باعَ بأغْلَبِهِمَا، فإن تَسَاوَيا، باعَ بما شَاءَ منهما. وبهذا قال الشّافِعِىُّ. وقال أبو حنيفةَ وصاحِباهُ: له البَيْعُ نَسَاءً؛ لأنَّه مُعْتَادٌ فأَشْبَه الحالَّ. ويَتَخَرَّجُ لنا [مثلُ ذلك] (١٧) بنَاءً على الرِّوَايةِ في المُضَارِبِ، وقد ذَكَرْنَاهَا. والأَوَّلُ أَوْلَى؛ لأنَّه لو أَطْلَقَ البَيْعَ حُمِلَ على الحُلُولِ، فكذلك إذا أَطْلَقَ الوَكَالَةَ فيه، ولا نُسَلِّمُ تَسَاوِى العادَةِ فيهما، فإنَّ بَيْعَ الحالِّ أَكْثَرُ، ويُفَارِقُ المُضَارَبَةَ لِوَجْهَيْنِ؛ أحدِهما، أنَّ المَقْصُودَ من المُضارَبةِ الرِّبْحُ، لا دَفْعُ الحاجَةِ بالثَّمَنِ في الحال، وقد يكونُ المَقْصُودُ في الوَكَالَةِ دَفْعَ حاجَةٍ ناجِزَةٍ تَفُوتُ بتَأْخِيرِ الثمَنِ. والثانى، أنَّ اسْتِيفَاءَ الثَّمَنِ في المُضارَبةِ على المُضَارِبِ، فيَعُودُ ضَرَرُ التَّأْخِيرِ في التَّقَاضِى عليه، وههُنا بِخِلَافِه، فلا يَرْضَى به المُوَكِّلُ، ولأنَّ الضَّرَرَ في تَوَى الثَّمَنِ (١٨) على المُضَارِبِ، لأنَّه يُحْسَبُ من الرِّبْحِ، لكَوْنِ الرِّبْحِ وِقَايةً لِرَأْسِ المالِ، وههُنا يَعُودُ على المُوَكِّلِ، فانْقَطَعَ الإِلْحاقُ. فصل: إذا وَكَّلَهُ في بَيْعِ سِلْعَةٍ نَسِيئَةً، فباعَها نَقْدًا بدُونِ ثَمَنِها نَسِيئَةً، أو بدونِ ما عَيَّنَهُ له، لم ينْفَذْ بَيْعُه؛ لأنَّه مُخَالِفٌ لِمُوَكِّلِه، لأنَّه رَضِىَ بثَمَنِ النَّسِيئَةِ دُونَ النَّقْدِ. وإن باعَها نقْدًا بما تُسَاوِى نَسِيئَةً، أو عَيَّنَ له ثَمَنَها فبَاعَها به نَقْدًا، فقال القاضي: يَصِحُّ؛ لأنَّه زَادَهُ خَيْرًا، فكان مَأْذُونًا فيه عُرْفًا، فأَشْبَه ما لو وَكَّلَهُ في بَيْعِها بِعَشَرَةٍ فبَاعَها بأَكْثَرَ منها. ويَحْتَمِلُ أن يُنْظَر فيه، فإن لم يكُنْ له غَرَضٌ في النَّسِيئَةِ صَحَّ، وإن كان فيها

стр. 3474

غَرَضٌ، نحو أن يكونَ الثمَنُ ممَّا يُسْتَضَرُّ بحِفْظِه في الحال، أو يُخَافُ عليه من التَّلَفِ أو المُتَغَلِّبِين، أو يَتَغَيَّرُ عن حالِه إلى وَقْتِ الحُلُولِ، فهو كمَنْ لم يُؤْذَنْ له؛ لأنَّ حُكْمَ الحُلُولِ (١٩) لا يَتَنَاوَلُ المَسْكُوتَ عنه إلَّا إذا عُلِمَ أنه في المَصْلَحَةِ، كالمَنْطُوقِ أو أَكْثَرَ، فيكون الحُكْمُ فيه ثابِتًا بِطَرِيقِ التَّنْبِيهِ أو المُمَاثَلَةِ، ومتى كان في المَنْطُوقِ به غَرَضٌ مُخْتَصٌّ به لم يَجُزْ تَفْوِيتُه، ولا ثُبُوتُ الحُكْمِ في غيرِه. وقد ذَكَرَ القاضي نحوَ هذا في مَوْضِعٍ آخَرَ. فصل: وإن وَكَّلَهُ في الشِّرَاءِ بِثَمَنٍ نَقْدًا، فاشْتَراهُ نَسِيئَةً بأَكْثَرَ من ثَمَنِ النَّقْدِ، لم يَقَعْ لِلْمُوَكِّلِ. وإن اشْتَرَاهُ نَسِيئَةً بِثَمَنِه نَقْدًا، أو بما عَيَّنَهُ له، فهى كالتى قَبْلَها. ويَصِحُّ لِلْمُوَكِّلِ في قول القاضي. وعلى ما ذَكَرْنَا يُنْظَرُ في ذلك؛ فإن كان فيه ضَرَرٌ، نحو أن يَسْتَضِرَّ بِبَقَاءِ الثمَنِ معه ونحو ذلك، لم يَجُزْ، كقَوْلِنَا في التي قَبْلَها. ولأصحابِ الشَّافِعِىّ في صِحَّةِ الشِّرَاءِ وَجْهانِ. فصل: وليس له أن يَبِيعَ بدُونِ ثَمَنِ المِثْلِ، أو دون ما قَدَّرَهُ له، ولا يَشْتَرِىَ بأَكْثَرَ من ثَمَنِ المِثْلِ، أو أكْثَرَ ممَّا قَدَّرَ له. وبهذا قال الشّافِعِىُّ، وأبو يوسف، ومحمدٌ. وقال أبو حنيفةَ: إذا أَطْلَقَ الوَكَالةَ في البَيْعِ، فله البَيْعُ بأيِّ ثَمَنٍ كان؛ لأنَّ لَفْظَه في الإِذْنِ مُطْلَقٌ، فيَجِبُ حَمْلُه على إطْلَاقِه. ولَنا، أَنَّه تَوْكِيلٌ مُطْلَقٌ في عَقْدِ مُعَاوَضَةٍ، فاقْتَضَى ثَمَنَ المِثْلِ، كالشِّرَاءِ، فإِنَّه وافَقَ عليه، وما ذَكَرَهُ (٢٠) يَنْتَقِضُ بالشِّرَاءِ. فإن باعَ بأقَلَّ من ثَمَنِ المِثْلِ، أو اشْتَرَى بأَكْثَرَ منه ممَّا لا يَتَغَابَنُ الناسُ بمثلِه، أو باعَ بدُونِ ما قَدَّرَ (٢١) له، أو اشْتَرَى بأَكْثَرَ منه، فحُكْمُه حُكْمُ مَن لم يُؤْذَنْ له في البَيْعِ والشِّرَاءِ. وهذا قولُ الشّافِعِىِّ. وعن أحمدَ أنَّ البَيْعَ جائِزٌ دون الشِّرَاءِ، ويَضْمَنُ الوَكِيلُ النَّقْصَ؛ لأنَّ مَن صَحَّ بَيْعُه بِثَمَنِ المِثْلِ، صَحَّ بدُونِه، كالمَرِيضِ. فعلَى هذه الرِّوَايَةِ يكونُ البَيْعُ صَحِيحًا،

стр. 3475

وعلى الوَكِيلِ ضَمَانُ النَّقْصِ، وفى قَدرِه وَجْهانِ؛ أحَدُهما، ما بَيْنَ ثَمَنِ المِثْلِ وما بَاعَهُ (٢٢) به. والثاني، ما بين ما يَتَغَابَنُ الناسُ به، وما لا يَتَغَابَنُ الناسُ به؛ لأنَّ ما يَتَغابَنُ الناسُ به يَصِحُّ بَيْعُه به ولا ضَمَانَ عليه. والأَوَّلُ أقْيَسُ؛ لأنَّه لم يُؤْذَنْ لِلْوَكِيلِ في هذا البَيْعِ، فأشْبَه بَيْعَ الأَجْنَبِىِّ. ولو أَذِنَ له في البَيْعِ، لم يكُنْ عليه ضَمَانٌ، فأشْبَهَ الشِّرَاءَ. وكلُّ تَصَرُّفٍ كان الوَكِيلُ مُخَالِفًا فيه لِمُوَكِّلِه، فحُكْمُه فيه حُكْمُ تَصَرُّفِ الأَجْنَبِىِّ، على ما نَذْكُرُ (٢٣) في مَوْضِعِه إن شاء اللَّه. وأمَّا ما يَتَغَابَنُ الناسُ به عادَةً، فمَعْفُوٌّ عنه إذا لم يكُنْ المُوَكِّلُ قَدَّرَ له الثَّمَنَ؛ لأنَّ ما يَتَغَابَنُ الناسُ به يُعَدُّ ثمَنَ (٢٤) المِثْلِ، ولا يُمْكِنُ التَّحَرُّزُ عنه. ولو حَضَرَ من يَزِيدُ على ثَمَنِ المِثْلِ، لم يَجُزْ أن يَبِيعَ بثَمَنِ المِثْلِ؛ لأنَّ عليه الاحْتِيَاطَ وطَلَبَ الحَظِّ لِمُوَكِّلِه. وإن باعَ بثَمَنِ المِثْلِ، فحَضَرَ مَن يَزِيدُ في مُدَّةِ الخِيَارِ، لم يَلْزَمْهُ فَسْخُ العَقْدِ، في الصَّحِيحِ؛ لأنَّ الزِّيَادَةَ مَمْنُوعٌ منها، مَنْهِىٌّ عنها، فلا يَلْزَمُ الرُّجُوعُ إليها، ولأنَّ المُزَايِدَ قد لا يَثْبُتُ على الزِّيَادَةِ، فلا يَلْزَمُ الفَسْخُ بالشَّكِّ. ويَحْتَمِلُ أن يَلْزَمَهُ ذلك؛ لأنَّها زِيَادَةٌ في الثمَنِ أمْكَنَ تَحْصِيلُها، فأشْبَهَ ما لو جاءَ (٢٥) به قبلَ البَيْعِ، والنَّهْىُ يَتَوَجَّهُ إلى الذي زَادَ لا إلى الوَكِيلِ، فأشْبَهَ مَن جَاءَتْهُ الزِّيَادَةُ قبل البَيْعِ وبعدَ (٢٦) الاتِّفَاقِ عليه. فصل: ومَن وُكِّلَ في بَيْعِ عَبْدٍ بمائةٍ، فباعَهُ بأَكْثَرَ منها، صَحَّ، سواءٌ كانت الزِّيَادَةُ كَثِيرَةً أو قَلِيلةً؛ لأنَّه باعَ بالمَأْذُونِ فيه وزَادَ زِيَادَةً تَنْفَعُه ولا تَضُرُّه، وسواءٌ كانت الزِّيَادَةُ من جِنْسِ الثَّمَنِ المَأْمُورِ به، أو مِن غيرِ جِنْسِه، مثل أن يَأْذَنَ في بَيْعِه بمائةِ دِرْهَمٍ، فيَبِيعُه بمائةِ دِرْهَمٍ ودِينَارٍ أو ثَوْبٍ. وقال أصْحابُ (٢٧) الشّافِعِىِّ: لا يَصِحُّ بَيْعُه بمائةٍ وثَوْبٍ، في

стр. 3476

أحَدِ الوَجْهَيْنِ؛ لأنَّه من غيرِ (٢٨) جِنْسِ الأَثْمانِ (٢٩). ولَنا، أنَّهَا زِيادَةٌ تَنْفَعُه ولا تَضُرُّه، أشْبَهَ ما لو باعَهُ بمائةٍ ودِينَارٍ، ولأنَّ الإِذْنَ في بَيْعِه بمائةٍ، إِذْنٌ في بَيْعِه بزِيَادَةٍ عليها عُرْفًا، لأنَّ مَن رَضِىَ بمائةٍ لا يَكْرَهُ أن يُزَادَ عليها ثَوْبٌ يَنْفَعُه ولا يَضُرُّه. وإن باعَهُ بمائةِ دِينَارٍ، أو بِتِسْعِينَ دِرْهَمًا وعَشرَةَ دَنَانِير، وأشْبَاه (٣٠) ذلك، أو بمائةِ ثَوْبٍ، أو بِثَمَانِينَ دِرْهَمًا وعِشْرِينَ ثَوْبًا، لم يَصِحَّ. ذَكَرَهُ القاضى. وهو مذهبُ الشّافِعِىِّ؛ لأنَّه خَالَفَ مُوَكِّلَه في الجِنْسِ، فأشْبَهَ ما لو باعَهُ بِثَوْبٍ يُسَاوِى أَكْثَرَ من مائةِ دِرْهَمٍ. ويَحْتَمِلُ أن يَصِحَّ فيما إذا جَعَلَ مكانَ الدَّرَاهِمِ دَنَانِيرَ، أو مكانَ بعضِها؛ لأنَّه مَأْذُونٌ فيه عُرْفًا، فإنَّ مَن رَضِىَ بِدِرْهَمٍ رَضِىَ مكانَه بِدِينارٍ، فَجَرى مَجْرَى بَيْعِه بمائةِ دِرْهَمٍ ودِينارٍ. وأمَّا الثِّيَابُ فلا يَصِحُّ بَيْعُه بها؛ لأنَّها من غيرِ جِنْسِ الأَثْمانِ. فصل: وإن وَكَّلَهُ في بَيْعِ عَبْدٍ بمائةٍ، فباعَ نِصْفَه بها، أو وَكَّلَه مُطْلَقًا، فباعَ نِصْفَه بثَمَنِ الكُلِّ، جازَ؛ لأنَّه مَأْذُونٌ فيه من جِهَةِ العُرْفِ، فإنَّ مَن رَضِىَ مائةً (٣١) ثَمَنًا لِلْكُلِّ، رَضِى بها ثَمَنًا لِلنِّصْفِ، ولأنَّه حَصَّلَ له المائةَ وأَبْقَى له زِيَادَةً تَنْفَعُه ولا تَضُرُّه. وله بَيْعُ النِّصْفِ الآخَرِ؛ لأنَّه مَأْذُونٌ في بَيْعِه، فأَشْبَهَ ما لو باعَ العَبْدَ كلَّه بِمِثْلَىْ (٣٢) ثَمَنِه. ويَحْتَمِلُ ألَّا يجوزَ له بَيْعُه؛ لأنَّه قد حَصّلَ لِلْمُوَكِّلِ غَرَضَه من الثمَنِ بِبَيْعِ نِصْفِه، فرُبَّما لا يُؤْثِرُ بَيْعَ باقِيه، لِلْغِنَى عن بَيْعِه بما حَصَّلَ له من ثَمَنِ نِصْفِه. وهكذا القولُ في تَوْكِيلِه في بَيْعِ عَبْدَيْنِ بمائةٍ، إذا باع أحَدَهما بها، صَحَّ. وهل يكونُ له بَيْعُ العَبْدِ الآخَرِ؟ على وَجْهَيْنِ. فأمَّا إن وَكَّلَهُ في بَيْعِ عَبْدِه بمائةٍ، فباعَ بعضَه بأقَلَّ منها، لم يَصِحَّ. وإن وَكَّلَهُ مُطْلَقًا، فباعَ بعضَه بأقَلَّ من ثَمَنِ الكلِّ، لم يَجُزْ. وبهذا قال الشّافِعِىُّ، وأبو يوسفَ،

стр. 3477

ومحمدٌ. وقال أبو حنيفةَ: يجوزُ فيما إذا أَطْلَقَ الوَكَالةَ. بناءً على أَصْلِه في أن لِلْوَكِيلِ المُطْلَقِ البَيْعَ بما شاءَ. ولَنا، أنَّ على المُوَكِّلِ ضَرَرًا في تَبْعِيضِه، ولم يُوجَدِ الإِذْنُ فيه نُطْقًا ولا عُرْفًا، فلم يَجُزْ، كما لو وَكَّلَهُ في شِرَاءِ عَبْدٍ، فاشْتَرَى نِصْفَه. فصل: وإن وَكَّلَه في شِرَاءِ عَبْدٍ بِعَيْنِه بمائةٍ، فاشْتَراهُ بخَمْسِينَ، أو بما دون المائةِ، صَحَّ، ولَزِمَ المُوَكِّلَ؛ لأنَّه مَأْذُونٌ فيه من جِهَةِ العُرْفِ. وإن قال: لا تَشْتَرِه بأقَلَّ من مائةٍ، فخَالَفَه، لم يَجُزْ؛ لأنَّه خالَفَ نَصَّهُ (٣٣)، وصَرِيحُ قَوْلِه مُقَدَّمٌ على دَلَالَةِ العُرْفِ. فإن قال: اشْتَرِه بمائةٍ، ولا تَشْتَرِه بخَمْسِينَ. جازَ له شِرَاؤُه بما فوق الخَمْسِينَ؛ لأنَّ إِذْنَهُ في الشِّرَاءِ بمائةٍ دَلَّ عُرْفًا على الشِّرَاءِ بما دونها، خَرَجَ منه الخَمْسُونَ بِصَرِيحِ النَّهْىِ، بَقِىَ فيما (٣٤) فَوْقَها على مُقْتَضَى الإِذْنِ. وإن اشْتَراهُ بأقَلَّ من الخَمْسِينَ، ففيه وَجْهانِ؛ أحَدُهما، يجوزُ؛ لذلك، ولأنَّه لم يُخَالِفْ صَرِيحَ نَهْيِه، أشْبَهَ ما زادَ على الخَمْسِينَ. والثانى، لا يجوزُ؛ لأنَّه نَهَاهُ عن الخَمْسِينَ اسْتِقْلَالًا لها. فكان تَنْبِيهًا على النَّهْىِ عمَّا هو أقَلُّ منها، كما أنَّ الإِذْنَ في الشِّرَاءِ بمائةٍ إِذْنٌ فيما دونها، فجَرَى ذلك مَجْرَى صَرِيحِ نَهْيِه، فإنَّ تَنْبِيهَ الكَلَامِ كَنَصِّه. وإن قال: اشْتَرِه بمائةِ دِينَارٍ. فاشْتَراهُ بمائةِ دِرْهَمٍ. فالحُكْمُ فيه كما لو قال: بِعْهُ بمائةِ دِرْهَمٍ، فباعَهُ بمائةِ دِينَارٍ، على ما مَضَى من القولِ فيه. وإن قال: اشْتَرِ لي نِصْفَهُ بمائةٍ. فاشْتَراهُ كلَّه أو أَكْثَرَ من نِصْفِه بمائةٍ، جازَ؛ لأنَّه مَأْذُونٌ فيه عُرْفًا. وإن قال: اشْتَرِ لي نِصْفَه بمائةٍ، ولا تَشْتَرِه جَمِيعَه، فاشْتَرَى أكْثَرَ من النِّصْفِ وأقَلَّ من الكُلِّ بمائةٍ، صَحَّ، في قِيَاسِ المَسْأَلَةِ التي قبلَها، لكَوْنِ دَلَالَةِ العُرْفِ قاضِيَةً بالإِذْنِ في شِرَاءِ كلِّ ما زَادَ على النِّصْفِ، خَرَجَ الجَمِيعُ بِصَرِيحِ نَهْيِه، ففيما عَداهُ يَبْقَى على مُقْتَضَى الإِذْنِ. فصل: وإن وَكَّلَه في شِرَاءِ عَبْدٍ مَوْصُوفٍ بمائةٍ، فاشْتَراهُ على الصِّفَةِ بِدُونِها،

стр. 3478

جازَ؛ لأنَّه مَأْذُونٌ فيه عُرْفًا. وإن خَالَفَهُ (٣٥) في الصِّفَةِ، أو اشْتَرَاهُ بأَكْثَرَ منها، لم يَلْزَم المُوَكِّلَ. وإن قال: اشْتَرِ لي عَبْدًا بمائةٍ فاشْتَرَى عَبْدًا يُسَاوِى مائةً بدونها، جازَ؛ لأنَّه لو اشْتَراهُ بمائةٍ جازَ، فإذا اشْتَرَاهُ بِدُونِها فقد زَادَهُ خَيْرًا، فيَجُوزُ. وإن كان لا يُسَاوِى مائةً، لم يَجُزْ، وإن كان يُسَاوِى أكْثَرَ ممَّا اشْتَرَاهُ به؛ لأنَّه خَالَفَ أمْرَهُ، ولم يُحَصِّلْ غَرَضَه. فصل: وإن وَكَّلَهُ في شِرَاءِ شاةٍ بدِينَارٍ، فاشْتَرَى شاتَيْنِ تُسَاوِى كلُّ واحِدَةٍ منهما أقَلَّ من دِينَارٍ. لم يَقَعِ البَيْعُ (٣٦) لِلْمُوَكِّلِ. وإن كانت كلُّ واحِدَةٍ منهما تُسَاوِى دِينَارًا. أو إحْدَاهُما تُسَاوِى دِينَارًا والأُخْرَى أقَلَّ من دِينَارٍ، صَحَّ، ولَزِمَ المُوَكِّلَ. وهذا المَشْهُورُ من مذهبِ الشّافِعِىِّ. وقال أبو حنيفةَ: يَقَعُ لِلْمُوَكِّلِ إحْدَى الشَّاتَيْنِ بِنِصْفِ دِينارٍ، والأُخْرَى لِلْوَكِيلِ؛ لأنَّه لم يَرْضَ إلَّا بإِلْزَامِه عُهْدَةَ شَاةٍ واحِدَةٍ. ولَنا، أنَّ النَّبِيَّ ﷺ أعْطى عُرْوَةَ بن الجَعْدِ دِينَارًا، فقال: "اشْتَرِ لنا به شاةً". قال: فأَتَيْتُ الجَلَبَ، فَاشْتَرَيْتُ شاتَيْنِ بدِينَارٍ، فجِئْتُ أسُوقُهُما، أو أَقُودُهُما، فلَقِيَنِى رَجُلٌ بالطَّرِيقِ، فسَاوَمَنِى، فبِعْتُ منه شاةً بدِينَارٍ، فأَتَيْتُ النَّبِىَّ ﷺ بالدِّينَارِ والشَّاةِ، فقلتُ: يا رسولَ اللهِ، هذا دِينَارُكُم، وهذه شَاتُكم. قال: "وَصَنَعْتَ كَيْفَ؟ " فحَدَّثْتُه الحَدِيثَ، قال: "اللَّهُمَّ بَارِكْ لَهُ في صَفْقَةِ يَمِينِه" (٣٧). ولأنَّه حَصَّلَ له المَأْذُونَ فيه وزِيَادَةً من جِنْسِه تَنْفَعُ ولا تَضُرُّ، فوَقَعَ ذلك له، كما لو قال (٣٨): بِعْهُ بِدِينارٍ. فباعَهُ بدِينَارَيْنِ، وما ذَكَرَهُ يَبْطُلُ بِالبَيْعِ. فإن باعَ الوَكِيلُ إحْدَى الشَّاتَيْنِ بغيرِ أَمْرِ المُوَكِّلِ، ففيه وَجهْانِ؛ أحدُهما، البَيْعُ باطِلٌ؛ لأنَّه باعَ مالَ مُوَكِّلِه بغير أمْرِه (٣٩)، فلم يَجُزْ،

стр. 3479

كبَيْعِ الشَّاتَيْنِ. والثانى، إن كانت الباقِيَةُ تُسَاوِى دِينَارًا جَازَ، لِحَدِيثِ عُرْوَةَ [بن الجَعْدِ] (٤٠) البارِقِىِّ، ولأنَّه حَصَّلَ له المَقْصُودَ، والزِّيادَةُ لو كانت غيرَ الشّاةِ جَازَ، فجازَ له إِبْدَالُها بغيرِها وظَاهِرُ كلامِ أحمدَ صِحَّةُ البَيْعِ؛ لأنَّه أخَذَ بحَدِيثِ عُرْوَةَ وذَهَبَ إليه. وإذا قُلْنا: لا يجوزُ له بَيْعُ الشّاةِ. فبَاعَها، فهل يَقَعُ البَيْعُ باطِلًا أو صَحِيحًا مَوْقُوفًا على إجَازَةِ المُوَكِّلِ؟ على روَايَتَيْنِ. وهذا أصْلٌ لكلِّ مَنْ تَصَرَّفَ في مِلْكِ غيرِه بغيرِ إِذْنِه، ووَكِيلٍ خالَفَ (٤١) مُوَكِّلَهُ، هل يَقَعُ باطِلًا أو يَصِحُّ ويَقِفُ على إِجَازَةِ المالِكِ؟ فيه رِوَايتَانِ. وللشَّافِعِىِّ في صِحَّةِ البَيْعِ ههُنا وَجْهانِ. فصل: وإذا وَكَّلَهُ في شِرَاءِ سِلْعَةٍ مَوْصُوفةٍ، لم يَجُزْ أن يَشْتَرِيَها إلَّا سَلِيمَةً؛ لأنَّ إِطْلَاقَ البَيْعِ يَقْتَضِى السَّلَامةَ، ولذلك جازَ الرَّدُّ بالعَيْبِ. فإن اشْتَرَى مَعِيبًا يَعْلَمُ عَيْبَهُ، لم يَلْزَمِ المُوَكِّلَ؛ لأنَّه اشْتَرَى غيرَ ما أَذِنَ له فيه، وإن لم يَعْلَمْ عَيْبَهُ، صَحَّ البَيْعُ، لأنَّه إنَّما يَلْزَمُه شِرَاءُ الصَّحِيحِ في الظّاهِرِ، لِعَجْزِه عن التَّحَرُّزِ عن شِرَاءِ مَعِيبٍ لا يَعْلَمُ عَيْبَه، فإذا عَلِمَ عَيْبَه مَلَكَ رَدَّهُ؛ لأنَّه قائِمٌ في الشِّرَاءِ مَقَامَ المُوَكِّلِ، ولِلْمُوَكِّلِ رَدُّه أيضًا؛ لأنَّ المِلْكَ له، فإنَّ حَضَرَ قبلَ رَدِّ الوَكِيلِ، ورَضِىَ بالعَيْبِ، لم يكُنْ لِلْوَكِيلِ رَدُّه، لأنَّ الحَقَّ له، بِخِلَافِ المُضَارِبِ، فإنَّ له الرَّدَّ وإن رَضِىَ رَبُّ المالِ؛ لأنَّ له حَقًّا فلا يَسْقُطُ بِرِضَى غيرِه، وإن لم يَحْضُرْ، فأَرَادَ الوَكِيلُ الرَّدَّ، فقال له البائِعُ: تَوَقَّفْ حتى يَحْضُرَ المُوَكِّلُ، فرُبّما رَضِىَ بالعَيْبِ. لم يَلْزَمْهُ ذلك؛ لأنَّه لا يَأْمَنُ فوَاتَ الرَّدِّ لِهَرَبِ البائِعِ، وفوَاتَ الثَّمنِ بِتَلَفِه، وإن أَخَّرَهُ بنَاءً على هذا القول، فلم يَرْضَ به المُوَكِّلُ، لم يَسْقُطْ رَدُّه. وإن قُلْنا: الرَّدُّ على الفَوْرِ؛ لأنَّه أَخَّرَهُ بإِذْنِ البائِعِ فيه. وإن قال البائِعُ: مُوَكِّلُكَ قد عَلِمَ العَيْبَ فرَضِيَهُ. لم يُقْبَلْ قَوْلُه إلَّا بِبَيِّنةٍ، فإن لم يكُنْ له بَيِّنَةٌ لم يُسْتَحْلَفِ الوَكِيلُ، إلَّا أن يَدَّعِىَ عِلْمَه، فيَحْلِف على نَفْىِ العِلْمِ. وبهذا قال الشّافِعِىُّ. وعن أبي حنيفةَ أنَّه لا يُسْتَحْلَفُ؛ لأنَّه لو حَلَفَ كان نَائِبًا في اليَمِينِ، وليس بِصَحِيحٍ، فإنَّه لا نِيَابَةَ ههُنا،

стр. 3480

وإنَّما يَحْلِفُ على نَفْىِ عِلْمِه، وهذا لا يَنُوبُ فيه عن أحَدٍ. فإن رَدَّ الوَكِيلُ، وحَضَرَ المُوَكِّلُ، وقال: بَلَغَنِى العَيْبُ، ورَضِيتُ به. فصَدَّقَهُ (٤٢) البائِعُ، أو قامَتْ به بَيِّنةٌ، لم يَقَع الرَّدُّ مَوْقِعَه، وكان لِلْمُوَكِّلِ اسْتِرْجَاعُه، ولِلْبائِعِ رَدُّه عليه؛ لأنَّ رِضَاهُ به عَزَلَ الوَكِيلَ عن الرَّدِّ، بِدَلِيلِ أنَّه لو عَلِمَه لم يكُنْ له الرَّدُّ، إلَّا أن نقولَ: إنَّ الوَكِيلَ لا يَنْعَزِلُ حتى يَعْلَمَ العَزْلَ. وإن رَضِىَ الوَكِيلُ العَيْبَ (٤٣)، أو أمْسَكَه إمْساكًا يَنْقَطِعُ به الرَّدُّ، فحَضَرَ المُوَكِّلُ، فأرَادَ الرَّدَّ، فله ذلك إن صَدَّقَهُ البائِعُ أنَّ الشِّرَاءَ له، أو قامَتْ به بَيِّنةٌ. وإن كَذَّبَهُ ولم تكُنْ به بَيِّنَةٌ، فحَلَفَ (٤٤) البائعُ أنَّه لا يَعْلَمُ أنَّ الشِّرَاءَ له، فليس له رَدُّهُ؛ لأنَّ الظاهِرَ أنَّ مَن اشْتَرَى شيئًا فهو له، ويَلْزَمُ الوَكِيلَ، وعليه غَرَامَةُ الثَّمَنِ. وهذا كله مذهبُ الشَّافِعِىِّ. وقال أبو حنيفةَ: لِلْوَكِيلِ شِرَاءُ المَعِيبِ؛ لأنَّ التَّوْكِيلَ في البَيْعِ مُطْلَقًا [يَدْخُلُ المَعِيبُ] (٤٥) في إِطْلَاقِه، ولأنَّه أمِينُه في الشِّرَاءِ، فجازَ له شِرَاءُ المَعِيبِ، كالمُضَارِبِ. ولَنا، أنَّ البَيْعَ بإِطْلَاقِه يَقْتَضِى الصَّحِيحَ دونَ المَعِيبِ، فكذلك الوَكَالَةُ فيه، ويُفَارِقُ المُضَارَبةَ من حيثُ إنَّ المَقْصُودَ فيها الرِّبْحُ، والرِّبْحُ يَحْصُلُ من المَعِيبِ كحُصُولِه من الصَّحِيحِ، والمَقْصُودُ من الوَكَالةِ شِرَاءُ ما يَقْتَنِى أو يَدْفَعُ به حاجَتَهُ، وقد يكون العَيْبُ مانِعًا من قَضَاءِ الحاجَةِ به ومن قُنْيَتِه، فلا يَحْصُلُ المَقْصُودُ. وقد ناقَضَ أبو حنيفةَ أصْلَه؛ فإنَّه قال في قوله تَعَالَى: ﴿فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ﴾ (٤٦): لا تجوزُ العَمْياءُ ولا مَعِيبَةٌ عَيْبًا يَضُرُّ بالعَمَلِ. وقال ههُنا: يجوزُ لِلْوَكِيلِ شِرَاءُ الأَعْمَى والمُقْعَدِ ومَقْطُوعِ اليَدَيْنِ والرِّجْلَيْنِ. فصل: وإن أمَرَهُ بشِرَاءِ سِلْعَةٍ بِعَيْنِها، فاشْتَرَاها، فوَجَدَها مَعِيبَةً، احْتَمَلَ أنَّ له

стр. 3481

الرَّدَّ؛ لأنَّ الأَمْرَ يَقْتَضِى السَّلَامةَ، فأَشْبَهَ ما لو وَكَّلَهُ في شِرَاءِ مَوْصُوفةٍ. ويَحْتَمِلُ أن لا يَمْلِكَ الرَّدَّ؛ لأنَّ المُوَكِّلَ قَطَعَ نَظَرَهُ بالتَّعْيِينِ، فربَّما رَضِيَهُ على جَمِيعِ صِفَاتِه. وإن عَلِمَ عَيْبَهُ قبل شِرَائِه، فهل له شِرَاؤُه؟ يَحْتَمِلُ وَجْهَيْنِ أيضًا، مَبْنِيَّيْنِ على رَدِّه إذا عَلِمَ عَيْبَه بعد شِرَائِه. إن قُلْنا: يَمْلِكُ رَدَّه. فليس له شِرَاؤُه؛ لأنَّ العَيْبَ إذا جَازَ به الرَّدُّ بعدَ العَقْدِ فَلأَنْ يَمْنَعَ من الشِّرَاءِ أَوْلَى. وإن قُلْنا: لا يَمْلِكُ الرَّدَّ ثَمَّ. فله الشِّرَاءُ ههُنا؛ لأنَّ تَعْيِينَ المُوَكِّلِ قَطَعَ نَظَرَهُ واجْتِهَادَه في جَوَازِ الرَّدِّ، فكذلك في الشِّرَاءِ. فصل: وإذا اشْتَرَى الوَكِيلُ لِمُوَكِّلِه شيئا بإِذْنِه، انْتَقَلَ المِلْكُ من البائِعِ إلى المُوَكِّلِ، ولم يَدْخُلْ في مِلْكِ الوَكِيلِ. وبهذا قال الشّافِعِىُّ. وقال أبو حنيفةَ: يَدْخُلُ في مِلْكِ الوَكِيلِ، ثم يَنْتَقِلُ إلى المُوَكِّلِ؛ لأنَّ حُقُوقَ العَقْدِ تَتَعَلَّقُ بالوَكِيلِ، بِدَلِيلِ أنَّه لو اشْتَراهُ بأَكْثَرَ من ثَمَنِه دَخَلَ في مِلْكِه، ولم يَنْتَقِلْ إلى المُوَكِّلِ. ولَنا، أنَّه قبِلَ عَقْدًا لغيرِه صَحَّ له، فوَجَبَ أن يَنْتَقِلَ المِلْكُ إليه، كالأَبِ والوَصِىِّ, وكما (٤٧) لو تَزَوَّجَ له. وقولُهم: إن حُقُوقَ العَقْدِ تَتَعَلَّقُ به. غير مُسَلَّمٍ. وَيتَفَرَّعُ عن هذا أنَّ المُسْلِمَ لو وَكَّلَ ذِمِّيًّا في شِرَاءِ خَمْرٍ أو خِنْزِيرٍ، فاشْتَرَاهُ له، لم يَصِحَّ الشِّرَاءُ. وقال أبو حنيفةَ: يَصِحُّ، ويَقَعُ لِلذِّمِّىِّ؛ لأنَّ الخَمْرَ مالٌ لهم، لأنَّهم يَتَمَوَّلُونَها ويَتَبَايَعُونَها، فصَحَّ (٤٨) تَوْكِيلُهُم فيها كسَائِر أَمْوَالِهِم. ولَنا، أنَّ كلَّ ما لا يجوزُ لِلْمُسْلِمِ العَقْدُ عليه، لا يجوزُ أن يُوَكِّلَ فيه، كتَزَوُّجِ (٤٩) المَجُوسِيَّةِ. وبهذا خالَفَ سائِرَ أمْوَالِهِم. وإذا باعَ الوَكِيلُ بِثَمَنٍ مُعَيَّنٍ، ثَبَتَ المِلْكُ لِلْمُوَكِّلِ في الثَّمَنِ؛ لأنَّه بمَنْزِلَةِ المَبِيعِ. وإن كان الثمَنُ في الذِّمَّةِ، فلِلْوَكِيلِ والمُوَكِّلِ المُطَالَبَةُ به. وبهذا قال الشّافِعِىُّ. وقال أبو حنيفةَ: ليس لِلْمُوَكِّلِ المُطَالَبَةُ؛ لأنَّ حُقُوقَ العَقْدِ تَتَعَلَّقُ بالوَكِيلِ دُونَه، ولهذا يَتَعَلَّقُ مَجْلِسُ الصَّرْفِ والخِيَارِ به دون مُوَكِّلِه، فكذلك القَبْضُ. ولَنا، أنَّ هذا دَيْنٌ لِلْمُوَكِّلِ يَصِحُّ قَبْضُه له، فمَلَكَ

стр. 3482

المُطَالَبَةَ به، كسائِرِ دُيُونِه التي وَكَّلَ فيها، ويُفَارِقُ مَجْلِسَ العَقْدِ؛ لأنَّ ذلك من شُرُوطِ العَقْدِ، فتَتَعَلَّقُ بالعاقِدِ، كالإِيجابِ والقَبُولِ. وأما الثّمَنُ فهو حَقٌّ لِلْمُوَكِّلِ ومالٌ من أمْوَالِه (٥٠)، فكانت له المُطَالَبَةُ به. ولا نُسَلِّمُ أنَّ حُقُوقَ العَقْدِ تَتَعَلَّقُ به، وإنَّما تَتَعَلَّقُ بالمُوَكِّلِ، وهى تَسْلِيمُ الثَّمَنِ، وقَبْضُ المَبِيعِ، والرَّدُّ بالعَيْبِ، وضَمَانُ الدَّرَكِ. فأمَّا ثمَنُ ما اشْتَرَاهُ إذا كان في الذِّمَّةِ فإنه يَثْبُتُ في ذِمَّةِ المُوَكِّلِ أصْلًا، وفى ذِمَّةِ الوَكِيلِ تَبَعًا، كالضَّامِنِ، وللبائِعِ مُطَالَبَةُ مَن شَاءَ منهما، فإن أبْرَأَ الوَكِيلَ لم يَبْرَأ المُوَكِّلُ، وإن أبْرَأَ المُوَكِّلَ بَرِئَ الوَكِيلُ أيضًا، كالضّامِنِ والمَضْمُونِ عنه سواء. وإن دَفَعَ الثمَنَ إلى البائِعِ، فوَجَدَ به عَيْبًا، فرَدَّهُ على الوَكِيلِ، كان أمانَةً في يَدِه. إن تَلِفَ (٥١) فهو من ضَمَانِ المُوَكِّلِ. ولو وَكَّلَ رَجُلًا يَتَسَلَّفُ له أَلْفًا في كُرِّ حِنْطَةٍ، ففَعَلَ، مَلَكَ المُوَكِّلُ ثَمَنَها، والوَكِيلُ ضَامِنٌ عن مُوَكِّلِه، كما تَقَدَّمَ. فصل: قال أحمدُ، في رِوَايةِ مُهَنَّا: إذا دَفَعَ إلى رَجُلٍ ثَوْبًا لِيَبِيعَه، ففَعَلَ، فوَهَبَ له المُشْتَرِى مَنْدِيلًا، فالمِنْدِيلُ لِصَاحِبِ الثَّوْبِ. إنَّما قال ذلك لأنَّ هِبَةَ المِنْدِيلِ سَبَبُها البَيْعُ، فكان المِنْدِيلُ زِيَادَةً في الثمَنِ، والزَّيَادَةُ في مَجْلِسِ العَقْدِ تَلْحَقُ به. فصل: في الشّهَادَةِ على الوَكَالَةِ، إذا ادَّعَى الوَكَالَةَ، وأقَامَ شَاهِدًا وامْرَأَتَيْنِ، أو حَلَفَ مع شَاهِدِه، فقال أصْحَابُنا فيها (٥٢) رِوَايَتانِ؛ إحداهما، تَثْبُتُ (٥٣) بذلك إذا كانت الوَكَالَةُ بمالٍ؛ فإنَّ أحمدَ قال في الرَّجُلِ يُوَكِّلُ، ويُشْهِدُ على نَفْسِه رَجُلًا وامْرَأَتَيْنِ، إذا كانت المُطَالَبَةُ بِدَيْنٍ، فأمَّا غيرُ ذلك فلا. والثانية، لا تَثْبُتُ إلَّا بِشَاهِدَيْنِ عَدْلَيْنِ. نَقَلَها الخِرَقِىُّ بقولِه: ولا تُقْبَلُ فيما سِوَى الأَمْوَالِ ممَّا (٥٤) يَطَّلِعُ

стр. 3483

عليه الرِّجَالُ لأَقَلَّ (٥٥) من رَجُلَيْنِ. وهذا قولُ الشَّافِعِىِّ؛ لأنَّ الوَكَالَةَ إِثْبَاتٌ لِلتَّصَرُّفِ. ويَحْتَمِل أن يكونَ قولُ الخِرَقِىِّ كالرِّوَايةِ الأُولَى؛ لأنَّ الوَكَالَةَ في المالِ يُقْصَدُ بها المالُ، فتُقْبَلُ فيها شَهَادَةُ النِّسَاءِ مع الرَّجُلِ (٥٦)، كالبَيْعِ والقَرْضِ. فإن شَهِدَا بوَكَالَتِه، ثم قال أحَدُهما: قد عَزَلَهُ. لم تَثْبُتْ وَكَالَتُه بذلك (٥٧)؛ لأنَّ أحَدَهما لم تَثْبُتْ وَكَالَتُه بذلك. وإن كان الشّاهِدُ بالعَزْلِ رَجُلًا غيرَهما، لم يَثْبُتِ العَزْلُ بِشَهَادَتِه وحدَه؛ لأنَّ العَزْلَ لا يَثْبُتُ إلَّا بما يَثْبُتُ به التَّوْكِيلُ. ومتى عَادَ أحدُ الشّاهِدَيْنِ بالتَّوْكِيلِ، فقال: قد عَزَلَهُ. لم يُحْكَمْ بشَهَادَتِهِما؛ لأنَّه رُجُوعٌ عن الشّهَادَةِ قبلَ الحُكْمِ بها. فلا يجوزُ لِلْحَاكِم الحُكْمُ بما رَجَعَ عنه الشَّاهِدُ. وإن حَكَمَ الحاكِمُ بشَهَادَتِهِما، ثم عَادَ أحَدُهما، فقال: قد عَزَلَهُ بعد ما وَكَّلَهُ. لم يَلْتَفِتْ إلى قَوْلِه؛ لأنَّ الحُكْمَ قد نَفَذَ بالشّهَادَةِ، ولم يَثْبُتِ العَزْلُ. فإن قالا جَمِيعًا: قد كان عَزَلَهُ. ثَبَتَ العَزْلُ؛ لأنَّ الشّهَادَةَ تَمَّتْ في العَزْلِ، كتَمَامِها في التَّوْكِيلِ. فصل: فإن شَهِدَ أحَدُهما أنَّه وَكَّلَهُ يومَ الجُمُعةِ، وشَهِدَ آخَرُ أنَّه وَكَّلَهُ يومَ السَّبْتِ، لم تَتِمَّ الشَّهادَةُ؛ لأنَّ التَّوْكِيلَ يومَ الجُمُعَةِ غيرُ التَّوْكِيلِ يومَ السَّبْتِ، فلم تَكْمُلْ شَهَادَتُهما على فِعْلٍ واحدٍ. وإن شَهِدَ أحَدُهما أنَّه أقَرَّ بتَوْكِيلِه يومَ الجُمُعةِ، وشَهِدَ الآخَرُ أنَّه أقَرَّ به يومَ السَّبْتِ، تَمَّتِ الشَّهَادَةُ؛ لأنَّ الإِقْرَارَيْنِ إِخْبارٌ عن عَقدٍ واحدٍ، ويَشُقُّ جَمْعُ الشُّهُودِ ليُقِرَّ عِنْدَهُم حالةً واحدةً، فيجوزُ (٥٨) له (٥٩) الإِقْرَارُ عندَ كلِّ واحدٍ وَحْدَه. وكذلك لو شَهِدَ أحَدُهما أنَّه أقَرَّ عنده بالوَكَالةِ بالعَرَبِيَّةِ، وشَهِدَ الآخَرُ أنَّه أقَرَّ بها بالعَجَمِيَّةِ، ثَبَتَتْ. ولو شَهِدَ أحَدُهما أنَّه وَكَّلَه بالعَرَبِيَّةِ، وشَهِدَ الآخَرُ أنه وَكَّلَهُ

стр. 3484

بالعَجَمِيَّةِ، لم تَكْمُلِ الشَّهَادَةُ؛ لأنَّ التَّوْكِيلَ بالعَرَبِيَّةِ غيرُ التَّوْكِيلِ بالعَجَمِيَّةِ، فلم تَكْمُل الشّهَادَةُ على فِعْلٍ واحدٍ. وكذلك لو شَهِدَ أحَدُهما أنَّه قال: وَكَّلْتُكَ. وشَهِدَ الآخَرُ، أنَّه قال: أَذِنْتُ لك في التَّصَرُّفِ. أو أنَّه قال: جَعَلْتُكَ وَكِيلًا. أو شَهِدَ (٦٠) أنَّه قال: جَعَلْتُكَ جَريًّا. لم تَتِمَّ الشّهَادَةُ؛ لأنَّ اللَّفْظَ مُخْتَلِفٌ. والجَرِىُّ: الوَكِيلُ. ولو قال أحَدُهما: أشْهَدُ أنَّه وَكَّلَهُ. وقال الآخَرُ: أشْهَدُ أنَّه أَذِنَ له في التَّصَرُّفِ. تَمَّتِ الشَّهَادَةُ؛ لأنَّهما لم يَحْكِيَا لَفْظَ المُوَكِّلِ، وإنَّما عَبَّرَا عنه بِلَفْظِهِما، واخْتِلَافُ لَفْظِهِما لا يُؤَثِّرُ إذا اتَّفَقَ مَعْنَاهُ. ولو قال أحَدُهما: أشْهَدُ أنَّه أقَرَّ عِنْدِى أنَّه وَكِيلُه (٦١). وقال الآخَرُ: أشْهَدُ أنَّه أقَرَّ أنَّه جَرِيُّهُ. أو أنه أَوْصَى إليه بالتَّصَرُّفِ في حَيَاتِه. ثَبَتَتِ الوَكَالةُ بذلك. وإن شَهِدَ أحَدُهما أنَّه وَكَّلَهُ في بَيْعِ عَبْدِه، وشَهِدَ الآخَرُ أنَّه وَكَّلَهُ وزيدًا، أو شَهِدَ أنه وَكَّلَهُ في بَيْعِه، وقال: لا تَبِعْهُ حتى تَسْتَأْمِرَنِى، أو تَسْتَأْمِرَ فُلَانًا. لم تَتِمَّ الشّهَادَةُ؛ لأنَّ الأَوَّلَ أَثْبَتَ اسْتِقْلَالَهُ بالبَيْعِ من غيرِ شَرْطٍ. والثانى يَنْفِى ذلك، فكانا مُخْتَلِفَيْنِ. وإن شَهِدَ أحَدُهما أنَّه وَكَّلَهُ في بَيْعِ عَبْدِه، وشَهِدَ الآخَرُ أنَّه وَكَّلَهُ في بَيْعِ عَبْدِه وجَارِيَتِه، حَكَمَ بالوَكَالَةِ في العَبْدِ؛ لِاتِّفَاقِهِمَا عليه، وزِيَادَةُ الثاني لا تَقْدَحُ في تَصَرُّفِه في الأَوَّلِ، فلا تَضُرُّه. وهكذا لو شَهِدَ أحَدُهما أنَّه وَكَّلَه في بَيْعِه لِزَيْدٍ، وشَهِدَ الآخَرُ أنَّه وَكَّلَهُ في بَيْعِهِ لِزَيْدٍ وإن شاءَ لِعَمْرٍو. فصل: ولا تَثْبُتُ الوَكَالَةُ والعَزْلُ بخَبَرِ الواحِدِ. وبهذا قال الشّافِعِىُّ. وقال أبو حنيفةَ: تَثْبُتُ الوَكَالةُ بخَبَرِ الواحِدِ، وإن لم يكُنْ ثِقَةً. ويجوزُ التَّصَرُّفُ لِلْمُخْبَرِ بذلك، إذا غَلَبَ على ظَنِّه صِدْقُ المُخْبِرِ، بشَرْطِ الضَّمَانِ إن أنْكَرَ المُوَكِّلُ. ويَثْبُتُ العَزْلُ بخَبَرِ الواحدِ إذا كان رَسُولًا؛ لأنَّ اعْتِبارَ شاهِدَيْنِ عَدْلَيْنِ في هذا يَشُقُّ، فسَقَطَ اعْتِبَارُه، ولأنَّه أَذِنَ في التَّصَرُّفِ ومَنَعَ منه، فلم يُعْتَبَرْ في هذا شُرُوطُ الشَّهَادَةِ، كاسْتِخْدَامِ غُلَامِه. ولَنا، أنَّه عَقْدٌ مَالِىٌّ، فلا يَثْبُتُ بخَبَرِ الواحِدِ، كالبَيْعِ، وفارَقَ الاسْتِخْدَامَ؛ فإنَّه ليس بِعَقْدٍ. ولو شَهِدَ اثْنَانِ أن فُلَانًا الغائِبَ وَكَّلَ فُلَانًا الحاضِرَ، فقال الوَكِيلُ: ما

стр. 3485

عَلِمْتُ هذا، وأنا أتَصَرَّفُ عنه. ثَبَتَتِ الوَكَالَةُ؛ لأنَّ مَعْنَى ذلك (٦٢) أَنِّى لم أعْلَمْ إلى الآن، وقَبُولُ الوَكَالَةِ يجوزُ مُتَرَاخِيًا، وليس من شَرْطِ التَّوْكِيلِ حُضُورُ الوَكِيلِ ولا عِلْمه، فلا يَضُرُّ جَهْلُه به. وإن قال: ما أعْلَمُ صِدْقَ الشّاهِدَيْنِ. لم تَثْبُتْ وَكَالَتُه؛ لِقَدْحِه في شَهادَتِهِما. وإن قال: ما عَلِمْتُ. وسَكَتَ، قيل له: فسِّرْ. فإن فَسَّرَ بالأَوَّلِ ثَبَتَتْ وَكَالَتُه، وإن فَسَّرَهُ بالثانى لم تَثْبُتْ. فصل: ويَصِحُّ سَمَاعُ البَيِّنَةِ بالوَكَالَةِ على الغائِبِ، وهو أن يَدَّعِىَ أن فُلَانًا الغائِبَ وَكَّلَنِى في كذا. وبهذا قال الشّافِعِىُّ. وقال أبو حنيفةَ: لا يَصِحُّ. بنَاءً على أن الحُكْمَ على الغائِبِ لا يَصِحُّ. ولَنا، أنَّه لا يُعْتَبَرُ رِضَاهُ في سَمَاعِ البَيِّنَةِ، فلا يُعْتَبَرُ حُضُورُه كغيرِه. وإذا قال له مَن عليه الحَقُّ: احْلِفْ أنَّك تَسْتَحِقُّ مُطَالَبَتِى. لم تُسْمَعْ دَعْوَاه؛ لأنَّ ذلك طَعْنٌ في الشّهَادَةِ. وإن قال: قد عَزَلَكَ المُوَكِّلُ، فاحْلِفْ أنَّه ما عَزَلَكَ. لم يُسْتَحْلَفْ؛ لأنَّ الدَّعْوَى على المُوَكِّلِ، واليَمِينُ لا تَدْخُلُها النِّيَابَةُ. وإن قال: أنْتَ تَعْلَمُ أنَّ مُوَكِّلَكَ قد عَزَلَكَ. سُمِعَتْ دَعْوَاهُ. وإن طَلَبَ اليَمِينَ من الوَكِيلِ، حَلَفَ أنَّه لا يَعْلَمُ أنَّ مُوَكِّلَه عَزَلَهُ؛ لأنَّ الدَّعْوىَ عليه. وإن أقامَ الخَصْمُ بَيِّنَةً بالعَزْلِ، سُمِعَتْ، وانْعَزَلَ الوَكِيلُ. فصل: وتُقْبَلُ شَهادَةُ الوَكِيلِ على مُوَكِّلِه؛ لِعَدَمِ التُّهْمَةِ، فإنَّه (٦٣) لا يَجُرُّ بها نَفْعًا، ولا يَدْفَعُ بها ضَرَرًا. وتُقْبَلُ شَهَادَتُه له فيما لم يُوَكِّلْهُ فيه؛ لأنَّه لا يَجُرُّ إلى نَفْسِه نَفْعًا. ولا تُقْبَلُ شَهادَتُه له فيما هو وَكِيلٌ فيه؛ لأنَّه يُثْبِتُ لِنَفْسِه حَقًّا، بِدَلِيلِ أنَّه إذا وَكَّلَهُ في قَبْضِ حَقٍّ، فشَهِدَ به له، ثَبَتَ اسْتِحْقاقُ قَبْضِه، ولأنَّه خَصْمٌ فيه، بِدَلِيلِ أنَّه يَمْلِكُ المُخَاصَمَةَ فيه. فإن شَهِدَ بما كان وَكِيلًا فيه بعد عَزْلِه، لم تُقْبَلْ أيضًا، سواءٌ كان خاصَمَ فيه بالوَكَالَةِ أو لم يُخَاصِمْ. وبهذا قال أبو يوسفَ، ومحمدٌ. وقال أبو حنيفةَ: إن كان لم يُخَاصِمْ فيه، قُبِلَتْ شَهادَتُه؛ لأنَّه لا حَقَّ له فيه، ولم يُخَاصِمْ فيه، فأشْبَهَ ما لو (٦٤) لم يكنْ وَكِيلًا فيه. وللشّافِعِىِّ قَوْلانِ كالمَذْهَبَيْنِ. ولَنا، أنَّه بِعَقْدِ الوَكَالَةِ صارَ

стр. 3486

خَصْمًا فيه، فلم تُقْبَلْ شَهادَتُه فيه، كما لو خاصَمَ فيه، وفارَقَ ما لم يكُنْ وَكِيلًا فيه؛ فإنَّه لم يكُنْ خَصْمًا فيه. فصل: إذا كانت الأمَةُ بين نَفْسَيْنِ، فشَهِدَا أنَّ زَوْجَها وَكَّلَ في طَلاقِها، لم تُقْبَلْ شَهَادَتُهما؛ لأنَّهما يَجُرَّانِ إلى أنْفُسِهِما نَفْعًا، وهو زَوَالُ حَقِّ الزَّوْجِ من البُضْعِ الذي هو مِلْكُهما. وإن شَهِدَا بِعَزْلِ الوَكِيلِ في الطَّلَاقِ، لم تُقْبَلْ؛ لأنَّهما يَجُرَّانِ إلى أنْفُسِهِما نَفْعًا، وهو إِبقاءُ النَّفَقَةِ على الزَّوْجِ. ولا تُقْبَلُ شَهَادَةُ ابْنَىِ الرَّجُلِ له بالوَكالَةِ، ولا أَبَويْهِ؛ لأنَّهما يُثْبِتانِ له حَقَّ التَّصَرُّفِ، ولا يَثْبُتُ للإِنْسَانِ حَقٌّ بشَهَادَةِ ابْنِه ولا أبِيهِ. ولا تُقْبَلُ شَهَادَةُ ابْنَىِ المُوَكِّلِ، ولا أبَوَيْهِ بالوَكَالَةِ. وقال بعضُ الشّافِعِيَّةِ: تُقْبَلُ؛ لأنَّ هذا حَقٌّ على المُوَكِّلِ يَسْتَحِقُّ به الوَكِيلُ المُطَالَبَةَ، فقُبِلَتْ فيه شَهَادَةُ قَرَابةِ المُوَكِّلِ، كالإِقْرَارِ. ولَنا، أنَّ هذه شَهَادَةٌ يَثْبُتُ بها حَقٌّ لأَبِيهِ أو ابْنِه، فلم تُقْبَلْ، كشَهادَةِ ابْنَىِ الوَكيِلِ وأبَوَيْهِ، وذلك لأنَّهما يُثْبِتَانِ لأَبِيهِما نائِبًا مُتَصَرِّفًا له، وفارَقَ الشَّهادَةَ عليه بالإِقْرَارِ، فإنَّها شَهادَةٌ عليه مُتَمَحِّضَةٌ (٦٥). ولو ادَّعَى الوَكِيلُ الوَكَالةَ، فأَنْكَرَهَا المُوَكِّلُ، فشَهِدَ عليه ابْناهُ أو أبَوَاهُ، ثَبَتَتِ الوَكَالَةُ وأُمْضِىَ (٦٦) تَصَرُّفُهُ؛ لأنَّ ذلك شَهادَةٌ عليه. وإن ادَّعَى المُوَكِّلُ أنَّه تَصَرَّفَ بوَكَالَتِه، وأنْكَرَ الوَكِيلُ، فشَهِدَ عليه أبَوَاهُ أو ابْناهُ، قُبِلَ أيضًا؛ لذلك. وإن ادَّعَى وَكِيلٌ لِمُوَكِّلِه الغائِبِ حَقًّا، وطَالَبَ به، فادَّعَى الخَصْمُ [أن المُوَكِّلَ] (٦٧) عَزَلَهُ، وشَهِدَ له بذلك ابْنَا المُوَكِّلِ، قُبِلَتْ شَهادَتُهما، وثَبَتَ العَزْل بها؛ لأنَّهما يَشْهَدانِ على أبِيهما. وإن لم يَدَّعِ الخَصْمُ عَزْلَه، لم تُسْمَعْ شَهادَتُهما؛ لأنَّهما يَشْهَدانِ لمن لا يَدَّعِيهَا. فإن قَبَضَ الوَكِيلُ، فحَضَرَ المُوَكِّلُ، وادَّعَى أنَّه كان قد عَزَلَ الوَكِيلَ، وأنَّ حَقَّهُ باقٍ في ذِمَّةِ الغَرِيمِ، وشَهِدَ له ابْنَاهُ، لم تُقْبَلْ شَهادَتُهما؛ لأنَّهما يُثْبِتَانِ حَقًّا لأَبِيهما. ولو ادَّعَى مُكَاتَبٌ الوَكَالَةَ،

стр. 3487

فشَهِدَ له سَيِّدُه، أو ابْنَا سَيِّدِه، أو أبَوَاهُ، لم تُقْبَلْ؛ لأنَّ السَّيِّدَ يَشْهَدُ (٦٨) لِعَبْدِه، وابْنَاهُ يَشْهَدَانِ لِعَبْدِ أبِيهِما، والأَبَوَانِ يَشْهَدَانِ لِعَبْدِ ابْنِهِما. فإن عُتِقَ، فأعَادَ الشَّهَادَةَ، فهل تُقْبَلُ؟ تَحْتَمِلُ وَجْهَيْنِ. فصل: إذا حَضَرَ رَجُلانِ عند الحاكِمِ، فأقَرَّ أحَدُهما أنَّ الآخَرَ وَكَّلَهُ، ثم غابَ المُوَكِّلُ، وحَضَرَ الوَكِيلُ، فقَدَّمَ خَصْمًا لِمُوَكِّلِه، وقال: أنا وَكِيلُ فُلانٍ. فأنكَرَ الخَصْمُ كَوْنَه وَكِيلَه، فإن قُلْنا: لا يَحْكُمُ الحاكِمُ بعِلْمِه. لم تُسْمَعْ دَعْوَاهُ حتى تَقُومَ البَيِّنَةُ بوَكَالَتِه. وإن قُلْنا: يَحْكُمُ بِعِلْمِه. وكان الحاكِمُ يَعْرِفُ المُوَكِّلَ بِعَيْنِه واسْمِه ونَسَبِه، صَدَّقَهُ، ومَكَّنَهُ من التَّصَرُّفِ؛ لأنَّ مَعْرِفَتَه كالبَيِّنَةِ. وإن عَرَفَهُ بِعَيْنِه دون اسْمِه ونَسَبِه، لم يَقْبَلْ قَوْلَه، حتى تَقُومَ البَيِّنَةُ عندَه بالوَكَالَةِ؛ لأنَّه يُرِيدُ تَثْبِيتَ نَسَبِه عندَه بقَوْلِه، فلم يقْبَلْ. فصل: ولو حَضَرَ عندَ الحاكِمِ رَجُلٌ، فادَّعَى أنَّه وَكِيلُ فُلانٍ الغائِبِ، في شيءٍ عَيَّنَهُ، وأحْضَرَ بَيِّنةً تَشْهَدُ له بالوَكَالَةِ، سَمِعَها الحاكِمُ. ولو ادَّعَى حَقًّا لمُوَكِّلِه قبلَ ثُبُوتِ وَكَالَتِه، لم يَسْمَعِ الحاكِمُ دَعْوَاهُ. وبه قال مالِكٌ، والشّافِعِىُّ. وقال أبو حنيفةَ: لا يَسْمَعُها إلَّا أن يُقَدِّمَ خَصْمًا من خُصَماءِ المُوَكِّلِ، فيَدَّعِى عليه حَقَّا، فإذا أجَابَ المُدَّعَى عليه حِينَئِذٍ يَسْمَعُ الحاكِمُ البَيِّنَةَ، فحَصَلَ الخِلافُ بيْنَنا في حُكْمَيْنِ؛ أحدهما، أنَّ الحاكِمَ عِنْدنَا يَسْمَعُ البَيِّنَةَ على الوَكَالَةِ مِن غير حُضُورِ خَصْمٍ (٦٩)، وعنده لا يَسْمَعُ. والثانى, أنَّه لا تُسْمَعُ دَعْوَاهُ لِمُوَكِّلِه قبلَ ثُبُوتِ وَكَالَتِه، وعندَه تُسْمَعُ. وبَنَى أبو حنيفةَ على أصْلِه في أنَّ القضَاءَ على الغائِبِ لا يجوزُ، وسَمَاعُ البَيِّنَةِ بالوَكَالةِ (٧٠) من غيرِ خَصْمٍ قَضَاءٌ على الغائِبِ، وأنَّ الوَكَالَةَ لا تُلْزِمُ الخَصْمَ، ما لم يُجِبِ الوَكِيلُ عن

стр. 3488

دَعْوَى الخَصْمِ أنَّك لَسْتَ بوَكِيلٍ. ولَنا، أنَّه إِثْبَاتٌ لِلْوَكَالَةِ، فلم يَفْتَقِرْ إلى حُضُورِ المُوَكّلِ عليه، كما لو كان المُوَكّلُ عليه جَمَاعَةً فأُحْضِرَ واحدٌ منهم، فإنَّ الباقِينَ لا يُفْتَقَرُ إلى حُضُورِهم، كذلك ههُنا. والدَّلِيلُ على أن الدَّعْوَى لا تُسْمَعُ قبل ثُبُوتِ الوَكَالَةِ، أنَّها لا تُسْمَعُ إلَّا من خَصْمٍ يُخَاصِمُ عن نَفْسِه أو عن مُوَكِّلِه، وهذا لا يُخَاصِمُ عن نَفْسِه، ولم يَثْبُتْ أنه وَكِيلٌ لمن يَدَّعِى له، فلا تُسْمَعُ دَعْوَاهُ، كما لو ادَّعَى لمن لم يَدَّعِ وَكَالَتَه، وفى هذا الأَصْلِ جَوَابٌ عما ذَكَرَهُ. فصل: ولو حَضَرَ رَجُلٌ، وادَّعَى على غائِبٍ مالًا في وَجْهِ وَكِيلِه، فأنْكَرَهُ، فأقَامَ بَيِّنَةً بما ادَّعَاهُ، حَلَّفَهُ الحاكِمُ، وحَكَمَ له بالمالِ. فإذا حَضَرَ المُوَكَّلُ، وجَحَدَ الوَكَالةَ، أو ادَّعَى أنَّه كان قد عَزَلَهُ، لم يُؤَثِّرْ ذلك في الحُكْمِ؛ لأنَّ القَضاءَ على الغائِبِ لا يَفْتَقِرُ إلى حُضُورِ وَكِيلِه. فصل: إذا قال: بِعْ هذا الثَّوْبَ بعَشَرَةٍ، فما زَادَ عليها فهو لك. صَحَّ، واسْتَحَقَّ (٧١) الزِّيَادَةَ. وقال الشّافِعِىُّ: لا يَصِحُّ. ولَنا، أنَّ ابنَ عَبَّاسٍ كان لا يَرَى بذلك بَأْسًا، ولأنَّه يَتَصَرَّفُ في مالِه بإِذْنِه، فصَحَّ شَرْطُ الرِّبْحِ له في الثاني، كالمُضَارِبِ والعامِلِ في المُسَاقَاةِ.

стр. 3489

كِتابُ الإِقْرارِ بالحُقُوقِ الإِقْرَارُ: هو الاعْتِرَافُ. والأَصْلُ فيه الكِتابُ والسُّنَّةُ والإِجْمَاعُ؛ أمَّا الكِتَابُ فَقْولُه تعالى: ﴿وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ النَّبِيِّينَ﴾ إلى قوله تعالى: ﴿قَالَ أَأَقْرَرْتُمْ وَأَخَذْتُمْ عَلَى ذَلِكُمْ إِصْرِي قَالُوا أَقْرَرْنَا﴾ (١). وقال تعالى: ﴿وَآخَرُونَ اعْتَرَفُوا بِذُنُوبِهِمْ﴾ (٢). وقال تعالى: ﴿أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى﴾ (٣). في آىٍ كَثِيرَةٍ مثل هذا. وأمَّا السُّنَّةُ فما رُوِىَ أنَّ ماعِزًا أقَرَّ بالزِّنَى، فرَجَمَهُ رسولُ اللهِ ﷺ ، كذلك الغَامِدِيَّة، وقال: "وَاغْدُيَا أُنَيْسُ عَلَى امْرَأَةِ هذَا، فَإنِ اعْتَرَفَتْ فَارْجُمْهَا" (٤). وأمَّا الإِجْمَاعُ، فإنَّ الأَئِمَّةَ (٥) أجْمَعَتْ على صِحَّةِ الإِقْرَارِ. ولأنَّ الإِقْرَارَ إخْبَارٌ على وَجْه يَنْفِى عنه التُّهْمَةَ والرِّيبَةَ، فإنَّ العاقِلَ لا يَكْذِبُ على نَفْسِه كَذِبًا يَضُرُّ بها، ولهذا كان آكَدَ من الشَّهَادَةِ، فإنَّ المُدَّعَى عليه إذا اعْتَرَفَ لا تُسْمَعُ عليه الشَّهَادَةُ، وإنما تُسْمَعُ إذا أنْكَرَ، ولو كَذَّبَ المُدَّعِى بِبَيِّنَةٍ لم تُسْمَعْ، وإن كَذَّبَ المُقِرَّ ثم صَدَّقَه سُمِعَ. فصل: ولا يَصِحُّ الإِقْرَارُ إلَّا من عاقِلٍ مُخْتَارٍ. فأمَّا الطِّفْلُ، والمَجْنُونُ، والمُبَرْسَمُ (٦)، والنائِمُ، والمُغْمَى عليه، فلا يَصِحُّ إقْرَارُهم. لا نَعْلَمُ في هذا خِلافًا.

стр. 3490

وقد قال عليه [الصَّلاةُ و] (٧) السَّلَامُ: "رُفِعَ القَلَمُ عن ثَلَاثَةٍ؛ عَنِ الصَّبِىِّ حَتَّى يَبْلُغَ، وعَنِ الْمَجْنُونِ حَتَّى يُفِيقَ، وعَنِ النَّائِمِ حتى يَسْتَيْقِظَ" (٨). فنَصَّ على الثَّلاثةِ، والمُبَرْسَمُ والمُغْمَى عليه في مَعْنَى المَجْنُونِ والنائِمِ. ولأنَّه قَوْلٌ من غائِبِ العَقْلِ، فلم يَثْبُتْ له حُكْمٌ، كالبَيْعِ والطَّلَاقِ. وأما الصَّبِىُّ المُمَيِّزُ، فإن كان مَحْجُورًا عليه، لم يَصِحَّ إقْرَارُه، وإن كان مَأْذُونًا له، صَحَّ إقْرَارُه في قَدْرِ ما أُذِنَ له فيه. قال أحمدُ، في رِوايةِ مُهَنَّا، في اليَتِيمِ: إذا أُذِنَ له في التِّجارَةِ وهو يَعْقِلُ البَيْعَ والشِّرَاءَ، فبَيْعُه وشِرَاؤُه جائِزٌ. وإن أقَرَّ أنَّه اقْتَضَى شَيْئًا من مالِه، جَازَ بِقَدْرِ ما أَذِنَ له وَلِيُّه فيه. وهذا قولُ أبى حنيفةَ. وقال أبو بكرٍ، وابنُ أبي موسى: إنَّما يَصِحُّ إقْرَارُه فيما أُذِنَ له في التِّجَارَةِ فيه، في الشَّىْءِ اليَسِيرِ. وقال الشّافِعِىُّ: لا يَصِحُّ إقْرَارُه بحالٍ؛ لِعُمُومِ الخَبَرِ، ولأنَّه غيرُ بالِغٍ، فأشْبَهَ الطِّفْلَ، ولأنَّه لا تُقْبَلُ شَهَادَتُه ولا رِوَايَتُه، فأَشْبَهَ الطِّفْلَ. ولَنا، أنَّه عاقِلٌ مُخْتَارٌ، يَصِحُّ تَصَرُّفُه، فصَحَّ إقْرَارُه، كالبالِغِ، وقد دَلَّلْنَا على صِحَّةِ تَصَرُّفِه فيما مَضَى، والخَبَرُ مَحْمُولٌ على رَفْعِ التَّكْلِيفِ والإِثْمِ. فإن أقَرَّ (٩) مُرَاهِقٌ غيرُ مَأْذُونٍ له، ثم اخْتَلَفَ هو والمُقَرُّ له في بُلُوغِه، فالقولُ قولُه، إلَّا أن تَقُومَ بَيِّنَةٌ بِبُلُوغِه؛ لأنَّ الأَصْلَ الصِّغَرُ. ولا يَحْلِفُ المُقِرُّ؛ لأنَّنا حَكَمْنَا بعَدَمِ بُلُوغِه، إلَّا أن يَخْتَلِفَا بعدَ ثُبُوتِ بُلُوغِه، فعليه اليَمِينُ أنَّه حِينَ أقَرَّ لم يكُنْ بَالِغًا. ومن زَال عَقْلُه بِسَبَبٍ (١٠) مُبَاحٍ، أو مَعْذُور فيه، فهو كالمَجْنُونِ، لا يُسْمَعُ إقْرَارُه. بلا خِلَافٍ. وإن كان بمَعْصِيَةٍ، كالسَّكْرَانِ، ومَن شَرِبَ ما يُزِيلُ عَقْلَه عامِدًا لغير حاجَةٍ، لم يَصِحَّ إقْرَارُه. ويَتَخَرَّجُ أن يَصِحَّ بنَاءً على وُقُوعِ طَلَاقِه. وهو مَنْصُوصُ الشّافِعِىِّ؛ لأنَّ أفعَالَه تَجْرِى مَجْرَى الصَّاحِى. ولَنا، أنَّه غيرُ

стр. 3491

عاقِلٍ، فلم يَصِحّ إقْرَارُه، كالمَجْنُونِ الذي سَبَّبَ جُنُونَهُ فِعْلٌ مُحَرَّمٌ، ولأنَّ السَّكْرَانَ لا يُوثَقُ بِصِحَّةِ ما يقولُ، ولا تَنْتَفِى عنه التُّهْمَةُ فيما يُخْبِرُ به، فلم يُوجَدْ مَعْنَى الإِقْرَارِ المُوجِبِ لِقَبُولِ قَوْلِه. وأمَّا المُكْرَهُ فلا يَصِحُّ إقْرَارُه بما أُكْرِهَ على الإِقْرَارِ به. وهذا مذهبُ الشّافِعِىَّ؛ لقولِ رَسولِ اللَّه ﷺ : "رُفِعَ عَنْ أُمَّتِى الخَطَأُ والنِّسْيَانُ وَمَا اسْتُكْرِهُوا عَلَيْهِ" (١١). ولأنَّه قَوْلٌ أُكْرِهَ عليه بغيرِ حَقٍّ، فلم يَصِحَّ، كالبَيْعِ. وإن أقَرَّ بغيرِ ما أُكْرِه عليه، مثل أن يُكْرَهَ على الإِقْرَارِ لِرَجُلٍ، فأقَرَّ لغيرِه، أو بِنَوْعٍ من المالِ، فيُقِرَّ بغيرِه، أو على الإِقْرَارِ بطَلَاقِ امْرَأةٍ، فأَقَرَّ بطَلَاقِ أُخْرَى، أو أقَرَّ بِعِتْقِ عَبْدٍ، صَحَّ؛ لأنَّه أقَرَّ بما لم يُكْرَهْ عليه، فصَحَّ، كما لو أقَرَّ به ابْتِدَاءً. ولو أُكْرِهَ على أدَاءِ مالٍ، فبَاعَ شيئا من مالِه ليُؤَدِّىَ ذلك، صَحَّ بَيْعُه. نَصَّ عليه؛ لأنَّه لم يُكْرَهْ على البَيْعِ. ومن أقَرَّ بحَقٍّ، ثم ادَّعَى أنَّه كان مُكْرَهًا، لم يُقْبَلْ قَوْلُه إلَّا بِبَيِّنَةٍ، سواءٌ أقَرَّ عند السُّلْطانِ أو عندَ غيرِه؛ لأنَّ الأَصْلَ عَدَمُ الإِكْرَاهِ، إلَّا أن يكونَ هناك دَلَالَةٌ على الإِكْرَاهِ، كالقَيْدِ والحَبْسِ والتَّوْكِيلِ (١٢) به، فيكونُ القولُ قولَه مع يَمِينهِ؛ لأن هذه الحال تَدُلُّ على الإِكْرَاهِ. ولو ادَّعَى أنَّه كان زائِلَ العَقْلِ حال إِقْرَارِه، لم يُقْبَلْ قَوْلُه إلَّا بِبَيِّنَةٍ؛ لأنَّ الأَصْلَ السَّلَامَةُ حتى يُعْلَمَ غيرُها. ولو شَهِدَ الشُّهُودُ بإِقْرَارِه، لم تَفْتَقِرْ صِحَّةُ الشَّهَادةِ إلى أن يَقُولُوا طَوْعًا في صِحَّةِ عَقْلِه؛ لأنَّ الظاهِرَ سَلَامَةُ الحالِ وصِحَّةُ الشَّهَادَةِ. وقد ذَكَرْنا حُكْمَ إِقْرَارِ السَّفِيهِ والمُفْلِسِ والمَرِيضِ في أبْوابِه. وأمَّا العَبْدُ فيَصِحُّ إقْرَارُه بالحَدِّ والقِصَاصِ فيما دون النَّفْسِ؛ لأنَّ الحَقَّ له دُون مَوْلَاهُ. ولا يَصِحُّ إقْرَارُ المَوْلى عليه؛ لأنَّ المَوْلَى لا يَمْلِكُ من العَبْدِ إلَّا المالَ. ويَحْتَمِلُ أن يَصِحَّ إقْرَارُ المَوْلَى عليه بما يُوجِبُ القِصاصَ، ويَجِبُ المالُ دُونَ القِصاصِ؛ لأنَّ المالَ يَتَعَلَّقُ بِرَقَبَتِه، وهى مالُ السَّيِّدِ، فصَحَّ إقْرَارُه به، كجِنايَةِ الخَطَإِ. وأمَّا إقْرَارُه بما يُوجِبُ القِصَاصَ في النَّفْسِ، فالمَنْصُوصُ عن أحمدَ أنَّه لا يُقْبَلُ، ويُتْبَعُ به بعدَ العِتْقِ. وبه قال زُفَرُ، والمُزَنِىُّ، ودَاوُدُ، وابنُ جَرِيرٍ الطَّبَرِىّ؛ لأنَّه يُسْقِطُ حَقَّ سَيِّدِه بإقْرَارِه، فأَشْبَهَ الإِقْرَارَ بقَتْلِ الخَطَإِ، ولأنَّه مُتَّهَمٌ في أنَّه

стр. 3492

يُقِرُّ لِرَجُلٍ لِيَعْفُوَ عنه، ويَسْتَحِقَّ أخْذَه، فيَتَخَلَّصُ بذلك من سَيِّدِه. واخْتَارَ أبو الخَطَّابِ أنَّه يَصِحُّ إقْرَارُه به. وهو قولُ أبى حنيفةَ، ومالِكٍ، والشّافِعِىِّ؛ لأنَّه أحَدُ نَوْعَىِ القِصاصِ، فصَحَّ إقْرَارُه به، كما دُونَ النَّفْسِ. وبهذا الأَصْلِ يَنْتَقِضُ دَلِيلُ الأَوَّلِ. ويَنْبَغِى على هذا القَوْلِ أن لا يَصِحَّ عَفْوُ وَلِىِّ الجِنَايةِ على مالٍ إلَّا باخْتِيَارِ سَيِّدِه، لئلَّا يُفْضِىَ إلى إِيجَابِ المالِ على سَيِّدِه بإقْرَارِ غيرِه، فلا يُقْبَلُ إقْرَارُ العَبْدِ بجِنايَةِ الخَطَإِ، ولا شِبْهِ العَمْدِ، ولا بِجِنَايَةِ عَمْدٍ مُوجِبُها المالُ، كالجائِفَةِ والمَأْمُومَةِ (١٣)، لأنَّه إِيجَابُ حَقٍّ في رَقَبَتِه، وذلك يَتَعَلَّقُ بحَقِّ المَوْلَى. ويُقْبَلُ إقْرَارُ المَولى عليه؛ [لأنَّه إيجَابُ حَقًّ في مالِه. وإن أقَرَّ بِسَرِقَةٍ مُوجِبُها المالُ، لم يُقْبَلْ إقْرَارُه، ويُقْبَلُ إقْرَارُ المَوْلَى عليه] (١٤)؛ لما ذَكَرْنَا. وإن كان مُوجِبُها القَطْعُ والمالُ، فأقَرَّ بها العَبْدُ، وَجَبَ قَطْعُه، ولم يَجِب المالُ، سواءٌ كان ما أقَرَّ بِسَرِقَتِه باقِيًا، أو تَالِفًا في يَدِ السَّيِّدِ أو يَدِ العَبْدِ. قال أحمدُ، في عَبْدٍ أقَرَّ بِسَرِقَةِ دَرَاهِمَ في يَدِه أنَّه سَرَقَها من رَجُلٍ، والرَّجُلُ يَدَّعِى ذلك، وسَيِّدُه يُكَذِّبُه: فالدَّرَاهِمُ لِسَيِّدِه، ويُقْطَعُ العَبْدُ، ويُتْبَعُ بذلك بعد العِتْقِ. وللشّافِعِىِّ في وُجُوبِ المالِ في هذه الصُّورَةِ وَجْهَانِ. ويَحْتَمِلُ أن لا يَجِبَ القَطْعُ؛ لأنَّ ذلك شُبْهَةٌ، فيُدْرَأَ بها القَطْعُ، لكَوْنِه حَدًّا يُدْرَأُ بالشُّبُهاتِ. وهذا قولُ أبى حنيفةَ؛ وذلك لأنَّ العَيْنَ التي يُقِرُّ بِسَرِقَتِها لم يَثْبُتْ حُكْمُ السَّرِقَةِ فيها، فلا يَثْبُتُ حُكْمُ القَطْعِ بها. وإن أقَرَّ العَبْدُ بِرِقِّه لغيرِ مَن هو في يَدِه، لم يُقْبَلْ إقْرَارُه بالرِّقِّ (١٥)؛ لأنَّ الإِقْرَارَ (١٦) بالرِّقِّ إقْرَارٌ بالمِلْكِ، والعَبْدُ لا يُقْبَلُ إِقْرَارُه بحالٍ، ولأنَّنا لو قَبِلْنَا إقْرَارَه، أضْرَرْنَا بِسَيِّدِه، لأنَّه إذا شَاءَ أقَرَّ لغيرِ سَيِّدِه، فأَبْطَلَ مِلْكَه. وإن أقَرَّ به السَّيِّدُ لِرَجُلٍ، وأقَرَّ هو لآخَرَ، فهو للذى أقَرَّ له السَّيِّدُ؛ لأنَّه في يَدِ السَّيِّدِ، لا في يَدِ نَفْسِه، ولأنَّ السَّيِّدَ لو أقَرَّ به مُنْفَرِدًا قُبِلَ. ولو أقَرَّ العَبْدُ مُنْفَرِدًا لم

стр. 3493

يُقْبَلْ، فإذا لم يُقْبَلْ إقْرَارُ العَبْدِ مُنْفَرِدًا فكيف يُقْبَلُ مع (١٧) [مُعَارَضَتِه لإِقْرَارِ] (١٨) السَّيِّدِ. ولو قُبِلَ إقْرَارُ العَبْدِ، لَما قُبِلَ إقْرَارُ السَّيِّدِ، كالحَدِّ وجِنَايَةِ العَمْدِ. وأمَّا المُكَاتَبُ فحُكْمُه حُكْمُ الحُرِّ في صِحَّةِ إقْرَارِه. ولو أقَرَّ بجِنَايَةِ خَطَأ صَحَّ إقْرَارُه، فإن عَجَزَ بِيعَ فيها إن لم يَفْدِهِ سَيِّدُه. وقال أبو حنيفةَ: يُسْتَسْعَى في الكِتابَةِ، وإن عَجَزَ بَطلَ إقْرَارُه بها، سَوَاءٌ قُضِىَ بها أو لم يُقْضَ. وعن الشّافِعِىّ كقَوْلِنا. وعنه أنَّه مُرَاعًى إن أَدَّى لَزِمَهُ، وإن عَجَزَ بَطلَ. ولَنا، أنَّه إقْرَارٌ لَزِمَه (١٩) في كِتَابَتِه، فلا يَبْطُلُ بعَجْزِه، كالإِقْرَارِ بالدَّيْنِ. وعلى الشّافِعِىِّ، أنَّ المُكَاتَبَ في يَدِ نَفْسِه، فصَحَّ إقْرَارُه بالجِنَايَةِ، كالحُرِّ. فصل: ويَصِحُّ الإِقْرارُ لكلِّ مَن يَثْبُتُ له الحَقُّ. فإذا أُقِرَّ لِعَبْدٍ (٢٠) بِنِكَاحٍ أو قِصَاصٍ أو تَعْزِيرِ القَذْفِ، صَحَّ الإِقْرَارُ له، صَدَّقَهُ المَوْلى أو كَذَّبَهُ؛ لأنَّ الحَقَّ له دون سَيِّدِه. وله المُطَالَبَةُ بذلك، والعَفْوُ عنه، وليس لِسَيِّدِه مُطَالَبَةٌ (٢١) به ولا عَفْوٌ. وإن كَذَّبَهُ العَبْدُ، لم يقْبَلْ. وإن أُقِرَّ له بمالٍ، صَحَّ، ويكونُ لِسَيِّدِه؛ لأنَّ يَدَ العَبْدِ كيَدِ سَيِّدِه. وقال أصْحابُ الشّافِعِىِّ: إن قُلْنا: يَمْلِكُ المالَ. صَحَّ الإِقْرَارُ له. وإن قُلْنا: لا يَمْلِكُ. كان الإِقْرارُ لِمَوْلاهُ، يَلْزَمُ بِتَصْدِيقِه ويَبْطُلُ بِرَدِّه. وإن أَقَرَّ لِبَهِيمَةٍ أو دارٍ، لم يَصِحَّ إِقْرَارُه لها، وكان باطِلًا؛ لأنَّها لا تَمْلِكُ المالَ مُطْلَقًا، ولا يَدَ لها. وإن قال: علَىَّ بِسَبَبِ هذه البَهِيمَةِ. لم يكُنْ إِقْرَارًا لأَحَدٍ، ولأنَّه لم يَذْكُرْ لِمَنْ هي، ومِن شَرْطِ صِحَّةِ الإِقْرَارِ ذِكْرُ المُقَرِّ له. وإن قال: لِمَالِكِها أو لِزَيْدٍ علَىَّ بِسَبَبِها ألْفٌ. صَحَّ الإِقْرَارُ. وإن قال: بِسَبَبِ حَمْلِ هذه البَهِيمَةِ. لم يَصِحَّ، إذ لا يُمْكِنُ إِيجابُ شَىْءٍ بِسَبَبِ الحَمْلِ. فصل: وإن أقَرَّ لِحَمْلِ امْرَأَةٍ بمالٍ، وعَزَاهُ إلى إِرْثٍ أو وَصِيَّةٍ، صَحَّ، وكان

стр. 3494

لِلْحَمْلِ. وإن أَطْلَقَ، فقال أبو عبدِ اللَّه ابن حامِدٍ: يَصِحُّ. وهو أصَحُّ قَوْلَىِ الشّافِعِىِّ؛ لأنَّه يجوزُ أن يَمْلِكَ بوَجْهٍ صَحِيحٍ، فصَحَّ له الإِقْرَارُ المُطْلَقُ، كالطِّفْلِ. فعلَى هذا، إن وَلَدَتْ ذَكَرًا أو أُنْثَى، كان بينهما نِصْفيْنِ. وإن عَزَاهُ إلى إِرْثٍ أو وَصِيَّةٍ، كان بينهما على حَسَبِ اسْتِحْقَاقِهِما لذلك. وقال أبو الحَسَنِ التَّمِيمِىُّ: لا يَصِحُّ الإِقْرَارُ إلَّا أن يَعْزِيَهُ (٢٢) إلى إِرْثٍ أو وَصِيَّةٍ. وهو قولُ أبى ثَوْرٍ، والقولُ الثاني لِلشّافِعِىِّ؛ لأنَّه لا يَمْلِك بغيرِهما. فإن وَضَعَتِ (٢٣) الوَلَدَ مَيِّتًا، وكان قد عَزَا الإِقْرَارَ إلى إرْثٍ أو وَصِيَّةٍ، عادَتْ إلى وَرَثَةِ المُوصِى ومَوْرُوثِ الطِّفْلِ، وإن أطْلَقَ الإِقْرَارَ، كُلِّفَ ذِكْرَ السَّبَبِ، فيُعْمَلُ بقَوْله، فإن تَعَذَّرَ التَّفْسِيرُ بمَوْتِه أو غيرِه، بَطَلَ إقْرَارُه، كمَن أقَرَّ لِرَجُلٍ لا يَعْرِفُ مَن أرَادَ بإِقْرَارِه. وإن عَزَا الإِقْرَارَ إلى جِهَةٍ غيرِ صَحِيحَةٍ، فقال: لهذا الحَمْل علَىَّ أَلْفٌ أقْرَضَنِيهَا، أو وَدِيعَةٌ أخَذْتُها منه. فعلَى قولِ التَّمِيمِىِّ، الإِقْرَارُ باطِلٌ، وعلى قولِ ابنِ حامِدٍ، يَنْبَغِى أن يَصِحَّ إقْرَارُه؛ لأنَّه وَصَلَ إقْرَارَه بما يُسْقِطُه، فيَسْقُطُ ما وَصَلَهُ به، كما لو قال: له عَلىَّ أَلْفٌ لا تَلْزَمُنِى. وإن قال: له علىَّ أَلْفٌ جَعَلتُها له. أو نحوَ ذلك، فهى عِدَةٌ لا يُؤْخَذُ بها. ولا يَصِحُّ الإِقْرَارُ لِحَمْلٍ إلَّا إذا تُيُقِّنَ أنَّه كان مَوْجُودًا حالَ الإِقْرَارِ على ما تَبَيَّنَ (٢٤) في مَوْضِعِه. وإن أقَرَّ لِمَسْجِدٍ أو مَصْنَعٍ أو طَرِيقٍ، وعَزَاهُ إلى سَبَبٍ صَحِيحٍ، مثل أن يقول: مِن غَلَّةِ وَقْفِه. صَحَّ. وإن أطْلَقَ، خُرِّجَ على الوَجْهَيْنِ. ٨٤٩ - مسألة؛ قال: (وَمَنْ أقَرَّ بِشَىءٍ، وَاسْتَثْنَى مِنْ غَيْرِ جِنْسِهِ، كَانَ اسْتِثْنَاؤُهُ بَاطِلًا، إلَّا أنْ يَسْتَثْنِىَ عَيْنًا مِنْ وَرِقٍ، أوْ وَرِقًا من عَيْنٍ) في هذه المسألة فَصْلَانِ: أوَّلُهما: أنَّه لا يَصِحُّ الاسْتِثْناءُ في الإِقْرَارِ من غيرِ الجِنْسِ، وبهذا قال زُفَرُ، ومحمدُ

стр. 3495

ابن الحَسَنِ. وقال أبو حنيفةَ: إن اسْتَثْنَى مَكِيلًا أو مَوْزُونًا، جَازَ، وإن اسْتَثْنَى عَبْدًا أو ثَوْبًا من مَكِيلٍ أو مَوْزُونٍ، لم يَجُزْ. وقال مالِكٌ، والشّافِعِىُّ: يَصِحُّ الاسْتِثْناءُ من غيرِ الجِنْسِ مُطْلَقًا؛ لأنَّه وَرَدَ في الكِتَابِ العَزِيزِ ولُغَةِ العَرَبِ، قال اللَّه تعالى: ﴿وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ كَانَ مِنَ الْجِنِّ﴾ (١). وقال اللهُ تعالى: ﴿لَا يَسْمَعُونَ فِيهَا لَغْوًا وَلَا تَأْثِيمًا (٢٥) إِلَّا قِيلًا سَلَامًا﴾ (٢). وقال الشاعِرُ (٣): وبَلْدَةٍ ليس بها أَنِيسُ إلَّا الْيَعَافِيرُ، وإلَّا العِيْسُ وقال آخر (٤): . . . . . . . . . . . ... عَيَّتْ جَوابًا وما بالرَّبْعِ مِن أحَدِ إلَّا أوَارِىُّ لَأْيًا ما أُبَيِّنُها ... . . . . . . . . . . . . . . ولَنا أنَّ الاسْتِثْناءَ صَرْفُ اللَّفْظِ بِحَرْفِ الاسْتِثْناءِ عمَّا كان يَقْتَضِيهِ لَوْلَاهُ. وقيل: هو (٥) إِخْرَاجُ بعض ما تَنَاوَلَهُ المُسْتَثْنَى منه، مُشْتَقٌّ من ثَنَيْتُ فُلَانًا عن رَأْيِه. إذا صَرَفْتَه عن رَأْىٍ كان عَازِمًا عليه. وثَنَيْتُ عِنَانَ دَابَّتِى. إذا صَرَفْتَها به عن وِجْهَتِها التي كانت تَذْهَبُ إليها. وغيرُ الجِنْسِ المَذْكُورِ ليس بِدَاخِلٍ في الكلامِ، فإذا ذَكَرَهُ، فما صَرَفَ الكَلَامَ عن صَوْبِه، ولا ثَنَاهُ عن وَجْهِ اسْتِرْسَالِه، فلا يكونُ اسْتِثْناءً، وإنَّما سُمِّىَ (٦)

стр. 3496

اسْتِثْناءً تَجَوُّزًا، وإنَّما هو في الحَقِيقَةِ اسْتِدْرَاكٌ. "وإِلَّا" ههُنا بمعنى "لكِن". هكذا قال أهْلُ العَرَبِيَّةِ؛ منهم ابنُ قُتَيْبَةَ، وحَكَاهُ عن سِيبوَيْه. والاسْتِدْرَاكُ لا يَأْتِى إلَّا بعدَ الجَحْدِ، ولذلك لم يَأْتِ الاسْتِثْناءُ في الكِتَابِ العَزِيزِ من غيرِ الجِنْسِ إلَّا بعدَ النَّفْىِ، ولا يَأْتِى بعدَه الإِثْبَاتُ، إلَّا أن يُوجَدَ بعدَه جُمْلَةٌ. وإذا تَقَرَّرَ هذا، فلا مدْخَلَ للاسْتِدْرَاكِ في الإِقْرَارِ؛ لأنَّه إِثْبَاتٌ لِلْمُقرِّ به، فإذا ذَكَرَ الاسْتِدْرَاكَ بعدَه كان باطِلًا، وإن ذَكَرَه بعدَ جُمْلَةٍ، كأَنْ قال: له عِنْدِى مائةُ دِرْهَمٍ إلَّا ثَوْبًا لي عليه. فيكونُ مُقِرًّا بشيءٍ مُدَّعِيًا لشىءٍ (٧) سِوَاهُ، فيُقْبَلُ إِقْرَارُه، وتَبْطُلُ دَعْوَاهُ، كما لو صَرَّحَ بذلك بغيرِ لَفْظِ الاسْتِثْنَاءِ. وأمَّا قولُه تعالى: ﴿فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ﴾. فإنَّ إِبْلِيسَ كان من المَلَائِكَةِ، بِدَلِيلِ أنَّ اللهَ تعالى لم يَأْمُرْ بالسُّجُودِ غَيْرَهم، فلو لم يكُنْ منهم لَما كان مَأْمُورًا بالسُّجُودِ، ولا عاصِيًا بِتَرْكِه، ولا قال اللهُ تعالى في حَقَّهِ: ﴿فَفَسَقَ عَنْ أَمْرِ رَبِّهِ﴾ (٨). ولا قال: ﴿مَا مَنَعَكَ أَلَّا تَسْجُدَ إِذْ أَمَرْتُكَ﴾ (٩). وإذا لم يكُنْ مَأْمُورًا فلم أنْكَسَهُ اللهُ وأَهْبَطَه ودَحَرَهُ؟ ولم يَأْمُر اللهُ تعالى بالسُّجُودِ إلَّا المَلَائِكَةَ. فإن قالوا: بل قد تَنَاوَلَ الأَمْرُ المَلَائِكَةَ ومَن كان معهم، فدَخَلَ إِبْلِيسُ في الأَمْرِ لكَوْنِه معهم. قُلْنا: قد سَقَطَ اسْتِدْلَالُكُم، فإنَّه متى كان إبْلِيسُ (١٠) داخِلًا في المُسْتَثْنَى منه، مَأْمُورًا بالسُّجُودِ، فاسْتِثْنَاؤُه من الجِنْسِ، وهذا ظَاهِرٌ لمن أَنْصَفَ، إن شاءَ اللهُ تعالى. فعلَى هذا، متى قال: له عَلَىَّ أَلْفُ دِرْهَمٍ إلَّا ثَوْبًا. لَزِمَهُ الأَلْفُ، وسَقَطَ الاسْتِثْنَاءُ، بمَنْزِلةِ ما لو قال: له عَلَىَّ أَلْفُ دِرْهَمٍ، لكنْ لي عليه ثَوْبٌ. الفصل الثاني: إذا اسْتَثْنَى عَيْنًا من وَرِقٍ، أو وَرِقًا من عَيْنٍ، فاخْتَلَفَ أصْحَابُنا في صِحَّتِه؛ فذَهَبَ أبو بكرٍ عبدُ العزيزِ إلى أنَّه لا يَصِحُّ؛ لما ذَكَرْنا. وهو قولُ محمدِ بن

стр. 3497

الحَسَنِ. وقال ابنُ أبي موسى: فيه رِوَايَتانِ. واخْتَارَ الخِرَقِىُّ صِحَّتَهُ؛ لأنَّ قَدْرَ أحَدِهما مَعْلُومٌ من الآخَرِ، ويُعَبَّرُ بأحَدِهما عن الآخَرِ، فإنَّ قَوْمًا يُسَمُّونَ تِسْعَةَ دَرَاهِمَ دِينَارًا، وآخَرُونَ يُسَمُّونَ ثمانِيَةَ دَرَاهِمَ (١١) دِينَارًا، فإذا اسْتَثْنَى أحَدَهُما من الآخَرِ، عُلِمَ أنَّه أرَادَ التَّعْبِيرَ بأحَدِهِما عن الآخَرِ، فإذا قال: له علىَّ دِينَارٌ إلَّا ثَلَاثَةَ دَرَاهِمَ، في مَوْضِعٍ يُعَبّرُ فيه بالدِّينَارِ عن تِسْعَةٍ، كان مَعْنَاهُ: له علىَّ تِسْعَةُ دَرَاهِم إلَّا ثَلَاثَةً. ومتى (١٢) أمْكَنَ حَمْلُ الكَلَامِ على وَجْهٍ صَحِيحٍ، لِم يَجُزْ إلْغَاؤُه، وقد أمكنَ بهذا الطَّرِيقِ، فوَجَبَ تَصْحِيحُه. وقال أبو الخَطَّابِ: لا فَرْقَ بين العَيْنِ والوَرِقِ وبينَ غيرِهما، فيَلْزَمُ من صِحَّةِ اسْتِثْناءِ أحَدِهِما من الآخَرِ صِحَّةُ اسْتِثْناءِ الثِّيابِ وغيرِها. وقد ذَكَرْنا الفَرْقَ. ويمكنُ الجَمْعُ بين الرِّوَايَتَيْنِ بِحَمْلِ رِوَايَةِ الصِّحَّةِ على ما إذا كان أحَدُهما يُعَبَّرُ به عن الآخَرِ، أو يُعْلَمُ قَدْرُه منه، ورِوَايَةِ البُطْلَانِ على ما إذا انْتَفَى ذلك، واللهُ أعلمُ. فصل: ولو ذَكَرَ نَوْعًا من جِنْسٍ، واسْتَثْنَى نَوْعًا آخَرَ من ذلك (١٣) الجِنْسِ، مثل أن يقولَ: له علَىَّ عَشرَةُ آصُعٍ تَمْرًا بَرْنِيًّا، إلَّا ثَلَاثَةً تَمْرًا مَعْقِلِيًّا. لم يَجُزْ؛ لما ذَكَرْناه في (١٤) الفَصْلِ الأَوَّلِ. ويُخَالِفُ العَيْنَ والوَرِقَ؛ لأنَّ قِيمَةَ أحَدِ النَّوْعَيْنِ غيرُ مَعْلُومَةٍ من الآخَرِ، ولا يُعَبَّرُ بأحَدِهما عن الآخَرِ. ويَحْتَمِلُ على قولِ الخِرَقِىِّ جَوَازُهُ؛ لِتَقَارُبِ المَقَاصِدِ من النَّوْعَيْنِ، فهما كالعَيْنِ والوَرِقِ. والأوَّلُ أصَحُّ؛ لأنَّ العِلَّةَ (١٥) الصَّحِيحَةَ في العَيْنِ والوَرِقِ غيرُ ذلك. فصل: فأما اسْتِثْنَاءُ بعض ما دَخَلَ في المُسْتَثْنَى منه، فجَائِزٌ بغيرِ خِلَافٍ عَلِمْنَاهُ؛ فإنَّ ذلك في (١٦) كَلَامِ العَرَبِ، وقد جاء في الكِتَابِ والسُّنَّةِ، قال اللَّه تعالى: ﴿فَلَبِثَ

стр. 3498

فِيهِمْ أَلْفَ سَنَةٍ إِلَّا خَمْسِينَ عَامًا﴾ (١٧). وقال: ﴿فَسَجَدَ الْمَلَائِكَةُ كُلُّهُمْ أَجْمَعُونَ (٣٠) إِلَّا إِبْلِيسَ﴾ (١٨). وقال النبيُّ ﷺ في الشَّهِيدِ: "يُكَفَّرُ عَنْهُ خَطَايَاهُ كُلُّهَا إلَّا الدَّيْنَ" (١٩). وهذا في الكِتَابِ والسُّنَّةِ كَثِيرٌ، وفى سائِرِ كَلَامِ العَرَبِ. فإذا أقَرَّ بشَىءٍ، واسْتَثْنَى منه، كان مُقِرًّا بالباقِى بعدَ الاسْتِثْناءِ، فإذا قال: له علىَّ مائةٌ إلَّا عَشرَةً. كان مُقِرًّا بِتِسْعِينَ؛ لأنَّ الاسْتِثْناءَ يَمْنَعُ أن يَدْخُلَ في اللَّفْظِ ما لَوْلَاهُ لَدَخَلَ، فإنَّه لو دَخَلَ لَما (٢٠) أمْكَنَ إخْرَاجُه، ولو أقَرَّ بالعَشَرَةِ المُسْتَثْناة لَما قُبِلَ منه إنْكَارُها. وقَوْلُ اللَّه تعالى: ﴿فَلَبِثَ فِيهِمْ أَلْفَ سَنَةٍ إِلَّا خَمْسِينَ عَامًا﴾. إخْبَارٌ بتِسْعِمائة وخَمْسِينَ، فالاسْتِثْنَاءُ بَيَّنَ أن الخَمسِينَ المُسْتَثْناةَ غيرُ مُرَادَةٍ، كما أن التَّخْصِيصَ يُبَيِّنُ أنَّ المَخْصُوصَ غيرُ مُرَادٍ باللَّفْظِ العَامِّ، وإن قال: [هذه الدَّارُ لِزَيْدٍ (٢١) إلَّا هذا البيتَ. كان مُقِرًّا بما سِوَى البيتِ منها. وكذلك إن قال] (٢٢): إلَّا ثُلُثَها، أو رُبْعَها. صَحَّ، وكان مُقِرًّا بالباقِى بعدَ المُسْتَثْنَى. كذلك إن قال: هذه الدّارُ له، وهذا البَيْتُ لِى. صَحَّ أيضًا؛ لأنَّه في مَعْنَى الاسْتِثْنَاءِ، لكَوْنِه أَخْرَجَ بعضَ ما دَخَلَ في اللَّفْظِ الأَوَّلِ بكَلَامٍ مُتَّصِلٍ. وإن قال: له هؤلاء العَبِيد إلَّا هذا. صَحَّ، وكان مُقِرًّا بمن سِوَاه منهم. وإن قال: إلَّا واحِدًا. صَحَّ؛ لأنَّ الإِقْرَارَ يَصِحُّ مَجْهُولًا، فكذلك الاسْتِثْناءُ منه، ويُرْجَعُ في

стр. 3499

تَعْيِينِ المُسْتَثْنَى إليه، لأنَّ الحُكْمَ يَتَعَلَّقُ بقَوْلِه، وهو أعْلَمُ بمُرَادِه به. وإن عَيَّنَ مَن عَدَا المُسْتَثْنَى، صَحَّ، وكان الباقِى له. فإن هَلَكَ العَبِيدُ إلَّا واحِدًا، فذَكَرَ أنَّه المُسْتَثْنَى، قُبِلَ. ذَكَرَهُ القاضي. وهو أحَدُ الوَجْهَيْنِ لأصْحابِ الشّافِعِىِّ. وقال أبو الخَطَّابِ: لا يُقْبَلُ، في أحَدِ الوَجْهَيْنِ. وهو الوَجْهُ الثانِى لأَصْحَابِ الشّافِعِىِّ؛ لأنَّه يُرْفَعُ به الإِقْرَارُ كلُّه. والصَّحِيحُ أنَّه يُقْبَلُ؛ لأنَّه يُقْبَلُ تَفْسِيرُه به (٢٣) في حَياتِهم لِمَعْنًى هو مَوْجُودٌ بعد مَوْتِهِم، فَقُبِلَ كحَالَةِ حَيَاتِهِم، وليس هذا رَفْعًا لِلإِقْرَارِ، وإنما تَعَذَّرَ تَسْلِيمُ المُقَرِّ به لِتَلَفِه، لا لِمَعْنًى يَرْجِعُ إلى التَّفْسِيرِ، فأشْبَه ما لو عَيَّنَهُ في حَيَاتِهِم، فتَلِفَ بعد تَعْيِينِه. وإن قُتِلَ الجَمِيعُ إلَّا واحِدًا، قُبِلَ تَفْسِيرُه بالباقِى، وَجْهًا واحِدًا. وإن قُتِلَ الجَمِيعُ، فله قِيمَةُ أحَدِهم، ويُرْجَعُ في التَّفْسِيرِ إليه. وإن قال: غَصَبْتُكَ هؤلاءِ العَبِيدَ إلَّا واحِدًا. فهَلَكُوا إلَّا واحِدًا، قُبِلَ تَفْسِيرُه به، وَجْهًا واحِدًا؛ لأنَّ المُقَرَّ له يَسْتَحقُّ قِيمَةَ الهالِكِينَ، فلا يُفْضِى التَّفْسِيرُ بالباقِى إفى سُقُوطِ الإِقْرَارِ، بِخِلافِ التي قبلَها. فصل: وحُكْمُ الاسْتِثْناءِ بسائِرِ أدَوَاتِه حُكْمُ الاسْتِثْناءِ بإلَّا، فإذا قال: له علَىَّ عَشَرَةٌ سِوَى دِرْهَمٍ، أو ليس دِرْهَمًا، أو خَلَا دِرْهَمًا، أو عَدَا دِرْهَمًا، أو ما خَلَا أو ما عَدَا دِرْهَمًا، أو لا يكونُ دِرْهَمًا (٢٤) أو غيرَ دِرْهَمٍ. بِفَتْحِ الرَّاءِ، كان مُقِرًّا بتِسْعَةٍ. وإن قال: غيرُ دِرْهَمٍ، بضَمِّ رائها، وهو من أهل العَرَبِيَّة، كان مُقِرًّا بعَشرَةٍ، لأنَّها تكونُ صِفَةً لِلْعَشَرَةِ المُقِرِّ بها، ولا يكونُ اسْتِثْناءً، فإنَّها لو كانت اسْتِثْناءً كانت مَنْصُوبةً، وإن لم يكُنْ من أهْلِ العَرَبِيَّةِ، لَزِمَهُ تِسْعَةٌ؛ لأنَّ الظَّاهِرَ أنَّه إنما يُرِيدُ الاسْتِثْنَاءَ، لكنَّه رَفَعَها جَهْلًا منه بالعَرَبِيَّةِ، لا قَصْدًا لِلصِّفَةِ. فصل: ولا يَصِحُّ الاسْتِثْناءُ إلَّا أن يكونَ مُتَّصِلًا بالكَلَامِ، فإن سَكَتَ سُكُوتًا يُمْكنُه

стр. 3500

الكَلَامُ فيه، أو فَصَلَ بين المُسْتَثْنَى منه والمُسْتَثْنَى بكَلَامٍ أجْنَبِيٍّ، لم يَصِحَّ؛ لأنَّه إذا سَكَتَ أو عَدَلَ عن إِقْرَارِه إلى شيءٍ آخَرَ، اسْتَقَرَّ حُكْمُ ما أقَرَّ به، فلم يَرْتَفِعْ، بِخِلَافِ ما إذا كان في كَلَامِه، فإنَّه لا يَثْبُتُ حُكْمُه، وينْتظرُ ما يَتِمُّ به كَلَامُهُ، ويَتَعَلَّقُ به حُكْمُ الاسْتِثْنَاءِ والشَّرْطِ والعَطْفِ والبَدَلِ ونحوِه. فصل: ولا يَصِحُّ اسْتِثْنَاءُ الكُلَّ بغيرِ خِلَافٍ؛ لأنَّ الاسْتِثْنَاءَ رَفْعُ بعضِ ما تَنَاوَلَهُ اللَّفْظُ، واسْتِثْنَاءُ الكُلِّ رَفْعُ الكُلِّ، فلو صَحَّ صارَ الكلامُ [كله لَغْوًا] (٢٥) غيرَ مُفِيدٍ، فإن قال: له علَىَّ دِرْهَمٌ ودِرْهَمٌ إلَّا دِرْهَمًا. أو ثَلَاثَةُ دَرَاهِمَ (٢٦) ودِرْهَمَانِ إلَّا دِرْهَمَيْنِ. أو ثَلَاثَةٌ ونِصْفٌ إلَّا نِصْفًا، أو إلَّا دِرْهَمًا. أو خَمْسَةٌ وتِسْعُونَ إلَّا خَمْسَةً. لم يَصِحَّ الاسْتِثْناءُ، ولَزِمَهُ جَمِيعُ ما أَقَرَّ به قبلَ الاسْتِثْناءِ. وهذا قولُ الشّافِعِىِّ. وهو الذي يَقْتَضِيه مذهبُ أبى حنِيفةَ. وفيه وَجْهٌ آخَر، أنَّه يَصِحُّ؛ لأنَّ الواوَ العاطِفَةَ تَجْمَعُ بين العَدَدَيْنِ، وتَجْعَلُ الجُمْلَتَيْنِ كالجُمْلَةِ الواحِدَةِ، ومن أَصْلِنا أنَّ الاسْتِثْناءَ إذا تَعَقَّبَ جُمَلًا مَعْطُوفًا بعضُها على بعضٍ بالواوِ، عادَ إلى جَمِيعِها، كقَوْلِنا في قولِ اللَّه تعالى: ﴿وَلَا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَدًا وَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ (٤) إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا﴾ (٢٧): إنَّ الاسْتِثْنَاءَ عادَ إلى الجُمْلَتَيْنِ، فإذا تابَ القاذِفُ قُبِلَتْ شَهَادَتُه. ومن ذلك قولُ النبيِّ ﷺ : "لَا يَؤُمَّنَّ الرَّجُلُ الرَّجُلَ في سُلْطَانِه، ولَا يُجْلَسْ عَلَى تَكْرِمَتِهِ إلَّا بِإِذْنِه" (٢٨). والوَجْهُ الأَوَّلُ أَوْلَى؛ لأنَّ الوَاوَ لم تُخْرِجِ الكَلَامَ من أن يكونَ جُمْلَتَيْنِ، والاسْتِثْنَاء يَرْفَعُ إحْدَاهما جَمِيعًا، ولا نَظِيرَ لهذا في كلامِهم، ولأنَّ صِحَّةَ الاسْتِثْناءِ تَجْعَلُ إِحْدَى الجُمْلَتَيْنِ مع الاسْتِثْناءِ لَغْوًا، لأنَّه أثْبَتَ شيئا بِلَفْظٍ مُفْرَدٍ، ثم رَفَعَهُ كلَّه، فلا يَصِحُّ، كما لو اسْتَثْنَى منها وهى غيرُ مَعْطُوفَةٍ على بعضِها (٢٩)، فأمَّا الآيةُ والخَبَرُ، فإنَّ الاسْتِثْنَاءَ لم يَرْفَعْ إحْدَى

стр. 3501

الجُمْلَتَيْنِ، إنَّما أخْرَجَ من الجُمْلَتَيْنِ معًا مَن اتَّصَفَ بِصِفَةٍ، فنَظِيرُه ما لو قال لِلبَوَّابِ: مَن جَاءَ يَسْتَأْذِنُ فَأْذَنْ له، وأعْطِهِ دِرْهَمًا، إلَّا فُلَانًا. ونَظِيرُ مَسْأَلَتِنا ما لو قال: أَكْرِمْ زَيْدًا وعَمْرًا إلَّا عَمْرًا. وإن قال: له علَىَّ دِرْهَمَانِ وثَلَاثَةٌ إلَّا دِرْهَمَيْنِ. لم يَصِحَّ أيضًا؛ لأنَّه يَرْفَعُ الجُمْلَةَ الأُولَى كُلَّها، فأشْبَهَ ما لو قال: أَكْرِمْ زَيْدًا وعَمْرًا إلَّا زَيْدًا. وإن قال: له علَىَّ ثَلَاثَةٌ وثَلَاثَةٌ إلَّا دِرْهَمَيْنِ، خُرِّجَ فيه (٣٠) وَجْهَانِ؛ لأنَّه اسْتَثْنَى أكْثَرَ الجُمْلَةِ التي تَلِيه، واسْتِثْنَاءُ الأَكْثَرِ فاسِدٌ، كاسْتِثْنَاءِ الكُلِّ. فصل: وإن اسْتَثْنَى اسْتِثْناءً بعد اسْتِثْناءٍ، وعَطَفَ الثاني على الأَوَّلِ، كان مُضَافًا إليه. فإذا قال: له عَلَىَّ عَشرَةٌ إلَّا ثَلَاثَةً، وإلا دِرْهَمَيْنِ. كان مُسْتَثْنِيًا لِخَمْسَةٍ مُبْقِيًا لِخَمْسَةٍ. وإن كان الثاني غيرَ مَعْطُوفٍ على الأَوَّلِ، كان اسْتِثْنَاءً من الاسْتِثْناءِ، وهو جائِزٌ في اللُّغَةِ، قد جاءَ في كلامِ اللهِ تعالى في قوله: ﴿قَالُوا إِنَّا أُرْسِلْنَا إِلَى قَوْمٍ مُجْرِمِينَ (٥٨) إِلَّا آلَ لُوطٍ إِنَّا لَمُنَجُّوهُمْ أَجْمَعِينَ (٥٩) إِلَّا امْرَأَتَهُ قَدَّرْنَا إِنَّهَا لَمِنَ الْغَابِرِينَ﴾ (٣١). فإذا كان صَدْرُ الكلامِ إثْباتًا، كان الاسْتِثْنَاءُ الأَوَّل نَفْيًا والثانى إِثْبَاتًا، فإن اسْتَثْنَى اسْتِثْناءً ثَالِثًا، كان نَفْيًا (٣٢) يَعُودُ كل اسْتِثْنَاء إلى ما يَلِيهِ من الكَلَامِ، فإذا قال: له علىَّ (٣٣) عَشَرَةٌ إلَّا ثَلَاثَةً إلَّا دِرْهَمًا. كان مُقِرًّا بِثَمَانِية؛ لأنَّه أَثْبَتَ عَشَرَةً، ثم [نَفَى منها ثلاثةً] (٣٤) وأَثْبَتَ دِرْهَمًا، وبَقِىَ من الثَّلَاثَةِ المَنْفِيَّةِ (٣٥) دِرْهَمَانِ مُسْتَثْنَيَانِ من العَشَرَةِ، فيَبْقَى منها ثَمَانِية، وسَنَزِيدُ لهذا الفَصْلِ فُرُوعًا (٣٦) في مَسْأَلَة اسْتِثْنَاءِ الأَكْثَرِ.

стр. 3502

فصل: إذا قال: له هذه الدَّارُ هِبَةً، أو سُكْنَى، أو عَارِيّةً. كان إقْرَارًا بما أَبْدَلَ به كَلَامَه، ولم يكُنْ إقْرَارًا بالدَّارِ؛ لأنَّه رَفَعَ بآخِر كَلَامِه بعضَ ما دَخَلَ في أَوَّلِه، فَصَحَّ, كما لو أقَرَّ بِجُمْلَةٍ واسْتَثْنَى بعضَها. وذكَرَ القاضي في هذا وَجْهًا، أنَّه لا يَصِحُّ؛ لأنَّه اسْتِثْناءٌ من غيرِ الجِنْسِ، ليس هذا اسْتِثْناءً، إنَّما هذا (٣٧) بَدَلٌ، وهو سائِغٌ في اللُّغَةِ. ويُسَمَّى هذا النَّوْعُ من البَدَلِ بَدَلَ الاشْتِمَالِ، وهو أن يُبْدِلَ من الشىءِ بعضَ ما يَشْتَمِلُ عليه ذلك الشىءُ، كقَوْلِه تعالى: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرَامِ قِتَالٍ فِيهِ﴾ (٣٨). فأبْدَلَ القِتالَ من الشَّهْرِ المُشْتَمِلِ عليه. وقال تعالى إِخْبَارًا عن موسى ﵇، أنَّه قال: ﴿وَمَا أَنْسَانِيهُ إِلَّا الشَّيْطَانُ أَنْ أَذْكُرَهُ﴾ (٣٩). أي أَنْسَانِى ذِكْرَه. وإن قال: له (٤٠) هذه الدَّارُ ثُلُثُها. أو قال: رُبْعُها. صَحَّ، ويكون مُقِرًّا بالجُزْءِ الذي أَبْدَلَهُ، وهذا بَدَلُ البعضِ، وليس ذلك باسْتِثْناءٍ. ومثلُه قولُه تعالى: ﴿قُمِ اللَّيْلَ إِلَّا قَلِيلًا (٢) نِصْفَهُ﴾ (٤١). وقولُه سُبْحانَه: ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا﴾ (٤٢). ولكنَّه في مَعْنَى الاسْتِثْناءِ، في كَوْنِه يُخْرِجُ من الكَلَامِ بعضَ ما يَدْخُلُ فيه لَوْلَاه، ويُفَارِقُه في أنَّه يجُوزُ أن يَخْرُجَ أكْثَر من النِّصْفِ (٤٣)، وأنَّه يجوزُ إِبْدَالُ الشَّىْءِ من غيرِه إذا كان مُشْتَمِلًا عليه، ألا تَرَى أنَّ اللهَ تعالى أَبْدَلَ المُسْتَطِيعَ لِلْحَجِّ من النَّاسِ، وهو أقَلُّ من نِصْفِهِم، وأَبْدَلَ القِتَالَ من الشَّهْرِ الحَرَامِ، وهو غيره؟ ومتى قال: له هذه الدَّارُ سُكْنَى أو عَارِيَّة. ثَبَتَ فيها حُكْمُ ذلك، وله أن لا يُسْكِنَه إِيَّاهَا، وأن يَعُودَ فيما أعارَهُ.

стр. 3503

٨٥٠ - مسألة؛ قال: (ومَنِ ادُّعِىَ عَلَيْهِ شَىْءٌ، فَقَالَ: قَدْ كَانَ لَهُ عَلَىَّ وقَضَيْتُهُ. لَمْ يَكُنْ ذلِكَ إِقْرَارًا) حَكَى ابنُ أبي موسى [في هذه] (١) المَسْأَلَةِ رِوَايَتَيْنِ؛ إحْداهما، أنَّ هذا ليس بإِقْرَارٍ. اخْتَارَهُ القاضي، وقال: لم أَجِدْ عن أحمدَ رِوَايَةً بغيرِ هذا. والثانية، أنَّه مُقِرٌّ بالحَقِّ، مُدَّعٍ لِقَضَائِه، فعليه البَيِّنَةُ بالقَضَاءِ؛ وإلَّا حَلَفَ غَرِيمُهُ وأخَذَ. واخْتَارَهُ أبو الخَطَّابِ. وهو قولُ أبى حنيفةَ؛ لأنَّه أقَرَّ بالدَّيْنِ، وادَّعَى القَضَاءَ، فلم تُقْبَلْ دَعْوَاهُ، كما لو ادَّعَى القَضَاءَ بكلامٍ مُنْ فَصِلٍ ، ولأنَّه رَفَعَ جَمِيعَ ما أثْبَتَهُ، فلم يُقْبَلْ، كاسْتِثْناءِ الكُلِّ. وللشَّافِعِىِّ قَوْلانِ كالمَذْهَبَيْنِ. ووَجْهُ قولِ الخِرَقِىِّ، أنَّه قولٌ مُتَّصِلٌ، يُمْكِنُ صِحَّتُه، ولا تَنَاقُضَ فيه، فوَجَبَ أن يُقْبَلَ كاسْتِثْناءِ البَعْضِ، وفارَقَ المُنْفَصِلَ؛ لأنَّ حُكْمَ الأَوَّلِ قد اسْتَقَرَّ بسُكُوتِه عليه، فلا يُمْكِنُ رَفْعُه بعدَ اسْتِقْرَارِه، ولذلك لا يَرْتَفِعُ (٢) بعضُه باسْتِثْنَاءٍ ولا غيرِه، فما يَأْتِى بعدَه من دَعْوَى القَضَاءِ يكونُ دَعْوَى مُجَرَّدَةً، لا تُقْبَلُ إلَّا بِبَيِّنَةٍ، وأمَّا اسْتِثْنَاءُ الكُلِّ فمُتَنَاقِضٌ؛ لأنَّه لا يُمْكِنُ أن يكونَ عليه أَلْفٌ وليس عليه شيءٌ. فصل: وإن قال: له عَلَىَّ مائةٌ، وقَضَيْتُه منها خَمْسِينَ. فالكلامُ فيها كالكلامِ فيما إذا قال: وقَضَيْتُها. وإن قال له إِنْسَانٌ: لي عليك مائةٌ. فقال: قَضَيْتُكَ منها خَمْسِينَ. فقال القاضي: لا يكونُ مُقِرًّا بشيءٍ؛ لأنَّ الخَمْسِينَ التي ذَكَرَ أنَّه قَضَاهَا في كَلَامِه ما (٣) تَمْنَعُ (٤) بَقَاءَهَا، وهو دَعْوَى القَضَاءِ، وباقِى المائةِ لم يَذْكُرْها، وقوله: منها. يَحْتَمِلُ أن يُرِيدَ بها ممَّا يَدَّعِيه، ويَحْتَمِلُ ممَّا علَىَّ، فلا يَثْبُتُ عليه شَىْءٌ بكَلَامٍ مُحْتَمِلٍ. ويَجِىءُ على قولِ مَن قال بالرِّوَايةِ الأُخْرَى أن (٥) يَلْزَمَهُ الخَمْسُونَ التي ادَّعَى قَضَاءَها؛ لأنَّ في

стр. 3504

ضِمْنِ دَعْوَى القَضَاءِ إقْرَارًا بأنَّها كانت عليه، فلا تُقْبَلُ دَعْوَى القَضَاءِ بغيرِ بَيِّنَةٍ. فصل: وإن قال: كان له علَىَّ أَلْفٌ. وسَكَتَ، لَزِمَهُ الأَلْفُ، في ظَاهِرِ كَلَامِ أصْحابِنَا. وهو قولُ أبى حنيفةَ، وأحَدُ قَوْلَىِ الشّافِعِىِّ، وقال في الآخَرِ: لا يَلْزَمُه شيءٌ، وليس هذا بإِقْرَارٍ؛ لأنَّه لم يَذْكُرْ عليه شيئا في الحالِ، إنَّما أخْبَرَ بذلك [في زَمَنٍ] (٦) ماضٍ، فلا يَثْبُتُ في الحالِ، ولذلك لو شَهِدَتِ البَيِّنَةُ به لم يَثْبُتْ. ولنا، أنَّه أقَرَّ بالوُجُوبِ، ولم يَذْكُرْ ما يَرْفَعُه، فبَقِىَ على ما كان عليه، ولهذا لو تَنَازَعَا دَارًا، فأقَرَّ أحَدُهما للآخَرِ أنَّها كانت مِلْكَه، حُكِمَ بها له، إلَّا أنَّه ههُنا إن عَادَ فَادَّعَى القَضَاءَ أو الإِبْرَاءَ، سُمِعَتْ دَعْوَاه؛ لأنَّه لا تَنَافِىَ بين إِقْرَارِه وبين ما يَدَّعِيهِ. فصل: وإن قال: له عَلَىَّ أَلْفٌ، قَضَيْتُه إيَّاهَا. لَزِمَهُ الأَلْفُ، ولم تُقْبَلْ دَعْوَى القَضاءِ. وقال القاضي: تُقْبَلُ؛ لأنَّه رَفَعَ ما أثْبَتَهُ بِدَعْوَى القَضاءِ مُتَّصِلًا، فأَشْبَهَ ما لو قال: كان له (٧) عَلَىَّ، وقَضَيْتُه. وقال ابنُ أبي موسى: إن قال: قَضَيْتُ جَمِيعَه. لم يُقْبَلْ إلَّا بِبَيِّنَةٍ، ولَزِمَهُ ما أقَرَّ به، وله اليَمِينُ على المُقِرِّ له. ولو قال: قَضَيْتُ بعضَه. قُبِلَ منه، في إحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ؛ لأنَّه رَفَعَ بعضَ ما أقَرَّ به بِكَلَامٍ مُتَّصِلٍ، فأشْبَهَ ما لو اسْتَثْناهُ، بِخِلَافِ ما إذا قال: قَضَيْتُ جَمِيعَهُ. لِكَوْنِه رَفَعَ جَمِيعَ ما هو ثابِتٌ، فأشْبَهَ اسْتِثْنَاءَ الكُلِّ. ولَنا، أنَّ هذا قولٌ مُتَنَاقِضٌ، إذْ لا يُمْكِنُ أن يكونَ عليه أَلْفٌ قد قَضَاهُ، فإنَّ كَوْنه عليه يَقْتَضِى بَقَاءَه في ذِمَّتِه، واسْتِحْقَاقَ مُطَالَبَتِه به، وقَضَاؤُه يَقْتَضِى بَرَاءَةَ ذِمَّتِه منه، وَتَحْرِيمَ مُطَالَبَتِه به، والإِقْرَارُ به يَقْتَضِى ثُبُوتَه، والقَضَاءُ يَقْتَضِى رَفْعَه، وهذان ضِدَّانِ لا يُتَصَوَّرُ اجْتِمَاعُهُما في زَمَنٍ واحِدٍ، بِخِلَافِ ما إذا قال: كان له عَلَىَّ، وقَضَيْتُه. فإنه أَخْبَرَ بهما في زَمانَيْنِ، ويُمْكِنُ أن يَرْتَفِعَ ما كان ثَابِتًا، ويَقْضِىَ ما كان دَيْنًا، وإذا لم يَصِحَّ هذا في الجَمِيعِ، لم يَصِحَّ في البَعْضِ؛ لِاسْتِحَالَةِ بَقَاءِ أَلْفٍ عليه وقد (٨) قَضَى بَعْضَه،

стр. 3505

ويُفَارِقُ الاسْتِثْناءَ؛ فإنَّ الاسْتِثْناءَ مع المُسْتَثْنَى منه عِبَارَةٌ عن البَاقِى من المُسْتَثْنَى منه، فقولُ اللهِ تعالى: ﴿فَلَبِثَ فِيهِمْ أَلْفَ سَنَةٍ إِلَّا خَمْسِينَ عَامًا﴾ (٩). عِبَارَة عن تِسْعِمائة وخَمْسِينَ. أمَّا القَضاءُ فإنَّما يَرْفَعُ جُزْءًا كان ثَابِتًا، فإذا ارْتَفعَ بالقَضَاءِ لا يجوزُ التَّعْبِيرُ عنه بما يَدُلُّ على البَقَاءِ. فصل (١٠): وإن وَصَلَ إقْرَارَهُ بما يُسْقِطُه، فقال: له علَىَّ ألْفٌ من ثَمَنِ خَمْرٍ أو خِنْزِيرٍ، أو من ثَمَنِ طَعَامٍ اشْتَرَيْتُه فهَلَكَ قبلَ قَبْضِه، أو ثَمَن مَبِيعٍ فاسِدٍ لم أَقْبِضْهُ، أو تَكَفَّلْتُ به على أنِّى بالخِيَارِ. لَزِمَهُ الأَلْفُ، ولم يُقْبَلْ قولُه في إِسْقاطِه. ذَكَرَهُ أبو الخَطَّابِ. وهو قولُ أبى حنيفةَ، وأحَدُ (١١) قَوْلَىِ الشَّافِعِىِّ. وذَكَرَ القاضي أَنَّه إذا قال: له علَىَّ أَلْفٌ زُيُوفٌ. ففَسَّرَهُ (١٢) بِرَصَاصٍ أو نُحَاسٍ، لم يُقْبَلْ؛ لأنَّه رَفَعَ كلَّ ما اعْتَرَفَ به. وقال في سَائِرِ الصُّوَرِ التي ذَكَرْناها: يُقْبَلُ قَوْلُه؛ لأنَّه عَزَا إِقْرَارَهُ إلى سَبَبِه، فَقُبِلَ، كما لو عَزَاهُ إلى سَبَبٍ صَحِيحٍ. ولَنا، أنَّ هذا يُنَاقِضُ ما أَقرَّ به، فلم يُقْبَلْ، كالصُّورَةِ التي سَلَّمَها، وكما لو قال: له عَلَىَّ أَلْفٌ لا يَلْزَمُنِى. أو يقول: دَفَعَ جَمِيعَ ما أَقرَّ به. فلم يُقْبَلْ، كاسْتِثْناءِ الكُلِّ. وغيرُ خَافٍ تَنَاقُضُ كَلَامِه؛ فإنَّ ثُبُوتَ أَلْفٍ عليه في هذه المَوَاضِع لا يُتَصَوَّرُ، وإِقْرَارُه إِخْبارٌ بِثُبُوتِه، فيَتَنَافَيانِ، وإن سَلَّمَ ثُبُوتَ الأَلْفِ عليه فهو ما قُلْنَاهُ. فصل: ولا يُقْبَلُ رُجُوعُ المُقِرِّ عن إِقْرَارِه، إلَّا فيما كان حَدًّاِ لِلهِ تعالى، يُدْرَأُ بالشُّبُهاتِ، ويُحْتَاطُ لإِسْقَاطِه. فأمَّا حُقُوقُ الآدَمِيِّينَ، وحُقُوقُ اللهِ تعالى التي لا تُدْرَأُ بالشُّبُهاتِ (١٣)، كالزَّكَاةِ والكَفَّارَاتِ، فلا يُقْبَلُ رُجُوعُه عنها. ولا نَعْلَمُ في هذا خِلافًا.
следующие страницы →