← Фикх ханбали

Фикх ханбали · id 6910

المغني لابن قدامة - ت التركي

ابن قدامة

Полный текст (7 955 стр.). Показаны 3501–3540 · переход к 3506.

стр. 3501

الجُمْلَتَيْنِ، إنَّما أخْرَجَ من الجُمْلَتَيْنِ معًا مَن اتَّصَفَ بِصِفَةٍ، فنَظِيرُه ما لو قال لِلبَوَّابِ: مَن جَاءَ يَسْتَأْذِنُ فَأْذَنْ له، وأعْطِهِ دِرْهَمًا، إلَّا فُلَانًا. ونَظِيرُ مَسْأَلَتِنا ما لو قال: أَكْرِمْ زَيْدًا وعَمْرًا إلَّا عَمْرًا. وإن قال: له علَىَّ دِرْهَمَانِ وثَلَاثَةٌ إلَّا دِرْهَمَيْنِ. لم يَصِحَّ أيضًا؛ لأنَّه يَرْفَعُ الجُمْلَةَ الأُولَى كُلَّها، فأشْبَهَ ما لو قال: أَكْرِمْ زَيْدًا وعَمْرًا إلَّا زَيْدًا. وإن قال: له علَىَّ ثَلَاثَةٌ وثَلَاثَةٌ إلَّا دِرْهَمَيْنِ، خُرِّجَ فيه (٣٠) وَجْهَانِ؛ لأنَّه اسْتَثْنَى أكْثَرَ الجُمْلَةِ التي تَلِيه، واسْتِثْنَاءُ الأَكْثَرِ فاسِدٌ، كاسْتِثْنَاءِ الكُلِّ. فصل: وإن اسْتَثْنَى اسْتِثْناءً بعد اسْتِثْناءٍ، وعَطَفَ الثاني على الأَوَّلِ، كان مُضَافًا إليه. فإذا قال: له عَلَىَّ عَشرَةٌ إلَّا ثَلَاثَةً، وإلا دِرْهَمَيْنِ. كان مُسْتَثْنِيًا لِخَمْسَةٍ مُبْقِيًا لِخَمْسَةٍ. وإن كان الثاني غيرَ مَعْطُوفٍ على الأَوَّلِ، كان اسْتِثْنَاءً من الاسْتِثْناءِ، وهو جائِزٌ في اللُّغَةِ، قد جاءَ في كلامِ اللهِ تعالى في قوله: ﴿قَالُوا إِنَّا أُرْسِلْنَا إِلَى قَوْمٍ مُجْرِمِينَ (٥٨) إِلَّا آلَ لُوطٍ إِنَّا لَمُنَجُّوهُمْ أَجْمَعِينَ (٥٩) إِلَّا امْرَأَتَهُ قَدَّرْنَا إِنَّهَا لَمِنَ الْغَابِرِينَ﴾ (٣١). فإذا كان صَدْرُ الكلامِ إثْباتًا، كان الاسْتِثْنَاءُ الأَوَّل نَفْيًا والثانى إِثْبَاتًا، فإن اسْتَثْنَى اسْتِثْناءً ثَالِثًا، كان نَفْيًا (٣٢) يَعُودُ كل اسْتِثْنَاء إلى ما يَلِيهِ من الكَلَامِ، فإذا قال: له علىَّ (٣٣) عَشَرَةٌ إلَّا ثَلَاثَةً إلَّا دِرْهَمًا. كان مُقِرًّا بِثَمَانِية؛ لأنَّه أَثْبَتَ عَشَرَةً، ثم [نَفَى منها ثلاثةً] (٣٤) وأَثْبَتَ دِرْهَمًا، وبَقِىَ من الثَّلَاثَةِ المَنْفِيَّةِ (٣٥) دِرْهَمَانِ مُسْتَثْنَيَانِ من العَشَرَةِ، فيَبْقَى منها ثَمَانِية، وسَنَزِيدُ لهذا الفَصْلِ فُرُوعًا (٣٦) في مَسْأَلَة اسْتِثْنَاءِ الأَكْثَرِ.

стр. 3502

فصل: إذا قال: له هذه الدَّارُ هِبَةً، أو سُكْنَى، أو عَارِيّةً. كان إقْرَارًا بما أَبْدَلَ به كَلَامَه، ولم يكُنْ إقْرَارًا بالدَّارِ؛ لأنَّه رَفَعَ بآخِر كَلَامِه بعضَ ما دَخَلَ في أَوَّلِه، فَصَحَّ, كما لو أقَرَّ بِجُمْلَةٍ واسْتَثْنَى بعضَها. وذكَرَ القاضي في هذا وَجْهًا، أنَّه لا يَصِحُّ؛ لأنَّه اسْتِثْناءٌ من غيرِ الجِنْسِ، ليس هذا اسْتِثْناءً، إنَّما هذا (٣٧) بَدَلٌ، وهو سائِغٌ في اللُّغَةِ. ويُسَمَّى هذا النَّوْعُ من البَدَلِ بَدَلَ الاشْتِمَالِ، وهو أن يُبْدِلَ من الشىءِ بعضَ ما يَشْتَمِلُ عليه ذلك الشىءُ، كقَوْلِه تعالى: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرَامِ قِتَالٍ فِيهِ﴾ (٣٨). فأبْدَلَ القِتالَ من الشَّهْرِ المُشْتَمِلِ عليه. وقال تعالى إِخْبَارًا عن موسى ﵇، أنَّه قال: ﴿وَمَا أَنْسَانِيهُ إِلَّا الشَّيْطَانُ أَنْ أَذْكُرَهُ﴾ (٣٩). أي أَنْسَانِى ذِكْرَه. وإن قال: له (٤٠) هذه الدَّارُ ثُلُثُها. أو قال: رُبْعُها. صَحَّ، ويكون مُقِرًّا بالجُزْءِ الذي أَبْدَلَهُ، وهذا بَدَلُ البعضِ، وليس ذلك باسْتِثْناءٍ. ومثلُه قولُه تعالى: ﴿قُمِ اللَّيْلَ إِلَّا قَلِيلًا (٢) نِصْفَهُ﴾ (٤١). وقولُه سُبْحانَه: ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا﴾ (٤٢). ولكنَّه في مَعْنَى الاسْتِثْناءِ، في كَوْنِه يُخْرِجُ من الكَلَامِ بعضَ ما يَدْخُلُ فيه لَوْلَاه، ويُفَارِقُه في أنَّه يجُوزُ أن يَخْرُجَ أكْثَر من النِّصْفِ (٤٣)، وأنَّه يجوزُ إِبْدَالُ الشَّىْءِ من غيرِه إذا كان مُشْتَمِلًا عليه، ألا تَرَى أنَّ اللهَ تعالى أَبْدَلَ المُسْتَطِيعَ لِلْحَجِّ من النَّاسِ، وهو أقَلُّ من نِصْفِهِم، وأَبْدَلَ القِتَالَ من الشَّهْرِ الحَرَامِ، وهو غيره؟ ومتى قال: له هذه الدَّارُ سُكْنَى أو عَارِيَّة. ثَبَتَ فيها حُكْمُ ذلك، وله أن لا يُسْكِنَه إِيَّاهَا، وأن يَعُودَ فيما أعارَهُ.

стр. 3503

٨٥٠ - مسألة؛ قال: (ومَنِ ادُّعِىَ عَلَيْهِ شَىْءٌ، فَقَالَ: قَدْ كَانَ لَهُ عَلَىَّ وقَضَيْتُهُ. لَمْ يَكُنْ ذلِكَ إِقْرَارًا) حَكَى ابنُ أبي موسى [في هذه] (١) المَسْأَلَةِ رِوَايَتَيْنِ؛ إحْداهما، أنَّ هذا ليس بإِقْرَارٍ. اخْتَارَهُ القاضي، وقال: لم أَجِدْ عن أحمدَ رِوَايَةً بغيرِ هذا. والثانية، أنَّه مُقِرٌّ بالحَقِّ، مُدَّعٍ لِقَضَائِه، فعليه البَيِّنَةُ بالقَضَاءِ؛ وإلَّا حَلَفَ غَرِيمُهُ وأخَذَ. واخْتَارَهُ أبو الخَطَّابِ. وهو قولُ أبى حنيفةَ؛ لأنَّه أقَرَّ بالدَّيْنِ، وادَّعَى القَضَاءَ، فلم تُقْبَلْ دَعْوَاهُ، كما لو ادَّعَى القَضَاءَ بكلامٍ مُنْ فَصِلٍ ، ولأنَّه رَفَعَ جَمِيعَ ما أثْبَتَهُ، فلم يُقْبَلْ، كاسْتِثْناءِ الكُلِّ. وللشَّافِعِىِّ قَوْلانِ كالمَذْهَبَيْنِ. ووَجْهُ قولِ الخِرَقِىِّ، أنَّه قولٌ مُتَّصِلٌ، يُمْكِنُ صِحَّتُه، ولا تَنَاقُضَ فيه، فوَجَبَ أن يُقْبَلَ كاسْتِثْناءِ البَعْضِ، وفارَقَ المُنْفَصِلَ؛ لأنَّ حُكْمَ الأَوَّلِ قد اسْتَقَرَّ بسُكُوتِه عليه، فلا يُمْكِنُ رَفْعُه بعدَ اسْتِقْرَارِه، ولذلك لا يَرْتَفِعُ (٢) بعضُه باسْتِثْنَاءٍ ولا غيرِه، فما يَأْتِى بعدَه من دَعْوَى القَضَاءِ يكونُ دَعْوَى مُجَرَّدَةً، لا تُقْبَلُ إلَّا بِبَيِّنَةٍ، وأمَّا اسْتِثْنَاءُ الكُلِّ فمُتَنَاقِضٌ؛ لأنَّه لا يُمْكِنُ أن يكونَ عليه أَلْفٌ وليس عليه شيءٌ. فصل: وإن قال: له عَلَىَّ مائةٌ، وقَضَيْتُه منها خَمْسِينَ. فالكلامُ فيها كالكلامِ فيما إذا قال: وقَضَيْتُها. وإن قال له إِنْسَانٌ: لي عليك مائةٌ. فقال: قَضَيْتُكَ منها خَمْسِينَ. فقال القاضي: لا يكونُ مُقِرًّا بشيءٍ؛ لأنَّ الخَمْسِينَ التي ذَكَرَ أنَّه قَضَاهَا في كَلَامِه ما (٣) تَمْنَعُ (٤) بَقَاءَهَا، وهو دَعْوَى القَضَاءِ، وباقِى المائةِ لم يَذْكُرْها، وقوله: منها. يَحْتَمِلُ أن يُرِيدَ بها ممَّا يَدَّعِيه، ويَحْتَمِلُ ممَّا علَىَّ، فلا يَثْبُتُ عليه شَىْءٌ بكَلَامٍ مُحْتَمِلٍ. ويَجِىءُ على قولِ مَن قال بالرِّوَايةِ الأُخْرَى أن (٥) يَلْزَمَهُ الخَمْسُونَ التي ادَّعَى قَضَاءَها؛ لأنَّ في

стр. 3504

ضِمْنِ دَعْوَى القَضَاءِ إقْرَارًا بأنَّها كانت عليه، فلا تُقْبَلُ دَعْوَى القَضَاءِ بغيرِ بَيِّنَةٍ. فصل: وإن قال: كان له علَىَّ أَلْفٌ. وسَكَتَ، لَزِمَهُ الأَلْفُ، في ظَاهِرِ كَلَامِ أصْحابِنَا. وهو قولُ أبى حنيفةَ، وأحَدُ قَوْلَىِ الشّافِعِىِّ، وقال في الآخَرِ: لا يَلْزَمُه شيءٌ، وليس هذا بإِقْرَارٍ؛ لأنَّه لم يَذْكُرْ عليه شيئا في الحالِ، إنَّما أخْبَرَ بذلك [في زَمَنٍ] (٦) ماضٍ، فلا يَثْبُتُ في الحالِ، ولذلك لو شَهِدَتِ البَيِّنَةُ به لم يَثْبُتْ. ولنا، أنَّه أقَرَّ بالوُجُوبِ، ولم يَذْكُرْ ما يَرْفَعُه، فبَقِىَ على ما كان عليه، ولهذا لو تَنَازَعَا دَارًا، فأقَرَّ أحَدُهما للآخَرِ أنَّها كانت مِلْكَه، حُكِمَ بها له، إلَّا أنَّه ههُنا إن عَادَ فَادَّعَى القَضَاءَ أو الإِبْرَاءَ، سُمِعَتْ دَعْوَاه؛ لأنَّه لا تَنَافِىَ بين إِقْرَارِه وبين ما يَدَّعِيهِ. فصل: وإن قال: له عَلَىَّ أَلْفٌ، قَضَيْتُه إيَّاهَا. لَزِمَهُ الأَلْفُ، ولم تُقْبَلْ دَعْوَى القَضاءِ. وقال القاضي: تُقْبَلُ؛ لأنَّه رَفَعَ ما أثْبَتَهُ بِدَعْوَى القَضاءِ مُتَّصِلًا، فأَشْبَهَ ما لو قال: كان له (٧) عَلَىَّ، وقَضَيْتُه. وقال ابنُ أبي موسى: إن قال: قَضَيْتُ جَمِيعَه. لم يُقْبَلْ إلَّا بِبَيِّنَةٍ، ولَزِمَهُ ما أقَرَّ به، وله اليَمِينُ على المُقِرِّ له. ولو قال: قَضَيْتُ بعضَه. قُبِلَ منه، في إحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ؛ لأنَّه رَفَعَ بعضَ ما أقَرَّ به بِكَلَامٍ مُتَّصِلٍ، فأشْبَهَ ما لو اسْتَثْناهُ، بِخِلَافِ ما إذا قال: قَضَيْتُ جَمِيعَهُ. لِكَوْنِه رَفَعَ جَمِيعَ ما هو ثابِتٌ، فأشْبَهَ اسْتِثْنَاءَ الكُلِّ. ولَنا، أنَّ هذا قولٌ مُتَنَاقِضٌ، إذْ لا يُمْكِنُ أن يكونَ عليه أَلْفٌ قد قَضَاهُ، فإنَّ كَوْنه عليه يَقْتَضِى بَقَاءَه في ذِمَّتِه، واسْتِحْقَاقَ مُطَالَبَتِه به، وقَضَاؤُه يَقْتَضِى بَرَاءَةَ ذِمَّتِه منه، وَتَحْرِيمَ مُطَالَبَتِه به، والإِقْرَارُ به يَقْتَضِى ثُبُوتَه، والقَضَاءُ يَقْتَضِى رَفْعَه، وهذان ضِدَّانِ لا يُتَصَوَّرُ اجْتِمَاعُهُما في زَمَنٍ واحِدٍ، بِخِلَافِ ما إذا قال: كان له عَلَىَّ، وقَضَيْتُه. فإنه أَخْبَرَ بهما في زَمانَيْنِ، ويُمْكِنُ أن يَرْتَفِعَ ما كان ثَابِتًا، ويَقْضِىَ ما كان دَيْنًا، وإذا لم يَصِحَّ هذا في الجَمِيعِ، لم يَصِحَّ في البَعْضِ؛ لِاسْتِحَالَةِ بَقَاءِ أَلْفٍ عليه وقد (٨) قَضَى بَعْضَه،

стр. 3505

ويُفَارِقُ الاسْتِثْناءَ؛ فإنَّ الاسْتِثْناءَ مع المُسْتَثْنَى منه عِبَارَةٌ عن البَاقِى من المُسْتَثْنَى منه، فقولُ اللهِ تعالى: ﴿فَلَبِثَ فِيهِمْ أَلْفَ سَنَةٍ إِلَّا خَمْسِينَ عَامًا﴾ (٩). عِبَارَة عن تِسْعِمائة وخَمْسِينَ. أمَّا القَضاءُ فإنَّما يَرْفَعُ جُزْءًا كان ثَابِتًا، فإذا ارْتَفعَ بالقَضَاءِ لا يجوزُ التَّعْبِيرُ عنه بما يَدُلُّ على البَقَاءِ. فصل (١٠): وإن وَصَلَ إقْرَارَهُ بما يُسْقِطُه، فقال: له علَىَّ ألْفٌ من ثَمَنِ خَمْرٍ أو خِنْزِيرٍ، أو من ثَمَنِ طَعَامٍ اشْتَرَيْتُه فهَلَكَ قبلَ قَبْضِه، أو ثَمَن مَبِيعٍ فاسِدٍ لم أَقْبِضْهُ، أو تَكَفَّلْتُ به على أنِّى بالخِيَارِ. لَزِمَهُ الأَلْفُ، ولم يُقْبَلْ قولُه في إِسْقاطِه. ذَكَرَهُ أبو الخَطَّابِ. وهو قولُ أبى حنيفةَ، وأحَدُ (١١) قَوْلَىِ الشَّافِعِىِّ. وذَكَرَ القاضي أَنَّه إذا قال: له علَىَّ أَلْفٌ زُيُوفٌ. ففَسَّرَهُ (١٢) بِرَصَاصٍ أو نُحَاسٍ، لم يُقْبَلْ؛ لأنَّه رَفَعَ كلَّ ما اعْتَرَفَ به. وقال في سَائِرِ الصُّوَرِ التي ذَكَرْناها: يُقْبَلُ قَوْلُه؛ لأنَّه عَزَا إِقْرَارَهُ إلى سَبَبِه، فَقُبِلَ، كما لو عَزَاهُ إلى سَبَبٍ صَحِيحٍ. ولَنا، أنَّ هذا يُنَاقِضُ ما أَقرَّ به، فلم يُقْبَلْ، كالصُّورَةِ التي سَلَّمَها، وكما لو قال: له عَلَىَّ أَلْفٌ لا يَلْزَمُنِى. أو يقول: دَفَعَ جَمِيعَ ما أَقرَّ به. فلم يُقْبَلْ، كاسْتِثْناءِ الكُلِّ. وغيرُ خَافٍ تَنَاقُضُ كَلَامِه؛ فإنَّ ثُبُوتَ أَلْفٍ عليه في هذه المَوَاضِع لا يُتَصَوَّرُ، وإِقْرَارُه إِخْبارٌ بِثُبُوتِه، فيَتَنَافَيانِ، وإن سَلَّمَ ثُبُوتَ الأَلْفِ عليه فهو ما قُلْنَاهُ. فصل: ولا يُقْبَلُ رُجُوعُ المُقِرِّ عن إِقْرَارِه، إلَّا فيما كان حَدًّاِ لِلهِ تعالى، يُدْرَأُ بالشُّبُهاتِ، ويُحْتَاطُ لإِسْقَاطِه. فأمَّا حُقُوقُ الآدَمِيِّينَ، وحُقُوقُ اللهِ تعالى التي لا تُدْرَأُ بالشُّبُهاتِ (١٣)، كالزَّكَاةِ والكَفَّارَاتِ، فلا يُقْبَلُ رُجُوعُه عنها. ولا نَعْلَمُ في هذا خِلافًا.

стр. 3506

فإذا قال: هذه الدَّارُ لِزَيْدٍ، لا بل لِعَمْرٍو. أو ادَّعَى زَيْدٌ على مَيِّتٍ شيئا مُعَيَّنًا من تَرِكَتِه، فصَدَّقَهُ ابْنُه، ثم ادَّعَاهُ عَمْرٌو، فصَدَّقَهُ، حُكِمَ به لِزَيْدٍ، ووَجَبَتْ عليه غَرَامَتُه لِعَمْرٍو. وهذا ظاهِرُ أحَدِ قَوْلَىِ الشّافِعِىِّ. وقال في الآخَرِ: لا يَغْرَمُ لِعَمْرٍو شيئا. وهو قولُ أبى حنيفةَ؛ لأنَّه أقَرَّ له بما عليه الإِقْرَارُ به، وإنَّما مَنَعَهُ الحُكْمُ من قَبُولِه، وذلك لا يُوجِبُ الضَّمَانَ. ولَنا، أنَّه حالَ بين عَمْرٍو وبين مِلْكِه الذي أقَرَّ له به بإِقْرَارِه لغيرِه، فلَزِمَهُ غُرْمُه، كما لو شَهِدَ رَجُلَانِ على آخَرَ بإِعْتَاقِ عَبْدِه، ثم رَجَعَا عن الشَّهَادَةِ، أو كما لو رَمَى به إلى (١٤) البَحْرِ، ثم أقَرَّ به. وإن قال: غَصَبْتُ هذه الدَّارَ من زَيْدٍ، لا بل من عَمْرٍو. أو غَصَبْتُها من زَيْدٍ، وغَصَبَها زَيْدٌ من عَمْرٍو. حُكِمَ بها لِزَيْدٍ، ولَزِمَهُ تَسْلِيمُها إليه، ويَغْرَمُها لِعَمْرٍو. وبهذا قال أبو حنيفةَ. وهو ظَاهِرُ مذهبِ الشّافِعِىِّ. وقال في الآخَرِ: لا يَضْمَنُ؛ لما تَقَدَّمَ. ولَنا، أنَّه أَقَرَّ بالغَصْبِ المُوجِبِ لِلضَّمانِ والرَّدِّ إلى المَغْصُوبِ منه، ثم لم يَرُدَّ ما أقَرَّ بِغَصْبِه، فلَزِمَهُ ضَمَانُه (١٥)، كما لو تَلِفَ بِفِعْلِ اللَّه تعالى. قال أحمدُ، في رِوَايةِ ابنِ مَنْصُورٍ، في رَجُلٍ قال لِرَجُلٍ: اسْتَوْدَعْتُكَ هذا الثَّوْبَ. قال: صَدَقْتَ، ثم قال: اسْتَوْدَعَنِيهِ رَجُلٌ آخَر. فالثَّوْبُ لِلأَوَّلِ، ويَغْرَمُ قِيمَتَهُ للآخَرِ. ولا فَرْقَ في هذا ال فَصْلِ بين أن يكونَ إِقْرَارُه بِكَلَامٍ مُتَّصِلٍ أو مُنْفَصِلٍ. فصل: فإن قال: غَصَبْتُ هذه الدَّارَ من زَيْدٍ، ومِلْكُها لِعَمْرٍو. لَزِمَهُ دَفْعُها إلى زَيْدٍ؛ لإِقْرَارِه له بأنَّها كانت في يَدِه، وهذا يَقْتَضِى كَوْنَها في يَدِه بحَقٍّ، ومِلْكُها لِعَمْرٍو لا يُنَافِى ذلك؛ لأنَّها يجوزُ أن تكونَ في يَدِ زَيْدٍ بإِجارَةٍ أو عَارِيَّةٍ أَو وَصِيَّةٍ، ولا يَغْرَمُ لِعَمْرٍو شَيْئًا؛ لأنَّه لم يَكُنْ منه تَفْرِيطٌ. وفارَقَ هذا ما إذا قال: هذه الدّارُ (١٦) لِزَيْدٍ، بل لِعَمْرٍو؛ لأنَّه أقَرَّ للثانِى بما أقَرَّ به للأَوَّلِ، فكان الثاني رُجُوعًا عن الأَوَّلِ؛ لِتَعَارُضِهِما، وههُنا لا تَعَارُضَ بين إِقْرَارَيْهِ. وإن قال: مِلْكُها لِعَمْرٍو، وغَصَبْتُها (١٧) من زَيْدٍ.

стр. 3507

فكذلك لا فَرْقَ بين التَّقْدِيمِ والتَّأْخِيرِ والمُتَّصِلِ والمُنْ فَصِلِ . ذَكَرَهُ القاضي. وقيل: يَلْزَمُه دَفْعُها إلى عَمْرٍو، ويَغْرَمُها لِزَيْدٍ؛ لأنَّه لمَّا أقَرَّ بها لِعَمْرٍو أَوَّلًا، لم يُقْبَلْ إِقْرَارُه باليَدِ لِزَيْدٍ. وهذا وَجْهٌ حَسَنٌ. ولأَصْحابِ الشّافِعِىِّ وَجْهانِ كهذَيْنِ. ولو قال: هذا الأَلْفُ دَفَعَهُ إلىَّ زَيْدٌ، وهو لِعَمْرٍو. أو قال: هو لِعَمْرٍو ودَفَعَهُ (١٨) إلىَّ زَيْدٌ. فكذلك، على ما مَضَى من القَوْلِ فيه. فصل: وإن قال: غَصَبْتُها من أحَدِهِما. أو هي لأَحَدِهِمَا. صَحَّ الإِقْرَارُ؛ لأنَّه يَصِحُّ بالمَجْهُولِ، فيَصِحُّ لِلْمَجْهُولِ، ثم يُطَالَبُ (١٩) بالبَيَانِ، فإن عَيَّنَ أحَدَهما دُفِعَتْ إليه، ويَحْلِفُ لِلآخَرِ إن ادَّعَاهَا، ولا يَغْرَمُ له شيئا؛ لأنَّه لم يُقرَّ له بِشَىءٍ. وإن قال: لا أعْرِفُه عَيْنًا. فصَدَّقَاهُ، نُزِعَتْ من يَدِه، وكانا خَصْمَيْنِ فيها، وإن كَذَّبَاهُ فعليه اليَمِينُ أنَّه لا يَعْلَمُ، وتُنْزَعُ من يَدِه. فإن كان لأَحَدِهما بَيِّنَةٌ، حُكِمَ له بها، وإن لم تكنْ له بَيِّنَةٌ، أقْرَعْنَا بينهما، فمن قَرَعَ صَاحِبَهُ حَلَفَ، وسُلِّمَتْ إليه. وإن بَيَّنَ الغاصِبُ بعدَ ذلك مَالِكَها، قُبِلَ منه، كما لو بَيَّنَهُ ابْتِدَاءً. ويَحْتَمِلُ أنَّه إذا ادَّعَى كلُّ واحدٍ منهما أنَّه المَغْصُوبُ منه، تَوَجَّهَتْ عليه اليَمِينُ لكلِّ واحدٍ منهما أنَّه لم يَغْصِبْهُ، فإن حَلَفَ لأَحَدِهما، لَزِمَهُ دَفْعُها إلى الآخَرِ؛ لأنَّ ذلك يَجْرِى مَجْرَى تَعْييِنِه، وإن نَكَلَ عن اليَمِينِ [لهما جَمِيعًا، فَسُلِّمَتْ إلى أحَدِهِما بِقُرْعَةٍ أو غيرِها، لَزِمَهُ غُرْمُها للآخَرِ؛ لأنَّه نَكَلَ عن يَمِينٍ] (٢٠) تَوَجَّهَتْ عليه، فقُضِىَ عليه، كما لو ادَّعاها وَحْدَهُ. فصل: فإن كان في يَدِهِ عَبْدَانِ، فقال: أحَدُ هذَيْنِ (٢١) لِزَيْدٍ. طُولِبَ بالبَيَانِ، فإذا (٢٢) عَيَّنَ أحَدَهما فصَدَّقَهُ زَيْدٌ أخَذَهُ. وإن قال: هذا لِى، والعَبْدُ الآخَرُ لِزَيْدٍ فعليه

стр. 3508

اليَمِينُ في العَبْدِ الذي يُنْكِرُه. وإن قال زَيْدٌ: إنَّما لي العَبْدُ الآخَرُ. فالقولُ قولُ المُقِرِّ مع يَمِينِه في العَبْدِ الذي يُنْكِرُه، ولا يَدْفَعُ إلى زَيْدٍ العَبْدَ المُقِرَّ به ولكنْ (٢٣) يُقَرُّ في يَدِ المُقِرِّ؛ لأنَّه لم يَصِحَّ إقْرَارُه به، في أحَدِ الوَجْهَيْنِ، وفى الآخَرِ، يُنْزَعُ من يَدِه، لِاعْتِرَافِه بأنَّه لا يَمْلِكُه، ويكونُ في بَيْتِ المالِ؛ لأنَّه لا مالِكَ له مَعْرُوفٌ، فأشْبَه مِيرَاثَ مَن لا يُعْرَفُ وَارِثُه. فإن أبَى التَّعْيِينَ، فعَيَّنَهُ المُقَرُّ له، وقال: هذا عَبْدِى. طُولِبَ بالجَوَابِ، فإن أنْكَرَ حَلَفَ، وكان بمَنْزِلَةِ تَعْيِينِه لِلْآخَرِ، وإن نَكَلَ عن اليَمِينِ قُضِىَ (٢٤) عليه، وإن أقَرَّ له، فهو كتَعْيِينِه. فصل: ولو أَقَرَّ لِرَجُلٍ بِعَبْدٍ، ثم جَاءَهُ به، فقال: هذا الذي أَقْرَرْتُ به. فقال: ليس هو هذا، إنَّما هو آخَرُ. فعَلَى المُقِرِّ اليَمِينُ أنَّه ليس له عندَه سِوَاه، ولا يَلْزَمُه تَسْلِيمُ هذا إلى المُقَرِّ له؛ لأنَّه لا يَدَّعِيهِ. وإن قال: هذا لِى، ولِى عِنْدَكَ آخَرُ. سَلَّمَ إليه هذا، وحَلَفَ له على نَفْىِ الآخَرِ. وكُلُّ مَن أقَرَّ لِرَجُلٍ بمالٍ (٢٥)، فكَذَّبَهُ، بَطَلَ إِقْرَارُه؛ لأنَّه لا يَثْبُتُ للإِنْسانِ مِلْكٌ لا يَعْتَرِفُ به. وفى المالِ وَجْهَانِ؛ أحدُهما، يُتْرَكُ في يَدِ المُقِرِّ (٢٦)؛ لأنَّه كان مَحْكُومًا له به، فإذا بَطَلَ إقْرَارُه بَقِىَ على ما كان عليه. والثانى، يُؤْخَذُ إلى بَيْتِ المالِ؛ لأنَّه لم يَثْبُتْ له مالِكٌ (٢٧). وقِيلَ: يُؤْخَذُ فيُحْفَظُ حتى يَظْهَرَ مَالِكُه؛ لأنَّه لا يَدَّعِيهِ أحَدٌ. ومذهبُ الشّافِعِىِّ مثلُ هذا. فإن عَادَ أحَدُهما فكَذَّبَ نَفْسَهُ، دُفِعَ إليه؛ لأنَّه يَدَّعِيهِ، ولا مُنَازِعَ له فيه، وإن كَذَّبَ كلُّ واحدٍ منهما نَفْسَهُ، فرَجَعَ المُقِرُّ عن إِقْرَارِه، وادَّعَاهُ المُقَرُّ له، فإن كان بَاقِيًا في يَدِ المُقِرِّ، فالقَوْلُ قولُه مع يَمِينِه، كما لو لم يُقِرَّ به لغيرِه، وإن كان مَعْدُومًا بِتَلَفٍ أو إِبَاقٍ ونحوِه، بغيرِ تَعَدٍّ من أحَدِهما، فلا شىءَ فيه من يَمِينٍ ولا غيرِها، وإن كان بِتَعَدٍّ من أحَدِهما، فالقولُ فيه قولُ

стр. 3509

المُقِرِّ مع يَمِينِه، كما لو كان بَاقِيًا. فإذا حَلَفَ، سَقَطَ عنه الضَّمَانُ، إن كان تَلَفُه بِتَعَدِّيهِ، ووَجَبَ له (٢٨) الضَّمَانُ على الآخَرِ، إن كان تَلَفُهُ بِتَعَدٍّ منه، واللهُ أعلمُ. ٨٥١ - مسألة؛ قال: (وَمَنْ أقَرَّ بِعَشَرَةِ دَرَاهِمَ، ثُمَّ سَكَتَ سُكُوتًا يُمْكِنُهُ الْكَلَامُ فِيهِ، ثُمَّ قَالَ زُيُوفًا أوْ صِغَارًا أوْ إلَى شَهْرٍ. كَانَتْ عَشَرَةً جِيَادًا وَافِيَةً حَالَّةً) وجُمْلَتُه أنَّ مَن أقَرَّ بدراهمَ، وأَطْلَقَ، اقْتَضَى إقْرَارُه الدَّرَاهِمَ الوَافِيَةَ، وهى دَرَاهِمُ الإِسلامِ، كلُّ عَشَرَةٍ منها وَزْنُ سَبْعَةِ مَثَاقِيلَ، وكلُّ دِرْهَمٍ سِتَّةُ دَوَانِقَ، واقْتَضَى أن تكونَ جِيَادًا، حالَّةً، كما لو بَاعَهُ بعَشَرَةِ دَرَاهِمَ، وأَطْلَقَ، فإنَّها تَلْزَمُه كذلك. فإذا سَكَتَ سُكُوتًا يُمْكِنُه الكَلَامُ فيه، أو أخَذَ في كلامٍ غير ما كان فيه، اسْتَقَرَّتْ عليه كذلك. فإن عَادَ، فقال: زُيُوفًا. يَعْنِى رَدِيئَةً. أو صِغَارًا. وهى الدَّرَاهِمُ الناقِصَةُ، مثل دَرَاهِمَ طَبَرِيَّةَ، كان كلُّ دِرْهَمٍ منها أَرْبَعَةَ دَوَانِقَ، وذلك ثُلُثَا دِرْهَمٍ. أو إلى شَهْرٍ. يَعْنِى مُؤَجَّلَةً، لم يُقْبَلْ منه؛ لأنَّه يَرْجِعُ عن بعضِ ما أَقَرَّ به، ويَرْفَعُه بِكَلَامٍ مُنْفَصِلٍ، فلم يُقْبَلْ، كالاسْتِثْنَاءِ المُنْفَصِلِ. وهذا مذهبُ الشّافِعِىِّ. ولا فَرْقَ بين الإِقْرَارِ بها دَيْنًا، أو وَدِيعَةً، أو غَصْبًا. وقال أبو حنيفةَ: يُقْبَلُ قَوْلُه في الغَصْبِ والوَدِيعَةِ؛ لأنَّه إقْرَارٌ (١) بِفِعْلٍ في عَيْنٍ، وذلك لا يَقْتَضِى سَلامَتَها، فأَشْبَهَ ما لو أقَرَّ بِغَصْبِ عَبْدٍ، ثم جَاءَ به مَعِيبًا. ولَنا، أنَّ إِطْلاقَ الاسْمِ يَقْتَضِى الوازِنَةَ الجِيَادَ، فلم يُقْبَلْ تَفْسِيرُه بما يُخَالِفُ ذلك، كالدَّيْنِ، ويُفَارِقُ العَبْدَ؛ فإنَّ العَيْبَ لا يَمْنَعُ إطْلَاقَ اسْمِ العَبْدِ عليه. فأمَّا إن وَصَفَها بذلك بِكَلَامٍ مُتَّصِلٍ، أو سَكَتَ للتَّنَفُّسِ، أو اعْتَرَضَتْهُ سُعْلَةٌ، أو نحو ذلك، ثم وَصَفَها بذلك، أو شيءٍ منه، قُبِلَ منه. وذَكَرَ أبو الخَطَّابِ أنَّه يَحْتَمِلُ أن لا يُقْبَلَ منه التَّأْجِيلُ. وهو قولُ أبى حنيفةَ، وبعضِ أصْحَابِ الشّافِعِىّ؛ لأنَّ التَّأْجِيلَ يَمْنَعُ اسْتِيفَاءَ الحَقِّ، فلم يُقْبَلْ، كما لو قال: له علَىَّ دراهمُ قَضَيْتُه إِيَّاهَا. وقال بعضُ أصْحَابِ الشّافِعِىِّ: لا يُقْبَلُ تَفْسِيرُه بالنَّاقِصَةِ. وقال القاضي: إن قال: له علَىَّ عَشَرَةُ دَرَاهِمَ

стр. 3510

ناقِصَةٌ. قُبِلَ قَوْلُه. وإن قال: صِغَارًا. [وللناسِ دراهِمُ صِغَارٌ، قُبِلَ قولُه أيضًا. وإن لم يكُنْ له دراهمُ صِغارٌ] (٢) لَزِمَهُ وازِنَةٌ، كما لو قال: دُرَيْهِمٌ. لَزِمَهُ دِرْهَمٌ وازِنٌ. وهذا قولُ ابن القَاصِّ (٣) من أَصْحَابِ الشّافِعِىِّ. ولَنا، أنَّه فَسَّرَ كلامَهُ بما يَحْتَمِلُه بِكَلَامٍ مُتَّصِلٍ، فقُبِلَ منه، كاسْتِثْنَاءِ البَعْضِ، وذلك لأنَّ الدَّرَاهِمَ يُعَبَّرُ بها عن الوَازِنَةِ والنّاقِصَةِ، والزُّيُوفِ والجَيِّدَةِ، وكَوْنُها عليه يَحْتَمِلُ الحُلُولَ والتَّأْجِيلَ، فإذا وَصَفَها بذلك، تَقَيَّدَتْ به، كما لو وَصَفَ الثَّمَنَ به، فقال: بِعْتُكَ بِعَشرَةِ دَرَاهِمَ (٤)، مُؤَجَّلَةٍ ناقِصَةٍ. وثُبُوتُها على غيرِ هذه الصِّفَةِ حالَةَ الإِطْلَاقِ، لا يَمْنَعُ من صِحَّةِ تَقْيِيدِها به، كالثَّمَنِ. وقَوْلُهم: إن التَّأْجِيلَ يَمْنَعُ اسْتِيفَاءَها. ليس بِصَحِيحٍ، وإنَّما يُؤَخِّرُه، فأشْبَهَ الثمَنَ المُؤَجَّلَ، يُحَقِّقُه أن الدَّرَاهِمَ تَثْبُتُ في الذِّمَّةِ على هذه الصِّفَاتِ، فإذا كانت ثابِتَةً بهذه الصِّفَةِ، لم تَقْتَضِ الشَّرِيعَةُ المُطَهَّرَةُ سَدَّ بَابِ الإِقْرَارِ بها على صِفَتِها. وعلى ما ذَكَرُوه، لا سَبِيلَ له إلى الإِقْرَارِ بها إلّا على وَجْهٍ يُؤَاخَذُ بغيرِ ما هو واجِبٌ عليه، فيَفْسُدُ بابُ الإِقْرَارِ. وقولُ مَن قال: إنَّ قَوْلَهُ: "صِغَارًا" يَنْصَرِفُ إلى المِقْدَارِ. لا يَصِحُّ؛ لأنَّ مِسَاحَةَ الدَّرَاهِم (٥) لا تُعْتَبَرُ في الشَّرْعِ ولا تَثْبُتُ في الذِّمَّةِ بِمِسَاحَةٍ مُقَدَّرَةٍ، وإنَّما يُعْتَبَرُ [الصِّغَرُ والكِبَرُ] (٦) في الوَزْنِ، فيُرْجَعُ إلى تَفْسِيرِ المُقِرِّ، فأمَّا إن قال: زُيُوفًا. وفَسَرَّهَا بِمَغْشُوشَةٍ، أو مَعِيبَةٍ عَيْبًا يَنْقُصُها، قُبِلَ تَفْسِيرُه، وإن فَسَّرَها بِنُحَاسٍ أو رَصَاصٍ، أو ما لا قِيمَةَ له، لم يُقْبَلْ؛ لأنَّ تلك ليستْ دَرَاهِمَ على الحَقِيقَةِ، فيكونُ تَفْسِيرُه به رُجُوعًا عما أقَرَّ به، فلم يُقْبَلْ، كاسْتِثْنَاءِ الكُلِّ. فصل: وإن أقَرَّ بِدَرَاهِمَ وأَطْلَقَ، في بَلَدٍ أَوْزَانُهم ناقِصَةٌ، كطَبَرِيَّةَ، كان دِرْهَمُهم

стр. 3511

أَرْبَعَةَ دَوَانِيقَ، وخُوارَزْمُ كان دِرْهَمُهم أَرْبَعَةَ دَوَانِيقَ ونِصْفًا، ومَكَّةُ دِرْهَمُهم ناقِصٌ، وكذلك المَغْرِبُ، أو في بَلَدٍ دَرَاهِمُهم مَغْشُوشَةٌ، كمِصْرَ والمَوْصِلِ، [أو بدَنانِيرَ في بلدٍ دَنانيرُهم مَغْشوشَةٌ] (٧). ففيه وَجْهَانِ؛ أوَّلُهما، يَلْزَمُه من دَرَاهِم البَلَدِ ودَنَانِيرِه؛ لأنَّ مُطْلَقَ كَلَامِهم يُحْمَلُ على عُرْفِ بَلَدِهِم، كما في البَيْعِ والأَثْمانِ. والثانى، تَلْزَمُه الوَازِنَةُ الخَالِصَةُ من الغِشِّ؛ لأنَّ إِطْلاقَ الدَّرَاهِم في الشَّرْعِ يَنْصَرِفُ إليها، بِدَلِيلِ أنَّ بها تَقْدِيرَ (٨) نُصُبِ الزَّكَاةِ ومَقَادِيرِ الدِّيَاتِ، فكذلك إطْلَاقُ الشَّخْصِ. وفَارَقَ البَيْعَ؛ فإنَّه إِيجَابٌ في الحالِ، فاخْتَصَّ بِدَرَاهِمِ المَوْضِع الذي هما فيه، والإِقْرَارُ إِخْبَارٌ عن حَقٍّ سابِقٍ، فانْصَرَفَ إلى دَرَاهِمِ الإِسلامِ. فصل: وإن أقَرَّ بِدَرَاهِمَ، وأَطْلَقَ، ثم فَسَّرَهَا بِسَكَّةِ البَلَدِ الذي أقَرَّ بها فيه، قُبِلَ؛ لأنَّ إِطْلَاقَه يَنْصَرِفُ إليه، وإن فَسَّرَها بِسَكَّةٍ غير سَكَّةِ البَلَدِ أجْوَدَ منها، قُبِلَ؛ لأنَّه يُقِرُّ على نَفْسِه بما هو أغْلَظُ، وكذلك إن كانت مِثْلَها؛ لأنَّه لا يُتَّهَمُ في ذلك، وإن كانتْ أدْنَى من سَكَّةِ البَلَدِ، لكنَّها مُسَاوِيَةٌ في الوَزْنِ، احْتَمَلَ أن لا يُقْبَلَ؛ لأنَّ إطْلَاقَها يَقْتَضِى دَرَاهِمَ البَلَدِ ونَقْدَه، فلا يُقْبَلُ منه دُونَها، كما لا يُقْبَلُ في البَيْعِ، ولأنَّها ناقِصَةُ القِيمَةِ، فلم يُقْبَلْ تَفْسِيرُه بها، كالنَّاقِصَةِ وَزْنًا. ويَحْتَمِلُ أن يُقْبَلَ منه، وهو قولُ الشّافِعِىِّ؛ لأنَّه يَحْتَمِلُ ما فَسَّرَهُ به. وفارَقَ الناقِصَةَ؛ لأنَّ إطْلَاقَ الشَّرْعِ الدَّرَاهِمَ، لا يَتَنَاوَلُها، بِخِلَافِ هذه، ولهذا يَتَعَلَّقُ بهذه مِقْدَارُ النِّصَابِ في الزَّكَاةِ وغيرِه، وفارَقَ الثمَنَ؛ فإنَّه إِيجَابٌ في الحالِ، وهذا إِخْبَارٌ عن حَقٍّ سابِقٍ. فصل: وإن قال: له علَىَّ دِرْهَمٌ كَبِيرٌ. لَزِمَهُ دِرْهَمٌ من دَرَاهِم الإِسلامِ؛ لأنَّه كَبِيرٌ في العُرْفِ. وإن قال: له علَىَّ دُرَيْهِمٌ. فهو كما لو قال: دِرْهَمٌ؛ لأنَّ التَّصْغِيرَ قد يكون

стр. 3512

لِصِغَرِه في ذَاتِه، أو لِقِلَّةِ قَدْرِه عندَه وتَحْقِيرِه، وقد يكون لِمَحَبَّتِه كما قال الشاعر (٩): بِذَيَّالِكَ الوادِى أهِيمُ ولم أَقُلْ ... بِذَيَّالِكَ الوادِى وذَيَّاكَ مِن زُهْدِ ولكنْ إذا ما حُبَّ شَىءٌ تَوَلَّعَتْ ... به أحْرُفُ التَّصْغِيرِ مِنْ شِدَّةِ الوَجْدِ وإن قال: له عَلَىَّ عَشَرَةُ دَرَاهِمَ عَدَدًا. لَزِمَتْهُ عَشرَةٌ مَعْدُودَةٌ وازِنَةٌ؛ لأنَّ إطْلَاقَ الدَّرَاهِمِ يَقْتَضِى وازِنَةً، وذِكْرُ العَدَدِ لا يُنَافِيهَا، فوَجَبَ الجَمْعُ بينهما. فإن كان في بَلَدٍ يَتَعَامَلُون بها عَدَدًا من غيرِ وَزْنٍ، فحُكْمُه حُكْمُ ما لو أقَرَّ بها في بَلَدٍ أَوْزَانُهم ناقِصَةٌ، أو دَرَاهِمُهم مَغْشُوشَةٌ، على ما فُصِّلَ فيه. فصل: وإذا أقَرَّ بِدِرْهَمٍ، ثم أقَرَّ بِدِرْهَمٍ، لَزِمَهُ دِرْهَمٌ واحِدٌ. وبهذا قال الشّافِعِىُّ. وقال أبو حنيفةَ: يَلْزَمُه دِرْهَمَانِ، كما لو قال: له علَىَّ دِرْهَمٌ ودِرْهَمٌ. ولا فَرْقَ بين أن يكونَ الإِقْرَارُ في وَقْتٍ واحدٍ أو في أوْقَاتٍ، أو في مَجْلِسٍ واحِدٍ أو مَجَالِسَ. ولَنا، أنَّه يجوزُ أن يكونَ قد كَرَّرَ الخَبَرَ عن الأَوَّلِ، كما كَرَّرَ (١٠) اللهُ تعالى الخَبَرَ عن إِرْسَالِه نُوحًا وهُودًا وصَالِحًا ولُوطًا وشُعَيْبًا وإبْراهِيمَ وموسى وعِيسى، ولم يكُنِ المَذْكُورُ في قِصَّةٍ غيرَ المَذْكُورِ في أُخْرَى، كذا ههُنا. فإن وَصَفَ أحَدَهما وأطْلَقَ الآخَرَ، فكذلك؛ لأنَّه يجوزُ (١١) أن يكونَ المُطْلَقُ هو المَوْصُوفَ، أَطْلَقَه في حالٍ وَوَصَفَهُ في حالٍ. وإن وَصَفَهُ بِصِفَةٍ واحِدَةٍ في المَرَّتَيْنِ، كان تَأْكِيدًا لما ذَكَرْنَا، وإن وَصَفَهُ في إحْدَى المَرَّتَيْنِ بغيرِ ما وَصَفَه في الأُخْرَى، فقال: دِرْهَمٌ من ثمَنِ مَبِيعٍ. ثم قال: له عَلَىَّ دِرْهَمٌ من قَرْضٍ، أو دِرْهَمٌ من ثمَنِ ثَوْبٍ. ثم قال: دِرْهَمٌ من ثمَنِ عَبْدٍ. أو قال: دِرْهَمٌ أبْيَضُ، ثم قال: دِرْهَمٌ أسْوَدُ. فهما دِرْهَمَانِ؛ لأنَّهما مُتَغَايِرَانِ. فصل: وإن قال: له عَلَىَّ دِرْهَمٌ ودِرْهَمٌ. أو دِرْهَمٌ فَدِرْهَم. أو دِرْهَمٌ ثم دِرْهَمٌ.

стр. 3513

لَزِمَهُ دِرْهَمانِ. وبهذا قال أبو حنيفةَ وأصْحَابُه. وذَكَرَ القاضي وَجْهًا، فيما إذا قال: دِرْهَمٌ فَدِرْهَمٌ. وقال: أرَدْتُ: دِرْهَمٌ فَدِرْهَمٌ لازِمٌ لِى. أنَّه يُقْبَلُ منه، وهو قولُ الشَّافِعِىِّ؛ لأنَّه يَحْتَمِلُ الصِّفَةَ. ولَنا، أنَّ الفاءَ أحَدُ حُرُوفِ العَطْفِ الثَّلاثةِ، فأَشْبَهَتِ الوَاوَ وثُمَّ، ولأنَّه عَطَفَ شيئا على شيءٍ بالفاءِ، فاقْتَضَى ثُبُوتَهُما، كما لو قال: أنْتِ طَالِقٌ فطَالِقٌ. وقد سَلَّمَهُ الشّافِعِىُّ. وما ذَكَرُوهُ من احْتِمَالِ الصِّفَةِ بَعِيدٌ، لا يُفْهَمُ حَالَةَ الإِطْلَاقِ، فلا يُقْبَلُ تَفْسِيرُه به، كما لو فَسَّرَ الدَّرَاهِمَ المُطْلَقَةَ بأنها زُيُوفٌ أو صِغَارٌ أو مُؤَجَّلَةٌ. وإن قال: له عَلَىَّ دِرْهَمٌ ودِرْهَمَانِ. لَزِمَتْهُ ثَلَاثَةٌ. وإن قال: له عَلَىَّ دِرْهَمٌ ودِينَارٌ، أو فَدِينَار، أو قَفِيزُ حِنْطَةٍ. ونحو ذلك، لَزِمَهُ ذلك كلُّه. وإن قال: له عَلَىَّ دِرْهَمٌ ودِرْهَمٌ ودِرْهَمٌ. لَزِمَتْهُ ثَلَاثَةٌ. وحَكَى ابنُ أبي موسى عن بعضِ أصْحَابِنَا، أنَّه إذا قال: أرَدْتُ بالثَّالِثِ تَأْكِيدَ الثاني وبَيَانَهُ. أنَّه يُقْبَلُ. وهو قولُ بعضِ أصْحَابِ الشّافِعِىِّ؛ لأنَّ الثالِثَ في لَفْظِ الثانِى، وظاهرُ (١٢) مَذْهَبِه أنَّه تَلْزَمُه الثَّلَاثَةُ؛ لأنَّ الواوَ لِلْعَطْفِ، والعَطْفُ يَقْتَضِى المُغَايَرَةَ، فوَجَبَ أن يكونَ الثّالِثُ غيرَ الثانِى, كما كان الثَّانى غيرَ الأَوَّلِ، والإِقْرَارُ لا يَقْتَضِى تَأْكِيدًا، فوَجَبَ حَمْلُه على العَدَدِ. وكذلك الحُكْمُ إذا قال: له عَلَىَّ دِرْهَمٌ فَدِرْهَم فَدِرْهَم، أو دِرْهَمٌ ثم دِرْهَمٌ ثم دِرْهَمٌ. وإن قال: له عَلَىَّ دِرْهَمٌ وَدِرْهَمٌ ثم دِرْهَمٌ، أو دِرْهَمٌ فَدِرْهَم ثم دِرْهَمٌ، أو دِرْهَمٌ ثم دِرْهَمٌ فَدِرْهَم. لَزِمَتْهُ الثَّلاثةُ، وَجْهًا واحِدًا؛ لأنَّ الثّالِثَ مُغَايِرٌ للثانِى، لِاخْتِلَافِ حَرْفَىِ العَطْفِ الدّاخِلَيْنِ عليهما، فلم يَحْتَمِلِ التَّأْكِيدَ. فصل: وإن قال: له عَلَىَّ دِرْهَمٌ بل دِرْهَمَانِ، أو دِرْهَمٌ لكن دِرْهَمَانِ. لَزِمَهُ دِرْهَمَانِ. وبه قال الشّافِعِىُّ. وقال زُفَرُ، ودَاوُدُ: تَلْزَمُه ثلاثةٌ؛ لأنَّ "بَلْ" للإِضْرَابِ، فلمّا (١٣) أقَرَّ بِدِرْهَمٍ وأضْرَبَ عنه، لَزِمَهُ؛ لأنَّه لا يُقْبَلُ رُجُوعُه عمَا أَقَرَّ به،

стр. 3514

ولَزِمَهُ الدِّرْهَمانِ اللَّذانِ أَقَرَّ بهما. ولَنا، أنَّه إنَّما نَفَى الاقْتِصَارَ على واحدٍ، وأَثْبَتَ الزِّيَادَةَ عليه، فأَشْبَهَ ما لو قال: له عَلَىَّ دِرْهَمٌ، بل أَكْثَرُ. فإنَّه لا يَلْزَمُه أكْثَرُ من اثْنَيْنِ. وإن قال: له عَلَىَّ دِرْهَمٌ، بل دِرْهَمٌ، أو لكن دِرْهَمٌ. ففيه وَجْهَانِ؛ أحَدُهما، يَلْزَمُه دِرْهَمٌ واحِدٌ؛ لأنَّ أحمدَ قال في مَن قال لِامْرَأَتِه: أَنْتِ طالِقٌ، لا بل أنْتِ طَالِقٌ: إنها لا تُطَلَّقُ إلَّا واحِدَةً. وهذا في مَعْنَاه. وهذا مذهبُ الشّافِعِىِّ؛ لأنَّه أقَرَّ بِدِرْهَمٍ مَرَّتَيْنِ، فلم يَلْزَمْهُ أكْثَرُ من دِرْهَمٍ، كما لو أقَرَّ بِدِرْهَمٍ ثم أنْكَرَهُ، ثم قال: بل عَلَىَّ دِرْهَمٌ. و "لكن" للاسْتِدْرَاكِ، فهى [في مَعْنَى] (١٤) "بَلْ" إلَّا أن الصَّحِيحَ أنَّها لا تُسْتَعْمَلُ إلَّا بعدَ الجَحْدِ، إلَّا أن يُذْكَرَ بعدَها جُمْلَةٌ. والوَجْهُ الثاني، يَلْزَمُه دِرْهَمانِ. ذَكَرَهُ ابنُ أبى موسى وأبو بكرٍ عبدُ العزيزِ. ويَقْتَضِيهِ (١٥) قَوْلُ زُفَرَ ودَاوُدَ؛ لأنَّ ما بعدَ الإِضْرَابِ يُغَايِرُ ما قَبْلَهُ، فيَجِبُ أن يكونَ الدِّرْهَمُ الذي أَضْرَبَ عنه غيرَ الدِّرْهَمِ (١٦) الذي أقَرَّ به بعدَه، فيَجِبُ الاثْنَانِ، كما لو قال: له عَلَىَّ دِرْهَمٌ، بل دِينَارٌ. ولأنَّ "بَلْ" من حُرُوفِ العَطْفِ، والمَعْطُوفُ [غيرُ المَعْطُوفِ] (١٧) عليه، فوَجَبَا جَمِيعًا، كما لو قال: له عَلَىَّ دِرْهَمٌ دِرْهَمٌ (١٨). ولأنَّا لو لم نُوجِبْ عليه إلَّا دِرْهَمًا، جَعَلْنَا كَلَامَهُ لغوًا، وإضْرَابَهُ عنه (١٩) غيرَ مُفِيدٍ، والأَصْلُ في كَلَامِ العاقِلِ أن يكونَ مُفِيدًا. ولو كان الذي أَضْرَبَ عنه لا يُمْكِنُ أن يكونَ المَذْكُورَ بعدَه، ولا بعضَه، مثل أن يقولَ: له عَلَىَّ دِرْهَمٌ، بل دِينَارٌ أو دِينَارَانِ. أو: له علَىَّ قَفِيزُ حِنْطَةٍ، بل قَفِيزُ شَعِيرٍ. أو: هذا الدِّرْهَمُ، بل هَذَانِ. لَزِمَهُ الجَمِيعُ، بغير خِلَافٍ عَلِمْناهُ؛ لأنَّ الأَوَّلَ لا يُمْكِنُ أن يكونَ الثانىَ ولا بعضَه، فكان مُقِرًّا بهما، ولا يُقْبَلُ رُجُوعُه عن شيءٍ منهما. وكذلك كلُّ جُمْلَتَيْنِ أقَرَّ بإِحْدَاهما ثم

стр. 3515

رَجَعَ إلى الأُخْرَى، لَزِمَاهُ. وإن قال: له عَلَىَّ دِرْهَمانِ، بل دِرْهَمٌ. أو عَشرَةٌ، بل تِسْعَةٌ. لَزِمَهُ الأَكْثَرُ؛ لأنَّه أَضْرَبَ عن واحدٍ، ونَفَاهُ بعد إِقْرَارِه به، فلم يُقْبَلْ نَفْيُه له بِخِلَافِ الاسْتِثْنَاءِ، فإنَّه لا يَنْفِى شيئا أقَرَّ به، وإنَّما هو عِبَارَةٌ عن الباقِى بعدَ الاسْتِثْناءِ، فإذا قال: عَشرَةٌ إلَّا دِرْهَمًا. كان مَعْنَاهُ تِسْعَةً. فصل: وإن قال: له عَلَىَّ دِرْهَمٌ قَبْلَهُ دِرْهَمٌ، أو بَعْدَهُ دِرْهَمٌ. لَزِمَهُ دِرْهَمانِ. وإن قال: قَبْلَهُ دِرْهَمٌ وبَعْدَهُ دِرْهَمٌ. لَزِمَهُ ثَلَاثَةٌ؛ لأنَّ "قَبْلَ" و"بَعْدَ" تُسْتَعْمَلُ لِلتَّقْدِيمِ والتَّأْخِيرِ في الوُجُوبِ. وإن قال: له عَلَىَّ دِرْهَمٌ فَوْقَ دِرْهَمٍ، أو تَحْتَ [دِرْهمٍ، أو معه] (٢٠) دِرْهَمٌ، أو مع دِرْهَمٍ. فقال القاضي: يَلْزَمُه دِرْهَمٌ. وهو أحَدُ (٢١) قَوْلَى الشَّافِعِىِّ؛ لأنَّه يَحْتَمِلُ فَوْقَ دِرْهَمٍ في (٢٢) الجَوْدَةِ، أو فَوْقَ دِرْهَمٍ لي، وكذلك تَحْتَ دِرْهَمٍ. وقولُه: معه دِرْهَمٌ. يَحْتَمِلُ معه دِرْهَمٌ لِى كذلك مع دِرْهَمٍ، فلم يَجِب الزَّائِدُ بالاحْتِمَالِ. وقال أبو الخَطّابِ: يَلْزَمُه دِرْهَمانِ. وهو القولُ الثانِى لِلشّافِعِىِّ؛ لأنَّ هذا اللَّفْظَ يَجْرِى مَجْرَى العَطْفِ، لِكَوْنِه يَقْتَضِى ضَمَّ دِرْهَمٍ آخَرَ إليه، وقد ذكَر ذلك في سِيَاقِ الإِقْرَارِ، فالظّاهِرُ أنَّه إِقْرَارٌ، ولأنَّ قَوْلَه: "عَلَىَّ" يَقْتَضِى في ذِمَّتِى، وليس لِلْمُقِرِّ في ذِمَّةِ نَفْسِه دِرْهَمٌ مع دِرْهَمِ المُقَرِّ له، ولا فَوْقَه، ولا تَحْتَه، فإنَّه لا يَثْبُتُ للإِنْسَانِ في ذِمَّةِ نَفْسِه شيءٌ. وقال أبو حنيفةَ وأصْحَابُه: إن قال: فَوْقَ دِرْهَمٍ. لَزِمَهُ دِرْهَمانِ؛ لأنَّ "فوق" تَقْتَضِى في الظّاهِرِ الزِّيَادَةَ. وإن قال: تَحْتَ دِرْهَمٍ. لَزِمَهُ دِرْهَمٌ واحِدٌ؛ لأنَّ "تحت" تَقْتَضِى النَّقْصَ. ولَنا، إن حُمِلَ كَلَامُه على مَعْنَى العَطْفِ، فلا فَرْقَ بينهما. وإن حُمِلَ على الصِّفَةِ لِلدِّرْهَمِ (٢٣) المُقَرِّ به، وَجَبَ أن يكونَ المُقَرُّ به دِرْهَمًا واحِدًا، سواءٌ ذَكَرَه بما يَقْتَضِى زِيَادَةَ الجَوْدَةِ أو نَقْصَها. وإن قال:

стр. 3516

له عَلَىَّ دِرْهَمٌ قَبْلَهُ دِينَارٌ، أو بَعْدَه، أو قَفِيزُ حِنْطَةٍ، أو معه، أو فَوْقَه، أو تَحْتَه، أو مَعَ ذلك. فالقولُ في ذلك كالقَوْلِ في الدِّرْهَمِ سواءً. فصل: وإن قال: له عَلَىَّ ما بَيْنَ دِرْهَمٍ وعَشَرَةٍ. لَزِمَتْهُ ثَمَانِيَةٌ؛ لأنَّ ذلك ما بينَهما. وإن قال: مِنْ دِرْهَمٍ [إلى عَشرةٍ] (٢٤)، ففيه ثلاثةُ أَوْجُهٍ؛ أحدُها، تَلْزَمُه تِسْعَةٌ. وهذا يُحْكَى عن أبي حنيفةَ؛ لأنَّ "مِنْ" لِابْتِدَاءِ الغَايةِ، وأَوّلُ الغايَةِ منها، و"إِلَى" لِانْتِهَائِها، فلا يَدْخُلُ فيها، كقَوْلِه تعالى: ﴿ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ﴾ (٢٥). والثانى، تَلْزَمُه ثَمَانِيَةٌ؛ لأنَّ الأَوَّلَ والعاشِرَ حَدَّانِ، فلا يَدْخُلانِ في الإِقْرَارِ، ولَزِمَهُ ما بينهما، كالتى قَبْلَهَا. والثالث، تَلْزَمُه عَشَرَةٌ؛ لأنَّ العاشِرَ أحَدُ الطَّرَفَيْنِ، فيَدْخُلُ فيها كالأَوَّلِ، وكما لو قال: قَرَأْتُ القُرْآنَ من أَوَّلِه إلى آخِرِه. فإن قال: أرَدْتُ بِقَوْلِى من واحدٍ إلى عَشَرَةٍ. مَجْمُوعَ الأَعْدَادِ كُلِّها، أي الواحِد والاثْنَانِ وكذلك إلى العَشَرَةِ، لَزِمَهُ خَمْسَةٌ وخَمْسُونَ دِرْهَمًا. واخْتِصَارُ حِسَابِه أن تَزِيدَ أَوَّلَ العَدَدِ وهو الواحِدُ على العَشَرَةِ، فيَصِيرَ أحَدَ عَشَرَةَ، ثم تَضْرِبَها في نِصْفِ العَشَرَةِ، فما بَلَغَ فهو الجَوَابُ. فصل: وإن قال: له عَلَىَّ دَرَاهِمُ. لَزِمَهُ ثَلَاثَةٌ؛ لأنَّها أقَلُّ الجَمْعِ. وإن قال: له عَلَىَّ دَرَاهِمُ كَثِيرَةٌ، أو وافِرَةٌ، أو عَظِيمَةٌ. لَزِمَهُ ثَلَاثَةٌ. وبهذا قال الشّافِعِىُّ. وقال أبو حنيفةَ: لا يُقْبَلُ تَفْسِيرُه بدون العَشَرَة؛ لأنَّها أقَلُّ جَمْعِ الكَثْرَةِ. وقال أبو يوسفَ ومحمدٌ: لا يُقْبَلُ أقَلّ من مائتَيْنِ؛ لأنَّ (٢٦) بها يَحْصُلُ الغِنَى، وتَجِبُ الزَّكَاةُ. ولَنا، أنَّ الكَثْرَةَ والعَظَمَةَ لا حَدَّ لها شَرْعًا ولا لُغَةً ولا عُرْفًا، وتَخْتَلِفُ بالإِضَافَاتِ وأَحْوَالِ النّاسِ، فالثَّلاثةُ أكْثَرُ ممَّا دُونَها وأقَلُّ ممَّا فَوْقَها، ومن النَّاسِ مَن يَسْتَعْظِمُ اليَسِيرَ، ومنهم من لا يَسْتَعْظِمُ الكَثِيرَ، ويَحْتَمِلُ أن المُقِرَّ أرادَ كَثِيرَةً بالنِّسْبَةِ إلى ما دُونَها، أو كَثِيرَةً في نَفْسِه، فلا تَجِبُ الزِّيَادَةُ بالاحْتِمَالِ.

стр. 3517

فصل: وإن قال: له عَلَىَّ دِرْهَمانِ في عَشَرَةٍ. وقال: أَرَدْتُ الحِسَابَ. لَزِمَهُ عِشْرُونَ. وإن قال: أرَدْتُ دِرْهَمَيْنِ مع عَشَرَةٍ. ولم يكُنْ يَعْرِفُ الحِسَابَ، قُبِلَ منه، ولَزِمَهُ اثْنَا عَشرَ؛ لأنَّ كَثِيرًا من العَامّةِ يُرِيدُونَ بهذا اللَّفْظِ هذا المَعْنَى. وإن كان من أهْلِ الحِسَابِ، احْتَمَلَ أن لا يُقْبَلَ؛ لأنَّ الظّاهِرَ من الحِسَابِ اسْتِعْمالُ ألْفَاظِه لِمَعَانِيهَا في اصْطِلَاحِهِم، ويَحْتَمِلُ أن يُقْبَلَ؛ لأنَّه (٢٧) لا يُمْنَعُ (٢٨) أن يَسْتَعْمِلَ اصْطِلَاح العَامّةِ. وإن قال: أرَدْتُ دِرْهَمَيْنِ في عَشَرَةٍ لي. لَزِمَهُ دِرْهَمانِ؛ لأنَّه يَحْتَمِلُ ما يَقُولُ. وإن قال: دِرْهَمَانِ في دِينَارٍ. لم يَحْتَمِل الحِسَابَ، وسُئِلَ عن مُرَادِه، فإن قال: أرَدْتُ العَطْفَ أو مَعْنَى مع. لَزِمَهُ الدِّرْهَمانِ والدِّينَارُ. وإن قال: أسْلَمْتُهما في دِينَارٍ. فَصَدَّقَهُ المُقِرُّ له، بَطَلَ إِقْرَارُه؛ لأنَّ سَلَمَ أحَدِ النَّقْدَيْنِ في الآخَرِ لا يَصِحُّ، وإن كَذَّبَهُ، فالقولُ قولُ المُقَرِّ له؛ لأنَّ المُقِرَّ وَصَّلَ إقْرَارَه بما يُسْقِطُه، فلَزِمَه ما أقَرَّ به، وبَطَلَ قولُه في دِينَارٍ. وكذلك إن قال: له عَلَىَّ دِرْهَمانِ في ثَوْبٍ. وفَسَّرَهُ بالسَّلَمِ، أو قال: في ثَوْبٍ اشْتَرَيْتُه منه إلى سَنَةٍ. فصَدَّقَه، بَطَلَ إِقْرَارُه؛ لأنَّه إن كان بعدَ التَّفَرُّقِ، بَطَلَ السَّلَمُ وسَقَطَ الثَّمَنُ، وإن كان قبلَ التَّفَرُّقِ فالمُقِرُّ بالخِيَارِ بين الفَسْخِ والإِمْضَاءِ. وإن كَذَّبَه المُقَرُّ له، فالقولُ قولُه مع يَمِينِه، وله الدِّرْهَمَانِ. فصل: وإن قال: له عِنْدِى دِرْهَمٌ في ثَوْبٍ، أو في كِيسٍ، أو زَيْتٌ في جَرَّةٍ، أو تِبْنٌ في غِرَارَةٍ، أو تَمْرٌ في جِرَابٍ، أو سِكِّينٌ في قِرَابٍ، أو فَصٌّ في خَاتَمٍ، أو كِيسٌ في صُنْدُوقٍ. أو قال: غَصَبْتُ منه ثَوْبًا في مِنْدِيلٍ، أو زَيْتًا في زِقٍّ. ففيه وَجْهَانِ؛ أحَدُهما، يكونُ مُقِرًّا بالمَظْرُوفِ دون الظَّرْفِ. هذا اخْتِيَارُ ابنِ حامِدٍ، ومَذْهَبُ مالِكٍ والشَّافِعِىِّ؛ لأنَّ إِقْرَارَهُ لم يَتَنَاوَل الظَّرْفَ، فيَحْتَمِلُ أن يكونَ في ظَرْفٍ لِلْمُقِرِّ، فلم يَلْزَمْهُ. والثانى، يَلْزَمُه الجَمِيعُ؛ لأنَّه ذَكَرَ ذلك في سِيَاقِ الإِقْرَارِ، ويَصْلُحُ أن يكونَ مُقِرًّا به، فلَزِمَهُ، كما لو قال: له عِنْدِى عَبْدٌ عليه عِمَامَةٌ. وقال أبو حنيفةَ في الغَصْبِ:

стр. 3518

يَلْزَمُه، ولا يَلْزَمُه في بَقِيَّةِ الصُّوَرِ؛ لأنَّ المِنْدِيلَ يكونُ ظَرْفًا لِلثَّوْبِ، فالظَّاهِرُ أنَّه ظَرْفٌ له في حالِ الغَصْبِ، وصَارَ كأنَّه قال: غَصَبْتُ ثَوْبًا ومِنْدِيلًا. ولَنا، أنَّه يَحْتَمِلُ أن يكونَ المِنْدِيلُ للغَاصِبِ، وهو ظَرْفٌ لِلثَّوْبِ، فيقولُ: غَصَبْتُ ثَوْبًا في مِنْدِيلٍ لي. ولو قال هذا لم يكنْ مُقِرًّا بِغَصْبِه، فإذا أطْلَقَ، كان مُحْتَمِلًا له، فلم يكُنْ مُقِرًّا بِغَصْبِه، كما لو قال: غَصَبْتُ دَابَّةً في إصْطَبْلِها. أو: له عَلَىَّ ثَوْبٌ في مِنْدِيلٍ. وإن قال: له عِنْدِى جَرَّةٌ فيها زَيْتٌ، أو جِرَابٌ فيه تَمْرٌ، أو قِرَابٌ فيه سِكِّينٌ. فعلى وَجْهَيْنِ (٢٩). وإن قال: له عَلَىَّ خَاتَمٌ فيه فَصٌّ. فكذلك. ويَحْتَمِلُ أن يكونَ مُقِرًّا به (٣٠) بِفَصِّه، وَجْهًا واحِدًا؛ لأنَّ الفَصَّ جُزْءٌ من أجْزَاءِ الخَاتَمِ، فأشْبَه ما لو قال: له عَلَىَّ ثَوْبٌ فيه عَلَمٌ. ولو قال: له عِنْدِى خَاتَمٌ. وأَطْلَقَ، لَزِمَهُ الخَاتَمُ بِفَصِّه؛ لأنَّ اسْمَ الخَاتَمِ يَجْمَعُهُما. وإن قال: له عَلَىَّ ثَوْبٌ مُطَرَّزٌ. لَزِمَهُ الثَّوْبُ بِطِرَازِهِ. فصل: وإن قال: له عِنْدِى دَارٌ مَفْرُوشَةٌ، أو دَابّةٌ مُسْرَجَةٌ، أو عَبْدٌ عليه عِمَامَةٌ. ففيه أيضًا وَجْهَانِ. وقال أصْحَابُ الشّافِعِىِّ: تَلْزَمُهُ عِمامَةُ العَبْدِ دون الفَرْشِ أو السَّرْجِ؛ لأنَّ العَبْدَ يَدُه على عِمَامَتِه، ويَدُه كَيَدِ سَيِّدِه، ولا يَدَ لِلدَّابَّةِ والدَّارِ. ولَنا، أنَّ الظَّاهِرَ أن سَرْجَ الدَّابّةِ لِصَاحِبِها، وكذلك لو تَنَازَعَ رَجلانِ سَرْجًا على دَابَّةِ أحَدِهِما، كان لِصَاحِبِها، فصَارَ كعِمامَةِ العَبْدِ. فأمَّا إن قال: له عِنْدِى دَابَّةٌ بِسَرْجِهَا، أو دَارٌ بِفَرْشِها، أو سَفِينَةٌ بِطَعَامِها. كان مُقِرًّا بهما بغيرِ خِلَافٍ؛ لأنَّ الباءَ تُعَلِّقُ الثانِىَ بالأَوَّلِ. فصل: وإن قال: له عَلَىَّ دِرْهَمٌ، أو دِينَارٌ. أو: إما دِرْهَمٌ وإما دِينَارٌ. كان مُقِرًّا بأحَدِهما، يُرْجَعُ في تَفْسِيرِه إليه؛ لأنَّ "أوْ" و"إِمَّا" في الخَبَرِ لِلشَّكِّ، وتَقْتَضِى أحَدَ المَذْكُورَيْنِ لا جَمِيعَهما. وإن قال: له عَلَىَّ إمَّا دِرْهَمٌ وإما دِرْهَمَانِ. كان مُقِرًّا بِدِرْهَمٍ، والثانى مَشْكُولٌ فيه، فلا يَلْزَمُه بالشَّكِّ.

стр. 3519

٨٥٢ - مسألة؛ قال: (وَمَنْ أَقَرَّ بِشَىْءٍ، وَاسْتَثْنَى مِنْهُ الْكَثِيرَ، وَهُوَ أَكْثَرُ مِنَ النِّصْفِ، أُخِذَ بالكُلِّ، وكَانَ اسْتِثْنَاؤُه بَاطِلًا) لا يَخْتَلِفُ المَذْهَبُ أنَّه لا يجوزُ اسْتِثْنَاءُ ما زَادَ على النِّصْفِ. ويُحْكَى ذلك عن ابنِ دَرَسْتَوَيْه النَّحْوِىِّ (١). وقال أبو حنيفةَ، ومالِكٌ، والشّافِعِىُّ، وأصْحَابُهم: يَصِحُّ ما لم يَسْتَثْنِ الكُلَّ، فلو قال: له عَلَىَّ مائةٌ إلَّا تِسْعَةً وتِسْعِينَ. لم يَلْزَمْهُ إلَّا واحِدٌ، بدَلِيلِ قولِه تعالَى: ﴿فَبِعِزَّتِكَ لَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ (٨٢) إِلَّا عِبَادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ﴾ (٢). وقولهِ تعالى: ﴿إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ إِلَّا مَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْغَاوِينَ﴾ (٣). فاسْتَثْنَى في مَوْضِعٍ الغَاوِينَ من العِبَادِ، وفي مَوْضِعٍ العِبَادَ من الغَاوِينَ، وأيُّهما كان الأَكْثَرَ فقد دَلَّ على اسْتِثْنَاءِ الأَكْثَر. وأنْشَدُوا: أَدُّوا التي نَقَصَتْ تِسْعِينَ مِنْ مائةٍ ... ثم ابْعَثُوا حَكَمًا بالحَقِّ قَوَّامًا (٤) فَاسْتَثْنَى تِسْعِينَ من مائةٍ؛ لأنَّه في مَعْنَى الاسْتِثْنَاءِ، ومُشَبَّهٌ به، ولأنَّه اسْتَثْنَى البَعْضَ، فجَازَ، كاسْتِثْنَاءِ الأَقَلِّ، ولأنَّه رَفَعَ بعضَ ما تَنَاوَلَهُ اللَّفْظُ، فجازَ في الأَكْثَرِ، كالتَّخْصِيصِ والبَدَلِ. ولَنا، أنَّه لم يَرِدْ في لِسَانِ العَرَبِ الاسْتِثْنَاءُ إلَّا في الأَقَلِّ، وقد أنْكَرُوا اسْتِثْنَاءَ الأَكْثَرِ، فقال أبو إِسحاقَ الزَّجَّاجُ (٥): لم يَأْتِ الاسْتِثْنَاءُ إلَّا في القَلِيلِ من الكَثِيرِ، ولو قال قائِلٌ: مائةٌ إلَّا تِسْعَةً وتِسْعِينَ. لم يكُنْ مُتَكَلِّمًا بالعَرَبِيَّةِ، وكان عِيًّا من الكَلَامِ ولُكْنَةً. وقال القُتَيْبِىُّ (٦): يُقال: صُمْتُ الشَّهْرَ إلَّا يَوْمًا. ولا يُقَالُ: صُمْتُ

стр. 3520

الشَّهْرَ إلَّا تِسْعَةً وعِشْرِينَ يَوْمًا. ويقال: لَقِيتُ القَوْمَ جَمِيعَهم إلَّا واحِدًا أو اثْنَيْنِ. ولا يجوزُ أن يقولَ: لَقِيتُ القَوْمَ إلَّا أكْثَرَهم. وإذا لم يَكُنْ صَحِيحًا في الكلامِ، لم يَرْتَفِعْ به ما أقَرَّ به، كاسْتِثْنَاءِ الكُلِّ. وكما لو قال: له عَلَىَّ عَشَرَةٌ، بل خَمْسَةٌ. فأمَّا ما احْتَجُّوا به من التَّنْزِيلِ، فإنَّه في الآيَةِ الأُولَى اسْتَثْنَى المُخْلَصِينَ من بَنِى آدَمَ، وهم الأَقَلُّ، كما قال تعالى: ﴿إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَقَلِيلٌ مَا هُمْ﴾ (٧). وفى الأُخْرَى اسْتَثْنَى الغَاوِينَ من العِبَادِ وهم الأَقَلُّ، فإنَّ المَلَائِكَةَ من العِبَادِ، وهم غيرُ غَاوِينَ، قال اللَّه تعالى: ﴿بَلْ عِبَادٌ مُكْرَمُونَ﴾ (٨). وقيل: الاسْتِثْنَاءُ في هذه الآيَةِ مُنْقَطِعٌ بمعنى الاسْتِدْرَاكِ، فيكونُ قوله: ﴿إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ﴾ مُبْقًى على عُمُومِه، لم يُسْتَثْنَ منه شيءٌ، ثم اسْتَأْنَفَ: ﴿إِلَّا مَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْغَاوِينَ﴾. أي لكنْ من اتَّبَعَكَ من الغَاوِينَ فإنَّهم غَوَوْا بِاتِّبَاعِكَ. وقد دَلَّ على صِحَّةِ هذا قولُه في الآيةِ الأُخْرَى لأَتْبَاعِه: ﴿وَمَا كَانَ لِيَ عَلَيْكُمْ مِنْ سُلْطَانٍ إِلَّا أَنْ دَعَوْتُكُمْ فَاسْتَجَبْتُمْ لِي﴾ (٩). وعلى هذا لا يكونُ لهم فيها حُجَّةٌ. وأمَّا البَيْتُ فقال ابن فَضَّالٍ النَّحْوِىُّ (١٠): هو بَيْتٌ مَصْنُوعٌ، لم يَثْبُتْ عن العَرَبِ. على أن هذا ليس بِاسْتِثْنَاءٍ، فإنَّ الاسْتِثْنَاءَ له كَلِمَاتٌ مَخْصُوصَةٌ ليس ههُنا (١١) شيءٌ منها، والقِيَاسُ لا يَجُوزُ في اللُّغَةِ. ثم نُعَارِضُه بأنَّه اسْتَثْنَى أكْثَرَ من النِّصْفِ، فلم يَجُزْ، كاسْتِثْنَاءِ الكُلِّ. والفَرْقُ بين اسْتِثْنَاءِ الأَكْثَرِ والأَقَلِّ، أنَّ العَرَبَ اسْتَعْمَلَتْهُ في الأَقَلِّ وحَسَّنَتْهُ، ونَفَتْهُ في الأَكْثَرِ وقَبَّحَتْهُ، فلم يَجُزْ قِيَاسُ ما قَبَّحُوه على ما جَوَّزُوهُ وحَسَّنُوهُ. فصل: وفى اسْتِثْنَاءِ النِّصْفِ وَجْهَانِ؛ أحَدُهما, يجوزُ. وهو ظَاهِرُ كلامِ الخِرَقِىِّ؛

стр. 3521

لِتَخْصِيصِه الإِبْطَالَ بما زَادَ على النِّصْفِ، لأنَّه ليس بأَكْثَرَ، فجَازَ كالأَقَلِّ. والثانى، لا يجوزُ، ذَكَرَهُ أبو بكرٍ؛ لأنَّه لم يَرِدْ في كلامِهم إلَّا (١٢) القَلِيلُ من الكَثِيرِ، والنِّصْفُ ليس بِقَلِيلٍ. فصل: وإذا قال: له عَلَىَّ عَشَرَةٌ، إلَّا سَبْعَةً، إلَّا خَمْسَةً، إلَّا دِرْهَمَيْنِ. صَحَّ، وكان مُقِرًّا بِسِتَّةٍ، وذلك لأنَّه إذا اسْتَثْنَى الكُلَّ أو الأَكْثَرَ، سَقَطَ إن وَقَفَ عليه، وإن وَصَلَهُ باسْتِثْنَاءٍ آخَرَ اسْتَعْمَلْنَاه، لأنَّ الاسْتِثْنَاءَ مع المُسْتَثْنَى منه عِبَارَةٌ عمَّا بَقِىَ، فإنَّ خَمْسَةً إلَّا دِرْهَمَيْنِ عِبَارَةٌ عن ثَلَاثَةٍ، اسْتَثْناهَا من سَبْعَةٍ، بَقِىَ أَرْبَعَةٌ مُسْتَثْناةٌ (١٣) من عَشَرَةٍ، بَقِىَ منها سِتَّةٌ. وإن قال: له عَلَىَّ ثَمَانِيَةٌ، إلَّا أَرْبَعَةً، إلّا دِرْهَمَيْنِ، إلّا دِرْهَمًا. بَطَلَ الاسْتِثْنَاءُ على قولِ أبى بكرٍ؛ لأنَّه اسْتَثْنَى النِّصْفَ. وصَحَّ على الوَجْهِ الآخَرِ، فلَزِمَهُ خَمْسَةٌ. وإن قال: عَلَىَّ عَشَرَةٌ، إلا خَمْسَةً، إلَّا ثَلَاثةً، إلَّا دِرْهَمَيْنِ، إلَّا دِرْهَمًا. بَطَلَ الاسْتِثْناءُ كلُّه على أحَدِ الوَجْهَيْنِ، وصَحَّ في الآخَرِ، فيكونُ مُقِرًّا بِسَبْعَةٍ. ولو قال: عَشَرَةٌ، إلَّا سِتَّةً، إلَّا أَرْبَعَةً، إلَّا دِرْهَمَيْنِ. فهو على الوَجْهِ الذي يَصِحُّ فيه الاسْتِثْنَاءُ مُقِرٌّ بِسِتَّةٍ. ولو قال: ثَلَاثَةٌ، إلَّا دِرْهَمَيْنِ، إلَّا دِرْهَمًا. كان مُقِرًّا بدِرْهَمْينِ (١٤). فأمَّا إن قال: له عَلَىَّ ثَلَاثَةٌ، إلَّا ثَلَاثَةً، إلَّا دِرْهَمَيْنِ. بَطَلَ الاسْتِثْناءُ كلُّه؛ لأنَّ اسْتِثْنَاءَ دِرْهَمَيْنِ من ثَلَاثةٍ اسْتِثْنَاءُ الأَكْثَرِ، وهو مَوْقُوفٌ عليه، فبَطلَ، فإذا بَطَلَ الثانِى بَطَلَ الأَوَّلُ؛ [لأنَّه اسْتِثْنَاءُ (١٦) الكُلِّ] (١٥). ولأَصْحَابِ الشّافِعِىِّ في هذا ثلاثةُ أَوْجُهٍ؛ أحدُها، يَبْطُلُ الاسْتِثْنَاءُ؛ لأنَّ الأَوَّلَ بَطَلَ، لِكَوْنِه اسْتِثْنَاءَ (١٦) الكُلِّ، فبَطَلَ الثاني؛ لأنَّه فَرْعُه. والثانى، يَصِحُّ، ويَلْزَمُهُ دِرْهَمٌ؛ لأنَّ الاسْتِثْنَاءَ الأَوَّلَ لمَّا بَطَلَ، جَعَلْنَا الاسْتِثْناءَ الثانِىَ من الإِقْرَارِ؛ لأنَّه وَلِيَهُ لِبُطْلَانِ ما بينهما. والثالث،

стр. 3522

يَصِحُّ، ويكون مُقِرًّا بِدِرْهَمَيْنِ؛ لأنَّه اسْتَثْنَى دِرْهَمَيْنِ [من ثَلَاثَةٍ] (١٧)، فيَبْقَى منها دِرْهَمٌ مُسْتَثْنًى من الإِقْرَارِ، واسْتِثْناءُ الأَكْثَرِ عندَهم صحيحٌ (١٨). ووَافَقَهم القاضي في هذا الوَجْهِ. وإن قال: ثَلَاثَةٌ، إلَّا ثَلَاثَةً، إلَّا دِرْهَمًا. بَطَلَ الاسْتِثْناءُ كلُّه. ويَجِىءُ على قَوْلِ أصْحَابِ الشّافِعِىِّ فيه مثلُ ما في التي قَبْلَها. فصل: وإن قال: له عَلَىَّ أَلْفُ دِرْهَمٍ، إلَّا خَمْسِينَ. فالمُسْتَثْنَى دَراهِمُ؛ لأنَّ العَرَبَ لا تَسْتَثْنِى في الإِثْبَاتِ إلَّا من الجِنْسِ. وإن قال: له عَلَىَّ أَلْفٌ، إلَّا خَمْسِينَ دِرْهمًا. فالجَمِيعُ دَرَاهِمُ كذلك. وهذا اخْتِيَارُ ابنِ حامِدٍ والقاضى، وهو قولُ أبى ثَوْرٍ. وقال أبو الحَسَنِ التَّمِيمِىُّ، وأبو الخَطَّابِ: يكونُ الأَلْفُ مُبْهَمًا، يُرْجَعُ في تَفْسِيرِه إليه. وهذا قولُ مالِكٍ، والشّافِعِىِّ؛ لأنَّ الاسْتِثْنَاءَ عِنْدَهما يَصِحُّ من غير الجِنْسِ، ولأنَّ لَفْظَهُ في (١٩) الأَلْفِ مُبْهمٌ والدِّرْهمُ (٢٠) لم يُذْكَرْ تَفْسِيرًا له، فيَبْقَى على إِبْهَامِهِ. ولَنا، أنَّه لم يَرِدْ عن العَرَبِ الاسْتِثْنَاءُ في الإِثْبَاتِ إلَّا من الجِنْسِ، فمتى عُلِمَ أحَدُ الطَّرَفَيْنِ عُلِمَ أنَّ الآخَرَ من جِنْسِه، كما لو عُلِمَ المُسْتَثْنَى منه، وقد سَلَّمُوهُ، وعِلَّتُه تَلَازُمُ المُسْتَثْنَى والمُسْتَثْنَى منه في الجِنْسِ، فما ثَبَتَ في أحَدِهما ثَبَتَ في الآخَرِ، فعَلَى قولِ التَّمِيمِىِّ [وأبى الخَطَّاب] (٢١) يُسْأَلُ عن (٢٢) المُسْتَثْنَى منه (١٩)، فإن فَسَّرَهُ بغيرِ الجِنْسِ، بَطَلَ الاسْتِثْنَاءُ، وعلى قولِ غَيْرِهما يُنْظرُ في المُسْتَثْنَى، إن كان مِثْلَ المُسْتَثْنَى منه أو أَكْثَرَ، بَطَلَ، وإلَّا صَحَّ. [وعند القاضي يَصحُّ الاسْتثْناءُ، ويصحُّ تفسيرُ الألفِ بأىِّ شيءٍ كان، إذا كان من قيمةِ ذلك الشىءِ، بعد اسْتثْناءِ الدراهِم منه] (٢٣).

стр. 3523

فصل: وإن قال: له عَلَىَّ تِسْعَةٌ وتِسْعُونَ دِرْهَمًا. فالجَمِيعُ دَرَاهِمُ. لا أعْلَمُ فيه خِلَافًا. وإن قال: مائةٌ وخَمْسُونَ دِرْهَمًا. فكذلك. وخَرَّجَ بعضُ أصْحَابِنَا وَجْهًا أنَّه لا يكونُ تَفْسِيرًا إلَّا لما يَلِيه، وهو قولُ بعضِ أصْحَابِ الشّافِعِىِّ. وكذلك إن قال: أَلْفٌ وثَلَاثَةُ دَرَاهِمَ، أو خَمْسُونَ دِرْهَمًا (٢٤) وأَلْفُ دِرْهَمٍ، أو أَلْفٌ ومائةُ دِرْهَمٍ، أو مائةٌ وأَلْفُ دِرْهَمٍ. والصَّحِيحُ ما ذَكَرْنا؛ فإنَّ الدِّرْهَمَ المُفَسّرَ يكون تَفْسِيرًا (٢٥) لِجَمِيعِ ما قَبْلَه من الجُمَلِ (٢٦) المُبْهَمَةِ وجِنْسِ العَدَدِ، قال اللهُ تعالى مُخْبِرًا عن أحَدِ الخَصْمَيْنِ أنَّه قال: ﴿إِنَّ هَذَا أَخِي لَهُ تِسْعٌ وَتِسْعُونَ نَعْجَةً﴾ (٢٧). وفى الحَدِيثِ أنَّ رسولَ اللَّه ﷺ تُوُفِّىَ وهو ابنُ ثَلَاثٍ وسِتِّينَ سَنَةً، وتُوُفِّىَ أبو بكرٍ وهو ابنُ ثَلَاثٍ وسِتِّينَ سَنَةً، وتُوُفِّىَ عمرُ وهو ابنُ ثَلَاثٍ وسِتِّينَ سَنَةً (٢٨). وقال عَنْتَرَةُ (٢٩): فيها اثْنَتَانِ وأَرْبَعُونَ حَلُوبَةً ... سُودًا كخَافِيَةِ الغُرَابِ الأَسْحَمِ ولأنَّ الدِّرْهَمَ ذُكِرَ تَفْسِيرًا، ولهذا لا تَجِبُ به زِيَادَةٌ على العَدَدِ المَذْكُورِ، فكان تَفْسِيرًا لِجَمِيعِ ما قبلَه، لأنَّها تَحْتَاجُ إلى تَفْسِيرٍ، وهو صَالِحٌ لِتَفْسِيرِها، فوَجَبَ حَمْلُه على ذلك. وهذا المَعْنَى مَوْجُودٌ في قَوْلِه: ألْفٌ وثَلَاثَةُ دَرَاهِمَ. وسائِر الصُّوَرِ المَذْكُورَةِ، فعلى قولِ مَن لا يَجْعَلُ المُجْمَلَ من جِنْسِ المُفَسَّرِ لو (٣٠) قال: بِعْتُكَ هذا

стр. 3524

بمائةٍ وخَمْسِينَ دِرْهَمًا، أو بخَمْسَةٍ وعِشْرِينَ دِرْهَمًا. لا يَصِحُّ. وهو قولٌ شَاذٌّ ضَعِيفٌ لا يُعَوَّلُ عليه. فصل: وإن قال: له عَلَىَّ أَلْفٌ وَدِرْهَمٌ، أو أَلْفٌ وثَوْبٌ، أو قَفِيزُ حِنْطَةٍ فالمُجْمَلُ من جِنْسِ المُفَسَّرِ أيضًا. وكذلك إن قال: ألْفُ دِرْهَمٍ وعَشرَةٌ، أو أَلْفُ ثَوْبٍ وعِشْرُونَ. وهذا قولُ القاضي، وابنِ حامِدٍ، وأبى ثَوْرٍ. وقال التَّمِيمِىُّ، وأبو الخَطَّابِ: يُرْجَعُ في تَفْسِيرِ المُجْمَلِ إليه، لأنَّ الشىءَ يُعْطَفُ على جِنْسِه، قال اللَّه تعالى: ﴿يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا﴾ (٣١). ولأنَّ الأَلْفَ مُبْهَمٌ فرُجِعَ في تَفْسِيرِه إلى المُقِرِّ، كما لو لم يَعْطِفْ عليها. وقال أبو حنيفةَ: إن عَطَفَ على المُبْهَمِ مَكِيلًا أو مَوْزُونًا، كان تَفْسِيرًا له، وإن عَطَفَ مَذْرُوعًا أو مَعْدُودًا، لم يكُنْ تَفْسِيرًا؛ لأنَّ عَلَىَّ للإِيجَابِ في الذِّمَّةِ، فإن عَطَفَ عليه ما يَثْبُتُ في الذِّمَّةِ بِنَفْسِه، كان تَفْسِيرًا له (٣٢) كقَوْلِه: مائةٌ وخَمْسُونَ دِرْهَمًا. ولَنا، أنَّ العَرَبَ تَكْتَفِى بِتَفْسِيرِ إحْدَى الجُمْلَتَيْنِ عن الجُمْلَةِ (٣٣) الأُخْرَى، قال اللهُ تعالى: ﴿وَلَبِثُوا فِي كَهْفِهِمْ ثَلَاثَ مِائَةٍ سِنِينَ وَازْدَادُوا تِسْعًا﴾ (٣٤). وقال اللهُ تعالى: ﴿عَنِ الْيَمِينِ وَعَنِ الشِّمَالِ قَعِيدٌ﴾ (٣٥). ولأنَّه ذَكَرَ مُبْهَمًا مع مُفَسَّرٍ لم يَقُمِ الدَّلِيلُ على أنَّه من غيرِ جِنْسِه، فكان المُبْهَمُ من جِنْسِ المُفَسَّرِ، كما لو قال: مائةٌ وخَمْسُونَ دِرْهَمًا، أو ثَلَاثُمائة وثَلَاثَةَ عَشَرَ رَجُلًا. يُحَقِّقُه أنَّ المُبْهَمَ يَحْتَاجُ إلى التَّفْسِيرِ، وذِكْرُ التَّفْسِيرِ في الجُمْلَةِ المُقارِنَةِ له يصْلُحُ أن يُفَسِّرَه، فوَجَبَ حَمْلُ الأَمْرِ على ذلك، أمَّا قوله: ﴿أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا﴾. فإنَّه امْتَنَعَ أن يكونَ العَشْرُ أَشْهُرًا لِوَجْهَيْنِ؛ أحدهما، أنَّ العَشْرَ بغيرِ هاءٍ عَدَدٌ لِلْمُؤَنَّثِ، والأَشْهُرُ

стр. 3525

مُذَكَّرَةً، فلا يجوزُ أن تُعَدَّ بِغَيْرِها. الثاني، أنَّها لو كانت أَشْهُرًا لَقال: أَرْبَعَةَ عَشَرَ شَهْرًا. بالتَّرْكِيبِ، لا بالعَطْفِ، كما قال: ﴿عَلَيْهَا تِسْعَةَ عَشَرَ﴾ (٣٦). وقَوْلُهم: إنَّ الأَلْفَ مُبْهَمٌ. قُلْنا: قد قُرِنَ به ما يَدُلُّ على تَفْسِيرِه، فأَشْبَهَ ما لو قال: مائةٌ وخَمْسُونَ دِرْهَمًا، أو مائةٌ ودِرْهَمٌ. عندَ أبى حنيفةَ. فإن قِيلَ: إذا قال: مائةٌ وخَمْسُونَ دِرْهَمًا. فالدِّرْهَمُ ذُكِرَ لِلتَّفْسِيرِ، ولهذا لا يَزْدَادُ به العَدَدُ، فصَلَحَ تَفْسِيرُ الجَمِيعِ ما قبلَه، بِخِلَافِ قَوْلِه: مائةُ دِرْهَمٍ. فإنه ذَكَرَ الدِّرْهَمَ للإِيجَابِ، لا لِلتَّفْسِيرِ، بِدَلِيلِ أنَّه زَادَ به العَدَدَ. قُلْنا: هو صَالِحٌ لِلإِيجَابِ والتَّفْسِيرِ معًا، والحاجَةُ داعِيَةٌ إلى التَّفْسِيرِ، فوَجَبَ حَمْلُ الأَمْرِ على ذلك، صِيَانَةً لِكَلَامِ المُقِرِّ عن الإِلْبَاسِ (٣٧) والإِبْهَامِ، وصَرْفًا له إلى البَيَانِ والإِفْهَامِ. وقولُ أصْحابِ أبى حنيفةَ: إن "علىَّ" للإِيجَابِ. قُلْنا: فمَتَى عُطِفَ ما يَجِبُ بها على ما يَجِبُ، وكان أحَدُهُما مُبْهَمًا والآخَرُ مُفَسَّرًا، وأمْكَنَ تَفْسِيرُه به، وَجَبَ أَن يكونَ المُبْهَمُ من جِنْسِ المُفَسَّرِ، فأمَّا إن لم يُمْكِنْ (٣٨)، مثل أن يُعْطَفَ عَدَدُ المُذَكَّرِ على المُؤَنَّثِ، أو بالعَكْسِ، ونحو ذلك، فلا يكونُ أحَدُهما من جِنْسِ الآخَرِ، ويَبْقَى المُبْهَمُ على إِبْهامِه، كما لو قال: له عَلَىَّ أرْبَعَةُ دَرَاهِمَ وعَشْرٌ. ٨٥٣ - مسألة؛ قال: (وَإذَا قَالَ: لَهُ عِنْدِى عَشَرَةُ دَرَاهِمَ. ثُمَّ قَالَ: وَدِيعَةً. كَانَ الْقَوْلُ قَوْلَهُ) وجُمْلَتُه أنَّ مَنْ أقَرَّ بهذا اللَّفْظِ، فقال: له عِنْدِى دَرَاهِمُ. فَسَّرَ إِقْرَارَهُ بأنَّها وَدِيعَةٌ، قُبِلَ تَفْسِيرُه. لا نَعْلَمُ فيه اخْتِلَافًا بين أهْلِ العِلْمِ، سواءٌ فَسَّرَهُ بكلامٍ مُتَّصِلٍ أو مُنْفَصِلٍ؛ لأنَّه فَسَّرَ لَفْظَهُ بما يَقْتَضِيه، فقُبِلَ، كما لو قال: له عَلَىَّ دَرَاهِمُ. وفَسَّرَها بِدَيْنٍ عليه، فعندَ ذلك تَثْبُتُ فيها أحْكَامُ الوَدِيعَةِ، بحيثُ لو ادَّعَى تَلَفَها بعدَ ذلك أو

стр. 3526

رَدَّها كان القولُ قولَه. وإن فَسَّرَهَا بِدَيْنٍ عليه، قُبِلَ أيضًا؛ لأنَّه يُقِرُّ على نَفْسِه بما هو أَغْلظ. وإن قال: له عِنْدِى وَدِيَعةٌ رَدَدْتُها إِليه. أو تَلِفَتْ. لَزِمَهُ ضَمَانُها، ولم يُقْبَلْ قولُه. وبهذا قال الشّافِعِىُّ؛ لما فيه من مُنَاقَضَةِ الإِقْرَارِ، والرُّجُوعِ عما أقَرَّ به، فإنَّ الأَلْفَ المَرْدُودَ والتَّالِفَ ليستْ عندَه أَصْلًا، ولا هي وَدِيعَةٌ، وكلُّ كَلَامٍ يُنَاقِضُ الإِقْرَارَ ويُحِيلُه، يَجِبُ أن يكونَ مَرْدُودًا. وقال القاضي: يُقْبَلُ قولُه؛ لأنَّ أحمدَ قال، في رِوَايَةِ ابن مَنْصُورٍ: إذا قال: لك عِنْدِى وَدِيعَةٌ دَفَعْتُها إليك. صُدِّقَ؛ لأنَّه ادَّعَى تَلَفَ الوَدِيعَةِ، أو رَدَّهَا، فقُبِلَ، كما لو ادَّعَى ذلك بكَلَامٍ مُنْفَصِلٍ. وإن قال: كانت عِنْدِى، وظَنَنْتُ أنها باقِيَةٌ، ثم عَرَفْتُ أنَّها كانتْ قد هَلَكَتْ. فالحُكْمُ فيها كالتى قَبْلَها. ٨٥٤ - مسألة؛ قال: (وَلَوْ قَالَ: لَهُ عَلَىَّ أَلْفٌ. ثُمَّ قَالَ: وَدِيعَةً. لَمْ يُقْبَلْ قَوْلُهُ) وجُمْلَةُ ذلك أنَّه إذا أقَرَّ بِدَرَاهِمَ بقَوْلِه: عَلَىَّ كذا. ثم فَسَّرَهُ بالوَدِيعَةِ، لم يُقْبَلْ قَوْلُه، فلو ادَّعَى بعدَ هذا تَلَفَها، لم يُقْبَلْ قَوْلُه. وبهذا قال أبو حنيفةَ، والشَّافِعِىُّ. وقِيلَ عن الشّافِعِىِّ: يُقْبَلُ قَوْلُه أنها وَدِيعَةٌ، وإذا ادَّعَى بعد ذلك تَلَفَها، قُبِلَ منه. وقال القاضي ما يَدُلُّ على هذا أيضًا؛ لأنَّ الوَدِيعَةَ عليه حِفْظُها وَرَدُّها، فإذا قال: عَلَىَّ. وفَسَّرَها بذلك، احْتَمَلَ صِدْقَه، فَقُبِلَ منه، كما لو وَصَلَه بِكَلَامِه، فقال: له (١) عَلَىَّ أَلْفٌ وَدِيعَةً. ولأنَّ حُرُوفَ الصِّلَاتِ (٢) يَخْلُفُ بَعْضُها بَعْضًا، فيَجوزُ أن يَسْتَعْمِلَ "عَلَىَّ" بمعنى "عِنْدِى" كما قال اللهُ تعالى إِخْبَارًا عن مُوسَى ﵇، أنَّه قال: ﴿وَلَهُمْ عَلَيَّ ذَنْبٌ﴾ (٣). أي عِنْدِى. ولَنا، أنَّ "عَلَىَّ" للإِيجَابِ، وذلك يَقْتَضِى كَوْنَها في ذِمَّتِه، وكذلك لو قال: ما عَلَى فُلَانٍ عَلَىَّ. كان ضَامِنًا له، والوَدِيعَةُ ليستْ في ذِمَّتِه،

стр. 3527

ولا هي عليه، إنَّما هي عِنْدَهُ. وما ذَكَرُوهُ مَجَازٌ، طَرِيقُه حَذْفُ المُضَافِ وإقَامَةُ المُضَافِ إليه مُقَامَه، أو إقَامَةُ حَرْفٍ مُقَامَ حَرْفٍ، والإِقْرَارُ يُؤْخَذُ فيه بظَاهِرِ اللَّفْظِ، بِدَلِيلِ أنَّه لو قال: له عَلَىَّ دَرَاهِمُ. لَزِمَتْه ثَلَاثَةُ دَرَاهِمَ، وإن جَازَ التَّعْبِيرُ بِلَفْظِ الجَمْعِ عن اثْنَيْنِ، وعن واحِدٍ، كقَوْلِ اللَّه تعالى: ﴿فَإِنْ كَانَ لَهُ إِخْوَةٌ فَلِأُمِّهِ السُّدُسُ﴾ (٤). ومَوَاضِع كَثِيرَة في القُرْآنِ. ولو قال: له عَلَىَّ دِرْهَمٌ. وقال: أرَدْتُ نِصْفَ دِرْهَمٍ، فحَذَفْتُ المُضَافَ وأقَمْتُ المُضَافَ إليه مُقَامَه. لم يُقْبَلْ منه ولو قال: لَكَ من مالِى أَلْفٌ. قال: صَدَقْتَ، ثم قال: أرَدْتُ أنَّ عَلَيْكَ من مَالِى أَلْفًا، وأقَمْتُ اللَّامَ مُقَامَ "عَلَىَّ" كقَوْلِ اللَّه تعالى: ﴿وَإِنْ أَسَأْتُمْ فَلَهَا﴾ (٥). لم يُقْبَلْ منه. ولو قُبِلَ في الإِقْرَارِ مُطْلَق الاحْتِمَالِ، لَسَقَطَ، وَلَقُبِلَ في (٦) تَفْسِير الدَّرَاهِم بالنّاقِصَةِ والزَّائِفَةِ والمُؤَجَّلَةِ. وأمَّا إذا قال: لك عَلَىَّ أَلْفٌ. ثم قال: كان وَدِيعَةً فتَلِفَ. لم يُقْبَلْ قَوْلُه؛ لأنَّه مُتَنَاقِضٌ. وقد سَبَقَ نحوٌ من هذا. فصل: وإن قال: لك عَلَىَّ مائةُ دِرْهَمٍ. ثم أَحْضَرَها، وقال: هذه التي أَقْرَرْتُ بها، وهى وَدِيعَةٌ كانت لك عِنْدِى. فقال المُقَرُّ له: هذه وَدِيعَةٌ، والتى أَقْرَرْت بها غيرُها، وهى دَيْنٌ عليك. فقولُ الخِرَقِىِّ يَقْتَضِى أنَّ القَوْلَ قولُ المُقَرِّ له. وهو قولُ أبِى حنيفةَ. وقال القاضي: القَوْلُ قولُ المُقِرِّ مع يَمِينِه. ولِلشّافِعِىِّ قَوْلَانِ، كالوَجْهَيْنِ، وتَعْلِيلُهما ما تَقَدَّمَ. وإن كان قال في إِقْرَارِه: لك عَلَىَّ مائةٌ في ذِمَّتِى. فإنَّ القاضىَ وَافَقَ ههُنا في أنَّه لا يُقْبَلُ قولُ المُقِرّ؛ لأنَّ الوَدِيعَةَ عَيْنٌ لا تكونُ في الذِّمَّةِ. قال: وقد (٧) يُقْبَلُ؛ لأنَّه يَحْتَمِلُ: في ذِمَّتِى أدَاؤُهَا. ولأنَّه يجوزُ أن يكونَ عنده وَدِيعَة تَعَدَّى فيها، فكان ضَمَانُها عليه في ذِمَّتِه. ولأَصْحَابِ الشّافِعِىِّ في هذه وَجْهانِ. فأمَّا إن وَصَلَ ذلك بِكَلَامِه، فقال: لك عَلَىَّ مائةٌ وَدِيعَةً. قُبِلَ؛ لأنَّه وَصَلَ كَلَامَه بما يَحْتَمِلُه، فصَحَّ.

стр. 3528

كما لو قال: لَهُ عَلَىَّ دَرَاهِمُ نَاقِصَةٌ. وإن قال: لَهُ عَلَىَّ مائةٌ وَدِيعَةً دَيْنًا، أو مُضَارَبةً دَيْنًا. صَحَّ، وَلزِمَهُ ضَمَانُها؛ لأنَّها قد يَتَعَدَّى فيها، فتكون دَيْنًا، وإن قال: أرَدْتُ أنَّه شَرَطَ علىَّ ضَمَانَها. لم يُقْبَلْ؛ لأنَّها لا (٨) تَصِيرُ بذلك دَيْنًا. وإن قال: عِنْدَهُ مائةٌ وَدِيعَةً، شَرَطَ علىَّ ضَمَانَها. لم يَلْزَمْهُ ضَمَانُه؛ لأنَّ الوَدِيعَةَ لا تَصِيرُ بالشَّرْطِ مَضْمُونَةً. وإن قال: عَلَىَّ أو عِنْدِى (٩) مائةُ دِرْهَمٍ عَارِيّةً. لَزِمَتْه، وكانتْ مَضْمُونَةً عليه، سواءٌ حَكَمْنَا بِصِحَّةِ العَارِيَّةِ في الدَّرَاهِمِ أو بِفَسَادِها؛ لأنَّ ما ضُمِنَ في العَقْدِ الصَّحِيحِ ضُمِنَ في الفاسِدِ. وإن قال: أَوْدَعَنِى مائةً، فلم أَقْبِضْها. أو أَقْرَضَنِى مائةً، فلم آخُذْها. قُبِلَ قولُه مُتَّصِلًا، ولم يُقْبَلْ إذا كان مُنْ فَصِلً ا. وهكذا إذا قال: نَقَدَنِى مائةً، فلم أَقْبِضْها. وهذا قولُ الشّافِعِىِّ. فصل: فإن قال: له في هذا العَبْدِ أَلْفٌ. أو: له من هذا العَبْدِ أَلْفٌ. طُولِبَ بالبَيَانِ، فإن قال: نَقَدَ عَنِّى أَلْفًا في ثَمَنِه. كان قَرْضًا، وإن قال: نَقَدَ (١٠) في ثَمَنِه أَلْفًا. قُلْنا: بَيِّنْ كم ثَمَنُ العَبْدِ، وكيف كان الشِّرَاءُ؟ فإن قال: إيجابٌ واحِدٌ، وزَن أَلْفًا ووَزَنْتُ أَلْفًا. كان مُقِرًّا بِنِصْفِ العَبْدِ، وإن قال: وَزَنْتُ أنا (٨) ألْفَيْنِ. كان مُقِرًّا بِثُلُثِه، والقولُ قولُه مع يَمِينِه، سواءٌ كانت القِيمَةُ قَدْرَ ما ذَكَرَهُ، أو أقَلَّ؛ لأنَّه قد يَغْبِنُ وقد يُغْبَنُ. وإن قال: اشْتَرَيْنَاهُ (١١) بإِيجَابَيْنِ. قيل: فكم اشْتَرَى منه؟ فإن قال: نِصْفًا، أو ثُلُثًا، أو أقَلَّ، أو أكْثَرَ. قُبِلَ منه مع يَمِينِه، وافَقَ القِيمَةَ أو خَالَفَها. وإن قال: وَصَّى له بأَلْفٍ من ثَمَنِه. وصُرِفَ إليه من ثَمَنِه أَلْفٌ. وإن أرَادَ أن يُعْطِيَهُ أَلْفًا من مَالِه، من غيرِ ثَمَنِ العَبْدِ، لم يَلْزَمْه قَبُولُه؛ لأنَّ المُوصَى له يَتَعَيَّنُ حَقُّه في ثَمَنِه. وإن فسَّر

стр. 3529

ذلك بأَلْفٍ من جِنَايَةٍ جَنَاهَا العَبْدُ، فتَعَلَّقَتْ بِرَقَبَتِه، قُبِلَ ذلك، وله بَيْعُ العَبْدِ، ودَفْعُ الأَلْفِ من ثَمَنِه. وإن قال: أرَدْتُ أنَّه رَهْنٌ عندَه بِأَلْفٍ. ففيه وَجْهَانِ؛ أحَدُهما، لا يُقْبَلُ؛ لأنَّ حَقَّ المُرْتَهِنِ في الذِّمَّةِ. والثانى، يُقْبَلُ؛ لأنَّ الدَّيْنَ يَتَعَلَّقُ بالرَّهْنِ، فصَحَّ تَفْسِيرُه به، كالجِنَايَةِ. ومَذْهَبُ الشّافِعِىِّ كما ذَكَرْنا في ال فَصْلِ جَمِيعِه. فصل: وإن قال: له في مَالِى هذا أَلْفٌ، أو من مَالِى أَلْفٌ. وفَسَّرَهُ بِدَيْنٍ أو وَدِيعَةٍ أو وَصِيَّةٍ فيه، قُبِلَ. وقال بعضُ أصْحَابِ الشّافِعِىِّ: لا يُقْبَلُ إقْرَارُه؛ لأنَّ مالَهُ ليس هو لغيرِه. ولَنا، أنَّه أقَرَّ بِأَلْفٍ، فقُبِلَ، كا لو قال: في مَالِى. ويجوزُ أن يُضِيفَ إليه مالًا بعضُه لغيرِه. ويجوزُ أن يُضِيفَ مالَ غيرِه إليه، لِاخْتِصَاصٍ له به، أو يَدٍ له عليه، أو ولَايَة، قال اللَّه تعالى: ﴿وَلَا تُؤْتُوا السُّفَهَاءَ أَمْوَالَكُمُ الَّتِي جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ قِيَامًا وَارْزُقُوهُمْ فِيهَا وَاكْسُوهُمْ وَقُولُوا لَهُمْ قَوْلًا مَعْرُوفًا﴾ (١٢) وقال سُبْحَانَه في النِّسَاءِ: ﴿لَا تُخْرِجُوهُنَّ مِنْ بُيُوتِهِنَّ﴾ (١٣). وقال لأَزْوَاجِ رسولِ اللَّه ﷺ : ﴿وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ﴾ (١٤). فلا يَبْطُلُ إِقْرَارُه مع احْتِمالِ صِحَّتِه. وإن قال: أرَدْتُ هِبَةً. قُبِلَ منه؛ لأنَّه مُحْتَمِلٌ. وإن امْتَنَعَ من تَقْبِيضِها، لم يُجْبَرْ عليه؛ لأنَّ الهِبَةَ فيها لا تَلْزَمُ قبلَ القَبْضِ. وكذلك يُخَرَّجُ فيما إذا قال: لِفُلَانٍ في دارِى هذه نِصْفُها، أو من دَارِى بعضُها، وقد نُقِلَ عن أحمدَ ما يَدُلُّ على رِوَايَتَيْنِ، قال في رِوَايَةِ مُهَنَّا في مَن قال: نِصْفُ عَبْدِى هذا لِفُلَانٍ. لم يَجُزْ إلَّا أن يَقُولَ (١٥) وَهَبْتُه. وإن قال: نِصْفُ مَالِى هذا لِفُلَانٍ. لا أَعْرِفُ هذا. ونَقَلَ ابنُ مَنْصُورٍ: إذا قال: فَرَسِى هذه لِفُلَانٍ. فإِقْرَارُه جَائِزٌ. فظَاهِرُ هذا صِحَّةُ الإِقْرَارِ.

стр. 3530

فإن قال: له في هذا المالِ نِصْفُه، أو له نِصْفُ هذه الدَّارِ. فهو إِقْرَارٌ صَحِيحٌ. وإن قال: له في هذا المالِ ألْفٌ. صَحَّ. وإن قال: له في مِيرَاثِ أبِى ألْفٌ. فهو إِقْرَارٌ بِدَيْنٍ على التَّرِكَةِ. وإن قال: في مِيرَاثِى من أبِى. وقال: أرَدْتُ هِبَةً. قُبِلَ منه، ولأنَّه إذا أضَافَ المِيرَاثَ إلى أبِيهِ، فمُقْتَضَاهُ ما خَلَّفَه، فيَقْتَضِى وُجُوبَ المُقَرِّ به فيه، وإذا أضَافَ المِيرَاثَ إلى نَفْسِه، فمَعْناهُ ما وَرثْتُه وانْتَقَلَ إلىَّ، فلا يُحْمَلُ على الوُجُوبِ، وإذا أضَافَ إليه منه جُزْءًا، فالظَّاهِرُ أنَّه جَعَلَ له جُزْءًا من مَالِه. فصل: وإن قال: له في هذا العَبْدِ شَركَةٌ. صَحَّ إقْرَارُه، وله تَفْسِيرُه بأىِّ قَدْرٍ كان منه. وقال أبُو يوسفَ: يكون مُقِرًّا بِنِصْفِه؛ لِقَوْلِه تعالى: ﴿فَهُمْ شُرَكَاءُ فِي الثُّلُثِ﴾ (١٦). فَاقْتَضَى ذلك التَّسْوِيَةَ بَيْنَهُم، كذا ههُنا. ولَنا، أنَّ أىَّ جُزْءٍ كان له منه، فله فيه شَرِكَةٌ، فكان له تَفْسِيرُه بما شاءَ، كالنِّصْفِ، وليس إِطْلَاقُ لَفْظِ الشَّرِكَةِ على ما دون النِّصْفِ مَجازًا، ولا مُخَالِفًا للظَّاهِرِ، والآيةُ تُثْبِتُ التَّسْوِيةَ فيها بِدَلِيلٍ، وكذلك الحُكْمُ إذا قال: هذا العَبْدُ شَرِكَةٌ بَيْنَنَا. فَصْلٌ في الإِقْرَارِ بالمَجْهُولِ: وإذا قال: لِفُلَانٍ عَلَىَّ شيءٌ. أو كذا. صَحَّ إِقْرَارُه، ولَزِمَهُ تَفْسِيرُه. وهذا لا خِلَافَ فيه، ويُفَارِقُ الدَّعْوَى، حيث لا تَصِحُّ مَجْهُولَةً؛ لِكَوْنِ الدَّعْوَى له والإِقْرَارُ عليه، فلَزِمَهُ (١٧) ما عليه مع الجَهَالَةِ دُونَ مالَه، ولأنَّ المُدَّعِىَ إذا لم يُصَحِّحْ دَعْوَاه، فله دَاعٍ إلى تَحْرِيرِها، والمُقِرُّ لا دَاعِىَ له إلَّا التَّحْرِيرُ، ولا يُؤْمَنُ رُجُوعُه عن إِقْرَارِه، فيَضِيعُ حَقُّ المُقَرِّ له، فأَلْزَمْنَاهُ إِيّاهُ مع الجَهَالةِ، فإن امْتَنَعَ من تَفْسِيرِه، حُبِسَ حتى يُفَسِّرَ. وقال القاضي: يُجْعَلُ نَاكِلًا، ويُؤْمَرُ المُقَرُّ له بالبَيَانِ، فإن بَيَّنَ شيئا، فصَدَّقَهُ المُقِرّ، ثَبَتَ، وإن كَذَّبَهُ، وامْتَنَعَ من البَيَانِ، قِيلَ

стр. 3531

له. إن بَيَّنْتَ، وإلَّا جَعَلْناكَ نَاكِلًا، وقَضَيْنَا عليك. وهذا قولُ أصْحَابِ الشّافِعِىِّ، إلَّا أنَّهم قالوا: إن بَيَّنْتَ وإلَّا حَلَّفْنَا (١٨) المُقَرَّ له على ما يَدَّعِيهِ، وأوْجَبْنَاهُ عليك. فإن فَعَلَ، وإلَّا أحْلَفْنَا المُقَرَّ له، وأَوْجَبْنَاهُ على المُقِرِّ. وَوَجْهُ الأَوَّلِ، أنَّه مُمْتَنِعٌ من حَقٍّ عليه، فيُحْبَسُ به، كما لو عَيَّنَهُ وامْتَنَعَ من أدَائِه. ومع ذلك متى عَيَّنَهُ المُدَّعِى وادَّعَاهُ، فنَكَلَ المُقِرُّ، فهو على ما ذَكَرُوهُ. وإن ماتَ مَنْ عليه الحَقُّ، أُخِذَ وَرَثَتُه بمِثْلِ ذلك؛ لأنَّ الحَقَّ ثَبَتَ على مَوْرُوثِهِم، فيَتَعَلَّقُ بِتَرِكَتِه وقد صارَتْ إلى الوَرَثَةِ، فيَلْزَمُهُم ما لَزِمَ مَوْرُوثَهم، كما لو كان الحَقُّ مُعَيَّنًا. وإن لم يَخْلُفِ المَيِّتُ تَرِكَةً، فلا شىءَ على الوَرَثَةِ. ومتى فَسَّرَ إقْرَارَهُ بما يُتَمَوَّلُ في العَادَةِ، قُبِلَ تَفْسِيرُه وثَبَتَ، إلَّا أن يُكَذِّبَهُ المُقَرُّ له، ويَدَّعِىَ جِنْسًا آخَرَ، أو لا يَدَّعِى شيئا، فيَبْطُلُ إقْرَارُه. وإن فَسَّرَةُ بما لا يُتَمَوَّلُ عادَةً، كقِشْرَةِ جَوْزَةٍ، أو قِشْرَةِ بَاذِنْجَانَة، لم يُقْبَلْ إِقْرَارُه؛ لأن إِقْرَارَهُ اعْتِرَافٌ بِحَقٍّ عليه ثَابِتٍ في ذِمَّتِه، وهذا لا يَثْبُتُ في الذِّمَّةِ. وكذلك إن فَسَّرَهُ بما ليس بمالٍ في الشَّرْعِ، كالخَمْرِ والخِنْزِيرِ والمَيْتَةِ، لم يُقْبَلْ. وإن فَسَّرَهُ بكَلْبٍ لا يجوزُ اقْتِنَاؤُه، فكذلك. وإن فَسَّرَهُ بِكَلْبٍ يجوزُ اقْتِنَاؤُه، أو جِلْدِ مَيْتَةٍ غيرِ مَدْبُوغٍ، ففيه وَجْهَانِ؛ أحدُهما، يُقْبَلُ؛ لأنَّه شيءٌ يَجِبُ رَدُّه عليه (١٩)، وتَسْلِيمُه إليه، فالإِيجَابُ يَتَنَاوَلُه. والثانى، لا يُقْبَلُ؛ لأنَّ الإِقْرَارَ إِخْبَارٌ عمَّا يَجِبُ ضَمَانُه، وهذا لا يَجِبُ ضَمَانُه. وإن فَسَّرَهُ بِحَبَّةِ حِنْطَةٍ أو شَعِيرٍ ونحوِها، لم يُقبَلْ؛ لأنَّ هذا لا يُتَمَوَّلُ عادَةً على انْفِرَادِه. وإن فَسَّرَه بحَدِّ قَذْفٍ، قُبِلَ؛ لأنَّه حَقٌّ يَجِبُ عليه. ويَحْتَمِلُ أن لا يُقْبَلَ؛ لأنَّه لا يَؤُولُ إلى مالٍ. والأَوَّلُ أصَحُّ؛ لأنَّ ما ثَبَتَ في الذِّمَّةِ صَحَّ أن يُقَالَ: هو عَلَىَّ. وإن فَسَّرَهُ بحَقِّ شُفْعَةٍ، قُبِلَ؛ لأنَّه حَقٌّ واجِبٌ، ويَؤُولُ إلى المالِ. وإن فَسَّرَهُ بِرَدِّ السَّلَامِ، أو تَشْمِيتِ العَاطِسِ ونحوِه، لم يُقْبَلْ؛ لأنَّه يَسْقُطُ بِفَوَاتِه، فلا يَثْبُتُ في الذِّمَّةِ. وهذا الإِقْرَارُ يَدُلُّ على ثُبُوتِ الحَقِّ في الذِّمَّةِ. ويَحْتَمِلُ أن يُقْبَلَ تَفْسِيرُه به، إذا أرَادَ أن حَقًّا علىَّ رَدُّ سَلَامه إذا سَلَّمَ، وتَشْمِيتُه إذا

стр. 3532

عَطَسَ؛ لما رُوِىَ في الخَبَرِ: "لِلْمُسْلِمِ عَلَى المُسْلِمِ ثَلَاثُونَ حَقًّا: يَرُدُّ سَلَامَهُ، ويُشَمِّتُ عَطْسَتَهُ، ويُجِيبُ دَعْوَتَهُ". وذَكَرَ الحَدِيثَ (٢٠). وإن قال: غَصَبْتُه شيئا. وفَسَّرَهُ بما ليس بمالٍ، قُبِلَ؛ لأنَّ اسْمَ الغَصْبِ يَقَعُ عليه. وإن قال: غَصَبْتُه نَفْسَه. لم يُقْبَلْ؛ لأنَّ الغَصْبَ لا يَثْبُتُ عليه. وهذا ال فَصْل أكْثَرُه مَذْهَبُ الشّافِعِىِّ. وحُكِى عن أبِى حنيفةَ، أنَّه لا يُقْبَلُ تَفْسِيرُ إِقْرَارِه بغير المَكِيلِ والمَوْزُونِ؛ لأنَّ غَيْرَهما لا يَثْبُتُ في الذِّمَّةِ بِنَفْسِه. ولَنا، أنَّه مَمْلُوكٌ يَدْخُلُ تَحْتَ العَقْدِ، فجَازَ أن يُفَسّرَ به الشَّىءُ في الإِقْرَارِ، كالمَكِيلِ والمَوْزُونِ، ولأنَّه يَثْبُتُ في الذِّمَّةِ في الجُمْلَةِ، فصَحَّ التَّفْسِيرُ كالمَكيلِ، ولا عِبْرَةَ بِسَبَبِ ثُبُوتِه في الإِقْرَارِ به، والإِخْبَارِ عنه. فصل: وإن أقَرَّ بمالٍ، قُبِلَ تَفْسِيرُه بِقَلِيلِ المالِ وكَثِيرِه. وبهذا قال الشّافِعِىُّ. وقال أبو حنيفةَ: لا يُقْبَلُ تَفْسِيرُه بغيرِ المالِ الزَّكَوِىِّ؛ لقولِ اللهِ تعالى: ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ﴾ (٢١). وقولِه: ﴿وَفِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ﴾ (٢٢). وحَكَى بعضُ أصْحَابِ مالِكٍ عنه ثلاثةَ أوْجُهٍ؛ أحدُها، كَقَوْلِنَا. والثانى؛ لا يقْبَلُ إلَّا أَوَّلُ نِصَابٍ من نُصُبِ الزَّكَاةِ، من نَوْعِ أَمْوَالِهم. والثالث، ما يُقْطَعُ به السّارِقُ، ويَصِحّ مهْرًا؛ لقولِ اللَّه تعالى: ﴿أَنْ تَبْتَغُوا بِأَمْوَالِكُمْ﴾ (٢٣). ولَنا، أنَّ غيرَ ما ذَكَرُوه يَقَعُ عليه اسْمُ المالِ حَقِيقَةً وعُرْفًا، ويُتَمَوَّلُ عادَةً، فَيُقْبَلُ تَفْسِيرُه به، كالذى وَافَقُوا عليه. وأما آيةُ (٢٤) الزَّكَاةِ فهى عَامَّةٌ دَخَلَها التَّخْصِيصُ، وقولُه تعالى: ﴿وَفِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ﴾. لم يُرِدْ به الزَّكَاةَ، بِدَلِيلِ أنَّها نَزَلَتْ بِمَكَّةَ قَبلَ فَرْضِ الزَّكَاةِ، فلا حُجَّةَ لهم فيها، ثم يَرُدُّ قَوْلَهُم قَوْلُه تعالى: ﴿أَنْ تَبْتَغُوا بِأَمْوَالِكُمْ﴾. والتَّزْوِيجُ جائِزٌ بأىِّ نَوْعٍ كان من المالِ، وبما دُونَ النِّصَابِ. وإن قال: له عَلَىَّ مالٌ عَظِيمٌ، أو كَثِيرٌ، أو جَلِيلٌ، أو خَطِيرٌ. جَازَ تَفْسِيرُه

стр. 3533

بالقَلِيلِ والكَثِيرِ، كما لو قال: مالٌ. لم يَزِدْ عليه. وهذا قولُ الشّافِعِىّ. وحُكِىَ عن أبي حنيفةَ: لا يُقْبَلُ تَفْسِيرُه بأقَلَّ من عَشرَةِ دَرَاهِمَ؛ لأنَّه يُقْطَعُ به السّارِقُ، ويكونُ صَدَاقًا عندَه. وعنه: لا يُقْبَلُ بأقَلّ من مائتَىْ دِرْهَمٍ. وبه قال صَاحِبَاهُ؛ لأنَّه الذي تَجِبُ فيه الزَّكَاةُ. وقال بعضُ أصْحَابِ مالِكٍ كقَوْلِهم في المالِ. ومنهم من قال: يَزِيدُ على ذلك أقَلَّ زِيَادَةٍ. ومنهم مَن قال: قَدْر الدِّيةِ. وقال اللَّيْثُ بن سَعْدٍ: اثْنَانِ وسَبْعُونَ؛ لأنَّ اللَّه تعالى قال: ﴿لَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ فِي مَوَاطِنَ كَثِيرَةٍ﴾ (٢٥). وكانتْ غَزَوَاتُه وسَرَايَاه اثْنَتَيْنِ وسَبْعِينَ. قالوا: ولأن الحَبَّةَ لا تُسَمَّى مالًا عَظِيمًا ولا كَثِيرًا. ولَنا، أنَّ ما فُسِّرَ به المالُ فُسِّرَ به العَظِيمُ، كالذى سَلَّمُوه، ولأنَّ العَظِيمَ والكَثِيرَ لا حَدَّ له في الشَّرْعِ، ولا في اللُّغَةِ، ولا في العُرْفِ، ويَخْتَلِفُ الناسُ فيه؛ فمنهم من يَسْتَعْظِمُ القَلِيلَ، ومنهم من يَسْتَعْظِمُ الكَثِيرَ، ومنهم من يَحْتَقِرُ الكَثِيرَ، فلم يَثْبُتْ في ذلك حَدٌّ يُرْجَعُ إلى تَفْسِيرِه به، ولأنَّه ما مِن مالٍ إلَّا وهو عَظِيمٌ كَثِيرٌ بالنِّسْبَةِ إلى ما دُونَه. ويَحْتَمِلُ أنَّه أرَادَ عَظِيمًا عندَه؛ لِفَقْرِ نَفْسِه ودَنَاءَتِها، وما ذَكَرُوه فليس فيه تَحْدِيدٌ لِلْكَثِيرِ، وكونُ ما ذَكَرُوهُ كَثِيرًا لا يَمْنَعُ الكَثْرَةَ فيما دُونَه، وقد قال اللهُ تعالى: ﴿اذْكُرُوا اللَّهَ ذِكْرًا كَثِيرًا﴾ (٢٦). فلم يَنْصَرِفْ إلى ذلك، وقال: ﴿كَمْ مِنْ فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً﴾ (٢٧). فلم يُحْمَلْ على ذلك. والحُكْمُ فيما إذا قال: عَظِيمٌ جِدًّا، أو عَظِيمٌ عَظِيمٌ. كما لو لم يَقُلْهُ؛ لما قَرَّرْنَاهُ. فصل: وإن قال: له عَلَىَّ أَكْثَرُ من مالِ فُلَانٍ. فَفَسَّرَهُ بأَكْثَرَ منه عَدَدًا أو قَدْرًا، لَزِمَهُ أكْثَرُ منه، وتُفَسَّرُ الزِّيَادَةُ بأىِّ شيءٍ أرَادَ، ولو حَبَّةٍ أو أقَلَّ. وإن قال: ما عَلِمْتُ لِفُلَانٍ أكْثَرَ من كذا وكذا (٢٨). وقامَتِ البَيِّنَةُ بأَكْثَرَ منه، لم يَلْزَمْهُ أكْثَرُ ممَّا اعْتَرَفَ به؛ لأنَّ مَبْلَغَ المالِ حَقِيقَةً لا يُعْرَفُ في الأَكْثَرِ، وقد يكون ظَاهِرًا وبَاطِنًا، فيَمْلِكُ ما لا يَعْرِفُه

стр. 3534

المُقِرُّ، فكان المَرْجِعُ إلى ما اعْتَقَدَه المُقِرُّ مع يَمِينِه، إذا ادَّعَى عليه أكْثَرَ منه. وإن فَسَّرَهُ بأَقَلَّ من مالِه، مع عِلْمِه بمالِه، لم يقْبَلْ. وقال أصْحابُنَا: يُقْبَلُ تَفْسِيرُه بالقَلِيلِ والكَثِيرِ. وهو مذهبُ الشّافِعِىِّ، سواءٌ عَلِمَ مالَ فُلَانٍ أو جَهِلَه، أو ذَكَرَ قَدْرَهُ أو لم يَذْكُرْه، أو قالَه عَقِيبَ الشّهَادَةِ بِقَدْرِه أولا (٢٩)؛ لأنَّه يَحْتَمِلُ أنَّه أكْثَرُ منه بَقَاءً أو مَنْفَعَةً أو بَرَكَةً، لِكَوْنِه من الحَلَالِ، أو لأنَّه في الذِّمَّةِ. قال القاضي: ولو قال: لِى عَلَيْكَ أَلْفُ دِينَارٍ. فقال: لَكَ عَلَىَّ أَكْثَرُ من ذلك. لم يَلْزَمْهُ أكْثَرُ منها؛ لأنَّ لَفْظَةَ أكْثَر مُبْهَمَةٌ، لِاحْتِمَالِها ما ذَكَرْنا، ويَحْتَمِلُ أنَّه أرَادَ أَكْثَرَ منه فُلُوسًا، أو حَبَّ حِنْطَةٍ أو شَعِيرٍ أو دُخْنٍ، فرجَع في تَفْسِيرِها إليه. وهذا بَعِيدٌ؛ فإنَّ لَفْظَةَ أكْثَرَ إنَّما تُسْتَعْمَلُ حَقِيقَةً في العَدَدِ، أو في القَدْرِ، وتَنْصَرِفُ إلى جِنْسِ ما أُضِيفَ أَكْثَر إليه، لا يُفْهَمُ في الإِطْلَاقِ غيرُ ذلك، قال اللَّه تعالى: ﴿كَانُوا أَكْثَرَ مِنْهُمْ﴾ (٣٠). وأَخْبَرَ عن الذي قال: ﴿أَنَا أَكْثَرُ مِنْكَ مَالًا﴾ (٣١). ﴿وَقَالُوا نَحْنُ أَكْثَرُ أَمْوَالًا وَأَوْلَادًا﴾ (٣٢). والإِقْرَارُ يُؤْخَذُ فيه بالظَّاهِرِ دون مُطْلَقِ الاحْتِمالِ، ولهذا لو أقَرَّ بِدَرَاهِمَ، لَزِمَهُ أقَلُّ الجَمْعِ جِيَادًا صِحَاحًا وَازِنَةً حَالَّةً. ولو قال: له عَلَىَّ دَرَاهِمُ. لم يقْبَلْ تَفْسِيرُها بالوَدِيعَةِ. ولو رَجَعَ إلى مُطْلَقِ الاحْتِمالِ لسَقَطَ الإِقْرَارُ. واحْتِمَالُ ما ذَكَرُوه أَبْعَدُ من هذه الاحْتِمَالَاتِ التي لم يَقْبَلُوا تَفْسِيرَه بها، فلا يُعَوَّلُ على هذا. فصل: ولو قال: له عَلَىَّ أَلْفٌ، إلَّا شيئا. قُبِلَ تَفْسِيرُه بأَكْثَرَ من خمسِمائة؛ لأنَّ الشىءَ يَحْتَمِلُ القَلِيلَ والكَثِيرَ، لكنْ لا يجوزُ اسْتِثْنَاءُ الأَكْثَرِ. فتَعَيَّنَ حَمْلُه على ما دون النِّصْفِ. وكذلك إن قال: إلَّا قَلِيلًا؛ لأنَّه مُبْهَمٌ، فأشْبَه قولَه: إلَّا شيئا. وإن قال: له عَلَىَّ مُعْظَمُ أَلْفٍ، أو جُلُّ أَلْفٍ، أو قَرِيب من أَلْفٍ. لَزِمَهُ أكْثَرُ من نِصْفِ الأَلْفِ، ويَحْلِفُ على الزِّيَادةِ إن ادُّعِيَتْ عليه.

стр. 3535

فصل: وإن قال: له عَلَىَّ كذا. ففِيه ثلاثُ مَسائِلَ؛ أحَدُها، أن يقولَ: كذا. بغيرِ تَكْرِيرٍ ولا عَطْفٍ. الثانية، أن يُكَرِّرَ بغيرِ عَطْفٍ. الثالثة، أن يَعْطِفَ، فيقول: كذا وكذا. فأمَّا الأُولَى، فإذا قال: له علىَّ (٣٣) كذا دِرْهَم. لم يَخْلُ من أَرْبَعَةِ أحْوَالٍ؛ أحدُها، أن يقولَ: له علىَّ كذا دِرْهَمٌ. بالرَّفْعِ، فيَلْزَمُه دِرْهَمٌ. وتَقْدِيرُه شيءٌ هو دِرْهَمٌ، فجَعَلَ الدِّرْهَمَ بَدَلًا من كذا. الثاني، أن يقولَ: دِرْهَمٍ. بالجَرِّ، فيَلْزَمُه جُزْءُ دِرْهَمٍ، يُرْجَعُ في تَفْسِيرِه إليه، والتَّقْدِيرُ جُزْءُ دِرْهَمٍ، أو بعضُ دِرْهَمٍ. ويكون كذا كِنَايَةً عنه. الثالث، أن يقولَ: دِرْهَمًا. بالنَّصْبِ، فيَلْزَمُه دِرْهَمٌ، ويكونُ مَنْصُوبًا على التَّفْسِيرِ، وهو التَّمْيِيزُ. وقال بعضُ النَّحْوِيِّينَ: هو مَنْصُوبٌ على القَطْعِ، كأنَّه قَطَعَ ما ابْتَدَأ به، وأقَرَّ بِدِرْهَمٍ. وهذا على قولِ نُحَاةِ الكُوفَة. الرابع، أن يَذْكُرَه بالوَقْفِ، فيُقْبَلُ تَفْسِيره بِجُزْء دِرْهَمٍ أيضًا؛ لأنَّه (٣٤) يجوزُ أن يكونَ أسْقَطَ حَرَكَةَ الجَرِّ لِلْوَقْفِ. وهذا مذهبُ الشّافِعِىِّ. وقال القاضي: يَلْزَمُه دِرْهَمٌ في الحالاتِ كلِّها. وهو قولُ بعض أصْحَابِ الشّافِعِىِّ. ولَنا، أنَّ "كذا" اسْمٌ مُبْهَمٌ، فصَحَّ [تَفْسِيرُه بِجُزْءِ دِرْهَمٍ في حال الجَرِّ والوَقْفِ. المسألة الثانية، إذا قال: كذا كذا. بغير عَطْفٍ، فالحُكْمُ فيها] (٣٥) كالحُكْمِ في "كذا" بغير تَكْرَارٍ سواءً، لا يَتَغَيَّرُ الحُكْمُ. ولا يَقْتَضِى تَكْرِيرُه الزِّيَادَةَ، كأنَّه قال: شَىْءٌ شيءٌ (٣٦). ولأنَّه إذا قالَه بالجَرِّ، احْتَمَلَ أن يكونَ قد أضَافَ جُزْءًا إلى جُزْءٍ، ثم أضَافَ الجُزْءَ الآخَرَ إلى الدِّرْهَمِ، فقال: نِصْفَ تُسْع دِرْهَمٍ. وهكذا لو قال: كذا كذا كذا. لأنَّه يَحْتَمِلُ أن يُرِيدَ ثُلُثَ خُمْسِ سُبْعِ دِرْهَمٍ، ونحوَه. المسألة الثالثة، إذا عَطَفَ، فقال: كذا وكذا دِرْهَمٌ. بالرَّفْعِ، لَزِمَهُ دِرْهَمٌ واحِدٌ؛

стр. 3536

لأنَّه ذَكَرَ شَيْئَيْنِ، ثم أبْدَلَ منهما دِرْهَمًا، فصارَ كأنَّه قال: هما دِرْهَمٌ. وإن قال: دِرْهَمًا. بالنَّصْبِ، ففيه ثلاثةُ أوْجُهٍ؛ أَحَدُها، يَلْزَمُه دِرْهَمٌ واحِدٌ. وهو قولُ أبى عبدِ اللهِ ابن حامِدٍ، والقاضى؛ لأنَّ "كذا" يَحْتَمِلُ أقَلَّ من دِرْهَمٍ، فإذا عَطَفَ عليه مثلَه، ثم فَسَّرَهُما بِدِرْهَمٍ واحدٍ، جازَ، وكان كَلَامًا صَحِيحًا. وهذا يُحْكَى قَوْلًا لِلشّافِعِىِّ. والوَجْهُ الثاني، يَلْزَمُه دِرْهَمانِ. وهو اخْتِيَارُ أبى الحَسَنِ التَّمِيمىِّ؛ لأنَّه ذَكَرَ جُمْلَتَيْنِ، فإذا فَسّرَ ذلك بِدِرْهَمٍ عادَ التَّفْسِيرُ إلى كلِّ واحِدَةٍ منهما، كقَوْلِه: عِشْرُونَ دِرْهَمًا. يَعُودُ التَّفْسِيرُ إلى العِشْرِينَ، وكذا ههُنا. وهذا يُحْكَى قَوْلًا ثانِيًا للشّافِعِىِّ. والوَجْهُ الثالث، يَلْزَمُه أَكْثَرُ من دِرْهَمٍ. وَلعَلَّهُ ذَهَبَ إلى أنَّ الدِّرْهَمَ تَفْسِيرٌ لِلْجُمْلَةِ التي تَلِيه، فيَلْزَمُه بها دِرْهَمٌ، والأُولَى باقِيَةٌ على إِبْهامِهَا، فيُرْجَعُ (٣٧) في تَفْسِيرِها إليه. وهذا يُشْبِهُ مَذْهَبَ التَّمِيمِىِّ. وقال محمدُ بن الحَسَنِ: إذا قال: كذا دِرْهَمًا. لَزِمَهُ عِشْرُونَ دِرْهَمًا؛ لأنَّه أقَلُّ عَدَدٍ يُفَسَّرُ بالوَاحِدِ المَنْصُوبِ. وإن قال: كذا كذا دِرْهَمًا. لَزِمَهُ أحَدَ عَشَرَ دِرْهَمًا؛ لأنَّه أقَلُّ عَدَدٍ [مُرَكَّبٍ يُفَسَّرُ بالوَاحِدِ المَنْصُوبِ. وإن قال: كذا وكذا دِرْهَمًا. لَزِمَهُ أحَدٌ وعِشْرُونَ درهمًا (٣٨)؛ لأنَّه أقلُّ عَدَدٍ] (٣٩) عُطِفَ (٤٠) بعضُه على بعضٍ يُفَسَّرُ بذلك، وإن قال: كذا دِرْهَمٍ. بالجَرِّ، لَزِمَهُ مائةُ دِرْهَمٍ (٤١)؛ لأنَّه أقَلُّ عَدَدٍ يُضَافُ إلى الواحِدِ. وحُكِىَ عن أبي يوسفَ، أنَّه إذا قال: كذا كذا، أو كذا وكذا. يَلْزَمُه بهما أحَدَ عَشَرَ دِرْهَمًا. ولَنا، أنَّه يَحْتَمِلُ ما قُلْنَا، ويَحْتَمِلُ ما قَالُوه، فوَجَبَ المَصِيرُ إلى ما قُلْنَا؛ لأنَّه اليَقِينَ، وما زَادَ مَشْكُوكٌ فيه، فلا يَجِبُ بالشَّكِّ، كما لو قال: عَلَىَّ دَرَاهِمُ. لم يَلْزَمْهُ إلَّا أقَلُّ الجَمْعِ، ولا يَلْزَمُ كَثْرَةُ الاسْتِعْمَالِ، فإنَّ اللَّفْظَ إذا كان حَقِيقَةً في الأَمْرَيْنِ، جازَ التَّفْسِيرُ بكُلِّ واحدٍ منهما. وعلى ما ذَكَرَهُ محمدٌ يكونُ

стр. 3537

اللَّفْظُ المُفْرَدُ مُوجِبًا لأَكْثَرَ من المُكَرَّرِ، فإنَّه يَجِبُ بالمُفْرَدِ عِشْرُونَ، وبالمُكرَّرِ (٤٢) أحَدَ عَشَرَ، ولا نَعْرِفُ لَفْظًا مُفْرَدًا مُتَنَاوِلًا لِعَدَدٍ صَحِيحٍ يَلْزَمُ به أكْثَرُ ممَّا يَلْزَمُ بمُكَرَّرِهِ. فصل: ولو قال: غَصَبْتُكَ، أو غَبَنْتُكَ. لم يَلْزَمْهُ شيءٌ؛ لأنَّه قد يَغْصِبُه نَفْسَه، ويَغْبِنُهُ في غير المالِ. وإن قال: غَصَبْتُكَ شيئا. وفَسَّرَهُ بِغَصْبِ نَفْسِه، لم يُقْبَلْ؛ لأنَّه جَعَلَ له مَفْعُولَيْنِ، فجَعَلَه المَفْعُولَ الأَوَّل وشيئا المَفْعُولَ الثانىَ، ويَجِبُ أن يكونَ الثاني غيرَ الأَوَّلِ. وإن فَسَّرَهُ بمالٍ، قُبِلَ وإن قَلَّ، وإن فَسَّرَهُ بِكَلْبٍ، أو جِلْدِ مَيْتَةٍ، أو سِرْجِينٍ (٤٣) يُنْتَفَعُ به، قُبِلَ؛ لأنَّه قد يَقْهَرُهُ فَيأْخُذُه منه. وإن فَسَّرَهُ بما لا نَفْعَ فِيه، أو بما لا يُبَاحُ الانْتِفَاعُ به، لم يُقْبَلْ؛ لأنَّ أخْذَ ذلك ليس بِغَصْبٍ. فصل: وتُقْبَلُ الشَّهَادَةُ على الإِقْرَارِ بالمَجْهُولِ؛ لأنَّ الإِقْرَارَ به صَحِيحٌ، وما كان صَحِيحًا في نَفْسِه، صَحَّتِ الشّهَادَةُ به، كالمَعْلُومِ. ٨٥٥ - مسألة؛ قال: (وَلَوْ قَالَ: لَهُ عِنْدِى رَهْنٌ. فَقَالَ الْمالِكُ: وَدِيعَةٌ: كَانَ الْقَوْلُ قَوْلَ الْمَالِكِ) . إنَّما قَدَّمَ قَوْلَ المالِكِ؛ لأنَّ العَيْنَ ثَبَتَتْ له بالإِقْرَارِ، وادَّعَى المُقِرُّ دَيْنًا لا يَعْتَرِفُ له به، والقولُ قولُ المُنْكِرِ. ولأنَّه أقَرَّ بمالٍ لغيرِه، وادَّعَى أنَّ له به (١) تَعَلُّقًا (٢)، فلم يُقْبَلْ، كما لو ادَّعَاهُ بِكَلَامٍ مُنْفَصِلٍ. وكذلك لو أقَرَّ له بِدَارٍ، وقال: اسْتَأْجَرْتُها. أو بثَوْبٍ وادَّعَى أنَّه قَصَّرَهُ، أو خَاطَهُ بأَجْرٍ يَلْزَمُ المُقِرَّ له، لم يُقبَلْ؛ لأنَّه مُدَّعٍ على غيرِه حَقًّا، فلا يُقْبَلُ قَوْلُه إلَّا بِبَيِّنَةٍ. وكذلك لو قال: هذه الدَّارُ له، ولِى سُكْنَاهَا سَنَةً. فصل: وإن قال: لَكَ عَلَىَّ أَلْفٌ من ثَمَنِ مَبِيعٍ لم أَقْبِضْهُ. فقال المُدَّعَى عليه: بَلْ لي عَلَيْكَ أَلْفٌ، ولا شىءَ لك عِنْدِى. فقال أبو الخَطَّابِ: فيه وَجْهانِ؛ أحَدُهما،

стр. 3538

القولُ قولُ المُقَرِّ له؛ لأنَّه اعْتَرَفَ له بالأَلْفِ، وادَّعَى عليه مَبِيعًا، فأَشْبَه ما إذا قال: هذا رَهْنٌ. فقال المالِكُ: وَدِيعَةٌ. أو له عَلَىَّ أَلْفٌ ولِى عنده مَبِيعٌ لم أَقْبِضْهُ. والثانى، القولُ قولُ المُقِرِّ. قال القاضي: هو قِياسُ المَذْهَبِ. وهو قولُ الشّافِعِىِّ، وأبى يوسفَ؛ لأنَّه أقَرَّ بحَقٍّ في مُقَابَلَةِ حَقٍّ له، ولا يَنْفَكُّ أحَدُهما عن الآخَرِ، فإذا لم يُسَلِّمْ له مالَه، لم يُسَلِّمْ لِلْمُقَرِّ له ما عليه، كما لو قال لِرَجُلٍ: بِعْتُكَ هذا العَبْدَ بأَلْفٍ. قال: بَلْ مَلَّكْتَنِيه بغير شيءٍ. وفارَقَ ما لو قال له: عِنْدِى رَهْنٌ. فقال المالِكُ: بل وَدِيعَةٌ؛ لأنَّ الدَّيْنَ يَنْفَكُّ عن الرَّهْنِ. ولو قال السَّيِّدُ لِعَبْدِه: بِعْتُكَ نَفْسَكَ بأَلْفٍ. فأَنْكَرَ العَبْدُ. عُتِقَ، ولا شىءَ لِلْمُقِرِّ؛ لأنَّ العَتْقَ يَنْفَكُّ عن الثَّمَنِ. ولا فَرْقَ بين أن يقولَ: لم أَقْبِضْهُ. مُنْ فَصِلً ا أو مُتَّصِلًا. فلو قال: له عَلَىَّ أَلْفٌ من ثَمَنِ مَبِيعٍ. ثم سَكَتَ، ثم قال: لم أَقْبِضْهُ. فَيُقْبَلُ قَوْله، كما لو كان مُتَّصِلًا؛ لأنَّ إِقْرَارَهُ تَعَلَّقَ بالمَبِيعِ، والأَصْلُ عَدَمُ القَبْضِ، فقبِلَ قَوْلُه فيه. فأمَّا إن قال: عَلَىَّ أَلْفٌ. ثم سَكَتَ، ثم قال: مِن ثَمَنِ مَبِيعٍ. لم يُقْبَلْ؛ لأنَّه فَسَّرَ إِقْرَارَه بما يُسْقِطُ وُجُوبَ تَسْلِيمِه بكَلَامٍ مُنْفَصِلٍ، فلم يُقْبَلْ، كما لم (٣) يُقْبَلْ لو قال: له عَلَىَّ أَلْفٌ. ثم سَكَتَ، ثم قال: مُؤَجَّلٌ. فصل: وإذا قال: بِعْتُكَ جَارِيَتِى هذه. قال: بَلْ زَوَّجْتَنِيها. فلا يَخْلُو؛ إمَّا أن يكونَ اخْتِلَافُهما قبلَ نَقْدِ الثمَنِ أو بعدَه، وقبلَ الاسْتِيلَادِ أو بعدَه، فإن كان بعدَ اعْتِرَافِ البائِعِ بِقَبْضِ الثمَنِ، فهو مُقِرٌّ بها لِمُدَّعِى الزَّوْجِيَّةِ؛ لأنَّه يَدَّعِى عليه شيئا، والزَّوْجُ يُنْكِرُ أنَّها مِلْكُه، ويَدَّعِى حِلَّها له (٤) بالزَّوْجِيَّةِ، فيَثْبُتُ الحِلُّ؛ لِاتِّفَاقِهِما عليه، ولا تُرَدُّ إلى البائِعِ لِاتِّفَاقِهِما على أنَّه لا يَسْتَحِقُّ أخْذَها. وإن كان قبلَ قَبْضِ الثَّمَنِ وبعدَ الاسْتِيلَادِ، فالبائِعُ يُقِرُّ أنَّها صارَتْ أُمَّ وَلَدٍ، وَوَلَدُها حُرٌّ، وأنَّه لا مَهْرَ له، ويَدَّعِى الثّمَنَ، والمُشْتَرِى يُنْكِرُ ذلك كلَّه، فيُحْكَمُ بحُرِّيَّةِ الوَلَدِ؛ لإِقْرَارِ من يُنْسَبُ إليه مِلْكُه بِحُرِّيَّتِه، ولا وَلَاءَ عليه؛ لِاعْتِرَافِه بأنَّه حُرُّ الأَصْلِ، ولا تُرَدُّ الأَمَةُ إلى البائِعِ؛ لإِقْرَارِه

стр. 3539

بأنَّها أُمُّ وَلَدٍ، ولا يجوزُ نَقْلُ المِلْكِ فيها، ويَحْلِفُ المُشْتَرِى أنَّه ما اشْتَرَاها، ويَسْقُطُ عنه ثَمَنُها إلَّا قَدْرَ المَهْرِ؛ فإنَّه يَجِبُ لِاتِّفَاقِهِما على وُجُوبِه، وإن اخْتَلَفَا في سَبَبِه. وهذا قولُ بعضِ أصْحابِ الشّافِعِىِّ. وقال بعضُهم: يَتَحَالَفَانِ، ولا يَجِبُ مَهْرٌ ولا ثَمَنٌ. وهو قولُ القاضي، إلَّا أنَّه لا يَجْعَلُ على البائِعِ يَمِينًا؛ لأنَّه لا يَرَى اليَمِينَ في إنْكَارِ النِّكَاحِ، ونَفَقَةُ الوَلَدِ على أبِيهِ؛ لأنَّه حُرٌّ، ونَفَقَةُ الأَمَةِ على زَوْجِها؛ لأنَّه إمَّا زَوْجٌ وإما سَيِّدٌ، وكِلاهما سَبَبٌ لِوُجُوبِ النَّفَقَةِ. وقال القاضي: نَفَقَتُها في كَسْبِها، فإن كان فيه فَضْلٌ فهى مَوْقُوفَةٌ؛ لأنَّنا أَزَلْنا عنها مِلْكَ السَّيِّدِ، وأَثْبَتْنَا لها حُكْمَ الاسْتِيلَادِ. فإن ماتَتْ وتَرَكَتْ مالًا، فلِلْبَائِعِ قَدْرُ ثَمَنِها؛ لأنَّه إمَّا أن يكونَ صَادِقًا فهو يَسْتَحِقُّ على المُشْتَرِى ثَمَنَها، وتَرِكَتُها لِلْمُشْتَرِى، والمُشْتَرِى مُقِرٌّ لِلْبَائِعِ بها، فيَأْخُذُ منها قَدْرَ ما يَدَّعِيه. وإن كان كاذِبًا، فهى مِلْكُه، وتَرِكَتُها كلُّها له، فيَأْخُذُ منها قَدْرَ ما يَدَّعِيهِ، وبَقِيّتُه مَوْقُوفَةٌ (٥). وإن ماتَتْ بعد الوَطْءِ، فقد ماتَتْ حُرَّةً، فمِيرَاثُها لِوَلَدِها ووَرَثَتِها، فإن لم يكُنْ لها وارِثٌ، فمِيرَاثُها مَوْقُوفٌ؛ لأنَّ أحَدًا لا يَدَّعِيه، وليس لِلسَّيِّدِ أن يَأْخُذَ منه قَدْرَ الثَّمَنِ؛ لأنَّه يَدَّعِى الثَّمَنَ على الوَاطِىِء، وليس مِيرَاثُها له؛ لأنَّه قد ماتَ قبلَها. وإن كان اخْتِلافُهما قبلَ الاسْتِيلَادِ، فعِنْدِى أنَّها تُقَرُّ في يَدِ الزَّوْجِ؛ لِاتِّفاقِهِما على حِلِّهَا له، واسْتِحْقَاقِه إمْسَاكَها، وإنَّما اخْتَلَفَا في السَّبَبِ. ولا تُرَدُّ إلى السَّيِّدِ؛ لِاتِّفَاقِهما على تَحْرِيمِها عليه. ولِلْبائِعِ أقَلُّ الأَمْرَيْنِ من الثَّمَنِ أو المَهْرِ؛ لِاتِّفَاقِهِما على اسْتِحْقَاقِه لذلك. والأَمْرُ في الباطِنِ على ذلك؛ فإنَّ السَّيِّدَ إن كان صَادِقًا، فالأَمَةُ حَلَالٌ لِزَوْجِهَا بالبَيْعِ. وإن كان كَاذِبًا، فهى حَلالٌ له بالزَّوْجِيَّةِ. والقَدْرُ الذي اتَّفَقَا عليه، إن كان (٦) السَّيِّدُ صَادِقًا، فهو يَسْتَحِقُّه ثَمَنًا، وإن كان كَاذِبًا، فهو يَسْتَحِقُّه مَهْرًا. وقال القاضي: يَحْلِفُ الزَّوْجُ أنَّه ما اشْتَرَاهَا؛ لأنَّه مُنْكِرٌ، ويَسْقُطُ عنه الثَّمَنُ، ولا يَحْتاجُ السَّيِّدُ إلى اليَمِينِ على نَفْىِ الزَّوْجِيَّةِ؛ لأنَّه لا يُسْتَحْلَفُ فيه. وعند الشّافِعِىِّ: يَتَحَالَفَانِ

стр. 3540

معًا، ويَسْقُطُ الثمَنُ (٧) عن الزَّوْجِ؛ لأنَّ عَقْدَ البَيْعِ ما ثَبَتَ، ولا يَجِبُ المَهْرُ؛ لأنَّ السَّيِّدَ لا يَدَّعِيه، وتُرَدُّ الجارِيَةُ إلى سَيِّدِها، وفى كَيْفِيَّةِ رُجُوعِهَا وَجْهَانِ؛ أحدُهما، تَرْجِعُ إليه، فيَمْلِكُها ظَاهِرًا وبَاطِنًا، كما يَرْجِعُ البائِعُ في السِّلْعَةِ عندَ فَلَسِ المُشْتَرِى بالثمَنِ؛ لأنَّ الثَّمَنَ ههُنا قد تَعَذَّرَ، فيَحْتَاجُ السَّيِّدُ أن يقولَ: فَسَخْتُ البَيْعَ. وتَعُودُ إليه مِلْكًا. والثانى، تَرْجِعُ إليه في الظَّاهِرِ دُونَ البَاطِنِ؛ لأنَّ المُشْتَرِىَ امْتَنَعَ من أدَاءِ الثَّمَنِ مع إمْكَانِه. فعلَى هذا يَبِيعُها الحاكِمُ ويُوَفِّيه ثَمَنَها، فإن كان وَفْقَ حَقِّهِ، فحَسَنٌ. وإن كان دُونَه، أخَذَهُ، وإن زَادَ، فالزِّيَادَةُ لا يَدَّعِيها أحَدٌ؛ لأنَّ المُشْتَرِىَ يُقِرُّ بها للبائِعِ، والبائِعُ لا يَدَّعِى أكْثَرَ من الثمَنِ الأَوَّلِ، فهل تُقَرُّ في يَدِ المُشْتَرِى، أو تَرْجِعُ إلى بَيْتِ المالِ؟ يَحْتَمِلُ وَجْهَيْنِ. فإن رَجَعَ البائِعُ، وقال: صَدَقَ خَصْمِى، ما بِعْتُه إيَّاهَا، بل زَوَّجْتُه. لم يُقْبَلْ في إسْقَاطِ حُرِّيّةِ الوَلَدِ، ولا في اسْتِرْجَاعِها إن صَارَتْ أُمَّ وَلَدٍ، وقُبِلَ في إسْقَاطِ الثَّمَنِ، واسْتِحْقَاقِ المَهْرِ، وأَخْذِ زِيَادَةِ الثَّمَنِ، واسْتِحْقَاق مِيرَاثِها ومِيرَاثِ وَلَدِها. وإن رَجَعَ الزَّوْجُ، ثَبَتَتِ الحُرِّيةُ، ووَجَبَ عليه الثَّمَنُ. فصل: ولو أقَرَّ رَجُلٌ بِحُرِّيَةِ عَبْدٍ ثم اشْتَراهُ، أو شَهِدَ رَجُلَانِ بِحُرِّيَةِ عَبْدٍ لغَيْرِهما فرُدَّتْ شَهَادَتُهُما، ثم اشْتَراهُ أحَدُهما من سَيِّدِه، عُتِقَ في الحالِ؛ لِاعْتِرَافِه بأنَّ الذي اشْتَراهُ حُرٌّ، ويكون البَيْعُ صَحِيحًا بالنِّسْبَةِ إلى البائِعِ؛ لأنَّه مَحْكُومٌ له (٨) بِرِقِّه، وفي حَقِّ المُشْتَرِى اسْتِنْقَاذًا واسْتِخْلَاصًا، فإذا صَارَ في يَدِه (٩)، حُكِمَ بِحُرِّيَتِه؛ لإِقْرَارِه السَّابِقِ، ويَصِيرُ كما لو شَهِدَ رَجُلانِ على رَجُلٍ أنَّه طَلَّقَ امْرَأَتَه ثَلَاثًا، فرَدَّ الحاكِمُ شَهادَتَهما، فدَفَعَا إلى الزَّوْجِ عِوَضًا ليَخْلَعَها، صَحَّ، وكان في حَقِّه خُلْعًا صَحِيحًا، وفي حَقِّهِما اسْتِخْلَاصًا، ويكون وَلَاؤُه مَوْقُوفًا؛ لأنَّ أحَدًا لا يَدَّعِيه، فإنَّ البائِعَ يقول: ما أعْتَقْتُه. والمُشْتَرِى يقول: ما أعْتَقْتُه. والمُشْتَرِى يقول: ما أعْتَقَهُ إلَّا البائِعُ وأنا اسْتَخْلَصْتُه. فإن ماتَ وخَلَّفَ مالًا، فرَجَعَ أحَدُهُما عن قَوْلِه، فالمالُ له؛ لأنَّ أحَدًا لا
следующие страницы →