كان قبلَ التَّيَمُّمِ، إن كان جُنُبًا، أوْ مُحْدِثًا، أو امْرَأةً حائِضًا، ولو رَفَعَ الحَدَثَ لَاسْتَوَى الجَمِيعُ؛ لاسْتِوَائِهِم في الوِجْدَانِ، ولأنَّها طهارةُ ضَرُورَةٍ، فلم تَرْفَع الحَدَثَ كطهارةِ المُسْتَحَاضَةِ، وبهذا فارَقَ الماءَ.
إذا ثَبَتَ هذا، فإنَّه إنْ نَوَى بِتَيَمُّمِهِ فَرِيضَةً، فله أنْ يُصَلِّىَ ما شاء مِنَ الفَرْضِ والنَّفْلِ، سواءٌ نَوَى فَرِيضَةً مُعَيَّنَةً أو مُطْلَقَةً. فإنْ نَوَى نَفْلًا أو صلاة مُطْلَقَةً، لم يَجُزْ أنْ يُصَلِّىَ به إلَّا نَافِلَةً. وبهذا قال الشَّافِعِىُّ، وقال أبو حَنِيفة: له أنْ يُصَلِّىَ ما شاءَ؛ لأنَّها طَهَارَةٌ يَصِحُّ بها النَّفْلُ، فصَحَّ بها الفَرْضُ، كطهارةِ الماءِ. ولَنا، قَوْلُ النَّبِيِّ ﷺ : "إنَّمَا الأَعْمَالُ بالنِّيَّاتِ، وإنَّما [لِكُلِّ امْرِىءٍ] (٣) مَا نَوَى". وهذا [ما نَوَى] (٤) الفَرْضَ، فلا يكونُ له، وفارق طهارةَ الماءِ؛ لأنَّها تَرْفَعُ الحَدَثَ المانِعَ مِنْ فِعْلِ الصلاةِ، فيُبَاحُ له جميعُ ما يَمْنَعُه الحَدَثُ. ولا يَلْزَمُ اسْتِبَاحَةُ النَّفْلِ بِنِيَّةِ الفَرْضِ؛ لأنَّ الفَرْضَ أعْلَى ما في البابِ، فَنِيَّتُه تَضَمَّنَتْ نِيَّةَ ما دُونَه، وإذا اسْتَبَاحَهُ اسْتَبَاحَ ما دُونَه تَبَعًا.
فصل: إذا نَوَى الفَرْضَ اسْتَبَاحَ كُلَّ ما يُبَاحُ بالتَّيَمُّمِ مِنَ النَّفْلِ، قَبْلَ الفَرْضِ وبعدَه، وقِرَاءَةِ، القُرْآنِ، ومَسِّ المُصْحَفِ، واللُّبْثِ في المَسْجِدِ. وبهذا قال الشَّافِعِيُّ، وأصْحابُ الرَّأْى. وقال مالِكٌ: لا يتَطَوَّعُ قبلَ الفَرِيضَةِ بِصلاةٍ غيرِ رَاتِبَةٍ. وحُكِىَ نَحْوُه عن أحمد؛ لأنَّ النَّفْلَ تَبَعٌ لِلْفَرْضِ، فلا يَتَقَدَّمُ المَتْبُوعَ. ولَنا، أنَّه تَطَوُّعٌ، فَأُبِيحَ له فِعْلُه إذا نَوَى الفَرْضَ، كالسُّنَنِ الرَّاتِبَةِ وكما بَعْدَ الفَرْضِ. وقوله: إنَّه تَبَعٌ. قُلْنا: إنَّما هو تَبَعٌ في الاسْتِباحةِ، لا في الفعلِ، كالسُّنَنِ الرَّاتِبَةِ، وقِراءةِ القُرْآنِ، وغيرِهما. وإنْ نَوَى نافِلَةً أُبِيحَتْ له، وأُبِيحَ له قِراءةُ القُرْآنِ، ومَسُّ المُصْحَفِ، والطَّوَافُ؛ لأنَّ النَّافِلَةَ آكَدُ مِن ذلك كُلِّه؛ لأنَّ الطَّهَارَتَيْنِ مُشْتَرطتان لها بالإِجْماعِ، وفى اشْتِراطِهما لِمَا سِواها خِلافٌ، فيَدْخُلُ الأدْنَى في الأعْلَى، كدُخُولِ النَّافِلةِ في الفَرِيضَةِ، ولأنَّ النَّفْلَ يشْتَمِلُ على قِراءةِ القُرآنِ، فَنِيَّةُ النَّفْلِ
стр. 387
تَشْمَلُه. وإنْ نَوَى شيْئًا مِنْ ذلك لم يُبَحْ له التَّنَفُّلُ بالصَّلَاةِ؛ لأنَّه أدْنَى، فلا يَسْتَبِيحُ الأَعْلَى بِنِيَّتِهِ، كالفَرْضِ مع النَّفْلِ. وإنْ تَيَمَّمَ للطَّوَافِ أُبِيحَ له قِراءةُ القُرْآنِ، واللُّبْثُ في المَسْجِدِ؛ لأنَّه أعْلَى منهما، فإنَّه صَلَاةٌ، ويُشْتَرَطُ له الطَّهارتانِ، وله نَفْلٌ وفَرْضٌ، ويَدْخُلُ في ضِمْنِه اللُّبْثُ في المَسْجِدِ؛ لأنَّه لا يكونُ إلَّا في المَسْجِدِ. وإنْ نَوَى أحَدَهُما لم يستَبِح الطَّوافَ؛ لأنَّه أعْلَى مِنْهُما. وإنْ نَوَى فَرْضَ الطَّوَافِ، اسْتَبَاحَ نَفْلَه. وإن نَوَى نَفْلَه، لم يَسْتَبِحْ فَرْضَهُ كالصلاةِ. وإنْ نَوَى بِتَيَمُّمِه قِرَاءةَ القُرآنِ لِكَوْنِه جُنُبًا، أو اللبْثَ (٥) في المَسْجِدِ، أو مَسَّ المُصْحَفِ، لم يَسْتَبِحْ غيرَ ما نَوَاهُ؛ لِقَوْلهِ ﷺ : "وإنَّمَا لكُلِّ امْرِىءٍ مَا نَوَى". ولِأنَّه لم يَنْوِ ذلك، ولا ما هو أَعْلَى منه، فلم يَسْتَبِحْه، كما لا يَسْتَبِيحُ الفَرْضَ إذا لم يَنْوِهِ.
فصل: وإنْ تَيَمَّمَ الصَّبِىُّ لإِحْدَى الصَّلَواتِ الخَمْسِ، ثُم بَلَغ، لم يَسْتَبِحْ بِتَيَمُّمِهِ فَرْضًا؛ لأنَّ ما نَوَاهُ كان نَفْلًا، ويُبَاحُ أن يَتَنَفَّلَ به، كما لو نَوَى به البالِغُ النَّفْلَ. فأمَّا إنْ تَوَضَّأَ قبلَ البُلُوغِ، ثم بَلَغَ، فله أنْ يُصَلِّىَ به (٦) فَرْضًا ونَفْلًا؛ لأنَّ الوُضُوءَ للنَّفْلِ يُبِيحُ فِعْلَ الفَرْضِ.
٧٠ - مسألة؛ قال: (فَيَمْسَحُ بِهِمَا وَجْهَهُ وكَفَّيْهِ)
لا خِلافَ في وُجُوبِ مَسْحِ الوَجْهِ والْكَفَّيْنِ؛ لِقَوْلِ اللهِ تعالى: ﴿فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ مِنْهُ﴾. ويَجِبُ مَسْحُ جَمِيعِهَا (١)، واسْتِيعَابُ ما يَأْتِى عليه الماءُ منها (١)، لا يَسْقُطُ مِنها إلَّا المَضْمَضةُ والاسْتِنْشَاقُ، وما تحتَ الشُّعُورِ الخَفِيفَةِ، وبهذا قال الشَّافِعِيُّ. وقال سليمان بنُ داود (٢): يُجْزِئُه إنْ لم يصِبْ إلَّا بعضَ وَجْهِه
стр. 388
وبعضَ كَفَّيْه. ولنَا، قَوْلُه تعالى: ﴿فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ مِنْهُ﴾، [والباءُ زائِدةٌ، فصارَ كأنَّه قال: فَامْسَحُوا وُجُوهَكمْ وَأَيْدِيَكُمْ مِنْه] (٣). فيَجِبُ تَعْمِيمُهُما، كما يجبُ تعميمُهما بالغَسْلِ؛ لِقَوْلهِ: ﴿فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ﴾. فَيَضْرِبُ ضَرْبَةً واحِدَةً، فيمْسَحُ وَجْهَه بِباطنِ أصَابِعِ يَدَيْهِ، وظَاهِرَ كَفَّيْهِ إلى الكُوعَيْن بباطنِ رَاحَتَيْه، ويُسْتَحَبُّ أنْ يمسحَ إحْدَى الرَّاحَتَيْنِ بالأُخْرَى، ويُخَلِّلَ بينَ الأصَابِعِ، وليس بِفَرْضٍ؛ لأنَّ فَرْضَ الرَّاحَتَيْنِ قد سَقَطَ بإمْرَارِ كُلِّ وَاحِدَةٍ على ظَهْرِ الكَفِّ. قال ابنُ عَقِيل: رأيتُ التَّيَمُّمَ بضَرْبَةٍ واحدةٍ قد أسْقَطَ تَرْتِيبًا مُسْتَحَقًّا في الوُضُوءِ، وهو أنَّه يَعْتَدُّ بمَسْحِ بَاطِنِ يَدَيْهِ قبلَ مَسْحِ وَجْهِهِ، وكيْفما مَسَحَ بعدَ اسْتِيعابِ مَحَلِّ الفَرْضِ أجْزَأَهُ، سَواءٌ كان بِضَرْبَةٍ، أو ضَرْبَتَيْنِ أو ثلاثٍ، أو أكْثَرَ.
فصل: وإن تَيَمَّمَ بِضَرْبتيْن لِلْوَجْهِ والْيَدَيْنِ إلى المِرْفَقَيْنِ، فإنَّه يَمْسَحُ بالأُولَى وجهَه، ويمسحُ بالثانيةِ يَدَيْهِ، فيَضَعُ بُطُونَ أصَابِعِ يَدهِ اليُسْرَى على ظُهُورِ أصَابِعِ يَدِهِ اليُمْنَى، ويُمِرُّها على ظَهْرِ الكَفِّ، فإذا بلغَ الكُوعَ قَبَضَ أطْرَافَ أصَابِعِهِ على حَرْفِ الذِّرَاعِ، ويُمِرُّها إلى مِرْفَقِهِ، ثم يُدِيرُ بَطْنَ كَفِّه إلى بَطْنِ الذِّرَاعِ، ويُمِرُّها عليه، ويَرْفَعُ إبْهامَهُ، فإذا بلغَ الكُوعَ أمَرَّ الإِبْهامَ على ظَهْرِ إبْهامِ يَدِهِ اليُمْنَى، ويمسحُ بيَدِهِ اليُمْنَى يَدَهُ اليُسْرَى كذلك، ويمسحُ إحْدَى الرَّاحَتَيْنِ بالأُخْرَى، ويُخَلِّلُ بَيْنَ أصَابِعِهما، ولو مسحَ إلى المِرْفَقَيْنِ بِضَرْبَةٍ واحِدَةٍ، أو ثَلَاثٍ، أو أكْثَرَ، جازَ؛ لأنَّه مسحَ مَحَلَّ التَّيمُّمِ بالغُبَارِ، فجازَ، كما لو مسحَه بِضَرْبَتَيْنِ.
فصل: فإنْ بَقِىَ مِنْ مَحَلِّ الفَرْضِ شيءٌ لم يَصِلْهُ الترابُ، أمَرَّ يَدَهُ عليه (٤)، ما لم يَفْصِلْ راحَتَهُ، [فإنْ فَصَلَ رَاحَتَه] (٥)، وكان قد بَقِىَ عليها غُبَارٌ، جازَ أنْ يمسحَ بها. وإنْ لم يَبْقَ عليها غُبَارٌ، احْتاجَ إلى ضَرْبَةٍ أُخْرَى. وإنْ كان المَتْرُوكُ مِن الوَجْهِ مَسَحَهُ، وأعادَ مَسْحَ يَدَيَهِ، لِيَحْصُلَ التَّرْتِيبُ. وإنْ تَطاوَلَ الفَصْلُ بينهما، وقُلْنَا
стр. 389
بِوُجُوبِ المُوَالَاةِ، اسْتَأْنَفَ التَّيَمُّمَ، لِتَحْصُلَ المُوَالَاةُ. ويُرْجَعُ في طُولِ ال فَصْلِ وقِصَرِهِ إلى القَدْرِ الذي ذكرْنَاهُ في الطهارة؛ لأنَّ التَّيَمُّمَ فَرْعٌ عليها. والحُكْمُ في التَّسْمِيَةِ كالحُكْمِ في التَّسْمِيَةِ في الوُضُوءِ، على ما مَضَى مِن الخِلافِ فيه؛ لأَنَّهُ بَدَلٌ منه.
فصل: ويَجِبُ مَسْحُ اليَدَيْنِ إلى المَوْضِعِ الذي يُقْطَعُ منه السَّارِقُ، أومَأَ أحمدُ إلى هذا لَمَّا سُئِلَ عَن التَّيَمُّمِ، فأَوْمَأَ إلى كَفِّه ولم يُجَاوِزْهُ، وقال: قال اللهُ تعالى: ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا﴾ (٦). مِنْ أيْنَ تُقْطَعُ يَدُ السَّارِقِ؟ أليس مِنْ ههُنا؟ وأشار إلى الرُّسْغِ. وقد رَوَيْنا عن ابنِ عَبَّاس نَحْوَ هذا، فعلى هذا، إنْ كان أقْطعَ مِنْ فوقِ الرُّسْغِ سَقَطَ مَسْحُ اليَدَيْنِ، وإنْ كان مِنْ دُونِه مَسَحَ ما بَقِىَ، وإنْ كان مِنَ المَفْصِلِ، فقال ابنُ عَقِيل: يَمْسَحُ مَوْضِعَ القَطْعِ. قال: ونَصَّ عليه أحمدُ؛ لأنَّ الرُّسْغَيْنِ في التَّيَمُّمِ كالمِرْفَقَيْنِ في الوُضُوءِ، فكما أَنَّه إذا قُطِعَ مِنَ المِرْفَقَيْنِ في الوُضُوءِ، غَسَلَ ما بَقِىَ، كذا ههُنا يَمْسَحُ العَظْمَ الباقِىَ. وقال القاضي: يَسْقُطُ الفَرْضُ؛ لأنَّ مَحَلَّه الكَفُّ الذِى يُؤْخَذُ في السَّرِقَةِ، وقد ذَهَبَ، لكنْ يُسْتَحَبُّ إمْرَارُ التُّرَابِ عليه. ومَسْحُ العَظْمِ الباقِى مع بَقَاءِ الكَفِّ إنَّما كان ضَرُورَةَ اسْتِيعَابِ الوَاجِبِ؛ لأنَّ الوَاجِبَ لا يَتِمُّ إِلَّا به، فإذا زَالَ الأصْلُ المَأْمُورُ به، سَقَطَ ما وَجَبَ لِضَرُورَتِه، كمنْ سَقَطَ عنه غَسْلُ الوَجْهِ، لا يَجِبُ عليه غَسْلُ جُزْءٍ مِن الرَّأْسِ، ومَنْ سَقَطَ عنه الصِّيَامُ، لا يَجِبُ عليه إمْسَاكُ جُزْءٍ مِن اللَّيْلِ. وإن أَوْصَلَ التُّرَابَ إلى مَحَلِّ الفَرْضِ بخِرقَةٍ أو خَشَبَةٍ، فقال القاضي: يُجْزِئُه؛ لأنَّ اللَّه تعالى أَمَرَ بالمَسْحِ، ولم يُعَيِّنْ آلَتَه، فلا يَتَعَيَّنُ. وقال ابنُ عَقِيلٍ: فيه وَجْهَان، بِناءً على مَسْحِ الرَّأْسِ بِخِرْقَةٍ رَطْبَةٍ. وإنْ مَسَحَ مَحَلَّ الفَرْضِ بِيَدٍ وَاحِدَةٍ، أو بِبَعْضِ يَدِهِ، أجْزَأهُ، إذْ كانَتْ يَدُهُ أَقْرَبَ إليه مِنْ غيرها. وإنْ يَمَّمَهُ غَيْرُه جَازَ، كما لو وَضَّأَهُ غيرُه، تُعْتَبَرُ النِّيَّةُ في المُتَيَمِّمِ دُونَ المُيَمِّمِ؛ لأنَّه الذي يَتَعَلَّقُ الإِجْزَاءُ والمَنْعُ به.
стр. 390
٧١ - مسألة؛ قال: (وإنْ كانَ مَا ضَرَبَ بِيَدَيْهِ غَيْرَ طَاهِرٍ لَمْ يُجْزِهِ)
لا نعلمُ في هذا خِلَافًا. وبه قال الشَّافِعِىُّ، وأبو ثَوْرٍ، وأَصْحابُ الرَّأْى، إلَّا أنَّ الأَوْزَاعِىَّ، قال: إنْ تَيَمَّمَ بِتُرَابِ المَقْبَرَةِ وصَلَّى، مَضَتْ صَلَاتُهُ. ولَنا، قَوْلُ اللهِ تعالى: ﴿فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا﴾. والنَّجِسُ ليس بِطَيِّبٍ، ولأنَّ التَّيَمُّمَ طَهَارَةٌ، فلم يَجُزْ بِغيرِ طَاهِرٍ، كالوُضُوءِ، فأمَّا المَقْبَرَةُ فإنْ كَانتْ لم تُنْبَشْ، فتُرَابُها طَاهِرٌ، وإنْ كان نَبْشُها والدَّفْنُ فيها تَكَرَّرَ، لا يجوزُ التَّيَمُّمُ بِتُرَابِها؛ لاخْتِلَاطِه بصَدِيِد المَوْتَى ولُحُومِهِم. وإنْ شَكَّ في تَكَرُّرِ الدَّفْنِ فيها، أو في نَجَاسَةِ التُّرَابِ الذي تَيَمَّمَ به، جازَ التَّيَمُّمُ به؛ لأنَّ الأصْلَ الطَّهَارَةُ، فلا يَزُولُ بالشَّكِّ، كما لو شَكَّ في طَهَارَةِ الماءِ.
فصل: ويجوزُ أنْ يَتَيَمَّمَ جَمَاعَةٌ مِنْ مَوْضِعٍ وَاحِدٍ بِغيرِ خِلافٍ، كما يجوزُ أنْ يَتَوَضَّأَ جماعةٌ مِنْ حَوْضٍ واحِدٍ. فأمَّا ما تَنَاثَرَ مِن الوَجْهِ واليَدَيْنِ بعدَ مَسْحِهِما به، ففيه وَجْهان: أحدُهما، يجوزُ التَّيَمُّمُ به؛ لأنَّه لم يَرْفَعِ الحَدَثَ. وهذا قَوْلُ أبى حنيفة. والثانى، لا يجوزُ؛ لأنَّه مُسْتَعْمَلٌ في طهارةٍ أبَاحَتِ (١) الصلاةَ، أشْبَهَ الماءَ المُسْتَعْمَلَ في الطهارةِ. ولِلشَّافِعِىِّ وَجْهَان، كهذين.
٧٢ - مسألة؛ قال: (وإذَا كانَ بِهِ قَرْحٌ أو مَرَضٌ مَخُوفٌ، وأَجْنَبَ، فَخشِىَ عَلَى نَفْسِه إنْ أَصَابَهُ الماءُ، غَسَلَ الصَّحِيحَ مِنْ جَسَدِهِ، وتَيَمَّمَ لِمَا لَمْ يُصِبْهُ الماءُ)
هذه المَسألةُ دالَّةٌ على أحكامٍ: منها، إباحَةُ التَّيَمُّمِ لِلْجُنُبِ، وهو قَوْلُ جُمْهُورِ العُلماءِ، منهم: علىّ، وابنُ عَبَّاس، وعمرو بن العاص، وأبو موسى، وعَمَّار، وبه قال الثَّوْرِىُّ، ومالِك، والشَّافِعِىُّ، وأبو ثَوْرٍ، وإسْحَاق، وابنُ المُنْذِرِ، وأصْحَابُ الرَّأْىِ. وكان ابنُ مَسْعُودٍ لا يرى التَّيَمُّمَ لِلْجُنُبِ، ونَحْوُه عن عمر، رَضِىَ اللهُ عنهما. ورَوَىَ البُخَارِىُّ (٢) عَن شِقَيقِ بنِ سَلَمَةَ، أنَّ أبا موسى ناظَرَ ابنَ مَسْعُودٍ في ذلك، واحْتَجَّ عليه بحَدِيثِ عَمَّارٍ، وبالآيةِ التي في المائِدَة، قال: فما دَرَى عَبْدُ اللهِ
стр. 391
ما يقولُ، فقال: إنَّا لو رَخَّصْنَا لهم في هذا لأَوْشَكَ إذا بَرَدَ على أحدِهم الماءُ أنْ يدعَهُ ويَتَيَمَّمَ (٣). وقال التِّرْمِذِىُّ (٤): ويُرْوَى عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ أنَّه رجع عن قولِه. ومِمَّا يَدُلُّ على إباحةِ التَّيَمُّمِ لِلْجُنُبِ: ما رَوَى عِمْرانُ بنُ حُصَيْنٍ، أنَّ رسولَ اللهِ ﷺ رأى رجلًا مُعْتَزِلًا لم يُصَلِّ مع القومِ، فقالَ: "يَا فُلَانُ، مَا مَنَعَكَ أنْ تُصَلِّىَ مَعَ القَوْمِ؟ ". فقالَ: أصَابَتْنِى جَنَابَةٌ، ولا مَاءٌ. قال: "عَلَيْكَ بالصَّعِيدِ، فإنَّه يَكْفِيكَ". مُتَّفَقٌ عليه (٥). وحَديثُ أبى ذَرٍّ (٦)، وعمرِو بنِ العاص، وحديثُ جابرٍ (٧) في الذي أصَابَتْهُ الشَّجَّةُ، ولأنَّه حَدَثٌ فيجوزُ له التَّيَمُّم، كالحَدَثِ الأصْغَرِ.
ومنها، أنَّ الجَرِيحَ وْالمَرِيضَ إذا خاف على نَفْسِه مِن اسْتِعْمَالِ الماءِ، [جازَ له] (٨) التَّيَمُّمُ، هذا قولُ أكْثرِ أهْلِ العِلْمِ، منهم ابنُ عَبَّاس، ومُجاهِد، وعِكْرِمَةُ، وطَاوُس، والنَّخَعِىُّ، وقَتَادَة، ومالِك، والشَّافِعِىُّ. ولم يُرَخِّصْ له عَطَاءٌ في التَّيَمُّمِ إلَّا عندَ عَدَمِ الماءِ؛ لِظَاهِرِ الآيةِ، ونَحْوُه عن الحسن في المَجْدُورِ الجُنُبِ، قال: لا بُدَّ مِن الغُسْلِ. ولَنا، قَوْلُ اللهِ تعالى: ﴿وَلَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ﴾ (٩). وحَدِيثُ عمرِو بنِ العاص حين تَيَمَّمَ مِنْ خَوْفِ البَرْدِ، وحديثُ ابنِ عَبَّاس (١٠)، وجابِر في الذي أصَابَتْهُ الشَّجَّةُ،
стр. 392
ولأنَّهُ يُبَاحُ له التَّيَمُّم إذا خاف العَطَشَ، أو خاف مِنْ سَبُعٍ، فكذلك ههُنا، فإنَّ الخَوْفَ لا يَخْتَلِفُ، وإنَّما اخْتَلَفَتْ جِهَاتُه.
فصل: واخْتُلِفَ في الخَوْفِ المُبِيحِ لِلتَّيَمُّمِ، فرُوِىَ عن أحمد: لا يُبِيحُه إلَّا خوفُ التَّلَفِ. وهذا أحدُ قَوْلَىِ الشَّافِعِىِّ. وظاهِرُ المذهبِ: أنَّه يُبَاحُ له التَّيَمُّم إذا خاف زيادةَ المَرَضِ، أوْ تَبَاطُؤَ البُرْءِ، أو خاف شيئًا فاحِشًا، أو ألَمًا غيرَ مُحْتَمَلٍ. وهذا مذهبُ أبى حنيفةَ، والقَوْلُ الثاني للِشَّافِعِىِّ. وهو الصَّحِيحُ؛ لِعُمُومِ قَوْلِه تعالى: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ﴾. ولأنَّه يجوزُ له التَّيَمُّمُ إذا خاف ذَهَابَ شيءٍ مِنْ مَالِهِ، أو ضَرَرًا في نَفْسِهِ؛ مِنْ لِصٍّ، أو سَبُعٍ، أو لم يجدِ الماءَ إلَّا بِزِيادةٍ على ثَمَنِ مِثْلِه كَثِيرةٍ، فلَأنْ يجوزَ ههُنا أَوْلَى، ولأنَّ تَرْكَ القِيَامِ في الصلاةِ، وتَأْخِيرَ الصِّيَامِ، لا يَنْحَصِرُ في خوفِ التَّلَفِ، وكذلك تَرْكَ الاسْتِقْبَالِ، فكذا ههُنا. فأمَّا المريضُ أو الجريحُ الذي لا يخافُ الضَّرَرَ باسْتِعْمَالِ الماءِ، مِثْلُ مَنْ به الصُّدَاعُ والحُمَّى الحَارَّةُ، أو أمْكَنَهُ اسْتِعْمالُ الماءِ الحَارِّ، ولا ضَرَرَ عليه فيه، لَزِمَهُ ذلك؛ لأنَّ إبَاحَةَ التَّيَمُّمِ لِنَفْىِ الضَّرَرِ، ولا ضَرَرَ عليه ههُنا. وحُكِىَ عن مالِكٍ، وداود إبَاحَةُ التَّيَمُّمِ لِلْمَرِيضِ مُطْلَقًا؛ لِظَاهِرِ الآيةِ. ولَنا، أنَّه واجِدٌ للماءِ، لا يَسْتَضِرُّ باسْتِعْمَالِه، فلم يَجُزْ له التَّيَمُّمُ، كالصَّحِيحِ، والآيةُ اشْتُرِطَ فيها عَدَمُ الماءِ، فلم يَتَنَاوَلْ مَحَلَّ النِّزَاعِ، على أنَّه لا بُدَّ فِيها مِن إضْمارِ الضَّرُورَةِ، والضَّرُورَةُ إنَّما تكونُ عندَ الضَّرَرِ.
ومِنْها أنَّ الجَرِيحَ والمَرِيضَ إذا أمْكَنَهُ غَسْلُ بَعْضِ جَسَدِهِ دُونَ بَعْضٍ، لَزِمَهُ غَسْلُ ما أمْكَنَه، وتَيَمَّمَ للبَاقِى. وبهذا قال الشَّافِعِىُّ. وقال أبو حنيفة، ومالِك: إنْ كان أكثرُ بَدَنِه صَحِيحًا غَسَلَهُ، ولا يَتَيَمَّمُ (١١)، وإنْ كان أكثرُه جَرِيحًا، تَيَمَّمَ ولا غُسْلَ عليه؛ لأنَّ الجَمْعَ بينَ البَدَلِ والمُبْدَلِ لا يجبُ، كالصِّيَامِ والإِطْعَامِ. ولنَا، ما رَوَى جابِرٌ، قال: خَرَجْنَا في سَفَرٍ، فأصابَ رَجُلًا مِنَّا شَجَّةٌ في وَجْهِهِ، ثم احْتَلَمَ، فسأل أصْحابَهُ: هل تَجدُون لي رُخْصَةً في التَّيَمُّمِ؟ فقالوا: ما نَجدُ لك رُخْصَةً،
стр. 393
وأنْتَ تَقْدِرُ على الماءِ، فاغْتَسَلَ، فمَاتَ، فلَمَّا قَدِمْنَا على النَّبِىِّ ﷺ أُخْبِرَ بذلك، فقالَ: "قَتَلُوهُ، قَتَلَهُم اللهُ، ألَا سَأَلُوا، إذْ لَمْ يَعْلَمُوا، فإنَّمَا شِفَاءُ العِىِّ السُّؤَالُ، إنَّما كَانَ يَكْفِيهِ أنْ يَتَيَمَّمَ، ويَعْصِبَ عَلَى جُرْحِهِ خِرْقَةً (١٢)، ثم يَمْسَحَ عَلَيْهَا (١٣)، ثم يَغْسِلَ سائِرَ جَسَدِهِ". رَوَاهُ أبو داود (١٤)، وعَن ابنِ عَبَّاسٍ مِثْلَه (١٥). ولأنَّ كلَّ جُزْءٍ مِن الجسدِ يجبُ تَطْهِيرُهُ بشيءٍ إذا اسْتَوَى الجِسْمُ كلُّه في المَرَضِ أو الصِّحَّة. فيجبُ ذلك فيه وإنْ خَالَفَهُ غيرُه، كما لو كان مِنْ جُمْلَةِ الأَكْثَرِ، فإنَّ حُكْمَه لا يَسْقُطُ بمَعْنًى في غيرِه، وما ذكرُوهُ مُنْتَقِضٌ (١٦) بالمَسْحِ عَلَى الخُفَّيْنِ مع غَسْلِ بَقِيَّةِ أعضاءِ الوُضُوءِ، ويُفارِقُ ما قاسُوا عليه، فإنه جَمْعٌ بَيْنَ البَدَلِ والمُبْدَلِ في مَحَلٍّ وَاحِدٍ، بِخِلافِ هذا، فإنَّ التَّيَمُّمَ بَدَلٌ عَمَّا لا يُصِيبُهُ الماءُ، دُونَ ما أصَابَهُ.
فصل: ما لا يُمْكِنُ غَسْلُهُ مِن الصَّحِيحِ إلَّا بانْتِشَارِ الماءِ إلى الجَرِيحِ، حُكْمُه حُكْمُ الجَرِيحِ، فإنْ لم يُمْكِنْه ضَبْطُه، وقَدَرَ أنْ يَسْتَنِيبَ مَنْ يَضْبِطُه، لَزِمَه ذلك، فإنْ عَجَزَ عن ذلك تَيَمَّمَ وصَلَّى وأَجْزَأَهُ؛ لأنَّه عَجَزَ عن غَسْلِهِ، فأَجْزَأَةُ التَّيَمُّمُ عنه كالجَرِيحِ.
فصل: إذا كان الجَرِيحُ جُنُبًا، فهو مُخَيَّرٌ، إنْ شاءَ قَدَّمَ التَّيَمُّمَ على الغُسْلِ، وإنْ شَاءَ أخَّرَهُ، بخِلَافِ ما إذا كان التَّيَمُّمُ لِعَدَمِ ما يَكْفِيهِ لجَمِيعِ أعْضَائِه، فإنَّهُ يَلْزَمُهُ اسْتِعْمَالُ الماءِ أوَّلًا؛ لأنَّ التَّيَمُّمَ للْعَدَمِ، ولا يَتَحَقَّقُ [إلا بعدَ فَراغِ الماءِ] (١٧). وههُنا التَّيَمُّمُ لِلْعَجْزِ عن اسْتِعْمَالِه في الجريحِ (١٨)، وهو مُتَحَقِّقٌ على كلِّ حالٍ، ولأنَّ
стр. 394
الجَرِيحَ يَعْلَمُ أنَّ التَّيَمُّمَ بَدَلٌ عن (١٩) غَسْلِ (٢٠) الجُرْحِ، والعادِمُ لِما يَكْفِى جميعَ أعْضَائِهِ لا يعلمُ القَدْرَ الذي يَتَيَمَّمُ له إلا بعدَ اسْتِعْمَالِ الماءِ وفَرَاغِهِ، فلَزِمَهُ تَقْدِيمُ اسْتِعْمَالِه. وإنْ كان الجَرِيحُ يَتَطَهَّرُ لِلْحَدَثِ الأصْغَرِ، فذَكَرَ القاضي أنَّه يَلْزَمُهُ التَّرْتِيبُ، فيَجْعَلُ التَّيَمُّمَ في مكانِ الغُسْلِ الذي يَتَيَمَّمُ بَدَلًا عنه، فإنْ كان الجُرْحُ في وَجْهِهِ بحيثُ لا يُمْكِنُه غَسْلُ شيءٍ منه، لَزِمَهُ التَّيَمُّمُ أَوَّلًا، ثم يَتَيَمَّمُ للوُضُوءِ. وإنْ كان في بعضِ وَجْهِهِ خُيِّرَ بينَ غَسْلِ صَحِيحِ وَجْهِهِ ثم تَيَمَّمَ، وبينَ أنْ يَتَيَمَّمَ ثم يَغْسِلَ صَحِيحَ وَجْهِه ويُتَمِّمَ وُضُوءَهُ. وإنْ كانَ الجُرْحُ في عُضْوٍ آخَر، لَزِمَهُ غَسْلُ ما قَبْلَهُ، ثم كان فيه على ما ذكرْنا في الوَجْهِ. وإن كان في وَجْهِهِ ويَدَيْهِ ورِجْلَيْه، احْتَاجَ في كُلِّ عُضْوٍ إلى تَيَمُّمٍ في مَحَلِّ غَسْلِه، لِيَحْصُلَ التَّرْتِيبُ. ولو غسلَ صَحِيحَ وَجْهِهِ، ثم تَيَمَّمَ له ولِيَدَيْهِ تَيَمُّمًا واحِدًا، لم يُجْزِهِ؛ لأنَّه يُؤَدِّى إلى سُقُوطِ الفَرْضِ عن جُزْءٍ مِن الوَجْهِ واليَدَيْنِ في حالٍ (٢١) واحدةٍ. فإنْ قِيل: يَبْطُلُ هذا بالتَّيَمُّمِ عن جُمْلَةِ الطهارةِ، حيثُ يَسْقُطُ الفَرْضُ عن جَمِيعِ الأعْضَاءِ جُمْلَةً واحِدَةً. قُلْنَا: إذا كان عن جُمْلَةِ الطَّهَارَةِ، فالحُكْمُ لها (٢٢) دُونَها، وإنْ كان عن بَعْضِها، نابَ عن ذلك البَعْضِ، فاعْتُبِرَ فيه ما يُعْتَبَرُ فيما يَنُوبُ عنه مِن التَّرْتِيبِ. ويَحْتَمِلُ أنْ لا يجِبَ هذا التَّرْتِيبُ؛ لأنَّ التَيمُّمَ طهارةٌ مُفْرَدَةٌ، فلا يجبُ التَّرْتِيبُ بينَها وبَيْنَ الطَّهَارَةِ الأُخْرَى، كما لو كان الجَرِيحُ جُنُبًا، ولأنَّه تَيَمَّمَ عَن الحَدَثِ الأَصْغَرِ، فلم يَجِبْ أنْ يَتَيَمَّمَ عن كُلِّ عُضْوٍ في مَوْضِعِ غَسْلِهِ، كما لو تَيَمَّمَ عن جُمْلَةِ الوُضُوءِ، ولأنَّ في هذا حَرَجًا وضَرَرًا، فَيَنْدَفِعُ بقَوْلِه تعالى: ﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾ (٢٣). وحَكَى المَاوَرْدِىُّ، عن مَذْهَبِ الشَّافِعِىِّ مِثْلَ هذا. وحَكَى ابنُ الصِّبَّاغِ (٢٤) عنه مِثْلَ القَوْلِ الأوَّلِ.
стр. 395
فصل: وإنْ تَيَمَّمَ الجَرِيحُ لِجُرْحٍ في بعضِ أعْضَائِه، ثم خَرَجَ الوَقْتُ، بَطَلَ تَيَمُّمُهُ، ولم تَبْطُلْ طَهَارَتُهُ بالماءِ إنْ كانَتْ غُسْلًا لِجَنَابَةٍ أو نَحْوِها؛ لأنَّ التَّرْتِيبَ والمُوَالاةَ غيرُ واجِبَيْن فيها. وإنْ كانتْ وُضُوءًا، وكان الجُرْحُ في وَجْهِهِ، خُرِّجَ بُطْلَانُ الوُضُوءِ على الوَجْهَيْن اللذَيْن في الفَصْلِ الذي قبلَ هذا؛ فمنْ أوْجَبَ التَّرْتِيبَ أبْطَلَ الوُضُوءَ ههُنا؛ لأنَّ طهارةَ العُضْوِ الذي نَابَ التَّيَمُّمُ عنه بَطَلَتْ، فلو لم يَبْطُلْ فيما بعدَهُ لَتَقَدَّمَتْ طَهَارَةُ مَا بعدَه عليه، فيَفُوتُ التَّرْتِيبُ. و [مَن] (٢٥) لم يُوجِبِ التَّرْتِيبَ لم يُبْطِلِ الوُضُوءَ، وَجَّوزَ له أنْ يَتَيَمَّمَ لا غيرُ. وإنْ كان الجُرْحُ في إحْدَى رِجْلَيْهِ، أو فيهما، فعلى قَوْلِ مَنْ لا يُوجِبُ التَّرْتِيبَ بينَ الوُضُوءِ والتَّيَمُّمِ، لا تَجِبُ المُوَالَاةُ بينَهُما أيضًا، وعليه التَّيَمُّمُ وحدَه. ومَنْ أوْجَبَ التَّرْتِيبَ، فقِيَاسُ قولِه: أنْ يكونَ في المُوَالَاةِ وَجْهَان، بِناءً على المُوَالَاةِ في الوُضوُءِ، وفيها رِوَايتان؛ إحداهُما، تَجِبُ، فتجبُ ههُنا، ويَبْطُلُ الوُضُوءُ لِفَوَاتِها. والثَّانِيَةُ، لا تَجِبُ، فيكْفِيهِ التَّيَمُّمُ وحدَه. ويَحْتَمِلُ أنْ لا تجبَ المُوَالَاةُ بينَ الوُضُوءِ والتَّيَمُّمِ، وَجْهًا واحِدًا؛ لأنَّهما طَهارتان، فلم تَجِبِ المُوَالَاةُ بينهما، كسائِرِ الطَّهَارَاتِ، ولأنَّ في إِيجابِها حَرَجًا، فيَنْتَفِى بقَوْلِه سُبْحَانَهُ: ﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾ (٢٦).
فصل: وإنْ خاف مِن شِدَّةِ البَرْدِ، وأمْكَنَهُ أنْ يُسَخِّنَ الماءَ، أو يَسْتَعْمِلَه على وَجْهٍ يَأْمَنُ الضَّرَرَ، مِثْل أنْ يَغْسِلَ عُضْوًا عُضْوًا، وكُلَّمَا غَسَلَ شيئًا سَتَرَهُ، لَزِمَهُ ذلك. وإنْ لم يَقْدِرْ، تَيَمَّمَ وصلى في قَوْلِ أَكْثَرِ أهْلِ العِلْمِ. وقال عَطَاء، والحسنُ: يَغْتَسِلُ، وإنْ ماتَ، لم يَجْعَلِ اللهُ له عُذْرًا. ومُقْتَضَى قَوْلِ ابنِ مَسْعُودٍ: أنَّه لا يَتَيَمَّمُ؛ فإنَّه قال: لَوْ رَخَّصْنَا لهم في هذا لأَوْشَكَ أحدُهُم إذا بَرَدَ عليه الماءُ أنْ يَتَيَمَّمَ ويَدَعَهُ.
стр. 396
ولَنا، قَوْلُ اللهِ تعالى: ﴿وَلَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ﴾ (٢٧)، وقولهُ تعالى: ﴿وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ﴾ (٢٨). ورَوَى أبو داود (٢٩)، وأبو بكر الخَلَّال، بإسْنَادِهِما، عن عمرِو بنِ العاص، قال: احْتَلَمْتُ في لَيْلَةٍ بارِدَةٍ في غَزْوَةِ ذَاتِ السَّلَاسِلِ، فأشْفَقْتُ إنِ اغْتَسَلْتُ أنْ أَهْلِكَ، فتَيَمَّمْتُ، ثم صَلَّيْتُ بأصْحَابِى الصُّبْحَ، فذَكَرُوا ذلك للنَّبِىِّ ﷺ فقالَ: "يَا عَمْرُو، أصَلَّيْتَ بأَصْحَابِكَ، وأَنْتَ جُنُبٌ؟ " فأخْبَرْتُه بالذى مَنَعَنِى مِن الاغْتِسَالِ، وقلتُ: إنِّي سَمِعْتُ اللهَ يقولُ: ﴿وَلَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا﴾. فضَحِك رَسولُ اللهِ ﷺ ، ولم يَقُلْ شَيْئًا. وسكوتُ النَّبِىِّ ﷺ يَدُلُّ على الجوازِ؛ لأنَّه لا يُقِرُّ على الخَطَأ، ولأنَّه خائِفٌ على نَفْسِهِ، فأُبِيحَ له التَّيَمُّمُ كالجَرِيحِ والمَرِيضِ، وكما لو خافَ على نَفْسِه عَطَشًا أوْ لِصًّا أو سَبُعًا في طَلَبِ الماءِ. وإذَا تَيَمَّمَ وصَلَّى، فهلْ يَلْزَمُهُ الإِعادةُ؟ على رِوَايَتَيْنِ: إحْدَاهُما، لا يَلْزَمُهُ. وهو قَوْلُ الثَّوْرِىِّ، ومالِكٍ، وأبى حنيفةَ، وابْنِ المُنْذِرِ؛ لِحَدِيثِ عمرٍو، فإنَّ النَّبِىَّ ﷺ لم يأْمُرْهُ بالإِعادةِ، ولو وَجَبَتْ لأَمَرَهُ بها، ولأنَّه خَائِفٌ على نَفْسِهِ، أشْبَهَ المَرِيضَ، ولأنَّه أَتَى بما أُمِرَ به (٣٠)، فأشْبَهَ (٣١) سائِرَ مَنْ يُصَلِّى بالتَّيَمُّمِ. والثانية، يَلْزَمُهُ الإِعادةُ. وهو قولُ أبى يوسف ومحمد؛ لأنَّه عُذْرٌ نادِرٌ غيرُ مُتَّصِلٍ، فلم يَمْنَع الإِعادةَ، كنِسْيَانِ الطَّهَارَةِ. والأوَّلُ أَصَحُّ. ويُفَارِقُ نِسْيَانَ الطَّهَارَةِ؛ لأنَّه لم يَأْتِ بما أُمِرَ به (٣٠)، وإنَّما ظَنَّ أنَّه أَتَى به، بخِلَافِ مَسْأَلَتِنا. وقال أبو الخَطَّابِ: لا إعادةَ عليه إنْ كان مُسَافِرًا، وإنْ كان حاضِرًا فعلى رِوَايَتَيْنِ؛ وذلك لأنَّ الحَضَرَ مَظِنَّةُ القُدْرَةِ على تَسْخِينِ الماءِ، ودُخُولِ الحَمَّامَاتِ، بخِلافِ السَّفَرِ، وقال الشَّافِعِىُّ: يُعِيدُ إنْ كان حَاضِرًا، وإنْ كان مُسَافِرًا فعلى قَوْلَيْنِ.
стр. 397
٧٣ - مسألة؛ قال: (وإذَا تَيَمَّمَ صَلَّى الصَّلَاةَ الَّتِى حَضَرَ وَقْتُها، وصَلَّى بِهِ فَوَائِتَ إنْ كَانَتْ عَلَيْهِ، والتَّطَوُّعَ إلَى أَنْ يَدْخُلَ وَقْتُ صَلَاةٍ أُخْرَى)
المذهبُ أنَّ التَّيَمُّمَ يَبْطُلُ بخُرُوجِ الوَقْتِ ودُخُولِهِ، ولعلَّ الْخِرَقِىَّ إنَّما عَلَّقَ بُطْلَانَه، بدُخُولِ وَقتِ صَلَاةٍ أُخْرَى تَجَوُّزًا منه، إذا كان خُرُوجُ وَقْتِ الصَّلَاةِ مُلَازِمًا لِدُخُولِ وَقْتِ الأُخْرَى، إلَّا في مَوْضِعٍ واحِدٍ، وهو وَقْتُ الفَجْرِ، فإنَّهُ يَخْرُجُ مُنْفَكًّا عن دُخُولِ وَقْتِ الظُّهْرِ، ويَبْطُلُ التَّيَمُّمُ بكُلِّ واحِدٍ منهما، فلا يَجُوزُ أنْ يُصَلِّىَ به صَلَاتَيْنِ في وَقْتَيْن، رُوِىَ ذلك عن عليٍّ، وابْنِ عمرَ، وابْنِ عَبَّاسٍ، رَضِىَ اللهُ عَنْهُم، والشَّعْبِىِّ، والنَّخَعِىِّ، وقَتَادَة، ويَحْيَى الأنْصَارِيِّ، ورَبِيعةَ، ومَالِكٍ، والشَّافِعِىِّ، واللَّيْثِ، وإسحاق. ورَوَى المَيْمُونِىُّ (١)، عن أحمد في المُتَيمِّمِ، قال: إنَّه لَيُعْجِبُنِى أنْ يَتَيَمَّمَ لِكُلِّ صَلَاةٍ، ولكنَّ القِيَاسَ أنَّه بِمَنْزِلَةِ الطَّهَارَةِ حتى يَجِدَ الماءَ، أو يُحْدِثَ؛ لِحَدِيثِ النَّبِيِّ ﷺ في الجُنُبِ. يَعْنِى قَوْلَ النَّبِيِّ ﷺ : "يا أبَا ذَرٍّ، الصَّعِيدُ الطَّيِّبُ طَهُورُ المُسْلِمِ، وإنْ لَمْ يَجِدِ الماءَ عَشْرَ سِنِينَ، فإذَا وَجَدْتَ الماءَ فأَمِسَّهُ بَشرَتَكَ (٢) ". وهو مذهبُ سعيدِ بنِ المُسَيَّبِ، والحسنِ، والزُّهْرِيِّ، والثَّورِىِّ، وأصْحَابِ الرَّأْىِ. ورُوِىَ عن ابْنِ عَبَّاسٍ، وأبى جعفر؛ لأنَّها طَهَارَةٌ تُبِيحُ الصَّلَاةَ، فلم تَتَقَدَّرْ بالوَقْتِ كطهارةِ الماءِ. ولَنا، ما رَوَى الحارِثُ (٣)، عن عليٍّ، رَضِىَ اللَّه عنه، أنَّه قال: التَّيَمُّمُ لِكُلِّ صَلَاةٍ. وابنُ عمرَ قال: تَيَمَّمْ لِكُلِّ صَلَاةٍ. ولأنَّها طهارةُ ضَرُورَةٍ، فَتَقَيَّدَتْ بالوَقْتِ؛ كطهارةِ المُسْتَحَاضَةِ، وطهارةُ الماءِ ليستْ لِلضَّرُورَةِ، بخِلَافِ مَسْأَلَتِنا. والحدِيثُ أرَادَ به أنَّه يُشْبِهُ الوُضُوءَ في إباحَةِ الصَّلَاةِ، ويلْزَمُهُ (٤) التساوِى فِي جَمِيعِ الأحْكَامِ. إذا ثَبَتَ هذا، فإنَّه إذا نَوَى
стр. 398
بِتَيَمُّمِهِ مَكْتُوبَةً، فله أنْ يُصَلِّىَ به ما شاءَ مِن الصَّلوَات (٥)، فيُصَلِّى الحاضِرَةَ، ويَجْمَعُ بينَ الصَّلَاتَيْن، ويَقْضِى فَوَائِتَ، ويَتَطَوَّعُ قبلَ الصَّلَاةِ وبعدَها. هذا قَوْلُ أبى ثَوْرٍ. وقال مالِك، والشَّافِعِىُّ: لا يُصَلِّى به فرْضَيْنِ. وقد رُوِىَ عن أحمدَ، أنَّه قال: لا يُصَلِّى بالتَّيَمُّمِ إلَّا صَلَاةً وَاحِدةً، ثم يَتَيَمَّمُ للأُخْرَى. وهذا يَحْتَمِلُ أنْ يكونَ مِثْلَ قَوْلِهما؛ لما رُوِىَ عن (٦) ابنِ عَبَّاس، أنَّه قال: مِن السُّنَّةِ أنْ لا يُصَلِّىَ بالتَّيَمُّمِ إلَّا صَلَاةً واحدةً، ثم يَتَيَمَّمُّ للأُخْرَى. وهذا مُقْتَضَى سُنَّةِ النَّبِيِّ ﷺ ، ولأَنَّها طهارةُ ضَرُورَةٍ فلا يَجْمَعُ بها بينَ فَرِيضَتَيْنِ، كما لو كانا في وَقْتَيْنِ. ولَنا، أنَّها طهارَةٌ صَحِيحَةٌ، أباحَتْ فَرْضًا، فأباحَتْ فَرْضَيْنِ، كطهارةِ الماءِ، ولأنَّه بعدَ الفَرْضِ الأوَّلِ تَيَمُّمٌ صَحِيحٌ مُبيحٌ للتَّطَوُّعِ، نَوَى به المَكْتُوبَةَ، فكان له أنْ يُصَلِّىَ به فَرْضًا، كحالَةِ ابْتِدَائِه، ولأنَّ الطَّهَارَةَ في الأُصُولِ، إنَّما تَتَقَيَّدُ بالوَقْتِ دُونَ الفِعْلِ، كطهارِة الماسِحِ على الخُفِّ، وهذه في النَّوَافِلِ، وطهارةِ المُسْتَحَاضَةِ، ولِأَنَّ (٧) كُل تَيَمُّمٍ أبَاحَ صَلَاةً أبَاحَ ما هو مِنْ نَوْعِها، بِدليلِ صَلَواتِ (٨) النَّوَافِلِ. وأمَّا حَدِيثُ ابنِ عَبَّاس، فيَرْوِيه الحسنُ بنُ عُمارةَ (٩)، وهو ضَعِيفٌ، ثم يَحْتَمِلُ أنَّه أراد [أنْ لا يُصَلِّىَ] (١٠) به صَلَاتَيْنِ في وَقْتَيْن؛ بدَلِيلِ أنَّه يجوزُ أنْ يُصَلِّىَ به صَلَوَاتٍ مِنَ التَّطَوُّعِ، ويَجْمَعَ بينَ صَلَاتَيْنِ؛ فَرْضٍ، ونَفْلٍ، وإنَّما امْتَنَعَ الجَمْعُ بين فَرْضَىْ وَقْتَيْنِ، لِبُطْلَانِ التَّيَمُّمِ، بِخُرُوجِ وَقْتِ الأُولَى منها.
إذا ثَبَتَ هذا، فإنَّ الْخِرَقِىَّ إنَّما ذكرَ قضاءَ الفَوَائِتِ والتَّطَوُّعَ، ولم يَذْكُرِ الجَمْعَ بَيْنَ صَلاتَيْنِ (١١)، وكذا ذَكَرَ الإِمامُ أحمدُ، فيَحْتَمِلُ أنْ لا يجوزَ الجَمْعُ بَيْنَ
стр. 399
الصَّلَاتَيْنِ. وهو مذهبُ أبى ثَوْرٍ. والصَّحِيحُ جَوَازُ الجَمْع؛ [لما ذَكَرْنَا مِن الأدِلَّةِ، ولأنَّ ما أبَاحَ فَرْضَيْنِ فَائِتَيْن ما أبَاحَ (١٢) فَرْضَيْنِ في الجَمْعِ] (١٣)، كسائِرِ الطَّهَارَاتِ. وقال الْمَاوَرْدِيُّ: ليسَ لِلْمُتَيَمِّمِ أنْ يَجْمَعَ بينَ صلَاتيْنِ بِحَالٍ؛ لأنَّ الصَّلَاةَ الثَّانِيَةَ تَفْتَقِرُ إلى تَيَمُّمٍ، والتَّيَمُّمُ يفَتْقِرُ إلى طَلَبٍ، والطَّلَبُ يَقْطَعُ الجَمْعَ، ومِنْ شَرْطِهِ المُوَالَاةُ - يَعْنِى على مذهَبِ الشَّافِعِىِّ - وهذا يَنْبَغِى أنْ يَتَقَيَّدَ بالجَمْعِ في وَقْتِ الأُولَى، فأمَّا الجَمْعُ في وَقْتِ الثَّانِية، فلا تُشْتَرَطُ له المُوَالَاةُ في الصَّحِيحِ.
فإنْ قِيل: فكيفَ يُمْكِنُ قضاءُ الفَوَائِتِ، والتَّرْتِيبُ شَرْطٌ، فَيَجِبُ تَقْدِيمُ الفَائِتَةِ على الحَاضِرَةِ، فَكَيْفَ تَتَأَخَّرُ الفَائِتَةُ عنها؟ قُلْنا: يُمْكِنُ ذلك لِوُجُوهٍ: أحدُها، أنْ يُقَدِّمَ الفَائِتَةَ على الحَاضِرَةِ. الثاني، أنْ يَنْسَى الفَائِتَةَ، ثم يذكرَها بعدَ الحَاضِرَةِ. الثالث، أنْ يَخْشَى فَوَاتَ وَقْتِ الحَاضِرَةِ، فيُصَلِّيهَا، ثم يُصَلِّىَ في بَقِيَّةِ الوَقْتِ فَوَائِتَ. الرابع، أنَّه إذا كَثُرَت الفَوَائِتُ بحيثُ لا يُمْكِنُ قَضَاؤُها قبلَ خُرُوجِ وَقْتِ الحَاضِرَةِ، فله أنْ يُصَلِّىَ الحَاضِرَةَ في الجَمَاعَةِ في أَوَّلِ الوَقْتِ، ويُقَدِّمَهَا على الفَوَائِتِ، في إحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ؛ فإنَّه لا بُدَّ مِنْ تَقْدِيمهَا على بَعْضِ الفَوَائِتِ، فلا فَائِدَةَ في تَأْخِيرِها، ولأَنَّه لو لَزِمَ تَأْخِيرُها إلى آخِرِ وَقْتِها، لَلَزِمَ تَرْكُ الجَمَاعَةِ الحاضِرةِ (١٤) بالكُلِّيَّةِ.
٧٤ - مسألة؛ قال: (وإذَا خاف العَطَشَ حَبَسَ الماءَ وتَيَمَّمَ، وَلَا إعَادَةَ عَلَيْهِ)
قال ابنُ المُنْذِرِ: أَجْمَعَ كُلُّ مَنْ نَحْفَظُ عنه مِن أهْلِ العِلْمِ على أنَّ المُسَافِرَ إذا كان معه مَاءٌ، وخَشِىَ العَطَشَ، أنَّه يُبْقِى ماءَهُ لِلشُّرْبِ، ويَتَيَمَّمُ؛ منهم علىّ، وابنُ عَبَّاس، والحسنُ، وعَطَاء، ومُجَاهِد، وطاوُس، وقَتَادَة، والضَّحَّاكُ، والثَّوْرِىُّ، ومَالِك، والشَّافِعِىُّ، وإسْحَاق، وأصْحَابُ الرَّأْىِ، ولأنَّه خائِفٌ على نَفْسِهِ مِن
стр. 400
اسْتِعْمَالِ الماءِ، فأُبِيحَ له التَّيَمُّمُ، كالْمَرِيضِ.
فصل: وإنْ خافَ على رَفِيقِه، أو رَقِيقِه، أو بَهَائِمِه، فهو كما لو خافَ على نَفْسِهِ؛ لأنَّ حُرْمَةَ رَفِيقِه كَحُرْمَةِ نَفْسِه، والخَائِفُ على بَهَائِمِه خَائِفٌ مِنْ ضَيَاعِ مالِه، فأَشْبَهَ ما لو وَجَدَ ماءً بينه وبينه لِصٌّ أوْ سَبُعٌ يَخَافُهُ على بَهِيمتِهِ أو شَىءٍ مِنْ مالِه.
وإنْ وَجَدَ عَطْشَانَ يَخَافُ تَلَفَه، لَزِمَهُ سَقْيُه، ويَتَيَمَّمُ. قِيلَ لأحمدَ: الرجلُ معه إِدَاوَةٌ مِنْ ماءٍ لِلْوُضُوءِ، فيَرَى قَوْمًا عِطَاشًا، أحَبُّ إليكَ أنْ يَسْقِيَهُم أو يَتَوَضَّأَ؟ قال: يَسْقِيهِم. ثم ذَكَرَ عِدَّةً مِنْ أصْحابِ رَسولِ اللَّه ﷺ يَتَيَمَّمُون، ويَحْبِسُون الماءَ لِشِفَاهِهم. وقال أبو بكر، والقاضى: لا يَلْزَمُه بَذْلُه؛ لأنَّه مُحْتَاجٌ إليه. ولَنا، أنَّ حُرْمَةَ الآدَمِىِّ تُقَدَّمُ على الصَّلَاةِ، بِدليلِ ما لو رَأَى حَرِيقًا، أو غَرِيقًا، في الصَّلَاةِ عِنْدَ ضِيقِ وَقْتِها، لَزِمَهُ تَرْكُ الصَّلَاةِ، والخُرُوجُ لإِنْقَاذِه، فَلَأَنْ يُقَدِّمَها على الطَّهَارَةِ بالماءِ أوْلَى، وقد رُوِىَ في الخَبَرِ، أنَّ بَغِيًّا أصَابَها العَطَشُ، فَنَزَلَتْ بِئْرًا فَشَرِبَتْ منه، فلمَّا صَعَدَتْ رَأتْ كَلْبًا يَلْحَسُ الثَّرَى مِن العَطَشِ، فقالتْ: لقد أصَابَ هذا مِنَ العَطَشِ مِثْلُ ما أَصَابَنِى. فنَزَلَتْ فَسَقَتْهُ بِمُوقِها (١٥)، فَغَفَرَ اللهُ لها (١٦). فإذا كان هذا الأَجْرَ مِنْ سَقْىِ الكَلْبِ، فغيرُه أَوْلَى.
فصل: وإذا وَجَدَ الخائِفُ مِن العَطَشِ ماءً طَاهِرًا، وماءً نَجِسًا، يَكْفِيه أحدُهما لِشُرْبِه، فإنَّه يَحْبسُ الماءَ الطَّاهِرَ لِشُرْبِه، ويُرِيقُ النَّجِسَ إن اسْتَغْنَى عن شُرْبِه. وقال القاضي: يَتَوَضَّأُ بالطَّاهِرِ، ويَحْبِسُ النَّجِسَ لِشُرْبِه؛ لأنَّه وَجَدَ ماءً طَاهِرًا مُسْتَغْنًى عن شُرْبِه. فأَشْبَهَ ما لو كان ماءً كثيرًا طاهِرًا. ولَنا، أنَّه لا يَقْدِرُ على ما يَجُوزُ الوُضُوءُ به، ولا على ما يَجُوزُ له شُرْبُه سِوَى هذا الطَّاهِر، فجازَ له حَبْسُه إذا خافَ
стр. 401
العَطَشَ، كما لو لم يكنْ معه سِوَاهُ. وإنْ وجدَهما وهو عَطْشَانُ، شَرِبَ الطَّاهِرَ، وأرَاقَ النَّجِسَ إذا اسْتَغْنَى عنه، سواءٌ كان في الوَقْتِ، أو قبلَه. وقال بعضُ الشَّافِعِيَّة: إنْ كان في الوَقْتِ شَرِبَ النَّجِسَ؛ لأنَّ الطَّاهِرَ مُسْتَحِقُّ الطَّهَارَةِ، فهو كالمَعْدُومِ. وليس بِصَحِيحٍ؛ لأنَّ شُرْبَ النَّجِسِ حرامٌ، وإنَّما يَصِيرُ الطَّاهِرُ مُسْتَحِقًّا لِلطَّهَارَةِ إذا اسْتَغْنَى عن شُرْبِه، وهذا غيرُ مُسْتَغْنٍ عن شُرْبِه، ووُجُودُ النَّجِسِ كعَدَمِه؛ لِتَحْرِيمِ شُرْبِه.
فصل: وإذا كان الماءُ مَوْجُودًا إلَّا أنَّه إن (١٧) اشْتَغَلَ بِتَحْصِيلِهِ واسْتِعْمالِهِ فاتَ الوَقْتُ، لم يُبَحْ له التَّيَمُّمُ، سَوَاءٌ كان حاضِرًا أوْ مُسَافِرًا، في قَوْلِ أكْثَرِ أهْلِ العِلْمِ؛ منهم: الشَّافِعِىُّ، وأبو ثَوْرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وأصْحابُ الرَّأْىِ. وعن الأوْزاعِىِّ، والثَّوْرِىِّ: له التَّيَمُّمُ. رَوَاهُ عنهما الوَلِيدُ بنُ مُسْلِمٍ (١٨). قال الوليدُ: فذكَرْتُ ذلك لِمَالِكٍ، وابْنِ أبِى ذِئْبٍ (١٩)، وسعيدِ بنِ عبدِ العزيز، فقالوا: يَغْتَسِلُ، وإنْ طَلَعَتِ الشَّمْسُ؛ وذلك لِقَوْلِ اللهِ تعالى: ﴿فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا﴾ (٢٠)، وحديثِ أبِى ذَرٍّ، وهذا وَاجدٌ للْمَاءِ، ولأنَّهُ قادِرٌ على الماءِ، فلم يَجُزْ له التَّيَمُّمُ، كما لو لم يَخَفْ فَوْتَ الوَقْتِ، ولِأَنَّ الطَّهَارَةَ شَرْطٌ، فلم يُبَحْ تَرْكُها خِيفَةَ فَوْتِ وَقْتِها، كسَائِرِ شَرَائِطِها. وإنْ خَافَ فَوْتَ العِيدِ، لم يَجُزْ له التَّيَمُّمُ. وقال الأوْزَاعِىُّ، وأصْحَابُ الرَّأْىِ: له التَّيَمُّمُ؛ لأَنَّه يخَافُ فَوْتَها بالكُلِّيَّةِ، فأشْبَهَ العَادِمَ. ولَنا، الآيةُ والخَبَرُ، وما ذَكَرْنا مِن المَعْنَى. وإنْ خافَ فَوْتَ الجَنَازَةِ، فكذلك، في إحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ؛ لِمَا ذَكَرْنا. والأُخْرَى، يُبَاحُ له التَّيَمُّمُ، ويُصَلِّى عليها. وبِه قال النَّخَعِىُّ، والزُّهْرِىُّ، والحسنُ، ويحيى الأنْصَارِىُّ، وسعدُ بنُ إبراهيم، واللَّيْثُ، والثَّوْرِىُّ، والأَوْزَاعِىُّ، وإسحاق،
стр. 402
وأصحابُ الرَّأْىِ؛ لأنَّه لا يُمْكِنُ اسْتِدْرَاكُها بالوُضُوءِ، فأَشْبَهَ العَادِمَ. وقال الشَّعْبِىُّ: يُصَلِّى عليها من غيرِ وُضُوءٍ ولا تَيَمُّمٍ؛ لأنَّها لارُكُوع فيها ولا سُجُود، وإنَّما هي دُعَاءٌ، فأشْبَهَتِ الدُّعَاءَ في غيرِ الصَّلَاةِ. ولنا، قَوْلُ النَّبِيِّ ﷺ : "لَا يَقْبَلُ اللهُ صَلَاةً بِغَيْرِ طَهُورٍ (٢١) ". وقَوْلُه: "لا يَقْبَلُ اللهُ صَلَاةَ مَنْ أَحْدَثَ حَتَّى يَتَوَضَّأَ (٢٢) ". وقَوْلُ اللهِ تعالى: ﴿إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ﴾ الآية، ثم أباحَ تَرْكَ الغُسْلِ مَشْرُوطًا بِعَدَمِ الماءِ، بقولِه تعالى: ﴿فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا﴾، فما لم يُوجَدِ الشَّرْطُ يَبْقَى على قَضِيَّةِ العُمُومِ.
٧٥ - مسألة؛ قال: (وإذَا نَسِىَ الجَنَابَةَ وتَيَمَّمَ لِلْحَدَثِ لَمْ يُجْزِهِ)
وبهذا قال مالِكٌ، وأبو ثَوْرٍ. وقال أبو حنيفةَ، والشَّافِعِىُّ: يُجْزِئُه؛ لأنَّ طهارتَهما واحدةٌ، فسَقَطَتْ إحْدَاهُما بِفِعْلِ الأُخْرَى كالبَوْلِ والغائِطِ. ولَنا، قَوْلُ النَّبِيِّ ﷺ : "إنَّمَا الأَعْمَالُ بالنِّيَّاتِ، وإنَّمَا [لِكُلِّ امْرِىءٍ] (١) مَا نَوىَ"، وهذا لم يَنْوِ الجَنابةَ، فلم يُجْزِهِ عنها، ولأنَّهما سَبَبان مُخْتَلِفَان، فلم تُجْزِ نِيَّةُ أحدِهما عن الآخَرِ، كالحَجِّ والعُمْرَةِ، ولأنَّهما طَهارتان، فلم تَتَأَدَّ إحْدَاهُما بِنِيَّةِ الأُخْرَى، كَطَهارةِ الماءِ عند الشَّافِعِىِّ، وفَارَقَ ما قَاسُوا عليه؛ فإنَّ حُكْمَهما واحِدٌ، وهو الحَدَثُ الأصْغَرُ، ولهذا تُجْزِىءُ نِيَّةُ أحَدِهما عن نِيَّةِ الآخَرِ في طَهَارَةِ الماءِ.
فصل: وإنْ تَيَمَّمَ لِلْجَنابةِ، لم يُجْزِهِ عن الحَدَثِ الأصْغَرِ؛ لما ذَكَرْنا. والخِلَافُ فيها كالتى قَبْلَها، فعلى هذا يَحْتَاجُ إلى تَعْيِينِ ما تَيَمَّمَ له مِن الحَدَثِ الأصْغَرِ والجَنابةِ
стр. 403
والحَيْضِ والنَّجاسةِ؛ فإنْ نَوَى الجَمِيعَ بِتَيَمُّمٍ واحِدٍ أجْزَأَهُ؛ لأنَّ فِعْلَهُ واحِدٌ، فأشْبَهَ طَهارةَ الماءِ، وإنْ نَوَى بَعْضَهَا أَجْزَأَهُ عن المَنْوِىِّ دُونَ ما سِوَاهُ، وإنْ كان التَّيَمُّمُ عن جُرْحٍ في عُضْوٍ مِن أعْضَائِهِ، نَوَى التَّيَمُّمَ عن غَسْلِ ذلك العُضْوِ.
فصل: وإذا تَيَمَّمَ لِلْجَنابةِ دُونَ الحَدَثِ، أُبِيحَ له ما يُباحُ لِلْمُحْدِثِ، مِنْ قِراءةِ القُرْآنِ، واللُّبْثِ فِى المَسْجِدِ، ولم تُبَحْ له الصَّلَاةُ، والطَّوَافُ، ومَسُّ المُصْحَفِ. وإنْ أحْدَثَ لم يُؤَثِّرْ ذلك في تَيَمُّمِهِ؛ لأنَّه نائِبٌ عن الغُسْلِ، فلم يُؤَثِّرِ الحَدَثُ فيه، كالغُسْلِ. وإنْ تَيَمَّمَ لِلْجَنابةِ والحَدَثِ، ثم أحْدَثَ، بَطلَ تَيَمُّمُهُ لِلْحَدَثِ، وبَقِىَ تَيَمُّمُ الجَنابةِ بِحَالِه، ولو تَيَمَّمَتِ المَرْأَةُ بعدَ طُهْرِها مِنْ حَيْضِها لِحَدَثِ الحَيْضِ، ثم أَجْنَبَتْ، لم يَحْرُمْ وَطْؤُها؛ لأنَّ حُكْمَ تَيَمُّمِ الحَيْضِ بَاقٍ، ولا يَبْطُلُ بالوَطْءِ؛ لأنَّ الوَطْءَ إنَّما يُوجِبُ حَدَثَ الجَنابةِ. قال ابنُ عَقِيلٍ: وإنْ قُلْنَا كُلُّ صَلَاةٍ تَحْتَاجُ إلَى تَيَمُّمٍ، احْتَاجَ كُلُ وَطْءٍ إلى تَيَمُّمٍ يَخُصُّه، والأوَّلُ أصَحُّ.
٧٦ - مسألة؛ قال: (وإذَا وَجَدَ المُتَيَمِّمُ الْماءَ، وهُوَ في الصَّلَاةِ، خرَجَ فَتَوَضَّأَ، أَوِ اغْتَسَلَ إنْ كانَ جُنُبًا، واسْتَقْبَلَ الصَّلَاةَ)
المشهورُ في المذهبِ أنَّ المُتَيَمِّمَ إذا قَدَرَ على اسْتِعْمَالِ الماءِ بَطَلَ تَيَمُّمُهُ، سَوَاءٌ كان في الصَّلَاةِ أو خَارِجًا منها؛ فإنْ كان في الصَّلَاةِ بَطَلَتْ، لِبُطْلَانِ طَهَارَتِه، ويَلْزَمُهُ اسْتِعْمَالُ الماءِ، فيَتَوَضَّأُ إنْ كان مُحْدِثًا، ويَغْتَسِلُ إنْ كان جُنُبًا. وبهذا قال الثَّوْرِىُّ، وأبو حنيفةَ. وقال مَالِك، والشَّافِعِىُّ، وأبو ثَوْرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ: إنْ كان في الصَّلَاةِ، مَضَى فيها. وقد رُوِىَ ذلك عن أحمدَ، إلَّا أنَّه رُوِىَ عنه ما يَدُلُّ على رُجُوعِهِ عنه. قال المَرُّوذِيُّ: قال أحمد: كنتُ أقولُ يَمْضِى. ثم تَدَبَّرْتُ، فإذا أكْثَرُ الأحاديثِ على أنَّه يَخْرُجُ. وهذا يَدُلُّ على رُجُوعِهِ عن هذه الرِّوَايَةِ. واحْتَجُّوا بأنَّه وَجَدَ المُبْدَلَ بعدَ التَّلَبُّسِ بمَقْصُودِ البَدَلِ، فلم يَلْزَمْهُ الخروجُ، كما لو وجَد الرَّقَبَةَ بعدَ التَّلبُّسِ بالصِّيامِ، ولأنَّه غيرُ قادِرٍ على اسْتِعْمالِ الماءِ؛ لأنَّ قُدْرَتَهُ تَتَوَقَّفُ على إبْطَالِ الصَّلَاةِ، وهو مَنْهِىٌّ عن إِبْطَالِها، بقَوْلِه تعالى: ﴿وَلَا تُبْطِلُوا أَعْمَالَكُمْ﴾ (١). ولَنا،
стр. 404
قولُه ﷺ : "الصَّعِيدُ الطَّيِّبُ وَضُوءُ المُسْلِمِ وإنْ لَمْ يَجِدِ الماءَ عَشْرَ سِنِينَ، فإذَا وَجَدْتَ الماءَ فأَمِسَّهُ جِلْدَكَ (٢) ". أخْرَجَهُ أبو داود والنَّسَائِىُّ. دَلَّ بمَفْهُومِه: على أنَّه لا يكونُ طَهُورًا عندَ وُجُودِ الماءِ، وبمَنْطُوقِه على وُجُوبِ إمْسَاسِه جِلْدَهُ عندَ وُجُودِه. ولأنَّه قَدَرَ على اسْتِعْمالِ الماءِ، فبَطَلَ تَيَمُّمُه، كالخَارِجِ مِن الصَّلَاةِ، ولأنَّ التَّيَمُّمَ طَهارةُ ضَرُورَةٍ، فبَطَلَتْ بِزَوَالِ الضَّرُورَةِ كطهارةِ المُسْتَحَاضَةِ إذا انْقَطَعَ دَمُها. يُحَقِّقُه أنَّ التَّيَمُّمَ لا يَرْفَعُ الحَدَثَ، وإنَّما أُبِيحَ لِلْمُتَيَمِّمِ أنْ يُصَلِّىَ مع كَوْنِه مُحْدِثًا؛ لِضَرُورَةِ العَجْزِ عن الماءِ، فإذا وَجَدَ الماءَ زَالَتِ الضَّرُورَةُ، فَظهَرَ حُكْمُ الحَدَثِ كالأصْلِ، ولا يَصِحُّ قِيَاسُهُم؛ فإنَّ الصَّوْمَ هو البَدَلُ نَفْسُه، فنَظِيرُهُ إذا قَدَرَ على الماءِ بعدَ تَيَمُّمِه، ولا خِلافَ في بُطْلَانِه. ثم الفَرْقُ بَيْنَهما أنَّ مُدَّةَ الصِّيَامِ تَطُولُ، فيَشُقُّ الخُرُوجُ منه؛ لِمَا فيه مِنَ الجَمْعِ بينَ فَرْضَيْنِ شَاقَّيْنِ، بخِلَافِ مَسْأَلَتِنا. وقَوْلُهم: إنَّه غيْرُ قادِرٍ. غَيرُ صَحِيحٍ؛ فإنَّ الماءَ قَريبٌ، وآلَتُه صَحِيحَةٌ، والمَوَانِعُ مُنْتَفِيَةٌ، وقَوْلُهم: إنَّه مَنْهِىٌّ عن إبْطَالِ الصَّلَاةِ. قُلْنَا: لا يَحْتَاجُ إلى إبْطَالِ الصَّلَاةِ، بل هِىَ تَبْطُلُ بِزَوَالِ الطَّهارةِ، كما في نَظَائِرِها.
فإذا ثَبَتَ هذا، فمتى خَرَجَ فَتَوَضَّأَ لَزِمَهُ اسْتِئْنَافُ الصلاةِ. وقِيل: فيه وَجْهٌ آخَرُ، أنَّه يِبْنِى على ما مَضَى منها، كالذى سَبَقَهُ الحَدَثُ. والصَّحِيحُ أنَّه لا يَبْنِى؛ لأِنَّ الطَّهَارَةَ شَرْطٌ، وقد فاتَتْ بِبُطْلَانِ التَّيَمُّمِ، فلا يَجُوزُ بَقَاءُ الصَّلَاةِ مع فَوَاتِ شَرْطِها، ولا يَجُوزُ بَقَاءُ ما مَضَى صَحِيحًا مع خُرُوجِهِ منها قبلَ إتْمَامِها (٣). وكذا نَقُولُ فِيمَنْ سَبَقَهُ الحَدَثُ. وإنْ سَلَّمْنَا، فالفَرْقُ بينهما أنَّ ما مَضَى مِن الصَّلَاةِ انْبَنَى على طَهَارَةٍ ضَعِيفَةٍ ههُنا، فلم يَكُنْ له البِنَاءُ عليه، كطَهارةِ المُسْتَحاضةِ، بخِلافِ مَنْ سَبَقَهُ الحَدَثُ.
فصل: والمُصَلِّى على حَسَبِ حَالِه بِغَيْرِ وُضُوءٍ، ولا تَيَمُّمٍ، إذا وَجَدَ ماءً في الصَّلَاةِ، أو تُرَابًا خَرَجَ منها بِكُلِّ حَالٍ؛ لأنَّها صَلَاةٌ بغير طَهَارَةٍ. ويَحْتَمِلُ أنْ
стр. 405
يُخَرَّجَ فيها مِثْلُ ما في التَّيَمُّمِ إذا وَجَدَ الماءَ؛ إذأ قُلْنَا إنَّه (٤) لا تَلْزَمُهُ الإِعَادَةُ، ولأنَّ الطَّهارةَ شَرْطٌ سَقَطَ اعْتِبَارُه، فأشْبَهَتِ السُّتْرَةَ إذا عَجَزَ عنها، فَصَلَّ ى عُرْيَانًا، ثم وَجَدَ السُّتْرَةَ في أثناءِ الصَّلَاةِ قَرِيبًا منه. وكُلُّ صَلَاةٍ يَلْزَمُهُ إعَادَتُها، فإنَّه يَلْزَمُه الخُرُوجُ منها إذا زال العُذْرُ، ويَلْزَمُه اسْتِقْبَالُها. وإنْ قُلْنَا لا يَلْزَمُهُ إعَادَتُها، فإنَّها تُشْبِهُ صَلَاةَ المُتَيَمِّمِ إذا وَجَدَ الماءَ، على ما مَضَى مِن القَوْلِ فيها.
فصل: ولو يَمَّمَ المَيِّتَ، ثم قَدَرَ على الماءِ في أثْنَاءِ الصَّلَاةِ عليه، لَزِمَهُ الخُرُوجُ؛ لأنَّ غُسْلَ المَيِّتِ مُمْكِنٌ، غيرُ مُتَوَقِّفٍ على إبْطَالِ المُصَلِّى صَلَاتَهُ، بخِلَافِ مَسْأَلَتِنا. ويَحْتَمِلُ أنْ تكونَ كمَسْأَلَتِنا؛ لأنَّ الماءَ وُجِدَ بعدَ الدُّخُولِ في الصَّلَاةِ.
فصل: وإذا قُلْنَا لا يَلْزَمُ المُصَلِّىَ الخُرُوجُ لرُؤْيَةِ الماءِ، فهل يَجُوزُ له الخُرُوجُ؟ فيه وَجْهَان: أحَدُهما، له ذلك؛ لأنَّهُ شَرَعَ في مَقْصُودِ البَدَلِ، فَخُيِّرَ بَيْنَ الرُّجُوعِ إلى المُبْدَلِ، وبين إتْمَامِ ما شَرَعَ فيه، كَمَنْ شَرَعَ في صَوْمِ الكَفَّارَةِ، ثم أمْكَنَهُ (٥) الرَّقَبَةُ. والثاني، لا يَجُوزُ له الخُرُوجُ؛ لأنَّ مالا (٦) يُوجِبُ الخُرُوجَ مِنَ الصَّلَاةِ لَا يُبِيحُ الخُرُوجَ منها (٦)، كسائِرِ الأشْياءِ. ولأصْحَابِ الشَّافِعِىِّ وَجْهَان، كهذَيْن.
فصل: إذا رَأَى ماءً في الصَّلَاةِ، ثُم انْقَلَبَ قبلَ اسْتِعْمَالِه، فإنْ قُلْنَا يَلْزَمُه الخُرُوجُ مِن الصَّلَاةِ. فقد بَطَلَتْ صَلَاتُه وتَيَمُّمُهُ بِرُؤْيَةِ الماءِ، والقُدْرَةِ عليه، ويَلْزَمُه اسْتِئْنافُ التَّيَمُّمِ والصَّلَاةِ. وإنْ قُلْنَا لَا تَبْطلُ صَلَاتُه. وانْدَفَقَ وهو فيها، فقالَ ابْنُ عَقِيلٍ: ليس له أنْ يُصَلِّىَ بذلك التَّيَمُّمِ صَلَاةً أُخْرَى. وهذا مذهبُ الشَّافِعِىِّ؛ لأنَّ رُؤْيَةَ الماءَ حَرَّمَتْ عليه افْتِتَاحَ صَلَاةٍ أُخْرَى.
ولو تَلَبَّسَ بِنَافِلَةٍ، ثُم رَأَى مَاءً؛ فإنْ كان نَوَى عَدَدًا، أَتَى بِه. وإنْ لم يكنْ نَوَى عَدَدًا، لم يكنْ له أنْ يَزِيدَ على رَكْعَتَيْنِ؛ لأنَّه أَقَلُّ الصَّلَاةِ، على ظَاهِرِ المَذْهَبِ. قال (٧)
стр. 406
الشَّيْخُ، ﵀: ويَقْوَى عندى أَنَّنا إذا قُلْنا لا تَبْطُلُ الصَّلَاةُ بِرُؤْيَةِ الماءِ. فله افْتِتَاحُ صَلَاةٍ أُخْرَى؛ لأنَّ رُؤْيَةَ الماءِ لم تُبْطِل التَّيَمُّمَ، ولو بَطلَ لَبَطَلَتِ الصَّلَاةُ، وما وُجِدَ بعدَها ما (٨) يُبْطِلُهُ، فأشْبَهَ ما لو رَآهُ وبينَه وبينَه سَبُعٌ ثم انْدَفَقَ قبلَ زَوَالِ المانِعِ، له أنْ يُصَلِّىَ ما يَشَاءُ، كما لو لم يَرَ الماءَ.
فصل: إذا تَيَمَّمَ، ثم رَأَى رَكْبًا يَظُنُّ أنَّ معه مَاءً، وقُلْنَا بِوُجُوبِ الطَّلَبِ، أو رَأَى خُضْرَةً، أو شيئًا يَدُلُّ على الماءِ في مَوْضِعٍ يَلْزَمُه الطَّلَبُ فيه، بَطَلَ تَيَمُّمُه. وكذلك إنْ رَأَى سَرَابًا ظَنَّهُ مَاءً، بَطَلَ تَيَمُّمُهُ. وهذا مذهبُ الشَّافِعِيِّ؛ لأنَّه لَمَّا وَجَبَ الطَّلَبُ بَطلَ التَّيَمُّمُ. وسَوَاءٌ تَبَيَّنَ له خِلَافُ ظَنِّهِ أو لم يَتَبَيَّنْ. فأمَّا إنْ رَأَى الرَّكْبَ أو الخُضْرَةَ في الصلاةِ، لم تَبْطُلْ صَلَاتُهُ ولا تَيَمُّمُه؛ لأنَّهُ دَخَلَ فيها بِطَهَارَةٍ مُتَيَقَّنَةٍ، فلا تَزُولُ بالشَّكِّ. ويَحْتَمِلُ أنْ لا يَبْطُلَ تَيَمُّمُه أيضًا، إذا كان خَارِجًا مِن الصَّلَاةِ؛ لأنَّ الطَّهَارَةَ المُتَيَقَّنَةَ لا تَبْطُلُ بالشَّكِّ، كطَهارةِ الماءِ، وَوُجُوبُ الطَّلَبِ ليس بمُبْطِلٍ لِلتَّيَمُّمِ؛ لأنَّ كَوْنَه مُبْطِلًا إنَّمَا يَثْبُتُ بِدَلِيلٍ شَرْعِيٍّ، وليس في هذا نَصٌّ، ولا مَعْنَى نَصٍّ، فَيَنْتَفِى الدَّلِيلُ.
فصل: وإنْ خَرَجَ وَقْتُ الصَّلَاةِ، وهو فيها، بَطَلَ تَيَمُّمُهُ، وبَطَلَتْ صَلَاتُه؛ لأنَّ طَهَارَتَهُ انْتَهَتْ بانْتِهاءِ وَقْتِها، فَبَطَلَتْ صَلَاتُه، كما لو انْقَضَتْ مُدَّةُ المَسْحِ، وهو في الصَّلَاةِ.
فصل: ويَبْطُلُ التَّيَمُّمُ عن الحَدَثِ بِكُلِّ ما يُبْطِلُ الوُضُوءَ، ويَزِيدُ بِرُؤْيَةِ الماءِ المَقْدُور على اسْتِعْمَالِه، وخُرُوجِ الوَقْتِ، وزادَ بعضُ أصْحَابِنا ظَنَّ وُجُودِ الماءِ، على ما ذَكَرْنا، وزادَ بَعْضُهم ما لو نَزَعَ عِمَامَةً أو خُفًّا يَجُوزُ له المَسْحُ عليه؛ فإنَّه يَبْطُلُ تَيَمُّمُهُ. وذُكِرَ أنَّ أحمدَ نَصَّ عليه؛ لأنَّه مُبْطِلٌ لِلْوُضُوءِ، فأبْطَلَ التَّيَمُّمَ، كسائِرِ مُبْطِلَاتِهِ. والصَّحِيحُ أنَّ هذا ليس بِمُبْطِلٍ لِلتَّيَمُّمِ، وهذا قَوْلُ سَائِرِ الفُقَهَاءِ؛ لأنَّ التَّيَمُّمَ طَهَارَةٌ لم يَمْسَحْ فيها عليه، فلا يَبْطُلُ بِنَزْعِهِ، كطَهارةِ الماءِ، وكما لو كان
стр. 407
المَلْبُوسُ ممَّا لا يَجُوزُ المَسْحُ عليهِ. ولا يَصِحُّ قَوْلُهم: إنَّه مُبْطِلٌ لِلْوُضُوءِ؛ لأنَّ مُبْطِلَ الوُضُوءِ [نَزْعُ ما هو] (٩) مَمْسُوحٌ عليهِ فيه، ولم يُوجَدْ ههُنا، ولأنَّ إِبَاحَةَ المَسْحِ لا يَصِيرُ بها مَاسِحًا، ولا بمَنْزِلَةِ الماسِحِ، كما لو لَبِسَ عِمَامةً يَجُوزُ المَسْحُ عليها، ومَسَحَ على رَأْسِه مِنْ تَحْتِها، فإنَّه لا تَبْطُلُ طَهَارَتُه بِنَزْعِها.
فأمَّا التَّيَمُّمُ لِلْجَنَابَةِ، فلا يُبْطِلُهُ إلَّا رُؤْيَةُ الماءِ، وخُرُوجُ الوَقْتِ، ومُوجِبَاتُ الغُسْلِ. وكذلك التَّيَمُّمُ لِحَدَثِ الحَيْضِ والنِّفَاسِ، لا يَزُولُ حُكْمُهُ إلَّا بِحَدَثِهِما، أو بِأَحَدِ الأَمْرَيْنِ.
فصل: يَجُوزُ التَّيَمُّمُ لِكُلِّ ما يُتَطَهَّرُ له مِن نَافِلَةٍ، أو مَسِّ مُصْحَفٍ، أو قِرَاءَةِ قُرْآنٍ، أو سُجُودِ تِلَاوَةٍ، أو شُكْرٍ، أو لُبْثٍ في مسجدٍ. قال أحمدُ، يَتَيَمَّمُ ويَقْرَأُ جُزْأَهُ. يعْنِي الجُنُبَ. وبذلك قال عَطَاء، ومَكْحُولُ، والزُّهْرِيُّ، ورَبِيعةُ، ويحيى الأنْصَارِيُّ، ومالِكٌ، والشَّافِعِيُّ، والثَّوْرِيُّ، وأصْحابُ الرَّأْيِ. وقال أبو مَخْرَمَةَ (١٠): لا يَتَمَّمُ إلَّا لِمَكْتُوبَةٍ. وكَرِهَ الأَوْزَاعِيُّ أنْ يَمَسَّ المُتَيَمِّمُ المصحفَ. ولَنا، قَوْلُ النَّبِيِّ ﷺ : "الصَّعِيدُ الطَّيِّبُ طَهُورُ (١١) المُسْلِمِ، وإنْ لم يَجِد الماءَ عَشْرَ سِنِينَ"، وقَوْلُه ﵇: "جُعِلَتْ لِىَ الأَرْضُ مَسْجِدًا وطَهُورًا" (١٢). ولأنَّه يُسْتَبَاحُ بِطَهارةِ الماءِ، فَيُسْتَبَاحُ بالتَّيَمُّمِ، كالمَكْتُوبَةِ.
فصل: وإنْ كانَتْ على بَدَنِه نَجَاسَةٌ، وعَجَزَ عن غَسْلِها؛ لِعَدَمِ الماءِ، أو خَوْفِ الضَّرَرِ بِاسْتِعْمَالِه، تَيَمَّمَ لها وصَلَّى. قال أحمدُ: هو بِمَنْزِلَةِ الجُنُبِ، يَتَيَمَّمُ. ورُوِىَ مَعْنَى ذلك عن الحسنِ. ورُوِىَ عن الأوْزَاعِيِّ، والثَّوْرِىِّ، وأبي ثَوْرٍ: يَمْسَحُهَا بالتُّرَابِ، ويُصَلِّى؛ لأنَّ طَهارةَ النَّجَاسَةِ إنَّما تكونُ في مَحَلِّ النَّجَاسَةِ دُونَ غَيْرِه. وقال القاضي: يَحْتَمِلُ أنْ يكونَ مَعْنَى قَوْلِ أحمدَ: إنَّه بِمَنْزِلَةِ الجُنُبِ الذي يَتَيَمَّمُ، أي أنَّه
стр. 408
يُصَلِّى على حَسَبِ حالِه كما يُصَلِّى الجُنُبُ الذي يَتَيَمَّمُ، وهذا قَوْلُ الأكْثرين مِن الفُقهاءِ؛ لأنَّ الشَّرْعَ إنَّما وَرَدَ بِالتَّيَمُّمِ لِلْحَدَثِ، وغَسْلُ النَّجَاسَةِ ليس في مَعْناه؛ لأنَّه إنَّمَا يُؤْتَى بِه في مَحَلِّ النَّجاسةِ، لا في غيرِه، ولأنَّ مَقْصُودَ الغَسْلِ إِزَالةُ النَّجاسَةِ، ولا يَحْصُلُ ذلك بِالتَّيَمُّمِ. ولَنا، قَوْلُه ﵇: "الصَّعِيدُ الطَّيِّبُ طَهُورُ المُسْلِمِ، وَإنْ لَمْ يَجِدِ الماءَ عَشْرَ سِنِينَ"، وقَوْلُه: "جُعِلَتْ لِىَ الأَرْضُ مَسْجِدًا وَطَهُورًا"، ولأنَّها طَهارةٌ في البَدَنِ تُرَادُ لِلصَّلَاةِ، فجاز لها التَّيَمُّمُ عندَ عَدَمِ الماءِ، أو خَوْفِ الضَّرَرِ باسْتِعْمَالِه، كالحَدَثِ. ويُفَارِقُ الغَسْلُ التَّيَمُّمَ؛ فإنَّه في طَهارةِ الحَدَثِ يُؤْتَى بِه في غيرِ مَحَلِّه، فيما إذا تَيَمَّمَ لِجُرْحٍ في رِجْلِهِ، أو مَوْضِعٍ مِنْ بَدَنِهِ غيرِ وَجْهِهِ ويَدَيْهِ، بخِلَافِ الغَسْلِ، وقَوْلُهم: لم يَرِدْ بهِ الشَّرْعُ. قُلْنَا: هو دَاخِلٌ في عُمُومِ الأخْبَارِ، وفي مَعْنَى طَهارةِ الحَدَثِ؛ لِما ذَكَرْنا.
فإذا ثَبَتَ هذا، فإنَّهُ إذا تَيَمَّمَ لِلنَّجَاسَةِ وصَلَّى، فهل يَلْزَمُه الإِعادةُ؟ على رِوَايَتَيْنِ. وقال أبو الخَطَّاب: إنْ كان على جُرْحِهِ نَجَاسَةٌ يَسْتَضِرُّ بِإزَالَتِها، تَيَمَّمَ وصَلَّى، ولا إعَادَةَ عليه. وإنْ تَيَمَّمَ لِلنَّجَاسَةِ عندَ عَدَمِ الماءِ وصَلَّى، لَزِمَتْهُ الإِعادةُ عِنْدِى. وقال أصْحابُنا: لا تَلْزَمُه الإِعادةُ؛ لِقَوْلِه ﵇: "التُّرَابُ كَافِيكَ مَا لَمْ تَجِدِ الماءَ". ولأنَّها طَهَارَةٌ نابَ عنها التَّيَمُّمُ، فلم تَجِب الإِعادةُ فيها، كطَهارةِ الحَدَثِ، وكما لو تَيَمَّمَ لِنَجَاسَةٍ على جُرْحِهِ يَضُرُّهُ إزَالَتُها، ولأنَّهُ لو صَلَّى مِنْ غير تَيَمُّمٍ لم يَلْزَمْهُ الإِعادةُ، فمع التَّيَمُّمِ أَوْلَى. فأَمَّا إنْ كانتِ النَّجَاسَةُ على ثَوْبِهِ، أو غير بَدَنِه، فإنَّه لا يَتَيَمَّمُ لها؛ لأنَّ التَّيَمُّمَ طَهَارَةٌ في البَدَنِ، فلا يَنُوبُ عنْ (١٣) غيرِ البَدَنِ كالغَسْلِ، ولأنَّ غيرَ البَدَنِ لا ينَوُبُ فيه الجامِدُ عندَ العَجْزِ، بِخِلَافِ البَدَنِ.
فصل: فإن اجْتَمَعَ عليه نَجَاسَةٌ وحَدَثٌ، ومعه ما لا يَكْفِى إلَّا أحَدَهما، غَسَلَ النَّجَاسَةَ وتَيَمَّمَ لِلْحَدث. نَصَّ على هذا أحمدُ. وقال الخَلَّالُ: اتَّفَقَ أبو عبدِ اللَّه، وسفيانُ على هذا. ولا نَعْلَمُ فيه خِلَافًا؛ وذلك لأنَّ التَّيَمُّمَ لِلْحَدَثِ ثابِتٌ بالنَّصِّ والإِجْمَاعِ، ومُخْتَلَفٌ فيه لِلنَّجَاسَةِ. وإنْ كانتِ النَّجَاسَةُ على ثَوْبِهِ، قَدَّمَ غَسْلَها،
стр. 409
وتَيَمَّمَ لِلْحَدَثِ. ورُوِىَ عن أحمدَ: أنَّه (١٤) يَتَوَضَّأُ، ويَدَعُ الثَّوْبَ؛ لأنَّه واجِدٌ للماءِ، والوُضُوءُ أشَدُّ مِنْ غَسْلِ (١٤) الثَّوْبِ. وحَكَاهُ أبو حنيفة، عن حَمَّادٍ في الدَّمِ. والأوَّلُ أَوْلَى؛ لِمَا ذَكَرْنَاهُ، ولأنَّه إذا قَدَّمَ غَسْلَ (١٥) نجَاسَةِ البَدَنِ مع أنَّ لِلتَّيَمُّمِ فيها مَدْخَلًا، فتَقْدِيمُ طَهارةِ الثَوْبِ أَوْلَى. وإنِ اجْتَمَعَ نَجَاسَةٌ على الثَّوْبِ، ونَجَاسَةٌ على البَدَنِ، وليس معه إلَّا ما يَكْفِى أحَدَهُما، غَسَلَ الثَّوْبَ، وتَيَمَّمَ لِنَجَاسَةِ البَدَنِ؛ لأنَّ لِلتَّيَمُّمِ فيها مَدْخَلًا.
فصل: وإذا اجْتَمَعَ جُنُبٌ وَمَيِّتٌ ومَنْ عليها غُسْلُ حَيْضٍ، ومعهم مَاءٌ لا يَكْفِى إلَّا أحَدَهم؛ فإنْ كان مِلْكًا لِأحَدِهم، فهو أحَقُّ بهِ، فإنَّه (١٦) يَحْتَاجُ إليه لِنَفْسِه، ولا يَجُوزُ له بَذْلُه لغَيرِه، سَوَاءٌ كان مَالِكُه المَيِّتَ أوْ أَحَدَ الحَيَّيْنِ. وإنْ كان الماءُ لغيرِهم، وأرَادَ أن يَجُودَ به على أحَدِهم، فعن أحمدَ، ﵀ رِوايتان: إحْدَاهُما، المَيِّتُ أَحَقُّ به؛ لأَنَّ غُسْلَه خَاتِمَةُ طَهَارَتِه، فَيُسْتَحَبُّ أن تكونَ طهارةً كَامِلَةً، والحَيُّ يَرْجِعُ إلى الماءِ فيغْتَسِلُ، ولأنَّ القَصْدَ بِغُسْلِ المَيِّتِ تَنْظِيفُه، ولا يَحْصُلُ بالتَّيَمُّمِ، والحَيُّ يُقْصَدُ بِغُسْلِهِ إبَاحَةُ الصَّلَاةِ، ويَحْصُلُ ذلك بالتُّرَابِ. والثانية، الحَيُّ أَوْلَى؛ لأنَّه مُتَعَبِّدٌ بالغُسْلِ مع وُجُودِ الماءِ، والمَيِّتُ قد سَقَطَ الفَرْضُ عنه بالمَوْتِ. اخْتَارَ هذا الخَلَّالُ. وهل يُقَدَّمُ الجُنُبُ أو الحائِضُ؟ فيه وَجْهَانِ: أحدُهما، الحَائِضُ؛ لأنَّها تَقْضِى حَقَّ اللهِ تعالى، وحَقَّ زَوْجِها في إباحةِ وَطْئِها. والثاني، الجُنُبُ إذا كانَ رَجُلًا؛ لأنَّ الرَّجُلَ أحَقُّ بالكمالِ مِن المَرْأةِ، ولأنَّه يَصْلُحُ إمَامًا لها، وهي لا تَصْلُحُ لإِمَامَتِه. وإنْ كان على أحَدِهم نَجَاسَةٌ فهو أوْلَى به. وإنْ وَجَدُوا الماءَ في مكانٍ، فهو لِلأْحْيَاءِ؛ لأنَّ المَيِّتَ لا يجدُ شَيْئًا. وإنْ كان لِلْمَيِّتِ، ففَضَلَتْ منه فَضْلَةٌ، فهو لِوَرَثَتِه، فإنْ لم يكنْ له وَارِثٌ حَاضِرٌ، فَلِلْحَيِّ أَخْذُهُ بِقِيمَتِه؛ لأنَّ في تَرْكهِ إتْلَافَه. وقال بَعْضُ أصْحَابِنا: ليس له أَخْذُهُ؛ لأنَّ مَالِكَه لم
стр. 410
يَأْذَنْ له فيه، إلَّا أنْ يَحْتَاجَ إليه لِلْعَطَشِ، فيأْخُذَهُ بِشَرْطِ الضَّمَانِ. وإنِ اجْتَمَعَ جُنُبٌ ومُحْدِثٌ، فالْجُنُبُ أحَقُّ إنْ كان الماءُ يَكْفِيهِ؛ لأنَّه يَسْتَفِيدُ بهِ ما لا يَسْتَفِيدُه المُحْدِثُ. وإنْ كان وَفْقَ حَاجَةِ المُحْدِثِ فهو أوْلَى به (١٧)؛ لأنَّه يَسْتَفِيدُ به طَهارةً كَامِلةً. وإنْ كان لا يَكْفِى واحدًا منهما، فالْجُنُبُ أَوْلَى به؛ لأنَّه يَسْتَفِيدُ به تَطْهِيرَ بَعْضِ أعْضَائِه. وإنْ كان يَكْفِى كُلَّ وَاحِدٍ منهما، ويَفْضُلُ مِنْه فَضْلَةٌ (١٨) لا تَكْفِى الآخَرَ، فالمُحْدِثُ أَوْلَى؛ لأنَّ فَضْلَتَه يُمْكِنُ لِلْجُنُبِ اسْتِعْمَالُها، ويَحْتَمِلُ أنَّ الْجُنُبَ أَوْلَى؛ لأنَّه يَسْتَفِيدُ بِغُسْلِهِ ما لا يَسْتَفِيدُ المُحْدِثُ. وإذا تَغَلَّبَ مَنْ غَيْرُه أوْلَى منه على الماءِ، فاسْتَعْمَلَه، كان مُسِيئًا، وأجْزَأَهُ؛ لأَنَّ الآخَرَ لم يَمْلِكُهُ، وإنَّما رَجَحَ لِشِدَّةِ حَاجَتِهِ.
فصل: وهل يُكْرَهُ لِلْعَادِمِ جِمَاعُ زَوْجَتِه إذا لم يخَفِ العَنَتَ؟ فِيهِ رِوايَتان: إحْدَاهُما، يُكْرَهُ؛ لأنَّه يُفَوِّتُ على نَفْسِه طَهَارَةً مُمْكِنًا بَقَاؤُها. والثانيةُ، لا يُكْرَهُ، وهو قَوْلُ جابرِ بنِ زيد، والحسنِ، وقَتَادَةَ، والثَّوْرِيِّ، والأَوْزَاعِيِّ، وإسحاق، وأصْحَابِ الرَّأْىِ، وابنِ المُنْذِرِ. وحُكِىَ عن الأوْزَاعِيِّ: أنَّه إنْ كان بينَه وبينَ أهْلِه أرْبَعُ لَيَالٍ، فَلْيُصِبْ أهْلَه، وإن كانَ (١٩) ثَلاثٌ فما دُونَها، فلا يُصِبْها. والأَوْلَى جَوَازُ إصَابَتِها مِنْ غيرِ كَرَاهَةٍ؛ لأنَّ أبا ذَرٍّ قال للِنَّبِيِّ ﷺ : إنِّي أعْزُبُ عَنِ الماءِ وَمَعِى أَهْلِى، فَتُصِيبَنِى الجَنَابَةُ فأُصَلِّى بِغَيْر طَهُورٍ؟ فقال النبيُّ ﷺ : "الصَّعِيدُ الطَّيِّبُ طَهُورُ (٢٠) ". رواه أبو داود والنَّسَائِيُّ. وأصابَ ابنُ عَبَّاس مِنْ جَارِيَةٍ له رُومِيَّة، وهو عادِمٌ لِلمَاءِ، وصَلَّى بأصْحَابِه وفيهم عَمَّارٌ، فلم يُنْكِرُوهُ. قال إسحاق بن رَاهُويَه: هو سُنَّةٌ مَسْنُونَةٌ عنِ النَّبِيِّ ﷺ فىِ أبى ذَرٍّ وعَمَّارٍ وغَيْرِهما. فإذا فعلا ووجَدَا مِنْ الماءِ ما يَغْسِلانِ به فَرْجَيْهما غسلاهُما، ثم تَيَمَّمَا، وإن لم يَجِدَا، تَيَمَّمَا لِلْجَنابةِ والحَدَثِ الأَصْغَرِ والنَّجَاسَةِ، وصَلَّيَا.
стр. 411
٧٧ - مسألة؛ قال: (وإذَا شَدَّ الكَسِيرُ الجَبَائِرَ، وكانَ طَاهِرًا ولَمْ يَعْدُ بِهَا مَوْضِعَ الكَسْرِ، مَسَحَ عَلَيْها كُلَّمَا أَحْدَثَ، إلَى أَنْ يَحُلَّها)
الجَبائِرُ: ما يُعَدُّ لِوَضْعِهِ على الكَسْرِ؛ لِيَنْجَبِرَ. وقولُه: "ولم يَعْدُ بها مَوْضِعَ الكَسْرِ". أرادَ لَمْ يُجَاوِزِ (١) الكَسْرَ إلَّا بما لا بُدَّ مِن وَضْعِ الجَبِيرةِ عليه، فإنَّ الجَبِيرَةَ إنَّما تُوضَعُ على طَرَفَىِ الصّحِيحِ؛ لِيَرْجِعَ الكَسْرُ. قال الخَلَّالُ: كأنَّ أبا عبدِ اللهِ اسْتَحَبَّ أنْ يتَوَقَّى أنْ يَبْسُطَ الشَدَّ على الجُرْحِ بِمَا يُجَاوِزُه (٢)، ثم سَهَّلَ في مسألةِ المَيْمُونِيِّ والمَرُّوذِيِّ؛ لأنَّ هذا مِمَّا لا يَنْضَبِطُ، وهو شَدِيدٌ جِدًّا. ولا بَأْسَ بالمَسْحِ على العَصَائِبِ، كيف شَدَّهَا. والصَّحِيحُ ما ذكرْنَاه إنْ شاءَ اللهُ؛ لأنَّه إذا شَدَّهَا على مَكَانٍ يَسْتَغْنِى عن شَدِّهَا عليه، كانَ تَارِكًا لِغَسْلِ ما يُمْكِنُه غَسْلُه، مِن غيرِ ضَرَرٍ، فلمْ يَجُزْ، كما لو شَدَّها على ما لا كَسْرَ فيه، فإذا شَدَّهَا على طَهَارَةٍ، وخافَ الضَّرَرَ بِنَزْعِها، فلهُ أن يَمْسَحَ عليها، إلى أنْ يَحُلَّهَا. ومِمَّنْ رَأَىَ المَسْحَ على العَصَائِبِ ابْنُ عُمَرَ، وعُبَيْدُ بن عُمَيْر (٣)، وعَطَاء. وأجَازَ المَسْحَ على الجَبَائِرِ الحَسنُ، والنَّخَعِيُّ، ومَالِك، وإسحاق، والْمُزَنِيُّ، وأبو ثَوْرٍ، وأصْحابُ الرَّأْىِ. وقال الشَّافِعِيُّ، في أحَدِ قَوْلَيْه: يُعِيدُ كُلَّ صَلاةٍ صَلَّاهَا؛ لأنَّ اللهَ تَعالَى أمَرَ بالغَسْلِ، ولم يَأْتِ به. ولَنا، ما رَوَى عليّ، ﵁، قال: انْكَسَرَتْ إحْدَى زَنْدَيَّ (٤)، فأَمَرَنِى النَّبِيُّ ﷺ أنْ أَمْسَحَ على الجَبَائِرِ. رَوَاهُ ابنُ مَاجَه (٥). وحدِيثُ جابرٍ في الذي أصَابَتْهُ الشَّجَّةُ (٦)، ولأنَّه قَوْلُ ابْنِ عُمَرَ، [ولم نَعْرِفْ له في الصَّحابةِ مُخالِفًا] (٧)، ولأنَّه مَسَحَ على حَائِلٍ أُبِيحَ له المَسْحُ عليه، فلمْ تَجِبْ معه الإِعادةُ،
стр. 412
كالمَسْحِ على الخُفِّ.
فصل: ويُفَارِقُ مَسْحُ الجَبِيرةِ مَسْحَ الخُفِّ مِن خمسةِ أوْجُهٍ: أحدُها، أنَّه لا يَجُوزُ المَسْحُ عليها إلَّا عندَ الضَّرَرِ بِنَزْعِها، والخُفُّ خلافُ (٨) ذلك. والثاني، أنَّه يَجِبُ اسْتِيعَابُها بالمَسْحِ؛ لأنَّه لا ضَرَرَ في تَعْمِيمِها به، بخِلَافِ الخُفِّ؛ فإنَّه يشُقُّ تَعْمِيمُ جَمِيعِه، ويُتْلِفُه المَسْحُ. وإنْ كان بَعْضُها في مَحَلِّ الفَرْضِ، وبَعْضُها في غيرِه، مَسَحَ ما حَاذَى مَحَلَّ الفَرْضِ. نَصَّ عليه أحمدُ. الثالِثُ، أنَّه يَمْسَحُ على الجَيِيرَةِ مِن غيرِ تَوْقِيتٍ بِيَوْمٍ ولَيْلَةٍ ولا ثَلَاثَةِ أيَّامٍ؛ لأنَّ مَسْحَها لِلضَّرُورَةِ، فيقُدَّرُ بِقَدْرِها، والضرورَةُ تَدْعُو في مَسْحِها إلى حَلِّها، فيُقَدَّرُ بذلك دُونَ غَيْرِه. الرابعُ، أنَّه يَمْسَحُ عليها في الطَّهَارَةِ الكُبْرَى، بخِلَافِ غيرِها؛ لأنَّ الضَّرَرَ يَلْحَقُ بِنَزْعِها فيها، بِخِلَافِ الخُفِّ. الخامسُ، أنَّه لا يُشْتَرَطُ تَقَدُّمُ الطَّهَارَةِ على شَدِّها في إحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ. اخْتَارَه الخَلَّالُ وقال: قد رَوَى حَرْبٌ، وإسحاق، والمَرُّوذِيُّ، في ذلك سُهُولَةً عن أحمدَ. واحْتَجَّ بابْنِ عُمَرَ، وكأنَّه تَرَكَ قَوْلَه الأوَّل، وهو أَشْبَهُ؛ لأنَّ هذا مِمَّا لا يَنْضَبِطُ، ويَغْلُظُ على النَّاسِ جِدًّا، فلا بَأْسَ به. ويُقَوِّى هذا حَدِيثُ جَابِرٍ، في الذي أصَابَتْهُ الشَّجَّةُ، فإنَّه قال: "إنَّما كان يُجْزِئُه أن يَعْصِبَ على جُرْحِهِ خِرْقَةً، ويَمْسَحَ عَلَيْها". ولم يَذْكُر الطَّهَارَةَ، وكذلك أمَرَ عَلِيًّا أنْ يَمْسَحَ على الجَبَائِرِ، ولم يَشْتَرِطْ طَهَارَةً، ولأنَّ المَسْحَ عليها جازَ دفْعًا (٩) لِمَشَقَّةِ نَزْعِها، ونَزْعُها يَشُقُّ إذا لَبِسَها على غيرِ طَهَارَةٍ، كمَشَقَّتِه إذا لَبِسَها على طَهَارَةٍ. والرِّوايةُ الثانية: لا يَمْسَحُ عليها إلَّا أنْ يَشُدَّها على طَهارةٍ. وهو ظَاهِرُ كلامِ الْخِرَقِيِّ؛ لأنَّه حَائِلٌ يَمْسَحُ عليه، فكان مِنْ شَرْطِ المسْحِ عليه تَقَدُّمُ الطَّهارةِ، كسائِرِ المَمْسُوحَات. فعلى هذا إذا لَبِسَها على غيرِ طَهَارَةٍ، ثم خَافَ مِنْ نَزْعِها، تَيَمَّمَ لها. وكذا إذا تجاوزَ بالشَّدِّ عليها مَوْضِعَ الحاجةِ، وخافَ مِن نَزْعِها، تيَمَّمَ لها؛ لأنَّهُ مَوْضِعٌ يَخَافُ الضَّرَرَ باسْتِعْمَالِ الماءِ فيه، فيَتَيَمَّمُ له كالجُرْحِ نَفْسِه.
стр. 413
فصل: ولا يَحْتَاجُ مع مَسْحِهَا إلى تَيَمُّمٍ، ويَحْتَمِلُ أنْ يَتَيَمَّمَ مع مَسْحِها فيما إذا تَجاوزَ بها مَوْضِعَ الحاجَةِ؛ لأنَّ ما على مَوْضِعِ الحَاجَةِ يَقْتَضِى المَسْحَ، والزَّائِدُ يَقْتَضِى التَّيَمُّمَ، وكذلك فيما إذا شَدَّهَا على غيرِ طَهارةٍ؛ لأَنَّها مُخْتَلفٌ في إبَاحَةِ المَسْحِ عليها. فإذا قُلْنا: لا يَمْسَحُ عليها. كان فَرْضُها التَّيَمُّمَ. وعلى القَوْلِ الآخَرِ يكونُ فَرْضُها المَسْحَ. فإذا جَمَع بينهما خَرَجَ مِنَ الخِلَافِ، ومذهبُ الشَّافِعِيِّ في الجَمْعِ بِينهما قَوْلان في الجُمْلَةِ؛ لِحَدِيثِ جابِرٍ في الذي أصَابَتْهُ الشَّجَّةُ. ولَنا، أَنَّه مَحَلٌّ واحِدٌ، فلا يَجْمَعُ فيه بينَ بَدَلَيْنِ، كالخُفِّ، ولأنَّه مَمْسُوحٌ في طَهارةٍ، فلم يَجِبْ له التَّيَمُّمُ، كالخُفِّ، وصَاحِبُ الشَّجَّةِ، الظَّاهِرُ أنَّه لَبِسَها على غيرِ طَهَارَةٍ.
فصل: ولا فَرْقَ بينَ كَوْنِ الشَّدِّ على كَسْرٍ أو جُرْحٍ، [قال أحمدُ] (١٠): إذا تَوَضَّأَ، وخَافَ على جُرْحِهِ الماءَ، مَسَحَ على الخِرْقَةِ. وحَدِيثُ جَابِرٍ في صَاحِبِ الشَّجَّةِ إنَّما هو في المَسْحِ على عِصَابَةِ جُرْحٍ؛ لأَنَّ الشَّجَّةَ اسْمٌ لِجُرْحِ الرَّأْسِ خَاصَّةً، ولأنَّه حائِلُ مَوْضِعٍ يخَافُ الضَّرَرَ بِغَسْلِهِ، فأشْبَهَ الشَّدَّ على الكَسْرِ. وكذلك إنْ وَضَعَ على جُرْحِهِ دَوَاءً، وخَافَ مِنْ نَزْعِه، مَسَحَ عليه. نَصَّ عليه أحمدُ. قال الأثْرَمُ: سألْتُ أبا عبد اللهِ عَن الجُرْحِ يكونُ بالرَّجُلِ، يَضَعُ عليه الدَّوَاءَ، فيَخَافُ إنْ نَزَعَ الدَّوَاءَ إذا أرَادَ الوُضُوءَ أنْ يُؤْذِيَهُ؟ قال: ما أدْرِى ما يُؤذِيه! ولكنْ إذا خَافَ على نَفْسِه، أوْ خُوِّفَ مِنْ ذلك، مَسَحَ عليه. ورَوَى الأثْرَمُ، بإسْنَادِهِ، عن ابْنِ عُمَرَ، أنَّه خَرَجَتْ بإبْهَامِهِ قُرْحَةٌ، فأَلْقَمَها مَرَارَةً، فكان يَتَوَضَّأُ عليها.
ولو انْقَلَعَ (١١) ظُفْرُ إنْسَانٍ، أو كان بِأصْبَعِه جُرْحٌ خافَ إنْ أَصابَهُ الماءُ أنْ يَزْرَقَّ الجُرْحُ، جَازَ المَسْحُ عليهِ. نَصَّ عليه أحمدُ. وقال القاضي، في اللُّصُوقِ على الجروح (١٢):
стр. 414
[إنْ لَمْ يكُنْ في نَزْعِهِ ضَرَرٌ، نَزَعَهُ، وغَسَلَ الصَّحِيحَ، ويَتَيَمَّمُ لِلْجُرْحِ، ويَمْسَحُ على مَوْضِعِ الجُرْحِ، فإنْ كان في نَزْعِهِ ضَرَرٌ، فَحُكْمُه] (١٣) حُكْمُ الجَبِيرَةِ، يَمْسَحُ عليه.
فصل: فإنْ كان في رِجْلِهِ شَقٌّ، فَجَعَلَ فيه قِيرًا (١٤)، فقال أحمدُ: يَنْزِعُه ولا يَمْسَحُ عليه. وقال: هذا أهْوَنُ، هذا لا يُخَافُ مِنه. فقِيل له: مَتَى يَسَعُ صاحِبَ الجُرْحِ أنْ يَمْسَحَ على الجُرْحِ؟ فقال: إذا خَشِىَ أنْ يَزْدَادَ وَجَعًا أو شِدَّةً. وتَعْلِيلُ أحمدَ في الْقِيرِ بِسُهُولَتِه يَقْتَضِى أنَّه مَتَى كان على شيءٍ يَخَافُ منه، جَازَ المَسْحُ عليه، كما قُلْنا في الإِصْبَعِ المَجْرُوحَةِ إذا جَعَلَ عليها مَرَارَةً، أوْ عَصَبَها، مَسَحَها. وقال مالِك في الظُّفْرِ يَسْقُطُ: يَكْسُوهُ مَصْطَكَا (١٥)، ويَمْسَحُ عليه. وهو قَوْلُ أصْحَابِ الرَّأْىِ.
فصل: وإذا (١٦) لم يكنْ على الجُرْحِ عِصَابٌ، فقد ذَكَرْنا فيما تَقَدَّمَ، أنَّه يَغْسِلُ الصَّحِيحَ، ويَتَيمَّمُ لِلجَرِيحِ (١٧). وقد رَوَى حَنْبَلٌ، عن أحمدَ، في المَجْرُوحِ والمَجْدُورِ يُخَافُ عليه، يَمْسَحُ مَوْضِعَ الجُرْحِ، ويَغْسِلُ ما حَوْلَه. يَعْنِى يَمْسَحُ إذا لم يكنْ عليه عِصَابٌ.
стр. 415
بابُ المَسْحِ على الخُفَّيْنِ
المَسْحُ على الخُفَّيْنِ جَائِزٌ عندَ عامَّةِ أهْلِ العِلْمِ. حَكَى ابنُ المُنْذِرِ عن ابنِ المُباركِ قال: ليس في المَسْحِ على الخُفَّيْنِ اخْتِلَافٌ أنَّه جائِزٌ. وعن الحسنِ قال: حَدَّثَنِى سَبْعُونَ مِنْ أصحابِ رسولِ اللهِ ﷺ أنَّ رسولَ اللهِ ﷺ مَسَحَ على الخُفَّيْنِ. ورَوَى البُخَارِيُّ، عن سَعْدِ بنِ مالِكٍ، والمُغِيرَةِ، وعَمْرِو بنِ أُمَيَّة (١٨). أنَّ النَّبِيَّ ﷺ مَسَحَ على الخُفَّيْنِ. ورَوَى أبو داود، (١٩) عن جَرِيرِ بنِ عبدِ اللهِ، أنَّه
стр. 416
تَوَضَّأَ، ومَسَحَ على الخُفَّيْنِ، فقِيلَ له: أتَفْعَلُ هذا؟ قال: مَا يَمْنَعُنِى أنْ أمْسَحَ، وقد رَأيْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَمْسَحُ! فقِيلَ له: قَبْلَ نُزُولِ المائِدَةِ أو بَعْدَهُ؟ فقال: ما أسْلَمْتُ إلَّا بعدَ نُزُولِ المائِدَةِ. وفي رِوَايةٍ، أنَّه (٢٠) قال: إنِّي رَأيْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ بَالَ، ثم تَوَضَّأَ، ومَسَحَ على خُفَّيْه. قال إبراهيمُ (٢١): فكان يُعْجِبُهُم هذا؛ لأنَّ إسْلَامَ جَرِيرٍ كان بعدَ نُزُولِ المائِدَةِ. مُتَّفَقٌ عليه. ورَوَاهُ حُذَيْفَة (٢٢)، والمُغِيرَة (٢٣)، عن النَّبِيِّ ﷺ ، مُتَّفَقٌ عليهما. قال أحمدُ: ليس في قَلْبِي مِن المَسْحِ شَيءٌ، فيه (٢٤) أرْبَعُونَ حَدِيثًا عن أصْحَابِ رَسُولِ اللهِ ﷺ ، مَا رفعُوا إلى النَّبِيِّ، ومَا وقَفُوا.
فصل: ورُوِيَ عن أحمدَ، أَنَّه قال: المَسْحُ أفْضَلُ. يَعْنِى مِن الغَسْلِ؛ لأنَّ النَّبِيَّ ﷺ وأصْحَابَه إنَّما طَلَبُوا الفَضْلَ. وهذا مَذْهَبُ الشَّافِعِىِّ، والحَكَمِ، وإسْحَاق؛ لأنَّه رُوِىَ عن النَّبِيِّ ﷺ ، أنَّه قال: "إنَّ اللهَ يُحِبُّ أنْ يُؤْخَذَ بِرُخَصِهِ". (٢٥) وما
стр. 417
خُيِّرَ رسُولُ اللهِ ﷺ بَيْنَ أَمْرَيْنِ، إلَّا اخْتَارَ أَيْسَرَهُما (٢٦)، ولأنَّ فيه مُخَالَفَةَ أهْلِ البِدَعِ، وقد رُوِىَ عن سُفْيَانَ الثَّوْرِىِّ أنَّه قال لِشُعَيْبِ بنِ حَرْبٍ (٢٧): لا يَنْفَعُكَ ما كَتَبْتَ، حتى تَرَى المَسْحَ على الخُفَّيْنِ أفْضَلَ مِن الغَسْلِ. ورَوَى حَنْبَلٌ، عن أحمدَ، أنَّه قال: كُلُّهُ جَائِزٌ، المَسْحُ والغَسْلُ، ما في قَلْبِى مِنَ المَسْحِ شيءٌ، ولا من الغَسْلِ. وهذا قَوْلُ ابْنِ المُنْذِرِ. ورُوِىَ عن ابنِ عُمَرَ، أنَّه أمَرَهُمْ أنْ يَمْسَحُوا على خِفَافِهِم، وخَلَعَ خُفَّيْه، وتَوَضَّأ، وقال: حُبِّبَ إلَىَّ الوُضُوءُ. وقال ابنُ عُمَرَ: إنِّي لَمُولَعٌ بِغَسْلِ قَدَمَىَّ، فلا تَقْتَدُوا بِى. وقِيل: الغَسْلُ أفْضَلُ، لأنَّه المَفْرُوضُ في كِتابِ اللهِ تعالى، والمَسْحُ رُخْصَةٌ. وقد ذَكَرْنَا مِنْ حديثِ رسولِ اللهِ ﷺ : "إنَّ اللهَ يُحِبُّ أنْ تُقْبَلَ رُخَصُهُ".
٧٨ - مسألة؛ قال أبو القاسِم، ﵀: (ومَنْ لَبِسَ خُفَّيْهِ، وَهُوَ كامِلُ الطَّهَارَةِ، ثُمَّ أَحْدَثَ، مَسَحَ عَلَيْهِما)
لا نعلمُ في اشْتِرَاطِ تَقَدُّمِ الطَّهَارَةِ لِجَوَازِ المَسْحِ خِلافًا. ووَجْهُه: ما روى المُغِيرَةُ، قال: كنتُ مع النَّبِيِّ ﷺ في سَفَرٍ، فأهْوَيْتُ لأَنْزِعَ خُفَّيْهِ، فقال: "دَعْهُما فإنِّى أدْخَلْتُهُما طَاهِرَتَيْنِ" فمَسَحَ عليْهِما. مُتَّفَقٌ عليه (١). فأمَّا إنْ غَسَلَ
стр. 418
إحْدَى رِجْلَيْهِ، فأدْخَلَها الخُفَّ، ثم غَسَلَ الأُخْرَى وأَدْخَلَها الخُفَّ، لم يَجُز المَسْحُ أيضًا. وهو قَوْلُ الشَّافِعِيِّ، وإسْحَاق، ونَحْوُه عن مَالِكٍ. [وحَكَى بَعْضُ أصحابِنا رِوَايَةً أُخْرَى عن أحمدَ] (٢)، أنَّه يجوزُ المَسْحُ. رَوَاهَا أبو طالِبٍ عنه، وهو قَوْلُ يحيى بنِ آدَم، وأبى ثَوْرٍ، وأصْحاب الرَّأْىِ، لأنَّه أحْدَثَ بعدَ كَمَالِ الطَّهَارَةِ واللُبْسِ، فجازَ المَسْحُ، كما لو نَزَعَ الخُفَّ الأَوَّلَ ثم عادَ فلَبِسَهُ. وقِيل أيضًا، فِيمَنْ غَسَلَ رِجْلَيْه، ولَبِسَ خُفَّيْه، ثم غَسَلَ بَقِيَّةَ أَعْضَائِهِ: يجوزُ له المَسْحُ. وذلك مَبْنِيٌّ على أنَّ الترْتِيبَ غيرُ وَاجِبٍ في الوُضُوءِ، وقد سَبَقَ. ولَنا، قَوْلُ النَّبِيِّ ﷺ : "دَعْهُمَا، فإنِّي أَدْخَلْتُهُما طَاهِرَتَيْنِ". وفِي لَفْظٍ لأبي داود: "دَعِ الخُفَّيْنِ، فَإنِّي أدْخَلْتُ القَدَمَيْنِ الخُفَّيْنِ وَهُمَا طَاهِرَتَانِ". فجَعَلَ العِلَّةَ وُجُودَ الطَّهَارَةِ فيهما جميعًا وَقْتَ إدْخالِهِما، ولم تُوجَدْ طَهَارَتُهما وَقْتَ لُبْسِ الأَوَّلِ، ولأَنَّ ما اعْتُبِرَتْ له الطَّهارةُ اعْتُبِرَ له كَمَالُها؛ كالصَّلَاةِ، ومَسِّ المُصْحَفِ، ولأنَّ الأوَّلَ خُفٌّ مَلْبُوسٌ قَبْلَ رَفْعِ الحَدَثِ، فلم يَجُز المَسْحُ عليه، كما لوْ لَبِسَهُ قبلَ غَسْلِ قَدَمِه (٣)، ودَلِيلُ بَقَاءِ الحَدَثِ أنَّه لا يجوزُ له مَسُّ المُصْحَفِ بالعُضْوِ المَغْسُولِ، فأمَّا إذا نَزَعَ الخُفَّ الأوَّلَ، ثمَّ لَبِسَهُ، فقدْ لَبِسَهُ بعدَ كَمَالِ الطَّهارةِ.
وقَوْلُ الْخِرَقِيِّ: "ثم أحْدَثَ". يَعْنِي الحَدَثَ الأصْغَرَ؛ فإنَّ جَوَازَ المَسْحِ مُخْتَصٌّ به، ولا يُجْزِىءُ المَسْحُ في جَنابةٍ، ولا غُسْلٍ وَاجِبٍ، ولا مُسْتَحَبٍّ، لا نَعْلَمُ في هذا خِلافًا. وقد رَوَى صَفْوَانُ بنُ عَسَّالٍ المُرَادِيُّ، قال: كان رسولُ اللهِ ﷺ يَأْمُرُنا إذا كُنَّا مُسَافِرِينَ، أو سَفْرًا، أنْ لا نَنْزِعَ خِفَافَنَا ثَلاثَةَ أيَّامٍ ولَيَالِيهِنَّ، إلَّا مِنْ جَنَابَةٍ، لكنْ مِنْ غائِطٍ وبَوْلٍ ونَوْمٍ. رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ (٤). وقال:
стр. 419
حَدِيثٌ صَحِيحٌ. ولأنَّ وُجُوبَ الغُسْلِ يَنْدُرُ، فلا يَشُقُّ إيجَابُ غَسْلِ القَدَمِ، بخِلافِ الطَّهارَةِ الصُّغْرَى، ولذلك وَجَبَ غَسْلُ ما تَحْتَ الشُّعُورِ الكثِيفة، وهكذا الحُكْمُ في العِمَامَةِ، وسائِرِ الحوائِلِ، إلَّا الجَبِيرَةَ وما في مَعْناها.
فصل: فإنْ تَطَهَّرَ، ثم لَبِسَ الخُفَّ، فأحْدَثَ قبلَ بُلُوغِ الرِّجْلِ قَدَمَ الخُفِّ، لم يَجُزْ له المَسْحُ؛ لأنَّ الرِّجْلَ حَصَلَت في مَقَرِّها وهو مُحْدِثٌ، فصارَ كما لو بَدَأ اللُّبْسَ وهو مُحْدِثٌ.
فصل: فإنْ تَيَمَّمَ، ثم لَبِسَ الخُفَّ، لم يكنْ له المَسْحُ؛ لأنَّه لَبِسَهُ على طَهارَةٍ غيرِ كامِلَةٍ، ولأنَّها طهارَةُ ضَرُورَةٍ، بَطَلَتْ مِنْ أَصْلِها، فصارَ كاللَّابِسِ له على غيرِ طهارَةٍ، ولأنَّ التَّيَمُّمَ لا يَرْفَعُ الحَدَثَ، فقد لَبِسَه وهو مُحْدِثٌ. وإنْ تَطَهَّرَتِ المُسْتَحَاضَةُ، ومَنْ بِهِ سَلَسُ البَوْلِ، وشِبْهُهُما، ولَبسُوا خِفَافًا، فلهم المَسْحُ عليها. نَصَّ عليه أحمدُ؛ لأنَّ طَهارَتَهُم كامِلَةٌ في حَقِّهِم. قال ابْنُ عَقِيلٍ: لأنَّها مُضْطَرَّةٌ إلى التَّرَخُّصِ، وأَحَقُّ مَنْ يتَرَخَّصُ (٥) المُضْطَرُّ. فإن انْقَطَعَ الدَّمُ، وزَالَت الضَّرُورَةُ، بَطَلَتَ الطَّهارَةُ مِنْ أصْلِها، ولم يكنْ لها المَسْحُ، كالمُتَيَمِّمِ إذا وَجَدَ الماءَ.
فصل: إذا لَبِسَ خُفَّيْنِ، ثم أحْدَثَ، ثم لَبِسَ فوقَهُما خُفَّيْنِ أو جُرْمُوقَيْنِ (٦)، لم يَجُزِ المَسْحُ عليهما، بِغيرِ خِلَافٍ؛ لأنَّه لَبِسَهُما على حَدَثٍ. وإنْ مَسَحَ على الأَوَّلَيْنِ، ثم لَبِسَ الجُرْمُوقَيْنِ، لم يَجُزِ المَسْحُ عليهما أيضًا. ولأصْحَابِ الشَّافِعِيِّ وَجْهٌ في تَجْوِيزِه؛ لأنَّ المَسْحَ قائِمٌ مَقَامَ غَسْلِ القَدَمِ. ولَنا، أنَّ المَسْحَ على الخُفِّ لم يُزِل الحَدَثَ عَنِ الرَّجُلِ، فكأنَّه لَبِسَه على حَدَثٍ، ولأنَّ الخُفَّ المَمْسُوحَ عليه بَدَلٌ، والبَدَلُ لا يكونُ له بَدَلٌ، ولأنَّهُ لَبِسَهُ على طَهَارَةٍ غيرِ كامِلَةٍ، فأشْبَهَ المُتَيَمِّمَ. وإنْ لَبِسَ الفَوْقَانِيَّ قبلَ أنْ يُحْدِثَ، جَازَ المَسْحُ عليه بِكُلِّ حَالٍ، سَوَاءٌ كان الذي تحتَه صَحِيحًا أو مُخَرَّقًا. وهو قَوْلُ الحسنِ بنِ صَالِحٍ، والثَّوْرِيِّ، والأوْزَاعِيِّ،
стр. 420
وأصْحَابِ الرَّأْىِ، ومَنَعَ منه مالِكٌ في إحْدَى رِوَايَتَيْه، والشَّافِعِيُّ في أحَدِ قَوْلَيْه؛ [لأنَّ الحاجَةَ لا تَدْعُو إلى لُبْسِه في الغالِبِ، فلا يَتَعَلَّقُ به رُخْصَةٌ عَامَّةٌ، كالجَبِيرَةِ] (٧). ولَنا، أنَّه خُفٌّ ساتِرٌ يمكنُ مُتابَعَةُ المَشْىِ فيه، أشْبَهَ المُنْفَرِدَ (٨)، وكما لو كان الذي تحتَه مُخَرَّقًا، وقَوْلُه: "الحَاجَةُ لا تَدْعُو إليه". مَمْنُوعٌ؛ فإنَّ البِلَادَ البارِدَةَ لا يَكْفِى فيها خُفٌّ وَاحِدٌ غالِبًا، ولو سَلَّمْنَا ذلك، ولَكِن الحاجَةَ مُعْتَبَرَةٌ بِدَلِيلِها، وهو الإِقْدَامُ على اللُّبْسِ، لا بِنَفْسِها، فهو كالخُفِّ الوَاحِدِ. إذا ثَبَتَ هذا فمتى نَزَعَ الفَوْقَانِيَّ قبلَ مَسْحِهِ، لم يُؤَثِّرْ ذلك، وكان لُبْسُه كعَدَمِه، وإنْ نَزَعَهُ بعدَ مَسْحِه، بَطَلَتِ الطَّهَارَةُ، ووَجَبَ نَزْعُ الخُفَّيْنِ وغَسْلُ الرِّجْلَيْنِ؛ لِزَوَالِ مَحَلِّ المَسْحِ. ونَزْعُ أحَدِ الخُفَّيْنِ كنَزْعِهِما؛ لأنَّ الرُّخْصَةَ تَعَلَّقَتْ بهما، فصَارَ كانْكِشَافِ القَدَمِ، ولو أدْخَلَ يَدَهُ مِن تَحْتِ الفَوْقَانِيِّ، ومَسَحَ الذي تحتَه، جازَ؛ لأنَّ كُلَّ وَاحِدٍ منهما مَحَلٌّ لِلْمَسْحِ، فجازَ المَسْحُ على ما شاءَ منهما، كما يَجُوزُ غَسْلُ قَدَمِهِ في الخُفِّ، مع أنَّ له المَسْحَ عليه. ولو لَبِسَ أحَدَ الجُرْمُوقَيْنِ في إحْدَى الرِّجْلَيْنِ دُونَ الأُخْرَى، جازَ المَسْحُ عليه، وعلى الخُفِّ الذي في الرِّجْلِ الأُخْرَى؛ لأنَّ الحُكْمَ تَعَلَّقَ به وبالخُفِّ في الرِّجْلِ الأُخْرَى، فهو كما لو لم يكنْ تَحْتَهُ شيءٌ.
فصل: فإنْ لَبِسَ خُفًّا مُخَرَّقًا فَوْقَ صَحِيحٍ، فعن أحمدَ، جَوَازُ المَسْحِ. قال، في رِوايةِ حَرْب: الخُفُّ (٩) المُخَرَّقُ إذا كان في رِجْلَيْهِ جَوْرَبٌ، مَسَحَ، وإنْ كان الخُفُّ مُنْخَرِقًا، وأمَّا إنْ كان تَحْتَه لَفَائِفُ أو خِرَقٌ، فلا يَجُوزُ المَسْحُ. نَصَّ عليه أحمدُ في مَوَاضِعَ. ووَجْهُه أنَ القَدَمَ مَسْتُورٌ (٩) بما يَجُوزُ المَسْحُ عليه، فَجَازَ المَسْحُ كما لو كان السُّفْلَانِيُّ مَكْشُوفًا، بخِلَافِ ما إذا كان تحتَه لُفَافَةٌ. وقال القاضي وأصْحابُه: لا يَجُوزُ المَسْحُ إلَّا على التَّحْتَانِيِّ؛ لأنَّ الفَوْقَانِيَّ لا يَجُوزُ المَسْحُ عليه مُنْفَرِدًا (١٠)، فلم يَجُزِ المَسْحُ عليه مع غيرِه، كالذى تحتَهُ لُفَافَةٌ، وإنْ لَبِسَ مُخَرَّقًا
стр. 421
على مُخَرَّقٍ، فاسْتَتَرَ القَدَمُ بهما، احْتَمَلَ أنْ يكونَ كالتى قَبْلَها؛ لأنَّ القَدَمَ مَسْتُورٌ بالخُفَّيْنِ، فأَشْبَهَ المَسْتُورَ بالصَّحِيحَيْنِ، أو صَحِيحٍ ومُخَرَّقٍ، واحْتَمَلَ أنْ لا يَجُوزَ؛ لأنَّ القَدَمَ لم يَسْتتِرْ بِخُفٍّ صَحِيحٍ، بِخِلافِ التي قَبْلهَا.
فصل: وإنْ لَبِسَ الخُفَّ بعدَ طَهَارَةٍ مسَحَ فيها على العِمَامَةِ، أو العِمَامَةَ بعدَ طَهَارَةٍ مَسَحَ فيها على الخُفِّ، فقال بعضُ أصْحَابِنا: ظَاهِرُ كَلاِمِ أحمدَ: أنَّه لا يَجُوزُ المَسْحُ، لأَنَّهُ لَبِسَ على طَهَارَةٍ مَمْسُوحٍ فيها على بَدَلٍ، فلم يَسْتَبِحِ المَسْحَ باللُّبْسِ فيها، كما لو لَبِسَ خُفًّا على طَهَارَةٍ مَسَحَ (١١) فيها على خُفٍّ. وقال القاضي: يَحْتَمِلُ جَوَازُ المَسْحِ؛ لأنَّها طَهَارَةٌ كامِلَةٌ، وكُلُّ وَاحِدٍ منهما ليس بِبَدَلٍ عَنِ الآخَرِ، بِخِلافِ الخُفِّ المَلْبُوسِ على خُفٍّ مَمْسُوحٍ عليه.
فصل: وإنْ لَبِسَ الجَبِيرَةَ على طَهَارَةٍ مَسَحَ فيها على خُفٍّ أو عِمَامةٍ، وقُلْنَا ليس مِنْ شَرْطِهَا الطَّهَارَةُ، جَازَ المَسْحُ بكُلِّ حَالٍ، وإنْ اشْتَرَطْنَا لها الطَّهَارَةَ، احْتَمَلَ أنْ يكونَ كالعِمَامَةِ المَلْبُوسَةِ على طَهَارَةٍ مَسَحَ فيها على الخُفِّ، واحْتَمَلَ جَوَازَ المَسْحِ بِكُلِّ حَالٍ؛ لأنَّ مَسْحَهَا عَزِيمَةٌ، وإنْ لَبِسَ الخُفَّ على طَهَارَةٍ مَسَحَ فيها على الجَبِيرَةِ، جَازَ المَسْحُ عليهِ، لأَنَّها عَزِيمَةٌ، ولأنَّها إنْ كانَتْ ناقِصَةً فهو لِنَقْصٍ لم يَزَلْ، فلمْ يَمْنَعْ جَوَازَ المَسْحِ، كنَقْصِ طَهَارَةِ المُسْتَحَاضَةِ قبلَ زَوَالِ عُذْرِها. وإنْ لَبِسَ الجَبِيرَةَ على طَهَارَةٍ مَسَحَ فيها على الجَبِيرَةِ، جازَ المَسْحُ، لما ذَكَرْنَاهُ.
٧٩ - مسألة؛ قال: (يَوْمًا ولَيْلَةً لِلْمُقِيمِ، وثَلَاثَةَ أَيَّامٍ ولَيَالِيهنَّ لِلْمُسَافِرِ)
قال أحمدُ: التَّوْقِيتُ ما أثْبَتُّهُ في المَسْحِ على الخُفَّيْنِ. قيل له: تَذْهَبُ إليه؟ قال: نعم، وهو مِنْ وُجُوهٍ. وبهذا قال عُمَرُ، وعليّ، وابنُ مَسْعُودٍ، وابْنُ عَبَّاس، وأبو زَيْدٍ، وشُرَيْح، وعَطَاء، والثَّوْرِىُّ، وإسحاق، وأصْحابُ الرَّأْىِ، وهو ظَاهِرُ مَذْهَبِ الشَّافِعِىِّ. وقال اللَّيْثُ: يَمْسَحُ ما بَدَا له. وكذلك قال مَالِكٌ في المُسَافِرِ. وله فِي المُقِيمِ رِوايَتانِ؛ إحْدَاهُما يَمْسَحُ، مِنْ غيرِ تَوْقِيتٍ. والثانيةُ لا يَمْسَحُ؛ لِما
стр. 422
رَوَى أُبَيُّ بنُ عُمارةَ، قال: قُلْتُ: يا رسولَ اللهِ، أمْسَحُ (١) على الخُفَّيْنِ؟ قال: "نَعَمْ". قُلْتُ: يَوْمًا؟ [قال: "يَوْمًا". قُلْتُ: "ويَوْمَيْنِ] (٢) "، قال: "ويَوْمَيْنِ". قُلْتُ: وثَلَاثَةً؟ قال: "ومَا شِئْتَ". رواهُ أبو داود (٣)، ولأنَّهُ مَسْحٌ في طَهَارَةٍ، فلم يَتَوَقَّتْ، كَمَسْحِ الرَّأْسِ والجَبِيرَةِ (٤). ولَنا، ما رَوَى علىّ، رَضِىَ اللهُ عنه، أنَّ النَّبِىَّ ﷺ جَعَلَ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ ولَيَالِيهِنَّ لِلْمُسَافِرِ، ويَوْمًا ولَيْلَةً لِلْمُقِيمِ. رواهُ مُسْلِم (٥)، وحَدِيثُ صَفْوانَ بنِ عَسَّالٍ، وقد ذَكَرْنَاهُ (٦)، وعَنْ عَوْفِ بنِ مالِكٍ الأشْجَعِىِّ، أنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ أمَرَ بالمَسْحِ على الخُفَّيْنِ في غَزْوَةِ تَبُوك، ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ ولَيَالِيهِنَّ لِلْمُسَافِرِ، ويَوْمًا ولَيْلَةً لِلْمُقِيمِ. رواهُ الإِمامُ أحمدُ (٧)، وقال: هو أجْوَدُ حَدِيثٍ في المَسْحِ على الخُفَّيْنِ؛ لأنَّه في غَزْوَةِ تَبُوكَ، وهى آخِرُ غَزْوَةٍ (٨) غَزَاهَا النَّبِىُّ ﷺ ، وهو آخِرُ فِعْلِه، وحَدِيثُهُم ليس بالقَوِىِّ. قاله أبو داود. وفِي إسْنَادِهِ مَجَاهِيلُ، منهم: عَبْدُ الرَّحْمَنِ بنْ رَزِين، وأيُّوبُ بنُ قَطَن، ومحمد بنُ زيد. ويَحْتَمِلُ أنَّهُ يَمْسَحُ ما شَاءَ، إذا نَزَعَهُما عندَ انْتِهاءِ مُدَّتِهِ ثُمَّ لَبِسَهُما. ويَحْتَمِلُ أنَّه قال: "وَمَا شِئْتَ" مِنَ اليَوْمِ واليَوْمَيْنِ والثَّلَاثَةِ. ويَحْتَمِلُ أنَّه مَنْسُوخٌ بأحَادِيثِنا؛ لأنَّها مُتَأَخِّرَةٌ، لِكَوْنِ حَدِيثِ عَوْف في غَزْوَةِ تَبُوكَ، وليس بينها وبينَ وَفَاةِ رَسُولِ اللهِ ﷺ إلَّا شيءٌ يَسِيرٌ، وقِيَاسُهُم يَنْتَقِضُ بالتَّيَمُّمِ.
فصل: إذا انْقَضَتِ المُدَّةُ بَطَلَ الوُضُوءُ، وليس له المَسْحُ إلَّا أنْ يَنْزِعَهُما ثم
стр. 423
يَلْبِسَهُما على طَهَارَةٍ كَامِلَةٍ. وفيه رِوَايةٌ أُخْرَى، أَنَّه يُجْزِئُه غَسْلُ قَدَمَيْهِ، كما لو خَلَعَهُما. وسنذْكُرُ ذلك والخِلَافَ فيه، إنْ شاءَ اللهُ تعالى. وقال الحسنُ: لا يَبْطُلُ الوُضُوءُ، ويُصَلِّى حتَّى يُحْدِثَ، ثم لا يَمْسَحُ بعدُ حتى يَنْزِعَهُما. وقال داود: يَنْزِعُ خُفَّيْهِ ولا يُصَلِّى فِيهما، فإذا نَزَعَهُما صَلَّى حتَّى يُحْدِثَ؛ لأنَّ الطَّهَارَةَ لا تَبْطُلُ إلَّا بِحَدَثٍ، ونَزْعُ الخُفِّ ليس بِحَدَثٍ، وكذلك انْقِضَاءُ المُدَّةِ. ولَنا، أنَّ غَسْلَ الرِّجْلَيْنِ شَرْطٌ لِلصَّلَاةِ، وإنَّما قَامَ المَسْحُ مَقَامَهُ في المُدَّةِ، فإذا انْقَضَتْ لم يَجُزْ أنْ يَقُومَ مَقامَهُ إلَّا بِدَلِيلٍ، ولأنَّها طَهَارَةٌ لا يَجُوزُ ابْتِدَاؤُها، فيُمْنَعُ مِن اسْتِدَامَتِها، كالتَّيَمُّمِ (٩) عندَ رُؤْيَةِ الماءِ.
٨٠ - مسألة؛ قال: (فإِنْ خَلَعَ قَبْلَ ذَلِكَ أعَادَ الوُضُوءَ)
يَعْنِى قبلَ انْقِضَاءِ المُدَّةِ، إذا خَلَعَ خُفَّيْهِ بعدَ المَسْحِ عليهما، بَطَلَ وُضُوؤُهُ. وبه قال النَّخَعِىُّ، والزُّهْرِىُّ، ومَكْحُولٌ، والأَوْزَاعِىُّ، وإسحاق، وهو أحَدُ قَوْلَىِ الشَّافِعِىِّ. وعن أحمدَ، رِوَايَة أُخْرَى، أنَّه يُجْزِئُه غَسْلُ قَدَمَيْه. وهو مَذْهَبُ أبى حنيفة، والقَوْلُ الثَّانِى للشَّافِعِىِّ؛ لأنَّ مَسْحَ الخُفَّيْنِ نَابَ عَنْ غَسْلِ الرِّجْلَيْنِ خَاصَّةً، فَطُهُورُهُما يُبْطِلُ مَا نَابَ عنه (١)، كالتَّيَمُّمِ إذا بَطَلَ بِرُؤْيَةِ الماءِ وَجَبَ ما نَابَ عنه. وهذا الاخْتِلَافُ مَبْنيٌّ على وُجُوبِ المُوَالَاةِ في الوُضُوءِ، فَمَنْ أجازَ التَّفْرِيقَ جَوَّزَ غَسْلَ القَدَمَيْنِ؛ لأنَّ سَائِرَ أَعْضَائِهِ مَغْسُولَةٌ، ولم يَبْقَ إلَّا غَسْلُ قَدَمَيْهِ، فإذا غَسَلَهُما كَمَّلَ وُضُوءَهُ. ومَنْ مَنَعَ التَّفْرِيقَ أبْطَلَ وُضُوءَهُ؛ لِفَواتِ المُوالاةِ، فعلى هذا، لو خَلَعَ الخُفَّيْنِ قبلَ جَفافِ الماءِ عَنْ يَدَيْه، أجْزَأهُ غَسْلُ قَدَمَيْهِ، وصارَ كأنَّه خَلَعَهُما قبلَ مَسْحِهِ عليهما. وقال الحسنُ، وقَتَادَةُ، وسُليمان بنُ حَرْبٍ (٢): لا يَتَوَضَّأُ، ولا يَغْسِلُ قَدَمَيْه؛ لأنَّه أزَالَ المَمْسُوحَ عليه بعدَ كَمالِ الطَّهارَةِ، فأشْبَهَ
стр. 424
ما لو حَلَقَ رَأْسَهُ بَعْدَ المَسْحِ عليه، أو قَلَّمَ أَظْفَارَهُ بعدَ غَسْلِها، ولأنَّ النَّزْعَ ليس بِحَدَثٍ، والطَّهَارَةُ لا تَبْطُلُ إلَّا بالحَدَثِ. ولَنا، أنَّ الوُضُوءَ بَطَلَ في بَعْضِ الأعْضاءِ، فبَطَلَ في جميعِها، كما لو أَحْدَثَ، وما ذَكَرُوهُ يَبْطُلُ بِنَزْعِ أحَدِ الخُفَّيْنِ، فإنَّه يُبْطِلُ الطَّهَارَةَ في القَدَمَيْنِ جميعًا، وإنَّمَا نَابَ مَسْحُهُ عن إحْدَاهُما. وأمَّا التَّيَمُّمُ عن بَعْضِ الأعْضَاءِ إذا بَطَلَ، فقد سَبَقَ القَوْلُ فيه في مَوْضِعِه. وحُكِىَ عَنْ مَالِكٍ أَنَّه إذا خَلَعَ خُفَّيْهِ، غَسَلَ قَدَمَيْهِ مكانَهُ، وصَحَّتْ طَهَارَتُه. وإنْ أخَّرَهُ، اسْتَأْنَفَ الطَّهارَةَ؛ لأنَّ الطَّهَارَةَ كانَتْ صَحِيحَةً في جَمِيعِ الأعْضَاءِ إلى حِينِ نَزْعِ الخُفَّيْنِ، أو انْقِضَاءِ المُدَّةِ، وإنَّما بَطَلَتْ في القَدَمَيْنِ خَاصَّةً، فإذا غَسَلَهُما عَقِيبَ (٣) النَّزْعِ، لم تَفُتِ المُوالاةُ؛ لِقُرْبِ غَسْلِهِما مِن الطَّهارةِ الصَّحِيحَةِ في بَقِيَّةِ الأعْضَاءِ، بِخِلَافِ ما إذا تَرَاخَى غَسْلُهُما. ولا يَصِحُّ؛ لأنَّ المَسْحَ قد بَطَلَ حُكْمُهُ، [وصارَ إلى أنْ نُضِيفَ] (٤) الغَسْلَ إلَى الغَسْلِ، فلم يَبْقَ لِلْمَسْحِ حُكْمٌ، ولأنَّ الاعْتِبَارَ في المُوالاةِ إنَّمَا هو بقُرْبِ (٥) الغَسْلِ مِنَ الغَسْلِ، لا مِنْ حُكْمِه، فإنَّه متى زال حُكْمُ الغَسْلِ بَطلَتِ الطَّهارةُ، ولم يَنْفَعْ قُرْبُ الغَسْلِ شيئًا؛ لِكَوْنِ الحُكْمِ لا يَعُودُ بعدَ زَوَالِهِ إلَّا بِسَبَبٍ جَديدٍ.
فصل: وإنْ نَزَعَ العِمامةَ بعدَ مَسْحِها، بَطلَتْ طَهارتُه أيضًا. وعلى الرِّوَايَةِ الأُخْرَى، يَلْزَمُه مَسْحُ رَأْسِهِ، وغَسْلُ قَدَمَيْهِ؛ لِيَحْصُلَ الترْتِيبُ. ولو نَزَعَ الجَبِيرَةَ بعدَ مَسْحِها، فهو كَنَزْعِ العِمَامَةِ، إلَّا أنَّه إنْ كان مَسَحَ عليها في غُسْلٍ يَعُمُّ البَدَنَ، لم يَحْتَجْ إلى إعَادَةِ غُسْلٍ ولا وُضُوءٍ؛ لأنَّ التَّرْتِيبَ والمُوَالَاةَ سَاقِطَانِ فيه.
فصل: ونَزْعُ أحَدِ الخُفَّيْنِ كنَزْعِهِما في قَوْلِ أكْثَرِ أهلِ العِلْمِ؛ منهم: مالِكٌ، والثَّوْرِىُّ، والأَوْزَاعِىُّ، وابْنُ المُبَارَكِ، والشَّافِعِىُّ، وأصْحَابُ الرَّأْىِ. ويَلْزَمُهُ نَزْعُ الآخَرِ. وقال الزُّهْرِىُّ: يَغْسِلُ القَدَمَ الذي نَزَعَ الخُفَّ منه، ويَمْسَحُ الآخَرَ؛ لأنَّهما
стр. 425
عُضْوَانِ، فأشْبَهَا الرَّأْسَ والقَدَمَ. ولَنا، أنَّهما في الحُكْمِ كعُضْوٍ واحِدٍ، ولهذا لا يَجِبُ تَرْتِيبُ أحَدِهِما على الآخَرِ، فبطَلَ (٦) مَسْحُ أحَدِهِما بِظُهُورِ الآخَرِ، كالرِّجْلِ الواحِدةِ، وبهذا فارَقَ الرَّأْسَ والقَدَمَ.
فصل: وانْكِشَافُ بَعْض القَدَمِ مِنْ خَرْقٍ كَنَزْعِ الخُفِّ. فإنْ انْكَشَفَتْ ظِهَارَتُهُ، وبَقِيَتْ بِطَانَتُهُ، لم تَضُرّ؛ لأنَّ القَدَمَ مَسْتُورَةٌ بما يَتْبَعُ الخُفَّ في البَيْعِ، فأشْبَهَ ما لو لم يَنْكَشِطْ.
فصل: وإنْ أَخْرَجَ رِجْلَهُ إلى سَاقِ الخُفِّ، فهو كَخَلْعِهِ. وبهذا قال إسحاقُ، وأصْحَابُ الرَّأْىِ. وقال الشَّافِعِىُّ: لا يَبينُ لي أنَّ عليه الوُضُوءَ؛ لأنَّ الرِّجْلَ لم تَظْهَرْ. وحَكَى أبو الخَطَّاب في "رُءُوسِ المَسَائِلِ"، عن أحمدَ رِوَايةً أُخْرَى كذلك. ولَنا، أنَّ اسْتِقْرَارَ الرِّجْلِ في الخُفِّ شَرْطُ جَوازِ المَسْحِ، بِدَلِيلِ ما لو أدْخَلَ الخُفَّ، فأحْدَثَ قبلَ اسْتِقْرَارِها فيه، لم يكنْ له المَسْحُ، فإذا تَغَيَّرَ الاسْتِقْرَارُ زَالَ شَرْطُ جوازِ المَسْحِ، فيَبْطُلُ المَسْحُ لِزَوَالِ شَرْطِه، كزَوالِ اسْتِتَارِهِ، وإنْ كان إخْراجُ القَدَمِ إلى ما دُونَ ذلك، لم يَبْطُل المَسْحُ، لأنَّها لَمْ تَزُلْ عَنْ مُسْتَقَرِّها.
فصل: كَرِهَ أحمدُ لُبْسَ الخُفَّيْنِ وهو يُدَافِعُ الأخْبَثَيْنِ، أو أحَدَهُما؛ لأنَّ الصَّلَاةَ مَكْرُوهَةٌ بهذه الطَّهارةِ، واللُّبْسُ يُرَادُ لِيمْسَحَ عليه لِلصَّلَاةِ. وكان إبراهيم النَّخَعِىُّ إذا أرادَ أنْ يَبُولَ لَبِسَ خُفَّيْهِ، ويرَىَ (٧) الأمْرَ في ذلك وَاسِعًا؛ لأنَّ الطَّهارةَ كامِلَةٌ، فأشْبَهَ ما لو لَبِسَهُ إذَا خافَ غَلَبَةَ النُّعَاسِ، وإنَّمَا كُرِهَتِ الصَّلَاةُ؛ لأنَّ اشْتِغَالَ قَلْبِهِ بِمُدَافَعَةِ الأَخْبَثَيْنِ يَذْهَبُ بِخُشُوعِ الصَّلَاةِ، ويَمْنَعُ الإِتْيانَ بها على الكَمَالِ، ورُبَّما حَمَلَهُ ذلك على العَجَلَةِ فيها، ولا يَضُرُّ ذَلِكَ فِي اللُّبْسِ.
٨١ - مسألة؛ قال: (ولَوْ أَحْدَثَ وَهُوَ مُقِيمٌ، فَلَمْ يَمْسَحْ حَتَّى سَافَرَ، أتَمَّ مَسْحَ (١) مُسَافِرٍ مُنْذُ كانَ الحَدَثُ)