← Фикх ханбали

Фикх ханбали · id 6910

المغني لابن قدامة - ت التركي

ابن قدامة

Полный текст (7 955 стр.). Показаны 3711–3750 · переход к 3716.

стр. 3711

إضْرَارًا بالمُشْتَرِى، ولا يُزَالُ الضَّرَرُ بالضَّرَرِ. فإن أحْضَرَ رَهْنًا أو ضَمِينًا، لم يَلْزَمِ المُشْتَرِىَ قَبُولُه؛ لأنَّ في تَأْخِيرِ الثمنِ ضَرَرًا، فلم يَلْزَمِ المُشْتَرِىَ ذلك، كما لو أرادَ تَأْخِيرَ ثمَنٍ حالٍّ. فإن بَذَلَ عِوَضًا عن الثمنِ لم يَلْزَمْه قَبُولُه؛ لأنَّها مُعَاوَضةٌ؛ ولم يُجْبَرْ عليها (٢٠). وإذا أخَذَ بالشُّفْعةِ، لم يَلْزَمِ المُشْتَرِىَ تَسْلِيمُ الشِّقْصِ حتى يَقْبِضَ الثمنَ، فإن كان مَوْجُودًا سَلَّمَهُ، وإن تَعَذَّرَ في الحال، فقال (٢١) أحمدُ، في رِوَايَةِ حَرْبٍ: يُنْظَرُ الشَّفِيعُ يومًا أو يَوْمَيْنِ، بِقَدْرِ ما يَرَى الحاكِمُ، وإذا كان أَكْثَرَ فلا. وهذا قولُ مالكٍ. وقال ابن شُبْرُمةَ، وأصحابُ الشَّافِعِىِّ: يُنْظَرُ ثلاثًا؛ لأنَّها آخِرُ حَدِّ القِلَّةِ، فإن أحْضَرَ الثَّمنَ، وإلَّا فَسَخَ عليه. وقال أبو حنيفةَ، وأصْحابُه: لا يَأْخُذُ بالشُّفْعةِ، ولا يَقْضِى القاضي بها حتى يُحْضِرَ الثمنَ؛ لأنَّ الشَّفِيعَ يَأْخُذُ الشِّقْصَ بغيرِ اخْتِيارِ المُشْتَرِى، فلا يَسْتَحِقُّ ذلك إلَّا بإحْضارِ (٢٢) عِوَضِه، كَتْسْلِيمِ المَبِيعِ. ولَنَا، أنَّه تَمَلُّكٌ لِلْمَبِيعِ (٢٣) بِعِوَضٍ، فلا يَقِفُ على إحْضارِ العِوَضِ، كالبَيْعِ، وأمَّا التَّسْلِيمُ في البَيْعِ، فالتَّسْلِيمُ في الشُّفْعةِ مثلُه، وكونُ (٢٤) الأخْذِ بغير اخْتِيارِ المُشْتَرِى يَدُلُّ على قُوَّتِه، فلا يَمْنَعُ من اعْتِبارِه في الصِّحَّةِ، فإذا أجَّلْناهُ مُدَّةً، فأحْضَرَ الثمنَ فيها، وإلَّا فَسَخ الحاكِمُ الأخْذَ ورَدَّه إلى المُشْتَرِى. وهكذا لو هَرَبَ الشَّفِيعُ بعدَ الأخْذِ. والأَوْلَى أنَّ لِلْمُشْتَرِى الفَسْخَ من غيرِ حاكِمٍ؛ لأنَّه فاتَ شَرْطُ الأخْذِ، ولأنَّه تَعَذَّرَ على البائِعِ الوُصُولُ إلى الثّمنِ، فمَلَكَ الفَسْخَ، كغيرِ مَن أُخِذَتِ الشُّفْعة منه، وكما لو أفْلَسَ الشَّفِيعُ، ولأنَّ الأخْذَ بالشُّفْعةِ لا يَقِفُ على حُكْمِ الحاكِمِ، فلا يَقِفُ فَسْخُ الأخْذِ بها على الحاكِمِ، كفَسْخِ غيرِها من البُيُوعِ، وكالرَّدِّ بالعَيْبِ، ولأنَّ وَقْفَ ذلك على الحاكِمِ يُفْضِى إلى الضَّرَرِ بالمُشْتَرِى؛ لأنَّه قد يَتَعَذَّرُ عليه إِثْباتُ ما يَدَّعِيه، وقد يَصْعُبُ عليه حُضُورُ مَجْلِسِ الحاكِمِ لِبُعْدِه، أو

стр. 3712

غيرِ ذلك، فلا يُشْرَعُ فيها (٢٥) ما يُفْضِى إلى الضَّرَرِ، ولأنَّه لو وَقَفَ الأمْرُ على الحاكِمِ، لم يَمْلِكِ الأخْذَ إلَّا بعدَ إحْضارِ الثمنِ، لئلَّا يُفْضِىَ إلى هذا الضَّرَرِ. وإن أفْلَسَ الشَّفِيعُ، خُيِّرَ المُشْتَرِى بين الفَسْخِ وبين أن يَضْرِبَ مع الغُرَماءِ بالثّمنِ، كالبائعِ إذا أفْلَسَ المُشْتَرِى. فصل: [ لا يَحِلُّ] (٢٦) الاحْتِيالُ لإِسْقاطِ الشُّفْعةِ، وإن فَعَلَ لم تَسْقُطْ. قال أحمدُ، في رِوَايةِ إسماعيلَ بن سَعِيدٍ، وقد سَأَلَه (٢٧) عن الحِيلَةِ في إبْطالِ الشُّفْعةِ، فقال: لا يجوزُ شيءٌ من الحِيَلِ في ذلك، ولا في إبْطالِ حَقِّ مُسْلِمٍ. وبهذا قال أبو أيُّوبَ، وأبو خَيْثَمةَ، وابنُ أبي شَيْبةَ، وأبو إسحاقَ الجُوزَجَانِيُّ. وقال عبدُ اللَّه بن عمَرَ: من يَخْدَعِ اللهَ يَخْدَعْهُ. وقال أيُّوبُ السِّخْتِيانِيُّ: إنَّهم ليُخَادِعُونَ اللهَ كما يُخَادِعُونَ صَبِيًّا، لو كانوا يَأْتُونَ الأمْرَ على وَجْهِه، كان أسْهَلَ عَلَىَّ. ومعنى الحِيلَةِ أن يُظْهِرُوا في البَيْعِ شيئًا لا يُؤْخَذُ بالشُّفْعةِ معه، وَيتَواطَئُونَ في الباطِنِ على خِلَافِه، مثل أن يَشْتَرِىَ شِقْصًا يُسَاوِى عَشَرَةَ دَنَانِيرَ بأَلْفِ دِرْهَمٍ، ثم يَقْضِيه عنها عَشرَةَ دَنَانِيرَ، أو يَشْتَرِيه بمائةِ دِينارٍ، ويَقْضِيه عنها مائةَ دِرْهَمٍ، أو يَشْتَرِى البائِعُ من المُشْتَرِى عَبْدًا قِيمَتُه مائةٌ بأَلْفٍ في ذِمَّتِه، ثم يَبِيعُه الشِّقْصَ بالأَلْفِ، أو يَشْتَرِى شِقْصًا بأَلْفٍ، ثم يُبْرِئُه البائِعُ من تِسْعمائة، أو يَشْتَرِى جُزْءًا من الشِّقْصِ بمائةٍ، ثم يَهَبُ له البائعُ باقِيه، أو يَهَبُ الشِّقْصَ لِلمُشْتَرِى، ويَهَبُ المُشْتَرِى له الثمنَ، أو يُعْقَدُ البَيْعُ بثَمَنٍ مَجْهُولِ المِقْدارِ، كحَفْنةِ قُرَاضَةٍ، أو جَوْهَرَةٍ مُعَيَّنةٍ، أو سِلْعَةٍ مُعَيَّنةٍ (٢٨) غيرِ مَوْصُوفةٍ، أو بمَائةِ دِرْهَمٍ ولُؤْلُؤةٍ (٢٩)، وأشْباهِ هذا. فهذا

стр. 3713

كلَّه إذا وَقَعَ من غيرِ تَحَيُّلٍ (٣٠) سَقَطَتِ الشُّفْعةُ. وإن تَحَيَّلَا به (٣١) على إسْقاطِ الشُّفْعةِ، لم تَسْقُطْ، ويَأْخُذُ الشَّفِيعُ الشِّقْصَ في الصُّورةِ (٣٢) الأُولَى بعَشرَةِ دَنَانِيرَ أو قِيمَتِها من الدَّرَاهِم. وفى الثانيةِ بمائةِ دِرْهَمٍ أو قِيمَتِها ذَهَبًا (٣٣). وفى الثالثة بقِيمَةِ العَبْدِ المَبِيعِ. وفى الرابعة بالباقِى بعد الإِبْراءِ، وهو المائة المَقْبُوضَة. وفى الخامسةِ يَأْخُذُ الجُزْءَ المَبيعَ من الشِّقْصِ بقِسْطِه من الثَّمنِ، ويَحْتَمِلُ أن يَأْخُذَ الشِّقْصَ كلَّه بِجَمِيعِ الثمنِ؛ لأنَّه إنَّما وَهَبَهُ بَقِيَّةَ (٣١) الشِّقْصِ عِوَضًا عن الثّمنِ الذي اشْتَرَى به جُزْءًا من الشِّقْصِ. وفى السادِسَةِ يأْخُذُ بالثَّمنِ (٣٤) المَوْهُوب. وفى سائرِ الصُّوَرِ المَجْهُولِ (٣٥) ثَمَنُها يَأْخُذُه بمثل الثمَنِ، أو بقِيمَتِه إن لم يكُنْ مثْلِيًّا (٣٦)، إذا كان الثَّمَنُ مَوْجُودًا، وإن لم يُوجَدْ عَيْنُه، دَفَعَ إليه قِيمَةَ الشِّقْصِ؛ لأنَّ الأَغلَبَ وُقُوعُ العَقْدِ على الأشْياءِ بقِيمَتِها. وقال أصْحابُ الرَّأْى، والشَّافِعِىُّ، يجوزُ ذلك كلُّه، وتَسْقُطُ به الشُّفْعةُ؛ لأنَّه لم يَأْخُذْ بما وَقَعَ البَيْعُ به، فلم يَجُزْ، كما لو لم يكُنْ حِيلَةً. ولَنا، قولُ النبيِّ ﷺ : "مَنْ أَدْخَلَ فَرَسًا بَيْنَ فَرَسَيْنِ، ولَا (٣٧) يَأْمَنْ أنْ يَسْبِقَ، فَلَيْسَ بِقِمَارٍ، وإنْ (٣٨) أمِنَ أنْ يَسْبِقَ، فَهُوَ قِمَارٌ". رَوَاه أبو دَاوُدَ وغيرُه (٣٩)، فجَعَلَ إدْخَالَ الفَرَسِ المُحَلَّلِ قِمَارًا، في المَوْضِعِ الذي

стр. 3714

يَقْصِدُ به إباحَةَ إخْرَاجِ كلِّ واحدٍ من المُتَسَابِقينِ جَعْلًا، مع عَدَمِ مَعْنَى المُحَلَّلِ فيه، وهو كونُه بحالٍ يَحْتَمِلُ أن يَأْخُذَ سَبْقَيْهِمَا، وهذا يَدُلُّ على إبْطالِ كل حِيلَةٍ لم يُقْصَدْ بها إلَّا إباحَةُ المُحَرَّمِ. مع عَدَمِ المَعْنَى فيها. واسْتَدَلَّ أصْحابُنا بما رَوَى أبو هُرَيْرةَ، رَضِىَ اللَّه عنه، عن النبيِّ ﷺ ، أنَّه قال: "لا تَرْكَبُوا ما ارْتَكَبَتِ اليَهُودُ، فَتَسْتَحِلُّوا مَحَارِمَ اللهِ بِأَدْنَى الْحِيَلِ" (٤٠). وقال النبيُّ ﷺ : "لَعَنَ اللهُ اليَهُودَ، إنَّ اللهَ لَمَّا حَرَّمَ عَلَيْهِم شُحُومَها (٤١) جَمَلُوهُ، ثُمَّ بَاعُوهُ، وَأَكَلُوا ثَمَنَهُ". مُتَّفَقٌ عليه (٤٢). ولأنَّ اللهَ تعالى ذَمَّ المُخادِعِينَ له بقولِه تعالى: ﴿يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَمَا يَخْدَعُونَ إِلَّا أَنْفُسَهُمْ وَمَا يَشْعُرُونَ﴾ (٤٣). والحِيَلُ مُخَادَعَةٌ، وقد مَسَخَ اللهُ تعالى الذينَ اعْتَدَوْا في السَّبْتِ قِرَدَةً بِحِيلَتِهِم، فإنَّه رُوِى أَنَّهم كانوا يَنْصِبُونَ شِبَاكَهُم يوم الجُمُعةِ، ومنهم من يَحْفِرُ جِبَابًا، ويُرْسِلُ الماءَ إليها يومَ الجُمُعةِ، فإذا جاءتِ (٤٤) الحِيتانُ يوم السَّبْتِ، وَقَعَتْ في الشِّبَاكِ والجِبَابِ، فيَدَعُونَها إلى لَيْلةِ الأَحَدِ، فيَأْخُذُونَها، ويقولون: ما اصْطَدْنَا يوم السَّبْتِ شَيْئًا، فمَسَخَهُم اللَّه تعالى بحِيَلِهم (٤٥). وقال تعالى: ﴿فَجَعَلْنَاهَا نَكَالًا لِمَا

стр. 3715

بَيْنَ يَدَيْهَا وَمَا خَلْفَهَا وَمَوْعِظَةً لِلْمُتَّقِينَ﴾ (٤٦). قيل: يَعْنِى به أُمَّةَ محمدٍ ﷺ . أي لِتَتَّعِظَ بذلك أُمَّةُ محمدٍ ﷺ ، فيَجْتَنِبُوا مثلَ ما فَعَلَ المُعْتَدُونَ. ولأنَّ الحِيلَةَ خَدِيعَةٌ، وقد قال النبيُّ ﷺ : "لا تَحِلُّ الخَدِيعَةُ لِمُسْلِمٍ" (٤٧). ولأنَّ الشُّفْعةَ وُضِعَتْ لِدَفْعِ الضَّرَرِ، فلو سَقَطَتْ بالتَّحَيُّلِ، لَلَحِقَ الضَّرَرُ، فلم تَسْقُطْ، كما لو أسْقَطَها المُشْتَرِى (٤٨) بالبَيْعِ والوَقْفِ. وفارَقَ ما لم يُقْصَدْ به التَّحَيُّلُ، لأنَّه لا خِدَاعَ فيه، ولا قُصِدَ به إبْطَالُ حَقٍّ، والأَعْمالُ بالنِّيَّاتِ. فإنْ اخْتَلَفَا هل وَقَعَ شيءٌ من هذا حِيلَةً، أو لا؟ فالقولُ قولُ المُشْتَرِى مع يَمِينِه؛ لأنَّه أعْلَمُ بِنِيَّتِه وحالهِ. إذا ثَبَتَ هذا، فإنَّ الغَرَرَ في الصُّورَتَيْنِ الأُولَيَيْنِ على المُشْتَرِى؛ لِشِرَائِه ما يُسَاوِى عَشرَةً بمائةٍ، وما يُسَاوِى مائةَ دِرْهَمٍ بمائةِ دِينَارٍ، وأشْهَدَ على نَفْسِه أنَّ عليه ألْفًا، فربَّما طَالَبَه بذلك، فلَزِمَه (٤٩)، في ظاهِرِ الحُكْمِ. وفى الثالثةِ الغَرَرُ (٥٠) على البائعِ؛ لأنَّه اشْتَرَى عَبْدًا يُسَاوِى مائةً بأَلْفٍ. وفى الرابعةِ على المُشْتَرِى؛ لأنَّه اشْتَرَى شِقْصًا قِيمَتُه مائةٌ بأَلْفٍ. وكذلك في الخامسةِ؛ لأنَّه اشْتَرَى بعضَ الشِّقْصِ بثَمَنِ جَمِيعِه. وفى السادسةِ على البادِئ منهما بالهِبَةِ؛ لأنَّه قد لا يَهَبُ له الآخَرُ شَيْئًا، فإن خَالَفَ أحَدُهُما ما (٥١) تَوَاطَآ عليه، فطَالَبَ صَاحِبَه بما أظْهَرَاه (٥٢)، لَزِمَه، في ظاهِرِ الحُكْمِ؛ لأنَّه عَقَدَ البَيْعَ مع صاحِبِه بذلك مُخْتارًا، فأمَّا فيما بينه وبين اللهِ تعالى، فلا يَحِلُّ لمن غَرَّ صَاحِبَه الأخْذُ بخِلَافِ ما تَوَاطَآ عليه؛ لأنَّ صَاحِبَه إنَّما رَضِىَ بالعَقْدِ لِلتَّوَاطُؤِ، فمع فَوَاتِه لا يَتَحَقَّقُ الرِّضَى به.

стр. 3716

٨٧٩ - مسألة؛ قال: (وَإنِ اخْتَلَفَا في الثَّمَنِ، فَالْقَوْلُ قَوْلُ الْمُشْتَرِى [مَعَ يَمينِهِ] (١)، إلَّا أَنْ يِكُونَ لِلشَّفِيعِ بِيِّنَةٌ) وجُمْلَتُه أنَّ الشَّفِيعَ والمُشْتَرِىَ إذا اخْتَلَفَا في الثَّمنِ، فقال المُشْتَرِى: اشْتَرَيْتُه بمائةٍ. فقال الشَّفِيعُ: بل بخَمْسِينَ. فالقولُ قولُ المُشْتَرِى؛ لأنَّه العاقِدُ، فهو أعْرَفُ بالثَّمَنِ، ولأنَّ الشِّقْصَ مِلْكُه، فلا يُنْزَعُ [من يَدِه] (٢) بالدَّعْوَى بغيرِ بِيِّنةٍ. وبهذا قال الشّافِعِىُّ. فإن قيل: فهَلَّا قُلْتُم (٣): القولُ قولُ الشَّفِيعِ؛ لأنَّه غارِمٌ ومُنكِرٌ لِلزِّيادةِ، فهو كالغاصِبِ والمُتْلِفِ والضَّامِنِ لِنَصِيبِ شَرِيكِه إذا أَعْتَقَ؟ قُلْنا: الشَّفِيعُ ليس بغارمٍ؛ لأنَّه لا شىءَ عليه، وإنما يُرِيدُ أن يَمْلِكَ الشِّقْصَ بثَمَنِه، بخِلَافِ الغاصِبِ والمُتلِفِ والمُعْتِقِ. فأمَّا إن كان للشَّفِيعِ بَيِّنَةٌ، حُكِمَ بها، وكذلك إن كان لِلمُشْتَرِى بَيِّنَةٌ، حُكِمَ بها، واسْتُغْنِىَ عن يَمِينِه، ويَثْبُتُ ذلك بِشَاهِدٍ ويَمِينٍ، وشَهَادَةِ رَجُلٍ وامْرَأَتَيْنِ، ولا تُقْبَلُ شَهَادَةُ البائِعِ؛ لأنَّه إذا شَهِدَ للشَّفِيعِ كان مُتَّهَما، لأنَّه يَطْلُبُ تَقْلِيلَ الثَّمَنِ خَوْفًا من الدَّرَكِ عليه. وان أقامَ كلُّ واحدٍ منهما بَيِّنَةً، احْتَمَلَ تَعَارُضَهُما؛ لأنَّهما يَتَنَازَعانِ فيما وَقَعَ عليه العَقْدُ، فيَصِيرَانِ كمن لا بَيِّنَةَ لهما. وذَكَرَ الشَّرِيفُ أنَّ البَيِّنَةَ بَيِّنةُ الشَّفِيعِ. ويَقْتَضِيه مَذْهَبُ الخِرَقِىِّ؛ لأنَّ بَيِّنَةَ الخارِجِ عندَه مُقَدَّمَةٌ على بَيِّنةِ الدَّاخِلِ، والشَّفِيعُ هو الخارِجُ. وهذا قولُ أبي حنيفةَ. وقال صَاحِباه: البَيِّنَةُ بَيِّنةُ المُشْتَرِى؛ لأنَّها تَتَرَجَّحُ بقولِ المُشْتَرِى، فإنَّه مُقَدَّمٌ على قولِ الشَّفِيعِ، ويُخَالِفُ الخارِجَ والدَّاخِلَ؛ لأنَّ بَيِّنةَ الدَّاخِلِ يجوزُ أن تكونَ مُسْتَنِدَةً إلى يَدِه، وفي مَسْأَلَتِنا البَيِّنةُ تَشْهَدُ على نَفْسِ العَقْدِ، كشَهَادةِ بَيِّنةِ الشَّفِيعِ. ولَنا، أنَّهما بَيِّنَتانِ تَعَارَضَتَا، فقُدِّمَتْ بَيِّنَةُ مَن لا يُقْبَلُ قولُه عندَ عَدَمِها، كالدّاخِلِ والخارِجِ. ويَحْتَمِلُ أن يُقْرَعَ بينهما؛ لأنَّهما يَتَنازَعانِ في العَقْدِ، ولا يَدَ لهما عليه، فصَارَا كالمُتَنازِعَيْنِ عَيْنًا في يَدِ غيرِهما.

стр. 3717

فصل: وإن قال المُشْتَرِى: لا أعْلَمُ مَبْلَغَ الثَّمَنِ. فالقولُ قولُه؛ لأنَّ ما يَدَّعِيه مُمْكِنٌ، لِجَوازِ أن يكونَ اشْتَراهُ جُزَافًا (٤)، أو بِثَمَنٍ نَسِىَ مَبْلَغَه، ويَحْلِفُ، فإذا حَلَفَ سَقَطَتِ الشُّفْعةُ؛ لأنَّها لا تُسْتَحَقُّ بغير بَذْلٍ، ولا يُمْكِنُ أن يَدْفَعَ إليه ما لا يَدَّعِيه. فإن ادَّعَى أنَّك فَعَلْتَ ذلك تَحَيُّلًا على إسْقاطِ الشُّفْعةِ، فعليه اليَمِينُ على نَفْىِ ذلك. فصل: وإن اشْتَرَى شِقْصًا بِعَرْضٍ، واخْتَلَفَا في قِيمَتِه، فإن كان مَوْجُودًا عَرَضَاهُ على المُقَوِّمِينَ، وإن تَعَذَّرَ إحْضَارُه (٥)، فالقولُ قولُ المُشْتَرِى، كما لو اخْتَلَفَا في قَدْرِ الثّمنِ. وإن ادَّعَى جَهْلَ قِيمَتِه، فهو على ما ذَكَرْنا فيما إذا ادَّعَى جَهْلَ ثَمَنِه. وإن اخْتَلَفَا في الغِرَاس والبِنَاءِ في الشِّقْصِ، فقال المُشْتَرِى (٦): أنا أحْدَثْتُه (٧). وأنْكَرَ الشَّفِيعُ، فالقولُ قولُ المُشْتَرِى، لأنَّه مِلْكُه، والشَّفِيعُ يُرِيدُ تَمَلُّكَه عليه، [فكان القَوْلُ] (٨) قولَ المالِكِ. فصل: إذا ادَّعَى الشَّفِيعُ على بعضِ الشُّرَكاءِ أنَّك اشْتَرَيْتَ نَصِيبَكَ (٩)، فلى أخْذُه بالشُّفْعةِ، فإنَّه يَحْتَاجُ إلى تَحْرِيرِ دَعْوَاه، فيُحَدِّدُ المَكَان الذي فيه الشِّقْصُ، ويَذْكُرُ قَدْرَ الشِّقْصِ والثَّمنَ، ويَدَّعِى الشُّفْعَةَ فيه، فإذا فَعَلَ ذلك، سُئِلَ المُدَّعَى عليه، فإن أقَرَّ، لَزِمَهُ، وإن أَنْكَرَ، وقال: إنَّما اتَّهَبْتُه أو وَرِثْتُه، فلا شُفْعَةَ لك فيه. فالقولُ قولُ مَن يَنْفِيه، كما لو ادَّعَى عليه نَصيبَه من غيرِ شُفْعَةٍ، فإن حَلَفَ بَرِىءَ، وإن نَكَلَ قُضِىَ عليه. وإن قال: لا تَسْتَحِقُّ علَىَّ شُفْعةً. فالقولُ قولُه مع يَمِينِه، ويكونُ يَمِينُه على حَسَبِ قولِه في الإِنْكارِ. وإذا نَكَلَ، وقُضِىَ عليه بالشُّفْعةِ، عَرَضَ عليه الثَّمنَ. فإن

стр. 3718

أخَذَه دَفَعَ إليه، وإن قال: لا أسْتَحِقُّه. ففيه ثلاثةُ أَوْجُهٍ؛ أحدُها، يُقَرُّ في يَدِ الشَّفِيعِ إلى أن يَدَّعِيَهُ المُشْتَرِى، فيُدْفَعَ إليه، كما لو أَقَرَّ له بِدَارٍ فأنْكَرَها. والثانى: أن (١٠) يَأْخُذَه الحاكِمُ، فيَحْفَظَه لِصَاحِبِه إلى أن يَدَّعِيَهُ المُشْتَرِى، ومتى ادَّعاهُ دُفِعَ إليه. والثالث، يُقال له: إمَّا أن تَقْبِضَه، وإمَّا أن تُبْرِىءَ منه، كسَيِّدِ المُكَاتَبِ إذا جاءَهُ المُكَاتَبُ بمالِ المُكَاتَبةِ (١١)، فادَّعَى أنَّه حَرَامٌ. اخْتَارَ هذا القاضِى. وهذا (١٢) مُفَارِقٌ للمُكَاتَبِ؛ لأنَّ سَيِّدَه يُطَالِبُه بالوَفاءِ من غيرِ هذا الذي أتَاهُ به، فلا يَلْزَمُه ذلك بمُجَرَّدِ دَعْوَى سَيِّدِه تَحْرِيمَ ما أَتاه به، وهذا لا يُطالِبُ (١٣) الشَّفِيعَ بشيءٍ، فلا يَنْبَغِى أن يُكَلَّفَ الإِبْراءَ (١٤) ممَّا لا يَدَّعِيه. والوَجْهُ الأَوَّلُ أَوْلَى، إن شاءَ اللَّه تعالى. فصل: وإن قال: اشْتَرَيْتُه لِفُلانٍ. وكان حاضِرًا، اسْتَدْعاهُ الحاكِمُ، وسَأَلَه، فإن صَدَّقَه، كان الشِّرَاءُ له، والشُّفْعةُ عليه، وإن قال: هذا مِلْكِى، ولم أشْتَرِه. انْتَقَلَتِ الخُصُومَةُ إليه، وإن كَذَّبَهُ، حَكَمَ بالشِّرَاءِ لمَن اشْتَراهُ، وأَخَذَ منه بالشُّفعةِ. وإن كان المُقرُّ له غائِبًا، أخَذَه الحاكِمُ، ودَفَعَهُ إلى الشَّفِيعِ، وكان الغائِبُ على حُجَّتِه إذا قَدِمَ؛ لأنَّنا لو وَقَفْنَا الأَمْرَ في الشُّفْعةِ إلى حُضُورِ المُقَرِّ له، لكان في ذلك إسْقَاطُ الشُّفْعةِ، لأنَّ كلَّ مُشْتَرٍ يَدَّعِى أنَّه لغائِبٍ. وإن قال: اشْتَرَيْتُه لِابْنِى الطِّفْل. أو لهذا الطِّفْلِ. وله عليه وِلَايةٌ، ففيه وَجْهانِ؛ أحدُهما، لا تَثْبُتُ الشُّفْعةُ؛ لأنَّ المِلْكَ ثَبَتَ لِلطِّفْلِ، ولا تَجِبُ الشُّفعةُ بإِقْرَارِ الوَلِىِّ عليه؛ لأنَّه إيجابُ حَقٍّ (١٥) في مالِ صَغِيرٍ، بِإِقْرَارِ وَلِيِّه. الثاني، تَثْبُتُ؛ لأنَّه يَمْلِكُ الشِّراءَ له، فصَحَّ إقْرارُه فيه، كما يَصِحُّ إقْرارُه بِعَيْبٍ في مَبِيعِه. فأمَّا إن ادَّعَى عليه شُفْعةً في شِقْصٍ، فقال: هذا لِفُلانٍ الغائِبِ. أو لِفُلانٍ الطِّفْل. ثم أقَرَّ

стр. 3719

بِشِرَائِه له (١٦)، لم تَثْبُتْ فيه الشُّفْعَةُ، إلَّا أن تَثْبُتَ بِبَيِّنَةٍ، أو يَقْدَمَ الغائِبُ ويَبْلُغَ الطِّفْلُ، فيُطَالِبُهما بها؛ لأنَّ المِلْكَ يَثْبُتُ لهما بإقْرارِه به، فإِقْرارُه بالشِّراءِ بعدَ ذلك إقْرارٌ في مِلْكِ غيرِه، فلا يُقْبَلُ، بخِلَافِ ما إذا أقَرَّ بالشِّرَاءِ ابْتَداءً: لأنَّه المِلْكَ ثَبَتَ لهما بذلك الإِقْرارِ المُثْبِتِ لِلشُّفْعةِ، فثَبَتَا جَمِيعًا. وإن لم يَذْكُرْ سَبَبَ المِلْكِ، لم يَسْأَلْهُ الحاكِمُ عنه، ولم يُطَالَبْ (١٧) بِبَيانِه؛ لأنَّه لو صَرَّحَ بالشِّرَاءِ لم تَثْبُتْ به شُفْعةٌ، فلا فائِدَةَ في الكَشْفِ عنه. ومَذْهَبُ الشّافِعِىِّ في هذا ال فَصْلِ كلِّه (١٨) كمَذْهَبِنَا. فصل: وإذا كانت دارٌ بين حاضِرٍ وغائِبٍ، فادَّعى الحَاضِرُ على مَنْ في يَدِه نَصِيبُ الغائِبِ أنَّه اشْتَراه منه، وأنَّه يَسْتَحِقّهُ بالشُّفْعةِ، فصَدَّقَهُ، فلِلشَّفِيعِ أخْذُه بالشُّفْعةِ؛ لأنَّ مَنْ في يَدِه العَيْنُ يُصَدَّقُ في تَصَرُّفِه فيما في يَدَيْه. وبهذا قال أبو حنيفةَ، وأصْحابُه. ولأصْحابِ الشَّافِعِىِّ في ذلك وَجْهانِ؛ أحَدُهُما، ليس له أخْذُه؛ لأنَّ هذا إقْرارٌ على غيرِه. ولَنا، أنَّه أقَرَّ بما في يَدِه، فقُبِلَ إقْرَارُه، كما لو أَقَرَّ بأَصْلِ مِلْكِه، وهكذا لو ادَّعَى عليه أنَّك بِعْتَ نَصِيبَ الغائِبِ بإذْنِه، وأقر له الوَكِيلُ، كان كإقْرارِ البائعِ بالبَيْعِ. فإذا قَدِمَ الغائِبُ فأنْكَرَ البَيْعَ. أو الإِذْنَ في البَيْعِ، فالقولُ قولُه مع يَمِينِه، ويَنْتَزِعُ الشِّقْصَ، ويُطَالِبُ بأَجْرِه مَن شاء منهما، ويَسْتَقِرُّ الضَّمَانُ على الشَّفِيعِ؛ لأنَّ المَنافِعَ تلِفَتْ تحت يَدِه، فإن طَالَبَ الوَكِيلَ، رَجَعَ على الشَّفِيعِ، وإن طَالَبَ الشَّفِيعَ، لم يَرْجِعْ على أحدٍ. وإن ادَّعَى على الوَكِيلِ، أنَّك اشْتَرَيْتَ الشِّقْصَ الذي في يَدِكَ. فأنْكَرَ، وقال: إنَّما أنا وَكِيلٌ فيه، أو مُسْتَوْدَعٌ له. فالقولُ قولُه مع يَمِينِه، فإن كان لِلمُدَّعِى بَيِّنَةٌ، حُكِمَ بها. وبهذا قال أبو حنيفةَ، والشَّافِعِىُّ، مع أن أبا حَنِيفةَ لا يَرَى القَضَاءَ على الغائِبِ؛ لأنَّ القَضَاءَ ههُنا على الحاضِرِ بِوُجُوبِ الشُّفْعةِ عليه، واسْتِحْقاقِ انْتِزَاعِ

стр. 3720

الشِّقْصِ مِن يَدِه، وحَصَلَ القَضَاءُ على الغائِبِ ضِمْنًا. فإن لم تكُنْ بَيِّنةٌ، وطَالَبَ (١٩) الشَّفِيعُ بِيَمِينِه، فنَكَلَ عنها، احْتَمَلَ أن يَقْضِىَ عليه؛ لأنَّه لو أَقَرَّ لَقَضَى عليه، فكذلك إذا نَكَل. واحْتَمَلَ أن لا يَقْضِىَ عليه؛ لأنَّه قَضَاءٌ على الغائِبِ بغير بَيِّنةٍ، ولا إقْرارِ مَن (٢٠) الشِّقْصُ في يَدِه. فصل: وإذا ادَّعَى على رَجُلٍ شُفْعةً في شِقْصٍ اشْتَراهُ، فقال: ليس له مِلْكٌ في شَرِكَتِى. فعلى الشَّفِيعِ إقَامةُ البَيِّنةِ أنَّه شَرِيكٌ. وبه قال أبو حنيفةَ، ومحمدٌ، والشَّافِعِىُّ. وقال أبو يوسفَ: إذا كان في يَدِه، اسْتَحَقَّ به الشُّفْعةَ لذلك؛ لأنَّ الظاهِرَ من اليَدِ المِلْكُ. ولَنا، أنَّ المِلْكَ لا يَثْبُتُ بِمُجَرَّدِ اليَدِ، وإذا لم يَثْبُتِ المِلْكُ الذي يَسْتَحِقُّ به الشُّفْعةَ، لم تَثْبُتْ، ومُجَرَّدُ الظاهِرِ لا يَكْفِى، كما لو ادَّعَى وَلَدَ أَمَةٍ في يَدِه. فإن ادَّعَى أن المُشْتَرِىَ (٢١) يَعْلَمُ أنَّه شَرِيكٌ، فعلى المُشْتَرِى اليَمِينُ أنَّه لا يَعْلَمُ ذلك؛ لأنَّها يَمِينٌ على نَفْىِ فِعْلِ الغيرِ، فكانتْ (٢٢) على العِلْمِ، كاليَمِينِ على نَفْىِ دَيْنِ المَيِّتِ. فإذا حَلَفَ، سَقَطَتْ دَعْواهُ، وإن نَكَلَ، قُضِىَ عليه. فصل: إذا ادَّعَى على شَرِيكِه، أنك اشْتَرَيْتَ نَصِيبَكَ من عَمْرٍو، فلِى شُفْعَتُه. فصَدَّقَهُ عَمْرٌو، فأنْكَرَ الشَّرِيكُ، وقال: بل وَرِثْتُه من أبِى. فأقَامَ المُدَّعِى بَيِّنةً أنَّه كان مِلْكَ عَمْرٍو، لم تَثْبُت الشُّفْعةُ بذلك. وقال محمدٌ: تثْبُتُ، ويقالُ له: إمَّا أن تَدْفَعَهُ وتَأْخُذَ الثمنَ، وإمَّا أن تَرُدَّهُ إلى (٢٣) البائِعِ، فيَأْخُذَه الشَّفِيعُ منه (٢٤)؛ لأنَّهما شَهِدَا بالمِلْكِ لِعَمْرٍو، فكأنَّهما شَهِدَا بالبَيْعِ. ولَنا، أنَّهما لم يَشْهَدَا بالبَيْعِ، وإقْرارُ عَمْرٍو على

стр. 3721

المُنْكِرِ بالبَيْعِ لا يُقْبَلُ؛ لأنَّه إقْرارٌ على غيرِه، فلا يُقْبَلُ في حَقِّه، ولا تُقْبَلُ شَهَادَتُه عليه، وليست الشُّفْعةُ من حُقُوقِ العَقْدِ، فيُقْبَلُ فيها قولُ البائِعِ، فصَارَ بمَنْزِلَةِ ما لو حَلَفَ أَنِّى ما اشْتَرَيْتُ الدّارَ، فقال مَنْ كانتِ الدّارُ مِلْكًا له: أنا بعْتُه إيَّاها. لم يُقْبَلْ عليه في الحِنْثِ، ولا يَلْزَمُ إذا أقَرَّ البائِعُ بالبَيْعِ، والشِّقْصُ في يَدِه فأنْكَرَ المُشْتَرِى الشِّراءَ؛ لأنَّ الذي في يَدِه الدّارُ مُقِرٌّ بها للشَّفِيعِ، ولا مُنَازِعَ له فيها سِوَاهُ، وههُنا مَن الدَّارُ في يَدِه يَدَّعِيها لِنَفْسِه، والمُقِرُّ بالبَيْعِ لا شىءَ في يَدِه، ولا يَقْدِرُ على تَسْلِيمِ الشِّقْصِ، فافْتَرَقَا. فصل: وإذا كانت دارٌ بين رَجُلَيْنِ، فادَّعَى كلُّ واحدٍ منهما على صَاحِبِه أنَّه يَسْتَحِقُّ ما في يَدَيْهِ بالشُّفْعَةِ، سَأَلْناهُما: متى مَلَكْتُماها؟ فإن قالا: مَلَكْناها دَفْعَةً واحِدَةً. فلا شُفْعةَ لأَحَدِهِما على الآخَرِ؛ لأنَّ الشُّفْعةَ إنَّما تَثْبُتُ بمِلْكٍ سابِقٍ في مِلْكٍ مُتَجَدِّدٍ بعدَه، وإن قال كلُّ واحدٍ منهما: مِلْكِى سابِقٌ. ولأَحَدِهِما بَيِّنَةٌ بما ادَّعاهُ، قُضِىَ له، وإن كان لكلِّ واحدٍ منهما بَيِّنةٌ، قَدَّمْنَا أسْبَقَهُما تارِيخًا، وإن شَهِدَتْ بَيِّنةُ (٢٥) كلِّ واحدٍ منهما بِسَبْقِ مِلْكِه، وتَجَدُّدِ مِلْكِ صَاحِبه، تَعَارَضَتَا. وإن لم تكنْ [لكُلِّ واحدٍ] (٢٦) منهما بَيِّنَةٌ نَظَرْنا إلى السَّابِقِ بالدَّعْوَى، فقَدَّمْنا دَعْوَاه، وسَأَلْنا خَصْمَه، فإن أنْكَرَ، فالقولُ قولُه مع يَمِينِه؛ لأنَّه مُنْكِرٌ، فإن حَلَفَ، سَقَطَتْ دَعْوَى الأَوَّلِ، ثم تُسْمَعُ دَعْوَى الثاني على الأَوَّلِ، فإن أنْكَرَ وحَلَفَ، سَقَطَتْ دَعْوَاهُما جَمِيعًا. وإن ادَّعَى الأَوَّلُ، فنَكَلَ الثاني عن اليَمِينِ، قَضَيْنَا عليه، ولم تُسْمَعْ دَعْواه؛ لأنَّ خَصْمَه قد اسْتَحَقَ مِلْكَه. وإن حَلَفَ الثاني، ونَكَلَ الأَوَّلُ، قَضَيْنا عليه. فصل: إذا اخْتَلَفَ المُتَبايِعَانِ في الثَّمنِ، فادَّعَى البائِعُ أنَّ الثَّمنَ أَلْفانِ، وقال المُشْتَرِى: هو أَلْفٌ. فأقَامَ البائِعُ بَيِّنةً أن الثَّمنَ ألْفانِ، أخَذَهُما من المُشْتَرِى. ولِلشَّفِيعِ أخْذُه بالأَلْفِ (٢٧)؛ لأنَّ المُشْتَرِى مُقِرُّ له باسْتِحْقَاقِه بأَلْفٍ، ويَدَّعِى أنَّ البائِعَ

стр. 3722

ظَلَمَه. وبهذا قال الشافِعِىُّ. وقال أبو حنيفةَ: إن حَكَمَ الحاكِمُ عليه بأَلْفَيْنِ، أخَذَه الشَّفِيعُ بهما؛ لأنَّ الحاكِمَ إذا حَكَمَ عليه بالبَيِّنةِ بَطَلَ قولُه، وثَبَتَ ما حَكَمَ به الحاكِمُ. ولَنا، أنَّ المُشْتَرِىَ مُقِرٌّ بأنَّ هذه البَيِّنةَ كاذِبَةٌ، وأنَّه ظَلَمَهُ بأَلْفٍ، فلم يُحْكَمْ له به، وإنَّما حُكِمَ بها للبائِعِ؛ لأنَّه لا يُكَذِّبُها. فإن قال المُشْتَرِى: صَدَقَتِ البَيِّنةُ، وكنتُ أنا كاذِبًا أو نَاسِيًا. ففيه وَجْهانِ؛ أحدُهما، لا يُقْبَلُ رُجُوعُه؛ لأنَّه رُجُوعٌ عن إقْرارٍ تعلَّق (٢٨) به حَقُّ آدَمِىٍّ غيرِه، فأَشْبَهَ ما لو أقَرَّ له بِدَيْنٍ. والثاني، يُقْبَلُ قولُه. وقال القاضي: هو قِيَاسُ المَذْهَبِ عندى، كما لو أخْبَرَ في المُرَابَحةِ بِثَمَنٍ، ثم قال: غَلِطْتُ. والثمنُ أكْثَرُ، قُبِلَ قَوْلُه مع يَمِينِه، بل ههُنا أَوْلَى؛ لأنَّه قد (٢٩) قامَتِ البَيِّنةُ بِكَذِبه (٣٠)، وحَكَمَ الحاكِمُ بخِلَافِ قَوْلِه، فقُبِلَ رُجُوعُه عن الكَذِبِ. وإن لم تكُنْ للبائِعِ بَيِّنةٌ، فتَحَالَفَا، فلِلشَّفِيعِ أخْذُه بما حَلَفَ عليه البائِعُ، وإن أرَادَ أخْذَه بما حَلَفَ عليه المُشْتَرِى، لم يكُنْ له ذلك؛ لأنَّ للبائِعِ فَسْخَ البَيْعِ، وأخْذه بما قال المُشْتَرِى يَمْنَعُ ذلك، ولأنَّه يُفْضِى إلى إلْزَامِ العَقْدِ بما حَلَفَ (٣٠) عليه المُشْتَرِى، ولا يَمْلِكُ ذلك. فإن رَضِىَ المُشْتَرِى بأخْذِه بما قال البائِعُ، جازَ، ومَلَكَ الشَّفِيعُ أخْذَه بالثَّمنِ الذي حَلَفَ عليه المُشْتَرِى؛ لأنَّ حَقَّ البائِعِ من الفَسْخِ قد زالَ. فإن عادَ المُشْتَرِى فصَدَّقَ البائِعَ، وقال: الثّمنُ أَلْفانِ، وكنت غَالِطًا (٣١). فهل لِلشَّفِيعِ أخْذُه بالثّمنِ الذي حَلَفَ عليه؟ فيه وَجْهانِ، كما لو قامَتْ به بَيِّنةٌ. فصل: ولو اشْتَرَى شِقْصًا له شَفِيعَانِ، فادَّعَى على أحدِ الشَّفِيعَيْنِ أنَّه عَفَا عن الشُّفْعةِ، وشَهِدَ له بذلك الشَّفِيعُ الآخَر، قَبْلَ عَفْوِه عن شُفْعَتِه (٣٢)، لم تُقْبَلْ شَهَادَتُه؛

стр. 3723

لأنَّه يَجُرُّ إلى نَفْسِه نَفْعًا، وهو تَوَفُّرُ الشُّفْعَةِ عليه. فإذا رُدَّتْ شَهَادَتُه، ثم عَفَا عن الشُّفْعةِ، ثم أعادَ تلك الشَّهَادَةِ، لم تُقْبَلْ؛ لأنَّها رُدَّتْ لِلتُّهْمةِ، فلم تُقْبَلْ بعدَ زَوَالِها، كشَهَادَةِ الفاسِقِ إذا رُدَّتْ ثم تابَ وأعَادَها، لم تُقْبَلْ. ولو (٣٣) لم يَشْهَدْ حتى عَفَا، قُبِلَتْ شَهَادَتُه؛ لِعَدَمِ التُّهْمةِ، ويَحْلِفُ المُشْتَرِى مع شَهَادَتِه. ولو لم تكُنْ بَيِّنةٌ، فالقولُ قولُ المُنْكِرِ مع يَمِينِه. وإن كانت الدَّعْوَى على الشَّفِيعَيْنِ معًا، فحَلَفَا، ثَبَتَتِ الشُّفْعةُ، وإن حَلَفَ أحَدُهُما، ونَكَلَ الآخَرُ، نَظَرْنا في الحالِفِ؛ فإن صَدَّقَ شَرِيكَه في الشُّفعَةِ في أنَّه لم يَعْفُ، لم يَحْتَجْ إلى يَمِينٍ، وكانت الشُّفْعةُ بينهما؛ لأنَّ الحَقَّ له، فإنَّ الشُّفْعةَ تَتَوَفَّرُ عليه إذا سَقَطَتْ شُفْعةُ شَرِيكِه. وإن ادَّعَى أنَّه عَفَا، فنَكَلَ، قُضِىَ له بالشُّفْعةِ كلِّها. وسواءٌ وَرِثَا الشُّفْعةَ أو كانا شَرِيكَيْنِ. وإن شَهِدَ أجْنَبِىٌّ بِعَفْوِ أحدِ الشَّفِيعَيْنِ، واحْتِيجَ (٣٤) إلى يَمِينٍ معه قبلَ عَفْوِ الآخَرِ، حَلَفَ، وأخَذَ الكُلَّ بالشُّفْعةِ. وإن كان بعدَه، حَلَفَ المُشْتَرِى، وسَقَطَتِ الشُّفْعةُ. وإن كانوا ثلاثةَ شُفَعَاءَ، فشَهِدَ اثْنانِ منهم على الثالثِ بالعَفْوِ بعدَ عَفْوِهِما، قُبِلَتْ، وإن شَهِدَا (٣٥)، قبلَهْ، رُدَّتْ. وإن شَهِدَا بعدَ عَفْوِ أحَدِهِما وقَبْلَ عَفْوِ الآخَرِ، رُدَّتْ شَهَادَةُ غيرِ العافِى، وقُبِلَتْ شَهادَةُ العافِى. وإن شَهِدَ البائعُ بِعَفْوِ الشَّفِيعِ بعدَ قَبْضِ الثَّمنِ، قُبِلَتْ شَهَادَتُه، وإن كان قَبْلَه، ففيه وَجْهانِ؛ أحدُهما، تُقْبَلُ؛ لأنَّهما سواءٌ عنده. والثانى، لا تُقْبَلُ؛ لأنَّه يَحْتَمِلُ أن (٣٦) يكونَ قَصَدَ ذلك [ليُسَهِّلَ اسْتِيفَاءَ الثَّمنِ؛ لأنَّ المُشْتَرِىَ يَأْخُذُه من الشَّفِيعِ، فيَسْهُلُ عليه وَفَاؤُه، أو يَتَعَذَّرُ على المُشْتَرِى الوَفَاءُ لِفَلَسِه] (٣٧)، فيَسْتَحِقُّ اسْتِرْجاعَ المَبِيعِ. وإن شَهِدَ لمُكَاتَبِه بِعَفْوِ شَفِيعِه (٣٨)، أو شَهِدَ بِشِرَاءِ شيءٍ لمُكَاتَبِه فيه شُفْعةٌ، لم تُقْبَلْ؛ لأنَّ

стр. 3724

المُكَاتَبَ عَبْدُه، فلا تُقْبَلُ شَهَادَتُه له، كمُدَبَّرِه، ولأنَّ ما يَحْصُلُ للمُكَاتَبِ يَنْتَفِعُ به السَّيِّدُ؛ لأنَّه إن عَجَزَ صارَ له، وإن لم يَعْجِزْ سَهُلَ عليه الوَفَاءُ له. وإن شَهِدَ على مُكَاتَبِه بشيءٍ من ذلك، قُبِلَتْ شَهَادَتُه؛ لأنَّه غيرُ مُتَّهَمٍ، فأَشْبَهَ الشَّهادَةَ على وَلَدِه. ٨٨٠ - مسألة؛ قال: (وَإنْ كَانَتْ دَارٌ بَيْنَ ثَلَاثَةٍ لِأَحَدِهِمْ نِصْفُهَا، ولِلْآخَرِ ثُلُثُهَا، ولِلْآخَرِ سُدُسُهَا، فَبَاعَ أحَدُهُم، كَانَتِ الشُّفْعةُ بَيْنَ النَّفْسَيْنِ على قَدْرِ سِهَامِهِمَا) الصَّحِيحُ في المَذْهَبِ أنَّ الشِّقْصَ المَشْفُوعَ إذا أخَذَه الشُّفَعاءُ، قُسِمَ بينهم على قَدْرِ أمْلَاكِهِم. اخْتَارَهُ أبو بكرٍ. ورُوِى ذلك عن الحَسَنِ، وابنِ سِيرِينَ، وعَطَاءٍ. وبه قال مالِكٌ، وسَوَّارٌ، والعَنْبَرِىُّ، وإسحاقُ، وأبو عُبَيْدٍ. وهو أحدُ قَوْلَىِ الشّافِعِىِّ. وعن أحمدَ، رِوَايةٌ ثانيةٌ، أنَّه يُقْسَمُ بَيْنَهُم على عَدَدِ رُءُوسِهِم. اخْتارَها ابنُ عَقِيلٍ. ورُوِى ذلك عن النَّخَعِيِّ، والشَّعْبِيِّ. وبه قال ابنُ أبي لَيْلَى، وابنُ شُبْرُمَةَ، والثَّوْرِىُّ، وأصْحابُ الرَّأْى؛ لأنَّ كلَّ واحدٍ منهم لو انْفَرَدَ لَاسْتَحَقَّ الجَمِيعَ، فإذا اجْتَمَعُوا تَسَاوَوْا، كالبَنِينَ في المِيرَاثِ، وكالمُعْتَقِينَ في سِرَايةِ العَتْقِ. ولَنا، أنَّه حَقٌّ يُسْتَفادُ [بِسَبَبِ المِلْكِ] (١)، فكان على قَدْرِ الأَمْلَاكِ، كالغَلَّةِ، ودَلِيلُهُم يَنْتَقِضُ بالابْنِ والأَبِ أو الجَدِّ، وبالجَدِّ مع الإِخْوَةِ، وبالفُرْسانِ [مع الرَّجّالَةِ] (٢) في الغَنِيمَةِ، وأَصْحابِ الدُّيُونِ والوَصَايَا، إذا نَقَصَ مالُه عن دَيْنِ أحَدِهِم (٣)، أو الثُّلُث عن وَصِيَّةِ أحَدِهِم. وفارَقَ الأَعْيانَ؛ لأَنَّه إِتْلَافٌ، والإِتْلافُ يَسْتَوِى فيه القَلِيلُ والكَثِيرُ، كالنَّجاسَةِ تُلْقَى في مائِعٍ. وأمَّا البَنُونَ، فإنَّهم تَسَاوَوْا في التَّسَبُّبِ (٤)، وهو البُنُوَّةُ، فتَسَاوَوْا في الإِرْثِ بها،

стр. 3725

فنَظِيرُه في مَسْأَلَتِنا تَسَاوِى الشُّفَعاءِ في سِهَامِهِم، فعلى هذا نَنْظُرُ مخْرَجَ سِهَامِ الشُّركاءِ كلِّهم، فَنأْخُذُ مِنْها سِهَامَ الشُّفَعاءِ، فإذا عَلِمْتَ عِدَّتَها، قَسَّمْتَ السَّهْمَ المَشْفُوعَ عليها، ويَصِيرُ العَقَارُ بين الشُّفَعاءِ على تلك العِدَّةِ، كما يُفْعَلُ في مَسَائِل الرَّدِّ سواءً، ففى هذه المَسْأَلَة التي ذَكَرَ الخِرَقِىُّ، مَخْرَجُ سِهَامِ الشُّرَكَاءِ (٥) سِتَّةٌ، فإن باعَ صاحِبُ النِّصْفِ، فسِهَامُ الشُّفَعاءِ ثلاثةٌ، لِصَاحِبِ الثُّلُثِ سَهْمانِ، وللآخَرِ سَهْمٌ فالشُّفْعةُ بينهم على ثلاثةٍ، ويَصِيرُ العَقَارُ بينهم أثْلاثًا، لِصَاحِبِ الثُّلُثِ ثُلُثَاه، وللآخَرِ ثُلُثُه، وإن باعَ صاحِبُ الثُّلُثِ، كانت بين الآخَرَيْنِ أرْباعًا، لِصَاحِبِ النِّصْفِ ثلاثةُ أرْباعِه، وللآخَرِ رُبْعُه، وإن باعَ صاحِبُ السُّدُسِ، كانت بين الآخَرَيْنِ أخْماسًا، لِصاحِبِ النِّصْفِ ثلاثةُ أخْماسِه، وللآخَرِ خُمْسَاه. وعلى الرِّوايةِ الأُخْرَى، يُقَسَّمُ الشِّقْصُ المَشْفُوعُ بين الآخَرَيْنِ نِصْفَيْنِ على كلِّ حالٍ، فإن باعَ صاحِبُ النِّصْفِ، قُسِّمَ النِّصْفُ بين شَرِيكَيْه، لكلِّ واحدٍ الرُّبْعُ، فيَصِيرُ لصاحِبِ الثُّلُثِ ثُلُثٌ ورُبْعٌ، وللآخَرِ رُبْعٌ وسُدُسٌ، وإن باعَ صاحِبُ الثُّلُثِ، صارَ لصاحِبِ النِّصْفِ الثُّلُثانِ، وللآخَرِ الثُّلُثُ، وإن باعَ صاحبُ السُّدُسِ، فلِصاحِبِ [النِّصْفِ ثُلُثٌ] (٦) ورُبْعٌ، ولصاحِبِ الثُّلث رُبْعٌ وسُدُسٌ. واللَّه أعلمُ. فصل: ولو وَرِثَ أخَوانِ دارًا، أو اشْتَرَياها بينهما نِصْفَيْنِ، أو غيرَ ذلك، فماتَ أحَدُهُما عن ابْنَيْنِ (٧)، فباعَ أحَدُهُما نَصِيبَه، فالشُّفْعَةُ بين أخِيه وعَمِّه. وبهذا قال أبو حنيفةَ، والمُزَنِىُّ، والشّافِعِىُّ في الجَديدِ. وقال في القَدِيمِ: إنَّ أخَاه أحَقُّ بالشُّفْعةِ. وبه قال مالِكٌ؛ لأنَّ أخَاهُ أخَصُّ (٥) بِشَرِكَتِه من العَمِّ، لِاشْتِرَاكِهما في سَبَبِ المِلْكِ. ولَنا، أنَّهما شَرِيكانِ حالَ ثُبُوتِ الشُّفْعةِ، فكانت بينهما، كما لو مَلَكُوا كلُّهم بِسَبَبٍ واحدٍ، ولأنَّ الشُّفْعةَ تَثْبُتُ لِدَفْعِ ضَرَرِ الشَّرِيكِ الدَّاخِلِ على شُرَكائِه بِسَبَبِ شَرِكَتِه، وهذا يُوجَدُ

стр. 3726

في حَقِّ الكُلِّ. وما ذَكَرُوه لا أصْلَ له، ولم يَثْبُت اعْتِبارُ الشَّرْعِ له في مَوْضِعٍ، والاعْتِبارُ بالشَّرِكَةِ لا بِسَبَبِها. وهل تُقْسَمُ بين العَمِّ وابنِ أخِيه نِصْفَيْنِ، أو على قَدْرِ مِلْكَيْهِما؟ على رِوَايَتَيْنِ (٨). وهكذا لو اشْتَرَى رَجُلٌ نِصْفَ دارٍ، ثم اشْتَرَى ابنْاهُ نِصْفَها الآخَرَ، أو وَرِثَاهُ، أو اتَّهَباهُ، أو وَصَلَ إليهما بِسَبَبٍ من أسْبابِ المِلْكِ، فباعَ أحَدُهُما نَصِيبَه. أو لو وَرِثَ ثَلَاثةٌ دارًا، فباعَ أحَدُهُم نَصِيبَه من اثْنَيْنِ، ثم باعَ أحدُ المُشْتَرِيَيْنِ نَصِيبَه، فالشُّفْعةُ بين جَمِيعِ الشُّرَكاءِ. وكذلك لو ماتَ رَجُلٌ، وخَلَفَ ابْنَتَيْنِ وأُخْتَيْنِ، فباعَتْ إحْدَى الأُخْتَيْنِ نَصِيبَها، أو إحدى الابْنَتَيْنِ، فالشُّفْعةُ بين جَمِيعِ الشُّرَكاءِ. ولو ماتَ رَجُلٌ، وخَلَفَ ثَلَاثَةَ بَنِينَ وأرْضًا، فماتَ أحَدُهُم عن ابْنَيْنِ، فباعَ أحَدُ العَمَّيْنِ نَصِيبَه، فالشُّفْعةُ بين أخِيه وابْنَىْ أخِيه. ولو خَلَفَ ابْنَيْنِ، وأوْصَى بِثُلُثِه لِاثْنَيْنِ، فباعَ أحدُ الوَصِيَّيْنِ، أو أحدُ الابْنَيْنِ، فالشُّفْعةُ بين شُرَكائِه كلِّهم. ولِمُخَالِفِينَا في هذه المَسَائِلِ اخْتِلَافٌ (٩) يَطُولُ ذِكْرُه. فصل: وإن كان المُشْتَرِى شَرِيكًا، فلِلشَّفِيعِ الآخَرِ أن يَأْخُذَ بِقَدْرِ نَصِيبِه. وبهذا قال أبو حنيفةَ، والشّافِعِىُّ. وحُكِى عن الحَسَنِ، والشَّعْبِىِّ، والْبَتِّىِّ: لا شُفْعةَ للآخَرِ؛ لأنَّها تَثْبُتُ لِدَفْعِ ضَرَرِ الشَّرِيكِ الدَّاخِلِ، وهذا شَرِكَتُه مُتَقَدِّمةٌ، فلا ضَرَرَ في شِرَائِه. وحكَى ابنُ الصَّبَّاغِ عن هَؤُلاءِ، أنَّ الشُّفْعةَ كلَّها لغيرِ المُشْتَرِى. ولا شىءَ لِلمُشْتَرِى فيها؛ لأنَّها تُسْتَحَقُّ عليه، فلا يَسْتَحِقُّها على نَفْسِه. ولَنا، أنَّهما تَساوَيا في الشَّرِكَةِ، فتَسَاوَيا في الشُّفْعَةِ، كما لو اشْتَرَى أجْنَبِىٌّ، بل المُشْتَرِى أَوْلَى؛ لأنَّه قد مَلَكَ الشِّقْصَ المَشْفُوعَ. وما ذَكَرْناه للقولِ الأَوَّلِ لا يَصِحُّ؛ لأنَّ الضَّرَرَ يَحْصُلُ بشِرَاءِ هذا السَّهْمِ المَشْفُوعِ، من غيرِ نَظَرٍ إلى المُشْتَرِى، وقد حَصَلَ شِرَاؤُه. والثانى لا يَصِحُّ أيضًا؛ لأنَّنا لا (١٠) نقولُ إنَّه يَأْخُذُ من نَفْسِه بالشُّفْعةِ، وإنَّما يمْنَعُ الشَّرِيكَ أن يَأْخُذَ قَدْرَ

стр. 3727

حَقِّه بالشُّفْعَةِ، فيَبْقَى على مِلْكِه، ثم لا يمْنَعُ أن يَسْتَحِقَّ الإِنْسانُ على نَفْسِه، لأجْلِ تَعَلُّقِ حَقِّ (١١) الغيرِ به، ألا تَرَى أنَّ العَبْدَ المَرْهُونَ، إذا جَنَى على عَبدٍ آخَرَ لِسَيِّده، ثَبَتَ للسَّيِّدِ على عَبْدِه أَرْشُ الجِنَايةِ؛ لأجْلِ تَعَلُّقِ حَقِّ المُرْتَهِنِ به، ولو لم يكُنْ رَهْنًا ما تَعَلَّقَ به. إذا ثَبَتَ هذا، فإن للشَّرِيكِ (١٢) المُشْتَرِى أخْذَ قَدْرِ نَصِيبِه لا غيرُ أو العَفْوَ. وإن قال له المُشْتَرِى: قد أسْقَطتُ شُفْعَتِى، فَخُذِ الكُلَّ، أو اتْرُكْ. لم يَلْزَمْهُ ذلك، ولم يَصِحَّ إسْقَاطُ المُشْتَرِى؛ لأنَّ مِلْكَه اسْتَقَرَّ على قَدْرِ حَقِّه، فجَرَى مَجْرَى الشَّفِيعَيْنِ إذا أخَذَا بالشُّفْعةِ ثم عَفَا أحَدُهُما عن حَقِّه. وكذلك إذا حَضَرَ أحدُ الشَّفِيعَيْنِ، فأخَذَ جميعَ الشِّقْصِ بالشُّفْعةِ، ثم حَضَرَ الآخرُ، فله أخْذُ النِّصْفِ من ذلك، فإن قال الأولُ: خُذ الكلَّ أو دَعْ (١٣)، فإنّى قد أسْقَطْتُ شُفْعَتِى. لم يكُنْ له ذلك. فإن قيل: هذا تَبْعِيضٌ للصَّفْقةِ على المُشْتَرِى. قُلْنا: هذا التَّبْعِيضُ اقْتَضاهُ دُخُولُه في العَقْدِ، فصار [كالرِّضَى منه به] (١٤)، كما قُلْنا في الشَّفِيعِ (١٥) الحاضِرِ إذا أخذَ جَمِيعَ الشِّقْصِ، وكما لو اشْتَرَى شِقْصًا وسَيْفًا. ٨٨١ - مسألة؛ قال: (فَإنْ تَرَكَ أحَدُهُمَا شُفْعَتَهُ، لَمْ يَكُنْ لِلْآخَرِ أنْ يَأْخُذَ إلَّا الْكُلَّ أوْ يَتْرُكَ) وجُمْلَتُه أنَّه إذا كان الشِّقْصُ بين شُفَعَاءَ، فتَرَكَ بعضُهم، فليس لِلْباقِينَ إلَّا أخذُ الجَمِيعِ أو تَرْكُ الجميعِ، وليس لهم أخذُ البعضِ. قالَ ابنُ المُنْذِرِ: أجْمَعَ كلُّ مَن أحْفَظُ عنه من أهْلِ العِلْمِ على هذا. وهذا قول مالكٍ، والشّافِعِىِّ، وأصْحابِ الرَّأْى. ولأنَّ في أخْذِ البعضِ إضْرَارًا بالمُشْتَرِى، بِتَبْعِيضِ الصَّفْقةِ عليه، والضَّرَرُ لا يُزَالُ بالضَّرَرِ، لأنَّ

стр. 3728

الشُّفْعةَ إنَّما تَثْبُتُ على خِلَافِ الأصْلِ دَفْعًا لِضَرَرِ الشَّرِيكِ الدَّاخِلِ، خَوْفًا من سُوءِ المُشَارَكةِ ومُؤْنةِ القِسْمةِ، فإذا أخَذَ بعضَ الشِّقْصِ، لم يَنْدَفِعْ عنه الضَّرَرُ، فلم يَتَحَقَّق المَعْنَى المُجَوِّزُ لِمُخَالَفَةِ الأصْلِ، فلا تَثْبُتُ. ولو كان الشَّفِيعُ واحدًا، لم يَجُزْ له أخذُ بعضِ المَبِيعِ؛ لذلك، فإن فَعَلَ، سَقَطَتْ شُفْعَتُه؛ لأنَّها لا تَتَبَعَّضُ، فإذا سَقَطَ بعضُها، سَقَطَ جَمِيعُها، كالقِصَاصِ. وإن وَهَبَ بعضُ الشُّرَكاءِ نَصِيبَه من الشُّفْعةِ بعضَ شُرَكائِه أو غيرَه، لم يَصِحَّ؛ لأنَّ ذلك عَفْوٌ، وليس بِهِبَةٍ، فلم يَصِحَّ لغير مَنْ هو عليه، كالعَفْوِ عن القِصَاصِ. فصل: فإن كان الشُّفَعاءُ غائِبينَ، لم تَسْقُط الشُّفْعةُ؛ لِمَوْضِعِ العُذْرِ. فإذا قَدِمَ أحَدُهم، فليس له أن يَأْخُذُ إلَّا الكلَّ، أو يَتْرُكَ؛ لأنَّا لا نَعْلَمُ اليومَ مُطَالِبًا سِواهُ، ولأنَّ في أخْذِه البعضَ (١) تَبْعِيضًا لِصَفْقةِ المُشْتَرِى، فلم يَجُزْ ذلك، كما لو [لم يكُنْ] (٢) معه غيرُه، ولا يُمْكِنُ تَأْخِيرُ حَقِّه إلى أن يَقْدَمَ شُرَكاؤُه؛ لأنَّ في التَّأْخِيرِ إضْرَارًا بالمُشْتَرِى. فإذا أخَذَ الجَمِيعَ، ثم حَضَرَ آخَرُ، قاسَمَه إن شاءَ أو عَفَا، فيَبْقَى للأَوَّلِ؛ لأنَّ المُطَالَبةَ إنَّما وُجِدَتْ منهما. فإن قاسَمَه، ثم حَضَرَ الثالِثُ، قاسَمَهُما إن أحَبَّ أو عَفَا فيَبْقَى للأَوّلَيْنِ، فإن نَمَا الشِّقْصُ في يَدِ الأَوَّلِ نَماءً مُنْفَصِلًا، لم يُشَارِكْه فيه واحدٌ منهما؛ لأنَّه انْفَصَلَ في [مِلْكِه، فأشْبَهَ ما لو انْفَصَلَ في] (٣) يَدِ المُشْتَرِى قبلَ الأخْذِ بالشُّفْعةِ. وكذلك إذا أخَذَ الثاني، فنما في يَدِه نَماءً مُنْفَصِلًا، لم يُشَارِكْه الثالثُ فيه. وإن خَرَجَ الشِّقْصُ مُسْتَحَقًّا، فالعُهْدَةُ على المُشْتَرِى، يَرْجِعُ الثلاثةُ عليه، ولا يَرْجِعُ أحَدُهُم على الآخَرِ؛ فإنَّ الأخْذَ وإن كان من الأولِ، فهو بمَنْزِلَةِ النائبِ عن المُشْتَرِى في الدَّفْعِ إليهما، والنائِبِ عنهما في دَفْعِ الثَّمَنِ إليه، لأنَّ الشُّفْعةَ مُسْتَحَقَّةٌ عليه لهم. وهذا ظاهِرُ مذهبِ

стр. 3729

الشّافِعِىِّ. وإن امْتَنَعَ الأولُ من المُطَالَبةِ حتى يَحْضُرَ صاحِبَاه، أو قال: آخُذُ قَدْرَ حَقِّى. ففيه وَجْهانِ؛ أحدُهما، يَبْطُلُ حَقُّه؛ لأنَّه قَدَرَ على أخْذِ الكُلِّ وتَرَكَه، فأشْبَه المُنْفَرِدَ. والثانى، لا يَبْطُلُ؛ لأنَّه تَرَكَه لِعُذْرٍ، وهو خَوْفُ قُدُومِ الغائِبِ، فيَنْتَزِعُه منه، والتَّرْكُ لِعُذْرٍ لا يُسْقِطُ الشُّفْعةَ، بِدَلِيلِ ما لو أظْهَرَ المُشْتَرِى ثَمَنًا كَثِيرًا، فتَرَكَ لذلك، ثم بان خِلافُه (٤). فإن تَرَكَ الأولُ شُفْعَتَه [تَوَفَّرَتِ الشُّفْعَةُ] (٥) على صَاحِبَيْه، فإذا قَدِمَ الأولُ منهما، فله أخْذُ الجميعِ، على ما ذَكَرْنا في الأولِ. فإن أخَذَ الأَولُ بها، ثم رَدَّ ما أخَذَه بِعَيْبٍ، فكذلك. وبهذا قال الشّافِعِىُّ. وحُكِى عن محمدِ بن الحَسَنِ أنَّها لا تَتَوَفَّرُ عليهما، وليس لهما أخْذُ نَصِيبِ الأَولِ؛ لأنَّه لم يَعْفُ، وإنَّما رَدَّ نَصِيبَه لأجْلِ العَيْبِ، فأشْبَه ما لو رَجَعَ إلى المُشْتَرِى بِبَيْعٍ أو هِبَةٍ. ولَنا، أنَّ الشَّفِيعَ فَسَخَ مِلْكَه، ورَجَعَ إلى المُشْتَرِى بالسَّبَبِ الأَولِ، فكان لِشَرِيكِه أخذُه، كما لو عَفَا. ويُفَارِقُ عَوْدَه بِسَبَبٍ آخَرَ؛ لأنَّه عادَ غيرَ المِلْكِ الأَوَّلِ الذي تَعَلَّقَتْ به الشُّفْعةُ. فصل: وإذا حَضَرَ الثاني بعدَ أخْذِ الأَوَّلِ، فأخَذَ نِصْفَ الشِّقْصِ منه، واقْتَسَما، ثم قَدِمَ الثالثُ، فطَالبَ بالشُّفْعةِ، وأخَذَ بها، بَطَلَتِ القِسْمَةُ؛ لأنَّ هذا الثالثَ إذا أخَذَ بالشُّفْعةِ، كان كأنَّه مُشارِكٌ في حال القِسْمَةِ، لِثُبُوتِ حَقِّه، ولهذا لو باعَ المُشْتَرِى، ثم قَدِمَ الشَّفِيعُ، كان له إبْطالُ البَيْعِ. فإن قِيل: فكيف تَصِحُّ القِسْمةُ، وشَرِيكُهُما الثالثُ غائِبٌ؟ قُلْنا: يَحْتَمِلُ أن يكونَ وَكَّلَ في القِسْمةِ قبلَ البَيْعِ، أو قبلَ علمه به (٦)، أو يكونَ الشَّرِيكانِ رَفَعَا ذلك إلى الحاكِمِ، وطَالَباه بالقِسْمةِ عن الغائِبِ، فَقَاسَمَهُما، وبَقِىَ الغائبُ على شُفْعَتِه. فإن قِيل: فكيف تَصِحُّ مُقَاسَمَتُهُما للشِّقْصِ، وحَقُّ الثالثِ ثابِتٌ فيه؟ قلنا: ثُبُوتُ حَقِّ (٧) الشُّفْعةِ لا يَمْنَعُ التَّصَرُّفَ، بِدَلِيلِ أنَّه يَصِحُّ بَيْعُه وهِبَتُه

стр. 3730

وغيرُهما، ويَمْلِكُ الشَّفِيعُ إبْطَالَه، كذا ههُنا. إذا ثَبَتَ هذا، فإنَّ الثالثَ إذا قَدِمَ فوَجَدَ أحدَ شَرِيكَيْه غائِبًا، أخَذَ من الحاضِرِ ثُلُثَ ما في يَدِه؛ لأنَّه قَدْرُ ما يَسْتَحِقُّه، ثم إن قَضَى له القاضي على الغائبِ، أخَذَ ثُلُثَ ما في يَدِه أيضًا، وإن لم يَقْضِ له، انْتَظَرَ الغائِبَ حتى يَقْدَمَ؛ لأنَّه مَوْضِعُ عُذْرٍ. فصل: إذا أخَذَ الأولُ الشِّقْصَ كلَّه بالشُّفْعةِ، فقَدِمَ الثاني، فقال: لا آخُذُ منك نِصْفَه، بل أقْتَصِرُ على قَدْرِ نَصِيبِى وهو الثُّلُثُ. فله ذلك؛ لأنَّه اقْتَصَرَ على بعضِ حَقِّه، وليس فيه تَبْعِيضُ الصَّفْقةِ (٨) على المُشْتَرِى، فجازَ، كتَرْكِ الكلِّ. فإذا قَدِمَ الثالثُ، فلَه أن يأْخُذَ من الثاني ثُلُثَ ما في يَدِه، فيُضِيفَه إلى ما في يَدِ الأولِ، ويَقْتَسِمانِه نِصْفَيْنِ، فتَصِحُّ قِسْمَةُ الشِّقْصِ من ثَمَانِيةَ عَشَرَ سَهْمًا؛ لأنَّ الثالِثَ أخَذَ حَقَّه (٩) من الثاني ثُلُثَ الثُّلُثِ، ومَخْرَجُه تِسْعَةٌ، فضَمَّه (١٠) إلى الثُّلُثَيْنِ وهى سِتَّةٌ، صارَتْ تِسْعةً (١١) ثم قَسما التِّسْعةَ (١٢) نِصْفَيْنِ، لا تَنْقَسِمُ، فاضْرِب اثْنَيْنِ في تِسْعةٍ، تكُنْ ثمانِيةَ عَشَرَ، للثانى أَرْبَعةُ أسْهُمٍ، ولكلِّ واحدٍ من شَرِيكَيْه سَبْعةٌ. وإنَّما كان كذلك؛ لأنَّ الثانىَ تَرَكَ سُدُسًا كان له أخذُه، وحَقُّه منه ثُلُثَاه، وهو السَّبْعُ (١٣)، فتَوَفَّرَ ذلك على شَرِيكَيْه (١٤) في الشُّفْعةِ، فلِلأَولِ والثالِثِ أن يقولا: نحن سواءٌ في الاسْتِحْقاقِ، ولم يَتْرُكْ واحدٌ منا شَيْئًا من حَقِّه، فنَجْمَعُ ما معنا فنَقْسِمُه، فيكونُ على ما ذَكَرْنا. وإن قال الثاني: أنا آخُذُ الرُّبْعَ. فله ذلك؛ لما ذَكَرْنا في التي قبلَها، فإذا قَدِمَ الثالثُ، أخَذَ منه نِصْفَ سُدُسٍ، وهو ثُلُثُ ما في يَدِه، فضَمَّه إلى ثَلَاثَةِ الأَرْباعِ، وهى تِسْعَةٌ، يَصِيرُ الجميعُ عَشرَةً

стр. 3731

فيَقْتَسِمَانِها لكلِّ واحدٍ منهما خَمْسَةٌ، وللثانى سَهْمانِ، وتَصِحُّ من اثْنَى عَشَرَ. فصل: إذا اشْتَرَى رَجُلٌ من رَجُلَيْنِ شِقْصًا، فلِلشَّفِيعِ أخذُ نَصِيبِ أحَدِهِما دُونَ الآخرِ. وبهذا قال الشّافِعِىُّ. وحُكِى عن القاضي، أنَّه لا يَمْلِكُ ذلك. وهو قولُ أبى حنيفةَ، ومالِكٍ، لئلَّا تَتَبَعَّضَ صَفْقَةُ المُشْتَرِى. ولَنا، أنَّ عَقْدَ الاثْنَيْنِ مع واحدٍ عَقْدانِ؛ لأنَّه مُشْتَرٍ من كلِّ واحدٍ منهما (١٥) مِلْكَه بثَمَنٍ مُفْرَدٍ، فكان للشَّفِيعِ أخذُه، كما لو أفْرَدَه بعَقْدٍ، وبهذا يَنْفَصِلُ عما ذَكَرُوه. وإن اشْتَرَى اثْنانِ نَصِيبَ واحدٍ، فللشَّفِيعِ أخْذُ نصيبِ أحدِ المُشْتَرِيَيْنِ. وبه قال مالِكٌ، والشّافِعِىُّ، وأبو حنيفةَ في إحدى الرِّوَايَتَيْنِ عنه. وقال في الأُخرَى: يجوزُ له ذلك بعدَ القَبْضِ، ولا يجوزُ قبلَه؛ لأنَّه قَبْلَ القَبْضِ تَتَبَعَّضُ صَفْقَةُ البائِعِ. ولَنا، أنَّهما مُشْتَرِيانِ، فجازَ للشَّفِيعِ أخذُ نَصِيبِ أحَدِهِما، كما بعدَ القَبْضِ. وما ذَكَرُوه لا نُسَلِّمُه، على أنَّ المُشْتَرِىَ الآخرَ أخَذَ (١٦) نَصِيبَه، فلا يكونُ تَبْعِيضًا. فإن باعَ اثْنانِ من اثْنَيْنِ، فهى أرْبعَةُ عُقُودٍ، ولِلشَّفِيعِ أخذُ الكُلِّ، أو ما شاءَ منهما. فصل: وإذا باعَ شِقْصًا لِثلاثةٍ، دَفْعةً واحدةُ، فلِشَرِيكِه أن يَأْخُذَ من الثَّلَاثةِ. وله أن يَأْخُذَ من أحَدِهِم، وله أن يَأْخُذَ من اثْنَيْنِ دون الثّالِثِ؛ لأنَّ [كُلَّ عَقْدٍ] (١٧) منهما مُنْفَرِدٌ، فلا يَتَوَقَّفُ الأَخْذُ به على الأخْذِ بما في العَقْدِ الآخرِ، كما لو كانت مُتَفَرِّقةً. فإذا أخَذَ نَصِيبَ واحدٍ، لم يكُنْ للآخَرَيْنِ مُشَارَكَتُه في الشُّفْعةِ؛ لأنَّ مِلْكَهُما لم يَسْبِقْ مِلْكَ مَن أخَذَ نَصِيبَه، ولا يَسْتَحِقُّ الشُّفْعةَ إلا بمِلْكٍ سابِقٍ. فأمَّا إن باعَ نَصِيبَه لِثلاثةٍ، في ثلاثةِ عُقُودٍ مُتَفَرِّقَةٍ، ثم عَلِمَ الشَّفِيعُ، فله أيضًا أن يَأْخُذَ الثَّلَاثَة، وله أن يَأْخُذَ ما شَاءَ منهما؛ فإن أخَذَ نَصِيبَ الأَوّلِ، لم يكُنْ للآخَرَيْنِ مُشَارَكَتُه [في شُفْعَتِه؛ لأنَّهما لم يكُنْ لهما مِلْكٌ حين بَيْعِه، وإن أخَذَ نَصِيبَ الثاني وحدَه، لم يَمْلِكِ الثالثُ مُشَارَكَتَه] (١٨)

стр. 3732

لذلك, ويُشَارِكُهُ الأَولُ في شُفْعَتِه؛ لأنَّ مِلْكَه سابِقٌ لِشِرَاءِ الثاني، فهو شَرِيكٌ حالَ شِرَائِه. ويَحْتَمِلُ أن لا يُشَارِكَه؛ لأنَّ مِلْكَه حالَ شِرَاءِ الثاني يَسْتَحِقُّ أخْذَه بالشُّفْعَةِ، فلا يكونُ سَبَبًا في اسْتِحْقَاقِها. وإن أخَذَ من الثالثِ، وعَفَا عن الأَوَّلَيْنِ، ففى مُشَارَكَتِهِما له وَجْهانِ. وإن أخَذَ من الثَّلَاثةِ، ففيه وَجْهانِ؛ أحَدهما، أنَّه لا يُشَارِكُه أحدٌ منهم؛ لأنَّ أمْلَاكَهُم قد اسْتَحَقَّها بالشُّفْعةِ، فلا يَسْتَحِقُّ عليه بها شُفْعةً. والثاني، يُشَارِكُه الثاني في شُفْعةِ الثالثِ. وهذا قولُ أبى حنيفةَ، وبعضِ أصْحابِ الشّافِعِىِّ؛ لأنَّه كان مالِكًا مِلْكًا صَحِيحًا حالَ شِرَاءِ الثالثِ، ولذلك اسْتَحَقَّ مُشَارَكَتَه إذا عَفَا عن شُفْعَتِه، فكذلك إذا لم يَعْفُ؛ لأنَّه إنَّما اسْتَحَقَّ الشُّفْعةَ بالمِلْكِ الذي صارَ به شَرِيكا، لا بالعَفْوِ عنه، ولذلك قُلْنا في الشَّفِيعِ إذا لم يَعْلَمْ بالشُّفْعةِ حتى باعَ نَصِيبَه: فله أخذُ نَصِيبِ المُشْتَرِى الأَول، وللمُشْتَرِى الأَول أخذُ نَصِيبِ المُشْتَرِى الثاني. وعلى هذا يُشَارِكُه الأولُ في شُفْعةِ الثاني والثالثِ جَمِيعًا. فعلى هذا إذا كانتْ دارٌ بين اثْنَيْنِ نِصْفَيْنِ، فباعَ أحَدُهُما نَصِيبَه لِثَلَاثةٍ، في (١٩) ثَلَاثةِ عُقُودٍ، في كلِّ عَقْدٍ سُدُسًا، فللشَّفِيعِ السُّدُسُ الأوَّلُ وثَلَاثَةُ أرْباعِ الثاني وثَلَاثةُ أخْماسِ الثالثِ، ولِلمُشْتَرِى الأوَّلِ رُبْعُ السُّدُسِ الثاني وخُمْسُ الثالثِ، وللمُشْتَرِى الثاني خُمْسُ الثالثِ فتَصِحُّ المَسْألةُ من مائةٍ وعِشْرِينَ سَهْمًا، لِلشَّفِيعِ الأولِ مائةٌ وسَبْعَةُ أسْهُمٍ، وللثاني تِسْعةٌ، وللثالثِ أرْبَعةٌ. وإن قُلْنا: إنَّ الشُّفْعةَ على عَدَدِ الرُّءُوسِ. فلِلمُشْتَرِى الأَوَّلِ نِصْفُ السُّدُسِ الثاني وثُلُثُ الثالثِ، وللثاني ثُلُثُ الثالثِ وهو نِصْفُ التُّسْعِ، فتَصِحُّ من سِتَّة وثَلَاثِينَ، لِلشَّفِيعِ تِسْعةٌ وعِشْرُونَ، وللثاني خَمْسَةٌ، وللثالث سَهْمان. فصل: دارٌ بين أَرْبَعةٍ أرْباعًا، باعَ ثلاثةٌ منهم في عُقُودٍ مُتَفَرِّقَةٍ، ولم يَعْلَمْ شَرِيكُهُم،

стр. 3733

ولا بعضُهم ببعض، فلِلَّذِى لم يَبِعْ الشُّفْعةُ في الجَمِيعِ. وهل يَسْتَحِقُّ البائِعُ (٢٠) الثاني والثالث الشُّفْعةَ فيما باعَهُ البائِعُ الأَوَّل والثانى (٢٠)؟ على وَجْهَيْنِ. [وكذلك هل يَسْتَحِقُّ الثالثُ الشُّفْعةَ فيما باعَهُ الأَولُ والثانى؟ على وَجْهَيْنِ] (٢١). وهل يَسْتَحِقُّ مُشْتَرِى الرُّبْعِ الأَوَّلِ الشُّفْعةَ فيما باعَهُ الثاني والثالثُ؟ وهل (٢٢) يَسْتَحِقُّ الثاني شُفْعةَ الثالثِ؟ على ثلاثةِ أوْجُهٍ؛ أحدُها، يَسْتَحِقَّانِ؛ لأنَّهما مالِكَانِ حالَ البَيْعِ. والثانى، لا حَقَّ لهما؛ لأنَّ مِلْكَهُما مُتَزَلْزِلٌ يَسْتَحِقُّ أخْذَه بالشُّفْعةِ، فلا تَثْبُتُ به. والثالث، إن عَفَا عنهما أخَذَا، وإلَّا فلا. فإذا قُلْنا: يَشْتَرِكُ الجَمِيعُ. فلِلَّذِى لم يَبِعْ ثُلُثُ كلِّ رُبْعٍ؛ لأنَّ له شَرِيكَيْنِ، فصارَ له الرُّبْعُ مَضْمُومًا إلى مِلْكِه، فكَمُلَ له النِّصْفُ، وللبائِعِ والمُشْتَرِى (٢٣) الأوَّلِ الثُّلُثُ، لكلِّ واحدٍ منهما السُّدُسُ؛ لأنَّه شَرِيكٌ في شُفْعَةٍ. [وللْبائعِ الثاني، والمُشْتَرِى الثاني السُّدُسُ، لكلِّ واحدٍ منهما نصفُه؛ لأنَّه شَرِيكٌ في شُفْعَةِ] (٢٤) بَيْعٍ واحدٍ، وتَصِحُّ من اثْنَى عَشَرَ. فصل: وإن باعَ الشَّرِيكُ نِصْفَ الشِّقْصِ لِرَجُلٍ، ثم باعَهُ بَقِيَّتَهَ (٢٥) في صَفْقَةٍ أُخْرَى، ثم عَلِمَ الشَّفِيعُ، فله أخذُ المَبِيعِ الأَولِ والثانى، وله أخذُ أحَدِهِما دُونَ الثاني؛ لأنَّ لكلِّ عَقْدٍ حُكْمَ نَفْسِه، فإن أخَذَ الأَوَّلَ، لم يُشَارِكْه في شُفْعَتِه أحدٌ، وإن أخَذَ الثاني، فهل يُشَارِكُه المُشْتَرِى في شُفْعَتِه بِنَصِيبِه الأَوَّلِ؟ فيه ثلاثةُ أَوْجُهٍ؛ أحَدُها، يُشَارِكُه فيها (٢٦). وهو مذهبُ أبى حنيفةَ، وبعضِ أصْحابِ الشّافِعِىِّ؛ لأنَّه شَرِيكٌ وقتَ

стр. 3734

البَيْعِ الثاني، يَمْلِكُه الذي اشْتَرَاهُ أَوَّلًا. والثانى، لا يُشَارِكُه؛ لأنَّ مِلْكَه على الأَوَّلِ لم يَسْتَقِرَّ، لكَوْنِ الشَّفِيعِ يَمْلِكُ أخْذَه. والثالث، إن عَفَا الشَّفِيعُ عن الأَوَّلِ شَارَكَه في الثاني، وإن أخَذَ بهما جَمِيعا لم يُشَارِكْه. وهذا مذهبُ الشّافِعِىِّ؛ لأنَّه إذا عَفَا عنه، اسْتَقَرَّ مِلْكُه، فشَارَكَ به، بخِلَافِ ما إذا أخَذَ. فإن قُلْنا: يُشَارِكُ في الشُّفْعةِ. ففى قَدْرِ ما يَسْتَحِقُّ وَجْهان؛ أحَدُهما، ثُلُثَه. والثاني، نِصْفَه. بِناءً على الرِّوَايَتَيْنِ في قِسْمَةِ الشُّفْعةِ على قَدْرِ الأمْلاكِ أو عَدَدِ الرُّءُوسِ. فإذا قُلْنا: يُشَارِكُه. فعَفَا له عن الأَوَّلِ، صارَ له ثُلُثُ العَقَارِ، في أحَدِ الوَجْهَيْنِ، وفي الآخَرِ ثَلَاثَةُ أَثْمانِه، وباقِيه لِشَرِيكِه. وإن لم يَعْفُ عن الأَوَّلِ، فله نِصْفُ سُدُسِه، في أحدِ الوَجْهَيْنِ، وفي الآخَرِ ثُمْنُه، والباقِى لِشَرِيكِه. وإن باعَهُ الشَّرِيكُ الشِّقْصَ في ثَلَاثِ صَفقاتٍ مُتَسَاوِيَة، فحُكْمُه حُكْمُ ما لو باعَه لِثَلَاثةِ أنْفُسٍ، على ما شَرَحْناه. ويَسْتَحِقُّ ما يَسْتَحِقُّون. وللشَّفِيعِ ههُنا مثلُ مالَهُ مع (٢٧) الثَّلَاثةِ. واللَّه أعلمُ. فصل: وإذا كانت دارٌ بين ثَلَاثَةٍ، فوَكَّلَ أحَدُهُم شَرِيكَه في بَيْعِ نَصِيبِه مع نَصِيبِه، فباعَهما (٢٨) لِرَجُلٍ واحدٍ، فلِشَرِيكِهِما الشُّفْعةُ فيهما. وهل له أخْذُ أحدِ النَّصِيبَيْنِ دُونَ الآخر؟ فيه وَجْهان؛ أحَدُهُما، له ذلك؛ لأنَّ المالِكَ اثْنانِ، فهما بَيْعانِ، فكان له أخْذُ نَصِيبِ أحَدِهِما، كما لو تَوَلَّيَا العَقْدَ. والثاني، ليس له ذلك؛ لأنَّ الصَّفْقةَ واحِدَةٌ، وفي أخْذِ أحَدِهِما تَبْعِيضُ الصَّفْقَةِ على المُشْتَرِى، فلم يَجُزْ، كما لو كانا لِرَجُلٍ واحدٍ. وإن وَكَّلَ رَجُلٌ رَجُلًا في شِرَاءِ نِصْفِ (٢٩) نَصِيبِ أحدِ الشُّركاءِ، فاشْتَرَى الشِّقْصَ كلَّه لِنَفْسِه ولمُوَكِّلِه، فلِشَرِيكِه أخْذُ نَصِيبِ أحَدِهِما؛ لأنَّهما مُشْتَرِيانِ، فأَشْبَهَ ما لو وَلِيَا العَقْدَ. والفَرْقُ بين هذه الصُّورَةِ والتى قبلَها، أنَّ أخْذَ أحَدِ (٢٩) النَّصِيبَيْنِ لا يُفْضِى إلى

стр. 3735

تَبْعِيضِ صَفْقَةِ المُشْتَرِى، ولأنَّه قد [يَرْضَى شَرِكَةَ] (٣٠) أحدِ المُشْتَرِيَيْنِ دُون الآخَرِ بخِلَافِ التي قبلَها؛ فإنَّ المُشْتَرِىَ واحِدٌ. ٨٨٢ - مسألة؛ قال: (وعُهْدَةُ الشَّفِيعِ عَلَى الْمُشْتَرِى، وعُهْدَةُ الْمُشْتَرِى عَلَى الْبائِعِ) يعني أنَّ الشَّفِيعَ إذا أخَذَ الشِّقْصَ، فظَهَرَ مُسْتَحَقًّا، فرُجُوعُه بالثَّمَنِ على المُشْتَرِى، ويَرْجِعُ (١) المُشْتَرِى على البائِعِ. وإن وَجَدَه مَعِيبًا فله رَدُّه على المُشْتَرِى، أو أخْذُ أرْشِه منه، والمُشْتَرِى يَرُدُّ على البائِعِ، أو يَأْخُذُ الأَرْشَ منه، سواءٌ قَبَضَ الشِّقْصَ من المُشْتَرِى أو من البائِعِ. وبهذا قال الشافِعِىُّ. وقال ابنُ أبي لَيْلَى، وعُثْمانُ الْبَتِّىُّ: عُهْدَة الشَّفِيعِ على البائعِ؛ لأنَّ الحَقَّ ثَبَتَ له بإِيجابِ البائعِ، فكان رُجُوعُه عليه، كالمُشْتَرِى. وقال أبو حنيفةَ: إن أخَذَه من المُشْتَرِى، فالعُهْدَةُ عليه، وإن أخَذَه من البائعِ فالعُهْدَةُ عليه؛ لأنَّ الشَّفِيعَ إذا أخَذَهُ من البائعِ تَعَذَّرَ قَبْضُ المُشْتَرِى، فيَنْفَسِخُ البَيْعُ بين البائعِ والمُشْتَرِى، فكان الشَّفِيعُ آخِذًا من البائِع، مالِكًا من جِهَتِه، فكانت عُهْدَتُه عليه. ولَنا، أنَّ الشُّفْعةَ مُسْتَحَقَّةٌ بعدَ الشِّرَاءِ وحُصُولِ المِلْكِ للمُشْتَرِى، ثم يَزُولُ المِلْكُ من المُشْتَرِى إلى الشَّفِيعِ بالثَّمَنِ. فكانت العُهْدَةُ عليه، كما لو أخَذَه منه بِبَيْعٍ، ولأنَّه مَلَكَه من جِهَةِ المُشْتَرِى بالثَّمَنِ، فمَلَكَ رَدَّه عليه بالعَيْبِ، كالمُشْتَرِى في البَيْعِ الأولِ. وقِيَاسُه على المُشْتَرِى، في جَعْلِ عُهْدَتِه على البائِع، لا يَصِحُّ؛ لأنَّ المُشْتَرِىَ مَلَكَه من البائعِ، بخِلَافِ الشَّفِيعِ. وأمَّا إذا أخَذَه من البائعِ، فالبائِعُ نائِبٌ عن المُشْتَرِى في التَّسْلِيمِ المُسْتَحَقِّ عليه. ولو انْفَسَخَ العَقْدُ بين المُشْتَرِى والبائعِ، بَطَلَتِ الشُّفْعةُ؛ لأنَّها اسْتُحِقَّتْ به.

стр. 3736

فصل: وحُكْمُ الشَّفِيعِ في الرَّدِّ بالعَيْبِ، حُكْمُ المُشْتَرِى من المُشْتَرِى، وإن عَلِمَ المُشْتَرِى بالعَيْبِ، ولم يَعْلَم الشَّفِيعُ، فلِلشَّفِيعِ رَدُّه على المُشْتَرِى. أو أخْذُ أرْشِه منه، وليس لِلمُشْتَرِى شيءٌ. ويَحْتَمِلُ أن لا يَمْلِكَ الشَّفِيعُ أخْذَ الأَرْشِ؛ لأنَّ الشَّفِيعَ يَأْخُذُ بالثَّمَنِ الذي اسْتَقَرَّ عليه العَقْدُ، فإذا أخَذَ الأَرْشَ، فما أخَذَه بالثَّمَنِ الذي اسْتَقَرَّ على المُشْتَرِى. وإن عَلِمَ الشَّفِيعُ دُونَ المُشْتَرِى، فليس لواحدٍ منهما رَدٌّ ولا أرْشٌ؛ لأنَّ الشَّفِيعَ أخَذَه عَالِمًا بِعَيْبِه، فلم يَثْبُتْ له رَدٌّ ولا أرْشٌ، كالمُشْتَرِى إذا عَلِمَ العَيْبَ، والمُشْتَرِى قد اسْتَغْنَى عن الرَّدِّ، لِزَوَالِ مِلْكِه عن المَبِيعِ، وحُصُولِ الثمَنِ له من الشَّفِيعِ، ولم يَمْلِكِ الأَرْشَ؛ لأنَّه اسْتَدْرَكَ ظُلَامَتَه، ورَجَعَ إليه جَمِيعُ ثَمَنِه، فأشْبَهَ ما لو رَدَّه على البائعِ. ويَحْتَمِلُ أن يَمْلِكَ أخْذَ الأَرْشِ؛ لأنَّه عِوَضٌ عن الجُزْءِ الفائِتِ من المَبِيعِ، فلم يَسْقُطْ بزَوَالِ مِلْكِه عن المَبِيعِ، كما لو اشْتَرَى قَفِيزَيْنِ، فتَلِفَ أحَدُهُما، وأخَذَ الآخرَ. فعلى هذا، ما يَأْخُذُه من الأرْشِ يَسْقُطُ عن الشَّفِيعِ من الثَّمَنِ بِقَدْرِه؛ لأنَّ الشِّقْصَ يَجِبُ عليه بالثَّمَنِ الذي اسْتَقَرَّ (٢) عليه العَقْدُ، فأشْبَهَ ما لو أخَذَ الأرْشَ قبلَ أخْذِ الشَّفِيعِ منه. وإن عَلِمَا جَمِيعًا، فليس لواحدٍ منهما رَدٌّ ولا أرْشٌ؛ لأنَّ كلَّ واحدٍ منهما دَخَلَ على بَصِيرَةٍ، ورَضِىَ بِبَذْلِ الثَّمَنِ فيه بهذه الصِّفَةِ. وإن لم يَعْلَمَا، فلِلشَّفِيعِ رَدُّه على المُشْتَرِى، ولِلْمُشْتَرِى رَدُّه على البائِع، فإن لم يَرُدَّه الشَّفِيعُ، فلا [رَدَّ للْمُشْتَرِى] (٣)؛ لما ذَكَرْنا أَوَّلا. وإن أخَذَ الشَّفِيعُ أرْشَه من المُشْتَرِى، فلِلمُشْتَرِى أخْذُه من البائعِ. وإن لم يَأْخُذْ منه شَيْئًا، فلا شىءَ لِلْمُشْتَرِى. ويَحْتَمِلُ أن يَمْلِكَ أخْذَه، على الوَجْهِ الذي ذَكَرْناه. فإذا أخَذَه، فإن كان الشَّفِيعُ لم يُسْقِطْه عن المُشْتَرِى، سَقَطَ عنه من الثَّمَنِ بِقَدْرِه؛ لأنَّه الثَّمنُ الذي اسْتَقَرَّ عليه البَيْعُ، وسُكُوتُه لا يُسْقِطُ حَقَّه، وإن أسْقَطَه عن المُشْتَرِى، تَوَفَّرَ عليه، كما لو زادَه على الثَّمَنِ باخْتِيارِه. فأمَّا إن اشْتَراه بالبَرَاءِة من كلِّ عَيْبٍ، فالصَّحِيحُ من المَذْهَبِ أنَّه (٤) لا يَبْرأُ، فيكونُ كأنَّه لم يَبْرَأْ إليه من

стр. 3737

شيءٍ. وفي رِوَايةٍ أُخْرَى، أنَّه يَبْرَأُ، إلَّا أن يكونَ البائِعُ عَلِمَ بالعَيْبِ، فدَلَّسَه، واشْتَرَطَ البَرَاءَةَ. فعلى هذه الرِّوَايةِ، إن عَلِمَ الشَّفِيعُ باشْتِرَاطِ البَرَاءةِ، فحُكْمُه حُكْمُ المُشْتَرِى؛ لأنَّه دَخَلَ على شِرَائِه، فصارَ كمُشْتَرٍ ثانٍ اشْتَرَطَ (٥) البَرَاءةَ. وإن لم يَعْلَمْ ذلك، [فحُكْمُه حُكْمُ ما لو عَلِمَهُ] (٦) المُشْتَرِى دُونَ الشَّفِيعِ. ٨٨٣ - مسألة؛ قال: (والشُّفْعَةُ لا تُورَثُ، إلَّا أنْ يَكُونَ الْمَيِّتُ طَالَبَ بِهَا) وجملةُ ذلك، أنَّ الشَّفِيعَ إذا ماتَ قبلَ الأَخْذِ بها، لم يَخْلُ من حالَيْنِ؛ أحَدهما، أن يموتَ قبلَ الطَّلَبِ بها، فتَسْقُطُ، ولا تَنْتَقِلُ إلى الوَرَثَةِ. قال أحمدُ: الموتُ يَبْطُلُ به ثلاثةُ أشْياء؛ الشُّفْعةُ، والحَدُّ إذا ماتَ المَقْذُوفُ، والخِيَارُ إذا ماتَ الذي اشْتَرطَ الخِيَارَ لم يَكُنْ لِلْوَرَثَةِ. هذه الثَّلَاثَةُ الأَشْياءِ إنَّما هي بالطَّلَبِ، فإذا لم يَطْلُبْ، فليس تَجِبُ، إلَّا أن يُشْهِدَ أَنِّى على حَقِّى من كذا وكذا، وأنِّى قد طَلَبْتُه، فإن ماتَ بعدَه، كان لِوَارِثِه الطَّلَبُ به. ورُوِىَ سُقُوطُه بالمَوْتِ عن الحَسَنِ، وابنِ سِيرِينَ، والشَّعْبِىِّ، والنَّخَعِىِّ. وبه قال الثَّوْرِىُّ، وإسحاقُ، وأصْحابُ الرَّأْىِ. وقال مالِكٌ، والشَّافِعِىُّ، والعَنْبَرِىُّ: يُورَثُ. قال أبو الخَطَّابِ، ويَتَخَرَّجُ لنا مثلُ ذلك؛ لأنَّه خِيَارٌ ثابِتٌ لِدَفْعِ الضَّرَرِ عن المالِ، فيُورَثُ، كخِيَارِ الرَّدِّ بالعَيْبِ. ولَنا، أنَّه حَقُّ فَسْخٍ ثَبَتَ (١) لا لِفَواتِ جُزْءٍ، فلم يُورَثْ، كالرُّجُوعِ في الهِبَةِ، ولأنَّه نَوْعُ خِيَارٍ جُعِلَ للتَّمْلِيكِ، أشْبَهَ خِيَارَ القَبُولِ. فأمَّا خِيَارُ الرَّدِّ بالعَيْبِ، فإنَّه لِاسْتِدْراكِ جُزْءٍ فاتَ من المَبِيعِ. الحال الثاني، إذا طَالَبَ بالشُّفْعةِ ثم ماتَ. فإنَّ حَقَّ الشُّفْعةِ يَنْتَقِلُ إلى الوَرَثَةِ، قولًا واحدًا. ذَكَرَه أبو الخَطَّابِ. وقد ذَكَرْنا نَصَّ أحمدَ عليه. لأنَّ الحَقَّ يَتَقَرَّرُ بالطَّلَبِ، ولذلك لا يَسْقُطُ بتَأْخِيرِ الأخْذِ بعدَه، وقبلَه يَسْقُطُ. وقال القاضي: يَصِيرُ الشِّقْصُ مِلْكًا لِلشَّفِيعِ بِنَفْسِ المُطَالَبةِ. وقد

стр. 3738

ذَكَرْنا أنَّ الصَّحِيحَ غيرُ هذا، فإنَّه لو صَارَ مِلْكًا لِلشَّفِيعِ، لم يَصِحَّ العَفْوُ عن الشُّفْعةِ بعدَ طَلَبِها، كما لا يَصِحُّ العَفْوُ عنها بعدَ الأخْذِ بها. فإذا ثَبَتَ هذا، فإنَّ الحَقَّ يَنْتَقِلُ إلى جَمِيعِ الوَرَثةِ على حَسَبِ مَوَاريثِهم، لأنَّه حَقٌّ مالِىٌّ مَوْرُوثٌ، فيَنْتَقِلُ إلى جَمِيعِهم، كسائِرِ الحُقُوقِ المالِيَّةِ، وسواءٌ قلنا: الشُّفْعةُ على قَدْرِ الأمْلاكِ، أو على عَدَدِ الرُّءُوسِ؛ لأنَّ هذا يَنْتَقِلُ إليهم من مَوْرُوثِهِم. فإن تَرَكَ بعضُ الوَرَثَةِ حَقَّه، تَوَفَّرَ (٢) الحَقُّ على سائِر الوَرَثَةِ، ولم يكُنْ لهم أن يَأْخُذُوا إلَّا الكلَّ، أو يَتْرُكُوا، كالشُّفَعاءِ إذا عَفَا بعضُهم عن شُفْعَتِه؛ لأنَّا لو جَوَّزْنا أخْذَ (٣) بعضِ الشِّقْصِ المَبِيعِ، تَبَعَّضَتِ الصَّفْقةُ على المُشْتَرِى، وهذا ضَرَرٌ في حَقِّه. فصل: وإن أشْهَدَ الشَّفِيعُ على مُطَالَبَتِه بها لِلْعُذْرِ، ثم ماتَ، لم تَبْطُلْ، وكان لِلْوَرَثةِ المُطَالَبةُ بها. نَصَّ عليه أحمدُ؛ لأنَّ الإِشْهادَ على الطَّلَبِ عندَ العَجْزِ عنه، يَقُومُ مَقَامَه، فلم تَسْقُط الشُّفْعةُ بالمَوْتِ بعدَه (٤)، كنَفْسِ الطَّلَبِ. فصل: وإذا بِيعَ شِقْصٌ له شَفِيعانِ، فعَفَا أحَدُهُما عنها (٥)، وطَالَبَ الآخَرُ بها، ثم ماتَ المُطَالِبُ (٦)، فوَرِثَهُ العافِى، فله أخْذُ الشِّقْصِ بها؛ لأنَّه وارِثٌ لِشَفِيعٍ مُطَالِبٍ بالشُّفْعةِ، فمَلَكَ الأخْذَ بها، كالأجْنَبِىِّ. وكذلك لو قَذَفَ رَجُلٌ أُمَّهُما وهى مَيِّتَةٌ، فعَفَا أحَدُهُما، فطَالَبَ (٧) الآخرُ، ثم ماتَ الطَّالِبُ، فوَرِثَه العافِى، ثَبَتَ له اسْتِيفاؤُه بالنِّيَابةِ عن أخِيه المَيِّتِ، إذا قُلْنا بوُجُوبِ الحَدِّ بِقَذْفِها. فصل: وإن ماتَ مُفْلِسٌ، وله شِقْصٌ، فباعَ شَرِيكُه، كان لِوَرَثَتِه الشُّفْعةُ. وهذا

стр. 3739

مذهبُ الشافِعِىِّ. وقال أبو حنيفةَ: لا شُفْعَةَ لهم؛ لأنَّ الحَقَّ انْتَقلَ إلى الغُرَماءِ. ولَنا، أنَّه بَيْعٌ في شَرِكَةِ ما خَلَفَه مَوْرُوثُهُم من شِقْصٍ، فكان لهم المُطَالَبةُ بِشُفْعَتِه، كغيرِ المُفْلِسِ. ولا نُسَلِّمُ أن التَّرِكَةَ انْتَقَلَتْ إلى الغُرَماءِ، بل هي لِلْوَرَثَةِ، بِدَلِيلِ أنَّها لو تَمَّتْ أو زَادَ ثَمَنُها، لَحُسِبَ على الغُرَماءِ في قَضَاءِ دُيُونِهِم، وإنَّما تَعَلَّقَ حَقُّهُم به، فلم يَمْنَعْ ذلك من الشُّفْعةِ، كما لو كان (٨) لرجلٍ شِقْصٌ مَرْهُونٌ، فباعَ شَرِيكُه، فإنَّه يَسْتَحِقُّ الشُّفْعةَ به. ولو كان للمَيِّتِ دارٌ، فَبِيعَ بعضُها في (٩) قَضَاءِ دَيْنِه، لم يكُنْ لِلْوَرَثةِ شُفْعَةٌ؛ لأنَّ البَيْعَ يَقَعُ لهم، فلا يَسْتَحِقُّونَ الشُّفْعةَ على أَنْفُسِهِم. ولو كان الوارِثُ شَرِيكًا لِلْمَوْرُوثِ، فبِيع نَصيبُ المَوْرُوثِ في دَيْنِه، فلا شُفْعةَ أيضًا؛ لأنَّ نَصِيبَ المَوْرُوثِ انْتَقلَ بمَوْتِه إلى الوارِثِ، فإذا بِيعَ فقد بِيعَ مِلْكُه، فلا يَسْتَحِقُّ الشُّفْعةَ على نَفْسِه. فصل: ولو اشْتَرَى شِقْصًا مَشْفُوعًا، وَوَصَّى به، ثم ماتَ، فلِلشَّفِيعِ أخْذُه بالشُّفْعةِ؛ لأنَّ حَقَّه أسْبَقُ من حَقِّ المُوصَى له، فإذا أخَذَه، دَفَعَ الثَّمَنَ إلى الوَرَثةِ، وبَطَلَتِ الوَصِيَّةُ؛ لأنَّ المُوصَى به [ذَهَبَ، فبَطَلَتِ الوَصِيَّةُ، كما لو تَلِفَ، ولا يَسْتَحِقُّ المُوصَى له بَدَلَه؛ لأنَّه لم يُوصَ له إلَّا بالشِّقْصِ، وقد فاتَ] (١٠) بأخْذِه. ولو وَصَّى رَجُلٌ (١١) لإِنْسانٍ بِشِقْصٍ، ثم مات، فبِيعَ في تَرِكَتِه شِقْصٌ قبلَ قَبُولِ المُوصَى له، فالشُّفْعةُ لِلْوَرَثةِ في الصَّحِيحِ؛ لأنَّ المُوصَى به لا يَصِيرُ لِلوَصِىِّ إلَّا بعدَ القَبُولِ، ولم يُوجَدْ، فيكونُ باقِيًا على مِلْكِ الوَرَثَةِ. ويَحْتَمِلُ أن يكونَ للمُوصَى (١٢) إذا قُلْنا: إن المِلْكَ يَنْتَقِلُ إليه بمُجَرِّدِ المَوْتِ. فإذا قَبِلَ الوَصِيَّةَ، اسْتَحَقَّ المُطَالَبةَ؛ لأنَّنا تَبَيَّنَّا أن المِلْكَ كان له، فكان المَبِيعُ (١٣) في شَرِكَتِه. ولا يَسْتَحِقُّ المُطَالَبةَ قبلَ القَبُولِ؛ لأنَّا لا

стр. 3740

نَعْلَمُ أن المِلْكَ له قبلَ القَبُولِ، وإنَّما يَتَبَيَّنُ ذلك بقَبُولِه، فإن قَبِلَ تَبَيَّنَّا [أنَّه كانَ] (١٤) له. وإن رَدَّ، تَبَيَّنَّا أنَّه كان لِلْوَرَثةِ. ولا تَسْتَحِقُّ الوَرَثةُ المُطَالَبةَ أيضًا؛ لذلك. ويَحْتَمِلُ أنَّ لهم المُطَالَبةَ؛ لأنَّ الأصْلَ عَدَمُ القَبُولِ، وبَقَاءُ الحَقِّ لهم. ويُفَارِقُ المُوصَى له من وَجْهَيْنِ؛ أحَدهما، أنَّ الأصْلَ عَدَمُ القَبُولِ منه. والثانى، أنَّه يُمْكِنُه أن يَقْبَلَ ثم يُطَالِبَ، بخِلَافِ الوارِثِ؛ فإنَّه لا سَبِيلَ له إلى فِعْلِ ما يُعْلَمُ به (١٥) ثُبُوتَ المِلْكِ له أو لغيرِه. فإذا طَالَبُوا، ثم قَبِلَ الوَصِىُّ (١٦) الوَصِيَّةَ، كانت الشُّفْعةُ له، ويَفْتَقِرُ إلى الطَّلَبِ منه؛ لأنَّ الطَّلَبَ الأَولَ تَبَيَّن (١٧) أنَّه من غيرِ المُسْتَحِقِّ. وإن قُلْنا بالرِّوَايةِ الأُولَى، فطَالَبَ الوَرَثَةُ بالشُّفْعةِ، فلهم الأخْذُ بها. وإن قَبِلَ الوَصِىُّ أخَذَ الشِّقْصَ المُوصَى به، دون الشِّقْصِ المَشْفُوعِ؛ لأنَّ الشِّقْصَ المُوصَى به إنَّما انْتَقَلَ إليه بعدَ الأخْذِ بِشُفْعَتِه، فأشْبَهَ ما لو أخَذَ (١٨) بها المُوصِى في حَيَاتِه. وإن لم يُطَالِبُوا بالشُّفْعةِ حتى قَبِلَ المُوصَى لَهُ (١٩)، فلا شُفْعةَ للمُوصَى له؛ لأنَّ البَيْعَ وَقَعَ قبل ثُبُوتِ المِلْكِ له (١٩)، وحُصُولِ شَركَتِه. وفي ثُبُوتِها للوَرَثَةِ وَجْهانِ، بِنَاءً على ما لو باعَ الشَّفِيعُ نَصِيبَه قبلَ عِلْمِه بِبَيْعِ شَرِيكِه. فصل: ولو اشْتَرَى رَجُلٌ شِقْصًا، ثم ارْتَدَّ فَقُتِلَ أو ماتَ، فلِلشَّفِيعِ أخْذُه بالشُّفْعةِ؛ لأنَّها وَجَبَتْ بالشِّراءِ، وانْتِقَالُه إلى المُسْلِمِينَ بِقَتْلِه أو مَوْتِه لا يَمْنَعُ الشُّفْعةَ، كما لو ماتَ على الإِسْلامِ، فوَرِثَه (٢٠) وَرَثَتُه، أو صارَ مالُه لِبَيْتِ المالِ، لِعَدَمِ وَرَثَتِه، والمُطَالِبُ بالشُّفْعةِ وَكِيلُ بَيْتِ المالِ.

стр. 3741

فصل: وإذا اشْتَرَى المُرْتَدُّ شِقْصًا، فتَصَرُّفُه مَوْقُوفٌ، فإن قُتِلَ على رِدَّتِه أو ماتَ عليها، تَبَيَّنَّا أنَّ شِرَاءَه باطِلٌ، ولا شُفْعةَ فيه، وإن أسْلَمَ، تَبَيَّنَّا صِحَّتَه، وثُبُوتَ الشُّفْعةِ فيه. وقال أبو بكرٍ: تَصَرُّفُه غير صَحِيحٍ في الحالَيْنِ؛ لأنَّ مِلْكَه يَزُولُ بِرِدَّتِه، فإذا أسْلَمَ عادَ إليه تَمْلِيكًا مُسْتَأْنَفًا. وقال الشافِعِىُّ، وأبو يوسفَ: تَصَرُّفُه صَحِيحٌ في الحالَيْنِ، وتَجِبُ الشُّفْعةُ فيه. ومَبْنَى الشُّفْعَةِ ههُنا على صِحَّةِ تَصَرُّفِ المُرْتَدِّ، ويُذْكَرُ في غيرِ هذا المَوْضعِ (٢١). وإن بِيعَ شِقْصٌ في شَرِكَةِ المُرْتَدِّ، وكان المُشْتَرِى كافِرًا، فأخَذَ (٢٢) بالشُّفْعةِ، انْبَنَى على ذلك أيضًا؛ لأنَّ أخْذَه بالشُّفْعةِ (٢٣) شِرَاءٌ لِلشِّقْصِ من المُشْتَرِى، فأشْبَه شِرَاءَه لغيرِه. وإن ارْتَدَّ الشَّفِيعُ المُسْلِمُ، وقُتِلَ بالرِّدَةِ أو ماتَ عليها، انْتَقَلَ مالُه إلى المُسْلِمِينَ، فإن كان طَالَبَ بالشُّفْعةِ، انْتَقَلَتْ أيضًا إلى المُسْلِمِينَ، يَنْظُرُ فيها الإِمامُ أو نائِبُه. وإن قُتِلَ أو ماتَ قبلَ طَلَبِها، بَطَلَتْ شُفْعَتُه، كما لو ماتَ على إسْلامِه. ولو ماتَ الشَّفِيعُ المُسْلِمُ، ولم يَخْلُفْ وارِثًا سِوَى بَيْتِ المالِ، انْتَقَلَ نَصِيبُه إلى المُسْلِمِينَ إن ماتَ بعد الطَّلَبِ، وإلَّا فلا. ٨٨٤ - مسألة؛ قال: (وَإنْ أَذِنَ الشَّرِيكُ في الْبَيْعِ، ثُمَّ طَالَبَ (١) بالشُّفْعةِ بَعْدَ وُقُوعِ الْبَيْعِ، فَلَهُ ذلِكَ) وجملةُ ذلك أنَّ الشَّفِيعَ إذا عَفَا عن الشُّفْعةِ قبلَ البَيْعِ، فقال: قد أَذِنْتُ في البَيْعِ، أو قد (٢) أسْقَطْتُ شُفْعَتِى. أو ما أشْبهَ ذلك، لم تَسْقُطْ، وله المُطَالَبةُ بها متى وُجِدَ البَيْعُ. هذا (٣) ظاهِرُ المَذْهَبِ. وهو مذهبُ مالكٍ، والشَّافِعِىِّ، والْبَتِّىِّ، وأصْحابِ الرَّأْىِ. ورُوى عن أحمدَ ما يَدُلُّ على أنَّ (٣) الشُّفْعةَ تَسْقُطُ بذلك؛ فإنَّ إسماعيلَ بن سَعِيدٍ، قال: قلتُ

стр. 3742

لأحمدَ: ما مَعْنَى قولِ النَّبِيِّ ﷺ : "مَنْ كَانَ بَيْنَه وبَيْنَ أَخِيهِ رَبْعَةٌ، فأَرَادَ بَيْعَها، فَلْيَعْرِضْها عَلَيْهِ". وقد جاءَ في بعضِ الحَدِيثِ: "وَلَا يَحِلُّ لَهُ إلَّا أنْ يَعْرِضَهَا عَلَيْهِ". إذا كانت الشُّفْعَةُ ثابِتَةً له؟ فقال: ما هو بِبَعِيدٍ مِن أن يكُونَ على ذلك، وأن لا تكونَ له الشُّفْعةُ. وهذا قولُ الحَكَمِ، والثَّوْرِيِّ، وأبى عُبَيْدٍ، وأبى خَيْثَمَةَ، وطائِفَةٍ من أهْلِ الحَدِيثِ. قال ابنُ المُنذِرِ: وقد اخْتَلَفَ فيه (٤) عن أحمدَ، فقال مَرَّةً: تَبْطُلُ شُفْعَتُه. وقال مَرَّةً: لا تَبْطُلُ. واحْتَجُّوا بقولِ النبيِّ ﷺ : "مَنْ كَانَ لَهُ شَرِكَةٌ في أَرْضٍ؛ رَبْعَةٍ، أو حَائِطٍ، فَلَا يَحِلُّ لَهُ أنْ يَبِيعَ حَتَّى يَسْتَأْذِنَ شَرِيكَهُ، فَإنْ شَاءَ أخَذَ، وإنْ شَاءَ تَرَكَ" (٥). ومُحَالٌ أن يقولَ النبيُّ ﷺ : "ومن شَاءَ تَرَكَ". فلا يكونُ لِتَرْكِه مَعْنًى. ومَفْهُومِ قولِه: "فَإنْ بَاعَ، وَلَمْ يُؤْذِنْهُ، فَهُوَ أحَقُّ بِهِ" أنَّه إذا باعَهُ بإذْنِه لا حَقَّ له. ولأنَّ الشُّفْعةَ تَثْبُتُ في مَوْضِع الاتِّفاقِ على خِلَافِ الأصْلِ، لكَوْنِه يأْخُذُ مِلْكَ المُشْتَرِى من غيرِ رِضَائِه، ويُجْبِرُه على المُعاوَضةِ به، لِدُخُولِه مع البائِعِ في العَقْدِ، الذي أساءَ فيه بإدْخَالِه الضَّرَرَ على شَرِيكِه، وتَرْكِه الإِحْسانَ إليه في عَرْضِه عليه. وهذا المَعْنَى معْدُومٌ ههُنا، فإنَّه قد عَرَضَه عليه، وامْتِنَاعُه من أخْذِه دَلِيلٌ على عَدَمِ الضَّرَرِ في حَقِّه بِبَيْعِه، وإن كان فيه ضَرَرٌ فهو أدْخَلَه على نَفْسِه، فلا يَسْتَحِقُّ الشُّفْعةَ، كما لو أخَّرَ المُطَالبةَ بعدَ البَيْعِ. ووَجْهُ الأَوَّلِ، أنَّه إسْقَاطُ حَقٍّ قبلَ وُجُوبِه، فلم يَصِحَّ، كما لو أبْرَأهُ ممَّا يَجِبُ له، أو (٦) أسْقَطَتِ المَرْأَةُ صَدَاقَها قبلَ التَّزْوِيجِ. وأمَّا الخَبَرُ، فيَحْتَمِلُ أنَّه أرادَ العَرْضَ عليه، لِيَبْتاعَ ذلك إن أرادَ، فتَخِفَّ عليه المُؤْنَةُ، ويَكْتَفِىَ بأخْذِ المُشْتَرِى الشِّقْصَ، لا إسْقَاطِ حَقِّه من شُفْعَتِه. فصل: إذا تَوَكَّلَ الشَّفِيعُ في البَيْعِ، لم تَسْقُطْ شُفْعَتُه بذلك، سواءٌ كان وَكِيلَ البائِعِ أو المُشْتَرِى. ذَكَرَه الشَّرِيفُ، وأبو الخَطَّابِ. وهو ظاهِرُ مذهبِ الشافِعِىِّ. وقال

стр. 3743

القاضي، وبعضُ الشّافِعِيَّةِ: إن كان وَكِيلَ البائعِ، فلا شُفعَةَ له؛ لأنَّه تَلْحَقُه التُّهْمةُ في البَيْعِ، لكَوْنِه يَقْصِدُ تَقْلِيلَ الثَّمَنِ، ليَأْخُذَ به (٧)، بخِلَافِ وَكِيلِ المُشْتَرِى. وقال أصْحابُ الرَّأْى: لا شُفْعةَ لِوَكِيلِ المُشْتَرِى، بِناءً على أصْلِهِم أنَّ المِلْكَ يَنْتَقِلُ إلى الوَكِيلِ، فلا يَسْتَحِقُّ على نَفْسِه. ولَنا، أنَّه وَكِيلٌ، فلا تَسْقُطُ شُفْعَتُه، كالآخَرِ، ولا نُسَلِّمُ أنَّ المِلْكَ يَنْتَقِلُ إلى الوَكِيلِ. إنَّما يَنْتَقِلُ إلى المُوَكِّلِ، ثم لو انْتَقَلَ إلى الوَكِيلِ لمَا ثَبَتَتْ (٨) في مِلْكِه، إنَّما يَنْتَقِلُ في الحالِ إلى المُوَكِّلِ، فلا يكونُ الأخْذُ من نَفْسِه، ولا الاسْتِحْقاقُ عليها. وأمَّا التُّهْمةُ فلا تُؤَثّرُ؛ لأنَّ المُوَكِّلَ وَكَّلَه مع عِلْمِه بِثُبُوتِ شُفْعَتِه (٩)، راضِيًا بِتَصَرُّفِه مع ذلك، فلا يُؤَثِّرُ، كما لو (١٠) أَذِنَ لِوَكِيلِه (١١) في الشِّراءِ من نَفْسِه. فعلى هذا، لو قال لِشَرِيكِه: بِعْ نِصْفَ نَصِيبِى مع نِصْفِ نَصِيبِكَ. ففَعَلَ، ثَبَتَتِ الشُّفْعةُ لكلِّ واحدٍ منهما في المَبِيعِ من نَصِيبِ صاحِبِه. وعند القاضي تَثْبُتُ في نَصِيبِ الوَكِيلِ، دُونَ نَصِيبِ المُوَكِّلِ. فصل: وإن ضَمِنَ الشَّفِيعُ العُهْدةَ لِلمُشْتَرِى، أو شَرَطَ له الخِيَارَ فاخْتارَ إمْضاءَ العَقْدِ، لم تَسْقُطْ شُفْعَتُه. وبهذا قال الشافِعِىُّ. وقال أصْحابُ الرَّأْىِ: تَسْقُطُ؛ لأنَّ العَقْدَ تَمَّ به، فأشْبَهَ البائِعَ إذا باعَ بعضَ نَصِيبِ نَفْسِه. ولَنا، أنَّ هذا سَبَبُ سَبْقِ وُجُوبِ الشُّفْعةِ، فلم تَسْقُطْ به (١٢) الشُّفْعةُ، كالإِذْنِ في البَيْعِ، والعَفْوِ عن الشُّفْعةِ قبلَ تَمامِ البَيْعِ. وما ذَكَرُوه لا يَصِحُّ؛ فإنَّ البَيْعَ لا يَقِفُ على الضَّمانِ، ويَبْطُلُ بما إذا كان المُشْتَرِى شَرِيكًا، فإنَّ البَيْعَ قد (١٣) تَمَّ به، وتَثْبُتُ له الشُّفْعةُ بِقَدْرِ نَصِيبِه.

стр. 3744

فصل: وإذا كانت دارٌ بين ثلاثةٍ، فقَارَضَ واحدٌ منهم أحَدَ شَرِيكَيْه بأَلْفٍ، فاشْتَرَى به نِصْفَ (١٤) نَصِيبِ الثالثِ، لم تَثْبُتْ فيه شُفْعةٌ، في أحدِ الوَجْهَيْنِ؛ لأنَّ أحَدَ الشَّرِيكَيْنِ رَبُّ المالِ، والآخَرَ العامِلُ، فهما كالشَّرِيكَيْنِ في المتَاعِ، فلا يَسْتَحِقُّ أحَدُهُما على الآخَر شُفْعةً. وإن باعَ الثالثُ باقِى نَصِيبِه لأَجنَبِيٍّ، كانت الشُّفْعةُ مُسْتَحَقَّةً بينهم أخْماسًا، لِرَبِّ المالِ خُمْسَاها، ولِلعامِلِ خُمْساها، ولمالِ المُضَارَبةِ خُمْسُها بالسُّدُسِ الذي له، فيُجْعَلُ مالُ المُضَارَبةِ كشَرِيكٍ آخرَ؛ لأنَّ حُكْمَه مُتَمَيِّزٌ عن مالِ كلِّ واحدٍ منهما. فصل: فإن كانت الدارُ بين ثلاثةٍ أثْلاثًا، فاشْتَرَى أجْنَبِيٌّ نَصِيبَ أحَدِهم، فطَالَبه أحدُ الشَّرِيكَيْنِ بالشُّفْعةِ، [فقال: إنَّما اشْتَرَيْتُه لِشَرِيكِكَ. لم تُؤَثِّرْ هذه الدَّعْوَى في قَدْرِ ما يَسْتَحِقُّ من الشُّفْعةِ] (١٥)، فإنَّ الشُّفْعةَ بين الشَّرِيكَيْنِ. نِصْفَيْنِ، سواءٌ اشْتَراها الأجْنَبِيُّ لِنَفْسِه، أو لِلشَّرِيكِ الآخَرِ. وإن تَرَكَ المُطَالِبُ بالشُّفْعةِ حَقَّه منها، بِناءً على هذا القولِ، ثم تَبَيَّنَ كَذِبُه، لم تَسْقُطْ شُفْعَتُه. وإن أخَذَ نِصْفَ المَبيعِ لذلك، ثم تَبَيَّنَ كَذِبُ المُشْتَرِى، وعَفَا الشَّرِيكُ عن شُفْعَتِه، فله أخذُ نصِيبِه من الشُّفْعةِ؛ لأنَّ اقْتِصارَه على أخْذِ النِّصْفِ بُنِىَ (١٦) على خَبَرِ المُشْتَرِى، فلم يُؤَثّرْ في (١٤) إسْقاطِ الشُّفْعةِ، واسْتَحَقَّ أخْذَ الباقِى لِعَفْوِ (١٧) شَريكِه عنه، وإن امْتَنَعَ من أخْذِ الباقِى، سَقَطَتْ شُفْعَتُه كلُّها؛ لأنَّه لا يَمْلِكُ تَبْعِيضَ صَفْقةِ المُشْتَرِى. ويَحْتَمِلُ أن لا يَسْقُطَ حَقُّه من النِّصْفِ الذي أخَذَه، ولا يَبْطُلَ أخْذُه له؛ لأنَّ المُشْتَرِى أقَرَّ بما تَضَمَّنَ اسْتِحْقاقَه لذلك، فلا يَبْطُلُ بِرُجُوعِه عن إقْرارِه. وإنْ أنْكَرَ الشَّرِيكُ كونَ الشِّراءِ له، وعَفَا عن شُفْعَتِه، وأصَرَّ المُشْتَرِى على الإِقْرارِ لِلشَّرِيكِ به (١٤)، فلِلشَّفِيعِ أخذُ الكُلِّ؛ لأنَّه لا مُنَازِعَ له في

стр. 3745

اسْتِحْقاقِه، وله الاقْتِصارُ على النِّصْفِ؛ لإِقْرارِ المُشْتَرِى له بِاسْتِحْقاقِ ذلك. فصل: وإن قال أحدُ الشَّفِيعَيْنِ لِلمُشْتَرِى: شِرَاؤُكَ باطِلٌ. وقال الآخرُ: هو صَحِيحٌ. فالشُّفْعةُ كلُّها لِلمُعْتَرِفِ بالصِّحَّةِ. وكذلك إن قال: ما اشْتَرَيْتُه، إنَّما اتَّهَبْتُه. وصَدَّقَه الآخَرُ أنَّه اشْتَراه، فالشُّفْعةُ لِلمُصَدِّقِ بالشِّراءِ؛ لأنَّ شَرِيكَه مُسْقِطٌ لِحَقِّه بِاعْتِرافِه أنَّه لا بَيْعَ [أو لا بَيْعَ] (١٨) صَحِيحٌ. ولو احْتالَ المُشْتَرِى على إسْقاطِ الشُّفْعةِ بحِيلَةٍ لا تُسْقِطُها، فقال أحَدُ الشَّفِيعَيْنِ: قد أسْقَطْتُ (١٩) الشُّفْعةُ. تَوَفَّرَتْ على الآخَرِ، لِاعْتِرافِ صاحِبِه بِسُقُوطِها. ولو تَوَكَّلَ أحدُ الشَّفِيعَيْنِ في البَيْعِ أو الشِّراءِ (٢٠)، أو ضَمِنَ عُهْدَةَ المَبِيعِ، أو عَفَا عن الشُّفْعةِ قبلَ البَيْعِ، وقال: لا شُفْعةَ لي. كذلك (٢١) تَوَفَّرَتْ على الآخَرِ. [وإن اعْتَقَدَ أنَّ له شُفْعةً، وطَالَبَ بها، فارْتَفَعا (٢٢) إلى حاكِمٍ، فحَكَمَ بأنَّه لا شُفْعةَ له، تَوَفَّرَتْ على الآخَرِ] (٢٣)؛ لأنَّها سَقَطَتْ بحُكْمِ الحاكِمِ، فأشْبَهَ ما لو سَقَطَتْ بإسْقاطِ المُسْتَحِقِّ. فصل: إذا ادَّعَى رَجُلٌ على آخرَ ثُلُثَ دارِه، فأنْكَرَهُ (٢٤)، ثم صَالَحه عن دَعْواه بِثُلُثِ دارٍ أُخْرَى، صَحَّ، ووَجَبَتِ الشُّفْعةُ في الثُّلُثِ (٢٥) المُصَالَحِ به؛ لأنَّ المُدَّعِىَ يَزْعُمُ أنَّه مُحِقُّ في دَعْواه، وأنَّ ما أخَذَه عِوَضٌ عن الثُّلُثِ الذي ادَّعاه، فلَزِمَهُ حُكْمُ دَعْواه ووَجَبَتِ الشُّفْعةُ، ولا شُفْعةَ على المُنْكِرِ في الثُّلُثِ المُصَالَحِ عنه؛ لأنَّه يَزْعُمُ أنَّه على مِلْكِه لم يَزُلْ، وإنَّما دَفَعَ ثُلُثَ دارِه إلى المُدَّعِى اكْتِفاءً لِشَرِّه، ودَفْعًا لِضَرَرِ الخُصُومةِ واليَمِينِ على نَفْسِه، فلم تَلْزَمْهُ فيه شُفْعةٌ. وإن قال المُنْكِرُ لِلمُدَّعِى: خُذ الثُّلُثَ الذي

стр. 3746

تَدَّعِيه بِثُلُثِ دَارِكَ. ففَعَلَ، فلا شُفْعةَ على المُدَّعِى فيما أخَذَه، وعلى المُنْكِرِ الشُّفْعةُ في الثُّلُثِ الذي أخَذَه؛ لأنَّه يَزْعُمُ أنَّه أَخَذَه عِوَضًا عن مِلْكِه الثابتِ له. وقال أصْحابُ الشّافِعِىِّ: تَجِبُ الشُّفْعةُ [في الثُّلُثِ الذي أخَذَه المُدَّعِى أيضًا؛ لأنَّهما مُعَاوَضَةٌ من الجانِبَيْنِ بِشِقْصَيْنِ، فوَجَبَتِ الشُّفْعةُ] (٢٦) فيهما، كما لو كانت بين مُقِرَّيْنِ. ولَنا، أنَّ المُدَّعِىَ يَزْعُمُ أنَّ ما أخَذَه كان مِلْكًا له قبل الصُّلْحِ، ولم يَتَجَدَّدْ (٢٧) له عليه مِلْكٌ، وإنَّما اسْتَنْقَذَه بصُلْحِه (٢٨)، فلم تَجِبْ فيه شُفْعةٌ كما لو أقَرَّ به (٢٩). فصل: إذا كانت دارٌ بين ثَلَاثةٍ أثْلاثًا، فاشْتَرَى أحَدُهُم نَصِيبَ أحدِ شَرِيكَيْه، ثم باعَه لأجْنَبِىٍّ، ثم عَلِمَ شَرِيكُه، فله أن يَأْخُذَ بالعَقْدَيْنِ، وله الأخْذُ [بأحَدِهِما؛ لأنَّه شَرِيكٌ فيهما. فإن أخَذَ بالعَقْدِ الثاني، أخَذَ جَمِيعَ ما في يَدِ مُشْتَرِيه؛ لأنَّه لا شَرِيكَ له في شُفْعَتِه. وإن أخَذَ بالعَقْدِ] (٣٠) الأَوَّلِ (٣١)، ولم يَأْخُذْ بالثانى، أخَذَ نِصْفَ المَبِيعِ، وهو السُّدُسُ؛ لأنَّ المُشْتَرِىَ شَرِيكُه في شُفْعَتِه، ويَأْخُذُ نِصْفَه من المُشْتَرِى الأَوَّلِ، ونِصْفَه من المُشْتَرِى الثاني؛ لأنَّ شَرِيكَه لمَّا اشْتَرَى الثُّلُثَ، كان بينهما نِصْفَيْنِ، لكلِّ واحدٍ منهما السُّدُسُ، فإذا باعَ الثُّلُثَ من جَمِيعِ ما في يَدِه، وفي يَدِه ثُلُثانِ، فقد باعَ نِصْفَ ما في يَدِه، والشَّفِيعُ يَسْتَحِقُّ رُبْعَ ما في يَدِه، وهو السُّدُسُ، فصارَ مُنْقَسِمًا في يَدَيْهِما نِصْفَيْنِ، فيَأْخُذُ من كلِّ واحدٍ منهما نِصْفَه، وهو نِصْفُ السُّدُسِ، ويَدْفَعُ ثَمَنَه إلى الأَوَّلِ، ويَرْجِعُ المُشْتَرِى الثاني على الأَوَّلِ برُبْعِ الثَّمنِ الذي اشْتَرَى به، وتكونُ المَسْألة من اثْنَىْ عَشَرَ، ثم تَرْجِعُ إلى أرْبَعَةٍ، لِلشَّفِيعِ نِصْفُ الدّارِ، ولكلِّ واحدٍ من الآخَرَيْنِ الرُّبْعُ. وإن أخَذَ بالعَقْدَيْنِ، أخَذَ جَمِيعَ ما في يَدِ الثاني، ورُبْعَ ما في يَدِ الأوَّلِ، فصارَ له

стр. 3747

ثَلَاثةُ أرْباعِ الدَّارِ، ولِشَرِيكِه الرُّبْعُ، ويَدْفَعُ إلى الأَوَّلِ نِصْفَ الثّمنِ الأَوَّلِ، ويَدْفَعُ إلى الثاني ثَلَاثةَ أرْبَاعِ (٣٢) الثاني، ويَرْجِعُ الثاني على الأَوَّلِ بِرُبْعِ الثّمنِ الثاني (٣٣)؛ لأنَّه يَأْخُذُ نِصْفَ ما اشْتَراهُ الأوَّلُ، وهو السُّدُسُ، فيَدْفَعُ إليه نِصْفَ الثمنِ لذلك، وقد صارَ نِصفُ هذا النِّصْفِ في يَدِ الثانِي، وهو رُبْعُ ما في يَدِه، فيَأْخُذُه منه، ويَرْجِعُ الثاني على الأَوَّلِ بثَمَنِه، وبَقِىَ المأخُوذُ من الثاني ثَلَاثَةُ أرْباعِ ما اشْتَراه، فأخَذَها منه، ودَفَعَ إليه ثَلَاثةَ أرْباعِ الثَّمَنِ. وإن كان المُشْتَرِى الثاني هو البائِعَ الأَوَّلَ، فالحُكْمُ على ما ذَكَرْنا، لا يَخْتَلِفُ. وإن كانت الدارُ بين الثَّلَاثةِ أرْباعًا، لأَحَدِهم نِصْفُها، وللآخَرَيْنِ نِصْفُها بينهما، فاشْتَرَى صاحِبُ النِّصْفِ من أحدِ شَرِيكَيْه رُبْعَه، ثم باعَ رُبْعًا ممَّا في يَدِه لأجْنَبِيٍّ، ثم عَلِمَ شَرِيْكُه فأخَذَ بالبَيْعِ الثاني، أخَذَ جَمِيعَه، ودَفَعَ إلى المُشْتَرِى ثَمَنَه. وإن أخَذَ بالبَيْعِ الأَوَّلِ وَحدَه، أخَذَ ثُلُثَ المَبِيعِ، وهو نِصْفُ سُدُسٍ؛ لأنَّ المَبِيعَ كلَّه رُبْعٌ، فثُلُثُه نِصْفُ سُدُسٍ، يَأْخُذُ ثُلُثَه (٣٤) من المُشْتَرِى الأوَّلِ، وثُلُثَه من الثاني، ومَخْرَجُ ذلك من سِتَّةٍ وثَلَاثِينَ، النِّصْفُ ثَمَانِيةَ عَشَرَ، ولكلِّ واحدٍ منهما تِسْعَةٌ، فلما اشْترَى صاحِبُ النِّصْفِ تِسْعةً، كانت شُفْعَتُها بينَه وبينَ شَرِيكِه الذي لم يَبِعْ أثْلاثًا، لِشَرِيكِه ثُلُثُها ثَلَاثَة، فلمَّا باعَ صاحِبُ النِّصْفِ ثُلُثَ ما في يَدِه، حَصَلَ في المَبِيعِ من الثَّلَاثَةِ ثُلُثُها، وهو سَهْمٌ بَقِىَ في يَدِ البائعِ منها سَهْمانِ، فتُرَدُّ الثَّلاثةُ إلى الشَّرِيكِ، ويَصِيرُ في يَدِه اثْنا عَشَرَ، وهي الثُّلُثُ، ويَبْقَى في يَدِ المُشْتَرِى الثاني ثَمانِيةٌ، وهى تُسْعانِ (٣٥)، وفي يَدِ صاحِبِ النِّصْفِ سِتَّةَ عَشَرَ، وهى أرْبَعَةُ أتْساعٍ (٣٦)، ويَدْفَعُ الشَّرِيكُ الثَّمَنَ إلى المُشْتَرِى الأوَّلِ (٣٧)، ويَرْجِعُ المُشْتَرِى الثاني عليه بِتُسْعِ الثَّمنِ الذي

стр. 3748

اشْتَرَى به؛ لأنَّه قد أخَذَ منه تُسْعَ مَبِيعِه. وإن أخَذَ بالعَقْدَيْنِ، أخَذَ من الثاني جَمِيعَ ما في يَدِه، وأخَذَ من الأوَّلِ نِصْفَ التُّسْعِ، وهو سَهْمانِ، من سِتَّةٍ وثَلَاثِينَ، فيَصِيرُ في يَدِه عِشْرُونَ سَهْمًا، وهى خَمْسةُ أتْساعٍ (٣٨)، ويَبْقَى في يَدِ الأوّلِ سِتَّةَ عَشَرَ سَهْمًا، وهى أرْبعةُ أتْساعٍ (٣٨)، ويَدْفَعُ إليه ثُلُثَ الثَّمَنِ الأوَّلِ، ويَدْفَعُ إلى الثاني ثَمَانِيةَ أتْساعِ (٣٨) الثَّمَنِ الثاني، ويَرْجِعُ الثاني على الأوَّلِ بِتُسْعِ الثَّمَنِ الثاني. فصل: إذا كانت دارٌ بين ثَلَاثةٍ، لِزَيْدٍ نِصْفُها، ولِعَمْرٍو ثُلُثُها، ولِبَكْرٍ سُدُسُها، فاشْتَرَى بَكْرٌ من زَيْدٍ ثُلُثَ الدارِ، ثم باعَ عَمْرًا سُدُسَها، ولم يَعْلَمْ عَمْرٌو [بشِرَاهُ للثُّلُثِ] (٣٩)، ثم عَلِمَ، فله المُطَالَبةُ بحَقِّه من شُفْعةِ الثُّلُثِ، وهو ثُلُثَاه، وذلك تُسْعَا الدَّارِ، فيَأْخُذُ من بَكْرٍ ثُلُثَىْ ذلك، وقد حَصَلَ ثُلُثُه الباقِى في يَدِه بشِرَائِه للسُّدُسِ، فيَفْسَخُ بَيْعَه فيه، ويَأْخُذُه بِشُفْعةِ البَيْعِ الأوَّلِ، ويَبْقَى من مَبِيعِه خَمْسةُ (٤٠) أتْساعِه، لِزَيْدٍ ثُلُثُ شُفْعَتِه، فَيُقْسَمُ بينهما أثْلاثًا. وتَصِحُّ المَسْألَةُ من مائةٍ واثْنَيْنِ وسِتِّينَ سَهْمًا، الثُّلُثُ المَبِيعُ أرْبَعةٌ وخَمْسُونَ سَهْمًا (٤١)، لِعَمْرٍو ثُلُثاها بِشُفْعَتِه سِتَّةٌ وثَلَاثُونَ سَهْمًا، يأْخُذُ ثُلُثَيْها من بَكْرٍ، وهى أرْبَعةٌ وعِشْرُونَ سَهْمًا، وثُلُثُها في يَدِه اثْنَا عَشَرَ سَهْمًا، والسُّدُسُ الذي اشْتَراه سَبْعةٌ وعِشْرُونَ سَهْمًا (٤٢)، قد أخَذَ منها اثْنَىْ عَشَرَ بالشُّفْعةِ، بَقِىَ منها خَمْسَة عَشَرَ، له ثُلُثاها عَشَرَةٌ، ويَأْخُذُ منها زَيْدٌ خَمْسةً، فحَصَلَ لِزَيْدٍ اثْنانِ وثَلَاثُونَ سَهْمًا، ولِبَكْرٍ ثَلَاثُونَ سَهْمًا، ولِعَمْرٍو مائةُ سَهْمٍ، وذلك نِصْفُ الدّارِ وتُسْعُها ونِصْفُ تُسْعِ (٤٢) تُسْعِها، ويَدْفَعُ عَمْرٌو إلى بَكْرٍ ثلُثَىِ الثَّمنِ في البَيْعِ (٤٢)

стр. 3749

الأوَّلِ، وعليه وعلى زَيْدٍ خَمْسةُ أتْساعِ الثمَنِ الباقى بينهما أثْلَاثًا. وإن عَفَا عَمْرٌو عن شُفْعةِ الثُّلُثِ، فشُفْعَةُ السُّدُسِ الذي اشْتَراه بينه وبين زَيْدٍ أثْلاثًا، ويَحْصُلُ لِعَمْرو أَرْبَعةُ أَتسَاعِ الدَّارِ، ولزَيْدٍ (٤٣) تُسْعاها، ولِبَكْرٍ ثُلُثُها، وتَصِحُّ من تِسْعةٍ (٤٤)، وإن باعَ بَكْرٌ السُّدُسَ لأجْنَبِيٍّ، فهو كَبَيْعِه إيَّاه لِعَمْرٍو، إلّا أنَّ لِعَمْرٍو العَفْوَ عن شُفْعَتِه في السُّدُسِ، بخِلَافِ ما إذا كان هو المُشْتَرِى، فإنَّه لا يَصِحُّ عَفْوُه عن نَصِيبِه منها. وإن باعَ بَكْرٌ الثُّلُثَ لأجْنَبِيٍّ، فلِعَمْرٍو ثُلُثَا شُفْعةِ المَبِيعِ الأَوَّلِ، وهو التُّسْعانِ (٤٥)، يَأْخُذُ ثُلُثَهُما من بَكْرٍ، وثُلُثَهُما (٤٦) من المُشْتَرِى الثاني، وذلك تُسْعٌ وثُلُثُ تُسْعٍ، يَبْقَى في يَدِ الثاني سُدُسٌ وسُدُسُ تُسْعٍ، وهو عَشَرةٌ من أرْبَعةٍ وخَمْسِينَ بين عَمْرٍو وزَيْدٍ أثْلاثًا. وتَصِحُّ أيضًا من مائةٍ واثْنَيْنِ وسِتِّينَ، ويَدْفَعُ عَمْرٌو إلى بَكْرٍ ثُلُثَىْ ثمَنِ مَبِيعِه، ويَدْفَعُ هو وزَيْدٌ إلى المُشْتَرِى الثاني ثَمَنَ خَمْسَةِ أتْساعِ (٤٧) مَبِيعِه بينهما أثْلاثًا، ويَرْجِعُ المُشْتَرِى الثاني على بَكْرٍ بثَمَنِ أرْبعَةِ أتْساعِ مَبِيعِه. وإن لم يَعْلَمْ عَمْرٌو حتى باعَ ممَّا في يَدِه (٤٨) سُدْسًا، لم تَبْطُلْ شُفْعَتُه، في أحدِ الوُجُوه، وله أن يَأْخُذَ بها كما لو لم يَبِعْ شَيْئًا. الثاني، تَبْطُلُ شُفْعَتُه كلُّها. والثالث، تَبْطُلُ في قَدْرِ ما باعَ، وتَبْقَى فيما لم يَبِعْ. وقد ذَكَرْنا تَوْجِيهَ هذه الوُجُوه. فأمَّا شُفْعَةُ ما باعَه ففيها ثَلَاثَةُ أوْجُهٍ؛ أحَدُهما، أنَّها بين المُشْتَرِى الثاني وزَيْدٍ وبَكْرٍ أرْباعًا، لِلمُشْتَرِى نِصْفُها، ولكلِّ واحدٍ منهما رُبْعُها، على قَدْرِ (٤٩) أمْلاكِهِم حين بَيْعِه. والثاني، أنَّها بين زَيْدٍ وبَكْرٍ، على أرْبَعة عَشَرَ سَهْمًا، لِزَيْدٍ تِسْعَةٌ، ولِبَكْرٍ خَمْسةٌ؛ لأنَّ لِزَيْدٍ السُّدُسَ، ولِبَكْرٍ سُدُسٌ يَسْتَحِقُّ منه أرْبَعةَ أتْساعِه (٥٠) بالشُّفْعةِ، فيَبْقَى معه خَمْسَة أتْساعِ (٥١) السُّدُسِ، مِلْكُه مُسْتَقِرٌّ عليها، فأضَفْنَاه إلى سُدُسِ زَيْدٍ،

стр. 3750

وقَسَمْنا الشُّفْعَةَ على ذلك، ولم نُعْطِ المُشْتَرِىَ الثانىَ ولا بَكْرًا بالسِّهَامِ المُسْتَحَقَّةِ بالشُّفْعةِ شَيْئًا؛ لأنَّ المِلْكَ عليها غيرُ مُسْتَقِرٍّ. والثالث، إن عَفَا لهم عن الشُّفْعةِ، اسْتَحَقُّوا بها. وإن أُخِذَتْ بالشُّفْعةِ لم يَسْتَحِقُّوا بها شَيْئًا. وإن عَفَا عن بعضِهم دُونَ بعضٍ، اسْتَحَقَّ المَعْفُوُّ عنه بسِهَامِه دُونَ غيرِ المَعْفُوِّ عنه. وما بَطَلَتِ الشُّفْعةُ فيه بِبَيْعِ عَمْرٍو، فهو بمَنْزِلَةِ المَعْفُوِّ عنه، فيُخَرَّجُ في قَدْرِه وَجْهانِ. ولو اسْتَقْصَيْنا فُرُوعَ هذه المسألةِ (٥٢) على سَبِيلِ البَسْطِ، لَطَالَ، وخَرَجَ (٥٣) إلى الإِمْلَالِ. فصل: وإذا كانت دارٌ بين أرْبَعةٍ أرْباعًا، فاشْتَرَى اثْنانِ منهم نَصِيبَ أحَدِهِم، اسْتَحَقَّ الرّابعُ الشُّفْعةَ عليهما (٥٤)، واسْتَحَقَّ كلُّ واحدٍ من المُشْتَرِيَيْنِ الشُّفْعةَ على صَاحِبه. فإن طَالَبَ كلُّ واحدٍ منهم بِشُفْعَتِه، قُسِّمَ المَبِيعُ بينهم أثْلاثًا، وصارتِ الدارُ بينهم كذلك. وإن عَفَا الرابعُ وحدَه، قُسِّمَ المَبِيعُ بين المُشْتَرِيَيْنِ نِصْفَيْنِ. وكذلك إن عَفَا الجَمِيعُ عن شُفْعَتِهِم، فيَصِيرُ لهما ثلاثةُ أرْباعِ الدارِ، وللرَّابعِ الرُّبْعُ بحالِه. وإن طَالَبَ الرابعُ وحدَه، أخَذَ منهما نِصْفَ المَبِيعِ؛ لأنَّ كلَّ واحدٍ منهما له من المِلْكِ مثلُ ما لِلْمُطَالِبِ، فشُفْعَةُ مَبِيعِه بينَه وبينَ شَفِيعِه نِصْفَيْنِ، فيَحْصُلُ لِلرابعِ ثلاثةُ أثْمانِ الدارِ، وباقِيها بينهما نِصْفَيْنِ، وتَصِحُّ من سِتَّةَ عَشَرَ. وإن طَالَبَ الرابعُ وحدَه أحَدَهُما دُونَ الآخَرِ، قاسَمه الثمنَ نِصْفَيْنِ، فيَحْصُلُ لِلمَعْفُوِّ عنه ثلاثةُ أثْمانٍ، والباقِى بينَ الرابعِ والآخَرِ نِصْفَيْنِ، وتَصِحُّ من سِتَّةَ عَشَرَ. وإن عَفَا أحدُ المُشْتَرِيَيْنِ، ولم يَعْفُ الآخرُ ولا الرابعُ، قُسِّمَ مَبِيعُ المَعْفُوِّ عنه بينَه وبينَ الرابعِ نِصْفَيْنِ، ومَبِيعُ الآخرِ بَيْنَهم أثْلاثًا، فيَحْصُلُ للذى لم يَعْفُ عنه رُبْعٌ وثُلُثُ ثُمْنٍ، وذلك سُدْسٌ وثُمْنٌ، والباقى بين الآخَرَيْنِ نِصْفَيْنِ، وتَصِحُّ من ثَمَانِية وأرْبَعِينَ. وإن عَفَا الرابعُ عن أحَدِهِما، ولم يَعْفُ أحَدُهُما عن صاحِبِه، أخَذَ ممَّن لم يَعْفُ عنه ثُلُثَ الثمَنِ، والباقى بينهما نِصْفَيْنِ، ويكونُ الرابعُ كالعافِى في التي قبلها. وتَصِحُّ أيضًا من ثَمانِية وأرْبَعِينَ. وإن عَفَا الرابعُ،
следующие страницы →