تَدَّعِيه بِثُلُثِ دَارِكَ. ففَعَلَ، فلا شُفْعةَ على المُدَّعِى فيما أخَذَه، وعلى المُنْكِرِ الشُّفْعةُ في الثُّلُثِ الذي أخَذَه؛ لأنَّه يَزْعُمُ أنَّه أَخَذَه عِوَضًا عن مِلْكِه الثابتِ له. وقال أصْحابُ الشّافِعِىِّ: تَجِبُ الشُّفْعةُ [في الثُّلُثِ الذي أخَذَه المُدَّعِى أيضًا؛ لأنَّهما مُعَاوَضَةٌ من الجانِبَيْنِ بِشِقْصَيْنِ، فوَجَبَتِ الشُّفْعةُ] (٢٦) فيهما، كما لو كانت بين مُقِرَّيْنِ. ولَنا، أنَّ المُدَّعِىَ يَزْعُمُ أنَّ ما أخَذَه كان مِلْكًا له قبل الصُّلْحِ، ولم يَتَجَدَّدْ (٢٧) له عليه مِلْكٌ، وإنَّما اسْتَنْقَذَه بصُلْحِه (٢٨)، فلم تَجِبْ فيه شُفْعةٌ كما لو أقَرَّ به (٢٩).
فصل: إذا كانت دارٌ بين ثَلَاثةٍ أثْلاثًا، فاشْتَرَى أحَدُهُم نَصِيبَ أحدِ شَرِيكَيْه، ثم باعَه لأجْنَبِىٍّ، ثم عَلِمَ شَرِيكُه، فله أن يَأْخُذَ بالعَقْدَيْنِ، وله الأخْذُ [بأحَدِهِما؛ لأنَّه شَرِيكٌ فيهما. فإن أخَذَ بالعَقْدِ الثاني، أخَذَ جَمِيعَ ما في يَدِ مُشْتَرِيه؛ لأنَّه لا شَرِيكَ له في شُفْعَتِه. وإن أخَذَ بالعَقْدِ] (٣٠) الأَوَّلِ (٣١)، ولم يَأْخُذْ بالثانى، أخَذَ نِصْفَ المَبِيعِ، وهو السُّدُسُ؛ لأنَّ المُشْتَرِىَ شَرِيكُه في شُفْعَتِه، ويَأْخُذُ نِصْفَه من المُشْتَرِى الأَوَّلِ، ونِصْفَه من المُشْتَرِى الثاني؛ لأنَّ شَرِيكَه لمَّا اشْتَرَى الثُّلُثَ، كان بينهما نِصْفَيْنِ، لكلِّ واحدٍ منهما السُّدُسُ، فإذا باعَ الثُّلُثَ من جَمِيعِ ما في يَدِه، وفي يَدِه ثُلُثانِ، فقد باعَ نِصْفَ ما في يَدِه، والشَّفِيعُ يَسْتَحِقُّ رُبْعَ ما في يَدِه، وهو السُّدُسُ، فصارَ مُنْقَسِمًا في يَدَيْهِما نِصْفَيْنِ، فيَأْخُذُ من كلِّ واحدٍ منهما نِصْفَه، وهو نِصْفُ السُّدُسِ، ويَدْفَعُ ثَمَنَه إلى الأَوَّلِ، ويَرْجِعُ المُشْتَرِى الثاني على الأَوَّلِ برُبْعِ الثَّمنِ الذي اشْتَرَى به، وتكونُ المَسْألة من اثْنَىْ عَشَرَ، ثم تَرْجِعُ إلى أرْبَعَةٍ، لِلشَّفِيعِ نِصْفُ الدّارِ، ولكلِّ واحدٍ من الآخَرَيْنِ الرُّبْعُ. وإن أخَذَ بالعَقْدَيْنِ، أخَذَ جَمِيعَ ما في يَدِ الثاني، ورُبْعَ ما في يَدِ الأوَّلِ، فصارَ له
стр. 3747
ثَلَاثةُ أرْباعِ الدَّارِ، ولِشَرِيكِه الرُّبْعُ، ويَدْفَعُ إلى الأَوَّلِ نِصْفَ الثّمنِ الأَوَّلِ، ويَدْفَعُ إلى الثاني ثَلَاثةَ أرْبَاعِ (٣٢) الثاني، ويَرْجِعُ الثاني على الأَوَّلِ بِرُبْعِ الثّمنِ الثاني (٣٣)؛ لأنَّه يَأْخُذُ نِصْفَ ما اشْتَراهُ الأوَّلُ، وهو السُّدُسُ، فيَدْفَعُ إليه نِصْفَ الثمنِ لذلك، وقد صارَ نِصفُ هذا النِّصْفِ في يَدِ الثانِي، وهو رُبْعُ ما في يَدِه، فيَأْخُذُه منه، ويَرْجِعُ الثاني على الأَوَّلِ بثَمَنِه، وبَقِىَ المأخُوذُ من الثاني ثَلَاثَةُ أرْباعِ ما اشْتَراه، فأخَذَها منه، ودَفَعَ إليه ثَلَاثةَ أرْباعِ الثَّمَنِ. وإن كان المُشْتَرِى الثاني هو البائِعَ الأَوَّلَ، فالحُكْمُ على ما ذَكَرْنا، لا يَخْتَلِفُ. وإن كانت الدارُ بين الثَّلَاثةِ أرْباعًا، لأَحَدِهم نِصْفُها، وللآخَرَيْنِ نِصْفُها بينهما، فاشْتَرَى صاحِبُ النِّصْفِ من أحدِ شَرِيكَيْه رُبْعَه، ثم باعَ رُبْعًا ممَّا في يَدِه لأجْنَبِيٍّ، ثم عَلِمَ شَرِيْكُه فأخَذَ بالبَيْعِ الثاني، أخَذَ جَمِيعَه، ودَفَعَ إلى المُشْتَرِى ثَمَنَه. وإن أخَذَ بالبَيْعِ الأَوَّلِ وَحدَه، أخَذَ ثُلُثَ المَبِيعِ، وهو نِصْفُ سُدُسٍ؛ لأنَّ المَبِيعَ كلَّه رُبْعٌ، فثُلُثُه نِصْفُ سُدُسٍ، يَأْخُذُ ثُلُثَه (٣٤) من المُشْتَرِى الأوَّلِ، وثُلُثَه من الثاني، ومَخْرَجُ ذلك من سِتَّةٍ وثَلَاثِينَ، النِّصْفُ ثَمَانِيةَ عَشَرَ، ولكلِّ واحدٍ منهما تِسْعَةٌ، فلما اشْترَى صاحِبُ النِّصْفِ تِسْعةً، كانت شُفْعَتُها بينَه وبينَ شَرِيكِه الذي لم يَبِعْ أثْلاثًا، لِشَرِيكِه ثُلُثُها ثَلَاثَة، فلمَّا باعَ صاحِبُ النِّصْفِ ثُلُثَ ما في يَدِه، حَصَلَ في المَبِيعِ من الثَّلَاثَةِ ثُلُثُها، وهو سَهْمٌ بَقِىَ في يَدِ البائعِ منها سَهْمانِ، فتُرَدُّ الثَّلاثةُ إلى الشَّرِيكِ، ويَصِيرُ في يَدِه اثْنا عَشَرَ، وهي الثُّلُثُ، ويَبْقَى في يَدِ المُشْتَرِى الثاني ثَمانِيةٌ، وهى تُسْعانِ (٣٥)، وفي يَدِ صاحِبِ النِّصْفِ سِتَّةَ عَشَرَ، وهى أرْبَعَةُ أتْساعٍ (٣٦)، ويَدْفَعُ الشَّرِيكُ الثَّمَنَ إلى المُشْتَرِى الأوَّلِ (٣٧)، ويَرْجِعُ المُشْتَرِى الثاني عليه بِتُسْعِ الثَّمنِ الذي
стр. 3748
اشْتَرَى به؛ لأنَّه قد أخَذَ منه تُسْعَ مَبِيعِه. وإن أخَذَ بالعَقْدَيْنِ، أخَذَ من الثاني جَمِيعَ ما في يَدِه، وأخَذَ من الأوَّلِ نِصْفَ التُّسْعِ، وهو سَهْمانِ، من سِتَّةٍ وثَلَاثِينَ، فيَصِيرُ في يَدِه عِشْرُونَ سَهْمًا، وهى خَمْسةُ أتْساعٍ (٣٨)، ويَبْقَى في يَدِ الأوّلِ سِتَّةَ عَشَرَ سَهْمًا، وهى أرْبعةُ أتْساعٍ (٣٨)، ويَدْفَعُ إليه ثُلُثَ الثَّمَنِ الأوَّلِ، ويَدْفَعُ إلى الثاني ثَمَانِيةَ أتْساعِ (٣٨) الثَّمَنِ الثاني، ويَرْجِعُ الثاني على الأوَّلِ بِتُسْعِ الثَّمَنِ الثاني.
فصل: إذا كانت دارٌ بين ثَلَاثةٍ، لِزَيْدٍ نِصْفُها، ولِعَمْرٍو ثُلُثُها، ولِبَكْرٍ سُدُسُها، فاشْتَرَى بَكْرٌ من زَيْدٍ ثُلُثَ الدارِ، ثم باعَ عَمْرًا سُدُسَها، ولم يَعْلَمْ عَمْرٌو [بشِرَاهُ للثُّلُثِ] (٣٩)، ثم عَلِمَ، فله المُطَالَبةُ بحَقِّه من شُفْعةِ الثُّلُثِ، وهو ثُلُثَاه، وذلك تُسْعَا الدَّارِ، فيَأْخُذُ من بَكْرٍ ثُلُثَىْ ذلك، وقد حَصَلَ ثُلُثُه الباقِى في يَدِه بشِرَائِه للسُّدُسِ، فيَفْسَخُ بَيْعَه فيه، ويَأْخُذُه بِشُفْعةِ البَيْعِ الأوَّلِ، ويَبْقَى من مَبِيعِه خَمْسةُ (٤٠) أتْساعِه، لِزَيْدٍ ثُلُثُ شُفْعَتِه، فَيُقْسَمُ بينهما أثْلاثًا. وتَصِحُّ المَسْألَةُ من مائةٍ واثْنَيْنِ وسِتِّينَ سَهْمًا، الثُّلُثُ المَبِيعُ أرْبَعةٌ وخَمْسُونَ سَهْمًا (٤١)، لِعَمْرٍو ثُلُثاها بِشُفْعَتِه سِتَّةٌ وثَلَاثُونَ سَهْمًا، يأْخُذُ ثُلُثَيْها من بَكْرٍ، وهى أرْبَعةٌ وعِشْرُونَ سَهْمًا، وثُلُثُها في يَدِه اثْنَا عَشَرَ سَهْمًا، والسُّدُسُ الذي اشْتَراه سَبْعةٌ وعِشْرُونَ سَهْمًا (٤٢)، قد أخَذَ منها اثْنَىْ عَشَرَ بالشُّفْعةِ، بَقِىَ منها خَمْسَة عَشَرَ، له ثُلُثاها عَشَرَةٌ، ويَأْخُذُ منها زَيْدٌ خَمْسةً، فحَصَلَ لِزَيْدٍ اثْنانِ وثَلَاثُونَ سَهْمًا، ولِبَكْرٍ ثَلَاثُونَ سَهْمًا، ولِعَمْرٍو مائةُ سَهْمٍ، وذلك نِصْفُ الدّارِ وتُسْعُها ونِصْفُ تُسْعِ (٤٢) تُسْعِها، ويَدْفَعُ عَمْرٌو إلى بَكْرٍ ثلُثَىِ الثَّمنِ في البَيْعِ (٤٢)
стр. 3749
الأوَّلِ، وعليه وعلى زَيْدٍ خَمْسةُ أتْساعِ الثمَنِ الباقى بينهما أثْلَاثًا. وإن عَفَا عَمْرٌو عن شُفْعةِ الثُّلُثِ، فشُفْعَةُ السُّدُسِ الذي اشْتَراه بينه وبين زَيْدٍ أثْلاثًا، ويَحْصُلُ لِعَمْرو أَرْبَعةُ أَتسَاعِ الدَّارِ، ولزَيْدٍ (٤٣) تُسْعاها، ولِبَكْرٍ ثُلُثُها، وتَصِحُّ من تِسْعةٍ (٤٤)، وإن باعَ بَكْرٌ السُّدُسَ لأجْنَبِيٍّ، فهو كَبَيْعِه إيَّاه لِعَمْرٍو، إلّا أنَّ لِعَمْرٍو العَفْوَ عن شُفْعَتِه في السُّدُسِ، بخِلَافِ ما إذا كان هو المُشْتَرِى، فإنَّه لا يَصِحُّ عَفْوُه عن نَصِيبِه منها. وإن باعَ بَكْرٌ الثُّلُثَ لأجْنَبِيٍّ، فلِعَمْرٍو ثُلُثَا شُفْعةِ المَبِيعِ الأَوَّلِ، وهو التُّسْعانِ (٤٥)، يَأْخُذُ ثُلُثَهُما من بَكْرٍ، وثُلُثَهُما (٤٦) من المُشْتَرِى الثاني، وذلك تُسْعٌ وثُلُثُ تُسْعٍ، يَبْقَى في يَدِ الثاني سُدُسٌ وسُدُسُ تُسْعٍ، وهو عَشَرةٌ من أرْبَعةٍ وخَمْسِينَ بين عَمْرٍو وزَيْدٍ أثْلاثًا. وتَصِحُّ أيضًا من مائةٍ واثْنَيْنِ وسِتِّينَ، ويَدْفَعُ عَمْرٌو إلى بَكْرٍ ثُلُثَىْ ثمَنِ مَبِيعِه، ويَدْفَعُ هو وزَيْدٌ إلى المُشْتَرِى الثاني ثَمَنَ خَمْسَةِ أتْساعِ (٤٧) مَبِيعِه بينهما أثْلاثًا، ويَرْجِعُ المُشْتَرِى الثاني على بَكْرٍ بثَمَنِ أرْبعَةِ أتْساعِ مَبِيعِه. وإن لم يَعْلَمْ عَمْرٌو حتى باعَ ممَّا في يَدِه (٤٨) سُدْسًا، لم تَبْطُلْ شُفْعَتُه، في أحدِ الوُجُوه، وله أن يَأْخُذَ بها كما لو لم يَبِعْ شَيْئًا. الثاني، تَبْطُلُ شُفْعَتُه كلُّها. والثالث، تَبْطُلُ في قَدْرِ ما باعَ، وتَبْقَى فيما لم يَبِعْ. وقد ذَكَرْنا تَوْجِيهَ هذه الوُجُوه. فأمَّا شُفْعَةُ ما باعَه ففيها ثَلَاثَةُ أوْجُهٍ؛ أحَدُهما، أنَّها بين المُشْتَرِى الثاني وزَيْدٍ وبَكْرٍ أرْباعًا، لِلمُشْتَرِى نِصْفُها، ولكلِّ واحدٍ منهما رُبْعُها، على قَدْرِ (٤٩) أمْلاكِهِم حين بَيْعِه. والثاني، أنَّها بين زَيْدٍ وبَكْرٍ، على أرْبَعة عَشَرَ سَهْمًا، لِزَيْدٍ تِسْعَةٌ، ولِبَكْرٍ خَمْسةٌ؛ لأنَّ لِزَيْدٍ السُّدُسَ، ولِبَكْرٍ سُدُسٌ يَسْتَحِقُّ منه أرْبَعةَ أتْساعِه (٥٠) بالشُّفْعةِ، فيَبْقَى معه خَمْسَة أتْساعِ (٥١) السُّدُسِ، مِلْكُه مُسْتَقِرٌّ عليها، فأضَفْنَاه إلى سُدُسِ زَيْدٍ،
стр. 3750
وقَسَمْنا الشُّفْعَةَ على ذلك، ولم نُعْطِ المُشْتَرِىَ الثانىَ ولا بَكْرًا بالسِّهَامِ المُسْتَحَقَّةِ بالشُّفْعةِ شَيْئًا؛ لأنَّ المِلْكَ عليها غيرُ مُسْتَقِرٍّ. والثالث، إن عَفَا لهم عن الشُّفْعةِ، اسْتَحَقُّوا بها. وإن أُخِذَتْ بالشُّفْعةِ لم يَسْتَحِقُّوا بها شَيْئًا. وإن عَفَا عن بعضِهم دُونَ بعضٍ، اسْتَحَقَّ المَعْفُوُّ عنه بسِهَامِه دُونَ غيرِ المَعْفُوِّ عنه. وما بَطَلَتِ الشُّفْعةُ فيه بِبَيْعِ عَمْرٍو، فهو بمَنْزِلَةِ المَعْفُوِّ عنه، فيُخَرَّجُ في قَدْرِه وَجْهانِ. ولو اسْتَقْصَيْنا فُرُوعَ هذه المسألةِ (٥٢) على سَبِيلِ البَسْطِ، لَطَالَ، وخَرَجَ (٥٣) إلى الإِمْلَالِ.
فصل: وإذا كانت دارٌ بين أرْبَعةٍ أرْباعًا، فاشْتَرَى اثْنانِ منهم نَصِيبَ أحَدِهِم، اسْتَحَقَّ الرّابعُ الشُّفْعةَ عليهما (٥٤)، واسْتَحَقَّ كلُّ واحدٍ من المُشْتَرِيَيْنِ الشُّفْعةَ على صَاحِبه. فإن طَالَبَ كلُّ واحدٍ منهم بِشُفْعَتِه، قُسِّمَ المَبِيعُ بينهم أثْلاثًا، وصارتِ الدارُ بينهم كذلك. وإن عَفَا الرابعُ وحدَه، قُسِّمَ المَبِيعُ بين المُشْتَرِيَيْنِ نِصْفَيْنِ. وكذلك إن عَفَا الجَمِيعُ عن شُفْعَتِهِم، فيَصِيرُ لهما ثلاثةُ أرْباعِ الدارِ، وللرَّابعِ الرُّبْعُ بحالِه. وإن طَالَبَ الرابعُ وحدَه، أخَذَ منهما نِصْفَ المَبِيعِ؛ لأنَّ كلَّ واحدٍ منهما له من المِلْكِ مثلُ ما لِلْمُطَالِبِ، فشُفْعَةُ مَبِيعِه بينَه وبينَ شَفِيعِه نِصْفَيْنِ، فيَحْصُلُ لِلرابعِ ثلاثةُ أثْمانِ الدارِ، وباقِيها بينهما نِصْفَيْنِ، وتَصِحُّ من سِتَّةَ عَشَرَ. وإن طَالَبَ الرابعُ وحدَه أحَدَهُما دُونَ الآخَرِ، قاسَمه الثمنَ نِصْفَيْنِ، فيَحْصُلُ لِلمَعْفُوِّ عنه ثلاثةُ أثْمانٍ، والباقِى بينَ الرابعِ والآخَرِ نِصْفَيْنِ، وتَصِحُّ من سِتَّةَ عَشَرَ. وإن عَفَا أحدُ المُشْتَرِيَيْنِ، ولم يَعْفُ الآخرُ ولا الرابعُ، قُسِّمَ مَبِيعُ المَعْفُوِّ عنه بينَه وبينَ الرابعِ نِصْفَيْنِ، ومَبِيعُ الآخرِ بَيْنَهم أثْلاثًا، فيَحْصُلُ للذى لم يَعْفُ عنه رُبْعٌ وثُلُثُ ثُمْنٍ، وذلك سُدْسٌ وثُمْنٌ، والباقى بين الآخَرَيْنِ نِصْفَيْنِ، وتَصِحُّ من ثَمَانِية وأرْبَعِينَ. وإن عَفَا الرابعُ عن أحَدِهِما، ولم يَعْفُ أحَدُهُما عن صاحِبِه، أخَذَ ممَّن لم يَعْفُ عنه ثُلُثَ الثمَنِ، والباقى بينهما نِصْفَيْنِ، ويكونُ الرابعُ كالعافِى في التي قبلها. وتَصِحُّ أيضًا من ثَمانِية وأرْبَعِينَ. وإن عَفَا الرابعُ،
стр. 3751
أو أحَدُهُما (٥٥) عن الآخَرِ، ولم يَعْفُ الآخرُ، فلغيرِ العافِى رُبْعٌ وسُدُسٌ، والباقِى بين العافِيَيْنِ نِصْفَيْنِ، لكلِّ واحِدٍ منهما سُدُسٌ وثُمْنٌ (٥٦)، وتَصِحُّ من أَرْبَعة وعِشْرِينَ. وما يُفَرَّعُ من المَسائلِ فهو على مَسَاقِ ما ذَكَرْناه.
٨٨٥ - مسألة؛ قال: (وَلَا شُفْعَةَ لِكَافِرٍ عَلَى مُسْلِمٍ)
وجملةُ ذلك أنَّ الذِّمِّىَّ إذا باعَ شَرِيكُه شِقْصًا لِمُسْلِمٍ، فلا شُفْعةَ له عليه. رُوِى ذلك عن الحَسَنِ (١)، والشَّعْبِىِّ. ورُوِى عن شُرَيْحٍ، وعمرَ بن عبد العزيزِ، أنَّ له الشُّفْعةَ. وبه قال النَّخَعِىُّ، وإياسُ بن مُعَاوِيةَ، وحَمّادُ بن أبي سليمانَ، والثَّوْرِىُّ، ومالِكٌ، والشَّافِعِىُّ، والعَنْبَرِيُّ، وأصْحابُ الرأى؛ لِعُمُوم قولِه ﵇: "لَا يَحِلُّ لَهُ أنْ يَبِيعَ حَتَّى يَسْتَأْذِنَ شَرِيكَهُ، وإنْ بَاعَهُ، ولم يُؤْذِنْهُ، فَهُوَ أحَقُّ به" (٢). ولأنَّه خِيَارٌ ثابِتٌ لِدَفْعِ الضَّرَرِ بالشِّرَاءِ، فاسْتَوَى فيه المُسْلِمُ والكافِرُ، كالرَّدِّ بالعَيْبِ. ولَنا، ما رَوَى الدَّارَقُطْنِىُّ، في كِتابِ "العِلَلِ" (٣)، بإسْنادِه عن أَنَسٍ، أنَّ النبيَّ ﷺ قال: "لا شُفْعةَ لِنَصْرَانِيٍّ" (٤). وهذا يَخُصُّ عُمُومَ ما احْتَجُّوا به. ولأنَّه مَعْنًى يَمْلِكُ به، يَتَرَتَّبُ (٥) على وُجُودِ مِلْكٍ مَخْصُوصٍ، فلم يَجِبْ لِلذِّمِّىِّ على المُسْلِمِ، كالزَّكاةِ. ولأنَّه مَعْنًى يَخْتَصُّ (٦) العَقَارَ، فأشْبَهَ الاسْتِعْلاءَ في البُنْيانِ، يُحَقِّقُه أنَّ الشُّفْعةَ إنَّما ثَبَتَتْ لِلمُسْلِمِ دَفْعًا لِلضَّرَرِ عن مِلْكِه، فقُدِّمَ (٧) دَفْعُ ضَرَرِه على دَفْعِ ضَرَرِ المُشْتَرِى، ولا يَلْزَمُ
стр. 3752
من تَقْدِيمِ دَفْعِ ضَرَرِ المُسْلِمِ على المُسْلِمِ تَقْدِيمُ دَفْعِ ضَرَرِ الذِّمِّىِّ، فإنَّ حَقَّ المُسْلِمِ أَرْجَحُ، ورِعَايَتَهُ أَوْلَى. ولأنَّ ثُبُوتَ الشُّفْعةِ في مَحلِّ الإِجْماعِ، على خِلَافِ الأصْلِ، رِعَايةٌ لِحَقِّ الشَّرِيكِ المُسْلِمِ، وليس الذِّمِّىُّ في مَعْنَى المُسْلِمِ، فيَبْقَى فيه على مُقْتَضَى الأصْلِ. وتَثْبُتُ الشُّفْعةُ لِلمُسْلِمِ على الذِّمِّىِّ؛ لِعُمُومِ الأدِلَّةِ المُوجِبَةِ، ولأنَّها إذا ثَبَتَتْ في حَقِّ المُسْلِمِ على المُسْلِمِ مع عِظَمِ حُرْمَتِه (٨)، ورِعَايةِ حَقِّه، فَلأنْ تَثْبُتَ على الذِّمِّىِّ مع دَنَاءَتِه، أَوْلَى وأَحْرَى.
فصل: وَتَثْبُتُ للذِّمِّىِّ على الذِّمِّىِّ؛ لِعُمُومِ الأخْبارِ، ولأنَّهما تَسَاوَيَا في الدِّينِ والحُرْمةِ، فتَثْبُتُ لأحَدِهِما على الآخَرِ، كالمُسْلِمِ على المُسْلِمِ. ولا نَعْلَمُ في هذا خِلَافًا. وإن تَبَايَعُوا بِخَمْرٍ أو خِنْزِيرٍ، وأخَذَ الشَّفِيعُ (٩) بذلك، لم يُنْقَضْ ما فَعَلُوه. وإن كان التَّقَابُضُ جَرَى بين المُتَبايِعَيْنِ دُونَ الشَّفِيعِ، وَتَرَافَعُوا إلينا، لم نَحْكُمْ له بالشُّفْعةِ. وبهذا قال الشّافِعِىُّ. وقال أبو الخَطَّابِ: إن تَبَايَعُوا بِخَمْرٍ، وقُلْنا: هي مالٌ لهم. حَكَمْنا لهم بالشُّفْعةِ. وقال أبو حنيفةَ: تَثْبُتُ الشُّفْعةُ إذا كان الثَّمَنُ خَمْرًا؛ لأنَّها مالٌ لهم، فأشْبَهَ ما لو تَبَايَعُوا بِدَرَاهِمَ، لكنْ إن كان الشَّفِيعُ ذِمِّيًّا أخَذَه بمِثْلِه، وإن كان مُسْلِمًا أخَذَه بقِيمَةِ الخَمْرِ. ولَنا، أنَّه بَيْعٌ عُقِدَ بِخَمْرٍ، فلم تَثْبُتْ فيه الشُّفْعَةُ، كما لو كان بين مُسْلِمَيْنِ، ولأنَّه عَقْدٌ بثَمَنٍ مُحَرَّمٍ، أشْبَهَ البَيْعَ بالخِنْزِيرِ والمَيْتَةِ، ولا نُسَلِّمُ أنَّ الخَمْرَ مالٌ لهم، فإنَّ اللَّه تعالى حَرَّمَه، كما حَرَّمَ الخِنْزِيرَ، واعْتِقَادُهُم حِلَّه لا يَجْعَلُه مالًا كالخِنْزِيرِ، وإنَّما لم يُنْقَضْ عَقْدُهُم إذا تَقَابَضُوا، لأنَّنَا لا نتَعَرَّضُ لما فَعَلُوه ممَّا يَعْتَقِدُونه في دِينهِم، ما لم يَتَحاكَمُوا إلينا قبلَ تَمَامِه، ولو تَحَاكَمُوا إلينا قبلَ التَّقَابُضِ لَفَسَخْناه.
فصل: فأمَّا أهْلُ البِدَعِ، فمَن حُكِمَ بإِسْلَامِه فلَه الشُّفْعةُ؛ لأنَّه مُسْلِمٌ، فتَثْبُتُ له الشُّفْعةُ، كالفاسِقِ بالأفْعالِ، ولأنَّ عُمُومَ الأدِلَّةِ يَقْتَضِى ثُبُوتَها لكلِّ شَرِيكٍ، فيَدْخُلُ
стр. 3753
فيها. وقد رَوَى حَرْبٌ أنَّ أحمدَ سُئِلَ عن أصْحابِ (١٠) البِدَعِ، هل لهم شُفْعةٌ، ويُرْوَى عن ابن إدْرِيسَ، أنَّه قال: ليس للرَّافِضَةِ شُفْعةٌ؟ فضَحِكَ، وقال: أرادَ أن يُخْرِجَهُم من الإِسْلامِ. فظاهِرُ هذا أنَّه أثْبَتَ لهم الشُّفْعةَ. وهذا مَحْمُولٌ على غيرِ الغُلَاةِ منهم، وأَمَّا من غَلَا (١١)، كالمُعْتَقِدِ أنَّ جِبْرِيل غَلِطَ في الرِّسَالةِ فجاء إلى النبيِّ ﷺ ، وإنَّما أُرْسِلَ إلى عَلِىٍّ، ونحوِه، ومَن حُكِمَ بكُفْرِه من الدُّعَاةِ إلى القَوْلِ بِخَلْق القُرْآنِ، فلا شُفْعةَ له؛ لأنَّ الشُّفْعةَ إذا لم تَثْبُتْ لِلذِّمِّىِّ الذي يُقَرُّ على كُفْرِه، فغيرُه أَوْلَى.
فصل: وَتَثْبُتُ الشُّفْعةُ لِلْبَدَوِيِّ على القَرَوِيِّ، وللقَرَوِيِّ على البَدَوِيِّ. في قولِ أَكْثَر أهْلِ العِلْمِ. وقال الشَّعْبِىُّ والْبَتِّىُّ: لا شُفْعةَ لمَن لم يَسْكُنِ المِصْرَ. ولَنا، عُمُومُ الأدِلَّةِ، واشْتِرَاكُهُما في المَعْنَى المُقْتَضِى لِوُجُوبِ الشُّفْعةِ.
فصل: قال أحمدُ، في رِوَايَةِ حَنْبلٍ: لا نَرَى في أَرْضِ السَّوَادِ شُفْعةً؛ وذلك لأنَّ أرْضَ السَّوادِ مَوْقُوفَةٌ، وَقَفَها عُمَرُ رَضِىَ اللهُ عنه على المُسْلِمِينَ، ولا يَصِحُّ بَيْعُها، والشُّفعَةُ إنَّما تكونُ في البَيْعِ. وكذلك الحُكمُ في سائِرِ الأرْضِ التي وَقَفَها عمَرُ رَضِىَ اللَّه عنه، وهى التي فُتِحَتْ عَنْوَةً في زَمَنِه، ولم يُقَسِّمْها، كأرْضِ الشَّامِ، وأَرْضِ مِصْرَ. وكذلك كلُّ أَرْضٍ فُتِحَتْ عَنْوَةً، ولم تُقَسَّمْ بين الغانِمِينَ، إلَّا أن يَحْكُمَ بِبَيْعِ ذلك حاكِمٌ، أو يَفعَلُه الإِمامُ أو نائِبُه، فإن فَعَلَ ذلك، ثَبَتَتْ فيه الشُّفْعةُ؛ لأنَّه فَصْلٌ مُخْتَلَفٌ فيه، ومتى حَكَمَ الحاكِمُ في المُخْتَلَفِ فيه بشيءٍ، نَفَذَ حُكْمُه. واللَّه أعلمُ.
стр. 3754
كتابُ المُساقاةِ
المُسَاقاةُ: أن يَدْفَعَ الرَّجُلُ شَجَرَهُ إلى آخَرَ، لِيَقُومَ بِسَقْيِه، وعَمَلِ سائِر ما يَحْتَاجُ إليه، بِجُزْءٍ مَعْلُومٍ له (١) من ثَمَرِهِ. وإنَّما سُمِّيَتْ مُسَاقاةً لأنَّها مُفَاعَلَةٌ من السَّقْىِ؛ لأنَّ أهْلَ الحِجَازِ أكْثَرُ حاجَةِ شَجَرِهِم إلى السَّقْىِ، لأنَّهم يَسْتَقُونَ (٢) من الآبارِ، فسُمِّيَتْ بذلك. والأصْلُ في جَوَازِها (٣) السُّنَّةُ والإِجْماعُ؛ أما السُّنَّةُ، فما رَوَى عبدُ اللَّه بن عمَرَ. رَضِىَ اللَّه عنه، قال: عَامَلَ رسولُ اللهِ ﷺ أهْلَ خَيْبَرَ بِشَطْرِ ما يَخْرُجُ مِنْها، من ثَمَرٍ أو زَرْعٍ. حَدِيثٌ صَحِيحٌ، مُتَّفَقٌ عليه (٤). وأَمَّا الإِجْماعُ، فقال أبو جعفرٍ محمدُ بن عليِّ بن الحُسَيْنِ بن عَلِىٍّ بن أبي طَالِبٍ، رَضِىَ اللَّه عنه، وعن آبائِه: عامَلَ رسولُ اللهِ ﷺ أهْلَ خَيْبَرَ بالشَّطْرِ (٥)، ثم أبو بكرٍ وعمرُ وعُثْمانُ وعَلِيٌّ، ثم أَهْلُوهُم إلى اليَوْمِ يُعْطُون الثُّلُثَ والرُّبْعَ. وهذا عَمِلَ به الخُلَفاءُ الرَّاشِدُونَ في مُدَّةِ خِلَافَتِهِم، واشْتَهَر ذلك، فلم يُنْكِرْهُ مُنكِرٌ، فكان إجْماعًا. فإن قِيلَ: لا نُسَلِّمُ أنَّه لم يُنْكِرْهُ مُنْكِرٌ، فإنَّ
стр. 3755
عبدَ اللَّه بن عمَرَ راوِى حَدِيثَ مُعَامَلَةِ أهْلِ خَيْبَرَ، قد رَجَعَ عنه، وقال: كُنَّا نُخَابِرُ أَرْبَعِينَ سَنَةً، حتى حَدَّثَنا رافِعُ بن خَدِيجٍ، أنَّ رسولَ اللَّه ﷺ نَهَى عن المُخابَرةِ (٦). وهذا يَمْنَعُ انْعِقادَ الإِجْماعِ، ويَدُلُّ على نَسْخِ حَدِيثِ ابن عمرَ، لِرُجُوعِه عن العَمَلِ به إلى حَدِيثِ رافِعِ [بن خَديجٍ] (٧). قُلْنا: لا يجوزُ حَمْلُ حَدِيثِ رافِعٍ على ما يُخَالِفُ الإِجْماعَ، ولا حَدِيثِ ابن عمرَ؛ لأنَّ النبيَّ ﷺ لم يَزَلْ يُعَامِلُ أهْلَ خَيْبَرَ حتى ماتَ، ثم عَمِلَ به الخُلَفاءُ بعدَه، ثم مَن بعدَهم، فكيف يُتَصَوَّرُ نَهْىُ النبيِّ ﷺ عن شيءٍ يُخالِفُه؟ أم كيف يُعْمَلُ بذلك في عَصْرِ الخُلَفاءِ ولم يُخْبِرْهُم مَنْ سَمِعَ النَّهْىَ [عن النبيِّ ﷺ ] (٨)، وهو حاضِرٌ معهم، وعالِمٌ بفِعْلِهِم، فلم يُخْبِرْهُم، فلو صَحَّ خَبَرُ رافِعٍ لَوَجَبَ حَمْلُه على ما يُوافِقُ السُّنَّةَ والإِجْماعَ. على أنَّه قد رُوِى في تَفْسِيرِ خَبَرِ رافِعٍ عنه، ما يَدُلُّ على صِحَّةِ قولِنا، فرَوَى البُخَارِىُّ (٩)، بإسْنادِه قال: كُنَّا نُكْرِى الأرْضَ بالناحِيَةِ منها تُسَمَّى لِسَيِّدِ الأرْضِ، فمِمَّا (١٠) يُصَابُ ذلك وَتَسْلَمُ الأرْضُ، ومِمَّا (١٠) تُصَابُ الأرْضُ ويَسْلَمُ ذلك، فنُهِينا، فأمَّا الذَّهَبُ والوَرِقُ فلم يكُنْ يَوْمَئِذٍ. ورُوِى تَفْسِيرُه أيضًا
стр. 3756
[بشيءٍ غيرِ] (١١) هذا من أَنْواعِ الفَسَادِ، وهو مُضْطَرِبٌ جدًّا. قال الأَثْرَمُ: سَمِعْتُ أبا عبدِ اللَّه يُسْألُ عن حَدِيثِ رافِعِ بن خَديجٍ نَهَى رَسولُ اللَّه ﷺ عن المُزَارَعةِ. فقال: رافِعٌ رُوِىَ عنه في هذا ضُرُوبٌ. كأنَّه يُرِيدُ (١٢) أنَّ اخْتِلَافَ الرِّواياتِ عنه يُوهِنُ حَدِيثَه. وقال طاوُس: إنَّ أعْلَمَهُم - يَعْنِى ابنَ عَبَّاسٍ - أخْبَرنِى، أنَّ النبيَّ ﷺ لم يَنْهَ عنه، ولكنْ قال: "لأَنْ يَمْنَحَ أحَدُكُم أخَاهُ أَرْضَهُ، خَيْرٌ مِنْ أنْ يَأْخُذَ عَلَيْهَا خَرَاجًا مَعْلُومًا". رَوَاهُ البُخَارِىُّ ومُسْلِمٌ (١٣). وأنْكَرَ زَيْدُ بن ثابِتٍ حَدِيثَ رافِعٍ عليه (١٤). فكيف يَجُوزُ نَسْخُ أمْرٍ فَعَلَهُ النبيُّ ﷺ حتى ماتَ وهو يَفْعَلُه، ثم أجْمَعَ عليه خُلَفاؤُه وأصْحابُه بعدَه، بِخَبَرٍ لا يجوزُ العَمَلُ به، ولو لم يُخَالِفْه غيرُه! ورُجُوعُ ابن عمرَ إليه يَحْتَمِلُ أنَّه رَجَعَ عن شيءٍ من المُعَامَلاتِ الفاسِدَةِ التي فَسَّرَها رافِعٌ في حَدِيثِه. وأَمَّا غيرُ ابنِ عمرَ فقد أَنْكَرَ على رافِعٍ، ولم يَقْبَلْ حَدِيثَه، وحَمَلَه على أنَّه غَلِطَ في رِوَايَتِه. والمَعْنَى يَدُلُّ على ذلك؛ فإنَّ كَثِيرًا من أهْلِ النَّخِيلِ والشَّجَرِ يَعْجِزُونَ عن عِمَارَتِه وسَقْيِه، ولا يُمْكِنُهم الاسْتِئْجارُ عليه، وكثيرٌ من الناسِ لا شَجَرَ لهم، ويَحْتاجُونَ إلى الثَّمَرِ، ففى تَجْوِيزِ المُسَاقاةِ دَفْعٌ لِلْحَاجَتَيْنِ، وتَحْصِيلٌ لِمَصْلَحةِ الفِئَتَيْنِ، فجازَ ذلك، كالمُضَارَبةِ بالأثْمانِ.
стр. 3757
٨٨٦ - مسألة؛ قال أبو القاسِمِ: (وتَجُوزُ الْمُسَاقاةُ فِي النَّخْلِ والشَّجَرِ والكَرْمِ بجُزْءٍ مَعْلُومٍ، يُجْعَلُ للعامِلِ مِنَ الثَّمَرِ)
وجملُة ذلك أنَّ المُساقاةَ جائِزَةٌ في جَمِيعِ الشَّجَرِ المُثْمِرِ. هذا قولُ الخُلَفاءِ الرَّاشِدِينَ، رَضِى اللهُ عنهم. وبه قال سَعِيدُ بن المُسَيَّبِ، وسالِمٌ (١)، ومالِكٌ، والثَّوْرِيُّ، والأوْزاعِىُّ، وأبو يوسفَ، ومحمدٌ، وإسحاقُ، وأبو ثَوْرٍ. وقال داوُدُ: لا يجوزُ إلَّا في النَّخِيلِ؛ لأنَّ الخبَرَ إنَّما وَرَدَ بها فيه. وقال الشافِعِىُّ: لا يجوزُ إلَّا في النَّخِيلِ والكَرْمِ؛ لأنَّ الزَّكاةَ تَجِبُ في ثَمَرَتِهما (٢)، وفى سائِر الشَّجَرِ قَوْلانِ؛ أحدُهما، لا يجوزُ فيه؛ لأنَّ الزَّكاةَ لا تَجِبُ في نَمَائِه، فأشْبَهَ ما لا ثَمَرةَ له. وقال أبو حنيفةَ، وزُفَرُ: لا تجوزُ بحالٍ؛ لأنَّها إجَارَةٌ بثَمَرَةٍ لم تُخْلَقْ، أو إجَارَةٌ بثَمَرةٍ مَجْهُولةٍ، أشْبَهَ إجَارَةَ نَفْسِه بثَمَرَةِ غيرِ الشَّجَرِ الذي يَسْقِيه. ولَنا، السُّنَّةُ، والإِجْماعُ، ولا يجوزُ التَّعْوِيلُ على ما خَالَفَهُما. وقولُهم: إنَّها إجارَةٌ. غيرُ صَحِيحٍ، إنَّما هو عَقْدٌ على العَمَلِ في المالِ ببعضِ نَمَائِه، فهى (٣) كالمُضَارَبةِ. ويَنْكَسِرُ ما ذَكَرُوه بالمُضَارَبةِ؛ فإنَّه يَعْمَلُ في المالِ بِنَمائِه، وهو مَعْدُومٌ مَجْهُولٌ، وقد جازَ بالإِجْماعِ، وهذا في مَعْناه. ثم قد جَوَّزَ الشارِعُ العَقْدَ في الإِجَارَةِ على المَنافِعِ المَعْدُومةِ للحَاجَةِ، فلِمَ لا يجوزُ على الثمرَةِ المَعْدُومةِ للحاجَةِ، مع أنَّ القِيَاسَ إنَّما يكونُ في إلْحَاقِ المَسْكُوتِ عنه بالمَنْصُوصِ عليه، أو المُجْمَعِ عليه، فأمَّا في إبْطالِ نَصٍّ، وخَرْقِ إجْماعٍ بقِيَاسِ نَصٍّ آخَرَ، فلا سَبِيلَ إليه. وأمَّا تَخْصِيصُ ذلك بالنَّخِيلِ، أو به وبالكَرْمِ، فيُخَالِفُ عُمُومَ قولِه: عامَلَ رسولُ اللهِ
стр. 3758
- ﷺ أَهْلَ خَيْبَرَ بِشَطْرٍ ما يخْرُجُ [منها من زَرْعٍ أو ثَمَرٍ (٤). وهذا عامٌّ في كلِّ ثَمَرٍ، ولا تَكَادُ بَلْدَةٌ ذاتُ أَشجْارٍ تَخْلُو من (٥) شَجَرٍ غيرِ النَّخِيلِ، وقد جاء في لَفْظِ بعض الأخْبارِ، أنَّ النبيَّ ﷺ عامَلَ أَهْلَ خَيْبَرَ بِشَطْرِ ما (٦) يَخْرُجُ] (٧) من النَّخْلِ والشَّجَرِ، ولأنَّه شَجَرٌ يُثْمِرُ كلَّ حَوْلٍ، فأشْبَه النَّخِيلَ والكَرْمَ، ولأنَّ الحاجةَ تَدْعُو إلى المُسَاقاةِ عليه، كالنَّخْلِ وأكْثَرَ؛ لِكَثْرَتِه، فجازَتِ المُسَاقاةُ عليه كالنَّخْلِ، ووُجُوبُ الزَّكَاةِ ليس من العِلَّةِ المُجَوِّزَةِ لِلْمُساقَاةِ، ولا أثَرَ له فيها، وإنَّما العِلَّةُ في (٨) ما ذَكَرْناه.
فصل: وأمَّا ما لا ثَمَرَ له من الشَّجَرِ، كالصَّفْصَافِ والجَوْزِ ونَحْوِهِما، أو له ثَمَرٌ غيرُ مَقْصُودٍ، كالصَّنَوْبَرِ والأَرْزِ، فلا تجوزُ المُسَاقاةُ عليه. وبه قال مالِكٌ، والشّافِعِىُّ. ولا نَعْلَمُ فيه خِلَافًا؛ لأنَّه ليس بمَنْصُوصٍ عليه، ولا في مَعْنَى المَنْصُوصِ، ولأنَّ المُساقاةَ إنَّما تكونُ بِجُزْءٍ من الثمَرَةِ، وهذا لا ثَمَرَةَ له، إلَّا أن يكونَ ممَّا يُقْصَدُ وَرَقُه [أو زَهْرُه] (٩) كالتُّوتِ والوَرْدِ، فالقِيَاسُ يَقتَضِى جَوَازَ المُسَاقاةِ عليه؛ لأنَّه في مَعْنَى الثمَرِ، لكَوْنِه (١٠) نَمَاءٌ يَتَكَرَّرُ كلَّ عامٍ، ويُمْكِنُ أخْذُه والمُسَاقاةُ عليه بِجُزْءٍ منه، فيَثْبُتُ له مِثْلُ حُكْمِه.
فصل: وإن ساقَاهُ على ثَمَرَةٍ مَوْجُودَةٍ، فذَكَرَ أبو الخَطَّابِ فيها رِوَايَتَيْنِ؛ إحْداهما، تَجُوزُ. وهو اخْتِيارُ أبي بكرٍ، وقولُ (١١) مالِكٍ، وأبي يوسفَ، ومحمدٍ، وأبي
стр. 3759
ثَوْرٍ، وأحدُ قَوْلَىِ الشَّافِعِىِّ؛ لأنَّها إذا جازَتْ في المَعْدُومةِ مع كَثْرةِ الغَرَرِ فيها، فمع وُجُودِها وقِلَّةِ الغَرَرِ فيها أَوْلَى. وإنَّما تَصِحُّ إذا بَقِىَ من العَمَلِ ما يُسْتَزَادُ به الثَّمَرَةُ، كالتَّأْبِيرِ، والسَّقْىِ، وإصْلَاحِ الثَّمرَةِ، فإن بَقِىَ ما لا تَزِيدُ به الثَّمَرَةُ، كالجِذَاذِ ونحوِه، لم يَجُزْ، بغيرِ خِلَافٍ. والثانية، لا تَجُوزُ. وهو القولُ الثاني للشَّافِعِىِّ؛ لأنَّه ليس بمَنْصُوصٍ عليه، ولا في مَعْنَى المَنْصُوصِ، فإنَّ النبيَّ ﷺ عامَلَ أهْلَ خَيْبَرَ على الشَّطْرِ ممَّا يَخْرُجُ من ثَمَرٍ أو زَرْعٍ، ولأنَّ هذا يُفْضِى إلى أن يَسْتَحِقَّ بالعَقْدِ عِوَضًا مَوْجُودًا يَنْتَقِلُ المِلْكُ فيه عن رَبِّ المالِ إلى المُسَاقِى. فلم يَصِحَّ، كما لو بَدا صَلَاحُ الثَّمَرةِ، ولأنَّه عَقْدٌ على العَمَلِ في المالِ ببعضِ نَمَائِه، فلم يَجُزْ بعدَ ظُهُورِ النَّمَاءِ، كالمُضَارَبةِ، ولأنَّ هذا يجْعَلُ (١٢) العَقْدَ إجارَةً بمَعْلُومٍ (١٣) ومَجْهُولٍ، فلم يَصِحَّ، كما لو اسْتَأْجَرَه على العَمَلِ بذلك. وقولُهم: إنَّه أَقَلُّ غَرَرًا. قُلْنا: قِلَّةُ الغَرَرِ ليستْ من المُقْتَضِى لِلْجَوَازِ، ولا كَثْرَتُه المَوْجُودَةُ في مَحلِّ النَّصِّ (١٤) مانِعَةً، فلا تُؤَثِّرُ قِلَّتُه شيئًا، والشَّرْعُ وَرَدَ به على وَجْهٍ لا يَسْتَحِقُّ العامِلُ فيه عِوَضًا مَوْجُودًا. ولا يَنْتَقِلُ إليه من مِلْكِ رَبِّ المالِ شيءٌ، وإنَّما يَحْدُثُ النَّماءُ المَوْجُودُ على مِلْكِهِما. على ما شَرَطَاه، فلم تَجُزْ مُخَالَفَةُ هذا المَوْضُوعِ، ولا إثْباتُ عَقْدٍ ليس في مَعْناه إلْحاقًا به، كما لو بَدَا صَلَاحُ (١٥) الثَّمَرَةِ، وكالمُضَارَبَةِ (١٦) بعدَ ظُهُورِ الرِّبْحِ.
فصل: فأمَّا قولُ الخِرَقِىِّ: "بِجُزْءٍ مَعْلُومٍ يُجْعَلُ لِلْعَامِلِ من الثَّمَرِ". فيَدُلُّ على شَيْئَيْنِ؛ أحَدهما، أنَّ المُساقاةَ لا تَصِحُّ إلَّا على جُزْءٍ مَعْلُومٍ منْ الثَّمَرةِ مُشَاعٍ، كالنِّصْفِ والثُّلُثِ، لِحَدِيثِ ابن عمَرَ: عامَلَ أهْلَ خَيْبَرَ بشَطْرِ ما يَخْرُجُ منها. وسَواءٌ
стр. 3760
قَلَّ الجُزْءُ أو كَثُرَ، فلو شَرَطَ لِلعْامِلِ جُزْءًا من مائةِ جُزْءٍ، وجَعَلَ جُزْءًا منها لِنَفْسِه والباقِىَ، لِلْعامِلِ، جازَ، ما لم يَفْعَلْ ذلك حِيلَةً، وكذلك إن عَقَدَه على أجْزَاء مَعْلُومَةٍ، كالخَمْسِينَ. وثَلَاثَةِ أثْمانٍ، أو سُدُسِ ونِصْفِ سُبْعٍ، ونحو ذلك، جازَ. وإن عَقَدَ على جُزْءٍ مُبْهَمٍ، كالسَّهْمِ والجُزْءِ والنَّصِيبِ والحَظِّ ونحوه، لم تَجُزْ؛ لأنَّه إذا لم يكُنْ مَعْلُومًا لم تُمْكِنِ القِسْمَةُ بينهما. ولو سَاقاهُ على آصُعٍ مَعْلُومَةٍ، أو جَعَلَ مع الجُزْءِ المَعْلُومِ آصُعًا، لم تَجُزْ؛ لأنَّه ربما لم يَحْصُلْ ذلك، أو لم يَحْصُلْ غيرُه، فيَسْتَضِرُّ رَبُّ الشَّجَرِ وربَّما (١٧) كَثُرَ الحاصِلُ فيَسْتَضِرُّ العامِلُ. وإن شَرَطَ له ثَمَرَ نَخْلاتٍ بعَيْنِهَا، لم يَجُزْ؛ لأنَّها قد لا تَحْمِلُ، فتكونُ الثَّمَرَةُ كلُّها لِرَبِّ المالِ، وقد لا تَحْمِلُ غيرُها، فتكونُ الثَّمَرةُ كلُّها لِلْعامِلِ، ولهذه العِلَّةِ نَهَى النبيُّ ﷺ عن المُزَارَعةِ التي يَجْعَلُ فيها لِرَبِّ الأرْضِ (١٨) مَكانًا مُعَيَّنًا، ولِلْعامِلِ مكانًا مُعَيَّنًا. قال رافِعٌ: كُنَّا نُكْرِى الأرْضَ، على أنَّ لنا هذه، ولهم هذه. فَرُبَّما أخْرَجَتْ هذه ولم تُخْرِجْ هذه، فنَهانَا عن ذلك، فأمَّا الذَّهَبُ والوَرِقُ فلم يَنْهَنَا. مُتَّفَقٌ عليه (١٩). فمتى شَرَطَ شَيْئًا (٢٠) من هذه الشُّرُوطِ الفاسِدَةِ، فسَدَتِ المُساقاةُ، والثَّمَرةُ كلُّها لِرَبِّ المالِ؛ لأنَّها نَمَاءُ مِلْكِه. ولِلْعامِلِ أجْرُ مِثْلِه، كالمُضَارَبَةِ الفاسِدَةِ. الثاني، أنَّ الشَّرْطَ للعامِلِ؛ لأنَّه إنَّما يَأْخُذُ بالشَّرْطِ، فالشَّرْطُ يُرَادُ لأَجْلِه، ورَبُّ المالِ يأْخُذُ بمالِه لا بالشَّرْطِ، فإذا قال: ساقَيْتُكَ، على أنَّ لك ثُلُثَ الثَّمَرَةِ. صَحَّ، وكان الباقِى لِرَبِّ المالِ. وإن قال: عليَّ أنَّ لي ثُلُثَ الثَّمَرةِ. فقال ابنُ حامدٍ: يَصِحُّ، والباقِى للعامِلِ. وقِيل: لا يَصِحُّ. وقد ذَكَرْنا تَعْلِيلَ ذلك في المُضَارَبَةِ. وإن اخْتَلَفا في الجُزْءِ المَشْرُوطِ لمن هو منهما، فهو للعامِلِ، لأنَّ الشَّرْطَ يُرَادُ لأَجْلِه (٢١)، كما ذَكَرْنا.
стр. 3761
فصل: وإذا كان في البُسْتانِ شَجَرٌ من أجْناسٍ، كالتِّينِ، والزَّيْتُونِ، والكَرْمِ، والرُّمَّانِ، فشَرَطَ للعامِلِ (٢٢) من كلِّ جِنْسٍ قَدْرًا، كنِصْفِ ثَمَرِ التِّينِ، وثُلُثِ الزَّيْتُونِ، ورُبْعِ الكَرْمِ، وخُمْسِ الرُّمَّانِ، أو كان فيه أنْوَاعٌ من جِنْسٍ، فشَرَطَ (٢٣) من كلِّ نَوْعٍ قَدْرًا، وهما يَعْرِفانِ (٢٤) قَدْرَ كلِّ نَوْعٍ، صَحَّ؛ لأنَّ ذلك كأَرْبَعَة بَسَاتِينَ، ساقَاهُ على كلّ بُسْتَانٍ بِقَدْرٍ مُخَالِفٍ لِلْقَدْرِ المَشْرُوطِ من الآخَر. وإن لم يَعْلَمَا قَدْرَه، أو لم يَعْلَمْ أحَدُهُما، لم يَجُزْ؛ لأنَّه قد يكونُ أكْثَرُ ما في البُسْتانِ من النَّوْعِ الذي شُرِطَ فيه القَلِيلُ. أو أكْثَرُه ممَّا شُرِطَ فيه الكَثِيرُ. ولو قال: ساقَيْتُكَ على هذين البُسْتَانَيْنِ، بالنِّصْفِ من هذا، والثُّلُثِ من هذا. صَحَّ؛ لأنَّها صَفْقَةٌ واحِدَةٌ، جَمَعَتْ عِوَضَيْنِ، فصارَ كأنَّه قال: بعْتُكَ دارَيَّ هاتَيْنِ، هذه بأَلْفٍ، وهذه بمائةٍ. وإن قال: بالنِّصْفِ من أحَدِهِما، والثُّلُثِ من الآخَرِ. لم يَصِحَّ؛ لأنَّه مَجْهُولٌ، لا يُدْرَى أيُّهما الذي يَسْتَحِقُّ نِصْفَه، ولا الذي يَسْتَحِقُّ ثُلُثَه (٢٥). ولو سَاقاهُ على بُسْتانٍ واحدٍ، نِصْفُه هذا بالنِّصْفِ، ونِصْفُه هذا بالثُّلُثِ. وهما مُتَمَيِّزانِ، صَحَّ؛ لأنَّهما كبُسْتَانَيْنِ.
فصل: وإن كان البُسْتانُ لِاثْنَيْنِ، فسَاقَيَا عامِلًا واحِدًا، على أنَّ له نِصْفَ نَصِيبِ أحَدِهما، وثُلُثَ نَصِيبِ الآخَرِ، والعامِلُ عالِمٌ بِنَصِيبِ كلِّ واحدٍ منهما، جَازَ؛ لأنَّ عَقْدَ الواحِدِ. مع الاثْنَيْنِ عَقْدانِ. ولو أفْرَدَ كلَّ واحدٍ منهما بِعَقْدٍ، كان له أن يَشْرطَ (٢٦) ما اتَّفَقَا عليه. وإن جَهِلَ نَصِيبَ كلِّ واحدٍ منهما، لم يَجُزْ؛ لأنَّه غَرَرٌ، فإنَّه قد يَقِلُّ نَصِيبُ مَن شَرَطَ النِّصْفَ، فيَقِلُّ حَظُّه، وقد يَكْثُرُ، فيَتَوَفَّرُ حَظُّه. فأمَّا إن شَرَطَا قَدْرًا واحِدًا من مالِهِما جازَ، وإن لم يَعْلَمْ قَدْرَ ما لِكُلِّ واحدٍ منهما؛ لأنَّها جَهَالَةٌ لا غَرَرَ فيها ولا
стр. 3762
ضَرَرَ، فصارَ (٢٧) كما لو قالا: بِعْناكَ دارَنا هذه بأَلْفٍ. ولم يَعْلَمْ نَصِيبَ كلِّ واحدٍ منهما، جازَ؛ لأنَّه أيُّ نَصِيبٍ كان، فقد عَلِمَ عِوَضَه، وعَلِمَ جُمْلةَ المَبِيعِ، فصَحَّ. كذلك ههُنا. ولو ساقَى واحدٌ اثنَيْنِ، جازَ، ويجوزُ أن يَشْرُطَ لهما التَّسَاوِىَ في النَّصِيبِ، ويجوزُ أن يَشْرُطَ لأحَدِهِما أكْثَرَ من الآخَرِ.
فصل: ولو سَاقاهُ ثَلَاثَ سِنِينَ، على أنَّ له في الأُوَلى النِّصْفَ، وفى الثانيةِ الثُّلُثَ، وفى الثالثةِ الرُّبْعَ، جازَ؛ لأنَّ قَدْرَ مالَه في كلِّ سَنَةٍ مَعْلُومٌ، فصَحَّ، كما لو شَرَطَ له من كلِّ نَوْعٍ قَدْرًا.
فصل: ولو دَفَعَ إلى رَجُلٍ بُسْتانًا، فقال: ما زَرَعْتَ فيه (٢٨) من حِنْطَةٍ فلِى رُبْعُه، وما زَرَعْتَ من شَعِيرٍ فلِى ثُلُثُه، وما زَرَعْتَ من بَاقِلَّا فلِى نِصْفُه. لم يَصِحَّ؛ لأنَّ ما يَزْرَعُه من كلِّ واحدٍ من هذه الأصْنافِ مَجْهُولُ القَدْرِ، فجَرَى مَجْرَى ما لو [شَرَطَ له] (٢٩) في المُسَاقاةِ ثُلُثَ هذا النَّوْعِ، ونِصْفَ هذا (٢٨) النَّوْعِ الآخَر، وهو جاهِلٌ بما فيه منهما. وإن قال: إن زَرَعْتَها حِنْطَةً فلِى رُبْعُها، وإن زَرَعْتَها شَعِيرًا فلِى ثُلُثُه، وإن زَرَعْتَها بَاقِلَّا فلِى نِصْفُه. لم يَصِحَّ أيضًا؛ لأنَّه لا يَدْرِى ما يَزْرَعُه، فأشْبَهَ ما لو قال: بِعْتُكَ بِعَشْرَةٍ صِحَاحٍ، أو أحَدَ عَشَرَة مُكَسَّرَةً. وفيه وَجْهٌ آخَر، أنَّه يَصِحُّ، بِناءً على قولِه في الإِجَارَةِ: ان خِطْتَه رُوميًّا فلك دِرْهَمٌ، وإن خِطْتَهُ فارِسِيًّا فلك نِصْفُ دِرْهَمٍ. فإنَّه يَصِحُّ في المَنْصُوصِ عنه، فيُخَرَّجُ ههُنا مثلُه. وإن قال: ما زَرَعْتَها من شيءٍ فلِى نِصْفُه. صَحَّ؛ لأنَّ النبيَّ ﷺ سَاقَى أهْلَ خَيْبَرَ بِشَطْرِ ما يَخْرُجُ منها، من ثَمَرٍ أو زَرْعٍ (٣٠). ولو جَعَلَ له في المُزَارَعَةِ ثُلُثَ الحِنْطَةِ، ونِصْفَ الشَّعِيرِ، وثُلُثَىِ البَاقِلَّا، وبَيَّنَا قَدْرَ ما يُزْرَعُ من كلِّ واحدٍ من هذه الأَنْواعِ، إمَّا بِتَقْدِيرِ البَذْرِ، [وإمَّا بِتَقْدِيرِ] (٣١)
стр. 3763
المَكانِ وتَعْيِينِه، أو بمِسَاحَتِه، مثل أن قال: تَزْرَعُ هذا المكان حِنْطةً، وهذا شَعِيرًا، أو تَزْرَعُ مُدَّيْنِ حِنْطَةً، ومُدَّيْنِ شَعِيرًا، أو تَزْرَعُ قَفِيزًا حِنْطةً وقَفِيزَيْنِ شَعِيرًا. جازَ؛ لأنَّ كلَّ واحدٍ من هذه طَرِيقٌ إلى العِلْمِ، فاكْتُفِىَ به.
فصل: وإن سَاقاهُ على أنَّه إن سَقَى سَيْحًا فله الثُّلُثَ، وإن سَقَى بِكُلْفَةٍ فله النِّصْفُ، لم يَصِحَّ؛ لأنَّ العَمَلَ مَجْهُولٌ، والنَّصِيبَ مَجْهُولٌ، وهو في مَعْنَى بَيْعَتَيْنِ في بَيْعةٍ. ويَتَخَرَّجُ أن يَصِحَّ، قِيَاسًا على مَسْأَلةِ الإِجَارَةِ. ولو قال: لك الخُمْسانِ، إن كانت عليك خَسَارَةٌ، وإن لم يكُنْ عليك خَسَارَةٌ فلك الرُّبْعُ. لم يَصِحَّ. نَصَّ عليه أحمدُ، وقال: هذا شَرْطانِ في شَرْطٍ. وكَرِهَهُ. وهذا في مَعْنَى المَسْألةِ التي قَبْلَها، ويُخَرَّج فيها مثلُ ما خُرِّجَ فيها. ولو سَاقاهُ في هذا الحائطِ بالثُلُثِ، على أن يُسَاقِيَهُ في الحائطِ الآخَر بجُزْءٍ مَعْلُومٍ، لم يَصِحَّ؛ لأنَّه شَرَطَ عَقْدًا في عَقْدٍ، فصَارَ في مَعْنَى بَيْعَتَيْنِ في بَيْعةٍ، كقَوْلِه: بِعْتُكَ ثَوْبِى، على أن تَبِيعَنِى ثَوْبَكَ. وإنَّما فَسَدَ لِمَعْنَيَيْنِ؛ أحَدِهما، أنَّه شَرَطَ في العَقْدِ عَقْدًا آخَرَ، والنَّفعُ الحاصِلُ بذلك مَجْهُولٌ، فكأنَّه شَرَطَ العِوَضَ في مُقَابَلةِ مَعْلُومٍ ومَجْهُولٍ. الثاني، أنَّ العَقْدَ الآخَرَ لا يَلْزَمُه بالشَّرْطِ، فيَسْقُطُ الشَّرْطُ، وإذا سَقَطَ وَجَبَ رَدُّ الجُزْءِ الذي تَرَكَه من العِوَضِ لأجْلِه، وذلك مَجْهُولٌ، فيَصِيرُ الكُلُّ مَجْهُولًا.
فصل: وإن سَاقَى أحَدُ الشَّرِيكَيْنِ شَرِيكَه، وجَعَلَ له من الثَّمَرِ أكْثَرَ من نَصيبِه، مثل أن يكونَ الأصْلُ بينهما نِصْفَيْنِ، فجَعَلَ له الثُّلُثَيْنِ من الثَّمَرَةِ، صَحَّ، وكان السُّدُسُ حِصَّتهُ من المُساقاةِ، فصارَ كأنَّه قال: ساقَيْتُكَ على نَصِيبِى بالثُّلُثِ. وإن سَاقاهُ على أن تكونَ الثّمرَةُ بينهما نِصْفَيْنِ، أو على أن يكونَ لِلْعامِلِ الثُّلُثُ، فهى مُسَاقاةٌ فاسِدَةٌ؛ لأنَّ العامِلَ يَسْتَحِقُّ نِصْفَها بمِلْكِه، فلم يَجْعَلْ له في مُقَابَلَةِ عَمَلِه شيئًا. وإذا شَرَطَ له الثُّلُثَ، فقد شَرَطَ أنَّ غيرَ العامِلِ يَأْخُذُ من نَصِيبِ العامِلِ ثُلُثَه، ويَسْتَعْمِلُه بلا عِوَضٍ. فلا يَصِحُّ. فإذا عَمِلَ في الشَّجَرِ بِنَاءً على هذا، كانت الثَّمرَةُ بينهما نِصْفَيْنِ، بِحُكْمِ المِلْكِ، ولا يَسْتَحِقُّ العامِلُ بِعَمَلِه شيئًا؛ لأنَّه تَبَرَّعَ به لِرِضَاهُ بالعَمَلِ بغير عِوَضٍ، فأشْبَه
стр. 3764
ما لو قال له: أنا أَعْمَلُ فيه بغير شيءٍ. وذَكَرَ أَصْحَابُنا وَجْهًا آخَرَ، أنَّه يَسْتَحِقُّ أجْرَ مِثْلِه؛ لأنَّ المُساقَاةَ تَقْتَضِى عِوَضًا، فلا تَسْقُطُ بِرِضَاهُ بإسْقَاطِه، كالنِّكَاحِ، ولم يُسَلَّمْ له العِوَضُ، فيكونُ له أَجْرُ مِثْلِه. ولَنا، أنَّه عَمِلَ في مالِ غيرِه مُتَبَرِّعًا، فلم يَسْتَحِقَّ عِوَضًا، كما لو لم يَعْقِد المُسَاقاةَ. ويُفَارِقُ النِّكاحَ لِوَجْهَيْنِ؛ أحَدهما، أنَّ عَقْدَ النِّكَاحِ صَحِيحٌ. فوَجَبَ به العِوَضُ لِصِحَّتِه، وهذا فاسِدٌ، لا يُوجِبُ شيئًا. والثاني، أنَّ الأبْضَاعَ لا تُسْتَباحُ بالبَذْلِ والإِبَاحَةِ، والعَمَلُ ههُنا يُسْتَبَاحُ بذلك، ولأنَّ المَهْرَ في النِّكَاحِ لا يَخْلُو من أن يكون واجِبًا بالعَقْدِ، أو بالإِصَابةِ، أو بهما، فإنَّ وَجَبَ بالعَقْدِ، لم يَصِحَّ قِياسُ هذا عليه، لِوَجْهَيْنِ؛ أحَدهما، أنَّ النِّكاحَ صَحِيحٌ، وهذا فاسِدٌ. والثاني، أن العَقْدَ ههُنا [لا يُوجِبُ، ولو أَوْجَبَ] (٣٢) لأَوْجَبَ قبلَ العَمَلِ. ولا خِلَافَ أنَّ (٣٣) هذا لا يُوجبُ (٣٤) قبلَ العَمَلِ شَيْئًا، وإن أوْجَبَ (٣٥) بالإِصَابةِ، لم يَصِحَّ القِيَاسُ عليها لِوَجْهَيْنِ؛ أَحَدهما، أنَّ الإِصَابةَ لا تُسْتَباحُ بالإِبَاحَةِ والبَذْلِ، بخِلَافِ العَمَلِ. والثاني، أنَّ الإِصَابةَ لو خَلَتْ عن العَقْدِ لأَوْجَبَتْ، وهذا بخِلَافِه. وإن وَجَبَ (٣٦) بهما امْتَنَعَ القِيَاسُ لهذه الوُجُوهِ كلِّها. فأمَّا إن سَاقَى أحَدُهُما شَرِيكَه على أن يَعْمَلَا معًا، فالمُساقاةُ فاسِدَةٌ، والثَّمَرَةُ بينهما على قَدْرِ مِلْكَيْهِما، ويتَقَاصَّانِ العَمَلَ إن تَسَاوَيَا فيه، وإن كان لأَحَدِهِما فَضْلٌ نَظَرْتَ؛ فإن كان قد شُرِطَ له (٣٤) فَضْلٌ مَّا في مُقَابَلَةِ عَمَلِه، اسْتَحَقَّ ما فَضَلَ له من أجْرِ المِثْلِ، وإن [لم يُشْرَطْ] (٣٧)، له شيءٌ، فلا شىءَ له إلَّا على الوَجْهِ الذي ذَكَرَهُ أصْحَابُنا، وتَكَلَّمْنا عليه.
стр. 3765
فصل: وتَصِحُّ المُساقاةُ على البَعْلِ من الشَّجَرِ، كما تجوزُ فيما يَحْتاجُ إلى سَقْي. وبهذا قال مالِكٌ. ولا نَعْلَمُ فيه خِلَافًا عندَ من يُجَوِّزُ المُسَاقاةَ؛ لأنَّ الحاجَةَ [تَدْعُو إلى المُعَامَلةِ في] (٣٨) ذلك، كَدُعَائِها إلى المُعَامَلَةِ في غيرِه، فيُقَاسُ عليه، وكذلك الحُكْمُ في المُزَارَعةِ.
فصل: ولا تَصِحُّ المُساقاةُ (٣٩) إلَّا على شَجَرٍ مَعْلُومٍ بالرُّؤُيَةِ، أو بالصِّفَةِ التي لا يُخْتَلَفُ معها، كالبَيْعِ. فإن سَاقاهُ [على بُسْتانٍ بغيرِ رُؤْيةِ ولا صِفَةٍ، لم يَصِحَّ؛ لأنَّه عَقْدٌ على مَجْهُولٍ. فلم يَصِحَّ، كالبَيْعِ. وإن سَاقاهُ] (٤٠) على أحَدِ هذَيْنِ الحائِطَيْنِ، لم يَصِحَّ؛ لأنَّها مُعَاوَضَةٌ يَخْتَلِفُ الغرَضُ فيها بِاخْتِلَافِ الأَعْيانِ، فلم يَجُزْ على غيرِ مُعَيَّنٍ، كالبَيْعِ.
فصل: وتَصِحُّ المُساقاةُ بِلَفْظِ المُسَاقاةِ، وما يُؤَدِّى مَعْناها من الألْفاظِ، نحو: عامَلْتُكَ، وفَالَحْتُكَ، واعْمَلْ في بُسْتَانِى هذا حتى تَكْمُلَ ثَمَرَتُه، وما أشْبه هذا؛ لأنَّ القَصْدَ المَعْنَى، فإن أَتَى به بأيِّ (٤١) لَفظٍ دَلَّ عليه، صَحَّ، كالبَيْعِ. وإن قال: اسْتَأْجَرْتُكَ لِتَعْمَلَ لي في هذا الحائِطِ، حتى تَكْمُلَ ثَمَرَتُه، بِنِصْفِ ثَمَرتِه. ففيه وَجْهانِ؛ أحَدُهما، لا يَصِحُّ. ذَكَرَه أبو الخَطَّابِ؛ لأنَّ الإِجَارَةَ يُشْتَرَطُ لها كَوْنُ العِوَضِ مَعْلُومًا، والعَمَلِ مَعْلُومًا، وتكونُ لازِمَةً، والمُسَاقَاةُ بِخِلَافِه. والثاني، يَصِحُّ. وهو أقيَسُ؛ لأنَّه مُؤَدٍّ لِلْمَعْنَى، فصَحَّ به العَقْدُ، كسائِر الألْفاظِ المُتَّفَقِ عليها. وقد ذَكَرَ أبو الخطَّابِ أنَّ مَعْنَى قولِ أحمدَ: تجوزُ إجَارَةُ الأرْضِ بِبَعْضِ الخارِجِ منها. المُزَارَعَةُ، على أن البَذْرَ والعَمَلَ من العامِلِ. وما ذُكِرَ من شُرُوطِ الإِجَارَةِ، إنَّما يُعْتَبَرُ في
стр. 3766
الإِجَارَةِ الحَقِيقِيَّةِ، أمَّا إذا أرِيدَ بالإِجَارَةِ المُزَارَعَةُ، فلا يُشْتَرَطُ لها غيرُ شَرْطِ المُزَارَعةِ.
فصل: ويَلْزَمُ العامِلَ بإطْلَاقِ عَقْدِ (٤٢) المُساقاةِ ما فيه صَلَاحُ الثَّمرَةِ وزِيَادَتُها، مثل حَرْثِ الأرْضِ تَحْتَ الشَّجَرِ (٤٣)، والبَقَرِ التي تَحْرُثُ، وَآلةِ الحَرْثِ، وسَقْىِ، الشَّجَرِ، واسْتِقَاءِ الماءِ، واصْلَاحِ طُرُقِ الماءِ وتَنْقِيَتِها، وقَطْعِ الحَشِيشِ المُضِرِّ والشَّوْكِ، وقَطْعِ الشَّجَرِ اليَابِسِ، وزِبارِ الكَرْم (٤٤)، وقَطْعِ ما يَحْتاجُ إلى قَطْعِه، وتَسْوِيَةِ الثّمَرةِ، وإصْلَاحِ الأجَاجِين، وهى الحُفَرُ التي يَجْتَمِعُ فيها الماءُ على أصُولِ النَّخْلِ، وإدَارَةِ الدُّولَابِ، والحِفْظِ لِلثَّمَرِ (٤٥) في الشَّجَرِ وبعدَه حتى يُقَسَّمَ، وإن كان مما يُشَمَّسُ فعليه تَشْمِيسُه، وعلى رَبِّ المالِ ما فيه حِفْظُ الأصْلِ، كسَدِّ الحِيطَانِ، وإنْشَاءِ الأنْهارِ، وعَمَلِ الدُّولَابِ، وحَفْرِ بِئْرِه، وشِرَاءِ ما يُلَقَّحُ به. وعَبَّرَ بعضُ أهْلِ العِلْمِ عن هذا بِعِبَارَةٍ أخرى، فقال: كلُّ ما يَتَكَرَّرُ كلَّ عامٍ فهو على العامِلِ، وما لا يَتَكَرَّرُ فهو على رَبِّ المالِ. وهذا صَحِيحٌ في العَمَلِ. فأمَّا شِرَاءُ ما يُلَقَّحُ به، فهو علي رَبِّ المالِ وإن تَكَرَّرَ؛ لأنَّ هذا ليس من العَمَلِ. فأمَّا البَقَرَةُ التي تُدِيرُ الدُّوَلابَ، فقال أصْحَابُنا: هي على رَبِّ المالِ؛ لأنَّها ليست من العَمَلِ، فأشْبَهَتْ ما يُلَقَّحُ به. والأَوْلَى أنَّها على العامِلِ؛ لأنَّها تُرَادُ لِلْعَمَلِ، فأشْبَهَتْ بَقَرَ الحَرْثِ، ولأنَّ اسْتِقَاءَ الماءِ على العامِلِ إذا لم يَحْتَجْ إلى بَهِيمَةٍ فكان عليه، وإن احْتاجَ إلى بَهِيمَةٍ كغيرِه من الأعْمالِ. وقال بعضُ أصْحابِ الشَّافِعِىِّ: ما يَتَعَلَّقُ بصَلَاحِ الأُصُولِ والثَّمرَةِ معًا، [كالكَسْحِ للنَّهْرِ] (٤٦)، والثَّوْرِ، فهو على من شُرِطَ عليه (٤٧) منهما، وإن أُهْمِلَ شَرْطُ ذلك على أحَدِهِما، لم تَصِحَّ المُسَاقاةُ.
стр. 3767
وقد ذَكَرْنا ما يَدُلُّ على أنَّه على العامِلِ. فأمَّا تَسْمِيدُ الأرْضِ بالزِّبْلِ إن احْتَاجَتْ إليه، فشِرَاءُ ذلك على رَبِّ المالِ؛ لأنَّه ليس من العَمَلِ، فجَرَى مَجْرَى ما يُلَقَّحُ به، وتَفْرِيقُ ذلك في الأرْضِ على العامِلِ، كالتَّلْقِيحِ. وإن أطْلَقَا العَقْدَ، ولم يُبَيِّنَا ما على كلِّ واحدٍ منهما، فعلى كلِّ واحدٍ منهما ما ذَكَرْنا أنَّه عليه. وإن شَرَطَا ذلك، كان تَأْكِيدًا. وإن شَرَطَا على أحَدِهِما شيئا ممَّا يَلْزَمُ الآخَرَ، فقال القاضي، وأبو الخَطَّابِ: لا يجوزُ ذلك. فعلى هذا تَفْسُدُ المُسَاقاةُ، وهو مذهبُ الشّافِعِىِّ؛ لأنَّه شَرْطٌ يُخَالِفُ مُقْتَضَى العَقْدِ، فأَفْسَدَه، كالمُضَارَبةِ إذا شُرِطَ العَمَلُ فيها على رَبِّ المالِ. وقد رُوِىَ عن أحمدَ ما يَدُلُّ على صِحَّةِ ذلك؛ فإنَّه ذَكَرَ أنَّ الجِذَاذَ عليهما، فإن شَرَطَه على العامِلِ، جازَ. وهذا مُقْتَضَى كَلَامِ الخِرَقِىِّ في المُضَارَبةِ؛ لأنَّه شَرْطٌ لا يُخِلُّ بمَصْلَحةِ العَقْدِ، ولا مَفْسَدَةَ فيه، فصَحَّ، كتَأْجِيلِ الثّمَنِ في المَبِيعِ، وشَرْطِ الرَّهْنِ والضَّمِينِ والخِيَار فيه، لكنْ يُشْتَرَطُ أن يكونَ ما يَلْزَمُ كلَّ واحدٍ من العَمَلِ مَعْلُومًا، لِئَلَّا يُفْضِىَ إلى التَّنَازُعِ والتَّوَاكُلِ، فيَخْتَلَّ العَمَلُ، وأن لا يكونَ ما على رَبِّ المالِ أكْثَرَ العَمَلِ؛ لأنَّ العامِلَ يَسْتَحِقُّ بِعَمَلِه، فإذا لم يَعْمَلْ أكْثَرَ العَمَلِ، كان وُجُودُ عَمَلِه كعَدَمِه، فلا يَسْتَحِقُّ شيئا.
فصل: فأمَّا الجِذَاذُ والحصَادُ واللِّقَاطُ، فهو على العامِل. نَصَّ أحمدُ عليه في الحصَادِ، وهو مذهبُ الشَّافِعِىِّ؛ لأنَّه من العَمَلِ، فكان على العامِلِ، كالتَّشْمِيسِ. ورُوِى عن أحمدَ في الجِذَاذِ، أنَّه إذا شَرَطَ على العامِلِ، فجائِزٌ؛ لأنَّ العَمَلَ عليه، وإن لم يَشْرُطْه، فعلى رَبِّ المالِ بِحِصَّتِه ما يَصِيرُ إليه [وعلى العاملِ بحِصَّتِه ما يصيرُ إليه] (٤٨). فظاهِرُ هذا أنَّه جَعَلَ الجِذَاذَ عليهما، واخْتارَ (٤٩) اشْتِرَاطَه على العامِلِ. وهو قولُ بعضِ الشافِعِيّةِ. وقال محمدُ بن الحَسَنِ: تَفْسُدُ المُساقاةُ بِشَرْطِه على العامِلِ؛ لأنَّه شَرْطٌ
стр. 3768
يُنَافِى مُقْتَضَى العَقْدِ. واحْتَجَّ مَن جَعَلَه عليهما بأنَّه يكونُ بعد تَكَامُلِ الثّمرَةِ، وانْقِضَاءِ المُعَامَلَةِ، فأشْبَه نَقْلَه إلى مَنْزلِه. ولَنا، أنَّ النبيَّ ﷺ دَفَعَ خَيْبَر إلى يَهُودَ، على أن يَعْمَلُوها من أمْوالِهِم (٥٠). ولأنَّ هذا من العَمَلِ، فيكونُ عليه، كالتَّشْمِيسِ، وما ذَكَرُوه يَبْطُلُ بالتَّشْمِيسِ، ويُفَارِقُ النَّقْلَ إلى المَنْزِلِ، فإنَّه يكونُ بعدَ القِسْمَةِ، وزَوَالِ العَقْدِ، فأشْبَهَ المَخْزَنَ.
فصل: وإن شَرَطَ أن يَعْمَلَ معه غِلْمانُ رَبِّ المالِ، فهو كشَرْطِ عَمَلِ رَبِّ المالِ؛ لأنَّ عَمَلَهُم كعَمَلِه، فإنَّ يَدَ الغُلَامِ كيَدِ مَوْلَاه. وقال أبو الخَطَّابِ: فيه وَجْهانِ؛ أحَدُهما، كما ذَكَرْنا. والثاني، يجوزُ؛ لأنَّ غِلْمَانَه مالُه، فجازَ أن يُجْعَلَ (٥١) تَبَعًا لمالِه، كثَوْرِ الدُّوَلابِ، وكما (٥٢) يجوزُ في القِرَاضِ أن يَدْفَعَ إلى العامِلِ بَهِيمَةً يَحْمِلُ عليها. وأمَّا رَبُّ المالِ لا يجوزُ جَعْلُه تَبَعًا. وهذا قولُ مالِكٍ، والشّافِعِىِّ، ومحمدِ بن الحَسَنِ. فإذا شَرَطَ غِلْمانًا يَعْمَلُون معه، فنَفَقَتُهُم على ما يَشْتَرِطانِ عليه. فإن أطْلَقَا، ولم يَذْكُرَا نَفَقَتَهُم، فهى على رَبِّ المالِ. وبهذا قال الشافِعِىُّ. وقال مالِكٌ: نَفَقَتُهُم على المُسَاقِى، ولا يَنْبَغِى أن يَشْرُطَها (٥٣) على رَبِّ المالِ؛ لأنَّ العَمَلَ على المُسَاقِى، فمُؤْنَةُ مَن يَعْمَلُه عليه، كَمُؤْنةِ غِلْمانِه. ولَنا، أنَّه مَمْلُوكُ رَبِّ المالِ، فكانت نَفَقَتُه عليه عندَ الإِطْلَاقِ، كما لو أجَرَهُ. فإنْ شَرَطَها على العامِلِ، جازَ، ولا يُشْتَرَطُ تَقْدِيرُها. وبه قال الشافِعِىُّ. وقال محمدُ بن الحَسَنِ: يُشْتَرَطُ تَقْدِيرُها؛ لأنَّه اشْتَرَطَ عليه مالا يَلْزَمُه، فوَجَبَ أن يكونَ مَعْلُومًا، كسائِر الشُّرُوطِ. ولَنا، أنَّه لو وَجَبَ تَقْدِيرُها لوَجَبَ ذِكْرُ صِفَاتِها، ولا يَجِبُ ذِكْرُ صِفَاتِها. فلم يَجِبْ تَقْدِيرُها. ولا بُدَّ من مَعْرِفَةِ الغِلْمانِ المُشْترَطِ عَمَلُهُم (٥٤)، بِرُؤْيةٍ، أو صِفَةٍ تَحْصُلُ بها مَعْرِفَتُهُم. كما في عَقْدِ الإِجَارَةِ.
стр. 3769
فصل: وإن شَرَطَ العامِلُ أنَّ أجْرَ الأُجَرَاءِ الذين يَحْتَاجُ إلى الاستِعانةِ بهم من الثَّمرَةِ، وقَدَّرَ الأُجْرَةَ، لم يَصِحَّ؛ لأنَّ العَمَلَ عليه، فإذا شَرَطَ أجْرَهُ من المالِ، لم يَصِحَّ، كما لو شَرَطَ لِنَفْسِه أجْرَ عَمَلِه. وإن لم يُقَدِّرْهُ، فَسَدَ لذلك، ولأنَّه مَجْهُولٌ. ويُفَارِقُ هذا ما إذا شَرَط (٥٥) المُضَارِبُ أجْرَ ما يَحْتاجُ إليهم من الحَمَّالِينَ ونحوِهم؛ لأنَّ ذلك لا يَلْزَمُ العامِلَ، فكان على المالِ، ولو شَرَطَ أجْرَ ما يَلْزَمُه عَمَلُه بِنَفْسِه، لم يَصِحَّ، كمَسْأَلَتِنا.
فصل: ظاهِرُ كلامِ أحمدَ، أنَّ المُساقاةَ والمُزَارَعةَ من العُقُودِ الجائِزَةِ، أَوْمَأَ إليه في رِوَايةِ الأَثْرَمِ، وسُئِلَ عن الأَكَّارِ يُخْرِجُ نَفْسَه من غيرِ أن يُخْرِجَهُ صاحِبُ الضَّيْعةِ، فلم يَمْنَعْهُ من ذلك. ذَكَرَهُ الشيخُ أبو عبد اللَّه ابن حامدٍ، وهو قولُ بعضِ أصْحابِ الحَدِيثِ. وقال بعضُ أصْحَابِنا: هو عَقْدٌ لازِمٌ. وهو قول أكْثَر الفُقَهاءِ؛ لأنَّه عَقْدُ مُعَاوَضَةٍ، فكان لازِمًا، كالإِجَارَةِ، ولأنَّه لو كان جائِزًا، جازَ لِرَبِّ المالِ فَسْخُه إذا أدْرَكَتِ الثَّمرَةُ، فيَسْقُطُ حَقُّ العامِلِ، فيَسْتَضِرُّ. ولَنا، ما رَوَى مُسْلِمٌ (٥٦) بإسْنادِه عن ابنِ عُمَرَ، أنَّ اليَهُودَ سَأَلُوا رسولَ اللَّه ﷺ أن يُقِرَّهُم بِخَيْبَرَ، على أن يَعْمَلُوها، ويكونَ لِرسولِ اللَّه ﷺ شَطْرُ ما يَخْرُجُ منها من ثَمَرٍ أو زَرْعٍ، فقال رسولُ اللَّه ﷺ : "نُقِرُّكُم عَلَى ذلِكَ مَا شِئْنَا". ولو كان لازِمًا لم يَجُزْ بغيرِ تَقْدِيرِ مُدَّةٍ، ولا أن يَجْعَلَ الخِيَرَةَ إليه في مُدَّةِ إقْرَارِهِم، ولأنَّ النبيَّ ﷺ لم يُنْقَلْ عنه أنَّه قَدَّرَ لهم ذلك بمُدَّةٍ، ولو قَدَّرَ لم يُتْرَكْ نَقْلُه، لأنَّ هذا ممَّا يُحْتَاجُ إليه، فلا يجوزُ الإِخْلَالُ بِنَقْلِه، وعُمَرُ رَضِىَ اللَّه عنه
стр. 3770
أجْلَاهُم (٥٧) من الأرْضِ وأخْرَجَهُم من خَيْبَرَ، ولو كانت لهم مُدَّةٌ مُقَدَّرَةٌ، لم يَجُزْ إخْراجُهُم منها. ولأنَّه عَقْدٌ على جُزْءٍ من نَمَاءِ المالِ، فكان جائِزًا، كالمُضَارَبةِ، أو عَقْدٌ على المالِ بِجُزْءٍ من نَمَائِه، أشْبَهَ المُضَارَبةَ، وفارَقَ الإِجَارَةَ؛ لأنَّها بَيْعٌ، فكانت لَازِمةً، كبَيْعِ الأَعْيانِ، ولأنَّ عِوَضَها مُقَدَّرٌ مَعْلُومٌ، فأشْبَهَتِ البَيْعَ. وقِيَاسُهُم يَنْتَقِضُ بالمُضَارَبةِ، وهى أشْبَهُ (٥٨) بالمُسَاقاةِ من الإِجَارَةِ، فقِيَاسُها عليها أَولَى. وقولُهم: إنَّه يُفْضِى إلى أنَّ رَبَّ المالِ يَفْسَخُ بعد إدْراكِ الثّمرَةِ. قُلْنا: إذا ظَهَرَتِ الثّمرَةُ، فهى تَظْهَرُ على مِلْكِهِما، فلا يَسْقُطُ حَقُّ العامِلِ منها بِفَسْخٍ ولا غيرِه، كما لو فَسَخَ المُضَارَبةَ بعدَ ظُهُورِ الرِّبْحِ. فعلى هذا لا يَفْتَقِرُ إلى ضَرْبِ مُدَّةٍ، ولذلك لم يَضْربِ النبيُّ ﷺ ، ولا خُلَفَاؤُه رَضِىَ اللَّه عنهم، لأهْلِ خَيْبَرَ مُدَّةً مَعْلُومةً حين عَامَلُوهُم. ولأنَّه عَقْدٌ جائِزٌ، فلم يَفْتَقِرْ إلى ضَرْبِ مُدَّةٍ، كالمُضَارَبةِ، وسائِرِ العُقُودِ الجائِزَةِ. ومتى فَسَخَ أحَدُهما بعدَ ظُهُورِ الثّمرَةِ، فهى بينهما على ما شَرَطاهُ، وعلى العامِلِ تَمامُ العَمَلِ، كما يَلْزَمُ المُضَارِبَ بَيْعُ العُرُوضِ إذا فُسِخَتِ المُضَارَبةُ بعدَ ظُهُورِ الرِّبْحِ، وإن فَسَخَ العامِلُ قبلَ ذلك، فلا شىءَ له؛ لأنَّه رَضِىَ بإسْقاطِ حَقِّه، فصَارَ كعامِلِ المُضَارَبةِ إذا فَسَخَ قبلَ ظُهُورِ الرِّبْحِ، وعامِلِ الجُعَالَةِ إذا فَسَخَ قبلَ إتْمامِ عَمَلِه. وإن فسَخَ رَبُّ المالِ قبلَ ظُهُورِ الثّمرَةِ، فعليه أجْرُ المِثْلِ لِلْعَامِلِ؛ لأنَّه مَنَعَهُ إتْمامَ عَمَلِه الذي يَسْتَحِقُّ به العِوَضَ، فأشْبَهَ ما لو فَسَخَ الجاعِلُ قبلَ إتْمامِ عَمَلِ الجُعَالَةِ. وفارَقَ رَبَّ المالِ في المُضَارَبةِ إذا فَسَخَها قبلَ ظُهُورِ الرِّبْحِ؛ لأنَّ عَمَلَ هذا مُفْضٍ إلى ظُهُورِ الثّمرَةِ غالِبًا، فلَوْلَا الفَسْخُ لظَهَرَتِ الثّمرَةُ، فمَلَكَ نَصِيبَه منها، وقد قَطَعَ ذلك بِفَسْخِه، فأشْبَه فَسْخَ الجُعَالةِ، بخِلَافِ المُضَارَبةِ، فإنَّه لا يُعْلَمُ إفْضَاؤُها إلى الرِّبْحِ، ولأنَّ الثّمرَةَ إذا ظَهَرَتْ في الشَّجَرِ، كان العَمَلُ عليها في الابْتداءِ مِن أسْبابِ ظُهُورِها، والرِّبْحُ إذا ظَهَرَ في المُضَارَبةِ [قد لا] (٥٩) يكونُ لِلعَمَلِ الأَوَّل فيه أثَرٌ أصْلًا. فأمَّا إن قُلْنا: إنَّه عَقْدٌ لازِمٌ. فلا يَصِحُ إلَّا على مُدَّةٍ
стр. 3771
مَعْلُومةٍ. وبهذا قال الشافِعِىُّ وقال أبو ثَوْرٍ: تَصِحُّ من غيرِ ذِكْرِ مُدَّةٍ، ويَقَعُ على سَنَةٍ واحِدَةٍ. وأجَازَهُ بعضُ أهْلِ الكُوفَة اسْتِحْسانًا؛ لأنه لمَّا شَرَطَ له جُزءًا من الثّمرَةِ، كان ذلك دَلِيلًا على أنَّه أرَادَ مُدَّةً تَحْصُلُ الثَّمرَةُ فيها. ولَنا، أنَّه عَقْدٌ لازِمٌ، فوَجَبَ تَقْدِيرُه بمُدَّةٍ، كالإِجَارَةِ، ولأنَّ المُسَاقاةَ أشْبَهُ بالإِجَارَةِ، لأنَّها تَقْتَضِى العَمَلَ على العَيْنِ مع بَقَائِها، ولأنَّها إذا وَقَعَتْ مُطْلَقَةً، لم يُمْكِنْ حَمْلُها على إطْلَاقِها مع لُزُومِها؛ لأنَّه يُفْضِى إلى أن العامِلَ يَسْتَبِدُّ بالشَّجَرِ كلَّ مُدَّتِه، فيَصِيرُ كالمالِكِ، ولا يُمْكِنُ تَقْدِيرُه بالسَّنَةِ؛ لأنَّه تَحَكُّمٌ، وقد تَكْمُلُ الثّمرَةُ في أقَلَّ من السَّنةِ، فعلى هذا لا تَتَقَدَّرُ أكْثَرَ المُدَّةِ، بل يجوزُ ما يَتَّفِقانِ عليه من المُدَّةِ التي يَبْقَى الشَّجَرُ فيها وإن طَالَتْ. وقد قيل: لا يجوزُ أكْثَرَ من ثَلَاثِينَ سَنَةً. وهذا تَحَكُّمٌ، وتَوْقِيتٌ لا يُصَارُ إليه إلَّا بِنَصٍّ أو إجْماعٍ. فأمَّا أقَلُّ المُدَّةِ، فيَتَقَدَّرُ بمُدَّةٍ تَكْمُلُ الثّمرَةُ فيها، فلا يجوزُ على أقَلَّ منها؛ لأنَّ المَقْصُودَ أن يَشْتَرِكَا في الثّمرَةِ، ولا يُوجَدُ في أقَلَّ من هذه المُدَّةِ. فإن سَاقاهُ على مُدَّةٍ لا تَكْمُلُ فيها الثمرَةُ، فالمُسَاقاةُ فاسِدَةٌ. فإذا عَمِلَ فيها، فظَهَرَتِ الثّمرَةُ ولم تَكْمُلْ، فله أجْرُ مِثْلِه، في أحَدِ الوَجْهَيْنِ، وفى الآخَر، لا شيءَ له؛ لأنَّه رضِىَ بالعَمَلِ بغيرِ عِوَضٍ، فهو كالمُتَبَرِّعِ. والأَوّلُ أصَحُّ؛ لأنَّ هذا لم يَرْضَ الَّا بِعِوَضٍ، وهو جُزْءٌ من الثَّمَرةِ، وذلك الجُزْء مَوْجُودٌ، غيرَ أنَّه لا يُمْكِنُ تَسْلِيمُه إليه، فلما تَعَذَّرَ دَفْعُ العِوَضِ الذي اتَّفَقَا عليه إليه، كان له (٦٠) أجْرُ مِثْلِه، كما في الإِجَارَةِ الفاسِدَةِ. وفارَقَ المُتَبَرِّعَ؛ فإنَّه رَضِىَ بغيرِ شيءٍ. وإن لم تَظْهَر الثَّمَرةُ، فلا شىءَ له، في أصَحِّ الوَجْهَيْنِ؛ لأنَّه رَضِىَ بالعَمَلِ بغيرِ عِوَضٍ. وإن سَاقاهُ إلى مُدَّةٍ تَكْمُلُ فيها الثَّمَرَةُ غالِبًا، فلم يَحْمِلْ تلك السَّنَةَ، فلا شيءَ للعامِلِ؛ لأنَّه عَقْدٌ صَحِيحٌ، لم يَظْهَرْ فيه النَّمَاءُ الذي اشْتُرِطَ جُزْؤُه، فأَشْبَهَ المُضَارَبةَ إذا لم يَرْبَحْ فيها. وان ظَهَرَتِ الثَّمَرَةُ، ولم تَكْمُلْ، فله نَصِيبُه منها، وعليه إتْمامُ العَمَلِ فيها، كما لو انْفَسَختْ قبلَ كَمَالِها. وإن سَاقاهُ إلى مُدَّةٍ يَحْتَمِلُ أن يكونَ لِلشَّجَرِ ثَمَرةٌ. ويَحْتَمِلُ أن
стр. 3772
لا يكونَ، ففى صِحَّةِ المُسَاقاةِ وَجْهانِ؛ أحدهما، تَصِحُّ؛ لأنَّ الشَّجَرَ يَحْتَمِلُ أن يَحْمِلَ، ويَحْتَمِلُ أن لا يَحْمِلَ، والمُسَاقاةُ جائِزَةٌ فيه. والثانى، لا يَصِحُّ؛ لأنَّه عَقْدٌ على مَعْدُومٍ، ليس الغالِبُ وُجُودَه، فلم تَصِحَّ، كالسَّلَمِ في مثلِ ذلك، ولأنَّ ذلك غَرَرٌ أمْكَنَ التَّحَرُّزُ عنه، فلم يَجُزِ العَقْدُ معه، كما لو شَرَطَ ثَمَرَ نَخْلَةٍ بِعَيْنِها. وفارَقَ ما إذا شَرَطَ مُدَّةً تَكْمُلُ فيها الثَّمرَةُ، فإنَّ الغالِبَ أنَّ الشَّجَرَ يَحْمِلُ، واحْتِمالُ أن لا يَحْمِلَ نَادِرٌ، لم يُمْكِنِ التَّحَرُّزُ عنه. فإن قُلْنا (٦١): العَقْدُ صَحِيحٌ. فله حِصَّتُه من الثّمَرِ. فإن لم يَحْمِلْ، فلا شىءَ له. وإن قُلْنا: هو فاسِدٌ. إسْتَحَقَّ أجْرَ المِثْلِ، سواءٌ حَمَلَ أو لم يَحْمِلْ؛ لأنَّه لم يَرْضَ بغيرِ عِوَضٍ، ولم يُسَلَّمْ له العِوَضُ، فكان له العِوَضُ (٦١)، وَجْهًا واحِدًا، بخِلَافِ ما لو جَعَلَ الأَجَل إلى مُدَّةٍ لا يَحْمِلُ في (٦١) مِثْلِها غالِبًا. ومتى خَرَجَتِ الثّمرَةُ قبلَ انْقِضاءِ الأجَلِ، فله حَقُّه منها إذا قُلْنا بِصِحَّةِ العَقْدِ، وإن خَرَجَتْ بعدَه، فلا حَقَّ له فيها. ومذهبُ الشّافِعِىِّ في هذا قَرِيبٌ ممَّا ذَكَرْنا.
فصل: ولا يَثْبُتُ في المُسَاقاةِ خِيَارُ الشَّرْطِ؛ لأنَّها إن كانتْ جائِزَةً. فالجائِزُ مُسْتَغْنٍ بِنَفْسِه عن الخِيَارِ فيه، وإن كانت لازِمةً، فإذا فَسَخَ لم يُمْكِنْ رَدُّ المَعْقُودِ عليه، وهو العَمَلُ فيها. وأمَّا خِيَارُ المَجْلِسِ فلا يَثْبُتُ إن كانت جائِزَةً؛ لما تَقَدَّمَ. وإن كانت لازِمَةً، فعلى وَجْهَيْنِ؛ أحَدهما، لا يَثْبُتُ؛ لأنَّها (٦٢) عَقْدٌ لا يُشْتَرَطُ فيه قَبْضُ العِوَضِ، ولا يَثْبُتُ فيه خِيَارُ الشَّرْطِ، فلا يَثْبُتُ فيه خِيَارُ المَجْلِسِ، كالنِّكَاحِ. والثانى، يَثْبُتُ؛ لأنَّه عَقْدٌ لازِمٌ يُقْصَدُ به المالُ، أشْبَهَ البَيْعَ.
فصل: ومتى قُلْنا بِجَوَازِها، لم يَفْتَقِرْ إلى ضَرْبِ مُدَّةٍ؛ لأنَّ إبْقَاءَها إليهما، وفَسْخَها جائِزٌ لكلِّ واحدٍ منهما متى شاءَ، فلم تَحْتَجْ إلى مُدَّةٍ، كالمُضَارَبةِ. وإن قَدَّرَها بمُدَّةٍ،
стр. 3773
جازَ؛ لأنَّه لا ضَرَرَ في التَّقْدِيرِ، وقد بَيَّنَّا (٦٣) جَوَازَ ذلك في المُضَارَبةِ، والمُسَاقاةُ مثلُها. وتَنْفَسِخُ بمَوْتِ كلِّ واحدٍ منهما، وجُنُونِه. والحَجْرِ عليه لِسَفَهٍ، كقَوْلِنا في المُضَارَبةِ. فإذا ماتَ العامِلُ أو رَبُّ المالِ، انْفَسَخَتِ المُسَاقاةُ فكان الحُكْمُ فيها كما لو فَسَخَها أحَدُهما، على ما أسْلَفْنَاه. وإن قُلْنا بِلُزُومِها، لم يَنْفَسِخِ العَقْدُ، ويَقُومُ الوارِثُ (٦٤) مَقَامَ المَيِّتِ منهما؛ لأنَّه عَقْدٌ لازِمٌ، فأشْبهَ الإِجَارَةَ. ولكنْ إن كان المَيِّتُ العامِلَ، فأبَى وارِثُه القِيَامَ مَقَامَه، لم يُجْبَرْ؛ لأنَّ الوارِثَ لا يَلْزَمُه من الحُقُوقِ التي على مَوْرُوثِه (٦٥) إلَّا ما أمْكَنَ دَفْعُه من تَرِكَتِه، والعَمَلُ ليس ممَّا يُمْكِنُ ذلك فيه. فعلى هذا يَسْتَأْجِرُ الحاكِمُ من التَّرِكَةِ مَن يَعْمَلُ العَمَلَ، فإن لم تَكُنْ له تَرِكَةٌ، أو تَعَذَّرَ الاسْتِئْجارُ منها، فلِرَبِّ المالِ الفَسْخُ؛ لأنَّه تَعَذَّرَ اسْتِيفاءُ المَعْقُودِ عليه، فيَثْبُتُ الفَسخُ، كما لو تَعَذَّرَ ثَمَنُ المَبِيعِ قبلَ قَبْضِه، ثم إن كانت الثّمرَةُ قد ظَهَرَتْ، بِيعَ من نَصِيبِ العامِلِ ما يَحْتاجُ إليه لأَجْرِ ما بَقِىَ من العَمَلِ، واسْتَؤْجِرَ من يَعْمَلُ ذلك. وإن احْتِيجَ إلى بَيْعِ الجَمِيعِ، بِيعَ. ثم لا يَخْلُو إمَّا أن تكونَ الثمَرَةُ قد بَدَا صَلَاحُها أو لم يَبْدُ، فإن كانتْ قد بَدَا صَلَاحُها، خُيِّرَ المالِكُ بين البَيْعِ والشِّرَاءِ، فإن اشْتَرَى نَصِيبَ العامِلِ، جازَ، وإن اخْتارَ بَيْعَ نَصِيبِه أيضًا، باعَهُ، وباعَ الحاكِمُ نَصِيبَ العامِلِ، وإن أبَى البَيْعَ والشِّرَاءَ، باعَ الحاكِمُ نَصِيبَ العامِلِ وحدَه، وما بَقِىَ على العامِلِ من العَمَلِ يُكْتَرَى عليه مَن يَعْمَلُه، وما فَضَلَ لِوَرَثَتِه، وإن كان لم يَبْدُ صَلَاحُها، خُيِّرَ المالِكُ أيضًا، فإنْ بِيعَ لأجْنَبِىٍّ، لم يَجُزْ إلَّا بِشَرْطِ القَطْعِ، ولا يجوزُ بَيْعُ نَصِيبِ العامِلِ وحدَه، لأنَّه لا يُمْكِنُ (٦٦) قَطْعُه إلَّا بِقَطْعِ نَصِيبِ المالِكِ, فَيقِفُ إمكانُ قَطْعِه على قَطْعِ مِلْكِ غيرِه. وهل يجوزُ
стр. 3774
شِرَاءُ المالِكِ لها؟ على وَجْهَيْنِ، وهكذا الحُكْمُ إذا انْفَسَخَتِ المُسَاقاةُ (٦٧) بِمَوْتِ العامِلِ، لِقَوْلِنا بِجَوَازِها وأَبَى الوارِثُ العَمَلَ. وإن اخْتَارَ رَبُّ المالَ البَقَاءَ على المُسَاقاةِ، لم تَنْفَسِخْ إذا قُلْنا بِلُزُومِها، ويَسْتَأْذِنُ الحاكِمَ في الإِنْفَاقِ على الثّمرَةِ، وَيرْجِعُ بما أنْفَقَ، فإن عَجَزَ عن اسْتِئْذانِ الحاكِمِ، فأنْفَقَ مُحْتَسِبًا بالرُّجُوعِ، وأشْهَدَ على الإِنْفاقِ بِشَرْطِ الرُّجُوعِ، رَجَعَ بما أنْفَقَ. وهذا أحدُ الوَجْهَيْنِ لأصْحابِ الشّافِعِىِّ؛ لأنَّه مُضْطَرٌّ. وإن أمْكَنَهُ اسْتِئْذانُ الحاكِمِ، فأنْفَقَ بِنِيَّةِ الرُّجُوعِ من غيرِ اسْتِئْذانِه، فهل يَرْجِعُ بذلك؟ على وَجْهَيْنِ، بِنَاءً على ما إذا قَضَى دَيْنَه بغيرِ إذْنِه. وإن تَبَرَّعَ بالإِنْفاقِ، لم يَرْجِعْ بشيءٍ، كما لو تَبَرَّعَ بالصَّدَقةِ. والحكمُ فيما إذا أنْفَقَ على الثّمرَةِ بعد فَسْخِ العَقْدِ إذا تَعَذَّرَ بَيْعُها، كالحُكْمِ ههُنا سَواء.
فصل: وإن هَرَبَ العامِلُ، فلِرَبِّ المالِ الفَسْخُ؛ لأنَّه عَقْدٌ جائِزٌ. وإن قُلْنا بِلُزُومِه، فحُكْمُه حُكْمُ ما لو ماتَ وأبَى وارِثُه أن يَقُومَ مَقَامَه، إلا أنَّه إن لم يَجِد الحاكِمُ له مالًا، وأمْكَنَه الاقْتِرَاضُ عليه من بَيْتِ المالِ أو غيرِه، فَعَلَ، وإن لم يمكنْه، ووَجَدَ من يَعْمَلُ بأُجْرَةٍ مُؤَجَّلَةٍ إلى وَقْتِ إدْراكِ الثّمرَةِ، فَعَلَ، فإن لم يَجِدْ، فَلِرَبِّ المالِ الفَسْخُ. أمَّا المَيِّتُ فلا يَقْتَرِضُ عليه؛ لأنَّه لا ذِمَّةَ له.
فصل: والعامِلُ أمِينٌ، والقولُ قولُه فيما يَدَّعِيه من هَلَاكٍ، وما يُدَّعَى عليه من خِيَانةٍ؛ لأنَّ رَبَّ المالِ ائْتَمَنَهُ بِدَفْعِ (٦٨) مالِه إليه، فهو كالمُضَارِبِ، فإن اتُّهِمَ، حَلَفَ، فإن ثَبَتَتْ خِيَانَتُه بإقْرارٍ أو بِبَيِّنَةٍ أو نُكُولِه، ضُمَّ إليه مَنْ يُشْرِفُ عليه، فإن لم يُمْكِنْ حِفْظُه، اسْتُؤْجِرَ من ما لِه مَن يَعْمَلُ عَمَلَهُ. وبهذا قال الشافِعِىُّ. وقال أصْحابُ مالِكٍ: لا يُقَامُ غيرُه مُقَامَه، بل يُحَفْظُ منه؛ لأنَّ فِسْقَهُ لا يَمْنَعُ اسْتِيفَاءَ المنَافِعِ المَقْصُودَةِ منه، فأشْبَهَ ما لو فَسَقَ بغير الخِيَانَةِ. وَلنا، أنَّه تَعَذَّرَ اسْتِيفاءُ المَنَافِعِ
стр. 3775
المَقْصُودَةِ منه، فاسْتُوفِيَتْ بغيرِه، كما لو هَرَبَ. ولا نُسَلِّمُ إمْكانَ اسْتِيفَاءِ المَنَافِع منه؛ لأنَّه لا يُؤْمَنُ منه (٦٩) تَرْكُها، ولا يُوثَقُ منه بِفِعْلِها، ولا نقولُ إنَّ له فَسْخَ المُسَاقاةِ، وإنَّما [نقولُ: لمَّا] (٧٠) لم يُمْكِنْ حِفْظُها من خِيَانَتِكَ، أقِمْ غيرَك يَعْمَلْ ذلك، وارْفَعْ يدَكَ (٧١) عنها؛ لأنَّ الأمَانةَ قد تَعَذَّرَتْ في حَقِّكَ، فلا يَلْزَمُ رَبَّ المالِ ائْتِمانُكَ. وفارَقَ فَسْخَه بغيرِ الخِيَانةِ؛ فإنَّه لا ضَرَرَ على رَبِّ المالِ، وههُنا يَفُوتُ مالُه.
فصل: فإن عَجَزَ عن العَمَلِ، لِضَعْفِه مع أمَانَتِه، ضُمَّ إليه غيرُه، ولا يُنْزَعُ من يَدِه؛ لأنَّ العَمَلَ مُسْتَحَقٌّ عليه، ولا ضَرَرَ في بَقَاءِ يَدِه عليه. وإن عَجَزَ بالكُلِّيَةِ، أقامَ مُقَامَه مَن يَعْمَلُ، والأُجْرَةُ عليه في المَوْضِعَيْنِ؛ لأنَّ عليه تَوْفِيةَ العَمَلِ، وهَذا من تَوْفِيَتِه.
فصل: وإن اخْتَلَفَا في الجُزءِ المَشْرُوطِ للعامِل، فالقولُ قولُ رَبِّ المالِ. ذَكَرَه ابنُ حامِدٍ. وقال مالِكٌ: القولُ قولُ العامِلِ، إذا ادَّعَى ما يُشْبِهُ؛ لأنَّه أقْوَى سَبَبا، لِتَسَلُّمِه لِلْحائِطِ والعَمَلِ. وقال الشافِعِىُّ: يَتَحَالَفانِ، وكذلك إن اخْتَلَفَا فيما تَنَاوَلَتْه المُسَاقاةُ من الشَّجَرِ. ولَنا، أنَّ رَبَّ المالِ مُنْكِرٌ لِلزِّيَادةِ التي ادَّعاهَا العامِلُ، فيكونُ القولُ قولَه؛ لقولِه ﵇: "البَيِّنَةُ عَلَى المُدَّعِى، والْيَمِينُ عَلَى الْمُدَّعَى عَلَيْهِ" (٧٢). فإن كان مع أحَدِهِما بَيِّنَةٌ، حُكِمَ بها، وإن كان مع كلِّ واحدٍ منهما بَيِّنةٌ، ففى أيِّهما تَقَدَّمَ بِبَيِّنَتِه وَجْهانِ، بِنَاءً على بَيِّنةِ الدّاخِلِ والخارِجِ. فإن كان الشَّجَرُ لِاثْنَيْنِ، فصَدَّقَ أحَدُهما العامِلَ، وكذَّبَهُ الآخَرُ، أخَذَ نَصِيبَه من مالِ المُصَدِّقِ. فإن شَهِدَ على المُنكِرِ، قُبِلَت شَهَادَتُه إذا كان عَدْلًا؛ لأنَّه لا يَجُرُّ إلى نَفْسِه نَفْعًا، ولا يَدْفَعُ ضَرَرًا،
стр. 3776
ويَحْلِفُ مع شَاهِدِه، وإن لم يَكُنْ عَدْلًا، كانت شَهَادَتُه كعَدمِها. ولو كان العامِلُ اثْنَيْنِ، ورَبُّ المالِ واحِدًا، فشَهِدَ أحَدُهما على صَاحِبِه، قُبِلَتْ شَهَادَتُه أيضًا؛ لما ذَكَرْنا.
فصل: ويَمْلِكُ العامِلُ حِصَّتَه من الثَّمَرةِ بِظُهُورِها، فلو تَلِفَتْ (٧٣) كلُّها إلَّا واحِدَةً، كانت بينهما. وهذا أحدُ قَوْلَىِ الشافِعِىِّ. والثانى يَمْلِكُه بالمُقَاسَمةِ، كالقِرَاضِ. ولَنا، أنَّ الشَّرْطَ صَحِيحٌ، فيَثْبُتُ مُقْتَضاهُ، كسائِر الشُّرُوطِ الصَّحِيحَةِ، ومُقْتَضاه كونُ الثَّمَرةِ بينهما على كلِّ حالٍ؛ لأنَّه لو لم يَمْلِكْها قبلَ القِسْمَةِ، لَما وَجَبَتِ القِسْمةُ، ولا مَلَكَها، كالأُصُولِ. وأمَّا القِرَاضُ، فإنَّه يَمْلِكُ الرِّبْحَ فيه (٧٤) بالظُّهُورِ كمَسْأَلَتِنا، ثم الفَرْقُ بينهما أنَّ الرِّبْحَ وِقَايَةٌ لِرَأْسِ المالِ، فلم يَمْلِكْ حتى يُسَلِّمَ رأْسَ المالِ لِرَبِّه، وهذا ليس بِوِقَايةٍ (٧٥) لشىءٍ، ولذلك لو تَلِفَتِ الأُصُولُ كلُّها كانت الثّمرَةُ بينهما. فإذا ثَبَتَ هذا، فإنَّه يَلْزَمُ كلَّ واحدٍ منهما زَكَاةُ نَصِيبِه، إذا بَلَغَتْ حِصَّتُه نِصَابًا. نَصَّ عليه أحمدُ في المُزَارَعةِ. وإن لم تَبْلُغِ النِّصَابَ إلَّا بجَمْعِهِما، لم تَجِبْ؛ لأنَّ الخُلْطَةَ لا تُؤَثِّرُ في غير المَوَاشِى في الصَّحِيحِ. وعنه أنَّها تُؤَثِّرُ، فتُؤَثِّرُ ههُنا، فيُبْدَأُ بإخْرَاجِ الزَّكاةِ ثم يقْتَسِمانِ (٧٦) ما بَقِىَ. وإن كانت حِصَّةُ أحَدِهِما تَبْلُغُ نِصَابًا دُونَ الآخَر، فعلى مَن بَلَغَتْ حِصَّتُه نِصَابًا الزَّكَاةُ دُونَ الآخَر، يُخْرِجُها بعدَ المُقَاسَمةِ، إلَّا أن يكونَ لمن لم تَبْلُغْ حِصَّتُه نِصَابًا ما يَتِمُّ به النِّصَابُ مِن مَوَاضِعَ (٧٧) أُخَرَ، فتَجبُ عليهما جَمِيعًا الزَّكاةُ. وكذلك إن كان لأَحَدِهِما ثَمَرٌ من جِنْسِ حِصَّتِه، يَبْلُغانِ بمَجْموعِهِما نِصَابًا، فعليه الزَّكاةُ في حِصَّتِه. وإن كان أحدُ الشَّرِيكَيْنِ ممَّن لا زَكاةَ عليه، كالمُكَاتَبِ، والذِّمِّىِّ.
стр. 3777
فعلى الآخَر زَكَاةُ حِصَّتِه إن بَلَغَتْ نِصَابًا. وبهذا كلِّه قال مالِكٌ، والشافِعِىُّ. وقال اللَّيْثُ: إن كان شَرِيكُه نَصْرَانِيًّا، أعْلَمَه أنَّ الزَّكاةَ مُؤَدَّاةٌ في الحائِطِ، ثم يُقَاسِمُه بعدَ الزَّكاةِ ما بَقِىَ. ولَنا، أنَّ النَّصْرَانِىَّ لا زَكاةَ عليه، فلا يَخْرُجُ من حِصَّتِه شيءٌ، كما لو انْفَرَدَ بها، وقد رَوَى أبو دَاوُدَ، في "السُّنَنِ" (٧٨)، عن عائِشَةَ، رَضِىَ اللَّه عنها، قالتْ: كان رسولُ اللَّه ﷺ يَبْعَثُ عبدَ اللهِ بن رَوَاحَةَ، فيَخْرُصُ النَّخْلَ حين يَطِيبُ، قبل أن يُؤْكَلَ منه، ثم يُخَيِّرُ يَهُودَ خَيْبَرَ، أيَأْخُذُونَه بذلك الخَرْصِ، أم يَدْفَعُونَهُ إليهم بذلك الخَرْصِ، لكى تُحْصَى الزَّكاةُ قبلَ أن تُؤْكَلَ الثِّمارُ وتُفَرَّقَ (٧٩). قال جابِرٌ: خَرَصَها ابنُ رَوَاحَةَ أَرْبَعِينَ ألْفَ وَسْقٍ، وزَعَمَ أنَّ اليَهُودَ لمَّا خَيَّرَهُم ابنُ رَوَاحَةَ أخَذُوا الثَّمَرَةَ (٨٠) وعليهم عِشْرُونَ ألْف وَسْقٍ.
فصل: وإن ساقاهُ على أرْضٍ خَرَاجِيَّة، فالخَرَاجُ (٨١) على رَبِّ المالِ؛ لأنَّه يَجِبُ على الرَّقَبَةِ، بِدَلِيلِ أنَّه يَجِبُ سواءٌ أثْمَرَتِ الشَّجَرُ (٨٢) أو لم تُثْمِرْ. ولأنَّ الخَرَاجَ يَجِبُ أُجْرَةً للأرْضِ، فكان على رَبِّ الأرْضِ، كما لو اسْتَأْجَرَ أرْضًا وزَارَعَ غيرَه فيها. وبهذا قال الشافِعِىُّ. وقد نُقِلَ عن أحمدَ، في الذي يَتَقَبَّلُ الأرْضَ البَيْضاءَ لِيَعْمَلَ عليها، وهى من أرْضِ السَّوَادِ يَتَقَبَّلُها من السُّلْطانِ، فعلى مَن يَقْبَلُها أن يُؤَدِّىَ وَظِيفَةَ عمرَ رَضِىَ اللهُ عنه، ويُؤَدِّىَ العُشْرَ بعد وَظِيفَةِ عمرَ. وهذا مَعْناه - واللَّه أعلمُ - إذا دَفَعَ السُّلْطانُ أرْضَ الخَرَاجِ إلى رَجُلٍ يَعْمَلُها ويُؤَدِّى خَرَاجَها، فإنَّه يَبْدَأُ فيُؤَدِّى خَرَاجَها، ثم يُزَكِّى ما بَقِىَ. كما ذَكَرَه الخِرَقِىُّ في بابِ الزَّكاةِ. ولا تَنَافِىَ بين ذلك وبين ما ذَكَرْنا ههُنا، إن شاءَ اللهُ تعالى.
стр. 3778
٨٨٧ - مسألة؛ قال: (وَلَا يَجُوزُ أنْ يَجْعَلَ لَهُ فَضْلَ دَرَاهِمَ)
يعني إذا شَرَطَ جُزْءًا مَعْلُومًا من الثَّمرَةِ، ودَرَاهِمَ مَعْلُومَةً، كعَشرَةٍ ونحوها، لم يَجُزْ بغيرِ خِلَافٍ؛ لأنَّه ربما لم يَحْدُثْ من النَّماءِ ما يُسَاوِى تلك الدَّرَاهِمَ، فيَتَضَرَّرُ رَبُّ المالِ، ولذلك مَنَعْنَا من اشْتِرَاطِ أَقْفِزَةٍ مَعْلُومَةٍ. ولو شَرَطَ له دَرَاهِمَ مُنْفَرِدَةً عن الجُزْءِ، لم يَجُزْ؛ لذلك. ولو جَعَلَ له ثَمَرَةَ سَنَةٍ غيرِ السَّنَةِ التي سَاقاهُ فيها، أو ثَمَرَ شَجَرٍ غيرِ الشَّجَرِ الذي سَاقاهُ عليه، أو شَرَطَ عليه عَمَلًا في غير الشَّجَرِ الذي سَاقاهُ عليه، أو عَمَلًا في غيرِ السَّنةِ، فسَدَ العَقْدُ، سواءٌ جَعَلَ ذلك كلَّ حَقِّه أو بعضَه [أو جَمِيعَ العَمَلِ، أو بعضَه] (١)؛ لأنَّه يُخَالِفُ مَوْضُوعَ المُسَاقاةِ، إذ مَوْضُوعُها أن يَعْمَلَ في شَجَرٍ مُعَيَّنٍ، بجُزْءٍ مُشَاعٍ من ثَمَرتِه، في ذلك الوَقْت الذي يَسْتَحِقُّ عليه فيه العَمَلَ.
فصل: وإذا ساقَى رَجُلًا، أو زَارَعَه، فعامَلَ العامِلُ غيرَه على الأرْضِ أو الشَّجَرِ (٢)، لم يَجُزْ ذلك. وبهذا قال أبو يوسفَ، وأبو ثَوْرٍ. وأجَازَه مالِكٌ، إذا جاءَ بِرَجُلٍ أمِينٍ. ولَنا، أنَّه عامِلٌ في المالِ بِجُزْءٍ من نَمَائِه، فلم يَجُزْ أن يُعَامِلَ غيرَه فيه، كالمُضَارِبِ، ولأنَّه إنَّما أَذِنَ له في العَمَلِ فيه، فلم يَجُزْ أن يَأْذَنَ لغيرِه، كالوَكِيل. فأمَّا إن اسْتَأْجَرَ أرْضًا، فله أن يُزَارِعَ غيرَه فيها؛ لأنَّها صارَتْ مَنَافِعُها مُسْتَحَقَّةً له، فمَلَكَ المُزَارَعةَ فيها، كالمالِكِ، والأُجْرَةُ على المُسْتَأْجِرِ دُونَ المُزَارِعِ، كما ذَكَرْنا في الخَرَاجِ. وكذلك يجوزُ لمن في يَدِه أرْضٌ خَرَاجِيّةٌ أن يُزَارِعَ فيها؛ لأنَّه بمَنْزِلةِ المُسْتَأْجِرِ لها. ولِلْمَوْقُوفِ عليه أن يُزَارِعَ في الوَقْفِ، ويُسَاقِىَ على شَجَرِه؛ لأنَّه إمَّا مالِكٌ لِرَقَبةِ ذلك، أو بمَنْزِلَةِ المالِكِ. ولا نَعْلَمُ في هذا خِلَافًا عندَ مَن أجازَ (٣) المُسَاقاةَ والمُزَارَعةَ. واللهُ أعلمُ.
стр. 3779
فصل: وإذا سَاقاهُ على وَدِيِّ النَّخْلِ (٤)، أو صِغَارِ الشَّجَرِ، إلى مُدَّةٍ يَحْمِلُ فيها غالِبًا، ويكونُ له فيها (٥) جُزْءٌ من الثَّمرَةِ مَعْلُومٌ، صَحَّ؛ لأنَّه ليس فيه أكْثَرُ من أنَّ عَمَلَ العامِلِ يَكْثُرُ، ونَصِيبَه يَقِلُّ، وهذا لا يَمْنَعُ صِحَّتَها، كما لو جَعَلَ له سَهْمًا من أَلْفِ سَهْمٍ. وفيه الأقْسامُ التي ذَكَرْنا (٦) في كِبَارِ النَّخْلِ والشَّجَرِ، وهى أنَّنا إنْ قُلْنا: المُسَاقاةُ عَقْدٌ جائِزٌ. لم نَحْتَجْ إلى ذِكْرِ مُدَّةٍ. وإن قُلْنا: هو لازِمٌ. ففيه ثلاثةُ أَقْسامٍ؛ أحَدُها، أن يَجْعَلَ المُدّةَ زَمَنًا يَحْمِلُ فيه غالِبًا، فيَصِحُّ، فإن حَمَلَ فيها فلَه ما شَرَطَ له، وإن لم يَحْمِلْ فيها فلا شيءَ له. والثانى، أن يَجْعَلَها إلى زَمَنٍ لا يَحْمِلُ فيه غالِبًا، فلا يَصِحُّ، وإن عَمِلَ فيها (٧) فهل يَسْتَحِقُّ الأجْرَ؟ على وَجْهَيْنِ. وإن حَمَلَ في المُدَّةِ، لم يَسْتَحِقَّ ما جَعَلَ له؛ لأنَّ العَقْدَ وَقَعَ فاسِدًا. فلم يَسْتَحِقَّ ما شُرِطَ فيه. والثالث، أن يَجْعَلَ المُدَّةَ زَمَنًا يَحْتَمِلُ أن يَحْمِلَ فيها، ويَحْتَمِلُ أن لا يَحْمِلَ، فهل يَصِحُّ؟ على وَجْهَيْنِ. فإن قُلْنا: لا يَصِحُّ. اسْتَحَقَّ الأَجْرَ. وإن قُلْنا: يَصِحُّ. فحَمَلَ في المُدَّةِ، اسْتَحَقَّ ما شَرَطَ له، وإن لم يَحْمِلْ فيها، لم يَسْتَحِقّ شَيْئًا. وإن شَرَطَ له (٨) نِصْفَ الثّمرَةِ ونِصْفَ الأَصْلِ، لم يَصِحَّ؛ لأنَّ مَوْضُوعَ المُسَاقاةِ أن يَشْتَرِكَا في النَّماءِ والفائِدَةِ، فإذا شَرَطَ اشْتِرَاكَهُما في الأصْلِ، [لم يَجُزْ] (٩)، كما لو شَرَطَ في المُضَارَبةِ اشْتِرَاكَهُما في رَأْسِ المالِ. فعلَى هذا يكونُ له أجْرُ مِثْلِه. وكذلك لو جَعَلَ له جُزْءًا من ثَمَرَتِها، مُدَّةَ بَقَائِها، لم يَجزْ. وإن جَعَلَ له ثَمَرَةَ عامٍ بعدَ مُدَّةِ المُسَاقاةِ، لم يَجُزْ؛ لأنَّه يُخالِفُ مَوْضُوعَ المُسَاقاةِ.
فصل: وإن ساقاهُ على شَجَرٍ يَغْرِسُه، ويَعْمَلُ فيه حتى يَحْمِلَ، ويكونُ له جُزْءٌ من
стр. 3780
الثَّمرَةِ مَعْلُومٌ، صَحَّ أيضًا. والحُكْمُ فيه كما لو ساقاهُ على صِغَارِ الشَّجَرِ، على ما بَيَّناه. وقد قال أحمدُ، في رِوَايةِ المَرُّوذِىِّ، في رَجُلٍ قال لِرَجُلٍ: اغْرِسْ في أَرْضِى هذه شَجْرًا أو نَخْلًا، فما كان من غَلَّةٍ فلَكَ بعَمَلِك (١٠) كذا وكذا سَهْمًا، من كذا وكذا. فأجَازَه، واحْتَجَّ بحَدِيثِ خَيْبَرَ في الزَّرْعِ والنَّخِيلِ (١١)، لكنْ بِشَرْطِ أن يكونَ الغَرْسُ من رَبِّ الأرْضِ، كما يُشْتَرَطُ في المُزَارَعةِ كونُ البَذْرِ من رَبِّ الأرْضِ، فإن كان من العامِلِ، خُرِّجَ على الرِّوَايَتَيْنِ، فيما إذا اشْتَرَطَ البَذْرَ (١٢) قى المُزَارَعهِّ من العامِلِ. وقال القاضي: المُعَامَلةُ باطِلَةٌ، وصاحِبُ الأرْضِ بالخِيَارِ بينَ تَكْلِيفِه قَلْعَها، ويَضْمَنُ له أرْشَ نَقْصِها، وبين إقْرَارِها في أرْضِه، ويَدْفَعُ إليه قِيمَتَها، كالمُشْتَرِى إذا غَرَسَ في الأرْضِ التي اشْتَراها، ثم جاءَ الشَّفِيعُ فأخَذَها. وإن اخْتارَ العامِلُ قَلْعَ شَجَرِه، فله ذلك، سواءٌ بَذَلَ له القِيمَةَ أو لم يَبْذُلْها؛ لأنَّه مِلْكُه، فلم يُمْنَعْ تَحْوِيلَه. وإن اتَّفَقا على إبْقاءِ الغِرَاسِ (١٣)، ودَفْعِ أجْرِ الأرْضِ، جازَ. ولو دَفَعَ أرْضَه إلى رَجُلٍ يَغْرِسُها، على أنَّ الشَّجَرَ بينهما، لم يَجُزْ، على ما سَبَقَ. ويحتَمِلُ الجَوَازُ، بِنَاءً على المُزَارَعةِ، فإنَّ المُزَارِعَ يَبْذرُ في الأرْضِ، فيكونُ الزَّرْعُ بينه وبين صاحِبِ الأرْضِ، وهذا نَظِيرُه. وإن دَفَعَها على أنَّ الأرْضَ والشَّجَرَ بينهما، فالمُعَاملَةُ فاسِدَةٌ، وَجْهًا واحِدًا. وبهذا قال مالِكٌ، والشافِعِىُّ، وأبو يوسفَ، ومحمدٌ. ولا نَعْلَمُ فيه مُخَالِفًا؛ لأنَّه شَرَطَ اشْتِرَاكَهُما في الأصْلِ، ففَسَدَ، كما لو دَفَعَ إليه الشَّجَرَ والنَّخِيلَ ليكونَ الأصْلُ والثَّمرَةُ بينهما، أو شَرَطَ في المُزَارَعةِ كَوْنَ الأرْضِ والزَّرْعِ بينهما.
فصل: وإذا ساقاهُ على شَجَرٍ، فبَانَ مُسْتَحَقًّا بعدَ العَمَلِ، أخَذَهُ رَبُّه وَثَمَرَتَهُ؛ لأنَّه عَيْنٌ مالِه، ولا حَقَّ للعامِلِ في ثَمَرَتِه؛ لأنَّه عَمِلَ فيها بغيرِ إذْنِ مالِكِها، ولا أجْرَ له عليه؛
стр. 3781
لذلك، وله أجْرُ مِثْلِه على الغاصِبِ؛ لأنَّه غَرَّه واسْتَعْمَلَه، فلَزِمَهُ الأجْرُ، كما لو غَصَبَ نُقْرَةً فاسْتَأْجَرَ مَن ضَرَبَها دَرَاهِمَ. وإن شَمَّسَ الثَّمرةَ فلم تَنْقُصْ، أخَذهَا رَبُّها، وإن نَقَصَتْ، فلِرَبِّها أرْشُ نَقْصِها، ويَرْجِعُ به على من شاءَ منهما، ويَسْتَقِرُّ ذلك على الغاصِبِ. وإن اسْتُحِقَّتْ بعدَ أن اقْتَسَماها، وأكَلَاها، فلِرَبِّها تَضْمِينُ مَن شاءَ منهما، فإن ضَمَّنَ الغاصِبَ، فله (١٤) تَضْمِينُه الكلَّ، وله تَضْمِينُه قَدْرَ نَصِيبِه، ويُضَمِّنُ (١٥) العامِلَ قَدْرَ نَصِيبِه؛ لأنَّ الغاصِبَ سَبَبُ يَدِ العامِلِ، فلَزِمَه ضَمَانُ الجَمِيعِ. فإن ضَمَّنَهُ الكلَّ، رَجَعَ على العامِلِ بِقَدْرِ نَصِيبِه؛ لأنَّ التَّلَفَ وُجِدَ في يَدِه، فاسْتَقَرَّ الضَّمانُ عليه، ويَرْجِعُ العامِلُ على الغاصِبِ بأجْرِ مِثْلِه. ويَحْتَمِلُ أن لا يَرْجِعَ الغاصِب على العامِلِ بشيءٍ؛ لأنَّه غَرَّه، فلم يَرْجِعْ عليه، كما لو أطْعَمَ إنْسانًا شَيئا، وقال له (١٦): كُلْهُ، فإنَّه طَعَامِى. ثم تَبَيَّنَ أنَّه مَغْصُوبٌ. وإن ضَمَّنَ العامِلَ، احْتَمَلَ أنَّه (١٧) لا يُضَمِّنُه إلَّا نَصِيبَه خاصّةً؛ لأنَّه ما قَبَضَ الثّمرَةَ كلَّها، وإنَّما كان مُرَاعِيًا لها وحافِظًا، فلا يَلْزَمُه ضَمَانُها ما لم يَقْبِضْها. ويَحْتَمِلُ أن يُضَمِّنَه الكلَّ؛ لأنَّ يَدهُ ثَبَتَتْ على الكلِّ مُشَاهدَةً بغيرِ حَقٍّ. فإن ضَمَّنَهُ الكُلَّ، رَجَعَ العامِلُ (١٨) على الغاصِبِ بِبَدَلِ نَصِيبِه (١٩) منها، وأجْرِ مِثْلِه. وإن ضَمَّنَ كلَّ واحدٍ منهما ما صارَ إليه، رَجَعَ العامِلُ على الغاصِبِ بأجْرِ مِثْلِه لا غيرُ. وإن تَلِفَتِ الثّمرَةُ في شَجَرِها، أو بعدَ الجِذَاذِ قبلَ القِسْمَةِ، فمن جَعَلَ العامِلَ قابِضًا لها بِثُبُوتِ يَدِه على حائِطِها، قال: يَلْزَمُه ضَمَانُها. ومن قال (٢٠): لا يكونُ قابِضًا إلَّا بأَخْذِ نَصِيبِه منها. قال: لا يَلْزَمُه الضَّمانُ، ويكونُ على الغاصِبِ.
стр. 3782
بابُ المُزَارَعةِ *
٨٨٨ - مسألة؛ قال: (وتَجُوزُ الْمُزَارَعةُ بِبَعْضِ مَا يَخْرُجُ مِنَ (١) الْأَرْضِ)
مَعْنَى المُزَارَعةِ: دَفْعُ الأرْضِ إلى مَن يَزْرَعُها ويَعْمَلُ عليها، والزَّرْعُ بينهما. وهى جائِزَةٌ في قولِ كَثِيرٍ من أهْلِ العِلْمِ، قال البُخَارِىُّ (٢): قال أبو جعفرٍ: ما بالمَدِينَةِ أهْلُ بَيْتٍ إلَّا ويَزْرَعُونَ على الثُّلُثِ والرُّبْعِ، وزَارَعَ علِىٌّ وسَعْدٌ، وابنُ مسعودٍ، وعمرُ بن عبد العَزِيزِ، والقاسِمُ، وعُرْوَةُ، وآلُ أبى بَكْرٍ، وآلُ عَلِىٍّ، وابنُ سِيرِينَ. وممَّن رَأَى ذلك سَعِيدُ بن المُسَيَّبِ، وطَاوُسٌ، وعبدُ الرحمنِ بن الأسْوَدِ، وموسى بن طَلْحَةَ (٣)، والزُّهْرِيُّ، وعبدُ الرَّحْمَنِ بن أبي لَيْلَى، وابْنُه، وأبو يوسفَ، ومحمدٌ. ورُوِىَ ذلك عن مُعَاذٍ، والحَسَنِ، وعبدِ الرَّحْمنِ بن يَزِيدَ. قال البُخَارِيُّ (٢): وعامَلَ عمرُ الناسَ على أنَّه إن جاءَ عُمَرُ بالبَذْرِ من عندِه، فلَه الشَّطْرُ، وإن جاءُوا بالبَذْرِ، فلهم كذا. وكَرِهَها عِكْرِمَةُ، ومجاهِدٌ، والنَّخَعِىُّ، وأبو حنيفةَ. ورُوِى عن ابنِ عَبَّاسٍ الأمْرانِ جَمِيعًا. وأجَازَها الشافِعِىُّ في الأرْضِ بين النَّخِيلِ، إذا كان بَيَاضُ الأرْضِ أقَلَّ، فإن كان أكْثَرَ فعلى وَجْهَيْنِ. ومَنَعَها في الأرْضِ البَيْضَاءِ؛ لما رَوَى رافِعُ بن خَدِيجٍ قال: كُنَّا نُخَابِرُ على عَهْدِ رسولِ اللَّه ﷺ . [فذَكَرَ أنَّ بعضَ عُمُومَتِه أتاه، فقال: نَهَى رسولُ اللَّه ﷺ ] (٤) عن أمْرٍ كان لنا نافِعًا، وطَوَاعِيةُ رَسُولِ اللَّه ﷺ أنْفَعُ. قال، قُلْنا: ما ذاك؟ قال: قال
стр. 3783
رسولُ اللَّه ﷺ : "مَنْ كَانَتْ لَهُ أرْضٌ فَلْيَزْرَعْهَا، ولا يُكْرِيها بثُلُثٍ ولا بِرُبْعٍ، ولا بِطَعَامٍ مُسَمًّى" (٥). وعن ابن عمرَ، قال: ما كُنّا نَرَى بالمُزَارَعةِ بَأْسًا حتى سمعتُ (٦) رافِعَ بن خَدِيجٍ يقولُ: نَهَى رسولُ اللَّه ﷺ عنها (٧). وقال جابِرٌ: نَهَى رسولُ اللَّه ﷺ عن المُخَابَرةِ (٨). وهذه كلها أحَادِيثُ صِحَاحٌ، مُتَّفَقٌ عليها. والمُخَابَرةُ: المُزَارَعةُ. واشْتِقَاقُها من الخَبَارِ، وهى الأرْضُ اللَّيِّنَةُ، والخَبِيرُ: الأَكَّارُ. وقيل: المُخَابَرَةُ مُعَامَلَةُ أهْلِ خَيْبَرَ. وقد جاء حَدِيثُ جابرٍ مُفَسِّرًا، فرَوَى البُخَارِيُّ (٩)، بإسْنادِه (١٠) عن
стр. 3784
جابِرٍ، قال: كانوا يَزْرَعُونَها بالثُّلُثِ والرُّبْعِ والنِّصْفِ، فقال النبيُّ ﷺ : "مَنْ كانَتْ لَهُ أرْضٌ فَلْيَزْرَعْهَا، أوْ لِيَمْنَحْهَا، فإنْ لَمْ يَفْعَلْ، فَلْيُمْسِكْ أرْضَهُ". ورُوِى تَفْسِيرُها عن زَيْدِ بن ثابتٍ، فرَوَى أبو دَاوُدَ (١١)، بإسْنادِه عن زَيْدٍ قال: نَهَى رسولُ اللَّه ﷺ عن المُخَابَرَةِ. قلتُ: وما المُخَابَرةُ؟ قال: أن يَأْخُذَ (١٢) الأرْضَ بِنِصْفٍ أو ثُلُثٍ أو رُبْعٍ. ولَنا، ما رَوَى ابنُ عمرَ، قال: إنَّ رسولَ اللهِ ﷺ عامَلَ أهْلَ خَيْبَرَ بِشَطْرِ ما يَخْرُجُ مِنْها، مِنْ زَرْعٍ أو ثَمَرٍ. مُتَّفَقٌ عليه (١٣). وقد رُوِىَ ذلك عن (١٤) ابنِ عَبّاسٍ وجابِرِ بن عبدِ اللَّه. وقال أبو جعفرٍ: عامَلَ رسولُ اللَّه ﷺ أهْلَ خَيْبَرَ بالشَّطْرِ، ثم أبو بكرٍ، ثم عمرُ، وعثمانُ، وعلىٌّ، ثم أهْلُوهُم إلى اليومِ يُعْطُون الثُّلُثَ والرُّبْعَ (١٥). وهذا أمْرٌ صَحِيحٌ مَشْهوُرٌ عَمِلَ به رسولُ اللَّه ﷺ حتى ماتَ، ثم خُلَفاؤُه الرَّاشِدُون حتى ماتُوا، ثم أهْلُوهُم من بَعْدِهم، ولم يَبْقَ بالمَدِينةِ أهْلُ بَيْتٍ إلَّا عَمِلَ به، وعَمِلَ به أزْوَاجُ رسولِ اللَّه ﷺ من بعدِه، فرَوَى البُخَارِىُّ (١٦)، عن ابنِ عمرَ، أنَّ النبيَّ ﷺ عامَلَ أهْلَ خَيْبَرَ بِشَطْرِ ما يَخْرُجُ منها، من زَرْعٍ أو ثَمَرٍ، فكان يُعْطِى أزْوَاجَه مائةَ وَسْقٍ، ثَمانُون وَسْقًا تَمْرًا، وعِشْرُونَ وَسقًا شَعِيرًا، فَقَسَّمَ عمرُ خَيْبَرَ، فخَيَّرَ أزْوَاجَ النبيِّ ﷺ أن يَقْطَعَ لَهُنَّ من الأرْضِ والماءِ، أو يُمْضِىَ لهنَّ الأَوْسُقَ، فمِنْهُنَّ مَن اخْتَارَ الأرْضَ، ومِنْهُنَّ من اخْتارَ الأَوْسُقَ، فكانت عائِشَةُ اخْتارَتِ الأرْضَ. ومثلُ هذا لا يجوزُ أن يُنْسَخَ؛ لأنَّ النَّسْخَ إنَّما يكونُ في حياةِ رسولِ اللَّه ﷺ ، فأمَّا شيءٌ عَمِلَ به إلى أن ماتَ، ثم عَمِلَ به خُلَفاؤُه بعدَه، وأجْمَعَتِ الصَّحابةُ رِضْوانُ اللَّه عليهم عليه، وعَمِلُوا
стр. 3785
به، ولم يُخَالِفْ فيه منهم أحدٌ، فكيف يجوزُ نَسْخُهُ، [ومتى كان نَسْخُه] (١٧)؟ فإن كان نُسِخَ في حياةِ رسولِ اللَّه ﷺ ، فكيف عُمِلَ به بعدَ نَسْخِه، وكيف خَفِى نَسْخُه، فلم يَبْلُغْ خُلَفَاءَه، مع اشْتِهارِ قِصَّةِ خَيْبَرَ، وعَمَلِهِم فيها؟ فأين كان راوِى النَّسْخِ، حتى لم يَذْكُرْه، ولم يُخْبِرْهُم به؟ فأمَّا ما احْتَجُّوا به، فالجوابُ عن حَدِيثِ رافِعٍ، من أرْبَعةِ أوْجُهٍ؛ أحدُها، أنَّه قد فَسَّرَ المَنْهِىَّ عنه في حَدِيثِه بما لا يُخْتَلَفُ في فَسَادِه، فإنَّه قال: كُنَّا من أكْثَرِ الأنْصارِ حَقْلًا، فكُنَّا نُكْرِى الأرْضَ على أنَّ لنا هذه، ولهم هذه، فربَّما أَخْرَجَتْ هذه ولم تُخْرِجْ هذه، فنَهانَا عن ذلك، فأمَّا بالذَّهَبِ والوَرِقِ، فلم يَنْهَنَا، مُتَّفَقٌ عليه (١٨). وفى لَفْظٍ: فأمَّا بشَىْءٍ (١٩) مَعْلُومٍ مَضْمُونٍ، فلا بَأْسَ. وهذا خارِجٌ عن مَحلِّ الخِلَافِ، فلا دَلِيلَ فيه عليه، ولا تَعَارُضَ بين الحَدِيثَيْنِ. الثاني، أنَّ خَبَرَه وَرَدَ في الكِرَاءِ بِثُلُثٍ أو رُبْعٍ، والنِّزَاعُ في المُزَارَعةِ، ولم يَدُلَّ حَدِيثُه عليها أصْلًا، وحَدِيثُه الذي فيه المُزَارَعةُ يُحْمَلُ على الكِرَاءِ أيضًا؛ لأنَّ القِصَّةَ واحِدَةٌ، رُوِيَتْ بألْفَاظٍ مُخْتَلِفَة، فيَجِبُ تَفْسِيرُ أحدِ اللَّفْظَيْنِ بما يُوافِقُ الآخَرَ. الثالث، أنَّ أحَادِيثَ رافِعٍ مُضْطَرِبَةٌ جِدًّا، مُخْتَلِفَةٌ اخْتِلَافًا كَثِيرًا. يُوجِبُ تَرْكَ العَمَلِ بها لو انْفَرَدَتْ، فكيفَ يُقَدَّمُ على مثلِ حَدِيثِنا؟ قال الإِمامُ أحمدُ: حَدِيثُ رافِعٍ أَلْوانٌ. وقال أيضًا: حَدِيثُ رافِعٍ ضُرُوبٌ. وقال ابنُ المُنْذِرِ: قد جاءتِ الأخْبارُ عن رافِعٍ بِعِلَلٍ تَدُلُّ على أنَّ النَّهْىَ كان لذلك، منها، الذي ذَكَرْناه، ومنها خَمْسٌ أُخْرَى. وقد أنْكَرَه فَقِيهانِ من فُقَهاءِ الصَّحابةِ؛ زَيْدُ بن ثابِتٍ، وابنُ عَبّاسٍ. قال زَيْدُ بن ثابتٍ: أنا أعْلَمُ بذلك منه، وإنَّما سَمِعَ النبيُّ ﷺ رَجُلَيْنِ قد اقْتَتَلا، فقال: "إنْ كَانَ هذَا شَأْنَكُمْ، فَلَا تُكْرُوا الْمَزَارِعَ". رَوَاه أبو دَاوُدَ والأثْرَمُ (٢٠). ورَوَى البُخَارِىُّ (٢٠)، عن عَمْرِو بن دِينارٍ،