لذلك، وله أجْرُ مِثْلِه على الغاصِبِ؛ لأنَّه غَرَّه واسْتَعْمَلَه، فلَزِمَهُ الأجْرُ، كما لو غَصَبَ نُقْرَةً فاسْتَأْجَرَ مَن ضَرَبَها دَرَاهِمَ. وإن شَمَّسَ الثَّمرةَ فلم تَنْقُصْ، أخَذهَا رَبُّها، وإن نَقَصَتْ، فلِرَبِّها أرْشُ نَقْصِها، ويَرْجِعُ به على من شاءَ منهما، ويَسْتَقِرُّ ذلك على الغاصِبِ. وإن اسْتُحِقَّتْ بعدَ أن اقْتَسَماها، وأكَلَاها، فلِرَبِّها تَضْمِينُ مَن شاءَ منهما، فإن ضَمَّنَ الغاصِبَ، فله (١٤) تَضْمِينُه الكلَّ، وله تَضْمِينُه قَدْرَ نَصِيبِه، ويُضَمِّنُ (١٥) العامِلَ قَدْرَ نَصِيبِه؛ لأنَّ الغاصِبَ سَبَبُ يَدِ العامِلِ، فلَزِمَه ضَمَانُ الجَمِيعِ. فإن ضَمَّنَهُ الكلَّ، رَجَعَ على العامِلِ بِقَدْرِ نَصِيبِه؛ لأنَّ التَّلَفَ وُجِدَ في يَدِه، فاسْتَقَرَّ الضَّمانُ عليه، ويَرْجِعُ العامِلُ على الغاصِبِ بأجْرِ مِثْلِه. ويَحْتَمِلُ أن لا يَرْجِعَ الغاصِب على العامِلِ بشيءٍ؛ لأنَّه غَرَّه، فلم يَرْجِعْ عليه، كما لو أطْعَمَ إنْسانًا شَيئا، وقال له (١٦): كُلْهُ، فإنَّه طَعَامِى. ثم تَبَيَّنَ أنَّه مَغْصُوبٌ. وإن ضَمَّنَ العامِلَ، احْتَمَلَ أنَّه (١٧) لا يُضَمِّنُه إلَّا نَصِيبَه خاصّةً؛ لأنَّه ما قَبَضَ الثّمرَةَ كلَّها، وإنَّما كان مُرَاعِيًا لها وحافِظًا، فلا يَلْزَمُه ضَمَانُها ما لم يَقْبِضْها. ويَحْتَمِلُ أن يُضَمِّنَه الكلَّ؛ لأنَّ يَدهُ ثَبَتَتْ على الكلِّ مُشَاهدَةً بغيرِ حَقٍّ. فإن ضَمَّنَهُ الكُلَّ، رَجَعَ العامِلُ (١٨) على الغاصِبِ بِبَدَلِ نَصِيبِه (١٩) منها، وأجْرِ مِثْلِه. وإن ضَمَّنَ كلَّ واحدٍ منهما ما صارَ إليه، رَجَعَ العامِلُ على الغاصِبِ بأجْرِ مِثْلِه لا غيرُ. وإن تَلِفَتِ الثّمرَةُ في شَجَرِها، أو بعدَ الجِذَاذِ قبلَ القِسْمَةِ، فمن جَعَلَ العامِلَ قابِضًا لها بِثُبُوتِ يَدِه على حائِطِها، قال: يَلْزَمُه ضَمَانُها. ومن قال (٢٠): لا يكونُ قابِضًا إلَّا بأَخْذِ نَصِيبِه منها. قال: لا يَلْزَمُه الضَّمانُ، ويكونُ على الغاصِبِ.
стр. 3782
بابُ المُزَارَعةِ *
٨٨٨ - مسألة؛ قال: (وتَجُوزُ الْمُزَارَعةُ بِبَعْضِ مَا يَخْرُجُ مِنَ (١) الْأَرْضِ)
مَعْنَى المُزَارَعةِ: دَفْعُ الأرْضِ إلى مَن يَزْرَعُها ويَعْمَلُ عليها، والزَّرْعُ بينهما. وهى جائِزَةٌ في قولِ كَثِيرٍ من أهْلِ العِلْمِ، قال البُخَارِىُّ (٢): قال أبو جعفرٍ: ما بالمَدِينَةِ أهْلُ بَيْتٍ إلَّا ويَزْرَعُونَ على الثُّلُثِ والرُّبْعِ، وزَارَعَ علِىٌّ وسَعْدٌ، وابنُ مسعودٍ، وعمرُ بن عبد العَزِيزِ، والقاسِمُ، وعُرْوَةُ، وآلُ أبى بَكْرٍ، وآلُ عَلِىٍّ، وابنُ سِيرِينَ. وممَّن رَأَى ذلك سَعِيدُ بن المُسَيَّبِ، وطَاوُسٌ، وعبدُ الرحمنِ بن الأسْوَدِ، وموسى بن طَلْحَةَ (٣)، والزُّهْرِيُّ، وعبدُ الرَّحْمَنِ بن أبي لَيْلَى، وابْنُه، وأبو يوسفَ، ومحمدٌ. ورُوِىَ ذلك عن مُعَاذٍ، والحَسَنِ، وعبدِ الرَّحْمنِ بن يَزِيدَ. قال البُخَارِيُّ (٢): وعامَلَ عمرُ الناسَ على أنَّه إن جاءَ عُمَرُ بالبَذْرِ من عندِه، فلَه الشَّطْرُ، وإن جاءُوا بالبَذْرِ، فلهم كذا. وكَرِهَها عِكْرِمَةُ، ومجاهِدٌ، والنَّخَعِىُّ، وأبو حنيفةَ. ورُوِى عن ابنِ عَبَّاسٍ الأمْرانِ جَمِيعًا. وأجَازَها الشافِعِىُّ في الأرْضِ بين النَّخِيلِ، إذا كان بَيَاضُ الأرْضِ أقَلَّ، فإن كان أكْثَرَ فعلى وَجْهَيْنِ. ومَنَعَها في الأرْضِ البَيْضَاءِ؛ لما رَوَى رافِعُ بن خَدِيجٍ قال: كُنَّا نُخَابِرُ على عَهْدِ رسولِ اللَّه ﷺ . [فذَكَرَ أنَّ بعضَ عُمُومَتِه أتاه، فقال: نَهَى رسولُ اللَّه ﷺ ] (٤) عن أمْرٍ كان لنا نافِعًا، وطَوَاعِيةُ رَسُولِ اللَّه ﷺ أنْفَعُ. قال، قُلْنا: ما ذاك؟ قال: قال
стр. 3783
رسولُ اللَّه ﷺ : "مَنْ كَانَتْ لَهُ أرْضٌ فَلْيَزْرَعْهَا، ولا يُكْرِيها بثُلُثٍ ولا بِرُبْعٍ، ولا بِطَعَامٍ مُسَمًّى" (٥). وعن ابن عمرَ، قال: ما كُنّا نَرَى بالمُزَارَعةِ بَأْسًا حتى سمعتُ (٦) رافِعَ بن خَدِيجٍ يقولُ: نَهَى رسولُ اللَّه ﷺ عنها (٧). وقال جابِرٌ: نَهَى رسولُ اللَّه ﷺ عن المُخَابَرةِ (٨). وهذه كلها أحَادِيثُ صِحَاحٌ، مُتَّفَقٌ عليها. والمُخَابَرةُ: المُزَارَعةُ. واشْتِقَاقُها من الخَبَارِ، وهى الأرْضُ اللَّيِّنَةُ، والخَبِيرُ: الأَكَّارُ. وقيل: المُخَابَرَةُ مُعَامَلَةُ أهْلِ خَيْبَرَ. وقد جاء حَدِيثُ جابرٍ مُفَسِّرًا، فرَوَى البُخَارِيُّ (٩)، بإسْنادِه (١٠) عن
стр. 3784
جابِرٍ، قال: كانوا يَزْرَعُونَها بالثُّلُثِ والرُّبْعِ والنِّصْفِ، فقال النبيُّ ﷺ : "مَنْ كانَتْ لَهُ أرْضٌ فَلْيَزْرَعْهَا، أوْ لِيَمْنَحْهَا، فإنْ لَمْ يَفْعَلْ، فَلْيُمْسِكْ أرْضَهُ". ورُوِى تَفْسِيرُها عن زَيْدِ بن ثابتٍ، فرَوَى أبو دَاوُدَ (١١)، بإسْنادِه عن زَيْدٍ قال: نَهَى رسولُ اللَّه ﷺ عن المُخَابَرَةِ. قلتُ: وما المُخَابَرةُ؟ قال: أن يَأْخُذَ (١٢) الأرْضَ بِنِصْفٍ أو ثُلُثٍ أو رُبْعٍ. ولَنا، ما رَوَى ابنُ عمرَ، قال: إنَّ رسولَ اللهِ ﷺ عامَلَ أهْلَ خَيْبَرَ بِشَطْرِ ما يَخْرُجُ مِنْها، مِنْ زَرْعٍ أو ثَمَرٍ. مُتَّفَقٌ عليه (١٣). وقد رُوِىَ ذلك عن (١٤) ابنِ عَبّاسٍ وجابِرِ بن عبدِ اللَّه. وقال أبو جعفرٍ: عامَلَ رسولُ اللَّه ﷺ أهْلَ خَيْبَرَ بالشَّطْرِ، ثم أبو بكرٍ، ثم عمرُ، وعثمانُ، وعلىٌّ، ثم أهْلُوهُم إلى اليومِ يُعْطُون الثُّلُثَ والرُّبْعَ (١٥). وهذا أمْرٌ صَحِيحٌ مَشْهوُرٌ عَمِلَ به رسولُ اللَّه ﷺ حتى ماتَ، ثم خُلَفاؤُه الرَّاشِدُون حتى ماتُوا، ثم أهْلُوهُم من بَعْدِهم، ولم يَبْقَ بالمَدِينةِ أهْلُ بَيْتٍ إلَّا عَمِلَ به، وعَمِلَ به أزْوَاجُ رسولِ اللَّه ﷺ من بعدِه، فرَوَى البُخَارِىُّ (١٦)، عن ابنِ عمرَ، أنَّ النبيَّ ﷺ عامَلَ أهْلَ خَيْبَرَ بِشَطْرِ ما يَخْرُجُ منها، من زَرْعٍ أو ثَمَرٍ، فكان يُعْطِى أزْوَاجَه مائةَ وَسْقٍ، ثَمانُون وَسْقًا تَمْرًا، وعِشْرُونَ وَسقًا شَعِيرًا، فَقَسَّمَ عمرُ خَيْبَرَ، فخَيَّرَ أزْوَاجَ النبيِّ ﷺ أن يَقْطَعَ لَهُنَّ من الأرْضِ والماءِ، أو يُمْضِىَ لهنَّ الأَوْسُقَ، فمِنْهُنَّ مَن اخْتَارَ الأرْضَ، ومِنْهُنَّ من اخْتارَ الأَوْسُقَ، فكانت عائِشَةُ اخْتارَتِ الأرْضَ. ومثلُ هذا لا يجوزُ أن يُنْسَخَ؛ لأنَّ النَّسْخَ إنَّما يكونُ في حياةِ رسولِ اللَّه ﷺ ، فأمَّا شيءٌ عَمِلَ به إلى أن ماتَ، ثم عَمِلَ به خُلَفاؤُه بعدَه، وأجْمَعَتِ الصَّحابةُ رِضْوانُ اللَّه عليهم عليه، وعَمِلُوا
стр. 3785
به، ولم يُخَالِفْ فيه منهم أحدٌ، فكيف يجوزُ نَسْخُهُ، [ومتى كان نَسْخُه] (١٧)؟ فإن كان نُسِخَ في حياةِ رسولِ اللَّه ﷺ ، فكيف عُمِلَ به بعدَ نَسْخِه، وكيف خَفِى نَسْخُه، فلم يَبْلُغْ خُلَفَاءَه، مع اشْتِهارِ قِصَّةِ خَيْبَرَ، وعَمَلِهِم فيها؟ فأين كان راوِى النَّسْخِ، حتى لم يَذْكُرْه، ولم يُخْبِرْهُم به؟ فأمَّا ما احْتَجُّوا به، فالجوابُ عن حَدِيثِ رافِعٍ، من أرْبَعةِ أوْجُهٍ؛ أحدُها، أنَّه قد فَسَّرَ المَنْهِىَّ عنه في حَدِيثِه بما لا يُخْتَلَفُ في فَسَادِه، فإنَّه قال: كُنَّا من أكْثَرِ الأنْصارِ حَقْلًا، فكُنَّا نُكْرِى الأرْضَ على أنَّ لنا هذه، ولهم هذه، فربَّما أَخْرَجَتْ هذه ولم تُخْرِجْ هذه، فنَهانَا عن ذلك، فأمَّا بالذَّهَبِ والوَرِقِ، فلم يَنْهَنَا، مُتَّفَقٌ عليه (١٨). وفى لَفْظٍ: فأمَّا بشَىْءٍ (١٩) مَعْلُومٍ مَضْمُونٍ، فلا بَأْسَ. وهذا خارِجٌ عن مَحلِّ الخِلَافِ، فلا دَلِيلَ فيه عليه، ولا تَعَارُضَ بين الحَدِيثَيْنِ. الثاني، أنَّ خَبَرَه وَرَدَ في الكِرَاءِ بِثُلُثٍ أو رُبْعٍ، والنِّزَاعُ في المُزَارَعةِ، ولم يَدُلَّ حَدِيثُه عليها أصْلًا، وحَدِيثُه الذي فيه المُزَارَعةُ يُحْمَلُ على الكِرَاءِ أيضًا؛ لأنَّ القِصَّةَ واحِدَةٌ، رُوِيَتْ بألْفَاظٍ مُخْتَلِفَة، فيَجِبُ تَفْسِيرُ أحدِ اللَّفْظَيْنِ بما يُوافِقُ الآخَرَ. الثالث، أنَّ أحَادِيثَ رافِعٍ مُضْطَرِبَةٌ جِدًّا، مُخْتَلِفَةٌ اخْتِلَافًا كَثِيرًا. يُوجِبُ تَرْكَ العَمَلِ بها لو انْفَرَدَتْ، فكيفَ يُقَدَّمُ على مثلِ حَدِيثِنا؟ قال الإِمامُ أحمدُ: حَدِيثُ رافِعٍ أَلْوانٌ. وقال أيضًا: حَدِيثُ رافِعٍ ضُرُوبٌ. وقال ابنُ المُنْذِرِ: قد جاءتِ الأخْبارُ عن رافِعٍ بِعِلَلٍ تَدُلُّ على أنَّ النَّهْىَ كان لذلك، منها، الذي ذَكَرْناه، ومنها خَمْسٌ أُخْرَى. وقد أنْكَرَه فَقِيهانِ من فُقَهاءِ الصَّحابةِ؛ زَيْدُ بن ثابِتٍ، وابنُ عَبّاسٍ. قال زَيْدُ بن ثابتٍ: أنا أعْلَمُ بذلك منه، وإنَّما سَمِعَ النبيُّ ﷺ رَجُلَيْنِ قد اقْتَتَلا، فقال: "إنْ كَانَ هذَا شَأْنَكُمْ، فَلَا تُكْرُوا الْمَزَارِعَ". رَوَاه أبو دَاوُدَ والأثْرَمُ (٢٠). ورَوَى البُخَارِىُّ (٢٠)، عن عَمْرِو بن دِينارٍ،
стр. 3786
قال: قلتُ لِطَاوُسٍ: لو تَرَكْتَ المُخَابَرةَ، فإنَّهمِ يَزْعُمُونَ أنَّ النبيَّ ﷺ نَهَى عنها. قال: إنَّ أعْلَمَهُم - يَعْنِى ابن عَبّاسٍ - أخْبَرَنِى أنَّ النبيَّ ﷺ لم يَنْهَ عنها، ولكنْ قال: "أنْ يَمْنَحَ أحَدُكُمْ أخَاهُ، خَيْرٌ لَهُ مِنْ أنْ يَأْخُذَ عَلَيْهَا خَرَاجًا مَعْلُومًا". ثم إنَّ أحَادِيثَ رافِعٍ منها ما يُخَالِفُ الإِجْماعَ، وهو النَّهْىُ عن كِرَاءِ المَزَارِعِ على الإِطْلَاقِ، ومنها ما لا يُخْتَلَفُ في فَسَادِه، كما قد بَيَّنَّا، وتارَةً يُحَدِّثُ عن بعض عُمُومَتِه، وتارَةً عن سَمَاعِه، وتارةً عن ظَهِيرِ بن رافعٍ، وإذا كانت أخْبارُ رافِعٍ هكذا، وَجَبَ اطِّراحُها (٢١) واسْتِعْمالُ الأخْبَارِ الوارِدَةِ في شَأْنِ خَيْبَرَ، الجارِيَةِ مَجْرَى التَّوَاتُرِ، التي لا اخْتِلَافَ فيها، وبها عَمِلَ الخُلَفاءُ الرَّاشِدُون وغيرُهم، فلا مَعْنَى لِتَرْكِها بمثلِ هذه الأحَادِيثِ الواهِيَةِ. الجواب الرابع، أنَّه لو قُدِّرَ صِحَّةُ خَبَرِ رافِعٍ، وامْتَنَعَ تَأْوِيلُه، وتَعَذَّرَ الجَمْعُ، لوَجَبَ حَمْلُه على أنَّه مَنْسُوخٌ؛ لأنَّه لا بُدَّ من نَسْخِ أحَدِ الخَبَرَيْنِ، ويَسْتَحِيلُ القولُ بِنَسْخِ حَدِيثِ خَيْبَرَ؛ لِكَوْنِه مَعْمُولًا به من جِهَةِ النبيِّ ﷺ إلى حينِ مَوْتِه، ثم (٢٢) مِن بعدِه إلى عَصْرِ التَّابِعِينَ، فمتى كان نَسْخُه؟ وأمَّا حَدِيثُ جابرٍ في النَّهْىِ عن المُخَابَرةِ، فيَجِبُ حَمْلُه على أحدِ الوُجُوهِ التي حُمِلَ عليها خَبَرُ رافِعٍ؛ فإنَّه قد رَوَى حَدِيثَ خَيْبَرَ أيضًا، فيَجِبُ الجَمْعُ بين حَدِيثَيْه، مهما أمْكَنَ، ثم لو حُمِلَ على المُزَارَعةِ، لكان مَنْسُوخًا بقِصَّةِ خَيْبَرَ؛ لِاسْتِحالَةِ نَسْخِها كما ذَكَرْنا، وكذلك القولُ في حَديِثِ زَيْدِ بن ثابتٍ. فإن قال أصْحابُ الشّافِعِىِّ: تُحْمَلُ أحادِيثُكُم على الأرْضِ التي بين النَّخِيلِ، وأحادِيثُ النَّهْىِ عن الأرْضِ البَيْضَاء جَمْعًا بينهما. قُلْنا: هذا بَعِيدٌ لِوُجُوهٍ خَمْسَةٍ؛ أحَدُها، أنَّه يَبْعُدُ أن تكونَ بَلْدَةٌ كَبِيرَةٌ يأتى منها أَرْبَعُونَ أَلْفَ وَسْقٍ، ليس فيها أرْضٌ بَيْضَاء, ويَبْعُدُ أن يكونَ قد (٢٣) عامَلَهُم على بعضِ الأرْضِ دُونَ بعضٍ، فيَنْقُلُ الرُّواةُ كلُّهم القِصَّةَ على العُمُومِ من غيرِ تَفْصِيلٍ، مع الحاجَةِ إليه. الثاني، أنَّ ما يَذْكُرُونَه من التَّأْوِيلِ لا دَلِيلَ
стр. 3787
عليه، وما ذَكَرْناهُ دَلَّتْ (٢٤) عليه بعضُ الرِّواياتِ، وفَسَّرَهُ الرّاوِى له بما ذَكَرْناه، وليس مَعَهُم سِوَى الجَمْع بين الأحَادِيثِ، والجَمْعُ بينهما بِحَمْلِ بعضِها (٢٥) على ما فَسَّرَهُ راويه به، أَوْلَى من التَّحَكُّمِ بما لا دَلِيلَ عليه. الثالث، أنَّ قولَهم يُفْضِى إلى تَقْيِيدِ كلِّ واحدٍ من الحَدِيثَيْنِ، وما ذَكَرْناه حَمْلٌ لأحَدِهِما وَحْدَه الرَّابع، أنَّ فيما ذَكَرْناه مُوَافَقَةَ عَمَلِ الخُلَفاءِ الرَّاشِدِينَ، وأَهْلِيهِم، وفُقَهاءِ الصَّحَابةِ، وهم أعْلَمُ بحَدِيثِ رسولِ اللَّه ﷺ وسُنَّتِه ومَعَانِيها، وهو أَوْلَى من قولِ من خَالَفَهُم. الخامس، أنَّ ما ذَهَبْنا إليه مُجْمَعٌ عليه، فإنَّ أبا جعفرٍ رَوَى ذلك (٢٦) عن كلِّ أهْلِ بَيْتٍ بالمَدِينةِ، وعن الخُلَفاءِ الأَربَعَةِ وأهْلِيهِم، وفُقَهَاءِ الصَّحَابةِ واسْتِمْرَار ذلك (٢٧)، وهذا ممَّا لا يجوزُ خَفَاؤُه، ولم ينكِرْه من الصَّحَابةِ مُنْكِرٌ، فكان إجْماعًا. وما رُوِىَ في مُخَالَفَتِه، فقد بَيَّنَّا فَسَادَه، فيكون هذا إجْماعًا من (٢٨) الصَّحابةِ رَضِىَ اللهُ عنهم، لا يَسُوغُ لأحدٍ خِلَافُه. والقِيَاسُ يَقْتَضِيه، فإن الأرْضَ عَيْنٌ تُنَمَّى بالعَمَلِ فيها، فجازَتِ المُعَامَلَةُ عليها ببعضِ نَمَائِها، كالأثْمانِ في المُضَارَبةِ، والنَّخْلِ في المُسَاقاةِ، أو نقولُ: أرْض، فجازَتِ المُزَارَعةُ عليها، كالأرْضِ بين النَّخِيلِ. ولأنَّ الحاجَةَ داعِيَةٌ إلى المُزَارَعةِ؛ لأنَّ أصْحابَ الأرْضِ قد لا يَقْدِرُونَ على زَرْعِها، والعَمَلِ عليها، والأَكَرَةُ يَحْتَاجُونَ إلى الزَّرْعِ. ولا أرْضَ لهم، فاقتَضَتْ حِكْمةُ الشَّرْعِ جَوَازَ المُزَارَعةِ، كما قُلْنا في المُضَارَبةِ والمُسَاقَاةِ، بل الحاجَةُ ههُنا آكَدُ؛ لأنَّ الحاجَةَ إلى الزَّرْعِ آكَدُ (٢٩) منها إلى غيرِه، لكَوْنِه مُقْتَاتًا، ولكَوْنِ الأرْضِ لا يُنْتَفَعُ بها إلَّا بالعَمَلِ عليها، بخِلَافِ المالِ، ويَدُلُّ على ذلك قولُ رَاوِى حَدِيثِهِم: نَهَانَا رسولُ اللَّه ﷺ عن أمْرٍ كان لنا نافِعًا (٣٠). والشَّارِعُ لا يَنْهَى عن
стр. 3788
المَنَافِعِ، وإنَّما يَنْهَى عن المَضَارِّ والمَفَاسِدِ، فيَدُلُّ ذلك على غَلَطِ الرَّاوِى في النَّهْىِ عنه، وحُصُولِ المنْفَعَةِ فيما ظَنَّه مَنْهِيًّا عنه إذا ثَبَتَ هذا، فإنَّ حُكْمَ المُزَارَعةِ حُكْمُ المُسَاقاةِ، في أنَّها إنَّما تجوزُ بِجُزْءٍ للعامِلِ من الزَّرْعِ، وفى جَوَازِها، ولُزُومِها، وما يَلْزَمُ العامِلَ ورَبَّ الأرْضِ، وغير ذلك من أحْكَامِها.
فصل: وإذا كان في الأرْضِ شَجَرٌ، وبينه بَيَاضُ أرْضٍ، فسَاقاهُ على الشَّجَرِ، وزَارَعَةُ الأرْضَ التي بين الشَّجَرِ، جازَ، سواءٌ قَلَّ بَيَاضُ الأرْضِ أو كَثُرَ، نَصَّ عليه أحمدُ، وقال: قد دَفَعَ النبيُّ ﷺ خَيْبَرَ على هذا. وبهذا قال كلُّ مَن أجَازَ المُزَارَعةَ في الأرْضِ المُفْرَدَةِ. فإذا قال: سَاقَيْتُكَ على الشَّجَرِ، وزَارَعْتُكَ على الأرْضِ بالنِّصْفِ. جازَ. وإن قال: عَامَلْتُكَ على الأرْضِ والشَّجَرِ على النِّصْفِ. جازَ؛ لأنَّ المُعَاملَةَ تَشْمَلُهُما. وإن قال: زَارَعْتُكَ على (٣١) الأرْضِ بالنِّصْفِ، وساقَيْتُكَ على الشَّجَرِ بالرُّبْعِ. جازَ. كما يجوزُ أن يُسَاقِيَهُ على أنْواعٍ من الشّجَرِ، ويَجْعَلَ له في (٣٢) كل نَوْعٍ قَدْرًا. وإن قال: ساقَيْتُكَ على الأرْضِ والشَّجَرِ بالنِّصْفِ. جازَ؛ لأنَّ المُزَارَعةَ مُسَاقاةٌ [من حيثُ إنَّها تَحْتاجُ إلى السَّقْىِ فيها، لحاجَةِ الشَّجَرِ إليه. وقال أصْحابُ الشّافِعِىِّ: لا يَصِحُّ؛ لأنَّ المُسَاقاةَ] (٣٣) لا تَتَناوَلُ الأرْضَ، وتَصِحُّ في النَّخْلِ وحدَه. وقِيلَ: يَنْبَنِى على تَفْرِيقِ الصَّفْقةِ. ولَنا، أنَّه عَبَّرَ عَن عَقْدٍ بِلَفظِ عَقْدٍ يُشَارِكُه في المَعْنَى المَشْهُورِ به في الاشْتِقاقِ، فصَحَّ، كما لو عَبَّرَ بَلَفْظِ البَيْعِ في السَّلَمِ، ولأنَّ المَقْصُودَ المَعْنَى، وقد عُلِمَ بِقَرَائِن أحْوالِه. وهكذا إن قال في الأرْضِ البَيْضَاء: ساقَيْتُكَ على هذه الأرْض بنِصْفِ ما يُزْرَعُ فيها. فأمَّا إن قال: ساقَيْتُكَ على الشَّجَرِ بالنِّصْفِ. ولم يَذْكُر الأرْضَ، لم تَدْخُلْ في العَقْدِ، وليس للعامِلِ أن يَزْرَعَ. وبهذا قال الشافِعِىُّ. وقال مالِكٌ، وأبو يوسفَ: للدَّاخِلِ زَرْعُ البَيَاضِ، فإن تَشَارَطَا أنَّ ذلك بينهما، فهو جائِزٌ، وإن اشْتَرَطَ صاحِبُ
стр. 3789
الأرْضِ أنَّه يَزْرَعُ البَيَاضَ، لم يَصِحَّ؛ لأنَّ الداخِلَ يَسْقِى لِرَبِّ الأرْضِ، فتلك زِيَادَةٌ ازْدَادَها عليه. ولَنا، أنَّ هذا لم يَتَنَاوَلْه العَقْدُ، فلم يَدْخُلْ فيه، كما لو كانت أرْضًا مُفْرَدَةً (٣٤).
فصل: وإن زَارَعَه أرْضًا فيها شَجَراتٌ يَسِيرَةً، لم يَجُزْ أن يَشْتَرِطَ العامِلُ ثَمَرَتَها، وبهذا قال الشافِعِىُّ، وابنُ المُنْذِرِ، وأجَازَه مالِكٌ إذا كان الشَّجَرُ بِقَدْرِ الثُّلُثِ أو أقَلَّ؛ لأنَّه يَسِيرٌ، فيَدْخُلُ تَبَعًا. ولَنا، أنَّه اشْتَرَطَ الثَّمرَةَ كلَّها، فلم يَجُزْ، كما لو كان الشَّجَرُ أكْثَرَ من الثُّلُثِ.
فصل: وإن أجَرَه بَيَاضَ الأرضِ (٣٥)، وسَاقاهُ على الشَّجَرِ الذي فيها، جازَ؛ لأنَّهما عَقْدانِ يجوزُ إفْرادُ كلِّ واحدٍ منهما، فجازَ الجَمْعُ بينهما، كالبَيْعِ، والإِجَارَةِ. ويَحْتَمِلُ أن لا يجوزَ، بِنَاءً على الوَجْهِ الذي لا يجوزُ الجَمْعُ بينهما في الأصْلِ. والأَوَّلُ أَوْلَى، إلَّا أن يَفْعَلَا ذلك حِيلَةً على شِرَاءِ الثَّمرَةِ قبلَ وُجُودِها، أو قبلَ بُدُوِّ صَلَاحِها، فلا يجوزُ، سواءٌ جَمَعَا بين العَقْدَيْنِ، أو عَقَدَا أحَدَهُما بعدَ الآخَرِ؛ لما ذكرْنا (٣٦) في إبْطالِ الحِيَلِ.
٨٨٩ - مسألة؛ قال: (إذَا كَانَ الْبَذْرُ مِنْ رَبِّ الأَرْضِ)
ظاهِرُ المَذْهَبِ أنَّ المُزَارَعةَ إنَّما تَصِحُّ إذا كان البَذْرُ من رَبِّ الأرْضِ، والعَمَلُ من العامِلِ. نَصَّ عليه أحمدُ، في رِوَايةِ جَمَاعةٍ. واخْتارَه عامّةُ الأَصْحابِ. وهو مَذْهَبُ ابنِ سِيرِينَ، والشافِعِىِّ، وإسحاقَ؛ لأنَّه عَقْدٌ يَشْتَرِكُ العامِلُ ورَبُّ المالِ في نَمَائِه، فوَجَبَ أن يكونَ رَأْسُ المالِ كلُّه من عندِ أحَدِهِما، كالمُسَاقاةِ والمُضَارَبةِ. وقد رُوِىَ عن أحمدَ ما يَدُلُّ على أنَّ البَذْرَ يجوز أن يكونَ من العامِلِ؛ فإنَّه قال، في رِوَايةِ مُهَنَّا، في الرَّجُلِ
стр. 3790
يكونُ له الأرْضُ فيها نَخْلٌ وشَجَرٌ، يَدْفَعُها إلى قَوْمٍ يَزْرَعُونَ الأرْضَ ويَقُومونَ على الشَّجَرِ، على أنَّ له النِّصْفَ، ولهم النِّصْفَ: فلا بَأْسَ بذلك، وقد دَفَعَ النبيُّ (١) ﷺ خَيْبَرَ على هذا (٢). فأجازَ دَفْعَ الأرْضِ لِزَرْعِها من غيرِ ذِكْرِ البَذْرِ. فعلى هذا أيُّهما أخْرَجَ البَذْرَ، جازَ. ورُوِى (٣) ذلك عن عُمَرَ بن الخَطَّابِ، رَضِىَ اللَّه عنه (٤). وهو قولُ أبى يوسفَ، وطَائِفَةٍ من أهْلِ الحَدِيثِ، وهو الصَّحِيحُ إن شاءَ اللهُ تعالى. ورُوِى عن سَعْدٍ، وابن مَسْعُودٍ، وابنِ عمرَ، أن البَذْرَ من العامِلِ. ولعلَّهم أرادُوا أنَّه يجوزُ أن يكونَ من العامِلِ، فيكونُ كقولِ عمرَ، ولا يكونُ قولًا ثالِثًا. والدَّلِيلُ على صِحَّةِ ما ذَكَرْنا، قولُ ابنِ عمرَ: دَفَعَ رَسُولُ اللَّه ﷺ إلى يَهُودِ خَيْبَرَ نَخْلَ خَيْبَرَ وأرْضَها، على أن يَعْمَلُوها من أمْوالِهِم، ولِرسولِ اللَّه ﷺ شَطْرُ ثَمَرِهَا. وفى لَفْظٍ: على أن يَعْمَلُوها، ويَزْرَعُوها، ولهم شَطْرُ ما يَخْرُجُ منها. أخْرَجَهُما البُخَارِىُّ (٥). فجَعَلَ عَمَلَها من أمْوالِهِم، وزَرْعَها عليهم، ولم يَذْكُرْ شَيْئًا آخَرَ، وظاهِرُه أن البَذْرَ من أهْلِ خَيْبَرَ، والأصْلُ المُعَوَّلُ عليه في المُزَارَعةِ قِصَّةُ (٦) خَيْبَرَ، ولم يَذْكُر النبيُّ ﷺ أنَّ البَذْرَ على المُسْلِمِينَ، ولو كان شَرْطًا لمَا أخَلَّ بِذكْرِه، ولو فَعَلَه النبيُّ ﷺ وأصْحَابُه لَنُقِلَ، ولم يَجُزِ الإِخْلَالُ بِنَقْلِه. ولأنَّ عمرَ، رَضِىَ اللهُ عنه، فَعَلَ الأمْرَيْنِ جَمِيعًا، فإنَّ البُخَارِىَّ رَوَى عنه، أنَّه عامَلَ النّاسَ على أنَّه (١) إن جاءَ عُمَرُ بالبَذْرِ من عندِه، فلَه الشَّطْرُ، وإن جاءُوا بالبَذْرِ فلهم كذا (٧)، فظاهِرُ هذا أنَّ ذلك اشْتَهَرَ فلم يُنْكَرْ، فكان إجْماعًا. فإن قيل: فهذا بمَنْزِلةِ
стр. 3791
بَيْعَتَيْنِ في بَيْعةٍ، فكيف يَفْعَلُه عمَرُ، رَضِىَ اللَّه عنه؟ قُلْنا: يَحْتَمِلُ أنَّه قال ذلك (٨) لِيُخَيِّرَهُم في أىِّ العَقْدَيْنِ شاءُوا، فمن اخْتارَ عَقْدًا عَقَدَه معه مُعَيَّنًا، كما لو قال في البَيْعِ: إن شِئْتَ بِعْتُكَه بعَشرَةٍ صِحَاحٍ، وإن شِئْتَ بأحَدَ عَشَرَ مُكَسَّرَةً (٩). فاخْتارَ أحَدَهُما فعَقَدَ البَيْعَ معه عليه مُعَبَّنًا. ويَجُوزُ أن يكون (١٠) مَجِيئُه بالبَذْرِ، أو شُرُوعُه في العَمَلِ بغير بَذْرٍ، مع إقْرارِ عمرَ له على ذلك وعِلْمِه به، جَرَى مَجْرَى العَقْدِ، ولهذا رُوِى عن أحمدَ صِحَّةُ الإِجَارَةِ فيما إذا قال: إن خِطْتَه (١١) رُومِيًّا فلك دِرْهَمٌ، وإن خِطْتَه فارِسِيًّا فلَكَ نِصْفُ دِرْهمٍ. وما ذَكَرَه أصْحابُنا من القِيَاسِ يُخَالِفُ ظاهِرَ النَّصِّ والإِجْماعِ اللَّذَيْنِ ذَكَرْناهُما، فكيف يُعْمَلُ به؟ ثم هو مُنْتَقِضٌ بما إذا اشْتَرَكَ (١٢) مَالَانِ وبَدَنُ صاحِبِ أحَدِهِما.
فصل: فإن كان البَذْرُ منهما نِصْفَيْنِ، وشَرَطَا أنَّ الزَّرْعَ بينهما نِصْفانِ، فهو بينهما، سواءٌ قُلْنا بِصِحَّةِ المُزَارَعةِ أو فَسَادِها؛ لأنَّها إن كانتْ صَحِيحَةً، فالزَّرْعُ بينهما على ما شَرَطاه، وإن كانتْ فاسِدَةً فلكلِّ واحدٍ منهما بِقَدْرِ بَذْرِه، لكنْ إن حَكَمْنا بصِحَّتِها، لم يَرْجِعْ أحَدُهُما على صَاحِبه يشىءٍ. وإن قُلْنا: من شَرْطِ صِحَّتِها إخْراجُ رَبِّ المالِ البَذْرَ. فهى فاسِدَةٌ، فعلى العامِلِ نِصْفُ أجْرِ الأرْضِ، وله على رَبِّ الأرْضِ (١٣) نِصْفُ أجْرِ عَمَلِه، فيَتَقَاصَّانِ بِقَدْرِ الأقَلِّ منهما، ويَرْجِعُ أحَدُهُما على صَاحِبه بالفَضْلِ. وإن شَرَطَا التَّفَاضُلَ في الزَّرْعِ، وقُلْنا بصِحَّتِها، فالزَّرْعُ بينهما على ما شَرَطاهُ، ولا تَرَاجُعَ بينهما. وإن قُلْنا بفَسَادِها، فالزَّرْعُ بينهما على قَدْرِ بَذْرِهِما، ويَتَراجَعانِ، كما ذَكَرْنا.
стр. 3792
وكذلك إن تَفَاضَلَا في البَذْرِ، وشَرَطَا التَّسَاوِى في الزَّرْعِ، أو شَرَطَا لأحَدِهِما أكْثَرَ من قَدْرِ بَذْرِه أو أقَلَّ.
فصل: فإن قال صاحِبُ الأرْضِ: أجَرْتُكَ نِصْفَ أرْضِى هذه، بنِصْفِ بَذْرِكَ، ونِصْفِ مَنْفَعَتِكَ ومَنْفَعَةِ بَقَرِكَ، وآلَتِكَ. وأخْرَجَ المُزَارِعُ البَذْرَ كلَّه، لم يَصِحَّ؛ لأنَّ المَنْفَعةَ غيرُ مَعْلُومةٍ. وكذلك لو جَعَلَها أُجْرَةً لأرْضٍ، أُخْرَى، أو دارٍ، لم يَجُز، ويكون الزَّرْعُ كله لِلمُزَارِعِ، وعليه أجْرُ مثلِ الأرْضِ. وإن أمْكَنَ عِلْمُ المَنْفَعةِ وضَبْطُها بما لا تَخْتَلِفُ معه، ومَعْرِفَةُ البَذْرِ، جازَ، وكان الزَّرْعُ بينهما. ويَحْتَمِلُ أن لا يَصِحَّ؛ لأنَّ البَذْرَ عِوَضٌ، فيُشْتَرَطُ قَبْضُه، كما لو كان مَبِيعًا، وما حَصَلَ فيه قَبْضٌ. وإن قال: أجَرْتُكَ نِصْفَ أرْضِى، بنِصْفِ مَنْفَعَتِكَ، ومَنْفَعَةِ بَقَرِكَ، وآلَتِكَ، وأخْرَجَا البَذْرَ، فهى كالتى قبلَها، إلَّا أنَّ الزَّرْعَ يكونُ بينهما على كلِّ حالٍ.
٨٩٠ - مسألة؛ قال: (فَإنِ اتَّفَقَا عَلَى أنْ يَأْخُذَ رَبُّ الأرْضِ مِثْلَ بَذْرِهِ، ويَقْتَسِمَا ما بَقِىَ، لَمْ يَجُزْ)
وكانت لِلمُزَارِعِ أُجْرَةُ مِثْلِه. وكذلك يَبْطُلُ إن أخْرَجَ المُزَارِعُ البَذْرَ، ويَصِيرُ الزَّرْعُ لِلْمُزَارِعِ، وعليه أُجْرَةُ الأرْضِ. أمَّا إذا اتَّفَقَا على أن يَأْخُذَ رَبُّ الأرْضِ مثلَ بَذْرِه، فلا يَصِحُّ؛ لأنَّه كأنَّه اشْتَرَطَ لِنَفْسِه قُفْزَانًا مَعْلُومةً، وذلك شَرْطٌ فاسِدٌ، تَفْسُدُ به المُزَارَعةُ، لأنَّ الأرْضَ رُبَّما لا يَخْرُجُ منها إلَّا تِلْكَ القُفْزَانِ، فيَخْتَصُّ رَبُّ المالِ بها، ورُبَّما لا تُخْرِجُها الأرْضُ. وأمَّا إذا أخْرَجَ المُزارِعُ البَذْرَ، فهو مَبْنِىٌّ على الرِّوايَتَيْنِ في صِحَّةِ هذا الشَّرْطِ. وقد ذَكَرَ الخِرَقِىُّ، أنَّه فاسِدٌ. فإذا أخْرَجَ المُزارِعُ البَذْرَ، فَسَدَتْ، كما لو أخْرَجَ العامِلُ في المُضَارَبةِ رَأْسَ المالِ من عندِه. ومتى فَسَدَتِ المُزَارَعةُ، فالزَّرْعُ لِصَاحِبِ البَذْرِ؛ لأنَّه عَيْنُ مالِه، يَنْقَلِبُ من حالٍ إلى حالٍ، ويَنْمُو، فصارَ كَصِغَارِ الشَّجَرِ إذا غُرِسَ فطَالَ، والبَيْضَةِ إذا حُضِنَتْ فصارَتْ فَرْخًا، والبَذْرُ ههُنا من المُزَارِعِ، فكان الزَّرْعُ له، وعليه أجْرُ الأرْضِ؛ لأنَّ رَبَّها إنَّما بَذَلَها
стр. 3793
له (١) بِعِوَضٍ لم يُسَلَّمْ له، فرَجَعَ إلى عِوَضِ مَنَافِعِها الفائِتةِ (٢) بِزَرْعِها على صاحِبِ الزَّرْعِ. ولو فَسَدَتْ، والبَذْرُ من رَبِّ الأرْضِ، كان الزَّرْعُ له، وعليه أجْرُ مِثْلِ العامِلِ؛ لذلك. وإن كان البَذْرُ منهما، فالزَّرْعُ بينهما، ويَتَراجَعانِ بما يَفْضُلُ لأحَدِهِما على صاحِبِه، من أجْرِ مِثْلِ الأرْضِ التي فيها نَصِيبُ العامِلِ، وأجْرِ العامِلِ بِقَدْرِ عَمَلِه في نَصِيبِ صاحِبِ الأرْضِ.
فصل: وإن زَارَعَهُ على أنَّ لِرَبِّ الأرْضِ (٣) زَرْعًا بِعَيْنِه، وللعامِلِ زَرْعًا بِعَيْنِه، مثل أن يَشْتَرِطَ لأحَدِهِما زَرْعَ ناحِيَةٍ، وللآخَر زَرْعَ أُخْرَى، أو يَشْتَرِطَ أحَدُهُما ما على السَّوَاقِى والجَدَاوِلِ، إمَّا مُنْفَرِدًا، أو مع نصِيبِه، فهو فاسِدٌ بإجْماعِ العُلَماء؛ لأنَّ الخَبَرَ صَحِيحٌ في النَّهْى عنه، غيرُ مُعَارَضٍ ولا مَنْسُوخٍ، ولأنَّه يُؤَدِّى إلى تَلَفِ ما عَيَّنَ لأحَدِهِما دُونَ الآخَرِ، فيَنْفَرِدُ أحَدُهُما بالغَلَّةِ دُونَ صاحِبِه.
فصل: والشُّرُوطُ الفاسِدَةُ في المُسَاقاةِ والمُزَارَعةِ تَنْقَسِمُ قِسْمَيْنِ؛ أحَدهما، ما يَعُودُ بِجَهالةِ نَصِيبِ كلِّ واحدٍ منهما، مثل ما ذَكَرْنا ههُنا، أو أن يَشْتَرِطَ أحَدُهُما نَصِيبًا مَجْهُولًا، أو دَرَاهِمَ مَعْلُومةً، أو أقْفِزَةً مُعَيَّنةً (٤)، أو أنَّه إن سَقَى سَيْحًا فله كذا، وإن سَقَى بكُلْفَةٍ فله كذا. فهذا يُفْسِدُها؛ لأنَّه يَعُودُ إلى جَهَالةِ المَعْقُودِ عليه، فأشْبَهَ البَيْعَ بثَمَنٍ مَجْهُولٍ، والمُضَارَبةَ مع جَهَالةِ نَصِيبِ أحَدِهِما. وإن شَرَطَ البَذْرَ من العامِلِ، فالمَنْصُوصُ عن أحمدَ فَسَادُ العَقْدِ؛ لأنَّ الشَّرْطَ إذا فَسَدَ، لَزِمَ كونُ الزَّرْعِ لِرَبِّ البَذْرِ، لكَوْنِه نَمَاءَ مالِه، فلا يَحْصُلُ لِرَبِّ الأرْضِ شيءٌ منه، ويَسْتَحِقُّ الأجْرَ، وهذا مَعْنَى الفَسَادِ. فأمَّا إن شَرَطَ ما لا يُفْضِى إلى جَهَالةِ الرِّبْحِ، كعَمَلِ رَبِّ المالِ معه، أو عَمَلِ
стр. 3794
العامِلِ في شيءٍ آخَرَ، فهل تَفْسُدُ المُسَاقاةُ والمُزَارَعةُ؟ يُخَرَّجُ على رِوَايَتَيْنِ، بِنَاءً على [الشُّرُوطِ الفاسِدَةِ] (٥) في البَيْعِ والمُضَارَبةِ.
فصل: وإن دَفَعَ رَجُلٌ بَذْرَه إلى صاحِبِ الأرْضِ، لِيَزْرَعَهُ في أرْضِه، ويكونَ ما يَخْرُجُ بينهما، فهو فاسِدٌ أيضًا؛ لأنَّ البَذْرَ ليس من رَبِّ الأرْضِ، ولا من العامِلِ، ويكونُ الزَّرْعُ لصاحِبِ البَذْرِ، وعليه أجْرُ الأرْضِ والعَمَل. وإن قال صاحِبُ الأرْضِ لِرَجُلٍ: أنا أزْرَعُ الأرْضَ بِبَذْرِى وعَوَامِلِى، ويكونُ سَقْيُها من مائِكَ، والزَّرْعُ بيننا. ففيها رِوَايَتانِ؛ إحْداهما، لا يَصِحُّ. اخْتارَها القاضي؛ لأن مَوْضُوعَ المُزَارَعةِ على أن يكونَ من أحَدِهِما الأرْضُ، ومن الآخَرِ العَمَلُ، وليس من صاحِبِ الماءِ أرْضٌ ولا عَمَلٌ ولا بَذْرٌ، لأنَّ الماءَ لا يُبَاعُ ولا يُسْتَأْجَرُ، فكيف تَصِحُّ المُزَارَعةُ به؟ والثانية، يَصِحُّ. اخْتَارَها أبو بكرٍ، ونَقَلَها عن أحمدَ يَعْقُوبُ ابن بَخْتان (٦)، وحَرْبٌ؛ لأنَّ الماءَ أحَدُ ما يُحْتاجُ إليه في الزَّرْعِ، فجازَ أن يكونَ من أحَدِهِما، كالأرْضِ والعَمَلِ. والأوَّلُ أصَحُّ؛ لأنَّ هذا ليس بمَنْصُوصٍ عليه، ولا في مَعْنَى المَنْصُوصِ؛ لما ذَكَرْناهُ.
فصل: وإن اشْتَرَكَ ثلاثةٌ، من أحَدِهِم الأرْضُ، ومن الآخَرِ البَذْرُ، ومن الآخَرِ البَقَرُ والعَمَلُ، على أنَّ ما رَزَقَ اللهُ بينهم، فعَمِلُوا، فهذا عَقْدٌ فاسِدٌ، نَصَّ عليه، في رِوَايةِ أبى دَاوُدَ، ومُهَنَّا، وأحمدَ بن القاسِمِ، وذكر حَدِيثَ مُجاهِدٍ، في أرْبَعةٍ اشْتَرَكُوا في زَرْعٍ على عَهْدِ رسولِ اللَّه ﷺ ، فقال أحَدُهُم: عَلَىَّ الفَدَّانُ (٧). وقال الآخَرُ: قِبَلِى (٨) الأرْضُ. وقال الآخَرُ: قِبَلِى (٨) البَذْرُ. وقال الآخَرُ: قِبَلِى (٨) العَمَلُ. فجَعَلَ النبيُّ ﷺ الزَّرْعَ لِصَاحِبِ البَذْرِ، وألْغَى صاحِبَ الأرْضِ، وجَعَلَ لِصَاحِبِ العَمَلِ كلَّ يومٍ دِرْهَمًا، ولِصَاحِبِ الفَدَّانِ شَيْئًا مَعْلُومًا (٩). فقال أحمدُ: لا يَصِحُّ، والعَمَلُ
стр. 3795
على (١٠) غيرِه. وذَكَرَ هذا الحَدِيثَ سَعِيدُ بن منصُورٍ، عن الوَلِيدِ بن مُسْلِمٍ، عن الأوْزَاعِىِّ، وعن واصِلِ بن أبِى جَمِيلٍ، عن مُجاهِدٍ، وقال في آخِرِه: فحَدَّثْتُ به (١١) مَكْحُولًا، فقال: ما يسُرُّنِى بهذا الحَدِيثِ وَصِيفٌ (١٢). وحُكْمُ هذه المَسْأَلَةِ حُكْمُ المَسْأَلةِ التي ذَكَرْناها في صَدْرِ ال فَصْلِ ، وهما فاسِدَانِ؛ لأنَّ مَوْضُوعَ المُزَارَعةِ على أنَّ البَذْرَ من رَبِّ الأرْضِ، أو من العامِلِ، وليس هو ههُنا من واحدٍ منهما. وليست شَرِكَةً؛ لأنَّ الشَّرِكَةَ تكونُ بالأثْمانِ، وإن كانت بالعُرُوضِ، اعْتُبِرَ كَوْنُها مَعْلُومةً، ولم يُوجَدْ شيءٌ من ذلك ههُنا. وليست إجَارَةً؛ لأنَّ الإِجَارَةَ تَفْتَقِرُ إلى مُدَّةٍ مَعْلُومةٍ، وعِوَضٍ مَعْلُومٍ. وبهذا قال مالِكٌ، والشافِعِىُّ (١٣)، وأصْحابُ الرَّأْىِ. فعلى هذا يكونُ الزَّرْعُ لِصَاحِبِ البَذْرِ؛ لأنَّه نَمَاءُ مالِه، ولِصَاحِبَيْهِ عليه أجْرُ مِثْلِهِما؛ لأنَّهما دَخَلَا على أن يُسَلِّمَ لهما المُسَمَّى، فإذا لم يُسَلِّم، عادَ إلى بَدَلِه. وبهذا قال الشافِعِىُّ، وأبُو ثَوْرٍ. وقال أصْحابُ الرَّأْىِ: يَتَصَدَّقُ بالفَضْلِ. والصَّحِيحُ أنَّ النَّماءَ لِصاحِبِ البَذْرِ، ولا تَلْزَمُه الصَّدَقَةُ به، كسائِر مالِه. ولو كانت الأرْضُ لِثلاثةٍ، فاشْتَرَكُوا على أن يَزْرَعُوها بِبَذْرِهِم ودَوَابِّهِم وأعْوَانِهِم، على أنَّ ما أخْرَجَ اللهُ بينهم على قَدْرِ مالِهِم، فهو جائِزٌ. وبهذا قال مالِكٌ، والشافِعِىُّ، وأبُو ثَوْرٍ، وابنُ المُنْذِرِ. ولا نَعْلَمُ فيه خِلَافًا؛ لأنَّ أحَدَهُم لا يَفْضُلُ صاحِبَيْهِ بشيءٍ.
فصل: وإذا زارَعَ رَجُلًا، أو آجَرَهُ أرْضَه فزَرَعَها، وسَقَطَ من الحَبِّ شيءٌ، فنَبَتَ في تلك الأرْضِ عامًا آخَرَ، فهو لِصَاحِبِ الأرْضِ. [نَصَّ عليه أحمدُ في رِوَايةِ أبى داوُدَ، ومحمدِ بن الحارِثِ. وقال الشافِعِىُّ: هو لِصَاحِبِ الحَبِّ] (١٤)؛ لأنَّه عَيْنُ مالِه، فهو كما لو بَذَرَه قَصْدًا. ولَنا، أنَّ صاحِبَ الحَبِّ أسْقَطَ حَقَّه منه بِحُكْمِ العُرْفِ،
стр. 3796
وزَوالِ (١٥) مِلْكِه عنه؛ لأنَّ العادَةَ تَرْكُ ذلك لمن يَأْخُذُه، ولهذا أُبِيحَ الْتِقَاطُه ورَعْيُه. ولا نَعْلَمُ خِلَافًا في إبَاحَةِ الْتِقَاطِ ما خَلَفَهُ الحَصَّا دُونَ من سُنْبُلٍ وحَبٍّ وغيرِهِما، فجَرَى ذلك مَجْرَى نَبْذِه على سَبِيلِ التَّرْكِ له، وصارَ كالشىءِ التّافِهِ يَسْقُطُ منه، كالثّمرَةِ واللُّقْمَةِ ونحوِهِما. والنَّوَى (١٦) لو الْتَقَطَهُ إنْسانٌ، فغَرَسَه، كان له دُونَ مَن سَقَطَ منه، كذا ههُنا.
فصل: في إجَارَةِ الأرْضِ، تجوزُ إجَارَتُها بالوَرِقِ، والذَّهَبِ، وسائِرِ العُرُوضِ، سِوَى المَطْعُومِ، في قول أكْثَر العِلْمِ. قال أحمدُ: ما (١٧) اخْتَلَفُوا في الذَّهَبِ والوَرِقِ. وقال ابنُ المُنذِرِ: أجْمَعَ عَوَامُّ أهْلِ العِلْمِ، على أنَّ اكْتِرَاءَ الأرْضِ وَقْتًا مَعْلُومًا، جائِزٌ بالذَّهَبِ والفِضَّةِ. [رَوَيْنا هذا] (١٨) القولَ عن سَعْد (١٩)، ورَافِعِ بن خَدِيجٍ، وابنِ عُمَرَ، وابنِ عَبَّاسٍ. وبه قال سَعِيدُ بن المُسَيَّبِ، وعُرْوَةُ، والقاسِمُ، [وسالِمٌ، وعبدُ اللَّه بن الحارِثِ] (٢٠)، ومالِكٌ، واللَّيْثُ، والشافِعِىُّ، وإسحاقُ، وأبو ثَوْرٍ، وأصْحابُ الرَّأْىِ. ورُوِى عن طاوُسٍ، والحَسَنِ كَرَاهَةُ ذلك؛ لما رَوَى رافِعٌ، أنَّ النبيَّ ﷺ نَهَى عن كِرَاءِ المَزَارِعِ. مُتَّفَقٌ عليه (٢١). ولَنا، أنَّ رافِعًا قال: أمَّا بالذَّهَبِ والوَرِقِ، فلم يَنْهَنَا. يَعْنِى النبيَّ ﷺ . مُتَّفَقٌ عليه (٢٢). ولِمُسْلِمٍ (٢٣): أمَّا بِشَىءٍ مَعْلُومٍ مَضْمُونٍ، فلا بَأْسَ. وعن حَنْظَلَةَ بن قَيْسٍ، أنَّه سَألَ رافِعَ بن خَدِيجٍ عن كِرَاءِ الأرْضِ، فقال:
стр. 3797
نَهَى رسولُ اللَّه ﷺ عن كِرَاءِ الأرْضِ. قال، فقلتُ: بالذَّهَبِ والفِضَّةِ؟ قال: إنَّما نَهَى عنها ببعضِ ما يَخْرُجُ منها، أمَّا بالذَّهَبِ والفِضَّةِ فلا بَأْسَ. مُتَّفَقٌ عليه (٢٤)، وعن سَعْدٍ قال: كنا نُكْرِى الأرْضَ بما على السَّواقِى وما سَعِدَ (٢٥) بالماءِ منها، فنَهانَا رَسُولُ اللَّه ﷺ عن ذلك، وأمَرَنا أن نُكْرِيَها بِذَهَبٍ أو فِضَّةٍ، رَوَاهُ أبو دَاوُدَ (٢٦)، ولأنَّها عَيْنٌ يُمْكِنُ اسْتِيفَاءُ المَنْفَعةِ المُبَاحةِ منها، مع بَقَائِها، فجازَتْ إجَارَتُها بالأثمْانِ ونحوِها، كالدُّورِ. والحُكْمُ في العُرُوضِ، كالحُكْمِ في الأثْمانِ. وأمَّا حَدِيثُهُم، فقد فَسَّرَه الرّاوِى بما ذَكَرْناهُ عنه (٢٧)، فلا يجوزُ الاحْتِجاجُ به على غيرِه. وحَدِيثُنا مُفَسِّرٌ لِحَدِيثِهِم، فإن رَاوِيهِما واحدٌ، وقد رَوَاهُ عامًّا وخاصًّا، فيُحْمَلُ العامُّ على الخاصِّ، مع مُوَافَقَةِ الخاصِّ لسائِر الأحَادِيثِ والقياسِ (٢٨) وقولِ أكْثَر أهْلِ العِلْمِ. فأمَّا إجَارَتُها بِطَعَامٍ، فتَنْقَسِمُ ثلاثةَ أقْسامٍ؛ أحَدها، أن يُؤْجِرَها بمَطْعُومٍ غيرِ الخارِجِ منها مَعْلُومٍ، فيَجُوزُ. نَصَّ عليه أحمدُ، في رِوَايةِ الحَسَنِ بن ثَوَابٍ. وهو قولُ أكْثَر أهْلِ العِلْمِ؛ منهم سَعِيدُ بن جُبَيْرٍ، وعِكْرِمةُ (٢٩)، والنَّخَعِىُّ، والشافِعِىُّ، وأبو ثَوْرٍ، وأصْحَابُ الرَّأْىِ. ومَنَعَ منه مالِكٌ، حتى مَنَعَ إجَارَتَها باللَّبَنِ والعَسَلِ. وقد رُوِى عن أحمدَ، أنَّه قال: ربما تَهَيَّبْتُه. قال القاضي: هذا من أحمدَ على سَبِيلِ الوَرَعِ، ومَذْهَبُه الجَوَازُ. والحُجَّةُ لمالِكٍ ما رَوَى رافِعُ بن خَدِيجٍ، عن بعض عُمُومَتِه قال: قال رَسُولُ اللَّه ﷺ : "مَنْ كانَتْ له أرْضٌ فلا يُكْرِيها بِطَعَامٍ مُسَمَّى" رَوَاه أبو دَاوُدَ وابنُ مَاجَه (٢٧). ورَوَى ظَهِيرُ بن
стр. 3798
رافِعٍ، قال: دَعَانِى رسولُ اللَّه ﷺ ، فقال: "ما تَصْنَعُونَ بِمَحَاقِلِكُم؟ " قلتُ: نُؤَاجِرُها على الرُّبْعِ، أو على الأَوْسُقِ من التَّمْرِ أو الشَّعِيرِ. قال: "لا تَفْعَلُوا، ازْرَعُوهَا، أوْ أمْسِكُوهَا". مُتَّفَقٌ عليه (٣٠). ورَوَى أبو سَعِيدٍ قال: نَهَى رَسُولُ اللَّه ﷺ عن المُحَاقَلَةِ (٣١). والمُحَاقَلَة: اسْتِكْرَاءُ الأرْضِ بالحِنْطَةِ. ولَنا، قولُ رافِعٍ: فأمَّا بشيءٍ مَعْلُومٍ مَضْمُونٍ فلا بَأْسَ به. ولأنَّه عِوَضٌ مَعْلُومٌ مَضْمُونٌ، لا يُتَّخَذُ وَسِيلةً إلى الرِّبَا، فجازَتْ إجَارَتُها به، كالأثْمانِ. وحَدِيثُ ظَهِيرِ [بن رافعٍ] (٣٢) قد سَبَقَ الكلامُ عليه في المُزَارَعةِ، على أنَّه يَحْتَمِلُ النَّهْىَ عن إجَارَتِها بذلك، إذا كان خارِجًا منها، ويَحْتَمِلُ النَّهْىَ عنه إذا آجَرَها بالرُّبْعِ والأَوْسُقِ. وحَدِيثُ أبى سَعِيدٍ يَحْتَمِلُ المَنْعَ من كِرَائِها بالحِنْطَةِ، إذا اكْتَراهَا لِزَرْعِ الحِنْطةِ. القسم الثاني، إجَارَتُها بطَعَامٍ مَعْلُومٍ، من جِنْسِ ما يَزْرَعُ (٣٣) فيها، كإجَارَتِها بِقُفْزَانِ حِنْطَةٍ لِزَرْعِها، فقال أبو الخَطَّابِ: فيها رِوَايَتانِ؛ إحْداهما، المَنْعُ. وهى التي ذَكَرَها القاضي مَذْهَبًا، وهى قولُ مالكٍ؛ لما تَقَدَّمَ من الأحَادِيثِ، ولأنَّها ذَريعَةٌ إلى المُزَارَعةِ عليها بشيءٍ مَعْلُومٍ من الخارِجِ منها، لأنَّه يَجْعلُ مكانَ قولِه زَارَعْتُكَ، آجَرْتُكَ، فتَصِيرُ مُزَارَعةً بِلَفْظِ الإِجَارَةِ، والذَّرَائِعُ مُعْتَبَرَةٌ. والثانية، جَوَازُ ذلك. اخْتَارَها أبو الخَطَّابِ. وهو قولُ أبى حنيفةَ،
стр. 3799
والشّافِعِىِّ؛ لما ذَكَرْنا في القِسْمِ الأَوَّلِ، ولأنَّ ما جازَتْ إجَارَتُه بغيرِ المَطْعُومِ، جازَتْ به، كالدُّورِ. القسم الثالث، إجَارَتُها بِجُزْءٍ مُشَاعٍ ممَّا يخْرُجُ منها، كَنِصْفٍ، وثُلُثٍ، ورُبْعٍ، فالمَنْصُوصُ عن أحمدَ جَوَازُه. وهو قول أكْثَر الأَصْحابِ، واخْتَارَ أبو الخَطّابِ أنَّها لا تَصِحُّ. وهو قول أبى حنيفةَ، والشّافِعِىِّ. وهو الصَّحِيحُ إن شاءَ اللَّه؛ لما تَقَدَّمَ من الأحادِيثِ في النَّهْىِ، من غيرِ مُعَارِضٍ لها، ولأنَّها إجَارَةٌ [بِعِوَضٍ مَجْهُولٍ، فلم تَصِحَّ، كإجَارَتِها بثُلُثِ ما يَخْرُجُ من أرْضٍ أخرى، ولأنَّها إجَارَةٌ] (٣٤) لِعَيْنٍ ببعضِ نَمائِها، فلم تَجُزْ، كسائِر الأعْيانِ، ولأنَّه لا نَصَّ في جَوَازِها، ولا يُمْكِنُ قِياسُها على المَنْصُوصِ، فإنَّ النُّصُوصَ (٣٥) إنَّما وَرَدَتْ بالنَّهْىِ عن إجَارَتِها بذلك، ولا نَعْلَمُ في تَجْوِيزِها نَصًّا، والمَنْصُوصُ على جَوَازِه، إجَارَتُها بِذَهَبٍ، أو فِضّةٍ، أو بشيءٍ مَضْمُونٍ مَعْلُومٍ، [وليس هذا] (٣٦) كذلك. فأمَّا نَصُّ أحمدَ في الجَوازِ، فيَتَعَيَّنُ حَمْلُه على المُزَارَعةِ بلَفْظِ الإِجَارَةِ، فيكونُ حُكْمُها حُكْمَ المُزَارَعةِ في جَوَازِها، ولُزُومِها، وفيما يَلْزَمُ العامِلَ ورَبَّ الأرْضِ، وسائِرِ أحْكَامِها. واللهُ أعلمُ.
стр. 3800
المغْني
لمُوَفَّق الدين أبي محمد عبد اللَّه بن أحمد بن محمد بن قُدامة
المقْدسيّ الجَمَّاعِيليّ الدِّمَشْقيّ الصَّالحِيّ الحَنْبَلِيّ
٥٤١ - ٦٢٠ هـ
تحقيق
الدكتور
عبد اللَّه بن عبد المحسن التركي
الدكتور
عبد الفتاح محمد الحلو
الجزء الثّامِنْ
دَار عَالَم الكُتبُ
للطباعة والنشر والتوزيع
الرياض
стр. 3801
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
стр. 3802
المغْني
стр. 3803
حقوق الطبع محفوظة
الطبعة الأولى
١٤٠٦ هـ = ١٩٨٦ م
الطبعة الثانية
١٤١٢ هـ = ١٩٩٢ م
الطبعة الثالثة
١٤١٧ هـ = ١٩٩٧ م
مصححة، منقحة
دَار عَالَم الكُتب
للطباعة والنشر والتوزيع
العليا - غرب مؤسسة التحلية - ت: ٤٦٥١٦٨٩/ ٤٦٣١٧٢٢
ص. ب ٦٤٦٠ - الرياض ١١٤٤٢ - تليفاكس: ٤٦٣١٣٣٦
المملكة العربية السعودية
стр. 3804
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
كتاب الإِجاراتِ
الأصْلُ في جَوَازِ الإِجَارَةِ الكِتَابُ والسُّنَّةُ، والإِجْمَاعُ. أمَّا الكِتَابُ، فقولُ اللَّه تعالى: ﴿فَإِنْ أَرْضَعْنَ لَكُمْ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ﴾ (١). وقال تعالى: ﴿قَالَتْ إِحْدَاهُمَا يَاأَبَتِ اسْتَأْجِرْهُ إِنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ الْقَوِيُّ الْأَمِينُ (٢٦) قَالَ إِنِّي أُرِيدُ أَنْ أُنْكِحَكَ إِحْدَى ابْنَتَيَّ هَاتَيْنِ عَلَى أَنْ تَأْجُرَنِي ثَمَانِيَ حِجَجٍ فَإِنْ أَتْمَمْتَ عَشْرًا فَمِنْ عِنْدِكَ﴾ (٢). ورَوَى ابنُ ماجَةَ في "سُنَنِه" (٣) عن عُتْبَةَ بن النُّدَّر، قال: كُنَّا عند رسولِ اللَّه ﷺ فَقَرأَ: ﴿طس﴾ حتى إذا بَلَغَ قِصَّةَ موسى، قال: "إنَّ مُوسَى ﵇ آجَرَ نَفسَه ثَمَانِىَ حِجَجٍ، أوْ عَشْرًا، عَلَى عِفَّةِ فَرْجِه، وطَعَامِ بَطْنِه". وقال اللهُ تعالى: ﴿فَوَجَدَا فِيهَا جِدَارًا يُرِيدُ أَنْ يَنْقَضَّ فَأَقَامَهُ قَالَ لَوْ شِئْتَ لَاتَّخَذْتَ عَلَيْهِ أَجْرًا﴾ (٤). وهذا يَدُلُّ على جَوَازِ أخْذِ الأجْرِ على إِقَامَتِه. وأمَّا السُّنَّةُ، فَثَبَتَ أنَّ رسولَ اللَّه ﷺ ، وأبا بَكرٍ، اسْتَأْجَرَا رَجُلًا من بَنِى الدِّيلِ هادِيا خِرِّيتًا (٥). ورَوَى البُخَارِيُّ، عن أبي هُرَيْرةَ، أنَّ رسولَ اللَّه ﷺ قال: "قَالَ اللهُ : ثَلَاثَةٌ أَنَا خَصْمُهُمْ يَوْمَ القِيَامَةِ؛ رَجُلٌ أعْطَى بِى ثم غَدَرَ، ورَجُلٌ بَاعَ حُرًّا فأكَلَ ثَمَنَهُ، ورَجُلٌ
стр. 3805
اسْتَأْجَرَ أَجِيرًا فَاسْتَوْفَى مِنْهُ وَلَمْ يُوَفِّهِ أَجْرَهُ" (٦). والأخْبارُ في هذا كَثِيرَةٌ. وأجْمَعَ أهْلُ العِلْم في كلّ عَصْرٍ وكلِّ مِصْرٍ على جَوَازِ الإِجَارَةِ، إلَّا ما يُحْكَى عن عبدِ الرحمن بن الأَصَمِّ (٧) أنَّه قال: لا يجوزُ ذلك؛ لأنَّه غَرَرٌ. يَعْنى أنَّه يَعْقِدُ على مَنَافِعَ لم تُخْلَقْ. وهذا غَلَطٌ، لا يَمْنَعُ انْعِقَادَ الإِجْماعِ الذي سَبَقَ في الأَعْصارِ، وسارَ في الأمْصارِ، والعِبْرَةُ أيضًا دَالّةٌ عليها؛ فإنَّ الحاجَةَ إلى المَنَافِعِ كالحاجَةِ إلى الأعْيَانِ، فلمَّا جَازَ العَقْدُ على الأعْيانِ، وَجَبَ أن تجوزَ الإِجَارَةُ على المنَافِعِ، ولا يَخْفَى ما بالنَّاسِ من الحاجَةِ إلى ذلك، فإنَّه ليس لكلّ أحدٍ دَارٌ يَمْلِكُها، ولا يَقْدِرُ كلُّ مُسَافِرٍ على بَعِيرٍ أو دَابَّةٍ يَمْلِكُها، ولا يَلْزَمُ أصْحابَ (٨) الأمْلاكِ إسْكَانُهم وحَمْلُهُم تَطَوُّعًا، وكذلك أصْحَابُ الصَّنائِعِ يَعْمَلُونَ بأَجْرٍ، ولا يُمْكِنُ كلَّ أحدٍ عملُ ذلك، ولا يَجِدُ مُتَطَوِّعًا به، فلا بُدَّ من الإِجَارَةِ لذلك، بل ذلك ممَّا جَعَلَهُ اللَّه تعالى طَرِيقًا لِلرِّزْقِ، حتى إنَّ أكْثَرَ المَكاسِبِ بالصَّنائِعِ. وما ذَكَرَه من الغَرَرِ، لا يُلْتَفَتُ إليه، مع ما ذَكَرْنا من الحاجَةِ، فإنَّ العَقْدَ على المَنافِعِ لا يُمْكِنُ بعدَ وُجُودِها، لأنَّها تَتْلَفُ بمُضِىِّ السّاعاتِ، فلا بُدَّ من العَقْدِ عليها قبلَ وُجُودِها، كالسَّلَمِ في الأعْيانِ.
فصل: واشْتِقاقُ الإِجَارَةِ من الأجْرِ، وهو العِوَضُ، قال اللهُ تعالى: ﴿لَوْ شِئْتَ لَاتَّخَذْتَ عَلَيْهِ أَجْرًا﴾ (٩). ومنه سُمِّىَ الثَّوَابُ أجْرًا؛ لأنَّ اللَّه تعالى يُعَوِّضُ العَبْدَ به على طاعَتِه، أو صَبْرِه على مُصِيبَتِه.
стр. 3806
فصل: وهى نَوْعٌ من البَيْعِ، لأنَّها تَمْلِيكٌ (١٠) من كل واحدٍ منهما لِصَاحِبِه، فهى بَيْعُ المنَافِعِ، والمنَافِعُ بمَنْزِلةِ الأعْيانِ، لأنَّه (١١) يَصِحُّ تَمْلِيكُها في حال الحيَاةِ، وبعدَ المَوْتِ، وتُضْمَنُ باليَدِ والإِتْلافِ، ويكونُ عِوَضُها عَيْنًا ودَيْنًا. وإنَّما اخْتَصَّتْ باسْمٍ كما اخْتَصَّ بعضُ البُيُوعِ باسْمٍ، كالصَّرْفِ، والسَّلَمِ. إذا ثَبَتَ هذا فإنَّها تَنْعَقِدُ بلَفْظِ الإِجَارَةِ والكِرَاءِ؛ لأنَّهما مَوْضُوعانِ لها. وهل تَنْعَقِدُ بِلَفْظِ البَيْع؟ فيه وَجْهانِ؛ أحدُهما، تَنْعَقِدُ به؛ لأنَّها بَيْعٌ فانْعَقَدَتْ بِلَفْظِه، كالصَّرْفِ. والثانى، لا تَنْعَقِدُ به؛ لأنَّ فيها مَعْنًى خاصًّا، فافْتَقَرَتْ إلى لَفْظٍ يَدُلُّ على ذلك المَعْنَى، ولأنَّ الإِجَارَةَ تُضَافُ إلى العَيْنِ التي يُضَافُ إليها البَيْعُ إضَافةً واحِدَةً، فاحْتِيجَ إلى لَفْظٍ يُعْرَفُ ويُفَرّقُ بينهما، كالعُقُودِ المُتَبَايِنَةِ، ولأنَّه عَقْدٌ يُخَالِفُ البَيْعَ في الحُكْمِ والاسْمِ، فأشْبَه النِّكاحَ.
فصل: ولا تَصِحُّ إلَّا من جائِزِ التَّصَرُّفِ؛ لأنَّه (١٢) عَقْدُ تَمْلِيكٍ في الحَياةِ، فأشْبَه البَيْعَ.
٨٩١ - مسألة؛ قال: (وَإذَا وَقَعَتِ الْإِجَارَةُ عَلَى مُدَّةٍ مَعْلُومَةٍ، بأُجْرَةٍ مَعْلُومةٍ، فَقَدْ مَلَك المُسْتَأْجِرُ المنَافِعَ، ومُلِكَتْ عَلَيْهِ الأُجْرَةُ كَامِلةً، في وَقْتِ الْعَقْدِ، إلَّا أنْ يشْتَرِطَا أجَلًا)
هذه المَسْألَةُ تَدُلُّ على أحْكامٍ سِتَّة؛ أحدها، أنَّ المَعْقُودَ عليه المنافِعُ. وهذا قولُ أكْثَرِ أهْلِ العِلْمِ، منهم: مالِكٌ، وأبو حَنِيفَةَ، وأكْثَرُ أصْحابِ الشافِعِيِّ. وذَكَرَ بعضُهم أنَّ المَعْقُودَ عليه العَيْنُ؛ لأنَّها المَوْجُودَةُ، والعَقْدُ يُضَافُ إليها، فيقولُ: أجَرْتُكَ دَارِى [كما يقول: بِعْتُكَها] (١). ولَنا، أنَّ المَعْقُودَ عليه هو المُسْتَوْفَى
стр. 3807
بالعَقْدِ، وذلك هو المنافِعُ دونَ الأعْيانِ، ولأنَّ الأجْرَ في مُقَابَلةِ المَنْفَعةِ، ولهذا تُضْمَنُ دونَ العَيْنِ، وما كان العِوَضُ في مقَابَلَتِه، فهو المَعْقُودُ عليه، وإنَّما أُضِيفَ العَقْدُ إلى العَيْنِ لأنَّها مَحِلُّ المَنْفَعةِ ومَنْشَؤُها، كما يُضَافُ عَقْدُ المُسَاقاةِ إلى البُسْتانِ والمَعْقُودُ عليه الثَّمَرةُ. ولو قال: أجَرْتُكَ مَنْفَعةَ دَارِى. جازَ. الثاني، أنَّ الإِجَارَةَ إذا وَقَعَتْ على مُدَّةٍ يَجِبُ أن تكونَ مَعْلُومةً، كشَهْرٍ وسَنَةٍ. ولا خِلَافَ في هذا نَعْلَمُه، لأنَّ المُدَّةَ هي الضّابِطَةُ لِلمَعْقُودِ عليه، المُعَرِّفَةُ له، فوَجَبَ أن تكونَ مَعْلُومةً، كعَدَدِ المَكِيلاتِ فيما بِيعَ بالكَيلِ. فإن قَدَّرَ المُدَّةَ بسَنَةٍ مُطْلَقةٍ، حُمِلَ على سَنَةِ الأَهِلَّةِ؛ لأنَّها المَعْهُودَةُ في الشَّرعِ، قال اللَّه تعالى: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَهِلَّةِ قُلْ هِيَ مَوَاقِيتُ لِلنَّاسِ وَالْحَجِّ﴾ (٢) فوَجَبَ أن يُحْمَلَ العَقدُ عليه. فإن شَرَطَ هِلَالِيّةً، كان تَأْكِيدًا، وإن قال: عَدَدِيّةً، أو سَنَةً بالأيامِ. كان له ثَلَاثُمائة وسِتُّونَ يَوْمًا؛ لأنَّ الشَّهْرَ العَدَدِىَّ يكون ثلاثِينَ يَوْمًا. وإن اسْتَأْجَرَ سَنَةً هِلَالِيّةً أَوَّلَ الهِلَالِ، عَدَّ اثْنَىْ عَشَرَ شَهْرًا بالأَهِلَّةِ، سواءٌ كان الشَّهْرُ تَامًّا أو ناقِصًا؛ لأنَّ الشَّهْرَ الهِلَالِىَّ ما بين الهِلَالَينِ، يَنْقُصُ مَرَّةً ويَزِيدُ أخرى. وإن كان العَقْدُ في أثْناء شَهْرٍ، عَدَّ ما بَقِىَ من الشَّهْرِ، وعَدَّ بعدَه أحَدَ عَشَرَ شَهْرًا بالهِلَالِ، ثم كَمَّلَ الشَّهْرَ الأول بالعَدَدِ ثَلَاثِينَ يومًا؛ لأنَّه تَعَذَّرَ إتْمامُه بالهِلَالِ، فتَمَّمْناهُ (٣) بالعَدَدِ، وأمْكَنَ اسْتِيفَاءُ ما عَداهُ بالهِلَالِ، فوَجَبَ ذلك؛ لأنَّه الأصْلُ. وحُكِى عن أحمدَ رِوَايةُ أُخْرَى، أنَّه يُسْتَوْفَى الجَمِيعُ بالعَدَدِ؛ لأنَّها مُدَّةٌ يُسْتَوْفَى بعضها بالعَدَدِ، فوَجَبَ اسْتِيفَاءُ جَمِيعِها به، كما لو كانت المُدَّةُ شَهْرًا واحدًا، ولأنَّ الشَّهْرَ الأوَّلَ يَنْبَغِى أن يُكْمَلَ من الشَّهْرِ الذي يَلِيه، فيَحْصُلُ ابْتِداءُ الشَّهْرِ الثاني في (٤) أثْنائِه، فكذلك كلُّ شَهْرٍ يَأْتِى بعدَه. ولأبي حنيفةَ والشّافِعيِّ كالرِّوَايَتَيْنِ. وهكذا إن كان العَقْدُ على أشْهُرٍ دونَ السَّنَةِ. وإن جَعَلَا المُدَّةَ (٥) سَنَةً رُومِيَّةً أو شَمْسِيَّةً أو فارِسِيَّةً
стр. 3808
أو قِبْطِيّةً، وكانا يَعْلَمانِ ذلك، جازَ، وكان له ثَلَاثُمائة وخَمْسَةٌ وسِتُّون يومًا، فإنَّ الشُّهُورَ الرُّومِيّةَ منها سَبْعَةٌ أحَدَ وثَلَاثُونَ يومًا، وأَرْبَعَةٌ ثَلَاثُونَ يومًا، وشَهْرٌ واحدٌ ثمانِيةٌ وعِشْرُونَ يومًا، وشُهُورُ القِبْطِ كلُّها ثَلَاثُونَ ثَلَاثُون، وزَادُوها خَمْسَةَ أيّام لِتُسَاوِىَ سَنَتُهم السَّنَةَ الرُّومِيّة. وإن كان أحَدُهُما يَجْهَلُ ذلك، لم يَصِحَّ؛ لأنَّ المُدّةَ مَجْهُولةٌ في حَقِّه. وإن أجَرَهُ إلى العِيدِ، انْصَرَفَ إلى الذي يَلِيه، وتَعَلَّقَ بأَوَّلِ جُزْءٍ منه؛ لأنَّه جَعَلَه غايةً، فتَنْتَهِى مُدَّةُ الإِجَارَةِ بأَوَّلِه. وقال القاضي: لا بُدَّ من تَعْيِين العِيدِ فِطْرًا أو أضْحَى، من هذه السَّنةِ أو سَنَة كذا. وكذلك الحُكْمُ إن عَلَّقَه بِشَهْرٍ يَقَعُ اسْمُه على شَهْرَيْنِ، كجُمَادَى ورَبِيعٍ، يَجِبُ على قَوْلِه أن يَذْكُرَ الأوَّلَ أو الثانِى، من سَنَة كذا. وإن عَلَّقَهُ بِشهْرٍ مُفْرَدٍ، كرَجَبَ وشَعْبَانَ، فلا بد أن يُبَيِّنَه من أيِّ سَنَةٍ. وإن عَلَّقَه بِيَوْمٍ، فلا بُدَّ على قَوْلِه أن يُبَيِّنَه من أيِّ أُسْبُوعٍ. وإن عَلَّقَهُ بِعِيدٍ من أعْيادِ الكُفّارِ، صَحَّ إذا عَلِمَاه، وإلَّا لم يَصِحَّ، وقد مَضَى نحوٌ من هذا.
فصل: ولا يُشْتَرَطُ في مُدَّةِ الإِجَارَةِ أن تَلِىَ العَقْدَ، بل لو أجَرَهُ سَنَةَ خَمْسٍ، وهما في سَنَةِ ثَلَاث، أو شَهْرَ رَجَبٍ في المُحَرَّمِ. صَحَّ، وبهذا قال أبو حنيفةَ. وقال الشافِعِىُّ: لا يَصِحُّ إلَّا أن (٦) يَسْتَأْجِرَها مَنْ هي في إجَارَتِه، ففيه قَوْلانِ؛ لأنَّه عَقْدٌ على ما لا يُمْكِنُ تَسْلِيمُه في الحالِ، فأشْبَهَ إجَارَةَ العَيْنِ المَغْصُوبةِ. قال: ولا يجوزُ أن يَكْتَرِىَ بَعِيرًا بِعَيْنِه إلَّا عند خُرُوجِه؛ لذلك. ولَنا، أنَّها (٧) مُدَّةٌ يجوزُ العَقْدُ عليها مع غيرها، فجازَ العَقْدُ عليها مُفْرَدَةً مع عُمُومِ الناسِ، كالتى تَلِى العَقْدَ، وإنما تُشْتَرَطُ القُدْرَةُ على التَّسْلِيمِ عندَ وُجُوبِ التَّسْلِيمِ كالمُسْلَمِ فيه، ولا يُشْتَرَطُ وُجُودُه ولا القُدْرَةُ عليه حالَ العَقْد، ولا فَرْقَ بين كونِها مَشْغُولةً أو غيرَ مَشْغُولةٍ؛ لما ذَكَرْناه، وما ذَكَرَهُ (٨) يَبْطُلُ
стр. 3809
بما إذا أجَرَها من المُكْتَرِى، فإنَّه يَصِحُّ مع ما ذَكَرَهُ (٩). إذا ثَبَتَ هذا، فإنَّ الإِجَارَةَ إن كانتْ على مُدَّةٍ تَلِى العَقْدَ، لم يَحْتَجْ إلى ذِكْرِ ابْتِدَائِها من حينِ العَقدِ، وإن كانتْ لا تَلِيه، فلا بُدَّ من ذِكْرِ ابْتِدَاِئها، لأنَّه أحَدُ طَرَفَىِ العَقْدِ، فاحْتِيجَ إلى مَعرِفَتِه، كالانْتِهَاء. وإن أطْلَقَ. فقال: أجَرْتُكَ سَنةً، أو شَهْرًا. صَحَّ وكان ابْتِداؤُه من حينِ العَقْدِ. وهذا قول مالكٍ، وأبى حنيفةَ. وقال الشافِعِيُّ. وبعضُ أصْحابِنا: لا يَصِحُّ حتى يُسَمِّىَ الشَّهْرَ، ويَذْكُرَ أيَّ سَنَةٍ هي؛ فإنَّ أحمدَ قال، في رِوَايةِ إسماعيلَ بن سَعِيدٍ: إذا اسْتَأْجَرَ أَجِيرًا شَهْرًا، فلا يجوزُ حتى يُسَمِّىَ الشَّهْرَ. ولَنا، قولُ اللَّه تعالى إخْبارًا عن شُعَيْبٍ ﵇: ﴿عَلَى أَنْ تَأْجُرَنِي ثَمَانِيَ حِجَجٍ﴾ (١٠). ولم يَذْكُرْ ابْتِدَاءَها. ولأنَّه تَقْدِيرٌ بمُدَّةٍ ليس فيها قُرْبَةٌ، فإذا أطْلَقَها (١١)، وَجَبَ أن تَلِىَ السَّبَبَ المُوجِبَ (١٢)، كمُدَّةِ السَّلَمِ والإِيلَاءِ، وتُفَارِقُ النَّذْرَ؛ فإنَّه قُرْبَةٌ.
فصل: ولا تَتَقَدَّرُ أكْثَرُ مُدَّةِ الإِجَارَةِ، بل تجوزُ إجَارَةُ العَيْنِ المُدَّةَ التي تَبْقَى فيها وإن كَثُرَتْ. وهذا قولُ كَافَّةِ أهْلِ العِلْمِ. إلَّا أنَّ أصْحابَ الشافِعِيِّ اخْتَلَفُوا في مَذْهَبِه، فمنهم مَن قال: له قَوْلَانِ؛ أحدُهما، كقولِ سائِرِ أهْلِ العِلْمِ. وهو الصَّحِيحُ. الثاني، لا يجوزُ أكْثَرَ من سَنَةٍ؛ لأنَّ الحاجَةَ لا تَدْعُو إلى أكْثَرَ منها. ومنهم من قال: له قولٌ ثالِثٌ، أنَّها لا تَجوزُ أكْثَرَ من ثَلَاثِينَ سَنَةً؛ لأنَّ الغالِبَ أن الأعْيانَ لا تَبْقَى أكْثَرَ منها، وتَتَغَيَّرُ الأسْعَارُ والأَجْرُ. ولَنا، قولُ اللَّه تعالى إخْبارًا عن شُعَيبٍ ﵇، أنَّه قال: ﴿عَلَى أَنْ تَأْجُرَنِي ثَمَانِيَ حِجَجٍ فَإِنْ أَتْمَمْتَ عَشْرًا فَمِنْ عِنْدِكَ﴾، وشَرْعُ مَن قَبْلَنا شَرْعٌ لنا ما لم يَقُمْ على نَسْخِه دَلِيلٌ. ولأنَّ ما جازَ العَقْدُ عليه سَنَةً، جازَ أكْثَر منها، كالبَيْعِ
стр. 3810
والنِّكَاحِ والمُسَاقاةِ، والتَّقْدِيرُ بسَنَة وثَلَاثِينَ، تَحَكُّمٌ لا دَلِيلَ عليه، وليس ذلك أَوْلَى من التَّقْدِيرِ بزِيَادَةٍ عليه أو نُقْصَانٍ منه. وإذا اسْتَأْجَرَه سِنِينَ، لم يَحْتَجْ إلى تَقْسِيطِ الأجْرِ على كلّ سَنَةٍ، في ظاهِرِ كلامِ أحمدَ، كما لو اسْتَأْجَرَ سَنَةً لم يَفْتَقِرْ إلى تَقْسِيطِ أجْرِ كَلِّ شَهْرٍ، بالاتِّفَاقِ. ولو اسْتَأْجَرَ شَهْرًا، لم يَفْتَقِرْ إلى تَقْسِيطِ أجْرِ كلِّ يومٍ. ولأنَّ المَنْفَعةَ كالأعْيانِ في البَيْعِ، ولو اشْتَمَلَتِ الصَّفْقةُ على أعْيانٍ، لم يَلْزَمْه تَقْدِيرُ ثَمَنِ كلّ عَيْنٍ، كذلك ههُنا. وقال الشافِعِيُّ، في أحَدِ قَوْلَيْه كقَوْلِنا، وفي الآخَرِ: يَفْتَقِرُ إلى تَقْسِيطِ أجْرِ كلِّ سَنَةٍ؛ لأنَّ المَنافِعَ تَخْتَلِفُ. باخْتِلافِ السِّنِينَ، فلا نَأْمَنُ (١٣) أن يَنْفَسِخَ العَقْدُ، فلا يَعْلَمُ بم يَرْجِعُ. وهذا يَبْطُلُ بالشُّهُورِ؛ فإنَّه لا يَفْتَقِرُ إلى تَقْسِيطِ الأجْرِ عليها، مع الاحْتِمالِ الذي ذَكَرُوه.
فصل: والإِجَارَةُ على ضَرْبَيْنِ؛ أحدُهما، أن يَعْقِدَها على مُدَّةٍ. والثاني، أن يَعْقِدَها على عَمَلٍ مَعْلُومٍ، كبِنَاءِ حائِطٍ، وخِيَاطَةِ قَمِيصٍ، وحَمْلٍ إلى مَوْضِعٍ مُعَيّنٍ. فإذا كان المُسْتَأْجَرُ ممَّا له عَمَلٌ كالحَيَوانِ، جازَ فيه الوَجْهانِ؛ لأنَّ له عَمَلًا تَتَقَدَّرُ منَافِعُه به، وإن لم يَكُنْ له عَمَلٌ كالدّارِ والأرْضِ، لم يَجُزْ إلَّا على مُدّةٍ. ومتى تَقَدَّرَتِ المُدّةُ، لم يَجُزْ تَقْدِيرُ العَمَلِ. وبهذا قال أبو حنيفةَ، والشَّافِعِيُّ؛ لأنَّ الجَمْعَ بينهما يَزِيدُها غَرَرًا، لأنَّه قد يَفْرُغُ من العَمَلِ قبلَ انْقِضَاءِ المُدّةِ، فإن اسْتُعْمِلَ في بَقِيّةِ المُدَّةِ، فقد زَادَ على ما وَقَعَ عليه العَقْدُ، وإن لم يَعْمَلْ كان تَارِكًا لِلْعَمَلِ في بعض المُدَّةِ، وقد لا يَفْرُغُ من العَمَلِ في المُدَّةِ، فإن أتَمَّهُ عَمِلَ في غير المُدّةِ، وإن لم يَعْمَلْهُ لم يَأْتِ بما وَقَعَ عليه العَقْدُ، وهذا غَرَرٌ أمْكَنَ التَّحَرُّزُ عنه، ولم يُوجَدْ مثلُه في مَحلِّ الوِفَاقِ، فلم يَجُزِ العَقْدُ معه. ورُوِىَ عن أحمدَ، في مَن اكْتَرَى دابّةً إلى مَوْضِعٍ، علَى أن يَدْخُلَه في ثَلَاثٍ، فدَخَلَه في سِتٍّ، فقال: قد أضَرَّ به. فقيل: يَرْجِعُ عليه بالقِيمَةِ؟ قال: لا، يُصَالِحُه. وهذا يَدُلُّ على جَوَازِ تَقْدِيرِهِما جَمِيعا. وهو قول أبي يوسفَ، ومحمدِ بن
стр. 3811
الحَسَنِ؛ لأنَّ الإِجَارَةَ مَعْقُودَةٌ على العَمَلِ، والمُدّةُ مَذْكُورَةٌ لِلتَّعْجِيلِ، فلا يَمْتَنِعُ (١٤) ذلك. فعلى هذا، إذا فَرَغَ العَمَلُ قبلَ انْقِضَاءِ المُدّةِ، لم يَلْزَمْهُ العَمَلُ في بَقِيَّتِها؛ لأنَّه وَفَّى ما عليه قبلَ مُدَّتِه، فلم يَلْزَمْهُ شيءٌ آخَرُ، كما لو قَضَى الدَّيْنَ قبلَ أجَلِه، وإن مَضَتِ المُدَّةُ قبلَ العَمَلِ، فلِلْمُسْتَأْجِرِ فَسْخُ الإِجَارَةِ؛ لأنَّ الأَجِيرَ لم يَفِ له بِشَرْطِه. وإن رَضِىَ بالبَقَاءِ عليه، لم يَمْلِك الأجِيرُ الفَسْخَ؛ لأنَّ الإِخْلالَ بالشَّرْطِ منه، فلا يكونُ ذلك وَسِيلةً له إلى الفَسْخِ، كما لو تَعَذَّرَ أدَاءُ المُسْلَمِ فيه في وَقْتِه، لم يَمْلِك المُسْلَمُ إليه الفَسْخَ، ويَمْلِكهُ المُسْلِمُ. فإن اخْتارَ إمْضَاءَ العَقْدِ، طَالَبَهُ بالعَمَلِ لا غيرُ، كالمُسْلِمِ (١٥) إذا صَبَرَ عند تَعَذُّرِ المُسْلَمِ فيه إلى حينِ وُجُودِه. لم يكُنْ له أكْثَرُ من المُسْلَمِ فيه. وإن فَسَخَ العَقْدَ قبلَ عَمَلِ شيءٍ من العَمَلِ، سَقَطَ الأجْرُ والعَمَلُ. وإن كان بَعد عَمَلِ شيءٍ منه، فله أجْرُ مِثْلِه؛ لأنَّ العَقْدَ قد انْفَسَخَ، فسَقَطَ المُسَمَّى، ورَجَعَ إلى أجْرِ المِثْلِ.
فصل: ومن اكْتَرَى دَابّةً إلى العِشَاءِ، فآخِرُ المُدَّةِ إلى غُرُوبِ الشَّمْسِ. وبهذا قال الشافِعِىُّ، وقال أبو حنيفةَ، وأبو ثَوْرٍ: آخِرُها زَوَالُ الشَّمْسِ؛ لأنَّ العِشَاءَ آخِرُ النَّهارِ، وآخِرُ النَّهارِ النِّصْفُ الآخَر من الزَّوَالِ، ولذلك جاء في حَدِيثِ ذِى اليَدَيْنِ، عن أبي هُرَيْرةَ، قال: صَلَّى بِنَا النَّبىُّ ﷺ إحْدَى صَلَاتَىِ العَشِىِّ يَعْنِى [الظُّهْرَ أو العَصْرَ] (١٦). هكذا تَفْسِيرُه. ولَنا، قولُ اللَّه تعالى: ﴿مِنْ بَعْدِ صَلَاةِ الْعِشَاءِ ثَلَاثُ عَوْرَاتٍ لَكُمْ﴾ (١٧) يَعْنِى العَتَمَةَ. وقال النبيُّ ﷺ : "لَوْلَا أنْ أَشُقَّ عَلَى أُمَّتِى لأَخَّرْتُ الْعِشَاءَ إلَى ثُلُثِ اللَّيْلِ" (١٨). وإنَّما تَعَلَّقَ الحُكْمُ بِغُرُوبِ الشَّمْسِ، لأنَّ هذه
стр. 3812
الصَّلَاةَ تُسَمَّى (١٩) العِشَاءَ الآخِرَةَ، فدلَّ (٢٠) على أنَّ الأُولَى المَغْرِبُ، وهو في العُرْفِ كذلك، فوَجَبَ أن يَتَعَلَّقَ الحُكْمُ به؛ لأنَّ المُدَّةَ إذا جُعِلَتْ إلى وَقْتٍ تَعَلَّقَتْ بأَوَّلِه، كما لو جَعَلَها إلى اللَّيْلِ. وما ذَكَرُوه لا يَصِحُّ؛ لأنَّ لَفْظَ العَشِىِّ غيرُ لَفْظِ العِشَاءِ، فلا يَجوزُ الاحْتِجاجُ بأحَدِهِما على الآخَرِ، حتى يَقُومَ دَلِيلٌ على أنَّ مَعْنَى اللَّفْظَيْنِ واحدٌ. ثم لو ثَبَتَ أنَّ مَعْنَاهُما واحدٌ، غيرَ أنَّ أهْلَ العُرْفِ لا يَعْرِفُونَه، فلا يَتَعَلَّقُ به حُكْمٌ. وكذلك الحُكْمُ فيما إذا اكْتَرَاها إلى العَشِىِّ؛ لأنَّ أهْلَ العُرْفِ لا يَعْرِفُونَ غيرَ ما ذَكَرْناه. وإن اكْتَرَاها إلى اللَّيْلِ، فهو إلى أَوَّلِه، وكذلك إن اكْتَراها إلى النَّهارِ، فهو إلى أَوَّلِه. ويَتَخَرَّجُ أن يَدْخُلَ اللَّيْلُ في المُدّةِ الأُولَى، والنَّهَارُ في الثانيةِ؛ لما ذَكَرْناه في [مُدّةِ الخِيَارِ] (٢١)، والأَوّلُ أصَحُّ. وإن اكْتَراها نَهَارًا فهو إلى غُرُوبِ الشَّمْسِ. وإن اكْتَراها لَيْلةً، فهى إلى طُلُوعِ الفَجْرِ، في قول الجَمِيعِ؛ لأنَّ اللهَ تعالى قال في لَيْلَةِ القَدْرِ: ﴿سَلَامٌ هِيَ حَتَّى مَطْلَعِ الْفَجْرِ﴾ (٢٢). وقال تعالى: ﴿أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ الرَّفَثُ إِلَى نِسَائِكُمْ﴾ ثم قال: ﴿فَالْآنَ بَاشِرُوهُنَّ وَابْتَغُوا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ﴾ (٢٣).
فصل: وإن اكْتَرَى فُسْطَاطًا إلى مَكَّةَ، ولم يَقُلْ متى أَخْرُجُ (٢٤)، فالكِرَاءُ فاسِدٌ. وبه قال أبو ثَوْرٍ، وهو قِيَاسُ قولِ الشافِعِىِّ. وقال أصْحابُ الرَّأْى: يجوزُ اسْتِحْسانًا،
стр. 3813
بخِلَافِ القِيَاسِ. ولَنا، أنَّها مُدَّةٌ غيرُ مَعْلُومةِ الابْتِداءِ، فلم يَجزْ، كما لو (٢٥) قال: أَجَرْتُكَ دَارِى من حينَ يَخْرُجُ (٢٦) الحاجُّ إلى آخِر السَّنةِ. وقد اعْتَرَفُوا بمُخَالَفَتِه لِلدَّلِيلِ، وما ادَّعَوْهُ دَلِيلًا لا نُسَلِّمُ كونَه دَلِيلًا.
فصل: الحكم الثالث، أنَّه يُشْتَرَطُ في عِوَضِ الإِجَارَةِ كونُه مَعْلُومًا. لا نَعْلَمُ في ذلك خِلَافًا؛ وذلك لأنَّه عِوَضٌ في عَقْدِ مُعَاوَضةٍ، فوَجَبَ أن يكونَ مَعْلُومًا، كالثّمنِ في البَيْعِ، وقد رُوىَ عن النبيِّ ﷺ ، أنَّه قال: "مَنِ اسْتَأْجَرَ أَجِيرًا، فَلْيُعْلِمْهُ أَجْرَهُ" (٢٧). ويُعْتَبَرُ العِلْمُ بالرُّؤْيةِ أو بالصِّفَةِ كالبَيْعِ سواءً. فإن كان العِوَضُ مَعْلُومًا بالمُشَاهَدةِ دونَ القَدْرِ، كالصُّبْرَةِ، احْتَمَلَ وَجْهَيْنِ، أشْبَهَهُما الجَوَازُ؛ لأنَّه عِوَضٌ مَعْلُومٌ يجوزُ به البَيْعُ، فجازَتْ به الإِجَارَةُ، كما لو عَلِمَ قَدْرَه. والثانى: لا يجوزُ؛ لأنَّه قد يَنْفَسِخُ العَقْدُ بعدَ تَلَفِ الصُّبْرةِ، فلا يَدْرِى بكم يَرْجِعُ، فاشْتُرِطَ مَعْرِفَةُ قَدْرِه كَعِوَضِ المُسْلَمِ فيه. والأَوَّلُ أَوْلَى. وظاهِرُ كلامِ الخِرَقِىِّ أنَّ العِلْمَ بالقَدْرِ في عِوَضِ السَّلَمِ ليس بِشَرْطٍ، ثم الفَرْقُ بينهما أنَّ المَنْفَعةَ ههُنا أُجْرِيَتْ مُجْرَى الأعْيانِ؛ لأنَّها مُتَعَلِّقةٌ بِعَيْنٍ حاضِرَةٍ، والسَّلَمُ يَتَعَلَّقُ بمَعْدُومٍ، فَافْتَرَقَا، وللشّافِعِىِّ نحْوٌ ممّا ذَكَرْنا في هذا الفَصْلِ.
فصل: وكلُّ ما جازَ ثَمَنًا في البَيْعِ، جازَ عِوَضًا في الإِجَارَةِ؛ لأنَّه عَقْدُ مُعَاوَضةٍ أشْبَه البَيْعَ. فعلى هذا يجوزُ أن يكونَ العِوَضُ عَيْنًا ومَنْفَعَةً أُخْرَى، سواءٌ كان الجِنْسُ واحِدًا، كمَنْفَعةِ دارٍ بمَنْفَعةِ (٢٨) أُخْرَى، أو مُخْتَلِفًا، كمَنْفَعةِ دارٍ بمَنْفَعةِ عَبْدٍ، قال
стр. 3814
أحمدُ: لا بَأْسَ أن يَكْتَرِىَ بطَعَامٍ مَوْصُوفٍ مَعْلُومٍ. وبهذا كلِّه قال الشافِعِىُّ، قال اللهُ تعالى إخْبارًا عن شُعَيْبٍ، أنَّه قال: ﴿إِنِّي أُرِيدُ أَنْ أُنْكِحَكَ إِحْدَى ابْنَتَيَّ هَاتَيْنِ عَلَى أَنْ تَأْجُرَنِي ثَمَانِيَ حِجَجٍ﴾ فجَعَل النِّكَاحَ عِوَضَ الإِجَارَةِ. وقال أبو حنيفةَ؛ فيما حُكِىَ عنه: لا تجوزُ إجَارَةُ دارٍ بسُكْنَى أُخْرَى، ولا يَجُوزُ إلَّا (٢٩) أن يَخْتَلِفَ جِنْسُ المَنْفَعةِ، كسُكْنَى دارٍ بمَنْفَعةِ بَهِيمةٍ؛ لأنَّ الجِنْسَ الواحدَ عنده يُحَرِّمُ النَّسَاءَ. وكَرِهَ الثَّوْرِىُّ الإِجَارةَ بِطَعَامٍ مَوْصوفٍ. والصَّحِيحُ جَوَازُه، وهو قول إسحاقَ، وأصْحابِ الرَّأْى، وقِيَاسُ قولِ الشافِعِىِّ؛ لأنَّه عِوَضٌ يجوزُ في البَيْعِ، فجازَ في الإِجَارَةِ، كالذَّهَبِ والفِضَّةِ. وما قاله أبو حنيفَةَ لا يَصِحُّ؛ لأنَّ المنافِعَ في الإِجَارَةِ ليست في تَقْدِير النَّسِيئَةِ، ولو كانت نَسِيئَةً ما جازَ في جِنْسَيْنِ؛ لأنَّه يكونُ بَيْعَ دَيْنٍ بَدَيْنٍ.
فصل: ولو اسْتَأْجَرَ رَجُلًا لِيَسْلُخَ له بَهِيمَةً بجِلْدِها، لم يَجُزْ؛ لأنَّه لا يعْلَمُ هل يَخْرُجُ الجِلْدُ سَلِيمًا أو لا، وهل هو ثَخِينٌ أو رَقِيقٌ، ولأنَّه لا يجوزُ أن يكونَ ثمَنًا في البَيْعِ، فلا يجوزُ أن يكونَ عِوَضًا في الإِجَارَةِ، كسائِر المَجْهُولاتِ. فإن سَلَخَه بذلك، فله أجْرُ مِثْلِه. وإن اسْتَأْجَرَه لِطَرْحِ مَيْتةٍ بِجِلْدِها، فهو أبْلَغُ في الفَسَادِ؛ لأنَّ جِلْدَ المَيْتةِ نَجِسٌ لا يجوزُ بَيْعُه، وقد خَرَجَ بمَوْتِه عن كَوْنِه مِلْكًا. وإن فَعَلَ، فله أجْرُ مِثْلِه أيضًا.
فصل: ولو اسْتَأْجَرَ رَاعِيًا لِغَنَمٍ بثُلُثِ دَرِّهَا ونَسْلِها وصُوفِها وشَعْرِها، أو نِصْفِه، أو جَمِيعِه، لم يَجُزْ. نَصَّ عليه أحمدُ، في رِوَايةِ جعفرِ بن محمدٍ النَّسَائِىّ (٣٠)؛ لأنَّ الأجْرَ غيرُ مَعْلُومٍ، ولا يَصْلُحُ عِوَضًا في البَيْعِ. وقال إسماعِيلُ بن سَعِيدٍ: سَأَلْتُ أحمدَ عن الرَّجُلِ يَدْفَعُ البَقَرةَ إلى الرَّجُلِ، على أن يَعْلِفَها ويَتَحَفَّظَها (٣١)، وما وَلَدَتْ من وَلَدٍ
стр. 3815
بينهما. فقال: أكْرَهُ ذلك. وبه قال أبو (٣٢) أيُّوبَ، وأبو خَيْثَمةَ (٣٣). ولا أعْلَمُ فيه مُخَالِفًا؛ وذلك لأنَّ العِوَضَ مَجْهُولٌ مَعْدُومٌ، ولا يَدْرِى أيُوجَدُ أم لا، والأصْلُ عَدَمُه، ولا يَصِحُّ أن يكونَ ثَمَنًا. فإن قيل: فقد جَوَّزْتُم دَفْعَ الدّابَّةِ إلى مَن يَعْمَلُ عليها بِنِصْفِ رِبْحِها. قُلْنا: إنَّما جازَ ثَمَّ تَشْبِيهًا بالمُضَارَبةِ؛ لأنَّها عَيْنٌ تُنَمَّى بالعَمَلِ، فجازَ اشْتِرَاطُ جُزْءٍ من النَّماءِ، [والمُساقَاةُ كالمُضَارَبةِ، وفي مَسْأَلَتِنا لا يُمْكِنُ ذلك؛ لأنَّ النَّماءَ] (٣٤) الحاصِلَ في الغَنَمِ لا يَقِفُ حُصُولُه على عَمَلِه فيها، فلم يُمْكِنْ إلْحاقُه بذلك. وإن اسْتَأْجَرَه على رِعَايَتها مُدَّةً مَعْلُومةً، بنِصْفِها، أو جُزْءٍ مَعْلُومٍ (٣٢) منها، صَحَّ؛ لأنَّ العَمَلَ والأجْرَ والمُدَّةَ مَعْلُومٌ، فصَحَّ، كما لو (٣٥) جَعَلَ الأجْرَ دَرَاهِمَ، ويكونُ النَّماءُ الحاصِلُ بينهما بِحُكْمِ المِلْكِ، لأنَّه مَلَكَ الجُزْءَ المَجْعُولَ له منها في الحالِ، فيكونُ له نَمَاؤُه، كما لو اشْتَرَاه.
فصل: الحكم الرابع، أنَّ الإِجَارَةَ إذا تَمَّتْ، وكانت على مُدّةٍ، مَلَكَ المُسْتَأْجِرُ المنَافِعَ المَعْقُودَ عليها إلى المُدَّةِ، ويكونُ حُدُوثُها على مِلْكِه. وبهذا قال الشافِعِىُّ. وقال أبو حنيفةَ: تَحْدُثُ على مِلْكِ المُؤْجِرِ، ولا يَمْلِكُها المُسْتَأْجِرُ بالعَقْدِ؛ لأنَّها مَعْدُومةٌ، فلا تكونُ مَمْلُوكَةً، كالثَّمرةِ والوَلَدِ. ولَنا، أنَّ المِلْكَ عِبَارَةٌ عن حُكْمٍ يَحْصُلُ به تَصَرُّفٌ مَخْصُوصٌ، وقد ثَبَتَ أنَّ هذه المَنْفَعةَ المُسْتَقْبَلةَ كان مالِكُ العَيْنِ يَتَصَرَّفُ فيها كتَصَرُّفِه في العَيْنِ، فلما أجَرَها صارَ المُسْتَأْجِرُ مالِكًا لِلتَّصَرُّفِ فيها، كما كان يَمْلِكُه المُؤْجِرُ، فثَبَتَ أنَّها كانت مَمْلُوكةً لمالِكِ العَيْنِ، ثم انْتَقَلَتْ إلى المُسْتَأْجِرِ، بخِلَافِ الوَلَدِ والثّمَرةِ، فإنَّ المُسْتَأْجِرَ لا يَمْلِكُ التَّصَرُّفَ فيها. وقولُهم: إنَّ المَنافِعَ
стр. 3816
مَعْدُومةً. قُلْنا: هي مُقَدَّرَةُ الوُجُودِ؛ لأنَّها جُعِلَت مَوْرِدًا لِلْعَقْدِ، والعَقدُ لا يَرِدُ إلَّا على مَوْجُودٍ.
فصل: الحكم الخامس، أنَّ المُؤْجِرَ يَمْلِكُ الأُجْرَةَ بمُجَرَّدِ العَقْدِ، إذْا أطْلَقَ ولم يَشْتَرِط المُسْتَأْجِرُ أجَلًا، كما يَمْلِكُ البائِعُ الثّمنَ بالبَيْعِ. وبهذا قال الشافِعِىُّ. وقال مالِكٌ، وأبو حنيفةَ: لا يَملِكُها بالعَقْدِ، فلا يَسْتَحِقُّ المُطَالَبةَ بها إلَّا يَوْمًا بيومٍ، إلَّا أن يَشْتَرِطَ تَعْجِيلَها. قال أبو حنيفةَ: إلَّا أن تكون مُعَيَّنةً، كالثَّوْبِ والعَبْدِ والدّارِ؛ لأنَّ اللَّه تعالى قال: ﴿فَإِنْ أَرْضَعْنَ لَكُمْ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ﴾ (٣٦). فأمَرَ بإِيتَائِهِنَّ بعدَ الإِرضَاعِ (٣٧)، وقال النبيُّ ﷺ : "ثَلَاثَةٌ أنَا خَصْمُهُم يَوْمَ القِيَامَةِ، رَجُلٌ اسْتَأْجَرَ أَجِيرًا فَاسْتَوْفَى مِنْهُ وَلَمْ يُوَفِّه أَجْرَهُ" (٣٨). فتَوَعَّدَ على الامْتِناعِ من دَفْعِ الأجْرِ بعدَ العَمَلِ. دَلَّ (٣٩) على أنَّها حالةُ الوُجُوبِ. ورُوِى عنه ﵇ أنَّه قال: "أَعْطُوا الْأَجِيرَ أَجْرَهُ قَبْلَ أَنْ يَجِفَّ عَرَقُهُ". رَوَاهُ ابنُ ماجَه (٤٠)، ولأنَّه عِوَضٌ لم يَمْلكْ مُعَوَّضَه، فلم يَجِبْ تَسْلِيمُه، كالعِوَضِ في العَقْدِ الفاسِدِ، فإنَّ المنَافِعَ مَعْدُومةٌ لم تُمْلَكْ، ولو مُلِكَتْ فلم يَتَسَلَّمْها، لأنَّه يَتَسَلَّمُها شَيْئًا فشَيئًا. فلا يَجِبُ عليه العِوَضُ مع تَعَذُّرِ التَّسْلِيمِ فى العَقْدِ. ولَنا، أنَّه عِوَضٌ أُطْلِقَ ذِكْرُه في عَقْدِ مُعَاوَضةٍ، فيُسْتَحَقُّ بمُطْلَقِ العَقْدِ، كالثَّمنِ والصَّدَاقِ. أو نَقُولُ: عِوَض في عَقْدٍ يُتَعَجَّلُ بالشَّرْطِ، فوَجَبَ أن يُتَعَجَّلَ بمُطْلَقِ العَقْدِ، كالذى ذَكَرْنا (٤١). فأمَّا الآيةُ فيحْتَمِلُ أنَّه أرَادَ الإِيتَاءَ عند الشُّرُوعِ في الإِرْضاعِ (٤٢)، أو تَسْلِيمِ نَفْسِها، كما قال تعالى: ﴿فَإِذَا
стр. 3817
قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ﴾ (٤٣). أي إذا أَرَدْتَ القِرَاءةَ. ولأنَّ هذا تَمَسُّكٌ بِدَلِيلِ الخِطَابِ، ولا يَقُولُون بِه، وكذلك الحَدِيثُ، يُحقِّقُه أنَّ الأمْرَ بالإِيتَاءِ في وَقْتٍ لا يَمْنَعُ وُجُوبَه قبله، كقَوْلِه: ﴿فَمَا اسْتَمْتَعْتُمْ بِهِ مِنْهُنَّ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ﴾ (٤٤). والصَّدَاقُ يَجِبُ قبل الاسْتِمْتاعِ، وهذا هو الجَوَابُ عن الحَدِيثِ، ويَدُلُّ عليه أنَّه إنَّما تَوَعَّدَ على تَرْكِ الإِيفَاءِ [بعدَ الفَرَاغِ من العَمَلِ، وقد قُلْتُم: يَجِبُ الأَجْرُ شَيْئًا فشَيْئًا. ويَحْتَمِلُ أنَّه تَوَعَّدَه على تَرْكِ الإِيفاءِ] (٤٥) في الوَقْتِ الذي تَتَوَجَّهُ المُطَالَبةُ فيه عادَةً. جَوَابٌ آخَرُ، أنَّ الآيةَ والأخْبارَ إنَّما وَرَدَتْ في مَن اسْتُؤْجِرَ على عَمَلٍ، فأمَّا ما وَقَعَتِ الإِجَارَةُ فيه على مُدَّةٍ، فلا تَعَرُّضَ (٤٦) لها به، وأمَّا إذا كانت الإِجارَةُ على عَمَلٍ، فإنَّ الأَجْرَ يُمْلَكُ بالعَقْدِ أيضًا، لكنْ لا يُسْتَحَقُّ تَسْلِيمُه إلَّا عند تَسْلِيمِ العَمَلِ. قال ابنُ أبي موسى: مَن اسْتُؤْجِرَ لِعَمَلٍ مَعْلُومٍ، اسْتَحَقَّ الأجْرَ عند إِيفَاءِ العَمَلِ، وإن اسْتُؤْجِرَ في كل يومٍ بأَجْرٍ مَعْلُومٍ، فله أجْرُ كلِّ يومٍ عندَ تَمَامِه. وقال أبو الخَطَّابِ: الأجْرُ يُمْلَكُ بالعَقْدِ، ويُسْتَحَقُّ بالتَّسْلِيمِ، ويَسْتَقِرُّ بمُضِىِّ المُدَّةِ، وإنَّما تَوَتَّفَ اسْتِحْقاقُ تَسْلِيمِه على العَمَلِ؛ لأنَّه عِوَضٌ، فلا يُسْتَحَقُّ تَسْلِيمُه إلَّا مع تَسْلِيمِ المُعَوَّضِ، كالصَّدَاقِ والثمَنِ في المَبِيعِ، وفارَقَ الإِجَارَةَ على الأعْيانِ؛ لأنَّ تَسْلِيمَها جَرَى (٤٧) مَجْرَى تَسْلِيمِ نَفْعِها، ومتى كان (٤٨) على مَنْفَعةٍ في الذِّمَّةِ، لم يَحْصُلْ تَسْلِيمُ المَنْفَعةِ، ولا ما يقُومُ مَقامَها (٤٩)، فَتَوقَّفَ (٥٠) اسْتِحْقاقُ تَسْلِيمِ الأجْرِ على تَسْلِيمِ العَمَلِ. وقولُهم: لم يَمْلِك المنَافِعَ. قد سَبَقَ الجَوَابُ عنه. فإن قِيلَ:
стр. 3818
فإنَّ المُؤْجِرَ إذا قَبَضَ الأجْرَ، انتفَعَ به كلِّه، بخِلَافِ المُسْتَأْجِرِ، فإنَّه لا يَحْصُلُ له اسْتِيفَاءُ المَنْفَعةِ كلِّها. قلْنا: لا يَمْتَنِعُ هذا، كما لو شَرَطَا (٥١) التَّعْجِيلَ، أو كان الثمَنُ عَيْنًا.
فصل: الحكم السادس، أنَّه إذا شَرَطَ تَأْجِيلَ الأجْرِ، فهو إلى أجَلِه، وإن شَرَطَه مُنَجَّمًا يومًا يومًا، أو شَهْرًا شَهْرًا، أو أقَلَّ من ذلك أو أكثَرَ، فهو على ما اتَّفَقَا عليه؛ لأنَّ إِجَارةَ العَيْنِ كَبَيْعِها، وبَيْعُها يَصِحُّ بثَمَنٍ حالٍّ أو مُؤَجَّلٍ، فكذلك إِجَارَتُها.
فصل: وإذا اسْتَوْفَى المُسْتَأْجِرُ المنَافِعَ، اسْتَقَرَّ الأَجْرُ؛ لأنَّه قَبَضَ المَعْقُودَ عليه، فاسْتَقَرَّ عليه البَدَلُ، كما لو قَبَضَ المَبِيعَ. وإن سُلِّمَتْ إليه العَيْنُ التي وَقَعَتِ الإِجَارَةُ عليها، ومَضَتِ المُدَّةُ، ولا حاجِزَ له عن الانْتِفاعِ، اسْتَقَرَّ الأجْرُ وإن لم يَنْتَفِعْ؛ لأنَّ المَعْقُودَ عليه تَلِفَ تحتَ يَدِه، وهى حَقُّه، فاسْتَقَرَّ عليه بَدَلُها، كثَمَنِ المَبِيعِ إذا تَلِفَ في يَدِ المُشْتَرِى. وإن كانت الإِجَارَةُ على عَمَلٍ، فتَسَلَّمَ المَعْقُودَ عليه، ومَضَتْ مدَّةٌ يُمْكِنُ اسْتِيفاءُ المَنْفَعةِ فيها، مثل أن يَكْتَرِىَ دَابّةً لِيَرْكَبَها إلى حِمْصَ، فقبَضَها، ومَضَتْ مُدّةٌ يُمْكِنُ رُكُوبُها فيها، فقال أصْحَابُنا: يَسْتَقِرُّ عليه الأجْرُ. وهو مذهبُ الشّافِعِىِّ؛ لأنَّ المَنافِعَ تَلِفَتْ تحتَ يَدِه بِاخْتِيارِه، فاسْتَقَرَّ الضَّمَانُ عليه، كما لو تَلِفَتِ العَيْنُ في يَدِ المُشْتَرِى، وكما لو كانت الإِجَارَةُ على مُدَّةٍ فمَضَتْ. وقال أبو حنيفةَ: لا يَسْتَقِرُّ الأجْرُ عليه حتى يَسْتَوْفِىَ المَنْفَعةَ؛ لأنَّه عَقْدٌ على مَنْفَعةٍ غير مُؤَقَّتَةٍ بزَمَنٍ، فلم يَسْتَقِرّ بَدَلُها (٥٢) قبلَ اسْتِيفَائِها، كالأجْرِ للأجِيرِ (٥٣) المُشْتَركِ. فإن بَذَلَ تَسْلِيمَ العَيْنِ، فلم يَأْخُذْها المُسْتَأْجِرُ حتى انْقَضَتِ المُدّةُ. اسْتَقَرَّ الأجْرُ عليه؛ لأنَّ المنَافِعَ تَلِفَتْ بِاخْتِيارِه في مُدَّةِ الإِجَارَةِ، فاسْتَقَرَّ عليه الأجْرُ، كما لو كانت في يَدِه. وإن بَذَلَ تَسْلِيمَ العَيْنِ، وكانت الإِجَارَةُ على عَمَلٍ، فقال أصْحَابُنا: إذا مَضَتْ مُدَّةٌ يُمْكِنُ
стр. 3819
الاسْتِيفَاءُ فيها، اسْتَقَرَّ عليه الأجْرُ. وبهذا قال الشافِعىُّ؛ لأنَّ المَنافِعَ تَلِفَتْ بِاخْتِيَارِه. وقال أبو حنِيفةَ: لا أجْرَ عليه. وهو أصَحُّ عِنْدِى؛ لأنَّه عَقْدٌ على ما في الذِّمَّةِ، فلم يَسْتَقِرَّ عِوَضُه بِبَذْلِ التَّسْلِيمِ، كالمُسْلَمِ فيه، ولأنَّه عَقْدٌ على مَنْفَعةٍ غير مُؤَقَّتةٍ بِزَمَنٍ، فلم يَسْتَقِرَّ عِوَضُها بالبَذْلِ، كالصَّدَاقِ إذا بَذَلَتْ تَسْلِيمَ نَفْسِها وامْتَنَعَ الزَّوْجُ مِن أخْذِها. وإن كان هذا في إِجَارَةٍ فاسِدَةٍ، ففيما إذا عَرَضَها على المُسْتَأْجِرِ فلم يَأْخُذْها لا أجْرَ عليه؛ لأنَّها لم تَتْلَفْ تحتَ يَدِه، ولا في مِلْكِه. وإن قَبَضَها، ومَضَتِ المُدّةُ، أو مُدَّةٌ يُمْكِنُ (٥٤) اسْتِيفاءُ المَنْفَعةِ فيها أو لا يُمْكِنُ، فعن أحمدَ رِوَايَتانِ؛ إحْداهما، عليه أجْرُ المِثْلِ لِمُدّةِ بَقَائِها في يَدِه، وهو قولُ الشافِعىِّ؛ لأنَّ المنَافِعَ تَلِفَتْ تحت يَدِه بعِوَضٍ لم يُسَلَّمْ له، فرَجَعَ إلى قِيمَتِها، كما لو اسْتَوْفَاها. والثانية، لا شىءَ له. وهو قولُ أبى حنيفةَ؛ لأنَّه عَقْدٌ فاسِدٌ على مَنَافِعَ لم يَسْتَوْفِها، فلم يَلْزَمْهُ عِوَضُها، كالنِّكَاحِ الفاسِدِ، وإن اسْتَوْفَى المَنْفَعةَ في العَقْدِ الفاسِدِ، فعليه أجْرُ المِثْلِ. وبه قال مالِكٌ، والشافِعىُّ، وقال أبو حنيفةَ: يَجِبُ أقَلُّ الأمْرَيْنِ، من المُسَمَّى أو أجْرِ المِثْلِ، بِنَاءً منه على أنَّ المنَافِعَ لا تُضْمَنُ إلَّا بالعَقْدِ. ولَنا، أنَّ ما ضُمِنَ بالمُسَمَّى في العَقْدِ الصَّحِيحِ، وَجَبَ ضَمَانُه بِجَمِيع القِيمَةِ في الفاسِدِ، كالأعْيانِ. وما ذَكَره لا نُسَلِّمُهُ. واللَّه أعلم.
٨٩٢ - مسألة؛ قال: (وَإذَا وَقَعَتِ الْإِجَارَةُ عَلَى كُلِّ شَهْرٍ بِشَىْءٍ مَعْلُومٍ، لَمْ يَكُنْ لِوَاحِدٍ مِنْهُمَا الْفَسْخُ، إلَّا عِنْدَ تَقَضِّى كُلِّ شَهْرٍ)
وجملةُ ذلك أنَّه إذا قال: أجَرْتُكَ هذا كلَّ شَهْرٍ بِدِرْهَمٍ. فاخْتَلَفَ أصْحَابُنا، فذَهَبَ القاضي إلى أنَّ الإِجَارَةَ صَحِيحَةٌ. وهو المَنْصُوصُ عن أحمدَ، في رِوَايةِ ابن منصورٍ، واخْتِيَارُ الخِرَقِىِّ، إلَّا أنَّ الشَّهْرَ الأَول تَلْزَمُ الإِجَارَةُ فيه بإطْلَاقِ العَقْدِ؛ لأنَّه مَعْلُومٌ يَلِى العَقْدَ، وله أجْرٌ مَعْلُومٌ، وما بعدَه من الشُّهُورِ يَلْزَمُ العَقْدُ فيه بالتَّلَبُّسِ
стр. 3820
به (١)، وهو السُّكْنَى في الدّارِ إن كانت الإِجَارَةُ على دَارٍ؛ لأنَّه مَجْهُولٌ حالَ العَقْدِ، فإذا تَلَبَّسَ به، تَعَيَّنَ بالدُّخُولِ فيه، فصَحَّ بالعَقْدِ الأوَّلِ، وإن لم يَتَلَبَّسْ به، أو فَسَخَ العَقْدَ عندَ انْقِضَاءِ الأولِ، انْفَسَخَ. وكذلك حُكْمُ كلِّ شَهْرٍ يأتى (٢). وهذا مذهبُ أبى ثَوْرٍ، وأصْحابِ الرَّأْىِ. وحُكِىَ عن مالِكٍ نحوُ هذا، إلَّا أنَّ الإِجَارَةَ لا تكونُ لازِمَةً عندَه؛ لأنَّ المَنافِعَ مُتَقَدّرَةٌ بِتَقْدِيرِ الأجْرِ، فلا يحْتَاجُ إلى ذِكْرِ المُدّةِ إلَّا في اللُّزُومِ. واخْتارَ أبو بكرٍ عبدُ العزيز بن جعفرٍ، وأبو عبدِ اللَّه ابن حامِدٍ، أنَّ العَقْدَ باطِلٌ. وهو قول الثَّوْرِىِّ، والصَّحِيحُ من قَوْلَىِ الشَّافِعِىِّ؛ لأنَّ كلَّ اسْمٍ لِلْعَدَدِ، فإذا لم يُقَدِّرْهُ كان مُبْهَمًا (٣) مَجْهُولًا، فيكونُ فاسِدًا، كما لو قال: أجَرْتُكَ مُدَّةً أو شَهْرًا (٤). وحَمَلَ أبو بكرٍ وابنُ حامدٍ كلامَ أحمدَ في هذا على أنَّ الإِجَارَةَ وَقَعَتْ على أشْهُرٍ (٥) مُعَيَّنةٍ. ووَجْهُ الأَوَّلِ، أن عَلِيًّا رَضِىَ اللهُ عنه، اسْتَقَى لِرَجُلٍ من اليَهُودِ كَلَّ دَلْوٍ بتَمْرَةٍ، وجاءَ به إلى النبيِّ ﷺ فَأَكَلَ (٦) منه. قال عَلِىٌّ: كنتُ أدْلُو الدَّلْوَ بتَمْرَةٍ وأشْتَرِطُها جَلْدَةً. وعن رجلٍ من الأنْصارِ أنَّه قال لِيَهُودِىٍّ: أسْقِى نَخْلَكَ؟ قال: نعم، كلُّ دَلْوٍ بِتَمْرَةٍ. واشْتَرَطَ الأنْصَارِىُّ أن لا يَأْخُذَها خَدِرَةً (٧) ولا تَارِزَةً (٨) ولا حَشَفةً (٩)، ولا يَأْخُذَ إلَّا جَلْدَةً. فاسْتَقَى بنحوٍ من صَاعَيْنِ، فجاءَ به إلى النبيِّ ﷺ . رَوَاهُما ابنُ مَاجَه في "سُنَنِه" (١٠). وهو نَظِيرُ مَسْأَلَتِنا. ولأنَّ شُرُوعَه في كلِّ شَهْرٍ، مع ما تَقَدَّمَ في العَقْدِ