← Фикх ханбали

Фикх ханбали · id 6910

المغني لابن قدامة - ت التركي

ابن قدامة

Полный текст (7 955 стр.). Показаны 3816–3855 · переход к 3821.

стр. 3816

مَعْدُومةً. قُلْنا: هي مُقَدَّرَةُ الوُجُودِ؛ لأنَّها جُعِلَت مَوْرِدًا لِلْعَقْدِ، والعَقدُ لا يَرِدُ إلَّا على مَوْجُودٍ. فصل: الحكم الخامس، أنَّ المُؤْجِرَ يَمْلِكُ الأُجْرَةَ بمُجَرَّدِ العَقْدِ، إذْا أطْلَقَ ولم يَشْتَرِط المُسْتَأْجِرُ أجَلًا، كما يَمْلِكُ البائِعُ الثّمنَ بالبَيْعِ. وبهذا قال الشافِعِىُّ. وقال مالِكٌ، وأبو حنيفةَ: لا يَملِكُها بالعَقْدِ، فلا يَسْتَحِقُّ المُطَالَبةَ بها إلَّا يَوْمًا بيومٍ، إلَّا أن يَشْتَرِطَ تَعْجِيلَها. قال أبو حنيفةَ: إلَّا أن تكون مُعَيَّنةً، كالثَّوْبِ والعَبْدِ والدّارِ؛ لأنَّ اللَّه تعالى قال: ﴿فَإِنْ أَرْضَعْنَ لَكُمْ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ﴾ (٣٦). فأمَرَ بإِيتَائِهِنَّ بعدَ الإِرضَاعِ (٣٧)، وقال النبيُّ ﷺ : "ثَلَاثَةٌ أنَا خَصْمُهُم يَوْمَ القِيَامَةِ، رَجُلٌ اسْتَأْجَرَ أَجِيرًا فَاسْتَوْفَى مِنْهُ وَلَمْ يُوَفِّه أَجْرَهُ" (٣٨). فتَوَعَّدَ على الامْتِناعِ من دَفْعِ الأجْرِ بعدَ العَمَلِ. دَلَّ (٣٩) على أنَّها حالةُ الوُجُوبِ. ورُوِى عنه ﵇ أنَّه قال: "أَعْطُوا الْأَجِيرَ أَجْرَهُ قَبْلَ أَنْ يَجِفَّ عَرَقُهُ". رَوَاهُ ابنُ ماجَه (٤٠)، ولأنَّه عِوَضٌ لم يَمْلكْ مُعَوَّضَه، فلم يَجِبْ تَسْلِيمُه، كالعِوَضِ في العَقْدِ الفاسِدِ، فإنَّ المنَافِعَ مَعْدُومةٌ لم تُمْلَكْ، ولو مُلِكَتْ فلم يَتَسَلَّمْها، لأنَّه يَتَسَلَّمُها شَيْئًا فشَيئًا. فلا يَجِبُ عليه العِوَضُ مع تَعَذُّرِ التَّسْلِيمِ فى العَقْدِ. ولَنا، أنَّه عِوَضٌ أُطْلِقَ ذِكْرُه في عَقْدِ مُعَاوَضةٍ، فيُسْتَحَقُّ بمُطْلَقِ العَقْدِ، كالثَّمنِ والصَّدَاقِ. أو نَقُولُ: عِوَض في عَقْدٍ يُتَعَجَّلُ بالشَّرْطِ، فوَجَبَ أن يُتَعَجَّلَ بمُطْلَقِ العَقْدِ، كالذى ذَكَرْنا (٤١). فأمَّا الآيةُ فيحْتَمِلُ أنَّه أرَادَ الإِيتَاءَ عند الشُّرُوعِ في الإِرْضاعِ (٤٢)، أو تَسْلِيمِ نَفْسِها، كما قال تعالى: ﴿فَإِذَا

стр. 3817

قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ﴾ (٤٣). أي إذا أَرَدْتَ القِرَاءةَ. ولأنَّ هذا تَمَسُّكٌ بِدَلِيلِ الخِطَابِ، ولا يَقُولُون بِه، وكذلك الحَدِيثُ، يُحقِّقُه أنَّ الأمْرَ بالإِيتَاءِ في وَقْتٍ لا يَمْنَعُ وُجُوبَه قبله، كقَوْلِه: ﴿فَمَا اسْتَمْتَعْتُمْ بِهِ مِنْهُنَّ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ﴾ (٤٤). والصَّدَاقُ يَجِبُ قبل الاسْتِمْتاعِ، وهذا هو الجَوَابُ عن الحَدِيثِ، ويَدُلُّ عليه أنَّه إنَّما تَوَعَّدَ على تَرْكِ الإِيفَاءِ [بعدَ الفَرَاغِ من العَمَلِ، وقد قُلْتُم: يَجِبُ الأَجْرُ شَيْئًا فشَيْئًا. ويَحْتَمِلُ أنَّه تَوَعَّدَه على تَرْكِ الإِيفاءِ] (٤٥) في الوَقْتِ الذي تَتَوَجَّهُ المُطَالَبةُ فيه عادَةً. جَوَابٌ آخَرُ، أنَّ الآيةَ والأخْبارَ إنَّما وَرَدَتْ في مَن اسْتُؤْجِرَ على عَمَلٍ، فأمَّا ما وَقَعَتِ الإِجَارَةُ فيه على مُدَّةٍ، فلا تَعَرُّضَ (٤٦) لها به، وأمَّا إذا كانت الإِجارَةُ على عَمَلٍ، فإنَّ الأَجْرَ يُمْلَكُ بالعَقْدِ أيضًا، لكنْ لا يُسْتَحَقُّ تَسْلِيمُه إلَّا عند تَسْلِيمِ العَمَلِ. قال ابنُ أبي موسى: مَن اسْتُؤْجِرَ لِعَمَلٍ مَعْلُومٍ، اسْتَحَقَّ الأجْرَ عند إِيفَاءِ العَمَلِ، وإن اسْتُؤْجِرَ في كل يومٍ بأَجْرٍ مَعْلُومٍ، فله أجْرُ كلِّ يومٍ عندَ تَمَامِه. وقال أبو الخَطَّابِ: الأجْرُ يُمْلَكُ بالعَقْدِ، ويُسْتَحَقُّ بالتَّسْلِيمِ، ويَسْتَقِرُّ بمُضِىِّ المُدَّةِ، وإنَّما تَوَتَّفَ اسْتِحْقاقُ تَسْلِيمِه على العَمَلِ؛ لأنَّه عِوَضٌ، فلا يُسْتَحَقُّ تَسْلِيمُه إلَّا مع تَسْلِيمِ المُعَوَّضِ، كالصَّدَاقِ والثمَنِ في المَبِيعِ، وفارَقَ الإِجَارَةَ على الأعْيانِ؛ لأنَّ تَسْلِيمَها جَرَى (٤٧) مَجْرَى تَسْلِيمِ نَفْعِها، ومتى كان (٤٨) على مَنْفَعةٍ في الذِّمَّةِ، لم يَحْصُلْ تَسْلِيمُ المَنْفَعةِ، ولا ما يقُومُ مَقامَها (٤٩)، فَتَوقَّفَ (٥٠) اسْتِحْقاقُ تَسْلِيمِ الأجْرِ على تَسْلِيمِ العَمَلِ. وقولُهم: لم يَمْلِك المنَافِعَ. قد سَبَقَ الجَوَابُ عنه. فإن قِيلَ:

стр. 3818

فإنَّ المُؤْجِرَ إذا قَبَضَ الأجْرَ، انتفَعَ به كلِّه، بخِلَافِ المُسْتَأْجِرِ، فإنَّه لا يَحْصُلُ له اسْتِيفَاءُ المَنْفَعةِ كلِّها. قلْنا: لا يَمْتَنِعُ هذا، كما لو شَرَطَا (٥١) التَّعْجِيلَ، أو كان الثمَنُ عَيْنًا. فصل: الحكم السادس، أنَّه إذا شَرَطَ تَأْجِيلَ الأجْرِ، فهو إلى أجَلِه، وإن شَرَطَه مُنَجَّمًا يومًا يومًا، أو شَهْرًا شَهْرًا، أو أقَلَّ من ذلك أو أكثَرَ، فهو على ما اتَّفَقَا عليه؛ لأنَّ إِجَارةَ العَيْنِ كَبَيْعِها، وبَيْعُها يَصِحُّ بثَمَنٍ حالٍّ أو مُؤَجَّلٍ، فكذلك إِجَارَتُها. فصل: وإذا اسْتَوْفَى المُسْتَأْجِرُ المنَافِعَ، اسْتَقَرَّ الأَجْرُ؛ لأنَّه قَبَضَ المَعْقُودَ عليه، فاسْتَقَرَّ عليه البَدَلُ، كما لو قَبَضَ المَبِيعَ. وإن سُلِّمَتْ إليه العَيْنُ التي وَقَعَتِ الإِجَارَةُ عليها، ومَضَتِ المُدَّةُ، ولا حاجِزَ له عن الانْتِفاعِ، اسْتَقَرَّ الأجْرُ وإن لم يَنْتَفِعْ؛ لأنَّ المَعْقُودَ عليه تَلِفَ تحتَ يَدِه، وهى حَقُّه، فاسْتَقَرَّ عليه بَدَلُها، كثَمَنِ المَبِيعِ إذا تَلِفَ في يَدِ المُشْتَرِى. وإن كانت الإِجَارَةُ على عَمَلٍ، فتَسَلَّمَ المَعْقُودَ عليه، ومَضَتْ مدَّةٌ يُمْكِنُ اسْتِيفاءُ المَنْفَعةِ فيها، مثل أن يَكْتَرِىَ دَابّةً لِيَرْكَبَها إلى حِمْصَ، فقبَضَها، ومَضَتْ مُدّةٌ يُمْكِنُ رُكُوبُها فيها، فقال أصْحَابُنا: يَسْتَقِرُّ عليه الأجْرُ. وهو مذهبُ الشّافِعِىِّ؛ لأنَّ المَنافِعَ تَلِفَتْ تحتَ يَدِه بِاخْتِيارِه، فاسْتَقَرَّ الضَّمَانُ عليه، كما لو تَلِفَتِ العَيْنُ في يَدِ المُشْتَرِى، وكما لو كانت الإِجَارَةُ على مُدَّةٍ فمَضَتْ. وقال أبو حنيفةَ: لا يَسْتَقِرُّ الأجْرُ عليه حتى يَسْتَوْفِىَ المَنْفَعةَ؛ لأنَّه عَقْدٌ على مَنْفَعةٍ غير مُؤَقَّتَةٍ بزَمَنٍ، فلم يَسْتَقِرّ بَدَلُها (٥٢) قبلَ اسْتِيفَائِها، كالأجْرِ للأجِيرِ (٥٣) المُشْتَركِ. فإن بَذَلَ تَسْلِيمَ العَيْنِ، فلم يَأْخُذْها المُسْتَأْجِرُ حتى انْقَضَتِ المُدّةُ. اسْتَقَرَّ الأجْرُ عليه؛ لأنَّ المنَافِعَ تَلِفَتْ بِاخْتِيارِه في مُدَّةِ الإِجَارَةِ، فاسْتَقَرَّ عليه الأجْرُ، كما لو كانت في يَدِه. وإن بَذَلَ تَسْلِيمَ العَيْنِ، وكانت الإِجَارَةُ على عَمَلٍ، فقال أصْحَابُنا: إذا مَضَتْ مُدَّةٌ يُمْكِنُ

стр. 3819

الاسْتِيفَاءُ فيها، اسْتَقَرَّ عليه الأجْرُ. وبهذا قال الشافِعىُّ؛ لأنَّ المَنافِعَ تَلِفَتْ بِاخْتِيَارِه. وقال أبو حنِيفةَ: لا أجْرَ عليه. وهو أصَحُّ عِنْدِى؛ لأنَّه عَقْدٌ على ما في الذِّمَّةِ، فلم يَسْتَقِرَّ عِوَضُه بِبَذْلِ التَّسْلِيمِ، كالمُسْلَمِ فيه، ولأنَّه عَقْدٌ على مَنْفَعةٍ غير مُؤَقَّتةٍ بِزَمَنٍ، فلم يَسْتَقِرَّ عِوَضُها بالبَذْلِ، كالصَّدَاقِ إذا بَذَلَتْ تَسْلِيمَ نَفْسِها وامْتَنَعَ الزَّوْجُ مِن أخْذِها. وإن كان هذا في إِجَارَةٍ فاسِدَةٍ، ففيما إذا عَرَضَها على المُسْتَأْجِرِ فلم يَأْخُذْها لا أجْرَ عليه؛ لأنَّها لم تَتْلَفْ تحتَ يَدِه، ولا في مِلْكِه. وإن قَبَضَها، ومَضَتِ المُدّةُ، أو مُدَّةٌ يُمْكِنُ (٥٤) اسْتِيفاءُ المَنْفَعةِ فيها أو لا يُمْكِنُ، فعن أحمدَ رِوَايَتانِ؛ إحْداهما، عليه أجْرُ المِثْلِ لِمُدّةِ بَقَائِها في يَدِه، وهو قولُ الشافِعىِّ؛ لأنَّ المنَافِعَ تَلِفَتْ تحت يَدِه بعِوَضٍ لم يُسَلَّمْ له، فرَجَعَ إلى قِيمَتِها، كما لو اسْتَوْفَاها. والثانية، لا شىءَ له. وهو قولُ أبى حنيفةَ؛ لأنَّه عَقْدٌ فاسِدٌ على مَنَافِعَ لم يَسْتَوْفِها، فلم يَلْزَمْهُ عِوَضُها، كالنِّكَاحِ الفاسِدِ، وإن اسْتَوْفَى المَنْفَعةَ في العَقْدِ الفاسِدِ، فعليه أجْرُ المِثْلِ. وبه قال مالِكٌ، والشافِعىُّ، وقال أبو حنيفةَ: يَجِبُ أقَلُّ الأمْرَيْنِ، من المُسَمَّى أو أجْرِ المِثْلِ، بِنَاءً منه على أنَّ المنَافِعَ لا تُضْمَنُ إلَّا بالعَقْدِ. ولَنا، أنَّ ما ضُمِنَ بالمُسَمَّى في العَقْدِ الصَّحِيحِ، وَجَبَ ضَمَانُه بِجَمِيع القِيمَةِ في الفاسِدِ، كالأعْيانِ. وما ذَكَره لا نُسَلِّمُهُ. واللَّه أعلم. ٨٩٢ - مسألة؛ قال: (وَإذَا وَقَعَتِ الْإِجَارَةُ عَلَى كُلِّ شَهْرٍ بِشَىْءٍ مَعْلُومٍ، لَمْ يَكُنْ لِوَاحِدٍ مِنْهُمَا الْفَسْخُ، إلَّا عِنْدَ تَقَضِّى كُلِّ شَهْرٍ) وجملةُ ذلك أنَّه إذا قال: أجَرْتُكَ هذا كلَّ شَهْرٍ بِدِرْهَمٍ. فاخْتَلَفَ أصْحَابُنا، فذَهَبَ القاضي إلى أنَّ الإِجَارَةَ صَحِيحَةٌ. وهو المَنْصُوصُ عن أحمدَ، في رِوَايةِ ابن منصورٍ، واخْتِيَارُ الخِرَقِىِّ، إلَّا أنَّ الشَّهْرَ الأَول تَلْزَمُ الإِجَارَةُ فيه بإطْلَاقِ العَقْدِ؛ لأنَّه مَعْلُومٌ يَلِى العَقْدَ، وله أجْرٌ مَعْلُومٌ، وما بعدَه من الشُّهُورِ يَلْزَمُ العَقْدُ فيه بالتَّلَبُّسِ

стр. 3820

به (١)، وهو السُّكْنَى في الدّارِ إن كانت الإِجَارَةُ على دَارٍ؛ لأنَّه مَجْهُولٌ حالَ العَقْدِ، فإذا تَلَبَّسَ به، تَعَيَّنَ بالدُّخُولِ فيه، فصَحَّ بالعَقْدِ الأوَّلِ، وإن لم يَتَلَبَّسْ به، أو فَسَخَ العَقْدَ عندَ انْقِضَاءِ الأولِ، انْفَسَخَ. وكذلك حُكْمُ كلِّ شَهْرٍ يأتى (٢). وهذا مذهبُ أبى ثَوْرٍ، وأصْحابِ الرَّأْىِ. وحُكِىَ عن مالِكٍ نحوُ هذا، إلَّا أنَّ الإِجَارَةَ لا تكونُ لازِمَةً عندَه؛ لأنَّ المَنافِعَ مُتَقَدّرَةٌ بِتَقْدِيرِ الأجْرِ، فلا يحْتَاجُ إلى ذِكْرِ المُدّةِ إلَّا في اللُّزُومِ. واخْتارَ أبو بكرٍ عبدُ العزيز بن جعفرٍ، وأبو عبدِ اللَّه ابن حامِدٍ، أنَّ العَقْدَ باطِلٌ. وهو قول الثَّوْرِىِّ، والصَّحِيحُ من قَوْلَىِ الشَّافِعِىِّ؛ لأنَّ كلَّ اسْمٍ لِلْعَدَدِ، فإذا لم يُقَدِّرْهُ كان مُبْهَمًا (٣) مَجْهُولًا، فيكونُ فاسِدًا، كما لو قال: أجَرْتُكَ مُدَّةً أو شَهْرًا (٤). وحَمَلَ أبو بكرٍ وابنُ حامدٍ كلامَ أحمدَ في هذا على أنَّ الإِجَارَةَ وَقَعَتْ على أشْهُرٍ (٥) مُعَيَّنةٍ. ووَجْهُ الأَوَّلِ، أن عَلِيًّا رَضِىَ اللهُ عنه، اسْتَقَى لِرَجُلٍ من اليَهُودِ كَلَّ دَلْوٍ بتَمْرَةٍ، وجاءَ به إلى النبيِّ ﷺ فَأَكَلَ (٦) منه. قال عَلِىٌّ: كنتُ أدْلُو الدَّلْوَ بتَمْرَةٍ وأشْتَرِطُها جَلْدَةً. وعن رجلٍ من الأنْصارِ أنَّه قال لِيَهُودِىٍّ: أسْقِى نَخْلَكَ؟ قال: نعم، كلُّ دَلْوٍ بِتَمْرَةٍ. واشْتَرَطَ الأنْصَارِىُّ أن لا يَأْخُذَها خَدِرَةً (٧) ولا تَارِزَةً (٨) ولا حَشَفةً (٩)، ولا يَأْخُذَ إلَّا جَلْدَةً. فاسْتَقَى بنحوٍ من صَاعَيْنِ، فجاءَ به إلى النبيِّ ﷺ . رَوَاهُما ابنُ مَاجَه في "سُنَنِه" (١٠). وهو نَظِيرُ مَسْأَلَتِنا. ولأنَّ شُرُوعَه في كلِّ شَهْرٍ، مع ما تَقَدَّمَ في العَقْدِ

стр. 3821

من الاتِّفاقِ على تَقْدِيرِ أجْرِه، والرِّضَى بِبَذْلِه به، جَرَى مَجْرَى ابْتِدَاءِ العَقْدِ عليه، وصارَ كالبَيْعِ بالمُعاطَاةِ، إذا جَرَى من المُسَاوَمَةِ ما دَلَّ على التَّرَاضِى بها. فعلى هذا، متى تَرَكَ التَّلَبُّسَ به في شَهْرٍ، لم تَثبُتِ الإِجَارَةُ فيه؛ لِعَدَمِ العَقْدِ. وإن فَسَخَ، فكذلك، وليس بِفَسْخٍ في الحَقِيقَةِ؛ لأنَّ العَقْدَ في الشَّهْرِ الثاني ما ثَبَتَ (١١). فأمَّا أبو حنِيفةَ، فذَهَبَ إلى أنَّهما إذا تَلَبَّسَا بالشَّهْرِ الثاني، فقد اتَّصَلَ القَبْضُ بالعَقْدِ الفاسِدِ. وهو عُذْرٌ غيرُ صَحِيحٍ؛ لأنَّ العَقْدَ الفاسِدَ في الأعْيانِ لا يَلزَمُ بالقَبْضِ، ولا يُضْمَنُ بالمُسَمَّى، ثم لم يَحْصُلِ القَبْضُ ههُنا إلَّا فيما اسْتَوْفاه. وقولُ مالكٍ لا يَصِحُّ؛ لأنَّ الإِجَارَةَ من العُقُودِ اللَّازِمَةِ، فلا يجوزُ أن تكونَ جائِزَةً. فصل: إذا قال: أجَرْتُكَ دَارِى عِشْرِينَ شَهْرًا، كلَّ شَهْرٍ بدِرْهَمٍ. جازَ، بغيرِ خِلَافٍ نَعْلَمُه؛ لأنَّ المُدَّةَ مَعْلُومةٌ، وأجْرَها مَعْلُومٌ، وليس لواحدٍ منهما فَسْخٌ بحالٍ؛ لأنَّها مُدَّةٌ واحِدةٌ، فأشْبَهَ ما لو قال: آجَرْتُكَ عِشْرِينَ شَهْرًا، بِعِشْرِينَ دِرْهَمًا. وإن قال: أجَرْتُكَها شَهْرًا بِدِرْهَمٍ، وما زادَ فبِحِسَابِ ذلك. صَحَّ في الشَّهْرِ الأوَّلِ، لأنَّه أفْرَدَهُ بالعَقْدِ، وبَطَلَ في الزّائِدِ؛ لأنَّه مَجْهُولٌ. ويحتمل أن يَصِحَّ في كلِّ شَهْرٍ تَلَبَّسَ به، كما لو قال: أجَرْتُكَها كلَّ شَهْرٍ بِدِرْهَمٍ. [لأنَّ مَعْنَاهُما واحدٌ. ولو قال: أجَرْتُكَها هذا الشَّهْر بِدِرْهَمٍ] (١٢). وكلَّ شَهْرٍ بعدَ ذلك بِدِرْهَمٍ. أو قال: بِدِرْهَمَيْنِ. صَحَّ في الأوَّلِ، وفيما بعدَه وَجْهانِ. فصل: والإِجَارَةُ عَقْدٌ لازِمٌ من الطّرفَيْنِ، ليس لواحدٍ منهما فَسْخُها. وبهذا قال مالِكٌ، والشافِعِىُّ، وأصْحابُ الرَّأى؛ وذلك لأنَّها عَقْدُ مُعَاوَضَةٍ، فكان لازِمًا، كالبَيْعِ، ولأنَّها نَوْعٌ من البَيْعِ، وإنَّما اخْتَصَّتْ باسْمٍ كما اخْتَصَّ الصَّرْفُ والسَّلَمُ باسْمٍ، وسواءٌ كان له عُذْرٌ أو لم يَكُنْ. وبهذا قال مالِكٌ، والشافِعِىُّ، وأبو ثَوْرٍ.

стр. 3822

وقال أبو حنيفةَ، وأصْحَابُه: يَجُوزُ لِلمُكْتَرِى فَسْخُها لِعُذْرٍ في نَفْسِه، مثل أن يَكْتَرِىَ جَمَلًا لِيَحُجَّ عليه، فيَمْرَضَ، فلا يَتَمَكَّنُ من الخُرُوجِ، أو تَضِيعَ نَفَقَتُه، أو يَكْتَرِىَ دُكّانًا لِلْبَزِّ، فيَحْتَرِقَ مَتَاعُه، وما أشْبَهَ هذا؛ لأنَّ العُذْرَ يَتَعَذَّرُ معه اسْتِيفَاءُ المَنْفَعةِ المَعْقُودِ عليها، فمَلَكَ به الفَسْخَ كما لو اسْتَأْجَرَ عَبْدًا فأبَقَ. ولَنا، أنَّه عَقْدٌ لا يجوزُ فَسْخُه [مع اسْتِيفاءِ المَنْفَعةِ المَعْقودِ عليها] (١٣) لغيرِ عُذْرٍ، فلم يَجُزْ لِعُذْرٍ في غير المَعْقُودِ عليه، كالبَيْعِ، ولأنَّه لو جازَ فَسْخُه لِعُذْرِ المُكْتَرِى، لَجازَ لِعُذْرِ المُكْرِى، تَسْوِيةً بين المُتَعاقِدَيْنِ. ودَفْعًا لِلضَّرَرِ عن كلِّ (١٤) واحدٍ من العاقِدَيْنِ، ولم يَجُزْ ثَمَّ، فلا يَجوزُ ههُنا، ويُفَارِقُ الإِبَاقَ، فإنَّه عُذْرٌ في المَعْقُودِ عليه. ٨٩٣ - مسألة؛ قال: (وَمَنِ اسْتَأْجَرَ عَقَارًا مُدَّةً بِعَيْنِها، فبَدَا لَهُ قَبْلَ تَقَضِّيها، فَقَدْ لَزِمَتْهُ الْأُجْرَةُ كامِلَةً (١)) وجملتُه أنَّ الإِجَارَةَ عَقْدٌ لازِمٌ، يَقْتَضِى تَمْلِيكَ المُؤْجِرِ الأجْرَ، والمُسْتَأْجِرِ المَنافِعَ، فإذا فَسَخَ المُسْتَأْجِرُ الإِجَارَةَ قبلَ انْقِضَاءِ مُدَّتِها، وتَرَكَ الانْتِفَاعَ اخْتِيارًا منه، لم تَنْفَسِخ الإِجَارَةُ، والأجْرُ لازِمٌ له، ولم يَزُلْ مِلْكُه عن المَنافِعِ، كما لو اشْتَرَى شَيْئًا وقَبَضَه ثم تَرَكَه. قال الأثْرَمُ: قلتُ لأبي عبدِ اللَّه: رَجُلٌ اكْتَرَى بَعِيرًا، فلما قَدِمَ المَدِينةَ، قال له: فاسِخْنِى. قال: ليس ذلك له، قد لَزِمَهُ الكِرَاءُ. قلتُ: فإن مَرِضَ المُسْتَكْرِى بالمَدِينَةِ؟ فلم يَجْعَلْ له فَسْخًا؛ وذلك لأنَّه عَقْدٌ لازِمٌ من (٢) الطَّرَفَيْنِ، فلم يَمْلِكْ أحدُ المُتَعاقِدَيْنِ فَسْخَهُ. وإن فَسَخَه، لم يَسْقُط العِوَضُ الواجِبُ عليه، كالبَيْعِ. فصل: ولا خِلَافَ بين أهْلِ العِلْمِ في إبَاحَةِ إجَارَةِ العَقَارِ، قال ابنُ المُنْذِرِ: أجْمَعَ

стр. 3823

كلُّ مَن نَحْفَظُ عنه من أهْلِ العِلْمِ، على أنَّ اسْتِئْجارَ المنَازِلِ والدَّوَابِّ جائِزٌ. ولا تَجُوزُ إجَارَتُها إلَّا في مُدَّةٍ مُعَيَّنةٍ مَعْلُومةٍ، ولا بدَّ من مُشَاهَدَتِه وتَحْدِيدِه، فإنَّه لا يَصِيرُ مَعْلُومًا إلَّا بذلك، ولا يَجُوزُ إطْلَاقُه، ولا وَصْفُه. وبهذا قال الشافِعِىُّ. وقال أبو ثَوْرٍ: إذا ضُبِطَ بالصِّفَةِ، أجْزَأَ. وقال أصْحابُ الرَّأْى: له خِيَارُ الرُّؤْيةِ، كقَوْلِهم في البَيْعِ. ويَتَخَرَّجُ لنا مثلُ ذلك بِنَاءً على البَيْعِ، والخِلَافُ ههُنا مَبْنِىٌّ على الخِلَافِ في البَيْعِ، ولم يَكْتَفِ بالصِّفَةِ؛ لأنَّه لا يَصِيرُ مَعْلُومًا إلَّا (٣) بالرُّؤْيةِ، كَما لا يُعْلَمُ في البَيْعِ إلَّا بذلك. فإن كان دَارًا أو حَمّامًا، احْتاجَ إلى مُشَاهَدَةِ البُيُوتِ؛ لأنَّ الغَرَضَ يَخْتَلِفُ بِصِغَرِها وكِبَرِها ومَرَافِقِها، ومُشَاهَدَةِ قَدْرِ الحَمَّامِ ليَعْلَمَ كِبَرَها من صِغَرِها، ومَعْرِفَةِ ماءِ الحَمّامِ إمَّا من قَنَاةٍ أو مِن (٤) بِئْرٍ، فإن كان من بِئْرٍ احْتَاج إلى مُشَاهَدَتِها؛ لِيَعْلَمَ عُمْقَها ومُؤْنَةَ اسْتِسْقاءِ الماءِ منها، ومُشَاهَدَةِ الأتُونِ، ومُطَّرَحِ الرَّمادِ، ومَوْضِعِ الزِّبْلِ، ومَصْرِفِ ماءِ الحَمَّامِ، فمتى أخَلَّ بهذا أو بعضِه، لم تَصِحَّ؛ لِلْجَهالةِ بما يَخْتَلِفُ الغَرَضُ به. فصل: وكَرِهَ أحمدُ كِرَاءَ الحَمّامِ. وسُئِلَ عن كِرَائِه، فقال: أخْشَى. فقِيلَ له: إذا شَرَطَ على المُكْتَرِى أن لا يَدْخُلَه أحَدٌ بغيرِ إزَارٍ. فقال: ومَن يَضْبِطُ هذا؟ وكأنَّه لم يُعْجِبْه. قال ابنُ حامدٍ: هذا على طَرِيقِ الكَرَاهةِ تَنْزِيهًا لا تَحْرِيمًا؛ لأنَّه تَبْدُو فيه عَوْرَاتُ الناسِ، فتَحْصُلُ الإِجَارَةُ على فِعْلٍ مَحْظُورٍ، فكَرِهَهُ لذلك، فأما العَقْدُ فصَحِيحٌ. وهذا قول أكْثَرِ أهْلِ العِلْمِ. قال ابنُ المُنْذِرِ: أجْمَعَ كلُّ مَن نَحْفَظُ عنه من أهْلِ العِلْمِ، أنَّ كِرَاءَ الحَمّامِ جائِزٌ، إذا حَدَّدَه، وذَكَرَ جَمِيعَ آلَتِه، شُهُورًا مُسَمَّاةً. وهذا قولُ مالكٍ، والشافِعِىِّ، وأبى ثَوْرٍ، وأصْحابِ الرَّأْى؛ لأنَّ المُكْتَرِىَ إنَّما يَأْخُذُ الأجْرَ عِوَضًا عن دُخُولِ الحَمّامِ والاغْتِسَالِ بمائِه، وأحْوالُ المُسْلِمينَ

стр. 3824

مَحْمُولةٌ على السَّلَامةِ، وإن وَقَعَ من بعضِهم فِعْلُ ما لا يجوزُ، لم يَحْرُمِ الأجْرُ المَأْخُوذُ منه، كما لو اكْتَرَى دارًا لِيَسْكُنَها، فشَرِبَ فيها خَمْرًا. ٨٩٤ - مسألة؛ قال: (وَلَا يَتَصَرَّفُ مَالِكُ الْعَقَارِ فِيهِ إلَّا عِنْدَ تَقَضِّى المُدَّةِ) وحملتُه أنَّ المُسْتَأْجِرَ يَمْلِكُ المَنافِعَ بالعَقْدِ، كما يَمْلِكُ المُشْتَرِى المَبِيعَ بالبَيْعِ، ويَزُولُ مِلْكُ المُؤْجِرِ عنها، كما يَزُولُ مِلْكُ البائِعِ عن المَبِيعِ، [فلا يجوزُ له التَّصَرُّفُ فيها؛ لأنَّها صارتْ مَمْلُوكةً لغيرِه، كما لا يَمْلِكُ البائِعُ التَّصَرُّفَ في المَبِيعِ] (١)، فإنْ تَصَرَّفَ فيها نَظَرْنا؛ فإن كان ذلك في حالٍ بَدَا لِلْمُسْتَأْجِرِ (٢) قبلَ تَقَضِّى المُدَّةِ مثل أن يَكْتَرِىَ دارًا سَنَةً فيَسْكُنُها شَهْرًا ويَتْرُكُها، فيَسْكُنُها المالِكُ بَقِيّةَ السَّنةِ، أو يُؤْجِرُها لغيرِه، احْتَمَلَ أن يَنْفَسِخَ العَقْدُ فيما اسْتَوْفاهُ المالِكُ؛ لأنَّه يَتَصَرَّفُ (٣) فيه قبلَ قَبْضِ المُكْتَرِى له، فأَشْبهَ ما لو تَلِفَ المَكِيلُ قبلَ تَسْلِيمِه، وسَلَّمَ باقِيه. فعلى هذا، إن تَصَرَّفَ المالِكُ في بعضِ المُدّةِ دونَ بعضٍ، انْفَسَخَ العَقْدُ في قَدْرِ ما تَصَرَّفَ فيه دونَ ما لم يَتَصَرَّفْ فيه، ويكونُ على المُسْتَأْجِرِ ما بَقِىَ، فلو سَكَنَ المُسْتَأْجِرُ شَهْرًا، وتَرَكَها شَهْرًا، وسَكَنَ المالِكُ عَشرَةَ أشْهُرٍ، لَزِمَ المُسْتَأْجِرَ أجْرُ شَهْرَيْنِ. وإن سَكَنها شَهْرًا، وسَكَنَ المالِكُ شَهْرَيْنِ، ثم تَرَكَها، فعلى الَمُسْتَأْجِرِ أجْرُ عَشرَةِ أشْهُرٍ. ويَحْتَمِلُ أن يَلْزَمَ المُسْتَأْجِرَ أجْرُ جَمِيعِ المُدّةِ، وله على المالِكِ أجْرُ المِثْلِ لِمَا سَكَنَ أو تَصَرَّفَ فيه بقِسْطِ (٤) ذلك ممَّا على المُسْتَأْجِرِ من الأجْرِ، ويَلْزَمُه الباقِى؛ لأنَّه تَصَرَّفَ فيما مَلَكَه المُسْتَأْجِرُ عليه بغيرِ إذْنِه، فأشْبَهَ ما لو تَصَرَّفَ في المَبِيعِ بعدَ قَبْضِ المُشتَرِى له، وقَبْضُ الدّارِ ههُنا قامَ مَقَامَ قَبْضِ المنافِعِ، بِدَلِيلِ أنَّه يَمْلِكُ التَّصَرُّفَ في المَنافِعِ بالسُّكْنَى والإِجَارَةِ وغيرِها. فعلَى هذا، لو كان أجْرُ المِثْلِ الواجِبُ على

стр. 3825

المالِكِ بِقَدْرِ المُسَمَّى في العَقْدِ، لم يَجِبْ على المُسْتَأْجِرِ شيءٌ، وإن فَضَلَتْ منه فَضْلةٌ، لَزِمَ المالِكَ أداؤُها إلى المُسْتَأْجِرِ، والأَوَّلُ أَوْلَى، وهو ظاهِرُ مذهبِ الشافِعِىِّ، وإن تَصَرَّفَ المالِكُ قبل تَسْلِيمِ (٥) العَيْنِ، أو امْتَنَعَ من تَسْلِيمِها حتى انْقَضَتْ مُدّةُ الإِجَارةِ، انْفَسَخَتِ الإِجَارَةُ، وَجْهًا واحِدًا؛ لأنَّ العاقِدَ قد (٦) أتْلَفَ المَعْقُودَ عليه قبلَ تَسْلِيمهِ، فانْفَسَخَ العَقْدُ، كما لو باعَهُ طَعامًا فأتْلَفَه قبلَ تَسْلِيمِه. وإن سَلَّمَها إليه في أثْناء المُدّةِ، انْفَسَخَتْ فيما مَضَى، ويَجِبُ أجْرُ الباقِى بالحِصَّةِ، كالمَبِيعِ إذا سَلَّمَ بعضَه وأتْلَفَ بعضًا. ٨٩٥ - مسألة؛ قال: (فَإنْ حَوَّلَهُ الْمَالِكُ قَبْلَ تَقَضِّى المُدّةِ، لَمْ يَكُنْ لَهُ أجْرٌ (١) لِمَا سَكَنَ) يَعْنِى إذا اسْتَأْجَرَ عَقَارًا مُدّةً، فسَكَنَه بعضَ المُدّةِ، ثم أخْرَجَهُ المالِكُ، ومَنَعَه تَمامَ السُّكْنَى، فلا شىءَ له من الأُجْرَةِ. وقال أكثرُ الفُقَهاءِ: له أجْرُ ما سَكَنَ؛ لأنَّه اسْتَوْفَى مِلْكَ غيره على سَبِيلِ المُعَاوَضةِ، فلَزِمَه عِوَضُه كالمَبِيعِ إذا اسْتَوْفَى بعضَه، ومَنَعَه المالِكُ بَقِيَّتَه، وكما (٢) لو تَعَذَّرَ اسْتِيفاءُ الباقِى لأمْرٍ غالِبٍ. ولَنا، أنَّه لم يُسَلِّمْ إليه ما عَقَدَ الإِجارَةَ عليه، فلم يَسْتَحِقَّ شَيْئًا، كما لو اسْتَأْجَرَه لِيَحْمِلَ له (٣) كِتابًا [إلى مَوْضِعٍ] (٤)، فحَمَلَه بعضَ الطرَّيقِ، أو اسْتَأْجَرَه لِيَحْفِرَ له عِشْرِينَ ذِرَاعًا. فحَفَرَ له عَشْرًا، وامْتَنَعَ من حَفْرِ الباقِى. وقِياسُ الإِجَارةِ على الإِجَارَةِ أَوْلَى مِن قِيَاسِها على البَيْعِ. ويُفَارِقُ ما إذا امْتَنَعَ لأمْرٍ غالبٍ؛ لأنَّ له عُذْرًا. والحُكْمُ في مَن اكْتَرَى دَابّةً، فامْتَنَعَ المُكْرِى من

стр. 3826

تَسْلِيمِها في بعض المدّةِ، أو أجَرَ نَفْسَه أو عَبْدَه لِلخِدْمةِ مُدَّةً، وامْتَنَعَ من إتْمامِها، أو أجَرَ نَفْسَه لِبِنَاءِ حائِطٍ، أو خِيَاطةٍ، أو حَفْرِ بِئْرٍ، أو حَمْلِ شىءٍ إلى مكانٍ، وامْتَنَعَ من إتْمامِ العَمَلِ، كالحُكْمِ في العَقَارِ يَمْتَنِعُ من تَسْلِيمِه، وأنَّه لا يَسْتَحِقُ شَيْئًا؛ لما ذَكَرْنَا. فصل: إذا هَرَبَ الأجِيرُ، أو شَرَدَتِ الدّابّةُ، أو أخَذَ المُؤْجِرُ العَيْنَ وهَرَبَ بها، أو مَنَعَهُ اسْتِيفَاءَ المَنْفَعةِ منها من غيرِ هَرَبٍ، لم تَنْفَسِخ الإِجَارَةُ، لَكن يَثْبُتُ لِلْمُسْتَأْجِرِ خِيَارُ الفَسْخِ؛ فإن فَسَخَ، فلا كلامَ، وإن لم يفْسَخْ، انْفَسَخَتِ الإِجَارَةُ (٥) بمُضىِّ المُدّةِ يومًا فيومًا. فإن عادَتِ العَيْنُ في أثناء المُدّةِ، اسْتَوْفَى ما بَقِىَ منها. فإن انْقَضَتِ المُدّةُ، انْفَسَخَتِ الإِجَارةُ؛ لِفَوَاتِ المَعْقُودِ عليه. وإن كانتِ الإِجَارةُ على مَوْصُوفٍ في الذِّمّةِ، كخِيَاطَةِ ثَوْبٍ، أو بِنَاءِ حائِطٍ، أو حَمْل إلى مَوْضِعٍ مُعَيَّنٍ، اسْتُؤْجِرَ من مالِه مَن يَعْمَلُه، كما لو أسْلَمَ إليه في شيءٍ فهَرَبَ، ابْتِيعَ من مالِه. فإنْ لم يُمْكِنْ، ثَبَتَ لِلمُسْتَأْجِرِ الفَسْخُ. فإن فَسَخَ، فلا كَلَامَ، وإن لم يَفْسَخْ، وصَبَرَ إلى أن يَقْدِرَ عليه، فله مُطَالَبَتُه بالعَمَلِ؛ لأنَّ ما في الذِّمّةِ لا يَفُوتُ بِهَرَبِه. وكلُّ مَوْضِعٍ امْتَنَعَ الأجِيرُ من العَمَلِ فيه، أو مَنَعَ المُؤْجِرُ المُسْتَأْجِرَ من الانْتِفاعِ، إذا كان بعدَ عَمَلِ البَعْضِ، فلا أجْرَ له فيه، على ما سَبَقَ، إلَّا أن يَرُدَّ العَيْنَ قبلَ انْقِضاءِ المُدّةِ، أو يُتِمَّ العَمَلَ إن لم يكُنْ على مُدَّةٍ قبلَ فَسْخِ المُسْتَأْجِرِ، فيكون له أجْرُ ما عَمِلَ. فأمَّا إن شَرَدَتِ الدّابةُ، أو تَعَذَّرَ اسْتِيفاءُ المَنْفَعةِ بغير فِعْلِ المُؤجِرِ، فلَه من الأجْرِ بِقَدْرِ ما اسْتَوْفَى بكلِّ حالٍ. ٨٩٦ - مسألة؛ قال: (فإنْ جَاءَ أمْرٌ غَالِبٌ، يَحْجِزُ الْمُسْتَأْجِرَ عَنْ مَنْفَعَةِ ما وَقَعَ عَلَيْهِ الْعَقْدُ، لَزِمَهُ مِنَ الْأَجْرِ بمِقْدَارِ مُدّةِ انتِفَاعِهِ) [وجملتُه أنَّ من اسْتَأْجَرَ عَيْنًا مُدّةً، فحِيلَ بينه وبين الانْتِفاعِ بها، لم يَخْلُ من أقْسامٍ ثلاثةٍ: أحدها، أن تَتْلَفَ العَيْنُ] (١)، كَدَابَّةٍ تَنْفُقُ، أو عَبْدٍ يَمُوتُ، فذلك على ثلاثةِ

стр. 3827

أضْرُبٍ: أحدها، أن تَتْلَفَ قبلَ قَبْضِها، فإنَّ الإِجَارَةَ تَنْفَسِخُ، بغيرِ خِلَافٍ نَعْلَمُه؛ لأنَّ المَعْقُودَ عليه تَلِفَ قبلَ قَبْضِه، فأشْبَهَ ما لو تَلِفَ الطَّعَامُ المَبِيعُ قبلَ قَبْضِه. والثانى، أن تَتْلَفَ عَقِيبَ قَبْضِها، فإنَّ الإِجَارةَ تَنْفَسِخُ أيضًا، ويَسْقُطُ الأجْرُ في قولِ عامّةِ الفُقَهاءِ، إلَّا أبا ثَوْرٍ حُكِى عنه أنّه قال: يَسْتَقِرُّ الأجْرُ؛ لأنَّ المَعْقُودَ عليه تَلِفَ (٢) بعدَ قَبْضِه، أشْبَهَ المَبِيعَ. وهذا غَلَطٌ؛ لأنَّ المَعْقُودَ عليه المنافِعُ، وقَبْضُها باسْتِيفَائِها، أو التَّمَكُّنِ من اسْتِيفَائِها، ولم يَحْصُلْ ذلك، فأشْبَهَ تَلَفَها قبلَ قَبْضِ العَيْنِ. الثالث، أن تَتْلَفَ بعدَ مُضِىِّ شيءٍ من المدَّةِ، فإنَّ الإِجَارَةَ تَنْفَسِخُ فيما بَقِىَ من المُدَّةِ دونَ ما مَضَى، ويكونُ لِلْمُؤْجِرِ من الأجْرِ بِقَدْرِ ما اسْتَوْفَى من المَنْفَعةِ. قال أحمدُ، في روَايةِ إبراهيمَ بن الحارِثِ: إذا اكْتَرَى بَعِيرًا بِعَيْنِه، فنَفَقَ البَعِيرُ، يُعْطِيه بحِسَابِ ما رَكِبَ. وذلك لما ذَكَرْنا من أنَّ المَعقُودَ عليه المنافِعُ، وقد تَلِفَ بعضُها قبلَ قَبْضِه، فبَطَلَ العَقْدُ فيما تَلِفَ دونَ ما قُبِضَ، كما لو اشْتَرَى صُبْرَتَيْنِ، فقَبَضَ إحْداهُما، وتَلِفَتِ الأُخْرَى قبلَ قَبْضِها، ثم نَنْظُرُ؛ فإن كان أجْرُ المُدّةِ مُتَساوِيًا، فعليه بِقَدْرِ ما مَضَى، إن كان قد مَضَى النِّصْفُ، فعليه نِصْفُ الأجْرِ، وإن كان [قد مَضَى] (٣) الثُّلُثُ، فعليه الثُّلُثُ، كما يُقَسَّمُ الثَّمنُ على المَبِيعِ المُتَسَاوِى. وإن كان مُخْتَلِفًا، كدَارٍ أجْرُها في الشِّتَاءِ أكْثَرُ من أجْرِها (٤) في الصَّيْفِ، وأرْضٍ أجْرُها في الصَّيْفِ أكْثَرُ من الشِّتاءِ، أو دارٍ لها مَوْسِمٌ كَدُورِ مَكَّةَ، رُجِعَ في تَقْوِيمِه إلى أهْلِ الخِبْرَةِ، ويُقَسَّطُ الأجْرُ المُسَمَّى على حَسَبِ قِيمَةِ المَنْفَعةِ، [كَقِسْمَةِ الثَّمَنِ] (٥) على الأعْيانِ المخْتَلِفَةِ في البَيْعِ (٦). وكذلك لو كان الأجْرُ على قَطْعِ مَسَافةٍ، كبَعِيرٍ استَأْجَرَه على حَمْلِ شيءٍ إلى مكانٍ مُعَيَّنٍ، وكانت مُتَسَاوِيةَ الأجْزاءِ أو مُخْتَلِفةً. وهذا ظاهِرُ مذهبِ الشافِعِىِّ.

стр. 3828

فصل: القسم الثاني، أن يَحْدُثَ على العَيْنِ ما يَمْنَعُ نَفْعَها، كدَارٍ انْهَدَمَتْ، وأرضٍ غَرِقَتْ، أو انْقَطَعَ ماؤُها، فهذه يُنْظَرُ فيها؛ فإن لم يَبْقَ فيها نَفْعٌ أصْلًا، فهى كالتَّالِفةِ سواءً، وإن بَقِىَ فيها نَفْعٌ غيرَ ما اسْتَأْجَرَها له، مثل أن يُمْكِنَ الانْتِفاعُ بِعَرْصَةِ الدَّارِ والأرْضِ لِوَضْعِ حَطَبٍ فيها، أو نَصْبِ خَيْمةٍ في الأرْضِ التي اسْتَأجَرَها لِلزَّرْعِ، أو صَيْدِ السَّمَكِ من الأرْضِ التي غَرِقَتْ، انْفَسَخَتِ الإِجَارةُ أيضًا؛ لأنَّ المَنْفَعةَ التي وَقَعَ عليها العَقْدُ تَلِفَتْ، فانْفَسَخَتِ الإِجَارةُ، كما لو اسْتَأْجَرَ دَابّةً لِيَرْكَبَها، فَزمِنَتْ بحيث لا تَصْلُحُ إلَّا لِتَدُورَ في الرَّحَى. وقال القاضي، في الأرْضِ التي يَنْقَطِعُ ماؤُها: لا تَنْفَسِخُ الإِجَارةُ. فيها. وهو مَنْصُوصُ الشافِعِىِّ؛ لأنَّ المَنْفَعةَ لم تَبْطُلْ جُمْلةً؛ لأنَّه يُمْكِنُ الانْتِفاعُ بِعَرْصَةِ الأرْضِ بنَصْبِ خَيْمَةٍ، أو جَمْعِ حَطَبٍ فيها، فأشْبَهَ ما لو نَقَصَ نَفْعُها مع بَقَائِه. فعلى هذا يُخَيَّرُ المُسْتَأْجِرُ بين الفَسْخِ والإِمْضاءِ؛ فإن فَسَخَ، فحُكْمُه حُكْمُ العَبْدِ إذا ماتَ، وإن اخْتارَ إمْضاءَ العَقْدِ، فعليه جَمِيعُ الأجرِ؛ لأنَّ ذلك عَيْبٌ، فإذا رَضىَ به، سَقَطَ حُكْمُه. فإن لم يَخْتَر الفَسْخَ ولا الإِمْضاءَ، إمَّا لِجَهْلِه بأنَّ له الفَسْخَ، أو لغيرِ ذلك، فله الفَسْخُ بعدَ ذلك. والأَوَّلُ أصَحُّ؛ لأنَّ بَقَاءَ غيرِ (٧) المَعْقُودِ عليه لا يَمْنَعُ انْفِسَاخَ العَقْدِ بِتَلَفِ المَعْقُودِ عليه، كما (٨) في البَيْعِ. ولو كان النَّفْعُ الباقِى في الأعْيانِ (٩) ممَّا لا يُبَاحُ اسْتِيفاؤُه بالعَقْدِ، كدَابّةٍ اسْتَأْجَرَها للرُّكُوبِ فصارتْ لا تَصْلُحُ (١٠) إلَّا لِلْحَمْلِ، أو بالعَكْسِ، انْفَسَخَ العَقْدُ. وَجْهًا واحدًا؛ لأنَّ المَنْفَعةَ الباقِيةَ لا يُمْلَكُ اسْتِيفَاؤُها مع سَلَامَتِها، فلا يَمْلِكُها مع تَعَيُّبِها، كبَيْعِها. وأمَّا إن أمْكَنَ الانْتِفاعُ بالعَيْنِ فيما اكْتَرَاها له، على نَعْتٍ من القُصُورِ، مثل أن يُمْكِنَه زَرْعُ الأرْضِ بغيرِ ماءٍ، أو كان الماءُ يَنْحَسِرُ عن الأرضِ التي غَرِقَتْ على وَجْهٍ [يَمْنَعُ بعضَ الزِّرَاعةِ أو يَسُوءُ] (١١) الزَّرْعَ، أو كان يُمْكِنُه سُكْنَى ساحةِ الدَّارِ، إمَّا في خَيْمةٍ أو

стр. 3829

غيرِها، لم تَنْفَسِخ الإِجارَةُ؛ لأنَّ المَنْفَعةَ المَعْقُودَ عليها لم تَزُلْ بالكُلِّيةِ، فأشْبَهَ ما (١٢) لو تَعَيَّبَتْ، ولِلْمُسْتَأْجِرِ خِيَارُ الفَسْخِ، على ما ذَكَرْنا، إلَّا في الدَّارِ إذا انْهَدَمَتْ، فإنَّ فيها وَجْهَيْنِ؛ أحدَهما، لا تَنْفَسِخُ الإِجَارةُ. والثانى، تَنْفَسِخُ؛ لأنَّه زالَ اسْمُها بِهَدْمِها، وذَهَبَتِ المَنْفَعةُ التي تُقْصَدُ منها، ولذلك لا يَسْتَأْجِرُ أحدٌ عَرْصَةَ دارٍ لِيَسْكُنَها. فأمَّا إن كان الحادِثُ في العَيْنِ لا يَضُرُّها، كغَرَقِ الأرْضِ بماءٍ يَنْحَسِرُ في قُربِ (١٣) الزَّمانِ، لا يَمْنَعُ الزَّرْعَ، ولا يَضُرُّه، وانْقِطَاعِ الماءِ عنها إذا سَاقَ المُؤْجِرُ إليها ماءً (١٢) من مكانٍ آخر، أو كان انْقِطاعُه في زَمَنٍ لا يَحْتاجُ إليه فيه، فليس لِلْمُسْتَأْجِرِ الفَسْخُ؛ لأنَّ هذا ليس بِعَيْبٍ. وإن حَدَثَ الغَرَقُ المُضِرُّ، أو انْقِطاعُ الماءِ، [أو انْهَدَمَ بعضُ] (١٤) العَيْنِ المُسْتَأْجَرَةِ فلذلك البعضِ حُكْمُ نَفْسِه في الفَسْخِ أو ثُبُوتِ الخِيَارِ، ولِلْمُكْتَرِى الخِيَارُ في تَبْقِيَةِ (١٥) العَيْنِ؛ لأنَّ الصَّفْقةَ تَبَعَّضَتْ عليه. فإن اخْتَار الإِمْساكَ، أمْسَكَ بالحِصَّةِ من الأجْرِ، كما إذا تَلِفَ أحدُ القَفِيزَيْنِ من الطَّعَامِ في يَدِ البائِعِ. فصل: القسم الثالث، أن تُغْصَبَ العَيْنُ المُسْتَأْجَرَةُ، فلِلْمُسْتَأْجِرِ الفَسْخُ؛ لأنَّ فيه تَأْخِيرَ حَقِّه، فإن فَسَخَ، فالحُكْمُ فيه كما لو انْفَسَخَ (١٦) العَقْدُ بِتَلَفِ العَيْنِ، سواءً، وإن لم يَفْسَخْ حتى انْقَضَتْ مُدّةُ الإِجَارَةِ، فله الخِيَارُ بين الفَسْخِ والرُّجُوعِ بالمُسَمَّى، وبين البَقَاءِ على العَقْدِ ومُطَالَبةِ الغاصِبِ بأجْرِ المِثْلِ؛ لأنَّ المَعْقُودَ عليه لم يَفُتْ مُطْلَقًا، بل إلى بَدَلٍ، وهو القِيمَةُ، فأشْبَه ما لو أتْلَفَ الثّمرةَ المَبِيعةَ آدَمِىٌّ قبلَ قَطْعِها، ويَتَخَرّجُ انْفِساخُ العَقْدِ بكلِّ حالٍ، على الرِّوَايةِ التي تقول: إنَّ مَنَافِعَ الغَصْبِ

стр. 3830

لا تُضْمَنُ. وهو قول أصْحابِ الرَّأْى. ولأصْحابِ الشّافِعِىِّ في ذلك اخْتِلَافٌ. وإن رُدَّتِ (١٧) العَيْنُ في أثناء المُدّةِ، ولم يكن فَسَخَ، اسْتَوْفَى ما بَقِىَ منها، ويكونُ فيما مَضَى من المُدَّةِ مُخَيّرًا، كما ذَكَرْنا. وإن كانت الإِجَارةُ على عَمَلٍ؛ كخِيَاطةِ ثَوْبٍ، أو حَمْلِ شيءٍ إلى مَوْضِعٍ مُعَيَّنٍ، فغُصِبَ جَمَلُه الذي يَحْمِلُ عليه، وعَبْدُه الذي يَخِيطُ له، لم يَنْفَسِخ العَقْدُ، وللمُسْتَأْجِرِ مُطَالَبةُ الأجِيرِ بِعوَضِ المَغْصُوبِ، وإقامَةِ من يَعْمَلُ العَمَلَ؛ لأنَّ العَقْدَ على ما في الذِّمَّةِ، كما لو وَجَدَ بالمُسْلَمِ فيه عَيْبًا، فَرَدَّه، فإن تَعَذَّرَ البَدَلُ، ثَبَتَ لِلمُسْتَأْجِرِ الخِيَارُ بين الفَسْخِ أو الصَّبْرِ إلى أن يَقْدِرَ على العَيْنِ المَغْصُوبةِ، فيَسْتَوْفِىَ منها. فصل: القسم الرابع (١٨)، أن يَتَعَذَّرَ اسْتِيفاءُ المَنْفَعةِ من العَيْنِ بفِعْلٍ صَدَرَ منها، مثل أن يَأْبَقَ العَبْدُ، أو تَشْرُدَ الدّابّةُ، وقد ذَكَرْنا حُكْمَ ذلك فيما قبلَ هذا. فصل: القسم الخامس، أن يَحْدُثَ خَوْفٌ عامٌّ، يَمْنَعُ من سُكْنَى ذلك المَكانِ الذي فيه العَيْنُ المُسْتَأْجَرَةُ، أو تُحْصَرَ البَلَدُ، فيَمْتَنِعَ الخُرُوجُ إلى الأرْضِ المُسْتَأْجَرةِ للزَّرْعِ، ونحو ذلك، فهذا يُثْبِتُ لِلْمُسْتَأْجِرِ خِيَارَ الفَسْخِ؛ لأنَّه أمرٌ غالِبٌ مَنَعَ (١٩) المُسْتَأْجِرَ اسْتِيفَاءَ المَنْفَعةِ، فأثْبَتَ الخِيَارَ، كغَصْبِ العَيْنِ. ولو اسْتَأْجَرَ دَابّةً لِيَرْكَبَها، أو يَحْمِلَ عليها إلى مكانٍ مُعَيّنٍ، فانْقَطَعَتِ الطّرِيقُ إليه لِخَوْفٍ حادِثٍ، أو اكْتَرَى إلى مَكَّةَ، فلم يَحُجَّ الناسُ ذلك العام من تلك الطَّرِيقِ، فلكلِّ واحدٍ منهما فَسْخُ الإِجَارةِ. وإن أحَبَّ إبْقاءَها إلى حينِ إمكانِ اسْتِيفاءِ المَنْفَعةِ، جازَ؛ لأنَّ الحَقَّ لهما، لا يَعْدُوهما. فأمَّا إن كان الخَوْفُ خاصًّا بالمُسْتَأْجِرِ، مثل أن يَخَافَ وحدَه لِقُرْبِ أعْدائِه من المَوْضِع المُسْتَأْجَرِ، أو حُلُولِهم في طَرِيقِه، لم يَمْلِكِ الفَسْخَ؛ لأنَّه عُذْرٌ

стр. 3831

يَخْتَصُّ به، لا يَمْنَعُ اسْتِيفَاءَ المَنْفَعةِ بالكُلِّيةِ، فأشْبَهَ مَرَضَه. وكذلك لو حُبِسَ، أو مَرِضَ، أو ضاعتْ نَفَقَتُه، أو تَلِفَ مَتَاعُه، لم يَمْلِكْ فَسْخَ الإِجارَةِ لذلك؛ لأنَّه تَرَكَ اسْتِيفاءَ المنَافِعِ لِمَعْنًى من جِهَتِه، فلم يَمْنَعْ ذلك وُجُوبَ أجْرِها عليه، كما لو تَرَكَها اختِيارًا. فصل: وإذا اكْتَرَى عَيْنًا، فوَجَدَ بها عَيْبًا لم يكُنْ عَلِمَ به، فله فَسْخُ العَقْدِ، بغير خِلَافٍ نَعْلَمُه. قال ابنُ المُنْذِرِ: إذا اكْتَرَى دَابّةً بِعَيْنِها، فوَجَدَها جَمُوحًا، أو عَضُوضًا، أو نَفُورًا، أو بها عَيْبٌ غيرَ ذلك ممَّا يُفْسِدُ رُكُوبَها، فلِلْمُكْتَرِى الخِيارُ، إن شاءَ رَدَّها وفَسَخَ الإِجَارةَ، وإن شاءَ أخَذَها. وهذا قولُ أبى ثَوْرٍ، وأصْحابِ الرّأْى، ولأنَّه عَيْبٌ في المَعْقُودِ عليه، فأثْبَتَ الخِيَارَ، كالعَيْبِ في بُيُوعِ الأعْيانِ. والعَيْبُ الذي يُرَدُّ به، ما تَنْقُصُ به قِيمةُ (٢٠) المَنْفَعةِ، كتَعَثُّرِ الظَّهْرِ في المَشْىِ، والعَرَجِ الذي يَتَأَخَّرُ به عن القافِلَةِ، ورَبْضِ (٢١) البَهِيمَةِ بالحِمْلِ، وكَوْنُها جَمُوحةً أو عَضُوضةً، وأشْباه ذلك. وفى المُكْتَرَى لِلخِدْمةِ؛ ضَعْفُ البَصَرِ، والجُنُونُ، والجُذَامُ، والبَرَصُ، وفي الدَّارِ؛ انْهِدَامُ الحائِطِ، والخَوْفُ من سُقُوطِها، وانْقِطاعُ الماءِ من بِئْرِها، أو تغيُّره بحيث يَمْتَنِعُ الشُّرْبُ والوُضُوءُ، وأشْباه ذلك من النّقائِصِ، ومتى حَدَثَ شيءٌ من هذه العُيُوبِ بعدَ العَقْدِ، ثَبَتَ لِلمُكْتَرِى خِيَارُ الفَسْخِ؛ لأنَّ المَنافِعَ لا يَحْصُلُ قَبْضُها إلَّا شيئا فشيئا، فإذا حَدَثَ العَيْبُ، فقد وُجِدَ قبلَ (٢٢) قَبْض الباقِى من المَعْقُودِ عليه، فأثْبَتَ الفَسْخَ فيما بَقِىَ منها، ومتى فَسَخَ، فالحُكْمُ فيه كما لو انْفَسَخَ العَقْدُ بِتَلَفِ العَيْنِ. وإن رَضِىَ المُقامَ ولم يَفْسَخْ، لَزِمَهُ جَمِيعُ العِوَضِ؛ لأنَّه رَضِىَ به ناقِصًا، فأشْبَهَ ما لو رَضِىَ بالمَبِيعِ مَعِيبًا. وإن اخْتَلَفا في المَوْجُودِ، هل هو عَيْبٌ أو لا؟ رُجِعَ فيه إلى أهْلِ الخِبْرةِ، فإن قالوا: ليس بِعَيْبٍ. مثل أن تكونَ الدَّابَّةُ

стр. 3832

خَشِنَةَ المَشْى، أو أنَّها تُتْعِبُ رَاكِبَها لكَوْنِها لا تُرْكَبُ كَثِيرًا، فليس له فَسْخٌ. وإن قالوا: هو عَيْبٌ. فله الفَسْخُ. هذا إذا كان العَقْدُ يَتَعَلَّقُ بِعَيْنِها، فأمَّا إن كانت مَوْصُوفةً في الذِّمَّةِ، لم يَنْفَسِخِ العَقْدُ، وعلى المُكْرِى إبْدَالُها؛ لأنَّ العَقْدَ لم يَتَعَلَّقْ بِعَيْنِها، أشْبَهَ المُسْلَمَ فيه إذا سَلَّمَه (٢٣) على غيرِ صِفَتِه. فإن عَجَزَ عن إبْدَالِها، أو امْتَنَعَ منه، ولم يُمْكِنْ إجْبارُه عليه، فلِلْمُكْتَرِى الفَسْخُ أيضًا. فصل: وعلى المُكْرِى ما يتَمَكَّنُ به من الانْتِفاعِ، كتَسْلِيمُ مَفَاتِيحِ الدّارِ والحَمَّامِ؛ لأنَّ عليه التَّمْكِينَ من الانْتِفاعِ، وتَسْلِيمُ مَفَاتِيحِهَا تَمْكِينٌ من الانْتِفَاعِ، فوَجَبَ عليه. فإن ضاعَتْ، بغير تَفْرِيطٍ من المُكْتَرِى، فعلى المُكْرِى بَدَلُها؛ لأنَّها أمانَةٌ في يَدِ المُكْتَرِى، فأشْبَهَ ذلك حِيطَانَ الدَّارِ وأبْوَابَها. وعليه بنَاءُ حائِطٍ إن سَقَطَ، وإبْدالُ خَشَبَةٍ إن انْكَسَرَتْ (٢٤). وعليه تَبْلِيطُ الحَمَّامِ، وعَمَلُ الأبْوابِ والبِرَكِ (٢٥) ومَجْرَى الماءِ؛ لأنَّه بذلك يَتَمَكَّنُ من الانْتِفاعِ، وما كان لِاسْتِيفاءِ المَنافِعِ، كالحَبْلِ والدَّلْوِ والبَكْرَةِ، فعلى المُكْتَرِى. وأمَّا التَّحْسِينُ والتَّزْوِيقُ، فلا يَلْزَمُ واحِدًا منهما؛ لأنَّ الانْتِفاعَ مُمْكِنٌ بدُونِه. وأمَّا تَنْقِيَةُ البالُوعةِ والكُنُفِ، فإن احْتِيجَ إلى ذلك عندَ الكِرَاءِ، فعلى المُكْرِى؛ لأنَّ ذلك ممَّا يَتَمَكَّنُ به من الانْتِفاعِ، وإن امْتَلَأَتْ بفِعْلِ المُكْتَرِى؛ فعليه تَفْرِيغُهَا. وهذا قولُ الشافِعِىِّ. وقال أبو ثَوْرٍ: هو على رَبِّ الدّارِ؛ لأنَّ به يَتَمَكَّنُ من الانْتِفاعِ، فأشْبَهَ ما لو اكْتَرَى وهى مَلْأَى. وقال أبو حنيفةَ: القِيَاسُ أنَّه على المُكْتَرِى، والاسْتِحْسانُ أنَّه على رَبِّ الدارِ؛ لأنَّ عادَةَ الناسِ ذلك. ولَنا، أنَّ ذلك حَصَلَ بفِعْلِ المُكْتَرِى، فكان عليه تَنْظِيفُه كما لو (٢٦) طَرَحَ فيها قُماشًا. والقولُ في تَفْرِيغِ جِيَّةِ (٢٧) الحَمَّامِ، التي هي

стр. 3833

مَصْرِفُ مائِه (٢٨)، كالقَوْلِ في بَالُوعةِ الدَّارِ. وإن انْقَضَتِ الإِجَارةُ، وفى الدّارِ زِبْلٌ أو قُمامَةٌ من فِعْلِ السّاكِنِ، فعليه نَقْلُه. وهذا قولُ الشافِعىِّ، وأبى ثَوْرٍ، وأصْحابِ الرّأْى. فصل: وإن شَرَطَ على مُكْتَرِى الحَمَّامِ، أو غيرِه، أنَّ مُدَّةَ تَعْطِيلِه عليه، لم يَجُزْ؛ لأنَّه لا يجوزُ أن يُؤْجِرَ مُدّةً لا يُمْكِنُ الانْتِفاعُ في بعضها، ولا يجوزُ أن يَشْتَرِطَ أنَّه يَسْتَوْفِى بِقَدْرِها بعدَ انْقِضاءِ مُدّتِه؛ لأنَّه يُؤَدِّى إلى أن يكونَ انْتِهاءُ مُدَّةِ الإِجَارةِ مَجْهُولًا. فإن أطْلَقَ، وتَعَطَّلَ، فهو عَيْبٌ حادِثٌ، والمُكْتَرِى بالخِيَارِ بينَ الإِمْساكِ بكلِّ الأجْرِ وبينَ الفَسْخِ. ويَتَخَرَّجُ أنَّ له أرْشَ العَيْبِ، قِياسًا على المَبِيعِ المَعِيبِ. وإن لم يَعْلَمْ بالعَيْبِ حتى انْقَضَتْ مُدَّةُ الإِجَارةِ، فعليه الأجْرُ كلُّه؛ لأنَّه اسْتَوْفَى المَعْقُودَ عليه، فأشْبَهَ ما لو عَلِمَ العَيْبَ بعدَ العَقْدِ فرَضِيَه، ويَتَخَرَّجُ أنَّ له أرْشَ العَيْبِ، كما لو اشْتَرَى مَعِيبًا، فلم يَعْلَمْ عَيْبَه حتى أكَلَه، أو تَلِفَ في يَدِه. فصل: وإن شَرَطَ الإِنْفاقَ على العَيْنِ النَّفَقَةَ الواجِبَةَ على المُكْرِى، كعِمَارَةِ الحَمَّامِ، إذا شَرَطَها على المُكْتَرِى (٢٩)، فالشَّرْطُ فاسِدٌ؛ لأنَّ العَيْنَ مِلْكٌ لِلمُؤْجِرِ فنَفَقَتُها عليه. وإذا أنْفَقَ بِنَاءً على هذا، احْتَسَبَ به على المُكْرِى؛ لأنَّه أنْفَقَه على مِلْكِه بِشَرْطِ العِوَضِ. فإن اخْتَلَفَا في قَدْرِ ما أنْفَقَ، فالقولُ قولُ المُكْرِى؛ لأنَّه مُنْكِرٌ. فإن لم يَشْتَرِطْ (٣٠)، لكنْ أَذِنَ له في الإِنْفاقِ، ليَحْتَسِبَ له من الأجْرِ، ففَعَلَ (٣١)، ثم اخْتَلَفَا (٣٢) فالقولُ قولُ المُكْرِى أيضًا. وإن أنْفَقَ من غيرِ إِذْنِه، لم يَرْجِعْ بشيءٍ؛ لأنَّه أنْفَقَ على مالِه بغيرِ إذْنِه نَفَقَةً غيرَ واجِبَةٍ على المالِكِ، فأشْبَهَ ما لو عَمَرَ دارًا له أُخْرَى.

стр. 3834

٨٩٧ - مسألة؛ قال: (وَمَنِ اسْتُؤْجِرَ لِعَمَلِ شَىْءٍ بِعَيْنِه، فَمَرِضَ، أُقِيمَ مُقَامَهُ مَنْ يَعْمَلُه، والْأُجْرَةُ عَلَى الْمَرِيضِ) وجملةُ ذلك، أنَّه يجوزُ اسْتِئْجارُ الآدَمِىِّ، بغيرِ خِلَافٍ بين أهْلِ العِلْمِ، وقد آجَرَ موسى ﵇ نَفْسَه لِرِعَايةِ الغَنَمِ (١). واسْتَأجَرَ النبيُّ ﷺ وأبو بَكْرٍ رَجُلًا لِيَدُلَّهُما على الطَّرِيقِ (١). وذَكَرَ النبيُّ ﷺ رَجُلًا اسْتَأجَرَ أُجَرَاءَ، كَلَّ أجِيرٍ بِفَرَقٍ من ذُرَةٍ، وقال: "إنَّمَا مَثَلُكُمْ وَمَثَلُ أهْلِ الْكِتَابِ، كَمَثَلِ رَجُلٍ اسْتَأجَرَ أُجَرَاءَ، فَقَالَ: مَنْ يَعْمَلُ لِى من غُدْوَةَ إلَى نِصْفِ النَّهارِ على قِيراطٍ قِيَراطٍ (٢)؟ فعَمِلَتِ اليَهُودُ. ثُمَّ قَالَ: مَنْ يَعْمَلُ لِى مِنْ نِصْفِ النَّهارِ إلَى العَصْرِ عَلَى قِيرَاطٍ قِيرَاطٍ؟ فعَمِلَتِ النَّصَارَى. ثُمَّ قَالَ: مَنْ يَعْمَلُ لِى مِنَ العَصْرِ إلَى غُرُوبِ الشَّمْسِ عَلَى قِيرَاطَيْنِ قِيرَاطَيْنِ؟ فعَمِلْتُم أنْتُمْ (٣). فغَضِبَتِ اليَهُودُ والنَّصَارَى، وَقَالُوا: نَحْنُ أكْثَرُ عَمَلًا وأقَلُّ أجْرًا فَقَالَ: هَلْ ظَلَمْتُكُمْ مِنْ أجْرِكُم شَيْئًا؟ قَالُوا: لَا. قَالَ: فَإنَّمَا هُوَ فَضْلِى أُوتِيهِ مَنْ أشَاءُ" (٤). ولأنَّه يَجُوزُ الانْتِفاعُ به مع بَقَاءِ عَيْنِه، فجازَتْ إجَارَتُه، كالدُّورِ. ثم إجَارَتُه تَقَعُ على ضَرْبَيْنِ؛ أحدهما، اسْتِئْجارُه مُدّةً بِعَيْنِها، لِعَمَلٍ بِعَيْنِه، كإجَارَةِ مُوسَى ﵇ نَفْسَه ثَمَانِىَ حِجَجٍ، واسْتِئْجارِ الأُجَرَاء المَذْكُورِينَ في الخَبَرِ. والثانى، اسْتِئْجارُه على عَمَلٍ مُعَيّنٍ في الذِّمَّةِ، كاسْتِئْجارِ النبيِّ ﷺ وأبى بكرٍ دَلِيلًا يَدُلُّهما على الطَّرِيقِ، واسْتِئْجارِ رَجُلٍ لخِيَاطَةِ قَمِيصٍ أو بِنَاءِ حائِطٍ، ويَتَنَوَّعُ ذلك

стр. 3835

نَوْعَيْنِ؛ أحدهما، أن تَقَعَ الإِجَارةُ على عَيْنٍ، كإجَارَةِ عَبْدِه لرِعَايةِ غَنَمٍ (٥)، أو وَلَدِه لِعَمَلٍ مُعَيّنٍ. والثانى، أن تَقَعَ على عَمَلٍ في الذِّمّةِ، كخِيَاطةِ قَمِيصٍ وبِنَاءِ حائِطٍ، فمتى كانت على عَمَلٍ في ذِمَّتِه فمَرِضَ، وَجَبَ عليه أن يُقِيمَ مُقَامَه مَنْ يَعْمَلُه؛ لأنَّه حَقٌّ وَجَبَ في ذِمَّتِه، فوَجَبَ عليه إيفاؤُه، كالمُسْلَمِ فيه، ولا يَجِبُ على المُسْتَأْجِرِ إنْظَارُه؛ لأنَّ العَقْدَ بإطْلَاقِه يَقْتَضِى التَّعْجِيلَ، وفى التّأْخِيرِ إضْرارٌ به. فأمَّا إن كانت الإِجَارةُ على عَيْنِه (٦) في مُدَّةٍ أو غيرِها، فمَرِضَ لم يُقِمْ غيرَه مُقَامَه؛ لأنَّ الإِجَارَةَ وَقَعَتْ على عَمَلِه بِعَيْنِه، لا على شيءٍ في ذِمَّتِه، وعَمَلُ غيره ليس مَعْقُودًا عليه، وإنَّما وَقَعَ العَقْدُ على مُعَيَّنٍ، فأشْبَه ما لو اشْتَرَى مُعَيَّنًا، لم يَجُزْ أن يَدْفَعَ إليه غَيرَه، ولا يُبْدِلَه، بخِلَافِ ما لو وَقَعَ في الذِّمَّةِ، فإنَّه يجوزُ إبْدالُ المَعِيبِ، ولا يَنْفَسِخُ العَقْدُ بِتَلَفِ ما تَسَلّمَهُ، والمَبِيعُ المُعَيَّنُ بخِلَافِه، فكذلك الإِجَارةُ. وإن كانت الإِجَارةُ على عَمَلٍ في الذِّمَّةِ، لكنَّه لا يَقُومُ غيرُ الأجِيرِ مَقَامَه، كالنَّسْخِ، فإنَّه يَخْتَلِفُ القَصْدُ فيه باخْتِلافِ الخُطُوطِ، لم يُكَلَّفْ إقَامَةَ غيرِه مُقَامَه، ولا يَلْزَمُ المُسْتَأْجِرَ قَبُولُ ذلك إن بَذَلَه الأجِيرُ؛ لأنَّ الغَرَضَ لا يَحْصُلُ من غيرِ الناسِخِ، كَحُصُولِه منه، فأشْبَهَ ما لو أسْلَم إليه في نَوْعٍ، فسَلَّمَ إليه غيرَه. وهكذا كل ما يَخْتَلِفُ باخْتِلافِ الأعْيانِ. فصل: يجوزُ الاسْتِئْجارُ لِحَفْرِ الآبارِ والأنْهارِ والقُنِىِّ؛ لأنَّها مَنْفَعَةٌ مَعْلُومةٌ، يجوزُ أن يَتَطَوّعَ بها الرَّجُلُ على غيرِه، فجازَ عَقْدُ الإِجَارةِ عليها (٧)، كالخِدْمةِ. ولا بدَّ من تَقْدِيرِ العَمَلِ بمُدّةٍ، أو عَمَلٍ مُعَيَّنٍ، فإن قَيَّدَه بمُدَّةٍ، نحو أن يقولَ: اسْتَأْجَرْتُكَ شَهْرًا، لِتَحْفِرَ لِى بِئْرًا [أو نَهْرًا] (٨). لم يَحْتَجْ إلى مَعْرِفةِ القَدْرِ (٩) وعليه أن يَحْفِرَ ذلك

стр. 3836

الشَّهْر، قَلِيلًا حَفَرَ (١٠) أو كَثِيرًا. ويَحْتاجُ إلى مَعْرِفةِ الأرْضِ التي يَحْفِرُ فيها. وقال بعضُ أصْحابِنا: لا يَحْتَاجُ إلى مَعْرِفَتِها؛ لأنَّ الغَرَضَ لا يَخْتَلِفُ بذلك. والأَولُ أَوْلَى إن شاءَ اللهُ تعالى؛ لأنَّ الأرْضَ قد تكونُ صُلْبةً، فيكونُ الحَفْرُ عليه شاقًّا، وقد تكونُ سَهْلةً، فيَسْهُلُ ذلك عليه. وإن قَدَّرَه بالعَمَلِ، فلا بدَّ من مَعْرِفَةِ الوَضْعِ (١١) بالمُشَاهَدةِ؛ لأنَّ المَواضِعَ تَخْتَلِفُ بالسُّهُولةِ والصَّلَابةِ، ولا يَنْضَبِطُ ذلك بالصِّفَةِ ويَعْرِفُ دَوْرَ البِئْرِ، وعُمْقَها، وطُولَ النَّهْرِ، وعُمْقَه، وعَرْضَهُ؛ لأنَّ العَمَلَ يَخْتَلِفُ بذلك. فإذا حَفَرَ بِئْرًا، فعليه شَيْلُ التُّرَابِ (١٢)؛ لأنَّه لا يُمْكِنُه الحَفْرُ إلَّا بذلك، فقد تَضَمَّنَه العَقْدُ. فإن تَهَوَّرَ تُرَابٌ من جانِبَيْها، أو سَقَطَتْ فيه بَهِيمةٌ [أو نحو ذلك] (١٣)، لم يَلْزَمْه شَيْلُه، وكان على صاحِبِ البِئْرِ؛ لأنَّه سَقَطَ فيها من مِلْكِه، ولم يَتَضَمَّنْ عَقدُ الإِجَارةِ رَفْعَه. وإن وَصَلَ إلى صَخْرةٍ أو جَمادٍ يَمْنَعُ الحَفْرَ، لم يَلْزَمْه حَفْرُه؛ لأنَّ ذلك مُخَالِفٌ لما شَاهَدَه من الأرْضِ، وإنَّما اعْتُبِرَتْ مُشَاهَدةُ الأرْضِ لأنَّها تَخْتَلِفُ، فإذا ظَهَرَ فيها ما يُخَالِفُ المُشَاهدَةَ، كان له الخِيَارُ في الفَسْخِ، فإذا فَسَخَ، كان له من الأجْرِ بحِصَّةِ ما عَمِل فيُقَسَّطُ الأجْرُ على ما بَقِىَ وما عَمِلَ، فيقال: كم أجْرُ ما عَمِلَ؟ وكم أجْرُ ما بَقِىَ؟ ! ويُقَسَّطُ الأجْرُ المسَمَّى عليهما. ولا يجوزُ تَقسِيطُه على عَدَدِ الأذْرُعِ؛ لأنَّ أعْلَى البِئْرِ يسْهُلُ نَقْلُ التُّرابِ منه، وأسْفَلَه يَشُقُّ ذلك فيه. وإن نَبَعَ ما يَمْنَعُه (١٤) من الحَفْرِ، فهو بمَنْزِلةِ الصَّخْرةِ، على ما ذَكَرْنا. فصل: ويجوزُ الاسْتِئْجارُ لِضَرْبِ اللَّبِنِ؛ لما ذَكَرْنا، ويكونُ على مُدَّةٍ أو عَمَلٍ، فإن قَدَّرَه بالعَمَلِ، احْتاجَ إلى تَبْيِينِ عَدَدِه، وذِكْرِ قَالَبِه، ومَوْضِعِ الضَّرْبِ؛ لأنَّ الأجْرَ يَخْتَلِفُ باخْتِلافِه؛ لكَوْنِ التُّرابِ في بعضِ الأماكِن أسْهَلَ، والماءِ أقْربَ. فإن

стр. 3837

كان هناك قَالِبٌ مَعْرُوفٌ لا يَخْتَلِفُ، جازَ، كما إذا كان المِكْيالُ مَعْرُوفا. وإن قَدَّرَه بالطُّولِ والعَرْضِ والسُّمْكِ، جازَ. ولا يَكْتَفِى بمُشَاهَدةِ قالَبِ الضَّرْبِ إذا لم يَكُنْ مَعْرُوفًا؛ لأنَّ فيه غَرَرًا. وقد يَتْلَفُ القالِبُ، فلا يَصِحُّ، كما لو أسْلَمَ في مِكْيالٍ بِعَيْنِه. فصل: ويجوزُ الاسْتِئْجارُ لِلْبِنَاءِ، وتَقْدِيرُه بالزَّمانِ أو العَمَلِ، فإن قَدَّرَه بالعَمَلِ، فلا بدَّ من مَعْرِفَةِ مَوْضِعِه؛ لأنَّه يَخْتَلِفُ أيضًا بِقُرْبِ الماءِ، وسُهُولةِ التُّرابِ. ولا بُدَّ من ذِكْرِ طُولِه، وعَرْضِه، وسُمْكِه، وآلةِ البِنَاءِ من لَبِنٍ وطِينٍ، أو حَجَرٍ وطِينٍ، أو شِيدٍ (١٥) وآجُرٍّ، أو غير ذلك. قال ابنُ أبي موسى: وإذا اسْتَأْجَرَه لِبنَاءِ أَلْفِ لَبِنَةٍ في حائِطِه (١٦)، أو اسْتَأْجَرَه يَبْنِى له فيه يَوْمًا، فعَمِلَ ما اسْتَأْجَرَه عليه، ثم سَقَطَ الحائِطُ، فله أَجْرُه؛ لأنَّه وَفَّى العَمَلَ. وإن قال: ارْفَعْ لي هذا الحائِطَ عَشَرةَ أذْرُعٍ، فرَفَعَ بعضَه، ثم سَقَطَ، فعليه إعادَةُ ما سَقَطَ، وإتْمامُ ما وَقَعَتْ عليه الإِجَارةُ من الذَّرْعِ. وهذا إذا لم يكُنْ سُقُوطُه في الأوَّلِ لأمْرٍ من جِهَةِ العامِلِ، فأمَّا إن فَرَّطَ، أو بَنَاهُ مَحْلُولًا، أو نحو ذلك، فسَقَطَ، [فعليه إعَادَتُه] (١٧)، وغَرَامَةُ ما تَلِفَ منه. فصل: ويجوزُ الاسْتِئْجارُ لِتَطْيِينِ السُّطُوحِ والحِيطَانِ وتَجْصِيصِها. ولا يجوزُ على عَمَلٍ مُعَيَّنٍ؛ لأنَّ الطِّينَ يَخْتَلِفُ، فمنه رَقِيقٌ وثَخِينٌ، وأرْضُ السَّطْحِ (١٨) تَخْتَلِفُ، [فمنها العالِى ومنها النازِلُ] (١٩)، وكذلك الحِيطَانُ، فلذلك لم يَجُزْ إلَّا على مُدّةٍ. فصل: ويجوزُ اسْتِئْجارُ ناسِخٍ لِيَنْسَخَ له كُتُبَ فِقْهٍ أو حَدِيثٍ، أو شِعْرًا مُبَاحًا، أو سِجِلَّاتٍ، نَصَّ عليه، في رِوَايةِ مُثَنَّى بن جامِعٍ، وسَأَلَه عن كِتَابةِ الحَدِيثِ

стр. 3838

بالأَجْرِ، فلم يَرَ به بَأْسًا. ولا بدَّ من التَّقْدِيرِ بالمُدَّةِ أو العَمَلِ، فإن قَدَّرَه بالعَمَلِ، ذَكَرَ عَدَدَ الأَوْرَاقِ، وقَدْرَها، وعَدَدَ السُّطُورِ في كلِّ وَرَقةٍ، وقَدْرَ الحَوَاشِى، ودِقَّةَ القَلَمِ وغِلَظَه. فإن عَرَفَ الخَطَّ بالمشَاهَدةِ، جازَ، وإن أمْكَنَ ضَبْطُه بالصِّفَةِ ضَبَطَه، وإلَّا فلا بُدَّ من مُشَاهَدَتِه؛ لأنَّ الأجْرَ يَخْتَلِفُ باخْتِلافِه. ويَجُوزُ تَقْدِيرُ الأجْرِ بأجْزَاءِ الفَرْعِ، ويجوزُ بأجْزاءِ الأصْلِ المَنْسُوخِ منه. وإن قَاطَعَه على نَسْخِ الأصْلِ بأجْرٍ واحدٍ، جازَ. وإذا أخْطَأَ بالشىءِ اليَسِيرِ، الذي جَرَتِ العادَةُ به، عُفِىَ عنه؛ لأنَّ ذلك لا يُمْكِنُ التَّحَرُّزُ منه. وإن أَسْرَفَ في الغَلَطِ، بحيثُ يَخْرُجُ عن العادَةِ، فهو عَيْبٌ يَرُدُّ به. قال ابنُ عَقِيلٍ: وليس له مُحَادَثَةُ غيرِه حالَ (٢٠) النَّسْخِ، ولا التَّشَاغُلُ بما يَشْغَلُ سِرَّهُ ويُوجِبُ غَلَطَه، ولا لغيرِه تَحْدِيثُه وشَغْلُه. وكذلك كلُّ الأعْمالِ التي تَخْتَلُّ بِشَغْلِ السِّرِّ والقَلْبِ، كالقِصَارَةِ والنِّسَاجَةِ، ونحوِهما. فصل: ويجوزُ أن يَسْتَأْجِرَ مَن يَكْتُبُ له مُصْحَفًا، في قولِ أكْثَر أهْلِ العِلْمِ. ورُوِىَ ذلك عن جابِرِ بن زَيْدٍ، ومالِكِ بن دِينارٍ. وبه قال أبو حَنِيفةَ، والشافِعِىُّ، وأبو ثَوْرٍ، وابنُ المُنْذِرِ. وقال ابنُ سِيرِينَ: لا بَأْسَ أن يَسْتَأْجِرَ الرَّجُلَ شَهْرًا، ثم يَسْتَكْتِبَه مُصْحَفًا. وكَرِهَ عَلْقَمةُ كِتَابةَ المُصْحَفِ بالأجْر (٢١). ولَعَلَّه يرى أنَّ ذلك ممَّا يَخْتَصُّ فاعِلُه بكَوْنِه من أهْلِ القُرْبةِ، فكَرِهَ الأجْرَ عليه، كالصَّلَاةِ. ولَنا، أنَّه فِعْلٌ مُباحٌ يجوزُ أن يَنُوبَ فيه الغيرُ عن الغيرِ، فجازَ أخْذُ الأجْرِ عليه، ككِتابةِ الحَدِيثِ، وقد جاء في الخَبَرِ: "أحَقُّ مَا أخَذْتُمْ عَلَيْهِ أجْرًا كِتَابُ اللهِ" (٢٢). فصل: ويجوزُ أن يَسْتَأْجِرَ لِحَصَادِ زَرْعِه. ولا نَعْلَمُ فيه خِلَافًا بين أهْلِ العِلْمِ. وكان إبراهيمُ بن أدْهَمَ يُؤْجِرُ نَفْسَه لِحَصَادِ الزَّرْعِ. ويجوزُ أن يُقَدِّرَه بمُدّةٍ، وبِعَمَلٍ مُعَيَّنٍ،

стр. 3839

مثل أن يُقَاطِعَه على حَصَادِ زَرْعٍ مُعَيَّنٍ. ويجوزُ أن يَسْتَأْجرَ رَجُلًا لِسَقْىِ زَرْعِه، وتَنْقِيَتِه، ودِيَاسِه، ونَقْلِه إلى مَوْضِعٍ مُعَيّنٍ. ويجوزُ أن يَسْتأْجِرَ رَجُلًا لِيَحْتَطِبَ له؛ لأنَّه عَمَلٌ مُباحٌ تَدْخُلُه النِّيابةُ، أشْبَهَ حَصَادَ الزَّرعِ. قال أحمدُ، في رَجُلٍ اسْتَأْجَرَ أجِيرًا على أنْ يَحْتَطِبَ له على حِمَارَيْنِ كلَّ يومٍ، فكان الرَّجُلُ يَنْقُلُ عليهما وعلى حَمِيرٍ لِرَجُلٍ آخَرَ، ويَأْخُذُ منه الأُجْرَةَ. فإن كان يَدْخُلُ عليه ضَرَرٌ، يَرْجِعُ عليه بالقِيمَةِ. فظاهِرُ هذا أنَّ المُسْتَأْجِرَ يَرْجِعُ على الأجِيرِ بقِيمَةِ ما اسْتَضَرَّ باشْتِغالِه (٢٣) عن عَمَلِه؛ لأنَّه قال: إن كان يَدْخُلُ عليه ضَرَرٌ يَرْجِعُ عليه (٢٤) بالقِيمَةِ. فاعْتَبَرَ الضَّرَرَ، وظاهِرُ هذا (٢٤) أنَّه إذا لم يَسْتَضِرَّ، لا يَرْجِعُ بشيءٍ؛ لأنَّه اكْتَراه لِعَمَلٍ، فوَفَّاهُ على التَّمامِ، فلم يَلْزَمْهُ شيءٌ، كما لو اسْتَأْجَرَه لِعَمَلٍ، فكان يَقْرَأُ القُرْآنَ في حال عَمَلِهِ، فإن ضَرَّ المُسْتَأْجِرَ، رجَع (٢٥) عليه بقِيمَةِ ما فَوَّتَ عليه. ويَحْتَمِلُ أنَّه أرادَ أنّه يَرْجِعُ عليه بقِيمَةِ ما عَمِلَه لغيرِه؛ لأنَّه صَرَفَ مَنَافِعَه المَعْقُودَ عليها إلى عَملِ غيرِ المُسْتَأْجِرِ، فكان عليه قِيمَتُها، كما لو عَمِلَ لِنَفْسِه. وقال القاضِى: معناه أنَّه يَرْجِعُ عليه بالأجْرِ الذي أخَذَه من الآخَرِ، لأنَّ مَنَافِعَه في هذه المُدَّةِ مَمْلُوكةٌ لغيرِه، فما حَصَلَ في مُقَابَلَتِها يكونُ للذى اسْتَأْجَرَه. فصل: ويجوزُ الاسْتِئْجارُ لِاسْتِيفاءِ القِصَاصِ، في النَّفْسِ [وما دُونَها] (٢٦). وبه قال مالِكٌ، والشافِعِىُّ، وأبو ثَوْرٍ. وقال أبو حنيفةَ: لا يجوزُ في النَّفْسِ؛ لأنَّ عَدَدَ الضَّرَباتِ تَخْتَلِفُ، ومَوْضِعَ الضَّرَباتِ غيرُ مُتَعَيَّنٍ، إذْ يُمْكِنُ أن يَضْرِبَ ممَّا [يَلِى الرَّأْسَ وممَّا] (٢٧) يَلِى الكَتِفَ، فكان مَجْهُولًا. ولَنا، أنَّه حَقٌّ يجوزُ التَّوْكِيلُ في اسْتِيفائِه، لا يَخْتَصُّ فاعِلُه بكَوْنِه من أهْلِ القُرْبةِ، فجازَ الاسْتِئْجارُ عليه، كالقِصَاصِ في الطَّرفِ. وقولُه: إنَّ عَدَدَ الضَّرَباتِ يَخْتَلِفُ، وهو مَجْهُولٌ. يَبْطُلُ بخِيَاطةِ

стр. 3840

الثَّوْبِ، فإنَّ عَدَدَ الغرزَاتِ مَجْهُولٌ. وقولُه: إن مَحلَّه غيرُ مُتَعَيّنٍ. [قُلْنا: هو مُتَقَارِبٌ، فلا يَمْنَعُ ذلك صِحَّتَه، كمَوْضِعِ الخِيَاطةِ من حاشِيَةِ الثَّوْبِ. والأجْرُ على المُقْتَصِّ منه. وبهذا قال الشافِعِىُّ، وأبو ثَوْرٍ. وقال أبو حنيفةَ، ومالِكٌ: هو على المُسْتَوْفِى، لأنَّه غيرُ مُتَعَيّنٍ] (٢٨)، فليس على المُقْتَصِّ منه إلَّا التمْكِينُ، كما لو اشْتَرَى ثَمرَةَ نَخْلِه. ولَنا، أنَّه أجْرٌ يَجِبُ لإِيفاءِ حَقٍّ، فكان على المُوَفّى، كأجْرِ الكَيَّالِ والوَزَّانِ. وما ذَكَرُوه غيرُ صَحِيحٍ؛ فإنَّ القَطْعَ مُسْتَحَقٌّ عليه، بخِلَافِ الثَّمرَةِ، بِدَلِيلِ أنَّه لو مَكَّنَهُ من القَطْعِ فلم يَقْطَعْ، وقَطَعَه آخَرُ، لم يَسْقُطْ حَقُّ صاحِبِ القِصَاصِ، ولو كان التَّمْكِينُ (٢٩) تَسْلِيمًا، لسَقَطَ حَقُّه كالثمرَةِ. فصل: ويجوزُ اسْتِئْجارُ رَجُلٍ لِيَدُلَّه على طَريقٍ؛ فإنَّ النبيَّ ﷺ وأبا بكرٍ، اسْتَأْجَرَا عبدَ اللَّه بن أُرَيْقِطٍ هادِيًا خِرِّيتًا (٣٠)، وهو الماهِرُ بالهِدَايةِ، لِيَدُلَّهما على طَرِيقِ المَدِينةِ. ويجوزُ اسْتِئْجارُ كَيّالٍ، ووَزّانٍ، لِعَمَلٍ مَعْلُومٍ، أو في مُدّةٍ مَعْلُومةٍ. وبهذا قال مالِكٌ. والثَّوْرِىُّ، والشّافِعِىُّ، وأصْحابُ الرَّأْى، ولا نَعْلَمُ فيه مُخَالِفًا. وقد رُوِىَ في حَدِيثِ سُوَيْدِ بن قَيْسٍ: أتَانَا رسولُ اللهِ ﷺ ، فاشْتَرَى مِنَّا رَجُلٌ سَرَاوِيلَ، وثَمَّ رَجُلٌ يَزِنُ بأجْرٍ، فقال رسولُ اللَّه ﷺ : "زِنْ، وَأَرْجِحْ". رَوَاه أبو دَاوُدَ (٣١). ويجوزُ اسْتِئْجارُ رَجُلٍ لِيُلَازِمَ غَرِيمًا يَسْتَحِقُّ مُلَازَمَتَهُ. وسُئِلَ أحمدُ عن ذلك، فقال: لا بَأْسَ قد شَغَلَهُ. وقال في مَوْضِعٍ آخَرَ: غيرُ هذا أعْجَبُ إلىَّ. كَرِهَه؛ لأنَّه يَؤُولُ إلى الخُصُومَةِ، وفيه تَضيِيقٌ على مُسْلِمٍ، ولَا يأْمَنُ أن يكونَ ظَالِمًا، فيُسَاعِدَه على ظُلْمه، لكنَّه جائِزٌ في الجُمْلَةِ؛ لأنَّ الظاهِرَ أنَّه مُحِقٌّ، فإنَّ الظاهِرَ أنَّ الحاكِمَ لا يَحْكُمُ إلَّا بِحَقٍّ، ولهذا أجَزْنَا لِلمُوَكِّلِ فِعْلَه.

стр. 3841

فصل: ويجوزُ أن يَسْتَأْجِرَ سِمْسَارًا، يَشْتَرِى (٣٢) له ثِيابًا، ورَخَّصَ فيه ابنُ سِيرِينَ، وعَطَاءٌ، والنَّخَعِيُّ. وكَرِهَه الثَّوْرِيُّ، وحَمَّادٌ. ولَنا، أنَّها مَنْفَعَةٌ مُبَاحةٌ، تجوزُ النِّيَابةُ فيها، فجازَ الاسْتِئْجارُ عليها، كالبِنَاءِ. ويجوزُ على مُدّةٍ مَعْلُومةٍ، مثل أن يَسْتَأْجِرَه عَشرَةَ أيامٍ يَشْتَرِى له فيها؛ لأنَّ المُدَّةَ مَعْلُومةٌ، والعَمَلَ مَعْلُومٌ، أشْبَهَ الخَيَّاطَ والقَصَّارَ. فإنْ عَيَّنَ العَمَلَ دونَ الزَّمَانِ، فجَعَلَ له مِن كلِّ ألْفِ دِرْهَمٍ شَيْئًا مَعْلُومًا، صَحَّ أيضًا. وإن قال: كلَّما اشْتَرَيْتَ ثَوْبًا، فلك (٣٣) دِرْهَمٌ أجْرًا. وكانت الثِّيَابُ مَعْلُومةً بِصِفَةٍ، أو مُقَدَّرةً بِثَمَنٍ، جازَ. وإن لمْ يكُنْ كذلك، فظاهِرُ كلامِ أحمدَ، أنَّه لا يجوزُ؛ لأنَّ الثِّيابَ تَختَلِفُ بِاخْتِلَافِ أثْمانِها، والأجْرُ يَخْتَلِفُ بِاخْتِلَافِها، فإن اشْتَرَى، فله أجْرُ مِثْلِه. وهذا قولُ أبى ثَوْرٍ، وابنِ المُنْذِرِ؛ لأنَّه عَمِلَ عَمَلًا بِعِوَضٍ لم يُسَلَّمْ له، فكان له أجْرُ المِثْلِ، كسائِر الإِجَاراتِ الفاسِدَةِ. فصل: وإن اسْتَأْجَرَهُ (٣٤) لِيَبِيعَ له ثِيَابًا بِعَيْنِها، صَحَّ. وبه قال الشافِعِيُّ. وقال أبو حنيفةَ: لا يَصِحُّ؛ لأنَّ ذلك يَتَعَذَّرُ عليه، فأشْبَهَ ضِرَابَ الفَحْلِ، وحَمْلَ الحَجَرِ الكَبِيرِ. ولَنا، أنَّه عَمَلٌ مُباحٌ، تجوزُ النِّيابةُ فيه، وهو مَعْلُومٌ، فجازَ [الاسْتِئْجارُ عليه كشِرَاءِ الثِّيابِ، ولأنَّه يجوزُ عَقْدُ الإِجَارَةِ عليه مُقَدَّرًا بِزَمَنٍ] (٣٥)، فجازَ مُقَدّرًا بعَمَلٍ (٣٦)، كالخِيَاطةِ. وقولُهم: إنَّه غيرُ مُمْكنٍ. لا يَصِحُّ؛ فإنَّ الثِّيابَ لا تَنْفَكُّ عن راغِبٍ فيها، ولذلك صَحَّتِ المُضَارَبةُ، ولا تكونُ إلَّا بالبَيْعِ والشِّرَاءِ، بِخلَافِ ما قَاسُوا عليه، فإنَّه مُتَعَذِّرٌ. وإن اسْتَأْجَرَه على شِرَاءِ ثِيَابٍ مُعَيّنةٍ، احْتَمَلَ أن لا يَصِحَّ؛ لأنَّ ذلك لا يكونُ إلَّا من واحدٍ، وقد لا يَبِيعُ، فيَتَعَذَّرُ تَحْصِيلُ (٣٧) العَمَلِ بحُكْمِ

стр. 3842

الظاهِرِ، بخِلَافِ البَيْعِ. وإن اسْتَأْجَرَه في البَيْعِ لِرَجُلٍ بِعَيْنِه، فهو كما لو اسْتَأْجَرَه لِشِرَاءِ ثِيَابٍ بِعَيْنِها. ويَحْتَمِلُ أن يَصِحَّ؛ لأنَّه مُمْكِنٌ في الجُمْلةِ. فإن حَصَلَ من ذلك شيءٌ، اسْتَحَقَّ الأجْرَ، وإلَّا بَطَلَتِ الإِجَارةُ، كما لو لم يُعَيِّن البائِعَ ولا المُشْتَرِىَ. فصل: ويجوزُ أن يَسْتَأْجِرَ لِخِدْمَتِه مَن يَخْدِمُه كلَّ شَهْرٍ، بشيءٍ مَعْلُومٍ، وسواءٌ كان الأجِيرُ رَجُلًا أو امْرَأةً، حُرًّا أو عَبْدًا. وبهذا قال أبو حنيفةَ، والشافِعِيُّ، وأبو ثَوْرٍ؛ لأنَّه تَجوزُ النِّيابةُ فيه، ولا يَخْتَصُّ عامِلُه بكَوْنه من أهْلِ القُرْبةِ. قال أحمدُ: أجِيرُ المُشَاهَرَةِ يَشْهَدُ الأعْيادَ والجُمْعةَ، ولا يَشْتَرِطُ ذلك. قيل له: فيَتَطَوَّعُ بالرَّكْعَتَيْنِ؟ قال: ما لم يَضُرَّ بصَاحِبِه. إنَّما أبَاحَ له (٣٨) ذلك؛ لأنَّ أَوْقاتَ الصَّلاةِ مُسْتَثْناةٌ من الخِدْمةِ، ولهذا وَقَعَتْ مُسْتَثْناةً في حَقِّ المُعْتَكِفِ بِتَرْكِ مُعْتَكَفِه لها. وقال ابنُ المُبَاركِ: لا بَأْسَ أن يُصَلِّىَ الأجِيرُ رَكَعاتِ السُّنّةِ. وقال أبو ثَوْرٍ، وابنُ المُنْذِرِ: ليس له مَنْعُه منها. وقال أحمدُ: يجوزُ لِلرَّجُلِ أن يَسْتَأْجِرَ الأَمَةَ والحُرَّةَ لِلْخِدْمةِ، ولكنْ يَصْرِفُ وَجْهَه عن النَّظرَ، ليست الأمَةُ مثلَ الحُرَّةِ، ولا يَخْلُو معها في بَيْتٍ، ولا يَنْظُرُ إليها مُتَجَرِّدَةً، ولا إلى شَعْرِها. إنَّما قال ذلك؛ لأنَّ حُكْمَ النَّظَرِ بعد الإِجَارَةِ كَحُكْمِه قبلَها، وفَرَّقَ بين الأمَةِ والحُرّةِ؛ لأنَّهما يَخْتَلِفانِ قبل الإِجَارَةِ، فكذلك بعدَها. ٨٩٨ - مسألة؛ قال: (وَإذَا مَاتَ المُكْرِى وَالْمُكْتَرِى، أوْ أحَدُهُمَا، فالْإِجَارةُ بِحَالِهَا) هذا قولُ مالِكٍ، والشّافِعِيِّ، وإسحاقَ، والْبَتِّىِّ، وأبى ثَوْرٍ، وابنِ المُنْذِرِ. وقال الثَّوْرِيُّ، وأصْحابُ الرَّأْىِ، واللَّيْثُ: تَنْفَسِخُ الإِجَارَةُ بمَوْتِ أحَدِهِما؛ لأَنَّ اسْتِيفاءَ المَنْفَعةِ يَتَعَذَّرُ بالمَوْتِ، لأنَّه اسْتَحَقَّ بالعَقْدِ اسْتِيفَاءَها على مِلْكِ المُؤْجِرِ، فإذا ماتَ زالَ مِلْكُه عن العَيْنِ، فانْتَقَلَتْ إلى وَرَثَتِه، فالمَنَافِعُ تَحْدُثُ على مِلْكِ الوارِثِ، فلا يَسْتَحِقُّ المُسْتَأْجِرُ اسْتِيفَاءَها؛ لأنَّه ما عَقَدَ مع الوارِثِ، وإذا ماتَ المُسْتَأْجِرُ،

стр. 3843

لم يُمْكِنْ إيجَابُ الأجْرِ في تَرِكتِه. ولَنا، أنَّه عَقْدٌ لازِمٌ، فلا يَنْفَسِخُ بمَوْتِ العاقِدِ، مع سَلَامةِ المَعْقُودِ عليه، كما لو زَوّجَ أمَتَه ثم ماتَ. وما ذَكَرُوه لا يَصِحُّ؛ فإنَّا قد ذَكَرْنا أنَّ المُسْتَأْجِرَ قد مَلَكَ المَنافِعَ، ومُلِكَتْ عليه الأُجْرَةُ كامِلَةً في وَقْتِ العَقْدِ. ثم يَلْزَمُهم ما لو زَوَّجَ أمَتَه ثم ماتَ. ولو صَحَّ ما ذَكَرُوه؛ لَكان (١) وُجُوب الأجْر ههُنا بِسَبَبٍ من المُسْتَأْجِرِ، فوَجَبَ (٢) في تَرِكَتِه بعد مَوْتِه، كما لو حَفَرَ بِئْرًا، فوَقَعَ فيها شيءٌ بعدَ مَوْتِه، ضَمِنَه من (٣) مالِه؛ لأنَّ سَبَبَ ذلك كان منه في حالِ الحَيَاةِ، كذا ههُنا. فصل: وإن ماتَ المُكْتَرِى، ولم يكُنْ له وارِثٌ يَقُومُ مَقَامَه في اسْتِيفاءِ المَنْفَعةِ، أو كان غائِبًا، كمَن يَمُوتُ في طَرِيقِ مَكّةَ، ويَخْلُفُ جَمَلَه الذي اكْتَرَاه، وليس له عليه شيءٌ يَحْمِلُه، ولا وارِثَ له حاضِرٌ يَقُومُ مَقَامَه، فظاهِرُ كلامِ أحمدَ أنَّ الإِجَارةَ تَنْفَسِخُ فيما بَقِىَ من المُدَّةِ؛ لأنَّه قد جاءَ أمْرٌ غالِبٌ، يَمْنَعُ المُسْتَأْجِرَ عن (٤) مَنْفَعةِ العَيْنِ، فأشْبَه ما لو غُصِبَتْ، ولأنَّ بَقَاءَ العَقْدِ ضَرَرٌ في حَقِّ المُكْتَرِى والمُكْرِى؛ لأنَّ المُكْتَرِىَ يَجِبُ عليه الكِرَاءُ من غيرِ نَفْعٍ، والمُكْرِىَ يَمْتَنِعُ عليه التَّصَرُّفُ في ماله، مع ظُهُورِ امْتِناعِ الكِرَاءِ عليه. وقد نُقِلَ (٥) عن أحمدَ، في رَجُلٍ اكْتَرَى بَعِيرًا، فماتَ المُكْتَرِى في بعضِ الطَّرِيقِ، فإن رَجَعَ البَعِيرُ خالِيًا، فعليه بِقَدْرِ ما وَجَبَ له (٤)، وإن كان عليه ثِقْلُه ووِطَاؤُه، فله الكِرَاءُ إلى المَوْضِعِ. وظاهِرُ هذا أنَّه حَكَمَ بِفَسْخِ العَقْدِ فيما بَقِىَ من المُدّةِ، إذا ماتَ المُسْتَأْجِرُ، ولم يَبْقَ له (٦) به انْتِفَاعٌ؛ لأنَّه تَعَذَّرَ اسْتِيفَاءُ المَنْفَعةِ بأمْرٍ من اللَّه تَعالى، فأَشْبَه ما لو اكْتَرَى من يَقْلَعُ له ضِرْسَه، فبَرَأَ، أو انْقَلَعَ

стр. 3844

قبلَ قَلْعِه، أو اكْتَرَى كَحَّالًا لِيَكْحَلَ عَيْنَه، فبَرَأتْ، أو ذَهَبَتْ. ويَجِبُ أن يُقَدَّرَ أنَّه لم يكُنْ ثَمَّ من وَرَثَتِه مَن يَقُومُ مَقَامَه في الانْتِفَاعِ؛ لأنَّ الوارِثَ يَقُومُ مَقَامَ المَوْرُوثِ. وتَأَوَّلَها القاضي على أنَّ المُكْرِىَ قَبَضَ البَعِيرَ، ومَنَعَ الوَرَثةَ من (٧) الانْتِفاعِ، ولولا ذلك لما انْفَسَخَ العَقْدُ؛ لأنَّه لا يَنْفَسِخُ بِعُذْرٍ في المُسْتَأْجِرِ مع سَلَامةِ المَعْقُودِ عليه، كما لو حُبِسَ مُسْتَأْجِرُ الدَّارِ، ومُنِعَ من سُكْنَاها. ولا يَصِحُّ هذا؛ لأنَّه لو مَنَعَ الوارِثَ الانْتِفَاعَ، لَما اسْتَحَقَّ شَيْئا من الأجْرِ. ويُفَارِقُ هذا ما لو حُبِسَ المُسْتَأْجِرُ؛ لأنَّ المَعْقُودَ عليه انْتِفَاعُه، وهذا لا يُؤْيَسُ منه بالحَبْسِ، فإنَّه في كلّ وَقْتٍ يُمْكِنُ خُرُوجُه من الحَبْسِ وانْتِفَاعُه، ويُمْكِنُ أن يَسْتَنِيبَ مَن يَسْتَوْفِى المَنْفَعةَ له (٨) إما بأَجْرٍ أو غيرِه، بخِلَافِ المَيِّتِ، فإنَّه قد فاتَ انْتِفاعُه بِنَفْسِه ونائِبِه، فأشْبَهَ ما ذَكَرْنا من الصُّوَرِ (٩). فصل: إذا أجَرَ المَوْقُوفُ عليه الوَقْفَ مُدَّةً، فماتَ في أَثْنائِها، وانْتَقَلَ إلى مَنْ بعدَه ففيه وَجْهانِ؛ أحدهما، لا تَنْفَسِخُ الإِجَارةُ؛ لأنَّه أجَرَ مِلْكَه في زَمَنِ وِلَايَتِه، فلم يَبْطُلْ بمَوْتِه، كما لو أجَرَ مِلْكَه الطَّلْقَ (١٠). والثاني، تَنْفَسِخُ الإِجارَةُ فيما بَقِىَ من المُدّةِ، لأنَّا تَبَيَّنَّا (١١) أنَّه أجَرَ مِلْكَه ومِلْكَ غيرِه، فصَحَّ في مِلْكِه دُونَ مِلْكِ غيرِه، كما لو أجَرَ دَارَيْنِ أحدَهما له، والأخْرَى لغيرِه؛ وذلك لأنَّ المَنافِعَ بعد المَوْتِ حَقٌّ لغيرِه، فلا يَنْفُذُ عَقْدُه عليها من غيرِ مِلْكٍ ولا وِلَايةٍ، بخِلَافِ الطَّلْقِ، فإن الوارِثَ (١٢) يَمْلِكُهُ (١٣)

стр. 3845

من جِهَةِ المَوْرُوثِ، فلا يَمْلِكُ إلَّا ما خَلَفَه، وما تَصَرَّفَ فيه في حَيَاتِه، لا يَنْتَقِلُ إلى الوارِثِ، والمَنافِعُ التي أجَرَها قد خَرَجَتْ عن مِلْكِه بالإِجَارةِ، فلا تَنتَقِلُ إلى الوارِثِ. والبَطْنُ الثاني في الوَقْفِ يَمْلِكُون من جِهَةِ الواقِفِ، فما حَدَثَ فيها (١٤) بعدَ البَطْنِ الأوَّلِ كان مِلْكًا لهم، فقد صادَفَ تَصَرُّفَ المُؤْجِرِ في (١٥) مِلْكِهِم من غير إِذْنِهِمْ، ولا وِلَايةَ له عليهم، فلم يَصِحَّ. ويَتَخَرَّجُ أن تَبْطُلَ الإِجَارةُ كلُّها، بِنَاءً على تَفْرِيقِ الصَّفْقةِ. وهذا التَّفْصِيلُ مذهبُ الشافِعِيِّ. فعلَى هذا إن كان المُؤْجِرُ قَبَضَ الأجْرَ كلَّه، وقُلْنَا: تَنْفَسِخُ الإِجَارةُ. فلِمَن انْتَقَلَ إليه الوَقْفُ (١٦) أخْذُه، ويَرْجِعُ المُسْتَأْجِرُ على وَرَثَةِ المُؤْجِرِ بحِصَّةِ الباقِى من الأجْرِ. وإن قُلْنا: لا تَنْفَسِخُ. رَجَعَ من انْتَقَلَ إليه الوَقْفُ على التَّرِكَةِ بحِصَّتِه. فصل: وإن أجَرَ الوَلِىُّ الصَّبِيَّ، أو مالَه مُدَّةً، فبَلَغَ في أثْنائِها، فقال أبو الخَطَّابِ: ليس له فَسْخُ الإِجَارةِ؛ لأنَّه عَقْدٌ لازِمٌ، عَقَدَه بِحَقِّ الوِلَايةِ، فلم يَبْطُلْ بالبُلُوغِ، كما لو باعَ دارَه أو زَوَّجَه. ويَحْتَمِلُ أن تَبْطُلَ الإِجَارةُ فيما بعدَ زَوَالِ الوِلَايةِ، على ما ذَكَرْنا في إجَارَةِ الوَقْفِ. ويَحْتَمِلُ أن يُفَرَّقَ بين ما إذا أجَرَه مُدَّةً يَتَحَقَّقُ بُلُوغُه في أثْنائِها، مثل إنْ أجَرَه عامَيْنِ وهو ابنُ أرْبَعَ عَشرَةَ، فتَبْطُل في السادِسِ عَشَرَ؛ لأنَّنا نَتَيَقَّنُ أنَّه أجَرَه فيها بعدَ بُلُوغِه. وهل تَصِحُّ في الخامِس عَشَرَ؟ على وَجْهَيْنِ، بِنَاءً على تَفْرِيقِ الصَّفْقةِ. وبين ما إذا لم يَتَحَقَّقْ بُلُوغُه في أثْنائِها، كالذى أجَرَه في الخامِسِ عَشَرَ وَحْدَه، فبَلَغَ في أثْنائِه، فيكونُ فيه ما قد ذَكَرْنا في صَدْرِ الفَصْلِ؛ لأنَّنا لو قُلْنا: يُلْزَمُ الصَّبِىُّ [بعدَ البُلوغ] (١٧) بِعَقْدِ الوَلِىِّ مُدَّةً يَتَحَقَّقُ بُلُوغُه فيها، أَفْضَى إلى أن يَعْقِدَ على جَمِيعِ مَنَافِعِه طولَ عُمْرِه، وإلى أن يَتَصَرَّفَ فيه في غيرِ زَمَنِ وِلَاِيَتِه عليه، ولا يُشْبِه النِّكَاحَ؛ لأنَّه

стр. 3846

لا يُمْكِنُ تَقْدِيرُ مُدَّتِه، فإنَّه إنَّما يُعْقَدُ للأَبَدِ. وبهذا قال الشافِعِيُّ. وقال أبو حنيفةَ: إذا بَلَغَ الصَّبِىُّ، فله الخِيَارُ؛ لأنَّه عَقَدَ على مَنَافِعِه في حالٍ لا يَمْلِكُ التَّصَرُّفَ في نَفْسِه، فإذا (١٨) مَلَكَ، ثَبَتَ له الخِيَارُ، كالأمَةِ إذا أُعْتِقَتْ تحتَ زَوْجٍ. ولَنا، أنَّه عَقْدٌ لازِمٌ، عَقَدَ عليه قبلَ أن يَمْلِكَ التَّصَرُّفَ، فإذا مَلَكَهُ لم يَثْبُتْ له الخِيَارُ، كالأَبِ إذا زَوَّجَ وَلَده. وما قَاسُوا عليه إنَّما يَثْبُتُ لها الخِيَارُ إذا عُتِقَتْ تحتَ عَبْدٍ، لأجْلِ العَيْبِ، لا لما ذَكَرَه، ولهذا لو عُتِقَتْ تحت حُرٍّ، لم يَثْبُتْ لها الخِيَارُ. وإن ماتَ الوَلِىُّ المُؤْجِرُ لِلصَّبِىِّ أو مالِه، أو عُزِلَ، وانْتَقَلَتِ الوِلَايةُ إلى غيرِه، لم يَبْطُلْ عَقْدُه؛ لأنَّه تَصَرَّفَ، وهو من أهْلِ التَّصَرُّفِ، في مَحلِّ وِلَايَتِه، فلم يَبْطُلْ تَصَرُّفُه بمَوْتِه أو عَزْلِه، كما لو ماتَ ناظِرُ الوَقْفِ أو عُزِلَ، أو ماتَ الحاكِمُ بعدَ تَصَرُّفِه فيما له النَّظَرُ فيه. ويُفَارِقُ ما لو أجَرَ المَوْقُوفُ عليه الوَقْفَ مُدّةً، ثم ماتَ في أثْنائِها؛ لأنَّه أجَرَ مِلْكَ غيرِه بغيرِ إِذْنِه، في مُدَّةٍ لا وِلَايةَ له فيها، وههُنا إنَّما يَثْبُتُ لِلْوَلِىِّ الثاني الوِلَايَةُ [في التَّصَرُّفِ] (١٩) فيما لم يَتَصَرَّفْ فيه الأولُ، وهذا العَقْدُ قد تَصَرَّفَ فيه الأولُ، فلم تَثْبُتْ للثاني وِلَايةٌ على ما تَنَاوَلَهُ. فصل: وإن أجَرَ عَبْدَهُ مُدّةً، ثم أعْتَقَهُ في أثْنائِها، صَحَّ العِتْقُ، ولم يَبْطُلْ عَقْدُ الإِجَارَةِ، في قِيَاسِ المَذْهَبِ، ولا يَرْجِعُ العَبْدُ على مَوْلَاه بشيءٍ. وهذا جَدِيدُ قَوْلَىِ الشافِعِيِّ. وقال في القَدِيمِ: يَرْجِعُ على مَوْلَاه بأجْرِ المِثْلِ؛ لأنَّ المنَافِعَ تُسْتَوْفَى منه بِسَبَبٍ كان من جهَةِ السَّيِّدِ، فرَجَعَ به عليه، كما لو أكْرَهَهُ بعد عَتْقِه على ذلك العَمَلِ. ولَنا، أنَّها مَنْفَعةٌ اسْتُحِقَّتْ بالعَقْدِ قبلَ العِتْقِ، فلم يَرْجِعْ بِبَدَلِها. كما لو زَوَّجَ أَمَتَه، ثم أعْتَقَها بعدَ دُخُولِ الزَّوْج بها، فإنَّ ما يَسْتَوْفِيه السَّيِّدُ لا يَرْجِعُ به عليه. ويُخالِفُ المُكْرَه؛ فإنَّه تَعَدَّى بذلك، وقال أبو حنيفةَ: لِلْعَبْدِ الخِيَارُ في الفَسْخِ أو الإِمْضاءِ، كالصَّبِىِّ إذا بَلَغَ، لِلْمَعْنَى الذي ذَكَرَه ثَمَّ (٢٠). ولَنا، أنَّه عَقدٌ لازِمٌ، عَقَدَه على

стр. 3847

ما يَمْلِكُه، فلا يَنْفَسِخُ بالعِتْقِ، ولا يَزُولُ مِلْكُه عنه، كما لو زَوَّجَ أَمَتَه ثم باعَها. إذا ثَبَتَ هذا، فإنَّ نَفَقَةَ العَبْدِ إن كانت مَشْرُوطةً على المُسْتَأْجِرِ، فهى عليه كما كانتْ، وإن لم تكنْ مَشْرُوطةً عليه (٢١)، فهى على مُعْتِقِه؛ لأنَّه (٢٢) كالباقِى على مِلْكِه، بِدَلِيلِ أنَّه يَمْلِكُ عِوَضَ نَفْعِه، ولأنَّ العَبْدَ لا يَقْدِرُ على نَفَقَةِ نَفْسِه؛ لأنَّه مَشْغُولٌ بالإِجَارةِ، ولا على المُسْتَأْجِرِ؛ لأنَّه اسْتَحَقَّ مَنْفَعَتَهُ بعِوَضٍ غيرِ نَفَقَتِه، لم يَبْقَ إلَّا أنَّها على المَوْلَى. فصل: إذا أجَرَ عَيْنًا، ثم باعَها، صَحَّ البَيْعُ، نَصَّ عليه أحمدُ، سواءٌ باعَها لِلْمُسْتَأْجِرِ أو لغيرِه. وبهذا قال الشافِعِيُّ، في أحَدِ قَوْلَيْه، وقال في الآخَرِ: إن باعَها لغير المُسْتَأْجِرِ، لم يَصِحَّ البَيْعُ؛ لأنَّ يَدَ المُسْتَأْجِرِ حائِلةٌ تَمْنَعُ التَّسْلِيمَ إلى المُشْتَرِى، فمَنَعَتِ الصِّحَّةَ، كما في بَيْعِ المَغْصُوبِ. ولَنا، أنَّ الإِجارةَ عَقْدٌ على المَنافِعِ، فلم تَمْنَعِ الصِّحَّةَ، كما لو زَوَّجَ أَمَتَه، ثم باعَها. وقولُهم: يَدُ المُسْتَأْجِرِ حائِلَةٌ دُونَ التَّسْلِيمِ. لا يَصِحُّ؛ لأنَّ يَدَ المُسْتَأْجِرِ إنَّما هي على المَنافِعِ، والبَيْعَ على الرَّقَبةِ، فلا يَمْنَعُ ثُبُوتُ اليَدِ على أحَدِهما تَسْلِيمَ الآخَر، كما لو باعَ الأمَةَ المُزَوّجَةَ، ولئِن مَنَعَتِ التَّسْلِيمَ في الحالِ، فلا تَمْنَعُ في الوَقْتِ الذي يَجِبُ التَّسْلِيمُ فيه، وهو عند انْقِضَاءِ الإِجَارةِ، ويَكْفِى القُدْرَةُ على التَّسْلِيمِ حينئذٍ، كالمُسْلَمِ فيه. وقال أبو حنيفةَ: البَيْعُ مَوْقُوفٌ على إجَازَةِ المُسْتَأْجِرِ فإن أجَازَهُ جازَ، وبَطَلَتِ الإِجَارَةُ، وإن رَدَّهُ بَطَلَ. ولَنا، أنَّ البَيْعَ على غيرِ المَعْقُودِ عليه في الإِجَارةِ، فلم تُعْتَبَرْ إجازَتُه، كبَيْعِ الأَمَةِ المُزَوَّجَةِ. إذا ثَبَتَ هذا، فإنَّ المُشْتَرِىَ يَمْلِكُ المَبِيعَ مَسْلُوبَ المَنْفَعةِ إلى حينِ انْقِضَاءِ الإِجَارَةِ، ولا يَسْتَحِقُّ تَسْلِيمَ العَيْنِ إلَّا حينئذٍ؛ لأنَّ تَسْلِيمَ العَيْنِ إنَّما يُرَادُ لِاسْتِيفاءِ نَفْعِها، ونَفْعُها إنَّما يَسْتَحِقُّه إذا انْقَضَتِ الإِجَارةُ، فيَصِيرُ هذا بِمَنْزِلةِ مَن اشْتَرَى عَيْنًا في مكانٍ بَعِيدٍ، فإنَّه لا يَسْتَحِقُّ تَسْلِيمَها إلَّا بعدَ مُضِىِّ مُدَّةٍ يُمْكِنُ إحْضَارُها فيها. كالمُسْلِمِ إلى وَقْتٍ لا يَسْتَحِقُّ تَسَلُّمَ المُسْلَمِ فيه إلَّا في وَقْتِه، فإن لم يَعْلَمِ المُشْتَرِى

стр. 3848

بالإِجَارةِ، فله الخِيَارُ بين الفَسْخِ وإمْضَاءِ البَيْعِ بكلِّ الثَّمَنِ؛ لأنَّ ذلك عَيْبٌ ونَقْصٌ. فصل: فإن اشْتَرَاها المُسْتَأْجِرُ، صَحَّ البَيْعُ أيضًا؛ لأنَّه يَصِحُّ بَيْعُها لغيرِه، فله أَوْلَى، لأنَّ العَيْنَ في يَدِه. وهل تَبْطُلُ الإِجَارةُ؟ فيه وَجْهانِ؛ أحَدُهما، لا تَبْطُلُ؛ لأنَّه مَلَكَ (٢٣) المَنْفَعةَ بِعَقْدٍ، ثم مَلَكَ الرَّقَبةَ المَسْلُوبةَ بِعَقْدٍ آخَرَ، فلم يَتَنَافَيَا، كما يَمْلِكُ الثّمَرةَ بِعَقْدٍ، ثم يَمْلِكُ الأَصْلَ بِعَقْدٍ آخَرَ. ولو أجَرَ المُوصَى له بالمَنْفَعةِ مالِكَ الرَّقَبةِ، صَحَّتِ الإِجَارَةُ، فدَلَّ على أنَّ مِلْكَ المَنْفَعةِ لا يُنَافِى العَقْدَ على الرَّقَبةِ. وكذلك لو اسْتَأْجَرَ المالِكُ العَيْنَ المُسْتَأْجَرَةَ من مُسْتَأْجِرِها، جازَ. فعلى هذا يكونُ الأجْرُ باقِيًا على المُشْتَرِى، وعليه الثمنُ، ويَجْتَمِعانِ لِلْبائعِ، كما لو كان المُشْتَرِى غيرَه. والثاني، تَبْطُلُ الإِجارةُ فيما بَقِىَ من المُدَّةِ؛ لأنَّه عَقَدَ على مَنْفعةِ العَيْنِ، فبَطَلَ مِلْكُ العاقِدِ لِلْعَيْنِ، كالنِّكاحِ، فإنَّه لو تَزَوَّجَ أمَةً، ثم اشْتَرَاها، بَطَلَ نِكَاحُه، ولأنَّ مِلْكَ الرَّقَبةِ يَمْنَعُ ابْتِدَاءَ الإِجَارَةِ، فَمنَعَ اسْتِدَامَتَها، كالنِّكَاحِ. فعلَى هذا، يَسْقُطُ عن المُشْتَرِى الأجْرُ فيما بَقِىَ من مُدَّةِ الإِجَارَةِ، كما لو بَطَلَتِ الإِجَارةُ بِتَلَفِ العَيْنِ. وإن كان المُؤْجِرُ قد قَبَضَ الأجْرَ كلَّه، حَسَبَ عليه باقِى الأجْرِ من الثّمَنِ. فصل: وإن وَرِثَ المُسْتَأْجِرُ العَيْنَ المُسْتَأْجَرَةَ، فالحُكْمُ فيه كما لو اشْتَرَاها، في بُطْلانِ الإِجَارةِ أو بَقَائِها، إلَّا أنَّه لا فَرْقَ في الحُكْمِ بين فَسْخِ الإِجَارةِ وبَقَائِها، فلو اسْتَأْجَرَ إنْسانٌ من أبِيه دارًا، ثم ماتَ أبُوه، وخَلَفَ ابْنَيْنِ، أحدُهما هو المُسْتَأْجِرُ، فإنَّ الدَّارَ تكونُ بينهما نِصْفَيْنِ، والمُسْتَأْجِرُ أحَقُّ بها؛ لأنَّ النِّصْفَ الذي لأَخِيه الإِجَارَةُ باقِيةٌ فيه، والنِّصْفَ الذي وَرِثَه يَسْتَحِقُّه، إمَّا بحُكْمِ المِلْكِ، وإمَّا بِحُكْمِ الإِجَارَةِ، وما عليه من الأجْرِ بينهما نِصْفَيْنِ. وإن كان أبوه قد قَبَضَ الأجْرَ، لم يَرْجِعْ بشيءٍ منه على أخِيه، ولا تَرِكَةِ أبِيه، ويكونُ ما خَلَفَه أبُوه بينهما نِصْفَيْنِ؛ لأنَّه لو رَجَعَ بشيءٍ أفْضَى إلى أن يكونَ قد وَرِثَ النِّصْفَ بمَنْفَعَتِه (٢٤)، ووَرِثَ أخُوه نِصْفًا مَسْلُوبَ

стр. 3849

المَنْفَعَةِ، واللَّه سُبْحانَه قد سَوَّى بينهما في المِيرَاثِ. ولأنَّه لو رَجَعَ بنِصْفِ أجْرِ النِّصْفِ الذي انْتَقَضَتِ الإِجَارةُ فيه، لَوَجَبَ أن يَرْجِعَ أخُوه بِنِصْفِ المَنْفَعةِ التي انْتَقَضَتِ الإِجَارَةُ فيها، إذْ لا يُمْكِنُ أن يُجْمَعَ له بين المَنْفَعةِ وَأخْذِ عِوَضِها من غيرِه. فصل: وإن اشْتَرَى المُسْتَأْجِرُ العَيْنَ، ثم وَجَدَها مَعِيبةً، فرَدَّها، فإن قُلْنا: لا تَنْفَسِخُ الإِجارةُ بالبَيْعِ. فهى باقِيةٌ بعد رَدِّ العَيْنِ كما كانتْ قبلَ البَيْعِ. وإن قُلْنا: قد انْفَسَخَتْ. فالحُكْمُ فيها كما لو انْفَسَخَتْ بِتَلَفِ العَيْنِ. وإن كان المُشْتَرِى أجْنَبِيًّا، فرَدَّ المُسْتَأْجِرُ الإِجَارَةَ لِعَيْبٍ، فيَنْبَغِى أن تَعُودَ المَنْفَعهُ إلى البائِعِ؛ لأنَّه يَسْتَحِقُّ عِوَضَها على المُسْتَأْجِرِ، فإذا سَقَطَ العِوَضُ، عادَ إليه المُعَوّضُ. ولأنَّ المُشْتَرِىَ مَلَكَ العَيْنَ مَسْلُوبةَ المَنفَعةِ، مُدّةَ الإِجَارَةِ، فلا يَرْجِعُ إليه، ما لم يَمْلِكْهُ. وقال بعضُ أصْحابِ الشّافِعِيِّ: يَرجِعُ إلى (٢٥) المُشْتَرِى؛ لأنَّ المَنْفَعةَ تابِعَةٌ لِلرَّقَبةِ، وإنَّما اسْتُحِقَّتْ بِعَقْدِ الإِجَارَةِ، فإذا زالتْ عادَتْ إليه، كما لو اشْتَرَى أَمَةً مُزَوَّجةً، فطَلَّقَها (٢٦) الزَّوْجُ. ولا يَصِحُّ هذا القِيَاسُ؛ فإنَّ مَنْفَعَةَ البُضْعِ قد اسْتَقَرَّ عِوَضُها للبائِعِ بمُجَرَّدِ دُخُولِ الزَّوْجِ بها، ولا يَنْقَسِمُ العِوَضُ على المُدَّةِ، ولهذا لا يَرْجِعُ الزَّوجُ بشيءٍ من الصَّدَاقِ فيما إذا انْفَسَخَ النِّكَاحُ، أو وَقَعَ الطَّلَاقُ، بخِلَافِ الأجْرِ في الإِجَارَةِ؛ فإنَّ المُؤْجِرَ يَسْتَحِقُّ الأجْرَ في مُقَابَلَةِ المَنْفَعةِ مَقْسُومًا على مُدَّتِها، فإذا كان له عِوَضُ المَنْفَعةِ المُسْتَقْبَلَةِ، فزَالَ بالفَسْخِ، رَجَعَ إليه مُعَوّضُها، وهو المَنْفَعةُ. ولأنَّ مَنْفَعةَ البُضْعِ لا يجوزُ أن تُمْلَكَ بغير مِلْكِ الرَّقَبةِ أو النِّكاحِ، فلو رَجَعَتْ إلى البائعِ، لَمُلِكَتْ بغيرِهِما. ولأنَّها ممَّا لا يجوزُ لِلزَّوْجِ نَقلُها إلى غيرِه، ولا المُعَاوَضَةُ عنها، ومَنْفَعةُ البَدَنِ بخِلَافِها. فصل: وإذا وَقَعَتِ الإِجارَةُ على عَيْنٍ، مثل أن يَسْتَأْجِرَ عَبدًا لِلْخِدْمةِ، أو لرِعَايةِ الغَنَمِ، أو جَمَلًا لِلْحَمْلِ أو لِلرُّكُوبِ، فتَلِفَتْ، انْفَسَخَ العَقْدُ بِتَلَفِها. وإن خَرَجَتْ مُسْتَحَقَّةً، تَبَيَّنّا أن العَقْدَ باطِلٌ. وإن وَجَدَ بها عَيْبًا فرَدَّها، انْفَسَخَ العَقْدُ، ولم يَمْلِكْ

стр. 3850

إبْدَالَها؛ لأنَّ العَقْدَ على مُعَيَّنٍ، فثَبَتَتْ هذه الأحْكامُ، كما لو اشْتَرَى عَيْنًا. وإن وَقَعَتْ على عَيْنٍ مَوْصُوفةٍ في الذِّمَّةِ، انْعَكَسَتْ هذه الأحْكَامُ، فمتى سَلَّمَ إليه (٢٧) عَيْنًا فتَلِفَتْ، لم تَنْفَسِخ الإِجَارةُ، ولَزِمَ المُؤْجِرَ إبْدالُها. وإن خَرَجَتْ مَغْصُوبةً، لم يَبْطُل العَقْدُ، ولَزِمَهُ بَدَلُها. وإن وَجَدَ بها عَيْبًا فرَدَّها، فكذلك؛ لأنَّ المَعْقُودَ عليه غيرُ هذه العَيْنِ، وهذه بَدَلٌ عنه، فلم يُؤَثِّرْ تَلَفُها، ولا غَصْبُها، ولا رَدُّها بِعَيْبٍ، في إبْطالِ العَقْدِ، كما لو اشْتَرَى بثَمَنٍ في الذِّمّةِ، على ما قُرِّرَ في مَوْضِعِه. فإن قِيلَ: فقد قلْتُم في (٢٨) من اكْتَرَى جَمَلًا لِيَرْكَبَه، جازَ أن يَرْكَبَه مَنْ هو مِثْلُه. ولو اكْتَرَى أرْضًا لِزَرْعِ شيءٍ بِعَيْنِه، جازَ له زَرْعُ ما هو مِثْلُه (٢٩) أو دُونَه في الضَّرَرِ، فلِمَ قُلْتُم: إذا اكْتَرَى جَمَلًا بِعَيْنِه لا يجوزُ أن يُبْدِلَه؟ قُلْنا: لأنَّ المَعْقُودَ عليه (٣٠) مَنْفَعةُ العَيْنِ، فلم يَجُزْ أن يَدْفَعَ إليه غيرَ المَعْقُودِ عليه، كما لو اشْتَرَى عَيْنًا، [لا يَجُوزُ] (٣١) أن يَأْخُذَ غيرَها. والرّاكِبُ غيرُ مَعْقُودٍ عليه، إنَّما هو مُسْتَوْفٍ لِلْمَنْفَعةِ، وإنما تُشْتَرَطُ مَعْرِفَتُه [لِتُقَدَّر به] (٣٢) المَنْفَعةُ (٣٠)، لا لِكَوْنِه مَعْقودًا عليه. وكذلك الزَّرْعُ في الأرْضِ، فإنّما يُعَيَّنُ لِيُعْرَفَ به قَدْرُ المَنْفَعةِ المُسْتَوْفاةِ، فيَجوزُ الاسْتِيفاءُ بغيرِها، كما لو وَكَّلَ المُشْتَرِى غيرَه في اسْتِيفاءِ المَبِيعِ، ألا تَرَى أنَّه لو تَلِفَ البَعِيرُ أو الأرْضُ، انْفَسَخَتِ الإِجَارةُ، ولو ماتَ الرَّاكِبُ، أو تَلِفَ البَذْرُ، لم تَنْفَسِخِ الإِجَارةُ، وجازَ أن يَقُومَ غيرُه مَقَامَه، فافْتَرَقَا.

стр. 3851

٨٩٩ - مسألة؛ قال: (وَمَنِ اسْتَأْجَرَ عَقَارًا، فَلَهُ أن يُسْكِنَهُ غَيْرَهُ إذَا كَانَ يَقُومُ مَقَامَهُ) وجملتُه أنَّ من اسْتَأْجَرَ عَقَارًا لِلسُّكْنَى، فله أن يَسْكُنَه، ويُسْكِنَ فيه مَن شاءَ ممَّن يَقُومُ مَقَامَه في الضَّرَرِ، أو دُونَه، ويَضَعُ فيه ما جَرَتْ عادةُ السّاكِنِ به، من الرَّحْلِ (١) والطَّعَامِ، ويَخْزُنُ فيها الثِّيَابَ وغيرَها ممَّا لا يَضُرُّ بها، ولا يُسْكِنُها ما يَضُرُّ بها، مثل القَصَّارِينَ والحَدّادِينَ؛ لأنَّ ذلك يَضُرُّ بها. ولا يَجْعَلُ فيها الدَّوَابَّ؛ لأنَّها تَرُوثُ فيها وتُفسِدُها. ولا يَجْعَلُ فيها السِّرْجِينَ (٢)، ولا رَحًى، ولا شَيْئًا يَضُرُّ بها. ولا يجوزُ أن يَجْعَلَ فيها شيئًا ثَقِيلًا فوق سَقْفٍ؛ لأنَّه يُثْقِلُه ويَكْسِرُ خَشَبَه. ولا يَجْعَلُ فيها شيئًا يَضُرُّ بها، إلَّا أن يَشْتَرِطَ ذلك. وبهذا قال الشافِعِيُّ، وأصْحابُ الرَّأْىِ. ولا نَعْلَمُ فيه مُخَالِفًا. وإنَّما كان كذلك؛ لأنَّ له اسْتِيفَاءَ المَعْقُودِ عليه بِنَفْسِه ونائِبِه، والذي يَسْكُنُه نائِبٌ عنه في اسْتِيفاءِ المَعْقُودِ عليه، فجازَ، كما لو وَكَّلَ وَكِيلًا في قَبْضِ المَبِيعِ، أو دَيْنٍ له. ولم يَمْلِكْ فِعْلَ ما يَضُرُّ بها؛ لأنَّه فوقَ المَعْقُودِ عليه، فلم يكُنْ له فِعْلُه، كما لو اشْتَرَى شيئا لم يَمْلِكْ أخْذَ أكْثَرَ منه. فأمَّا أن يَجْعَلَ الدّارَ مَخْزَنًا لِلطَّعامِ، فقد قال أصْحَابُنا: يجوزُ ذلك؛ لأنَّه يجوزُ أن يَجْعَلَها مَخْزَنًا لغيرِه. ويَحْتَمِلُ أن لا يجوزَ؛ لأنَّ ذلك يُفْضِى إلى تَحْرِيقِ النَّارِ أرْضَها وحِيطَانَها، وذلك ضَرَرٌ لا يَرْضَى به صاحِبُ الدّارِ. فصل: وإذا اكْتَرَى دارًا، جازَ إطْلَاقُ العَقْدِ، ولم يَحْتَجْ إلى ذِكْرِ السُّكْنَى، ولا صِفَتِها. وهذا قول الشافِعِيِّ، وأصْحابِ الرَّأْى. وقال أبو ثَوْرٍ: لا يجُوزُ، حتى يقولَ: أَبِيتُ تَحْتَها أنا وعِيَالِى؛ لأنَّ السُّكْنَى تَخْتَلِفُ، ولو اكْتَراها لِيَسْكُنَها، فتَزَوَّجَ امْرَأةً، لم يكُنْ له أن يُسْكِنَها معه. ولَنا، أنَّ الدَّارَ لا تُكْتَرَى إلَّا لِلسُّكْنَى،

стр. 3852

فاسْتُغْنِىَ عن ذِكْرِه، كإطْلَاقِ الثَّمَنِ في بَلَدٍ فيه نَقْدٌ مَعْرُوفٌ [به، والتَّفَاوُتُ في السُّكْنَى يَسِيرٌ، فلم يَحْتَجْ إلى ضَبْطِه] (٣)، وما ذَكَرَه لا يَصِحُّ؛ فإنَّ الضَّرَرَ لا يكادُ يَخْتَلِفُ بكَثْرةِ مَنْ يَسْكُنُ (٤) وقِلَّتِهِم، ولا يُمْكِنُ ضَبْطُ ذلك، فاجْتُزِىءَ فيه بالعُرْفِ، كما في دُخُولِ الحَمَّامِ وشِبْهِه. ولو اشْتَرَطَ ما ذَكَرَه، لَوَجَبَ أن يَذْكُرَ عَدَدَ السُّكَّانِ، وأن لا يَبِيتَ عندَه ضَيْفٌ، ولا زائِرٌ، ولا غيرُ مَن ذَكَرَه، ولَكان يَنْبَغِى أن يَعْلَمَ صِفَةَ السّاكِنِ، كما يَعْلَمُ ذلك فيما إذا اكْتَرَى لِلرُّكُوبِ. فصل: وإذا اكْتَرَى ظَهْرًا لِيَرْكَبَه، فله أن يُرْكِبَه مِثْلَه، ومَن هو أخَفُّ منه، ولا يُرْكِبُه مَن هو أثْقَل منه؛ لأنَّ العَقْدَ اقْتَضَى اسْتِيفَاءَ مَنْفَعَةٍ مُقَدَّرَةٍ بذلك الرَّاكِبِ، فله أن يَسْتَوْفِىَ ذلك بِنَفْسِه ونائِبِه، وله أن يَسْتَوْفِىَ أقَلَّ منه؛ لأنَّه يَسْتَوْفِى بعضَ ما يَسْتَحِقُّه، وليس له اسْتِيفَاءُ أكْثَرَ منه؛ لأنَّه لا يَمْلِكُ أكْثَرَ ممَّا عَقَدَ عليه. ولا يُشْتَرَطُ التَّسَاوِى في الطُّولِ والقِصَرِ، ولا المَعْرِفَةِ بالرُّكُوبِ. وقال القاضِى: يُشْتَرَطُ أن يكونَ مِثْلَه في هذه الأَوْصافِ كلِّها؛ لأنَّ قِلَّةَ المَعْرِفةِ بالرُّكُوبِ تُثْقِلُ على المَرْكُوبِ، وتَضُرُّ به. قال الشاعر: لم يَرْكَبُوا الخَيْلَ إلَّا بَعْدَ ما كَبِرُوا ... فَهُمْ ثِقَالٌ على أَعْجازِهَا عُنُفُ (٥) ولنَا، أنَّ التَّفَاوُتَ في هذه الأُمُورِ بعدَ التَّسَاوِى في الثِّقَلِ يَسِيرٌ، فعُفِىَ عنه، ولهذا لا يُشْتَرَطُ ذِكْرُه في الإِجَارةِ، ولو اعْتُبِرَ ذلك لاشْتُرِطَتْ مَعْرِفَتُه في الإِجارَةِ، كالثِّقَلِ والخِفَّةِ. فصل: فإن شَرَطَ أن لا يَسْتَوْفِىَ المَنْفَعةَ بمِثْلِه، ولا بمن (٦) هو دُونَه، فقِيَاسُ

стр. 3853

قولِ أصْحابِنا صِحَّةُ العَقْدِ، وبُطْلانُ الشَّرْطِ، [فإنَّ القاضِىَ] (٧) قال في مَن شَرَطَ أن يَزْرَعَ في الأرْضِ حِنْطةً، ولا يَزْرَعَ غيرَها: يَبْطُلُ الشَّرْطُ، ويَصِحُّ العَقْدُ. ويَحْتَمِلُ أن يَصِحَّ الشَّرْطُ. وهذا أحدُ الوَجْهَيْنِ لأصْحابِ الشافِعِيِ؛ لأنَّ المُسْتَأْجِرَ يَمْلِكُ المنَافِعَ من جِهَةِ المُؤْجِرِ، فلا يَمْلِكُ ما لم يَرْضَ به، ولأنَّه قد يكونُ له غَرَضٌ في تَخْصِيصِه باسْتِيفاءِ هذه المَنْفَعةِ. وقالوا في الوَجْهِ الآخَر: يَبْطُلُ الشَّرْطُ؛ لأنَّه يُنَافِى مُوجِبَ العَقْدِ، إذ مُوجِبُه مِلْكُ المَنْفَعةِ، والتَّسَلُّطُ على اسْتِيفائِها بِنَفْسِه وبِنَائِبِه، واسْتِيفاءُ بعضِها بِنَفْسِه، وبعضِها بِنَائِبِه، والشَّرْطُ يُنَافِى ذلك، فكان باطِلًا. وهل يُبْطِلُ به العَقْدَ؟ فيه وَجْهانِ؛ أصَحُّهُما، لا يُبْطِلُه؛ لأنَّه لا يُؤَثِّرُ في حَقِّ المُؤْجِرِ نَفْعًا ولا ضَرًّا، فأُلْغِىَ، وبَقِىَ العَقْدُ على مُقْتَضَاه. والآخَرُ يُبْطِلُه؛ لأنَّه يُنَافِى مُقْتَضَاه، فأشْبَهَ ما لو شَرَطَ أن لا يَسْتَوْفِىَ المَنافِعَ. فصل: ويجوزُ لِلْمُسْتَأْجِرِ أن يُؤْجِرَ العَيْنَ المُسْتَأْجَرَةَ إذا قَبَضَها. نَصَّ عليه أحمدُ. وهو قولُ سَعِيدِ بن المُسَيَّبِ، وابنِ سِيرِينَ، ومُجاهدٍ، وعِكْرِمَةَ، وأبى سَلَمةَ (٨) بن عبد الرحمنِ، والنَّخَعِيِّ، والشَّعْبِيِّ، والثَّوْرِيِّ، والشافِعِيِّ، وأصْحابِ الرَّأْى. وذَكَرَ القاضي فيه رِوَايةً أخرى، أنَّه لا يجوزُ؛ لأنَّ النبيَّ ﷺ نَهَى عن رِبْحِ ما لم يُضْمَنْ (٩). والمَنَافِعُ لم تَدْخُلْ في ضَمَانِه. [ولأنَّه عَقَدَ على ما لم يَدْخُلْ في ضَمَانِه] (١٠)، فلم يَجُزْ، كبَيْعِ المَكِيلِ والمَوْزُونِ قبلَ قَبْضِه. والأولُ أصَحُّ؛ لأنَّ قَبْضَ العَيْنِ قامَ مَقَامَ قَبْضِ المَنافِعِ، بِدَلِيلِ أنَّه يجوزُ التَّصَرُّفُ فيها، فجازَ العَقْدُ عليها، كبَيْعِ الثّمرَةِ على الشَّجَرةِ. ويَبْطُلُ قِيَاسُ الرِّوَايةِ الأخْرَى بِهذا (١١) الأصْلِ. إذا ثَبَتَ

стр. 3854

هذا (١٢) فإنَّه لا تَجوزُ إجَارَتُه إلَّا لمن (١٣) يَقُومُ مَقَامَه، أو دُونَه في الضَّرَرِ؛ لما تَقَدَّمَ. فأما إجَارَتُها (١٤) قبلَ قَبْضِها، فلا تجوزُ من غيرِ المُؤْجِرِ، في أحدِ الوَجْهَيْنِ. وهذا قولُ أبى حنيفةَ، والمَشْهُورُ من قَوْلَىِ الشافِعِيِّ؛ لأنَّ المَنافِعَ مَمْلُوكةٌ بِعَقْدِ مُعَاوَضةٍ, فاعْتُبِرَ في جَوَازِ العَقْدِ عليها القَبْضُ، كالأعْيانِ. والآخَرُ، يَجوزُ، وهو قولُ بعضِ الشافِعِيّةِ؛ لأنَّ قَبْضَ العَيْنِ لا يَنْتَقِلُ به الضَّمَانُ إليه، فلم يَقِفْ جَوَازُ التَّصَرُّفِ عليه. فأمَّا إجَارَتُها قبلَ القَبْضِ من المُؤْجِرِ، فإذا قُلْنا: لا يجوزُ من غير المُؤْجِرِ. كان فيها ههُنا وَجْهانِ؛ أحدُهما، لا يجوزُ؛ لأنَّه عَقَدَ عليها قبلَ قَبْضِها. والثاني، يجوزُ؛ لأنَّ القَبْضَ لا يَتَعَذَّرُ عليه، بخِلَافِ الأجْنَبِيِّ. وأصْلُهُما بَيْعُ الطَّعامِ قبلَ قَبْضِه لا يَصِحُّ من غير بائِعِه، رِوَايةً واحِدَةً، وهل يَصِحُّ من بائِعِه؟ على رِوَايَتَيْنِ. فأمَّا إجَارَتُها بعد قَبْضِها من المُؤْجِرِ، فجائِزةٌ. وبهذا قال الشافِعِيُّ. وقال أبو حنيفةَ: لا يجوزُ؛ لأنَّ ذلك يُؤَدِّى إلى تَنَاقُضِ الأحْكامِ، لأنَّ التَّسْلِيمَ مُسْتَحَقٌّ على [الكِرَاءِ، فإذا] (١٥) اكْتَرَاها صارَ مُسْتَحِقًّا له، فيَصِيرُ مُسْتَحِقًّا لما يُسْتَحَقُّ عليه، وهذا تَناقُضٌ. ولَنا، أنَّ كلَّ عَقْدٍ جازَ مع غير العاقِدِ، جازَ مع العاقِدِ، كالبَيْعِ، وما ذَكَرُوه لا يَصِحُّ؛ لأنَّ التَّسْلِيمَ قد حَصَلَ، وهذا المُسْتَحقُّ له تَسْلِيمٌ آخَر. ثم يَبْطُلُ بالبَيْعِ، فإنَّه يسْتَحقُّ عليه تَسْلِيمُ العَيْنِ، فإذا اشْتَرَاها اسْتَحَقَّ تَسْلِيمَها. فإن قيل: التَّسْلِيمُ ههُنا مُسْتَحقٌ في جَمِيعِ المُدّةِ، بخِلَافِ البَيْعِ. قُلْنا: المُسْتَحقُّ تَسْلِيمُ العَيْنِ، وقد حَصَلَ، وليس عليه (١٦) تَسْلِيمٌ آخَرُ، غيرَ أنَّ العَيْنَ مِن ضَمَانِ المُؤْجِرِ، فإذا تَعَذَّرَتِ المَنافِعُ بِتَلَفِ الدّارِ أو غَصْبِها (١٧)، رَجَعَ عليه؛ لأنَّها تَعَذَّرَتْ بِسَبَبٍ كان في ضَمانِه.

стр. 3855

فصل: ويجوزُ لِلْمُسْتَأْجِرِ إجارَةُ العَيْنِ، بمِثْلِ الأجْرِ وزِيَادَة. نَصَّ عليه أحمدُ. ورُوِى ذلك عن عَطاءٍ، والحسَنِ، والزُّهْرِيِّ. وبه قال الشافِعِيُّ، وأبو ثَوْرٍ، وابنُ المُنْذِرِ. وعن أحمدَ، أنَّه إن أحْدَثَ في العَيْنِ زِيَادةً، جازَ له أن يُكْرِيَها بزِيَادَةٍ، وإلَّا لم تَجُز الزِّيَادَةُ، فإن فَعَلَ، تَصَدَّقَ بالزِّيادةِ. رَوَى هذا الشَّعْبِيُّ. وبه قال الثَّوْرِيُّ، وأبو حنيفةَ؛ لأنَّه يَرْبَحُ بذلك فيما لم يضْمَنْ، وقد نَهَى النبيُّ ﷺ عن رِبْحِ ما لم يُضْمَنْ (١٨)، ولأنَّه يَرْبَحُ فيما لم يضْمَنْ، فلم يَجُزْ، كما لو رَبِحَ في الطَّعامِ قبلَ قَبْضِه. ويُخالِفُ ما إذا عَمِلَ عَمَلًا فيها؛ لأنَّ الرِّبْحَ في مُقَابَلةِ العَمَلِ. وعن أحمدَ، رِوَايةٌ ثالِثةٌ، إن أَذِنَ له المالِكُ في الزِّيادَةِ، جازَ، وإلَّا لم يَجُزْ. وكَرِهَ ابنُ المُسَيَّبِ، وأبو سَلَمةَ، وابنُ سِيرِينَ، ومجاهِدٌ، وعِكْرِمَةُ، والشَّعْبِيُّ، والنَّخَعِيُّ، الزِّيادَةَ مُطْلَقا؛ لِدُخُولِها في رِبْحِ ما لم يُضْمَنْ. ولَنا، أنَّه عَقْدٌ يجوزُ بِرَأْسِ المالِ، فجازَ بزِيَادةٍ، كبَيْعِ المَبِيعِ بعدَ قَبْضِه، وكما لو أحْدَثَ عِمَارةً لا يُقَابِلُها جُزْءٌ من الأجْرِ، وأمَّا الخَبَرُ، فإنَّ المنَافِعَ قد دَخَلَتْ في ضَمَانِه من وَجْهٍ، فإنَّها لو فاتَتْ من غير اسْتِيفَائه، كانت من ضَمَانِه. ولا يَصِحُّ القِياسُ على بَيْعِ الطَّعامِ قبلَ قَبْضِه؛ فإنَّ البَيْعَ مَمْنُوعٌ منه بالكُلِّيّةِ، سواءٌ رَبِحَ أو لم يَرْبَحْ، وههُنا جائِزٌ في الجُمْلةِ، وتَعْلِيلُهُم بأنَّ الرِّبْحَ في مُقَابَلةِ عَمَلِه، مُلْغًى بما إذا كَنَسَ الدّارَ ونَظَّفَها، فإنَّ ذلك يَزِيدُ في أجْرِهَا في العادَةِ. فصل: ونَقَلَ الأثْرَمُ، عن أحمدَ، أنَّه سَأَلَهُ عن الرَّجُلِ يَتَقَبَّلُ العَمَلَ من الأعْمالِ، فَيُقَبِّلُهُ بأقَلَّ من ذلك، أيجوزُ له الفَضْلُ؟ قال: ما أدْرِى، هي مَسْأَلةٌ فيها بعضُ الشىءِ. قلتُ: أليس كان الخَيَّاطُ أسْهَلَ عندَك، إذا قَطعَ الثَّوْبَ، أو غيرَه إذا عَمِلَ في العَمَلِ شيئا؟ قال: إذا عَمِلَ عَمَلًا فهو أسْهَلُ. قال النَّخَعِيُّ: لا بَأْسَ أن يَتَقَبَّلَ الخَيّاطُ الثِّيَابَ بأَجْرٍ مَعْلُومٍ، ثم يُقَبِّلُها بعدَ ذلك بعدَ أن يُعِينَ فيها، أو يَقْطَعَ، أو يُعْطِيَه سُلُوكًا أو إبَرًا، أو يَخِيطَ [فيها شيئا، فإن لم يُعِنْ] (١٩) فيها بشيءٍ، فلا يَأْخُذَن فَضْلًا. وهذا يَحْتَمِلُ
следующие страницы →