← Фикх ханбали

Фикх ханбали · id 6910

المغني لابن قدامة - ت التركي

ابن قدامة

Полный текст (7 955 стр.). Показаны 3851–3890 · переход к 3856.

стр. 3851

٨٩٩ - مسألة؛ قال: (وَمَنِ اسْتَأْجَرَ عَقَارًا، فَلَهُ أن يُسْكِنَهُ غَيْرَهُ إذَا كَانَ يَقُومُ مَقَامَهُ) وجملتُه أنَّ من اسْتَأْجَرَ عَقَارًا لِلسُّكْنَى، فله أن يَسْكُنَه، ويُسْكِنَ فيه مَن شاءَ ممَّن يَقُومُ مَقَامَه في الضَّرَرِ، أو دُونَه، ويَضَعُ فيه ما جَرَتْ عادةُ السّاكِنِ به، من الرَّحْلِ (١) والطَّعَامِ، ويَخْزُنُ فيها الثِّيَابَ وغيرَها ممَّا لا يَضُرُّ بها، ولا يُسْكِنُها ما يَضُرُّ بها، مثل القَصَّارِينَ والحَدّادِينَ؛ لأنَّ ذلك يَضُرُّ بها. ولا يَجْعَلُ فيها الدَّوَابَّ؛ لأنَّها تَرُوثُ فيها وتُفسِدُها. ولا يَجْعَلُ فيها السِّرْجِينَ (٢)، ولا رَحًى، ولا شَيْئًا يَضُرُّ بها. ولا يجوزُ أن يَجْعَلَ فيها شيئًا ثَقِيلًا فوق سَقْفٍ؛ لأنَّه يُثْقِلُه ويَكْسِرُ خَشَبَه. ولا يَجْعَلُ فيها شيئًا يَضُرُّ بها، إلَّا أن يَشْتَرِطَ ذلك. وبهذا قال الشافِعِيُّ، وأصْحابُ الرَّأْىِ. ولا نَعْلَمُ فيه مُخَالِفًا. وإنَّما كان كذلك؛ لأنَّ له اسْتِيفَاءَ المَعْقُودِ عليه بِنَفْسِه ونائِبِه، والذي يَسْكُنُه نائِبٌ عنه في اسْتِيفاءِ المَعْقُودِ عليه، فجازَ، كما لو وَكَّلَ وَكِيلًا في قَبْضِ المَبِيعِ، أو دَيْنٍ له. ولم يَمْلِكْ فِعْلَ ما يَضُرُّ بها؛ لأنَّه فوقَ المَعْقُودِ عليه، فلم يكُنْ له فِعْلُه، كما لو اشْتَرَى شيئا لم يَمْلِكْ أخْذَ أكْثَرَ منه. فأمَّا أن يَجْعَلَ الدّارَ مَخْزَنًا لِلطَّعامِ، فقد قال أصْحَابُنا: يجوزُ ذلك؛ لأنَّه يجوزُ أن يَجْعَلَها مَخْزَنًا لغيرِه. ويَحْتَمِلُ أن لا يجوزَ؛ لأنَّ ذلك يُفْضِى إلى تَحْرِيقِ النَّارِ أرْضَها وحِيطَانَها، وذلك ضَرَرٌ لا يَرْضَى به صاحِبُ الدّارِ. فصل: وإذا اكْتَرَى دارًا، جازَ إطْلَاقُ العَقْدِ، ولم يَحْتَجْ إلى ذِكْرِ السُّكْنَى، ولا صِفَتِها. وهذا قول الشافِعِيِّ، وأصْحابِ الرَّأْى. وقال أبو ثَوْرٍ: لا يجُوزُ، حتى يقولَ: أَبِيتُ تَحْتَها أنا وعِيَالِى؛ لأنَّ السُّكْنَى تَخْتَلِفُ، ولو اكْتَراها لِيَسْكُنَها، فتَزَوَّجَ امْرَأةً، لم يكُنْ له أن يُسْكِنَها معه. ولَنا، أنَّ الدَّارَ لا تُكْتَرَى إلَّا لِلسُّكْنَى،

стр. 3852

فاسْتُغْنِىَ عن ذِكْرِه، كإطْلَاقِ الثَّمَنِ في بَلَدٍ فيه نَقْدٌ مَعْرُوفٌ [به، والتَّفَاوُتُ في السُّكْنَى يَسِيرٌ، فلم يَحْتَجْ إلى ضَبْطِه] (٣)، وما ذَكَرَه لا يَصِحُّ؛ فإنَّ الضَّرَرَ لا يكادُ يَخْتَلِفُ بكَثْرةِ مَنْ يَسْكُنُ (٤) وقِلَّتِهِم، ولا يُمْكِنُ ضَبْطُ ذلك، فاجْتُزِىءَ فيه بالعُرْفِ، كما في دُخُولِ الحَمَّامِ وشِبْهِه. ولو اشْتَرَطَ ما ذَكَرَه، لَوَجَبَ أن يَذْكُرَ عَدَدَ السُّكَّانِ، وأن لا يَبِيتَ عندَه ضَيْفٌ، ولا زائِرٌ، ولا غيرُ مَن ذَكَرَه، ولَكان يَنْبَغِى أن يَعْلَمَ صِفَةَ السّاكِنِ، كما يَعْلَمُ ذلك فيما إذا اكْتَرَى لِلرُّكُوبِ. فصل: وإذا اكْتَرَى ظَهْرًا لِيَرْكَبَه، فله أن يُرْكِبَه مِثْلَه، ومَن هو أخَفُّ منه، ولا يُرْكِبُه مَن هو أثْقَل منه؛ لأنَّ العَقْدَ اقْتَضَى اسْتِيفَاءَ مَنْفَعَةٍ مُقَدَّرَةٍ بذلك الرَّاكِبِ، فله أن يَسْتَوْفِىَ ذلك بِنَفْسِه ونائِبِه، وله أن يَسْتَوْفِىَ أقَلَّ منه؛ لأنَّه يَسْتَوْفِى بعضَ ما يَسْتَحِقُّه، وليس له اسْتِيفَاءُ أكْثَرَ منه؛ لأنَّه لا يَمْلِكُ أكْثَرَ ممَّا عَقَدَ عليه. ولا يُشْتَرَطُ التَّسَاوِى في الطُّولِ والقِصَرِ، ولا المَعْرِفَةِ بالرُّكُوبِ. وقال القاضِى: يُشْتَرَطُ أن يكونَ مِثْلَه في هذه الأَوْصافِ كلِّها؛ لأنَّ قِلَّةَ المَعْرِفةِ بالرُّكُوبِ تُثْقِلُ على المَرْكُوبِ، وتَضُرُّ به. قال الشاعر: لم يَرْكَبُوا الخَيْلَ إلَّا بَعْدَ ما كَبِرُوا ... فَهُمْ ثِقَالٌ على أَعْجازِهَا عُنُفُ (٥) ولنَا، أنَّ التَّفَاوُتَ في هذه الأُمُورِ بعدَ التَّسَاوِى في الثِّقَلِ يَسِيرٌ، فعُفِىَ عنه، ولهذا لا يُشْتَرَطُ ذِكْرُه في الإِجَارةِ، ولو اعْتُبِرَ ذلك لاشْتُرِطَتْ مَعْرِفَتُه في الإِجارَةِ، كالثِّقَلِ والخِفَّةِ. فصل: فإن شَرَطَ أن لا يَسْتَوْفِىَ المَنْفَعةَ بمِثْلِه، ولا بمن (٦) هو دُونَه، فقِيَاسُ

стр. 3853

قولِ أصْحابِنا صِحَّةُ العَقْدِ، وبُطْلانُ الشَّرْطِ، [فإنَّ القاضِىَ] (٧) قال في مَن شَرَطَ أن يَزْرَعَ في الأرْضِ حِنْطةً، ولا يَزْرَعَ غيرَها: يَبْطُلُ الشَّرْطُ، ويَصِحُّ العَقْدُ. ويَحْتَمِلُ أن يَصِحَّ الشَّرْطُ. وهذا أحدُ الوَجْهَيْنِ لأصْحابِ الشافِعِيِ؛ لأنَّ المُسْتَأْجِرَ يَمْلِكُ المنَافِعَ من جِهَةِ المُؤْجِرِ، فلا يَمْلِكُ ما لم يَرْضَ به، ولأنَّه قد يكونُ له غَرَضٌ في تَخْصِيصِه باسْتِيفاءِ هذه المَنْفَعةِ. وقالوا في الوَجْهِ الآخَر: يَبْطُلُ الشَّرْطُ؛ لأنَّه يُنَافِى مُوجِبَ العَقْدِ، إذ مُوجِبُه مِلْكُ المَنْفَعةِ، والتَّسَلُّطُ على اسْتِيفائِها بِنَفْسِه وبِنَائِبِه، واسْتِيفاءُ بعضِها بِنَفْسِه، وبعضِها بِنَائِبِه، والشَّرْطُ يُنَافِى ذلك، فكان باطِلًا. وهل يُبْطِلُ به العَقْدَ؟ فيه وَجْهانِ؛ أصَحُّهُما، لا يُبْطِلُه؛ لأنَّه لا يُؤَثِّرُ في حَقِّ المُؤْجِرِ نَفْعًا ولا ضَرًّا، فأُلْغِىَ، وبَقِىَ العَقْدُ على مُقْتَضَاه. والآخَرُ يُبْطِلُه؛ لأنَّه يُنَافِى مُقْتَضَاه، فأشْبَهَ ما لو شَرَطَ أن لا يَسْتَوْفِىَ المَنافِعَ. فصل: ويجوزُ لِلْمُسْتَأْجِرِ أن يُؤْجِرَ العَيْنَ المُسْتَأْجَرَةَ إذا قَبَضَها. نَصَّ عليه أحمدُ. وهو قولُ سَعِيدِ بن المُسَيَّبِ، وابنِ سِيرِينَ، ومُجاهدٍ، وعِكْرِمَةَ، وأبى سَلَمةَ (٨) بن عبد الرحمنِ، والنَّخَعِيِّ، والشَّعْبِيِّ، والثَّوْرِيِّ، والشافِعِيِّ، وأصْحابِ الرَّأْى. وذَكَرَ القاضي فيه رِوَايةً أخرى، أنَّه لا يجوزُ؛ لأنَّ النبيَّ ﷺ نَهَى عن رِبْحِ ما لم يُضْمَنْ (٩). والمَنَافِعُ لم تَدْخُلْ في ضَمَانِه. [ولأنَّه عَقَدَ على ما لم يَدْخُلْ في ضَمَانِه] (١٠)، فلم يَجُزْ، كبَيْعِ المَكِيلِ والمَوْزُونِ قبلَ قَبْضِه. والأولُ أصَحُّ؛ لأنَّ قَبْضَ العَيْنِ قامَ مَقَامَ قَبْضِ المَنافِعِ، بِدَلِيلِ أنَّه يجوزُ التَّصَرُّفُ فيها، فجازَ العَقْدُ عليها، كبَيْعِ الثّمرَةِ على الشَّجَرةِ. ويَبْطُلُ قِيَاسُ الرِّوَايةِ الأخْرَى بِهذا (١١) الأصْلِ. إذا ثَبَتَ

стр. 3854

هذا (١٢) فإنَّه لا تَجوزُ إجَارَتُه إلَّا لمن (١٣) يَقُومُ مَقَامَه، أو دُونَه في الضَّرَرِ؛ لما تَقَدَّمَ. فأما إجَارَتُها (١٤) قبلَ قَبْضِها، فلا تجوزُ من غيرِ المُؤْجِرِ، في أحدِ الوَجْهَيْنِ. وهذا قولُ أبى حنيفةَ، والمَشْهُورُ من قَوْلَىِ الشافِعِيِّ؛ لأنَّ المَنافِعَ مَمْلُوكةٌ بِعَقْدِ مُعَاوَضةٍ, فاعْتُبِرَ في جَوَازِ العَقْدِ عليها القَبْضُ، كالأعْيانِ. والآخَرُ، يَجوزُ، وهو قولُ بعضِ الشافِعِيّةِ؛ لأنَّ قَبْضَ العَيْنِ لا يَنْتَقِلُ به الضَّمَانُ إليه، فلم يَقِفْ جَوَازُ التَّصَرُّفِ عليه. فأمَّا إجَارَتُها قبلَ القَبْضِ من المُؤْجِرِ، فإذا قُلْنا: لا يجوزُ من غير المُؤْجِرِ. كان فيها ههُنا وَجْهانِ؛ أحدُهما، لا يجوزُ؛ لأنَّه عَقَدَ عليها قبلَ قَبْضِها. والثاني، يجوزُ؛ لأنَّ القَبْضَ لا يَتَعَذَّرُ عليه، بخِلَافِ الأجْنَبِيِّ. وأصْلُهُما بَيْعُ الطَّعامِ قبلَ قَبْضِه لا يَصِحُّ من غير بائِعِه، رِوَايةً واحِدَةً، وهل يَصِحُّ من بائِعِه؟ على رِوَايَتَيْنِ. فأمَّا إجَارَتُها بعد قَبْضِها من المُؤْجِرِ، فجائِزةٌ. وبهذا قال الشافِعِيُّ. وقال أبو حنيفةَ: لا يجوزُ؛ لأنَّ ذلك يُؤَدِّى إلى تَنَاقُضِ الأحْكامِ، لأنَّ التَّسْلِيمَ مُسْتَحَقٌّ على [الكِرَاءِ، فإذا] (١٥) اكْتَرَاها صارَ مُسْتَحِقًّا له، فيَصِيرُ مُسْتَحِقًّا لما يُسْتَحَقُّ عليه، وهذا تَناقُضٌ. ولَنا، أنَّ كلَّ عَقْدٍ جازَ مع غير العاقِدِ، جازَ مع العاقِدِ، كالبَيْعِ، وما ذَكَرُوه لا يَصِحُّ؛ لأنَّ التَّسْلِيمَ قد حَصَلَ، وهذا المُسْتَحقُّ له تَسْلِيمٌ آخَر. ثم يَبْطُلُ بالبَيْعِ، فإنَّه يسْتَحقُّ عليه تَسْلِيمُ العَيْنِ، فإذا اشْتَرَاها اسْتَحَقَّ تَسْلِيمَها. فإن قيل: التَّسْلِيمُ ههُنا مُسْتَحقٌ في جَمِيعِ المُدّةِ، بخِلَافِ البَيْعِ. قُلْنا: المُسْتَحقُّ تَسْلِيمُ العَيْنِ، وقد حَصَلَ، وليس عليه (١٦) تَسْلِيمٌ آخَرُ، غيرَ أنَّ العَيْنَ مِن ضَمَانِ المُؤْجِرِ، فإذا تَعَذَّرَتِ المَنافِعُ بِتَلَفِ الدّارِ أو غَصْبِها (١٧)، رَجَعَ عليه؛ لأنَّها تَعَذَّرَتْ بِسَبَبٍ كان في ضَمانِه.

стр. 3855

فصل: ويجوزُ لِلْمُسْتَأْجِرِ إجارَةُ العَيْنِ، بمِثْلِ الأجْرِ وزِيَادَة. نَصَّ عليه أحمدُ. ورُوِى ذلك عن عَطاءٍ، والحسَنِ، والزُّهْرِيِّ. وبه قال الشافِعِيُّ، وأبو ثَوْرٍ، وابنُ المُنْذِرِ. وعن أحمدَ، أنَّه إن أحْدَثَ في العَيْنِ زِيَادةً، جازَ له أن يُكْرِيَها بزِيَادَةٍ، وإلَّا لم تَجُز الزِّيَادَةُ، فإن فَعَلَ، تَصَدَّقَ بالزِّيادةِ. رَوَى هذا الشَّعْبِيُّ. وبه قال الثَّوْرِيُّ، وأبو حنيفةَ؛ لأنَّه يَرْبَحُ بذلك فيما لم يضْمَنْ، وقد نَهَى النبيُّ ﷺ عن رِبْحِ ما لم يُضْمَنْ (١٨)، ولأنَّه يَرْبَحُ فيما لم يضْمَنْ، فلم يَجُزْ، كما لو رَبِحَ في الطَّعامِ قبلَ قَبْضِه. ويُخالِفُ ما إذا عَمِلَ عَمَلًا فيها؛ لأنَّ الرِّبْحَ في مُقَابَلةِ العَمَلِ. وعن أحمدَ، رِوَايةٌ ثالِثةٌ، إن أَذِنَ له المالِكُ في الزِّيادَةِ، جازَ، وإلَّا لم يَجُزْ. وكَرِهَ ابنُ المُسَيَّبِ، وأبو سَلَمةَ، وابنُ سِيرِينَ، ومجاهِدٌ، وعِكْرِمَةُ، والشَّعْبِيُّ، والنَّخَعِيُّ، الزِّيادَةَ مُطْلَقا؛ لِدُخُولِها في رِبْحِ ما لم يُضْمَنْ. ولَنا، أنَّه عَقْدٌ يجوزُ بِرَأْسِ المالِ، فجازَ بزِيَادةٍ، كبَيْعِ المَبِيعِ بعدَ قَبْضِه، وكما لو أحْدَثَ عِمَارةً لا يُقَابِلُها جُزْءٌ من الأجْرِ، وأمَّا الخَبَرُ، فإنَّ المنَافِعَ قد دَخَلَتْ في ضَمَانِه من وَجْهٍ، فإنَّها لو فاتَتْ من غير اسْتِيفَائه، كانت من ضَمَانِه. ولا يَصِحُّ القِياسُ على بَيْعِ الطَّعامِ قبلَ قَبْضِه؛ فإنَّ البَيْعَ مَمْنُوعٌ منه بالكُلِّيّةِ، سواءٌ رَبِحَ أو لم يَرْبَحْ، وههُنا جائِزٌ في الجُمْلةِ، وتَعْلِيلُهُم بأنَّ الرِّبْحَ في مُقَابَلةِ عَمَلِه، مُلْغًى بما إذا كَنَسَ الدّارَ ونَظَّفَها، فإنَّ ذلك يَزِيدُ في أجْرِهَا في العادَةِ. فصل: ونَقَلَ الأثْرَمُ، عن أحمدَ، أنَّه سَأَلَهُ عن الرَّجُلِ يَتَقَبَّلُ العَمَلَ من الأعْمالِ، فَيُقَبِّلُهُ بأقَلَّ من ذلك، أيجوزُ له الفَضْلُ؟ قال: ما أدْرِى، هي مَسْأَلةٌ فيها بعضُ الشىءِ. قلتُ: أليس كان الخَيَّاطُ أسْهَلَ عندَك، إذا قَطعَ الثَّوْبَ، أو غيرَه إذا عَمِلَ في العَمَلِ شيئا؟ قال: إذا عَمِلَ عَمَلًا فهو أسْهَلُ. قال النَّخَعِيُّ: لا بَأْسَ أن يَتَقَبَّلَ الخَيّاطُ الثِّيَابَ بأَجْرٍ مَعْلُومٍ، ثم يُقَبِّلُها بعدَ ذلك بعدَ أن يُعِينَ فيها، أو يَقْطَعَ، أو يُعْطِيَه سُلُوكًا أو إبَرًا، أو يَخِيطَ [فيها شيئا، فإن لم يُعِنْ] (١٩) فيها بشيءٍ، فلا يَأْخُذَن فَضْلًا. وهذا يَحْتَمِلُ

стр. 3856

أن يكونَ النَّخَعِيُّ قالَه مَبْنِيًّا على مَذْهَبِه، في أنَّ مَن اسْتَأْجَرَ شيئا لا يُؤْجِرُه بزِيَادَةٍ. وقِياسُ المَذْهَبِ جَوَازُ ذلك، سواءٌ أعَانَ فيها بشيءٍ أو لم يُعِنْ؛ لأنَّه إذا جازَ أن يُقَبِّلَهُ بمثلِ الأجْرِ الأوَّلِ أو دُونَه، جازَ بزِيَادَةٍ عليه، كالبَيْعِ، وكإجَارَةِ العَيْنِ. فصل: وكل عَيْنٍ اسْتَأْجَرَها لِمَنْفَعةٍ، فله أن يَسْتَوْفِىَ مثلَ تِلْك المَنْفَعةِ وما دُونَها في الضَّرَرِ. وقال أحمدُ: إذا اسْتَأْجَرَ دَابّةً، لِيَحْمِلَ عليها تَمْرًا. فحَمَلَ عليها حِنْطَةً، أرْجُو أن لا يكونَ به بَأْسٌ، إذا كان الوَزْنُ واحِدًا. فإن كانت المَنْفَعةُ التي يَسْتَوْفِيها أكْثَرَ ضَرَرًا، أو مُخَالِفَةً لِلْمَعْقودِ عليها في الضَّرَرِ، لم يَجُزْ؛ لأنَّه يَسْتَوْفِي أكْثَرَ من حَقِّه، أو غيرَ ما يَسْتَحِقُّه، فإذا اكْتَرَى دَابّةً، لِيَحْمِلَ عليها حَدِيدًا، لم يَحْمِلْ عليها (٢٠) قُطْنًا، لأنَّه يَتَجَافَى، وتَهُبُّ فيه الرِّيحُ، فَيُتْعِبُ الظَّهْرَ. وإن اكْتَرَاها لِحَمْلِ القُطْنِ، لم يَجُزْ أن يَحْمِلَ الحَدِيدَ؛ لأنَّه يَجْتَمِعُ في (٢١) مَوْضِعٍ واحدٍ، فيَثْقُلُ عليه، والقُطْنُ يَتَفَرقُ، فيَقِلُّ ضَرَرُه. وإن اكْتَرَاه لِيَرْكَبَه، لم يَجُزْ أن يَحْمِلَ عليه؛ لأنَّ الرَّاكِبَ يُعِينُ الظَّهْرَ بِحَرَكَتِه. وإن اكْتَرَاه لِيَحْمِلَ عليه، لم يَجُزْ أن يَرْكَبَه؛ لأنَّ الرَّاكِبَ يَقْعُدُ في مَوْضِعٍ واحِدٍ، فيشْتَدُّ على الظَّهْرِ، والمَتَاعُ يَتَفرَّقُ على جَنْبَيْهِ. وإن اكْتَرَاه لِيَرْكَبَه عَرِيًّا، لم يَجُزْ أن يَرْكَبَه بِسَرْجٍ؛ لأنَّه يَحْمِلُ عليه أكْثَرَ ممَّا عَقَدَ عليه. وإن اكتَرَاه لِيَرْكَبَه بِسَرْجٍ، لم يَجُزْ أن يَرْكَبَه عَرِيًّا؛ لأنَّه إذا رَكِبَ عليه من غيرِ سَرْجٍ حَمِىَ ظَهْرُه، فرُبَّما عَقَرَهُ. وإن اكْتَرَاه لِيَرْكَبَه بِسَرْجٍ، لم يَجُزْ أن يَرْكَبَه بأثْقَلَ (٢٢) منه. فلو اكْتَرَى حِمَارًا بسَرْجٍ (٢٣) لم يَجُزْ أن يَرْكَبَه بِسَرْجِ البِرذَوْنِ، إذا كان أثْقَلَ من سَرْجِه. وإن اكْتَرَى دَابّةً بِسَرْجٍ، فرَكِبَها بإكَافٍ أَثْقَلَ منه، أو أضَرَّ، لم يَجُزْ، وإن كان أخَفَّ، وأقَلَّ ضَرَرًا، فلا بَأْسَ. ومتى فَعَلَ ما ليس له فِعْلُه، كان ضَامِنًا، وعليه الأجْرُ. وهذا كلُّه مذهبُ الشافِعِيِّ، وأبى ثَوْرٍ.

стр. 3857

فصل: وإن اكْتَرَى دَابّةً لِيَرْكَبَها في مَسَافَةٍ مَعْلُومةٍ، أو يَحْمِلَ عليها فيها، فأرَادَ العُدُولَ بها إلى ناحيةٍ أخرى مثلِها في القَدْرِ أضَرَّ منها، أو تُخَالِفُ ضَرَرها، بأن تكونَ إحْدَاهُما أحْسَنَ والأُخْرى أَخْوَفَ، لم يَجُزْ. وإن كان مثلَها في السُّهُولَةِ والحُزُونةِ والأَمْنِ، أو التي يَعْدِلُ إليها أقَلَّ ضَرَرًا، فذَكَرَ القاضي أنَّه يَجوزُ. وهو قولُ أصْحابِ الشافِعِيِّ؛ لأنَّ المَسَافَةَ عُيِّنَتْ لِيَسْتَوْفِىَ بها المَنْفَعةَ، ويَعْلَمَ قَدْرَها بها، فلم تَتَعَيَّنْ، كنَوْعِ المَحْمُولِ والرَّاكِبِ. ويَقْوَى عندى، أنَّه متى كان لِلمُكْرِي غَرَضٌ في تلك الجِهَةِ المُعَيَّنةِ، لم يَجُز العُدُولُ إلى غيرِها، مثل [من يُكْرِى جِمَالَه إلى مَكَّةَ فيَحُجُّ] (٢٤) معها، فلا يجوزُ له أن يَذْهَبَ بها إلى غيرِها. ولو أَكْرَاهَا إلى بَغْدَادَ، لِكَوْنِ أهْلِه بها، أو بِبَلَدِ العِرَاقِ، لم يَجُز الذَّهَابُ بها إلى مِصْرَ. ولو أكْرَى جِمَالَه جُملَةً إلى بَلَدٍ، لم يَجُز لِلمُسْتَأْجِرِ التَّفْرِيقُ بينها، بالسَّفَرِ بِبَعْضِها إلى جِهَةٍ، وبِبَاقِيها إلى جهةٍ أخرى؛ وذلك لأنَّه عَيَّنَ المَسَافةَ لِغَرَضٍ في فَواتِه ضَرَرٌ، فلم يَجُزْ تَفْوِيتُه، كما في حقِّ المُكْرِى (٢٥)، فإنَّه لو أرادَ حَمْلَه إلى غيرِ المَكَانِ الذي اكْتَرَى إليه، لم يَجُزْ، وكما لو عَيَّنَ طَرِيقًا سَهْلًا أو آمِنًا، فأرادَ سُلُوكَ ما يُخَالِفُه في ذلك. فصل: ويجوزُ أن يَكْتَرِىَ قَمِيصًا لِيَلْبَسَهُ؛ لأنَّه يُمْكِن الانْتِفاعُ به مع بَقَاءِ عَيْنِه، ويجوزُ بَيْعُه، فجازَتْ إجَارَتُه، كالعَقَارِ. ولا بدَّ من تَقْدِيرِ المَنْفَعةِ بالمُدَّةِ. وإن كانت عادَةُ أهْلِ بَلَدِه نَزْعَ (٢٦) ثِيَابِهم عند النَّوْمِ في اللَّيْلِ، فعليه نَزْعُه في ذلك؛ لأنَّ الإِطْلَاقَ يُحْمَلُ على المُعْتَادِ، وله لُبْسُه فيما سِوَى ذلك. وإن نَامَ نَهارًا، لم يكُنْ عليه نَزْعُه؛ لأنَّه العُرْفُ. ويَلْبَسُ القَمِيصَ على ما جَرَتِ العادَةُ به. ولا يجوزُ أن يَتَّزِرَ به؛ لأنَّه يَعْتَمِدُ عليه فيَشْقُّه (٢٧)، وفي اللُّبْسِ لا يَعْتَمِدُ. ويجوزُ أن يَرْتَدِىَ به؛ لأنَّه أخَفُّ. ومن مَلَكَ

стр. 3858

شَيْئًا، مَلَكَ ما هو أخَفُّ منه. وقيل فيه وَجهٌ آخَر، أنَّه لا يجوزُ؛ لأنَّه اسْتِعْمالٌ لم تَجْرِ العادَةُ به في القَمِيصِ (٢٨)، أشْبَه الاتِّزَارَ به. فصل: وإن اسْتَأْجَرَ أرْضًا، صَحَّ؛ لما تَقَدَّمَ، ولا يَصِحُّ حتى يَرَى الأرْضَ؛ لأنَّ المَنْفَعةَ تَخْتَلِفُ باخْتِلَافِها، ولا تُعْرَفُ إلَّا بالرُّؤْيةِ؛ لأنَّها لا تنْضَبِطُ بالصِّفَةِ، ولا يَصِحُّ حتى يَذْكُرَ (٢٩) ما يَكْتَرِى له من زَرْعٍ أو غَرْسٍ أو بِنَاءٍ؛ لأنَّ الأرْضَ تَصْلُحُ لهذا كلِّه، وتَأْثِيرُه في الأرْضِ يَخْتَلِفُ، فوَجَبَ بَيَانُه. فإن قال: أجَرْتُكَها لِتَزْرَعَها أو تَغْرِسَها. لم يَصِحَّ؛ لأنَّه لم يُعَيِّنْ أحَدَهُما، فأشْبَهَ ما لو قال: بِعْتُكَ أحَدَ هذين العَبْدَيْنِ، وإن قال: لِتَزْرَعَها ما شِئْتَ، وتَغْرِسَها (٣٠) ما شِئْتَ. صَحَّ. وهذا مَنْصُوصُ الشافِعِيِّ. وخَالَفَه أكْثَرُ أصْحابِه، فقالوا: لا يجوزُ؛ لأنَّه لا يَدْرِي كم يَزْرَعُ ويَغْرِسُ. وقال بعضُهم: يَصِحُّ، ويَزرَعُ نِصْفَها، ويَغْرِسُ نِصْفَها. ولَنا، أن العَقْدَ اقْتَضَى إبَاحَةَ هذين الشَّيْئَيْنِ، فصَحَّ، كما لو قال: لِتَزْرَعَها ما شِئْتَ. ولأنَّ اخْتِلَافَ الجِنْسَيْنِ كاخْتِلَافِ النَّوْعَيْنِ، وقوله: لِتَزْرَعَها ما شِئْتَ. إِذْنٌ في نَوْعَيْنِ وأنْواعٍ، وقد صَحَّ، فكذلك في الجِنْسَيْنِ، وله أن يَغْرِسَها كلَّها، وإن أحَبَّ زَرَعَها كلَّها، كما لو أذِنَ له في أنْواعِ الزَّرْعِ كلِّه، كان له زَرْعُ جَمِيعِها نَوْعًا واحِدًا، وله زَرْعُها من نَوْعَيْنِ، كذلك ههُنا. وإن أكْرَاهَا لِلزَّرْعِ وحده، ففيه أرْبَعُ مَسَائِلَ: إحْداهُنَّ، أكْرَاهَا لِلزَّرْعِ مُطْلَقًا، أو قال: لِتَزْرَعَها ما شِئْتَ. فإنَّه يَصِحُّ، وله زَرْعُ ما شاءَ. وهذا مذهبُ الشافِعِيِّ. وحُكِى عن ابنِ سُرَيْجٍ أنَّه لا يَصِحُّ حتى يَتَبَيَّنَ الزَّرْعَ؛ لأنَّ ضَرَرَه يَخْتَلِفُ، فلم يَصِحَّ بدون البَيَانِ، كما لو لم يَذْكُرْ ما يَكْتَرِى له من زَرْعٍ أو غَرْسٍ أو بِنَاءٍ. ولَنا، أنَّه يجوزُ اسْتِئْجَارُها لأكْثَر الزَّرْعِ ضَرَرًا، ويُبَاحُ له جَمِيعُ

стр. 3859

الأنْواعِ؛ لأنَّها دُونَه، فإذا عَمَّمَ أو أطْلَقَ، تَنَاوَلَ الأَكْثَرَ، وكان له ما دونه، ويُخالِفُ الأجْناسَ المُخْتلِفَةَ؛ فإنَّه لا يَدْخُلُ بعضُها في بعضٍ. فإن قِيلَ: فلو اكْتَرَى دَابّةً لِلرُّكُوبِ، لَوَجَبَ تَعْيِينُ الرَّاكِبِ. قُلْنا: لأنَّ إجَارَةَ المَرْكُوبِ لأَكْثَرِ الرُّكَّابِ ضَرَرًا لا تجوزُ، بخِلَافِ المَزْرُوعِ، ولأنَّ لِلْحَيَوانِ حُرْمَةً في نَفْسِه، فلم يَجُزْ إطْلَاقُ ذلك فيه، بخِلَافِ الأرْضِ. فإن قِيلَ: فلو اسْتَأْجَرَ دَارًا لِلسُّكْنَى مُطْلَقًا، لم يَجُزْ أن يُسْكِنَها مَن يَضُرُّ بها، كالقَصَّارِ والحَدَّادِ، فَلِمَ قُلْتُم إنَّه يجوزُ أن يَزْرَعَها ما يَضُرُّ بها؟ قُلْنا: السُّكْنَى لا تَقْتَضِي ضَرَرًا، فلذلك مُنِعَ من إسْكَانِ مَن يَضُرُّ بها؛ لأنَّ العَقْدَ لم يَقْتَضِهِ، والزَّرْعُ يَقْتَضِى الضَّرَرَ، فإذا أطْلَقَ كان راضِيًا بأكثَرِه، فلهذا جازَ. وليس له أن يَغْرِسَ في هذه الأرْضِ، ولا يَبْنِىَ؛ لأنَّ ضَرَرَه أكْثَرُ من المَعْقُودِ عليه. المسألة الثانية، أكْرَاهَا (٣١) لِزَرْعِ حِنْطَةٍ، أو نوعٍ بِعَيْنِه، فإنَّ له زَرْعَ ما عَيَّنَهُ (٣٢) وما ضَرَرُه كَضَرَرِه أو دُونَه. ولا يَتَعَيَّنُ ما عَيَّنَه في قولِ عَامَّةِ أهْلِ العِلْمِ، إلَّا دَاوُدَ وأهْلَ الظاهِرِ، فإنَّهم قالوا: لا يجوز له زَرْعُ غيرِ ما عَيَّنَه، حتى لو وَصَفَ الحِنْطَةَ بأنَّها سَمْرَاءُ، لم تجُزْ له أن يَزْرَعَ بَيْضَاءَ؛ لأنَّه عَيَّنَه بالعَقْدِ، فلم يَجُز العُدُولُ عنه، كما لو عَيَّنَ المَرْكُوبَ، أو عَيَّنَ الدَّرَاهِمَ في الثَّمَنِ. ولَنا، أنَ المَعْقُودَ عليه مَنْفَعَةُ الأرْضِ دُونَ القَمْحِ، ولهذا اسْتَقَرَّ (٣٣) عليه العِوَضُ بِمُضِيِّ المُدَّةِ، إذا تَسَلَّمَ الأرْضَ. وإن لم يَزْرَعْها، وإنَّما ذَكَرَ القَمْحَ لِتُقَدَّرَ به المَنْفَعَةُ، فلم يَتَعَيَّنْ، كما لو اسْتَأْجَرَ دَارًا لِيَسْكُنَها، كان له أن يُسْكِنَها غيرَه. وفارَقَ المَرْكُوبَ، والدَّرَاهِمَ في الثّمَنِ، فإنَّهما مَعْقُودٌ عليهما، فتَعَيَّنَا، والمَعْقُودُ عليه ههُنا مَنْفَعَةٌ مُقَدَّرَةٌ، وقد تَعَيَّنَتْ أيضًا، ولم يَتَعَيَّنْ ما قُدِّرَتْ به، كما لا يَتَعَيَّنُ المِكْيالُ والمِيزانُ في المَكِيلِ والمَوْزُونِ، المسألة الثالثة، قال: لِيَزْرَعَها حِنْطةً، وما ضَرَرُه كضَرَرِها، أو دونَه. فهذه

стр. 3860

كالتى قَبْلَها، إلَّا أنَّه لا مُخَالِفَ فيها؛ لأنَّه شَرَطَ ما اقْتَضَاهُ الإِطْلَاقُ، وبَيَّنَ ذلك تَصْرِيحُ نَصِّه، فزَالَ الإِشْكالُ. المسألة الرابعة، قال: لِيَزْرَعَها حِنْطَةً، ولا يَزْرَعُ غيرَها. فذَكَرَ القاضي أنَّ الشَّرْطَ باطِلٌ؛ لأنَّه يُنَافِي مُقْتَضَى العَقْدِ، لأنَّه يَقْتَضِى اسْتِيفَاءَ المَنْفَعةِ كيف شاءَ، فلم يَصِحَّ الشَّرْطُ، كما لو شَرَطَ عليه اسْتِيفَاءَ المَبِيعِ بِنَفْسِه، والعَقْدُ صَحِيحٌ؛ لأنَّه لا ضَرَرَ فيه، ولا غَرَضَ (٣٤) لأحدِ المُتَعَاقِدَيْنِ، لأنَّ ما ضَرَرُه مثلُه، لا يَخْتَلِفُ في غَرَضِ (٣٥) المُؤْجِرِ، فلم يُؤَثّرْ في العَقْدِ، فأشْبَهَ شَرْطَ اسْتِيفاءِ المَبِيعِ أو الثَّمنِ بِنَفْسِه. وقد ذَكرْنا فيما إذا شَرَطَ مُكْتَرِى الدَّار أنَّه لا يُسْكِنُها غيرَه، وَجْهًا في صِحَّةِ الشَّرْطِ، وَوَجْهًا آخَرَ في فَسَادِ العَقْدِ، فيُخَرَّجُ ههُنا مثلُه. فصل: وإن أكْرَاها لِلغِرَاسِ؛ فقيه ما ذَكَرْنا من المَسَائِل، إلَّا أنَّ له أن يَزْرَعَها؛ لأنَّ ضَرَرَ الزَّرْعِ أقَلُّ من ضَرَرِ الغِرَاسِ، وهو من جِنْسِه، لأنَّ كلَّ واحدٍ منهما يَضُرُّ بِبَاطِنِ الأرْضِ. وليس له البِنَاءُ؛ لأنَّ ضَرَرَهُ مُخالِفٌ لِضَرَرِه، فإنَّه يَضُرُّ بِظَاهِرِ الأرْضِ. وإن أكْرَاها لِلزَّرْعِ، لم يكُنْ له الغَرْسُ ولا البِنَاءُ؛ لأنَّ ضَرَرَ الغَرْسِ أكْثرُ، وضَرَرُ البِنَاءِ مُخَالِفٌ لِضَرَرِه. وإن أكْرَاها (٣٦) لِلْبِنَاءِ، لم يَكُنْ له الغَرْسُ ولا الزَّرْعُ؛ لأنَّ ضَرَرَهُما يُخالِفُ ضَرَرَهُ. فصل: ولا تَخْلُو الأرْضُ من قِسْمَيْنِ؛ أحَدهما، أن يكونَ له ماءٌ دائِمٌ، إمَّا من نَهْرٍ لم تَجْرِ العادَةُ بانْقِطاعِه، أو لا يَنْقَطِعُ إلَّا مُدَّةً لا يُؤَثّرُ في الزَّرْعِ، أو من عَيْنٍ نابِعَةٍ، أو بِرْكَةٍ من مِيَاهِ الأَمْطارِ يَجْتَمِعُ فيها ثم يَسْقِي به، أو من بِئْرٍ يَقُومُ بكِفَايَتِها، أو ما يَشْرَبُ بِعُرُوقِه لنَداوَةِ الأرْضِ، وقُرْبِ الماءِ الذي تحت الأرْضِ، فهذا كلُّه دائِمٌ. ويَصِحُّ

стр. 3861

اسْتِئْجارُها لِلْغَرْسِ والزَّرْعِ. بغير خِلَافٍ عَلِمْنَاه. وكذلك الأرْضُ التي تَشْرَبُ من مِيَاهِ الأمْطارِ، وَيُكْتَفَى (٣٧) بالمُعْتَادِ منه؛ لأنَّ ذلك بِحُكْمِ العادَةِ، ولا يَنْقَطِعُ إلَّا نادِرًا، فهو كسائِرِ الصُّوَرِ المَذْكُورَةِ. والثاني، أن لا يكونَ لها ماءٌ دائِمٌ، وهى نَوْعانِ؛ أحَدُهما، ما يَشْرَبُ من زِيَادَةٍ مُعْتادَةٍ تَأْتِي في وقتِ الحاجَةِ، كأرْضِ مِصْرَ الشَّارِبَةِ من زِيَادةِ النِّيلِ، وما يَشْرَبُ من زِيَادَةِ الفُرَاتِ وأشْبَاهِه، وأرْضِ البَصْرَةِ الشَّارِبَةِ من المَدِّ والجَزْرِ، وأرْضِ دِمَشْقَ الشَّارِبَةِ من زِيَادَةِ بَرَدَى. أو ما يَشْرَبُ من الأوْدِيَةِ الجارِيةِ من ماءِ المَطَرِ، فهذه تَصِحُّ إجَارَتُها قبلَ وُجُودِ الماءِ الذي تُسْقَى به وبعدَه. وحَكَى ابنُ الصَّبّاغِ ذلك مَذْهَبًا لِلشَّافِعِيِّ. وقال أصْحابُه: إن أكْرَاها بعدَ الزِّيادَةِ، صَحَّ، ولا يَصِحُّ قبلَها؛ لأنَّها مَعْدُومَةٌ، لا نَعلَمُ هل يَقْدِرُ عليها أمْ (٣٨) لا. ولَنا، أنَّ هذا مُعْتادٌ، الظاهِرُ وُجُودُه، فجازَتْ إجَارَةُ الأرْضِ الشَّارِبَةِ به، كالشَّارِبةِ من مِيَاهِ الأمْطارِ، ولأنَّ ظَنَّ القُدْرَةِ على التَّسْلِيمِ في وَقْتِه يَكْفِي في صِحَّةِ العَقْدِ، كالسَّلَمِ في الفَاكِهةِ إلى أَوَانِها. النوع الثاني، أن يكونَ مجىءُ الماءِ نادِرًا، أو غيرَ ظاهِرٍ، كالأرْضِ التي لا يَكْفِيهَا إلَّا المَطَرُ الشَّدِيدُ الكَثِيرُ، الذي يَنْدُرُ وُجُودُه. أو يكونُ شُرْبُها من فَيْضِ وادٍ مَجِيئُه نادِرًا، أو من زِيَادةٍ نادِرَةٍ في نَهْرٍ أو عَيْنٍ غالِبَةٍ، فهذه إن أجَرَها بعدَ وُجُودِ ماءٍ يَسْقِيهَا به، صَحَّ أيضًا؛ لأنَّه أمكنَ الانْتِفاعُ بها وزَرْعُها، فجازَتْ إجَارَتُها، كذاتِ الماءِ الدّائِم. وإن أجَرَها قبلَه لِلْغَرْسِ أو الزَّرْعِ، لم يَصِحَّ، لأنَّه يَتَعَذَّرُ الزَّرْعُ غالِبًا، ويَتَعَذَّرُ المَعْقُودُ عليه في الظاهِرِ، فلم تَصِحَّ إجَارَتُها، كالآبِقِ والمَغْصُوبِ. وإن اكْتَرَاها على أنَّها لا ماءَ لها، جازَ؛ لأنَّه يَتَمَكَّنُ (٣٩) من الانْتِفاعِ بها بالنُّزُولِ فيها، ووَضْعِ رَحْلِه، وجَمْعِ الحَطَبِ فيها، وله أن يَزْرَعَها رَجَاءَ الماءِ. وإن حَصَل له ماءٌ قبلَ زَرْعِهَا، فله زَرْعُها؛ لأنَّ ذلك من مَنَافِعِها المُمْكِنِ اسْتِيفَاؤُها. وليس له أن يَبْنِىَ، ولا يَغْرِسَ؛ لأنَّ ذلك يُرَادُ لِلتَّأْبِيدِ. وتَقْدِيرُ الإِجَارَةِ بمُدةٍ تَقْتَضِي تَفْرِيغَها

стр. 3862

عند انْقِضَائِها. فإن قيل: فلو اسْتَأْجَرَها لِلْغِرَاسِ والبِنَاءِ صَحَّ مع تَقْدِيرِ المُدَّةِ. قُلْنا: التَّصْرِيحُ بالبِنَاءِ والغِرَاسِ صَرَفَ التَّقْدِيرَ عن مُقْتَضَاه، بظَاهِرِه في التَّفْرِيغِ عندَ انْقِضَاءِ المُدّةِ، إلَّا أن يَشْتَرِطَ قَلْعَ ذلك عندَ انْقِضَاءِ المُدّةِ، فيُصْرَفُ الغِرَاسُ والبِنَاءُ عمَّا يُرادُ له بِظَاهِرِه، بخِلَافِ مَسْأَلَتِنَا. وإن أطْلَقَ إجارَةَ هذه الأرْضِ، مع العِلْمِ بحَالِها، وعَدَمِ مائِها، صَحَّ؛ لأنَّهما دَخَلَا في العَقْدِ على أنَّها لا ماءَ لها، فأشْبَه ما لو شَرَطَاه. وإن لم يَعْلَمْ عَدَمَ مائِها (٤٠)، أو ظَنَّ المُكتَرِى أنَّه يُمْكِنُ تَحْصِيلُ ماءٍ لها بوَجْهٍ من الوُجُوهِ، لم يَصِحَّ العَقْدُ، ولأنَّه ربما دَخَلَ في العَقْدِ بِنَاءً على أنَّ المالِكَ لها (٤١) يُحَصِّلُ لها ماءً، وأنَّه يَكْتَرِيها للزِّرَاعةِ مع تَعَذُّرِها. وقيل: لا يَصِحُّ العَقْدُ مع الإِطْلَاقِ وإن عَلِمَ حالَها (٤٢)؛ لأنَّ إطلاقَ كِرَاءِ الأرْضِ يَقْتَضِي الزِّرَاعةَ. والأَوْلَى صِحَّتُه؛ لأنَّ العِلْمَ بالحالِ يَقُومُ مَقَامَ الاشْتِراطِ، كالعِلْمِ بالعَيْبِ يَقُومُ مَقامَ شَرْطِه، ومتى كان لها ماءٌ غيرَ دائِمٍ، أو الظَّاهِرُ انْقِطاعُه قبلَ الزَّرْعِ، أو لا يَكْفِى الزَّرْعَ، فهى كالتى لا ماءَ لها. ومذهبُ الشافِعِيِّ في هذا كلِّه كما ذَكَرْنا. فصل: وإن اكْتَرَى أرْضًا غارِقةً بالماءِ، لا يُمْكِنُ زَرْعُها قبلَ انْحِسَارِه عنها، وقد يَنْحَسِرُ ولا يَنْحَسِرُ، فالعَقْدُ باطِلٌ؛ لأنَّ الانْتِفاعَ بها في الحالِ غيرُ مُمْكِنٍ، ولا يَزُولُ المانِعُ غالِبًا. وإن كان يَنْحَسِرُ عنها وقتَ الحاجَةِ إلى الزِّرَاعةِ، كأرْضِ مِصْرَ في وقتِ مَدِّ النِّيلِ، صَحَّ العَقْدُ؛ لأنَّ المَقْصُودَ مُتَحَقِّقٌ بحُكْمِ العادَةِ المُسْتَمِرَّةِ. وإن كانت الزِّرَاعةُ فيها مُمْكِنَةً، ويُخَافُ غَرَقُها، والعادَةُ غَرَقُها، لم يَجُزْ إجَارَتُها؛ لأنَّها في حُكْمِ الغارِقَةِ بحُكْمِ العادَةِ المُسْتَمِرَّةِ. فصل: ومتى غَرِقَ الزَّرْعُ أو هَلَكَ، بِحَرِيقٍ أو جَرَادٍ أو بَرْدٍ، أو غيرِه، فلا ضَمَانَ

стр. 3863

على المُؤْجِرِ، ولا خِيَارَ لِلْمُكْتَرِى. نَصَّ عليه أحمدُ. ولا نَعْلَمُ فيه خِلَافًا. وهو مذهبُ الشافِعِيِّ؛ لأنَّ التّالِفَ غيرُ المَعْقُودِ عليه، وإنَّما تَلِفَ مالُ المُكْتَرِى فيه، فأشْبَهَ مَن اشْتَرَى (٤٣) دُكَّانًا فاحْتَرَقَ مَتَاعُه فيه. ثم إن أَمْكَنَ المُكْتَرِى الانْتِفَاعَ بالأرْضِ بغيرِ الزَّرْعِ، أو بالزَّرْعِ في بَقِيَّةِ المُدَّةِ، فله ذلك، وإن تَعَذَّرَ ذلك، فالأجْرُ لازِمٌ له؛ لأنَّ تَعَذُّرَه لِفَوَاتِ وقتِ الزِّرَاعةِ بسَبَبٍ غيرِ مَضْمُونٍ على المُؤْجِرِ، لا لِمَعْنًى في العَيْنِ. وإن تَعَذَّرَ الزَّرْعُ بِسَبَبِ غَرَقِ الأرْضِ، أو انْقِطَاعِ مائِها، فلِلْمُسْتَأْجِرِ الخِيَارُ؛ لأنَّه لِمَعْنًى في العَيْنِ. وإن تَلِفَ الزَّرْعُ بذلك، فليس على المُؤْجِرِ ضَمَانُه؛ لأنَّه لم يُتْلِفْهُ (٤٤) بمُباشَرَةٍ ولا بِسَبَبٍ. وإن قَلَّ الماءُ بحيث لا يَكْفِي الزَّرْعَ، فله الفَسْخُ؛ لأنَّه عَيْبٌ. فإن كان ذلك بعدَ الزَّرْعِ، فله الفَسْخُ أيضًا، ويَبْقَى الزَّرْعُ في الأرْضِ إلى أن يَسْتَحْصِدَ، وعليه من المُسَمَّى بحِصَّتِه إلى حينِ الفَسْخِ، وأجْرِ المِثْلِ لما بَقِىَ من المُدّةِ لأرْضٍ لها مثلُ ذلك الماءِ. وكذلك إن انْقَطَعَ الماءُ بالكُلِّيةِ، أو حَدَثَ بها عَيْبٌ من غَرَقٍ يَهْلِكُ به (٤٥) بعضُ الزَّرْعِ، أو يَسُوءُ حالُه به. فصل: وإذا اسْتَأْجَرَ أرْضًا لِلزِّرَاعةِ مُدّةً، فانْقَضَتْ، وفيها زَرْعٌ لم يَبْلُغْ حَصَادَه، لم يَخْلُ من حَالَيْنِ؛ أحدهما، أن يكونَ لِتَفْرِيطٍ من المُسْتَأْجِرِ، مثل أن يَزْرَعَ زَرْعًا لم تَجْرِ العادَةُ بكَمالِه قبلَ انْقِضاءِ المُدَّةِ، فحُكْمُه حُكْمُ زَرْعِ الغاصِبِ، يُخَيَّرُ المالِكُ بَعد المُدَّةِ بينَ أخْذِه بالقِيمَةِ، أو تَرْكِه بالأجْرِ لما زَادَ على المُدَّةِ؛ لأنَّه أبْقَى زَرْعَه في أرْضِ غيرِه بعُدْوَانِه. وإن اخْتَارَ المُسْتَأْجِرُ قَطْعَ زَرْعِه في الحالِ، وتَفْرِيغَ الأرْضِ، فله ذلك؛ لأنَّه يُزِيلُ الضَّرَرَ، ويُسَلِّمُ الأرْضَ على الوَجْهِ الذي اقْتَضَاهُ العَقْدُ. وذَكَرَ القاضي، أنَّ على المُسْتَأْجِرِ نَقْلَ الزَّرْعِ وتَفْرِيغَ الأرْضِ، وإن اتَّفَقَا على تَرْكِه بعِوَضٍ أو غيرِه، جازَ. وهذا مذهبُ الشّافِعِيِّ، بِنَاءً على قولِه في الغاصِبِ. وقِيَاسُ مَذْهَبِنَا

стр. 3864

ما ذَكَرْناه. الحال الثاني، أن يكونَ بَقَاؤُه بغيرِ تَفْرِيطٍ، مثل أن يَزْرَعَ زَرْعًا يَنْتَهِى في المُدَّةِ عادَةً، فأبْطَأَ لِبَرْدٍ أو غيرِه، فإنَّه يَلْزَمُ المُؤْجِرَ تَرْكُه إلى أن يَنْتَهِىَ، وله المُسَمَّى وأجْرُ المِثْلِ لما زَادَ، وهذا أحدُ الوَجْهَيْنِ لأصْحابِ الشافِعِيِّ. والوجه الثاني، قالوا: يَلْزَمُه نَقْلُه؛ لأنَّ المُدَّةَ ضُرِبَتْ لِنَقْلِ الزَّرْعِ، فيَلْزَمُ العَمَلُ بمُوجِبه، وقد وُجِدَ منه تَفْرِيطٌ؛ لأنَّه كان يُمْكِنُه أن يَسْتَظْهِرَ في المُدَّةِ، فلم يَفْعَلْ. ولنا، أنَّه حَصَلَ الزَّرْعُ في أرْضِ غيرِه بإِذْنِه، من غيرِ تَفْرِيطٍ، فلَزِمَ تَرْكُه، كما لو أعَارَه أرْضًا فزَرَعَها، ثم رَجَعَ المالِكُ قبلَ كَمَالِ الزَّرْعِ. وقولُهم: إنَّه مُفَرِّطٌ. غيرُ صَحِيحٍ؛ لأنَّ هذه المُدَّةُ التي جَرَتِ العادَةُ بكَمالِ الزَّرْعِ فيها، وفي زِيَادَةِ المُدَّةِ تَفْوِيتُ (٤٦) زِيَادَةِ الأجْرِ بغيرِ فائِدَةٍ، وتَضْيِيعُ زِيَادَةٍ مُتَيَقَّنةٍ لِتَحْصِيلِ شيءٍ مُتَوَهَّمٍ على خِلَافِ العادَةِ هو التَّفْرِيطُ، فلم يكُنْ تَرْكُه تَفْرِيطًا. ومتى أرادَ المُسْتَأْجِرُ زَرْعَ شيءٍ لا يُدْرِكُ مثلُه في مُدَّةِ (٤٧) الإِجَارةِ، فلِلْمالِكِ مَنْعُه؛ لأنَّه سَبَبٌ لِوُجُودِ زَرْعِه في أرْضِه بغيرِ حَقٍّ، فمَلَكَ مَنْعَه منه. فإن زَرَعَ، لم يَمْلِكْ مُطَالَبَته بِقَلْعِه قبلَ المُدَّةِ؛ لأنَّه في أرْضٍ يَمْلِكُ نَفْعَها، ولأنَّه لا يَمْلِكُ ذلك بعدَ المُدَّةِ، فقَبْلَها أَوْلَى. ومن أَوْجَبَ عليه قَطْعَه بعدَ المُدَّةِ، قال: إذا لم يكُنْ بُدٌّ من المُطَالبةِ بالنَّقْلِ، فَلْيَكُنْ عندَ المُدَّةِ التي يَسْتَحِقُّ تَسْلِيمَها إلى المُؤْجِرِ فارِغَةً. فصل: وإذا اكْتَرَى الأرْضَ لِزَرْعٍ مُدَّةً لا يَكْمُلُ فيها، مثل أن يَكْتَرِىَ (٤٨) خَمْسَةَ أشْهُرٍ لِزَرْعٍ لا يَكْمُلُ إلَّا في سَنَةٍ، نَظَرْنا؛ فإن شَرَطَ تَفْرِيغَها عند انْقِضَاءِ المُدّةِ ونَقْلَهُ عنها، صَحَّ؛ لأنَّه لا يُفْضِى إلى الزِّيادَةِ على مُدَّتِه، وقد يكونُ له غَرَضٌ في ذلك، لأخْذِه إيَّاه قَصِيلًا أو غيرَه، ويَلْزَمُه ما الْتَزَمَ، وإن أطْلَقَ العَقْدَ، ولم يَشْتَرِطْ شيئًا، احْتَمَلَ أن يَصِحَّ؛ لأنَّ الانْتِفاعَ بالزَّرْعِ في هذه المُدّةِ مُمْكِنٌ، واحْتَمَلَ أنَّه إن أمْكَنْ أن يَنْتَفِعَ

стр. 3865

بالأرْضِ، في زَرْعٍ ضَرَرُه كَضَرَرِ الزَّرْعِ المَشْرُوطِ أو دُونَه، مثل أن يَزْرَعَها شَعِيرًا يَأْخُذُه (٤٩) قَصِيلًا، صَحَّ العَقْدُ، لأنَّ الانْتِفاعَ بها في بعضِ ما اقْتَضَاه العَقْدُ مُمْكِنٌ. وإن لم يكُنْ كذلك، لم يَصِحَّ؛ لأنَّه اكْتَرَى للزَّرْعِ ما لَا يُنْتَفَعُ بالزَّرْعِ (٥٠) فيه، أشْبَهَ إجَارَةَ السَّبْخَةِ له. فإن قُلْنا: يَصِحُّ. فإن انْقَضَتِ المُدّةُ، ففيه وَجْهانِ؛ أحدهما، حُكْمُه حُكْمُ زَرْعِ المُسْتَأْجِرِ لما لا يَكْمُلُ في مُدَّتِه؛ لأنَّه هَهُنا مُفَرِّطٌ. واحْتَمَلَ أن يَلْزَمَ المُكْرِىَ تَرْكُهُ بالأَجْرِ؛ لأنَّ التَّفْرِيطَ منه حيث أكْرَاه مُدَّةً لِزَرْعٍ لا يَكْمُلُ فيها. وإن شَرَطَ تَبْقِيَتَه حتى يَكْمُلَ، فالعَقْدُ فاسِدٌ؛ لأنَّه جَمَعَ بين مُتَضَادَّيْنِ، فإنَّ تَقْدِيرَ المُدَّةِ يَقْتَضِى النَّقْلَ فيها، وشَرْطَ التَّبْقِيَةِ يُخَالِفُه، ولأنَّ مُدَّةَ التَّبْقِيَةِ مَجْهُولةٌ، فإن زَرَعَ لم يُطَالِبْ بِنَقْلِه، كالتى تَقَدَّمَتْ. فصل: إذا أجَرَه (٥١) لِلْغِرَاسِ سَنَةً، صَحَّ؛ لأنَّه يُمْكِنُه تَسْلِيمُ مَنْفَعَتِها المُبَاحَةِ المَقْصُودَةِ، فأشْبَهَتْ سائِرَ المَنافِعِ، وسواءٌ شَرَطَ قَلْعَ الغِرَاسِ عندَ انْقِضَاءِ المُدَّةِ، أو أطْلَقَ. وله أن يَغْرِسَ قبلَ انْقِضَاءِ المُدَّةِ، فإذا انْقَضَتْ، لم يكُنْ له أن يَغْرِسَ؛ لِزَوَالِ عَقْدِه. فإذا انْقَضَتِ السَّنَةُ، وكان قد شَرَطَ القَلْعَ عند انْقِضَائِها، لَزِمَهُ ذلك وَفَاءً بمُوجبِ شَرْطِه، وليس على صاحِبِ الأرْضِ غَرَامَةُ نَقْصِه، ولا على المُكْتَرِى تَسْوِيَةُ الحَفْرِ وإصْلَاحُ الأرْضِ؛ لأنَّهما دَخَلَا على هذا، لِرِضَاهُما بالقَلْعِ، واشْتِرَاطِهِما عليه. وإن اتَّفَقَا على إبْقائِه بأجْرٍ أو غيرِه، جازَ [إذا شَرَطَا مُدّةً مَعْلُومةً. وكذلك لو اكْتَرَى الأرْضَ سَنَةً بعد سَنَةٍ، كلما انْقَضَى عَقْدٌ جَدَّدَ آخَرَ، جَازَ] (٥٢). وإن أطْلَقَ العَقْدَ، فلِلْمُكْتَرِى القَلْعُ؛ لأنَّ الغَرْسَ مِلْكُه، فله أخْذُه، كَطَعامِه من (٥٣) الدَّارِ

стр. 3866

التي بَاعَها. وإذا قَلَعَ، فعليه تَسْوِيَةُ الحَفْرِ؛ لأنَّه نَقْصٌ دَخَلَ على (٥٤) مِلْكِ غيرِه بغيرِ إذْنِه. وهكذا إن قَلَعَه قبلَ انْقِضَاءِ المُدّةِ ههُنا، وفي التي قبلَها؛ لأنَّ القَلْعَ قبلَ الوَقْتِ لم يَأْذَنْ فيه المالِكُ، ولأنَّه تَصَرَّفَ في الأرْضِ تَصَرُّفًا نَقَصَها، لم يَقْتَضِه عَقدُ الإِجَارَةِ. وإن أبَى القَلْعَ، لم يُجْبَرْ عليه، إلَّا أن يَضْمَنَ له المالِكُ نَقْصَ غَرْسِه، فيُجْبَرُ حينئذٍ. وبهذا قال الشافِعِيُّ. وقال أبو حَنِيفةَ، ومالِكٌ: عليه القَلْعُ من غيرِ ضَمانِ النَّقْصِ له؛ لأنَّ تَقْدِيرَ المُدَّةِ في الإِجَارَةِ يَقْتَضِى التَّفْرِيغَ عندَ انْقِضَائِها، كما لو اسْتَأْجَرَها لِلزَّرْعِ. ولَنا، قولُ النَّبِيِّ ﷺ : "لَيْسَ لِعِرْقٍ ظالِمٍ حَقٌّ" (٥٥). مَفْهُومُه أنَّ ما ليس بِظَالِمٍ له حَقٌّ. وهذَا ليس بِظَالِمٍ، ولأنَّه غَرَسَ بإذْنِ المالِكِ، ولم يَشْرُطْ قَلْعَه، فلم يُجْبَرْ على القَلْعِ من غيرِ ضَمَانِ النَّقْصِ، كما لو اسْتَعارَ منه أرْضًا لِلْغَرْسِ مُدّةً، فرَجَعَ قبلَ انْقِضَائِها، ويُخَالِفُ الزَّرْعَ؛ فإنَّه لا يَقْتَضِى التَّأْبيدَ. فإن قيل: فإن كان إطْلَاقُ العَقْدِ في الغِرَاسِ يَقْتَضِي التَّأْبِيدَ، فشَرْطُ القَلْعِ (٥٦) يُنَافِي مُقْتَضَى العَقْدِ، فيَنْبَغِي أن يُفْسِدَه. قُلْنا: إنَّما اقْتَضَى التَّأْبِيدَ من حيثُ إنَّ العادَةَ في الغِرَاسِ التَّبْقِيةُ، فإذا أطْلَقَه حُمِلَ على العادَةِ، وإذا شَرَطَ خِلَافَه، جازَ، كما إذا باعَ بغير نَقْدِ البَلَدِ، أو شَرَطَ في الإِجارَةِ شَرْطًا يُخَالِفُ العادَةَ. إذا ثَبَتَ هذا، فإنَّ رَبَّ الأرْضِ يُخَيَّرُ بين ثلاثةِ أشْيَاء؛ أحدها، أن يَدْفَعَ قِيمَةَ الغِرَاسِ والبِنَاءِ، فيَمْلِكَه مع أرْضِه. والثاني، أن يَقْلَعَ الغِرَاسَ والبِنَاءَ، ويَضْمَنَ أرْشَ نَقْصِه. والثالث، أن يُقِرَّ الغِرَاسَ والبِنَاءَ، ويَأْخُذَ منه أجْرَ المِثْلِ. وبهذا قال الشافِعِيُّ. وقال مالِكٌ: يُخَيَّرُ بين دَفْعِ قِيمَتِه فيَمْلِكُه، وبين مُطَالَبَتِه بالقَلْعِ من غيرِ ضَمَانٍ، وبين تَرْكِه، فيَكُونانِ شَرِيكَيْنِ. وليس بِصَحِيحٍ؛ لأنَّ الغِرَاسَ مِلْكٌ لِغَارِسِه، لم يُدْفَعْ إليه عنه عِوَضٌ، ولا رَضِىَ بِزَوَالِ مِلْكِه عنه [فلا يزُولُ عنه] (٥٧)، كسائِر الغَرْسِ. وإن اتّفَقَا على بَيْعِ الغِرَاسِ والبِنَاءِ لِلْمالِكِ، جازَ. وإن باعَهُما

стр. 3867

صاحِبُهما لغيرِ مالِكِ الأرْضِ، جازَ، ومُشْتَرِيهما يَقُومُ فيهما مَقَامَ البائِعِ. وقال أصْحابُ الشافِعِيِّ، في أحَدِ الوَجْهَيْنِ: ليس له بَيْعُهما لغيرِ مالِكِ الأرْضِ؛ لأنَّ مِلْكَهُ (٥٨) ضَعِيفٌ، بِدَلِيلِ أن لِصَاحِبِ الأرْضِ تَمَلُّكَهُ عليه بالقِيمَةِ من غيرِ إذْنِه. ولَنا، أنَّه مَمْلُوكٌ له، يجوزُ بَيْعُه لمالِكِ الأَرْضِ، فجازَ لغيرِه، كشِقْصٍ مَشْفُوعٍ، وبهذا يَبْطُل ما ذَكَرُوه؛ فإنَّ لِلشَّفِيعِ تَمَلُّكَ الشِّقْصِ وشِرَاءَهُ، ويجوزُ بَيْعُه لغيرِه. فأمَّا إن شَرَطَ في العَقْدِ تَبْقِيةَ الغِرَاسِ، فذكَرَ القاضي أنَّه صَحِيحٌ، وحُكْمُه حُكْمُ ما لو أطْلَقَ العَقْدَ سواءً. وهو قولُ أصْحابِ الشافِعِيِّ. ويَحْتَمِلُ أن يَبْطُلَ العَقْدُ؛ لأنَّه شَرَطَ ما يُنَافِي مُقْتَضَى العَقْدِ، فلم يَصِحَّ، كما لو شَرَطَ ذلك في الزَّرْعِ الذي لا يَكْمُلُ قبلَ انْقِضاءِ المُدّةِ، ولأنَّ الشَّرْطَ باطِلٌ، بِدَلِيلِ أنَّه لا يَجِبُ الوَفَاءُ به، وهو مُؤَثِّرٌ، فأبْطَلَه، كشَرْطِ تَبْقِيةِ الزَّرْعِ بعدَ مُدَّةِ الإِجَارَةِ. ٩٠٠ - مسألة؛ قال: (ويَجُوزُ أنْ يَسْتَأْجِرَ الْأَجِيرَ بِطَعَامِهِ وكُسْوَتِهِ) اخْتَلَفَتِ الرِّوَايةُ عن أحمدَ، في مَن اسْتَأْجَرَ أجِيرًا بطَعَامِه وكُسْوَتِه، أو جَعَلَ له أجْرًا، وشَرَطَ طَعَامَه وكُسْوَتَه، فرُوِىَ عنه (١) جَوَازُ ذلك. وهو مذهبُ مالِكٍ، وإسحاقَ. ورُوِى عن أبي بَكرٍ، وعمرَ، وأبي موسى، رَضِىَ اللَّه عنهم، أنَّهم اسْتَأْجَرُوا الأُجَراءَ بِطَعَامِهِم وكُسْوَتِهِم. ورُوِىَ عنه أنَّ ذلك جائِزٌ في الظِّئْرِ (٢) [دونَ غيرِها. اخْتارَها القاضِي. وهذا مذهبُ أبي حنيفةَ؛ لأنَّ ذلك مَجْهُولٌ؛ وإنَّما جازَ في الظِّئْرِ] (٣)، لقولِ اللَّه تعالى: ﴿وَعَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾ (٤). فأوْجَبَ لهُنَّ النَّفَقَةَ والكُسْوَةَ على الرَّضَاعِ، ولم يُفَرِّقْ بين

стр. 3868

المُطَلَّقةِ وغيرِها، بل في الآيةِ قَرِينَةٌ تَدُلُّ على طَلَاقِها (٥)؛ لأنَّ الزَّوْجَةَ تَجِبُ نَفَقَتُها وكُسْوَتُها بالزَّوْجِيَّةِ وإن لم تُرْضِعْ؛ لأنَّ اللَّه تعالى قال: ﴿وَعَلَى الْوَارِثِ مِثْلُ ذَلِكَ﴾ (٦). والوارِثُ ليس بِزَوْجٍ، ولأنَّ المَنْفَعةَ في الحَضَانةِ والرَّضَاعِ غيرُ مَعْلُومةٍ، فجازَ أن يكونَ عِوَضُها كذلك. ورُوِىَ عنه رِوَايةٌ ثالِثةٌ: لا يجوزُ ذلك بحالٍ، لا في الظِّئْرِ ولا في غيرِها. وبه قال الشافِعِيُّ وأبو يوسفَ، ومحمدٌ، وأبو ثَوْرٍ، وابنُ المُنْذِرِ؛ لأنَّ ذلك يَخْتَلِفُ اخْتِلافًا كَثِيرًا مُتَبَايِنًا، فيكونُ مَجْهُولًا، والأجْرُ من شَرْطِه أن يكونَ مَعْلُومًا. ولَنا: ما رَوَى ابنُ مَاجَه، عن عُتْبَةَ بن النُّدَّرِ، قال: كُنَّا عندَ رسولِ اللَّه ﷺ ، فَقَرَأَ ﴿طس﴾ حتى بَلَغَ قِصّةَ مُوسَى، قال: "إنَّ مُوسَى آجَرَ نَفْسَهُ ثَمَانِىَ سِنِينَ (٧) أوْ عَشْرًا، على عِفَّةِ فَرْجِه، وطَعَامِ بَطْنِهِ" (٨). وشَرْعُ مَنْ قَبْلَنا شَرْعٌ لنا، ما لم يَثْبُتْ نَسْخُه. وعن أبي هُرَيْرَةَ، رَضِىَ اللَّه عنه، أنَّه قال: كنتُ أجِيرًا لِابْنَةِ غزْوَانَ بِطَعَامِ بَطْنِي، وعُقْبَةِ رِجلِي (٩)، أحْطِبُ لهم إذا نَزَلُوا، وأَحْدُوا بهم إذا رَكِبُوا (١٠). ولأنَّ مَنْ ذَكَرْنا من الصَّحَابةِ وغيرِهم (١١) فَعَلُوه، فلم يَظْهَرْ له نَكِيرٌ، فكان إجْماعًا، ولأنَّه قد ثَبَتَ في الظِّئْرِ بالآيةِ، فيَثْبُتُ في غيرِها بالقِيَاسِ عليها، ولأنَّه عِوَضُ مَنْفَعةٍ، فقَامَ العُرْفُ فيه مَقَامَ التَّسْمِيَةِ، كنَفَقَةِ الزَّوْجةِ، ولأنَّ [لِلْكُسْوةِ عُرْفًا] (١٢)، وهى كُسْوةُ الزَّوْجاتِ، ولِلإِطْعامِ عُرْفٌ، وهو الإِطْعَامُ في الكَفّاراتِ، فجازَ إطْلَاقُه، كَنَقْدِ البَلَدِ. ونَخُصُّ أبا حَنِيفةَ بِأنَّ ما كان عِوَضًا في الرَّضَاعِ، جازَ في الخِدْمَةِ، كالأثْمانِ. إذا ثَبَتَ هذا، فإنَّهما إن تَشَاحَّا في مِقْدَارِ الطَّعامِ والكُسْوةِ، رَجَعَ في

стр. 3869

القُوتِ إلى الإِطْعامِ في الكَفَّارَةِ، وفي الكُسْوةِ إلى أقَلِّ مَلْبُوسِ مثلِه. قال أحمدُ: إذا تَشَاحَّا في الطَّعَامِ، يُحْكَمُ له بِمُدٍّ كلَّ يومٍ. ذَهَبَ به إلى ظاهِرِ ما أمَرَ اللهُ تعالى من إطْعامِ المَسَاكِينِ، فَفسَّرَتْ ذلك السُّنَّةُ بأنَّه مُدٌّ لكلِّ مِسْكِينٍ. ولأنَّ الإِطْعامَ مُطْلَقٌ في المَوْضِعَيْنِ، فما فُسِّرَ به أحَدُهما يُفَسَّرُ به الآخَر. وليس له إطْعامُ الأجِيرِ إلَّا ما يُوَافِقُه من الأَغْذِيةِ؛ لأنَّ عليه ضَرَرًا، ولا يمكنُه اسْتِيفَاءُ الواجِبِ له منه. فصل: وإن شَرَطَ الأجِيرُ كُسْوَةً ونَفَقَةً مَعْلُومةً مَوْصُوفةً، كما يُوصَفُ في السَّلَمِ، جازَ ذلك عندَ الجَمِيع. وإن لم يَشْتَرِطْ طَعَامًا ولا كُسْوةً، فنَفَقَتُه وكُسْوَتُه على نَفْسِه. وكذلك الظِّئْرُ. قال ابنُ المُنْذِرِ: لا أعْلَمُ عن أحدٍ خِلَافًا فيما ذَكَرْتُ. وإن شَرَطَ لِلأجِيرِ طَعَامَ غيرِه وكُسْوَتَه مَوْصُوفًا، جَازَ؛ لأنَّه مَعْلُومٌ، أشْبَهَ ما لو شَرَطَ دَرَاهِمَ مَعْلُومَةً، ويكونُ ذلك للأجِيرِ، إن شاءَ أطْعَمَه، وإن شاءَ تَرَكَه. وإن لم يكُنْ مَوْصُوفًا، لم يَجُزْ؛ لأنَّ ذلك مَجْهُولٌ، احْتَمَلَ فيما إذا [شَرَطَه للأجِيرِ] (١٣) للحاجةِ إليه، وجَرَتِ العادَةُ به، فلا يَلْزَمُه احْتِمالُها مع عَدَمِ ذلك. ولو اسْتَأجَرَ دَابّةً بِعَلَفِها، أو بأجْرٍ مُسَمًّى وعَلَفِها، لم يَجُزْ؛ لأنَّه مَجْهُولٌ، ولا عُرْفَ له يَرْجِعُ إليه، ولا نَعْلَمُ أحدًا قال بِجَوَازِه، إلَّا أن يَشْتَرِطَه مَوْصُوفًا، فيَجُوزُ. فصل: وإن اسْتَغْنَى الأجِيرُ عن طَعَامِ المُؤْجِرِ بطعَامِ نَفْسِه، أو غيرِه، أو عَجَزَ عن الأكْلِ لِمَرَضٍ أو غيرِه، لم تَسْقُطْ نَفَقَتُه، وكان له المُطَالَبةُ بها؛ لأنَّها عِوَضٌ، فلا تَسْقُطُ بالغِنَى عنه، كالدَّرَاهِم. وإن احْتاجَ لِدَواءٍ لِمَرَضِه، لم يَلْزَمِ المُسْتَأْجِرَ ذلك؛ لأنَّه لم يَشْرُطْ له الإِطْعَامَ إلَّا صَحِيحًا، لكنْ يَلْزَمُه له بِقَدْرِ طَعَامِ الصَّحِيحِ يَشْتَرِى له الأجيرُ به (١٤) ما يَصْلُحُ له (١٤)؛ لأنَّ ما زادَ على طَعَامِ الصَّحِيحِ لم يَقَعِ العَقْدُ عليه، فلا يُلْزَمُ به، كالزَّائِدِ في القَدْرِ.

стр. 3870

فصل: إذا دَفَعَ إليه طَعَامَه، فأحَبَّ الأجِيرُ أن يَسْتَفْضِلَ بعضَه لِنَفْسِه، نَظَرْتَ؛ فإن كان المُؤْجِرُ دَفَعَ إليه أكْثَرَ من الواجِبِ.، ليَأْكُلَ قَدْرَ حاجَتِه، ويَفْضُلُ الباقِي، أو كان في تَرْكِه لأَكْلِه كلِّه ضَرَرٌ على المُؤْجِرِ، بأن يَضْعُفَ عن العَمَلِ، أو يَقِلَّ لَبَنُ الظِّئْرِ، مُنِعَ منه؛ لأنَّه في الصُّورةِ الأُولَى لم يُمَلِّكْهُ إيّاهُ، وإنَّما أبَاحَه أكْلَ قَدْرِ حاجَتِه، وفي الثانية على المُؤْجِرِ ضَرَرٌ بِتَفْوِيتِ بعضِ مالِه من مَنْفَعَتِه، فمُنِعَ منه، كالجَمَّالِ إذا امْتَنَعَ من عَلْفِ الجِمَالِ. وإن دَفَعَ إليه قَدْرَ الواجِبِ من غيرِ زِيَادةٍ، أو دَفَعَ إليه أكْثَرَ، ومَلَّكَه إيَّاه، ولم يكُنْ في تَفْضِيلِه لِبَعْضِه ضَرَرٌ بالمُؤْجِرِ، جازَ؛ لأنَّه حَقٌّ لا ضَرَرَ على المُؤْجِرِ فيه، فأشْبَهَ الدَّرَاهِمَ. فصل: وإن قَدَّمَ إليه طَعَامًا، فنُهِبَ أو تَلِفَ قبلَ أكْلِه، نَظَرْتَ؛ فإن كان على مائِدَةٍ لا يَخُصُّهُ فيها بِطَعَامِه، فهو من ضَمَانِ المُسْتَأْجِرِ؛ لأنَّه لم يُسَلِّمْهُ إليه، فكان تَلَفُه من مالِه، وإن خَصَّهُ بذلك، وسَلَّمَه إليه، فهو من ضَمَانِ الأجِيرِ؛ لأنَّه تَسْلِيمُ عِوَضٍ على وَجْهِ التَّمْلِيكِ، أشْبَه البَيْعَ. فصل: إذا دَفَعَ إلى رَجُلٍ ثَوْبًا، وقال: بِعْهُ بكذا، فما ازْدَدْتَ فهو لك. صَحَّ، نَصَّ عليه أحمدُ، في رِوَايةِ أحمدَ بن سَعِيدٍ. ورُوِى ذلك عن ابنِ عَبَّاسٍ. وبه قال ابنُ سِيرِينَ، وإسحاقُ. وكَرِهَهُ النَّخَعيُّ، وحَمَّادٌ، وأبو حنيفَةَ، والثَّوْرِيُّ، والشافِعيُّ، وابنُ المُنْذِرِ؛ لأنَّه أجْرٌ مَجْهُولٌ، يَحْتَمِلُ الوُجُودَ والعَدَمَ. ولَنا، ما رَوَى عَطَاءٌ، عن ابنِ عَبَّاسٍ، أنَّه كان لا يَرَى بَأْسًا أن يُعْطِىَ الرَّجُلُ الرَّجُلَ الثَّوْبَ أو غيرَ ذلك، فيقولَ: بِعْهُ بكذا وكذا، فما ازْدَدْتَ فهو لك. ولا يُعْرَفُ له في عَصْرِه مُخَالِفٌ. ولأنَّها عَيْنٌ تُنَمَّى بالعَمَلِ عليها (١٥)، أشْبَهَ دَفْعَ [مالِ المُضَارَبةِ] (١٦). إذا ثَبَتَ هذا، فإن باعَه بِزِيَادَةٍ، فهى له؛ لأنَّه جَعَلَها أُجْرَةً، وإن باعَه بالقَدْرِ المُسَمَّى من غيرِ زِيَادةٍ،

стр. 3871

فلا شىءَ له؛ لأنَّه جَعَلَ له الزِّيَادةَ، ولا زِيَادةَ ههُنا، فهو كالمُضَارِبِ إذا لم يَرْبَحْ. وإن باعَه بِنَقْصٍ عنه، لم يَصِحَّ البَيْعُ؛ لأنَّه وَكِيلٌ مُخَالِفٌ. وإن تَعَذّرَ رَدُّه، ضَمِنَ النَّقْصَ. وقد قال أحمدُ: يَضْمَنُ النُّقْصَانَ مُطْلَقًا. وهذا قد مَضَى مثلُه في الوَكَالَةِ. وإن باعَه نَسِيئةً، لم يَصِحَّ البَيْعُ؛ لأنَّ إطْلَاقَ البَيْعِ يَقْتَضِى النَّقْدَ، لما في النَّسِيئَةِ من ضَرَرِ التَّأْخِيرِ والخَطرَ بالمالِ، لِيَحْصُلَ له نَفْعُ الرِّبْحِ. ويُفَارِقُ المُضَارِبَ على رِوَايةٍ، حيث يجوزُ له البَيْعُ نَسَاءً؛ لأنَّه يَحْصُلُ لِرَبِّ المالِ [نَفْعٌ بما يَحْصُلُ من الرِّبْحِ في مُقَابَلةِ ضَرَرِه بالنَّسِيئَةِ، وههُنا لا فائِدَةَ لِرَبِّ المالِ] (١٧) في الرِّبْحِ بحالٍ، ولأنَّ مَقْصُودَ المُضَارَبةِ تَحْصِيلُ الرِّبْحِ، وهو في النَّسِيئَةِ أكْثَر، وههُنا ليس مَقْصُودُ رَبِّ المالِ الرِّبْحَ، ولا حَظَّ له فيه، فلا فائِدَةَ له [في النَّسِيئَةِ] (١٨). وقال أحمدُ، في رِوَايَةِ الأَثْرَمِ: ليس له شيءٌ. يَعْنِى إذا زادَ على العَشرَةِ؛ لأنَّ الإِطْلَاقَ إنَّما اقْتَضَى بَيْعَها حالًا، فإذا بَاعَ (١٩) نَسِيئةً، فلم يَمْتَثِل الأمْرَ، فلم يَسْتَحِقَّ شَيْئًا. فصل: قال أحمدُ، في رِوَايَةِ مُهَنَّا: لا بَأْسَ أن يَحْصُدَ الزَّرْعَ، ويَصْرِمَ النَّخْلَ، بِسُدُسِ ما يَخْرُجُ منه، وهو أحَبُّ إلىَّ من المُقَاطَعةِ. إنَّما جازَ ههُنا؛ لأنَّه إذا شَاهَدَه فقد عَلِمَه بالرُّؤْيةِ، وهى أعْلَى طُرُقِ العِلْمِ، ومن عَلِمَ شَيْئًا عَلِمَ جُزْأَهُ المُشَاعَ، فيكونُ أجْرًا مَعْلُومًا. واخْتارَه أحمدُ على المُقَاطَعةِ مع أنَّها جائِزَةٌ؛ لأنَّه ربَّما لم يَخْرُجْ من الزَّرْعِ (٢٠) مثلُ الذي قاطَعَه عليه، وههُنا يكونُ أقَلَّ منه ضَرُورَة. ٩٠١ - مسألة؛ قال: (وَكَذلِكَ الظِّئْرُ) يعني أنَّه يجوزُ اسْتِئْجارُها بطَعَامِها وكُسْوَتِها. وقد ذَكَرْنا ذلك، والخِلَافَ فيه.

стр. 3872

وأجْمَعَ أهْلُ العِلْمِ على جَوازِ اسْتِئْجارِ الظِّئْرِ، وهى: المُرْضِعَةُ. وهو في كِتَابِ اللَّه تعالى، في قولِه : ﴿فَإِنْ أَرْضَعْنَ لَكُمْ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ﴾ (١). واسْتَرْضَعَ النبيُّ ﷺ لِوَلَدِه إبْراهِيمَ (٢). ولأنَّ الحاجةَ تَدْعُو إليه فوقَ دُعَائِها إلى غيرِه، فإن الطِّفْلَ في العادَةِ إنَّما يَعِيشُ بالرَّضَاعِ، وقد يَتَعَذَّرُ رَضَاعُه من أُمِّه، فجازَ ذلك، كالإِجَارَةِ في سائِر المنَافِعِ، ثم نَنْظُرُ؛ فإن اسْتَأْجَرَها للرَّضَاعِ دُونَ الحَضَانةِ، أو لِلْحَضَانةِ دونَ الرَّضَاعِ، أولهما، جازَ. وإن أطْلَقَ العَقْدَ على الرَّضَاعِ، فهل تَدْخُلُ فيه الحَضَانَةُ؟ فيه وَجْهانِ؛ أحدُهما، لا تَدْخُلُ. وهو قولُ أبى ثَورٍ، وابنِ المُنْذِرِ؛ لأنَّ العَقْدَ ما تَنَاوَلَها. والثانى: تَدْخُلُ. وهو قولُ أصْحابِ الرَّأْى؛ لأنَّ العُرْفَ جارٍ بأن المُرْضِعَةَ تَحْضُنُ الصَّبِىَّ، فحُمِلَ الإِطْلَاقُ على ما جَرَى به العُرْفُ والعادَةُ. ولأَصْحابِ الشافِعِىِّ وَجْهَانِ، كهذَيْنِ. والحَضَانَةُ: تَرْبِيَةُ الصَّبِىِّ، وحِفْظُه، وجَعْلُه في سَرِيرِه، ورَبْطُه، ودَهْنُه، وكَحْلُه، وتَنْظِيفُه، وغَسْلُ خِرَقِه، وأشْباهُ ذلك، واشْتِقَاقُه من الحِضْنِ، وهو ما تَحْتَ الإِبْطِ وما يَلِيه. وسُمِّيَتِ التَّرْبِيةُ حَضَانةً تَجَوُّزًا، من حَضَانةِ الطَّيْرِ لِبَيْضِه وفِرَاخِه؛ لأنَّه يَجْعَلُها تحت جَنَاحَيْهِ، فسُمِّيَتْ تَرْبِيةُ الصَّبِىِّ بذلك أخْذًا من فِعْلِ الطّائِرِ. فصل: ويُشْتَرَطُ لهذا العَقْدِ أرْبَعةُ شُرُوطٍ؛ أحدُها، أن تكونَ مُدَّةُ الرَّضَاعِ مَعْلُومةً؛ لأنَّه لا يُمْكِنُ تَقْدِيرُه إلَّا بها، فإنَّ السَّقْىَ والعَمَلَ فيها يَخْتَلِفُ. الثاني، مَعْرِفةُ الصَّبِىِّ بالمُشَاهَدةِ؛ لأنَّ الرَّضَاعَ يَخْتَلِفُ بِاخْتِلافِ الصَّبِىِّ، في كِبَرِه وصِغَرِه، ونَهْمَتِه وقَنَاعَتِه. وقال القاضي: يُعْرَفُ بالصِّفَةِ، كالرَّاكِبِ. الثالث، مَوْضِعُ الرَّضَاعِ؛ لأنَّه يَخْتَلِفُ، فيَشُقُّ عليها في بَيْتِه، ويَسْهُلُ عليها في بَيْتِها. الرابع، مَعْرِفةُ العِوَضِ، وكونُه مَعْلُومًا، كما سَبَقَ.

стр. 3873

فصل: واخْتُلِفَ في المعقودِ عليه في الرَّضَاعِ، فقيل: هو خِدْمةُ الصَّبِىِّ وحَمْلُه وَوَضْعُ الثَّدْىِ في [فِيهِ، واللَّبَنُ] (٣) تبعٌ، كالصِّبْغِ في إجَارَةِ الصَّبّاغِ، وماءِ البئْرِ في الدَّارِ؛ لأنَّ اللَّبَنَ عَيْنٌ من الأعْيانِ، فلا يُعْقَدُ عليه في الإِجَارَةِ، كَلَبَنِ غيرِ الآدَمِىِّ وقيل: هو اللَّبَنُ. قال القاضي: هو أشْبَهُ؛ لأنَّه المَقْصُودَ دونَ الخِدْمةِ، ولهذا لو أرْضَعَتْه دونَ أن تَخْدُمَهُ، اسْتَحَقَّتِ الأُجْرَةَ، ولو خَدَمَتْهُ بدون الرَّضَاعِ، لم تَسْتَحِقَّ شَيْئًا، ولأنَّ اللَّه تعالى قال: ﴿فَإِنْ أَرْضَعْنَ لَكُمْ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ﴾. فجَعَلَ الأجْرَ مُرَتَّبًا على الإرْضاعِ، فيَدُلُّ على أنَّه المَعْقُودُ عليه. ولأنَّ العَقْدَ لو كان على الخِدْمةِ، لَما لَزِمَها سَقْيُه لَبَنَها. وأمَّا كونُه عَيْنًا، فإنَّما جازَ العَقْدُ عليه في الإِجَارةِ رُخْصَةً؛ لأنَّ غيرَه لا يَقُومُ مَقَامَه، والضَّرُورَةُ تَدْعُو إلى اسْتِيفَائِه، وإنَّما جازَ هذا في الآدَمِيِّينَ دونَ سائِرِ الحَيَوانِ، للضَّرُورَةِ إلى حِفْظِ الآدَمِىِّ، والحاجَةِ إلى إِبْقائِه. فصل: وعلى المُرْضِعَةِ أن تَأْكُلَ وتَشْرَبَ ما يَدِرُّ به لَبَنُها، ويَصْلُحُ به، ولِلْمُكْتَرِى مُطَالَبَتُها بذلك؛ لأنَّه من تَمامِ التَّمْكِينِ من الرَّضَاعِ، وفى تَرْكِه إضْرارٌ بالصَّبِىِّ. ومتى لم تُرْضِعْه، [وإنَّما أسْقَتْه] (٤) لَبَنَ الغَنَمِ، أو أطْعَمَتْه، فلا أجْرَ لها؛ لأنَّها لم تُوَفِّ المَعْقُودَ عليه، فأشْبهَ ما لو اكْتَراها لِخياطةِ ثَوْبٍ، فلم تَخِطْهُ. وإن دَفَعَتْه إلى خادِمَتِها فأرْضَعَتْه، فكذلك. وبه قال أبو ثَوْرٍ. وقال أصْحابُ الرَّأْى: لها أجْرُها؛ لأنَّ رَضَاعَه حَصَلَ (٥) بفِعْلِها. ولَنا، أنَّها لم تُرْضِعْه، فأشْبَهَ ما لو سَقَتْه لَبَنَ الغَنَمِ. وإن اخْتَلَفَا، فقالت: أَرْضَعْتُه. فأنْكَرَ المُسْتَرْضِعُ، فالقولُ قولُها؛ لأنَّها مُؤْتَمَنةٌ. فصل: ويجوزُ لِلرَّجُلِ أن يُؤْجِرَ أَمَتَه، ومُدَبَّرَتَه، وأُمَّ وَلَدِه، ومن عَلَّقَ عِتْقَها بصِفَةٍ، والمَأْذُونَ لها في التِّجَارَةِ، للإِرْضاعِ؛ لأنَّه عَقْدٌ على مَنْفَعَتِها، أشْبهَ إجَارَتَها لِلْخِدْمةِ. وليس لواحِدَةٍ مِنْهُنَّ إجارَةُ نَفْسِها؛ لأنَّ نَفْعَها لِسَيِّدِها. وإن كان لها وَلَدٌ،

стр. 3874

لم تَجُزْ إجَارَتُها للإِرْضاعِ، إلَّا أن يكونَ لَبَنُها (٦) فَضَلَ عن رِيِّه (٧)؛ لأنَّ الحَقَّ لِوَلَدِها، وليس لِسَيِّدِها إلَّا ما فَضَلَ عنه. وإن كانت مُزَوَّجَةً، لم تَجُزْ إجَارَتُها لذلك إلَّا بإذْنِه؛ لأنَّه يُفَوِّتُ حَقَّ الزَّوْجِ، لِاشْتِغَالِها عنه بإرْضاعِ الصَّبِىِّ وحَضَانَتِه. فإن أجَرَها للرَّضَاعِ، ثم زَوَّجَها، صَحَّ النِّكاحُ، ولا يَنْفَسِخُ عَقْدُ الإِجَارَةِ، ويكون للزَّوْجِ أن يَسْتَمْتِعَ بها في حالِ فَرَاغِها من الرَّضَاعِ والحَضَانَةِ. وقال مالِكٌ: لَيس لِزَوْجِها وَطْؤُها إلَّا بِرِضَى المُسْتَأْجِرِ؛ لأنَّه يَنْقُصُ اللَّبَنَ، وقد يَقْطَعُه. ولَنا، أنَّ وَطْءَ الزَّوْجِ مُسْتَحَقٌّ، فلا يَسْقُطُ لأمْرٍ مَشْكُوكٍ فيه. وليس لِلسَّيِّدِ إجَارَةُ مُكَاتَبَتِه؛ لأنَّ مَنَافِعَها لها (٨)، ولذلك لم يَمْلِكْ سَيِّدُها تَزْوِيجَها، ولا وَطْأَها، ولا إجارَتَها في غيرِ الرَّضَاعِ. ولها أن تُؤْجِرَ نَفْسَها؛ لأنَّه من جِهَاتِ الاكْتِسَابِ. فصل: ويجوزُ لِلرَّجُلِ اسْتِئْجارُ أُمِّه (٩)، وأُخْتِه، وابْنَتِه، لِرَضَاعِ وَلَدِه، وكذلك سائِرِ أقَارِبِه، بغيرِ خِلَافٍ. وإن اسْتَأْجَرَ امْرَأَتَه لِرَضَاعِ وَلَدِه منها، جازَ. هذا الصَّحِيحُ من مذهبِ أحمدَ، وذَكَرهُ الخِرَقىُّ فقال: وإن أرَادَتِ الأُمُّ أن تُرْضِعَه بأجْرِ مِثْلِها، فهى أحَقُّ به من غيرِها، سواءٌ كانت في حِبَالِ الزَّوْجِ أو مُطَلَّقَتَهُ. وقال القاضي: ليس لها (١٠) ذلك. وتَأَوَّلَ كَلَامَ الخِرَقِىِّ على أنَّها في حِبَالِ زَوْجٍ آخَرَ. وهذا قولُ أصْحابِ الرَّأْى. وحُكِىَ عن الشافِعِىِّ؛ لأنَّه قد اسْتَحَقَّ حَبْسَها والاسْتِمْتاعَ بها بِعِوَضٍ، فلا يجوزُ أن يَلْزَمَه عِوَضٌ آخَرُ لذلك. ولَنا، أنَّ كلَّ عَقْدٍ يَصِحُّ أن تَعْقِدَه مع غيرِ الزَّوْجِ، يَصِحُّ أن تَعْقِدَه معه، كالبَيْعِ، ولأنَّ مَنَافِعَها في الرَّضَاعِ والحَضَانةِ غيرُ مُسْتَحَقَّةٍ للزَّوْجِ، بِدَلِيلِ أنَّه لا يَمْلِكُ إجْبَارَها على حَضَانةِ وَلَدِها، ويجوزُ لها أن

стр. 3875

تَأْخُذَ عليها العِوَضَ من غيرِه، فجازَ لها أخْذُه (١١) منه، كثَمَنِ مالِها. وقولُهم: إنَّها اسْتَحَقَّتْ عِوَضَ الحَبْسِ والاسْتِمْتاعِ. قُلْنا: هذا غيرُ الحَضَانةِ، واسْتِحْقَاقُ مَنْفَعةٍ من وَجْهٍ، لا يَمْنَعُ اسْتحْقاقَ مَنْفَعةٍ سواها بعِوَضٍ آخَرَ، كما لو اسْتَأْجَرَها أَوَّلًا ثم تَزَوَّجَها. وتَأْوِيلُ القاضِى كَلَامَ الخِرَقِىِّ، يُخَالِفُ الظّاهِرَ من وَجْهَيْنِ؛ أحَدهما، أنَّ الأَلِفَ واللَّامَ في الزَّوْجِ لِلْمَعْهُودِ (١٢)، وهو زَوْجُها أبو الطِّفْلِ. والثانى، أنَّها إذا كانت في حِبَالِ زَوْجٍ آخَرَ، لا تكونُ أحَقَّ به، بل يَسْقُطُ حَقُّها من الحَضَانةِ، ثم ليس لها أن تُرْضِعَ إلَّا بإِذْنِ زَوْجِها، ففَسَدَ التَّأْوِيلُ. فصل: وتَنْفَسِخُ الإِجَارَةُ بمَوْتِ المُرْضِعَةِ؛ لِفَوَاتِ المَنْفَعةِ بهَلَاكِ مَحلِّها. وحُكِى عن أبي بكرٍ: أنَّها لا تَنْفَسِخُ، ويَجِبُ في مالِها أجْرُ مَن تُرْضِعُه تَمَامَ الوَقْتِ؛ لأنَّه كالدَّيْنِ. ولَنا، أنَّه هَلَكَ المَعْقُودُ عليه، أشْبَهَ ما لو هَلَكَتِ البَهِيمَةُ المُسْتَأْجَرَةُ. وإن ماتَ الطِّفْلُ انْفَسَخَ العَقْدُ؛ لأنَّه يَتَعَذَّرُ اسْتِيفاءُ المَعْقُودِ عليه، لأنَّه لا يُمْكِنُ إقامَةُ غيرِه مُقَامَه، لِاخْتِلافِ الصِّبْيانِ في الرِّضَاعِ، واخْتِلَافِ اللَّبَنِ بِاخْتِلَافِهِم، فإنَّه قد يَدِرُّ على أحَدِ الوَلَدَيْنِ دونَ الآخَرِ. وهذا مَنْصُوصُ الشافِعِىِّ. وإذا انْفَسَخَ العَقْدُ عَقِيبَه، بَطَلَتِ الإِجَارةُ من أصْلِها، وَرجَعَ المُسْتَأجِرُ بالأجْرِ كلِّه، وإن كان في أثْناء المُدَّةِ، رَجَعَ بحِصَّةِ ما بَقِىَ. ٩٠٢ - مسألة؛ قال: (ويُسْتَحَبُّ أنْ تُعْطَى عِنْدَ الْفِطَامِ عَبْدًا أوْ أمَةً، كَمَا جَاءَ فِي الخَبَرِ، إذا كَانَ المُسْتَرْضِعُ مُوسِرًا) يَعْنى بالخَبَرِ، ما رَوَى أبو دَاوُدَ (١)، بإسْنادِه، عن هِشَامِ بن عُرْوَةَ، عن أبِيه،

стр. 3876

عن حَجَّاجِ بن حَجَّاجٍ الأسْلَمِىّ، عن أبِيه، قال: قلتُ: يا رسولَ اللَّه، ما يُذْهِبُ عَنِّى مَذمَّةَ الرَّضَاعِ؟ قال: "الغُرَّةُ الْعَبْدُ أو الْأَمَةُ". قال التِّرْمِذِىُّ: هذا حَدِيثٌ حَسَنٌ (٢) صَحِيحٌ. قال ابن الجَوْزِىِّ: المَذِمَّةُ، بِكَسْرِ الذَّالِ، من الذِّمَام، وبِفَتْحِها من الذَّمِّ. قال ابنُ عَقِيلٍ: إنَّما خَصَّ الرَّقَبَةَ بالمُجازَاةِ بها دونَ غيرِها؛ لأنَّ فِعْلَها في (٣) إرْضَاعِه وحَضَانَتِه، سَبَبُ حَيَاتِه وبَقَائِه وحِفْظِ رَقَبَتِه، فاسْتُحِبَّ جَعْلُ الجَزَاءِ هِبَتَها رَقَبَةً، لِيُناسِبَ ما (٤) بين النّعْمةِ والشُّكْرِ، ولهذا جَعَلَ اللهُ تعالى المُرْضِعةَ أُمًّا، فقال تعالى: ﴿وَأُمَّهَاتُكُمُ اللَّاتِي أَرْضَعْنَكُمْ﴾ (٥). وقال النبيُّ ﷺ : "لَا يَجْزِى وَلَدٌ وَالِدَهُ، إلَّا أنْ يَجِدَهُ مَمْلُوكًا فَيَعْتِقَهُ" (٦). وإن كانت المُرْضِعَةُ مَمْلُوكةً، اسْتُحِبَّ إعْتَاقُها؛ لأنَّه يُحَصِّلُ أخَصَّ الرِّقَابِ بها (٧)، وتَحْصُلُ به المُجازَاةُ التي جَعَلَهَا النبيُّ ﷺ مُجازَاةً لِلْوالِدِ من النَّسَبِ. ٩٠٣ - مسألة؛ قال: (وَمَنِ اكْتَرَى دَابّةً إلَى مَوْضِعٍ (١)، فجَاوَزَه، فَعَليْهِ الأُجْرَةُ المَذْكُورَةُ، وأُجْرَةُ المِثْلِ لِمَا جَاوَزَهُ، وإنْ تَلِفَتْ فَعَلَيْهِ أيضًا قِيمَتُهَا) الكلامُ في هذه المسألة في فَصْلَيْنِ: أحَدُهما: في الأجْرِ الواجِبِ، وهو المُسَمَّى، وأجْر المِثْلِ للزّائِد. نَصَّ عليه أحمدُ

стр. 3877

ولا خِلَافِ فيه بين أصْحَابِنا، ذَكَرَ القاضِى ذلك. ورَوَى الأثْرَمُ، بإسْنادِه عن أبي الزِّنادِ، أنَّه ذَكَرَ (٢) فُقَهاءَ المَدِينَةِ السَّبْعَة، وقال: رُبَّما اخْتَلَفُوا في الشيء، فأخَذْنَا بقَولِ أكْثَرِهم وأفْضَلِهِم رَأْيًا، فكان الذي وَعَيْتُ عنهم على هذه الصِّفَةِ، أنَّ من اكْتَرَى دَابّةً إلى بَلَدٍ، ثم جاوَزَ ذلك إلى بَلَدٍ سِوَاهُ، فإنّ الدَّابةَ إن سَلِمَتْ في ذلك كلِّه، أدَّى كِرَاءهَا وكِرَاءَ ما بعدها، وإن تَلِفَتْ في [تَعَدِّيهِ بها] (٣) ضَمِنَها، وأَدَّى كِرَاءَها الذي تَكَارَاها به. وهذا قولُ الحَكَمِ، وابنِ شُبْرُمةَ، والشّافِعِىِّ. وقال الثَّوْرِىُّ، وأبو حنيفةَ: لا أجْرَ عليه لما زادَ؛ لأنَّ المَنافِعَ عندَهما لا تُضْمَنُ في الغَصْبِ. وحُكِى عن مالكٍ أنَّه إذا تَجَاوَزَ بها إلى مَسَافةٍ بَعِيدَةٍ، يُخَيَّرُ (٤) صَاحِبُها بين أَجْرِ المِثْلِ وبين المُطَالَبةِ بِقِيمَتِها يومَ التَّعَدِّى؛ لأنَّه مُتَعَدٍّ بإمْسَاكِها، حابِسٌ لها عن أسْواقِها، فكان لِصَاحِبِها تَضْمِينُها إيَّاه. ولَنا، أنَّ العَيْنَ باقِيةٌ بحَالِها، يمكن أخْذُها، فلم تَجِبْ قِيمَتُها، كما لو كانت المَسافةُ قَرِيبةً. وما ذَكَرَه تَحَكُّمٌ لا دَلِيلَ عليه، ولا نَظِيرَ له، فلا يجوزُ المَصِيرُ إليه. وقد مَضَى الكَلَامُ مع أبى حنيفةَ في الغَصْبِ. الفصلُ الثانِى: في الضَّمَانِ، ظاهِرُ كلامِ الخِرَقِىِّ وُجُوبُ قِيمَتِها إذا تَلِفَتْ به، سواءٌ تَلِفَتْ في الزِّيَادَةِ، أو بعدَ رَدِّها إلى المَسافةِ، وسواءٌ كان صَاحِبُها مع المُكْتَرِى، أو لم يكُنْ. وهذا ظاهِرُ مَذْهَبِ الفُقَهاءِ السَّبْعَة، إذا تَلِفَتْ حال التَّعَدِّى؛ لما حَكَيْنا عنهم. وقال القاضي: إن كان المُكْتَرِى نَزَلَ عنها، وسَلَّمَها إلى صَاحِبِها، لِيُمْسِكَها أو يَسْقِيَها، فتَلِفَتْ، فلا ضَمَانَ على المُكْتَرِى، وإن هَلَكَتْ (٥) والمُكْتَرِى راكِبٌ عليها، أو حِمْلُه عليها، فعليه ضَمَانُها. وقال أبو الخَطَّابِ: إن كانت يَدُ صَاحِبِها عليها، احْتَمَلَ أن يَلْزَمَ المُكْتَرِىَ جَمِيعُ قِيمَتِها، واحْتَمَلَ أن يَلْزَمَهُ نِصْفُ قِيمَتِها. وقال

стр. 3878

أصْحابُ الشافِعِىِّ: إن لم يكُنْ صَاحِبُها معها، لَزِمَ المُكْتَرِىَ قيمَتُها كلُّها، وإن كان معها فتَلِفَتْ في يَدِ صَاحِبِها، لم يَضْمَنْها المُكْتَرِى؛ لأَنَّها تَلِفَتْ في يَدِ صَاحِبها، أشْبهَ ما لو تَلِفَتْ بعد مُدَّةِ التَّعَدِّى. وإن تَلِفَتْ تحت الرّاكِبِ، ففيه قَوْلَانِ؛ أحدهما، يَلْزَمُه نِصْفُ قِيمَتِها؛ لأنَّها تَلِفَتْ بِفِعْلٍ مَضْمُونٍ وغيرِ مَضْمُونٍ، أشْبهَ ما لو تَلِفَتْ بِجِرَاحَتِه وجِرَاحةِ مَالِكِها. والثانى، تُقَسَّطُ القِيمَةُ على المَسَافَتَيْنِ، فما قابَلَ مَسَافةَ الإِجَارَةِ سَقَطَ، وَوَجَبَ الباقِى. ونحوُ هذا قولُ أبى حنيفةَ، فإنَّه قال: (٦) من اكْتَرَى جَمَلًا لِحَمْلِ تِسْعَةٍ، فَحَمَلَ عَشَرَةً، فتَلِفَ، فعلى المُكْتَرِى عُشْرُ قِيمَتِه. ومَوضِعُ الخِلَافِ في لُزُومِ كَمالِ القِيمَةِ إذا كان صَاحِبُها مع رَاكِبِها، أو تَلِفَتْ في يَدِ صَاحِبِها. فأمَّا إذا تَلِفَتْ حالَ التَّعَدِّى، ولم يكنْ صَاحِبُها مع رَاكِبِها، فلا خِلَافَ في ضَمَانِها بكَمالِ قِيمَتِها؛ لأنَّها تَلِفَتْ في يَدٍ عَادِيَةٍ، فوَجَبَ ضَمَانُها كالمَغْصُوبةِ. وكذلك إذا تَلِفَتْ تحتَ الرّاكِبِ، أو تَحْتَ حِمْلِه، وصَاحِبُها معها؛ لأنَّ اليَدَ للرّاكِبِ وصاحِبِ الحِمْلِ، بِدَلِيلِ أنَّهما لو تَنَازَعا دَابّةً أحَدُهُما رَاكِبُها، أو له عليها حِمْلٌ، والآخَرُ آخِذٌ بِزِمَامِها، لَكانت للرّاكِبِ ولِصَاحِبِ الحِمْلِ. ولأنَّ الرّاكِبَ مُتَعَدٍّ بالزِّيادَةِ، وسُكُوتُ صاحِبِها لا يُسْقِطُ الضَّمَانَ، كمن جَلَسَ إلى إنْسانٍ فحَرَقَ ثِيَابَه وهو ساكِتٌ. ولأنَّها إن تَلِفَتْ بِسَبَبِ تَعَبِها، فالضَّمانُ على المُتَعَدِّى، كمن ألْقَى حَجَرًا في سَفِينَةٍ مُوقَرَةٍ فَغَرَّقَها. فأمَّا إن تَلِفَتْ في يَدِ صَاحِبها بعدَ نُزُولِ الرّاكِبِ عنها، فيُنْظَرُ؛ فإن كان تَلَفُها بِسَبَبِ تَعَبِها بالحِمْلِ والسَّيْرِ، فهو كما لو تَلِفَتْ تحت الحِمْلِ والرَّاكِبِ، وإن تَلِفَتْ بِسَبَبٍ آخرَ من افْتِراسِ سَبُعٍ أو سُقُوطٍ في هُوَّةٍ ونحوِ ذلك، فلا ضَمَانَ فيها؛ لأنَّها لم تَتْلَفْ في يَدٍ عَادِيَةٍ، ولا بِسَبَبِ عُدْوانٍ. وقولهم: تَلِفَتْ (٧) بِفِعْلٍ مَضْمُونٍ

стр. 3879

وغيرِ مَضْمُونٍ، أشْبَهَ ما لو تَلِفَتْ بجِرَاحَتَيْنِ. يَبْطُلُ بما إذا قُطِعَ السَّارِقُ، ثم قَطَعَ آخَرُ يَدَه عُدْوانًا، فماتَ منهما، وفارَقَ ما ذكَرْنا (٨) إذا جَرَحَ نَفْسَه وجَرَحَه غيرُه؛ لأنَّ الفِعْلَيْنِ عُدْوانٌ، فَقُسِّمَ الضَّمَانُ عليهما. فصل: ولا يَسْقُطُ الضَّمانُ بِرَدِّها إلى المَسَافةِ. وبه قال أبو حنيفةَ، وأبو يُوسُفَ، والشافِعِىُّ. وقال محمدٌ: يَسْقُطُ، كما لو تَعَدَّى في الوَدِيعةِ، ثم رَدَّها. ولَنا، أنها يَدٌ صارتْ (٩) ضامِنَةً، فلا يَزُولُ الضَّمانُ عنها إلَّا بإذْنٍ جَدِيدٍ، ولم يُوجَدْ. وما ذَكَرُوه في الوَدِيعةِ لا نُسَلِّمُه إلَّا أن يَرُدَّها إلى مالِكِها، أو يُجَدِّدَ له إِذْنًا. ٩٠٤ - مسألة؛ قال: (وكَذلِكَ إنِ اكْتَرَى لِحُمُولَةِ شَىْءٍ، فَزَادَ عَلَيْهِ) [وجملةُ ذلك أنَّ مَن اكْتَرَى لِحَمْلِ شيءٍ، فزَادَ عليه] (١)، مثل أن يَكْتَرِيهَا لِحَمْلِ قَفِيزَيْنِ، فحَمَلَ ثَلَاثةً، فحُكْمُه حُكْمُ مَن اكْتَرَى إلى مَوْضِعٍ فجاوَزَه (٢)، في وُجُوبِ الأجْرِ المُسَمَّى، وأجْرِ المِثْلِ لما زادَ، ولُزُومِ الضَّمَانِ إن تَلِفَتْ. هذا قولُ الشافِعِىِّ. وحَكَى القاضِى أن قولَ أبى بكرٍ في هذه المَسْأَلةِ وُجُوبُ أجْرِ المِثْلِ في الجَميعِ، وأخَذَهُ من قولِه في من اسْتَأْجَرَ أرْضًا لِيَزْرَعَها شَعِيرًا، فزَرَعَها حِنْطةً، قال: عليه أجْرُ المِثْلِ لِلْجَمِيعِ؛ لأنَّه عَدَلَ عن المَعْقُودِ عليه إلى غيرِه، فأشْبَهَ ما لو اسْتَأْجَرَ أرْضًا، فزَرَعَ أُخْرَى. فجَمَعَ القاضي بين مَسْأَلةِ الخِرَقِيِّ ومَسْأَلةِ أبى بكرٍ، وقال: يُنْقَلُ قولُ كلِّ واحدٍ من إحْدَى المَسْأَلَتَينِ إلى الأُخْرى، لتَسَاوِيهِما في أنَّ الزِّيادَةَ لا تَتَمَيَّزُ، فيكونُ في المَسْأَلَتَيْنِ وَجْهانِ. وليس الأمْرُ كذلك، فإن بين المسْألَتَيْنِ فَرْقًا ظاهِرًا، فإنَّ الذي حَصَلَ التَّعَدِّى فيه في الحَمْلِ مُتَمَيِّزٌ عن (٣) المَعْقُودِ عليه، وهو القَفِيزُ الزائِدُ، بخِلَافِ الزَّرْعِ، ولأنَّه في مسْألةِ الحمْلِ اسْتَوْفَى المَنْفعةَ المَعْقُودَ عليها

стр. 3880

وزَادَ، وفى الزَّرْعِ لم يَزْرَعْ ما وَقَعَ العَقْدُ عليه، ولهذا عَلَّلَه أبو بكرٍ بأنَّه عَدَلَ عن المَعْقُودِ عليه، ولا يَصِحُّ هذا القولُ في مَسْألةِ الحمْلِ، فإنَّه قد حَمَلَ المَعْقُودَ عليه وزَادَ عليه، بل إلحاقُ هذه المَسْألةِ بما إذا اكْتَرَى مسافَةً فزادَ عليها أشَدُّ، وشَبَهُها بها أشَدُّ، ولأنَّه في مَسْأَلةِ الحمْلِ مُتَعَدٍّ بالزِّيادَةِ وحدَها، وفي مَسْألةِ الزَّرْعِ مُتَعَدٍّ بالزَّرْعِ كلِّه، فأشْبَهَ الغاصِبَ. فأمَّا مَسْأَلَةُ الزَّرْعِ فيما إذا اكْتَرَى أرْضًا ليزْرعَ (٤) الشَّعِيرَ، فزَرَعَ حِنْطةً، فقد نَصَّ أحمدُ، في رِوَايَةِ عبدِ اللَّه، فقال: يَنْظُرُ ما يَدْخُلُ على الأرْضِ من النُّقْصانِ ما بين الحِنْطةِ والشَّعِيرِ، فيُعطِى رَبَّ الأرْضِ. فجعل هذه المَسألة كمَسْأَلتَىِ الخِرَقِىِّ، في إيجابِ المُسَمَّى وأجْرِ المِثْلِ لِلزّائِدِ (٥). وَوَجْهُه أنَّه لمَّا عَيَّنَ الشَّعِيرَ، لم يَتَعَيَّنْ، ولم يَتَعَلَّق العَقْدُ بِعَيْنِه، كما سَبَقَ ذِكْرُه، ولهذا قُلْنا: له زَرْعُ مِثْلِه، وما هو دُونَه في الضَّرَرِ. فإذا زَرَعَ حِنْطةً، فقد اسْتَوْفَى حَقَّه وزِيَادَةً، أشْبَه ما لو اكْتَراها إلى مَوْضِعٍ فجَاوَزَه. وقال أبو بكرٍ: له أجْرُ المِثْلِ. وعَلَّلَه بأنَّه عَدَلَ عن المَعْقُودِ عليه، فإنَّ الحِنْطةَ ليست شَعِيرًا وزِيَادَةً. وإن قُلْنا: إنَّه قد اسْتَوْفَى المَعْقُودَ عليه وزِيَادةً، غيرَ أنَّ الزِّيادَةَ ليست مُتَمَيِّزةً عن المَعْقُودِ عليه. بخِلَافِ مَسْأَلَتَىِ الخِرَقِىّ. وقال الشافِعِىُّ: المُكْرِى (٦) يُخَيَّرُ بين أخْذِ الكِرَاءِ وما نَقَصَتِ الأرْضُ عمَّا ينْقُصُها الشَّعِيرُ، وبين أخْذِ كِرَاءِ مِثْلِها لِلْجَمِيع؛ لأنَّ هذه المَسْألةَ أخَذَتْ شَبَهًا من أصْلَيْنِ؛ أحدهما، إذا رَكِبَ دَابّةً فجَازَ بها المَسَافَةَ المَشْرُوطةَ (٧)؛ لكَوْنِه اسْتَوْفَى المَعْقُودَ عليه وزِيَادَةً. والثانى، إذا اسْتَأْجَرَ أرْضًا فزَرَعَ غيرَها؛ لأنَّه زَرَعَ مُتَعَدِّيًا، فلهذا خَيَّرَهُ بينهما، ولأنَّه وُجِدَ سَبَبٌ يَقتَضِى كلَّ واحدٍ من الحُكْمَيْنِ، وتَعَذَّرَ الجَمْعُ بينهما، فكان له أوْفَرُهما. وفَوَّضَ اخْتِيارَه إلى المُسْتَحقِّ، كقَتْلِ العَمْدِ. ومن نَصَرَ أبا بكرٍ،

стр. 3881

قال: هذا مُتَعَدٍّ بالزَّرْعِ كلِّه، فكان عليه أجْرُ المِثْلِ، كالغاصِبِ، ولهذا يَمْلِكُ رَبُّ الأرْضِ مَنْعَه من زَرْعِه، ويَمْلِكُ أخْذَه بِنَفَقَتِه إذا زَرَعَه. ويُفَارِقُ مَن زادَ على حَقِّه زَيادَةً مُتَمَيِّزةً، فإنَّه غيرُ مُتَعَدٍّ بالجَمِيعِ، إنَّما تَعَدَّى بالزِّيادَةِ وحدَها، ولهذا لا يَمْلِكُ المُكْرِى مَنْعَه من الجميعِ، ونَظِيرُ هاتَيْنِ المسْألَتَيْنِ، مَن اكْتَرَى غُرْفَةً لِيَجْعَلَ فيها أقْفِزَةَ حِنْطَةٍ، فتَرَكَ فيها أكْثَرَ منها، ومن اكْتَراها لِيَجْعَلَ فيها قِنْطارًا من القُطْنِ، فجَعَلَ فيها قِنْطارًا من حَدِيدٍ، ففى الأُولَى، له المُسَمَّى وأجْرُ الزِّيَادةِ، وفى الثانيةِ يُخَرَّجُ فيها من الخِلَافِ مثلُ ما قُلْنا في مَسْألةِ الزَّرْعِ. وحُكْمُ المُسْتَأْجِرِ الذي يَزْرَعُ أضَرَّ ممَّا اكْتَرَى له، حُكْمُ الغاصِبِ، لِرَبِّ الأرْضِ مَنْعُه في الابْتِداءِ، لما يَلْحَقُه من الضَّرَرِ، فإن زَرَعَ، فرَبُّ الأرْضِ مُخَيَّرٌ بين تَرْكِ الزَّرْعِ بالأجْرِ، وبينَ أخْذِه ودَفْع النَّفَقةِ، وإن لم يَعْلَمْ حتى أخَذَ المُسْتَأْجِرُ زَرْعَه، فله الأُجْرَةُ لا غيرُ، على ما ذَكَرْنا في بابِ الغَصْبِ. فصل: وإن اكْتَرَى دَابّةً إلى مَسَافةٍ، فسَلَكَ أشَقَّ منها، فهى مثلُ مَسْألةِ الزَّرْعِ، يُخَرَّجُ فيها وَجْهانِ، قِياسُ المَنْصُوصِ عن أحمدَ، أنَّ له الأجْرَ المُسَمَّى وزِيَادَةً، لكَوْنِ المسَافةِ لا تَتَعَيَّنُ على قولِ أصْحابِنا، وقِياسُ قولِ أبى بكرٍ، أنَّ له أجْرَ المِثْلِ؛ لأنَّ الزِّيادةَ غيرُ مُتَمَيِّزةٍ، ولأنَّه مُتَعَدٍّ بالجميعِ، بِدَلِيلِ أنَّ لِرَبِّ الدَّابةِ مَنْعَه من سُلُوكِ تِلك الطَّرِيقِ كلِّها، بخِلَافِ من سَلَكَ تلك (٨) الطَّرِيقَ وجاوَزَ، فإنَّه إنما يَمْنَعُه الزِّيَادَةَ لا غيرُ. وإن اكْتَرَى لِحَمْلِ قُطْنٍ فحَمَلَ بِوَزْنِه حَدِيدًا، أو لِحَمْلِ حَدِيدٍ فحَمَلَ قُطْنًا، فعليه (٩) أجْرُ المِثْلِ ههُنا؛ لأنَّ ضَرَرَ أحَدِهِما مُخالِفٌ لِضَرَرِ الآخَرِ (١٠)، فلم يَتَحَقَّقْ كونُ المَحْمُولِ مُشْتَمِلًا على المُسْتَحقِّ بعَقْدِ الإِجَارةِ وزِيَادَةٍ عليه، بخِلَافِ ما قبلَها من المَسائِلِ. وسائِرُ مَسَائِلِ العُدْوانِ في الإِجَارةِ يُقَاسُ على ما ذَكرْنا من المسائِلِ ما كان مُتَمَيِّزًا، وما لم يكُنْ مُتَمَيِّزا فتُلْحَقُ كلُّ مَسْألةٍ بِنَظِيرَتِها.

стр. 3882

فصل: إذا أَكْراهُ لِحَمْلِ قَفِيزَيْن، فحَمَلَهُما، فوَجَدَهُما ثَلاثةً، فإن كان المُكْتَرِى تَوَلَّى الكَيْلَ ولم يَعْلَمِ المُكْرِى بذلك، فحُكْمُه حُكْمُ من اكْتَرَى لِحمُولةِ شيءٍ فزَادَ عليه، وإن كان المُكْرِى تَوَلَّى كَيْلَه وتَعْبِئَتَه ولم يَعْلَم المُكْتَرِى بذلك (١١)، فهو غاصِبٌ، لا أجْرَ له في حَمْلِ الزّائدِ. وإن تَلِفَتْ دَابَّتُه، فلا ضَمانَ لها؛ لأنَّها تَلِفَتْ بِعُدْوانِ صاحِبِها، وحُكْمُه في ضَمانِ الطَّعامِ، حُكْمُ من غَصَبَ طَعَامَ غيرِه. وإن تَوَلَّى ذلك أجْنَبِىٌّ، ولم يَعْلَم المُكْرى والمُكْتَرِى، فهو مُتَعدٍّ عليهما، يَلْزَمُه لِصَاحِبِ الدَّابةِ الأجْرُ، ويَتَعَلَّقُ به الضَّمانُ، ويَلْزَمُه لِصَاحِبِ الطّعامِ ضَمَانُ طَعَامِه، وسواءٌ كَالَهُ أحَدُهُما وَوَضَعَه الآخَرُ على ظَهْرِ الدّابّةِ، أو كان الذي كالَه وعَبَّاهُ وَضَعَه على ظَهْرِها. وقال أصحابُ الشافِعِيِّ، في أحدِ الوَجْهَيْنِ: إذا كَالَهُ المُكْتَرِى وَوَضَعَه المُكْرِى على ظَهْرِ البَهِيمةِ، لا ضَمانَ على المُكْتَرِى؛ لأنَّ المُكْرِىَ مُفَرِّطٌ في حَمْلِه. ولَنا، أن التَّدْلِيسَ (١٢) من المُكْتَرِى، إذ أخْبَرَه بِكَيْلِها على خِلَافِ ما هو به، فلَزِمَه الضَّمانُ، كما لو أمَرَ أجْنَبِيًّا بِتَحْمِيلِها. فأمَّا إن كَالَها المُكْتَرِى، ورَفَعَها المُكْرِى على الدّابّةِ. عَالِمًا بِكَيْلِها، لم يَضْمَن المُكْتَرِى دَابّتهَ إذا تَلِفَتْ؛ لأنَّه فَعَلَ ذلك من غير تَدْلِيسٍ ولا تَغْرِيرٍ. وهل له أجْرُ القَفِيزِ الزّائِدِ؟ يَحْتَمِلُ وَجْهَيْنِ؛ أحدهما، لا أجْرَ له؛ لأنَّ المُكْتَرِىَ لم يَجْعَلْ له على ذلك أجْرًا. والثانى، له أجْرُ الزّائِدِ، لأنَّهما اتّفَقَا على حَمْلِه على سَبِيلِ الإِجَارةِ، فجَرَى مَجْرَى المُعاطَاةِ في البَيْعِ ودُخُولِه (١٣) الحَمَّامَ من غيرِ تَقْدِير أجْرٍ (١٤). وإن كَالَه المُكْرِى، وحَمَلَه المُكْتَرِى على الدَّابَّةِ عَالِمًا بذلك من غير أن يَأْمُرَه بِحَمْلِه عليها، فعليه أجْرُ القَفِيزِ الزّائِدِ. وإن أمَرَه بحَمْلِه عليها، ففى وُجُوبِ الأجْرِ وَجْهانِ، كما لو حَمَلَه المُكْرِى عليها؛ لأنَّه إذا أمَرَ به كان ذلك كفِعْلِه،

стр. 3883

وإن كَالَه أحَدُهُما وحَمَلَه أجْنَبِىٌّ بأَمْرِه، فهو كما لو حَمَلَه الذي كَالَهُ، وإن كان بأمْرِ الآخَرِ، فهو كما لو حَمَلَهُ الآخَرُ، وإن حَمَلَهُ بغيرِ أمْرِهِما، فهو كما لو كَالَه ثم حَمَلَهُ. ٩٠٥ - مسألة؛ قال: (وَلَا يَجُوزُ أنْ يَكْتَرِىَ مُدَّةَ (١) غَزَاتِهِ) هذا قولُ أكْثَر أهْلِ العِلْمِ، منهم الأوْزاعِىُّ، والشافِعِىُّ، وأصْحابُ الرَّأْى. وقال مالِكٌ: قد عُرِفَ وَجْهُ ذلك، وأرْجُو أن يكونَ حَقِيقًا. ولَنا، أنَّ هذه إجَارَةٌ، في مُدَّةٍ مَجْهُولةٍ، وعَمَلٍ مَجْهُولٍ، فلم يَجُزْ، كما لو اكْتَرَاها (٢) لِمُدَّةِ سَفَرِه في تِجَارَتِه، ولأنَّ مُدَّةَ الغَزَاةِ تَطُولُ وتَقْصُرُ، ولا حَدَّ لها تُعْرَفُ به، والعَمَلُ فيها يَقِلُّ ويَكْثُرُ، ونِهايةُ سَفَرِهِم تَقْرُبُ وتَبْعُدُ، فلم يَجُز التَّقْدِيرُ بها، كغَيْرِها من الأسْفارِ المَجْهُولةِ. فإن فَعَلَ ذلك، فله أجْرُ المِثْلِ؛ لأنَّه عَقَدَ على عِوَضٍ لم يُسَلَّمْ له، لِفَسَادِ العَقْدِ، فوَجَبَ أجْرُ المِثْلِ، كسائِر الإِجَاراتِ الفاسِدَةِ. ٩٠٦ - مسألة؛ قال: (فَإنْ سَمَّى لِكُلِّ يَوْمٍ شَيْئًا مَعْلُومًا، فَجَائِزٌ) وجملتُه أنَّ مَن اكْترَى فَرَسًا مُدَّةَ غَزْوِه، كلَّ يوم بِدِرْهمٍ، فالمَنْصُوصُ عن أحمدَ صِحَّتُه. وقال الشافِعِىُّ: هذا فاسِدٌ؛ لأنَّ مُدَّةَ الإِجارَةِ مَجْهُولةٌ. ولَنا، أنَّ عَلِيًّا، رَضِىَ اللَّه عنه، أجَرَ نَفْسَه كلَّ دَلْوٍ بِتَمْرَةٍ (١)، وكذلك الأنْصارِىُّ (٢)، ولم يُنْكِرْه النبيُّ ﷺ ، ولأنَّ كلَّ يومٍ مَعْلُومٌ مُدَّتُه وأُجْرَتُه، فصَحَّ، كما لو قال: أجَرْتُكَها شَهْرًا، كلَّ يومٍ بدِرْهَمٍ. أو قال: اسْتَأْجَرْتُكَ لِنَقْلِ هذه الصُّبْرةِ، كلَّ قَفِيزٍ بدِرْهَمٍ. ولا بُدَّ من تَعْيِينِ ما يَسْتَأْجِرُ له، إمَّا لِرُكُوبٍ، أو حَمْلٍ مَعْلُومٍ. ويَسْتَحِقُّ الأجْرَ المُسَمَّى لكلِّ يومٍ، سواءٌ كانت مُقِيمَةً أو سائِرَةً؛ لأنَّ المنافِعَ ذَهَبَتْ في مُدَّتِه (٣)، فأشْبَهَ

стр. 3884

ما لو اكْتَرَى دَارًا، فأغْلَقَها ولم يَسْكُنْها. وإن أجَرَ نَفْسَه لِسَقْىِ نَخْلٍ، كلَّ دَلْوٍ بِتَمْرَةٍ، أو بِفَلْسٍ، أو أجْرٍ مَعْلُومٍ، جازَ؛ للأَثَرِ الوارِدِ فيه. ولأنَّ كلَّ عَمَلٍ مَعْلومٍ له عِوَضٌ مَعْلومٌ، فجازَ، كما لو سَمَّى دِلَاءً مَعْرُوفةً. ولا بدَّ من مَعْرِفَةِ الدّلْوِ والبِئْرِ وما يَسْتَقِى (٤) به؛ لأنَّ العَمَلَ يَخْتَلِفُ به. فصل: ونَقَلَ أبو الحارِثِ، عن أحمدَ، في رَجْلٍ اسْتَأْجَرَ دَابَةً، في عَشْرَةِ أيامٍ، بعَشْرَةِ دَرَاهِمَ، فإن حَبَسَها أكْثَرَ من ذلك، فله بكلِّ يومٍ دِرْهَمٌ، فهو جائِزٌ. ونَقَلَ ابنُ منصورٍ عنه، في مَن اكْتَرَى دَابّةً من مَكّةَ إلى جدَّةَ بكذا، فإن ذَهَبَ إلى عَرَفَات بكذا، فلا بَأْسَ. ونَقَلَ عبدُ اللَّه عنه، لو قال: أكْرَيْتُكَها (٥) بِعَشرَةٍ. فما حَبَسَها فعليه كلَّ (٦) يومٍ عَشَرَةٌ. وهذه الرِّوَاياتُ تَدُلُّ على أنَّ مَذْهَبَه أنَّه متى قَدَّرَ لكلِّ عَمَلٍ مَعْلُومٍ أجْرًا مَعْلُومًا، صَحَّ. وتَأَوَّلَ (٧) القاضي هذا كلَّه، على أنَّه يَصِحُّ في الأَوّلِ ويَفْسُدُ في الثاني؛ لأنَّ مُدَّتَه غيرُ مَعْلُومةٍ، فلم يَصِحَّ العَقْدُ فيه، كما لو قال: اسْتَأْجَرْتُكَ لِتَحْمِلَ لي هذه الصُّبْرَةَ، وهى عَشْرَةُ أقْفِزَةٍ، بِدِرْهَمٍ، وما زاد فبِحُسْبانِ (٨) ذلك. والظاهِرُ خِلَافُ هذا؛ فإنَّ قولَه: فهو جائِزٌ. عادَ إلى جَمِيعِ ما ذَكَرَ قَبْلَه، وكذلك قولُه: لا بَأْسَ. ولأنَّ لِكُلِّ عَمَلٍ عِوَضًا مَعْلُومًا، فصَحَّ، كما لو اسْتَقَى له كلَّ دَلْوٍ بِتَمْرَةٍ، وقد ثَبَتَ الأصْلُ بالخَبَرِ الوارِدِ فيه، ومَسْأَلةُ الصُّبْرةِ لا نَصَّ فيها عن الإِمامِ، وقِيَاسُ نُصُوصِه صِحّةُ الإِجَارَةِ، وإن (٩) سُلِّمَ فَسَادُها، فلأنَّ القُفْزانَ التي شَرَطَ حَمْلَها غيرُ مَعْلُومةٍ بِتَعْيِينٍ ولا صِفَةٍ، وهى مُخْتَلِفةٌ، فلم يَصِحَّ العَقْدُ لِجَهالَتِها، بِخِلَافِ الأيَّامِ، فإنَّها مَعْلُومَةٌ.

стр. 3885

فصل: وإن قال: إن خِطْتَ هذا الثَّوْبَ اليوم فلك دِرْهَمٌ، وإن خِطْتَه غَدًا فلك نصْفُ دِرْهَمٍ. فعن أحمدَ فيه رِوَايَتانِ؛ إحداهُما، لا يَصِحُّ، وله أجْرُ المِثْلِ. نَقَلَها أبو الحارِثِ، عن أحمدَ. وهذا مذهبُ مالِكٍ، والثَّوْرِىِّ، والشافِعِىِّ، وإسْحاقَ، وأبى ثَوْرٍ؛ لأنَّه عَقْدٌ واحِدٌ، اخْتَلَفَ فيه العِوَضُ بالتَّقْدِيمِ والتّأْخِيرِ، فلم يَصِحَّ، كما لو قال: بِعْتُكَ نَقْدًا بِدِرْهَمٍ أو بِدِرْهَمَيْنِ نَسِيئةً. والثانية، يَصِحُّ. وهو قولُ الحارِثِ العُكْلِىِّ، وأبى يوسفَ، ومحمدٍ؛ لأنَّه سَمَّى لكلِّ عَمَلٍ عِوَضًا مَعْلُومًا، فصَحَّ، كما لو قال: كلّ دَلْوٍ بِتَمْرَةٍ. وقال أبو حنيفةَ: إن خَاطَهُ اليومَ فله دِرهَمٌ، وإن خَاطَه غَدًا لا يُزَادُ على (١٠) دِرْهَمٍ، ولا يَنْقُصُ عن نِصْفِ دِرْهَمٍ؛ لأنَّ المُؤْجِرَ قد جَعَلَ له نِصْفَ دِرْهَمٍ، فلا يَنْقُصُ منه، وهو قد رَضِىَ في أكْثَر العَمَلَيْنِ بِدِرْهَمٍ، فلا يُزَادُ عنه. وهذا لا يَصِحُّ؛ لأنَّه إن صَحَّ العَقْدُ فله المُسَمَّى، وإن فَسَدَ فوُجُودُه كالعَدَمِ، ويَجِبُ أجْرُ المِثْلِ، كسائِرِ العُقُودِ الفاسِدَةِ. فصل: وإن قال: إن خِطْتَه رُومِيًّا فلك دِرْهَمٌ، وإن خِطْتَه فارِسِيًّا فلك نَصْفُ دِرْهَمٍ. ففيها وَجْهانِ، بِنَاءً على التي قَبْلَها. والخِلَافُ فيها كالتى قَبْلَها؛ [إلَّا أنَّ] (١١) أبا حَنِيفةَ وافَقَ صاحِبَيْه (١٢) في الصِّحَّةِ ههُنا. ولَنا، أنَّه عَقْدُ مُعَاوَضةٍ لم يَتَعَيَّنْ فيه العِوَضُ ولا المُعَوَّضُ، فلم يَصِحَّ. كما لو قال: بِعْتُكَ هذا بِدِرْهَمٍ، أو هذا بِدِرْهَمَيْنِ. وفَارَقَ هذا كلَّ دَلْوٍ بِتَمْرةٍ، من وَجْهَيْنِ؛ أحدهما، أنَّ العَمَلَ الثانىَ يَنْضَمُّ إلى العَمَلِ الأَوَّلِ، ولكلِّ واحدٍ منهما عِوَضٌ مُقَدَّرٌ، فأشْبَهَ ما لو قال: بِعْتُكَ هذه الصُّبْرةَ، كلَّ قَفِيزٍ بدِرْهَمٍ. وههُنا الخِيَاطَةُ واحدةٌ، شَرَطَ فيها عِوَضًا إن وُجِدَتْ على صِفَةٍ، وعِوَضًا آخَرَ إن وُجِدَتْ على أُخْرَى، فأشْبَهَ ما لو باعَهُ بِعَشَرَةٍ صِحَاحٍ، أو [أحَدَ عَشرَ] (١٣) مُكَسَّرَةً. والثانى، أنَّه وَقَفَ الإِجارَةَ على شَرْطٍ، بقوله: إن خِطْتَه كذا فلك

стр. 3886

كذا، وإن خِطْتَه كذا فلك كذا. بخِلَافِ قولِه: كلّ دَلْوٍ بِتَمْرَةٍ. فصل: ونَقَلَ مُهَنَّا، عن أحمدَ في مَن اسْتَأْجَرَ من حَمّالٍ إلى مِصْرَ (١٤) بأَرْبَعِينَ دِينَارًا، فإن نَزِلَ دِمَشْقَ فكِرَاؤُه ثَلَاُثونَ، فإن نَزَلَ الرّقَّةَ فكِرَاؤُه عِشْرُونَ. فقال: إذا اكْتَرَى إلى الرّقَّةِ بِعِشْرِينَ، واكْتَرَى إلى دِمَشْقَ بِعَشَرَةٍ، واكْتَرَى إلى مِصْرَ بعَشَرَةٍ، جازَ، ولم يكُنْ لِلْحَمَّالِ أن يَرْجعَ. فظاهِرُ هذا، أنَّه لم يَحْكُمْ بصِحَّةِ العَقْدِ الأَوَّلِ؛ لأنَّه في مَعْنَى بَيْعَتَيْنِ في بَيْعَةٍ، لِكَوْنِه خَيَّرَهُ بين ثَلَاثةِ عُقُودٍ. ويُخَرَّجُ فيه أن يَصِحَّ، بنَاءً على المَسْأَلَتَيْنِ قبلَ هذا. ونَقَلَ البُرْزَاطِىُّ (١٥)، عن أحمدَ، في رَجُلٍ اسْتَأْجَرَ رَجُلًا يَحْمِلُ له كِتَابًا إلى الكُوفَةِ، وقال: إن أَوْصَلْت (١٦) الكِتَابَ يوم كذا وكذا فلك عِشْرُونَ، وإنْ تَأَخَّرْتَ بعدَ ذلك بيومٍ فلك عَشَرَةٌ. فالإِجَارَةُ فاسِدَةٌ، وله أجْرُ مثلِه. وهذا مِثْلُ الذي قبلَه. ونَقَلَ عبدُ اللَّه، في من اكْتَرَى دَابَّةً، وقال: إن رَدَدْتَها غدًا فكِرَاؤُها عَشَرَةٌ، وإن رَدَدْتَها اليومَ فكِرَاؤُها خَمْسَةٌ. فلا بَأْسَ. وهذه الرِّوَايةُ تَدُلُّ على صِحَّةِ الإِجَارَةِ، والظاهِرُ عن أحمدَ، في رِوَايةِ الجَماعَةِ، فيما ذَكَرْنا، فَسَادُ العَقْدِ، وهو قِيَاسُ بَيْعَتَيْنِ في بَيعةٍ. واللهُ أعلمُ. فصل: في مسائِل الصُّبْرَةِ، وفيها عَشْرُ مَسَائِلَ، أحدها، قال: اسْتَأْجَرْتُكَ لِتَحْمِلَ لي هذه الصُّبْرَةَ إلى مِصْرَ بعَشَرَةٍ. فالإِجَارَةُ صَحِيحَةٌ، بغير خِلَافٍ نَعْلَمُه؛ لأنَّ الصُّبْرَةَ مَعْلُومةٌ بالمُشَاهَدَةِ التي يجوزُ بَيْعُها بها، فجازَ الاسْتِئْجارُ عليها، كما لو عَلِمَ كَيْلَها (١٧). الثانية، قال: اسْتَأْجَرْتُكَ لتَحْمِلَها لي (١٨) كلَّ قَفِيزٍ بدِرْهَمٍ. فيَصِحُّ أيضًا. وبه قال الشافِعِيُّ. وقال أبو حنيفةَ: يَصِحُّ في قَفِيزٍ، ويَبْطُلُ فيما زادَ. ومَبْنَى

стр. 3887

الخِلَافِ على الخِلَافِ في بَيْعِها، وقد ذَكَرْنَاهُ. الثالثة، قال: لِتَحْمِلَها لي قَفِيزًا (١٩) بدِرْهَمٍ، وما زادَ فبِحِسَابِ ذلك. فيجوزُ، كما لو قال: كلَّ قَفِيزٍ بدِرْهَمٍ. وكذلك كلُّ لَفْظٍ يَدُلُّ على إرَادَةِ حَمْلِ جَمِيعِها، كقوله: لِتَحْمِلَ منها قَفِيزًا بدِرْهَمٍ، وسائِرَها أو باقِيها بحِسَابِ ذلك. أو قال: وما زادَ بحِسَابِ ذلك. يُرِيدُ به باقِيَها كلَّه، إذا فَهِمَا ذلك من اللَّفْظِ، لِدَلَالَتِه عندهما عليه، أو لِقَرِينَةٍ صُرِفَتْ إليه. الرابعة، قال: لِتَحْمِلَ منها قَفِيزًا بدِرْهَمٍ، وما زادَ فبِحِسَابِ ذلك. يُرِيدُ مهما حَمَلْتَ من باقِيَها. فلا يَصِحُّ. ذَكَرَه القاضي، وهو مذهبُ الشافِعيِّ؛ لأنَّ المَعْقُودَ عليه بعضُها، وهو مَجْهُولٌ. ويَحْتَمِلُ أن يَصِحَّ؛ لأنَّه في مَعْنَى كلَّ دَلْوٍ بِتَمْرَةٍ. الخامسة، قال: لِتَنْقُلَ لي منها كلَّ قَفِيزٍ بدِرْهَمٍ. فهى كالرَّابعةِ سواءً. السادسة، قال: لِتَحْمِلَ منها قَفِيزًا بدِرْهَمٍ، على أن تَحْمِلَ الباقِى بحِسَابِ ذلك. فلا يَصِحُّ؛ لأنَّه في مَعْنَى بَيْعَتَيْنِ في بَيْعةٍ. ويَحْتَمِلُ أن يَصِحَّ؛ لأنَّ مَعْناه لِتَحْمِلَ لي كلَّ قَفِيزٍ منها (٢٠) بِدِرْهَمٍ. السابعة، قال: لِتَحْمِلَ لي هذه الصُّبْرةَ، كلَّ قَفِيزٍ بدِرْهَمٍ، وتَنْقُلَ لي صُبْرَةً أخرى في البَيْتِ بحِسَابِ ذلك. فإن كانا يَعْلَمانِ الصُّبْرةَ التي في البَيْتِ بالمُشَاهَدةِ، صَحَّ فيهما؛ لأنَّهما كالصُّبْرَةِ الواحِدَةِ، وإن جَهِلَها أحَدُهُما، صَحَّ في الأُولَى وبَطَلَ في الثانيةِ؛ لأنَّهما عَقْدَانِ أحَدُهُما على مَعْلُومٍ، والثانى على مَجْهُولٍ، فصَحَّ في المَعْلُومِ، وبَطَلَ في المَجْهُولِ. كما لو قال: بِعْتُكَ عَبْدِى هذا بعَشَرَةٍ، وعَبْدِى الذي في البَيْتِ بعَشَرَةٍ. الثامنة، قال: لِتَحْمِلَ لي هذه الصُّبْرةَ والتى في البَيْتِ بعَشَرَةٍ. فإن كانا يَعْلَمانِ التي في البَيْتِ، صَحَّ فيهما، وإن جَهِلَاهَا، بَطَلَ فيهما؛ لأنَّه عَقْدٌ واحِدٌ، بِعِوَضٍ واحدٍ، على مَعْلُومٍ ومَجْهُولٍ، بخِلَافِ التي قبلَها. فإن كانا يَعْلَمانِ التي في البَيْتِ، لكنَّها مَغْصُوبةٌ، أو امْتَنَعَ تَصْحِيحُ العَقْدِ فيها لِمَانِعٍ اخْتَصَّ بها، بَطَلَ العَقْدُ فيها. وفى صِحَّتِه

стр. 3888

[في الأُخْرَى] (٢١) وَجْهانِ، بِنَاءً على تَفْرِيقِ الصَّفْقَةِ، إلَّا أنَّهما إن كانت قُفْزَانُهُما مَعْلُومةً، أو قَدْرُ أحَدِهِما مَعْلُومًا من الأُخْرَى، فالأَوْلَى صِحّتُه؛ لأنَّ قِسْطَ الأَجْرِ فيها مَعْلُومٌ، وإن لم يكُنْ كذلك، فالأَوْلَى بُطْلَانُه؛ لِجَهالةِ العِوَضِ فيها. التاسعة، قال: لِتَحْمِلَ لي هذه الصُّبْرَةَ، وهى عَشَرَةُ أقْفِزَةٍ، بدِرْهَمٍ، فإن زادَتْ على ذلك، فالزّائِدُ بحِسَابِ ذلك. صَحَّ في العَشَرَةِ؛ لأنَّها مَعْلُومةٌ، ولم يَصِحَّ في الزِّيَادَةِ؛ لأنَّها مَشْكُوكٌ، فيها، ولا يجوزُ العَقْدُ على ما يُشَكُّ فيه. العاشرة، قال: لِتَحْمِلَ لي (٢٢) هذه الصُّبْرَةَ، كلَّ قَفِيزٍ بدِرْهَمٍ، فإنَّ قَدِمَ لي طَعَامٌ فَحمَلْتَهُ، فبِحِسَابِ ذلك. صَحَّ أيضًا في الصُّبْرَةِ، وفَسَدَ في الزِّيَادَةِ؛ لما ذَكَرْنَاهُ. ٩٠٧ - مسألة؛ قال: (وَمَنِ اكْتَرَى إلَى مَكَّةَ، فَلَمْ يَرَ الجَمَّالُ الرَّاكِبِينَ، والْمَحَامِلَ، والأغْطِيةَ، والأَوْطِئَةَ، لم يَجُزِ الْكِرَاءُ) أجْمَعَ أهْلُ العِلْمِ على إجَازَةِ كِرَاءِ الإِبِلِ إلى مَكَّةَ وغيرها، وقد قال اللَّه تعالى: ﴿وَالْخَيْلَ وَالْبِغَالَ وَالْحَمِيرَ لِتَرْكَبُوهَا﴾ (١). ولم يُفَرِّقْ بين المَمْلُوكَةِ والمُكْتَرَاةِ. ورُوِى عن ابن عَبَّاسٍ، في قولِه تعالى: ﴿لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَبْتَغُوا فَضْلًا مِنْ رَبِّكُمْ﴾ (٢): أن تَحُجَّ وتَكْرِىَ. ونحوُه عن ابنِ عُمَرَ، ولأنَّ بالنَّاسِ حاجَةً إلى السَّفَرِ، وقد فَرَضَ اللهُ تعالى عليهم الحَجَّ، وأخْبَر أنَّهم يَأْتُونَ رِجَالًا (٣) وعَلَى كُلِّ ضامِرٍ يَأْتِينَ مِنْ كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ. وليس لكلِّ أحدٍ بَهِيمةٌ يَملِكُها، ولا يَقْدِرُ على مُعَانَاتِها، والقِيَامِ بها، والشَّدِّ عليها، فدَعَتِ الحاجَةُ إلى اسْتِئْجارِها، فجازَ، دَفْعًا لِلْحَاجَةِ. إذا ثَبَتَ هذا، فمن شَرْطِ صحَّةِ العَقْدِ مَعْرِفَةُ المُتَعاقِدَيْنِ ما عَقَدَا عليه؛ لأنَّه عَقْدُ مُعَاوَضَةٍ

стр. 3889

مَحْضَةٍ، فكان من شَرْطِه المَعْرِفَةُ لِلْمَعْقُودِ عليه، كالبَيْعِ. فأمَّا الجَمَّالُ فيَحْتَاجُ إلى مَعْرِفَةِ الرَّاكِبين، والآلةِ التي يَرْكَبُونَ فيها، من مَحْمِلٍ أو مَحَارَةٍ (٤) وغيرِها، وإن كان مِقْنَبًا (٥) ذكَرَه، وهل يكون مُغَطًّى أو مَكْشُوفًا، فإن كان مُغَطَّى احْتِيجَ إلى مَعْرِفَةِ الغِطَاءِ، ويَحْتاجُ إلى مَعْرِفَةِ الوِطَاءِ الذي يُوطَأُ به المَحْمِلُ، والمَعَالِيقِ التي معه من قِرْبَةٍ وسَطِيحَةٍ وسُفْرَةٍ ونحوها، وذِكْرِ سائِر ما يَحْمِلُ معه. وبهذا قال الشافِعِيُّ، وأبو ثَوْرٍ، وابنُ المُنْذِرِ، إلَّا أن الشَّافِعِىَّ قال: يجوزُ إطْلَاقُ غِطَاءِ المَحْمِلِ؛ لأنَّه لا يَخْتَلِفُ اخْتِلَافًا مُتَبَايِنًا. وحُكِى عنه في المَعَالِيقِ قولٌ، أنَّه يجوزُ إطْلَاقُها، وتُحْمَلُ على العُرْفِ. وحُكِى عن مالِكٍ، أنَّه يجوزُ إطْلَاقُ الرَّاكِبِينَ؛ لأنَّ أجْسَامَ النَّاسِ مُتَقَارِبَةٌ في الغالِبِ. وقال أبو حنيفةَ: إذا قال: في المَحْمِلِ رَجُلَانِ، وما يُصْلِحُهما من الوِطَاءِ والدُّثُرِ. جازَ اسْتِحْسانًا؛ لأنَّ ذلك يَتَقَارَبُ في العادَةِ، فحُمِلَ على العادَةِ، كالمَعَالِيقِ. وقال القاضي في غِطَاءِ المَحْمِلِ كقَوْلِ الشافِعِيِّ. ولَنا، أنَّ هذا يَخْتَلِفُ ويَتَبَايَنُ كَثِيرًا، فاشْتُرِطَتْ مَعْرِفَتُه، كالطَّعَامِ الذي يَحْمِلُ (٦) معه. وقولُهم: إن أجْسامَ الناسِ مُتَقَارِبَةٌ. لا يَصِحُّ؛ فإنَّ منهم الكَبِيرَ والصَّغِيرَ، والطَّوِيلَ والقَصِيرَ، والسَّمِينَ والهَزِيلَ، والذَّكَرَ والأُنْثَى، ويَخْتَلِفُونَ بذلك، ويَتَبَايَنُونَ كثيرًا، ويَتَفَاوَتُون أيضًا في المَعَالِيقِ، فمنهم من يُكْثِرُ الزَّادَ والحَوَائِجَ، ومنهم من يَقْنَعُ باليَسِيرِ، ولا عُرْفَ له يُرْجَعُ إليه، فاشْتُرِطَتْ مَعْرِفَتُه، كالمَحْمِلِ والأَوْطِئَةِ. وكذلك غِطَاءُ المَحْمِلِ، من النَّاسِ مَن يَخْتارُ الواسِعَ الثَّقِيلَ الذي يَشْتَدُّ على الحَمْلِ في الهَواءِ، ومنهم من يَقْنَعُ بالضَّيِّقِ (٧) الخَفِيفِ، فتَجِبُ مَعْرِفَتُه، كسائِرِ ما ذَكَرْنا. وأمَّا المُسْتَأْجِرُ، فيَحْتاجُ إلى مَعْرِفَةِ الدَّابَّةِ التي يَرْكَبُ عليها؛ لأنَّ الغَرَضَ يَخْتَلِفُ بذلك، وتَحْصُلُ بأحَدِ أمْرَيْنِ؛ إمَّا بالرُّؤُيةِ، فيَكْتَفِى بها؛ لأنَّها أعْلَى طُرُقِ العِلْمِ، إلَّا أن يكونَ ممَّا يَحْتَاجُ

стр. 3890

إلى مَعْرِفَةِ صِفَةِ المُسَمَّى فيه، كالرهوال (٨) وغيرِه، فإمَّا أن يُجَرِّبَهُ فيَعْلَمَ ذلك بِرُؤْيَتِه، وإما أن يَصِفَهُ، وإمَّا بالصِّفَةِ، فإذا وُجِدَتْ اكْتَفَى بها؛ لأنَّه يُمْكِنُ ضَبْطُه بالصِّفَةِ، فجازَ العَقْدُ عليه، كالبَيْعِ. وإذا اسْتَأْجَرَ بالصِّفَةِ لِلرُّكُوبِ، احْتَاجَ إلى ذِكْرِ الجِنْسِ، فيقول: إِبِلٌ، أو خَيْلٌ، أو بِغَالٌ، أو حَمِيرٌ. والنَّوْعِ فيقول: بُخْتِيٌّ، أو عَرَبِيٌّ. وفى الخَيْلِ: عَرَبىٍّ أو بِرْذَوْنٌ. وفى الحَمِيرِ: مِصْرِيٌّ أو شامِىٌّ. وإن كان في النَّوْعِ ما يَخْتَلِفُ، كالمُهَمْلَج (٩) من الخَيْلِ، والقَطُوفِ (١٠)، احْتِيجَ إلى ذِكْرِه. وذَكَرَ القاضِى أنَّه يَحْتاجُ إلى مَعْرِفَةِ الذُّكُورِيّةِ والأُنُوثِيَّةِ. وهو مذهبُ الشافِعِيِّ، لأنَّ الغَرَضَ يَخْتَلِفُ بذلك، فإنَّ الأُنْثَى أسْهَلُ والذَكَرَ أَقْوَى. ويَحْتَمِلُ أنَّه لا يَحْتاجُ إلى مَعْرِفَةِ ذلك؛ لأنَّ التَّفَاوُتَ فيه يَسِيرٌ، ومتى كان الكِرَاءُ إلى مَكَّةَ، فالصَّحِيحُ أنَّه لا يَحْتاجُ إلى ذِكْر الجِنْسِ ولا النَّوْعِ؛ لأنَّ العادَةَ أنَّ الذي يُحْمَلُ عليه في طَرِيقِ مَكّةَ إنَّما هو الجِمَالُ العِرَابُ، دون البَخَاتِيِّ. فصل: وإذا كان الكِرَاءُ إلى مَكَّةَ، أو طَرِيقٍ لا يكونُ السَّيْرُ فيه إلى اخْتِيَارِ المُتَكَارِيَيْن، فلا وَجْهَ لِذِكْرِ تَقْدِيرِ السَّيْرِ فيه؛ لأنَّ ذلك ليس إليهما، ولا مَقْدُورٌ عليه لهما. وإن كان في طَرِيقٍ السَّيْرُ فيه إليهما، اسْتُحِبَّ ذِكْرُ قَدْرِ السَّيْرِ في كلِّ يومٍ. فإن أطْلَقَ ولِلطَّرِيقِ (١١) مَنَازِلُ مَعْرُوفَةٌ، جازَ العَقْدُ عليه مُطْلَقًا؛ لأنَّه مَعْلُومٌ بالعُرْفِ. ومتى اخْتَلَفَا في ذلك، وفي مِيقَاتِ السَّيْرِ لَيْلًا أو نَهارًا، أو في مَوْضِعِ المَنْزَلِ، إمَّا في داخِلِ البَلَدِ، أو خارِجٍ عنه، حُمِلَا على العُرْفِ، كما لو أطْلَقَا الثّمنَ في بَلَدٍ فيه نَقْدٌ مَعْرُوفٌ. وإن
следующие страницы →