← Фикх ханбали

Фикх ханбали · id 6910

المغني لابن قدامة - ت التركي

ابن قدامة

Полный текст (7 955 стр.). Показаны 3886–3925 · переход к 3891.

стр. 3886

كذا، وإن خِطْتَه كذا فلك كذا. بخِلَافِ قولِه: كلّ دَلْوٍ بِتَمْرَةٍ. فصل: ونَقَلَ مُهَنَّا، عن أحمدَ في مَن اسْتَأْجَرَ من حَمّالٍ إلى مِصْرَ (١٤) بأَرْبَعِينَ دِينَارًا، فإن نَزِلَ دِمَشْقَ فكِرَاؤُه ثَلَاُثونَ، فإن نَزَلَ الرّقَّةَ فكِرَاؤُه عِشْرُونَ. فقال: إذا اكْتَرَى إلى الرّقَّةِ بِعِشْرِينَ، واكْتَرَى إلى دِمَشْقَ بِعَشَرَةٍ، واكْتَرَى إلى مِصْرَ بعَشَرَةٍ، جازَ، ولم يكُنْ لِلْحَمَّالِ أن يَرْجعَ. فظاهِرُ هذا، أنَّه لم يَحْكُمْ بصِحَّةِ العَقْدِ الأَوَّلِ؛ لأنَّه في مَعْنَى بَيْعَتَيْنِ في بَيْعَةٍ، لِكَوْنِه خَيَّرَهُ بين ثَلَاثةِ عُقُودٍ. ويُخَرَّجُ فيه أن يَصِحَّ، بنَاءً على المَسْأَلَتَيْنِ قبلَ هذا. ونَقَلَ البُرْزَاطِىُّ (١٥)، عن أحمدَ، في رَجُلٍ اسْتَأْجَرَ رَجُلًا يَحْمِلُ له كِتَابًا إلى الكُوفَةِ، وقال: إن أَوْصَلْت (١٦) الكِتَابَ يوم كذا وكذا فلك عِشْرُونَ، وإنْ تَأَخَّرْتَ بعدَ ذلك بيومٍ فلك عَشَرَةٌ. فالإِجَارَةُ فاسِدَةٌ، وله أجْرُ مثلِه. وهذا مِثْلُ الذي قبلَه. ونَقَلَ عبدُ اللَّه، في من اكْتَرَى دَابَّةً، وقال: إن رَدَدْتَها غدًا فكِرَاؤُها عَشَرَةٌ، وإن رَدَدْتَها اليومَ فكِرَاؤُها خَمْسَةٌ. فلا بَأْسَ. وهذه الرِّوَايةُ تَدُلُّ على صِحَّةِ الإِجَارَةِ، والظاهِرُ عن أحمدَ، في رِوَايةِ الجَماعَةِ، فيما ذَكَرْنا، فَسَادُ العَقْدِ، وهو قِيَاسُ بَيْعَتَيْنِ في بَيعةٍ. واللهُ أعلمُ. فصل: في مسائِل الصُّبْرَةِ، وفيها عَشْرُ مَسَائِلَ، أحدها، قال: اسْتَأْجَرْتُكَ لِتَحْمِلَ لي هذه الصُّبْرَةَ إلى مِصْرَ بعَشَرَةٍ. فالإِجَارَةُ صَحِيحَةٌ، بغير خِلَافٍ نَعْلَمُه؛ لأنَّ الصُّبْرَةَ مَعْلُومةٌ بالمُشَاهَدَةِ التي يجوزُ بَيْعُها بها، فجازَ الاسْتِئْجارُ عليها، كما لو عَلِمَ كَيْلَها (١٧). الثانية، قال: اسْتَأْجَرْتُكَ لتَحْمِلَها لي (١٨) كلَّ قَفِيزٍ بدِرْهَمٍ. فيَصِحُّ أيضًا. وبه قال الشافِعِيُّ. وقال أبو حنيفةَ: يَصِحُّ في قَفِيزٍ، ويَبْطُلُ فيما زادَ. ومَبْنَى

стр. 3887

الخِلَافِ على الخِلَافِ في بَيْعِها، وقد ذَكَرْنَاهُ. الثالثة، قال: لِتَحْمِلَها لي قَفِيزًا (١٩) بدِرْهَمٍ، وما زادَ فبِحِسَابِ ذلك. فيجوزُ، كما لو قال: كلَّ قَفِيزٍ بدِرْهَمٍ. وكذلك كلُّ لَفْظٍ يَدُلُّ على إرَادَةِ حَمْلِ جَمِيعِها، كقوله: لِتَحْمِلَ منها قَفِيزًا بدِرْهَمٍ، وسائِرَها أو باقِيها بحِسَابِ ذلك. أو قال: وما زادَ بحِسَابِ ذلك. يُرِيدُ به باقِيَها كلَّه، إذا فَهِمَا ذلك من اللَّفْظِ، لِدَلَالَتِه عندهما عليه، أو لِقَرِينَةٍ صُرِفَتْ إليه. الرابعة، قال: لِتَحْمِلَ منها قَفِيزًا بدِرْهَمٍ، وما زادَ فبِحِسَابِ ذلك. يُرِيدُ مهما حَمَلْتَ من باقِيَها. فلا يَصِحُّ. ذَكَرَه القاضي، وهو مذهبُ الشافِعيِّ؛ لأنَّ المَعْقُودَ عليه بعضُها، وهو مَجْهُولٌ. ويَحْتَمِلُ أن يَصِحَّ؛ لأنَّه في مَعْنَى كلَّ دَلْوٍ بِتَمْرَةٍ. الخامسة، قال: لِتَنْقُلَ لي منها كلَّ قَفِيزٍ بدِرْهَمٍ. فهى كالرَّابعةِ سواءً. السادسة، قال: لِتَحْمِلَ منها قَفِيزًا بدِرْهَمٍ، على أن تَحْمِلَ الباقِى بحِسَابِ ذلك. فلا يَصِحُّ؛ لأنَّه في مَعْنَى بَيْعَتَيْنِ في بَيْعةٍ. ويَحْتَمِلُ أن يَصِحَّ؛ لأنَّ مَعْناه لِتَحْمِلَ لي كلَّ قَفِيزٍ منها (٢٠) بِدِرْهَمٍ. السابعة، قال: لِتَحْمِلَ لي هذه الصُّبْرةَ، كلَّ قَفِيزٍ بدِرْهَمٍ، وتَنْقُلَ لي صُبْرَةً أخرى في البَيْتِ بحِسَابِ ذلك. فإن كانا يَعْلَمانِ الصُّبْرةَ التي في البَيْتِ بالمُشَاهَدةِ، صَحَّ فيهما؛ لأنَّهما كالصُّبْرَةِ الواحِدَةِ، وإن جَهِلَها أحَدُهُما، صَحَّ في الأُولَى وبَطَلَ في الثانيةِ؛ لأنَّهما عَقْدَانِ أحَدُهُما على مَعْلُومٍ، والثانى على مَجْهُولٍ، فصَحَّ في المَعْلُومِ، وبَطَلَ في المَجْهُولِ. كما لو قال: بِعْتُكَ عَبْدِى هذا بعَشَرَةٍ، وعَبْدِى الذي في البَيْتِ بعَشَرَةٍ. الثامنة، قال: لِتَحْمِلَ لي هذه الصُّبْرةَ والتى في البَيْتِ بعَشَرَةٍ. فإن كانا يَعْلَمانِ التي في البَيْتِ، صَحَّ فيهما، وإن جَهِلَاهَا، بَطَلَ فيهما؛ لأنَّه عَقْدٌ واحِدٌ، بِعِوَضٍ واحدٍ، على مَعْلُومٍ ومَجْهُولٍ، بخِلَافِ التي قبلَها. فإن كانا يَعْلَمانِ التي في البَيْتِ، لكنَّها مَغْصُوبةٌ، أو امْتَنَعَ تَصْحِيحُ العَقْدِ فيها لِمَانِعٍ اخْتَصَّ بها، بَطَلَ العَقْدُ فيها. وفى صِحَّتِه

стр. 3888

[في الأُخْرَى] (٢١) وَجْهانِ، بِنَاءً على تَفْرِيقِ الصَّفْقَةِ، إلَّا أنَّهما إن كانت قُفْزَانُهُما مَعْلُومةً، أو قَدْرُ أحَدِهِما مَعْلُومًا من الأُخْرَى، فالأَوْلَى صِحّتُه؛ لأنَّ قِسْطَ الأَجْرِ فيها مَعْلُومٌ، وإن لم يكُنْ كذلك، فالأَوْلَى بُطْلَانُه؛ لِجَهالةِ العِوَضِ فيها. التاسعة، قال: لِتَحْمِلَ لي هذه الصُّبْرَةَ، وهى عَشَرَةُ أقْفِزَةٍ، بدِرْهَمٍ، فإن زادَتْ على ذلك، فالزّائِدُ بحِسَابِ ذلك. صَحَّ في العَشَرَةِ؛ لأنَّها مَعْلُومةٌ، ولم يَصِحَّ في الزِّيَادَةِ؛ لأنَّها مَشْكُوكٌ، فيها، ولا يجوزُ العَقْدُ على ما يُشَكُّ فيه. العاشرة، قال: لِتَحْمِلَ لي (٢٢) هذه الصُّبْرَةَ، كلَّ قَفِيزٍ بدِرْهَمٍ، فإنَّ قَدِمَ لي طَعَامٌ فَحمَلْتَهُ، فبِحِسَابِ ذلك. صَحَّ أيضًا في الصُّبْرَةِ، وفَسَدَ في الزِّيَادَةِ؛ لما ذَكَرْنَاهُ. ٩٠٧ - مسألة؛ قال: (وَمَنِ اكْتَرَى إلَى مَكَّةَ، فَلَمْ يَرَ الجَمَّالُ الرَّاكِبِينَ، والْمَحَامِلَ، والأغْطِيةَ، والأَوْطِئَةَ، لم يَجُزِ الْكِرَاءُ) أجْمَعَ أهْلُ العِلْمِ على إجَازَةِ كِرَاءِ الإِبِلِ إلى مَكَّةَ وغيرها، وقد قال اللَّه تعالى: ﴿وَالْخَيْلَ وَالْبِغَالَ وَالْحَمِيرَ لِتَرْكَبُوهَا﴾ (١). ولم يُفَرِّقْ بين المَمْلُوكَةِ والمُكْتَرَاةِ. ورُوِى عن ابن عَبَّاسٍ، في قولِه تعالى: ﴿لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَبْتَغُوا فَضْلًا مِنْ رَبِّكُمْ﴾ (٢): أن تَحُجَّ وتَكْرِىَ. ونحوُه عن ابنِ عُمَرَ، ولأنَّ بالنَّاسِ حاجَةً إلى السَّفَرِ، وقد فَرَضَ اللهُ تعالى عليهم الحَجَّ، وأخْبَر أنَّهم يَأْتُونَ رِجَالًا (٣) وعَلَى كُلِّ ضامِرٍ يَأْتِينَ مِنْ كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ. وليس لكلِّ أحدٍ بَهِيمةٌ يَملِكُها، ولا يَقْدِرُ على مُعَانَاتِها، والقِيَامِ بها، والشَّدِّ عليها، فدَعَتِ الحاجَةُ إلى اسْتِئْجارِها، فجازَ، دَفْعًا لِلْحَاجَةِ. إذا ثَبَتَ هذا، فمن شَرْطِ صحَّةِ العَقْدِ مَعْرِفَةُ المُتَعاقِدَيْنِ ما عَقَدَا عليه؛ لأنَّه عَقْدُ مُعَاوَضَةٍ

стр. 3889

مَحْضَةٍ، فكان من شَرْطِه المَعْرِفَةُ لِلْمَعْقُودِ عليه، كالبَيْعِ. فأمَّا الجَمَّالُ فيَحْتَاجُ إلى مَعْرِفَةِ الرَّاكِبين، والآلةِ التي يَرْكَبُونَ فيها، من مَحْمِلٍ أو مَحَارَةٍ (٤) وغيرِها، وإن كان مِقْنَبًا (٥) ذكَرَه، وهل يكون مُغَطًّى أو مَكْشُوفًا، فإن كان مُغَطَّى احْتِيجَ إلى مَعْرِفَةِ الغِطَاءِ، ويَحْتاجُ إلى مَعْرِفَةِ الوِطَاءِ الذي يُوطَأُ به المَحْمِلُ، والمَعَالِيقِ التي معه من قِرْبَةٍ وسَطِيحَةٍ وسُفْرَةٍ ونحوها، وذِكْرِ سائِر ما يَحْمِلُ معه. وبهذا قال الشافِعِيُّ، وأبو ثَوْرٍ، وابنُ المُنْذِرِ، إلَّا أن الشَّافِعِىَّ قال: يجوزُ إطْلَاقُ غِطَاءِ المَحْمِلِ؛ لأنَّه لا يَخْتَلِفُ اخْتِلَافًا مُتَبَايِنًا. وحُكِى عنه في المَعَالِيقِ قولٌ، أنَّه يجوزُ إطْلَاقُها، وتُحْمَلُ على العُرْفِ. وحُكِى عن مالِكٍ، أنَّه يجوزُ إطْلَاقُ الرَّاكِبِينَ؛ لأنَّ أجْسَامَ النَّاسِ مُتَقَارِبَةٌ في الغالِبِ. وقال أبو حنيفةَ: إذا قال: في المَحْمِلِ رَجُلَانِ، وما يُصْلِحُهما من الوِطَاءِ والدُّثُرِ. جازَ اسْتِحْسانًا؛ لأنَّ ذلك يَتَقَارَبُ في العادَةِ، فحُمِلَ على العادَةِ، كالمَعَالِيقِ. وقال القاضي في غِطَاءِ المَحْمِلِ كقَوْلِ الشافِعِيِّ. ولَنا، أنَّ هذا يَخْتَلِفُ ويَتَبَايَنُ كَثِيرًا، فاشْتُرِطَتْ مَعْرِفَتُه، كالطَّعَامِ الذي يَحْمِلُ (٦) معه. وقولُهم: إن أجْسامَ الناسِ مُتَقَارِبَةٌ. لا يَصِحُّ؛ فإنَّ منهم الكَبِيرَ والصَّغِيرَ، والطَّوِيلَ والقَصِيرَ، والسَّمِينَ والهَزِيلَ، والذَّكَرَ والأُنْثَى، ويَخْتَلِفُونَ بذلك، ويَتَبَايَنُونَ كثيرًا، ويَتَفَاوَتُون أيضًا في المَعَالِيقِ، فمنهم من يُكْثِرُ الزَّادَ والحَوَائِجَ، ومنهم من يَقْنَعُ باليَسِيرِ، ولا عُرْفَ له يُرْجَعُ إليه، فاشْتُرِطَتْ مَعْرِفَتُه، كالمَحْمِلِ والأَوْطِئَةِ. وكذلك غِطَاءُ المَحْمِلِ، من النَّاسِ مَن يَخْتارُ الواسِعَ الثَّقِيلَ الذي يَشْتَدُّ على الحَمْلِ في الهَواءِ، ومنهم من يَقْنَعُ بالضَّيِّقِ (٧) الخَفِيفِ، فتَجِبُ مَعْرِفَتُه، كسائِرِ ما ذَكَرْنا. وأمَّا المُسْتَأْجِرُ، فيَحْتاجُ إلى مَعْرِفَةِ الدَّابَّةِ التي يَرْكَبُ عليها؛ لأنَّ الغَرَضَ يَخْتَلِفُ بذلك، وتَحْصُلُ بأحَدِ أمْرَيْنِ؛ إمَّا بالرُّؤُيةِ، فيَكْتَفِى بها؛ لأنَّها أعْلَى طُرُقِ العِلْمِ، إلَّا أن يكونَ ممَّا يَحْتَاجُ

стр. 3890

إلى مَعْرِفَةِ صِفَةِ المُسَمَّى فيه، كالرهوال (٨) وغيرِه، فإمَّا أن يُجَرِّبَهُ فيَعْلَمَ ذلك بِرُؤْيَتِه، وإما أن يَصِفَهُ، وإمَّا بالصِّفَةِ، فإذا وُجِدَتْ اكْتَفَى بها؛ لأنَّه يُمْكِنُ ضَبْطُه بالصِّفَةِ، فجازَ العَقْدُ عليه، كالبَيْعِ. وإذا اسْتَأْجَرَ بالصِّفَةِ لِلرُّكُوبِ، احْتَاجَ إلى ذِكْرِ الجِنْسِ، فيقول: إِبِلٌ، أو خَيْلٌ، أو بِغَالٌ، أو حَمِيرٌ. والنَّوْعِ فيقول: بُخْتِيٌّ، أو عَرَبِيٌّ. وفى الخَيْلِ: عَرَبىٍّ أو بِرْذَوْنٌ. وفى الحَمِيرِ: مِصْرِيٌّ أو شامِىٌّ. وإن كان في النَّوْعِ ما يَخْتَلِفُ، كالمُهَمْلَج (٩) من الخَيْلِ، والقَطُوفِ (١٠)، احْتِيجَ إلى ذِكْرِه. وذَكَرَ القاضِى أنَّه يَحْتاجُ إلى مَعْرِفَةِ الذُّكُورِيّةِ والأُنُوثِيَّةِ. وهو مذهبُ الشافِعِيِّ، لأنَّ الغَرَضَ يَخْتَلِفُ بذلك، فإنَّ الأُنْثَى أسْهَلُ والذَكَرَ أَقْوَى. ويَحْتَمِلُ أنَّه لا يَحْتاجُ إلى مَعْرِفَةِ ذلك؛ لأنَّ التَّفَاوُتَ فيه يَسِيرٌ، ومتى كان الكِرَاءُ إلى مَكَّةَ، فالصَّحِيحُ أنَّه لا يَحْتاجُ إلى ذِكْر الجِنْسِ ولا النَّوْعِ؛ لأنَّ العادَةَ أنَّ الذي يُحْمَلُ عليه في طَرِيقِ مَكّةَ إنَّما هو الجِمَالُ العِرَابُ، دون البَخَاتِيِّ. فصل: وإذا كان الكِرَاءُ إلى مَكَّةَ، أو طَرِيقٍ لا يكونُ السَّيْرُ فيه إلى اخْتِيَارِ المُتَكَارِيَيْن، فلا وَجْهَ لِذِكْرِ تَقْدِيرِ السَّيْرِ فيه؛ لأنَّ ذلك ليس إليهما، ولا مَقْدُورٌ عليه لهما. وإن كان في طَرِيقٍ السَّيْرُ فيه إليهما، اسْتُحِبَّ ذِكْرُ قَدْرِ السَّيْرِ في كلِّ يومٍ. فإن أطْلَقَ ولِلطَّرِيقِ (١١) مَنَازِلُ مَعْرُوفَةٌ، جازَ العَقْدُ عليه مُطْلَقًا؛ لأنَّه مَعْلُومٌ بالعُرْفِ. ومتى اخْتَلَفَا في ذلك، وفي مِيقَاتِ السَّيْرِ لَيْلًا أو نَهارًا، أو في مَوْضِعِ المَنْزَلِ، إمَّا في داخِلِ البَلَدِ، أو خارِجٍ عنه، حُمِلَا على العُرْفِ، كما لو أطْلَقَا الثّمنَ في بَلَدٍ فيه نَقْدٌ مَعْرُوفٌ. وإن

стр. 3891

لم يكُنْ لِلطَّرِيقِ عُرْفٌ، وأطْلَقَا العَقْدَ، فقال القاضي: لا يَصِحُّ، كما لو أطْلَقَا الثَّمَنَ في بَلَدٍ لا عُرْفَ فيه. والأَوْلَى أنَّ هذا ليس بِشَرْطٍ؛ لأنَّه لو كان شَرْطًا لَما صَحَّ العَقْدُ بدُونِه في الطَّرِيقِ الْمَخُوفِ، ولأنَّه لم تَجْرِ العادَةُ بِتَقْدِيرِ السَّيْرِ في طَرِيقٍ، ومتى اخْتَلَفَا، رُجِعَ إلى العُرْفِ في غيرِ تلك الطَّرِيقِ. فصل: وإن اشْتَرَطَ حَمْلَ زادٍ مُقَدَّرٍ، كمائة رِطْلٍ، نَظَرْنا؛ فإن شَرَطَ أنَّه يُبْدِلُ منهما ما نَقَصَ بالأَكْلِ أو غيرِه، فله ذلك، وإن شَرَطَ أنَّ ما نَقَصَ بالأَكْلِ لا يُبْدِلُه، لم يكُنْ له إبْدَالُه فإن ذَهَبَ بغيرِ الأَكْلِ، كسَرِقَةٍ أو سُقُوطٍ، فله إبْدالُه؛ لأنَّ ذلك لم يَدْخُلْ في شَرْطِه. وإن أطْلَقَ العَقْدَ، فله إبْدالُ ما ذَهَبَ بِسَرِقَةٍ أو سُقُوطٍ أو أكْلٍ غيرِ مُعْتَادٍ، بغير خِلَافٍ. وإن نَقَصَ بالأَكْلِ المُعْتادِ، فله إبْدالُه أيضًا؛ لأنَّه اسْتَحَقَّ حَمْلَ مِقْدارٍ مَعْلُومٍ، فمَلَكَ إبْدالَ ما نَقَصَ منه، كما لو نَقَصَ بِسَرِقَةٍ. ويَحْتَملُ أنَّه لا يَمْلِكُ إبْدالَه؛ لأنَّ العُرْفَ جارٍ بأنَّ الزَّادَ يَنْقُصُ، فلا يُبْدَلُ، فحُمِلَ العَقْدُ عندَ الإِطْلاقِ على العُرْفِ، وصارَ كالمُصَرَّحِ به. وقال الشافِعِيُّ: القِيَاسُ أنَّ له إبْدَالَهُ. ولو قيل: ليس له إبْدالُه. كان مَذْهَبًا؛ لأنَّ العادَةَ أنَّ الزَّادَ لا يَبْقَى جَمِيعَ المَسَافةِ، ولذلك يَقِلُّ أجْرُه عن أجْرِ المَتَاعِ. فصل: وإذا اكْتَرَى جَمَلًا لِيَحُجَّ عليه، فله الرُّكُوبُ عليه إلى مَكَّةَ، ومن مَكَّةَ إلى عَرَفَةَ، والخُروجُ عليه إلى مِنًى؛ لأنَّه مِن تَمامِ الحَجِّ. وقيل: ليس له الرُّكُوبُ إلى مِنًى؛ لأنَّه بعدَ التَّحَلُّلِ من الحَجِّ. والأَوْلَى أنَّ له ذلك؛ لأنَّه من تَمامِ الحَجِّ وتَوَابِعِه، ولذلك وَجَبَ على مَن وَجَبَ عليه دُونَ غيرِه، فدَخَلَ في قولِ اللَّه تعالى: ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا﴾ (١٢). ومن اكْتَرَى إلى مَكَّةَ فقط، فليس له الرُّكُوبُ إلى الحَجِّ؛ لأنَّها زِيَادَةٌ. ويَحْتَمِلُ أنَّ له ذلك؛ لأنَّ الكِرَاءَ إلى مَكَّةَ عِبَارَةٌ عن الكِرَاءِ لِلحَجِّ، لِكَوْنِها لا يُكْتَرَى إليها إلَّا لِلحَجِّ غالِبًا، فكان بمَنْزِلَةِ المُكْتَرَى لِلحَجِّ.

стр. 3892

فصل: فيما يَلْزَمُ المُكْرِى والمُكْتَرِى لِلرُّكُوب، يَلْزَمُ المُكْرِىَ كلُّ ما جَرَتِ العادَةُ أن يُوطَأَ به المَرْكُوبُ لِلرَّاكِب، من الحَداجَةِ (١٣) لِلْجَمَلِ، والقَتَبِ، والزِّمَامِ الذي يُقَادُ به البَعِيرُ، والبُرَةِ التي في أَنْفِ البَعِيرِ، إن كانت العادَةُ جارِيَةً بينهم بها. وإن كان فَرَسًا، فاللِّجَامُ والسَّرْجُ. وإن كان بَغْلًا أو حِمَارًا فالبَرْذَعَةُ والإِكَافُ؛ لأنَّ هذا هو العُرْفُ، فحُمِلَ الإِطْلَاقُ عليه. وعلى المُكْتَرِى ما يَزِيدُ على ذلك، كالمَحْمِلِ، والمَحارَةِ، والحَبْلِ الذي يُشَدُّ به بين المَحْمِلَيْنِ أو المَحارَتَيْنِ؛ لأنَّ ذلك من مَصْلَحةِ المَحْمِلِ، والوِطَاءِ الذي يُشَدُّ فوق الحدَاجَةِ تحت المَحْمِل (١٤). وعلى المُكْرِى رَفْعُ المَحْمِلِ [، وحَطُّه، وشَدُّه] (١٥) على الجَمَلِ، ورَفْعُ الأحْمالِ وشَدُّها وحَطُّها؛ لأنَّ هذا هو العُرْفُ، وبه يُتَمَكَّنُ من الرُّكُوبِ. ويَلْزَمُه القائِدُ والسائِقُ، هذا إذا كان الكِرَاءُ على أن يَذهَبَ مع المُكْتَرِى، وإن كان على أن يَتَسَلَّمَ الرَّاكِبُ البَهِيمةَ يَرْكَبُها لِنَفْسِه، فكلُّ ذلك عليه؛ لأنَّ الذي على المُكْرِى تَسْلِيمُ البَهِيمةِ، وقد سَلَّمَها إليه (١٦). فأمَّا الدَّلِيلُ فهو على المُكْتَرِى؛ لأنَّ ذلك خارِجٌ عن البَهِيمةِ المُكْتَرَاةِ وآلتِها، فلم يَلْزَمْهُ، كالزَّادِ. وقيل: إن كان اكْتَرَى منه بَهيمةً بِعَيْنِها، فأُجْرَةُ الدَّلِيلِ على المُكْتَرِى؛ لأنَّه الذي عليه أن يُسَلِّمَ الظَّهْرَ، وقد سَلَّمَهُ، وإن كانت على حَمْلِه إلى مكانٍ مُعَيَّنٍ في الذِّمَّةِ، فهو على المُكْرِى؛ لأنَّه من مُؤْنَةِ إيصَالِه إليه، وتَحْصِيلِه فيه. فصل: وإذا كان الرَّاكِبُ (١٧) ممَّن لا يَقْدِرُ على الرُّكُوبِ والبَعِيرُ قائِمٌ، كالمَرْأةِ والشَّيْخِ والضَّعِيفِ والسَّمِينِ وشِبْهِهم، فعلى الجَمَّالِ أن يُبْرِكَ الجَمَلَ لِرُكُوبِه ونُزُولِه؛ لأنَّه لا يَتَمَكَّنُ من الرُّكُوبِ والنُّزُولِ إلَّا به. وإن كان ممَّن يُمْكِنُه الرُّكُوبُ والنُّزُولُ والبَعِيرُ قائِمٌ، لم يَلْزم الجَمّالَ أن يُبْرِكَ (١٨) له الجَمَلَ؛ لأنَّه يُمْكِنُ اسْتِيفاءُ

стр. 3893

المَعْقُودِ عليه بدُونِ هذه الكُلْفَةِ. وإن كان قَوِيًّا حالَ العَقْدِ، فضَعُفَ في أثْنائه، أو ضَعِيفًا فقَوِىَ، فالاعْتِبارُ بحالِ الرُّكُوبِ؛ لأنَّ العَقْدَ اقْتَضَى رُكُوبَه بِحَسَبِ العادَةِ. ويَلْزَمُ الجَمّالَ أن يَقِفَ البَعِيرَ لِيَنْزِلَ لِصَلَاةِ الفَرِيضَةِ، وقَضَاءِ حاجةِ الإِنْسانِ، وطَهَارَتِه، ويَدَعَ البَعِيرَ واقِفًا حتى يَفْعَلَ ذلك؛ لأنَّه لا يُمْكِنُه فِعْلُ شيءٍ من هذا على ظَهْرِ البَعِيرِ، وما أمْكَنَه فِعْلُه عليه من الأَكْلِ والشُّرْبِ وصَلَاةِ النَّافِلَةِ من السُّنَنِ وغيرِها، لم يَلْزَمْهُ أن يُبْرِكَه له، ولا يَقِفَ عليه من أجْلِه. وإن أرادَ المُكْتَرِى إتْمامَ الصَّلَاةِ، وطَالَبَه الجَمّالُ بِقَصْرِهَا، لم يَلْزَمْهُ ذلك؛ بل تكونُ خَفِيفَةً في تَمَامٍ. ومن اكْتَرَى بَعِيرًا لإِنْسانٍ يَرْكَبُه لِنَفْسِه، وسَلَّمَهُ إليه، لم يَلْزَمْهُ سِوَى ذلك؛ لأنَّه وَفَّى له بما عَقَدَ عليه، فلم يَلْزَمْهُ شيءٌ سِوَاهُ. فصل: وإذا اكْتَرَى ظَهْرًا في طَرِيقٍ العادَةُ فيه النُّزولُ والمَشْىُ عند اقْتِرَابِ المَنْزَلِ، والمُكْتَرِى امْرَأةٌ أو ضَعِيفٌ، لم يَلْزَمْه النُّزُولُ؛ لأنَّه اكْتَرَاه جَمِيعَ الطَّرِيقِ، ولم تَجْرِ له عادَةٌ بالمَشْىِ، فلَزِمَ حَمْلُه في جَمِيعِ الطَّرِيقِ، كالمَتَاعِ. [وإن كان جَلْدًا قَوِيًا، ففيه وَجْهَانِ؛ أحدُهما، لا يَلْزَمُه النُّزُولُ] (١٩) أيضًا؛ لأنَّه عَقَدَ على [جَمِيعِ الطَّرِيقِ] (١٩)، فلا يَلْزَمُه تَرْكُه في بعضِها كالضَّعِيفِ. والثاني، يَلْزَمُه؛ لأنَّه مُتَعَارَفٌ، والمُتَعَارَفُ كالمَشْرُوطِ. فصل: وإن هَرَبَ الجَمَّالُ في بعض الطَّرِيقِ، أو قبلَ الدُّخُولِ فيها، لم يَخْلُ من حالَيْنِ؛ أحدهما، أن يَهْرُبَ بِجِمَالِه، فيُنْظَرُ؛ فإن لم يَجِد المُسْتَأْجِرُ حاكِمًا، أو وَجَدَ حاكِمًا ولم يُمْكِنْ إثْباتُ الحالِ عندَه، أو أمْكَنَ الإِثْباتُ عندَه ولا يَحْصُلُ له ما يَكْتَرِى به ما يَسْتَوْفِى حَقَّهُ منه، فلِلْمُسْتَأْجِرِ فَسْخُ الإِجَارَةِ؛ لأنَّه تَعَذَّرَ عليه قَبْضُ المَعْقُودِ عليه، فأشْبَهَ ما لو أفْلَسَ المُشْتَرِى، أو انْقَطَعَ المُسْلَمُ فيه عندَ مَحلِّه. فإن فَسَخَ العَقْدَ، وكان الجَمَّالُ قد قَبَضَ الأَجْرَ، كان دَيْنًا في ذِمَّتِه، وإن اخْتَارَ المُقَامَ على

стр. 3894

العَقْدِ، وكانت الإِجَارَةُ على عَمَلٍ في الذِّمَّةِ، فله ذلك، ومتى قَدَرَ على الجَمَّالِ طَالَبَه به، وإن كان العَقْدُ على مُدَّةٍ انْقَضَتْ في هَرَبِه، انْفَسَخَ العَقْدُ بذلك. وإن أمْكَنَه إثْباتُ الحالِ عندَ الحاكِمِ، وكان العَقْدُ على مَوْصُوفٍ غيرِ مُعَيَّنِ، لم يَنْفَسِخ العَقْدُ، ويَرْفَعُ الأَمْرَ إلى الحاكِمِ، ويُثْبِتُ عندَه حَالَه، فيَنْظرٌ الحاكِمُ، فإن وَجَدَ لِلجَمَّالِ مالًا اكْتَرَى به له (٢٠)، وإن لم يَجِدْ له مالًا، وأمكنَه أن يَقْتَرِضَ على الجمَّالِ من بَيْتِ المالِ، أو من غيرِه ما يَكْتَرِى له به، فَعَلَ، فإن دَفَعَ الحاكِمُ المالَ إلى المُكْتَرِى لِيَكْتَرِىَ لِنَفْسِه به، جازَ [في ظاهِرِ كلامِ أحمدَ. وإن اقْتَرَضَ عليه من المُكْتَرِى ما يُكْرِى (٢١) به، جازَ] (٢٢)، وصارَ دَيْنًا في ذِمَّةِ الجَمَّالِ. وإن كان العَقْدُ على مُعَيَّنٍ، لم يَجُزْ إبْدَالُه، ولا اكْتِرَاءُ غيرِه؛ لأنَّ العَقْدَ تَعَلَّقَ بِعَيْنِه، فيَتَخَيَّرُ المُكْتَرِى بين الفَسْخِ أو البَقَاءِ إلى أن يَقْدِرَ عليه، فيُطَالِبَه بالعَمَلِ. الحال الثاني، إذا هَرَبَ الجَمّالُ، وتَرَكَ جِمَالَه، فإنَّ المُكْتَرِىَ يَرْفَعُ الأمْرَ إلى الحاكِمِ، فإن وَجَدَ لِلْجَمَّالِ مالًا، اسْتَأْجَرَ به مَن يَقُومُ مَقَامَ الجَمَّالِ في الإِنْفاقِ على الجِمَالِ، والشَّدِّ عليها، وحِفْظِها وفِعْلِ ما يَلْزَمُ الجَمَّالَ فِعْلُه، فإن لم يَجِدْ له غيرَ الجِمَالِ، وكان فيها فَضْلَةٌ عن الكِرَاءِ، باعَ بِقَدْرِ ذلك، وإن لم يكُنْ فيها فَضْلٌ، أو لم يُمْكِنْ بَيْعُه، اقْتَرَضَ عليه الحاكِمُ، كما قُلْنا. وإن ادَّانَ من المُكْتَرِى وأَنْفَقَ، جازَ. وإن أَذِنَ لِلْمُكْتَرِى في الإِنْفاقِ من مالِه بالمَعْرُوفِ، ليكونَ دَيْنًا على الجَمَّالِ، جازَ؛ لأنَّه في (٢٣) مَوْضِعِ حاجةٍ. وإذا رَجَعَ الجَمّالُ، واخْتَلَفَا فيما أَنْفَقَ، نَظَرْنا؛ فإنْ كان الحاكِمُ قَدَّرَ له ما يُنْفِقُ، قُبِلَ قولُه في قَدْرِ (٢٠) ذلك، وما زادَ لا يَحْتَسِبُ له (٢٤) به، وإن لم يُقَدِّرْ له، قُبِلَ قولُه في قَدْرِ النَّفَقةِ بالمَعْرُوفِ؛ لأنَّه أمِينٌ،

стр. 3895

وما زادَ لا يَرْجِعُ به؛ لأنَّه مُتَطَوِّعٌ به. وإذا وَصَلَ المُكْتَرِى، رَفَعَ الأمْرَ إلى الحاكِمِ، فَفَعَلَ ما يَرَى الحَظَّ فيه، من بَيْعِ الجِمَالِ، فيُوَفِّى عن الجَمَّالِ ما لَزِمَهُ من الدَّيْنِ لِلْمُكْتَرِى أو لغيرِه، ويَحْفَظُ باقِى الثمنِ له. وإن رَأَى بَيْعَ بعضِها، وحِفْظَ بَاقِيها، والإِنْفَاقَ على الباقِى من ثَمَنِ ما باعَ، جازَ. وإن لم يَجِدْ حاكِمًا، أو عَجَزَ عن اسْتِدانةٍ، فله أن يُنْفِقَ عليها، ويُقِيمَ مُقَامَ الجَمَّالِ فيما يَلْزَمُه، فإن فَعَلَ ذلك مُتَبَرِّعًا به (٢٥)، لم يَرْجِعْ بشيءٍ. وإن نَوَى الرُّجُوعَ، وأشْهَدَ على ذلك، رَجَعَ به؛ لأنَّه حالُ ضَرُورَةٍ. وهذا أحدُ الوَجْهَيْنِ للشافِعِيِّ. وإن لم يُشْهِدْ، ونَوَى الرُّجُوعَ، ففى الرُّجُوعِ وَجْهانِ؛ أحدُهما، يَرْجِعُ به؛ لأنَّ تَرْكَ الجِمَالِ مع العِلْمِ بأنَّها لا بدَّ لها من نَفَقَةٍ، إذْنٌ في الإِنْفاقِ. والثاني، لا يَرْجِعُ به؛ لأنَّه يُثْبِتُ لِنَفْسِه حَقًّا على غيره. وكذلك إن لم يَجِدْ من يُشْهِدُه فأنْفَقَ مُحْتَسِبًا بالرُّجُوعِ. وقِيَاسُ المَذْهَبِ أنَّ له الرُّجُوعَ؛ لقوْلِنا: يَرْجِعُ بما أَنْفَقَ على الآبِقِ، وعلى عِيَالِ الغائِبِ وزَوْجَاتِه، والدَّابّةِ المَرْهُونةِ. ولو قَدَرَ على اسْتِئْذانِ الحاكِمِ، فأنْفَقَ من غيرِ اسْتِئْذانِه، وأشْهَدَ على ذلك، ففى رُجُوعِه وَجْهانِ أيضًا. وحُكْمُ مَوْتِ الجَمّالِ، حُكْمُ هَرَبِه. وقال أبو بكرٍ: مذهبُ أحمدَ، أنَّ المَوْتَ لا يَفْسَخُ الإِجَارَةَ، وله أن يَرْكَبَها، ولا يُسْرِفَ في عَلْفِها، ولا يُقَصِّرَ، ويَرْجِعَ بذلك في مالِ المُتَوَفَّى، فإن لم يكُنْ في يَدِ المُسْتَأْجِرِ ما يُنْفِقُه، لم يَجُزْ أن يَبِيعَ منها شَيْئًا؛ لأنَّ البَيْعَ إنَّما يجوزُ من المالِكِ، أو من نائِبِه، أَو ممَّن له وِلَايةٌ عليه. فصل: قال أصْحابُنا: يَصِحُّ كِرَاءُ العُقْبَةِ. وهو مذهبُ الشافِعِيِّ، ومَعْناها: الرُّكُوبُ في بعضِ الطَّرِيقِ، يَرْكَبُ شيئًا ويَمْشِى شيئًا؛ لأنَّه إذا جازَ اكْتِراؤُها في الجَمِيعِ، جازَ اكْتِرَاؤُها في البعضِ. ولا بُدَّ من كَوْنِها مَعْلُومةً، إما أن يُقَدِّرَها بِفَرَاسِخَ مَعْلُومَةٍ، وإمَّا بالزَّمانِ، مثل أن يَرْكَبَ لَيْلًا ويَمْشِىَ نَهارًا، ويُعْتَبَرُ في هذا زَمَانُ السَّيْرِ دونَ زَمَانِ النُّزُولِ. وإن اتَّفَقَا على أن يَرْكَبَ يَوْمًا ويَمْشِىَ يومًا، جازَ. فإن اكْتَرَى عُقْبَةً، وأطْلَقَ، احْتَمَلَ أن يجوزَ، ويُحْمَلُ على العُرْفِ. ويَحْتَمِلُ أن لا يَصِحَّ؛ لأنَّ

стр. 3896

ذلك يَخْتَلِفُ، وليس له ضابِطٌ، فيكون مَجْهُولًا. وإن اتَّفقَا على أن يَرْكَبَ ثلاثةَ أيامٍ، [ويَمْشِىَ ثَلاثَةَ أيَّامٍ] (٢٦)، أو ما زادَ ونَقَصَ، جازَ. وإن اختَلَفا، لم يُجْبَر المُمْتَنِعُ منهما؛ لأنَّ فيه ضَرَرًا على كلِّ واحدٍ منهما؛ الماشِى لِدَوَامِ المَشْىِ عليه، وعلى الجَمَلِ لِدَوامِ الرُّكُوبِ عليه، ولأنَّه إذا رَكِبَ بعد شِدَّةِ (٢٧) تَعَبِه كان أثْقَلَ على البَعِيرِ. وإن اكْتَرَى اثْنانِ جَمَلًا يَرْكَبانِه عُقْبةً وعُقْبةً، جازَ، ويكونُ كِرَاؤُهُما طولَ الطَّرِيقِ، والاسْتِيفَاءُ بينهما على ما يَتَّفِقَانِ عليه (٢٨). وإن تَشَاحّا، قُسِمَ بينهما لكلِّ واحدٍ منهما فَرَاسِخُ مَعْلُومَةٌ، أو لأحَدِهِما اللَّيلُ وللآخَرِ النَّهارُ. وإن كان لذلك عُرْفٌ، رُجِعَ إليه وإن اخْتَلَفَا في البادىءِ منهما، أُقْرِعَ بينهما. ويَحْتَمِلُ أن لا يَصِحَّ كِرَاؤُهُما، إلَّا أن يَتَّفِقَا على رُكُوبٍ مَعْلُومٍ لكلِّ واحدٍ منهما؛ لأنَّه عَقْدٌ على مَجْهُولٍ بالنِّسْبةِ إلى كلِّ واحدٍ منهما، فلم يَصِحَّ، كما لو اشْتَريَا عَبْدَيْنِ على أنَّ لكلِّ واحدٍ منهما عَبْدًا مُعَيَّنًا (٢٨) منهما. ٩٠٨ - مسألة؛ قال: (فَإنْ رَأَى الرَّاكِبَيْنِ، أو وُصِفَا لَهُ، وذُكِرَ الْباقِى بأَرْطَالٍ مَعْلُومةٍ، فَجَائِزٌ) وجملتُه أنَّ المَعْرِفةَ بالوَصْفِ تَقُومُ مَقَامَ الرُّؤْيةِ في الرَّاكِبَيْنِ، إذا وَصَفَهُما بما يَخْتَلِفانِ به، في الطُّولِ والقِصَرِ، والهُزَالِ والسِّمَنِ، والصِّحَّةِ والمَرَضِ، والصِّغَرِ والكِبَرِ، والذُّكُورِيَّةِ والأُنُوثِيَّةِ، والباقِى يَكْفِى فيه ذِكْرُ الوَزْنِ. وقال الشَّرِيفُ أبو جعفرٍ، وأبو الخَطَّابِ: لا بُدَّ من مَعْرِفةِ الرّاكِبَيْنِ بالرُّؤْيةِ؛ لأنَّه يَخْتَلِفُ بِثِقْلِه وخِفَّتِه، وسُكُونِه وحَرَكَتِه، ولا يَنْضَبِطُ بالوَصْفِ، فيَجِبُ تَعْيِينُه. وهذا مذهبُ الشافِعِيِّ. ولهم في المَحْمِلِ وَجْهٌ، أنَّه لا تَكْفِى فيه الصِّفَةُ، ويَجِبُ تَعْيِينُه. ولَنا، أنَّه عَقْدُ مُعَاوَضةٍ مُضَافٌ إلى حَيَوانٍ، فاكتُفِىَ فيه بالصِّفَةِ، كالبَيْعِ، وكالمَرْكُوبِ في الإِجَارَةِ، ولأنَّه

стр. 3897

لو لم يُكْتَفَ فيه (١) بالصِّفَةِ، لَما جازَ لِلرَّاكِبِ أن يُقِيمَ غيرَه مُقَامَه؛ لأنَّه إنَّما يَعْلَمُ كَوْنَه مثلَه لِتَسَاوِيهِما في الصِّفَاتِ، فما لا تَأْتِى عليه الصِّفَاتُ لا يُعْلَمُ التَّسَاوِى فيه، ولأنَّ الوَصْفَ يُكْتَفَى به في البَيْعِ، فاكْتُفِىَ به في الإِجَارَةِ، كالرُّؤْيةِ، والتَّفَاوُتُ بعد ذِكْرِ الصِّفاتِ الظاهِرَة يَسِيرٌ تَجْرِى المُسَامَحةُ فيه، كالمُسْلَمِ فيه. فصل: ويجوزُ اكْتِراءُ الإِبِلِ والدِّوَابِّ لِلْحُمُولةِ، قال اللهُ تعالى: ﴿وَتَحْمِلُ أَثْقَالَكُمْ إِلَى بَلَدٍ لَمْ تَكُونُوا بَالِغِيهِ إِلَّا بِشِقِّ الْأَنْفُسِ﴾ (٢). والحُمُولَةُ بالضَّمِّ: الأحْمَالُ. والحَمُولَةُ بالفَتْحِ: التي يُحْمَلُ عليها. قال اللهُ تعالى: ﴿وَمِنَ الْأَنْعَامِ حَمُولَةً وَفَرْشًا﴾ (٣) الحَمُولَةُ: الكِبَارُ. والفَرْشُ: الصّغَارُ. وقيل: الحَمُولَةُ: الإِبِلُ. والفَرْشُ: الغَنَمُ؛ لأنَّها لا تَحْمِلُ. ولا يحْتَاجُ إلى مَعْرِفَةِ الحَمُولةِ؛ لأنَّ الغَرَضَ حَمْلُ المَتاعِ، دُونَ ما يَحْمِلُه، بخِلَافِ الرُّكُوبِ، فإنَّ للرَّاكِبِ (٤) غَرَضًا في المَرْكُوبِ، من سُهُولَتِه [وحَمالتِه وسُرْعَتِه] (٥). وإن اتَّفَقَ وُجُودُ غَرَضٍ في الحَمُولَةِ، مثل أن يكونَ المَحْمُولُ شَيْئًا يَضُرُّه كَثْرَةُ الحَرَكةِ، كالفاكِهةِ والزُّجَاجِ، أو كَوْن الطَّرِيقِ ممَّا يَعْسُرُ على بعضِها دُونَ بعضٍ، فيَنْبَغِى أن يُذْكَرَ في الإِجَارَةِ. وأمَّا الأحْمَالُ، فلا بُدَّ من مَعْرِفَتِها، فإن لم يَعْرِفْها، لم يَجُزْ؛ لأنَّ ذلك يَتَفاوَتُ كَثِيرًا، ويَخْتَلِفُ (٦) الغَرَضُ به. فإن شَرَطَ أن تَحْمِلَ ما شاءَ، بَطَلَ؛ لأنَّ ذلك لا يُمْكِنُ الوَفاءُ به، ويَدْخُلُ فيه ما يَقْتُلُ البَهِيمَةَ. وإن قال: لِتَحْمِلْ (٧) عليها طَاقَتَها. لم يَجُزْ أيضًا؛ لأنَّ ذلك لا ضَابِطَ له. وتَحْصُلُ المَعْرِفةُ بِطَرِيقَيْنِ: المُشَاهَدَةُ؛ لأنَّها (٨)

стр. 3898

أعْلَى طُرُقِ العِلْمِ، والصِّفَةُ. ويُشْتَرَطُ في الصِّفَةِ مَعْرِفةُ شَيْئَيْنِ: القَدْرُ والجِنْسُ؛ لأنَّ الجِنْسَ يَخْتَلِفُ تَعَبُ البَهِيمَةِ بِاخْتِلافِه، مع التَّسَاوِى في القَدْرِ. فإنَّ القُطْنَ يَضُرُّ بها من وَجْهٍ، وهو أنَّه يَنْتَفِخُ على البَهِيمةِ، فيَدْخُلُ فيه الرِّيحُ فيَثْقُلُ، ومثلُه من الحَدِيدِ يُؤْذِى من [جِهَةٍ أخرى] (٩)، وهو أنَّه يَجْتَمِعُ على مَوْضِعٍ من البَهِيمةِ، فربما عَقَرَها، فلا بُدَّ من بَيَانِه. وأَمَّا الظُّرُوفُ، فإن دَخَلَتْ في الوَزْنِ، لم يحْتَجْ إلى ذِكْرِها، وإن لم تُوزَنْ، فإن كانت ظُرُوفًا مَعْرُوفةً، لا تَخْتَلِفُ، كغَرَائِر الصُّوفِ والشَّعْرِ ونحوها، جازَ العَقْدُ عليها (١٠) من غير تَعْيِينٍ؛ لأنَّها قَلَّما تَتَفَاوَتُ تَفَاوُتًا كثيرًا فتَسْمِيَتُها تَكْفِى، وإن كانت تَخْتَلِفُ، فلا بُدَّ من مَعْرِفَتِها بالتَّعْيِينِ أو الصِّفَةِ. وذَكَرَ ابنُ عَقِيلٍ، أنَّه إذا قال: أَكْرَيْتُكَها لِتَحْمِلَ علها ثَلَاثَمائةِ رَطْلٍ ممَّا شِئْتَ. جازَ، ومَلكَ ذلك، لكنْ (١١) لا يُحَمِّلُه حِمْلًا يَضُرُّ بالحَيَوانِ، مثل ما لو أرادَ حَمْلَ حَدِيدٍ أو زِئْبَقٍ، يَنْبَغِى أن يُفَرِّقَهُ على ظَهْرِ الحَيَوانِ، فلا يَجْتَمِعُ في مَوْضِعٍ واحدٍ من ظَهْرِه، ولا يَجْعَلُه في وِعَاءٍ يَتَمَوَّجُ فيه، فيَكُدُّ البَهِيمَةَ ويُتْعِبُها. وإن اكْتَرَى ظَهْرًا لِلحَمْلِ مَوْصُوفًا بجِنْسٍ، فأرادَ حَمْلَه على غيرِ ذلك الجِنْسِ، وكان الطالِبُ لذلك المُسْتَأْجِرُ، لم يُقْبَلْ منه؛ لأنَّه لا يَمْلِكُ المُطَالَبَةَ بما لم يَعْقِدْ عليه، وإن طَلَبَه المُؤْجِرُ، وكان يَفُوتُ به غَرَضٌ لِلْمُسْتَأْجِرِ، مثل أن يكونَ غَرَضُه الاسْتِعْجالَ في السَّيْرِ، أَو أن لا يَنْقَطِعَ عن القافِلةِ، فيَتَعَيَّنُ الخَيْلُ أو البِغَالُ، أو يكونَ غَرَضُه سُكُونَ الحُمُولةِ (١٢) لكَوْن الحَمولةِ ممَّا يَضُرُّها الهَزُّ، أو قُوَّتُها وصَبْرُها لِطُولِ الطَّرِيقِ وثِقْلِ الحُمُولةِ فيُعَيِّنُ الإِبِلَ، لم يَجُز العُدُولُ عنه؛ لأنَّه يُفَوِّتُ غَرَضَ المُسْتَأْجِرِ، فلم يَجُزْ ذلك، كما في المَرْكُوبِ. وإن لم يُفَوِّتْ غَرَضًا، جاز، كما يجوزُ لمن اكْتَرَى على حَمْلِ شيءٍ حَمْلُ مثلِه، أو أَقَلَّ ضَرَرًا منه.

стр. 3899

فصل: ويجوزُ كِرَاءُ الدَّابَّةِ لِلْعَمَلِ؛ لأنَّها مَنْفَعةٌ مُبَاحةٌ، خُلِقَتِ الدَّابَّةُ لها، فجازَ الكِرَاءُ لها، كالرُّكُوبِ. وإن اكْتَرَى بَقَرًا لِلْحَرْثِ، جازَ؛ [لأنَّ البَقَرَ خُلِقَتْ لِلْحَرْثِ] (١٣)، ولذلك قال النبيُّ ﷺ : "بَيْنَما رَجُلٌ يَسْوقُ بَقَرَةً، أرَادَ أنْ يَرْكَبَها، فَقَالَتْ: إنِّي لَمْ أُخْلَقْ لِهذَا، إنَّما خُلِقْتُ لِلْحَرْثِ". متفق عليه (١٤). ويَحْتاجُ (١٥) شَرْطَيْنِ: مَعْرِفَةَ الأَرْضِ، وتَقْدِيرَ العَمَلِ، فأَمَّا الأرْضُ فلا تُعْرَفُ إلَّا بالمُشَاهَدةِ؛ لأنَّها تَخْتَلِفُ، فتكونُ صُلْبةً تُتْعِبُ البَقَرَ والحَرَّاثَ، وقد يكون فيها حِجَارَةٌ تَتَعَلَّقُ بالسِّكَّةِ، وتكون رَخْوَةً سَهْلةً يَسْهُلُ حَرْثُها، ولا تَأْتِى الصِّفَةُ عليها، فيَحْتاجُ إلى رُؤْيَتِها. وأمَّا تَقْدِيرُ العَمَلِ، فيجوزُ بأحدِ شَيْئَيْنِ؛ إمَّا بالمُدَّةِ، كيومٍ ويَوْمَيْن، وإمَّا بالأرْضِ، كهذه القِطْعةِ، أو من هذا المكانِ إلى هذا المكانِ، أو بالمِسَاحَةِ، كمَدًى أو مَدَيَيْن (١٦)، ونحو ذلك، كلُّ ذلك جائِزٌ؛ لأنَّ العِلْمَ يَحْصُلُ به. فإن قَدَّرَهُ بالمُدَّةِ، فلا بُدَّ من مَعْرِفةِ البَقَرِ التي يَعْمَلُ عليها؛ لأنَّ الغَرَضَ يَخْتَلِفُ باخْتِلَافِها في القُوَّةِ والضَّعْفِ. ويجوزُ أن يَسْتَأْجِرَ البَقَرَ مُفْرَدةً لِيَتَوَلَّى رَبُّ الأَرْضِ الحَرْثَ بها. ويجوزُ أن يَسْتَأْجِرَها مع صاحِبِها لِيَتَوَلَّى الحَرْثَ بها. ويجوزُ اسْتِئْجارُها بآلَتِهَا من الفَدَّانِ والنِّيرِ، واسْتِئْجارُها بدُونِ آلَتِها، وتكون الآلةُ من عندِ صاحِبِ الأرْضِ. ويجوزُ اسْتِئْجارُ البَقَرِ وغيرها لِدرَاسِ الزَّرْعِ؛ لأنَّها مَنْفَعةٌ مُبَاحةٌ مَقْصُودةٌ، فأشْبَهَتِ الحَرْثَ.

стр. 3900

ويجوزُ على مُدَّةٍ أو زَرْعٍ مُعَيَّنٍ، أو مَوْصُوفٍ، كما ذَكَرْناه في الحَرْثِ. ومتى كان على مُدَّةٍ، احْتِيجَ إلى مَعْرِفَةِ [الحَيَوانِ الذي يَعْمَلُ عليه لِيَعْرِفَ قُوَّتَه أو ضَعْفَه، وإن كان على عَمَلٍ غير مُقَدَّرٍ بالمُدَّةِ احْتاجَ إلى مَعْرِفةِ] (١٧) جِنْسِ الحَيَوانِ؛ لأن الغَرَضَ يَخْتَلِفُ به، فمنه ما رَوْثُه طاهِرٌ، ومنه ما رَوْثُه (١٨) نَجِسٌ، ولا يَحْتاجُ إلى مَعْرِفةِ عَيْنِ الحَيَوانِ. ويجوزُ أن يَسْتَأْجِرَ الحَيَوانَ بآلَتِه، وبغيرِ آلَتِه، مع صاحِبِه، ومُنْفَرِدًا عنه. كما ذَكَرْنا في الحَرْثِ. فصل: ويجوزُ اسْتِئْجارُ بَهِيمَةٍ لإِدَارَةِ الرَّحَى، ويَفْتَقِرُ إلى شَيْئَيْنِ؛ مَعْرِفَةِ الحَجَرِ، إمَّا بمُشَاهَدَةٍ، وإمَّا بصِفَةٍ تَحْصُلُ بها مَعْرِفَتُه؛ لأنَّ عَمَلَ البَهِيمَةِ يَخْتَلِفُ فيه بِثِقْلِه وخِفَّتِه، فيَحْتاجُ صَاحِبُها (١٩) إلى مَعْرِفَتِه. وتَقْدِيرِ العَمَلِ، إمَّا بالزَّمَانِ، فيقول: يومًا أو يَوْمَيْنِ. أو بالطَّعَامِ فيقول: قَفِيزًا أو قَفِيزَيْنِ. ويَذْكُرُ جِنْسَ المَطْحُونِ إن كان يَخْتَلِفُ؛ لأنَّ منه ما يَسْهُلُ طَحْنُه، ومنه ما يَصْعُبُ. وكذلك إن اكْتَرَاها لإِدَارَةِ دُولَابٍ، فلا بُدَّ من مُشَاهَدَتِه، ومُشَاهَدَةِ دُولَابِه، لِاخْتِلافِها، وتَقْدِيرُ ذلك بالزَّمَانِ، أو مَلْءِ هذا الحَوْضِ، أو هذه البِرْكَةِ. وكذلك إن اكْتَرَاها للاسْتِقَاءِ بالغَرْبِ، فلا بُدَّ من مَعْرِفَتِه؛ لأنَّه يَخْتَلِفُ بكِبَرِه وصِغَرِه، ويُقَدَّرُ بالزَّمَانِ، أو بِعَدَدِ الغُرُوبِ، أو بمَلْءِ بِرْكَةٍ أو حَوْضٍ. ولا يجوزُ تَقْدِيرُ ذلك بِسَقْىِ أرْضٍ؛ لأنَّ ذلك يَخْتَلِفُ، فقد تكونُ الأرْضُ عَطْشَانَةً لا يَرْوِيها القَلِيلُ، وتكونُ قَرِيبَةَ العَهْدِ بالماءِ فيَكْفِيها القَلِيلُ، فيكون ذلك مَجْهُولًا. وإن قَدَّرَه بِسَقْىِ ماشِيَةٍ، احْتَمَلَ أن لا يَجُوزَ؛ لذلك. ويَحْتَملُ أن يجوزَ؛ لأنَّ شُرْبَها يَتَقارَبُ في الغالِبِ. ويجوزُ اسْتِئْجارُ دابَّةٍ لِيَسْتَقِىَ عليها ماءً، ولا بُدَّ من مَعْرِفَةِ الآلةِ التي يَسْتَقِى بها، من رَاوِيةٍ، أو قِرَبٍ أو جِرَارٍ، ومَعْرِفةُ ذلك إمَّا بالرُّؤْيَةِ، وإمَّا بالصِّفَةِ، ويُقَدِّرُ العَمَلَ إمَّا بالزَّمَانِ، وإمَّا بعَدَدِ المَرَّاتِ،

стр. 3901

وإمَّا بِمَلْءِ شيءٍ مُعَيَّنٍ، فإن قَدَّرَه بعَدَدِ المَرَّاتِ، احْتاجَ إلى مَعْرِفةِ المَوْضِعِ الذي يَسْتَقِى منه، [والذي يَذْهَبُ إليه؛ لأنَّ ذلك يَخْتَلِفُ بالقُرْبِ والبُعْدِ، والسُّهُولةِ والحُزُونةِ، وإن قَدّرَهُ بمَلْءِ شيءٍ مُعَيَّنٍ، احْتاجَ إلى مَعْرِفَتِه، ومَعْرِفَةِ ما يَسْتَقِي منه] (٢٠). ويجوزُ أن يَكْتَرِىَ البَهِيمةَ بآلَتِها وبدُونِها، مع صَاحِبِها ووَحْدَها. وإن اكْتَرَاها لِبَلِّ تُرَابٍ مَعْرُوفٍ، جازَ؛ لأنَّ ذلك معلومٌ (٢١) بالعُرْفِ. وكلُّ مَوْضِعٍ وَقَعَ العَقْدُ على مُدَّةٍ، فلا بُدَّ من مَعْرِفةِ الظَّهْرِ الذي يَعْمَلُ عليه؛ لأنَّ الغَرَضَ يَخْتَلِفُ باخْتِلَافِها في القُوَّةِ والضَّعْفِ. وإن وَقَعَ على عَمَلٍ مُعَيَّنٍ، لم يَحْتَجْ إلى مَعْرِفَتِها؛ لأنَّه لا يَخْتَلِفُ. ويَحْتَمِلُ أن يَحْتاجَ إلى ذلك في اسْتِيفاءِ الماءِ عليه؛ لأنَّ منه ما رَوْثُه طاهِرٌ وجِسْمُه طاهِرٌ بغير خِلَافٍ، كالخَيْلِ والبَقَرِ، ومنه ما رَوْثُه نَجِسٌ ويُخْتلَفُ في نَجَاسةِ جِسْمِه، كالبِغَالِ والحَمِيرِ، فربما نَجُسَ به (٢٢) المُسْتَقِى أو دَلْوُه، فيَتَنَجَّسُ الماءُ به، فيَخْتَلِفُ الغَرَضُ بذلك، فتَجِبُ مَعْرِفَتُه. فصل: وإذا اكْتَرَى حَيَوانًا لِعَمَلٍ لم يخْلَقْ له، مثل أن اكْتَرَى البَقَرَ لِلرُّكُوبِ أو الحَمْلِ (٢٣) عليها، أو اكْتَرَى الإِبِلَ والحُمُرَ لِلْحَرْثِ، جازَ؛ لأنَّها مَنْفَعةٌ مَقْصُودةٌ، أمْكَنَ اسْتِيفَاؤُها من الحَيَوان، لم يَرِدِ الشَّرْعُ بِتَحْرِيمِها، فجازَ، كالذى خُلِقَتْ له، ولأنَّ مُقتَضَى المِلْكِ جَوَازُ التَّصَرُّفِ بكلّ ما يَصْلحُ (٢١) له العَيْنُ المَمْلُوكةُ، ويُمْكِنُ تَحْصِيلُه منها، ولا يَمْتَنِعُ ذلك إلَّا بمُعَارِضٍ رَاجِحٍ، إمَّا وُرُودُ نَصٍّ بِتَحْرِيمِه، أو قِيَاسٌ صَحِيحٌ، أو رُجْحانُ مَضَرَّتِه على مَنْفَعَتِه، وليس ههُنا واحدٌ منها، وكثيرٌ من النَّاسِ من الأكْرَادِ وغيرِهم يَحْمِلُونَ على البَقَرِ ويَرْكَبُونَها، وفي بعض البُلْدانِ يحرُثون (٢٤) على

стр. 3902

الإِبِلِ والبِغَالِ والحَمِيرِ، فيكون مَعْنَى خَلْقِها لِلْحَرْثِ إن شاءَ اللَّه، أنَّ مُعْظَمَ الانْتِفاعِ بها فيه، ولا يَمْنَعُ ذلك (٢٥) الانْتِفَاعَ بها في شيءٍ آخَرَ، كما أنَّ الخَيْلَ خُلِقَتْ لِلرُّكُوبِ والزِّينةِ، ويُبَاحُ أكْلُها، واللُّؤْلُؤُ خُلِقَ لِلْحِلْيةِ، ويجوزُ اسْتِعْمالُه في الأَدْوِيةِ وغيرِها. واللَّه أعلمُ. ٩٠٩ - مسألة؛ قال: (وَمَا حَدَثَ في السِّلْعةِ مِنْ يَدِ الصَّانِعِ، ضَمِنَ) وجملتُه أنَّ الأجِيرَ على ضَرْبَيْنِ؛ خاصٌّ، ومُشْتَرَكٌ، فالخاصُّ: هو الذي يَقَعُ العَقْدُ عليه في مُدَّةٍ مَعْلُومةٍ، يَسْتَحِقُّ المُسْتَأْجِرُ نَفْعَه في جَميِعِها، كرَجُلٍ اسْتُؤْجِرَ لخِدْمةٍ، أو عَمَلٍ في بِنَاءٍ أو خِيَاطةٍ، أو رِعَايةٍ، يومًا أو شَهْرًا، سُمِّىَ خاصًّا لِاخْتِصَاصِ المُسْتَأْجِرِ بِنَفْعِه في تلك المُدّةِ دُونَ سائِر النَّاسِ. والمُشْتَرَكُ: الذي يَقَعُ العَقْدُ معه على عَمَلٍ مُعَيَّنٍ، كخِيَاطةِ ثَوْبٍ، وبِنَاءِ حائِطٍ، وحَمْلِ شيءٍ إلى مكانٍ مُعَيَّنٍ، أو على عَمَلٍ في مُدَّةٍ لا يَسْتَحِقُّ جَمِيعَ نَفْعِه فيها، كالكَحَّال، والطَّبِيبِ، سُمِّىَ مُشْتَرَكا لأنَّه يَتَقَبَّلُ أعْمالًا لِاثْنَيْنِ وثَلَاثةٍ وأكْثَر في وَقْتٍ واحدٍ، ويَعْمَلُ لهم، فيَشْتَرِكُونَ في مَنْفَعَتِه واسْتِحْقَاقِها، فسُمِّىَ مُشْتَركًا لِاشْتِرَاكِهِم في مَنْفَعَتِه. فالأجِيرُ المُشْتَرَكُ هو الصانِعُ الذي ذَكَرَه الخِرَقِيُّ، وهو ضامِنٌ لما جَنَتْ يَدُه، فالحائِكُ إذا أَفْسَدَ حِيَاكَتَه ضامِنٌ لما أفْسَدَ. نَصَّ أحمدُ على هذه المَسْألةِ، في رِوَايةِ ابنِ منصورٍ. والقَصَّارُ ضامِنٌ لما يَتَخَرَّقُ من دَقِّه أو مَدِّه أو عَصْرِه أو بَسْطِه. والطَّبّاخُ ضامِنٌ لما أفْسَدَ من طَبِيخِه. والخَبّازُ ضامِنٌ لما أفْسَدَ من خُبْزِه، والحَمَّالُ يَضْمَنُ ما يَسْقُطُ من حِمْلِه عن رَأْسِه، أو تَلِفَ من عَثْرَتِه. والجَمَّالُ يَضْمَنُ ما تَلِفَ بِقَوْدِه، وسَوْقِه، وانْقِطَاعِ حَبْلِه الذي يَشدُّ به حِمْلَهُ. والمَلاحُ يَضْمَنُ ما تَلِفَ من يَدِه، أو جَذْفِه، أو ما يُعَالِجُ به السَّفِينةَ. ورُوِى ذلك عن عمرَ، وعليٍّ، وعبدِ اللَّه بن عُتْبةَ، وشُرَيْحٍ (١)، والحَسَنِ، والحَكَمِ. وهو قول

стр. 3903

أبي حنيفةَ، ومالِكٍ، وأحدُ قَوْلَىِ الشافِعِيِّ، وقال في الآخَر: لا يَضْمَنُ، ما لم يَتَعَدَّ. قال الرَّبِيعُ: هذا مذهبُ الشافِعِيِّ، وإن لم يَبُحْ به. ورُوِى ذلك عن عَطَاءٍ، وطَاوُسٍ، وزُفَر؛ لأنَّها عَيْنٌ مَقْبُوضَةٌ بِعَقْدِ الإِجَارَةِ، فلم تَصِرْ مَضْمُونةً، كالعَيْنِ المُسْتَأْجَرَةِ. ولَنا، ما رَوَى جعفرُ بن محمدٍ، عن أبِيه، عن علىٍّ أنَّه كان يُضَمِّنُ الصَّبَّاغَ والصَّوّاغَ، وقال: لا يُصْلِحُ الناسَ إلَّا ذلك (٢). ورَوَى الشافِعِيُّ، في "مُسْنَدِه" (٣)، بإسْنادِه على عَلِيٍّ، أنَّه كان يُضَمِّنُ الأُجَرَاءَ، ويقول: لا يُصْلِحُ الناسَ إلَّا هذا. ولأنَّ عَمَلَ الأجِيرِ المُشْتَرَكِ مَضْمُونٌ عليه، فما تَوَلَّدَ منه يَجِبُ أن يكونَ مَضْمُونًا، كالعدوان بِقَطْعِ عُضْوٍ، بخِلَافِ الأجِيرِ الخاصِّ، والدّلِيلُ على أنَّ عَمَلَه مَضْمُونٌ عليه، أنَّه لا يَسْتَحِقُّ العِوَضَ إلَّا بالعَمَلِ، وأنَّ الثَّوْبَ لو تَلِفَ في حِرْزِه بعدَ عَمَلِه، لم يكُنْ له أجْرٌ فيما عَمِلَ فيه، وكان ذَهَابُ عَمَلِه من ضَمَانِهِ، بخِلِافِ الخاصِّ، فإنَّه إذا أمْكَنَ المُسْتَأْجِرَ من اسْتِعْمالِه، اسْتَحَقَّ العِوَضَ بمُضِيِّ المُدَّةِ وإن لم يَعْمَلْ، وما عَمِلَ فيه من شيءٍ فتَلِفَ من حِرْزِه، لم يَسْقُطْ أجْرُه بِتَلَفِه. فصل: ذَكَرَ القاضي أنَّ الأجِيرَ المُشْتَرَكَ إنَّما يَضْمَنُ إذا كان يَعْمَلُ في مِلْكِ نَفْسِه، مثل الخَبَّازِ يَخْبِزُ في تَنُّورِه ومِلْكِه، والقَصَّارِ والخَيّاطِ في دُكَّانَيْهِما، قال: ولو دَعَا الرَّجُلُ خَبَّازًا، فخَبَزَ له في دارِه، أو خَيَّاطًا أو قَصَّارًا لِيَقْصِرَ ويَخِيطَ عندَه، لا ضَمَانَ عليه فيما أتْلَفَ، ما لم يُفَرِّطْ؛ لأنَّه سَلَّمَ نَفْسَه إلى المُسْتَأْجِرِ، فيَصِيرُ كالأجِيرِ الخاصِّ. قال: ولو كان صاحِبُ المَتاعِ مع المَلَّاحِ في السَّفِينةِ، أو راكِبًا على الدَّابَّةِ فوقَ حِمْلِه، فعَطِبَ الحِمْلُ، لا ضَمانَ على المَلَّاحِ والمُكَارِى؛ لأنَّ يَدَ صاحِبِ المَتاعِ لم تَزُلْ، ولو كان رَبُّ المَتاعِ والجَمَّالُ راكِبَيْنِ على الحِمْلِ، فتَلِفَ حِمْلُه، لم يَضْمَنْهُ

стр. 3904

الجَمَّالُ؛ لأنَّ [رَبَّ المَتاعِ] (٤) لم يُسَلِّمْهُ إليه. ومذهبُ مالِكٍ والشافِعِيِّ نحوُ هذا. قال أصْحابُ الشافِعِيِّ: لو كان العَمَلُ في دُكَّانِ الأجِيرِ، والمُسْتَأْجِرُ حاضِرٌ، أو اكْتَرَاه لِيَعْمَلَ له شَيْئًا، وهو معه، لم يَضْمَنْ؛ لأنَّ يَدَهُ عليه، فلم يَضْمَنْ من غير جِنَايتِه (٥)، ويَجِبُ له أجْرُ عَمَلِه؛ لأنَّ يَدَه عليه، فكلَّما عَمِلَ شَيْئًا صارَ مُسَلَّمًا إليه. فظاهِرُ كلامِ الخِرَقِيِّ، أنَّه لا فَرْقَ بين كَوْنِه في مِلْكِ نَفْسِه أو مِلْكِ مُسْتَأْجِرِه، أو كان صاحِبُ العَمَلِ حاضِرًا عنده أو غائِبًا عنه، أو كَوْنِه مع المَلَّاحِ أو الجَمَّالِ أو لا. وكذلك قال ابنُ عَقِيلٍ: ما تَلِفَ بجنَايةِ المَلّاحِ بِجَذْفِه، أو بِجِنَايةِ المُكَارِى بِشَدِّه المتَاعَ، ونحوِه، فهو مَضْمُونٌ عليه، سواءٌ كان صاحِبُ المتَاعِ معه، أو لم يكُنْ؛ لأنَّ وُجُوبَ الضَّمَانِ عليه لجِنَايةِ يَدِه، فلا فَرْقَ بين حُضُورِ المالِكِ وغَيْبَتِه، كالعُدْوانِ، ولأنَّ جِنَايةَ الجَمّالِ والمَلَّاحِ، إذا كان صاحِبُ المتَاعِ راكِبًا معه، يَعُمُّ المتَاعَ وصاحِبَه، وتَفْرِيطَه يَعُمُّهُما، فلم يُسْقِطْ ذلك الضَّمانَ، كما لو رَمَى إنْسانًا مُتَتَرِّسًا، فكَسَرَ تُرْسَه وقَتَلَهُ، ولأنَّ الطَّبِيبَ والخَتَّانَ إذا جَنَتْ يَدَاهُما ضَمِنَا مع حُضُورِ المُطَبَّبِ والمَخْتُونِ. وقد ذَكَرَ القاضِى أنَّه لو كان جَمَّالٌ (٦) يَحْمِلُ على رَأْسِه ورَبُّ المتَاعِ معه، فعَثَرَ، فسَقَطَ المتاعُ، فتَلِفَ، ضَمِنَ، وإن سُرِقَ، لم يَضْمَنْ؛ لأنَّه في العِثَارِ تَلِفَ بجِنَايَتِه، والسَّرِقَةُ ليست من جِنَايَتِه، ورَبُّ المالِ لم يَحُلْ بينه وبينه. وهذا يَقْتَضِي أنَّ تَلَفه بجِنَايَتِه مَضْمُونٌ عليه، سواءٌ حَضَرَ رَبُّ المالِ أو غابَ، بل وُجُوبُ الضَّمانِ في مَحلِّ النِّزَاعِ أَوْلَى؛ لأنَّ الفِعْلَ في ذلك (٧) المَوْضِعِ مَقْصُودٌ لِفَاعِلِه، والسَّقْطَةُ من الحَمّالِ غيرُ مَقْصُودةٍ له، فإذا وَجَبَ الضَّمانُ ههُنا، فثَمَّ أَوْلَى. فصل: وذَكَرَ القاضي أنَّه إذا كان المُسْتَأْجِرُ على حَمْلِه عَبِيدًا صِغَارًا أو كِبارًا،

стр. 3905

فلا ضَمَانَ على المُكَارِى فيما تَلِفَ من سَوْقِه وقَوْدِه، إذ لا يَضْمَنُ بنِي آدَمَ من جِهَةِ الإِجَارَةِ؛ لأنَّه عَقْدٌ على مَنْفَعَةٍ. والأَوْلَى وُجُوبُ الضَّمانِ؛ لأنَّ الضَّمانَ ههُنا من جِهَةِ الجِنَايةِ، فوَجَبَ أَن يَعُمَّ بَنِى آدَمَ وغيرَهم، كسائِرِ الجِنَاياتِ. وما ذَكَرَه يَنْتَقِضُ بجِنَايةِ الطَّبِيبِ والخَتَّانِ. فصل: فأمَّا (٨) الأجِيرُ الخاصُّ فهو (٩) الذي يُسْتَأْجَرُ (١٠) مُدَّةً، فلا ضَمانَ عليه، ما لم يَتَعَدَّ. قال أحمدُ، في رِوَايةِ مُهَنَّا، في رَجُلٍ أمَرَ غُلَامَه يَكِيلُ لِرَجُلٍ بَزْرًا، فسَقَطَ الرَّطْلُ من يَدِه، فانْكَسَرَ: لا ضَمانَ عليه. فقيل: أليس هو بمَنْزِلةِ القَصَّارِ؟ قال: لا، القَصّارُ مُشْتَرَكٌ. قيل: فرَجُلٌ اكْتَرَى رَجُلًا يَسْتَقِى ماءً، فكَسَرَ الجَرَّةَ؟ فقال: لا ضَمَانَ عليه. [قيل له: فإن اكْتَرَى رَجُلًا يَحْرُثُ له على بَقَرةٍ، فكَسَرَ الذي يَحْرُثُ به. قال: فلا ضَمَانَ عليه.] (١١) وهذا مذهبُ مالكٍ، وأبي حنيفةَ وأصْحَابِه. وظاهِرُ مَذْهَبِ الشافِعِيِّ، وله قولٌ آخَر: أنَّ جَمِيعَ الأُجَرَاءِ يَضْمَنُونَ. ورَوَى في مُسْنَدِه، عن عَلِيٍّ رَضِىَ اللَّه عنه، أنَّه كان يُضَمِّنُ الأُجَرَاءَ، ويقول: لا يُصْلِحُ النَّاسَ إلَّا هذا. ولَنا، أنَّ عَمَلَه غيرُ مَضْمُونٍ عليه، فلم يَضْمَنْ ما تَلِفَ به، كالقِصَاصِ وقَطْعِ يَدِ السّارِقِ. وخَبَرُ عَلِيٍّ مُرْسَلٌ، والصَّحِيحُ فيه (١٢) أنَّه كان يُضَمِّنُ الصَّبَّاغَ والصَّوَّاغَ، وإن رُوِى مُطْلَقًا، حُمِلَ على هذا فإنَّ المُطْلَقَ يُحْمَلُ على المُقَيَّدِ. ولأنَّ الأجِيرَ الخاصَّ نائِبٌ عن المالِكِ في صَرْفِ مَنَافِعِه إلى ما أمَرَه به، فلم يَضْمَنْ من غيرِ تَعَدٍّ، كالوَكِيلِ والمُضَارِبِ. فأمَّا ما يَتْلَفُ بِتَعَدِّيه، فيَجِبُ ضَمَانُه، مثل الخَبَّازِ الذي يُسْرِفُ في الوَقُودِ، أوَ يَلْزَقُه قبلَ وَقْتِه، أو يَتْرُكُه بعدَ وَقْتِه حتى يَحْتَرِقَ؛ لأنَّه تَلِفَ بِتَعَدِّيه، فضَمِنَه، كغيرِ الأجِيرِ.

стр. 3906

فصل: وإذا اسْتَأْجَرَ الأجِيرُ المُشْتَرَكُ أجِيرًا خاصًّا، كالخَيّاطِ في دُكَّانٍ يَسْتَأْجِرُ أَجِيرًا مُدَّةً، يَسْتَعْمِلُه فيها، فتَقَبَّلَ صاحِبُ الدُّكّانِ خِيَاطةَ ثَوْبٍ، ودَفَعَهُ إلى أجِيرِه، فخَرَقَهُ أو أفْسَدَه، لم يَضْمَنْهُ؛ لأنَّه أجِيرٌ خاصٌّ، ويَضْمَنُه صاحِبُ الدُّكَّانِ؛ لأنَّه أجِيرٌ مُشْتَرَكٌ. فصل: إذا أتْلَفَ الصّانِعُ الثَّوْبَ بعدَ عَمَلِه، فصَاحِبُه مُخَيَّرٌ بين تَضْمِينِه إيَّاه غيرَ مَعْمُولٍ ولا أجْرَ له (١٣)، وبين تَضْمِينِه إيَّاه مَعْمُولًا ويَدْفَعُ إليه أجْرَهُ. ولو وَجَبَ عليه ضَمَانُ المَتاعِ المَحْمُولِ، فصَاحِبُه مُخَيَّرٌ بين تَضْمِينِه قِيمَتَه في المَوْضِعِ الذي سَلَّمَه إليه ولا أجْرَ له، وبين تَضْمِينِه إيَّاه في المَوْضِعِ الذي أفْسَدَه ويُعْطِيه الأجْرَ إلى ذلك المكانِ. وإنَّما كان كذلك؛ لأنَّه إذا أحَبَّ تَضْمِينَه مَعْمُولًا، أو في المكانِ الذي أفْسَدَه فيه، فله ذلك؛ لأنَّه مَلَكَه في ذلك المَوْضِعِ على تِلْكَ الصِّفَةِ، فمَلَكَ المُطَالَبةَ بعِوَضِه حينئذٍ، وإن أحَبَّ تَضْمِينَه قبلَ ذلك، فلأنَّ أجْرَ العَمَلِ لا يَلْزَمُه قبلَ تَسْلِيمِه إليه، وما سُلِّمَ إليه، فلا يَلْزَمُه. فصل: إذا دَفَعَ إلى حائِكٍ غَزْلًا، فقال: انْسِجْه لي عَشْرَةَ أَذْرُعٍ في عَرْضِ ذِرَاعٍ. فنَسَجَه زائِدًا على ما قَدَّرَ له في الطُّولِ والعَرْضِ، فلا أجْرَ له في الزِّيَادةِ؛ لأنَّه غيرُ مَأْمُورٍ بها، وعليه ضَمانُ نَقْصِ الغَزْلِ المَنْسُوجِ فيها، فأمَّا ما عدا الزّائِدَ فيُنْظَرُ فيه؛ فإن كان جاءَ به زائِدًا في الطُّولِ وحدَه، ولم يَنْقُص الأصْلُ بالزِّيَادَةِ فله ما سَمَّى له من الأجْرِ، كما لو اسْتَأْجَرَهُ على أن يَضْرِبَ له مائة لَبِنَةٍ، فضَرَبَ له مائتَيْنِ، وإن جاءَ به زائِدًا في العَرْضِ وحدَه، أو فيهما، ففيه وَجْهانِ؛ أحدهما: لا أجْرَ له؛ لأنَّه مُخالِفٌ لأَمْرِ المُسْتَأْجِرِ، فلم يَسْتَحِقَّ شيئا، كما لو اسْتَأْجَرَه على بِنَاءِ حائِطٍ عَرْضَ ذِرَاعٍ، فبَنَاهُ عَرْضَ ذِرَاعَيْنِ. والثاني، له المُسَمَّى؛ لأنَّه زادَ على ما أمَرَ به، فأشْبَهَ زِيادَةَ الطُّولِ. ومن قال بالوَجْهِ الأَوّلِ، فَرَّقَ بين الطُّولِ والعَرْضِ، بأنَّه يُمْكِنُ قَطْعُ الزائِدِ

стр. 3907

في الطُّولِ، ويَبْقَى الثَّوْبُ على ما أرَادَ، ولا يُمْكِنُ ذلك في العَرْضِ. وأمَّا إن جاءَ به ناقِصًا في الطُّولِ والعَرْضِ، أو في أحَدِهما، ففيه أيضًا وَجْهانِ؛ أحدهما، لا أجْرَ له، وعليه ضَمَانُ نَقْصِ الغَزْلِ؛ لأنَّه مُخالِفٌ لما أُمِرَ به، فأشْبَهَ ما لو اسْتَأْجَرَه على بِنَاءِ حائطٍ عَرْضَ ذِرَاعٍ، فبَنَاهُ عَرْضَ نِصْفِ ذِرَاعٍ. والثاني، له بحِصَّتِه من المُسَمَّى، كمن اسْتُؤْجِرَ على ضَرْبِ لَبِنٍ، فضَرَبَ بعضَه. ويَحْتَمِلُ أنَّه إنْ جاءَ به ناقِصًا في العَرْضِ، فلا شىءَ له، وإن كان ناقِصًا في الطُّولِ، فله بحِصَّتِه من المُسَمَّى؛ لما ذَكَرْنا من الفَرْقِ بين الطُّولِ والعَرْضِ. وإن جاءَ به زائِدًا في أحَدِهما، ناقِصًا في الآخَر، فلا أجْرَ له في الزّائِدِ، وهو في الناقِصِ على ما ذَكَرْنا من التَّفْصِيلِ فيه. وقال محمدُ بن الحَسَنِ في المَوْضِعَيْنِ: يُخَيَّرُ (١٤) صاحِبُ الثَّوْبِ بين دَفْعِ الثَّوْبِ إلى النَّسَّاجِ ومُطَالَبَتِه بثَمَنِ غَزْلِه، وبين أن يَأْخُذَه ويَدْفَعَ إليه المُسَمَّى في الزائِدِ، أو بحِصَّةِ المَنْسُوجِ في الناقِصِ؛ لأنَّ غرَضَه لم يَسْلَمْ له، لأنَّه يَنْتَفِعُ بالطَّوِيلِ ما لا يَنْتَفِعُ بالقَصِيرِ، ويَنْتَفِعُ بالقَصِيرِ ما لا يَنْتَفِعُ بالطَّوِيلِ، فكأنه أتْلَفَ عليه غَزْلَهُ. ولَنا، أنَّه وَجَدَ عَيْنَ مالِه، فلم يكُنْ له المُطَالَبةُ بعِوَضِه، كما لو جاءَ به زائِدًا في الطُّولِ وحدَه. فأمَّا إن أَثَّرَتِ الزِّيادَةُ أو النَّقْصُ في الأصْلِ، مثل أن يَأْمُرَه بِنَسْجِ عَشْرَة أَذْرُعٍ ليكُونَ الثَّوْبُ خَفِيفًا، فنَسَجَه خَمْسَةَ عَشَرَ، فصارَ صَفِيقًا، أو أمَرَه بنَسْجِه خَمْسَةَ عَشَرَ ليكونَ صَفِيقًا، فنَسَجَه عَشَرَةً، فصارَ خَفِيفًا، فلا أجْرَ له بحالٍ، وعليه ضَمَانُ نَقْصِ الغَزْلِ؛ لأنَّه لم يَأْتِ بشيءٍ ممَّا أُمِرَ به. فصل: إذا دَفَعَ إلى خَيَّاطٍ ثَوْبًا، فقال: إن كان يُقْطَعُ قَمِيصًا فاقْطَعْهُ. فقال: هو يُقْطَعُ. وقَطَعَه، فلم يَكْفِ، فعليه ضَمَانُه. وإن قال: انْظُرْ هذا يَكْفِينِى قَميصًا؟ قال: نعم. قال: اقْطَعْه. فقَطَعَه، فلم يَكْفِه، لم يَضْمَنْ. وبهذا قال الشافِعِيُّ، وأصْحابُ الرَّأْى. وقال أبو ثَوْرٍ: لا ضَمَانَ عليه في المَسْأَلَتَيْنِ؛ لأنَّه لو كان غَرَّهُ في

стр. 3908

الأُولَى، لَكان قد (١٥) غَرَّهُ في الثانيةِ. ولَنا، أنَّه إنَّما أذِنَ له في الأُولَى بِشَرْطِ كِفَايَتِه، فقَطَعَه بدُونِ شَرْطِه، وفي الثانيةِ أذِنَ له من غيرِ شَرْطٍ، فافْتَرَقَا، ولم يَجِبْ عليه الضَّمانُ في الأُولَى لِتَغْرِيرِه، بل لِعَدَمِ الإِذْنِ في قَطْعِه؛ لأنَّ إذْنَه مُقَيَّدٌ بِشَرْطِ كِفَايَتِه، فلا يكونُ إذْنًا في غيرِ ما وُجِدَ فيه الشَّرْطُ، بخِلَافِ الثانيةِ. فصل: فإن أمَرَه أن يَقْطَعَ الثَّوْبَ قَمِيصَ رَجُلٍ، فقَطَعَه قَمِيصَ امْرأةٍ، فعليه غُرْمُ ما بين قِيمَتِه صَحِيحًا ومَقْطُوعًا؛ لأنَّ هذا قَطْعٌ غيرُ مَأْذُونٍ فيه، فأشْبَهَ ما لو قَطَعَه من غيرِ إذْنٍ. وقيل: يَغْرَمُ ما بين قَمِيصِ امْرَأةٍ وقمِيصِ رَجُلٍ؛ لأنَّه مَأْذُونٌ في قَمِيصٍ في الجُمْلةِ. والأَوّلُ أصَحُّ؛ لأنَّ المَأْذُونَ فيه قَمِيصٌ مَوْصُوفٌ بصِفَةٍ، فإذا قَطَعَ قَمِيصًا غيرَه، لم يكُنْ فاعِلًا لما أُذِنَ فيه، فكان مُتَعَدِّيًا بِابْتِدَاءِ القَطْعِ، ولذلك لا يَسْتَحِقُّ على القَطْعِ أجْرًا، ولو فَعَلَ ما أُمِرَ به، لَاسْتَحَقَّ أجْرَهُ. فصل: وإن اخْتَلَفَا، فقال: أَذِنْتَ لي في قَطْعِه قَمِيصَ امْرَأةٍ. وقال: بل أَذِنْتُ لك في قَطْعِه قَمِيصَ رَجُلٍ. أو قال: أذِنْتَ لي في قَطْعِه قَمِيصًا. قال: بل قَبَاءً. أو قال الصَّبَّاغُ: أمَرْتَنِى بصَبْغِه أحْمَرَ. قال: بل أسْوَدَ. فالقولُ قولُ الخَيَّاطِ والصَّبَّاغِ. نَصَّ عليه أحمدُ، في رِوَايةِ ابنِ منصورٍ (١٦). وهذا قولُ ابنِ أبي لَيْلَى. وقال مالِكٌ، وأبو حنيفةَ، [وأبو ثَوْرٍ] (١٧): القولُ قولُ رَبِّ الثَّوْبِ. واخْتَلَفَ أصْحابُ الشافِعِيِّ، فمنهم مَن قال: له قَوْلَان، كالمَذْهَبَيْنِ. ومنهم من قال: له قولٌ ثالِثٌ، أنَّهما يَتَحالَفَانِ، كالمُتَبَايِعَيْنِ يَخْتَلِفانِ في الثَّمَنِ. ومنهم مَن قال: الصَّحِيحُ أنَّ القولَ قولُ رَبِّ الثَّوْبِ؛ لأَنَّهما اخْتَلَفَا في صِفَةِ إذْنِه، والقولُ قولُه في أصْلِ الإِذْنِ، فكذلك في صِفَتِه، ولأنَّ الأصْلَ عَدَمُ الإذْنِ المُخْتَلَفِ فيه، فالقولُ قولُ من يَنْفِيه. ولَنا، أنَّهما

стр. 3909

اتَّفَقَا على (١٨) الإِذْنِ واخْتَلَفَا في صِفَتِه، فكان القولُ قولَ المَأْذُونِ له، كالمُضَارِبِ إذا قال: أذِنْتَ لي في البَيْعِ نَسَاءً. ولأنَّهما اتَّفَقَا على مِلْكِ الخَيّاطِ القَطْعَ، والصَّبَّاغِ الصَّبْغَ. والظاهِرُ أنَّه فَعَلَ ما مَلَكَه، واخْتَلَفَا في لُزُومِ الغُرْمِ له، والأصْلُ عَدَمُه. فعلى هذا يَحْلِفُ الخَيَّاطُ والصَّبَّاغُ باللهِ لقد أذِنْتَ لي في قَطْعِه قَبَاءً، وصَبْغِه أحْمَرَ. ويَسْقُطُ عنه الغُرْمُ، ويكونُ له أجْرُ مِثْلِه؛ لأنَّه ثَبَتَ وُجُودُ فِعْلِه المَأْذُون فيه بعِوَضٍ، ولا يَسْتَحِقُّ المُسَمَّى؛ لأنَّ المُسَمَّى ثَبَتَ بِقَوْلِه ودَعْوَاه، فلا يَحْنَثُ بِيَمِنِه (١٩)، ولأنَّ النبيَّ ﷺ قال: "لَوْ يُعْطى النَّاسُ بِدَعْوَاهُم، لَادَّعَى قَوْمٌ دِمَاءَ قَوْمٍ وأمْوَالَهُم، ولكِنَّ اليَمِينَ عَلَى المُدَّعَى عَلَيْهِ". أخْرَجَهُ مُسْلِمٌ (٢٠). فأمَّا المُسَمَّى في العَقْدِ، فإنَّما يَعْتَرِفُ رَبُّ الثَّوْبِ بِتَسْمِيَتِه أجْرًا، وقَطْعِه قَمِيصًا، وصَبْغِه أسْوَدَ. فأمَّا من قال: القولُ قولُ رَبِّ الثَّوْبِ. فإنَّه يَحْلِفُ بالله: ما أذِنْتُ (٢١) في قَطْعِه قَبَاءً، ولا صَبْغِه أحْمَرَ. ويَسْقُطُ عنه المُسَمَّى. ولا يَجِبُ لِلخَيّاطِ والصَّبّاغِ شيءٌ؛ لأنَّهما فَعَلَا غيرَ ما أذِنَ لهما فيه. وذَكَرَ ابنُ أبي موسى، عن أحمدَ، رِوَايةً أخرى، أنَّ صاحِبَ الثَّوْبِ إذا لم يكُنْ ممَّن (٢٢) يَلْبَسُ الأَقْبِيةَ والأحمرَ (٢٣)، فالقولُ قولُه، وعلى الصَّانِعِ غُرْمُ ما نَقَصَ بالقَطْعِ، وضَمَانُ ما أفْسَدَ، ولا أجْرَ له؛ لأنَّ قَرِينةَ حالِ رَبِّ الثَّوْبِ (٢٤) تَدُلُّ على صِدْقِه، فتَتَرَجَّحُ دَعْوَاه بهما، كما لو اخْتَلَفَا في حائِطٍ لأحَدِهِما عليه عقدٌ أو أَزَجٌ، رَجَّحْنا دَعْوَاه بذلك. وإن اخْتَلَفَ الزَّوْجانِ في مَتَاعِ البَيْتِ، رَجَّحْنا دَعْوَى كلِّ واحدٍ منهما فيما يَصْلُحُ له. ولو اخْتَلَفَ صانِعانِ في الآلةِ التي في دُكَّانِهِما، رَجَّحْنا قولَ كلِّ

стр. 3910

واحدٍ منهما في آلةِ صِنَاعَتِه. فعلى هذا يَحْلِفُ رَبُّ الثَّوْبِ: ما أذِنْتُ لك في قَطْعِه قَبَاءً. ويَكْفِى هذا لأنه ينْتَفِى (٢٥) به الإِذْنُ، فيَصِيرُ قاطِعًا لغيرِ ما أُذِنَ فيه. فإن كان القَبَاءُ مَخِيطًا بِخُيُوطٍ لِمَالِكِه، لم يَمْلِكِ الخَيّاطُ فَتْقَه، وكان لِمَالِكِه أخْذُه مَخِيطًا بلا عِوَضٍ؛ لأنَّه عَمِلَ في مِلْكِ غيرِه عَمَلًا مُجَرَّدًا عن عَيْنٍ مَمْلُوكةٍ له، فلم يكُنْ له إزَالَتُه، كما لو نَقَلَ مِلْكَ غيرِه من مَوْضِعٍ إلى مَوْضِعٍ، لم يكُنْ له رَدُّه إذا رَضِىَ صاحِبُه بِتَرْكِه فيه. وإن كانت الخُيُوطُ لِلخَيّاطِ، فله نَزْعُها؛ لأنَّها عَيْنُ مالِه، ولا يَلْزَمُه أخْذُ قِيمَتِها؛ لأنَّها مِلْكُه، ولا يَتْلَفُ بأَخْذِها مالَه حُرْمَةٌ. فإن اتَّفَقَا على تَعْوِيضِه عنها، جازَ؛ لأنَّ الحَقَّ لهما. وإن قال رَبُّ الثَّوْبِ: أنا أشُدُّ في كلِّ خَيْطٍ خَيْطًا. حتى إذا سَلَّهُ عادَ خَيْطُ رَبِّ الثَّوْبِ في مَكانِه، لم يَلْزَمِ الخَيَّاطَ الإِجَابةُ إلى ذلك؛ لأنَّه انْتِفَاعٌ بمِلْكِه. وحُكْمُ الصَّبّاغِ في قَلْعِ الصِّبْغِ إن أحَبَّه، وفي غيرِ ذلك من أحْكَامِه، حُكْمُ صِبْغِ الغاصِبِ. على ما مَضَى في بابِه. والذي يَقْوَى عندى، أنَّ القولَ قولُ رَبِّ الثَّوْبِ؛ لما ذَكَرْنا في دَلِيلِهِم. فصل: وكلُّ من اسْتُؤْجِرَ على عَمَلٍ في عَيْنٍ، فلا يَخْلُو؛ إمَّا أن يُوقِعَهُ وهى في يَدِ الأجِيرِ، كالصَّبَّاغِ يَصْبُغُ في حَانُوتِه، والخَيَّاطِ في دُكَّانِه، فلا يَبْرَأُ من العَمَلِ حتى يُسَلِّمَها إلى المُسْتَأْجِرِ، ولا يَسْتَحِقُّ الأجْرَ حتى يُسَلِّمَه مَفْرُوغًا منه؛ لأنَّ المَعْقُودَ عليه في مُدَّةٍ، فلا يَبْرأُ منه ما لم يُسَلِّمْه إلى العاقِدِ، كالمَبِيعِ من الطَّعامِ، لا يَبْرَأُ منه قبلَ تَسْلِيمِه إلى المُشْتَرِى. وأمَّا إن كان يُوقِعُ العَمَلَ في مِلْكِ المُسْتَأْجِرِ، مثل أن يُحْضِرَهُ المُسْتَأْجِرُ إلى دَارِه لِيَخِيطَ فيها، أو يَصْبُغَ فيها، فإنَّه يَبْرَأُ من العَمَلِ، ويَسْتَحِقُّ أجْرَه بمُجَرَّدِ عَمَلِه؛ لأنَّه في يَدِ المُسْتَأْجِرِ، فيَصِيرُ مُسَلِّمًا لِلْعَمَلِ حالًا فحالًا. ولو اسْتَأْجَرَ رَجُلًا يَبْنِي له حائِطًا في دارِه، أو يَحْفِرُ فيها بِئْرًا، لَبَرِىءَ من العَمَلِ، واسْتَحَقَّ أجْرَه بمُجَرَّدِ عَمَلِه. ولو كانت البِئْرُ في الصَّحْراءِ، أو الحائِطُ، لم يَبْرَأ بمُجَرَّدِ العَمَلِ. ولو انْهارَتْ

стр. 3911

عَقِيبَ الحَفْرِ، أو الحائطُ بعدَ بِنَائِه وقبلَ تَسْلِيمِه، لم يَبْرَأْ من العَمَلِ. نَصَّ عليه أحمدُ، في رِوَايةِ ابنِ مَنصورٍ. فإنَّه إذا قال: اسْتَعْمِلْ ألْفَ لَبِنَةٍ في كذا وكذا. فعَمِلَ، ثم سَقَطَ، فله الكِرَاءُ. وأمَّا الأجيرُ الخاصُّ فيَسْتَحِقُّ أجْرَه بمُضِيِّ المُدَّةِ، سواءٌ تَلِفَ ما عَمِلَه أو لم يَتْلَفْ. نَصَّ عليه أَحمدُ، فقال: إذا اسْتَأْجَرَه يَوْمًا، فعَمِلَ، وسَقَطَ عندَ اللَّيْلِ ما عَمِلَ، فله الكِرَاءُ؛ وذلك لأنَّه إنَّما يَلْزَمُه تَسْلِيمُ نَفْسِه، وعَمَل ما يُسْتَعْمَلُ فيه، وقد وُجِدَ ذلك منه، بخِلَافِ الأجِيرِ المُشْتَرَكِ. ولو اسْتَأْجَرَ أجِيرًا لِيَبْنِىَ له حائِطًا طُوله عَشْرَةُ أذْرُعٍ، فبَنَى بعضَه، فسَقَطَ، لم يَسْتَحِقَّ شَيْئًا حتى يُتَمِّمَهُ، سواءٌ كان في مِلْكِ المُسْتَأْجِرِ أو في غيرِه؛ لأنَّ الاسْتِحْقاقَ مَشْرُوطٌ بإتْمامِه، ولم يُوجَدْ. قال أحمدُ: إذا قيل له: ارْفَعْ حائِطًا كذا وكذا ذِرَاعًا. فعليه أن يُوَفِّيَه، فإن سَقَطَ، فعليه التَّمامُ. وكذا لو اسْتَأْجَرَه لِيَحْفِرَ له بِئْرًا عُمْقُها عَشْرَةُ أذْرُعٍ، فحَفَرَ منها خَمْسةً، وانْهارَ فيها تُرابٌ من جَوَانِبِها، لم يَسْتَحِقَّ شيئا حتى يُتَمِّمَ حَفْرَهَا. ٩١٠ - مسألة؛ قال: (وَإِنْ تَلِفَتْ مِنْ حِرْزٍ، فَلَا ضَمَانَ عَلَيْهِ، وَلَا أجْرَ لَهُ فِيمَا عَمِلَ فِيهَا) اخْتَلَفَتِ الرِّوايةُ عن أحمدَ، في الأجِيرِ المُشْتَرَكِ إذا تَلِفَتِ العَيْنُ من حِرْزِه، من غير تَعَدٍّ منه ولا تَفْرِيطٍ، فرُوِى عنه: لا يَضْمَنُ. نَصَّ عليه، في رِوَايةِ ابنِ منصورٍ. وهو قولُ طاوُسٍ، وعَطَاءٍ، وأبى حنيفةَ، وزُفَر، وقولُ الشافِعِيِّ. ورُوِي عن أحمدَ، إن كان هَلَاكُه بما اسْتَطاعَ، ضَمِنَه، وإن كان غَرَقًا أو عَدُوًّا غالِبًا، فلا ضَمَانَ. قال أحمدُ، في رِوَايةِ أبي طالبٍ: إذا جَنَتْ يَدُه، أو ضاعَ من بين مَتَاعِه، ضَمِنَه، وإن كان عَدُوًّا أو غَرَقًا، فلا ضَمَانَ. ونحوَ هذا قال أبو يوسفَ. والصَّحِيحُ في المذهبِ الأَوَّلُ. وهذه الرِّوَايةُ تَحْتَمِلُ أنَّه إنَّما أوْجَبَ عليه الضَّمَانَ إذا تَلِفَ من بين مَتَاعِه خاصَّةً؛ لأنَّه يُتَّهَمُ. ولهذا قال في الوَدِيعَةِ، في رِوَايةٍ: إنَّها تُضْمَنُ إذا ذَهَبَتْ من بين مالِه، فأمَّا غيرُ ذلك فلا ضَمَانَ عليه؛ لأنَّ تخْصِيصَهُ (١) التَّضْمِينَ بما إذا تَلِفَ من بين مَتَاعِه، يَدُلُّ على أنَّه

стр. 3912

لا يَضْمَنُ إذا تَلِفَ مع مَتَاعِه، ولأنَّه إذا لم يكُنْ منه تَفْرِيطٌ ولا عُدْوانٌ، فلا يَجبُ عليه الضَّمانُ، كما لو تَلِفَتْ بأمْرٍ غالِبٍ. وقال مالِكٌ، وابنُ أبي لَيْلَى: يَضْمَنُ بكلِّ حالٍ؛ لقولِ النَّبيِّ ﷺ : "عَلَى اليَدِ ما أخَذَتْ حَتَى تؤَدِّيَهُ" (٢). ولأنَّه قَبَضَ العَيْنَ لِمَنْفَعةِ نَفْسِه من غيرِ اسْتحْقاقٍ، فلَزِمَهُ ضَمَانُها، كالمُسْتَعِيرِ. ولَنا، أنَّها عَيْنٌ مَقْبُوضةٌ بِعَقْدِ الإِجَارةِ، لم يُتْلِفها بفِعْلِه، فلم يَضْمَنْها، كالعَيْنِ المُسْتَأْجرةِ، ولأنَّه قَبَضَها بإذْنِ مالِكِها لِنَفْعٍ يَعُودُ إليهما، فلم يَضْمَنْها، كالمُضَارِبِ والشَّرِيكِ والمُسْتَأْجِرِ، وكما لو تَلِفَتْ بأمْرٍ غالِبٍ. ويُخَالِفُ العارِيّةَ، فإنَّه يَنْفَرِدُ بِنَفْعِها. والخَبَرُ مَخْصُوصٌ بما ذَكَرْنا من الأُصُولِ، فيَخُصُّ مَحلَّ النِّزَاعِ بالقِيَاسِ عليها. إذا ثَبَتَ هذا، فإنَّه لا أجْرَ له فيما عَمِلَ فيها؛ لأنَّه لم يُسَلِّمْ عَمَلَه إلى المُسْتَأْجِرِ، فلم يَسْتَحِقَّ عِوَضَه، كالمَبِيعِ من الطَّعَامِ إذا تَلِفَ في يَدِ البائِع قبلَ تَسْلِيمِه. فصل (٣): وإذا حَبَسَ الصانِعُ الثَّوْبَ بعدَ عَمَلِه، على اسْتِيفاءِ الأجْرِ، فتَلِفَ، ضَمِنَه؛ لأنَّه لم يَرْهَنْه عندَه، ولا أذِنَ له في إمْساكِه، فلَزِمَهُ الضَّمَانُ، كالغاصِبِ. فصل: إذا أخْطأَ القَصَّارُ، فدَفَعَ الثَّوْبَ إلى غيرِ مالِكِه، فعليه ضَمَانُه؛ لأنَّه فَوَّتَه على مالِكِه. قال أحمدُ: يَغْرَمُ القَصَّارُ، ولا يسَعُ المَدْفُوعَ إليه لُبْسُه إذا عَلِمَ أنَّه ليس ثَوْبَه، وعليه رَدُّه إلى القَصَّارِ، ويُطَالِبُه بِثَوْبِه. فإن لم يَعْلَم القابِضُ حتى قَطَعَه ولَبِسَه، ثم عَلِمَ، رَدَّهُ مَقْطُوعًا، وضَمِنَ أرْشَ القَطْعِ، وله مُطَالَبَتُه بِثَوْبِه إن كان مَوْجُودًا. وإن هَلَكَ عندَ القَصَّارِ، فهل يَضْمَنُه؟ فيه رِوَايَتانِ؛ إحْداهما، يَضْمَنُه؛ لأنَّه أمْسَكَه بغيرِ إذْنِ صَاحِبِه بعدَ طَلَبِه، فضَمِنَه، كما لو عَلِمَ. والثانية، لا يَضْمَنُه؛ لأنَّه لم يُمْكِنْه رَدُّه، فأشْبَهَ ما لو عَجزَ عن دَفْعِه لِمَرَضٍ. فصل: والعَيْنُ المُسْتَأْجَرَةُ أمانةٌ في يَدِ المُسْتَأْجِرِ، إن تَلِفَتْ بغيرِ تَفْرِيطٍ، لم يَضْمَنْها. قال الأثْرَمُ: سَمِعْتُ أبا عبدِ اللَّه يُسْألُ عن الذين يُكْرُونَ الْمَظَلَّ (٤) أو

стр. 3913

الخَيْمةَ إلى مَكَّةَ، فيَذْهَبُ من المُكْتَرِى بسَرَقٍ أو بِذهَابٍ، هل يَضْمَنُ؟ قال: أرْجُو أن لا يَضْمَنَ، وكيف يَضْمَنُ؟ إذا ذَهَبَ لا يَضْمَنُ. ولا نَعْلَمُ في هذا خِلَافًا؛ وذلك لأنَّه قَبَضَ العَيْنَ لِاسْتِيفاءِ مَنْفَعةٍ يَستَحِقُّها منها، فكانت أمانةً، كما لو قَبَضَ العَبْدَ المُوصَى له بخِدْمَتِه سنةً، أو قَبَضَ الزَّوْجُ امْرَأتَه الأمَةَ. ويُخَالِفُ العارِيَّةَ؛ فإنَّه لا يَسْتَحِقُّ مَنْفَعَتَها، وإذا انْقَضَتِ المُدَّةُ، فعليه رَفْعُ يَدِه، وليس عليه الرَّدُّ. أوْمَأَ إليه، في رِوَايةِ ابنِ منصورٍ، فقيل له: إذا اكْتَرَى دَابّةً، أو اسْتَعارَ، أو اسْتُودِعَ، فليس عليه أن يَحْمِلَه؟ فقال أحمدُ: مَن اسْتَعارَ شيئا، فعليه رَدُّه من حيثُ أخَذَه. فأوْجَبَ الرَّدَّ في العارِيَّةِ، ولم يُوجِبْه في الإِجَارَةِ والوَدِيعَةِ. ووَجْهُه أنَّه عَقْدٌ لا يَقْتَضِى الضَّمانَ (٥)، فلا يَقْتَضِى رَدَّه ومُؤْنَتَه، كالوَدِيعةِ. وفارَقَ العارِيّةَ؛ فإنَّ ضَمَانَها يَجِبُ، فكذلك رَدُّها. وعلى هذا متى انْقَضَتِ المُدَّةُ كانت العَيْنُ في يَدِه أمانةً، كالوَدِيعةِ، إن تَلِفَتْ من غيرِ تَفرِيطٍ، فلا ضَمَانَ عليه، وهذا قولُ بعضِ الشافِعِيّةِ. وقال بعضُهم: يَضْمَنُ؛ لأنَّه بعدَ انْقِضاءِ الإِجَارَةِ غيرُ مَأْذُونٍ له في إمْسَاكِها، أشْبَه العارِيَّةَ المُؤَقَّتةَ بعدَ وَقْتِها. ولَنا، أنَّها أمانةٌ أشْبَهَتِ الوَدِيعةَ، ولأنَّه لو وَجَبَ ضَمَانُها لَوَجَبَ رَدُّها. وأمَّا العارِيَّةُ فإنَّها مَضْمُونةٌ في كلِّ حالٍ، بخِلَافِ مَسْأَلَتِنا، ولأنَّه يَجِبُ رَدُّها. وعلى كلِّ حالٍ، متى طَلَبها صاحِبُها وَجَبَ تَسْلِيمُها إليه، فإن امْتَنَعَ من رَدِّها لغيرِ عُذْرٍ، صارَتْ مَضْمُونةً، كالمَغْصُوبةِ. فصل: فإن شَرَطَ المُؤْجِرُ على المُسْتَأْجِرِ ضَمَانَ العَيْنِ، فالشَّرْطُ فاسِدٌ؛ لأنَّه يُنَافِي مُقْتَضَى العَقْدِ. وهل تَفْسُدُ الإِجَارَةُ به؟ فيه وَجْهانِ، بِنَاءً على الشُّرُوطِ الفاسِدَةِ في البَيْعِ. وقال أحمدُ، فيما إذا شَرَطَ ضَمَانَ العَيْنِ: الكِرَاءُ والضَّمَانُ مَكْرُوهٌ. ورَوَى الأثْرَمُ، بإسْنادِه، عن ابنِ عمرَ، قال: لا يَصْلُحُ الكِرَاءُ بالضَّمَانِ. وعن فُقَهاءِ المَدِينةِ أنَّهم كانوا يقولون: لا نَكْتَرِى بِضَمانٍ، إلَّا أنَّه من شَرَطَ على كَرِيٍّ أنَّه لا يُنْزِلُ مَتَاعَه

стр. 3914

بَطْنَ وادٍ، أو لا يَسِيرُ به لَيْلًا، مع أشْباهِ هذه الشُّرُوطِ، فتَعَدَّى ذلك، فتَلِفَ شيءٌ ممَّا حَمَلَ في ذلك التَّعَدِّي، فهو ضامِنٌ، فأمَّا غيرُ ذلك، فلا يَصِحُّ شَرْطُ الضَّمانِ فيه، وإن شَرَطَه لم يَصِحَّ الشَّرْطُ؛ لأنَّ ما لا يَجِبُ ضَمَانُه لا يُصَيِّرُه الشَّرْطُ (٦) مَضْمُونًا، وما يَجِبُ ضَمَانُه لا يَنْتَفِى ضَمَانُه بِشَرْطِ نَفْيه. وعن أحمدَ، أنَّه سُئِلَ عن ذلك، فقال: المُسْلِمُونَ على شُرُوطِهِم. وهذا يَدلُّ على نَفْىِ الضَّمَانِ بشَرْطِه، ووُجُوبِه بِشَرْطِه (٧)؛ لقَوْلِه ﷺ : "المُسْلِمُونَ على شُرُوطِهِم" (٨). فأمَّا إن أكْرَاهُ عَيْنًا، وشَرَطَ عليه أن لا يَسِيرَ بها في اللَّيْلِ، أو وَقْتَ القائِلَةِ، أو لا يَتَأَخَّرَ بها عن القافِلَةِ. أو لا يَجْعَلَ سَيْرَه في آخِرِها، أو لا يَسْلُكَ بها الطَّرِيقَ الفُلَانِيَّةَ، وأشْبَاه هذا ممَّا له فيه غَرَضٌ مُخَالِفٌ، ضَمِنَ؛ لأنَّه مُتَعَدٍّ لِشَرْطِ كَرْيِه، فضَمِنَ ما تَلِفَ به، كما لو شَرَطَ عليه أن لا يَحْمِلَ عليها إلَّا قَفِيزًا، فحَمَلَ اثْنَيْنِ. فصل: وإن كانت الإِجارةُ فاسِدَةً، لم يَضْمَنِ العَيْنَ أيضًا إذا تَلِفَتْ بغيرِ تَفْرِيطٍ ولا تَعَدٍّ؛ لأنَّه عَقْدٌ لا يَقْتَضِى الضَّمَانَ صَحِيحُه، فلا يَقْتَضِيه فاسِدُه، كالوَكَالَةِ والمُضَارَبةِ. وحُكْمُ كلِّ عَقْدٍ فاسِدٍ في وُجُوبِ الضَّمَانِ، حُكْمُ صَحِيحِه، فما وَجَبَ الضَّمانُ في صَحِيحِه وَجَبَ في فاسِدِه، وما لم يَجِبْ في صَحِيحِه لم يَجِبْ في فاسِدِه. فصل: ولِلْمُسْتَأْجِرِ ضَرْبُ الدَّابَّةِ بِقَدْرِ ما جَرَتْ به العادَةُ، ويَكْبَحُها باللِّجَامِ لِلاسْتِصْلاحِ، ويَحُثُّها على السَّيْرِ (٩) لِيَلْحَقَ القافِلَةَ، وقد صَحَّ أن النبيَّ ﷺ نَخَسَ

стр. 3915

بَعِيرَ جابِرٍ، وضَرَبَهُ (١٠). وكان أبو بكرٍ، رَضِىَ اللَّه عنه، يَخْرِشُ بَعِيرَه بمِحْجَنِه. ولِلرَّائِضِ ضَرْبُ الدَّابَّةِ لِلتَّأْدِيبِ، وتَرْتِيبِ المَشْىِ، والعَدْوِ، والسَّيْرِ. ولِلْمُعَلِّمِ ضَرْبُ الصِّبْيانِ لِلتَّأْدِيبِ. قال الأثْرَمُ: سُئِلَ أحمدُ، عن ضَرْبِ المُعَلِّمِ الصِّبْيانَ. قال: على قَدْرِ ذُنُوبِهِم، ويَتَوَقَّى بِجُهْدِه الضَّرْبَ، وإذا كان صَغِيرًا لا يَعْقِلُ فلا يَضْرِبْه. ومن ضَرَبَ من (١١) هؤلاءِ كُلِّهم (١٢) الضَّرْبَ المَأْذُونَ فيه، لم يَضْمَنْ ما تَلِفَ. وبهذا في الدَّابّةِ، قال مالِكٌ والشافِعيُّ، وإسحاقُ، وأبو ثَوْرٍ، وأبو يوسفَ، ومحمدٌ. وقال الثَّوْرِيُّ، وأبو حنيفةَ: يَضْمَنُ؛ لأنَّه تَلِفَ بجِنَايَتِه، فضَمِنَه، كغيرِ المُسْتَأْجِرِ، وكذلك قال الشافِعِيُّ في المُعَلِّمِ يَضْرِبُ الصَّبِيَّ؛ لأنَّه يُمْكِنُه تَأْدِيبُه بغيرِ الضَّرْبِ. ولَنا، أنه تَلِفَ من فِعْلٍ مُسْتَحَقٍّ، فلم يَضْمَنْ، كما لو تَلِفَ تحت الحِمْلِ، ولأنَّ الضَّرْبَ مَعْنًى تَضَمَّنَهُ عَقْدُ الإِجَارةِ، فإذا تَلِفَ منه لم يَضْمَنْ، كالرُّكُوبِ. وفارَقَ غيرَ المُسْتَأْجِرِ؛ لأنَّه مُتَعَدٍّ. وقول الشافِعيِّ: يُمْكِنُ التَّأْدِيبُ بغيرِ الضَّرْبِ. لا يَصِحُّ؛ فإنَّ العادَةَ خِلَافُه، ولو أمْكَنَ التَّأْدِيبُ بدونِ الضَّرْبِ، لَما جازَ الضَّرْبُ، إذ فيه ضَرَرٌ وإيلَامٌ مُسْتَغْنًى عنه. وإن أسْرَفَ في هذا كلِّه، أو زادَ على ما يَحْصُلُ الغِنَى (١٣) به، أو ضَرَبَ مَنْ لا عَقْلَ له من الصِّبْيانِ، فعليه الضَّمانُ؛ لأنَّه مُتَعَدٍّ حَصَلَ التَّلَفُ بِعُدْوانِه.

стр. 3916

٩١١ - مسألة؛ قال: (وَلَا ضَمَانَ عَلَى حَجَّامٍ، ولَا خَتَّانٍ، ولَا مُتَطَبِّبٍ، إذَا عُرِفَ مِنْهُمْ حِذْقُ الصَّنْعةِ، وَلَمْ تَجْنِ أيْدِيهِمْ) وجملتُه أنَّ هؤلاءِ إذا فَعَلُوا ما أُمِرُوا به، لم يَضْمَنُوا بِشَرْطَيْنِ؛ أحدهما، أن يكونوا ذَوِى حِذْقٍ في صِنَاعَتِهِم، ولهم بها بَصَارَةٌ ومَعْرِفةٌ؛ لأنَّه إذا لم يكُنْ كذلك لم يَحِلَّ له مُبَاشَرَةُ القَطْعِ، وإذا قَطَعَ مع هذا كان فِعْلًا مُحَرَّمًا، فيَضْمَنُ سِرَايَتَه، كالقَطْعِ ابْتِداءً. الثاني، أن لا تَجْنِىَ أيْدِيهُم، فيَتَجَاوَزُوا ما يَنْبَغِى أن يُقْطَعَ. فإذا وُجِدَ هذان الشَّرْطانِ، لم يَضْمَنُوا؛ لأنَّهم قَطَعُوا قَطْعًا مَأْذُونًا فيه، فلم يَضْمَنُوا سِرَايَتَه، كقَطْعِ الإِمَامِ يَدَ السَّارِقِ، أو فَعَلَ فِعْلًا مُباحًا مَأْذُونًا في فِعْلِه، أشْبَهَ ما ذَكَرْنا. فأمَّا إن كان حاذِقًا وَجَنَتْ يَدُه، مثل أن تَجَاوَزَ قَطْعَ الخِتَانِ إلى الحَشَفَةِ، أو إلى بعضِها، أو قَطَعَ في غيرِ مَحلِّ القَطْعِ، أو يَقْطَعُ [الطَّبِيبُ سَلْعَةً] (١) من إنْسانٍ، فيَتَجاوَزُها، أو يَقْطَعُ بآلةٍ كَالَّةٍ يَكْثُرُ أَلَمُها، أو في وَقْتٍ لا يَصْلُحُ القَطْعُ فيه، وأشْباه هذا، ضَمِنَ فيه كلِّه؛ لأنَّه إتْلافٌ لا يَخْتَلِفُ ضَمَانُه بالعَمْدِ والخَطَإِ، فأشْبَه إتْلافَ المالِ، ولأنَّ هذا فِعْلٌ مُحَرَّمٌ، فيَضْمَنُ سِرَايَتَه، كالقَطْعِ ابْتِداءً. وكذلك الحُكْمُ في النَّزَّاعِ (٢) والقاطِعِ في القِصَاصِ، وقاطِع يَدِ السّارِقِ. وهذا مذهبُ الشافِعِيِّ، وأصْحابِ الرَّأْى، ولا نَعْلَمُ فيه خِلَافًا. فصل: وإن خَتَنَ صَبِيًّا بغيرِ إذْنِ وَلِيِّه، أو قَطَعَ سَلْعَةً من إنْسانٍ بغيرِ إذْنِه، أو من صَبِيٍّ بغيرِ إذْنِ وَلِيِّه، فسَرتْ جِنَايَتُه، ضَمِنَ؛ لأنَّه قَطْعٌ غيرُ مَأْذُونٍ فيه، وإن فَعَلَ ذلك الحاكِمُ، أو من له وِلَايةٌ عليه، أو فَعَلَه مَن أذِنَا له، لم يَضْمَنْ؛ لأنَّه مَأْذُونٌ فيه شَرْعًا. فصل: ويجوزُ الاسْتِئْجارُ على الخِتَانِ، والمُدَاوَاةِ، وقَطْعِ السَّلْعَةِ. لا نَعْلَمُ فيه خِلَافًا؛ ولأنَّه فِعْلٌ يُحْتاجُ إليه، مَأْذُونٌ فيه شَرْعًا، فجازَ الاسْتِئْجارُ عليه، كسائِرِ الأفْعالِ المُبَاحةِ.

стр. 3917

فصل: ويجوزُ أن يَسْتَأْجِرَ حَجَّامًا لِيَحْجُمَهُ، وأجْرُه مُباحٌ. وهذا اخْتِيارُ أبي الخَطَّابِ. وهذا قولُ ابن عَبَّاسٍ، قال: أنا آكلُه (٣). وبه قال عِكْرِمَةُ، والقاسِمُ، وأبو جعفرٍ، ومحمدُ بن عليِّ بن الحُسَيْنِ، ورَبِيعَةُ، ويحيى الأنْصَارِيُّ، ومالِكٌ، والشافِعِيُّ، وأصْحابُ الرأى. وقال القاضي: لا يُبَاحُ أجْرُ الحَجَّامِ. وذَكَرَ أنَّ أحمدَ نَصَّ عليه في مواضِعَ، وقال: وإن (٤) أُعْطِىَ شيئًا من غير عَقْدٍ ولا شَرْطٍ، فله أخْذُه، ويَصْرِفُه في عَلْفِ دَوابِّه، وطُعْمَةِ عَبِيدهِ، ومُؤْنةِ صِنَاعَتِه، ولا يَحِلُّ له أكْلُه. وممَّن كَرِهَ كَسْبَ الحَجّامِ عثمانُ، وأبو هُرَيْرةَ، والحَسَنُ، والنَّخَعِيُّ. وذلك لأنَّ النبيَّ ﷺ قال: "كَسْبُ الحَجَّامِ خَبِيثٌ". [رَوَاهُ مُسْلِمٌ] (٥). وقال: "أطْعِمْه نَاضِحَكَ ورَقِيقَكَ" (٦). ولَنا، ما رَوَى ابنُ عَبَّاسٍ، قال: احْتَجَمَ النبيُّ ﷺ وأعْطَى الحَجَّامَ أجْرَهُ، ولو عَلِمَهُ حَرَامًا لم يُعْطِه. مُتَّفَقٌ عليه (٧). وفي لَفْظٍ: لو عَلِمَه

стр. 3918

خَبِيثًا لم يُعْطِه. ولأنَّها مَنْفَعةٌ مُباحَةٌ، لا يَخْتَصُّ فاعِلُها أن يكونَ من أهْلِ القُرْبَةِ، فجازَ الاسْتِئْجارُ عليها، كالبِنَاءِ والخِيَاطَةِ، ولأنَّ بالناسِ حاجَةً إليها، ولا نَجِدُ كلَّ أحدٍ مُتَبَرِّعًا بها، فجازَ الاسْتِئْجارُ عليها، كالرَّضَاعِ. وقولُ النبيِّ ﷺ في كَسْبِ الحَجّامِ: "أطْعِمْهُ رَقِيقَكَ". دَلِيلٌ (٨) على إبَاحَةِ كَسْبِه، إذْ غيرُ جائزٍ أن يُطْعِمَ رَقِيقَه ما يَحْرُمُ أكْلُه، فإنَّ الرَّقِيقَ آدَمِيُّونَ، يحرمُ عليهم أكلُ (٩) ما حَرَّمَهُ اللَّه تعالى، كما يحرمُ على الأحْرارِ، وتَخْصِيصُ ذلك بما أُعْطِيَه من غير اسْتِئْجارٍ تَحَكُّم لا دَلِيلَ عليه، [وتَسْمِيَتُه كَسْبًا] (١٠) خَبِيثًا لا يَلْزَمُ منه التَّحْرِيمُ، فقد سَمَّى النبيُّ ﷺ الثُّومَ والبَصَلَ خَبِيثَيْنِ (١١)، مع إبَاحَتِهِما. وإنَّما كَرِهَ النبيُّ ﷺ ذلك لِلْحُرِّ تَنْزِيهًا له (٩)؛ لِدَنَاءةِ هذه الصِّناعةِ. وليس عن أحمدَ نَصٌّ في تَحْرِيمِ كَسْبِ الحَجّامِ، ولا الاسْتِئْجَارِ عليها، وإنَّما قال: نحن نُعْطِيه كما أعْطَى النبيُّ ﷺ ، ونقولُ له كما قال النبيُّ ﷺ ، لمَّا سُئِلَ عن أكْلِه نَهَاهُ، وقال: "اعْلِفْهُ الناضِحَ والرَّقِيقَ". وهذا مَعْنَى كَلَامِه في جَمِيعِ الرِّواياتِ، وليس هذا صَرِيحًا في تَحْرِيمِه، بل فيه دَلِيلٌ على إبَاحَتِه، كما في قولِ النبيِّ ﷺ وفِعْلِه، على ما بَيَّنَّا، وأنَّ إعْطاءَه لِلحَجّامَ دَلِيلٌ على إبَاحَتِه، إذْ لا يُعْطِيه ما يَحْرُمُ عليه، وهو ﵇ يُعَلِّمُ الناسَ ويَنْهاهُم عن المُحَرَّماتِ، فكيف يُعْطِيهِم إيَّاها، ويُمَكِّنُهم منها، وأمْرُه بإطْعامِ الرَّقِيقِ منها دَلِيلٌ على الإِبَاحةِ، فيَتَعَيَّنُ حَمْلُ نَهْيِه عن أكْلِها على الكَرَاهةِ دُونَ التَّحْرِيمِ. وكذلك قولُ الإِمامِ أحمدَ، فإنَّه لم يَخْرُجْ عن قولِ النبيِّ ﷺ وفِعْلِه، وإنَّما قَصَدَ اتِّبَاعَه ﷺ ، وكذلك سائِرُ من كَرِهَه من الأئِمَّةِ،

стр. 3919

يَتَعَيَّنُ حَمْلُ كَلَامِهِم على هذا، ولا يكونُ في المَسْألةِ قائلٌ بالتَّحْرِيمِ. وإذا ثَبَتَ هذا، فإنَّه يُكْرَهُ لِلْحُرِّ أكْلُ كَسْبِ الحَجَّامِ، ويُكْرَهُ تَعَلُّمُ صِنَاعةِ الحِجَامةِ، وإجَارَةُ نَفْسِه لها؛ لما فيها من الأخْبارِ، ولأنَّ فيها دَناءَةً، فكُرِهَ (١٢) الدُّخُولُ فيها، كالكَسْحِ. وعلى هذا يُحْمَلُ قولُ الأئِمَّةِ الذين ذَكَرْنا عنهم كَرَاهَتَها، جَمْعًا بين الأخْبارِ الوارِدَةِ فيها، وتَوْفِيقًا بين الأدِلَّةِ الدَّالَّةِ عليها. واللَّه أعلمُ. فصل: فأمَّا اسْتِئْجارُ الحَجَّامِ لغيرِ الحِجَامهِ، كالفَصْدِ، وحَلْقِ الشَّعْرِ، وتَقْصِيرِه، والخِتَانِ، وقَطْعِ شَىءٍ من الجَسَدِ للحاجةِ إليه، فجائِزٌ؛ لأنَّ قولَ النبيِّ ﷺ : "كَسْبُ الحَجَّامِ خَبِيثٌ". يَعْنِى بالحِجَامةِ، كما نَهَى عن مَهْرِ البَغِيِّ، أي في البِغَاءِ. وكذلك لو كَسَبَ بصِنَاعةٍ أخرى، لم يكُنْ خَبِيثًا بغيرِ خِلَافٍ. وهذا النَّهْىُ مخالِفٌ لِلْقِياسِ، فيَخْتَصُّ (١٣) بالمَحلِّ الذي وَرَدَ فيه، ولأنَّ هذه الأُمورَ تَدْعُو الحاجَةُ إليها، ولا تَحْرِيمَ فيها، فجازَتِ الإِجَارَةُ فيها (١٤)، وأخْذُ الأجْرِ عليها، كسائِرِ المنافِعِ المُبَاحةِ. فصل: ويجوزُ أن يَسْتَأْجِرَ كَحّالًا لِيَكْحَلَ عَيْنَه؛ لأنَّه عَمَلٌ جائِزٌ، ويُمْكِنُ تَسْلِيمُه، ويَحْتاجُ أن يُقَدِّرَ ذلك بالمُدَّةِ؛ لأنَّ العَمَلَ غيرُ مَضْبُوطٍ، فيُقَدَّرُ به، ويَحْتاجُ إلى بَيَانِ قَدْرِ ما يَكْحَلُه مَرَّةً في كلِّ يومٍ أو مَرَّتَيْنِ. فأمَّا إن قَدَّرَها بالبُرْءِ، فقال القاضي: لا يجوزُ؛ لأنَّه غيرُ مَعْلُومٍ. وقال ابنُ أبي موسى: لا بَأْسَ بمُشَارَطَةِ الطَّبِيبِ على البُرْءِ؛ لأنَّ أبا سَعِيد حين رَقَى الرَّجُلَ، شَارَطَه على البُرْءِ (١٥). والصَّحِيحُ إن شاءَ اللهُ أنَّ هذا يجوزُ، لكنْ يكونُ جَعَالةً لا إجَارَةً، فإنَّ الإِجَارَةَ لا بُدَّ فيها من مُدَّةٍ، أو عَمَلٍ مَعْلُومٍ، فأمَّا الجَعَالَةُ، فتجوزُ على عَمَلٍ مَجْهُولٍ، كَرَدِّ اللُّقَطةِ والآبِقِ، وحَدِيثُ

стр. 3920

أبي سَعِيدٍ في الرُّقْيَةِ إنَّما كان جَعَالةً، فيجوزُ ههنا مثلُه. إذا ثَبَتَ هذا، فإنَّ الكُحْلَ إن كان من العَلِيلِ جازَ؛ لأنَّ آلات العَمَلى تكونُ من المُسْتَأْجِرِ، كاللَّبِنِ في البِنَاءِ والطِّينِ والآجُرِّ ونحوها. وإن شَارَطَه (١٦) على الكُحْلِ (١٧)، جازَ. وقال القاضي: يَحْتَمِلُ أن لا يجوزَ؛ لأنَّ الأعْيانَ لا تُمْلَكُ بِعَقْدِ الإِجَارَةِ، فلا يَصِحُّ اشْتِراطُه على العامِلِ، كلَبِنِ الحائِطِ. ولَنا، أنَّ العادَةَ جارِيةٌ به (١٨)، ويَشُقُّ على العَلِيلِ تَحْصِيلُه، وقد يَعْجِزُ عنه بالكُلِّيةِ، فجازَ ذلك، كالصِّبْغِ من الصَّبَّاغِ، واللَّبَنِ في الرَّضَاعِ، والحِبْرِ والأقْلامِ من الوَرَّاقِ. وما ذَكَرُوه يَنْتَقِضُ (١٩) بهذه الأُصُولِ. وفارَقَ لَبِنَ الحائِطِ؛ لأنَّ العادَةَ تَحْصِيلُ المُسْتَأْجِرِ له، ولا يَشُقُّ ذلك، بخِلَافِ مَسْأَلَتِنا. وقال أصحابُ مالِكٍ: يجوزُ أن يَسْتَأْجِرَه لِيَبْنِىَ له حائِطًا والآجُرُّ من عندِه؛ لأنَّه اشْتَرَطَ ما تَتِمُّ به الصَّنْعةُ التي عَقَدَ عليها، فإذا كان مُباحًا (٢٠) مَعْرُوفًا، جازَ، كما لو اسْتَأْجَرَه لِيَصْبُغ ثَوْبًا، والصِّبْغُ من عندِه. ولَنا، أن عَقْدَ الإِجارَةِ عَقْدٌ على المَنْفَعةِ، فإذا شَرَطَ فيه بَيْعَ العَيْنِ، صارَ كبَيْعَتَيْنِ في بَيْعةٍ. ويُفارِقُ الصِّبْغَ، وما ذَكَرْنا من الصُّورَةِ التي جازَ فيها ذلك، من حيثُ إنَّ الحاجةَ داعِيةٌ إليه؛ لأنَّ تَحْصِيلَ الصِّبْغِ يَشُقُّ على صاحِبِ الثَّوْبِ، وقد يكونُ الصِّبْغُ لا يَحْصلُ إلَّا في حيث يَحْتاج إلى مُؤْنةٍ كَثِيرَةٍ، لا يحْتَاجُ إليها في صَبْغِ هذا (٢٠) الثَّوْبِ، فجازَ (٢٠) لِمَسِيسِ الحاجةِ إليه، بخِلَافِ مَسْأَلَتِنا. فصل: وإذا اسْتَأْجَرَه مُدّةً، فكَحَلَهُ فيها، فلم تَبْرَأْ عَينُه، اسْتَحَقَّ الأجْرَ. وبه قال الجماعةُ. وحُكِى عن مالكٍ، أنَّه لا يَسْتَحِقُّ أجْرًا حتى تَبْرَأَ عَيْنُه، ولم يَحْكِ ذلك أصْحابُه، وهو فاسِدٌ؛ لأنَّ المُسْتَأْجِرَ قد وَفَّى العَمَلَ الذي وَقَعَ العَقْدُ عليه، فوَجَبَ

стр. 3921

له الأجْرُ، وإن لم يَحْصُل الغَرَضُ، كما لو اسْتَأْجَرَه لِبِنَاءِ حائطٍ يومًا، أو لخِيَاطةِ قَمِيصٍ، فلم يُتِمَّهُ فيه. وإن بَرِئَتْ عَيْنُه في أثناء المدَّةِ، انْفَسَخَتِ الإِجارَةُ فيما بَقِىَ من المُدَّةِ؛ لأنَّه قد تَعَذَّرَ العَمَلُ، فأشْبَهَ ما لو حَجَزَ عنه أمْرٌ غالِبٌ، وكذلك لو ماتَ. فإن امْتَنَعَ من الاكْتِحالِ مع بَقَاءِ المَرَضِ، اسْتَحَقَّ الكَحّالُ الأجْرَ بمُضِيِّ المدَّةِ، كما لو اسْتَأْجَرَه يومًا لِلْبِنَاءِ فلم يَسْتَعْمِلْهُ فيه. فأمَّا إن شَارَطَه على البُرْءِ، فإنَّه يكونُ جَعَالَةً (٢١)، فلا يَسْتَحِقُّ شيئًا حتى يُوجَدَ البُرْءُ، سواءٌ وُجِدَ قَرِيبًا أو بَعِيدًا، فإن بَرِىءَ بغير كَحْلِهِ، أو تَعَذَّرَ (٢٢) الكَحْلُ لمَوْتِه، أو غيرِ ذلك من المَوانِعِ التي من جِهَةِ المُسْتَأْجِرِ، فله أجْرُ مِثْلِه، كما لو عَمِلَ العامِلُ في الجَعَالَةِ، ثم فَسَخَ العَقْدَ. وإن امْتَنَعَ لأمْرٍ من جِهَةِ الكَحَّالِ، أو غيرِ الجاعِلِ، فلا شىءَ له. وإن فَسَخَ الجاعِلُ الجَعَالَةَ بعدَ عَمَلِ الكَحَّالِ، فعليه أجْرُ عَمَلِه، فإن فَسَخَ الكَحَّالُ، فلا شَىءَ له؛ لأنَّها جَعَالَةٌ، فثَبَتَ (٢٣) فيها ما ذَكَرْناه. فصل: ويجوزُ أن يَسْتَأْجِرَ طَبِيبًا لِيُدَاوِيَهُ. والكلامُ فيه كالكَلَامِ في الكَحَّالِ، سواءً، إلَّا أنَّه لا يجوزُ اشْتِرَاطُ الدَّوَاءِ على الطَّبِيبِ، لأنَّ ذلك إنَّما جازَ في الكَحَّالِ على خِلَافِ الأصْلِ، للحاجةِ إليه، وجَرْىِ العادَةِ به، فلم يُوجَدْ ذلك المَعْنَى ههُنا، فثَبَتَ (٢٣) الحُكْمُ فيه على وَفْقِ الأصْلِ. واللَّه أعلمُ. فصل: ويجوزُ أن يَسْتأْجِرَ منَ يَقْلَعُ ضِرْسَه؛ لأنَّها مَنْفَعةٌ مُباحَةٌ مَقْصُودةٌ، فجازَ الاسْتِئْجارُ على فِعْلِها، كالخِتَانِ. فإن أخْطأَ فَقَلَعَ غيرَ ما أُمِرَ بقَلْعِه، ضَمِنَه؛ لأنَّه من جِنَايَتهِ. وإن بَرَأَ الضِّرْسُ قبلَ قَلْعِه، انْفَسَخَتِ الإِجارَةُ؛ لأنَّ قَلْعَه لا يجوزُ. وإن لم يَبْرَأُ، لكن امْتَنَعَ المُسْتَأْجِرُ من قَلْعِه، لم يُجْبَرْ عليه؛ لأنَّ إتْلَافَ جُزْءٍ من الآدَمِىِّ مُحَرَّمٌ في الأصْلِ، وإنَّما أُبِيحَ إذا صارَ بَقَاؤُه ضَرَرًا، وذلك مُفَوَّضٌ إلى كلِّ إنْسانٍ في نَفْسِه،

стр. 3922

إذا كان أهْلًا لذلك، وصاحِبُ الضِّرْسِ أعْلَمُ بمَضَرَّتِه، ومَنْفَعَتِه (٢٤)، وقَدْرِ ألَمِه (٢٥). فصل: ومن اسْتُؤْجِرَ على عَمَلٍ مَوْصُوفٍ في الذِّمّةِ، كخِيَاطةٍ، أو بِنَاءٍ، أو قَلْعِ ضِرْسٍ، فبَذَلَ الأجِيرُ نَفْسَه لِلعَمَلِ، فلم يُمَكِّنْه المُسْتَأْجِرُ، لم تَسْتَقِرَّ الأُجْرَةُ بذلك؛ لأنَّه عَقَدَ على المَنْفَعةِ من غيرِ تَقْدِيرٍ (٢٦)، فلم يَسْتَقِرّ بَدَلُها بالبَذْلِ، كالصَّدَاقِ لا يَسْتَقِرُّ بِبَذْلِ المَرْأةِ نَفْسَها. ويُفارِقُ حَبْسَ الدّابّةِ مُدَّةَ الإِجارَةِ؛ لأنَّ المنافِعَ تَلِفَتْ [تحت يَدِه] (٢٧)، بخِلَافِ مَسْأَلَتِنا. ٩١٢ - مسألة؛ قال: (وَلَا ضَمَانَ عَلَى الرّاعِى إذَا لَمْ يَتَعَدَّ) لا نَعْلَمُ خِلَافًا في صِحَّةِ اسْتِئْجارِ الرّاعِي، وقد دَلَّ عليه قولُ اللَّه تعالى مُخْبِرًا عن شُعَيْبٍ، أنَّه قال: ﴿إِنِّي أُرِيدُ أَنْ أُنْكِحَكَ إِحْدَى ابْنَتَيَّ هَاتَيْنِ عَلَى أَنْ تَأْجُرَنِي ثَمَانِيَ حِجَجٍ﴾ (١). وقد عُلِمَ أنَّ موسَى ﵇، إنَّما آجَرَ نَفْسَه لِرِعَايةِ الغَنَمِ (٢). إذا ثَبَتَ هذا، فإنَّه لا ضَمانَ على الرَّاعِي فيما تَلِفَ من الماشِيَةِ، ما لم يَتَعَدَّ، ولا نَعْلَمُ فيه خِلَافًا إلَّا عن الشَّعْبِيِّ؛ فإنَّه رُوِىَ عنه أنَّه ضَمَّنَ الرّاعِىَ. ولَنا، أنَّه مُؤْتَمَنٌ على حِفْظِها، فلم يَضْمَنْ من غيرِ تَعَدٍّ، كالمُودَعِ، ولأنَّها عَيْنٌ قَبَضَها بحُكْمِ الإِجَارَةِ، فلم يَضْمَنْها من غيرِ تَعَدٍّ، كالعَيْنِ المُسْتَأْجَرَةِ. فأمَّا ما تَلِفَ بِتَعَدِّيه، فيَضْمَنُه بغيرِ خِلَافٍ، مثل أن يَنَامَ عن السَّائِمةِ، أو يَغْفُلَ عنها، أو يَتْرُكَها تَتَباعَدُ منه، أو تَغِيبُ عن نَظَرِه وحِفْظِه، أو يَضْرِبَها (٣) ضَرْبًا يُسْرِفُ فيه، أو في غيرِ مَوْضِعِ الضَّرْبِ،

стр. 3923

أو من غيرِ حاجةٍ إليه، أو يَسْلُكَ (٤) بها مَوْضِعًا تَتَعَرَّضُ فيه لِلتَّلَفِ، وأشْباه هذا ممَّا يُعَدُّ تَفْرِيطًا وتَعَدِّيًا، فتَتْلَفُ به، فعليه ضَمَانُها؛ لأَنَّها تَلِفَتْ بِعُدْوَانِه، فضَمِنَها كالمُودعِ إذا تَعَدَّى، وإن اخْتَلَفَا في التَّعَدِّي وعَدَمِه، فالقولُ قولُ الرَّاعِي؛ لأنَّه أمِينٌ. وإن فَعَلَ فِعْلًا اخْتَلَفا في كونِه تَعَدِّيًا، رُجِعَ إلى أهْلِ الخِبْرةِ. ولو جاءَ بِجِلْدِ شاةٍ، وقال: ماتَتْ. قُبِلَ قولُه، ولم يَضْمَنْ. وعن أحمدَ، أنَّه يَضْمَنُ، ولا يُقْبَلُ قَوْلُه. والصَّحِيحُ الأَوَّلُ؛ لأنَّ الأُمَناءَ تُقْبَلُ أقْوَالُهم، كالمُودَعِ، ولأنَّه يَتَعَذَّرُ عليه إقَامَةُ البَيِّنةِ في الغالِبِ، فأشْبَه المُودَعَ. وكذلك لو ادَّعَى مَوْتَها من غيرِ أن يَأْتِىَ بِجِلْدِها. فصل: ولا يَصِحُّ العَقْدُ في الرَّعْىِ إلَّا على مُدَّةٍ مَعْلُومةٍ؛ لأنَّ العَمَلَ لا يَنْحَصِرُ. ويجوزُ العَقْدُ على رَعْىِ ماشِيَةٍ مُعَيَّنةٍ، وعلى جِنْسٍ في الذِّمَّةِ، فإن عَقَدَ على ماشِيةٍ (٥) مُعَيَّنةٍ، فذَكَرَ أصْحابُنا أنَّه يَتَعَلَّقُ بأعْيانِها، كما لو اسْتَأْجَرَه لخِيَاطةِ ثَوْبٍ بِعَيْنِه، فلا يجوزُ إبْدَالُه (٦)، ويَبْطُلُ العَقْدُ بِتَلَفِها. وإن تَلِفَ بعضُها، بَطَلَ عَقْدُ الإِجَارَةِ فيه، وله أجْرُ ما بَقِىَ منها بالحِصَّةِ. وإن وَلَدَتْ سِخَالًا (٧)، لم يَكُنْ عليه رَعْيُها؛ لأنها زِيادَةٌ لم يَتَنَاوَلْها العَقْدُ. ويَحْتَمِلُ أن لا يَتَعَلَّقَ بأعْيانِها؛ لأنَّها ليست المَعْقُودَ عليها، وإنَّما يَسْتَوْفِى المَنْفَعةَ بها، فأشْبَهَ ما لو اسْتَأْجَرَ ظَهْرًا لِيَرْكَبَه، جازَ أن يَرْكَبَ غيرَه مكانَه، ولو اسْتَأْجَرَ دارًا لِيَسْكُنَها، جازَ أن يُسْكِنَها مثلَه (٥)، ولو اسْتَأْجَرَ أرْضًا لِيَزْرَعَها حِنْطَةً، جازَ أن يَزْرَعَها ما هو مِثْلُها في الضَّرَرِ، أو أدْنَى منها، وإنَّما المَعْقُودُ عليه مَنْفَعَةُ الرّاعِي، ولهذا يَجِبُ له الأجْرُ إذا سَلَّمَ نَفْسَه وإن لم يَرْعَ (٨). ويُفَارِقُ الثَّوْبَ في الخِيَاطَةِ؛ لأن الثِّيابَ في مَظِنَّةِ الاخْتِلَافِ، في سُهُولَةِ خِيَاطَتِها ومَشَقَّتِها، بخِلَافِ

стр. 3924

الرَّعْي. فعلى هذا، له إبْدَالُها بمِثْلِها. وإن تَلِفَ بعضُها، لم يَنْفَسِخِ العَقْدُ فيه، وكان له إبْدَالُه. وإن وَقَعَ العَقْدُ على مَوْصُوفٍ في الذَّمّةِ، فلا بُدَّ من ذِكْرِ جِنْسِ الحَيَوانِ ونَوْعِه، إبِلًا، أو بَقَرًا، أو غَنَما، أو ضَأْنًا، أو مَعْزًا. وإن أطْلَقَ ذِكْرَ البَقَرِ والإِبِل، لم يَتَنَاوَل الجَوَامِيسَ والبَخَاتِيَّ؛ لأنَّ إطْلَاقَ الاسْمِ لا يَتَنَاوَلُها عُرْفًا. وإن وَقَعَ العَقْدُ في مكانٍ يَتَنَاوَلُها إطْلَاقُ الاسْمِ، احْتاجَ إلى ذِكْرِ نَوْعِ ما يَرَاه منها، كالغَنَمِ؛ لأنَّ كلَّ نَوْعٍ له أثَرٌ في إتْعَابِ الرّاعِى، ويَذْكُرُ الكِبَرَ والصِّغَرَ، فيقول: كِبَارًا أو سِخَالًا، أو عَجَاجِيلَ أو فُصْلَ انًا، إلَّا أن يكونَ ثَمَّ (٩) قَرِينَةٌ، أو عُرْفٌ صارِفٌ إلى بعضِها، فيُغْنِى عن الذِّكْرِ. وإذا عَقَدَ على عَدَدٍ (١٠) مَوْصُوفٍ كالمائةِ، لم يَجِبْ عليه رَعْىُ زِيَادةٍ عليها، لا من سِخَالِها ولا من غيرِها. وإن أطْلَقَ العَقدَ ولم يَذْكُرْ عَدَدًا، لم يَجُزْ. وهذا ظاهِرُ مذهبِ الشافِعِيِّ. وقال القاضي: يَصِحُّ، ويُحْمَلُ على ما جَرَتْ به العادَةُ، كالمائةِ من الغَنَمِ ونحوها. وهو قولُ بعضِ أصْحابِ الشافِعِيِّ. والأَوَّلُ أصَحُّ؛ لأنَّ العادَةَ في ذلك تَخْتَلِفُ وتَتَبايَنُ كثيرًا، إذ العَمَلُ (١١) يَخْتَلِفُ بِاخْتِلَافِه. فصل: فيما تجوزُ إجَارَتُه، تجوزُ إجارَةُ كلِّ عَيْنٍ يُمْكِنُ أن يُنْتَفَعَ بها مَنْفَعةً مُبَاحةً، مع بَقَائِها بحُكْمِ الأصْلِ، كالأرْضِ، والدَّارِ، والعَبْدِ، والبَهِيمَةِ، والثِّيابِ، والفَسَاطِيطِ، والحِبَالِ، والخِيَامِ، والمَحَامِلِ، والسُّرُوجِ (١٢)، واللُّجُمِ (١٣)، والسَّيْفِ، والرُّمْحِ، وأشْبَاهِ ذلك. وقد ذَكَرْنا كثيرًا ممَّا تجوزُ إجَارَتُه في مَوَاضِعِه. وتجوزُ إجَارةُ الحَلْىِ. نَصَّ عليه أحمدُ، في رِوَايةِ ابْنِه عبد اللَّه. وبهذا قال الثَّوْرِيُّ، والشافِعِيُّ، وإسحاقُ، وأبو ثَوْرٍ، وأصْحابُ الرَّأْى. ورُوِى عن أحمدَ، أنَّه قال في إجَارَةِ الحَلْىِ: ما أدْرِى ما هو؟ قال القاضي: هذا (١٤) مَحْمُولٌ على إجَارَتِه بأُجْرَةٍ

стр. 3925

من جِنْسِه، فأمَّا بغيرِ جِنْسِه، فلا بَأْسَ به، لِتَصْرِيحِ أحمدَ بِجَوَازِه. وقال مالِكٌ، في إجَارَةِ الحَلْىِ والثِّيابِ: (١٥) هو من المُشْتَبِهَاتِ. ولعلَّه يَذْهَبُ إلى أنَّ المَقْصُودَ بذلك الزِّينَةُ، وليس ذلك من المَقَاصِدِ الأصْلِيّةِ. ومن مَنَعَ ذلك بأجْرٍ من جِنْسِه، فقد احْتَجَّ له بأنَّها تَحْتَكُّ بالاسْتِعْمالِ، فيَذْهَبُ منها أجْزَاءٌ وإن كانت يَسِيرَةً، فيَحْصُلُ الأجْرُ في مُقَابَلَتِها، ومُقَابَلَةِ الانْتِفَاعِ بها، فَيُفْضِى إلى بَيْعِ ذَهَبٍ بِذَهَبٍ وشىءٍ آخَرَ. ولَنا، أنَّها عَيْنٌ يُنْتَفَعُ بها مَنْفَعةً مُبَاحةَ مَقْصُودةً، مع بَقَاءِ عَيْنِها، فأشْبَهَتْ سائِرَ ما تجوزُ إجَارَتُه، والزِّينَةُ من المقَاصِدِ الأصْلِيّةِ؛ فإنَّ اللهَ تعالى امْتَنَّ بها علينا بقولِه تعالى: ﴿لِتَرْكَبُوهَا وَزِينَةً﴾ (١٦). وقال تعالى: ﴿قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ﴾ (١٧). وأبَاحَ اللهُ تعالى من التَّحَلِّى واللِّبَاسِ لِلنِّسَاءِ ما حَرَّمَهُ على الرِّجَالِ، لِحَاجَتِهِنَّ إلى التَزَيُّنِ للأَزْواجِ، وأسْقَطَ الزَّكاةَ عن حَلْيِهِنَّ مَعُونةً لهُنَّ على اقْتِنائِه. وما ذَكَرُوه من نَقْصِها بالاحْتِكاكِ لا يَصِحُّ؛ لأنَّ ذلك يَسِيرٌ، لا يُقَابَلُ بعِوَضٍ، ولا يَكادُ يَظْهَرُ في وَزْنٍ، ولو ظَهَرَ فالأجْرُ في مُقَابَلَةِ الانْتِفاعِ، لا في مُقَابَلَةِ الأَجْزَاءِ؛ لأنَّ الأجْرَ في الإِجَارةِ، إنَّما هو عِوَضُ المَنْفَعةِ، كما في سائِرِ المَوَاضِعِ، ولو كان في مُقَابَلةِ الجُزْءِ الذّاهِبِ (١٨)، لَما جازَ إجَارَةُ أحَدِ النَّقْدَيْنِ بالآخَرِ؛ لإِفْضَائِه إلى الفَرْقِ (١٩) في مُعَاوَضَةِ أحَدِهِما بالآخَرِ قبلَ القَبضِ. واللَّه أعلم. فصل: وتجوزُ إجَارَةُ الدَّرَاهِمِ والدَّنَانِيرِ، لِلوَزْنِ والتَّحَلِّي، في مُدَّةٍ مَعْلُومةٍ. وبه قال أبو حنيفةَ. وهو أحدُ الوَجْهَيْنِ لأصْحابِ الشافِعِيِّ، والوَجْهُ الآخَرُ، أنَّها لا تجوزُ إجَارَتُها؛ لأنَّ هذه المَنْفَعةَ ليست المقْصُودةَ (٢٠) منها، ولذلك لا تُضْمَنُ مَنْفَعَتُها بِغَصْبِها، فأشْبَهَتِ الشَّمْعَ. ولَنا، أنَّها عَيْنٌ أمكنَ الانْتِفَاعُ بها مع بَقَاءِ عَيْنِها مَنْفَعةً
следующие страницы →