له الأجْرُ، وإن لم يَحْصُل الغَرَضُ، كما لو اسْتَأْجَرَه لِبِنَاءِ حائطٍ يومًا، أو لخِيَاطةِ قَمِيصٍ، فلم يُتِمَّهُ فيه. وإن بَرِئَتْ عَيْنُه في أثناء المدَّةِ، انْفَسَخَتِ الإِجارَةُ فيما بَقِىَ من المُدَّةِ؛ لأنَّه قد تَعَذَّرَ العَمَلُ، فأشْبَهَ ما لو حَجَزَ عنه أمْرٌ غالِبٌ، وكذلك لو ماتَ. فإن امْتَنَعَ من الاكْتِحالِ مع بَقَاءِ المَرَضِ، اسْتَحَقَّ الكَحّالُ الأجْرَ بمُضِيِّ المدَّةِ، كما لو اسْتَأْجَرَه يومًا لِلْبِنَاءِ فلم يَسْتَعْمِلْهُ فيه. فأمَّا إن شَارَطَه على البُرْءِ، فإنَّه يكونُ جَعَالَةً (٢١)، فلا يَسْتَحِقُّ شيئًا حتى يُوجَدَ البُرْءُ، سواءٌ وُجِدَ قَرِيبًا أو بَعِيدًا، فإن بَرِىءَ بغير كَحْلِهِ، أو تَعَذَّرَ (٢٢) الكَحْلُ لمَوْتِه، أو غيرِ ذلك من المَوانِعِ التي من جِهَةِ المُسْتَأْجِرِ، فله أجْرُ مِثْلِه، كما لو عَمِلَ العامِلُ في الجَعَالَةِ، ثم فَسَخَ العَقْدَ. وإن امْتَنَعَ لأمْرٍ من جِهَةِ الكَحَّالِ، أو غيرِ الجاعِلِ، فلا شىءَ له. وإن فَسَخَ الجاعِلُ الجَعَالَةَ بعدَ عَمَلِ الكَحَّالِ، فعليه أجْرُ عَمَلِه، فإن فَسَخَ الكَحَّالُ، فلا شَىءَ له؛ لأنَّها جَعَالَةٌ، فثَبَتَ (٢٣) فيها ما ذَكَرْناه.
فصل: ويجوزُ أن يَسْتَأْجِرَ طَبِيبًا لِيُدَاوِيَهُ. والكلامُ فيه كالكَلَامِ في الكَحَّالِ، سواءً، إلَّا أنَّه لا يجوزُ اشْتِرَاطُ الدَّوَاءِ على الطَّبِيبِ، لأنَّ ذلك إنَّما جازَ في الكَحَّالِ على خِلَافِ الأصْلِ، للحاجةِ إليه، وجَرْىِ العادَةِ به، فلم يُوجَدْ ذلك المَعْنَى ههُنا، فثَبَتَ (٢٣) الحُكْمُ فيه على وَفْقِ الأصْلِ. واللَّه أعلمُ.
فصل: ويجوزُ أن يَسْتأْجِرَ منَ يَقْلَعُ ضِرْسَه؛ لأنَّها مَنْفَعةٌ مُباحَةٌ مَقْصُودةٌ، فجازَ الاسْتِئْجارُ على فِعْلِها، كالخِتَانِ. فإن أخْطأَ فَقَلَعَ غيرَ ما أُمِرَ بقَلْعِه، ضَمِنَه؛ لأنَّه من جِنَايَتهِ. وإن بَرَأَ الضِّرْسُ قبلَ قَلْعِه، انْفَسَخَتِ الإِجارَةُ؛ لأنَّ قَلْعَه لا يجوزُ. وإن لم يَبْرَأُ، لكن امْتَنَعَ المُسْتَأْجِرُ من قَلْعِه، لم يُجْبَرْ عليه؛ لأنَّ إتْلَافَ جُزْءٍ من الآدَمِىِّ مُحَرَّمٌ في الأصْلِ، وإنَّما أُبِيحَ إذا صارَ بَقَاؤُه ضَرَرًا، وذلك مُفَوَّضٌ إلى كلِّ إنْسانٍ في نَفْسِه،
стр. 3922
إذا كان أهْلًا لذلك، وصاحِبُ الضِّرْسِ أعْلَمُ بمَضَرَّتِه، ومَنْفَعَتِه (٢٤)، وقَدْرِ ألَمِه (٢٥).
فصل: ومن اسْتُؤْجِرَ على عَمَلٍ مَوْصُوفٍ في الذِّمّةِ، كخِيَاطةٍ، أو بِنَاءٍ، أو قَلْعِ ضِرْسٍ، فبَذَلَ الأجِيرُ نَفْسَه لِلعَمَلِ، فلم يُمَكِّنْه المُسْتَأْجِرُ، لم تَسْتَقِرَّ الأُجْرَةُ بذلك؛ لأنَّه عَقَدَ على المَنْفَعةِ من غيرِ تَقْدِيرٍ (٢٦)، فلم يَسْتَقِرّ بَدَلُها بالبَذْلِ، كالصَّدَاقِ لا يَسْتَقِرُّ بِبَذْلِ المَرْأةِ نَفْسَها. ويُفارِقُ حَبْسَ الدّابّةِ مُدَّةَ الإِجارَةِ؛ لأنَّ المنافِعَ تَلِفَتْ [تحت يَدِه] (٢٧)، بخِلَافِ مَسْأَلَتِنا.
٩١٢ - مسألة؛ قال: (وَلَا ضَمَانَ عَلَى الرّاعِى إذَا لَمْ يَتَعَدَّ)
لا نَعْلَمُ خِلَافًا في صِحَّةِ اسْتِئْجارِ الرّاعِي، وقد دَلَّ عليه قولُ اللَّه تعالى مُخْبِرًا عن شُعَيْبٍ، أنَّه قال: ﴿إِنِّي أُرِيدُ أَنْ أُنْكِحَكَ إِحْدَى ابْنَتَيَّ هَاتَيْنِ عَلَى أَنْ تَأْجُرَنِي ثَمَانِيَ حِجَجٍ﴾ (١). وقد عُلِمَ أنَّ موسَى ﵇، إنَّما آجَرَ نَفْسَه لِرِعَايةِ الغَنَمِ (٢). إذا ثَبَتَ هذا، فإنَّه لا ضَمانَ على الرَّاعِي فيما تَلِفَ من الماشِيَةِ، ما لم يَتَعَدَّ، ولا نَعْلَمُ فيه خِلَافًا إلَّا عن الشَّعْبِيِّ؛ فإنَّه رُوِىَ عنه أنَّه ضَمَّنَ الرّاعِىَ. ولَنا، أنَّه مُؤْتَمَنٌ على حِفْظِها، فلم يَضْمَنْ من غيرِ تَعَدٍّ، كالمُودَعِ، ولأنَّها عَيْنٌ قَبَضَها بحُكْمِ الإِجَارَةِ، فلم يَضْمَنْها من غيرِ تَعَدٍّ، كالعَيْنِ المُسْتَأْجَرَةِ. فأمَّا ما تَلِفَ بِتَعَدِّيه، فيَضْمَنُه بغيرِ خِلَافٍ، مثل أن يَنَامَ عن السَّائِمةِ، أو يَغْفُلَ عنها، أو يَتْرُكَها تَتَباعَدُ منه، أو تَغِيبُ عن نَظَرِه وحِفْظِه، أو يَضْرِبَها (٣) ضَرْبًا يُسْرِفُ فيه، أو في غيرِ مَوْضِعِ الضَّرْبِ،
стр. 3923
أو من غيرِ حاجةٍ إليه، أو يَسْلُكَ (٤) بها مَوْضِعًا تَتَعَرَّضُ فيه لِلتَّلَفِ، وأشْباه هذا ممَّا يُعَدُّ تَفْرِيطًا وتَعَدِّيًا، فتَتْلَفُ به، فعليه ضَمَانُها؛ لأَنَّها تَلِفَتْ بِعُدْوَانِه، فضَمِنَها كالمُودعِ إذا تَعَدَّى، وإن اخْتَلَفَا في التَّعَدِّي وعَدَمِه، فالقولُ قولُ الرَّاعِي؛ لأنَّه أمِينٌ. وإن فَعَلَ فِعْلًا اخْتَلَفا في كونِه تَعَدِّيًا، رُجِعَ إلى أهْلِ الخِبْرةِ. ولو جاءَ بِجِلْدِ شاةٍ، وقال: ماتَتْ. قُبِلَ قولُه، ولم يَضْمَنْ. وعن أحمدَ، أنَّه يَضْمَنُ، ولا يُقْبَلُ قَوْلُه. والصَّحِيحُ الأَوَّلُ؛ لأنَّ الأُمَناءَ تُقْبَلُ أقْوَالُهم، كالمُودَعِ، ولأنَّه يَتَعَذَّرُ عليه إقَامَةُ البَيِّنةِ في الغالِبِ، فأشْبَه المُودَعَ. وكذلك لو ادَّعَى مَوْتَها من غيرِ أن يَأْتِىَ بِجِلْدِها.
فصل: ولا يَصِحُّ العَقْدُ في الرَّعْىِ إلَّا على مُدَّةٍ مَعْلُومةٍ؛ لأنَّ العَمَلَ لا يَنْحَصِرُ. ويجوزُ العَقْدُ على رَعْىِ ماشِيَةٍ مُعَيَّنةٍ، وعلى جِنْسٍ في الذِّمَّةِ، فإن عَقَدَ على ماشِيةٍ (٥) مُعَيَّنةٍ، فذَكَرَ أصْحابُنا أنَّه يَتَعَلَّقُ بأعْيانِها، كما لو اسْتَأْجَرَه لخِيَاطةِ ثَوْبٍ بِعَيْنِه، فلا يجوزُ إبْدَالُه (٦)، ويَبْطُلُ العَقْدُ بِتَلَفِها. وإن تَلِفَ بعضُها، بَطَلَ عَقْدُ الإِجَارَةِ فيه، وله أجْرُ ما بَقِىَ منها بالحِصَّةِ. وإن وَلَدَتْ سِخَالًا (٧)، لم يَكُنْ عليه رَعْيُها؛ لأنها زِيادَةٌ لم يَتَنَاوَلْها العَقْدُ. ويَحْتَمِلُ أن لا يَتَعَلَّقَ بأعْيانِها؛ لأنَّها ليست المَعْقُودَ عليها، وإنَّما يَسْتَوْفِى المَنْفَعةَ بها، فأشْبَهَ ما لو اسْتَأْجَرَ ظَهْرًا لِيَرْكَبَه، جازَ أن يَرْكَبَ غيرَه مكانَه، ولو اسْتَأْجَرَ دارًا لِيَسْكُنَها، جازَ أن يُسْكِنَها مثلَه (٥)، ولو اسْتَأْجَرَ أرْضًا لِيَزْرَعَها حِنْطَةً، جازَ أن يَزْرَعَها ما هو مِثْلُها في الضَّرَرِ، أو أدْنَى منها، وإنَّما المَعْقُودُ عليه مَنْفَعَةُ الرّاعِي، ولهذا يَجِبُ له الأجْرُ إذا سَلَّمَ نَفْسَه وإن لم يَرْعَ (٨). ويُفَارِقُ الثَّوْبَ في الخِيَاطَةِ؛ لأن الثِّيابَ في مَظِنَّةِ الاخْتِلَافِ، في سُهُولَةِ خِيَاطَتِها ومَشَقَّتِها، بخِلَافِ
стр. 3924
الرَّعْي. فعلى هذا، له إبْدَالُها بمِثْلِها. وإن تَلِفَ بعضُها، لم يَنْفَسِخِ العَقْدُ فيه، وكان له إبْدَالُه. وإن وَقَعَ العَقْدُ على مَوْصُوفٍ في الذَّمّةِ، فلا بُدَّ من ذِكْرِ جِنْسِ الحَيَوانِ ونَوْعِه، إبِلًا، أو بَقَرًا، أو غَنَما، أو ضَأْنًا، أو مَعْزًا. وإن أطْلَقَ ذِكْرَ البَقَرِ والإِبِل، لم يَتَنَاوَل الجَوَامِيسَ والبَخَاتِيَّ؛ لأنَّ إطْلَاقَ الاسْمِ لا يَتَنَاوَلُها عُرْفًا. وإن وَقَعَ العَقْدُ في مكانٍ يَتَنَاوَلُها إطْلَاقُ الاسْمِ، احْتاجَ إلى ذِكْرِ نَوْعِ ما يَرَاه منها، كالغَنَمِ؛ لأنَّ كلَّ نَوْعٍ له أثَرٌ في إتْعَابِ الرّاعِى، ويَذْكُرُ الكِبَرَ والصِّغَرَ، فيقول: كِبَارًا أو سِخَالًا، أو عَجَاجِيلَ أو فُصْلَ انًا، إلَّا أن يكونَ ثَمَّ (٩) قَرِينَةٌ، أو عُرْفٌ صارِفٌ إلى بعضِها، فيُغْنِى عن الذِّكْرِ. وإذا عَقَدَ على عَدَدٍ (١٠) مَوْصُوفٍ كالمائةِ، لم يَجِبْ عليه رَعْىُ زِيَادةٍ عليها، لا من سِخَالِها ولا من غيرِها. وإن أطْلَقَ العَقدَ ولم يَذْكُرْ عَدَدًا، لم يَجُزْ. وهذا ظاهِرُ مذهبِ الشافِعِيِّ. وقال القاضي: يَصِحُّ، ويُحْمَلُ على ما جَرَتْ به العادَةُ، كالمائةِ من الغَنَمِ ونحوها. وهو قولُ بعضِ أصْحابِ الشافِعِيِّ. والأَوَّلُ أصَحُّ؛ لأنَّ العادَةَ في ذلك تَخْتَلِفُ وتَتَبايَنُ كثيرًا، إذ العَمَلُ (١١) يَخْتَلِفُ بِاخْتِلَافِه.
فصل: فيما تجوزُ إجَارَتُه، تجوزُ إجارَةُ كلِّ عَيْنٍ يُمْكِنُ أن يُنْتَفَعَ بها مَنْفَعةً مُبَاحةً، مع بَقَائِها بحُكْمِ الأصْلِ، كالأرْضِ، والدَّارِ، والعَبْدِ، والبَهِيمَةِ، والثِّيابِ، والفَسَاطِيطِ، والحِبَالِ، والخِيَامِ، والمَحَامِلِ، والسُّرُوجِ (١٢)، واللُّجُمِ (١٣)، والسَّيْفِ، والرُّمْحِ، وأشْبَاهِ ذلك. وقد ذَكَرْنا كثيرًا ممَّا تجوزُ إجَارَتُه في مَوَاضِعِه. وتجوزُ إجَارةُ الحَلْىِ. نَصَّ عليه أحمدُ، في رِوَايةِ ابْنِه عبد اللَّه. وبهذا قال الثَّوْرِيُّ، والشافِعِيُّ، وإسحاقُ، وأبو ثَوْرٍ، وأصْحابُ الرَّأْى. ورُوِى عن أحمدَ، أنَّه قال في إجَارَةِ الحَلْىِ: ما أدْرِى ما هو؟ قال القاضي: هذا (١٤) مَحْمُولٌ على إجَارَتِه بأُجْرَةٍ
стр. 3925
من جِنْسِه، فأمَّا بغيرِ جِنْسِه، فلا بَأْسَ به، لِتَصْرِيحِ أحمدَ بِجَوَازِه. وقال مالِكٌ، في إجَارَةِ الحَلْىِ والثِّيابِ: (١٥) هو من المُشْتَبِهَاتِ. ولعلَّه يَذْهَبُ إلى أنَّ المَقْصُودَ بذلك الزِّينَةُ، وليس ذلك من المَقَاصِدِ الأصْلِيّةِ. ومن مَنَعَ ذلك بأجْرٍ من جِنْسِه، فقد احْتَجَّ له بأنَّها تَحْتَكُّ بالاسْتِعْمالِ، فيَذْهَبُ منها أجْزَاءٌ وإن كانت يَسِيرَةً، فيَحْصُلُ الأجْرُ في مُقَابَلَتِها، ومُقَابَلَةِ الانْتِفَاعِ بها، فَيُفْضِى إلى بَيْعِ ذَهَبٍ بِذَهَبٍ وشىءٍ آخَرَ. ولَنا، أنَّها عَيْنٌ يُنْتَفَعُ بها مَنْفَعةً مُبَاحةَ مَقْصُودةً، مع بَقَاءِ عَيْنِها، فأشْبَهَتْ سائِرَ ما تجوزُ إجَارَتُه، والزِّينَةُ من المقَاصِدِ الأصْلِيّةِ؛ فإنَّ اللهَ تعالى امْتَنَّ بها علينا بقولِه تعالى: ﴿لِتَرْكَبُوهَا وَزِينَةً﴾ (١٦). وقال تعالى: ﴿قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ﴾ (١٧). وأبَاحَ اللهُ تعالى من التَّحَلِّى واللِّبَاسِ لِلنِّسَاءِ ما حَرَّمَهُ على الرِّجَالِ، لِحَاجَتِهِنَّ إلى التَزَيُّنِ للأَزْواجِ، وأسْقَطَ الزَّكاةَ عن حَلْيِهِنَّ مَعُونةً لهُنَّ على اقْتِنائِه. وما ذَكَرُوه من نَقْصِها بالاحْتِكاكِ لا يَصِحُّ؛ لأنَّ ذلك يَسِيرٌ، لا يُقَابَلُ بعِوَضٍ، ولا يَكادُ يَظْهَرُ في وَزْنٍ، ولو ظَهَرَ فالأجْرُ في مُقَابَلَةِ الانْتِفاعِ، لا في مُقَابَلَةِ الأَجْزَاءِ؛ لأنَّ الأجْرَ في الإِجَارةِ، إنَّما هو عِوَضُ المَنْفَعةِ، كما في سائِرِ المَوَاضِعِ، ولو كان في مُقَابَلةِ الجُزْءِ الذّاهِبِ (١٨)، لَما جازَ إجَارَةُ أحَدِ النَّقْدَيْنِ بالآخَرِ؛ لإِفْضَائِه إلى الفَرْقِ (١٩) في مُعَاوَضَةِ أحَدِهِما بالآخَرِ قبلَ القَبضِ. واللَّه أعلم.
فصل: وتجوزُ إجَارَةُ الدَّرَاهِمِ والدَّنَانِيرِ، لِلوَزْنِ والتَّحَلِّي، في مُدَّةٍ مَعْلُومةٍ. وبه قال أبو حنيفةَ. وهو أحدُ الوَجْهَيْنِ لأصْحابِ الشافِعِيِّ، والوَجْهُ الآخَرُ، أنَّها لا تجوزُ إجَارَتُها؛ لأنَّ هذه المَنْفَعةَ ليست المقْصُودةَ (٢٠) منها، ولذلك لا تُضْمَنُ مَنْفَعَتُها بِغَصْبِها، فأشْبَهَتِ الشَّمْعَ. ولَنا، أنَّها عَيْنٌ أمكنَ الانْتِفَاعُ بها مع بَقَاءِ عَيْنِها مَنْفَعةً
стр. 3926
مُبَاحةً، فأشْبَهَتِ الحَلْىَ، وفارَقَتِ (٢١) الشَّمْعَ؛ فإنَّه لا يُنْتَفَعُ به إلَّا بما تَتْلَفُ (٢٢) عَيْنُه. إذا ثَبَتَ هذا، فإنَّه إن ذَكَرَ ما يَسْتَأْجِرُه له، وعَيَّنَه، فحَسَنٌ، وإن أطْلَقَ الإِجارَةَ، فقال أبو الخَطَّابِ: تَصِحُّ الإِجَارةُ، ويَنْتَفِعُ بها فيما شاءَ منهما؛ لأنَّ مَنْفَعَتَهما في الإِجَارةِ مُتَعَيِّنَةٌ في التَّحَلِّي والوَزْنِ، وهما مُتَقَارِبَانِ، فوَجَبَ أن تُحْمَلَ الإِجَارَةُ عندَ الإِطْلاقِ عليهما، كاسْتِئْجارِ الدَّارِ مُطْلَقًا، فإنَّه يَتَنَاوَلُ السُّكْنَى، وَوَضْعَ المتَاعِ فيها. وقال القاضي: لا تَصِحُّ الإِجَارةُ، وتكونُ قَرْضًا. وهذا مذهبُ أبى حَنِيفةَ؛ لأنَّ الإِجَارةَ تَقْتَضِى الانْتِفاعَ، والانْتِفاعُ المُعْتادُ بالدَّرَاهِمِ والدَّنَانِيرِ إنَّما هو بأَعْيانِها، فإذا أُطْلِقَ الانْتِفَاعُ، حُمِلَ على الانْتِفاعِ المُعْتادِ. وقال أصْحابُ الشافِعِيِّ: لا تَصِحُّ الإِجَارةُ، ولا تكونُ قَرْضًا؛ لأنَّ التَّحَلِّى يَنْقُصُها، والوَزْنَ لا يَنْقُصُها، فقد اخْتَلَفَتْ جِهَةُ الانْتِفاعِ، فلم يَجُزْ إطْلَاقُها. ولا يجوزُ أن يُعَبَّرَ بها عن القَرْضِ؛ لأنَّ القَرْضَ تَمْلِيكٌ للغيرِ، والإِجَارَةُ تَقْتَضِي الانْتِفاعَ مع بَقَاءِ العَيْنِ، فلم يَجُزِ التَّعْبِيرُ بأحَدِهِما عن الآخَر. ولأنَّ التَّسْمِيةَ والألْفاظَ تُؤْخَذُ نَقْلًا، ولم يُعْهَدْ في اللِّسَانِ التَّعْبِيرُ بالإِجَارَةِ عن القَرْضِ. وقولُ أبى الخَطّابِ أصَحُّ، إن شاءَ اللَّه تعالى؛ لأنَّ العَقْدَ متى أمْكَنَ حَمْلُه على الصِّحَّةِ، كان أَوْلَى من إفْسَادِه، وقد أمْكَنَ حَمْلُه على إجَارَتِها لِلْجِهَةِ التي تَجُوزُ إجَارَتُها فيها. وقولُ القاضِى لا يَصِحُّ؛ لأنَّ الإِجَارةَ إنَّما تَقْتَضِى انْتِفَاعًا مع بَقَاءِ العَيْنِ، فلا تُحْمَلُ على غير ذلك. وما ذَكَرَ الآخَرُونَ من نَقْصِ العَيْنِ بالاسْتِعْمالِ في التَّحَلِّي فبَعِيدٌ؛ فإنَّ ذلك يَسِيرٌ لا أثَرَ له، فوُجُودُه كعَدَمِه.
فصل: ويجوزُ أن يَسْتَأْجِرَ شَجَرًا ونَخِيلًا، ليُجَفِّفَ عليها الثِّيابَ، أو يَبْسُطَها عليها لِيَسْتَظِّلَ بِظِلِّها، ولأصْحابِ الشافِعِيِّ في ذلك وَجْهانِ؛ لما ذَكَرُوه في الأَثْمانِ. ولَنا، أنَّها لو كانت مَقْطُوعةً، لجازَ اسْتِئْجارُها لذلك، فكذلك إذا كانت ثابِتَةً؛ وذلك لأنَّ الانْتِفاعَ يَحْصُلُ بهما على السَّوَاء في الحالَتَيْنِ، فما جازَ في إحْدَاهما يجوزُ في الأُخْرَى،
стр. 3927
ولأنَّها شَجَرَةٌ، فجازَ اسْتِئْجارُها لذلك كالمَقْطُوعةِ، ولأنَّها مَنْفَعةٌ مَقْصُودةٌ، يُمْكِنُ اسْتِيفاؤُها مع بَقَاءِ العَيْنِ، فجازَ العَقْدُ عليها، كما لو كانت مَقْطُوعةً، ولأنَّها عَيْنٌ، يُمْكِنُ اسْتِيفاءُ هذه المَنْفَعةِ منها، فجازَ اسْتِئْجارُها لها، كالحِبَالِ والخَشَبِ والشَّجَرِ المَقْطُوعِ.
فصل: ويجوزُ اسْتِئْجارُ غَنَمٍ لِتَدُوسَ له طِينًا أو زَرْعًا. ولأصْحابِ الشافِعِيِّ فيه وَجْهانِ؛ لأنَّها مَنْفَعةٌ غيرُ مَقْصُودَةٍ من هذا الحَيَوانِ، فأشْبَهَتِ النَّخِيلَ. ولَنا، أنَّها مَنْفَعةٌ مُبَاحةٌ، يُمْكِنُ اسْتِيفاؤُها من العَيْنِ مع بَقَائِها، فأشْبَهَتِ اسْتِئْجارَ البَقَرِ لدِيَاسِ الزَّرْعِ.
فصل: ويجوزُ اسْتِئْجارُ ما يَبْقَى من الطِّيبِ والصَّنْدَلِ وأقْطاعِ الكافُورِ والنَّدِّ، لِتَشَمَّهُ (٢٣) المَرْضَى وغيرُهم مُدَّةً، ثم يرُدُّهُ (٢٤)؛ لأنَّها مَنْفَعةٌ مُبَاحةٌ، فأَشْبَهتِ الوَزْنَ والتَّحَلِّي، مع أنَّه لا يَنْفَكُّ من إخْلَاقٍ وبِلًى.
فصل: وتجوزُ إجَارةُ الحائِطِ، لِيَضَعَ عليها خَشَبًا مَعْلُومًا، مُدّةً مَعْلُومةً. وبه قال الشافِعِيُّ. وقال أبو حنيفةَ: لا يجوزُ. ولَنا، أنَّ هذه مَنفَعةٌ مَقْصُودةٌ، مَقْدُورٌ على تَسْلِيمِها واسْتِيفَائِها، فجازَ عَقْدُ الإِجَارةِ عليها، كاسْتِئْجارِ السَّطْحِ لِلنَّوْمِ عليه.
فصل: ويجوزُ اسْتِئْجارُ دارٍ يَتَّخِذُها مَسْجِدًا يُصَلِّي فيه. وبه قال مالِكٌ، والشافِعِيُّ. وقال أبو حنيفةَ: لا يَصِحُّ؛ لأنَّ فِعْلَ الصَّلاةِ لا يجوزُ اسْتِحْقاقُه بِعَقْدِ إجَارَةٍ بحالٍ، فلا تجوزُ الإِجَارَةُ لذلك. ولَنا، أنَ هذه مَنْفَعةٌ مُبَاحةٌ، يُمْكِنُ اسْتِيفاؤُها من العَيْنِ مع بَقَائِها، فجازَ اسْتِئْجارُ العَيْنِ لها، كالسُّكْنَى، ويُفَارِقُ الصَّلاةَ، فإنَّها لا تَدْخُلُها النِّيَابةُ، بخِلَافِ بِنَاءِ المَسَاجِدِ.
стр. 3928
فصل: وذَكَرَ ابنُ عقيلٍ، أنَّه يجوزُ اسْتِئْجارُ البِئْرِ، لِيَسْتَقِىَ منها أيّامًا مَعْلُومةً؛ لأنَّ هَواءَ البِئْرِ وعُمْقَها فيه نوعُ انْتِفاعٍ بمُرُورِ الدَّلْوِ فيه، وأمَّا نَفْسُ الماءِ، فيُؤْخَذُ على أصْلِ الإِبَاحةِ.
فصل: ويجوزُ اسْتِئْجارُ الفَهْدِ والبازِي والصَّقْرِ للِصَّيْدِ، في مُدَّةٍ مَعْلُومةٍ؛ لأنَّ فيه نَفْعًا مُباحًا تجوزُ إعَارَتُه له، فجازَتْ إجَارَتُه له، كالدَّابَّةِ. وتجوزُ إجارَةُ كُتُبِ العِلْمَ، التي يجوزُ بَيْعُها للانْتِفاعِ بها في القِرَاءةِ فيها، والنَّسْخِ منها؛ لما ذَكَرْناه. وتجوزُ إجَارةُ دَرْجٍ فيه خَطٌّ حَسَنٌ، يَكْتُبُ عليه، ويَتَمَثَّلُ منه؛ لذلك.
فصل: وما لا تجوزُ إجَارَتُه أقْسَامٌ:
أحدها، ما لا يُمْكِنُ الانْتِفاعُ به مع بَقَاءِ عَيْنِه، كالمَطْعُومِ والمَشْرُوبِ، والشَّمْعِ لِيُشْعِلَه؛ لأنَّ الإِجَارةَ عَقْدٌ على المَنافِعِ، وهذه لا يُنْتَفَعُ بها إلَّا بإتْلَافِ عَيْنِها، فإن اسْتَأْجَرَ شَمْعةً يُسْرِجُها، ويَرُدُّ بَقِيَّتَها، وثَمَنَ ما ذَهَبَ، وأجْرَ الباقِي، كان فاسِدًا؛ لأنَّه يَشْمَلُ بَيْعًا وإجارَةً، وما وَقَعَ عليه البَيْعُ مَجْهُولٌ، وإذا جُهِلَ المَبِيعُ جُهِلَ المُسْتَأْجَرُ أيضًا، فيَفْسدُ العَقْدانِ، ولو اسْتَأْجَرَ شَمْعًا لِيَتَجَمَّلَ به، ويَرُدَّه من غيرِ أن يُشْعِلَ منه شَيْئًا، لم يَجُزْ؛ لأنَّ ذلك ليس بمَنْفَعةٍ مَرْعِيَّةٍ في الشَّرْعِ، فبَذْلُ المالِ فيه سَفَهٌ، وأخْذُهُ أكْلُ مالٍ بالباطِلِ، فلم يَجُزْ، كما لو اسْتَأْجَرَ [خُبْزًا لِيَنْظُرَ إليه، وكذلك لو اسْتَأْجَرَ] (٢٥) طَعَامًا لِيَتَجَمَّلَ به على مائِدَتِه، ثم يَرُدَّه، لم يَجُزْ؛ لما ذَكَرْنا. وهكذا سائِرُ الأشْياءِ، ولا يَصِحُّ اسْتِئْجارُ ما لا يَبْقَى (٢٦) من الرَّيَاحِينِ، كالوَرْدِ والبَنَفْسَجِ والرَّيْحانِ الفارِسِيِّ، وأشْبَاهِه، لِشَمِّها؛ لأنَّها تَتْلَفُ عن قُرْبٍ، فأشْبَهَتِ المَطْعُوماتِ. ولا يجوزُ اسْتِئْجارُ الغَنَمِ، ولا الإِبِلِ والبَقَرِ، لِيَأْخُذَ لَبَنَها، ولا لِيَسْتَرْضِعَها لسِخالِه (٢٧) ونحوها، ولا اسْتِئْجارُها لِيَأْخُذَ صُوفَها، ولا شَعْرَها،
стр. 3929
ولا وَبَرَها، ولا اسْتِئْجارُ شَجَرةٍ، لِيَأْخُذَ ثَمَرَتَها، أو شيئا من عَيْنِها.
فصل: ولا تجوزُ إجَارةُ الفَحْلِ لِلضِّرَابِ. وهذا ظاهِرُ مذهبِ الشافِعِيِّ، وأصْحابِ الرَّأْى، وأبي ثَوْرٍ، وابنِ المُنْذِرِ. وخَرَّجَ أبو الخَطَّابِ وَجْهًا في جَوَازِه؛ لأنَّه انْتِفاعٌ مُبَاحٌ، والحاجَةُ تَدْعو إليه، فجازَ، كإجَارَةِ الظِّئْرِ لِلرضاعِ (٢٨)، والبِئْرِ لِيَسْتَقِىَ منها الماءَ؛ ولأنَّها مَنْفَعةٌ تُستَباحُ بالإِعَارَةِ، فتُسْتَباحُ بالإِجَارةِ، كسائِر المَنافِعِ. وهذا مَذْهَبُ الحَسَنِ، وابنِ سِيرِينَ. ولَنا، أنَّ النبيَّ ﷺ نَهَى عن عَسْبِ الفَحْلِ: [مُتَّفَقٌ عليه] (٢٩)، وفي لَفْظٍ: نَهَى عن ضِرَابِ الجَمَلِ. ولأنَّ المَقْصُودَ الماءُ الذي يُخْلَقُ منه الوَلَدُ، فيكونُ عَقْدُ الإِجَارةِ لِاسْتِيفاءِ عَيْنٍ غائِبةٍ (٣٠)، فلم يَجُزْ، كإجَارَةِ الغَنَمِ لأخْذِ لَبَنِها، وهذا أَوْلَى؛ فإنَّ هذا الماءَ مُحَرَّمٌ لا قِيمَةَ له، فلم يَجُزْ أخْذُ العِوَضِ عنه، كالمَيْتَةِ والدَّمِ، وهو مَجْهُولٌ، فأشْبَه اللَّبَنَ في الضَّرْعِ. فأمَّا من أجَازَه، فيَنْبَغِي أن يُوقِعَ العَقْدَ على العَمَلِ، ويُقَدِّرَه بمَرَّةٍ أو مَرَّتَيْنِ أو أكثَرَ. وقيل: يَقَعُ العَقدُ على مُدَّةٍ. وهذا بَعِيدٌ؛ لأنَّ من أرادَ إطْرَاقَ فَرَسِه مَرّةً، فقَدَّرَهُ بمُدَّةٍ تَزِيدُ على قَدْرِ الفِعْلِ، لم يُمْكِنِ اسْتِيعَابُها به، وإن اقْتَصَرَ على مِقْدارِه، فربَّما لا يَحْصُلُ الفِعْلُ فيه، ويَتَعَذَّرُ أيضًا ضَبْطُ مِقْدَارِ الفِعْلِ، فيَتَعَيَّنُ التَّقْدِيرُ بالفِعْلِ، إلَّا أن يَكْتَرِىَ فَحْلًا لإِطْرَاقِ ماشِيَةٍ كثيرةٍ، كفَحْلٍ يَتْرُكُه في إبِلِه، أو تَيْسٍ في غَنَمِه، فإنَّ هذا إنَّما يُكْتَرَى مدَّةً مَعْلُومةً. والمَذْهَبُ أنَّه لا يجوزُ إجَارَتُه، فإن احْتاجَ إنْسانٌ إلى ذلك، ولم يَجِدْ من يُطْرِقُ له، جازَ له (٣١) أن يَبْذُلَ الكِرَاءَ، وليس لِلْمُطْرِقِ أخْذُه. قال عطاءٌ: لا يَأْخُذُ عليه شَيْئًا، ولا بَأْسَ أن يُعْطِيَهُ إذا لم يَجِدْ مَن يُطْرِقُ (٣٢) له. ولأنَّ ذلك بَذْلُ
стр. 3930
مالٍ (٣٣) لِتَحْصِيلِ مَنْفَعةٍ مُبَاحةٍ تَدْعُو الحاجةُ إليها، فجازَ، كشِرَاءِ الأسِيرِ، ورِشْوَةِ الظّالِمِ لِيَدْفَعَ ظُلْمَه. وإن أطْرَقَ إنْسانٌ فَحْلَه بغيرِ إجَارَةٍ ولا شَرْطٍ، فأُهْدِيَتْ له هَدِيَّةٌ، أو أُكْرِمَ بِكَرَامةٍ لذلك، فلا بَأْسَ به؛ لأنَّه فَعَلَ مَعْرُوفا، فجازَتْ مُجازَاتُه عليه، كما لو أُهْدِىَ هَدِيّةً.
فصل: القسم الثاني، ما مَنْفَعَتُه مُحَرَّمةٌ، كالزِّنَى والزَّمْرِ والنَّوْحِ والغِنَاءِ، فلا يجوزُ الاسْتِئْجارُ (٣٤) لِفِعْلِه. وبه قال مالِكٌ، والشافِعِيُّ، وأبو حنيفةَ، وصَاحِبَاه، وأبو ثَوْرٍ. وكَرِهَ ذلك الشَّعْبِيُّ، والنَّخَعِيُّ؛ لأنَّه مُحَرَّمٌ، فلم يَجُز الاسْتِئْجارُ عليه، كإجَارَةِ أمَتِه لِلزِّنَى. ولا يجوزُ اسْتِئْجارُ كاتِبٍ لِيَكْتُبَ له غِنَاءً ونَوْحًا. وقال أبو حنيفةَ: يجوزُ. ولَنا، أنَّه انْتِفاعٌ بمُحَرَّمٍ، فأشْبَهَ ما ذَكَرْنا. ولا يجوزُ الاسْتِئْجارُ على كِتَابةِ شِعْرٍ محَرَّمٍ، ولا بِدْعَةٍ، ولا شيءٍ مُحَرَّمٍ؛ لذلك. ولا يجوزُ الاسْتِئْجارُ على حَمْلِ الخَمْرِ لمن يَشْرَبُها، ولا على حَمْلِ خِنْزِيرٍ ولا مَيْتةٍ؛ لذلك. وبهذا قال أبو يوسفَ، ومحمدٌ، والشافِعِيُّ. وقال أبو حنيفةَ: يجوزُ؛ لأنَّ العَمَلَ لا يَتَعَيَّنُ عليه، بِدَلِيلِ أنَّه لو حَمَلَه مِثْلُه جازَ، ولأنَّه لو قَصَدَ إرَاقَتَه أو طَرْحَ المَيْتةِ، جازَ. وقد رُوِى عن أحمدَ، في من حَمَلَ خِنْزِيرًا أو مَيْتَةً أو خَمْرًا لِنَصْرَانِيٍّ: أكْرَهُ أكلَ كِرَائِه، ولكنْ يُقْضَى لِلْحَمَّالِ بالكِرَاءِ، فإذا كان لِمُسْلِمٍ فهو أشَدُّ. قال القاضي: هذا مَحْمُولٌ على أنَّه اسْتَأْجَرَه لِيُرِيقَها، فأما لِلشُّرْبِ فمَحْظورٌ، ولا يَحِلُّ أخْذُ الأُجْرَةِ عليه. وهذا التَّأْوِيلُ بَعِيدٌ؛ لقولِه: أكْرَهُ أكْلَ كِرَائِه، وإذا كان لِمُسْلِمٍ فهو أشَدُّ. ولكنَّ المَذْهَبَ خِلَافُ هذه الرِّوَايةِ؛ لأنَّه اسْتِئْجارٌ لِفِعْلٍ مُحَرَّمٍ، فلم يَصِحَّ، كالزِّنَى. ولأنَّ النبيَّ ﷺ لَعَنَ حَامِلَها والمَحْمُولَةَ إليه (٣٥). وقوله: لا يَتَعَيَّنُ. يَبْطُلُ باسْتِئْجارِ أرْضٍ لِيَتَّخِذَها مَسْجِدًا. وأمَّا حَمْلُ هذه لإِرَاقَتِها، والمَيْتةِ لِطَرْحِها، والاسْتِئْجارِ لِلْكُنُفِ، فجائِزٌ؛ لأنَّ ذلك
стр. 3931
كلَّه مُبَاحٌ، وقد اسْتَأْجَرَ النبيُّ ﷺ [أبا طَيْبةَ فحَجمَه] (٣٦). وقال أحمدُ، في رِوَايةِ ابنِ منصورٍ، في الرَّجُلِ يُؤْجِرُ (٣٧) نَفْسَه لِنِظَارَةِ كَرْمِ النَّصْرَانِىِّ (٣٨): يُكرَهُ ذلك؛ لأنَّ الأصْلَ في ذلك راجِعٌ إلى الخَمْرِ.
فصل: ويُكْرهُ أن يُؤْجِرَ الرَّجُلُ نَفْسَهُ لِكَسْحِ الكُنُفِ، ويُكْرَهُ له أكْلُ أجْرِه؛ لأنَّ النبيَّ ﷺ قال: "كَسْبُ الحَجَّامِ خَبِيثٌ" (٣٩). ونَهَى الحُرَّ عن أكْلِه، فهذا أَوْلَى. وقد رُوِى عن ابنِ عَبَّاسٍ، أنًّ رَجُلًا حَجَّ، ثم أتَاه، فقال له (٤٠): إنِّي رَجُلٌ أكْنُسُ، فما تَرَى في مَكْسَبِى؟ قال: أىَّ شيءٍ تَكْنُسُ؟ قال: العَذِرَةَ، قال: ومنه حَجَجْتَ، ومنه تَزَوَّجْتَ؟ قال: نعم، قال: أنْتَ خَبِيثٌ، وحَجُّكَ خَبِيثٌ، وما تَزَوَّجْتَ خَبِيثٌ. أو نحو هذا، ذَكَرَه سَعِيدُ بن منصورٍ، في "سُنَنِه" بمَعْناه، ولأنَّ
стр. 3932
فيه دَنَاءَةً، فكُرِه، كالحِجَامةِ، فأمَّا الإِجَارَةُ في الجُمْلةِ، فجائِزَةٌ؛ لأنَّ الحاجةَ داعِيَةٌ إليها، فلا تَنْدَفِعُ بدون إباحَةِ الإِجَارةِ، فوَجَبَ إبَاحَتُها، كالحِجَامةِ.
فصل: ولا يجوزُ للرَّجُلِ إجَارَةُ دَارِه لمن يَتَّخِذُها كَنِيسةً، أو بِيعَةً، أو يَتَّخِذُها لِبَيْعِ الخَمْرِ، أو القِمَارِ. وبه قال الجماعةُ. وقال أبو حنيفةَ: إن كان بَيْتُكَ في السَّوَادِ، فلا بَأْسَ أن تُؤجِرَه لذلك. وخَالَفَه صاحِباهُ، واخْتَلَفَ أصْحابُه في تَأْوِيلِ قوْلِه. ولَنا، أنَّه فِعْلٌ مُحَرَّمٌ، فلم تَجُزِ الإِجَارَةُ عليه، كإجَارةِ عَبْدِه لِلْفُجُورِ. ولو اكْتَرَى ذِمِّىٌّ من مُسلِمٍ دارَه، فأرَادَ بَيْعَ الخَمْرِ فيها، فلِصَاحِبِ الدارِ مَنعُه. وبذلك قال الثَّوْرِىُّ. وقال أصْحابُ الرَّأى: إن كان بَيْتُه (٤١) في السَّوَادِ والجَبَلِ، فله أن يَفْعَلَ ما شاءَ. ولَنا، أنَّه فِعْلٌ مُحَرَّمٌ، جازَ المَنْعُ منه في المِصْرِ، فجازَ في السَّوَادِ، كقَتْلِ النَّفْسِ المُحَرَّمةِ.
فصل: القسم الثالث، ما يَحْرُمُ بَيْعُه، إلَّا الحُرَّ والوَقْفَ وأُمَّ الوَلَدِ والمُدَبَّرَ، فإنَّه يجوزُ إجَارَتُها، وإن حَرُمَ بَيْعُها، وما عدا ذلك فلا تجوزُ إجَارَتُه، سواءٌ كان ممَّا (٤٢) لا يَقْدِرُ على تَسْلِيمِه، كالعَبْدِ الآبِقِ، والجَمَلِ النّادِّ، والبَهِيمةِ الشّارِدَةِ، والمَغْصُوبِ من غيرِ غاصِبِه (٤٣) ممَّن لا يَقْدِرُ على انْتِزَاعِه منه، فإنه لا تجوزُ إجَارَتُه؛ لأنَّه لا يمكنِ تَسْلِيمُ المَعْقُودِ عليه. وإن كان ممَّا تُجْهَلُ صِفَتُه، فإنَّه لا تجوزُ إجَارَتُه، في ظاهِرِ المَذْهَبِ. أو كان ممَّن لا نَفْعَ فيه، كسِبَاعِ البَهائِمِ، أو الطَّيْرِ التي لا تَصْلُحُ للاصْطِيادِ. ولا تجوزُ إجارَةُ الكَلْبِ، ولا الخِنْزِيرِ، بحالٍ. ويَتَخَرَّجُ جوازُ إجَارَةِ الكَلْبِ الذي يُبَاحُ اقْتِنَاؤُه؛ لأنَّ فيه نَفعًا مُباحًا تجوزُ إعارتُه (٤٤)، فجازَتْ إجَارَتُه (٤٥)
стр. 3933
كغيرِه. ولأصْحابِ الشافِعِىِّ وَجْهانِ، كهذَيْن (٤٦). ولا تجوزُ إجارَةُ ما لا يَقْدِرُ على تَسْلِيمِ مَنْفَعَتِه، سواءٌ جازَ بَيْعُه أو لم يَجُزْ، مثل أن يَغْصِبَ مَنْفَعَتَه، بأن يَدَّعِىَ إنْسانٌ أنَّ هذه الدارَ في إجَارَتِه عامًا، ويَغْلِبَ صاحِبَها عليها، فإنَّه لا تجوزُ إجَارَتُها في هذا العامِ إلَّا من غاصِبِها، أو ممَّن يَقْدِرُ على أخْذِها منه. قال أصْحابُنا: ولا تجوزُ إجَارةُ المُشَاعِ لغير الشَّرِيكِ، إلَّا أن يُؤْجِرَ الشَّرِيكانِ معًا. وهذا قولُ أبى حنيفة، وزُفَرَ؛ لأنَّه لا يَقْدِرُ على تَسْلِيمِه، فلم تَصِحَّ إجَارَتُه كالمَغْصُوبِ؛ وذلك لأنَّه لا يَقْدِرُ على تَسْلِيمِه إلَّا بِتَسْلِيمِ نَصِيبِ شَرِيكِه، ولا وِلَايةَ له على مالِ شَرِيكِه. واخْتَارَ أبو حَفْصٍ العُكْبَرِىُّ جَوَازَ ذلك. وقد أوْمأَ إليه أحمدُ، وهو قولُ مالِكٍ، والشافِعِىِّ، وأبى يوسفَ، ومحمدٍ؛ لأنَّه مَعْلُومٌ يَجُوزُ بَيْعُه، فجازَتْ إجَارَتُه كالمُفْرَد (٤٧)، ولأنَّه عَقْدٌ في مِلْكِه، يجوزُ مع شَرِيكِه، فجازَ مع غيرِه كالبَيْعِ، ولأنَّه يجوزُ إذا فَعَلَه الشَّرِيكانِ معًا، فجازَ لأحَدِهِما فِعْلُه في نَصِيبه مُفْرَدًا، كالبَيْعِ. ومن نَصَرَ الأَوَّلَ فَرَّقَ بين مَحلِّ النِّزَاعِ وبينَ ما إذا أجَرَه الشَّرِيكانِ، أو أجَرَه لِشَرِيكِه، بأنَّه يُمْكِنُ التَسْلِيمُ إلى المُسْتَأْجِرِ، فأشْبَهَ إجَارَةَ المَغْصُوبِ من غاصِبِه دُونَ غيرِه. وإن كانت الدَّارُ لِوَاحِدٍ، فأجَرَ نِصْفَها، صَحَّ؛ لأنَّه يُمْكِنُهُ تَسْلِيمُه، ثم إن أجَرَ نِصْفَها الآخَر لِلْمُسْتَأْجِرِ الأوَّلِ، صَحَّ؛ فإنَّه يُمْكِنُه تَسْلِيمُه إليه، وإن أجَرَه لغيرِه، ففيه وَجْهانِ، بِنَاءً على المَسْألةِ التي قَبْلَها؛ لأنَّه لا يُمْكِنُه تَسْلِيمُ ما أجَرَه إليه. وإن أجَرَ الدَّارَ لِاثْنَيْنِ لكلِّ واحدٍ منهما نِصْفُها، فكذلك؛ لأنَّه لا يُمْكِنُه تَسْلِيمُ نَصِيبِ كلِّ واحدٍ منهما إليه.
فصل: وفى إجَارَةِ المُصْحَفِ وَجْهان؛ أحدهما، لا تَصِحُّ إجَارَتُه، مَبْنِيًّا على أنَّه لا يَصِحُّ بَيْعُه، وعِلَّةُ ذلك إجْلَالُ كَلَامِ اللهِ وكِتَابِه عن المُعَاوَضَةِ به، وابْتِذَالِه بالثمَنِ
стр. 3934
في البَيْعِ، والأجْرِ في الإِجَارَةِ. والثانى، تجوزُ إجَارَتُه. وهو مذهبُ الشافِعىِّ؛ لأنَّه انْتِفاعٌ مُبَاحٌ، تجوزُ الإِعارَةُ من أجْلِه، فجازَتْ فيه الإِجارَةُ، كسائِر الكُتُبِ، فأمَّا سائِرُ الكُتُبِ الجائِزِ بَيْعُها، فتجوزُ إجَارَتُها. ومُقْتَضَى مذهبِ أبى حنيفةَ أنَّها لا تجوزُ إجَارَتُها؛ لأنَّه عَلَّلَ مَنْعَ إجارَةِ المُصْحَفِ بأنَّه ليس في ذلك أكْثَرُ من النَّظَرِ إليه، ولا تجوزُ الإِجَارَةُ لمثلِ ذلك، بِدَلِيلِ أنَّه لا يجوزُ أن يَسْتَأْجِرَ سَقْفًا لِيَنْظُرَ إلى عَمَلِه وتَصَاوِيرِه، أو شَمْعًا لِيَتَجَمَّلَ به. ولَنا، أنَّه انْتِفاعٌ مُبَاحٌ يَحْتاجُ إليه، وتجوزُ الإِعارَةُ له، فجازَتْ إجَارَتُه، كسائِر المنَافِعِ. وفارَقَ النَّظَرَ إلى السَّقْفِ؛ فإنَّه لا حاجَةَ إليه، ولا جَرَتِ العادَةُ بالإِعَارَةِ من أجْلِه. وفي مَسْألَتِنا يَحْتاجُ إلى القِرَاءةِ في الكُتُبِ، والتَّحَفُّظِ منها، والنَّسْخِ والسَّمَاعِ منها والرِّوَايةِ، وغيرِ ذلك من الانْتفاعِ المَقْصُودِ المُحْتَاجِ إليه.
فصل: ولا تجوزُ إجارَةُ المُسْلِمِ لِلذِّمِّىِّ لخِدْمَتِه. نَصَّ عليه أحمدُ، في رِوَايةِ الأثْرَمِ، فقال: إن أجَرَ نَفْسَه من الذِّمِّىِّ في خِدْمَتِه، لم يَجُزْ، وإن كان في عَمَلِ شَىءٍ، جازَ. وهذا أحدُ قَوْلَىِ الشافِعِىِّ، وقال في الآخَرِ: تجوزُ؛ لأنَّه تجوزُ له إجَارَةُ نَفْسِه في غيرِ الخِدْمةِ، فجازَ فيها، كإجَارَتِه من المُسْلِمِ. ولَنا، أنَّه عَقْدٌ يَتَضَمَّنُ حَبْسَ المُسْلِمِ عندَ الكافِرِ، وإذْلَالَه له، واسْتِخْدَامَه، أشْبَه البَيْعَ، يُحَقِّقُه أنَّ عَقْدَ الإِجَارَةِ لِلْخِدْمةِ يَتَعَيَّنُ فيه حَبْسُه مُدَّةَ الإِجَارَةِ واسْتِخْدامُه، والبَيْعُ لا يَتَعَيَّنُ فيه ذلك، فإذا مُنِعَ منه، فَلَأن يُمْنَعَ من الإِجَارَةِ أَوْلَى. فأمَّا إن أجَرَ نَفْسَه منه في عَمَلٍ مُعَيَّنِ في الذِّمّةِ، كخِيَاطةِ ثَوْبٍ، وقِصَارَتِه، جازَ بغيرِ خِلَافٍ نَعْلَمُه؛ لأنَّ عَلِيًّا رَضِىَ اللَّه عنه، أجَرَ نَفْسَه من يَهُودِىٍّ، يَسْتَقِى (٤٨) له كلَّ دَلْوٍ بِتَمْرَةٍ، وأخْبَرَ النبيَّ ﷺ بذلك، فلم يُنْكِرْه (٥٠). وكذلك الأنْصَارِىُّ (٤٩). ولأنَّه عَقْدُ مُعَاوَضةٍ لا يَتَضَمَّنُ إذْلَالَ المُسلِمِ، ولا اسْتِخْدَامَه، أشْبَهَ مُبَايَعَتَه. وإن أجَرَ نَفْسَه منه لِعَمَلٍ غيرِ الخِدْمَةِ، مُدَّةً
стр. 3935
مَعْلُومةً، جازَ أيضًا، في ظاهِرِ كلامِ أحمدَ؛ لقوله، في رِوَايةِ الأثْرَمِ: وإن كان في عَمَلِ شيءٍ، جازَ. ونَقَلَ عنه أحمدُ بن سَعِيدٍ: لا بَأْسَ أن يُؤْجِرَ نَفْسَه من الذِّمِّىِّ. وهذا مُطْلَقٌ في نَوْعَىِ الإِجَارةِ. وذَكَرَ بعضُ أصْحَابِنا (٥٠)، أنَّ ظاهِرَ كلامِ أحمدَ مَنْعُ ذلك، وأشَارَ إلى ما رَوَاه الأثْرَمُ، واحْتَجَّ بأنَّه عَقْدٌ يَتَضَمَّنُ حَبْسَ المُسْلِمِ، أشْبَهَ البَيعَ. والصَّحِيحُ ما ذَكَرْنا، وكلامُ أحمدَ إنَّما يَدُلُّ على خِلَافِ ما قالَه، فإنَّه خَصَّ المَنْعَ بالإِجَارةِ لِلْخِدْمةِ، وأجازَ إجَارَتَه لِلْعَمَلِ. وهذا إجَارَةٌ لِلْعَمَلِ. ويُفَارِقُ البَيْعَ، فإنَّ فيه إثْباتَ المِلْكِ على المُسْلِمِ، ويُفَارِقُ إجَارَتَه لِلْخِدْمةِ، لِتَضَمُّنِها الإِذْلَالَ.
فصل: نَقَلَ إبراهيمُ الحَرْبِىُّ، عن أحمدَ، أنَّه سُئِلَ عن الرَّجُلِ يَكْتَرِى الدِّيكَ يُوقِظُه لِوَقْتِ الصَّلَاةِ: لا يجوزُ؛ وذلك لأنَّ ذلك يَقِفُ على فِعْلِ الدِّيكِ، ولا يُمْكِنُ اسْتِخْرَاجُ ذلك منه بِضَرْبٍ ولا غيرِه، وقد يَصِيحُ، وقد لا يَصِيحُ، وربما صاحَ بعد الوَقْتِ.
فصل: القسم الرابع، القُرَبُ التي يَخْتَصُّ فاعِلُها بكَوْنِه من أهْلِ القُرْبَةِ، يَعْنِى أنه يُشْتَرطُ كونُه مُسْلِمًا، كالإِمامةِ، والأذَانِ، والحَجِّ، وتَعْلِيمِ القُرْآن. نَصَّ عليه أحمدُ. وبه قال عطاءٌ، والضَّحّاكُ بن قَيْسٍ، وأبو حنيفةَ، والزُّهْرِىُّ. وكَرِهَ الزُّهْرِىُّ، وإسحاقُ تَعْلِيمَ القُرْآن بأجْرٍ. وقال عبدُ اللَّه بن شَقِيقٍ: هذه الرُّغُفُ التي يَأْخُذُها المُعَلِّمُونَ من السُّحْتِ. وممَّن كَرِهَ أُجْرَةَ التَّعْلِيمِ (٥١) مع الشُّرَطِ: الحَسَنُ، وابنُ سِيرِينَ، وطَاوُسٌ، والشَّعْبِىُّ، والنَّخَعِىُّ. وعن أحمدَ، رِوَايةٌ أخرى، يجوزُ ذلك. حَكَاها أبو الخَطَّابِ. ونقَل أبو طالِبٍ، عن أحمدَ، أنَّه قال: التَّعْلِيمُ أحَبُّ إلَىَّ من أن يَتَوَكَّلَ لهؤلاء السَّلَاطِينِ، ومن أن يَتَوَكَّلَ لِرَجُلٍ من عَامَّةِ الناسِ في ضَيْعةٍ، ومن أن يَسْتَدِينَ ويَتَّجِرَ، لعلَّه لا يَقْدِرُ على الوَفَاءِ، فيَلْقَى اللهَ تعالى بأَمَاناتِ الناسِ، التَّعْلِيمُ أحَبُّ إلىَّ. وهذا يَدُلُّ على أنَّ مَنْعَه منه في مَوْضِعِ مَنْعِه لِلْكَرَاهةِ،
стр. 3936
لا لِلتَّحْرِيمِ. وممَّن أجَازَ ذلك مالكٌ، والشافِعِىُّ. ورَخَّصَ في أُجُورِ المُعَلِّمِينَ أبو قِلَابةَ وأبو ثَوْرٍ، وابنُ المُنْذِرِ؛ لأنَّ رسولَ اللَّه ﷺ زَوَّجَ رَجُلًا بما مَعَهُ من القُرْآن. مُتَّفَقٌ عليه (٥٢). وإذا جازَ تَعْلِيمُ القُرْآن عِوَضًا في باب النِّكَاحِ، وقامَ مَقَامَ المَهْرِ، جازَ أخْذُ الأُجْرَةِ عليه. في الإِجَارَةِ، وقد قال رسولُ اللَّه ﷺ : "أحَقُّ مَا أخَذْتُمْ عَلَيْهِ أجْرًا كِتَابُ اللهِ". حَدِيثٌ صَحِيحٌ (٥٣). وثَبَتَ أن أبا سَعِيدٍ رَقَى رَجُلًا بفَاتِحَةِ الكِتَابِ على جُعْلٍ فبَرَأَ، وأَخَذَ أَصْحَابُه الجُعْلَ، فأَتَوْا به رسولَ اللَّه ﷺ فأخْبَرُوه، وسَأَلُوه، فقال: "لَعَمْرِى لَمَنْ أَكَلَ بِرُقْيَةِ باطِلٍ، لَقَدْ أَكَلْتَ بِرُقْيَةِ حَقٍّ، كُلُوا واضْرِبُوا لِى مَعَكُم بِسَهْمٍ" (٥٤). ولذا جاز أخْذُ الأجر؛ لأنَّه في مَعْنَاه، ولأنَّه يجوزُ أخْذُ الرِّزْقِ عليه من
стр. 3937
بَيْتِ المالِ، فجازَ أخْذُ الأجْرِ عليه، كبِنَاءِ المَسَاجِدِ والقَنَاطِرِ، ولأنَّ الحاجَةَ تَدْعُو إلى ذلك، فإنَّه يُحْتَاجُ إلى الاسْتنابةِ في الحَجِّ عمَّن وَجَبَ عليه الحَجُّ وعَجَزَ عن فِعْلِه، ولا يَكَادُ يُوجَدُ مُتَبَرِّعٌ بذلك، فيُحْتَاجُ إلى بَذْلِ الأجْرِ فيه. ووَجْهُ الرِّوَايةِ الأُولَى، ما رَوَى عثمانُ بن أبي العاصِ، قال: إنَّ آخِرَ ما عَهِدَ إليَّ النبيُّ ﷺ ، أن اتَّخِذْ مُؤَذِّنًا لا يَأْخُذُ على أذَانِه أجْرًا. قال التِّرْمِذِىُّ (٥٥): هذا حَدِيثٌ حَسَنٌ. ورَوَى عُبَادَةُ بن الصَّامِتِ، قال: عَلَّمْتُ نَاسًا من أهْلِ الصُّفَّةِ القُرآنَ والكِتَابةَ، فأهْدَى إلىَّ رَجُلٌ منهم قَوْسًا، قال: قلتُ: قَوْسٌ ولَيْسَتْ بمالٍ. قال: قلتُ أتَقَلَّدُهَا في سَبِيلِ اللَّه. فذَكَرْتُ ذلك للنبيِّ ﷺ . وقَصَّ عليه القِصَّةَ، قال: "إنْ سَرَّكَ أنْ يُقَلِّدَكَ اللهُ قَوْسًا مِنْ نَارٍ، فَاقْبَلْهَا" (٥٦). وعن أُبَىِّ بن كَعْبٍ، أنَّه عَلَّمَ رَجُلًا سُورَةً من القُرْآنِ، فأَهْدَى إليه خَمِيصَةً (٥٧) أو ثَوبًا، فذَكَرَ ذلك للنبيِّ ﷺ ، فقال: "لَوْ أنَّكَ لَبِسْتَها، أو أخَذْتَها، أَلْبَسَكَ اللهُ مَكَانَها ثَوْبًا مِنْ نَارٍ" (٥٨). وعن أُبَىٍّ، قال: كُنْتُ أخْتَلِفُ إلى رَجُلٍ مُسِنٍّ، قد أصَابَتْهُ عِلَّةٌ، قد احْتَبَسَ في بَيْتِه أُقْرِئُه القُرْآنَ، فكان عند فَرَاغِه ممَّا أُقْرِئُه يقول لِجَارِيَةٍ له: هَلُمِّى بِطَعَامِ أخِى. فيُؤْتَى بطَعَامٍ لا آكُلُ مثلَه بالمَدِينَةِ، فحَاكَ في نَفْسِى منه
стр. 3938
شيءٌ، فذَكَرْتُه للنبيِّ ﷺ ، فقال: "إنْ كَانَ ذلِكَ الطَّعَامُ طَعَامَهُ وطَعَامَ أَهْلِه، فَكُلْ مِنْهُ، وإنْ كَانَ يُتْحِفُكَ بهِ، فَلَا تَأْكُلْهُ". وعن عبدِ الرَّحْمن بن شِبْلٍ الأَنْصَارِىِّ، قال: سَمِعْتُ رسولُ اللهِ ﷺ يقول: "اقْرأُوا القُرْآنَ، ولَا تَغْلُوا فِيهِ، ولا تَجْفُوا عَنْهُ، ولَا تَأْكُلُوا بِهِ، ولَا تَسْتَكْثِرُوا بِهِ" (٥٩). رَوَى هذه الأحَادِيثَ كلَّها الأثْرَمُ (٦٠)، في "سُنَنِه". ولأنَّ مِن شَرْطِ صِحَّةِ هذه الأفْعَالِ، كَوْنَها قُرْبةً إلى اللهِ تعالى، فلم يَجُزْ أخْذُ الأجْرِ عليها، كما لو اسْتَأْجَرَ قَوْمًا يُصَلُّونَ خَلْفَه الجُمُعةَ أو التَّرَاوِيحَ. فأمَّا الأخْذُ على الرُّقْيَةِ، فإنَّ أحمدَ اخْتَارَ جوازَه، وقال: لا بَأْسَ. وذَكَرَ حَدِيثَ أبى سَعِيدٍ. والفَرْقُ بينَه وبين ما اخْتُلِفَ فيه، أنَّ الرُّقْيةَ نَوْعُ مُدَاوَاةٍ، والمَأْخُوذُ عليها جُعْلٌ، والمُدَاواةُ يُبَاحُ أخْذُ الأجْرِ عليها، والجَعَالَةُ أوْسَعُ من الإِجَارَةِ، ولهذا تجوزُ مع جَهَالَةِ العَمَلِ والمُدَّةِ. وقولُه ﵇: "أحَقُّ مَا أَخَذْتُم عَلَيْهِ أجْرًا كِتَابُ اللهِ". يَعْنى به الجُعْلَ أيضًا في الرُّقْيَةِ؛ لأنَّه ذَكَرَ ذلك (٦١) في سِيَاقِ خَبَرِ الرُّقْيةِ. وأما جَعْلُ التَّعْلِيمِ صَدَاقًا [فعنه فيه] (٦٢) اخْتِلَافٌ، وليس في الخَبَرِ تَصْرِيحٌ بأن التَّعْلِيمَ صَدَاقٌ، إنَّما قال: "زَوَّجْتُكَهَا عَلَى مَا مَعَكَ مِنَ القُرْآنِ". فيَحْتَمِلُ أنَّه زَوَّجَهُ إيَّاها بغيرِ صَدَاقٍ، إكْرَامًا له، كما زَوَّجَ أبا طَلْحَةَ أُمَّ سُلَيْمٍ على إسْلَامِه (٦٣)، ونُقِلَ عنه جَوَازُه. والفَرْقُ بين المَهْرِ والأجْرِ، أنَّ المَهْرَ ليس بعِوَضٍ مَحْضٍ، وإنَّما وَجَبَ نِحْلةً وَوُصْلَةً، ولهذا جازَ خُلُوُّ العَقْدِ عن تَسْمِيَتِه، وصَحَّ مع فَسَادِه، بخِلَافِ الأجْرِ في غيرِه، فأمَّا الرِّزْقُ من بَيْتِ المالِ، فيجوزُ على ما يَتَعَدَّى نَفْعُه من هذه الأُمُورِ؛ لأنَّ بَيْتَ المالِ لِمَصَالِح المُسْلِمِينَ، فإذا كان بَذْلُه لمن يَتَعَدَّى نَفْعُه إلى المُسْلِمِينَ مُحْتاجًا إليه، كان من المَصَالِحِ، وكان للآخِذِ له أخْذُه؛ لأنَّه من أهْلِه، وجَرَى مَجْرَى الوَقْفِ على مَن يَقُومُ بهذه المَصَالِحِ، بخِلَافِ الأَجْرِ.
стр. 3939
فصل: فإن أُعْطِىَ المُعَلِّمُ شيئا من غير شَرْطٍ، فظاهِرُ كلامِ أحمدَ جَوَازُه. وقال، فيما نَقَلَ عنه أيُّوبُ ابن سافرى (٦٤): لا يَطْلُبُ، ولا يُشَارِطُ، فإن أُعْطِىَ شَيْئًا أخَذَه. وقال، في رِوَايةِ أحمدَ بن سَعِيدٍ: أكْرَهُ أجْرَ المُعَلِّمِ إذا شَرَطَ. وقال: إذا كان المُعَلِّمُ لا يُشَارِطُ، ولا يَطْلُبُ من أحدٍ شَيْئًا، إن أتَاهُ شيءٌ قَبِلَه. كأنَّه يَرَاهُ أهْوَنَ. وكَرِهَه (٦٥) طائِفَةٌ من أهْلِ العِلْمِ؛ لما تَقَدَّمَ من حَدِيثِ القَوْسِ والخَمِيصَةِ اللَّتَيْنِ أُعْطِيَهما أبَىٌّ وعُبادَةُ من غيرِ شَرْطٍ. ولأنَّ ذلك قُرْبَةٌ، فلم يَجُزْ أخْذُ العِوَضِ عنها، لا بِشَرْطٍ ولا بغيرِه، كالصَّلَاةِ والصِّيَامِ. وَوَجْهُ الأوَّلِ، قولُ النبيِّ ﷺ : "مَا أَتَاكَ مِنْ هذَا الْمَالِ مِنْ غَيْرِ مَسْأَلَةٍ وَلَا إشْرَافِ نَفْسٍ، فَخُذْهُ، وتَمَوَّلْهُ؛ فَإنَّهُ رِزْقٌ سَاقَهُ اللهُ إلَيْكَ" (٦٦). وقد أرْخَصَ النبيُّ ﷺ لِأُبَىٍّ في أكْلِ طَعَامِ الذي كان يُعَلِّمُه، إذا كان طَعَامَه وطَعَامَ أهْلِه. ولأنَّه إذا كان بغيرِ شَرْطٍ، كان هِبَةً مُجَرَّدَةً، فجازَ، كما لو لم يُعَلِّمْهُ شيئا. فأمَّا حَدِيثُ القَوْسِ والخَمِيصَةِ، فقَضِيَّتانِ في عَيْنٍ، فيَحْتَمِلُ أنَّ النبيَّ ﷺ عَلِمَ أنَّهما فَعَلَا ذلك لِلهِ خَالِصًا، فكَرِهَ أخذَ العِوَضِ عنه (٦٧) من غيرِ اللَّه تعالى. ويَحْتَمِلُ غيرَ ذلك. وإن أُعْطِىَ المُعَلمُ أجْرًا على تَعْلِيمِ الصَّبِىِّ الخَطَّ وحِفْظِه، جازَ. نَصَّ عليه أحمدُ، فقال: إن كان المُعْطِى يَنْوِى أن يُعْطِيَهُ لحِفْظِ الصَّبِىِّ وتَعْلِيمِه، فأرْجُو إذا كان كذا. ولأنَّ هذا ممَّا يجوزُ أخْذُ الأجْرِ عليه مُفرَدًا، فجازَ مع غيرِه، كسائِرِ ما يجوزُ الاسْتِئْجارُ عليه. وهكذا لو كان إمامُ المَسْجِدِ قَيِّمًا له، يُسْرِجُ قَنَادِيلَه، ويَكنُسُهُ، ويُغْلِقُ بَابَه ويَفْتَحُه، فأخَذَ أجْرًا على خِدْمَتِه، أو كان النّائِبُ في الحَجِّ يَخْدِمُ
стр. 3940
المُسْتَنِيبَ له في طَرِيقِ الحَجِّ، ويَشُدُّ له، ويَرْفَعُ حِمْلَه، ويَحُجُّ عن أبِيه، فدَفَعَ له أجْرًا لِخدْمَتِه، لم يَمْتَنِعْ (٦٨) ذلك، إن شاءَ اللهُ تعالى.
فصل: وما لا يَخْتَصُّ فاعِلُه أن يكونَ من أهْلِ القُرْبَةِ، كتَعْلِيمِ الخَطِّ والحِسَابِ والشِّعْرِ المُبَاحِ، وأشْبَاهِه، وبنَاءِ المَسَاجِد والقَنَاطِر، جازَ أخْذُ الأجْرِ عليه؛ لأنَّه يَقَعُ تارَةً قُرْبةً، وتارةً غيرَ قُرْبَةٍ، فلم يُمْنَعْ من الاسْتِئْجارِ لِفِعْلِه، كغَرْسِ الأشْجارِ، وبِنَاءِ البُيُوتِ. وكذلك في تَعْلِيمِ الفِقْهِ والحَدِيثِ. وأمَّا ما لا يَتَعَدَّى نَفْعُه فاعِلَه من العِبَاداتِ المَحْضَةِ، كالصِّيَامِ، وصَلَاةِ الإِنسانِ لِنَفْسِه، وحَجِّهِ عن نَفْسِه، وأداءِ زَكَاةِ نَفْسِه، فلا يجوزُ أخْذُ الأَجْرِ عليها، بغير خِلَافٍ؛ لأنَّ الأجْرَ عِوَضُ الانْتِفاعِ، ولم يَحْصُلْ لغيرِه ههُنا انْتِفَاعٌ، فأشْبَهَ إجارَةَ الأعْيانِ التي لا نَفْعَ فيها.
فصل: إذا اخْتَلَفَا في قَدْرِ الأجْرِ، فقال: أجَرْتَنِيهَا سَنَةً بدِينَارٍ. قال: بل بدِينَارَيْنِ. تَحَالَفَا، ويُبْدَأُ بِيَمِينِ الآجِرِ. نَصَّ عليه أحمدُ. وهو قولُ الشافِعىِّ؛ لأنَّ الإِجَارَةَ نَوْعٌ من البَيْعِ، فإذا تَحَالَفَا قبل مُضِىِّ شيءٍ من المُدَّةِ (٦٩) فَسَخَا العَقدَ، ورَجَعَ كلُّ واحدٍ منهما في مالِه. وإن رَضِىَ أحَدُهُما بما حَلَفَ عليه الآخَرُ، قَرَّ العَقْدُ. وإن فَسَخَا العَقْدَ بعدَ المُدَّةِ أو شيءٍ منها، سَقَطَ المُسَمَّى ووَجَبَ أجْرُ المِثْلِ، كما لو اخْتَلَفَا في المَبِيعِ بعد تَلَفِه. وهذا قولُ الشّافِعِىِّ. وبه قال أبو حنيفةَ إن لم يكُنْ عَمِلَ العَمَلَ، وإن كان عَمِلَه فالقولُ قولُ المُسْتَأْجِرِ فيما بينه وبين أجْرِ مِثْلِه. وقال أبو ثَوْرٍ: الفولُ قولُ المُسْتَأْجِرِ؛ لأنَّه مُنْكِرٌ للزِّيادَةِ في الأجْرِ، والقولُ قولُ المُنْكِرِ. ولَنا، أنَّ الإِجَارَةَ نَوْعٌ من البَيْعِ، فيَتَحَالَفَانِ عندَ اخْتِلَافِهِما في عِوَضِها، كالبَيعِ، وكما قبلَ أن يَعْمَلَ العَمَلَ عندَ أبى حنيفةَ. وقال ابنُ أبي موسى: القولُ قولُ المالِكِ؛ لقولِ النبيِّ
стр. 3941
- ﷺ : "إذَا اخْتَلَفَ الْمُتَبَايِعَانِ، فَالْقَوْلُ قَوْلُ (٧٠) البَائِعِ" (٧١). وهذا يَحْتَمِلُ أن يُرِيدَ به إذا اخْتَلَفَا في المُدَّةِ، وأما إذا اخْتَلَفَا في العِوَضِ، فالصَّحِيحُ أنَّهما يَتَحَالَفَانِ؛ لما ذَكَرنَاهُ.
فصل: وإن اخْتَلَفَا في المُدَّةِ، فقال: أجَرْتُكَها سَنَةً بدِينَارٍ. قال: بل سَنَتَيْنِ بِدِينَارَيْنِ. فالقولُ قولُ المالِكِ؛ لأنَّه مُنْكِرٌ لِلزِّيادةِ، فكان القولُ قولَه فيما أنْكَرَه، كما لو قال: بِعْتُكَ هذا العَبْدَ بمائةٍ. قال: بل هذَيْنِ العَبْدَيْنِ. وإن قال: أجَرْتُكَها سَنَةً بِدِينَارٍ. قال: بل سَنَتَينِ بِدِينَارٍ. فههُنا قد اخْتَلَفَا في قَدْرِ العِوَضِ والمُدَّةِ جَمِيعًا، فيَتَحَالَفانِ؛ لأنَّه لم يُوجَد الاتِّفَاقُ منهما على مُدَّةٍ بعِوَضٍ، فصارَ كما لو اخْتَلَفَا في العِوَضِ مع اتِّفاقِ المُدَّةِ. وإن قال المالِكُ: أجَرْتُكَها سَنَةً بِدِينارٍ. فقال السّاكِنُ: بل اسْتَأْجَرْتَنِى على حِفْظِها بِدِينارٍ. فقال أحمدُ: القولُ قولُ رَبِّ الدَّارِ، إلَّا أن تكونَ للسّاكِنِ بَيِّنَةٌ. وذلك لأنَّ سُكْنَى الدَّارِ قد وُجِدَ من السَّاكِنِ، واستِيفَاءَ مَنْفَعَتِها وهى مِلْكُ صَاحِبِها، والقولُ قولُه في مِلْكِه، والأصْلُ عَدَمُ اسْتِئْجارِ السّاكِنِ في الحِفْظِ، فكان القولُ قولَ من يَنْفِيه.
فصل: وإن اخْتَلَفَا في التَّعَدِّى في العَيْنِ المُسْتَأْجَرَةِ، فالقولُ قولُ المُسْتَأْجِرِ؛ لأنَّه مُؤْتَمَنٌ عليها، فأشْبَه المُودَعَ، ولأنَّ الأصْلَ عَدَمُ العُدْوانِ، والبَرَاءَةُ من الضَّمَانِ.
стр. 3942
وإن ادَّعَى أنَّ العَبْدَ أبَقَ من يَدِه، وأن الدَّابَةَ شَرَدَتْ أو نَفَقَتْ، وأنْكَرَ المُؤْجِرُ، فعن أحمدَ رِوَايَتانِ؛ إحْداهما، أنَّ القولَ قولُ المُسْتَأْجِرِ؛ لما ذَكَرْنا، ولا أجْرَ عليه إذا حَلَفَ أنَّه ما انْتَفَعَ بها، لأنَّ الأصْلَ عَدَمُ الانْتِفاعِ. والثانية، القولُ قولُ المُؤْجِرِ؛ لأنَّ الأصْلَ السَّلَامةُ. فأمَّا إن ادَّعَى أن العَبْدَ مَرِضَ في يَدِه، نَظَرْنا؛ فإن جاءَ به صَحِيحًا، فالقولُ قولُ المالِكِ، سواءٌ وافَقَهُ العَبْدُ أو خَالَفَه. نَصَّ عليه أحمدُ. وإن جاءَ به مَرِيضًا، فالقولُ قولُ المُسْتَأْجِرِ. وهذا قولُ أبى حنيفةَ؛ لأنَّه إذا جاءَ به صَحِيحًا فقد ادَّعَى ما يُخَالِفُ الأصْلَ، وليس معه دَلِيلٌ عليه (٧٢)، وإن جاءَ به مَرِيضًا، فقد وُجِدَ ما يُخَالِفُ الأصْلَ يَقِينًا، فكان القولُ قولَه في مدَّةِ المَرَضِ، لأنَّه أعْلَمُ بذلك، لِكَوْنِه في يَدِه. وكذلك إن ادَّعَى إبَاقَهُ في حالِ إِبَاقِه، أو جاءَ به غيرَ آبِقٍ. ونَقَلَ إسحاقُ بن منصورٍ، عن أحمدَ، أنَّه يُقْبَلُ قَولُه في إبَاقِ العَبْدِ، دُونَ مَرَضِه. وبه قال الثَّوْرِىُّ، وإسحاقُ. قال أبو بكرٍ: وبالأَوَّلِ أقُولُ؛ لأنَّهما سواءٌ في تَفْوِيتِ مَنْفَعَتِه، فكانا سَوَاءً في دَعْوَى ذلك. وإن هَلَكَتِ العَيْنُ، فاخْتَلَفَا في وَقْتِ (٧٢) هَلَاكِها، أو أبَقَ العَبْدُ، أو مَرِضَ، فاخْتَلَفَا في وَقْتِ ذلك، فالقولُ قولُ المُسْتَأْجِرِ، لأنَّ الأصْلَ عَدَمُ العَمَلِ ولأنَّ ذلك حَصَلَ في يَدِه وهو أعْلَمُ به.
فصل: إذا دَفَعَ ثَوْبَهُ إلى خَيَّاطٍ أو قَصَّارٍ، لِيَخِيطَه أو يَقْصِرُه، من غيرِ عَقدٍ ولا شَرْطٍ، ولا تَعْوِيضٍ بأجْرٍ، مثل أن يقولَ: خُذْ هذا فَاعْمَلْهُ، وأنا أعْلَمُ أنك إنَّما تَعْمَلُ بأجْرٍ. وكان الخَيَّاطُ والقَصَّارُ مُنْتَصِبَيْنِ لذلك، ففَعَلَا ذلك، [فلهما الأجْرُ. وقال أصحابُ الشافِعِىِّ: لا أجْرَ لهما؛ لأنهما فَعَلَا ذلك] (٧٣) من غيرِ عِوَضٍ جُعِلَ لهما، فأشْبَهَ ما لو تَبَرَّعَا بِعَمَلِه. ولَنا، أنَّ العُرْفَ الجارِىَ بذلك يَقُومُ مَقَامَ القَوْلِ، فصَارَ كَنَقْدِ البَلَدِ، وكما لو دَخَلَ حَمَّامًا، أو جَلَسَ في سَفِينَةٍ مع مَلَّاحٍ، ولأنَّ شَاهِدَ الحالِ يَقْتَضِيه، فصارَ كالتَّعْوِيضِ. فأمَّا إن لم يكُونَا مُنتَصِبَيْنِ لذلك، لم يَسْتَحِقَّا أجْرًا
стр. 3943
إلَّا بِعَقْدٍ، أو شَرْطِ العِوَضِ، أو تَعْوِيضٍ به؛ لأنَّه لم يَجْرِ عُرْفٌ يَقُومُ مَقَامَ العَقْدِ، فصارَ كما لو تَبَرَّعَ به، أو عَمِلَه بغيرِ إذْنِ مالِكِه. ولو دَفَعَ ثَوْبًا إلى رَجُلٍ لِيَبِيعَه، فالحُكْمُ فيه [كالحُكْمِ في القَصَّارِ] (٧٤) والخَيَّاطِ، إن كان مُنْتَصِبًا يَبِيعُ لِلنّاسِ بأجْرٍ، فله أجْرُ مِثْلِه. نَصَّ عليه أحمدُ، وإن لم يكُنْ كذلك، فلا شىءَ؛ لما تَقَدَّمَ. ومتى دَفَعَ ثَوْبَه إلى أحدِ هؤلاءِ، ولم يُقَاطِعْهُ على أجْرٍ، فله أجْرُ المِثْلِ؛ لأنَّ الثِّيَابَ تَخْتَلِفُ أجْرَتُها، ولم يُعَيِّنْ شيئا، فجَرَى مَجْرَى الإِجارَةِ الفاسِدَةِ. فإن تَلِفَ الثَّوْبُ من حِرْزِه، أو بغيرِ فِعْلِه، فلا ضَمَانَ عليه؛ لأنَّ ما لا يُضْمَنُ في العَقْدِ الصَّحِيحِ، لا يُضْمَنُ في فاسِدِه. وإن تَلِفَ (٧٥) من فِعْلِه، بِتَخرِيقِه أو دَقِّهِ، ضَمِنَه؛ لأنَّه إذا ضَمِنَه بذلك في العَقْدِ الصَّحِيحِ، ففى الفاسِدِ أَوْلَى. وقال أحمدُ، في مَن دَفَعَ ثَوْبًا إلى قَصَّارٍ لِيَقْصِرَه، ولم يَقْطَعْ له أجْرًا، بل قال: أنا أُعْطِيكَ كما تُعْطى. وهَلَكَ الثَّوْبُ، فإن كان بَخَرْقٍ أو نحوِه ممَّا لا تَجْنِيه يَدُهُ، فلا ضَمَانَ عليه، بَيَّنَ الكِرَاءَ أو لم يُبَيِّنْ، والعِلَّةُ في ذلك ما ذَكَرْنَاهُ.
فصل: إذا اسْتَأْجَرَ رَجُلًا لِيَحْمِلَ له كِتَابًا إلى مَكَّةَ أو غيرها، إلى صاحِبٍ له، فحَمَلَهُ، فوَجَدَ صَاحِبَه غائِبًا، فرَدَّهُ، اسْتَحَقَّ الأَجْرَ بِحَمْلِه في الذَّهَابِ والرَّدِّ؛ لأنَّه حَمَلَهُ في الذَّهَابِ بإذْنِ صَاحِبِه صَرِيحًا، وفى الرَّدِّ تَضْمِينًا، لأنَّ تَقْدِيرَ كَلَامِه: وإن لم تَجِدْ صَاحِبَه فَرُدَّه. إذ ليس سِوَى رَدِّه إلَّا تَضْيِيعُه. فقد عَلِمَ أنَّه لا يَرْضَى تَضْيِيعَه، فتَعَيَّنَ رَدُّه. واللهُ أعْلَمُ.
стр. 3944
كتاب إحْيَاء المَوَاتِ
المَوَاتُ: هو الأرْضُ الخَرَابُ الدَّارِسَةُ، تُسَمَّى مَيْتَةً ومَوَاتًا ومَوَتَانًا، بِفَتْحِ المِيم والواوِ، والمُوتَانُ، بِضَمِّ المِيمِ وسُكُونِ الواوِ: المَوْتُ الذَّرِيعُ. ورَجُلٌ مَوْتَانُ القَلْبِ، بِفَتْحِ المِيمِ وسُكُونِ الواوِ، يَعْنِى: أعْمَى القَلْبِ، لا يَفْهَمُ. والأصْلُ في إحْياءِ الأرْضِ، ما رَوَى جابِرٌ رَضِىَ اللَّه عنه، قال: قال رسولُ اللَّه ﷺ : "مَنْ أحيَا أرْضًا مَيْتَةً فَهِىَ لَهُ" (١). قال التِّرْمِذِىُّ: هذا حَدِيثٌ حَسَنٌ (٢) صَحِيحٌ. ورَوَى سَعِيدُ بن زَيْدٍ، أنَّ النبيَّ ﷺ قال: "مَنْ أحْيَا أرْضًا مَيْتَةً فَهِىَ لَهُ، ولَيْسَ لِعِرْقٍ ظَالِمٍ حَقٌّ" (٣). قال التِّرمِذِىُّ: هذا حَدِيثٌ حَسَنٌ، ورَوَى مالِكٌ، في "مُوَطَّئِه"، وأبو دَاوُدَ، في "سُنَنِه" عن عائِشَةَ مِثْلَه. قال ابنُ عبد البَرِّ، وهو مُسْنَدٌ صَحِيحٌ، مُتَلَّقَى بالقَبُولِ عند فُقَهاءِ المَدِينةِ وغيرِهم. ورَوَى أبو عُبَيْدٍ، في "الأمْوالِ" (٤) عن عائِشَةَ، قالت: قال رسولُ اللَّه ﷺ : "مَن أحْيَا أرْضًا لَيْسَتْ لأحَدٍ، فَهُوَ أحَقُّ بِهَا". قال عُرْوَةُ: وقَضَى (٥) بذلك عُمَرُ بن الخَطَّابِ، رَضِىَ اللَّه عنه، في خِلَافَتِه. وعَامَّةُ فُقَهاءِ الأمْصَارِ على أنَّ المَوَاتَ يُملَكُ بالإِحْياءِ، وإن اخْتَلَفُوا في شُرُوطِه.
стр. 3945
٩١٣ - مسألة؛ قال أبو القاسم: (ومَنْ أحْيَا أرْضًا لَمْ تُمْلَكْ، فَهِىَ لَهُ)
وجملتُه أنَّ المَوَاتَ قِسْمانِ؛ أحَدُهما، ما لم يَجرِ عليه مِلْكٌ لأحَدٍ، ولم يُوجَدْ فيه أَثَرُ عِمَارَةٍ، فهذا يُمْلَكُ بالإِحْياءِ (١)، بغير خِلَافٍ بين القائِلِينَ بالإِحْياءِ. والأخْبَارُ التي رَوَيْناها مُتَنَاوِلَةٌ له. القسم الثاني، ما جَرَى عليه مِلْكُ مالِكٍ، وهو ثلاثةُ أَنْوَاعٍ؛ أحدها؛ مالَه مالِكٌ مُعَيَّنٌ، وهو ضَرْبانِ؛ أحدهما، ما مُلِكَ بشِرَاءٍ أو عَطِيّةٍ، فهذا لا يُمْلَكُ بالإِحْياءِ، بغيرِ خِلَافٍ. قال ابنُ عبدِ البَرِّ: أجْمَعَ العُلَماءُ على أنَّ ما عُرِفَ بمِلْكِ مالِكٍ (٢) غيرِ مُنْقَطعٍ، أنَّه لا يجوزُ إحْياؤُه لأحدٍ غيرِ أرْبَابِه. الثاني، ما مُلِكَ بالإِحْياءِ، ثم تُرِكَ حتى دَثَرَ (٣) وعادَ مَوَاتًا، فهو كالذى قَبْلَه سواءً. وقال مالِكٌ: يُمْلَكُ هذا؛ لِعُمُومِ قوله: "مَنْ أَحْيَا أرْضًا مَيْتَةً فَهِىَ لَهُ" (٤). ولأنَّ أصْلَ هذه الأرْضِ مُبَاحٌ، فإذا تُرِكَتْ (٥) حتى تَصِيرَ مَوَاتًا عادَتْ إلى الإِبَاحةِ، كمن أخَذَ ماءً من نَهْرٍ ثم رَدَّهُ فيه. ولَنا، أنَّ هذه أرْضٌ يُعرَفُ مالِكُها، فلم تُمْلَكْ بالإِحْياءِ، كالتى مُلِكَتْ بِشِرَاءٍ أو عَطِيَّةٍ، والخَبَرُ مُقَيّدٌ بغيرِ المَمْلُوكِ، بقولِه في الرِّوَايةِ الأخرى: "من أحْيَا أرْضًا مَيتَةً لَيْسَتْ لأَحَدٍ". وقوله: "في غيرِ حَقِّ مُسْلِمٍ". وهذا يُوجِب تَقيِيدَ مُطْلَقِ حَدِيثِه. وقال هِشَامُ بن عُرْوَةَ، في تَفْسِيرِ قولِه ﵇: "ولَيْسَ لِعِرْقٍ ظالِمٍ حَقٌّ": العِرْقُ (٦) الظالِمُ أن يَأْتِىَ الرَّجُلُ الأرْضَ المَيْتَةَ لغيرِه، فيَغْرِسَ فيها. ذَكَرَه سَعِيدُ بن منصورٍ، في "سُنَنِه". ثم الحَدِيثُ مَخْصُوصٌ بما مُلِكَ بِشِرَاءٍ أو عَطِيّةٍ،
стр. 3946
فنَقِيسُ عليه مَحلَّ النِّزَاعِ. ولأنَّ سائِرَ الأمْوالِ لا يَزُولُ المِلْكُ عنها بالتَّرْكِ، بدَلِيلِ سائِرِ الأمْلَاكِ إذا تُرِكَتْ حتى تَشَعَّثَتْ. وما ذَكَرُوه يَبْطلُ بالمَوَاتِ إذا أحْياهُ إنسانٌ ثم باعَهُ، فتَرَكَهُ المُشْتَرِى حتى عادَ مَوَاتًا، وباللُّقَطَةِ إذا مَلَكَها ثم ضاعَت منه، ويُخَالِفُ ماءَ النَّهْرِ، فإنَّه استُهْلِكَ. النَّوْع الثاني، ما يُوجَدُ فيه آثارُ مِلْكٍ قَدِيمٍ جاهِلِىّ، كآثارِ الرُّومِ، ومَسَاكِن ثَمُودَ، ونحوها، فهذا يُملَكُ بالإِحْياءِ؛ لأنَّ ذلك المِلْكَ لا حُرْمَةَ له. وقد رُوِى عن طاوُسٍ، عن النَّبِيِّ ﷺ ، أنَّه قال: "عَادِىُّ الْأرْضِ لِلهِ ولِرَسُولِه، ثُمَّ هُوَ بَعْدُ لَكُمْ". رَوَاهُ سَعِيدُ [بن مَنصورٍ] (٧)، في "سُنَنِه"، وأبُو عُبَيْدٍ، في "الأمْوالِ" (٨). وقال: عادِىُّ الأرْضِ: التي كان بها ساكِنٌ في آبادِ الدَّهْرِ، فانْقَرَضُوا، فلم يَبْقَ منهم أنِيسٌ، وإنَّما نَسَبَها إلى عادٍ، لأنَّهم كانوا مع تَقَدُّمِهِم ذَوِى قُوَّةٍ وبَطْشٍ وآثارٍ كَثِيرَة، فنُسِبَ كلُّ أثَرٍ قَدِيمٍ إليهم. ويَحْتَمِلُ أنَّ كلَّ ما فيه أثرُ المِلْكِ، ولم يُعْلَمْ زَوَالُه قبلَ الإِسْلَامِ، أنَّه لا يُمْلَكُ؛ لأنَّه يَحْتَمِلُ أنَّ المُسْلِمِينَ أخَذُوه عامِرًا، فاسْتَحَقُّوه، فصارَ مَوْقُوفًا بِوَقْفِ عمرَ له، فلم يُمْلَكْ، كما لو عُلِمَ مالِكُه. النَّوع الثالث، ما جَرَى عليه المِلْكُ في الإِسلامِ لِمُسْلِمٍ، أو ذِمِّىٍّ غيرِ مُعَيَّنٍ، فظاهِرُ كلامِ الخِرَقِىِّ أنَّها لا تُمْلَكُ بالإِحْياءِ. وهو إحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ عن أحمدَ، نَقَلَها عنه أبو دَاوُدَ، وأبو الحارِثِ، ويوسفُ بن موسى؛ لما رَوَى كَثِيرُ بن عبدِ اللَّه بن عَوْفٍ، عن أبِيهِ، عن جَدِّه، قال: سَمِعْتُ رسولَ اللَّه ﷺ ، يقول: "مَنْ أحيَا أرْضًا مَوَاتًا، في غَيْرِ حَقِّ مُسْلِمٍ، فَهِىَ لَهُ" (٩). فقَيَّدَه بكَوْنِه في غيرِ حَقِّ مُسْلِمٍ. ولأنَّ هذه الأرْضَ لها مالِكٌ، فلم يَجُزْ إحْياؤُها، كما لو كان مُعَيَّنًا، فإنَّ مالِكَها إن كان له وَرَثَةٌ فهى لهم، وإن لم يكُنْ له وَرَثَةٌ، وَرِثَها المسلِمُونَ. والرِّواية الثانية، أنَّها تُمْلَكُ
стр. 3947
بالإِحْياءِ. نَقَلَها صالِحٌ وغيرُه. وهو مذهبُ أبى حنيفةَ، ومالِكٍ؛ لِعُمُومِ الأخْبارِ، ولأنَّها أرْضٌ مَوَاتٌ، لا حَقَّ فيها لِقَوْمٍ بأعْيانِهِم، أشْبَهَتْ ما لم يَجْرِ عليه مِلْكُ مالِكٍ، ولأنَّها إن كانت في دارِ الإِسلامِ، فهى كلُقَطَةِ دارِ الإِسلامِ، وإن كانت في دارِ الكُفْرِ، فهى كالرِّكَازِ.
فصل: ولا فَرْقَ فيما ذَكَرْنا بين دارِ الحَرْبِ ودارِ الإِسلامَ؛ لِعُمُومَ الأخْبارِ، ولأنَّ عامِرَ دارِ الحَرْبِ إنَّما يُمْلَكُ بالقَهْرِ والغَلَبَةِ، كسائِر أمْوَالِهم، فأمَّا ما عُرِفَ أنَّه كان مَمْلُوكًا، ولم يُعْلَمْ له مالِكٌ مُعَيَّنٌ، فهو على الرِّوَايَتَيْنِ. فإن قيل: فهذا مِلْكُ كافِرٍ غيرُ مُحْتَرَمٍ، فأشْبَه دِيَارَ عَادٍ، وقد دَلَّ عليه قولُه ﵇: "عَادِىُّ الْأرْضِ لِلهِ ولِرَسُولِه". ولأنَّ الرِّكَازَ من أمْوَالِهِم، ويَمْلِكُه واجِدُه، فهذا أَوْلَى. قُلْنا: قولُه: "عَادِىُّ الأرْضِ". يَعْنِى ما تَقَدَّمَ مِلْكُه، ومَضَتْ عليه الأزْمانُ، وما كان كذلك فلا حُكْمَ لمالِكِه. فأمَّا ما قَرُبَ مِلْكُه، فيَحْتَمِلُ أنَّ له مالِكًا باقِيًا، وإن لم يَتَعَيَّنْ، فلهذا قُلْنا: لا يُمْلَكُ. على إحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ. وأمَّا الرِّكَازُ، فإنَّه يُنقَلُ ويُحَوَّلُ، وهذا بخِلَافِ (١٠) الأرْضِ، بِدَلِيلِ أنَّ لُقَطَةَ دَارِ الإِسلامِ تُمْلَكُ بعدَ التَّعْرِيفِ، بخِلَافِ الأرْضِ.
فصل: ولا فَرْقَ بين المُسْلِمِ والذِّمِّىِّ في الإِحْياءِ. نَصَّ عليه أحمدُ. وبه قال مالِكٌ، وأبو حنيفةَ. وقال مالِكٌ: لا يَمْلِكُ الذِّمِّىُّ بالإِحْياءِ في دارِ الإِسلامِ. قال القاضي: وهو مذهبُ جَماعةٍ من أصْحابِنا؛ لقولِ النبيِّ ﷺ : "مَوَتَانُ الْأرضِ لِلهِ وَلِرَسُولِه، ثُمَّ هِىَ لَكُمْ مِنِّى" (١١). فجَمَعَ المَوتَانَ، وجَعَلَه (١٢) لِلْمُسْلِمينَ. ولأنَّ مَوَتانَ الدَّارِ من حُقُوقِها، والدَّارُ لِلْمُسلمين، فكان مَوَاتُها لهم، كمَرَافِقِ المَمْلُوكِ. ولَنا، عُمُومُ
стр. 3948
قولِ النبيِّ ﷺ : "مَنْ أَحْيَا أَرْضًا مَيْتَةً فَهِىَ لَهُ". ولأنَّ هذه جِهَةٌ من جِهَاتِ التَّمْلِيكِ، فاشْتَرَكَ فيها المُسْلِمُ والذِّمِّىُّ، كسَائِر جِهَاتِه. وحَدِيثُهم لا نَعْرِفُه، إِنَّما نَعْرِفُ قَوْلَه: "عَادِىُّ الْأرْضِ للهِ ولِرَسُولِه، ثُمَّ هُوَ لَكُمْ بَعْدُ، ومَن أحْيَا مَوَاتًا مِنَ الْأرْضِ، فَلَهُ دَفِينُهَا" (١٣). هكذا رَوَاهُ سَعِيدُ بن منصورٍ، وهو مُرْسَلٌ، رَوَاهُ طَاوُسٌ، عن النبيِّ ﷺ . ثم لا يَمْتَنِعُ أن يُرِيدَ بقَوْلِه: "هِىَ لَكُمْ". أي لأهْلِ دارِ الإِسلامِ، والذِّمِّىُّ من أهْلِ الدَّارِ، تَجْرِى عليه أحْكَامُها. وقولُهم: إنَّها من حُقُوقِ دارِ (١٤) الإِسلامِ. قُلْنا: وهو من أهْلِ الدّارِ، فيَمْلكُها (١٥)، كما يَمْلِكُها بالشِّرَاءِ، ويَملِكُ مُبَاحَاتِها، من الحَشِيشِ والحَطَبِ والصّيُودِ والرِّكَازِ والمَعْدِنِ واللُّقَطَةِ، وهى من مَرَافِقِ دارِ الإِسلامِ.
فصل: وما قَرُبَ من العامِرِ، وتَعَلَّقَ بمَصَالِحِه، من طُرُقِه، ومَسِيلِ مائِه، ومُطَّرَحِ قُمامَتِه، ومُلْقَى تُرَابِه وآلَاتِه، فلا يجوزُ إحْياؤُه، بغيرِ خِلَافٍ في المَذْهَبِ. وكذلك ما تَعَلَّقَ بمَصَالِح القَرْيةِ، كفِنَائِها، ومَرْعَى ماشِيَتِها، ومُحْتَطَبِها، وطُرُقِها، ومَسِيلِ مائِها، لا يُمْلَكُ بالإِحْياءِ. ولا نَعْلَمُ فيه أيضًا خِلَافًا بين أهْلِ العِلْمِ. وكذلك حَرِيمُ البِئْرِ والنَّهْرِ والعَيْنِ، وكلُّ مَمْلُوكٍ لا يجوزُ إحْياءُ ما تَعَلَّقَ بمَصَالِحِه؛ لقولِه ﵇: "مَن أحْيَا أرْضًا مَيْتَةً في غَيرِ حَقِّ مُسْلِمٍ، فَهِىَ لَهُ". مَفْهُومُه أنَّ ما تَعَلَّقَ به حَقُّ مُسْلِمٍ لا يُمْلَكُ بالإِحْياءِ، ولأنَّه تابعٌ لِلْمَمْلُوكِ، ولو جَوَّزْنَا إِحْياءَه، لَبَطَلَ المِلْكُ في العامِرِ على أهْلِه. وذَكَرَ القاضي أنَّ هذه المَرَافِقَ لا يَمْلِكُها المُحْيِى بالإِحْياءِ، لكنْ هو أحَقُّ بها من غيرِه؛ لأنَّ الإِحْياءَ الذي هو سَبَبُ المِلْكِ لم يُوجَدْ فيها. وقال الشافِعىُّ: يَمْلِكُ بذلك. وهو ظاهِرُ قولِ الخِرَقِىِّ في حَرِيمِ البِئْرِ؛ لأنَّه مَكانٌ اسْتَحَقَّهُ بالإِحْياءِ، فمَلَكَهُ، كالمُحْيِى، ولأنَّ مَعْنَى المِلْكِ مَوْجُودٌ فيه، لأنَّه يَدْخُلُ مع الدَّارِ في البَيْعِ، ويَخْتَصُّ به صَاحِبُها. فأمَّا ما قَرُبَ من العامِرِ، ولم يَتَعَلَّقْ
стр. 3949
بمَصَالِحِه، ففيه رِوَايَتانِ؛ إحداهما، يجوزُ إحْياؤُه. قال أحمدُ، في رِوَايةِ أبى الصَّقْرِ، في رَجُلَيْنِ أحْييَا قِطْعَتَيْنِ من مَوَاتٍ، وبَقِيَتْ بينهما رُقْعَةٌ، فجاءَ رَجُلٌ لِيُحْيِيَها، فليس لهما مَنْعُه. وقال في جَبَّانةٍ بين قَرْيَتَيْنِ: مَن أحْيَاها، فهى له. وهذا مذهبُ الشافِعِىِّ؛ لِعُمُوم قولِه ﵇: "مَنْ أَحْيَا أَرْضًا مَيتَةً فَهِىَ لَهُ". ولأنَّ النبيَّ ﷺ أَقْطَعَ بِلَالَ بن الحارِثِ المُزَنِىِّ العَقِيقَ (١٦)، وهو يَعْلَمُ أنَّه بين عِمَارَةِ المَدِينَةِ. ولأنَّه مَوَاتٌ لم يَتَعَلَّقْ به (١٧) مَصْلَحَةُ العامِرِ، فجازَ إحْياؤُه، كالبَعِيدِ. والرواية الثانية، لا يجوزُ إحياؤُه. وبه قال أبو حنيفةَ، واللَّيْثُ؛ لأنَّه في مَظِنَّةِ تَعَلُّقِ المَصْلَحةِ به، فإنَّه يَحْتَمِلُ أن يَحْتاجَ إلى فَتْحِ بابٍ في حائِطِه إلى فِنَائِه، ويَجْعَلَه طَرِيقًا، أو يَخْرَبَ حائِطُه، فيَضَعَ آلاتِ البِنَاءِ في فِنَائِه، وغير ذلك، ولم يَجُزْ تَفْوِيتُ ذلك عليه، بخِلَافِ البَعِيدِ. إذا ثَبَتَ هذا، فإنَّه لا حَدَّ يَ فْصِلُ بين القَرِيبِ والبَعيدِ سِوَى العُرْفِ. وقال اللَّيْثُ: حَدُّه غَلْوَةٌ، وهى خُمْسُ الفَرْسَخِ. وقال أبو حنيفةَ: حَدُّ البَعِيدِ هو الذي إذا وَقَفَ الرَّجُلُ في أدْنَاه، فصَاحَ بأعْلَى صَوْتِه، لم يَسْمَعْ أدْنَى أَهْلِ المِصْرِ إليه. ولَنا، أنَّ التَّحْدِيدَ لا يُعْرَفُ إلَّا بالتَّوْقِيفِ، ولا يُعْرَفُ بالرَّأْىِ والتَّحَكُّمِ، ولم يَرِدْ من الشَّرْعِ في ذلك (١٨) تَحْدِيدٌ، فوَجَبَ أن يُرْجَعَ في ذلك إلى العُرْفِ، كالقَبْضِ والإِحْرازِ. وقولُ مَن حَدَّدَ هذا تَحَكُّمٌ بغير دَلِيلٍ، وليس ذلك أوْلَى من تَحْدِيدِه بشيءٍ آخَرَ، كمِيلٍ ونِصْف مِيلٍ، ونحو ذلك. وهذا التَّحْدِيدُ الذي ذَكَرَاه - واللَّه أعلمُ - مُخْتَصٌ بما قَرُبَ من المِصْرِ أو القَرْيةِ، ولا يجوزُ أن يكونَ حَدًّا لكلِّ ما قَرُبَ من عامِرٍ، لأنَّه يُفْضِى إلى أنَّ من أحْيَا أرْضًا في مَوَاتٍ، حَرُمَ إحْياءُ شيءٍ من ذلك المَوَاتِ على غيرِه، ما لم يَخْرُجْ عن ذلك الحَدِّ.
فصل: وجَمِيعُ البِلَادِ فيما ذَكَرْناه سَوَاءٌ، المَفْتُوحُ عَنْوَةً كأرْضِ الشَّامِ
стр. 3950
والعِرَاقِ، وما أسْلَمَ أهلُه (١٩) عليه كالمَدِينَةِ، وما صُولِحَ أهْلُه على أنَّ الأرْضَ لِلْمُسْلِمِينَ كأرْضِ خَيْبَرَ، إلَّا الذي صُولِحَ أهْلُه على أن الأرْضَ لهم ولَنا الخَرَاجُ عنها، فإنَّ أصْحَابَنا قالوا: لو دَخَلَ فيها (٢٠) مُسْلِمٌ، فأَحْيَا فيها مَوَاتًا، لم يَمْلِكْهُ؛ لأنَّهم صُولِحُوا في بِلَادِهِم، فلا يجوزُ التَّعَرُّضُ لشىءٍ منها، عامِرًا كان أو مَوَاتًا، لأنَّ المَوَاتَ تابِعٌ لِلْبَلَدِ، فإذا لم يَمْلِكْ عليهم البَلَدَ لم يَمْلِكْ مَوَاتَه. ويُفارِقُ دارَ الحَرْبِ، حيث يَمْلِكُ مَوَاتَها؛ لأنَّ دارَ الحَرْبِ على أصْلِ الإِبَاحَةِ، وهذه صَالَحْناهُم على تَرْكِها لهم، فحُرِّمَتْ علينا. ويَحْتَمِلُ أن يَملِكَها مَنْ أحْيَاها؛ لِعُمُومِ الخَبَرِ، ولأنَّها من مُبَاحاتِ دَارِهم، فجازَ أن يَمْلِكَها مَنْ وُجِدَ منه سَبَبُ تَمَلُّكِها، كالحَشِيشِ والحَطَبِ. وقد رُوِى عن أحمدَ، أنَّه ليس في السَّوَادِ مَوَاتٌ. يَعْنِى سَوَادَ العِرَاقِ. قال القاضي: هذا مَحْمولٌ على العامِرِ. ويَحْتَمِلُ أنَّ أحمدَ قال ذلك، لِكَوْنِ السَّوَادِ كان مَعْمُورًا كلَّه في زَمَنِ عمرَ بن الخَطَّابِ، وحين أخَذَه المُسلِمُونَ من الكُفَّارِ، حتى بَلَغَنا أنَّ رَجُلًا منهم سَأَلَ أن يُعْطَى خَرِبَةً، فلم يَجِدُوا له خَرِبَةً. فقال: إنَّما أرَدْتُ أن أُعْلِمَكُمْ كيف أخَذْتُمُوهَا مِنَّا. وإذا لم يكُنْ فيها مَوَاتٌ حين مَلَكَها المُسْلِمُونَ، لم يَصِرْ فيها مَوَاتٌ بعدَه، لأنَّ ما دَثَرَ (٢١) من أمْلاكِ المُسْلِمِينَ لم يَصِرْ مَوَاتًا، على إحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ.
فصل: وإن تَحَجَّرَ رجلٌ (١٩) مَوَاتًا، وهو أن يَشْرَعَ في إحْيائِه، مثل إن أدَارَ حَوْلَ الأرْضِ تُرَابا أو أحْجَارًا، أو حَاطَها بحائِطٍ صغيرٍ (٢٢)، لم يَمْلِكْها بذلك؛ لأنَّ المِلْكَ بالإِحْياءِ، وليس هذا بإحْيَاءٍ، لكن يَصِيرُ أحَقَّ النَّاسِ به؛ لأنَّه رُوِىَ عن النبيِّ ﷺ أنه قال: "مَنْ سَبَقَ إلَى مَا لَمْ يَسْبِقْ إلَيْهِ مُسْلِمٌ، فَهُوَ [أحَقُّ به] (٢٣) ". رَوَاهُ
стр. 3951
أبو دَاوُدَ (٢٤). فإن نَقَلَه إلى غيرِه، صارَ الثاني بمَنْزِلَتِه؛ لأنَّ صاحِبَه أقَامَه مُقَامَه. وإن ماتَ، فوَارِثُه أحَقُّ به؛ لقولِ النبيِّ ﷺ : "مَنْ تَرَكَ حَقًّا، أو مَالًا، فَهُوَ لِوَرَثَتِهِ" (٢٥). فإن باعَهُ، لم يَصِحَّ بَيْعُه؛ لأنَّه لم يَمْلِكْه، فلم يَمْلِكْ بَيْعَه، كحَقِّ الشُّفْعَةِ قبلَ الأخْذِ به، وكمَن سَبَقَ إلى مَعْدِنٍ أو مُبَاحٍ قبلَ أخْذِه. قال أبو الخَطَّابِ: ويَحْتَمِلُ جَوَاز بَيْعِه؛ لأنَّه له، فإن سَبَقَ غيرُه فأحْيَاهُ، ففيه وَجْهانِ؛ أحدهما، أنَّه يَمْلِكُه؛ لأنَّ الإِحْياءَ يُمْلَكُ به، والتَّحَجُّرَ (٢٦) لا يُمْلَكُ به، فثَبَتَ المِلْكُ بما يُمْلَكُ به دُونَ ما لم يُمْلَكْ به، كمَن سَبَقَ إلى مَعْدِنٍ أو مَشْرَعَةِ ماءٍ، فجاءَ غيرُه، فأزَالَه وأخَذَه. والثانى، لا يَمْلِكُه؛ لأنَّ مَفْهُومَ قولِه ﵇: "مَنْ أحْيَا أرْضًا مَيْتةً لَيْسَتْ لأحَدٍ" وقوله: "في حَقِّ غيرِ مُسْلِمٍ، فَهِىَ لَهُ" (٢٧). أنَّها لا تكونُ له إذا كان لِمُسْلِمٍ فيها
стр. 3952
حَقٌّ. وكذلك قوله: "مَنْ سَبَقَ إلَى مَا لَمْ يَسْبِقْ إلَيْهِ مُسْلِمٌ، فَهُوَ أَحَقُّ بِهِ". ورَوَى سَعِيدٌ، في "سُنَنِه" أنَّ عمرَ رَضِىَ اللَّه عنه، قال: مَنْ كانتْ له أرْضٌ - يَعْنِى مَنْ تَحَجَّرَ أرْضًا - فعَطَّلَها ثَلَاثَ سِنِينَ، فجاءَ قَوْمٌ فعَمَرُوهَا، فهم أحَقُّ بها. وهذا يَدُلُّ على أنَّ من عَمَرَها قبل ثَلَاث سِنِينَ لا يَمْلِكُها؛ لأنَّ الثانىَ أحْيَا في حَقِّ غيرِه، فلم يَمْلِكْه، كما لو أحْيَا ما يَتَعَلَّقُ به مَصَالِحُ مِلْكِ غيره، ولأنَّ حَقَّ المُتَحَجِّرِ أسْبَقُ، فكان أَوْلَى، كَحَقِّ الشَّفِيعِ يُقَدَّمُ على شِرَاءِ المُشْتَرِى. فإن طَالَتِ المُدَّةُ عليه، فيَنْبَغِى أن يقولَ له السُّلْطانُ: إمَّا أن تُحْيِيَهُ، أو تَتْرُكَه لِيُحْيِيَه غيرُك. لأنَّه ضَيَّقَ على النَّاسِ في حَقٍّ مشْتَرَكٍ بينهم، فلم يُمَكَّنْ من ذلك، كما لو وَقَفَ في طَرِيقٍ ضَيِّقٍ، أو مَشْرَعةِ ماءٍ، أو مَعْدِنٍ لا يَنْتَفِعُ به (٢٨)، ولا يَدَعُ غيرَه يَنْتَفِعُ. فإن سَأَلَ الإِمْهَالَ لِعُذْرٍ له، أُمْهِلَ الشَّهْرَ والشَّهْرَيْنِ، ونحوَ ذلك. فإن أحْياهُ غيرُه في مُدَّةِ المُهْلَةِ؛ ففيه الوَجْهانِ اللَّذان ذَكَرْنَاهُما. وإن تَقَضَّت المُدَّةُ ولم يُعَمِّرْ، فلِغَيْرِه أن يُعَمِّرَهُ ويَمْلِكهُ؛ لأنَّ المُدَّةَ ضُرِبَتْ له لِيَنْقَطِعَ حَقُّه بمُضِيِّها، وسواءٌ أَذِنَ له السُّلْطانُ في عِمَارَتِها، أو لم يَأْذَنْ له. وإن لم يكنْ لِلمُتَحَجِّرِ عُذْرٌ في تَرْكِ العِمَارَةِ، قيل له: إمَّا أن تُعَمِّرَ، وإما أن تَرْفَعَ يَدَكَ، فإن لم يُعَمِّرْهَا، كان لغيرِه عِمَارَتُها، فإن لم يُقَلْ له شيءٌ، واسْتَمَرَّ تَعْطِيلُها، فقد ذَكَرْنا عن عمرَ رَضِى اللَّه عنه، أنَّ مَنْ تَحَجَّرَ أرْضًا فَعَطَّلَها ثَلَاثَ سِنِينَ، فجاءَ قَوْمٌ فعَمَرُوهَا، فهم أحَقُّ بها. ومذهبُ الشّافِعِىِّ في هذا كلِّه نحوُ ما ذَكَرْنا.
فصل: وللإِمَام إقْطاعُ المَوَاتِ لمن يُحْيِيه، فيكونُ بِمَنْزِلَةِ المُتَحَجِّرِ الشارِعِ في الإِحْياءِ؛ لما رُوِىَ أنَّ النبيَّ ﷺ أقْطَعَ بِلَالَ بن الحارثِ العَقِيقَ أجْمَعَ، فلما كان عمرُ قال لِبِلَالٍ: إن رسولَ اللَّه ﷺ لم يُقْطِعْكَ لِتَحِيزَهُ عن النَّاسِ، إنَّما أقْطَعَكَ لِتُعَمِّرَ، فَخُذْ منها ما قَدَرْتَ على عِمَارَتِه، ورُدَّ الباقِى. رَوَاه أبو عُبَيْدٍ، في "الأمْوالِ" (٢٩).
стр. 3953
وذَكَرَ سَعِيدٌ، في "سُنَنِه": حَدَّثَنا عبدُ العَزِيزِ بن محمدٍ، عن رَبِيعَةَ، قال: سَمِعْتُ الحارثَ بن بِلَالِ بن الحارثِ، يقول: إنَّ رسولَ اللَّه ﷺ أَقْطَعَ بِلَالَ بن الحارثِ العَقِيقَ، فلما وَلِىَ عمرُ بن الخَطَّابِ، قال: ما أقْطعَكَ (٣٠) لِتَحْتَجِنَهُ، فأقْطِعْهُ النّاسَ. ورَوَى عَلْقَمَةُ بن وائلٍ، عن أبِيه، أنَّ النبيَّ ﷺ أقْطَعَه أرْضًا بِحَضْرَمَوْتَ (٣١). قال التِّرْمِذِىُّ: هذا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ. وقال سَعِيدٌ: حَدَّثَنا سُفْيَانُ، عن ابن أبي نُجَيْحٍ، عن عَمْرِو بن شُعَيْبٍ، أنَّ رسولَ اللَّه ﷺ أقْطَعَ ناسًا مِن (٣٢) جُهَيْنَةَ أو مُزَيْنَةَ أرْضًا، فعَطَّلُوها، فجاءَ قَوْمٌ فأَحْيَوْهَا، فخَاصَمَهُم الذين أقْطَعَهُم رسولُ اللَّه ﷺ إلى عمرَ بن الخَطَّابِ، فقال عمرُ: لو كانت قَطِيعةً مِنِّى أو من أبى بَكْرٍ لم أَرُدَّها، ولكنها قَطِيعةٌ من رَسُولِ اللَّه ﷺ ، فأنا أرُدُّها، ثم قال عمرُ رَضِىَ اللَّه عنه: مَن كانت له أرْضٌ - يَعْنِى من تَحَجَّرَ أرْضًا - فعَطَّلَهَا ثَلَاثَ سِنِينَ، فجاءَ قَوْمٌ فَعَمَرُوها، فهم أحَقُّ بها (٣٣).
٩١٤ - مسألة؛ قال: (إلَّا أنْ تَكُونَ أَرْضَ مِلْحٍ أوْ مَاءً لِلْمُسْلِمِينَ فِيهِ الْمَنْفَعَةُ، فَلَا يَجُوزُ أنْ يَنْفَرِدَ بِهَا الْإِنْسَانُ)
وجملةُ ذلك، أنَّ المَعادِنَ الظّاهِرَةَ، وهى التي يُوصَلُ إلى ما فيها من غيرِ مُؤْنَةٍ، يَنْتَابُها الناسُ، ويَنْتَفِعُونَ بها، كالمِلْحِ، والماءِ، والكِبْرِيتِ، والقِيرِ (١)،
стр. 3954
والمُومِيَاءِ (٢)، والنِّفْطِ، والكُحْلِ، والبِرَامِ (٣)، واليَاقُوتِ، ومَقَاطِعِ (٤) الطِّينِ، وأشْبَاهِ ذلك، لا تُمْلَكُ بالإِحْياءِ، ولا يجوزُ إقْطَاعُها لأحدٍ من النّاسِ، ولا احْتِجَازُها دُونَ المُسْلِمِينَ؛ لأن فيه ضَرَرًا بالمُسْلِمِينَ، وتَضْيِيقًا عليهم، ولأنَّ النبيَّ ﷺ أقْطَعَ أبْيَضَ بن حَمَّالٍ مَعْدِنَ المِلْحِ، فلما قِيلَ له: إنَّه بمَنْزِلةِ الماءِ العِدِّ (٥). رَدَّهُ. كذا قال أحمدُ. ورَوَى أبو عُبَيْدٍ، وأبو دَاوُدَ، والتِّرمِذِىُّ (٦)، بإسْنادِهِم، عن أَبْيَضَ بن حَمَّالٍ، أنَّه اسْتَقْطَعَ رسولَ اللهِ ﷺ المِلْحَ الذي (٧) بمَأْرِب، فلما وَلَّى، قيل: يا رسولَ اللَّه: أتَدْرِى ما أقْطَعْتَ له؟ إنَّما أقْطَعْتَ (٨) الماءَ العِدَّ. فرَجَعَه منه. قال: قلتُ: يا رسولَ اللَّه، ما يُحْمَى من الأَرَاكِ؟ قال: "مَا لَمْ تَنَلْهُ (٩) أخْفَافُ الإِبِلِ". وهو حَدِيثٌ غَرِيبٌ. ورُوِى في لَفْظٍ عنه، أنَّه قال: "لَا حِمَى فِي الأرَاكِ". ورَوَاهُ سَعِيدٌ، فقال: حَدَّثَنِى إسْماعِيلُ بن عَيَّاشٍ، عن عَمْرِو بن قَيسٍ المَأْرِبِيِّ (١٠)، عن أَبِيه، عن أَبْيَضَ بن حَمَّالٍ المَأْرِبِيّ (١١) قال: اسْتَقْطَعْتُ رسولَ اللهِ ﷺ مَعْدِنَ المِلْحِ
стр. 3955
بمَأْرِب، فأَقْطَعَنِيه، فقِيلَ: يا رسولَ اللَّه، إنَّه بمَنْزِلَةِ الماءِ العِدِّ. يَعْنِى أنَّه لا يَنْقَطِعُ. فقال رسولُ اللهِ ﷺ : "فَلَا إِذَنْ". ولأنَّ هذا تَتَعَلَّقُ به مَصَالِحُ المُسْلِمينَ [العامَّةُ، فلم يَجُزْ إِحْياؤُه، ولا إِقْطَاعُه، كمَشَارِعِ الماءِ، وطُرُقاتِ المُسْلِمينَ. و] (١٢) قال ابنُ عَقِيلٍ: هذا من مَوَادِّ اللهِ الكَرِيمِ، وفَيْضِ جُودِه الذي لا غَنَاءَ عنه، فلو مَلَكَهُ أحَدٌ بالاحْتِجازِ، مَلَكَ مَنْعَه، فضَاقَ على الناسِ، فإن أخَذَ العِوَضَ عنه أغْلَاه، فخَرَجَ عن المَوْضِعِ الذي وَضَعَه اللهُ، من تَعْمِيمِ ذَوِى الحَوَائجِ (١٣) من غيرِ كُلْفَةٍ. وهذا مذهبُ الشافِعِىِّ. ولا أعْلَمُ فيه مُخَالِفًا.
فصل: فأمَّا المَعَادِنُ الباطِنَةُ، وهى التي لا يُوصَلُ إليها إلَّا بالعَمَلِ والمُؤْنَةِ، كمَعَادِنِ الذَّهَبِ، والفِضَّةِ، والحَدِيدِ، والنُّحَاسِ، والرَّصَاصِ، والبَلُّورِ، والفَيْرُوزَجِ، فإذا كانت ظاهِرَةً، لم تُمْلَكْ أيضًا بالإِحْياءِ؛ لما ذَكَرْنا في التي قَبْلَها. وإن لم تكُنْ ظاهِرَةٌ، فحَفَرَها إِنْسانٌ وأظْهَرَها، لم يَمْلِكْها (١٤) بذلك، في ظاهِرِ المَذْهَبِ، وظاهِرِ مَذْهَبِ الشافِعِىِّ. ويَحْتَمِلُ أن يَمْلِكَها بذلك. وهو قولٌ لِلشّافِعِىِّ؛ لأنَّه مَوَاتٌ لا يُنْتَفَعُ به إلَّا بالعَمَلِ والمُؤْنةِ، فمُلِكَ بالإِحْياءِ، كالأَرْضِ، ولأنَّه بإظْهَارِه تَهَيَّأَ للانْتِفاعِ به، من غيرِ حاجةٍ إلى تَكْرَارِ ذلك العَمَلِ، فأشْبَهَ الأرْضَ إذا جَاءَها بماءٍ أو حَاطَها. وَوَجْهُ الأوَّلِ، أنَّ الإِحْياءَ الذي يَمْلِكُ به، هو العِمَارَةُ التي تَهَيَّأَ بها المُحْيِى لِلانْتِفاعِ من غيرِ تَكْرَارِ عَمَلٍ، وهذا حَفْرٌ وتَخْريبٌ (١٥)، يَحْتاجُ إلى تَكْرَارٍ عندَ كل انْتِفَاعٍ. فإن قِيلَ: فلو احْتَفَرَ بِئْرًا مَلَكَها، ومَلَكَ حَرِيمَها. قُلْنا: البِئْر تَهَيَّأَتْ لِلانْتِفاعِ بها من غير تَجْدِيدِ حَفْرٍ ولا عِمَارَةٍ، وهذه المَعادِنُ تَحْتاجُ عند كلِّ انْتِفاعٍ إلى عَمَلٍ وعِمَارَةٍ، فافْتَرَقَا. قال أصْحابُنا: وليس للإِمَامِ إقْطَاعُها؛
стр. 3956
لأنَّها لا تُمْلَكُ بالإِحْياءِ. والصَّحِيحُ جَوَازُ ذلك؛ لأنَّ النبيَّ ﷺ أقْطعَ لِبلَالِ بن الحارِثِ مَعَادِنَ الْقَبَلِيَّةِ، جَلْسِيَّهَا وغوْرِيَّهَا (١٦). [رواه أبو داوُدَ، وغيرُه] (١٧).
فصل: ومن أحْيَا أرْضًا، فمَلَكَها بذلك، فظَهَرَ فيها مَعْدِنٌ، مَلَكَهُ ظاهِرًا كان أو باطِنا، إذا كان من المَعَادِنِ الجامِدَةِ؛ لأنَّه مَلَكَ الأرْضَ بجَمِيعِ أجْزَائِها وطَبَقاتِها، وهذا منها. ويُفَارِقُ الكَنْزَ؛ فإنَّه مُودَعٌ فيها، وليس من أجْزَائِها. ويُفَارِقُ ما إذا كان ظاهِرًا قبلَ إحْيائِها؛ لأنَّه قَطَعَ عَن المسلمين نَفْعًا كان واصِلًا إليهم، ومَنَعَهُم انْتِفاعًا كان لهم، وههُنا لم يَقْطَعْ عنهم شيئًا؛ لأنَّه إنَّما ظَهَرَ بإظْهَارِه له. ولو تَحَجَّرَ الأرْضَ، أو أُقْطِعَها، فظَهَرَ فيها المَعْدِنُ قبلَ إحْيائِها، لَكان له إحْيَاؤُها، ويَمْلِكُها بما فيها؛ لأنَّه صارَ أحَقَّ به بِتَحَجُّرِه وإقْطاعِه، فلم يَمْنَعْ من إتْمامِ حَقِّه. وأما المَعَادِنُ الجارِيَةُ، كالقَارِ، والنِّفْطِ، والماءِ، فهل يَمْلِكُها مَنْ ظَهَرَتْ في مِلْكِه؟ فيه رِوَايَتانِ؛ أظْهَرُهما، لا يَمْلِكُها؛ لقولِ النبيِّ ﷺ : "النَّاسُ شُرَكَاءُ في ثَلَاثٍ: فِي الْمَاءِ، والْكَلَإِ، والنَّارِ" (١٨). رَوَاهُ الخَلَّالُ. ولأنَّها ليستْ من أجْزاءِ الأرْضِ، فلم يَمْلِكْها بمِلْكِ الأرْضِ، كالكَنْزِ. والثانية، يَمْلِكُها؛ لأنَّها خَارِجَةٌ من أرْضِه المَمْلُوكةِ له، فأشْبَهَتِ الزَّرْعَ والمَعَادِنَ الجامِدَةَ.
فصل: ولو شَرَعَ إنْسانٌ في حَفْرِ مَعْدِنٍ، ولم يَصِلْ إلى النَّيْلِ، صارَ أحَقَّ به، كالمُتَحَجِّرِ الشارِعِ في الإِحْياءِ، فإذا وَصَلَ إلى النَّيْلِ صارَ أحَقَّ بالأخْذِ منه، ما دام مُقِيمًا على الأخْذِ منه، وهل يَمْلِكُه بذلك؟ فيه ما قد ذَكَرْنا من قبلُ. وإن حَفَرَ آخَرُ من ناحِيَةٍ أخرى، لم يكُنْ له مَنعُه. وإذا وَصَلَ إلى ذلك العِرْقِ، لم يكُنْ له مَنْعُه، سواءٌ
стр. 3957
قُلْنا: إنَّ المَعْدِنَ يُمْلَكُ بِحَفْرِه. أو لم نَقُلْ؛ لأنَّه إن مَلَكَه، فإنَّما يَمْلِكُ المَكانَ الذي حَفَرَه، وأمَّا العِرْقُ الذي في الأرْضِ فلا يَمْلِكُه بذلك. ومَنْ وَصَلَ إليه من جِهَةٍ أخرى، فله أخْذُه. ولو ظَهَرَ في مِلْكِه مَعْدِنٌ، بحيثُ يَخْرُجُ النَّيْلُ عن أرْضِه، فحَفَرَ إنْسانٌ من خارِجِ أرْضِه، كان له أن يَأْخُذَ ما خَرَج عن أرْضِه منه؛ لأنَّه لم يَمْلِكْه، إنَّما مَلَكَ ما هو من أجْزاءِ أرْضِه، وليس لأحَدٍ أن يَأْخُذَ ما كان داخِلًا في أرْضِه منَ أجْزَاءِ الأرْضِ الباطِنَةِ، كما لا يَمْلِكُ أخْذَ أجْزَائِها الظاهِرَةِ. ولو حَفَرَ كافِرٌ في دارِ الحَرْبِ مَعْدِنًا، فوَصَلَ إلى النَّيْلِ، ثم فَتَحَها المسلمون عَنْوةً، لم تَصِرْ غَنِيمَةً، وكان وُجُودُ عَمَلِه وعَدَمُه واحِدًا؛ لأنَّ عامِرَه لم يَمْلِكْهُ بذلك، ولو مَلَكَه فإنَّ الأرْضَ كلها تَصِيرُ وَقْفًا لِلمسلمين، وهذا يَنْصَرِفُ إلى مَصْلَحةٍ من مَصَالِحِهم، فتُعَيَّنُ لها، كما لو ظَهَرَ بفِعْلِ اللهِ تعالى.
فصل: ولو كان في المَوَاتِ مَوْضِعٌ يُمْكِنُ أن يَحْدُثَ فيه مَعْدِنًا ظَاهِرًا، كمَوْضِعٍ على شاطئِ (١٩) البَحْرِ، إذا صارَ (٢٠) فيه ماءُ البَحْرِ صارَ مِلْحَا، مُلِكَ بالإِحياءِ، وجازَ للإمَامِ إقْطَاعُه؛ لأنَّه لا يُضَيِّقُ على المسلمين بإحْدَاثِه، بل يَحْدُثُ نَفْعُه بِفِعْلِه، فلم يُمْنَعْ منه، كبَقِيَّةِ المَوَاتِ، وإحْيَاءُ هذا بِتَهْيِئَتِه لما يَصْلُحُ له، من حَفْرِ تُرَابِه، وتَمْهِيدِه، وفَتْحِ قَنَاةٍ إليه تَصُبُّ الماءَ فيه؛ لأنَّه يَتَهَيَّأُ بهذا الانْتِفَاعُ به.
فصل: ومَنْ مَلَكَ مَعْدِنًا، فعَمِلَ فيه غيرُه بغيرِ إذْنِه، فما حَصَلَ منه فهو لِمَالِكِه، ولا أجْرَ لِلغاصِبِ على عَمَلِه؛ لأنَّه عَمِلَ في مِلْكِ غيرِه بغيرِ إذْنِه، أشْبَهَ ما لو حَصَدَ زَرْعَ غيرِه [بغير إذْنِه] (٢١). وإن قال مالِكُه: اعْمَلْ فيه، ولك ما يَخْرُجُ منه. فله ذلك، ولا شىءَ لِصَاحِبِ المَعْدِنِ فيه؛ لأنَّه إباحَةٌ من مالِكِه، فمَلَكَ ما أخَذَه، كما لو أباحَهُ الأخْذَ من دارِه أو بُسْتَانِه. وإن قال: اعْمَلْ فيه، على أنَّ ما رَزَقَ اللهُ من نَيْلٍ
стр. 3958
كان بَيْنَنَا نِصْفَيْنِ. فعَمِلَ، ففيه وَجْهانِ؛ أحدهما، يجوزُ، وما يَأْخُذُه يكونُ بينهما. كما لو قال له: احْصُدْ هذا الزَّرْعَ بنِصْفِه أو ثُلُثِه. ولأنَّها عَيْنٌ تُنَمَّى بالعَمَلِ عليها، فصَحَّ العَمَلُ فيها بِبَعْضِه، كالمُضَارَبةِ في الأَثْمانِ. والثانى، لا يَصِحُّ؛ لأنَّ ما يَحْصُلُ منه. مَجْهُولٌ، ولأنَّه لا يَصِحُّ أن يكونَ إجَارَةً؛ لأنَّ العِوَضَ مَجْهُولٌ، والعَمَلَ مَجْهُولٌ، ولا جَعَالَةً؛ لأنَّ العِوَضَ مَجْهُولٌ، ولا مُضَارَبةً؛ لأنَّ المُضَارَبةَ إنَّما تَصِحُّ بالأَثْمانِ، على أن يَرُدَّ رَأْسَ المالِ، وتكونَ له حِصَّةٌ من الرِّبْحِ، وليس ذلك ههُنا. وفارَقَ حَصَادَ الزَّرْعِ بِنِصْفِه أو جُزْءٍ منه؛ لأنَّ الزَّرْعَ مَعْلُومٌ بالمُشَاهَدَةِ، وما عُلِمَ جَمِيعُه عُلِمَ جُزْؤُه، بخِلَافِ هذا. وإن قال: اعْمَلْ فيه كذا، ولك ما يَحْصُلُ منه، بِشَرْطِ أن تُعْطِيَنِى ألْفًا. أو شَيْئًا مَعْلُومًا. لم يَصِحَّ؛ لأنَّه بَيْعٌ لِمَجْهُولٍ، ولا يَصِحُّ أن يكونَ مُعَامَلةً كالمضَارَبةِ، لما ذَكَرْنا، ولأنَّ المُضَارَبةَ تكونُ بِجُزْءٍ من النَّمَاءِ، لا دَرَاهِمَ مَعْلُومَة. قال أحمدُ: إذا أخَذَ مَعْدِنًا من قَوْمٍ، على أن يَعْمُرَه، ويَعْمَلَ فيه، ويُعْطِيَهُم ألْفَىْ مَنًا (٢٢) وأَلْفَ مَنًا صُفرًا. فذلك مَكْروهٌ (٢٣) ولم يُرَخّصْ فيه.
فصل (٢٤): إذا اسْتَأْجَرَ رَجُلًا لِيَحْفِرَ له عَشْرَةَ أذْرُعٍ، في دَورِ كذا، بِدِينَارٍ. صَحَّ؛ لأنَّها إجَارَةٌ مَعْلُومةٌ. وإن ظَهَرَ عِرْقُ ذَهَبٍ، فقال: اسْتَأْجَرْتُكَ لِتُخْرِجَهُ بِدِينَارٍ. لم يَصِحَّ؛ لأنَّ العَمَلَ مَجْهُولٌ. وإن قال: إن اسْتَخْرَجْتَهُ فلك دِينَارٌ. صَحَّ، ويكونُ جَعَالةً؛ لأنَّ الجَعَالةَ تَصِحُّ على عَمَلٍ مَجْهُولٍ، إذا كان العِوَضُ مَعْلُومًا.
فصل: ومن سَبَقَ في المَوَاتِ إلى مَعْدِنٍ ظاهِرٍ أو باطِنٍ، فهو أحَقُّ بما ينَالُ منه؛ لقولِ النبيِّ ﷺ : "مَنْ سَبَقَ إلى مَا لَمْ يَسْبِقْ إلَيْهِ مُسلِمٌ، فَهُوَ لَه" (٢٥). فإن أخَذَ قَدْرَ حاجَتِه، وأرَادَ الإِقَامَةَ فيه بحيث يَمْنَعُ غيرَه، مُنِعَ منه؛ لأنَّه يُضَيِّقُ على الناسِ ما لا نَفْعَ
стр. 3959
فيه، فأشْبَهَ ما لو وَقَفَ في مَشْرَعةِ الماءِ لغيرِ حاجةٍ. وإن أطَالَ المُقَامَ والأخْذَ، احْتَمَلَ أن يُمْنَعَ؛ لأنَّه يَصِيرُ كالمُتَمَلِّكِ له. واحْتَمَلَ أن لا يُمْنَعَ؛ لإِطْلَاقِ الحَدِيثِ. وإن اسْتَبَقَ إليه اثْنانِ، وضَاقَ المكانُ عنهما، أُقْرِعَ بينهما؛ لأنَّه لا مَزِيَّةَ لأحَدِهِما على صاحِبِه. ويَحْتَمِلُ أن يُقْسَمَ بينهما؛ لأنَّه يُمْكِنُ قِسْمَتُه، وقد تَسَاوَيا فيه، فيُقْسَمُ بينهما، كما لو تَدَاعيَا عَيْنا في أيْدِيهِما ولا بَيِّنَةَ لأحَدِهِما بها. ويَحْتَمِل أن يُقَدِّمَ الإِمَامُ مَنْ يَرَى منهما؛ لأنَّ له نَظَرًا. وذَكَرَ القاضي وَجْهًا رابِعًا، وهو أنَّ الإِمامَ يَنْصِبُ مَن يَأْخُذُ لهما، ويَقْسِمُ بينهما. وهذا التَّفْصِيلُ مذهبُ الشَّافِعِىِّ.
فصل: وما نَضَبَ عنه الماءُ من الجَزَائِرِ، لم يُمْلَكْ بالإِحْياءِ. قال أحمدُ، في رِوَايةِ العَبّاسِ ابن موسى (٢٦): إذا نَضَبَ الماءُ عن جَزِيرَةٍ، إلى قَناةِ (٢٧) رَجُلٍ، لم يَبْنِ فيها؛ لأنَّ فيه ضَرَرًا، وهو أنَّ الماءَ يَرْجِعُ. يعني أنَّه يَرْجِعُ إلى ذلك المكانِ، فإذا وَجَدَه مَبْنِيًّا، رَجَعَ إلى الجانِبِ الآخَر، فأضَرَّ بأهْلِه. ولأنَّ الجَزَائِرَ مَنْبِتُ الكَلَإِ والحَطَبِ، فجَرَتْ مَجْرَى المعَادِنِ الظاهِرَةِ، وقد قال النبيُّ ﷺ : "لَا حِمًى فِي الْأَرَاكِ" (٢٨). وقال أحمدُ، في رِوَايةِ حَرْبٍ: يُرْوَى عن عمرَ، أنَّه أبَاحَ (٢٩) الجَزَائِرَ. [يَعْنِى أبَاحَ ما يَنْبتُ] (٣٠) في الجَزائِرِ من النَّباتِ، وقال: إذا نَضَبَ الفُرَاتُ عن شيء، ثم نَبَتَ فيه (٣١) نَبَاتٌ، فجاءَ رَجُلٌ فمنَع (٣٢) الناسَ منه، فليس له ذلك. فأمَّا إن غَلَبَ الماءُ على مِلْكِ إنْسانٍ، ثم عادَ فنَضَبَ عنه، فله أخْذُه، فلا يَزُولُ مِلْكُه بِغلَبةِ الماءِ عليه. وإن
стр. 3960
كان ما نَضَبَ عنه الماءُ لا يَنْتَفِعُ به أحدٌ، فعَمَرَهُ رَجُلٌ عِمارَةً لا تَرُدُّ الماءَ، مثل أن يَجْعَلَه مَزْرَعةً، فهو أحَقُّ به من غيرِه؛ لأنَّه مُتَحَجِّرٌ لما ليس لِمُسْلِمٍ فيه حَقٌّ، فأشْبَهَ التَّحَجُّرَ في المَوَاتِ.
فصل: وما كان من الشَّوَارِعِ والطُّرُقاتِ والرِّحَابِ بين العُمْرَانِ، فليس لأحدٍ إحْياؤُه، سواءٌ كان واسِعًا أو ضَيِّقًا، وسواءٌ ضَيَّقَ على الناسِ بذلك (٣٣) أو لم يُضَيِّقْ؛ لأنَّ ذلك يَشْتَرِكُ فيه المُسْلِمُونَ، وتَتَعَلَّقُ به مَصْلَحَتُهُم، فأشْبَهَ مَسَاجِدَهم. ويجوزُ الارْتِفاقُ بالقُعُودِ في الواسِعِ من ذلك لِلْبَيْعِ والشِّرَاءِ، على وَجْهٍ لا يُضَيِّقُ على أحدٍ، ولا يَضُرُّ بالمارَّةِ؛ لِاتِّفَاقِ أهْلِ الأمْصارِ في جَمِيع الأعْصارِ على إقْرَارِ الناس على ذلك، من غيرِ إنْكارٍ، ولأنَّه ارْتِفاقٌ مُبَاحٌ من غيرِ إضْرَارٍ، فلم يُمْنَعْ منه، كالاجْتِيَازِ، قال أحمدُ، في السَّابِقِ إلى دَكَاكِينِ السُّوقِ غُدْوَةً: فهو له إلى اللَّيْلِ. وكان هذا في سُوقِ المَدِينةِ فيما مَضَى. وقد قال النبيُّ ﷺ : "مِنًى مُنَاخُ مَنْ سَبَقَ" (٣٤). وله أن يُظَلِّلَ على نَفْسِه، بما لا ضَرَرَ فيه، من بَارِيَّةٍ (٣٥)، وتَابُوتٍ، وكِسَاءٍ، ونحوِه؛ لأنَّ الحاجةَ تَدْعُو إليه من غيرِ مَضَرَّةٍ فيه. وليس له البِنَاءُ لا دَكّةً ولا غيرَها؛ لأنَّه يُضَيِّقُ على الناسِ، ويَعْثُرُ به المارَّةُ باللَّيْلِ، والضَّرِيرُ في اللَّيْلِ والنَّهَارِ، ويَبْقَى على الدَّوَامِ، فربما ادَّعَى مِلْكَه بِسَبَبِ ذلك. والسابِقُ أحَقُّ به ما دامَ فيه، فإن قامَ وتَرَكَ مَتَاعَهُ فيه، لم يَجُزْ لغيرِه إزَالَتُه؛ لأنَّ يَدَ الأَوَّلِ عليه، وإن نَقَلَ مَتَاعَهُ، كان لغيرِه أن يَقْعُدَ فيه؛ لأنَّ يَدَه قد زَالَتْ. وإن قَعَدَ وأطَالَ، مُنِعَ من ذلك؛ لأنَّه يَصِيرُ كالمُتَمَلِّكِ، ويَخْتَصُّ بِنَفْعٍ يُسَاوِيه غيرُه في اسْتِحْقاقِه. ويَحْتَمِلُ أن لا يُزَالَ؛ لأنَّه سَبَقَ إلى ما لم يَسْبِقْ إليه مُسْلِمٌ. وإن اسْتَبَقَ اثْنانِ إليه، احْتَمَلَ أن يُقْرَعَ بينهما، واحْتَمَلَ أن يُقَدِّمَ الإِمَامُ مَنْ يَرَى منهما. وإن كان الجالِسُ