على مُخَرَّقٍ، فاسْتَتَرَ القَدَمُ بهما، احْتَمَلَ أنْ يكونَ كالتى قَبْلَها؛ لأنَّ القَدَمَ مَسْتُورٌ بالخُفَّيْنِ، فأَشْبَهَ المَسْتُورَ بالصَّحِيحَيْنِ، أو صَحِيحٍ ومُخَرَّقٍ، واحْتَمَلَ أنْ لا يَجُوزَ؛ لأنَّ القَدَمَ لم يَسْتتِرْ بِخُفٍّ صَحِيحٍ، بِخِلافِ التي قَبْلهَا.
فصل: وإنْ لَبِسَ الخُفَّ بعدَ طَهَارَةٍ مسَحَ فيها على العِمَامَةِ، أو العِمَامَةَ بعدَ طَهَارَةٍ مَسَحَ فيها على الخُفِّ، فقال بعضُ أصْحَابِنا: ظَاهِرُ كَلاِمِ أحمدَ: أنَّه لا يَجُوزُ المَسْحُ، لأَنَّهُ لَبِسَ على طَهَارَةٍ مَمْسُوحٍ فيها على بَدَلٍ، فلم يَسْتَبِحِ المَسْحَ باللُّبْسِ فيها، كما لو لَبِسَ خُفًّا على طَهَارَةٍ مَسَحَ (١١) فيها على خُفٍّ. وقال القاضي: يَحْتَمِلُ جَوَازُ المَسْحِ؛ لأنَّها طَهَارَةٌ كامِلَةٌ، وكُلُّ وَاحِدٍ منهما ليس بِبَدَلٍ عَنِ الآخَرِ، بِخِلافِ الخُفِّ المَلْبُوسِ على خُفٍّ مَمْسُوحٍ عليه.
فصل: وإنْ لَبِسَ الجَبِيرَةَ على طَهَارَةٍ مَسَحَ فيها على خُفٍّ أو عِمَامةٍ، وقُلْنَا ليس مِنْ شَرْطِهَا الطَّهَارَةُ، جَازَ المَسْحُ بكُلِّ حَالٍ، وإنْ اشْتَرَطْنَا لها الطَّهَارَةَ، احْتَمَلَ أنْ يكونَ كالعِمَامَةِ المَلْبُوسَةِ على طَهَارَةٍ مَسَحَ فيها على الخُفِّ، واحْتَمَلَ جَوَازَ المَسْحِ بِكُلِّ حَالٍ؛ لأنَّ مَسْحَهَا عَزِيمَةٌ، وإنْ لَبِسَ الخُفَّ على طَهَارَةٍ مَسَحَ فيها على الجَبِيرَةِ، جَازَ المَسْحُ عليهِ، لأَنَّها عَزِيمَةٌ، ولأنَّها إنْ كانَتْ ناقِصَةً فهو لِنَقْصٍ لم يَزَلْ، فلمْ يَمْنَعْ جَوَازَ المَسْحِ، كنَقْصِ طَهَارَةِ المُسْتَحَاضَةِ قبلَ زَوَالِ عُذْرِها. وإنْ لَبِسَ الجَبِيرَةَ على طَهَارَةٍ مَسَحَ فيها على الجَبِيرَةِ، جازَ المَسْحُ، لما ذَكَرْنَاهُ.
٧٩ - مسألة؛ قال: (يَوْمًا ولَيْلَةً لِلْمُقِيمِ، وثَلَاثَةَ أَيَّامٍ ولَيَالِيهنَّ لِلْمُسَافِرِ)
قال أحمدُ: التَّوْقِيتُ ما أثْبَتُّهُ في المَسْحِ على الخُفَّيْنِ. قيل له: تَذْهَبُ إليه؟ قال: نعم، وهو مِنْ وُجُوهٍ. وبهذا قال عُمَرُ، وعليّ، وابنُ مَسْعُودٍ، وابْنُ عَبَّاس، وأبو زَيْدٍ، وشُرَيْح، وعَطَاء، والثَّوْرِىُّ، وإسحاق، وأصْحابُ الرَّأْىِ، وهو ظَاهِرُ مَذْهَبِ الشَّافِعِىِّ. وقال اللَّيْثُ: يَمْسَحُ ما بَدَا له. وكذلك قال مَالِكٌ في المُسَافِرِ. وله فِي المُقِيمِ رِوايَتانِ؛ إحْدَاهُما يَمْسَحُ، مِنْ غيرِ تَوْقِيتٍ. والثانيةُ لا يَمْسَحُ؛ لِما
стр. 422
رَوَى أُبَيُّ بنُ عُمارةَ، قال: قُلْتُ: يا رسولَ اللهِ، أمْسَحُ (١) على الخُفَّيْنِ؟ قال: "نَعَمْ". قُلْتُ: يَوْمًا؟ [قال: "يَوْمًا". قُلْتُ: "ويَوْمَيْنِ] (٢) "، قال: "ويَوْمَيْنِ". قُلْتُ: وثَلَاثَةً؟ قال: "ومَا شِئْتَ". رواهُ أبو داود (٣)، ولأنَّهُ مَسْحٌ في طَهَارَةٍ، فلم يَتَوَقَّتْ، كَمَسْحِ الرَّأْسِ والجَبِيرَةِ (٤). ولَنا، ما رَوَى علىّ، رَضِىَ اللهُ عنه، أنَّ النَّبِىَّ ﷺ جَعَلَ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ ولَيَالِيهِنَّ لِلْمُسَافِرِ، ويَوْمًا ولَيْلَةً لِلْمُقِيمِ. رواهُ مُسْلِم (٥)، وحَدِيثُ صَفْوانَ بنِ عَسَّالٍ، وقد ذَكَرْنَاهُ (٦)، وعَنْ عَوْفِ بنِ مالِكٍ الأشْجَعِىِّ، أنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ أمَرَ بالمَسْحِ على الخُفَّيْنِ في غَزْوَةِ تَبُوك، ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ ولَيَالِيهِنَّ لِلْمُسَافِرِ، ويَوْمًا ولَيْلَةً لِلْمُقِيمِ. رواهُ الإِمامُ أحمدُ (٧)، وقال: هو أجْوَدُ حَدِيثٍ في المَسْحِ على الخُفَّيْنِ؛ لأنَّه في غَزْوَةِ تَبُوكَ، وهى آخِرُ غَزْوَةٍ (٨) غَزَاهَا النَّبِىُّ ﷺ ، وهو آخِرُ فِعْلِه، وحَدِيثُهُم ليس بالقَوِىِّ. قاله أبو داود. وفِي إسْنَادِهِ مَجَاهِيلُ، منهم: عَبْدُ الرَّحْمَنِ بنْ رَزِين، وأيُّوبُ بنُ قَطَن، ومحمد بنُ زيد. ويَحْتَمِلُ أنَّهُ يَمْسَحُ ما شَاءَ، إذا نَزَعَهُما عندَ انْتِهاءِ مُدَّتِهِ ثُمَّ لَبِسَهُما. ويَحْتَمِلُ أنَّه قال: "وَمَا شِئْتَ" مِنَ اليَوْمِ واليَوْمَيْنِ والثَّلَاثَةِ. ويَحْتَمِلُ أنَّه مَنْسُوخٌ بأحَادِيثِنا؛ لأنَّها مُتَأَخِّرَةٌ، لِكَوْنِ حَدِيثِ عَوْف في غَزْوَةِ تَبُوكَ، وليس بينها وبينَ وَفَاةِ رَسُولِ اللهِ ﷺ إلَّا شيءٌ يَسِيرٌ، وقِيَاسُهُم يَنْتَقِضُ بالتَّيَمُّمِ.
فصل: إذا انْقَضَتِ المُدَّةُ بَطَلَ الوُضُوءُ، وليس له المَسْحُ إلَّا أنْ يَنْزِعَهُما ثم
стр. 423
يَلْبِسَهُما على طَهَارَةٍ كَامِلَةٍ. وفيه رِوَايةٌ أُخْرَى، أَنَّه يُجْزِئُه غَسْلُ قَدَمَيْهِ، كما لو خَلَعَهُما. وسنذْكُرُ ذلك والخِلَافَ فيه، إنْ شاءَ اللهُ تعالى. وقال الحسنُ: لا يَبْطُلُ الوُضُوءُ، ويُصَلِّى حتَّى يُحْدِثَ، ثم لا يَمْسَحُ بعدُ حتى يَنْزِعَهُما. وقال داود: يَنْزِعُ خُفَّيْهِ ولا يُصَلِّى فِيهما، فإذا نَزَعَهُما صَلَّى حتَّى يُحْدِثَ؛ لأنَّ الطَّهَارَةَ لا تَبْطُلُ إلَّا بِحَدَثٍ، ونَزْعُ الخُفِّ ليس بِحَدَثٍ، وكذلك انْقِضَاءُ المُدَّةِ. ولَنا، أنَّ غَسْلَ الرِّجْلَيْنِ شَرْطٌ لِلصَّلَاةِ، وإنَّما قَامَ المَسْحُ مَقَامَهُ في المُدَّةِ، فإذا انْقَضَتْ لم يَجُزْ أنْ يَقُومَ مَقامَهُ إلَّا بِدَلِيلٍ، ولأنَّها طَهَارَةٌ لا يَجُوزُ ابْتِدَاؤُها، فيُمْنَعُ مِن اسْتِدَامَتِها، كالتَّيَمُّمِ (٩) عندَ رُؤْيَةِ الماءِ.
٨٠ - مسألة؛ قال: (فإِنْ خَلَعَ قَبْلَ ذَلِكَ أعَادَ الوُضُوءَ)
يَعْنِى قبلَ انْقِضَاءِ المُدَّةِ، إذا خَلَعَ خُفَّيْهِ بعدَ المَسْحِ عليهما، بَطَلَ وُضُوؤُهُ. وبه قال النَّخَعِىُّ، والزُّهْرِىُّ، ومَكْحُولٌ، والأَوْزَاعِىُّ، وإسحاق، وهو أحَدُ قَوْلَىِ الشَّافِعِىِّ. وعن أحمدَ، رِوَايَة أُخْرَى، أنَّه يُجْزِئُه غَسْلُ قَدَمَيْه. وهو مَذْهَبُ أبى حنيفة، والقَوْلُ الثَّانِى للشَّافِعِىِّ؛ لأنَّ مَسْحَ الخُفَّيْنِ نَابَ عَنْ غَسْلِ الرِّجْلَيْنِ خَاصَّةً، فَطُهُورُهُما يُبْطِلُ مَا نَابَ عنه (١)، كالتَّيَمُّمِ إذا بَطَلَ بِرُؤْيَةِ الماءِ وَجَبَ ما نَابَ عنه. وهذا الاخْتِلَافُ مَبْنيٌّ على وُجُوبِ المُوَالَاةِ في الوُضُوءِ، فَمَنْ أجازَ التَّفْرِيقَ جَوَّزَ غَسْلَ القَدَمَيْنِ؛ لأنَّ سَائِرَ أَعْضَائِهِ مَغْسُولَةٌ، ولم يَبْقَ إلَّا غَسْلُ قَدَمَيْهِ، فإذا غَسَلَهُما كَمَّلَ وُضُوءَهُ. ومَنْ مَنَعَ التَّفْرِيقَ أبْطَلَ وُضُوءَهُ؛ لِفَواتِ المُوالاةِ، فعلى هذا، لو خَلَعَ الخُفَّيْنِ قبلَ جَفافِ الماءِ عَنْ يَدَيْه، أجْزَأهُ غَسْلُ قَدَمَيْهِ، وصارَ كأنَّه خَلَعَهُما قبلَ مَسْحِهِ عليهما. وقال الحسنُ، وقَتَادَةُ، وسُليمان بنُ حَرْبٍ (٢): لا يَتَوَضَّأُ، ولا يَغْسِلُ قَدَمَيْه؛ لأنَّه أزَالَ المَمْسُوحَ عليه بعدَ كَمالِ الطَّهارَةِ، فأشْبَهَ
стр. 424
ما لو حَلَقَ رَأْسَهُ بَعْدَ المَسْحِ عليه، أو قَلَّمَ أَظْفَارَهُ بعدَ غَسْلِها، ولأنَّ النَّزْعَ ليس بِحَدَثٍ، والطَّهَارَةُ لا تَبْطُلُ إلَّا بالحَدَثِ. ولَنا، أنَّ الوُضُوءَ بَطَلَ في بَعْضِ الأعْضاءِ، فبَطَلَ في جميعِها، كما لو أَحْدَثَ، وما ذَكَرُوهُ يَبْطُلُ بِنَزْعِ أحَدِ الخُفَّيْنِ، فإنَّه يُبْطِلُ الطَّهَارَةَ في القَدَمَيْنِ جميعًا، وإنَّمَا نَابَ مَسْحُهُ عن إحْدَاهُما. وأمَّا التَّيَمُّمُ عن بَعْضِ الأعْضَاءِ إذا بَطَلَ، فقد سَبَقَ القَوْلُ فيه في مَوْضِعِه. وحُكِىَ عَنْ مَالِكٍ أَنَّه إذا خَلَعَ خُفَّيْهِ، غَسَلَ قَدَمَيْهِ مكانَهُ، وصَحَّتْ طَهَارَتُه. وإنْ أخَّرَهُ، اسْتَأْنَفَ الطَّهارَةَ؛ لأنَّ الطَّهَارَةَ كانَتْ صَحِيحَةً في جَمِيعِ الأعْضَاءِ إلى حِينِ نَزْعِ الخُفَّيْنِ، أو انْقِضَاءِ المُدَّةِ، وإنَّما بَطَلَتْ في القَدَمَيْنِ خَاصَّةً، فإذا غَسَلَهُما عَقِيبَ (٣) النَّزْعِ، لم تَفُتِ المُوالاةُ؛ لِقُرْبِ غَسْلِهِما مِن الطَّهارةِ الصَّحِيحَةِ في بَقِيَّةِ الأعْضَاءِ، بِخِلَافِ ما إذا تَرَاخَى غَسْلُهُما. ولا يَصِحُّ؛ لأنَّ المَسْحَ قد بَطَلَ حُكْمُهُ، [وصارَ إلى أنْ نُضِيفَ] (٤) الغَسْلَ إلَى الغَسْلِ، فلم يَبْقَ لِلْمَسْحِ حُكْمٌ، ولأنَّ الاعْتِبَارَ في المُوالاةِ إنَّمَا هو بقُرْبِ (٥) الغَسْلِ مِنَ الغَسْلِ، لا مِنْ حُكْمِه، فإنَّه متى زال حُكْمُ الغَسْلِ بَطلَتِ الطَّهارةُ، ولم يَنْفَعْ قُرْبُ الغَسْلِ شيئًا؛ لِكَوْنِ الحُكْمِ لا يَعُودُ بعدَ زَوَالِهِ إلَّا بِسَبَبٍ جَديدٍ.
فصل: وإنْ نَزَعَ العِمامةَ بعدَ مَسْحِها، بَطلَتْ طَهارتُه أيضًا. وعلى الرِّوَايَةِ الأُخْرَى، يَلْزَمُه مَسْحُ رَأْسِهِ، وغَسْلُ قَدَمَيْهِ؛ لِيَحْصُلَ الترْتِيبُ. ولو نَزَعَ الجَبِيرَةَ بعدَ مَسْحِها، فهو كَنَزْعِ العِمَامَةِ، إلَّا أنَّه إنْ كان مَسَحَ عليها في غُسْلٍ يَعُمُّ البَدَنَ، لم يَحْتَجْ إلى إعَادَةِ غُسْلٍ ولا وُضُوءٍ؛ لأنَّ التَّرْتِيبَ والمُوَالَاةَ سَاقِطَانِ فيه.
فصل: ونَزْعُ أحَدِ الخُفَّيْنِ كنَزْعِهِما في قَوْلِ أكْثَرِ أهلِ العِلْمِ؛ منهم: مالِكٌ، والثَّوْرِىُّ، والأَوْزَاعِىُّ، وابْنُ المُبَارَكِ، والشَّافِعِىُّ، وأصْحَابُ الرَّأْىِ. ويَلْزَمُهُ نَزْعُ الآخَرِ. وقال الزُّهْرِىُّ: يَغْسِلُ القَدَمَ الذي نَزَعَ الخُفَّ منه، ويَمْسَحُ الآخَرَ؛ لأنَّهما
стр. 425
عُضْوَانِ، فأشْبَهَا الرَّأْسَ والقَدَمَ. ولَنا، أنَّهما في الحُكْمِ كعُضْوٍ واحِدٍ، ولهذا لا يَجِبُ تَرْتِيبُ أحَدِهِما على الآخَرِ، فبطَلَ (٦) مَسْحُ أحَدِهِما بِظُهُورِ الآخَرِ، كالرِّجْلِ الواحِدةِ، وبهذا فارَقَ الرَّأْسَ والقَدَمَ.
فصل: وانْكِشَافُ بَعْض القَدَمِ مِنْ خَرْقٍ كَنَزْعِ الخُفِّ. فإنْ انْكَشَفَتْ ظِهَارَتُهُ، وبَقِيَتْ بِطَانَتُهُ، لم تَضُرّ؛ لأنَّ القَدَمَ مَسْتُورَةٌ بما يَتْبَعُ الخُفَّ في البَيْعِ، فأشْبَهَ ما لو لم يَنْكَشِطْ.
فصل: وإنْ أَخْرَجَ رِجْلَهُ إلى سَاقِ الخُفِّ، فهو كَخَلْعِهِ. وبهذا قال إسحاقُ، وأصْحَابُ الرَّأْىِ. وقال الشَّافِعِىُّ: لا يَبينُ لي أنَّ عليه الوُضُوءَ؛ لأنَّ الرِّجْلَ لم تَظْهَرْ. وحَكَى أبو الخَطَّاب في "رُءُوسِ المَسَائِلِ"، عن أحمدَ رِوَايةً أُخْرَى كذلك. ولَنا، أنَّ اسْتِقْرَارَ الرِّجْلِ في الخُفِّ شَرْطُ جَوازِ المَسْحِ، بِدَلِيلِ ما لو أدْخَلَ الخُفَّ، فأحْدَثَ قبلَ اسْتِقْرَارِها فيه، لم يكنْ له المَسْحُ، فإذا تَغَيَّرَ الاسْتِقْرَارُ زَالَ شَرْطُ جوازِ المَسْحِ، فيَبْطُلُ المَسْحُ لِزَوَالِ شَرْطِه، كزَوالِ اسْتِتَارِهِ، وإنْ كان إخْراجُ القَدَمِ إلى ما دُونَ ذلك، لم يَبْطُل المَسْحُ، لأنَّها لَمْ تَزُلْ عَنْ مُسْتَقَرِّها.
فصل: كَرِهَ أحمدُ لُبْسَ الخُفَّيْنِ وهو يُدَافِعُ الأخْبَثَيْنِ، أو أحَدَهُما؛ لأنَّ الصَّلَاةَ مَكْرُوهَةٌ بهذه الطَّهارةِ، واللُّبْسُ يُرَادُ لِيمْسَحَ عليه لِلصَّلَاةِ. وكان إبراهيم النَّخَعِىُّ إذا أرادَ أنْ يَبُولَ لَبِسَ خُفَّيْهِ، ويرَىَ (٧) الأمْرَ في ذلك وَاسِعًا؛ لأنَّ الطَّهارةَ كامِلَةٌ، فأشْبَهَ ما لو لَبِسَهُ إذَا خافَ غَلَبَةَ النُّعَاسِ، وإنَّمَا كُرِهَتِ الصَّلَاةُ؛ لأنَّ اشْتِغَالَ قَلْبِهِ بِمُدَافَعَةِ الأَخْبَثَيْنِ يَذْهَبُ بِخُشُوعِ الصَّلَاةِ، ويَمْنَعُ الإِتْيانَ بها على الكَمَالِ، ورُبَّما حَمَلَهُ ذلك على العَجَلَةِ فيها، ولا يَضُرُّ ذَلِكَ فِي اللُّبْسِ.
٨١ - مسألة؛ قال: (ولَوْ أَحْدَثَ وَهُوَ مُقِيمٌ، فَلَمْ يَمْسَحْ حَتَّى سَافَرَ، أتَمَّ مَسْحَ (١) مُسَافِرٍ مُنْذُ كانَ الحَدَثُ)
стр. 426
لا نَعْلَمُ بينَ أهْلِ العِلْمِ خِلَافًا، في أنَّ مَنْ لم يَمْسَحْ حتى سَافَرَ، أنَّه يُتِمُّ مَسْحَ المُسَافِرِ؛ وذلك لِقَوْلِ النَّبِيِّ ﷺ : "يَمْسَحُ المُسَافِرُ ثَلَاثةَ أيَّامٍ ولَيَالِيهِنَّ". وهو حَالَ ابْتِدَائِهِ بالمَسْحِ كان مُسَافِرًا. وقَوْلُه: "مُنْذُ كانَ الحَدَثُ". يَعْنِى أنَّ (٢) ابْتَداءَ المُدَّةِ مِن حِينِ أحْدَثَ بعدَ لُبْسِ الخُفِّ. هذا ظَاهِرُ مذهبِ أحمدَ، وهو مذهبُ الثَّوْرِىِّ، والشَّافِعِىِّ، وأصْحَابِ الرَّأْىِ. ورُوِىَ عن أحمدَ رِوَايةٌ أُخْرَى، أنَّ ابْتِداءَها مِن حِينِ مَسَحَ بعدَ أنْ أحْدَثَ، ويُرْوَى ذلك عن عُمَرَ، رَضِىَ اللهُ عنه، فرَوَى الخَلَّالُ عنه، أَنَّه قال: امْسَحْ إلَى مِثْلِ سَاعَتِكَ الَّتِى مَسَحْتَ. وفِي لَفْظٍ، قال: يَمْسَحُ المُسَافِرُ إلى السَّاعَةِ التي تَوَضَّأَ فيها. واحْتَجَّ أحمدُ بِظَاهِرِ الحَدِيثِ، قَوْلِه ﷺ : "يَمْسَحُ المُسَافِرُ علَى خُفَّيْهِ ثَلَاثَةَ أيَّامٍ وَلَيَالِيهِنَّ". ولأنَّ ما قبلَ المَسْحِ مُدَّة لم تُبَحِ الصَّلَاةُ بِمَسْحِ الخُفِّ فيها. فلم تُحْسَبْ مِنَ المُدَّةِ، كما قبلَ الحَدَثِ. وقال الشَّعْبِيُّ، وأبو ثَوْرٍ، وإسحاق: يَمْسَحُ المُقِيمُ خَمْسَ صَلَوَاتٍ، لا يَزِيدُ عليها. ولَنا، ما نَقَلَهُ القَاسِمُ بنُ زَكَرِيَّا المُطَرِّزُ (٣)، في حَدِيثِ صَفْوَانَ: "مِنَ الحَدَثِ إلَى الحَدَثِ". ولأنَّ ما بعدَ الحَدَثِ زَمَنٌ (٤) يُسْتَبَاحُ فِيهِ المَسْحُ، فكان مِنْ وَقْتِه، كبعدَ المَسْحِ، والخَبَرُ أرَادَ أَنَّه يَسْتَبِيحُ المَسْحَ دُونَ فِعْلِه. واللهُ أعلمُ. وأمَّا تَقْدِيرُهُ بِعَدَدِ الصَّلَواتِ فلا يَصِحُّ؛ لأنَّ النَّبِىَّ ﷺ إنَّما قَدَّرَهُ بالوَقْتِ دون الفِعْلِ، فعلى هذا يُمْكِنُ المُقِيمُ أنْ يُصَلِّىَ بالمَسْحِ سِتَّ صَلَواتٍ، وهو أنْ يُؤَخِّرَ الصَّلَاةَ، ثم يَمْسَحُ، ويُصَلِّيها، وفِي اليَوْمِ الثَّانِى يُعَجِّلُها، فيَصُلِّيها في أوَّلِ وَقْتِها قبلَ انْقِضَاءِ مُدَّةِ المَسْحِ. وإنْ كان له عُذْرٌ يُبِيحُ الجَمْعَ مِنْ سَفَرٍ، أو غيرِه، أمْكَنَهُ أنْ يُصَلِّى سَبْعَ صَلَواتٍ.
٨٢ - مسألة؛ قال: (وَلَوْ أَحْدَثَ مُقِيمًا، ثُمَّ مَسَحَ مُقِيمًا، ثُمَّ سَافَرَ، أَتَمَّ عَلَى مَسْحِ مُقِيمٍ، ثُمَّ خَلَعَ)
стр. 427
اخْتَلَفَت الرِّوايةُ عن أحمدَ في هذه المسألةِ؛ فَرُوِىَ عنه مِثْلُ ما ذَكَرَ الْخِرَقِىُّ، وهو قَوْلُ الثَّوْرِىِّ، والشَّافِعِىِّ، وإسحاق، ورُوِىَ عنه: أنَّه يَمْسَحُ مَسْحَ المُسَافِرِ، سَوَاءٌ مَسَحَ في الحَضَرِ لِصَلَاةٍ أوْ أَكْثَر مِنها بعدَ أنْ لا تَنْقضِىَ مُدَّةُ المَسْحِ، وهو حَاضِرٌ. وهو مذهبُ أبي حنيفةَ؛ لِقَوْلهِ ﷺ : "يَمْسَحُ المُسَافِرُ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ ولَيَالِيهِنَّ". وهذا مُسَافِرٌ، ولأنَّهُ سَافَرَ قبلَ كَمالِ مُدَّةِ المَسْحِ، فأَشْبَهَ مَنْ سَافَرَ قبلَ المَسْحِ بعدَ الحَدَثِ. وهذا اخْتِيَارُ الخَلَّالِ، وصاحبِه أبى بكْرٍ. وقال الخَلَّالُ: رَجَعَ أحمدُ عن قَوْلِه الأوَّلِ إلى هذا. ووَجْهُ قَوْلِ الْخِرَقِيِّ أَنَّها عِبَادَةٌ تَخْتَلِفُ بالحَضَرِ والسَّفَرِ، وُجِدَ أحَدُ طَرَفَيْها في الحَضَرِ، فَغَلَبَ فيها حُكْمُ الحَضَرِ، كالصَّلاةِ، والخَبَرُ يَقْتَضِى أنْ يَمْسَحَ المُسَافِرُ ثلاثًا في سَفَرِهِ، وهذا يَتَنَاولُ مَنِ ابْتَدَأ المَسْحَ في سَفَرِهِ، وفي مَسْأَلَتِنا يَحْتَسِبُ بِالمُدَّةِ التي مَضَتْ في الحَضَرِ.
فصل: فإنْ شَكَّ، هل ابْتَدَأَ المَسْحَ في الحَضَر أو في (١) السَّفَرِ، بَنىَ على مَسْحِ حاضِرٍ؛ لأنَّه لا يَجُوزُ المَسْحُ مع الشَّكِّ في إبَاحَتِهِ. فإنْ ذَكَرَ بعدُ أنَّه كان (٢) قد ابْتَدَأ المَسْحَ في السَّفَرِ، جازَ البِنَاءُ على مَسْحِ مُسَافِرٍ. وإنْ كان قد صَلَّى بعدَ اليَوْمِ واللَّيْلَةِ مع الشَّكِّ، ثم تَيَقَّنَ، فعليه إعادَةُ ما صَلَّى مع الشَّكِّ؛ لأنَّه صَلَّى بِطَهارةٍ لم يكنْ له أنْ يُصَلِّىَ بها، فهو كما لو صَلَّى يَعْتَقِدُ أنَّه مُحْدِثٌ، ثم ذَكَرَ أنَّه كان على وُضُوءٍ، كانَتْ طَهَارَتُهُ صَحِيحَةً، وعليه إعادُة الصَّلاةِ. وإنْ كان مَسَحَ مع الشَّكِّ، صَحَّ؛ لأنَّ الطَّهارةَ تَصِحُّ مع الشَّكِّ في سَبَبِها، ألا تَرَى أنَّه لو شَكَّ في الحَدَثِ، فتَوَضَّأَ يَنْوِى رَفْعَ الحَدَثِ، ثم تَيَقَّنَ أنَّه كان مُحْدِثًا، أجْزَأهُ. وعَكْسُهُ: ما لو شَكَّ في دُخُولِ الوَقْتِ، فَصَلَّى، ثم تَيَقَّنَ أنَّه كان قد دَخَلَ، لم يُجْزِهِ. وكذلك إنْ شَكَّ المَاسِحُ في وَقْتِ الحَدَثِ، بَنَى على الأَحْوَطِ عندَهُ. وهذا التَّفْرِيعُ على الرِّوايةِ الأُولَى، فأَمَّا على الثَّانِيةِ، فإنَّه يَمْسَحُ مَسْحَ المُسَافِرِ على كُلِّ حَالٍ.
٨٣ - مسألة؛ قال: (وإذَا مَسَحَ مُسَافِرٌ أقَلَّ مِنْ يَومٍ ولَيْلَةٍ، ثُمَّ أقَامَ أوْ قَدِمَ، أَتَمَّ
стр. 428
عَلَى مَسْحِ مُقِيمٍ وَخلَعَ، وإذَا مَسَحَ مُسَافِرٌ يَوْمًا ولَيْلَةً فَصَاعِدًا، ثُمَّ أقَامَ أوْ قَدِمَ، خلَعَ)
وهذا قَوْلُ الشَّافِعِىِّ، وأصْحَابِ الرَّأْىِ، ولا أعْلَمُ فيه مُخَالِفًا؛ لأنَّهُ صارَ مُقِيمًا، لم يجزْ له أنْ يَمْسَحَ مَسْحَ المُسَافِرِ، كمَحَلِّ الوِفَاقِ، ولأنَّ المَسْحَ عِبادةٌ يَخْتَلِفُ حُكْمُها بالحَضَرِ والسَّفَرِ، فإذا ابْتَدَأها في السَّفَرِ ثم حَضَرَ في أثْنَائِها، غَلَبَ حُكْمُ الحَضَرِ، كالصَّلَاةِ. فعَلَى هذا لو مَسَحَ أَكْثَرَ مِنْ يَومٍ ولَيْلَةٍ، ثم دَخَلَ في الصَّلاةِ، فنَوَى الإِقامَةَ في أَثْنَائِها، بَطَلَتْ صَلَاتُهُ؛ لأنَّه قد بَطَلَ المَسحُ، فبَطَلَتْ طَهارَتُه، فبَطَلَتْ صَلَاتُه لِبُطْلَانِها، ولو تَلَبَّسَ بالصَّلاةِ في سَفِينَةٍ، فدَخَلَتْ البلَدَ في أثْنَائِها، بَطَلَتْ صَلَاتُهُ لذلك.
٨٤ - مسألة؛ قال: (وَلَا يَمْسَحُ إلَّا عَلَى خُفَّيْنِ، أوْ مَا يَقُومُ مَقَامَهُما؛ مِنْ مَقْطُوعٍ أوْ مَا أشْبَهَهُ، مِمَّا يُجَاوِزُ الكَعْبَيْنِ)
مَعْنَاهُ، واللهُ أعلمُ، يَقُومُ مَقامَ الخُفَّيْنِ في سَتْرِ مَحلِّ الفَرْضِ، وإمْكانِ المَشْىِ فيه، وثُبُوتِه بِنَفْسِه. والمَقْطوعُ هو الخُفُّ القَصِيرُ السَّاقِ؛ وإنَّمَا يَجُوزُ المَسْحُ عليه إذا كان سَاتِرًا لِمَحَلِّ الفَرْضِ، لا يُرَى منه الكَعْبانِ؛ لِكَوْنِه ضَيِّقًا أو مَشْدُودًا، وبهذا قال الشَّافِعِيُّ، وأبو ثَوْرٍ. ولو كان مَقْطُوعًا مِنْ دونِ الكَعْبَيْنِ، لم يَجُزِ المَسْحُ عليه. وهذا الصَّحِيحُ عن مالِك. وحُكِىَ عنه، وعن الأوْزَاعِىِّ، جَوَازُ المَسْحِ؛ لأنَّه خُفٌ يُمْكِنُ مُتَابعَةُ المَشْىِ فيه، فأَشْبَهَ السَّاتِرَ. ولَنا، أَنَّه لا يَسْتُرُ مَحَلَّ الفَرْضِ، فأَشْبَهَ اللَّالكةَ (١) والنَّعْلَيْنِ.
فصل: ولو كان لِلْخُفِّ قَدَمٌ وله شَرَجٌ (٢) مُحَاذٍ لِمَحَلِّ الفَرْضِ، جَازَ المَسْحُ عليه، إذا كان الشَّرجُ مَشْدُودًا يَسْتُرُ القَدَمَ، ولم يكنْ فيه خَلَلٌ يَبِينُ منه مَحَلُّ الفَرْضِ. وقال أبو الحسن الآمِدِىُّ: لا يَجُوزُ. ولَنا، أنَّه خُفٌّ سَاتِرٌ يُمْكِنُ مُتَابَعَةُ
стр. 429
المَشْىِ فيه، فأشْبَهَ غيْرَ ذِى الشَّرَجِ.
فصل: فإنْ كان الخُفُّ مُحَرَّمًا؛ كالقَصَبِ والحَرِيرِ، لم يُسْتَبَح المَسْحُ عليه في الصَّحِيحِ مِن المذهبِ، وإنْ مَسَحَ عليه، وصَلَّى، أعَادَ الطَّهارةَ والصَّلاةَ؛ لأنَّه عَاصٍ بِلُبْسِهِ، فلم تُسْتَبَحْ به الرُّخْصَةُ، كما لا يَسْتَبِيحُ المُسَافِرُ رُخَصَ السَّفَرِ بسَفَرِ (٣) المَعْصِيَةِ. ولو سَافَرَ لِمَعْصِيَةٍ لم يَسْتَبِح المَسْحَ أكْثَرَ مِنْ يومٍ وليلةٍ؛ لأنَّ يومًا وليلةً غيرُ مُخْتَصٍّ (٤) بالسَّفَرِ، ولا هي مِنْ رُخَصِه، فأَشْبَهَ غيرَ الرُّخَصِ، بخِلَافِ ما زاد على يومٍ وليلةٍ؛ فإنَّه مِنْ رُخَصِ السَّفَرِ، فلمْ يَسْتَبِحْهُ بِسَفَرِ المَعْصِيَةِ، كالقَصْرِ والجَمْعِ.
فصل: ويَجُوزُ المَسْحُ على كلِّ خُفٍّ سَاتِرٍ، يُمْكِنُ مُتَابَعَةُ المَشْىِ فيه، سَوَاءٌ كان مِنْ جُلُودٍ أوْ لُبُودٍ وَمَا أشْبَههُما (٥). فإنْ كان خَشَبًا أو حَدِيدًا أو نَحْوَهُما، فقال بعضُ أصْحَابِنا: لا يَجُوزُ المَسْحُ عليها؛ لأنَّ الرُّخْصَةَ وَرَدَتْ في الخِفَافِ المُتَعارَفةِ لِلْحاجةِ، ولا تَدْعُو الحاجَة إلى المَسْحِ على هذه في الغَالِبِ. وقال القاضي: قِياسُ المذهبِ جَوَازُ المَسْحِ عليها؛ لأنَّهُ خُفٌّ سَاتِرٌ يُمْكِنُ المَشْىُ فيه، أشْبَهَ الجُلُودَ.
٨٥ - مسألة؛ قال: (وكَذَلِكَ الجَوْرَبُ الصَّفِيقُ الَّذِى لَا يَسْقُطُ إذَا مَشَى فِيهِ)
إنَّمَا يَجُوزُ المَسْحُ على الجَوْرَبِ بِالشَّرْطَيْنِ اللَّذَيْنِ ذَكَرْنَاهُما في الخُفِّ، أحَدُهُما أنْ يكونَ صَفِيقًا، لا يَبْدُو منه شيءٌ مِن القَدَمِ. الثاني أنْ يُمكنَ مُتَابَعَةُ المَشْىِ فيه. هذا ظَاهِرُ كَلَامِ الْخِرَقِىِّ. قال أحمدُ في المَسْحِ على الجَوْرَبَيْنِ بِغيرِ نَعْلٍ: إذا كان يَمْشِى عليهما، ويَثْبُتَانِ في رِجْلَيْهِ، فلا بَأْسَ. وفِي مَوْضِعٍ قال: يَمْسَحُ عليهما إذا ثَبَتَا في العَقِبِ. وفي مَوْضِعٍ قال: إنْ كان يَمْشِى فيه فلا يَنْثَنِى، فلا
стр. 430
بَأْسَ بالمَسْحِ عليه، فإنَّهُ إذا انْثَنَى ظَهَرَ مَوْضِعُ الوُضُوءِ. ولا يُعْتَبَرُ أن يكونَا مُجَلَّدَيْنِ، قال أحمدُ: يُذْكَرُ المَسْحُ على الجَوْرَبَيْنِ عَنْ سَبْعَةٍ، أو ثَمَانِيَةٍ، مِنْ أصْحَابِ رَسُولِ اللهِ ﷺ . وقال ابْنُ المُنْذِرِ: ويُرْوَى إبَاحَةُ المَسْحِ على الجَوْرَبَيْنِ عنْ تِسْعَةٍ مِن أصْحابِ رسولِ اللهِ ﷺ ؛ عليٍّ، وعَمَّارٍ، وابْنِ مَسْعُودٍ، وأَنَس، وابْنِ عُمَرَ، والْبَراء، وبِلالٍ، وابنِ أبِى أوْفَى، وسَهْلِ بنِ سعدٍ، وبه قال عَطاء، والحسنُ، وسَعِيدُ بنُ المُسَيَّبِ، والنَّخَعِىُّ، وسَعِيدُ بنُ جُبَيْر، والأعْمَشُ، والثَّوْرِىُّ، والحَسَنُ بنُ صالِح، وابنُ المُبَارَكِ، وإسحاق، ويَعْقُوب، ومحمد. وقال أبو حَنِيفة، ومَالِك، والأَوْزَاعِىُّ، ومُجَاهِد، وعَمْرُو بن دِينار، والحسنُ بن مُسْلِم، والشَّافِعِىُّ: لا يَجُوزُ المَسْحُ عليهما، إلَّا أنْ يُنعَلَا؛ لأنَّهما لا يُمْكِنُ مُتَابَعَةُ المَشْىِ فيهما، فلم يَجُزِ المَسْحُ عليهما، كالرَّقِيقَيْنِ. ولَنا، ما رَوَى المُغِيرَةُ بنُ شُعْبَة، أنَّ النَّبِىَّ ﷺ مَسَحَ على الجَوْرَبَيْنِ والنَّعْلَيْنِ (١). قال التِّرْمِذِىُّ: هذا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ. وهذا يَدُلُّ على أنَّ النَّعْلَيْنِ لم يكونا عليهما؛ لأَنَّهُما لو كانا كذلك لم يَذْكُرِ النَّعْلَيْنِ، فإنَّه لا يُقَالُ: مَسَحْتُ على الخُفِّ ونَعْلِهِ، ولأنَّ الصَّحابة رَضِىَ اللهُ عنهم، مَسَحُوا على الجَوَارِبِ، ولم يَظْهَرْ لهم مُخَالِفٌ في عَصْرِهم، فكان إجْماعًا، ولأنَّه سَاتِرٌ لِمَحَلِّ الفَرْضِ، يَثْبُتُ في القَدَمِ، فجازَ المَسْحُ عليه، كالنَّعْلِ. وقَوْلُهم: لا يُمْكِنُ مُتَابَعَةُ المَشْىِ فيه. قُلْنَا: لا يَجُوزُ المَسْحُ عليه إلَّا أنْ يكونَ مِمَّا يَثْبُتُ بِنَفْسِه، ويُمْكِنُ مُتَابَعَةُ المَشْىِ فيه. فأمَّا الرَّقِيقُ فليس بِسَاتِرٍ.
فصل: وقد سُئِلَ أحمدُ عن جَوْرَبِ الخِرَقِ، يُمْسَحُ عليهِ؟ فَكَرهَ الخِرَقَ. ولعلَّ أحمدَ كَرِهَها؛ لأنَّ الغَالِبَ عليها الخِفَّةُ، وأنَّها لا تَثْبُتُ بأنْفُسِها. فإنْ كانَتْ مِثْلَ جَوْرَبِ الصُّوفِ في الصَّفَاقَةِ والثُّبُوتِ، فلا فَرْقَ. وقد قال أحمدُ، في مَوْضِعٍ: لا يُجْزِئُهُ المَسْحُ على الجَوْرَبِ، حتى يكونَ جَوْرَبًا صَفِيقًا، يَقُومُ قَائِمًا في رِجْلِهِ لا
стр. 431
ينْكَسِرُ مِثْلَ الخُفَّيْنِ، إنَّما مَسَحَ القَوْمُ على الجَوْرَبَيْنِ أنَّهُ كان عندهم بِمَنْزِلَةِ الخُفِّ، يقُومُ مَقَامَ الخُفِّ في رِجْلِ الرَّجُلِ، يَذْهَبُ فِيهِ الرَّجُلُ ويَجِىءُ.
٨٦ - مسألة؛ قال: (وإنْ كانَ يَثْبُتُ بالنَّعْلِ مَسَحَ، فإذَا خلَعَ النَّعْلَ انْتَقَضَتِ الطَّهَارَةُ) .
يَعْنِى أنَّ الجَوْرَبَ إذا لم يَثْبُتْ بنَفْسِهِ، وثَبَتَ بِلُبْسِ النَّعْلِ، أُبِيحَ المَسْحُ عليه، وتَنْتَقِضُ الطَّهَارَةُ بِخَلْعِ النَّعْلِ؛ لأنَّ ثُبُوتَ الجَوْرَبِ أحَدُ شَرْطَىْ جَوَازِ المَسْحِ، وإنَّما حَصَلَ بِلُبْسِ النَّعْلِ، فإذا خَلَعَها زَالَ الشَّرْطُ، فبَطَلَت الطَّهَارَةُ. كما لو ظَهَرَ القَدَمُ. والأَصْلُ في هذا حَدِيثُ المُغِيرَةِ.
وقَوْلُه: "مَسَحَ عَلَى الجَوْرَبَيْنِ والنَّعْلَيْنِ". قال القاضي: ويَمْسَحُ على الجَوْرَبِ والنَّعْلِ، كما جَاءَ الحَدِيثُ. والظَّاهِرُ أنَّ النَّبِىَّ ﷺ إنَّمَا مَسَحَ على سُيُورِ النَّعْلِ التي على ظَاهِرِ القَدَمِ، فأَمَّا أَسْفَلُهُ وعَقِبُه فلا يُسَنُّ مَسْحُهُ مِنَ الخُفِّ، فكذلك مِنَ النَّعْلِ.
٨٧ - مسألة؛ قال: (وإذَا كَانَ في الخُفِّ خَرْقٌ يَبْدُو مِنْهُ بَعْضُ القَدَمِ، لَمْ يَجُزِ المَسْحُ عَلَيْهِ)
وجُمْلَتُه أنَّه إنَّمَا يَجُوزُ المَسْحُ على الخُفِّ ونَحْوِه، إذا كان سَاتِرًا لِمحلِّ الفَرْضِ، فإنْ ظَهَرَ مِن مَحَلِّ الفَرْضِ شيءٌ، لم يَجُزِ المَسْحُ، وإنْ كان يَسِيرًا مِنْ مَوْضِعِ الخَرْزِ أو مِنْ غيرِه، إذا كان يُرَى مِنه القَدَمُ. وإنْ كان فيه شَقٌّ يَنْضَمُّ ولا يَبْدُو مِنْهُ القَدَمُ، لم يَمْنَعْ جَوَازَ المَسْحِ. نَصَّ عليه أحمدُ (١). وهو مَذْهَبُ مَعْمَرٍ (٢)، وأحَدُ قَوْلَىِ الشَّافِعِىِّ. وقال الثَّوْرِيُّ، ويَزِيدُ بنُ هارُون، وإسحاق، وابْنُ المُنْذِر: يَجُوزُ المَسْحُ على كُلِّ خُفٍّ. وقال الأَوْزَاعِىُّ: يَمْسَحُ على الخُفِّ المُخَرَّقِ، وعلى مَا ظَهَرَ مِن رِجْلِه. وقال أبو حنِيفةَ: إنْ تَخَرَّقَ قَدْرَ ثَلَاثِ أصَابِعَ، لم يَجُزْ، وإنْ كانَ
стр. 432
أقَلَّ، جازَ. ونَحْوَه قال الحسنُ، وقال مالِكٌ: إنْ كَثُرَ وتَفاحَشَ، لم يَجُزْ، وإلَّا، جازَ. وتَعَلَّقُوا بعُمُومِ الحَدِيثِ، وبأنَّهُ خُفٌّ يُمْكِنُ مُتَابَعَةُ المَشْىِ فيه، فأَشْبَهَ الصَّحِيحَ. ولأنَّ الغَالِبَ على خِفَافِ العَرَبِ كَوْنُها مُخَرَّقَةً. وقد أمَرَ النبيُّ ﷺ بِمَسْحِها مِنْ غَيْرِ تَفْصِيلٍ، فيَنْصَرِفُ إلى الخِفَافِ المَلْبُوسَةِ عِنْدَهم غَالِبًا. ولَنا، أنَّهُ غيرُ سَاتِرٍ لِلْقَدَمِ، فلم يَجُزِ المَسْحُ عليه، كما لو كَثُرَ وتَفاحَشَ، أو قِيَاسًا على غيرِ الخُفِّ، ولأنَّ حُكْمَ ما ظَهَرَ الغَسْلُ، وما اسْتَتَرَ المَسْحُ، فإذا اجْتَمَعَا، غَلَبَ حُكْمُ الغَسْلِ، كما لو انْكَشَفَتْ إحْدَى قَدَمَيْهِ.
فصل: ولا يَجُوزُ المَسْحُ على اللَّفَائِفِ والخِرَقِ. نَصَّ عليه أحمدُ. وقِيلَ له: إنَّ أهلَ الجَبَلِ يَلُفُّونَ على أرْجُلِهِم لَفَائِفَ إلى نِصْفِ السَّاقِ؟ قال: لا يُجْزِئُه المَسْحُ على ذلك، إلَّا أنْ يكونَ جَوْرَبًا. وذلك لأَنَّ اللُّفَافَةَ لا تَثْبُتُ بِنَفْسِها، إنَّما تَثْبُتُ بِشَدِّهَا، ولا نَعْلَمُ في هذا خِلَافًا (٣).
٨٨ - مسألة؛ قال: (ويَمْسَحُ عَلَى ظَاهِرِ القَدَمِ)
السُّنَّةُ مَسْحُ أعْلَى الخُفِّ دُونَ أسْفَلِهِ وعَقِبِه، فيَضَعُ يَدَهُ على مَوْضِعِ الأصَابِعِ، ثمَّ يَجُرُّها إلى سَاقِهِ خَطًّا بأصابِعِهِ. وإنْ مَسَحَ مِنْ ساقِهِ إلى أصابِعِهِ، جازَ، والأوَّلُ المَسْنُونُ. ولا يُسَنُّ مَسْحُ أَسْفَلِهِ، ولا عَقِبِهِ. بذلك قال عُرْوَة، وعَطَاء، والحسنُ، والنَّخَعِىُّ، والثَّوْرِىُّ، والأَوْزَاعِىُّ، وإسحاق، وأصْحَابُ الرَّأْىِ، وابْنُ المُنْذِرِ. ورُوِىَ عن سَعْد أنَّه كان يَرَى مَسْحَ ظَاهِرِهِ وبَاطِنِه. ورُوِىَ أيضًا عَن ابْنِ عُمَرَ، وعُمَرَ بن عبد العزيز، والزُّهْرِىِّ، ومَكْحُولٍ، وابْنِ المُبَارَكِ، ومَالِك، والشَّافِعِىِّ؛ لِمَا رَوَى المُغِيرَةُ بنُ شُعْبةَ، قال: وَضَّأْتُ رسولَ اللهِ ﷺ ، فمَسَحَ أعْلَى الخُفِّ وأسْفَلَهُ. رواهُ ابْنُ مَاجَه (١)، ولأنَّهُ يُحَاذِى مَحَلَّ الفَرْضِ، فأشْبَهَ ظَاهِرَهُ. ولَنا، قَوْلُ
стр. 433
عَلِيٍّ، رَضِىَ اللهُ عَنْهُ: لو كان الدِّينُ بالرَّأْىِ لَكان أسْفَلُ الخُفِّ أَوْلَى بالمَسْحِ مِنْ أَعْلَاهُ (٢)، وقد رأيتُ رسولَ اللهِ ﷺ يَمْسَحُ ظَاهِرَ خُفَّيْهِ. رواهُ أبو داود (٣). وعن المُغِيرَةِ قال: رَأَيْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَمْسَحُ على الخُفَّيْنِ عَلَى ظَاهِرِهمَا. رواهُ أبو داود، والتِّرْمِذِىُّ، وقال: حدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ (٤). وعَن عمرَ، قال: رَأَيْتُ النَّبِيَّ ﷺ يَأْمُرُ بالمَسْحِ عَلَى ظَاهِرِ الخُفَّيْنِ إذا لَبِسَهُمَا وهما طَاهِرَتَانِ. رواهُ الخَلَّالُ بإسْنَادِهِ. ولأنَّ بَاطِنَه ليس بِمَحَلٍّ لِفَرْضِ المَسْحِ، فلم يكنْ مَحَلًّا لِمَسْنُونِهِ، كَساقِهِ، ولأنَّ مَسْحَهُ غيرُ وَاجِبٍ، ولا يَكَادُ يَسْلَمُ مِنْ مُبَاشَرَةِ أذًى فيه، تَتَنَجَّسُ يَدُه به، فكان تَرْكُهُ أوْلَى، وحَدِيثُهُم مَعْلُولٌ، قالَهُ التِّرْمِذِىُّ. قال: وسَأَلْتُ أَبَا زُرْعَة، ومُحمدًا -[يَعْنِى البُخَارِىَّ] (٥) - عنه فقالا: ليس بِصَحِيحٍ (٦). وقال أحمدُ: هذا مِنْ وَجْهٍ ضَعِيفٍ، رواهُ رَجَاءُ بنُ حَيْوَةَ، عن وَرَّادٍ (٧) كاتبِ المُغِيرَةِ، ولم يَلْقَه. وأَسْفَلُ الخُفِّ ليس بِمَحَلٍّ لِفَرْضِ المَسْحِ، بِخِلافِ أعْلَاهُ.
فصل: والمُجْزِئُ في المَسْحِ أنْ يَمْسَحَ أكثرَ مُقَدَّمِ ظاهِرِهِ خِطَطًا (٨) بالأصَابِعِ، وقال الشَّافِعِىُّ: يُجْزِئُهُ أقلُّ ما يَقَعُ عليْه اسْمُ المَسْحِ؛ لأنَّه أطْلَقَ لَفْظَ المَسْحِ، ولم يُنْقَلْ فيه تَقْدِيرٌ، فوَجَبَ الرُّجُوعُ إلى ما يَتَنَاوَلُهُ الاسْمُ. وقال أبو حَنِيفة: يُجْزِئُه قَدْرُ ثَلَاثِ أصَابِعَ؛ لِقَوْلِ الحسنِ: سُنَّةُ المَسْحِ خطط بالأصابِعِ. فيَنْصَرِفُ إلى سُنَّةِ النَّبِيِّ ﷺ ، وأقَلُّ لَفْظِ الجَمْعِ ثَلَاثٌ. ولَنا، أنَّ لَفْظَ المَسْحِ وَرَدَ مُطْلَقًا، وفَسَّرَهُ النَّبِىُّ ﷺ بفِعْلِه، فيَجِبُ الرُّجُوعُ إلى تَفْسِيرِه، وقد رَوَى الخَلَّالُ، بإسْنادِهِ، عن
стр. 434
المُغِيرَةِ بنِ شُعْبَة، فذَكَرَ وُضُوءَ النَّبِيِّ ﷺ قال: ثم تَوَضَّأَ، ومَسَحَ على الخُفَّيْنِ، فوَضَعَ يَدَهُ اليُمْنَى على خُفِّهِ الأيْمَنِ، ووَضَعَ يَدَهُ اليُسْرَى على خُفِّهِ الأيْسَرِ، ثم مَسَحَ أعْلَاهُما مَسَحَةً وَاحِدَةً، حتى كأنِّى أنْظُرُ إلى أثَرِ أصَابِعِهِ على الخُفَّيْنِ (٩). قال ابْنُ عَقِيلٍ: سُنَّةُ المَسْحِ هكذا، أنْ يَمْسَحَ خُفَّيْهِ بِيَدَيْهِ اليُمْنَى لِلْيُمْنَى واليُسْرَى لِلْيُسْرَى. وقال أحمدُ: كَيْفَما فَعَلْتَ (١٠) فهو جائِزٌ، باليَدِ الوَاحِدَةِ أو باليَدَيْنِ (١١)، وقَوْلُ الحسنِ، مع ما ذَكَرْنا، لا يتَنافَيانِ.
فصل: فَإنْ مَسَحَ بخِرْقَةٍ أو خَشَبَةٍ، احْتَمَلَ الإِجْزَاءَ؛ لأنَّهُ مَسَحَ على خُفَّيْهِ، واحْتَمَلَ المَنْعَ؛ لأنَّ النَّبِىَّ ﷺ مَسَحَ بِيَدِهِ. وإنْ مَسَحَ بإِصْبَعٍ أو إصْبَعَيْنِ، أجْزَأَهُ إذا كَرَّرَ المَسْحَ بِها، حتَّى يَصِيرَ مِثْلَ المَسْحِ بأصَابِعِهِ. وقِيل لأحمدَ: يَمْسَحُ بالرَّاحَتَيْنِ أو بالأصَابِعِ؟ قال: بالأصَابِعِ. قِيل له: أَيُجْزِئُه بإصْبَعَيْنِ؟ قال: لم أسْمَعْ.
فصل: وإنْ غَسَلَ الخُفَّ، فتَوَقَّفَ أحمدُ، وأجازَهُ ابنُ حامِدٍ؛ لأنَّهُ أَبْلَغُ مِن المَسْحِ. وقال القاضي: لا يُجْزِئُه؛ لأنَّه أُمِرَ بالمَسْحِ، ولم يَفْعَلْهُ، فلم يُجْزِهِ، كما لو طَرَحَ التُّرَابَ على وَجْهِهِ ويَدَيْهِ في التَّيَمُّمِ، لكِنْ إنْ أمَرَّ يَدَيْهِ على الخُفَّيْنِ في حالِ الغَسْلِ، أو بَعْدَه أَجْزَأهُ؛ لأنَّه قد مَسَحَ.
٨٩ - مسألة؛ قال: (وإنْ مَسَحَ أسْفَلَهُ دُونَ أعْلَاهُ، لَمْ يُجْزِهِ)
لا نَعْلَمُ أحدًا قال: يُجْزِئُه مَسْحُ أسْفَلِ الخُفِّ، إلَّا أَشْهَبَ (١) مِنْ أصْحَابِ مالِك، وبعضَ أصْحَابِ الشَّافِعِىِّ؛ لأنَّهُ مَسَحَ بَعْضَ ما يُحاذِى مَحَلَّ الفَرْضِ، فأجْزَأهُ، كما لو مَسَحَ ظَاهِرَهُ. والمَنْصُوصُ عن الشَّافِعِىِّ، أنَّه لا يُجْزِئُه؛ لأنَّه ليس مَحَلًّا لِفَرْضِ المَسْحِ، فلم يُجْزِىءْ مَسْحُهُ، كَالسَّاقِ. وقَدْ ذَكَرْنا أنَّ النَّبِىَّ ﷺ
стр. 435
إنَّما مَسَحَ ظَاهِرَ الخُفِّ، ولا خِلافَ في أنَّه يُجْزِىءُ مَسْحُ ظَاهِرِهِ، قال ابنُ المُنْذِر: لا أعْلَمُ أحدًا يقولُ بالمَسْحِ على الخُفَّيْنِ يقولُ: لا يُجْزِىءُ المَسْحُ على أَعْلَى الخُفِّ.
فصل: والحُكْمُ في المَسْحِ على عَقِبِ الخُفِّ كالحُكْمِ في مَسْحِ أسْفَلِهِ؛ لأنَّه ليس بِمَحَلٍّ لِفَرْضِ المَسْحِ، فهو كأسْفَلِهِ.
٩٠ - مسألة؛ قال: (والرَّجُلُ والمَرْأَةُ في ذلك سَوَاءٌ)
يَعْنِى في المَسْحِ على الخِفافِ، وسَائِرِ أحْكَامِهِ وشُرُوطِهِ؛ لِعُمُومِ الخَبَرِ، ولِأنَّه مَسْحٌ أُقِيمَ مُقَامَ الغَسْلِ، فاسْتَوَى فيه الرِّجالُ والنِّساءُ، كالتَّيَمُّمِ، ولا فَرْقَ بينَ المُسْتَحَاضَةِ ومَنْ بِهِ سَلَسُ البَوْلِ، وغَيْرِهما. وقال بعضُ الشَّافِعِيَّة: ليس لهما أنْ يَمْسَحَا على الخُفِّ أكْثَرَ مِنْ وَقْتِ صَلاةٍ؛ لأنَّ الطَّهارةَ التي لَبِسَا الخُفَّ عليها لا يُسْتَبَاحُ بها أكْثَرُ مِنْ ذلك. ولَنا، عُمُومُ قَوْلِه ﵇: "يَمْسَحُ المُقِيمُ يَوْمًا ولَيْلَةً، والمُسَافِرُ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ ولَيَالِيهِنَّ". ولأَنَّ المَسْحَ لا يَبْطُلُ بِمُبْطِلَاتِ الوُضوءِ (١)، فلا يَبْطُلُ بِخُرُوجِ الوَقْتِ. لكِنْ إنْ زالَ عُذْرُهما كَمَّلا في بَابِهما، فلم يكنْ لهما المَسْحُ بِتلْكَ الطَّهَارَةِ، كالتَّيَمُّمِ إذا كَمَّلَ (٢) بالقُدْرَةِ على الماءِ، لا يَمْسَحُ بالخُفِّ المَلْبُوسِ على التَّيَمُّمِ.
فصل: ويَجُوزُ المَسْحُ على العِمَامَةِ، قال ابْنُ المُنْذِرِ: ومِمَّنْ مَسَحَ على العِمَامَةِ أبو بكرٍ الصِّدِّيقُ، وبه قال عمرُ، وأَنَس، وأبو أُمامَة، ورُوِىَ عن سَعِيدِ بنِ مَالِكٍ، وأبي الدَّرْدَاء، رَضِىَ اللهُ عنهم، وبه قال عمرُ بن عبد العزيز، والحسنُ، وقَتادَة، ومَكْحُول، والأوْزَاعِىُّ، وأبو ثَوْرِ، وابْنُ المُنْذِرِ. وقال عُرْوَة، والنَّخَعِىُّ، والشَّعْبِىُّ، والقاسِمُ، ومَالِك، والشَّافِعِىُّ، وأصْحَابُ الرَّأْىِ: لا يَمْسَحُ عليها؛ لِقَوْلِ اللهِ تعالى: ﴿وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ﴾. ولأنَّه لا تَلْحَقُه المَشَقَّةُ في نَزْعِها، فلم
стр. 436
يَجُزِ المَسْحُ عليها، كالكُمَّيْنِ. ولنا، ما رُوِىَ عن المُغِيرَةِ بنِ شُعْبَة، قال: تَوَضَّأَ رسولُ اللهِ ﷺ ، ومَسَحَ على الخُفَّيْنِ، والعِمَامَةِ (٣). قال التِّرْمِذِىُّ: هذا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ. وفى "مُسْلِم": أنَّ النَّبِىَّ ﷺ مَسَحَ علَى الخُفَّيْنِ والخِمَارِ (٤). قال أحمدُ: هو مِنْ خَمْسَةِ وُجُوهٍ عن النَّبِيِّ ﷺ . رَوَى الخَلَّالُ، بإسْنَادِهِ، عن عُمَر، رَضِىَ اللهُ عنه أنَّه قال: مَنْ لَمْ يُطَهِّرْهُ المَسْحُ على العِمَامَةِ فلا طَهَّرَهُ اللهُ. ولأنَّه حَائِلٌ في مَحَلٍّ وَرَدَ الشَّرْعُ بِمَسْحِهِ، فجازَ المَسْحُ عليه، كالخُفَّيْنِ، ولأنَّ الرَّأْسَ عُضْوٌ يَسْقُطُ فَرْضُهُ في التَّيَمُّمِ، فجازَ المَسْحُ على حَائِلِه، كالقَدَمَيْنِ، والآيةُ لا تَنْفِى ما ذَكَرْناهُ؛ فإنَّ النَّبِىَّ ﷺ مُبَيِّنٌ لِكَلَامِ اللهِ، مُفَسِّرُ له، وقد مَسَحَ النَّبِىُّ ﷺ على العِمَامَةِ، وأمَرَ بالمَسْحِ عليها، وهذا يَدُلُّ على أنَّ المُرَادَ [مِن الآيةِ] (٥) المَسْحُ على الرَّأْسِ، أو حَائِلِهِ. ومِمَّا يُبَيِّنُ ذلك، أنَّ المَسْحَ في الغَالِبِ لا يُصِيبُ الرَّأْسَ. وإنَّما يَمْسَحُ على الشَّعْرِ، وهو حائِلٌ بَيْنَ اليَدِ وبَيْنَه، فكذلك العِمامَةُ، فإنَّه يُقَالُ لِمَنْ لَمَسَ عِمَامَتَهُ أو قبَّلَها: قبَّلَ رَأْسَهُ ولَمَسَهُ. وكذلك أمَرَ بِمَسْحِ الرِّجْلَيْنِ، واتَّفَقْنَا على جَوَازِ مَسْحِ حَائِلِهِما.
стр. 437
فصل: ومِنْ شُرُوطِ (٦) جَوَازِ المَسْحِ على العِمَامَةِ، أنْ تكونَ ساتِرَةً لِجَمِيعِ الرَّأْسِ، إلَّا ما جَرَت العادَةُ بِكَشْفِه، كمُقَدَّمَ الرَّأْسِ والأُذُنَيْنِ، وشِبْهِهِما مِن جَوانِبِ الرَّأْسِ، فإنَّه يُعْفَى عنه، بِخِلَافِ الخَرْقِ اليَسِيرِ في الخُفِّ، فإنَّه لا يُعْفَى عنه؛ لأنَّ هذا الكَشْفَ جَرَت العَادَةُ بهِ لِمَشَقَّةِ التَّحَرُّزِ عنه، وإنْ كان تَحْتَ العِمَامَةِ قَلَنْسُوَةٌ يَظْهَرُ بَعْضُها، فالظَّاهِرُ جَوازُ المَسْحِ عليهما؛ لأنَّهما صارَا كالعِمَامةِ الواحِدَةِ. ومِنْ شُرُوطِ جَوَازِ المَسْحِ عليها، أنْ تكونَ على صِفَةِ عَمَائِمِ المُسْلِمِينَ، بأنْ يكونَ تحتَ الحَنَكِ منها شيءٌ؛ لأنَّ هذه عَمَائِمُ العَرَبِ، وهى أكْثَرُ سَتْرًا مِن غيرِها، ويَشُقُّ نَزعُها، فيَجُوزُ المَسْحُ عليها، سَوَاءٌ كانتْ لها ذُؤَابَةٌ أو لم يكنْ. قاله القاضي. وسَوَاء كانَتْ صَغِيرَةً أو كَبِيرَةً، وإنْ لم يَكُنْ تحتَ الحَنَكِ منها شَىءٌ، ولا لها ذُؤابَةٌ، لم يَجُزِ المَسْحُ عليها؛ لأَنَّها على صِفَةِ عَمَائِمِ أهْلِ الذِّمَّةِ، ولا يَشُقُّ نَزْعُها. وقد رُوِىَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ، أنَّهُ أَمَرَ بالتَّلَحِّى، ونَهَى عَنِ الاقْتِعَاطِ. رَوَاهُ أبو عُبَيْد (٧)، قال: والاقْتِعَاطُ أنْ لا يكونَ تَحْتَ الحَنَكِ منها شيءٌ. ورُوِىَ أنَّ عمرَ، رَضِىَ اللهُ عَنْهُ، رَأَى رَجُلًا ليس تَحْتَ حَنَكِهِ مِن عِمَامَتِهِ شيءٌ، فحَنَّكَهُ بكَوْرٍ (٨) مِنْها، وقال: ما هذه الفَاسِقِيَّة؟ فامْتَنَعَ المَسْحُ عليها لِلنَّهْى عنها، وسُهُولَةِ نَزْعِهَا. وإنْ كانتْ ذاتَ ذُؤَابَةٍ، ولم تَكُنْ مُحَنَّكَةً، ففى المَسْحِ عليها وَجْهَانِ: أحَدُهما، جَوازُه؛ لأنَّه لا تُشْبِهُ عَمائِمَ أهْلِ الذِّمَّةِ، إذ ليس مِنْ عادَتِهم الذُّؤَابَةُ. والثانى، لا يَجُوزُ، لأنَّها دَاخِلَةٌ في عُمُومِ النَّهْىِ، ولا يَشُقُّ نَزْعُها.
فصل: وإذا كان بعضُ الرَّأْسِ مَكْشُوفًا، مِمَّا جَرَتِ العادُة بكَشْفِهِ، اسْتُحِبَّ أنْ يمسَحَ عليه مع العِمَامَةِ. نَصَّ عليه أحمدُ؛ لأنَّ النَّبِىَّ ﷺ مَسَحَ على عِمَامَتِه ونَاصِيَتِه، في حَدِيثِ المُغِيرَةِ [بنِ شُعْبَةَ] (٩)، وهو حَدِيثٌ صَحِيحٌ. قالهُ التِّرْمِذِىُّ.
стр. 438
وهل الجَمْعُ بينهما وَاجِبٌ؟ وقد تَوَقَّفَ أحمدُ عنه، فيُخَرَّجُ فيها وَجْهَانِ: أحَدُهما، وُجُوبُه؛ لِلْخَبَرِ، ولِأنَّ العِمَامَةَ نَابَتْ عَمَّا اسْتَتَرَ، فبَقِىَ الباقِى على مُقْتَضَى الأصْلِ، كالجَبِيرَةِ. والثانِى، لا يَجِبُ؛ لأنَّ العِمامةَ نَابَتْ عَن الرَّأْسِ، فتَعَلَّقَ الحُكْمُ بها، وانْتَقَلَ الفَرْضُ إليها، فلم يَبْقَ لما ظَهَرَ حُكْمٌ، ولأنَّ وُجُوبَهما مَعًا يُفْضِى إلى الجمعِ بَيْنَ بَدَلٍ ومُبْدَلٍ في عُضْوٍ وَاحِدٍ، فلم يَجُزْ مِنْ غَيْرِ ضَرُورَةٍ، كالخُفِّ. وعلى هذا تُخَرَّجُ الجَبِيرَةُ.
ولا خِلَافَ في أنَّ الأُذُنَيْنِ لا يَجِبُ مَسْحُهُما؛ لأنَّه لم يُنْقَلْ ذلك، ولَيْسا مِن الرَّأْسِ، إلَّا على وَجْهِ التَّبَعِ.
فصل: وإنْ نَزَعَ العِمَامَةَ بعدَ المَسْحِ عليها، بَطَلَتْ طَهَارَتُه، نَصَّ عليه أحمدُ. وكذلك إن انْكَشَفَ رَأْسُهُ، إلَّا أنْ يكونَ يَسِيرًا، مِثْلُ إنْ حَكَّ رَأْسَه، أو رفَعَها لأَجْلِ الوُضُوءِ، فلا بَأْسَ. قال أحمدُ: إذا زَالَت العِمَامَةُ عن هامَتِهِ، لا بَأْسَ، ما لم يَنْقُضْها، أو يَفْحُشْ ذلك. وذلك لأنَّ هذا مِمَّا جَرَتِ العادَةُ به، فَيَشُقُّ التَّحَرُّزُ عنه. وإنْ انْتَقَضَتِ العِمَامَةُ بعدَ مَسْحِها، بَطَلَتْ طَهَارَتُهُ؛ لأنَّ ذلك بِمَنْزَلَةِ نَزْعِها. وإن انْتَقَضَ بَعْضُها، ففيه رِوَايَتان، ذَكَرَهُما ابنُ عَقِيلٍ: إحْدَاهُما، لا تَبْطُلُ طَهَارَتُه؛ لأنَّه زال بَعْضُ المَمْسُوحِ عليهِ، مع بَقَاءِ العُضْوِ مَسْتُورًا، فلم تَبْطُل الطَّهَارَةُ، كَكَشْطِ الخُفِّ، مع بَقَاءِ البِطَانَةِ. والثانِيةُ: تَبْطُلُ. قال القاضي: لو انْتَقَضَ مِنْها كَوْرٌ وَاحِدٌ، بَطَلَتْ؛ لأنَّه زال المَمْسُوحُ عليه، فأَشْبَهَ نَزْعَ الخُفِّ.
فصل: واخْتُلِفَ في وُجُوبِ اسْتِيعَابِ العِمَامَةِ بالمَسْحِ؛ فرُوِىَ عن أحمدَ أنَّه قال: يَمْسَحُ على العِمَامَةِ، كما يَمْسَحُ على رَأسِهِ. فيَحْتَمِلُ أنَّه أرَادَ التَّشْبِيهَ في صِفَةِ المَسْحِ دُونَ الاسْتِيعَابِ، وأنَّه يُجْزِىءُ مَسْحُ بَعْضِها، لأنَّها (١٠) مَمْسُوحٌ على وَجْهِ الرُّخْصَةِ، فأَجْزَأَ مَسْحُ بَعْضِه، كَالخُفِّ. ويَحْتَمِلُ أنَّه أرَاد التَّشْبِيهَ في الاسْتِيعَابِ، فيَخْرُجُ فيها مِنَ الخِلَافِ ما في وُجُوبِ اسْتِيعَابِ الرَّأْسِ، وفيه رِوَايَتانِ؛ أظْهَرُهما وُجُوبُ اسْتِيعَابِهِ بالمَسْحِ. فكذلك في العِمَامَةِ؛ لأَنَّ مَسْحَ العِمَامَةِ بَدَلٌ مِن
стр. 439
الجِنْسِ، فَيُقَدَّرُ بِقَدْرِ المُبْدَلِ، كقِرَاءَةِ غير الفَاتِحَةِ مِن القُرْآنِ، بَدَلًا مِنَ الفاتِحَةِ، يَجِبُ أن يكونَ بِقَدْرِها، ولو كان البَدَلُ تَسْبِيحًا، لم يتَقَدَّرْ بِقَدْرِها، ومَسْحُ الخُفِّ بَدَلٌ مِنْ غير الجِنْسِ؛ لأنَّه بَدَلٌ عن الغَسْلِ، فلم يتَقَدَّرْ به، كالتَّسْبِيحِ بَدَلًا عن القُرْآنِ. وقال القاضي: يُجْزِىءُ مَسْحُ بَعْضِها، كإجْزَاءِ المَسْحِ في الخُفِّ على بَعْضِهِ، ويَخْتَصُّ ذلك بأكْوَارِها، وهى دَوَائِرُها دُونَ وَسَطِها. (١١) فإنْ مَسَحَ وَسَطَها وَحْدَهُ (١٢)، ففِيهِ وَجْهانِ؛ أحَدُهما يُجْزِئُه، يُجْزِىءُ مَسْحُ بَعْضِ دائِرِها (١٣). والثانى، لا يُجْزِئُه، كما لو مَسَحَ أسْفَلَ الخُفِّ.
فصل: والتَّوْقِيتُ في مسْحِ العِمامَةِ كالتَّوْقِيتِ في مَسْحِ الخُفِّ؛ لِما رَوَى أبو أُمَامَةَ، أنَّ النَّبِىَّ ﷺ قال: "يَمْسَحُ عَلَى الخُفَّيْنِ والعِمَامَةِ ثَلَاثًا في السَّفَرِ، ويَوْمًا ولَيْلَةً لِلْمُقِيمِ". رَوَاهُ الخَلَّالُ بإسْنَادِه، إلَّا أنَّه مِنْ رِوَايَةِ شَهْرِ بنِ حَوْشَبٍ (١٤). ولأنَّهُ مَمْسُوحٌ على وَجْهِ الرُّخْصَةِ، فَيُوَقَّتُ بذلك، كالخُفِّ.
فصل: والعِمامةُ المُحَرَّمَةُ، كعِمامةِ الحَرِيرِ والمَغْصُوبَةِ، لا يَجُوزُ المَسْحُ عليها، لما ذَكَرْنَا في الخُفِّ المَغْصُوبِ. وإنْ لَبِسَت المَرْأَةُ عِمَامَةً، لم يَجُزِ المَسْحُ عليها؛ [لأنَّها مَنْهِيَّةٌ عن] (١٥) التَّشَبُّهِ بالرِّجَالِ، فكانتْ مُحَرَّمةً في حَقِّها، وإنْ كان لها عُذْرٌ، فهذا يَنْدُرُ، فلم يُرْبَطِ (١٦) الحُكْمُ به.
فصل: ولا يَجُوزُ المَسْحُ على القَلَنْسُوَةِ، الطَّاقِيَّةِ، نَصَّ عليه أحمدُ، قال هارونُ (١٧)
стр. 440
الحَمَّالُ: سُئِلَ أبو عبدِ اللَّه عن المَسْحِ على الكَلتة (١٨)؟ فلم يَرَهُ؛ وذلك لأنَّها لا تَسْتُرُ جَمِيعَ الرَّأْسِ في العادَةِ، ولا تَدُومُ (١٩) عليه، وأمَّا القَلَانِسُ المُبَطَّناتُ، كدَنِّيَّاتِ (٢٠) القُضاة، والنوميات (٢١)، فقال إسحاقُ بن إبراهيم، قال أحمدُ: لا يَمْسَحُ على القَلَنْسُوَةِ. وقال ابنُ المُنْذِرِ: ولا نَعْلَمُ أحَدًا قال بالمَسْحِ على القَلَنْسُوَةِ، إلَّا أنَّ أَنَسًا مَسَحَ على قَلَنْسُوَتِهِ؛ وذلك لأنَّها لا مَشَقَّةَ في نَزْعِها، فلم يَجُز المَسْحُ عليها كالكلتة، ولأنَّها أدْنَى مِن العِمَامَةِ غيرِ المُحَنَّكَةِ التي ليستْ لها ذُؤَابَةٌ. وقال أبو بكرٍ الخَلَّالُ: إنْ مَسَحَ إنْسَانٌ على القَلَنْسُوَةِ لم أرَ به بَأْسًا؛ لأنَّ أحمدَ قال، في روَايةِ المَيْمُونِىِّ: أنَا أتَوَقَّاهُ. وإنْ ذَهَبَ إليهِ ذَاهِبٌ لم يُعَنِّفْهُ. قال الخَلَّالُ: وكيف يُعَنِّفُه؟ وقد رُوِىَ عن رَجُلَيْنِ مِن أصْحَابِ رسولِ اللهِ ﷺ ، بأسَانِيدَ صِحَاحٍ، ورِجالٍ ثِقاتٍ. فرَوَى الأثْرَمُ، بإسْنَادِهِ، عن عمر، أنَّه قال: إنْ شَاءَ حَسَرَ عن رَأْسِهِ، وإنْ شَاءَ مَسَحَ على قَلَنْسُوَتِه وعِمامَتِهِ. ورَوَى بإسْنَادِه، عن أبي موسى، أنَّه خَرَجَ مِن الخَلاءِ، فمَسَحَ على القَلَنْسُوَةِ. ولأنَّهُ مَلْبُوسٌ مُعْتَادٌ يَسْتُرُ الرَّأْسَ، فأشْبَهَ العِمامَةَ المُحَنَّكَةَ، وفارَقَ العِمَامَةَ التي ليستْ مُحنَّكَةً ولا ذُؤَابَةَ لها؛ لأنَّها مَنْهِىٌّ عنها.
فصل: وفِي مَسْحِ الرَّأْسِ على مِقْنَعَتِهَا (٢٢) رِوَايَتانِ: إحْدَاهما، يَجُوزُ؛ لأنَّ أُمَّ سَلَمَة كانتْ تَمْسَحُ على خِمَارِها. ذَكَرَهُ ابْنُ المُنْذِرِ. وقد رُوِى عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أنَّهُ أمَرَ بالمَسْحِ على الخُفَّيْنِ والخِمَارِ. ولأنَّهُ مَلْبُوسٌ لِلرَّأْسِ مُعْتَادٌ، يَشُقُّ نَزْعُهُ، فأشْبَهَ العِمَامَةَ. والثانيةُ، لا يجُوزُ المَسْحُ عليه؛ فإنَّ أحمدَ سُئِلَ: كيف تَمْسَحُ المرْأةُ على رَأْسِها؟ قال: مِنْ تحتِ الخِمارِ، ولا تَمْسَحُ على الخِمَارِ، قال: وقَدْ ذَكروا أنَّ أُمَّ سَلَمَة كانَتْ تَمْسَحُ على خِمَارِها. ومِمَّنْ قال لا تَمْسَحُ على خِمارِها، نافِعٌ،
стр. 441
والنَّخَعِىُّ، وحَمَادُّ بنُ أبِى سُليمانَ، والأَوْزَاعِىُّ، وسَعِيدُ بنُ عبد العزِيزِ (٢٣)؛ لأنَّهُ مَلْبُوسٌ لِرَأْسِ المَرْأَةِ، فلم يَجُزِ المَسْحُ عليه، كالوِقايةِ، ولا يُجْزِئُ المَسْحُ على الوِقَايَةِ، رِوَايَةً وَاحِدَةً. لا نَعْلَمُ فيه خِلَافًا؛ لأنَّهَا لا يَشُقُّ نَزْعُهَا، فهى [كطاقِيَّةِ الرَّجُلِ] (٢٤). واللهُ أعلمُ.
стр. 442
بابُ الحَيْضِ
الحَيْضُ: دَمٌ يُرْخِيهِ الرَّحِمُ إذا بَلَغَتِ المرْأةُ، ثم يَعْتَادُها في أوْقاتٍ مَعْلُومَةٍ؛ لِحِكْمَةِ تَرْبَيةِ الوَلَدِ، فإذا حَمَلَت انْصَرَفَ ذلك الدَّمُ بإذْنِ اللهِ إلى تَغْذِيَتِه، ولذلك لا تَحِيضُ الحامِلُ، فإذا وَضَعَتِ الوَلَدَ قَلَبَهُ اللهُ تعالى بِحِكْمَتِهِ لَبَنًا يَتَغَذَّى بهِ الطِّفْلُ، ولذلك قَلَمَّا تَحِيضُ المُرْضِعُ، فإذا خَلَتِ (٢٤) المرأةُ مِن حَمْلٍ ورَضَاعٍ. بَقِىَ ذلك الدَّمُ لا مَصْرِفَ له، فيَسْتَقِرُّ في مكانٍ، ثم يَخْرُجُ في الغالِب في كُلِّ شَهْرٍ سِتَّةَ أيَّامٍ أو سَبْعة، وقد يَزِيدُ على ذلك، ويَقِلُّ، ويَطُولُ شَهْرُ المَرْأَةِ ويَقْصُرُ، على حَسَبِ ما رَكَّبَهُ اللهُ تعالى في الطِّبَاعِ؛ وسُمِّىَ حَيْضًا مِنْ قَوْلِهم: حاضَ السَّيْلُ. قال عُمارَةُ بنُ عَقِيلٍ (٢٥):
أجَالَتْ حَصَاهُنَّ الذَّوَارِى وحَيَّضَتْ ... عَلَيْهِنَّ حَيْضَاتُ السُّيُولِ الطَّوَاحِمِ (٢٦)
وقد عَلَّقَ الشَّرْعُ على الحَيْضِ أحْكامًا؛ فمِنها، أنَّهُ يَحْرُمُ وَطْءُ الحَائِضِ في الفَرْجِ، لِقَوْلِ اللهِ تعالى: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذًى فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ وَلَا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ فَإِذَا تَطَهَّرْنَ فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ اللَّهُ﴾ (٢٧). ومِنها، أنَّهُ يَمْنَعُ فِعْلَ الصَّلاةِ والصَّوْمِ؛ بدليلِ قَوْلِ النَّبِيِّ ﷺ : "أَلَيْسَتْ إحْدَاكُنَّ إذَا حَاضَتْ لَا تَصُومُ ولَا تُصَلِّى". رَوَاهُ البُخَارِىُّ (٢٨). وقالتْ حَمْنَةُ
لِقوْلِ اللهِ تعالى: ﴿إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ﴾ (٣٥)، ولمَّا طَلَّقَ ابنُ عُمَرَ امْرَأَتَهُ وهى حَائِضٌ أَمَرَهُ النَّبِىُّ ﷺ بِرَجْعَتِهَا وإمْسَاكِهَا حتى تَطْهُرَ (٣٦). ومنها، أنَّهُ يَمْنَعُ صِحَّةَ الطَّهَارَةِ؛ لأنَّ حَدَثَها مُقِيمٌ. ومنها، أنَّهُ يُوجِبُ الغُسْلَ عندَ انْقِطَاعِهِ، لقولِهِ ﵇: "امْكُثِى قَدْرَ مَا كَانَتْ تَحْبِسُكِ حَيْضَتُكِ، ثُمَّ اغْتَسِلِى وَصَلِّى". مُتَّفَقٌ عليه (٣٧). وهو عَلَمٌ على البُلُوغِ؛ لقولِهِ ﵊: "لَا يَقْبَلُ اللهُ صَلَاةَ حَائِضٍ إلَّا بِخِمَارٍ (٣٨) ". ولا تَنْقَضِى العِدَّةُ في حَقِّ المُطَلَّقَةِ وأشباهِها إلَّا بِه، لقولِهِ تعالى: ﴿وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ﴾ (٣٩). وأكْثَرُ هذه الأحْكَامِ مُجْمَعٌ عليها بَيْنَ عُلَماءِ الأُمَّةِ. وإذا ثَبَتَ هذا، فالحاجةُ دَاعِيَةٌ إلى مَعْرِفَةِ الحَيْضِ، لِيُعْلَمَ ما يَتَعَلَّقُ به مِنَ الأحْكامِ. قال أحمدُ، ﵀: الحَيْضُ يَدُورُ على ثلاثةِ أحادِيثَ: حَدِيثِ فَاطِمَةَ، وأُمِّ حَبِيبَةَ، وحَمْنَةَ. وفِي رِوايةٍ: حَدِيثِ أُمِّ سَلَمة. مَكَانَ حَدِيثِ أُمِّ حَبِيبَةَ. وسَنذْكُرُ هذه الأحَادِيثَ وغيرَها في مَوَاضِعِها، إنْ شاء اللهُ تعالى.
٩١ - مسألة؛ قال: (وأَقَلُّ الحَيْضِ: يَوْمٌ ولَيْلَةٌ، وأَكْثَرُهُ خمْسَةَ عَشرَ يَوْمًا)
هذا الصَّحِيحُ مِن مذهب أبِى عبدِ اللَّه، وقال الخَلَّالُ: مذهبُ أبى عبدِ اللَّه لا اخْتِلافَ فيه، أنَّ أقَلَّ الحَيْضِ يومٌ، واكْثَرَهُ خمسةَ عشرَ يومًا. وقيل عنه: أَكْثَرُه
стр. 445
سبعةَ عشرَ يومًا (١). وللشَّافِعِىِّ قَوْلان، كالرِّوايَتَيْن في أقَلِّه وأكْثَرِه. وقال إسحاقُ بنُ رَاهُويَه: قال عطاء: الحَيْضُ يَوْمٌ واحدٌ. وقال سعيدُ بنُ جُبَيْر: أكثرُه ثلاثةَ عشرَ يومًا. وقال الثَّوْرِىُّ، وأبو حنيفة، وصاحِباه: أقلُّهُ ثلاثةُ أيَّامٍ، وأكْثَرُهُ عشرة؛ لِمَا رَوَى وَاثِلَةُ بنُ الأَسْقَعِ، أنَّ النَّبِىَّ ﷺ قال: "أقَلُّ الحَيْضِ ثَلَاثَةُ أيَّامٍ، وأكْثَرُه عَشَرَةٌ (٢) ". وقال أَنَسٌ: قُرْءُ المَرْأةِ: ثلاث، أرْبَع، خَمْس، سِتّ، سَبْع، ثمان، تِسْع، عشر (٣). ولا يقولُ أنَسٌ ذلك إلَّا تَوْقِيفًا، وقال مالِكُ بنُ أنَسٍ: ليس لأقَلِّهِ حَدٌّ، يَجُوزُ أنْ يكُونَ سَاعَةً؛ لأنَّهُ لو كان لأقَلِّه حَدٌّ، لَكَانَتِ المَرْأةُ لا تَدَعُ الصَّلَاةَ حَتَّى يَمْضِىَ ذلك الحَدُّ. ولَنا، أنَّهُ وَرَدَ في الشَّرْعِ مُطْلَقًا مِنْ غيرِ تَحْدِيدٍ، ولا حَدَّ له في اللُّغَةِ، ولا في الشَّريعة، فيجِبُ الرُّجُوعُ فيه إلى العُرْفِ والعادَة، كما في القَبْضِ، والإِحْرَازِ، والتَّفَرُّقِ، وأشباهِها، وقد وُجِد حَيْضٌ مُعْتادٌ يومًا، قال عطاء: رأيتُ مِن النِّساءِ مَنْ تَحِيضُ يوْمًا، وتَحِيضُ خمسةَ عشرَ. وقال أحمدُ: حدَّثنى يحيى بنُ آدمَ، قال: سَمِعْتُ شَرِيكًا يقولُ: عندنا امْرَأَةٌ تَحِيضُ كُلَّ شَهْرٍ خمسةَ عشرَ يَوْمًا حَيْضًا مُسْتَقِيمًا. وقال ابنُ المُنْذِر: قال الأوْزَاعِىُّ: عندنا امْرَأَةٌ تَحِيضُ غُدْوَةً وتَطْهُرُ عَشِيًّا. يَرَوْنَ أنَّه حَيْضٌ تَدَعُ له الصَّلاةَ. وقال الشَّافِعِىُّ: رأيتُ امْرَأَةً أُثْبِتَ لي عنها أنَّها لم تَزَلْ تَحِيضُ يَوْمًا لا تَزِيدُ عليه، وأُثْبِتَ لي عَن نِسَاءٍ أنَّهُنَّ لم يَزَلْنَ يَحِضْنَ أقَلَّ مِن ثَلاثةِ أيَّامٍ. وذكر إسحاقُ بنُ رَاهُويَه، عن بكرِ بنِ عبدِ اللهِ المُزَنِىِّ، أنَّه قال: تَحِيضُ امْرَأَتِى يَوْمَيْنِ. قال إسحاق: وقالتْ امْرَأَةٌ مِن أَهْلِنا معْرُوفَةٌ: لم أُفْطِرْ مُنْذُ عشرِين سنةً في شهرِ رمضانَ إلَّا يَوْمَيْن. وقَوْلُهُنَّ يَجِبُ الرُّجُوعُ إليه؛ لقولِه تعالى: ﴿وَلَا يَحِلُّ لَهُنَّ أَنْ يَكْتُمْنَ مَا خَلَقَ اللَّهُ فِي أَرْحَامِهِنَّ﴾ (٤) فلولا أنَّ قَوْلَهُنَّ مَقْبُولٌ لَما (٥) حَرَّمَ عليهنَّ الكِتْمانَ، وجَرَى ذلك مَجْرَى قولِه: ﴿وَلَا
стр. 446
تَكْتُمُوا الشَّهَادَةَ﴾ (٦). ولم يُوجَدْ حَيْضٌ أقَلَّ مِنْ ذلك عَادَةً مُسْتَمِرَّةً في عَصْرٍ مِن الأعْصَارِ، فلا يكونُ حَيْضًا بِحالٍ. وحدِيثُ وَاثِلَةَ يَرْوِيهِ محمد بن أحمدَ الشَّامِىُّ، وهو ضَعِيفٌ، عَنْ حَمَّاد بن المِنْهَال، وهو (٧) مَجْهُولٌ. وحدِيثُ أُنَسٍ يَرْوِيهِ (٨) الجَلْدُ بنُ أيُّوب، وهو ضَعِيفٌ. قال ابنُ عُيَيْنَة: وهو مُحَدِّثٌ لا أصْلَ له (٩). وقال أحمدُ في حَدِيثِ أنَسٍ: ليس هو شيئًا، هذا مِنْ قِبَلِ الجَلْدِ بنِ أَيُّوب، قِيل: إنَّ محمدَ بنَ إسحاقَ رَوَاهُ، قال (١٠): ما أُرَاهُ سَمِعَهُ إلَّا مِن الحَسَنِ بنِ دِينَارِ. وضَعَّفَهُ جِدًّا. قال: وقال يَزِيدُ بنُ زُرَيْعٍ: ذاك أبو حنيفة، لم يَحْتَجّ إلَّا بالجَلْدِ بنِ أيُّوب، [وحَدِيثُ الجَلْدِ] (١١) قد رُوِىَ عن عليٍّ رَضِىَ اللهُ عنه ما يعارِضُه. فإنَّه قال: ما زاد على خمسةَ عشرَ اسْتِحاضَةٌ، وأقلُّ الحَيْضِ يوم وليلةٌ.
فصل: وأقَلُّ الطُّهْرِ بين الحَيْضَتَيْن ثلاثةَ عشرَ يومًا؛ لأنَّ كلامَ أحمدَ لا يَخْتَلِفُ أنَّ العِدَّةَ تَصِحُّ أنْ تَنْقَضِىَ في شهرٍ واحدٍ إذا قامَتْ به البَيِّنَةُ. وقال إسحاقُ: تَوْقِيتُ هؤلاء بالخمسةَ عشرَ باطِلٌ. وقال (١٢) أبو بكر: أقَلُّ الطُّهْرِ مَبْنِىٌّ على أكثرِ الحَيْضِ، فإنْ قُلْنا إنَّ (١٣) أكْثَرَه خمسةَ عَشرَ يومًا، فأقَلُّ الطُّهْرِ خمسةَ عشرَ، وإنْ قُلْنَا أكْثَرُهُ سبعةَ عشرَ، فأَقَلُّ الطُّهْرِ ثلاثة عشرَ. وهذا كأنَّهُ بَنَاهُ على أنَّ شَهْرَ المَرْأةِ لا يَزِيدُ على ثلاثينَ يومًا، يَجْتَمِعُ لها فيه حَيْضٌ وطُهْرٌ، وأمَّا إذا زَادَ شَهْرُها على ذلك تُصُوِّرَ أنْ يكونَ حَيْضُها سبعةَ عشرَ، وطُهْرُها خمسةَ عشرَ وأكْثَرَ. وقال مالِكٌ، والثَّوْرِىُّ، والشَّافِعِىُّ، وأبو حنيفة: أقَلُّ الطُّهْرِ خمسةَ عشرَ. وذكر أبو ثَوْرٍ: أنَّ ذلك لا يَخْتَلِفُون فيه. ولَنا، ما رُوِىَ عن عليٍّ، رَضِىَ اللهُ عنه، أنَّ امْرَأَةً جَاءَتْهُ، وقد
стр. 447
طَلَّقَهَا زَوْجُها، فَزَعَمَتْ أنَّها حاضَتْ في شَهْرٍ ثَلَاثَ حِيَضٍ، طَهُرَتْ عندَ كُلِّ قُرْءٍ وصَلَّتْ، فقال علىٌّ لِشُرَيْحٍ (١٤): قُلْ فيها. فقال شُرَيْحٌ: إنْ جاءتْ بِبَيِّنَةٍ مِن بِطانةِ أهْلِها مِمَّنْ يُرْضَى دِينُه وأمَانَتُه، فشَهِدَتْ بذلك، وإلَّا فهى كاذِبةٌ. فقال علىّ: قَالُون. وهذا بالرُّومِيَّةِ. ومَعْنَاهُ: جَيِّدٌ. وهذا لا يقولُه إلَّا تَوْقيفًا، ولأنَّه قولُ صَحَابِىٍّ انْتَشَرَ، ولم نَعْلَمْ خِلافَهُ، رَوَاهُ الإِمامُ أحمدُ بإسْنادِه، ولا يَجِىءُ إلَّا على قَوْلِنا أقلُّه ثلاثةَ عشرَ، وأقَلُّ الحَيْضِ يومٌ وليلةٌ. وهذا في الطُّهْرِ بينَ الحَيْضَتَيْن، وأمَّا الطُّهْرُ في أثْناءِ الحَيْضَةِ فلا تَوْقِيتَ فيه؛ فإنَّ ابْنَ عَبَّاسٍ قال: أمَّا ما رَأَتِ الدَّمَ البَحْرَانِىَّ (١٥) فإنَّها لا تُصَلِّى، وإذا رَأتِ الطُهْرَ سَاعَةً فَلْتَغْتَسِل. ورُوِىَ أنَّ الطُهْرَ إذا كانَ أقَلَّ مِن يومٍ، لا يُلْتَفَتُ إليه. لقولِ عائشةَ: لا تَعْجَلْنَ حتى تَرَيْنَ القَصَّةَ البَيْضَاءَ (١٦). ولأنَّ الدَّمَ يَجْرِى مَرَّةً ويَنَقَطِعُ أُخْرَى. فلا يَثْبُتُ الطُّهْرُ بِمُجَرَّدِ انْقِطاعِه، كما لو انْقَطَعَ أقَلَّ مِنْ سَاعَةٍ.
٩٢ - مسألة؛ قال: (فَمَنْ طَبَّقَ (١) بهَا الدَّمُ فَكَانَتْ مِمَّنْ تُمَيِّزُ، فَتَعْلَمُ إقْبَالَهُ بأَنَّهُ أَسْوَدُ ثَخِينٌ مُنْتِنٌ، وإدْبَارَهُ رَقِيقٌ أَحْمَرُ، تَرَكَتِ الصَّلَاةَ في إقْبَالِهِ، فإذَا أَدْبَرَ، اغْتَسَلَتْ، وتَوَضَّأَتْ لِكُلِّ صَلَاةٍ وصَلَّتْ)
قولُه: "طَبَّقَ بها الدَّمُ". يَعْنِى امْتَدَّ وتجاوزَ أكْثَرَ الحَيْضِ، فهذه مُسْتَحَاضَةٌ، قد اخْتَلَطَ حَيْضُها باسْتِحَاضَتِها، فتحْتَاجُ إلى مَعْرِفَةِ الحَيْضِ مِن الاسْتِحَاضَةِ لتُرَتِّبَ
стр. 448
عَلَى كُلِّ وَاحِدٍ منهما حُكْمَه، ولا تَخْلُو مِن أرْبعةِ أحْوَالٍ: مُمَيِّزَةٍ لا عادةَ لها، ومُعْتَادَةٍ لا تَمْيِيزَ لها، ومَنْ لها عَادَةٌ وتَمْيِيزٌ، ومَنْ لا عادَةَ لها ولا تَمْيِيزَ.
أمَّا المُمَيِّزَةُ: فهى التي ذكرَها الْخِرَقِىُّ في هذه المسألةِ، وهى التي لِدَمِها إقْبَالٌ وإدْبَارٌ، بعضُه أسْوَدُ ثَخِينٌ مُنْتِنٌ، وبعضُهُ أَحْمَرُ مُشْرِقٌ، أوْ أصفرُ، أو لا رائِحَةَ له، ويكونُ الدَّمُ الأسودُ أو الثَّخِينُ لا يَزِيدُ على أكثرِ الحَيْضِ، ولا يَنْقُصُ عن أَقَلِّه، فحُكْمُ هذه أنَّ حَيْضَهَا زَمَانُ الدَّمِ الأسودِ أو الثَّخِينِ أو المُنْتِنِ، فإذا (٢) انْقَطَعَ فهى مُسْتَحَاضَةٌ، تَغْتَسِلُ لِلْحَيْض، وتَتَوَضَّأُ بعدَ ذلك لِكُلِّ صلاةٍ، وتُصَلِّى، وذكرَ أحمدُ المُسْتَحاضَةَ (٣) فقال: لَهَا سُنَنٌ، فذكَرَ (٤) المُعْتَادَةَ، ثُمَّ قال: وسُنَّةٌ أُخْرَى، إذا جاءتْ فزعَمَتْ أنَّها تُسْتَحَاضُ فلا تَطْهُرُ، قِيل لها: أنْتِ الآنَ ليس لك أيَّامٌ مَعْلُومَةٌ فَتَجْلِسِينَها، ولكن انْظُرِى إلى إقْبَالِ الدَّمِ وإدْبَارِه، فإذا أقْبَلَتِ الحَيْضَةُ - وإقْبَالُها أنْ تَرَىْ دَمًا أسْوَدَ يُعْرَفُ - فإذا تَغَيَّرَ دَمُها وكان إلى الصُّفْرَةِ والرِّقَّة، فذلك دَمُ اسْتِحَاضَةٍ، فاغْتَسِلِى، وصَلِّى. وبهذا قال مالكٌ، والشَّافِعِىُّ. وقال أبو حنيفة: لا اعْتِبَارَ بالتَّمْيِيزِ، إنَّما الاعْتِبَارُ بالعادَةِ خاصَّةً؛ لِمَا رَوَتْ أُمُّ سَلَمَةَ، أنَّ امْرَأَةً كانَتْ تُهَرَاقُ (٥) الدِّمَاءَ على عَهْدِ رَسُول للَّه ﷺ فقَال: "لِتَنْظُرْ عِدَّةَ الأَيَّامِ وَاللَّيَالِى الَّتِى كانَتْ تَحِيضُهُنَّ قَبْلَ أنْ يُصِيبَها الَّذِى أصَابَها، فَلْتَتْرُكِ الصَّلاةَ قَدْرَ ذَلِكَ مِنَ الشَّهْرِ، فإذَا خَلَّفَتْ (٦) ذَلِكَ فَلْتَغْتَسِل، ثمَّ لتَسْتَثْفِرْ (٧) بثَوْبٍ، ثُمَّ لتُصَلِّ". رَوَاهُ أبو داوُد، والنَّسائِىُّ، وابنُ مَاجَه (٨). وهو أحدُ الأحادِيث الثَّلَاثَة التي قال الإِمَامُ أحمدُ:
стр. 449
إنَّ الحَيْضَ يَدُورُ عليها. ولَنا، ما رَوَتْ عائِشةُ، قالتْ: جاءتْ فاطمةُ بنتُ أبى حُبَيْشٍ إلى رسولِ اللَّه ﷺ فقالتْ: يا رسولَ اللهِ، إنِّي أُسْتَحَاضُ، فلا أَطْهُرُ، أفأَدَعُ الصَّلاةَ؟ فقال النَّبِىُّ ﷺ : "إنَّمَا ذَلِكَ عِرْقٌ، ولَيْسَ بالحَيْضَةِ، فَإذَا أقْبَلَتِ الْحَيْضَةُ فَاتْرُكِى الصَّلَاةَ، فَإذَا أَدْبَرَتْ فَاغْسِلى عَنْكِ الدَّمَ، وصَلِّى". مُتَّفَقٌ عليه (٩). ولِلنَّسائِىِّ وأبي داود: "إذَا كانَ دَمُ الحَيْض فإنَّهُ دَمٌ (١٠) أَسْوَدُ يُعْرَفُ، فأَمْسِكِى عَنِ الصَّلَاةِ، فإذَا كانَ الآخَرُ فَتَوَضَّئِى فَإنَّما هُوَ عِرْقٌ" (١١). وقال ابنُ عَبَّاسٍ: أمَّا ما رَأَتِ الدَّمَ البَحْرَانِىَّ فإنَّها تَدَعُ الصَّلاةَ. وقال: إنَّها واللهِ لن تَرَى الدَّمَ الذي هو الدَّمُ بعدَ أيَّامِ مَحِيضِهَا إلَّا كغُسَالَةِ ماء اللَّحْمِ. وحديثُ أُمِّ سَلَمة إنَّما يَدُلُّ على اعْتِبارِ العادِة، ولا نِزَاعَ فيه. وحَدِيثُ فَاطِمَةَ هو أحَدُ الثَّلَاثَةِ التي يَدُورُ عليها الحَيْضُ.
فصل: ظَاهِرُ كلامِ الْخِرَقِىِّ أنَّ المُمَيِّزَةَ إذا عَرَفَتِ التَّمْييزَ جَلَسَتْهُ مِن غيرِ اعْتِبارِ تَكْرارٍ. وهو ظاهِرُ كَلَامِ أحمدَ فِيما رَوَيْنَاهُ عنه. وكذلك قال ابْنُ عَقِيلٍ؛ لأنَّ مَعْنَى التَّمْيِيزِ أنْ يَتَمَيَّزَ أَحَدُ الدَّمَيْنِ عَن الآخَرِ في الصِّفَة، وهذا يُوجَدُ بأوَّلِ مَرَّةٍ. وبهذا قال الشَّافعىُّ. وقال القاضي وأبو الحسنِ الآمِدِىُّ: إنَّما تَجْلِسُ المُمَيِّزَةُ مِن التَّمْيِيزِ ما تَكَرَّرَ مَرَّتَيْن أوْ ثلاثًا، بِناءً على الرِّوايتَيْن، فِيما تَثْبُتُ به العادةُ. ولَنا، قولُ النَّبِيِّ ﷺ : "إذَا أقْبَلَتِ الْحَيْضَةُ فَاتْرُكِى الصَّلَاةَ، فَإذَا أدْبَرَتْ فَاغْسِلِى عَنْكِ الدَّمَ، وصَلِّى". أمَرَهَا بِتَرْكِ الصَّلاةِ إذا أقْبَلَتِ الْحَيْضَةُ مِن غيرِ اعْتِبَارِ أمْرٍ آخَرَ، ثُمَّ مَدَّهُ إلى حِينِ إدْبَارِه، ولأنَّ التَّمْيِيزَ أَمارةٌ بمُجَرَّدِه، فلم يَحْتَجْ إلى ضَمِّ غيرِه إليه، كالعادَةِ، وعند القاضي: إنَّمَا تَجْلِسُ مِن التَّمْيِيزِ ما وَافَقَ العادةَ؛ لأنَّه يَعْتبِرُ التَّكْرَارَ، ومتى تَكَرَّرَ صارَ عَادَةً.
стр. 450
فصل: فإنْ لم يكن الأسْوَدُ مُخْتَلِفًا، مِثْلَ أنْ تَرَى في كُلِّ شَهْرٍ ثَلاثةً أَسْوَدَ، ثم يَصِيرُ أَحْمَرَ، ويَعْبُر أكْثَرَ الحَيْضِ، فالأسْودُ وحدَه حَيْضٌ. ولو لم يَعْبُرْ أكثرَ الحَيْضِ كان جميعُ الدَّمِ حَيْضًا؛ لأنَّهُ دَمٌ أَمكَنَ أنْ يكونَ حَيْضًا، فكان حَيْضًا، كما لو كان كُلُّهُ أَحْمَرَ. وإنْ كان مُخْتَلِفًا، مِثْلَ أنْ تَرَى في الشَّهْرِ الأوَّلِ خَمْسَةً أَسْودَ، وفى الثَّانِى أرْبَعَةً، وفى الثَّالِثِ ثلاثةً، أو فِي الأوَّلِ خمسة، وفى الثانِى سِتَّة، وفى الثَّالثِ سَبْعَة، أوْ في الأوَّل خَمْسَة، وفى الثَّانى أرْبَعَة، وفى الثَّالِثِ سِتَّة، أو غيرَ ذلك مِن الاخْتِلَافِ؛ فعلى قَوْلِنا الأسْوَدُ حَيْضٌ في كُلِّ حالٍ، وعلى قَوْلِ القاضي الأسْوَدُ حَيْضٌ فِيمَا وَافَقَ العادَةَ فقط، وهو ثَلَاثٌ في الأُولَى، وخَمْسٌ في الثَّانِية، وأرْبَع في الثَّالثة، وما زاد عليه إنْ تَكَرَّرَ فهو حَيْضٌ، وإنْ لم يَتَكَرَّرْ فليس بِحَيْضٍ. وعلى قَوْلِه: لَا تْجلِسُ منه في الشَّهْرِ الأوَّلِ والثَّانِى إلَّا اليَقِينَ الذي تجلسُه مَنْ لا تَمْيِيزَ لها، فإنْ كانتْ مُبْتَدَأَةً لم تَجْلِسْ إلَّا يومًا وليلةً. وهل تَجْلِسُ الذي يَتَكَرَّرُ في الشهرِ الثَّالِثِ أو الرَّابِعِ؟ يَنْبَنِى على الرِّوَايَتَيْن فيما تَثْبُتُ به العادةُ، ويكونُ حُكْمُها حُكْمَ المُبْتَدَأَةِ التي تَرَى دَمًا لا يَعْبُرُ أكْثَرَ الحَيْضِ، الأحْمَرُ ههنا كالطُّهْرِ هناك، والأسودُ كالدَّمِ هناك. فإنْ كانتْ نَاسِيَةً، وكان الأسودُ في أثناءِ الشَّهْرِ، وقُلْنَا إنَّها تَجْلِسُ مِنْ أوَّلِ الشَّهْرِ، [جَلَست ههنا مِنْ أَوَّلِ الشَّهْرِ] (١٢) ما تَجْلِسُه النَّاسِيةُ وإنْ كان أحمرَ، ولا تَنْتَقِلُ إلى الأسودِ حتى يتَكَرَّرَ، فإذا تَكَرَّرَ انْتَقَلَتْ إليه، وعَلِمْنَا أنَّهُ حَيْضٌ، فتَقْضِى ما صَامَتْهُ مِن الفَرْضِ فيه.
فصل: فإن (١٣) رَأَتْ أسودَ بينَ أَحمريْن أو أحمرَ بين أسودَيْن، وانْقَطَعَ لِدُونِ أكْثَرِ الحَيْضِ، فالجميعُ حَيْضٌ إذا تَكَرَّرَ؛ لأنَّ الأحْمرَ أَشْبَهُ بالحَيْضِ مِن الطُّهْرِ. وإنْ عَبَرَ أكْثَرَ الحَيْضِ، وكاد الأسْوَدُ بمُفْرَدِهِ يَصْلُحُ أنْ يكونَ حَيضًا، فهو حَيْضٌ، والأحمرُ كُلُّهُ اسْتِحَاضَةٌ؛ لأنَّ الأحمرَ الأوَّلَ أشْبَهُ بالأحمرِ الثَّانِى الذي حَكَمْنَا بأنَّهُ اسْتِحَاضَةٌ، وتُلَفِّقُ الأسودَ إلى الأسودِ، فيكونُ حَيْضًا. ولا فَرْقَ بينَ كَوْنِ الأسودِ
стр. 451
قليلًا أو كثيرًا إذا كان بانْضِمَامِهِ إلى بَقِيَّةِ الأسودِ يَبْلُغُ أقَلَّ الحَيْضِ، ولا يَزِيدُ على أكثرِه، ولا يكونُ بينَ طَرَفَيْهِما زَمَنٌ يَزِيدُ على أكثرِ الحَيْضِ، وكذلِك لا فَرْقَ بينَ كَوْنِ الأحْمَرِ قليلًا أو كثيرًا إذا كان زَمَنُه يَصْلُحُ أنْ يكونَ طُهْرًا. فأمَّا إنْ كان زَمَنُه لا يَصْلُحُ أنْ يكونَ طُهْرًا، مِثْلَ الشَّىءِ اليَسِيرِ أو ما دُونَ اليومِ، على إحْدَى الرِّوَايَتَيْن، فإنَّه يُلْحَقُ بِالدَّمَيْن الذي هو بينهما؛ لأنَّهُ لو كان الدَّمُ مُنْقَطِعًا، لم يُحْكَمْ بكَوْنِه طُهْرًا، فإذا كانَ الدَّمُ جَارِيًا كان أَوْلَى، فلو رَأَتْ يومًا دَمًا أسودَ، ثم رأت الثَّانِىَ دَمًا أحمرَ، ثم رَأَتِ الثَّالِثَ أسودَ، ثم صارَ أحمرَ وعَبَرَ، لَفَّقَتِ الأسودَ إلى الأسود، فصارَ حَيْضُها يَوْمَيْنِ وبَاقِى الدَّمِ اسْتِحَاضَةٌ، وإنْ رَأتْ نِصْفَ يومٍ أسودَ، ثم صارَ أحمرَ، ثم رَأَتْ الثَّانِىَ كذلك، ثم رَأت الثَّالِثَ كُلَّهُ أسودَ، ثم صارَ أَحمرَ وعَبَرَ، فإنْ قُلْنا إنَّ الطُهْرَ يكونُ أَقَلَّ مِن يومٍ، لَفَّقَتِ الأسود إلى الأسودِ فكانَ حَيْضُها يومَيْن. وإنْ قُلْنا لا يكونُ أقَلَّ مِن يومٍ، فحَيْضُها الأَيَّامُ الثَّلاثةُ الأُوَلُ، والباقى اسْتِحَاضَةٌ. وإنْ رَأتْ نِصْفَ يومٍ أسْوَدَ، ثم صارَ أحمرَ وعبرَ (١٤) إلى العاشِرِ، ثم (١٤) رَأَتْهُ كُلَّه أسودَ، ثم صارَ أحمرَ، وعَبَرَ، فالأسودُ حَيْضٌ كُلُّه، ونِصْفُ اليومِ الأوَّل. ولو رَأَتْ بينَ الأسودِ وبينَ الأحمرِ نَقَاءً يومًا أو أكْثَرَ، لم يَتَغَيَّرِ الحُكْمُ الذي ذكَرْنَاه؛ لأنَّ الأَحمرَ مَحْكُومٌ بأنَّه اسْتِحَاضَةٌ، مع اتِّصَالِه بالأسود، فمع انْفِصَالِه عنه أَوْلَى.
فصل: إذا رَأَتْ في شهرٍ خمسةً أَسْوَدَ، ثم صارَ أحمرَ، واتَّصَلَ، وفى الثَّانِى كذلك، ثم صارَ الثَّالِثُ كُلُّه أحمرَ، ثم رَأَتْ في الرَّابعِ مِثْلَ الأوَّلِ، ثم رَأتْ في الخامِسِ خمسةً أحمرَ، ثم صَارَ أسودَ واتَّصَلَ، فحَيْضُها الأسودُ مِن الأوَّلِ والثَّانِى والرَّابِعُ. وأمَّا الثَّالِث والخامِس فلا تَمْيِيزَ لها فيهما؛ لأنَّ حُكْمَ الأسودِ في الخامِسِ سَقَطَ لِعُبُورِهِ. فإنْ قُلْنا العادَةُ تَثْبُتُ بِمَرَّتَيْن، جلَست ذلك مِنَ الأشْهُرِ الثَّلاثة، وهى الثَّالِثُ والرَّابعُ والخَامِسُ. وإنْ قُلْنا لا تَثْبُتُ إلَّا بِثَلَاثَةٍ، جلَست ذلك مِن الخَامِسِ، لأنَّها قد رَأَتْ ذلك في ثلاثةِ أشْهُرٍ. وقِيل: لا تَثْبُتُ لها عَادَةٌ، وتَجْلِسُ ما
стр. 452
تَجْلِسُه مِن (١٥) الخامِس مِن الدَّمِ الأسودِ؛ لأنَّه أشْبَهُ بِدَمِ الحَيْضِ.
فصل: إذا رَأَتْ في كُلِّ شهرٍ خمسةَ عشرَ يومًا دَمًا أسودَ، وخمسةَ عشرَ أحمرَ، فالأسودُ كُلُّهُ حَيْضٌ؛ لأنَّه يَصْلُحُ أن يكونَ حَيْضًا، وقد رَأَتْ فيه أمارَةَ الحَيْضِ، فيَثْبُتُ كَوْنُه حَيْضًا.
٩٣ - مسألة؛ قال: (فإنْ لَمْ يَكُنْ دَمُها مُنْفَصِلًا، وكانَتْ لَهَا أَيَّامٌ مِنَ الشَّهْرِ تعْرِفُهَا، أَمْسَكَتْ عَنِ الصَّلَاةِ فِيهَا، واغْتَسَلَتْ إذَا جَاوَزَتْهَا)
هذا القِسْمُ الثَّانِى: وهى مَنْ لها عادةٌ ولا تَمْيِيزَ لها؛ لِكَوْن دَمِهَا غيرَ مُنْفَصِلٍ، أي على صِفَةٍ لا تَخْتَلِفُ ولا يَتَمَيَّزُ بَعْضُهُ مِنْ بَعْضٍ، على مَا ذَكَرْنَاهُ فِي المُمَيِّزَةِ، وكذلك إنْ كان مُنْفَصِلًا إلَّا أنَّ الدَّمَ الذي يَصْلُح لِلْحَيْضِ دُونَ أقَلِّ الحَيْضِ أو فوقَ أكْثَرِه، فهذه لا تَمْيِيزَ لها. فإذا كانتْ لها عادةٌ قَبْلَ أنْ تُسْتَحَاضَ، جَلَسَتْ أيَّامَ عادَتِها، واغْتَسَلَتْ عِنْدَ انْقِضَائِها، ثم تَتَوَضَّأُ بعدَ ذلك لِوَقْتِ كُلِّ صَلَاةٍ، وتُصَلِّى. وبهذا قال أبو حنيفة، والشَّافِعِىُّ. وقال مَالِك: لا اعْتِبارَ بالعادَةِ، إنَّما الاعْتِبارُ بالتَّمْيِيزِ، فإنْ لم تَكُنْ مُمَيِّزة اسْتَطْهَرَتْ بعدَ زَمَانِ عادَتِها بثلاثةِ أيَّام، إنْ لم تُجاوِزْ خمسةَ عشرَ يومًا، [ثم هي] (١) بعدَ ذلك مُسْتَحَاضَةٌ. واحْتجَّ بحَدِيثِ فَاطِمَةَ الذي ذَكَرْنَاهُ. ولَنا، حَدِيثُ أُمِّ سَلَمَة، وقد رُوِىَ في حدِيثِ فَاطِمَةَ أنَّ النَّبِيَّ ﷺ قال لها: "دَعِى الصَّلَاةَ قَدْرَ الأَيَّامِ الَّتِى كُنْتِ تَحِيضِينَ فِيهَا، ثُمَّ اغْتَسِلِى، وصَلِّى". مُتَّفَقٌ عليه (٢)، وفى لَفْظٍ، قال: "فإذَا أقْبَلَت الحَيضَةُ فَاتْرُكِى الصَّلَاةَ، فإذَا ذَهَبَ قَدْرُها فَاغْسِلِى عَنْكِ الدَّمَ، وصَلِّى". مُتَّفَقٌ عليه (٢). ورَوَتْ أمُّ حَبِيبَةَ (٣)، أنَّها سَألتِ النَّبِىَّ ﷺ عن الدَّمِ؟ فقال لها [رسولُ اللَّه ﷺ ] (٤): "امْكُثِى قَدْرَ مَا كانَتْ
стр. 453
تَحْبِسُكِ حَيضَتُكِ، ثُمَّ اغْتَسِلِى، وصَلَّى". رَوَاهُ مُسْلِمٌ (٥). ورَوَى عَدِىُّ بنُ ثابِتٍ عن أبيه، عن جَدِّه، عن النَّبِىِّ ﷺ (٦) فِي المُسْتَحَاضةِ: "تَدَعُ الصَّلَاةَ أيَّامَ أقْرائِها، ثُمَّ تَغْتَسِلُ، وتَصُومُ، وتُصَلِّى، وتَتَوَضَّأُ عِنْدَ كُلِّ صَلَاةٍ". أخْرَجَه أبو داوُد والتِّرْمِذِىُّ (٧). ولا حُجَّةَ له في الحديثِ على تَرْكِ العادة في (٨) حَقِّ مَنْ لا تَمْيِيزَ لها.
فصل: ولا يَخْتَلِفُ المذهبُ في (٨) أنَّ العادةَ لا تَثْبُتُ بِمَرَّةٍ، وظاهِرُ مذهبِ الشَّافِعِيِّ أنَّها تَثْبُتُ بِمَرَّةٍ. وقال بعضُهُم: تَثْبُتُ بِمَرَّتَيْن؛ لأنَّ المَرْأَةَ (٩) التي اسْتَفْتَتْ لها أمُّ سَلَمَة رَسُولَ اللهِ ﷺ رَدَّهَا إلَى الشَّهْرِ الذِى يَلِى شَهْرَ الاسْتِحاضةِ، ولِأنَّ ذلِك أقْرَبُ إليها، فوَجَبَ رَدُّها إليه. ولَنا، أنَّ العادةَ مَأْخُوذَةٌ مِنَ المُعاوَدَةِ، ولا تَحْصُلُ المُعَاوَدَةُ بِمَرَّةٍ واحِدةٍ، والحَدِيثُ حُجَّةٌ لنا؛ لأنَّه قال: "لِتَنْظُرْ عِدَّةَ اللَّيَالِى والأيامِ الَّتِى (١٠) كَانَتْ (١١) تَحِيضُهُنَّ مِنَ الشَّهْرِ قَبْلَ أنْ يُصِيبهَا الَّذِى أَصَابَها". و"كان" يُخْبَرُ بها عن دَوَامِ الفِعْلِ وتَكْرَارِه، ولا يَحْصُلُ ذلك بِمَرَّةٍ، ولا يُقَالُ لِمَنْ فَعَلَ شَيْئًا مَرَّةً: كان يَفْعَل. وفى الحَدِيثِ الآخَرِ: "تَدَعُ الصَّلَاةَ أيَّامَ أقْرَائِها". والأقْرَاءُ جَمْعٌ، وأقَلُّه ثلاثَةٌ، وسَائِرُ الأحاديثِ الدَّالَّة على العادةِ تَدُلُّ على هذا، ولا نَفْهَمُ مِن اسْمِ العادةِ فِعْلَ مَرَّةٍ بِحَالٍ. واخْتَلَفَتِ الرِّوَايَةُ: هل تَثْبُتُ بِمَرَّتَيْن أو ثلاث؟ فعنهُ أنَّها تَثْبُتُ بِمَرَّتَيْن؛ لأنَّها مَأْخُوذَةٌ مِن المُعَاوَدَةِ، وقد عَاوَدَتْهَا في المَرَّةِ الثَّانِيَةِ. وعنه لا تَثْبُتُ إلَّا بثلاث؛ لِظاهِرِ الأحاديثِ، ولأنَّ
стр. 454
العادةَ لا تُطْلَقُ إلَّا على ما كَثُرَ، وأقَلُّهُ ثلاثة؛ ولأنَّ أكْثَرَ ما يُعْتَبَرُ له التَّكْرَارُ اعْتُبِرَ ثلاثًا، كأيَّامِ الخِيارِ في المُصَرَّاةِ.
فصل: وتَثْبُتُ العادةُ بالتَّمْيِيزِ، فإذا رَأتْ دَمًا أسودَ خمسةَ أيَّامٍ في ثَلاثةِ أشْهُرٍ أو شهرَيْن علَى الرِّوَايَةِ الأُخْرَى، ثم صارَ أحمرَ، واتَّصَلَ، ثُمَّ صارَ في سائرِ الأشْهُرِ دَمًا مُبْهَمًا، كانتْ عادتُها زَمَنَ الدَّمِ الأسودِ.
فصل: والعادَةُ على ضَرْبَيْن: مُتَّفِقَةٍ، ومُخْتَلِفةٍ، فالمُتَّفِقَةُ أنْ تكونَ أيَّامًا مُتَساوِيةً، كأرْبعةٍ في كُلِّ شَهْرٍ، فإذا اسْتُحِيضَتْ جَلَسَت الأرْبعةَ فقط، وأمَّا المُخْتَلِفَةُ فإنْ كانت على تَرْتِيبٍ، مِثْلَ إنْ كانتْ ترى في شهرٍ ثلاثةً، وفِي الثانِى أربعةً، وفى الثَّالِثِ خمسةً، ثم تَعُودُ إلى ثلاثةٍ، ثم إلى أرْبعةٍ على ما كانتْ، فهذه إذا اسْتُحِيضَتْ في شَهْرٍ، فعَرَفَتْ نَوْبَتَه عَمِلَتْ عليه، ثم على الذي بَعْدَه، ثم على الذي بَعْدَهُ، ثم (١٢) على العادَةِ. وإنْ نَسِيَتْ نَوْبَتَه حَيَّضْناها اليَقِينَ، وهو ثلاثةُ أيَّامٍ، ثم تَغْتَسِلُ، وتُصَلِّى بَقِيَّةَ الشَهْرِ. وإنْ أيْقَنَتْ أنَّه غيرُ الأوَّلِ، وشَكَّتْ؛ هل هو الثَّانى أو الثَّالِث؟ جَلَسَتْ أرْبعةً؛ لأنَّها اليَقِينُ، ثم تَجْلِسُ مِن الشَّهْرَيْنِ الآخَرَيْنِ ثلاثةً ثلاثةً، ثم تَجْلِسُ في الرَّابعِ أرْبَعةً، ثم تَعُودُ إلى الثَّلاثةِ كذلك أبدًا، ويُجْزِئُها غُسْلٌ وَاحِدٌ عِنْدَ انْقِضَاءِ المُدَّةِ التي جلستْها، كالنَّاسِيَةِ إذا جلستْ أقَلَّ الحَيْضِ؛ لأنَّ ما زاد على اليَقِينِ مَشْكُوكٌ فيه، فلا نُوجِبُ عليها الغُسْلَ بالشَّكِّ، ويَحْتَمِلُ وُجُوبُ الغُسْلِ عليها أيضًا عِنْدَ مُضِىِّ أكثَرِ عادَتِها؛ لأنَّ يَقِينَ الحَيْضِ ثَابِتٌ، وحُصُولُ الطَّهارَةِ بالغُسْلِ مَشْكُوكٌ فيه، فلا نَزُولُ عن اليَقِينِ بالشَّكِّ، ولأنَّ هذه مُتَيَقِّنَةٌ وُجُوبَ الغُسْلِ عليها في أحَدِ الأيَّامِ الثَّلَاثَةِ في اليومِ الخامِسِ، وقد اشْتَبَهَ عليها، وصِحَّةُ صلاتِها تَقِفُ على الغُسْلِ، فَيَجِبُ عليها لِتَخْرُجَ على العُهْدَةِ بِيَقِينٍ، كَمَنْ نَسِىَ صلاةً مِنْ يَومٍ لا يَعْلَمُ عَيْنَها. وهذا الوَجْهُ أصَحُّ لِما ذَكَرْنَا، وتُفَارِقُ النَّاسِيَةَ، فإنَّها لا تَعْلَمُ لها حَيْضًا زَائِدًا على ما جَلَسَتْهُ، وهذه تَتَيَقَّنُ لها حَيْضًا زَائِدًا على ما جَلَسَتْه تَقِفُ صِحَّةُ صَلَاتِها على غُسْلِهَا منه، فوَجَبَ ذلك، فعلى هذا يَلْزَمُهَا غُسْلٌ ثَانٍ،
стр. 455
عَقِيبَ اليَوْمِ الخامِسِ في كُلِّ شَهْرٍ، وإنْ جَلَسَتْ في رمضان ثلاثةَ أيَّامٍ، قَضَتْ خمسةَ أيَّامٍ؛ لأنَّ الصَّوْمَ كان في ذِمَّتِها، ولا نعلمُ أنَّ اليَوْمَيْنِ اللَّذَيْن صامَتْهما أسْقَطَا (١٣) الفَرْضَ مِن ذِمَّتِها، فيَبْقَى على الأصْلِ، ويَحْتَمِلُ أنْ يَلْزَمَها في كُلِّ شَهْرٍ ثلاثةُ أغْسَالٍ: غُسْلٌ عَقِيبَ (١٤) اليومِ الثَّالِثِ، وغُسْلٌ عَقِيبَ الرَّابِع، وغُسْلٌ عَقِيبَ الخامِسِ؛ لأنَّ عَليها عَقِيبَ الرَّابعِ غُسْلًا في أحَدِ الأشْهُرِ، وكُلُّ شَهْرٍ يَحْتَمِلُ أنْ يكونَ هو الشَّهْرَ الذي يَجِبُ الغُسْلُ فِيهِ بَعْدَ الرَّابِعِ، فيلزَمُها ذلك كما قُلْنا في الخامِسِ. وإنْ كان الاخْتِلَافُ على غيرِ تَرْتِيبٍ، مِثْل أنْ تَحِيضَ مِنْ شَهْرٍ ثلاثةً، ومِن الثَّانِى خمسةً، ومِن الثَّالِثِ أربعةً، وأشْبَاهَ ذلك، فإنْ كان هذا يُمْكِنُ ضَبْطُه ويَعْتَادُها على وَجْهٍ لا يَخْتَلِفُ، فالحُكمُ فيه كالذى قَبْلَه. وإنْ كان غيرَ مَضْبُوطٍ، جَلَسَت الأقلَّ مِنْ كُل شَهْرٍ، وهى الثَّلَاثَةُ إنْ لم يكنْ لها أقَلُّ مِنْها، واغْتَسَلَتْ عَقِيبَه. وذكر ابْنُ عَقِيلٍ في هذا ال فَصْلِ ، أنَّ قِياسَ المذهبِ أنَّ فيه رِوَايةً ثانِيَةً، وهى إجْلَاسُها أكْثَرَ عادَتِها في كُلِّ شَهْرٍ، كالنَّاسِيَةِ لِلعَدَدِ، تَجْلِسُ أكْثَرَ الحَيْضِ. وهذا لَا يَصِحُّ، إذْ فيه أمْرُها بِتَرْكِ الصَّلَاةِ، وإسْقَاطُها عنها مع يَقِينِ وُجُوبِها عليها، فإنَّنَا متى أمَرْنَاها بِتَرْكِ الصَّلَاةِ خمسةَ أيَّامٍ في كُلِّ شَهْرٍ، ونَحْنُ نَعْلَمُ وُجُوبَها عليها في يَوْمَيْنِ منها في شَهْرٍ، وفى يَوْمٍ في شَهْرٍ آخَرَ، فقد أمَرْنَاها بِتَرْكِ الصَّلَاةِ الوَاجِبَةِ يقينًا، فلا يَحلُّ ذلك، ولا تَسْقُطُ الصَّلَاةُ الوَاجِبَةُ بالاشْتِبَاهِ، كَمَنْ نَسِىَ صَلَاةً مِنْ يَوْمٍ لا يَعْلَمُ عَيْنَها، وفارَقَ (١٥) النَّاسِيَةَ، فإنَّنا لا نَعْلَمُ عليها صَلَاةً وَاجِبَةً يَقِينًا، والأصْلُ بَقَاءُ الحَيْضِ، وسُقُوطُ الصَّلَاةِ، فَتَبْقَى عليه.
فصل: ولا تكونُ المَرْأَةُ مُعْتَادَةً حتى تَعْرِفَ شَهْرَها، ووَقْتَ حَيْضِهَا وطُهْرِها. وشَهْرُ المَرْأةِ عِبَارَةٌ عن المُدَّة التي لها فيها حَيْضٌ وطُهْرٌ، وأقَلُّ ذلك أربعةَ عشرَ يَوْمًا، تَحِيضُ يومًا، وتَطْهُرُ ثلاثَة عشرَ. وإنْ قُلْنَا: أقَلُّ الطُّهْرِ خمسةَ
стр. 456
عشرَ يَومًا، فأقْصَرُ ما يكونُ الشَّهْرُ سِتَّةَ عشرَ يومًا، وأكثرهُ لا حَدَّ له (١٦)؛ لِكَوْنِ أكْثَرِ الطُّهْرِ لا حَدَّ له، والغَالِبُ أنَّه الشَّهْرُ المعروفُ بينَ النَّاسِ، فإذا عَرَفَتْ أنَّ شَهْرَها ثلاثون يومًا، وأنَّ حَيْضَها منه خمسةُ أيَّامٍ، وطُهْرَها خمسةٌ وعشرون، وعَرَفَتْ أوَّلَه، فهى مُعْتَادَةٌ، وإنْ عَرَفَتْ أيَّامَ حَيْضِها، وأيَّامَ طُهْرِها، فقد عَرَفَتْ شهرَها، وإنْ عَرَفَتْ أيَّامَ حَيْضِها ولم تَعْرِف أيَّامَ طُهْرِها، أو أيَّامَ طُهْرِها ولم تَعْرِفْ أيَّامَ حَيْضِها، فليستْ مُعْتَادَةً، لكنَّها متى جَهِلَتْ شهرَها، رَدَدْنَاها إلى الغالِبِ، فحيَّضْناها مِنْ كُلِّ شَهْرٍ حَيْضَةً، كما رَدَدْنَاها في عَدَدِ أيَّامٍ الحَيْضِ إلى سِتٍّ أو إلى سَبْعٍ، لِكَوْنِهِ الغَالِبَ.
فصل: القِسْمُ الثَّالِث مِن أقسامِ المُسْتَحَاضَةِ: مَنْ لها عادَةٌ وتَمْيِيزٌ، وهى مَنْ كانتْ لها عَادَةٌ فاسْتُحِيضَتْ، ودَمُها مُتَمَيِّزٌ، بعضُه أسودُ وبعضُه أحمرُ، فإنْ كان الأسودُ في زَمَنِ العادَةِ فقد اتفَقَتِ العادَةُ والتَّمْيِيزُ في الدَّلالةِ، فيُعْمَلُ بهما. وإنْ كان أكْثَرَ مِن العادَةِ أو أقَلَّ ويصْلُحُ أنْ يكونَ حَيْضًا، ففيه رِوايتَان: إحْدَاهُما، يُقَدَّمُ التَّمْيِيزُ، فيُعْمَلُ به، وتدَعُ العادَةَ، وهو ظاهِرُ كلامِ الْخِرَقِىِّ؛ لِقَولِه: "فَكَانَتْ مِمَّنْ تُمَيِّزُ تَرَكَتِ الصَّلَاةَ في إقْبَالِهِ". ولم يُفَرِّقْ بينَ مُعْتَادَةٍ وغيرِها. واشْتَرَطَ في رَدِّها إلى العادَةِ أنْ لا يكونَ دَمُها مُنْفَصِلًا (١٧)، وهو ظاهِرُ مذهبِ الشَّافِعِىِّ؛ لأنَّ صِفَةَ الدَّمِ أمَارَةٌ قَائِمَةٌ به، والعادَةُ زَمَانٌ مُنْقَضٍ، ولأنَّه خَارِجٌ يُوجِبُ الغُسْلَ، فرَجَعَ إلى صِفَتِهَ عندَ الاشْتِبَاهِ كالمَنِىِّ. وظَاهِرُ كلامِ أحمدَ اعْتِبَارُ العادَةِ. وهو قَوْلُ أكْثَرِ الأصْحَابِ؛ لأنَّ النَّبِىَّ ﷺ رَدَّ أُمَّ حَبِيبَةَ، والمَرْأةَ الَّتِى اسْتَفْتَتْ لها أُمُّ سَلَمَة، إلى العادَةِ، ولم يُفَرِّقْ ولم يَسْتَفْصِلْ بينَ كَوْنِها مُمَيِّزَةً أو غيرَها، وحديثُ فاطمةَ قد رُوِىَ فيه رَدُّها إلى العادَةِ، وفى لَفْظٍ آخَرَ رَدُّها إلى التَّمْيِيزِ، فتعارَضَتْ رِوَايتاهُ (١٨)، وبَقِيت الأحادِيثُ الباقِيَةُ خَالِيةً عن مُعَارِض، فيَجِبُ العَمَلُ بها. على أنَّ حديثَ
стр. 457
فاطمةَ قَضِيَّةٌ في (١٩) عَيْنٍ، وحِكَايَةُ حَالٍ، يَحْتَمِلُ أنَّها أخْبَرَتْهُ أنَّها لا عادَةَ لها، أو عَلِمَ ذلك مِنْ غَيْرِها، أو قَرِيَنةِ حَالِها، وحَدِيثُ عَدِيٍّ بنِ ثَابِتٍ عَامٌّ في كُلِّ مُسْتَحَاضَةٍ، فيكونُ أوْلَى، ولِأنَّ العادَةَ أقْوَى؛ لِكَوْنِها لا تَبْطُلُ دَلَالَتُها، واللَّوْنُ إذا زَادَ على أكْثَرِ الحَيْضِ، بَطَلَتْ دَلَالَتُه، فما لا تَبْطُلُ دَلَالَتُه أقْوَى وأَوْلَى.
فصل: ومَنْ كان حَيْضُها خمسةَ أيَّامٍ مِنْ أوَّلِ كُلِّ شهرٍ، فاسْتُحِيضَتْ، وصارتْ تَرَى ثلاثةَ أيَّامٍ دَمًا أسودَ في أَوَّلِ كُلِّ شهرٍ، فمَنْ قَدَّمَ العادَةَ قال: تَجْلِسُ خمسةً في كُلِّ شهرٍ، كما كانتْ تَجْلِسُ قبلَ الاسْتِحَاضَةِ. ومَنْ قَدَّمَ التَّمْيِيزَ جعل (٢٠) حَيْضَها الثَّلَاثَةَ التي تَرَى الدَّمَ (٢٠) الأسودَ فيها، إلَّا أنَّها لا تَتْرُك الصَّلاةَ في الشَّهْرِ الأوَّلِ فيما زادَ على الثَّلَاثَةِ؛ لأنَّا لا نَعْلَمُ أنَّها مُسْتَحَاضَةٌ إلَّا بِتَجَاوُزِ الدَّمِ أكْثَرَ الحَيْضِ، ولا نَعْلَمُ ذلك في الشَّهْرِ الأوَّلِ، فإذا عَبَرَ الدَّمُ أكْثَرَ الحَيْضِ في الشَّهْرِ الأوَّلِ عَلِمْنَا أنَّهُ اسْتِحَاضَةٌ. فلا تَجْلِسُ في الثَّانِى ما زاد على الدَّمِ الأسودِ. فإنْ رَأَتْ في كُلِّ شهرٍ عشرةً دَمًا أسودَ، ثم صارَ أحمرَ واتَّصَلَ، فمَنْ قال: إنَّها لا تَلْتَفِتُ إلى ما زاد على العادَةِ حتى تَتَكَرَّرَ. لم يُحَيِّضْها في الشَّهْرَيْنِ الأوَّلَيْنِ أو الثَّلَاثةِ إلَّا خمسةً، قَدْرَ عادَتِها. ومَنْ قال: إنَّها إذا زَادَتْ على العَادَةِ جَلَسَتْهُ بِأَوَّلِ مَرَّةٍ. أجْلَسَها في الشهرِ الأوَّلِ خمسةَ عشرَ يومًا، ثم تَغْتَسِلُ وتُصَلِّى، وفى الثَّانِى تَجْلِسُ أيَّامَ العادَةِ، وهى الخمسةُ الأُولَى مِن الشهرِ عندَ مَنْ يُقَدِّمُ العادَةَ على التَّمْيِيزِ، ومَنْ قَدَّمَ التَّمْيِيزَ ولم (٢١) يَعْتَبِرْ فيه التَّكرارَ، أجْلَسَها العشرةَ كُلَّهَا. فإذا تَكَرَّرَ ثلاثةَ أَشْهُرٍ على هذا الوَصْفِ، فقال القاضي: تَجْلِسُ العشرةَ في الشهرِ الرَّابِعِ، على الرِّوَايَتَيْنِ جَمِيعًا؛ لأنَّ الزِّيَادَةَ على العادَةِ تَثْبُتُ بِتَكَرُّرِ الأسودِ. ويَحْتَمِلُ أنْ لا تَجْلِسَ زِيَادَةً على عادَتِها على قَوْلِ مَنْ يُقَدِّمُ العادَةَ على التَّمْيِيزِ؛ لأنَّا لو جَعَلْنا الزَّائِدَ على العادَةِ مِن التَّمْيِيزِ حَيْضًا بِتَكَرُّرِهِ، لَجَعَلْنَا النَّاقِصَ عنها اسْتِحَاضَةً بِتَكَرُّرِه، فكانتْ لا تَجْلِسُ
стр. 458
فيما إذا رَأتْ ثلاثةً أسودَ ثم صارَ أحمرَ، أكْثَرَ مِن الثلاثةِ، والأمْرُ بِخِلافِ ذلك.
فصل: فإنْ كان حَيْضُها خَمْسًا مِنْ أوَّلِ شهرِها (٢٢) فَاسْتُحِيضَتْ، فصارتْ تَرَى خَمْسًا (٢٣) أسودَ ثم يَصِيرُ أحمرَ، ويَتَّصِلُ، فالأسودُ حَيْضٌ بِلا خِلَافٍ؛ لِمُوافَقَتِه زَمَنَ العادَةِ والتَّمْيِيزِ، وإنْ رأتْ مَكانَ الأسودِ أحمرَ، ثم صارَ أسودَ، وعَبَرَ، سَقَطَ حُكْمُ الأسودِ؛ لِعُبُورِهِ أكْثَرَ الحَيْضِ، وكان حَيْضُها الأحمرَ؛ لِمُوَافَقَتِه زَمَنَ العادَةِ. وإنْ رأتْ مَكانَ العادَةِ أحمرَ، ثم خمسةً أسودَ، ثم صارَ أحمرَ واتَّصَلَ، فمَنْ قَدَّمَ العادَةَ حَيَّضَها أيَّامَ العادَةِ. وإذا تَكَرَّرَ الأسودُ، فقال القاضي: يَصِيرُ حَيْضًا. وأمَّا مَنْ يُقَدِّمُ التَّمْيِيزَ، فإنَّه يَجْعَلُ الأسودَ وَحْدَهُ حَيْضًا.
٩٤ - مسألة؛ قال: (فإنْ كانتْ لَهَا أَيَّامٌ أُنسِيَتْهَا، فإنَّهَا تَقْعُدُ سِتًّا أوْ سَبْعًا في كُلِّ شَهْرٍ)
هذه مِن القسمِ الرَّابِعِ مِنْ أقسامِ المُسْتَحَاضَةِ، وهى مَنْ لا عادَة لها ولا تَمْيِيزَ، وهذا القِسْمُ نَوْعَان: أحَدُهُما النَّاسِيَةُ، ولها ثلاثةُ أحْوَالٍ: أحَدُها، أنْ تكونَ نَاسِيةً لِوَقْتِها وعَدَدِها، وهذه يُسَمِّيها الفُقَهَاءُ المُتَحَيِّرَةَ. والثَّانِيَةُ، أنْ تَنْسَى عددَها، وتَذْكُرَ وَقْتَها. والثَّالِثَةُ، أنْ تَذْكُرَ عَدَدَها، وتَنْسَى وَقْتَها.
فالنَّاسِيَةُ لهما، هي التي ذَكَرَ الْخِرَقِىُّ حُكْمَها، وأنَّها تَجْلِسُ في كُلِّ شهرٍ سِتَّةَ أيَّامٍ أو سَبْعَة، يكونُ ذلك حَيْضُها، ثم تَغْتَسِلُ، وهى فيما بعدَ ذلك مُسْتَحَاضَةٌ، تَصُومُ وتُصَلِّى وتَطُوفُ. وعن أحمدَ: أنَّهَا تَجْلِسُ أقَلَّ الحَيْضِ، ثم إنْ كانتْ تَعْرِفُ شَهْرَها، وهو مُخَالِفٌ لِلشَّهْرِ المَعْرُوفِ، جَلَسَتْ ذلك مِن شهرِها، وإنْ لم تَعْرِفْ شهرَها، جَلَسَتْ مِن الشهرِ المَعْرُوفِ، لأنَّهُ الغَالِبُ. وقال الشَّافِعِىُّ في النَّاسِيَةِ لهما: لا حَيْضَ لها بِيَقِينٍ، وجَمِيعُ زَمَنِها مَشْكُوكٌ فيه، تَغْتَسِلُ لِكُلِّ صَلَاةٍ، وتُصَلِّى وَتصُومُ، ولا يَأْتِيها زَوْجُها. وله قَوْلٌ آخَرُ، أنَّها تَجْلِسُ اليَقِينَ. وقال بعضُ أصْحَابِه: الأوَّلُ أَصَحُّ؛ لأنَّ هذه لها أيَّامٌ مَعْرُوفَةٌ، ولا يُمْكِنُ رَدُّها إلى
وتُصَلِّينَ الظُهْرَ والعَصْرَ جَمِيعًا، ثُمَّ تُؤَخِّرِينَ المَغْرِبَ وتُعَجِّلِينَ العِشَاءَ، ثُمَّ تَغْتَسِلِينَ وتَجْمَعِينَ بَيْنَ الصَّلَاتَيْنِ، وتَغْتَسِلِينَ لِلصُّبْحِ، فَافْعَلِى، وصُومِى إنْ قَوِيتِ عَلَى ذَلِكَ". وقال (٨) رسولُ اللهِ ﷺ : "وَهُوَ أَعْجَبُ الأَمْرَيْنِ إلَىَّ". رَوَاهُ أبو داود، والتِّرْمِذِىُّ (٩)، وقال: هذا حديثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ. قال: وسَأَلْتُ محمدًا (١٠) عنه، فقال: هو حَدِيثٌ حَسَنٌ (١١). وحَكىَ ذلك عن أحمدَ أيضًا. وهو بِظَاهِرِه يُثبِتُ الحُكْمَ في حَقِّ النَّاسِيَةِ؛ لأنَّ النَّبِىَّ ﷺ لم يَسْتَفْصِلْها، هل هىَ مُبْتَدَأَة أو نَاسِيَة؟ ولو افْتَرَقَ الحالُ لاسْتَفْصَلَ وسَأَلَ. واحْتِمَالُ أنْ تكونَ نَاسِيَةً أكْثرُ، فإنَّ حَمْنَةَ امْرَأَةٌ كَبِيرَةٌ، كذلك قال أحمدُ. ولم يَسْأَلْها النَّبِىُّ ﷺ عن تَمْيِيزِها؛ لأنَّه قد جرى مِنْ كَلَامِها، مِنْ تَكْثِيرِ الدَّمِ وصِفَتِه ما أَغْنَى عن السُّؤَالِ عنه، ولم يَسْألْها هل لها عَادَةٌ فَيَرُدُّهَا إليها؟ لاسْتِغْنَائِهِ عن ذلك، لِعِلْمِه إيَّاهُ، إذ كان مُشْتَهَرًا، وقد أمَرَ به أُخْتَها أُمَّ حَبِيبةَ، فلم يَبْقَ إلَّا أن تكونَ نَاسِيَةً، ولأنَّ (١٢) لها حَيْضًا لا تَعْلَمُ قَدْرَه، فيُرَدُّ إلى غالِبِ عاداتِ النِّسَاءِ، كالمُبْتَدَأةِ، ولأنَّها لا عادَةَ لها ولا تَمْيِيزَ، فأَشْبَهَتِ المُبْتَدَأَةَ. وقوْلُهم: لها أيَّامٌ مَعْرُوفَةٌ. قُلْنا: قد زَالَتِ المَعْرِفَةُ، فصارَ وُجُودُها كعَدَمِها (١٣). وأمَّا أمْرُهُ (١٤) أُمَّ حَبِيبةَ بالغُسْلِ لِكُلِّ صَلَاةٍ، فإنَّما هو نَدْبٌ، كأمْرِه لِحَمْنَةَ في هذا الخَبَر، فإنَّ أمَّ حَبِيبةَ كانتْ مُعْتَادَةً رَدَّهَا إلى عَادَتِها، وهى التي اسْتَفْتَتْ لها أُمُّ سَلَمَةَ، على أنَّ حَدِيثَ أُمِّ حَبِيبةَ إنَّمَا رُوِىَ عن الزُّهْرِىِّ، وأنْكَرَهُ اللَّيْثُ بنُ سَعْدٍ، فقال: لم يَذْكُرْ ابنُ شِهَابٍ أنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ أمَرَ أُمَّ حَبِيبةَ أنْ تَغْتَسِلَ لِكُلِّ صلاةٍ، ولكنَّه شيءٌ فَعَلَتْه هي.