لأنَّها لا تُمْلَكُ بالإِحْياءِ. والصَّحِيحُ جَوَازُ ذلك؛ لأنَّ النبيَّ ﷺ أقْطعَ لِبلَالِ بن الحارِثِ مَعَادِنَ الْقَبَلِيَّةِ، جَلْسِيَّهَا وغوْرِيَّهَا (١٦). [رواه أبو داوُدَ، وغيرُه] (١٧).
فصل: ومن أحْيَا أرْضًا، فمَلَكَها بذلك، فظَهَرَ فيها مَعْدِنٌ، مَلَكَهُ ظاهِرًا كان أو باطِنا، إذا كان من المَعَادِنِ الجامِدَةِ؛ لأنَّه مَلَكَ الأرْضَ بجَمِيعِ أجْزَائِها وطَبَقاتِها، وهذا منها. ويُفَارِقُ الكَنْزَ؛ فإنَّه مُودَعٌ فيها، وليس من أجْزَائِها. ويُفَارِقُ ما إذا كان ظاهِرًا قبلَ إحْيائِها؛ لأنَّه قَطَعَ عَن المسلمين نَفْعًا كان واصِلًا إليهم، ومَنَعَهُم انْتِفاعًا كان لهم، وههُنا لم يَقْطَعْ عنهم شيئًا؛ لأنَّه إنَّما ظَهَرَ بإظْهَارِه له. ولو تَحَجَّرَ الأرْضَ، أو أُقْطِعَها، فظَهَرَ فيها المَعْدِنُ قبلَ إحْيائِها، لَكان له إحْيَاؤُها، ويَمْلِكُها بما فيها؛ لأنَّه صارَ أحَقَّ به بِتَحَجُّرِه وإقْطاعِه، فلم يَمْنَعْ من إتْمامِ حَقِّه. وأما المَعَادِنُ الجارِيَةُ، كالقَارِ، والنِّفْطِ، والماءِ، فهل يَمْلِكُها مَنْ ظَهَرَتْ في مِلْكِه؟ فيه رِوَايَتانِ؛ أظْهَرُهما، لا يَمْلِكُها؛ لقولِ النبيِّ ﷺ : "النَّاسُ شُرَكَاءُ في ثَلَاثٍ: فِي الْمَاءِ، والْكَلَإِ، والنَّارِ" (١٨). رَوَاهُ الخَلَّالُ. ولأنَّها ليستْ من أجْزاءِ الأرْضِ، فلم يَمْلِكْها بمِلْكِ الأرْضِ، كالكَنْزِ. والثانية، يَمْلِكُها؛ لأنَّها خَارِجَةٌ من أرْضِه المَمْلُوكةِ له، فأشْبَهَتِ الزَّرْعَ والمَعَادِنَ الجامِدَةَ.
فصل: ولو شَرَعَ إنْسانٌ في حَفْرِ مَعْدِنٍ، ولم يَصِلْ إلى النَّيْلِ، صارَ أحَقَّ به، كالمُتَحَجِّرِ الشارِعِ في الإِحْياءِ، فإذا وَصَلَ إلى النَّيْلِ صارَ أحَقَّ بالأخْذِ منه، ما دام مُقِيمًا على الأخْذِ منه، وهل يَمْلِكُه بذلك؟ فيه ما قد ذَكَرْنا من قبلُ. وإن حَفَرَ آخَرُ من ناحِيَةٍ أخرى، لم يكُنْ له مَنعُه. وإذا وَصَلَ إلى ذلك العِرْقِ، لم يكُنْ له مَنْعُه، سواءٌ
стр. 3957
قُلْنا: إنَّ المَعْدِنَ يُمْلَكُ بِحَفْرِه. أو لم نَقُلْ؛ لأنَّه إن مَلَكَه، فإنَّما يَمْلِكُ المَكانَ الذي حَفَرَه، وأمَّا العِرْقُ الذي في الأرْضِ فلا يَمْلِكُه بذلك. ومَنْ وَصَلَ إليه من جِهَةٍ أخرى، فله أخْذُه. ولو ظَهَرَ في مِلْكِه مَعْدِنٌ، بحيثُ يَخْرُجُ النَّيْلُ عن أرْضِه، فحَفَرَ إنْسانٌ من خارِجِ أرْضِه، كان له أن يَأْخُذَ ما خَرَج عن أرْضِه منه؛ لأنَّه لم يَمْلِكْه، إنَّما مَلَكَ ما هو من أجْزاءِ أرْضِه، وليس لأحَدٍ أن يَأْخُذَ ما كان داخِلًا في أرْضِه منَ أجْزَاءِ الأرْضِ الباطِنَةِ، كما لا يَمْلِكُ أخْذَ أجْزَائِها الظاهِرَةِ. ولو حَفَرَ كافِرٌ في دارِ الحَرْبِ مَعْدِنًا، فوَصَلَ إلى النَّيْلِ، ثم فَتَحَها المسلمون عَنْوةً، لم تَصِرْ غَنِيمَةً، وكان وُجُودُ عَمَلِه وعَدَمُه واحِدًا؛ لأنَّ عامِرَه لم يَمْلِكْهُ بذلك، ولو مَلَكَه فإنَّ الأرْضَ كلها تَصِيرُ وَقْفًا لِلمسلمين، وهذا يَنْصَرِفُ إلى مَصْلَحةٍ من مَصَالِحِهم، فتُعَيَّنُ لها، كما لو ظَهَرَ بفِعْلِ اللهِ تعالى.
فصل: ولو كان في المَوَاتِ مَوْضِعٌ يُمْكِنُ أن يَحْدُثَ فيه مَعْدِنًا ظَاهِرًا، كمَوْضِعٍ على شاطئِ (١٩) البَحْرِ، إذا صارَ (٢٠) فيه ماءُ البَحْرِ صارَ مِلْحَا، مُلِكَ بالإِحياءِ، وجازَ للإمَامِ إقْطَاعُه؛ لأنَّه لا يُضَيِّقُ على المسلمين بإحْدَاثِه، بل يَحْدُثُ نَفْعُه بِفِعْلِه، فلم يُمْنَعْ منه، كبَقِيَّةِ المَوَاتِ، وإحْيَاءُ هذا بِتَهْيِئَتِه لما يَصْلُحُ له، من حَفْرِ تُرَابِه، وتَمْهِيدِه، وفَتْحِ قَنَاةٍ إليه تَصُبُّ الماءَ فيه؛ لأنَّه يَتَهَيَّأُ بهذا الانْتِفَاعُ به.
فصل: ومَنْ مَلَكَ مَعْدِنًا، فعَمِلَ فيه غيرُه بغيرِ إذْنِه، فما حَصَلَ منه فهو لِمَالِكِه، ولا أجْرَ لِلغاصِبِ على عَمَلِه؛ لأنَّه عَمِلَ في مِلْكِ غيرِه بغيرِ إذْنِه، أشْبَهَ ما لو حَصَدَ زَرْعَ غيرِه [بغير إذْنِه] (٢١). وإن قال مالِكُه: اعْمَلْ فيه، ولك ما يَخْرُجُ منه. فله ذلك، ولا شىءَ لِصَاحِبِ المَعْدِنِ فيه؛ لأنَّه إباحَةٌ من مالِكِه، فمَلَكَ ما أخَذَه، كما لو أباحَهُ الأخْذَ من دارِه أو بُسْتَانِه. وإن قال: اعْمَلْ فيه، على أنَّ ما رَزَقَ اللهُ من نَيْلٍ
стр. 3958
كان بَيْنَنَا نِصْفَيْنِ. فعَمِلَ، ففيه وَجْهانِ؛ أحدهما، يجوزُ، وما يَأْخُذُه يكونُ بينهما. كما لو قال له: احْصُدْ هذا الزَّرْعَ بنِصْفِه أو ثُلُثِه. ولأنَّها عَيْنٌ تُنَمَّى بالعَمَلِ عليها، فصَحَّ العَمَلُ فيها بِبَعْضِه، كالمُضَارَبةِ في الأَثْمانِ. والثانى، لا يَصِحُّ؛ لأنَّ ما يَحْصُلُ منه. مَجْهُولٌ، ولأنَّه لا يَصِحُّ أن يكونَ إجَارَةً؛ لأنَّ العِوَضَ مَجْهُولٌ، والعَمَلَ مَجْهُولٌ، ولا جَعَالَةً؛ لأنَّ العِوَضَ مَجْهُولٌ، ولا مُضَارَبةً؛ لأنَّ المُضَارَبةَ إنَّما تَصِحُّ بالأَثْمانِ، على أن يَرُدَّ رَأْسَ المالِ، وتكونَ له حِصَّةٌ من الرِّبْحِ، وليس ذلك ههُنا. وفارَقَ حَصَادَ الزَّرْعِ بِنِصْفِه أو جُزْءٍ منه؛ لأنَّ الزَّرْعَ مَعْلُومٌ بالمُشَاهَدَةِ، وما عُلِمَ جَمِيعُه عُلِمَ جُزْؤُه، بخِلَافِ هذا. وإن قال: اعْمَلْ فيه كذا، ولك ما يَحْصُلُ منه، بِشَرْطِ أن تُعْطِيَنِى ألْفًا. أو شَيْئًا مَعْلُومًا. لم يَصِحَّ؛ لأنَّه بَيْعٌ لِمَجْهُولٍ، ولا يَصِحُّ أن يكونَ مُعَامَلةً كالمضَارَبةِ، لما ذَكَرْنا، ولأنَّ المُضَارَبةَ تكونُ بِجُزْءٍ من النَّمَاءِ، لا دَرَاهِمَ مَعْلُومَة. قال أحمدُ: إذا أخَذَ مَعْدِنًا من قَوْمٍ، على أن يَعْمُرَه، ويَعْمَلَ فيه، ويُعْطِيَهُم ألْفَىْ مَنًا (٢٢) وأَلْفَ مَنًا صُفرًا. فذلك مَكْروهٌ (٢٣) ولم يُرَخّصْ فيه.
فصل (٢٤): إذا اسْتَأْجَرَ رَجُلًا لِيَحْفِرَ له عَشْرَةَ أذْرُعٍ، في دَورِ كذا، بِدِينَارٍ. صَحَّ؛ لأنَّها إجَارَةٌ مَعْلُومةٌ. وإن ظَهَرَ عِرْقُ ذَهَبٍ، فقال: اسْتَأْجَرْتُكَ لِتُخْرِجَهُ بِدِينَارٍ. لم يَصِحَّ؛ لأنَّ العَمَلَ مَجْهُولٌ. وإن قال: إن اسْتَخْرَجْتَهُ فلك دِينَارٌ. صَحَّ، ويكونُ جَعَالةً؛ لأنَّ الجَعَالةَ تَصِحُّ على عَمَلٍ مَجْهُولٍ، إذا كان العِوَضُ مَعْلُومًا.
فصل: ومن سَبَقَ في المَوَاتِ إلى مَعْدِنٍ ظاهِرٍ أو باطِنٍ، فهو أحَقُّ بما ينَالُ منه؛ لقولِ النبيِّ ﷺ : "مَنْ سَبَقَ إلى مَا لَمْ يَسْبِقْ إلَيْهِ مُسلِمٌ، فَهُوَ لَه" (٢٥). فإن أخَذَ قَدْرَ حاجَتِه، وأرَادَ الإِقَامَةَ فيه بحيث يَمْنَعُ غيرَه، مُنِعَ منه؛ لأنَّه يُضَيِّقُ على الناسِ ما لا نَفْعَ
стр. 3959
فيه، فأشْبَهَ ما لو وَقَفَ في مَشْرَعةِ الماءِ لغيرِ حاجةٍ. وإن أطَالَ المُقَامَ والأخْذَ، احْتَمَلَ أن يُمْنَعَ؛ لأنَّه يَصِيرُ كالمُتَمَلِّكِ له. واحْتَمَلَ أن لا يُمْنَعَ؛ لإِطْلَاقِ الحَدِيثِ. وإن اسْتَبَقَ إليه اثْنانِ، وضَاقَ المكانُ عنهما، أُقْرِعَ بينهما؛ لأنَّه لا مَزِيَّةَ لأحَدِهِما على صاحِبِه. ويَحْتَمِلُ أن يُقْسَمَ بينهما؛ لأنَّه يُمْكِنُ قِسْمَتُه، وقد تَسَاوَيا فيه، فيُقْسَمُ بينهما، كما لو تَدَاعيَا عَيْنا في أيْدِيهِما ولا بَيِّنَةَ لأحَدِهِما بها. ويَحْتَمِل أن يُقَدِّمَ الإِمَامُ مَنْ يَرَى منهما؛ لأنَّ له نَظَرًا. وذَكَرَ القاضي وَجْهًا رابِعًا، وهو أنَّ الإِمامَ يَنْصِبُ مَن يَأْخُذُ لهما، ويَقْسِمُ بينهما. وهذا التَّفْصِيلُ مذهبُ الشَّافِعِىِّ.
فصل: وما نَضَبَ عنه الماءُ من الجَزَائِرِ، لم يُمْلَكْ بالإِحْياءِ. قال أحمدُ، في رِوَايةِ العَبّاسِ ابن موسى (٢٦): إذا نَضَبَ الماءُ عن جَزِيرَةٍ، إلى قَناةِ (٢٧) رَجُلٍ، لم يَبْنِ فيها؛ لأنَّ فيه ضَرَرًا، وهو أنَّ الماءَ يَرْجِعُ. يعني أنَّه يَرْجِعُ إلى ذلك المكانِ، فإذا وَجَدَه مَبْنِيًّا، رَجَعَ إلى الجانِبِ الآخَر، فأضَرَّ بأهْلِه. ولأنَّ الجَزَائِرَ مَنْبِتُ الكَلَإِ والحَطَبِ، فجَرَتْ مَجْرَى المعَادِنِ الظاهِرَةِ، وقد قال النبيُّ ﷺ : "لَا حِمًى فِي الْأَرَاكِ" (٢٨). وقال أحمدُ، في رِوَايةِ حَرْبٍ: يُرْوَى عن عمرَ، أنَّه أبَاحَ (٢٩) الجَزَائِرَ. [يَعْنِى أبَاحَ ما يَنْبتُ] (٣٠) في الجَزائِرِ من النَّباتِ، وقال: إذا نَضَبَ الفُرَاتُ عن شيء، ثم نَبَتَ فيه (٣١) نَبَاتٌ، فجاءَ رَجُلٌ فمنَع (٣٢) الناسَ منه، فليس له ذلك. فأمَّا إن غَلَبَ الماءُ على مِلْكِ إنْسانٍ، ثم عادَ فنَضَبَ عنه، فله أخْذُه، فلا يَزُولُ مِلْكُه بِغلَبةِ الماءِ عليه. وإن
стр. 3960
كان ما نَضَبَ عنه الماءُ لا يَنْتَفِعُ به أحدٌ، فعَمَرَهُ رَجُلٌ عِمارَةً لا تَرُدُّ الماءَ، مثل أن يَجْعَلَه مَزْرَعةً، فهو أحَقُّ به من غيرِه؛ لأنَّه مُتَحَجِّرٌ لما ليس لِمُسْلِمٍ فيه حَقٌّ، فأشْبَهَ التَّحَجُّرَ في المَوَاتِ.
فصل: وما كان من الشَّوَارِعِ والطُّرُقاتِ والرِّحَابِ بين العُمْرَانِ، فليس لأحدٍ إحْياؤُه، سواءٌ كان واسِعًا أو ضَيِّقًا، وسواءٌ ضَيَّقَ على الناسِ بذلك (٣٣) أو لم يُضَيِّقْ؛ لأنَّ ذلك يَشْتَرِكُ فيه المُسْلِمُونَ، وتَتَعَلَّقُ به مَصْلَحَتُهُم، فأشْبَهَ مَسَاجِدَهم. ويجوزُ الارْتِفاقُ بالقُعُودِ في الواسِعِ من ذلك لِلْبَيْعِ والشِّرَاءِ، على وَجْهٍ لا يُضَيِّقُ على أحدٍ، ولا يَضُرُّ بالمارَّةِ؛ لِاتِّفَاقِ أهْلِ الأمْصارِ في جَمِيع الأعْصارِ على إقْرَارِ الناس على ذلك، من غيرِ إنْكارٍ، ولأنَّه ارْتِفاقٌ مُبَاحٌ من غيرِ إضْرَارٍ، فلم يُمْنَعْ منه، كالاجْتِيَازِ، قال أحمدُ، في السَّابِقِ إلى دَكَاكِينِ السُّوقِ غُدْوَةً: فهو له إلى اللَّيْلِ. وكان هذا في سُوقِ المَدِينةِ فيما مَضَى. وقد قال النبيُّ ﷺ : "مِنًى مُنَاخُ مَنْ سَبَقَ" (٣٤). وله أن يُظَلِّلَ على نَفْسِه، بما لا ضَرَرَ فيه، من بَارِيَّةٍ (٣٥)، وتَابُوتٍ، وكِسَاءٍ، ونحوِه؛ لأنَّ الحاجةَ تَدْعُو إليه من غيرِ مَضَرَّةٍ فيه. وليس له البِنَاءُ لا دَكّةً ولا غيرَها؛ لأنَّه يُضَيِّقُ على الناسِ، ويَعْثُرُ به المارَّةُ باللَّيْلِ، والضَّرِيرُ في اللَّيْلِ والنَّهَارِ، ويَبْقَى على الدَّوَامِ، فربما ادَّعَى مِلْكَه بِسَبَبِ ذلك. والسابِقُ أحَقُّ به ما دامَ فيه، فإن قامَ وتَرَكَ مَتَاعَهُ فيه، لم يَجُزْ لغيرِه إزَالَتُه؛ لأنَّ يَدَ الأَوَّلِ عليه، وإن نَقَلَ مَتَاعَهُ، كان لغيرِه أن يَقْعُدَ فيه؛ لأنَّ يَدَه قد زَالَتْ. وإن قَعَدَ وأطَالَ، مُنِعَ من ذلك؛ لأنَّه يَصِيرُ كالمُتَمَلِّكِ، ويَخْتَصُّ بِنَفْعٍ يُسَاوِيه غيرُه في اسْتِحْقاقِه. ويَحْتَمِلُ أن لا يُزَالَ؛ لأنَّه سَبَقَ إلى ما لم يَسْبِقْ إليه مُسْلِمٌ. وإن اسْتَبَقَ اثْنانِ إليه، احْتَمَلَ أن يُقْرَعَ بينهما، واحْتَمَلَ أن يُقَدِّمَ الإِمَامُ مَنْ يَرَى منهما. وإن كان الجالِسُ
стр. 3961
يُضَيِّقُ على المارَّةِ، لم يَحِلَّ له الجُلُوس فيه، ولا يَحِلُّ للإِمَامِ تَمْكِينُه بعِوَضٍ، ولا غيرِه. قال أحمدُ: ما كان يَنْبَغِى لنا أن نَشْتَرِىَ من هؤلاءِ الذين يَبِيعُونَ على الطَّرِيقِ. قال القاضِى: هذا مَحْمُودٌ على أنَّ الطَّرِيقَ ضَيِّقٌ، أو يكونُ يؤْذِى المارَّةَ؛ لما تَقَدَّمَ ذِكْرُنا له. وقال: لا يُعْجِبُنِى الطَّحْنُ في العُرُوبِ إذا كانت في طَرِيقِ الناسِ. وهو السُّفُنُ التي يُطْحَنُ فيها في الماءِ الجارِى. إنَّما كَرِهَ ذلك، لِتَضْيِيقِها طَرِيقَ السُّفُنِ المارّةِ في الماءِ. قال أحمدُ: ربَّما غَرِقَتِ السُّفُنُ، فأرَى لِلرَّجُلِ أن يَتَوقَّى الشِّرَاءَ ممَّا يُطْحَنُ بها.
فصل: في القَطَائِعِ، وهى ضَرْبانِ؛ أحدُهما، إقْطَاعُ إرْفاقٍ، وذلك إقْطاعُ مَقَاعِد السُّوقِ، والطُّرُقِ الواسِعَةِ، ورِحَاب المَسَاجِدِ، التي ذَكَرْنا أنَّ لِلسَّابِقِ إليها الجُلُوسَ فيها (٣٦)، فلِلإِمَامِ إقْطَاعُها لمن يَجْلِسُ فيها؛ لأنَّ له في ذلك اجْتِهادًا، من حيثُ إنَّه لا يجوزُ الجُلُوسُ إلَّا فيما لا يَضُرُّ بالمارَّةِ، فكان للإِمَامِ أن يُجْلِسَ فيها مَنْ لا يَرَى أنَّه يتضَرَّرُ بِجُلُوسِهِ. ولا يَمْلِكُها المُقْطَعُ بذلك، بل يكونُ أحَقَّ بالجُلُوسِ فيها من غيرِه، بمَنْزِلَةِ السَّابِقِ إليها من غيرِ إقْطاعٍ، سواءً، إلَّا في شيءٍ واحدٍ، وهو أنَّ السَّابِقَ إذا نَقَلَ مَتَاعَه عنها، فلغيرِه الجُلُوسُ فيها؛ لأنَّ اسْتِحْقَاقَه لها بِسَبْقِه إليها، ومُقَامِه فيها، فإذا انْتَقَلَ عنها، زالَ اسْتِحْقَاقُه، لِزَوَالِ المَعْنَى الذي اسْتَحَقَّ به، وهذا اسْتَحَقَّ بإقْطَاعِ الإِمَامِ، فلا يَزُولُ حَقُّه بِنَقْلِ مَتَاعِه، ولا لغَيْرِه (٣٧) الجُلُوسُ فيه، وحُكْمُه في التَّظْلِيلِ على نَفْسِه بما ليس بِنَاءً، ومَنْعِه من البِنَاءِ، ومَنْعِه إذا طالَ مُقَامُه، حُكْمُ السّابِقِ، على ما أسْلَفْناهُ. الثاني، إقْطاعُ مَوَاتٍ من الأرْضِ لمن يُحْيِيها، فيجوزُ ذلك؛ لما رَوَى وائِلُ بن حُجْرٍ، أنَّ رسولَ اللهِ ﷺ أقْطَعَه أرْضًا، فأرْسَلَ مُعَاوِيةَ أن "أعْطِه إيَّاهُ، أو أعْلِمْهُ إيَّاهُ". حَدِيثٌ صَحِيحٌ (٣٨). وأقْطَعَ بِلَالَ بن الحارِثِ
стр. 3962
المُزَنِىِّ (٣٩)، وأبيضَ بن حمالٍ المَأْرِبِىِّ (٤٠)، وأقْطَعَ الزُّبَيْرَ حُضْرَ فَرَسِهِ (٤١)، فأجْرَى فَرَسَهُ حتى قام ورَمَى بِسَوْطِه، فقال: "أعْطُوه من حيث وَقعَ السَّوْطُ". رَوَاهُ سَعِيدٌ، وأبو دَاوُدَ (٤٢). وذَكَرَ البُخَارِىُّ (٤٣)، عن أنَسٍ قال: دَعَا رسولُ اللهِ ﷺ الأنْصارَ لِيُقْطِعَ لهم بالبَحْرَيْنِ (٤٤). فقالوا: يا رسولَ اللَّه: إن فَعَلْتَ، فَاكْتُبْ لإِخْوَانِنَا من قُرَيْشٍ بمِثْلِها. ورُوِىَ أن أبا بكرٍ أقْطَعَ طَلْحَةَ بن عُبَيْدِ اللَّه أرْضًا، وأن عُثْمانَ أقْطَعَ خَمْسَةً من أصْحابِ النبيِّ ﷺ ؛ الزُّبَيْرَ، وسَعْدًا، وابنَ مسعودٍ، وأُسَامةَ بن زَيْدٍ، وخبَّابَ بنَ الأَرَتِّ. ويُرْوَى عن نافِعٍ أبى عبدِ اللَّه، أنَّه قال لِعُمَرَ: إنَّ قِبَلَنا أَرْضًا بالبَصْرَةِ، ليست من أرْضِ الخَرَاجِ، ولا تَضُرُّ بأحَدٍ من المسلمين، فإن رَأَيْتَ أن تُقْطِعَنِيها أَتَّخِذُ فيها قَصِيلًا (٤٥) لِخَيْلِى، فَافْعَلْ. قال: فكَتَبَ عمرُ إلى أبى موسى: إن كانت كما يقولُ، فأقْطِعْها إيَّاه. رَوَى هذه الآثَارَ كلَّها أبو عُبَيْدٍ، في "الأمْوالِ" (٤٦). ورَوَى سَعِيدٌ، عن سُفْيانَ، عن أبي نُجَيْحٍ، عن عَمْرِو بن شُعَيْبٍ، أنَّ النبيَّ ﷺ أقْطَعَ ناسًا من جُهَيْنةَ أو مُزَيْنةَ أرْضًا (٤٧). إذا ثَبَتَ هذا، فإنَّ مَن أقْطَعَهُ الإِمَامُ شيئا من المَوَاتِ، لم يَمْلِكْهُ بذلك، لكن يَصِيرُ أحَقَّ به، كالمُتَحَجِّرِ الشّارِعِ في الإِحْياءِ، بِدَلِيلِ ما ذَكَرْنا من حَدِيثِ بِلَالِ بن الحارِثِ، حيث اسْتَرْجَعَ
стр. 3963
عمرُ منه ما عَجَزَ عن إحْيائِه من العَقِيقِ، الذي أقْطَعَه إيَّاهُ رسولُ اللَّه ﷺ (٤٨)، ولو مَلَكَه لم يَجُزْ اسْتِرْجَاعُه. ورَدَّ عُمَرُ أيضًا قَطِيعَةَ أبى بَكْرٍ لِعُيَيْنةَ بن حِصْنٍ، فسَأَلَ عُيَيْنَةُ أبا بَكرٍ أن يُجَدِّدَ له كِتَابًا فقال: واللَّه لا أُجَدِّدُ شيئا رَدَّهُ عمرُ. رَوَاهُ أبو عُبَيْدٍ (٤٩). لكنَّ المُقْطَعَ يَصِيرُ أحَقَّ به من سائِرِ الناسِ، وأَوْلَى بإحْيائِه، فإنْ أحْيَاهُ، وإلَّا قال له السُّلْطانُ: إن أحْيَيْتَه، وإلَّا فَارْفَعْ يَدَكَ عنه. كما قال عُمَرُ لِبِلَالِ بن الحارِثِ المُزَنِيِّ: إنَّ رسولَ اللَّه ﷺ لم يُقْطِعْكَ لِتَحْجُبَهُ دون الناسِ، وإنَّما أقْطَعَكَ لِتُعَمِّرَ، فخُذْ منها ما قَدَرْتَ على عِمَارَتِه، ورُدَّ الباقِىَ. وإن طَلَبَ المُهْلةَ لِعُذْرٍ، أُمْهِلَ بِقَدْرِ ذلك. وإن طَلَبها لغيرِ عُذْرٍ، لم يُمْهَلْ، على ما ذَكَرْنا في المُتَحَجِّرِ. وإن سَبَقَ غيرُه فأحْيَاهُ قبلَ أن يُقَالَ له شيءٌ، أو في مُدَّةِ المُهْلَةِ، فهل يَمْلِكُه؟ على وَجْهَيْنِ. وقد رُوِىَ عن عَمْرِو بن شُعَيْبٍ، أنَّ النبيَّ ﷺ أَقْطَعَ ناسًا من جُهَيْنةَ أو مُزَيْنَةَ أرْضًا، فعَطَّلُوها، فجاءَ قَوْمٌ فأَحْيَوْها، فخاصَمَهُم الذين أقْطَعَهُم رسولُ اللَّه ﷺ إلى عمرَ، رَضِىَ اللَّه عنه، فقال عمرُ: لو كانت قَطِيعةً مِنِّى، أو من أبى بكرٍ، لم أَرُدَّها، ولكنَّها قَطِيعةٌ من رسولِ اللَّه ﷺ ، فأنا أَرُدُّها! فدَلَّ هذا على أنها إذا كانت قَطِيعةً من غيرِ رسولِ اللَّه ﷺ ، فهى لمن أَحْياهَا. والثانى، لا يَمْلِكُه؛ لأنَّه تَعَلَّقَ به حَقُّ المُقْطَعِ، ومَفْهُومُ قولِه ﵇: "مَنْ أحْيَا أَرْضًا مَيْتةً فِي غَيْرِ حَقِّ مُسْلِمٍ، فَهِىَ لَهُ". أنَّه إذا تَعَلَّقَ بها حَقُّ مُسْلِمٍ، لم يَجُزْ إحْيَاؤُها. وقد ذَكَرْنا الوَجْهَيْنِ في المُتَحَجِّرِ، وهذا مثله. ومذهبُ الشافِعِىِّ في هذا ال فَصْلِ كنَحْوِ ما ذَكَرْنَا.
فصل: وليس للإِمَامِ إقْطَاعُ ما لا يجوزُ إحْياؤُه من المعَادِنِ الظاهِرَةِ؛ لأنّ النبيَّ ﷺ لمَّا اسْتَقْطَعَهُ أبيضُ بن حَمَّالٍ المِلْحَ الذي بمَأْرِبٍ، فقيل: يا رسولَ اللَّه: إنَّما أقْطَعْتَه
стр. 3964
الماءَ العِدَّ. رجَعَه (٥٠) منه. ولأنَّ في ذلك تَضْيِيقًا على المسلِمينَ. وفى إقْطاعِ المعَادِنِ الباطِنَةِ وَجْهانِ، ذَكَرْنَاهُما فيما مَضَى.
فصل: ولا يَنْبَغِى أن يُقْطِعَ الإِمامُ أحَدًا من المَوَاتِ، إلَّا ما يُمْكِنُه إحْيَاؤُه؛ لأنَّ في إقْطاعِه أكْثَرَ من ذلك تَضْيِيقًا (٥١) على الناسِ في حَقٍّ مُشْتَرَكٍ بينهم، بما لا فائِدَةَ فيه. فإن فَعَلَ، ثم تَبَيَّنَ عَجْزُه عن إحْيائِه، اسْتَرْجَعَه منه، كما اسْتَرْجَعَ عمرُ من بِلَالِ بن الحارِثِ ما عَجَزَ [عنه مِن] (٥٢) عِمَارَتِه من العَقِيق، الذي أقْطَعَه إيَّاهُ رسولُ اللهِ ﷺ (٥٣).
فصل: في الحِمَى، ومعناه أن يَحْمِىَ أرْضًا من المَوَاتِ، يَمْنَعُ النّاسَ رَعْىَ ما فيها من الكَلَإِ، لِيَخْتَصَّ بها دونهم. وكانت العَرَبُ في الجاهِلِيّةِ تَعْرِفُ ذلك، فكان منهم مَنْ إذا انْتَجَعَ بَلَدًا أَوْفَى بِكَلْبٍ على نَشْزٍ، ثم اسْتَعْوَاهُ. وَوَقَفَ له من كلِّ ناحِيَةٍ مَن يَسْمَعُ صَوْتَهُ بالعُوَاءِ، فحيثما انْتَهَى صوْتُه حَمَاهُ من كلِّ ناحِيةٍ لِنَفْسِه، ويَرْعَى مع العامَّةِ فيما سِوَاه. فنَهَى رسولُ اللَّه ﷺ عنه؛ لما فيه من التَّضيِيقِ على الناسِ، ومَنْعِهِم من الانْتِفاعِ بشيءٍ لهم فيه حَقٌّ. ورَوَى الصَّعْبُ بن جَثَّامَةَ، قال: سَمِعْتُ رسولَ اللَّه ﷺ يقول: "لَا حِمى إلّا لِلهِ ولِرَسُولِهِ". رَوَاه أبو دَاوُدَ (٥٤). وقال: "النَّاسُ شُرَكَاءُ في ثَلَاثٍ: الْماءُ، والنَّارُ، والكَلَأُ" رَوَاهُ الخَلَّالُ (٥٥). وليس لأحدٍ من الناسِ سِوَى الأئِمَّةِ أن يَحْمِىَ؛ لما ذَكَرْنا من الخَبَرِ والمَعْنَى. فأمَّا النبيُّ ﷺ ، فكان له أن يَحْمِىَ
стр. 3965
لِنَفْسِه ولِلمسلِمينَ؛ لقولِه في الخَبَرِ: "لَا حِمًى إلَّا لِلهِ ولِرَسُولِه". لكنَّه لم يَحْمِ لِنَفْسِه شيئا، وإنما حَمَى للمسلمين، فقد رَوَى ابنُ عمرَ، قال: حَمَى النبيُّ ﷺ النَّقِيعَ لِخَيْلِ المُسْلمِينَ. رَوَاهُ أبو عُبَيْدٍ (٥٦). والنَّقِيعُ، بالنُّونِ: مَوْضِعٌ يُنْتَقَعُ فيه الماءُ، فيَكْثُرُ (٥٧) فيه الخِصْبُ، لِمَكانِ ما يَصِيرُ فيه من الماءِ. وأمَّا سائِرُ أئِمّةِ المسلمين، فليس لهم أن يَحْمُوا لأَنْفُسِهِم شيئا، ولكنْ لهم أن يَحْمُوا مَواضِعَ لِتَرْعَى فيها خَيْلُ المُجاهِدِينَ، ونُعُمُ الجِزْيَةِ، وإِبِلُ الصَّدَقةِ، وضَوَالُّ الناسِ التي يَقُومُ الإِمامُ بحِفْظِها، وماشِيَةُ الضَّعِيفِ من الناسِ، على وَجْهٍ لا يَسْتَضِرُ به مَنْ سِوَاه من الناس. وبهذا قال أبو حنيفةَ، ومالِكٌ، والشافِعِىُّ في صَحِيحِ قَوْلَيْهِ، وقال في الآخَر: ليس لغيرِ النبيِّ ﷺ أن يَحْمِىَ؛ لقولِه: "لَا حِمًى إلَّا لِلهِ ولِرَسُولِهِ". ولَنا، أنَّ عمرَ وعثمانَ حَمَيَا، واشْتَهَرَ ذلك في الصَّحابةِ، فلم يُنْكَرْ عليهما، فكان إجْماعا. ورَوَى أبو عُبَيْدٍ (٥٨)، بإسْنادِه عن عامِرِ بن عبدِ اللَّه بن الزُّبَيْرِ، أحْسَبُه عن أبِيه، قال: أتَى أعْرَابِىٌّ عمرَ، فقال: يا أمِيرَ المُؤْمِنِينَ، بِلَادُنا قَاتَلْنا عليها في الجاهِلِيّةِ، وأسْلَمْنا عليها في الإِسْلامِ، عَلَامَ تَحْمِيهَا؟ فأطْرَقَ عمرُ، وجَعَلَ يَنْفُخُ، ويَفْتِلُ شارِبَهُ، وكان إذا كَرَبَهُ أمْرٌ فَتَلَ شارِبَهَ، ونَفَخَ. فلمَّا رَأَى الأعْرَابِىُّ ما به جَعَلَ يُرَدِّدُ ذلك، فقال عمرُ: المالُ مالُ اللهِ، والعِبَادُ عِبَادُ اللهِ، واللهِ لولا ما أحْمِلُ عليه في سَبِيلِ اللَّه ما حَمَيْتُ شِبْرًا من الأرْضِ في شِبْرٍ. وقال مالِكٌ: بَلَغَنِى أنَّه كان يَحْمِلُ في كلِّ عامٍ على أرْبَعِينَ ألْفًا من الظَّهْرِ. وعن أسْلَمَ، قال: سَمِعْتُ عمرَ يقول لِهُنَىٍّ حين اسْتَعْمَلَه على حِمَى الرَّبَذَةِ (٥٩): يا هنىّ، أضْمُمْ جَنَاحَكَ عن الناسِ، واتَّقِ دَعْوَةَ المَظْلُومِ فإنَّها مُجَابَةٌ. وأدْخِلْ رَبَّ الصَّرِيمةِ والغَنِيمَةِ، ودَعْنِى من نَعَمِ ابن عَوْفٍ ونَعَمِ ابن عَفَّانَ،
стр. 3966
فإنَّهما إن هَلَكَتْ ماشِيَتُهما رَجَعَا إلى نَخْلٍ وزَرْعٍ، وإنَّ هذا المِسْكِينَ إن هَلَكَتْ ماشِيَتُه، جاءَ يَصْرُخُ: يا أمِيرَ المُؤْمِنِينَ. فالكَلَأُ أهْوَنُ علىَّ أَم غُرْمُ الذَّهَبِ والوَرِقِ، إنَّها أرْضُهُم قاتَلُوا عليها في الجاهِلِيّةِ، وأسْلَمُوا عليها في الإِسْلامِ، وإنَّهم لَيَرَوْنَ أنَّا نَظْلِمُهُم، ولولا النَّعَمُ التي يُحْمَلُ عليها في سَبِيلِ اللَّه، ما حَمَيْتُ على الناسِ من بِلَادِهم شيئًا أبَدًا. وهذا إجْماعٌ منهم. ولأنَّ ما كان لِمَصَالِحِ المسلمينَ، قامَتِ الأئِمّةُ فيه مَقَامَ رسولِ اللَّه ﷺ ، وقد رُوِىَ عن النبيِّ ﷺ ، أنَّه قال: "مَا أطْعَمَ اللهُ لِنَبِىٍّ طُعْمَةً إلَّا جَعَلَها طُعْمَةً لِمَنْ بَعْدَهُ" (٦٠). وأما الخَبَرُ فمَخْصُوصٌ، وأمَّا حِمَاهُ لِنَفْسِه، فيُفَارِقُ حِمَى النبيِّ ﷺ لِنَفْسِه، لأنَّ صَلَاحَه يَعُودُ إلى صَلَاحِ المسلِمين، ومالَه كان يَرُدُّه في المسلِمين، ففَارَقَ الأئِمّةَ في ذلك، وسَاوَوْهُ فيما كان صَلَاحَ المُسْلِمينَ، وليس لهم أن يَحْمُوا إلَّا قَدْرًا لا يُضَيّقُ (٦١) على المسلمين ويَضُرُّ بهم؛ لأنَّه إنَّما جازَ لما فيه من المَصْلَحةِ لما يَحْمى، وليس من المَصْلَحةِ إدْخَالُ الضَّرَرِ على أكْثَرِ الناسِ.
فصل: وما حَمَاهُ النبيُّ ﷺ ، فليس لأحدٍ نَقْضُه، ولا تَغْيِيرُه، مع بَقَاءِ الحاجةِ إليه. ومن أحْيَا منه شيئا لم يَمْلِكْه. وإن زَالَتِ الحاجَةُ إليه، ففيه وَجْهانِ. وما حَمَاهُ غيرُه من الأئِمَّةِ، فغيَرهُ هو أو غيرُه من الأئِمّةِ، جازَ. وإن أحْيَاهُ إنْسَانٌ، مَلَكَه، في أحدِ الوَجْهَيْنِ؛ لأنَّ حِمَى الأئِمَّةِ اجْتِهادٌ، ومِلْكُ الأرْضِ بالإِحْياءِ نَصٌّ، والنَّصُّ يُقَدَّمُ على الاجْتِهادِ. والوَجْهُ الآخَرُ، لا يَمْلِكُه؛ لأنَّ اجْتِهادَ الإِمَامِ لا يجوزُ نَقْضُه، كما لا يجوزُ نَقْضُ حُكْمِه. ومذهبُ الشافِعِىِّ في هذا على نحوِ ما قُلْنَا.
فصل: في أحْكامِ المِيَاهِ، قد ذَكَرْنا في البَيْع حُكْمَ مِلْكِها وبَيْعِها، ونَذْكُرُ ههُنا حُكْمَ السَّقْىِ بها. فنقول: لا يَخْلُو الماءُ من حالَيْنِ؛ إمَّا أن يكونَ جارِيًا، أو واقِفًا، فإن كان جارِيًا فهو ضَرْبانِ؛ أحدهما، أن يكونَ في نَهْرٍ غيرِ مَمْلُوكٍ، وهو قِسْمَانِ؛
стр. 3967
أحدُهما، أن يكون نَهْرًا عَظِيمًا، كالنِّيلِ والفُرَاتِ ودِجْلَة، وما أشْبَهَها من الأنْهارِ العَظِيمةِ، التي لا يَسْتَضِرُّ أحدٌ بِسَقْيِه منها، فهذا لا تَزَاحُمَ فيه، ولكل أحدٍ أن يَسْقِىَ منها ما شاءَ، متى شاءَ، وكيف شاءَ. القسم الثاني، أن يكون نَهْرًا صَغِيرا يَزْدَحِمُ الناسُ فيه (٦٢)، ويَتَشَاحُّونَ في مائِه، أو سَيْلًا (٦٣) يَتَشَاحُّ فيه أهْلُ الأرْضِ (٦٤) الشارِبَةِ منه، فإنَّه يُبْدَأُ بمَنْ في أَوَّلِ النَّهْرِ، فيَسْقِى ويَحْبِسُ الماءَ حتى يَبْلُغَ إلى الكَعْبِ، ثم يُرْسِلُ إلى الذي يَلِيه فيَصْنَعُ كذلك، وعلى هذا إلى أن تَنْتَهِىَ الأرَاضِى كلُّها. فإن لم يَفْضُلْ عن الأوّلِ شيءٌ، أو عن الثاني، أو عَمَّنْ يَلِيهم فلا شىءَ (٦٥) لِلْباقِينَ؛ لأنَّهم (٦٦) ليس لهم إلَّا ما فَضَلَ، فهم كالعَصَبَةِ في المِيرَاثِ. وهذا قولُ فُقَهاءِ المَدِينةِ، ومالِكٍ، والشافِعِىِّ، ولا تعْلَمُ فيه مُخَالِفًا. والأصْلُ في هذا ما رَوَى عبدُ اللَّه بن الزُّبَيْرِ، أنَّ رَجُلًا من الأنْصارِ خاصَمَ الزُّبَيْرَ في شِرَاجِ الحَرَّةِ، التي يَسْقُونَ بها، إلى النبيِّ ﷺ ، فقال ﷺ : "اسْقِ يا زُبَيْرُ، ثُمَّ أرْسِلِ الْماءَ إلَى جارِكَ". فغَضِبَ الأَنْصَارِىُّ، وقال: يا رسولَ اللَّه، آنْ كان ابنَ عَمَّتِكَ؟ فتَلَوَّن وَجْهُ رسولِ اللَّه ﷺ ، ثم قال: "يا زُبَيْر اسْقِ، ثُمَّ احْبِسِ الْماءَ حَتَّى يَرْجِعَ إلَى الجَدْرِ". قال الزُّبَيْرُ: فوالله إنِّي لأَحْسَبُ هذه الآيةَ نَزَلَتْ فيه: ﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ﴾ (٦٧). مُتَّفَقٌ عليه (٦٨). ورَوَاهُ مالِكٌ، في
стр. 3968
"مُوَطَّئِه" (٦٩) عن الزُّهْرِىِّ، عن عُرْوَةَ، عن عبدِ اللَّه بن الزُّبَيْرِ. وذَكَرَ عنه عبدُ الرَّزّاقِ (٦٩)، عن مَعْمَرٍ، عن الزُّهْرِىِّ قال: نَظَرْنا في قولِ النبيِّ ﷺ : "ثُمَّ احْبِسِ الْماءَ حَتَّى يَبْلُغَ إلى الجدْرِ". فكان ذلك إلى الكَعْبَيْنِ. قال أبو عُبَيْدٍ: الشِّرَاجُ: جَمْعُ شَرْجٍ، والشَّرْجُ: نَهْرٌ صَغِيرٌ، والحَرَّةُ: أَرْضٌ مُلْتَبِسَةٌ بحِجَارَةٍ سُودٍ، والجَدْرُ: الجِدَارُ، وإنَّما أمَرَ النبيُّ ﷺ الزُّبَيْرَ أن يَسْقِىَ ثم يُرْسِلَ الماءَ، تَسْهِيلًا على غيرِه، فلما قال الأنصارِىُّ ما قال، اسْتَوْعَى النبيُّ ﷺ الزُّبَيْرَ حَقَّهُ. ورَوَى مالِكٌ، في "المُوَطَّإِ" (٧٠) أيضًا، عن عبدِ اللَّه بن أبي بَكْرِ بن حَزْمٍ، أنَّه بَلَغَهُ أنَّ رسولَ اللَّه ﷺ قال في سَيْلِ مَهْزُوزٍ ومُذَيْنِيبٍ: "يُمْسِكُ حَتَّى الكَعْبَيْنِ، ثُمَّ يُرْسِلُ الْأعْلَى عَلَى الأَسْفَلِ". قال ابنُ عبدِ البَرِّ: هذا حَدِيثٌ مَدَنِىٌّ، مَشْهُورٌ عند أهْلِ المَدِينةِ، مَعْمُولٌ به عندَهم. قال عبدُ المَلِكِ بن حبيبٍ: مَهْزُوزٌ ومُذَيْنِيب: وادِيَانِ من أوْدِيَةِ المَدِينَةِ، يَسِيلَانِ بالمَطَرِ، وتَتَنافَسُ أهْلُ الحَوَائطِ في سَيْلِهِما. ورَوَى أبو داوُدَ (٧١)، بإسْنادِه عن ثَعْلَبةَ بن أبي مالِكٍ، أنَّه سَمِعَ كُبَرَاءَهُم يَذْكُرُونَ، أنَّ رَجُلًا من قُرَيْشٍ كان له سَهْمٌ في بَنِى قُرَيْظَةَ، فخاصَمَ إلى رسولِ اللَّه ﷺ في سَيْلِ مَهْزُوزٍ والسَّيْلِ الذي يَقْتَسِمُونَ ماءَه، فقَضَى بينهم رسولُ اللَّه ﷺ أنَّ الماءَ إلى الكَعْبَيْنِ، لا يَحْبِسُ الأعْلَى على الأسْفلِ. ولأنَّ مَنْ أرضُه قَرِيبَةٌ من فُوَّهَةِ النَّهْرِ أسْبَقُ إلى الماءِ، فكان
стр. 3969
أَوْلَى به، كمن سَبَقَ إلى المَشْرَعَةِ، فإن كانت أرْضُ صاحِبِ الأعْلَى مُخْتَلِفةً، منها مُسْتَعْلِيةٌ ومنها مُسْتَفِلَةٌ، سَقَى كلَّ واحِدَةٍ منهما على حِدَتِها، وإن اسْتَوَى اثْنانِ في القُرْبِ من أَوّلِ النَّهْرِ، اقْتَسَما الماءَ بينهما إن أمْكَنَ، وإن لم يُمْكِنْ أُقْرِعَ بينهما، فَقُدِّمَ مَنْ تَقَعُ له القُرْعَةُ، فإن كان الماءُ لا يَفْضُلُ عن أحَدِهِما، سَقَى مَن تَقَعُ له القُرْعَةُ بِقَدْرِ حَقِّه من الماءِ، ثم تَرَكَه للآخَرِ، وليس له أن يَسْقِىَ بجَمِيعِ الماءِ؛ لأنَّ الآخَرَ يُسَاوِيه في اسْتِحْقاقِ الماءِ، وإنَّمَا القُرْعَةُ لِلتَّقْدِيمِ في اسْتِيفاءِ الحَقِّ، لا في أصْلِ الحَقِّ، بِخِلَافِ الأعْلَى مع الأَسْفَلِ؛ فإنَّه ليس لِلْأَسْفَلِ حَقٌّ إلَّا فيما فَضَلَ على الأَعْلَى. فإن كانت أرْضُ أحَدِهِما أكْثَرَ من أرْضِ الآخَر، قُسِمَ الماءُ بينهما على قَدْرِ الأرْضِ؛ لأنَّ الزَّائِدَ من أرْضِ أحَدِهما مُسَاوٍ في القُرْبِ، فاسْتَحَقَّ جُزْءًا (٧٢) من الماءِ، كما لو كان لِشَخْصٍ ثالِثٍ. وإن كان لِجَماعةٍ رَسْمُ شُرْبٍ، من نِهْىٍ (٧٣) غيرِ مَمْلُوكٍ، أو سَيْلٍ، وجاءَ إنْسانٌ لِيُحْيِىَ مَوَاتًا أقْرَبَ إلى رأْسِ النَّهْرِ من أرْضِهِم، لم يكُنْ له أن يَسْقِىَ قَبْلَهم؛ لأنَّهم أسْبَقُ إلى النَّهْرِ منه، ولأن من مَلَكَ أَرْضًا مَلَكَها بحُقُوقِها ومَرَافِقِها، ولا يَمْلِكُ غيرُه إبْطَالَ حُقُوقِها، وهذا من حُقُوقِها. وهل لهم مَنْعُه من إحْياءِ ذلك المَوَاتِ؟ فيه وَجْهانِ؛ أحدُهما، ليس لهم مَنْعُه؛ لأنَّ حَقَّهُم في النَّهْرِ لا في المَوَاتِ. والثانى، لهم مَنْعُه، لئلَّا يَصِيرَ ذلك ذَرِيعةً إلى مَنْعِهِم حَقَّهُم من السَّقْىِ، لِتَقْدِيمِه عليهم بالقُرْبِ إذا طالَ الزَّمَانُ وجُهِلَ الحالُ. فإذا قُلْنا: ليس لهم مَنْعُه. فسَبَقَ إنْسانٌ إلى مَسِيلِ ماءٍ أو نَهْرٍ غيرِ مَمْلُوكٍ، فأحْيَا في أسْفَلِه مَوَاتًا، ثم أحْيَا آخَرُ فَوْقَه، ثم أحْيَا ثالِثٌ فوقَ الثاني، كان للأسْفَلِ السَّقْىُ أوَّلًا، ثم الثاني، ثم الثالِث، ويُقَدَّمُ السَّبْقُ إلى الإِحْياءِ على السَّبْقِ إلى أوَّلِ النَّهْرِ؛ لما ذكَرْنا.
فصل: الضَّرْبُ الثاني، الماءُ (٧٤) الجارِى في نَهْرٍ مَمْلُوكٍ، وهو أيضًا قِسْمانِ؛ أحدهما، أن يكونَ الماءُ مُبَاحَ الأَصْلِ، مثل أن يَحْفِرَ إنْسانٌ نَهْرًا صَغِيرًا، يَتَّصِلُ بِنَهْرٍ
стр. 3970
كبيرٍ مُبَاحٍ، فما لم يَتَّصِل الحَفْرُ لا يَمْلِكُه، وإِنَّما هو تَحَجُّرٌ وشُرُوعٌ في الإِحْياءِ، فإذا اتَّصَلَ الحَفْرُ، كَمُلَ الإِحْياءُ ومَلَكَه؛ لأنَّ المِلْكَ بالإِحْياءِ أن تَنْتَهِىَ العِمَارَةُ إلى قَصْدِها، بحيث يَتَكَرَّرُ الانْتِفاعُ بها على صُورَتِها، وهذا كذلك. وسواءٌ أجْرَى فيه الماءَ أو لم يُجْرِ؛ لأنَّ الإِحْياءَ يَحْصُلُ بأن يُهَيِّئَهُ لِلانْتِفاعِ به دُونَ حُصُولِ المَنْفَعةِ، فيَصِيرُ مالِكًا لِقَرَارِ النَّهْرِ وحَافَّتَيْهِ، وهَوَاؤُه حَقٌّ له، وكذلك حَرِيمُه، وهو مَلْقَى الطِّينِ من كلِّ جانِبٍ. وعند القاضِى أنَّ ذلك غيرُ مَمْلُوكٍ لِصَاحِبِ النَّهْرِ، وإنَّما هو حَقٌّ من حُقُوقِ المِلْكِ، وكذلك حَرِيمُ البِئْرِ. وهذا مذهبُ الشافِعِىِّ. وظاهِرُ قولِ الخِرَقِىِّ، أنَّه مَمْلُوكٌ لِصَاحِبِه؛ لقولِ رَسُولِ اللَّه ﷺ : "مَنْ أَحْيَا أرْضًا لَمْ تُمْلَكْ، فَهِىَ لَهُ" (٧٥). وإحْياؤُها أن يُحَوِّطَ عليها حائِطًا، أو يَحْفِرَ فيها بِئْرًا، فيكون له خَمْسٌ وعِشْرُونَ ذِرَاعًا حَوَالَيْها، وحَرِيمُ النَّهْرِ يَجِبُ أن يكونَ كذلك. فإذا تَقَرَّرَ هذا، فكان النَّهْرُ لِجَماعةٍ، فهو بينهم على حَسَبِ العَمَلِ والنَّفَقَةِ؛ لأنَّه إنَّما مُلِكَ بِالعِمَارَةِ، والعِمَارَةُ بالنَّفَقَةِ، فإن كَفَى جَمِيعَهم، فلا كَلَامَ، وإن لم يَكْفِهِمْ، وتَرَاضَوْا على قِسْمَتِه بالمُهَايَأَةِ أو غيرِها، جازَ؛ لأنَّه حَقُّهُم، لا يَخْرُجُ عنهم. وإن تَشَاحُّوا في قِسْمَتِه، قَسَمَهُ الحاكِمُ بينهم على قَدْرِ أمْلَاكِهِم؛ لأنَّ كلَّ واحدٍ منهم يَمْلِكُ من النَّهْرِ بِقَدْرِ ذلك، فتُؤْخَذُ خَشَبةٌ صُلْبَةٌ، أو حَجَرٌ مُسْتَوِى الطَّرَفَيْنِ والوَسَطِ، فيُوضَعُ على مَوْضِعٍ مُسْتَوٍ من الأرْضِ، في مُقَدَّمِ الماءِ، فيه حُزُوزٌ، أو ثُقُوبٌ مُتَسَاوِيةٌ في السَّعَةِ على قَدْرِ حُقُوقِهِم، يَخْرُجُ من كلِّ جُزْءٍ أَو ثُقبٍ إلى ساقِيةٍ مُفْرَدَةٍ لكلِّ واحدٍ منهم، فإذا حَصَلَ الماءُ في ساقِيَتِه انْفَرَدَ به، فإن كانت أمْلَاكُهُم مُخْتَلِفةً قُسِّمَ على قَدْرِ ذلك، فإذا كان لأحَدِهِمِ نِصْفُه، وللآخَرِ ثُلُثُه، وللثالثِ (٧٦) سُدُسُه، جُعِلَ فيه سِتّةُ ثُقُوبٍ، لِصَاحِبِ النِّصْفِ ثَلاثَةٌ [تَصُبُّ في ساقِيَتِه، ولِصَاحِبِ الثُّلُثِ اثْنانِ، ولِصَاحِبِ السُّدُسِ واحِدٌ] (٧٧). وإن كان لواحدٍ الخُمْسانِ، والباقِى لِاثْنَيْنِ يَتَسَاوَيانِ فيه، جُعِلَ
стр. 3971
عَشرَةُ ثُقُوبٍ لِصَاحِبِ الخُمْسَيْنِ أربعةٌ تَصُبُّ في ساقِيَتِه، ولكلِّ واحدٍ من الآخَرَيْنِ ثلاثةٌ تَصُبُّ في ساقِيَتِه (٧٨). فإن كان النَّهْرُ لِعَشَرَةٍ، لِخَمْسةٍ منهم أرَاضٍ قَرِيبةٌ من أوَّلِ النَّهْرِ، ولِخَمْسَةٍ أراضٍ بَعِيدَةٌ، جُعِلَ لأصْحابِ القَرِيبَةِ خَمْسةُ (٧٩) ثُقُوبٍ، لكلِّ واحدٍ ثُقْبٌ (٨٠)، وجُعِلَ لِلْبَاقِينَ خَمْسةٌ، تَجْرِى في النَّهْرِ حتى تَصِلَ إلى أرْضِهِم، ثم تُقَسَّمُ بينهم قِسْمَةً أخرى. وإن أرَادَ أحَدُهُم أن يُجْرِىَ ماءَه في سَاقِيةِ غيرِه، لِيُقَاسِمَه في مَوْضِعٍ آخَرَ، لم يَجُزْ إلَّا بِرِضَاهُ؛ لأنَّه يَتَصَرَّفُ في سَاقِيَتِه، ويَخْرُبُ حَافَّتَها بغير إذْنِه، ويَخْلِطُ حَقَّه بحَق غيرِه على وَجْهٍ لا يَتَمَيَّزُ، فلم يَجُزْ ذلك. ويَجِىءُ على قَوْلنا: إنَّ الماءَ لا يُمْلَكُ. أنَّ حُكْمَ الماءِ في هذا النَّهْرِ حُكْمُه في نَهْرٍ غيرِ مَمْلُوكٍ، وأنَّ الأسْبَقَ أحَقُّ بالسَّقْىِ منه، ثم الذي يَلِيه، على ما ذَكَرْنا؛ لأنَّه غيرُ مَمْلُوكٍ، فكان الأسْبَقُ إليه أحَقَّ به، كما لو كان في نَهْرٍ غيرِ مَمْلُوكٍ. ومذهبُ الشافِعِىِّ في هذا ال فَصْلِ كلِّه على نحوِ ما ذَكَرْنا.
فصل: وإذا حَصَلَ نَصِيبُ إنْسانٍ في ساقِيَتِه (٨١)، فله أن يَسْقِىَ به ما شاءَ من الأرْضِ، سواءٌ كان لها رَسْمُ شُرْبٍ من هذا النَّهْرِ، أو لم يكُنْ. وله أن يُعْطِيَهُ مَنْ يَسْقِى به. وقال القاضِى، وأصحابُ الشافِعِىِّ: ليس له سَقْىُ أرْضٍ ليس لها رَسْمُ شُرْبٍ في (٨٢) هذا الماءِ؛ لأنَّ ذلك دَالٌّ على أنَّ لها قَسْمًا (٨٣) من هذا الماءِ، فرُّبما جُعِلَ سَقْيُها منه دَلِيلًا على اسْتِحْقاقِها لذلك، فيَسْتَضِرُّ الشُّرَكاءُ، ويَصِيرُ هذا كما لو كان له دارٌ بَابُها في دَرْبٍ لا يَنْفُذُ، ودَارٌ بَابُها في دَرْبٍ آخَرَ، ظَهْرُها مُلَاصِقٌ لِظَهْرِ دارِه الأُولَى، فأرَادَ تَنْفِيذَ إحْدَاهما إلى الأُخْرَى، لم يَجُزْ؛ لأنَّه يَجْعَلُ لِنَفْسِه اسْتِطْرَاقًا من كلِّ واحِدَةٍ
стр. 3972
من الدَّارَيْنِ. ولَنا، أنَّ هذا ماءٌ انْفَرَدَ بِاسْتِحْقاقِه، فكان له أن يَسْقِىَ منه ما شاءَ، كما لو انْفَرَدَ به من أصْلِه. ولا نُسَلِّمُ ما ذَكَرُوه في الدَّارَيْنِ، وإن سَلَّمْنا فالفَرْقُ بينهما أنَّ كلَّ دارٍ يَخْرُجُ منها [إلى دَرْبٍ] (٨٤) مُشْتَرَكٍ؛ لأنَّ الظَّاهِرَ أنَّ لكلِّ دارٍ سُكَّانًا، فيَجْعَلُ لِسُكَّانِ كلِّ واحِدَةٍ منهما اسْتِطْرَاقًا إلى دَرْبٍ غيرِ نافِذٍ، لم يَكُنْ لهم حَقٌّ في اسْتِطْرَاقِه، وههُنا إنَّما يَسْقِى من سَاقِيَتِه المُفْرَدَةِ التي لا يُشَارِكُه غيرُه فيها، فلو صارَ لِتِلْكَ الأرْضِ رَسْمٌ من الشُّرْبِ من سَاقِيَتِه، لم يَتَضَرَّرْ بذلك أحَدٌ. ولو كان يَسْقِى من هذا النَّهْرِ بِدُولَابٍ، فأحَبَّ أن يَسْقِىَ بذلك الماءِ أرْضًا لا رَسْمَ لها في الشُّرْبِ من ذلك النَّهْرِ، فالحُكْمُ في ذلك على ما ذَكَرْنا من الخِلَافِ في التي قبلَها. وإن كان الدُّولابُ يَغْرِفُ من نَهْرٍ غيرِ مَمْلُوكٍ، جازَ أن يَسْقِىَ بِنَصِيبِه من الماءِ أرْضًا لا رَسْمَ لها في الشُّرْبِ منه، بغير خِلَافٍ نَعْلَمُه. فإن ضاقَ الماءُ، قُدِّمَ الأَسْبَقُ فالأَسْبَق، على ما مَضَى.
فصل: ولكلِّ واحدٍ منهم أن يَتَصَرَّفَ في ساقِيَتِه المُخْتَصَّةِ به بما أحَبَّ، من إجْرَاءِ غيرِ هذا الماءِ فيها، أو عَمَلِ رَحًى عليها، أو دُولابٍ، أو عَبَّارَةٍ، وهى خَشَبَةٌ تُمَدُّ على طَرَفَىِ النَّهْرِ، أو قَنْطَرَةٍ يَعْبُرُ الماءُ فيها، وغيرِ ذلك من التَّصَرُّفاتِ؛ لأنَّها مِلْكُه، لا حَقَّ لغيرِه فيها. فأمَّا النَّهْرُ المُشْتَرَكُ، فليس لواحِدٍ منهم أن يَتَصَرَّفَ فيه بشيءٍ من ذلك؛ لأنَّه يَتَصَرَّفُ في النَّهْرِ المُشْتَرَكِ وفي حَرِيمِهِ بغيرِ إذْنِ شُرَكائِه. وقال القاضي في العَبَّارَةِ: هذا يَنْبَنِى على الرِّوَايَتَيْنِ، في مَن أرادَ أن يُجْرِىَ ماءَه في أرْضِ غيرِه. والصَّحِيحُ أنَّه لا يَجُوزُ ههُنا، ولا يَصِحُّ قِيَاسُ هذا على إجْرَاءِ الماءِ في أرْضِ غيرِه؛ لأنَّ إجْرَاءَ الماءِ في أرْضِ غيرِه (٨٥) يَنْفَعُ صَاحِبَها، لأنَّه يَسْقِى عُرُوقَ شَجَرِه، ويَشْرَبُهُ أوَّلًا وَآخِرًا. وهذا (٨٦) لا يَنْفَعُ النَّهْرَ، بل رُبَّما أفْسَدَ حَافَّتَيْهِ، ولم يَسْقِ له شيئا. ولو أرَادَ أحَدُ
стр. 3973
الشُّرَكاءِ أن يَأْخُذَ من ماءِ (٨٧) النَّهْرِ قبلَ قَسْمِه شَيْئًا يَسْقِى به أرْضًا في أوَّلِ النَّهْرِ أو غيرِه، أو أرَادَ إنْسانٌ غيرَهم ذلك، لم يَجُزْ؛ لأنَّهم صَارُوا أحَقَّ بالماءِ الجارِى في نَهْرِهِم من غيرِهم، ولأنَّ الأَخْذَ من الماءِ ربَّما احْتَاجَ إلى تَصَرُّفٍ في حَافَّةِ النَّهْرِ المَمْلُوكِ لغيرِه، أو المُشْتَرَكِ بينه وبين غيرِه. ولو فَاضَ ماءُ هذا النَّهْرِ إلى مِلْكِ إنْسانٍ، فهو مُبَاحٌ، كالطَّائِرِ يُعَشِّشُ في مِلْكِ إنْسانٍ. وهذا كله مذهبُ الشَّافِعِىِّ فيه نحوٌ ممَّا ذَكَرْنا.
فصل: وإن قَسَّمُوا ماءَ النَّهْرِ المُشْتَرَكِ بالمُهَايَأةِ، جازَ، إذا تَرَاضَوْا به، وكان حَقُّ كلِّ واحدٍ منهم مَعْلُومًا، مثل أن يَجْعَلُوا لكلِّ حِصَّةٍ يَوْمًا ولَيْلَةً، أو أكْثَرَ من ذلك أو أقَلَّ. وإن قَسَّمُوا النَّهَارَ، فجَعَلُوا لِوَاحِدٍ من طُلُوعِ الشَّمْسِ إلى وَقْتِ الزَّوَالِ، وللآخَرِ من الزَّوَالِ إلى الغُرُوبِ، ونحو ذلك، جَازَ. وإن قَسَّمُوه ساعَاتٍ، وأمْكَنَ ضَبْطُ ذلك بشيءٍ مَعْلُومٍ، كطَاسَةٍ مَثْقُوبةٍ تُتْرَكُ في الماءِ، وفيها عَلَامَاتٌ إذا انْتَهَى الماءُ إلى عَلَامةٍ كانت ساعةً، وإذا انْتَهَى إلى الأُخْرَى كانت سَاعَتَيْنِ، أو زُجَاجَةٍ فيها رَمْلٌ، يَنْزِلُ من أعْلاهَا إلى أسْفَلِها في ساعةٍ أو ساعَتَيْنِ، ثم يَقْلِبُهَا فيَعُودُ الرَّمْلُ إلى المَوْضِعِ الذي كان فيه في مثل ذلك المِقْدَارِ، أو بمِيزانِ الشَّمْسِ الذي تُعْرَفُ به سَاعَاتُ النَّهَارِ، أو بمَنَازِلِ القَمَرِ في اللَّيْلِ، ونحو ذلك، جازَ. فإذا حَصَلَ الماءُ لأَحَدِهِم في نَوْبَتِه، فأرَادَ أن يَسْقِىَ به أرْضًا ليس لها رَسْمُ شُرْبٍ من هذا، أو يُؤْثِرَ به إنْسانًا، أو يُقْرِضَهُ إيَّاه، على وَجْهٍ لا يَتَصَرَّفُ في حَافّةِ النَّهْرِ، جازَ. وعلى قولِ القاضي، وأصْحابِ الشافِعِىِّ، يَنْبَغِى أن لا يجوزَ؛ لما تَقَدَّمَ في مثلِ ذلك. وإن أرَادَ صاحِبُ النَّوْبةِ أن يُجْرِىَ مع مائِه ماءً له آخَرَ، يَسْقِى به أرْضَه التي لها رَسْمُ شُرْبٍ من هذا النَّهْرِ، أو أرْضًا له أُخْرَى، أو سَأَلَهُ إنْسانٌ أن يُجْرِىَ ماءً له مع مائِه في هذا النَّهْرِ، لِيُقَاسِمَه إيَّاه في مَوْضِعٍ آخَرَ، على وَجْهٍ لا يَضُرُّ بالنَّهْرِ، ولا بأحَدٍ، جازَ ذلك، في قِيَاسِ قولِ أصْحابِنا؛ فإِنَّهم قالوا في مَن اسْتَأْجَرَ أَرْضًا: جازَ أن يُجْرِىَ فيها ماءً في نَهْرٍ مَحْفُورٍ، إذا كان فيها. ولأنَّه
стр. 3974
مُسْتَحِقٌّ لِنَفْعِ النَّهْرِ في نَوْبَتِه بإِجرَاءِ الماءِ، فأشْبَهَ ما لو اسْتَأْجَرَها لذلك.
فصل: القسم الثاني، أن يكونَ مَنْبَعُ الماءِ مَمْلُوكًا، مثل أن يَشْتَرِكَ جَمَاعةٌ في اسْتِنْباطِ عَيْنٍ وإجْرَائِها، فإنَّهم يَمْلِكُونها أيضًا؛ لأنَّ ذلك إحْياءٌ لها، ويَشْتَرِكُون فيها، وفى سَاقِيَتِها، على حَسَبِ ما أَنْفَقُوا عليها، وعَمِلُوا فيها، كما ذَكَرْنا [في النَّهْرِ] (٨٨)، في القِسْمِ الذي قبلَ هذا، إلَّا أنَّ الماءَ غيرُ مَمْلُوكٍ ثَمَّ، لأنَّه مُبَاحٌ دَخَلَ مِلْكَه، فأشْبَه ما لو دَخَلَ صَيْدٌ بُسْتَانَهُ، وههُنا يُخَرَّجُ على رِوَايَتَيْنِ؛ أصَحُّهما أنَّه غيرُ مَمْلُوكٍ أيضًا. وقد ذَكَرْنا ذلك. وعلى كلِّ حالٍ، فلِكُلِّ أحدٍ أن يَسْتَقِىَ من الماءِ الجارِى لِشُرْبِه ووُضُوئِه وغُسْلِه وغَسْلِ ثِيَابِه، ويَنْتَفِعَ به في أشْباهِ ذلك، ممَّا لا يُؤَثِّرُ فيه، من غيرِ إذْنِه، إذا لم يَدْخُلْ إليه في مكانٍ مُحَوَّطٍ عليه. ولا يَحِلُّ لِصَاحِبِه المَنْعُ من ذلك؛ لما رَوَى أبو هُرَيْرةَ، قال: قال رسولُ اللَّه ﷺ : "ثَلَاثَةٌ لَا يَنْظُرُ اللهُ إلَيْهِمْ، ولَا يُزَكِّيهِمْ، ولَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ؛ رَجُلٌ كَانَ بِفَضْلِ ماءٍ بالطَّريقِ، فمَنَعَه ابنَ السَّبِيلِ". رَوَاهُ البُخَارِىُّ (٨٩)، وعن بُهَيْسَة (٩٠)، عن أَبِيهَا، أنَّه قال: يا نَبِىَّ اللهِ، ما الشىءُ الذي لا يَحِلُّ مَنْعُه؟ قال: "الْمَاءُ". قال: يا نَبِىَّ اللَّه، ما الشىءُ الذي لا يَحِلُّ مَنْعُه؟ قال: "المِلْحُ". قال: يا نَبِىَّ اللَّه، ما الشىءُ الذي لا يَحِلُّ مَنْعُه؟ قال: "أن تَفْعَلَ الخَيْرَ خَيْرٌ لَكَ". رَوَاهُ أبو دَاوُدَ (٩١). ولأنَّ ذلك لا يُؤَثِّرُ فيه (٩٢) في العادَةِ، وهو فاضِلٌ عن حَاجَةِ صاحِبِ النَّهْرِ. فأمَّا ما يُؤَثِّرُ فيه، كسَقْىِ الماشِيَةِ الكَثِيرَةِ، ونحوِ ذلك، فإن فَضَلَ الماءُ عن حاجَةِ صاحِبِه، لَزِمَهُ بَذْلُه لذلك، وإن لم يَفْضُلْ، لم يَلْزَمْهُ. وقد ذَكَرْنا ذلك في غيرِ هذا المَوْضِعِ.
стр. 3975
فصل: إذا كان النَّهْرُ أو السّاقِيَةُ مُشْتَرَكًا بين جَماعَةٍ، فإن أرَادُوا إكْرَاءَهُ أو سَدَّ بَثْقٍ فيه، أو إصْلَاحَ حائِطِه، أو شيءٍ منه، كان ذلك عليهم على حَسَبِ مِلْكِهِم فيه، فإن كان بعضُهم أدْنَى إلى أَوَّلِه من بعضٍ، اشْتَرَكَ الكُلُّ في إكْرَائِه وإصْلَاحِه، إلى أن يَصِلُوا إلى الأَوَّلِ، ثم لا شىءَ على الأَوَّلِ، ويَشْتَرِكُ الباقُونَ حتى يَصِلُوا إلى الثاني، ثم يَشْتَرِكُ مَن بعدَه كذلك، كلَّما انْتَهَى العَمَلُ إلى مَوْضِعِ واحدٍ منهم، لم يَكُنْ عليه فيما بعدَه شيءٌ. وبهذا قال الشافِعِىُّ. وحُكِى ذلك عن أبي حنيفةَ. وقال أبو يوسفَ، ومحمدٌ: يَشْتَرِكُ جَمِيعُهم في إكْرَائِه كلِّه، لأنَّهم يَنْتفِعُون بِجَمِيعِه، فإنَّ ما جاوَزَ الأَوَّلَ مَصَبٌّ لِمَائِه، وإن لم يَسْقِ أرْضَه. ولَنا، أنَّ الأَوَّلَ إنَّما يَنْتَفِعُ بالماءِ الذي في مَوْضِعِ شُرْبِه، وما بعدَه إنَّما يَخْتَصُّ بالانْتِفاعِ به مَنْ دُونَه، فلا يُشَارِكُهم في مُؤْنَتِه، كما لا يُشَارِكُهم في نَفْعِه, فإن كان يَفْضُلُ عن جَمِيعِهِم منه ما يَحْتاجُ إلى مَصْرِفٍ، فمُؤْنةُ ذلك المَصْرِفِ على جَمِيعِهم؛ لأنَّهم يَشْتَرِكُون في الحاجَةِ إليه، والانْتِفَاعِ به، فكانت مُؤْنَتُه عليهم كلِّهم، كأَوَّلِه.
٩١٥ - مسألة؛ قال: (وإِحْيَاءُ الأَرْضِ أنْ يُحَوِّطَ عَليْهَا حَائِطًا)
ظاهِرُ كلامِ الخِرَقِىِّ، أنَّ تَحْوِيطَ الأرْضِ إحْياءٌ لها، سواءٌ أرادَها لِلْبِنَاءِ، أو لِلزَّرْعِ، أو حَظِيرَةً لِلْغَنَمِ، أو الخَشَبِ، أو غير ذلك. ونَصَّ عليه أحمدُ، في رِوَايةِ عليِّ بن سَعِيدٍ، فقال: الإِحْياءُ أن يُحَوِّطَ عليها حائِطًا، أو يَحْفِرَ فيها بِئْرًا أو نَهْرًا. ولا يُعْتَبَرُ في ذلك تَسْقِيفٌ؛ وذلك لما رَوَى الحَسَنُ، عن سَمُرَةَ، أنَّ رسولَ اللَّه ﷺ قال: "مَنْ أَحَاطَ حَائِطًا عَلَى أرْضٍ، فَهِىَ لَهُ". رَوَاه أبو دَاوُدَ، والإِمامُ أحمدُ، في "مُسْنَدِه" (١). ويُرْوَى عن جابِرٍ، عن النبيِّ ﷺ مثلُه (٢). ولأنَّ الحائِطَ حاجِزٌ مَنِيعٌ، فكان إحْياءً، أشْبَهَ ما لو جَعَلَها حَظِيرَةً لِلْغَنَمِ. ويُبَيِّنُ هذا أنَّ القَصْدَ لا اعْتِبارَ
стр. 3976
به، بِدَلِيلِ ما لو أرَادَها حَظِيرَةً لِلْغَنَمِ، فبَنَاهَا بِجِصٍّ وآجُرٍّ، وقَسَمَها بُيُوتًا، فإنَّه يَمْلِكُها، وهذا لا يُصْنَعُ لِلْغَنَمِ مثلُه. ولا بُدَّ أن يكونَ الحائِطُ مَنِيعًا يَمْنَعُ ما وَرَاءَه، ويكونَ ممَّا جَرَتِ العادَةُ بمثلِه. ويَختَلِفُ بِاخْتِلَافِ البُلْدانِ، فلو كان ممَّا جَرَتْ عادَتُهُم بالحِجَارَةِ وحدَها، كأهْلِ حَوْرَانَ وفِلَسْطِينَ وغيرها (٣)، أو بالطِّينِ، كالفَطَائِرِ لأهْلِ غُوطَةِ دِمَشْقَ، أو بالخَشَبِ أَو بالقَصَبِ، كأَهْلِ الغَوْرِ، كان ذلك إحْياءً. وإن بَنَاهُ بأَرْفَعَ ممَّا جَرَتْ به عادَتُهم (٤)، كان أَوْلَى. وقال القاضي: في صِفَةِ الإِحْياءِ رِوَايَتانِ؛ إحْداهما، ما ذَكَرْنا. والثانية، الإِحْياءُ ما تَعَارَفَهُ الناسُ إحْياءً؛ لأنَّ الشَّرْعَ وَرَدَ بِتَعْلِيقِ المِلْكِ على الإِحْياءِ، ولم يُبَيِّنْه، ولا ذَكَرَ كَيْفِيَّتَه، فيَجِبُ الرُّجُوعُ فيه إلى ما كان إحْياءً في العُرْفِ، كما أنَّه لمَّا وَرَدَ بِاعْتِبارِ القَبْضِ والحِرْزِ، ولم يُبَيِّنْ كَيفِيَّتَه، كان المَرجِعُ فيه إلى العُرْفِ، ولأنَّ الشَّارِعَ لو عَلَّقَ الحُكْمَ على مُسَمًّى باسْمٍ، لَتَعَلَّقَ بمُسَمَّاه عندَ أهْلِ اللِّسانِ، فكذلك يَتَعَلَّقُ الحُكْمُ بالمُسَمَّى إحْياءً عندَ أهْلِ العُرْفِ، ولأنَّ النبيَّ ﷺ لا يُعَلِّقُ حُكْمًا على ما ليس إلى مَعْرِفَتِه طَرِيقٌ، فلمَّا لم يُبَيِّنْه، تَعَيَّنَ العُرْفُ طَرِيقًا لِمَعْرِفَتِه، إذْ ليس له طَرِيقٌ سِواهُ. إذا ثَبَتَ هذا، فإنَّ الأَرْضَ تُحْيَى دارًا لِلسُّكْنَى، وحَظِيرَةً، ومَزْرَعةً، فإحْياءُ كلّ واحِدَةٍ من ذلك بِتَهْيِئَتِها لِلانْتِفاعِ الذي أُرِيدَتْ له، فأمَّا الدَّارُ، فبأن يَبْنِىَ حِيطَانَها بما جَرَتْ به العادَةُ ويُسَقِّفَها (٥)، لأنَّها لا تكونُ لِلسُّكْنَى إلَّا بذلك. وأمَّا الحَظِيرَةُ، فإحْياؤُها بِحَائِطٍ جَرَتْ به عادَةُ مثلِها، وليس من شَرْطِها التَّسْقِيفُ؛ لأنَّ العادَةَ ذلك من غيرِ تَسقِيفٍ، وسواءٌ أرَادَها حَظِيرَةً لِلماشِيَةِ، أو لِلْخَشَبِ، أو لِلْحَطَبِ، أو نحوِ ذلك. ولو خَنْدَقَ عليها خَنْدَقًا، لم يكُنْ إحْياءً؛ لأنَّه ليس بحائِطٍ ولا عِمَارَةٍ، إنَّما هو حَفْرٌ وتَخْرِيبٌ. وإن خاطَها بِشَوْكٍ وشِبْهِه، لم يَكُنْ إحْياءً، وكان تَحَجُّرًا؛ لأنَّ المُسَافِرَ قد يَنْزِلُ
стр. 3977
مُنْزَلًا، ويُحَوِّطُ على رَحْلِه بنحوٍ من ذلك. ولو نَزَلَ مُنْزَلًا، فنَصَبَ به بَيْتَ شَعْرٍ أو خَيْمَةً، لم يكُنْ إحْياءً. وإن أرَادَها لِلزِّرَاعةِ، فبأن يُهَيِّئَها لإِمْكانِ الزَّرْعِ فيها، فإن كانت لا تُزْرَعُ إلَّا بالماءِ، فبأن يَسُوقَ إليها ماءً من نَهْرٍ أو بِئْرٍ، وإن كانت ممَّا لا يُمْكِنُ زَرْعُها لِكَثْرةِ أحْجارِها، كأرْضِ الحِجَازِ، فبأن يَقْلَعَ أحْجارَها ويُنَقِّيَها حتى تَصْلُحَ لِلزَّرْعِ، وإن كانت غِيَاضًا وأشْجارًا، كأرْضِ الشّعْرَى (٦)، فبأن يَقْلَعَ أشْجَارَها، ويُزِيلَ عُرُوقَها التي تَمْنَعُ الزَّرْعَ. وإن كانت ممَّا لا يُمْكِنُ زَرْعُه إلَّا بِحَبْسِ الماءِ عنها، كأرْضِ البَطائِحِ التي يُفْسِدُها غَرَقُها بالماءِ لِكَثْرَتِه، فإحْياؤُها بِسَدِّ الماءِ عنها، وجَعْلِهَا بحالٍ يُمْكِنُ زَرْعُها؛ لأنَّ بذلك يُمْكِنُ الانْتِفاعُ بها فيما أرَادَها من غيرِ حاجةٍ إلى تَكْرَارِ ذلك في كلِّ عامٍ، فكان (٧) إحْياءً، كسَوْقِ الماءِ إلى الأرْضِ التي لا ماءَ لها. ولا يُعْتَبَرُ في إحْياءِ الأَرْضِ حَرْثُها ولا زَرْعُها؛ لأنَّ ذلك ممَّا يَتَكَرَّرُ كلَّما أرَادَ الانْتِفَاعَ بها، فلم يُعْتَبَرْ في الإِحْياءِ، كسَقْيِها، وكالسُّكْنَى في البُيُوتِ، [ولا يحْصُلُ] (٨) بذلك إذا فَعَلَه لِمُجَرَّدِه، لما ذَكَرْنا. ولا يُعْتَبَرُ في إحْياءِ الأرْضِ لِلسُّكْنَى نَصْبُ الأبْوابِ على البُيُوتِ. وبهذا قال الشافِعِىُّ، فيما ذَكَرْنا في الرِّوَايةِ الثانيةِ، إلَّا أنَّ له وَجْهًا في أنَّ حَرْثَها وزَرْعَها إحْياءٌ لها، وأنَّ ذلك مُعْتَبَرٌ في إحْيائِها، ولا يَتِمُّ بدونه، وكذلك نَصْبُ الأبْوابِ على البُيُوتِ؛ لأنَّه ممَّا جَرَتِ العادَةُ به، فأشْبَه التَّسْقِيفَ. ولا يَصِحُّ هذا؛ لما ذَكَرْنا، ولأنَّ السُّكْنَى مُمْكِنَةٌ بدُونِ نَصْبِ الأبْوابِ، فأشْبَهَ تَطْيِينَ سُطُوحِها وتَبْيِيضَها.
٩١٦ - مسألة؛ قال: (أو يَحْفِرَ فِيها بِئْرًا، فَيَكُونُ لَهُ خمْسٌ وعِشْرُونَ ذِرَاعًا حَوَالَيْها، وإن سَبَقَ إلَى بِئْرٍ عَادِيَّةٍ، فحَرِيمُها خَمْسُونَ ذِرَاعًا)
البِئْرُ العادِيَّةُ، بِتَشْدِيدِ الياءِ: القَدِيمَةُ، مَنْسُوبةً إلى عادٍ، ولم يُرِدْ عادًا بِعَيْنِها، لكن
стр. 3978
لمَّا كانت عادٌ في الزَّمَنِ الأَوَّلِ، وكانت لها آثارٌ في الأرْضِ، نُسِبَ إليها كلُّ قَدِيمٍ، فكلُّ مَن حَفَرَ بِئْرًا في مَوَاتٍ لِلتَّمْلِيكِ، فله حَرِيمُها خَمْسٌ وعِشْرُونَ ذِرَاعًا من كلِّ جانِبٍ. ومن سَبَقَ إلى بِئْرٍ عادِيَّةٍ، كان أحَقَّ بها؛ لقولِ النبيِّ ﷺ : "مَنْ سَبَقَ إلَى مَا لَمْ يَسْبِقْ إلَيْهِ مُسْلِمٌ، فهُوَ لَهُ" (١). وله حَرِيمُها خَمْسُونَ ذِرَاعًا مِنْ كُلِّ جَانِبٍ. نَصَّ أحمدُ على هذا، في رِوَايةِ حَرْبٍ، وعبدِ اللَّه. واخْتَارَهُ أكْثَرُ أصْحابِنَا. وقال القاضِى وأبو الخَطَّابِ: ليس هذا على طَرِيقِ التَّحْدِيدِ، بل حَرِيمُها على الحَقِيقَةِ ما تَحْتاجُ إليه في تَرْقِيَةِ مائِها منها، فإن كان بِدُولابٍ فقَدْرُ مَدارِ (٢) الثَّوْرِ أو غيرِه. وإن كان بِسَاقِيةٍ (٣) فبِقَدْرِ طُولِ البِئْرِ؛ لما رُوِىَ عن النبيِّ ﷺ ، أنَّه قال: "حَرِيمُ البِئْرِ مَدُّ رِشَائِها". أخْرَجَه ابنُ مَاجَه (٤). ولأنَّه المَكانُ الذي تَمْشِى إليه البَهِيمَةُ. وإن كان يَسْتَقِى منها بيَدِه، فبِقَدْرِ ما يَحْتاجُ إليه الواقِفُ عندها. وإن كان المُسْتَخْرَجُ عينًا، فحَرِيمُها القَدْرُ الذي يَحْتاجُ إليه صاحِبُها لِلانْتِفاعِ بها، ولا يَسْتَضِرُّ بأخْذه منها ولو على ألْفِ ذِرَاعٍ. وحَرِيمُ النَّهْرِ (٥) من جانِبَيْه ما يَحْتاجُ إليه لِطَرْحِ كِرَايَتِه بِحُكْمِ العُرْفِ في ذلك؛ لأنَّ هذا إنَّما ثَبَتَ لِلْحاجَةِ، فيَنْبَغِى أن تُرَاعَى فيه الحاجَةُ دون غيرِها. وقال أبو حنيفةَ: حَرِيمُ البئْرِ أرْبَعُونَ ذِرَاعًا، وحَرِيمُ العَيْنِ خَمْسُمائة ذِرَاعٍ؛ لأنَّ أبا هُرَيْرةَ رَوَى عن النبيِّ ﷺ ، أنَّه قال: "حَرِيمُ البِئْرِ أرْبَعُونَ ذِرَاعًا لِأعْطَانِ الْإِبِلِ والغَنَمِ". وعن الشَّعْبِىِّ مثلُه، رَوَاهُ أبو عُبَيْدٍ (٦). ولَنا، ما رَوَى الدَّارَقُطْنِىُّ (٧)
стр. 3979
والخَلَّالُ، بإسْنادِهِما عن النبيِّ ﷺ ، أنَّه قال: "حَرِيمُ البِئْرِ البَدِىء (٨) خَمْسٌ وعِشْرُونَ ذِرَاعًا، وحَرِيمُ البِئْرِ العادِىِّ خَمْسُونَ ذِرَاعًا" وهذا نَصٌّ. ورَوَى أبو عُبَيْدٍ (٩)، بإسْنادِه عن يحيى بن سَعِيدٍ الأنْصَارِىِّ، أنَّه قال: السُّنَّةُ في حَرِيمِ القَلِيبِ العادِىِّ خَمْسُونَ ذِرَاعًا، والبَدِىءِ خَمْسٌ وعِشْرُونَ ذِرَاعًا. وبإسْنادِه (٩) عن سَعِيدِ بن المُسَيَّبِ، قال: حَرِيمُ البِئْرِ البَدِىءِ خَمْسٌ وعِشْرُونَ ذِرَاعًا مِن نَوَاحِيها كلّها، وحَرِيمُ بِئْرِ الزَّرْعِ ثَلَاثُمائة ذِرَاعٍ من نَوَاحِيها كلّها، وحَرِيمُ البِئْرِ العادِيَّةِ خَمْسُونَ ذِرَاعًا مِن نَوَاحِيها كلِّها. ولأنَّه مَعْنًى يُمْلَكُ به المَوَاتُ، فلا يَقِفُ على قَدْرِ الحاجَةِ، كالحائِطِ. ولأنَّ الحاجَةَ إلى البِئْرِ لا تَنْحَصِرُ في تَرْقِيَةِ الماءِ، فإِنَّه يَحْتاجُ إلى ما حَوْلَها عَطَنًا لإِبِله، ومَوْقِفًا لِدَوَابِّه وغَنَمِه، ومَوْضِعًا يَجْعَلُ فيه أحْواضًا يَسْقِى منها ماشِيَتَه، ومَوْقِفًا لِدَابَّتِه التي يَسْتَقِى (١٠) عليها، وأشْباه ذلك، فلا يَخْتَصُّ الحَرِيمُ بما يَحْتاجُ إليه (١١) لِتَرْقِيةِ الماءِ، وأمَّا حَدِيثُ أبى حنيفةَ، فحَدِيثُنا أصَحُّ منه، ورَوَاهُما أبو هُرَيْرَة، فيَدُّلُ على ضَعْفِه. إذا ثَبَتَ هذا، فظاهِرُ كلامِ الخِرَقِىِّ أنَّ هذا الحَرِيمَ مَمْلُوكٌ لِصَاحِبِ البِئْرِ. وعند الشافِعِىِّ، والقاضى، ليس بِمَمْلُوكٍ. وقد سَبَقَ ذِكْرُ هذا.
فصل: ولا بُدَّ أن يكونَ البِئْرُ فيها ماءٌ، وإن لم يَصِلْ إلى الماءِ، فهو كالمُتَحَجِّرِ الشارِعِ في الإِحْياءِ، على ما قَدَّمْناهُ. ويجب أن يُحْمَلَ قولُه في البئْرِ العادِيّةِ على البِئْرِ التي انْطَمَّتْ وذَهَبَ مَاؤُها، فجَدَّدَ حَفْرَها وعِمَارَتَها، أوَ انْقَطَعَ ماؤُها، فاسْتَخْرَجَه، ليكونَ ذلك إحْياءً لها. وأمَّا البِئْرُ التي لها ماءٌ يَنْتَفِعُ به المسلِمونَ، فليس لأحدٍ احْتِجَارُه ومَنْعُه؛ لأنَّه يكونُ بمَنْزِلَةِ المَعادِنِ الظاهِرَةِ، التي يَرْتَفِقُ بها الناسُ، وهكذا العُيُونُ النّابِعَةُ، ليس لأحدٍ أن يَخْتَصَّ بها. ولو حَفَرَ رَجُلٌ بِئْرًا لِلْمسلِمينَ
стр. 3980
يَنْتَفِعُون بها، أو لِيَنْتَفِعَ هو بها مُدَّةَ إقَامَتِه عندَها ثم يَتْرُكُها، لم يَمْلِكها، وكان له الانْتِفَاعُ بها، فإذا تَرَكَها صارت لِلْمسلمين كلِّهم، كالمَعادِنِ الظاهِرَةِ، وما دام مُقِيمًا عندها فهو أحَقُّ بها؛ لأنَّه سابِقٌ إليها، فهو كالمُتَحَجِّرِ الشَّارِعِ في الإِحْياءِ.
فصل: وإذا كان لإِنْسانٍ شَجَرَةٌ في مَوَاتٍ، فله حَرِيمُها قَدْرَ ما تَمُدُّ إليه أغْصَانَها حَوَالَيْها، وفى النَّخْلَةِ مَدُّ جَرِيدِها؛ لما رَوَى أبو دَاوُدَ (١٢)، بإسْنادِه عن أبي سَعِيدٍ، قال: اخْتُصِمَ إلى النبيِّ ﷺ في حَرِيمِ نَخْلةٍ، فأمَرَ بِجَرِيدَةٍ من جَرَائِدِها فَذُرِعَتْ، فكانت سَبْعَةَ (١٣) أذْرُعٍ أو خَمْسةَ أذْرُعٍ، فقَضَى بذلك. وإن غَرَسَ شَجَرةً في مَوَاتٍ، فهى له وحَرِيمُها. وإن سَبَقَ إلى شَجَرٍ مُباحٍ، كالزَّيْتُونِ والخَرُّوبِ، فسَقَاهُ وأصْلَحَه، فهو أحَقُّ به، كالمُتَحَجِّرِ الشّارِعِ في الإِحْياءِ، فإن طَعَمَهُ مَلَكَه بذلك وحَرِيمَه؛ لأنَّه تَهَيَّأَ للانْتِفاعِ به لما يُرَادُ منه، فهو كَسَوْقِ الماءِ إلى الأرْضِ المَوَاتِ؛ ولقولِ النبيِّ ﷺ : "مَنْ سَبَقَ إلَى مَا لَمْ يَسْبِقْ إلَيْهِ مُسْلِمٌ، فَهُوَ أحَقُّ بِهِ" (١٤).
فصل: ومن كانت له بِئْرٌ فيها ماءٌ، فحَفَرَ آخَرُ قَرِيبا منها بِئْرًا يَنْسَرِقُ إليها ماءُ البِئْرِ الأُولَى، فليس له ذلك، سواءٌ كان مُحْتَفِرُ الثانيةِ في مِلْكِه، مثل رَجُلَيْنِ مُتَجَاوِرَيْنِ في دَارَيْنِ، حَفَرَ أحَدُهُما في دارِهِ بِئْرًا، ثم حَفَرَ الآخَرُ بِئْرًا أعْمَقَ منها، فسَرَى إليها ماءُ الأُولَى، أو كانَتَا في مَوَاتٍ، فسَبَقَ أحَدُهما، فحَفَرَ بِئْرًا، ثم جاءَ آخَرُ فحَفَرَ قَرِيبًا منها بِئْرًا تَجْتَذِبُ ماءَ الأُولَى. ووَافَقَ الشافِعِىُّ في هذه الصُّورَةِ الثانيةِ؛ لأنَّه ليس له أن يَبْتَدِىءَ مِلْكَه على وَجْهٍ يَضُرُّ بالمالِكِ قبلَه. وقال في الأُولَى: له ذلك؛ لأنَّه تَصَرُّفٌ مُباحٌ في مِلْكِه، فجازَ له فِعْلُه، كتَعْلِيةِ دَارِه. وهكذا الخِلَافُ في كل ما يُحْدِثُه الجارُ ممَّا يَضُرُّ بِجَارِه، مثل أن يَجْعَلَ دارَه مَدْبَغَةً، أو حَمَّامًا يَضُرُّ بِعَقَارِ جارِه بِحَمْىِ نارِه ورَمَادِه
стр. 3981
ودُخَانِه، أو يَحْفِرَ في أصْلِ حائِطِه حُشًّا (١٥) يَتَأَذَّى جارُه بِرَائِحَتِه وغيرِها، أو يَجْعَلَ دارَه مَخْبِزًا في وَسَطِ العَطَّارِينَ ونحوه، ممَّا يُؤْذِى جِيرَانَه، فلا يَحِلُّ له ذلك. وقال الشافِعِىُّ: له ذلك كلُّه، لأنَّه تَصَرُّفٌ مُباحٌ في مِلْكِه، أشْبَهَ بِنَاءَه ونَقْضَه. ولَنا، قولُ النبيِّ ﷺ : "لا ضَرَرَ ولَا ضِرَارَ" (١٦). ولأنَّه إحْدَاثُ ضَرَرٍ بِجَارِه، فلم يَجُزْ، كالدَّقِّ الذي يَهُزُّ الحِيطَانَ ويُخَرِّبُها، وكإلْقاءِ السَّمَادِ والتُّرَابِ ونحوه في أصْلِ حائِطِه على وَجْهٍ يَضُرُّ به. ولو كان لِرَجُلٍ مَصْنَعُ ماءٍ، فأرَادَ جارُه غَرْسَ شَجَرةِ تِينٍ (١٧) [قَرِيبًا منه] (١٨) أو نحوها ممَّا تَسْرِى عُرُوقُه فتَشُقُّ حائِطَ مَصْنَعِ جارِه، وتُتْلِفُه، لم يَمْلِكْ ذلك، وكان لِجَارِه مَنْعُه وقَلْعُها إن غَرَسَها. ولو كان هذا الذي يَحْصُلُ منه الضَّرَرُ سَابِقًا، مثل مَن له في مِلْكِه مَدْبَغَةٌ أو مَقْصَرَةٌ، فأحْيَا إنْسانٌ إلى جانِبِه مَوَاتًا، وبَنَاهُ دارًا، يَتَضَرَّرُ بذلك، لم يَلْزَمْ إزَالةُ الضَّرَرِ، بغير خِلَافٍ نَعْلَمُه؛ لأنَّه لم يُحْدِثْ ضَرَرًا. واللَّه تعالى أعلمُ.
٩١٧ - مسألة؛ قال: (وَسَواءٌ في ذلِكَ مَا أحْيَاهُ، أوْ سَبَقَ إلَيْهِ بِإِذْنِ الْإِمَامِ، أوْ غَيْرِ إذْنِهِ)
وجملةُ ذلك، أنَّ إحْياءَ المَوَاتِ لا يَفْتَقِرُ إلى إذْنِ الإِمَامِ. وبهذا قال الشافِعِىُّ، وأبو يوسفَ، ومحمدٌ. وقال أبو حنيفةَ: يَفْتَقِرُ إلى إذْنِه؛ لأَنَّ لِلْإِمامِ مَدْخَلًا في النَّظَرِ في ذلك، بِدَلِيلِ أنَّ من تَحَجَّرَ مَوَاتًا فلم يُحْيِه، فإنَّه يُطَالِبُه بالإِحْياءِ أو التَّرْكِ، فافْتَقَرَ إلى إذْنِه، كمالِ بَيْتِ المالِ. ولَنا، عُمُومُ قولِه ﵇: "مَنْ أحْيَا أرْضًا مَيْتَةً (١)، فَهِىَ لَهُ" (٢). ولأن هذا عَيْنٌ مُبَاحةٌ، فلا يَفْتَقِرُ تَمَلُّكُها إلى إذْنِ الإِمَامِ، كأخْذِ
стр. 3982
الحَشِيشِ والحَطَبِ، ونَظَرُ الإِمَامِ في ذلك لا يَدُلُّ على اعْتِبارِ إذْنِه، ألا تَرَى أنَّ مَن وَقَفَ في مَشْرَعَةٍ، طَالَبَه الإِمامُ أن يَأْخُذَ حاجَتَه ويَنْصَرِفَ، ولا يَفْتَقِرُ ذلك إلى إذْنِه. وأمَّا مالُ بَيْتِ المالِ، فإنَّما هو مَمْلُوكٌ لِلمسلمين، ولِلإِمَامِ تَرْتِيبُ مَصَارِفِهِ فافْتَقَرَ إلى إذْنِه، بخِلَافِ مَسْأَلَتِنا، فإنَّ هذا مُبَاحٌ، فمنَ سَبَقَ إليه كان أحَقَّ الناسِ به، كالحَشِيشِ والحَطَبِ والصُّيُودِ والثِّمارِ المُبَاحَةِ في الجِبَال.
فصل: فأمَّا ما سَبَقَ إليه، فهو المَوَاتُ إذا سَبَقَ إليه فتَحَجَّرَه، كان أحَقَّ، وإن سَبَقَ إلى بِئْرٍ [عادِيَّةٍ، فشَرَعَ فيها يُعَمِّرُها، كان أحَقَّ بها. ومن سَبَقَ إلى] (٣) مَقَاعِد الأسْوَاقِ والطُّرُقاتِ، أو مَشَارِع المِيَاهِ والمَعَادِن الظاهِرَةِ والباطِنَةِ، وكلِّ مُبَاحٍ مثل الحَشِيشِ والحَطَبِ والثِّمَارِ المأْخُوذَةِ من الجِبَالِ، وما يَنْبِذُهُ الناسُ رَغْبةً عنه، أو يَضِيعُ منهم ممَّا لا تَتْبعُهُ النَّفْسُ، واللُّقَطَة (٤) واللَّقِيط، وما يَسْقُطُ من الثَّلْجِ وسائرِ المُبَاحَاتِ، مَنْ سَبَقَ إلى شيءٍ من هذا، فهو أحَقُّ به، ولا يَحْتَاجُ إلى إذْنِ الإِمَامِ، ولا إذْنِ غيرِه؛ لقولِ النبيِّ ﷺ : "مَنْ سَبَقَ إلَى مَا لَمْ يَسْبِقْ إليه مُسْلِمٌ، فَهُوَ أَحَقُّ بِهِ" (٥).
стр. 3983
كتابُ الوُقُوفِ والعَطَايَا
والوُقُوفُ: جَمْعُ وَقْفٍ، يُقال منه: وَقَفْتُ وَقْفًا. ولا يقال: أَوْقَفْتُ. إلَّا في شَاذِّ اللُّغَةِ، ويقال: حَبَّسْتُ وأَحْبَسْتُ. وبه جاء الحَدِيثُ: "إنْ شِئْتَ حَبَّسْتَ أَصْلَها وتَصَدَّقْتَ بهَا" (١). والعَطَايَا: جَمْعُ عَطِيّةٍ، مثل خَلِيَّةٍ وخَلَايَا، وبَلِيّةٍ وبَلَايَا. والوَقْفُ مُسْتَحَبٌّ. ومَعْناه: تَحْبِيسُ الأَصْلِ، وتَسْبِيلُ الثَّمَرةِ. والأصل فيه ما رَوَى عبدُ اللَّه بن عمَرَ، قال: أصَابَ عمرُ أرْضًا بِخيْبَرَ فأَتَى النبيَّ ﷺ يَسْتَأْمِرُه فيها فقال: يا رَسُولَ اللَّه، إنِّي أَصَبْتُ أرْضًا بِخَيْبَرَ، لم أُصِبْ قَطُّ مالًا أنْفَسَ عِنْدِى منه، فما تَأْمُرُنِى فيها؟ فقال: "إنْ شِئْتَ حَبَّسْتَ أصْلَهَا، وتَصَدَّقْتَ بِها، غَيْرَ أنَّه لَا يُبَاعُ أَصْلُهَا، ولا يُبْتَاعُ، ولَا يُوهَبُ، ولا يُورَثُ". قال: فتَصَدَّقَ بها عمرُ في الفُقَراءِ، وذَوِى القُرْبَى، والرِّقَابِ، وابنِ السَّبِيلِ، والضِّيْفِ، لا جُنَاحَ على مَن وَلِيهَا أن يَأْكُلَ منها، أو يُطْعِمَ صَدِيقًا بالمَعْرُوفِ، غيرَ مُتَأَثِّلٍ فيه، أو غير مُتَمَوِّلٍ فيه. مُتَّفَقٌ عليه (٢). ورُوِى عن النبيِّ ﷺ ، أنَّه قال: "إذَا مَاتَ ابْنُ آدَمَ، انْقَطَعَ عَمَلُهُ إلَّا مِنْ ثَلَاثٍ: صَدَقَةٍ جارِيَةٍ، أو عِلْمٍ يُنْتَفَعُ بِهِ مِنْ بَعْدِه، أو وَلَدٍ صَالِحٍ يَدْعُو لَهُ" (٣). قال
стр. 3984
التِّرْمِذِىُّ: هذا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ. وأكْثَرُ أهْلِ العِلْمِ من السَّلَفِ ومَنْ بَعْدَهم على القَوْلِ بِصِحَّةِ الوَقْفِ. قال جابِرٌ: لم يكُنْ أحدٌ من أصْحابِ النبيِّ ﷺ ذو مَقْدِرَةٍ إلّا وَقَفَ. ولم يَرَ شُرَيْحٌ الوَقْفَ، وقال: لا حَبْسَ عن فرائِضِ اللهِ. قال أحمدُ: وهذا مذهبُ أهْلِ الكُوفَةِ. وذَهَبَ أبو حنيفةَ إلى أنَّ الوَقْفَ لا يَلْزَمُ بمُجَرَّدِه، ولِلْوَاقِفِ الرُّجُوعُ فيه، إلَّا أن يُوصِىَ به بعدَ مَوْتِه، فيَلْزَمُ، أو يَحْكُمَ بِلُزُومِه حاكِمٌ. وحَكَاهُ بعضُهم عن عَلىٍّ، وابنِ مسعودٍ، وابنِ عَبّاسٍ. وخَالَفَه صَاحِبَاه، فقالا كقَوْلِ سائِر أهْلِ العِلمِ. واحْتَجَّ بعضُهم بما رُوِىَ أنَّ عبدَ اللَّه بن زَيْدٍ، صَاحِبَ الأَذَانِ، جَعَلَ حائِطَه صَدَقَةً، وجَعَلَه إلى رسولِ اللهِ ﷺ ، فجاءَ أبَوَاه إلى رسولِ اللَّه ﷺ ، فقالا: يا رسولَ اللَّه، لم يكُنْ لنا عَيْشٌ إلّا هذا الحائِطَ. فرَدَّه رسولُ اللَّه ﷺ ، ثم ماتَا، فوَرِثَهُما. رَوَاهُ المحَامِلِىُّ (٤) في "أمَالِيهِ" (٥)، ولأنَّه أخْرَجَ مَالَه على وَجْهِ القُرْبةِ من مِلْكِه، فلم يَلْزَمْ بمُجَرَّدِ القَوْلِ، كالصَّدَقَةِ. وهذا القول يُخَالِفُ السُّنَّةَ الثابِتَةَ عن رسولِ اللَّه ﷺ ، وإجْمَاعَ الصَّحَابةِ رَضِىَ اللَّه عنهم، فإنَّ النبيَّ ﷺ قال لِعُمَرَ في وَقْفِه: "لَا يُبَاعُ أصْلُهَا، ولا يُبْتَاعُ، ولَا يُوهَبُ، ولَا يُورَثُ". قال التِّرمِذِىُّ: العَمَلُ على هذا الحَدِيثِ عندَ أهْلِ العِلْمِ من أصْحابِ النبيِّ ﷺ وغيرِهم، لا نَعْلَمُ بين [أحَدٍ من] (٦) المُتَقَدِّمِينَ منهم في ذلك اخْتِلَافًا. قال الحُمَيْدِىُّ: تَصَدَّقَ أبو بكرٍ بِدَارِه على وَلَدِه، وعمرُ بِرَبْعِه عند المَرْوَةِ على وَلَدِه، وعثمانُ بِرُومَةَ (٧)، وتَصَدَّقَ عَلِىٌّ بأَرْضِه بِيَنْبُعَ، وتَصَدَّقَ الزُّبَيْرُ بِدَارِه بمَكَّة [ودَارِه بمِصْرَ وأمْوالِه بالمدِينَةِ] (٦) على وَلَدِه،
стр. 3985
[وتَصَدَّقَ سَعْدٌ بِدَارِه بالمَدِينةِ ودَارِه بمِصْرَ على وَلَدِه، وعمرُو بن العاصِ بالوَهْطِ (٨) ودَارِه بمَكّةَ على وَلَدِه] (٩)، وحَكِيمُ بن حزامٍ بِدَارِه بمَكَّةَ والمَدِينَةِ على وَلَدِه، فذلك كلُّه إلى اليَوْمِ. وقال جابِرٌ: لم يكُنْ أحَدٌ من أصْحابِ النبيِّ ﷺ ذو مَقْدِرَةٍ إلَّا وَقَفَ. وهذا إجْماعٌ منهم، فإن الذي قَدرَ منهم على الوَقْفِ وَقَفَ، واشْتَهَر ذلك، فلم يُنْكِرْه أحدٌ، فكان إجْماعًا، ولأنَّه إزَالَةُ مِلْكٍ يَلْزَمُ بالوَصِيَّةِ، فإذا نَجَزَهُ حالَ الحَياةِ لَزِمَ من غيرِ حُكْمٍ، كالعِتْقِ. وحَدِيثُ عبدِ اللَّه بن زَيْدٍ إن ثَبَتَ، فليس فيه ذِكْرُ الوَقْفِ، والظّاهِرُ أنَّه جَعَلَه صَدَقَةً غيرَ مَوْقُوفٍ، اسْتَنَابَ فيها رسولَ اللَّه ﷺ ، فرَأَى وَالِدَيْه أحَقَّ الناسِ بِصَرْفِها إليهما، ولهذا لم يَرُدَّها عليه، إنَّما دَفَعَها إليهما. ويَحْتَمِلُ أنَّ الحائِطَ كان لهما، وكان هو يَتَصَرَّفُ فيه بحُكْمِ النِّيابةِ عنهما، فتَصَرَّفَ بهذا التَّصَرُّفِ بغير إذْنِهِما، فلم يُنَفِّذَاهُ، وأتَيَا النبيَّ ﷺ فرَدَّه إليهما. والقِيَاسُ على الصَّدَقَةِ لا يَصِحُّ؛ لأنَّها تَلْزَمُ في الحَياةِ بغيرِ حُكْمِ حاكِمٍ، وإنَّما تَفْتَقِرُ إلى القَبْضِ، والوَقْفُ لا يَفْتَقِرُ إليه، فافْتَرَقا.
٩١٨ - مسألة؛ قال أبو القاسِم، رَحْمَةُ اللَّه عليه: (ومَنْ وَقَفَ فِي صِحَّةٍ مِنْ عَقْلِهِ وبَدَنِهِ، عَلى قَوْمٍ وأَوْلَادِهِمْ وعَقِبِهمْ ثُمَّ آخِرَه لِلمَسَاكِينِ، فَقَدْ زَالَ مِلْكُه عَنْهُ)
في هذه المسألة فُصُولٌ ثلاثةُ:
أحدها: أنَّ الوَقْفَ إذا صَحَّ، زالَ به مِلْكُ الواقِفِ عنه، في الصَّحِيحِ من المَذْهَبِ. وهو المَشْهُورُ من مذهبِ الشافِعِىِّ، ومذهبِ أبى حَنِيفةَ. وعن أحمدَ: لا يَزُولُ مِلْكُه. وهو قولُ مالِكٍ، وحُكِىَ قَوْلًا لِلشّافِعِىِّ رَضِىَ اللَّه عنه؛ لقولِ النبيِّ ﷺ : "حَبِّسِ الْأصْلَ، وسَبِّلِ الثَّمَرةَ" (١). ولَنا، أنَّه سَبَبٌ يُزِيلُ التَّصَرُّفَ في
стр. 3986
الرَّقَبَةِ والمَنْفَعَةِ، فأزَالَ المِلْكَ، كالعِتْقِ، ولأنَّه لو كان مِلْكَه لَرَجَعَتْ إليه قِيمَتُه، كالمِلْكِ المُطْلَقِ، وأمَّا الخَبَرُ، فالمُرَادُ به أن يكونَ مَحْبُوسًا، لا يُبَاعُ ولا يُوهَبُ ولا يُورَثُ. وفائِدَةُ الخِلَافِ أنَّا إذا حَكَمْنا بِبَقَاءِ مِلْكِه، لَزِمَتْه مُرَاعَاتُه، والخُصُومَةُ فيه. ويَحْتَمِلُ أن يَلْزَمَهُ أرْشُ جِنَايَتِه، كما يَفْدِى أُمَّ الوَلَدِ سَيِّدُها لَمَّا تَعَذَّرَ تَسْلِيمُه، بخِلَافِ غيرِ المالِكِ.
الفصل الثاني: أنَّ ظاهِرَ هذا الكَلَامِ، أنَّه يَزُولُ المِلْكُ، ويَلْزَمُ الوَقْفُ بمُجَرَّدِ اللَّفْظِ؛ لأنَّ الوَقْفَ يَحْصُلُ به. وعن أحمدَ، ﵀، رِوَايةٌ أخْرَى، لا يلْزَمُ إلَّا بالقَبْضِ، وإخْرَاجِ الواقِفِ له عن يَدِه. وقال: الوَقْفُ المَعْرُوفُ أن يُخْرِجَه من يَدِه إلى غيرِهِ، ويُوَكِّلَ فيه مَن يَقُومُ به. اخْتَارَه ابنُ أبي موسى، وهو قولُ محمدِ بن الحَسَنِ؛ لأنَّه تَبَرُّعٌ بمالٍ لم يُخْرِجْهُ عن المالِيَّةِ، فلم يَلْزَمْ بمُجَرَّدِه، كالهِبَةِ والوَصِيَّةِ. ولَنا، ما رَوَيْناه من حَدِيثِ عمرَ، ولأنَّه تَبَرُّعٌ يَمْنَعُ البَيْعَ والهِبَةَ والمِيرَاثَ، فلَزِمَ بمُجَرَّدِه، كالعِتْقِ، ويُفَارِقُ الهِبَةَ؛ فإنَّها تَمْلِيكٌ مُطْلَقٌ، والوَقْفُ تَحْبِيسُ الأَصْلِ وتَسْبِيلُ المَنْفَعَةِ، فهو بالعِتْقِ أشْبَهُ، فإلْحاقُه به أَوْلَى.
الفصل الثالث: أنَّه لا يَفْتَقِرُ إلى القَبُولِ من المَوْقُوفِ عليه. ذَكَرَه القاضِى. وقال أبو الخَطَّابِ: إن كان الوَقْفُ على غيرِ مُعَيَّنٍ، كالمَسَاكِينِ، أو مَن لا يُتَصَوَّرُ منه القَبُولُ كالمَسَاجِدِ والقَنَاطِرِ، لم يَفْتَقِرْ إلى قَبُولٍ، وإن كان على آدَمِىٍّ مُعَيَّنٍ، ففى اشْتِرَاطِ القَبُولِ وَجْهانِ؛ أحدُهما، اشْتِرَاطُه؛ لأنَّه تَبَرُّعٌ لآدَمِىٍّ مُعَيَّنٍ، [فكان من شَرْطِه القَبُولُ، كالهِبَةِ والوَصِيَّةِ، يُحَقِّقُه أنَّ الوَصِيَّةَ إن كانت لآدَمِىٍّ مُعَيَّنٍ] (٢)، وَقَفَتْ على قَبُولِه، وإذا كانت لغيرِ مُعَيَّنٍ أو لِمَسْجِدٍ أو نحوِه، لم تَفْتَقِرْ إلى قَبُولٍ، كذا ههُنا. والوَجْهُ الثاني، لا يُشْتَرَطُ القَبُولُ؛ لأنَّه أحدُ نَوْعَىِ الوَقْفِ، فلم يُشْتَرَطْ له القَبُولُ، كالنَّوْعِ
стр. 3987
الآخَرِ، ولأنَّه إزَالَةُ مِلْكٍ يَمْنَعُ البَيْعَ والهِبَةَ والمِيرَاثَ، فلم يُعْتَبَرْ فيه القَبُولُ، كالعِتْقِ، وبهذا فارَقَ الهِبَةَ والوَصِيَّةَ. والفَرْقُ بينه وبين الهِبَةِ والوَصِيَّةِ، أنَّ الوَقْفَ لا يَخْتَصُّ المُعَيَّنَ، بل يَتَعَلَّقُ به حَقُّ من يَأْتِى من البُطُونِ في المُسْتَقْبَلِ، فيكونُ الوَقْفُ على جَمِيعِهِم، إلَّا أنَّه مُرَتَّبٌ، فصار بمَنْزِلَةِ الوَقْفِ على الفُقَرَاءِ الذي لا يَبْطُلُ بِرَدِّ واحدٍ منهم، ولا يَقِفُ على قَبُولِه، والوَصِيَّةُ لِلْمُعَيَّنِ بِخِلَافِه. وهذا مذهبُ الشافِعِىِّ. فإذا قُلْنا: لا يَفْتَقِرُ إلى القَبُولِ. لم يَبْطُلْ بِرَدِّه، وكان رَدُّه وقَبُولُه وعَدَمُهُما واحِدًا، كالعِتْقِ. وإن قُلْنا: يَفْتَقِرُ إلى القَبُولِ. فرَدَّه مَن وُقِفَ عليه، بَطَلَ في حَقِّه، وصارَ كالوَقْفِ المُنْقَطِعِ الابْتِدَاءِ. يُخَرَّجُ في صِحَّتِه في حَقِّ مَن سِوَاه وبُطْلَانِه وَجْهَانِ، بِنَاءً على تَفْرِيقِ الصَّفْقَةِ. فإن قُلْنا بِصِحَّتِه، فهل يَنْتَقِلُ في الحالِ إلى مَنْ بعدَه، أو يُصْرَفُ في الحالِ إلى مَصْرِفٍ في (٣) الوَقْفِ المُنْقَطِعِ إلى أن يَمُوتَ الذي رَدَّه، ثم يَنْتَقِلُ إلى مَنْ بعدَه؟ على وَجْهَيْنِ. وسَنَذْكُرُ ذلك في الوَقْفِ المُنْقَطِعِ الابْتِدَاءِ، إن شاءَ اللهُ تعالى.
فصل: ويَنْتَقِلُ المِلْكُ في المَوْقُوفِ إلى المَوْقُوفِ عليهم، في ظاهِرِ المذهبِ. قال أحمدُ: إذا وَقَفَ دَارَه على وَلَدِ أخِيهِ، صارَتْ لهم. وهذا يَدُلُّ على أنَّهم مَلَكُوه، ورُوِى عن أحمدَ، أنَّه لا يُمْلَكُ، فإنَّ جَمَاعةً نَقَلُوا عنه، في مَن وَقَفَ على وَرَثَتِه في مَرَضِه: يجوزُ؛ لأنَّه لا يُبَاعُ ولا يُورَثُ، ولا يَصِيرُ مِلْكًا لِلْوَرَثةِ، وإنما يَنْتَفِعُونَ بغَلَّتِها. وهذا يَدُلُّ بظاهِرِه على أنَّهم لا يَمْلِكُونَ. ويَحْتَمِلُ أن يُرِيدَ بقولِه لا يَمْلِكُونَ، أَنْ لا يَمْلِكُونَ التَّصَرُّفَ في الرَّقَبَةِ، فإنَّ فائِدَةَ المِلْكِ وآثارَه ثابِتَةٌ في الوَقْفِ. وعن الشافِعِىِّ من الاخْتِلَافِ نحوُ ما حَكَيْناه. وقال أبو حنيفةَ: لا يَنْتَقِلُ المِلْكُ في الوَقْفِ اللَّازِمِ، بل يكونُ حَقًّا للَّه تعالى؛ لأنَّه إزَالَةُ مِلْكٍ عن العَيْنِ والمَنْفَعةِ على وَجْهِ القُرْبَةِ، بِتَمْلِيكِ المَنْفَعةِ، فانْتَقَلَ المِلْكُ إلى اللَّه تعالى، كالعِتْقِ. ولَنا، أنَّه (٤) سَبَبٌ يُزِيلُ مِلْكَ الواقِفِ، وُجِدَ إلى مَنْ يَصِحُّ تَمْلِيكُه على وَجْهٍ لم يُخْرِج المالَ عن مَالِيَّتِه، فوَجَبَ أن
стр. 3988
يَنْقُلَ المِلْكَ إليه، كالهِبَةِ والبَيْعِ، ولأنَّه لو كان تَمْلِيكَ المَنْفَعَةِ المُجَرَّدَةِ لم يَلْزَمْ كالعارِيَّةِ والسُّكْنَى، ولم يَزُلْ مِلْكُ الواقِفِ عنه كالعارِيَّةِ، ويُفَارِقُ العِتْقَ، فإنَّه أخْرَجَهُ عن المالِيَّةِ، وامْتِنَاعُ التَّصَرُّفِ في الرَّقَبَةِ لا يَمْنَعُ المِلْكَ، كأُمِّ الوَلَدِ.
فصل: وألْفاظُ الوَقْفِ سِتَّةٌ، ثلاثةٌ صَرِيحَةٌ، وثَلَاثَةٌ كِنَايَةٌ، فالصَّرِيحَةُ: وَقَفْتُ، وحَبَّسْتُ، وسَبَّلْتُ. متى أتى بواحِدَةٍ من هذه الثَّلَاثِ، صارَ وَقْفًا من غير انْضِمَامِ أمْرٍ زائِدٍ؛ لأنَّ هذه الألفَاظَ ثَبَتَ لها عُرْفُ الاسْتِعْمالِ بين الناسِ، وانْضَمَّ إلى ذلك عُرْفُ الشَّرْعِ، بقول النبيِّ ﷺ لِعمرَ: "إن شِئْتَ حَبَّسْتَ أصْلَها، وسَبَّلْتَ ثَمَرَتَها" (٥). فصارَتْ هذه الألْفَاظُ في الوَقْفِ كلَفْظِ التَّطْلِيقِ في الطَّلَاقِ. وأما الكِنَايَة، فهى: تَصَدَّقْتُ، وحَرَّمْتُ، وأبَّدْتُ. فليست صَرِيحةً؛ لأنَّ لَفْظَةَ الصَّدَقَةِ والتَّحْرِيمِ مُشْتَرَكَةٌ، فإنَّ الصَّدَقَةَ تُسْتَعْمَلُ في الزَّكَاةِ والهِبَاتِ، والتَّحْرِيمَ يُسْتَعْمَلُ في الظِّهَارِ والأَيْمانِ، ويكونُ تَحْرِيمًا على نَفْسِه وعلى غيره، والتَأْبِيدَ يَحْتَمِلُ تَأْبِيدَ التَّحْرِيمَ، وتَأْبِيدَ الوَقْفِ، ولم يَثْبُتْ لهذه الأَلْفاظِ عُرْفُ الاسْتِعْمالَ، فلا يَحْصُلُ الوَقْفُ بمُجَرَّدِها، ككِنَاياتِ الطَّلَاقِ فيه. فإن انْضَمَّ إليها أحَدُ ثلاثةِ أشْياء، حَصَلَ الوَقْفُ بها، أحدها، أن يَنضَمَّ إليها لَفْظَةٌ أخرى تُخَلِّصُها من الألْفاظِ الخَمْسةِ، فيقول: صَدَقَةٌ مَوْقُوفَةٌ، أو مُحَبَّسَةٌ، أو مُسَبَّلَةٌ، أو مُحَرَّمَةٌ، أو مُؤَبَّدَةٌ. أو يقول: هذه مُحَرَّمَةٌ مَوْقُوفَةٌ، أو مُحَبَّسَةٌ، أو مُسَبَّلَةٌ، أو مُؤَبَّدَةٌ. الثاني، أن يَصِفَها بصِفَاتِ الوَقْفِ، فيقولَ: صَدَقَةٌ لا تُبَاعُ، ولا تُوهَبُ، ولا تُورَثُ؛ لأنَّ هذه القَرِينَةَ تُزِيلُ الاشْتِرَاكَ. الثالث، أن يَنْوِىَ الوَقْفَ، فيكون على ما نَوَى، إلَّا أنَّ النِّيَّةَ تَجْعَلُه وَقْفًا في الباطِنِ دُونَ الظاهِرِ، لِعَدَمِ الاطِّلَاعِ على ما في الضَّمائِرِ، فإن اعْتَرَف بما نَوَاه، لَزِمَ في الحُكْمِ؛ لِظُهُورِه، وإن قال: ما أرَدْتُ الوَقْفَ. فالقولُ قولُه، لأنَّه أعْلَمُ بما نَوَى.
стр. 3989
فصل: وظاهِرُ مذهبِ أحمدَ أن الوَقْفَ يَحْصُلُ بالفِعْلِ مع القَرَائِنِ الدَّالّةِ عليه، مثل أن يَبْنِىَ مَسْجِدًا، ويَأْذَنَ لِلنَّاسِ في الصَّلَاةِ فيه، أو مَقْبَرَةً، ويَأْذَنَ في الدَّفْنِ فيها، أو سِقَايةً، ويَأْذَنَ في دُخُولِها، فإنَّه قال: في رِوَايةِ أبى دَاوُدَ، وأبى طالِبٍ، في مَن أدْخَلَ بَيْتًا في المَسْجِدِ وأَذِنَ فيه، لم يَرْجِعْ فيه. وكذلك إذا (٦) اتَّخَذَ المقَابِرَ وأذِنَ للنَّاسِ، والسِّقاية، فليس له الرُّجُوعُ، وهذا قولُ أبى حنيفةَ. وذَكَرَ القاضي فيه رِوَايةً أخرى، أنَّه لا يَصِيرُ وَقْفًا إلَّا بالقَوْلِ. وهذا مذهبُ الشافِعِىِّ. وأخَذَه القاضي من قولِ أحمدَ، إذ سَأَلَهُ الأثْرَمُ عن رَجُلٍ أحَاطَ حائِطًا على أرْضٍ، لِيَجْعَلَها مَقبَرَةً، ونَوَى بِقَلْبه، ثم بَدَا له العَوْدُ؟ فقال: إن كان جَعَلَها للهِ، فلا يَرْجِعْ. وهذا لا يُنَافِى الرِّوَايةَ الأُولَى، فإنَّه أرَادَ بقَوْلِه: إن كان جَعَلَها لِلهِ أى نَوَى بِتَحْوِيطِها جَعْلَها لِلهِ. فهذا تَأْكِيدٌ لِلرِّوَايةِ الأُولَى، وزِيَادَةٌ عليها، إذ مَنَعَهُ من الرُّجُوعِ بمُجَرَّدِ التَّحْوِيطِ مع النِّيّةِ. وإن أرَادَ بقَوْلِه: جَعَلَها لِلهِ. أي: اقْتَرَنَتْ بفِعْلِه قَرائِنُ دَالّةٌ على إرَادَةِ ذلك، من إذْنِه للنَّاسِ في الدَّفْنِ فيها، فهى الرِّوَايةُ الأُولَى بِعَيْنِها، وإن أرَادَ: وَقَفَها (٧) بِلِسَانِه، فيَدُلُّ بمَفْهُومِه على أنَّ الوَقْفَ لا يَحْصُلُ بمُجَرَّدِ التَّحْوِيطِ والنِّيَّةِ، وهذا لا يُنَافِى الرِّوَايةَ الأُولَى؛ لأنَّه في الأُولَى انْضَمَّ إلى فِعْلِه إذْنُه للنَّاسِ في الدَّفْنِ، ولم يُوجَدْ ههُنا، فلا تَنَافِىَ بينهما، ثم لم يُعْلَمْ مُرَادُه من هذه الاحْتِمالاتِ، فانْتَفَتْ هذه الرِّوَايةُ، وصارَ المذهبُ رِوَايةً واحِدَةً. واللَّه أعلمُ. واحْتَجُّوا بأن هذا تَحْبِيسُ أصْلٍ على وَجْهِ القُرْبةِ، فوَجَبَ أن لا يَصِحَّ بدون اللَّفْظِ، كالوَقْفِ على الفُقَراءِ. ولَنا، أنَّ العُرْفَ جارٍ بذلك، وفيه دَلَالَةٌ على الوَقْفِ، فجازَ أن يَثْبُتَ به، كالقولِ، وجَرَى مَجْرَى مَن قَدَّمَ إلى ضَيْفِه طَعَامًا، كان إذْنًا في أكْلِه، ومن مَلأَ خابِيةَ ماءٍ على الطَّرِيقِ، كان تَسْبِيلًا له، ومن نَثَرَ على الناسِ نِثَارًا، كان إذْنًا في الْتِقَاطِه، وأُبِيحَ أخْذُه. وكذلك دُخُولُ الحَمّامِ، واسْتِعْمالُ مائِه من غيرِ إذْنٍ مُبَاحٌ بِدَلَالةِ الحالِ. وقد قَدَّمْنَا في البَيْعِ أنَّه يَصِحُّ بالمُعَاطاةِ من غيرِ لَفْظٍ،
стр. 3990
وكذلك الهِبَةُ والهَدِيّةُ، لِدَلَالةِ الحالِ، فكذلك ههُنا. وأمَّا الوَقْفُ على المَسَاكِينِ، فلم تَجْرِ به عادَةٌ بغير لَفْظٍ، ولو كان شيءٌ جَرَتْ به العادَةُ، أو دَلَّتْ الحالُ عليه، كان كمَسْأَلَتِنا. واللَّه أعلمُ.
٩١٩ - مسألة؛ قال: (وَلَا يَجُوزُ أنْ يَرْجِعَ إلَيْهِ شَىْءٌ مِنْ مَنَافِعِهِ)
وجملةُ ذلك أنَّ مَنْ وَقَفَ شَيْئًا وَقْفًا صَحِيحًا، فقد صارَتْ مَنَافِعُه جَمِيعُها لِلْمَوقُوفِ عليه، وزَالَ عن الواقِفِ مِلْكُه، ومِلْكُ مَنَافِعِه، فلم يَجُزْ أن يَنْتَفِعَ بشيءٍ منها، إلَّا أن يكونَ قد وَقَفَ شَيْئًا لِلْمُسْلِمينَ، فيَدْخُلُ في جُمْلَتِهِم، مثل أن يَقِفَ مَسْجِدًا، فله أن يُصَلِّىَ فيه، أو مَقْبَرةً فله الدَّفْنُ فيها، أو بِئرًا للمُسْلِمِينَ، فله أن يَسْتَقِىَ منهَا، أو سِقَايةً، أو شَيْئًا يَعُمُّ المُسْلِمِينَ، فيكونُ كأحَدِهِم. لا نَعْلَمُ في هذا كله خِلَافًا. وقد رُوِى عن عثمانَ بن عَفَّانَ، رَضِىَ اللَّه عنه، أنَّه سَبَّلَ بِئْرَ رُومَة، وكان دَلْوُه فيها كدِلَاءِ المُسْلِمِينَ.
٩٢٠ - مسألة؛ قال: (إلَّا أنْ يَشْتَرِطَ أنْ يَأْكُلَ مِنْهُ، فَيَكُونُ لَهُ مِقْدَارُ مَا يَشْتَرِطُ)
وجملتُه أنَّ الواقِفَ إذا اشْتَرَطَ في الوَقْفِ أن يُنْفِقَ منه على نَفْسِه، صَحَّ الوَقْفُ والشَّرْطُ. نَصَّ عليه أحمدُ. قال الأثْرَمُ: قيل لأبي عبدِ اللَّه: يَشْتَرِطُ في الوَقْفِ أنِّى أُنْفِقُ على نَفْسِى وأهْلِى منه؟ قال: نعم. واحْتَجَّ، قال: سَمِعْتُ ابنَ عُيَيْنةَ، عن ابن طاوُسٍ، عن أبيه، عن حُجْرٍ المَدَرِىِّ، أنَّ في صَدَقَةِ رَسُولِ اللَّه ﷺ أن يَأْكُلَ منها أهْلُه بالمَعْرُوفِ غيرِ المُنْكَرِ. وقال القاضي: يَصِحُّ الوَقْفُ، رِوَايةً واحِدَةً؛ لأنَّ أحمدَ نَصَّ عليها في رِوَايةِ جماعةٍ. وبذلك قال ابنُ أبي لَيْلَى، وابنُ شُبْرُمةَ، وأبو يوسفَ، والزُّبَيْرُ، وابنُ سُرَيْجٍ. وقال مالِكٌ، والشافِعِىُّ، ومحمدُ بن الحَسَنِ: لا يَصِحُّ الوَقْفُ؛ لأنَّه إزَالَةُ المِلْكِ، فلم يَجُز اشْتِرَاطُ نَفْعِه لِنَفْسِه، كالبَيْعِ والهِبَةِ، وكما لو أعْتَقَ عَبْدًا بِشَرْطِ أن يَخْدِمَه، ولأنَّ ما يُنْفِقُه على نَفْسِه مَجْهُولٌ، فلم يَصِحَّ اشْتِرَاطُه، كما لو باعَ شيئًا واشْتَرَطَ أن يَنْتَفِعَ به. ولَنا، الخَبَرُ الذي ذَكَرَه الإِمامُ أحمدُ، ولأنَّ عمَرَ
стр. 3991
رَضِىَ اللَّه عنه، لَمَّا وَقَفَ قال: ولا بَأْسَ على من وَلِيَها أن يَأْكُلَ منها، أو يُطْعِمَ صَدِيقًا، غيرَ مُتَمَوِّلٍ فيه (١). وكان الوَقْفُ في يَدِه إلى أن ماتَ. ولأنَّه إذا وَقَفَ وَقْفًا عَامًّا، كالمَسَاجِدِ، والسِّقَاياتِ، والرِّباطَاتِ، والمَقَابِرِ، كان له الانْتِفَاعُ به، فكذلك ههُنا. ولا فَرْقَ بين أن يَشْتَرِطَ لِنَفْسِه الانْتِفَاعَ به مُدَّةَ حَيَاتِه، أو مُدَّةً مَعْلُومةً مُعَيَّنةً، وسواءٌ قَدَّرَ ما يَأْكُلُ منه، أو أطْلَقَه؛ فإنَّ عمرَ، رَضِىَ اللَّه عنه، لم يُقَدِّرْ ما يَأْكُلُ الوالِى ويُطْعِمُ إلَّا بقولِه: بالمَعْرُوفِ. وفي حَدِيثِ صَدَقَةِ رَسولِ اللَّه ﷺ ، أنَّه شَرَطَ أن يَأْكُلَ أهْلُه منها بالمَعْرُوفِ غيرِ المُنْكَرِ. إلَّا أنَّه إذا شَرَطَ أن يَنْتَفِعَ به مُدَّةً مُعَيَّنةً. فماتَ فيها، فيَنْبَغِى أن يكونَ ذلك لِوَرَثَتِه، كما لو باعَ دارًا واشْتَرَطَ أن يَسْكُنَها سَنَةً، فماتَ في أثْنائِها. واللَّه أعلم.
فصل: وإن شَرَطَ أن يَأْكُلَ أهْلُه منه، صَحَّ الوَقْفُ والشَّرْطُ؛ لأنَّ النبيَّ ﷺ شَرَطَ ذلك في صَدَقَتِه. وإن اشْتَرَطَ أن يَأْكُلَ مَنْ وَلِيَه منه، ويُطْعِمَ صَدِيقًا، جازَ؛ لأنَّ عمَرَ رَضِىَ اللَّه عنه شَرَطَ ذلك في صَدَقَتِه، التي اسْتَشَارَ فيها رسولَ اللَّه ﷺ ، فإن وَلِيَها الواقِفُ، كان له أن يَأْكُلَ ويُطْعِمَ صَدِيقًا؛ لأنَّ عمرَ وَلِىَ صَدَقَتَه. وإن وَلِيَها أحدٌ من أهْلِه، كان له ذلك؛ لأنَّ حَفْصَةَ بِنْتَ عمرَ كانت تَلِى صَدَقَتَه بعد مَوْتِه، ثم وَلِيَها بعدَها عبدُ اللَّه بن عُمَرَ.
فصل: وإن شَرَطَ أن يَبِيعَه متى شاءَ، أو يَهَبَه، أو يَرْجِعَ فيه، لم يَصِحَّ الشَّرْطُ، ولا الوَقْفُ. لا نَعْلَمُ فيه خِلَافًا؛ لأنَّه يُنَافِى مُقْتَضَى الوَقْفِ. ويَحْتَمِلُ أن يَفْسُدَ الشَّرْطُ، ويَصِحَّ الوَقْفُ، بِنَاءً على الشُّرُوطِ الفاسِدَةِ في البَيْعِ. وإن شَرَطَ الخِيَارَ في الوَقْفِ، فَسَدَ. نَصَّ عليه أحمدُ. وبه قال الشافِعىُّ. وقال أبو يوسفَ، في رِوَايةٍ عنه: يَصِحُّ؛ لأنَّ الوَقْفَ تَمْلِيكُ المنَافِعِ، فجازَ شَرْطُ الخِيَارِ فيه، كالإِجَارَةِ. ولَنا، أنه
стр. 3992
شَرْطٌ يُنَافِى مُقْتَضَى العَقْدِ فلم يَصِحَّ، كما لو شَرَطَ أنَّ له بَيْعَهُ متى شاءَ، ولأنَّه إزَالَةُ مِلْكٍ للهِ تعالى، فلم يَصِحَّ اشْتِرَاطُ الخِيَارِ فيه كالعِتْقِ (٢)، ولأنَّه ليس بعَقْدِ مُعَاوَضَةٍ، فلم يَصِحَّ اشْتِراطُ الخِيَارِ فيه، كالهِبَةِ. ويُفَارِقُ الإِجارَةَ، فإنها عَقْدُ مُعَاوَضةٍ، وهى نَوْعٌ من البَيْعِ، ولأنَّ الخِيَارَ إذا دَخَلَ في العَقْدِ، مَنَعَ ثُبُوتَ حُكمِه قبلَ انْقِضَاءِ الخِيَارِ أو التَّصَرُّفِ، وههُنا لو ثَبَتَ الخِيَارُ، لَثَبَتَ مع ثُبُوتِ حُكْمِ الوَقْفِ، ولم يَمْنَعِ التَّصَرُّفَ، فافْتَرَقَا.
فصل: وإن شَرَطَ في الوَقْفِ أن يُخْرِجَ مَنْ شاءَ مِن أهْلِ الوَقْفِ، ويُدْخِلَ مَنْ شاءَ من غيرِهم، لم يَصِحَّ؛ لأنَّه شَرْطٌ يُنَافِى مُقْتَضَى الوَقْفِ، فأفْسَدَه. كما لو شَرَطَ أن لا يَنْتَفِعَ به (٣). وإن شَرَطَ لِلنّاظِرِ أن يُعْطِىَ من يشَاءُ من أهْلِ الوَقْفِ، ويَحْرِمَ مَن يَشَاءُ، جازَ؛ لأنَّ ذلك ليس بإخْرَاجٍ لِلْمَوْقُوفِ عليه من الوَقْفِ، وإنَّما عَلَّقَ اسْتِحْقاقَ الوَقْفِ بصِفَةٍ، فكأنَّه جَعَلَ له حَقًّا في الوَقْفِ، إذا اتَّصَفَ بإرَادَةِ الوَالِى لِعَطِيَّتِه (٤)، ولم يَجْعَلْ له حَقًّا إذا انْتَفَتْ تلك الصِّفَةُ فيه، فأشْبَهَ ما لو وَقَفَ على المُشْتَغِلِينَ بالعِلْمِ (٥) من وَلَدِه، فإنَّه يَسْتَحِقُّ منهم مَن اشْتَغَلَ به دُونَ مَن لم يَشْتَغِلْ، فلو تَرَكَ المُشْتَغِلُ الاشْتِغَالَ زَالَ اسْتِحْقاقُه (٦)، وإذا عادَ إليه عادَ اسْتِحْقَاقُه. واللَّه أعلمُ.
فصل: إذا جَعَلَ عُلْوَ دارِه مَسْجِدًا دُونَ سُفْلِها، أو سُفْلَها دون عُلْوِها، صَحَّ، وقال أبو حنيفةَ: لا يَصِحُّ؛ لأنَّ المَسْجِدَ يَتْبَعُه هَواؤُه. ولَنا، أنَّه يَصِحُّ بَيْعُها، كذلك يَصِحُّ (٧) وَقْفُه، كالدَّارِ جَمِيعِها، ولأنَّه تَصَرُّفٌ يُزِيلُ المِلْكَ إلى مَن يَثْبُتُ له حَقُّ الاسْتِقْرارِ والتَّصَرُّفِ، فجازَ فيما ذَكَرْنا كالبَيْعِ.
стр. 3993
فصل: وإن جَعَلَ وَسَطَ دارِه مَسْجِدًا، ولم يَذْكُر الاسْتِطْرَاقَ، صَحَّ، وقال أبو حنيفةَ: لا يَصِحُّ حتى يَذْكُرَ الاسْتِطْرَاقَ. ولَنا، أنّه عَقْدٌ يُبِيحُ الانْتِفاعَ، من ضَرُورَتِه الاسْتِطْرَاقُ، فصَحَّ، وإن لم يَذْكُر الاسْتِطْراقَ، كما لو أجَرَ بَيْتًا من دَارِه.
فصل: إذا وَقَفَ على نَفْسِه، ثم على المَسَاكِينِ، أو على وَلَدِه، ففيه رِوَايَتانِ؛ إحْداهما، لا يَصِحُّ؛ فإنَّه قال، في رِوَايةِ أبى طَالِبٍ، وقد سُئِلَ عن هذا، فقال: لا أعْرِفُ الوَقْف إلَّا ما أخْرَجَهُ لِلهِ، [وفى سَبِيلِ اللَّه] (٨)، فإذا وَقَفَهُ عليه حتى يَمُوتَ، فلا أعْرِفُه. فعلى هذه الرِّوَايةِ يكونُ الوَقْفُ عليه باطِلًا. وهل يَبْطُلُ الوَقْفُ على مَنْ بَعدَه؟ على وَجْهَيْنِ، بنَاءً على الوَقْفِ المُنْقَطِعِ الابْتِداءِ. وهذا مذهبُ الشافِعِىِّ؛ لأنَّ الوَقْفَ تَمْلِيكٌ لِلرَّقَبةِ والمَنْفَعةِ (٩)، ولا يجوزُ أن يُمَلِّكَ الإِنْسانُ نَفْسَهُ من نَفْسِه، كما لا يجوزُ أن يَبِيعَ نَفْسَهَ مالَ نَفْسِه، ولأنَّ الوَقْفَ على نَفْسِه إنَّما حاصِلُه مَنْعُ نَفْسِه التَّصَرُّفَ في رَقَبةِ المِلْكِ، فلم يَصِحَّ ذلك، كما لو أفْرَدَه بأن يقولَ: لا أبِيعُ هذا ولا أهَبُه ولا أُوَرِّثُه. ونَقَلَ جَمَاعةٌ أنَّ الوَقْفَ صَحِيحٌ، اخْتَارَه ابنُ أبي موسى. قال ابنُ عَقِيلٍ: وهى أصَحُّ. وهو قولُ ابنِ أبي لَيْلَى، وابن شُبْرُمَةَ، وأبى يوسفَ، وابنِ سُرَيْجٍ؛ لما ذَكَرْنا فيما إذا اشْتَرَطَ أن يَرْجِعَ إليه شيءٌ من مَنَافِعِه، ولأنَّه يَصِحُّ أن يَقِفَ وَقْفًا عامًّا فيَنْتَفِعَ به، كذلك إذا خَصَّ نَفْسَه بِانْتِفَاعِه، والأَوَّلُ أقْيَسُ.
٩٢١ - مسألة؛ قال: (والْبَاقِى عَلَى مَنْ وَقَفَ عَلَيْهِ وأوْلَادِهِ الذُّكُورِ والإِنَاثِ مِنْ أَوْلَادِ الْبَنِينَ بَيْنَهُمْ بالسَّوِيَّةِ، إلَّا أنْ يَكُونَ الْوَاقِفُ فَضَّلَ بَعْضَهُمْ)
في هذه المسألة فصولٌ أرْبَعةٌ:
стр. 3994
الأول: أنَّه إذا وَقَفَ على قَوْمٍ وأَوْلَادِهم وعَقِبِهم ونَسْلِهِم، كان الوَقْفُ بين القَوْمِ وأوْلَادِهِم، ومَنْ حَدَثَ من نَسْلهم، على سَبِيلِ الاشْتِرَاكِ، إن لم تَقْتَرِنْ به قَرِينَةٌ تَقْتَضِى تَرْتِيبًا؛ لأنَّ الواوَ تَقْتَضِى الاشْتِرَاكَ، فإذا اجْتَمَعُوا اشْتَرَكُوا، ولم يُقَدَّمْ بعضُهم على بعضٍ، ويُشَارِكُ الآخِرُ الأَوَّلَ، وإن كان من البَطْنِ العاشِرِ، وإذا حَدَثَ حَمْلٌ لم يُشَارِكْ حتى يَنْ فَصِلَ ؛ لأنَّه يَحْتَمِلُ أن لا يكونَ حَمْلًا، فلا يَثْبُتُ له حُكْمُ الوَلَدِ قبلَ انْفِصَالِه.
فصل: فإن قال: وَقَفْتُ على أَوْلَادِى، ثم على المَسَاكِينِ. أو قال: عَلَى وَلَدِى، ثم على المَسَاكِينِ. أو على وَلَدِ فُلَانٍ، ثم على المَسَاكِينِ. فقد رُوِى عن أحمدَ ما يَدُلُّ على أنَّه يكونُ وَقْفًا على أوْلادِه، وأوْلَادِ أوْلَادِه، من الأَوْلَادِ البَنِين، ما لم تكُنْ قَرِينَةٌ تَصْرِفُ عن ذلك. قال الْمَرُّوذِىُّ: قلتُ لأبِى عبدِ اللَّه: ما تقولُ في رَجُلٍ وَقَفَ ضَيْعَةً على وَلَدِه، فماتَ الأَوْلادُ، وتَرَكُوا النُّسْوَةَ حَوَامِلَ؟ فقال: كلُّ ما كان من أَوْلَادِ الذُّكُورِ، بَنَاتٍ كُنَّ أو بَنِينَ، فالضَّيْعَةُ مَوْقُوفةٌ عليهم، وما كان من أوْلَادِ البَنَاتِ، فليس لهم فيه (١) شيءٌ؛ لأنَّهم من رَجُلٍ آخَرَ. وقال أيضًا في مَن وَقَفَ على وَلَدِ عليِّ بن إسماعِيلَ، ولم يَقُلْ: إن ماتَ وَلَدُ (٢) عليِّ بن إسماعيلَ دُفِعَ إلى وَلَدِ وَلَدِه، فماتَ وَلَدُ علىِّ بن إسماعيلَ: دُفِعَ إلى وَلدِه أيضًا؛ لأنَّ هذا من وَلَدِ علىِّ بن إسماعيلَ. وَوَجْهُ ذلك أنَّ اللهَ تعالى قال: ﴿يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ﴾ (٣). فدَخَلَ فيه وَلَدُ البَنِين وإن سَفَلُوا. ولمَّا قال: ﴿وَلِأَبَوَيْهِ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا السُّدُسُ مِمَّا تَرَكَ إِنْ كَانَ لَهُ وَلَدٌ﴾ (٣). فتَنَاوَلَ وَلَدَ البَنِين، وكذلك كلُّ مَوْضِعٍ ذَكَرَ اللَّه تعالى الوَلَدَ دَخَلَ فيه وَلَدُ البَنِين، فالمُطْلَقُ من كَلَامِ الآدَمِىِّ إذا خَلَا عن قَرِينَةٍ، يَنْبَغِى أن يُحْمَلَ على المُطْلَقِ من كلامِ اللَّه تعالى، ويُفَسَّرُ بما يُفَسَّرُ به. ولأنَّ وَلَدَ وَلَدِه وَلَدٌ
стр. 3995
له، بِدَلِيلِ قولِ اللَّه تعالى: ﴿يَابَنِي آدَمَ﴾ و ﴿يَابَنِي إِسْرَائِيلَ﴾. وقال النبيُّ ﷺ : "ارْمُوا بَنِى إسْمَاعِيلَ، فَإنَّ أبَاكُمْ كَانَ رَامِيًا" (٤). وقال: "نَحْن بَنُو النَّضْرِ بْنِ كِنَانَةَ" (٥). والقَبَائِلُ كلها تُنْسَبُ إلى جُدُودِها. ولأنَّه لو وَقَفَ على وَلَدِ فُلَانٍ، وهم قَبِيلَةٌ، دَخَلَ فيه وَلَدُ البَنِين، فكذلك إذا لم يَكُونُوا قَبِيلَةً. وقال القاضي، وأصْحابُه: لا يَدْخُل فيه وَلَدُ الوَلَدِ بحالٍ، سواءٌ في ذلك وَلَدُ البَنِين وَوَلَدُ البَنَاتِ؛ لأنَّ الوَلَدَ حَقِيقَةٌ وعُرْفًا إنَّما هو وَلَدُه لِصُلْبِه، وإنَّما يُسَمَّى وَلَدُ الوَلَدِ وَلَدًا مجازًا، ولهذا يَصِحُّ نَفْيُه، فيُقال: ما هذا وَلَدِى، إنَّما هو وَلَدُ وَلَدِى. وإن قال: على وَلَدِى لِصُلْبِى. فهو آكَدُ. وإن قال: على وَلَدِى، وَوَلَدِ وَلَدِى، ثم على المَسَاكِينِ. دَخَلَ فيه البَطْنُ الأَوّلُ والثانى، ولم يَدْخُلْ فيه البَطْنُ الثالِثُ وإن قال: على وَلَدِى، وَوَلَدِ وَلَدِى، وَوَلَدِ وَلَدِ وَلَدِى. دَخَلَ فيه ثلاثةُ بُطُونٍ دُونَ مَنْ بعدَهم. ومَوْضِعُ الخِلَافِ المُطْلَق، فأمَّا مع وُجُودِ دَلَالَةٍ تَصْرِفُ إلى أحدِ المَحْمِلَيْنِ، فإنَّه يُصْرَفُ إليه بغيرِ خِلَافٍ، مثل أن يقولَ: على وَلَدِ فُلَانٍ. وهم قَبِيلَةٌ ليس فيهم وَلَدٌ من صُلْبِه، فإنَّه يُصْرَفُ إلى أوْلادِ الأَوْلادِ بغير خِلَافٍ. وكذلك إن قال: على أوْلَادِى، أو وَلَدِى. وليس له وَلَدٌ من صُلْبِه. أو قال: ويُفَضَّلُ وَلَدُ الأَكْبَرِ أو الأعْلَمِ على غيرِهم. أو قال: فإذا خَلَتِ الأرْضُ من عَقِبِى عادَ إلى المَسَاكِينِ. أو قال: على وَلَدِى غيرِ وَلَدِ البَناتِ. أو غير وَلَدِ فُلَانٍ. أو قال: يُفَضَّلُ البَطْنُ الأَعْلَى على الثاني. أو قال: الأَعْلَى فالأعْلَى. وأشْباه ذلك، فهذا يُصْرَفُ لَفْظُه إلى جَمِيعِ نَسلِه وعاقِبَته. وإن اقْتَرَنَتْ به قَرِينَةٌ تَقْضِى تَخْصيِصَ أوْلادِه لِصُلْبِه بالوَقْفِ، مثل أن يقول: على وَلَدِى لِصُلْبِى. أو الذين يَلُونَنِى. ونحو هذا، فإنَّه يَخْتَصُّ بالبَطْنِ الأَوَّلِ دُونَ غيرِهم. وإذا قُلْنا بالتَّعْمِيم فيهم،