رَضِىَ اللَّه عنه، لَمَّا وَقَفَ قال: ولا بَأْسَ على من وَلِيَها أن يَأْكُلَ منها، أو يُطْعِمَ صَدِيقًا، غيرَ مُتَمَوِّلٍ فيه (١). وكان الوَقْفُ في يَدِه إلى أن ماتَ. ولأنَّه إذا وَقَفَ وَقْفًا عَامًّا، كالمَسَاجِدِ، والسِّقَاياتِ، والرِّباطَاتِ، والمَقَابِرِ، كان له الانْتِفَاعُ به، فكذلك ههُنا. ولا فَرْقَ بين أن يَشْتَرِطَ لِنَفْسِه الانْتِفَاعَ به مُدَّةَ حَيَاتِه، أو مُدَّةً مَعْلُومةً مُعَيَّنةً، وسواءٌ قَدَّرَ ما يَأْكُلُ منه، أو أطْلَقَه؛ فإنَّ عمرَ، رَضِىَ اللَّه عنه، لم يُقَدِّرْ ما يَأْكُلُ الوالِى ويُطْعِمُ إلَّا بقولِه: بالمَعْرُوفِ. وفي حَدِيثِ صَدَقَةِ رَسولِ اللَّه ﷺ ، أنَّه شَرَطَ أن يَأْكُلَ أهْلُه منها بالمَعْرُوفِ غيرِ المُنْكَرِ. إلَّا أنَّه إذا شَرَطَ أن يَنْتَفِعَ به مُدَّةً مُعَيَّنةً. فماتَ فيها، فيَنْبَغِى أن يكونَ ذلك لِوَرَثَتِه، كما لو باعَ دارًا واشْتَرَطَ أن يَسْكُنَها سَنَةً، فماتَ في أثْنائِها. واللَّه أعلم.
فصل: وإن شَرَطَ أن يَأْكُلَ أهْلُه منه، صَحَّ الوَقْفُ والشَّرْطُ؛ لأنَّ النبيَّ ﷺ شَرَطَ ذلك في صَدَقَتِه. وإن اشْتَرَطَ أن يَأْكُلَ مَنْ وَلِيَه منه، ويُطْعِمَ صَدِيقًا، جازَ؛ لأنَّ عمَرَ رَضِىَ اللَّه عنه شَرَطَ ذلك في صَدَقَتِه، التي اسْتَشَارَ فيها رسولَ اللَّه ﷺ ، فإن وَلِيَها الواقِفُ، كان له أن يَأْكُلَ ويُطْعِمَ صَدِيقًا؛ لأنَّ عمرَ وَلِىَ صَدَقَتَه. وإن وَلِيَها أحدٌ من أهْلِه، كان له ذلك؛ لأنَّ حَفْصَةَ بِنْتَ عمرَ كانت تَلِى صَدَقَتَه بعد مَوْتِه، ثم وَلِيَها بعدَها عبدُ اللَّه بن عُمَرَ.
فصل: وإن شَرَطَ أن يَبِيعَه متى شاءَ، أو يَهَبَه، أو يَرْجِعَ فيه، لم يَصِحَّ الشَّرْطُ، ولا الوَقْفُ. لا نَعْلَمُ فيه خِلَافًا؛ لأنَّه يُنَافِى مُقْتَضَى الوَقْفِ. ويَحْتَمِلُ أن يَفْسُدَ الشَّرْطُ، ويَصِحَّ الوَقْفُ، بِنَاءً على الشُّرُوطِ الفاسِدَةِ في البَيْعِ. وإن شَرَطَ الخِيَارَ في الوَقْفِ، فَسَدَ. نَصَّ عليه أحمدُ. وبه قال الشافِعىُّ. وقال أبو يوسفَ، في رِوَايةٍ عنه: يَصِحُّ؛ لأنَّ الوَقْفَ تَمْلِيكُ المنَافِعِ، فجازَ شَرْطُ الخِيَارِ فيه، كالإِجَارَةِ. ولَنا، أنه
стр. 3992
شَرْطٌ يُنَافِى مُقْتَضَى العَقْدِ فلم يَصِحَّ، كما لو شَرَطَ أنَّ له بَيْعَهُ متى شاءَ، ولأنَّه إزَالَةُ مِلْكٍ للهِ تعالى، فلم يَصِحَّ اشْتِرَاطُ الخِيَارِ فيه كالعِتْقِ (٢)، ولأنَّه ليس بعَقْدِ مُعَاوَضَةٍ، فلم يَصِحَّ اشْتِراطُ الخِيَارِ فيه، كالهِبَةِ. ويُفَارِقُ الإِجارَةَ، فإنها عَقْدُ مُعَاوَضةٍ، وهى نَوْعٌ من البَيْعِ، ولأنَّ الخِيَارَ إذا دَخَلَ في العَقْدِ، مَنَعَ ثُبُوتَ حُكمِه قبلَ انْقِضَاءِ الخِيَارِ أو التَّصَرُّفِ، وههُنا لو ثَبَتَ الخِيَارُ، لَثَبَتَ مع ثُبُوتِ حُكْمِ الوَقْفِ، ولم يَمْنَعِ التَّصَرُّفَ، فافْتَرَقَا.
فصل: وإن شَرَطَ في الوَقْفِ أن يُخْرِجَ مَنْ شاءَ مِن أهْلِ الوَقْفِ، ويُدْخِلَ مَنْ شاءَ من غيرِهم، لم يَصِحَّ؛ لأنَّه شَرْطٌ يُنَافِى مُقْتَضَى الوَقْفِ، فأفْسَدَه. كما لو شَرَطَ أن لا يَنْتَفِعَ به (٣). وإن شَرَطَ لِلنّاظِرِ أن يُعْطِىَ من يشَاءُ من أهْلِ الوَقْفِ، ويَحْرِمَ مَن يَشَاءُ، جازَ؛ لأنَّ ذلك ليس بإخْرَاجٍ لِلْمَوْقُوفِ عليه من الوَقْفِ، وإنَّما عَلَّقَ اسْتِحْقاقَ الوَقْفِ بصِفَةٍ، فكأنَّه جَعَلَ له حَقًّا في الوَقْفِ، إذا اتَّصَفَ بإرَادَةِ الوَالِى لِعَطِيَّتِه (٤)، ولم يَجْعَلْ له حَقًّا إذا انْتَفَتْ تلك الصِّفَةُ فيه، فأشْبَهَ ما لو وَقَفَ على المُشْتَغِلِينَ بالعِلْمِ (٥) من وَلَدِه، فإنَّه يَسْتَحِقُّ منهم مَن اشْتَغَلَ به دُونَ مَن لم يَشْتَغِلْ، فلو تَرَكَ المُشْتَغِلُ الاشْتِغَالَ زَالَ اسْتِحْقاقُه (٦)، وإذا عادَ إليه عادَ اسْتِحْقَاقُه. واللَّه أعلمُ.
فصل: إذا جَعَلَ عُلْوَ دارِه مَسْجِدًا دُونَ سُفْلِها، أو سُفْلَها دون عُلْوِها، صَحَّ، وقال أبو حنيفةَ: لا يَصِحُّ؛ لأنَّ المَسْجِدَ يَتْبَعُه هَواؤُه. ولَنا، أنَّه يَصِحُّ بَيْعُها، كذلك يَصِحُّ (٧) وَقْفُه، كالدَّارِ جَمِيعِها، ولأنَّه تَصَرُّفٌ يُزِيلُ المِلْكَ إلى مَن يَثْبُتُ له حَقُّ الاسْتِقْرارِ والتَّصَرُّفِ، فجازَ فيما ذَكَرْنا كالبَيْعِ.
стр. 3993
فصل: وإن جَعَلَ وَسَطَ دارِه مَسْجِدًا، ولم يَذْكُر الاسْتِطْرَاقَ، صَحَّ، وقال أبو حنيفةَ: لا يَصِحُّ حتى يَذْكُرَ الاسْتِطْرَاقَ. ولَنا، أنّه عَقْدٌ يُبِيحُ الانْتِفاعَ، من ضَرُورَتِه الاسْتِطْرَاقُ، فصَحَّ، وإن لم يَذْكُر الاسْتِطْراقَ، كما لو أجَرَ بَيْتًا من دَارِه.
فصل: إذا وَقَفَ على نَفْسِه، ثم على المَسَاكِينِ، أو على وَلَدِه، ففيه رِوَايَتانِ؛ إحْداهما، لا يَصِحُّ؛ فإنَّه قال، في رِوَايةِ أبى طَالِبٍ، وقد سُئِلَ عن هذا، فقال: لا أعْرِفُ الوَقْف إلَّا ما أخْرَجَهُ لِلهِ، [وفى سَبِيلِ اللَّه] (٨)، فإذا وَقَفَهُ عليه حتى يَمُوتَ، فلا أعْرِفُه. فعلى هذه الرِّوَايةِ يكونُ الوَقْفُ عليه باطِلًا. وهل يَبْطُلُ الوَقْفُ على مَنْ بَعدَه؟ على وَجْهَيْنِ، بنَاءً على الوَقْفِ المُنْقَطِعِ الابْتِداءِ. وهذا مذهبُ الشافِعِىِّ؛ لأنَّ الوَقْفَ تَمْلِيكٌ لِلرَّقَبةِ والمَنْفَعةِ (٩)، ولا يجوزُ أن يُمَلِّكَ الإِنْسانُ نَفْسَهُ من نَفْسِه، كما لا يجوزُ أن يَبِيعَ نَفْسَهَ مالَ نَفْسِه، ولأنَّ الوَقْفَ على نَفْسِه إنَّما حاصِلُه مَنْعُ نَفْسِه التَّصَرُّفَ في رَقَبةِ المِلْكِ، فلم يَصِحَّ ذلك، كما لو أفْرَدَه بأن يقولَ: لا أبِيعُ هذا ولا أهَبُه ولا أُوَرِّثُه. ونَقَلَ جَمَاعةٌ أنَّ الوَقْفَ صَحِيحٌ، اخْتَارَه ابنُ أبي موسى. قال ابنُ عَقِيلٍ: وهى أصَحُّ. وهو قولُ ابنِ أبي لَيْلَى، وابن شُبْرُمَةَ، وأبى يوسفَ، وابنِ سُرَيْجٍ؛ لما ذَكَرْنا فيما إذا اشْتَرَطَ أن يَرْجِعَ إليه شيءٌ من مَنَافِعِه، ولأنَّه يَصِحُّ أن يَقِفَ وَقْفًا عامًّا فيَنْتَفِعَ به، كذلك إذا خَصَّ نَفْسَه بِانْتِفَاعِه، والأَوَّلُ أقْيَسُ.
٩٢١ - مسألة؛ قال: (والْبَاقِى عَلَى مَنْ وَقَفَ عَلَيْهِ وأوْلَادِهِ الذُّكُورِ والإِنَاثِ مِنْ أَوْلَادِ الْبَنِينَ بَيْنَهُمْ بالسَّوِيَّةِ، إلَّا أنْ يَكُونَ الْوَاقِفُ فَضَّلَ بَعْضَهُمْ)
في هذه المسألة فصولٌ أرْبَعةٌ:
стр. 3994
الأول: أنَّه إذا وَقَفَ على قَوْمٍ وأَوْلَادِهم وعَقِبِهم ونَسْلِهِم، كان الوَقْفُ بين القَوْمِ وأوْلَادِهِم، ومَنْ حَدَثَ من نَسْلهم، على سَبِيلِ الاشْتِرَاكِ، إن لم تَقْتَرِنْ به قَرِينَةٌ تَقْتَضِى تَرْتِيبًا؛ لأنَّ الواوَ تَقْتَضِى الاشْتِرَاكَ، فإذا اجْتَمَعُوا اشْتَرَكُوا، ولم يُقَدَّمْ بعضُهم على بعضٍ، ويُشَارِكُ الآخِرُ الأَوَّلَ، وإن كان من البَطْنِ العاشِرِ، وإذا حَدَثَ حَمْلٌ لم يُشَارِكْ حتى يَنْ فَصِلَ ؛ لأنَّه يَحْتَمِلُ أن لا يكونَ حَمْلًا، فلا يَثْبُتُ له حُكْمُ الوَلَدِ قبلَ انْفِصَالِه.
فصل: فإن قال: وَقَفْتُ على أَوْلَادِى، ثم على المَسَاكِينِ. أو قال: عَلَى وَلَدِى، ثم على المَسَاكِينِ. أو على وَلَدِ فُلَانٍ، ثم على المَسَاكِينِ. فقد رُوِى عن أحمدَ ما يَدُلُّ على أنَّه يكونُ وَقْفًا على أوْلادِه، وأوْلَادِ أوْلَادِه، من الأَوْلَادِ البَنِين، ما لم تكُنْ قَرِينَةٌ تَصْرِفُ عن ذلك. قال الْمَرُّوذِىُّ: قلتُ لأبِى عبدِ اللَّه: ما تقولُ في رَجُلٍ وَقَفَ ضَيْعَةً على وَلَدِه، فماتَ الأَوْلادُ، وتَرَكُوا النُّسْوَةَ حَوَامِلَ؟ فقال: كلُّ ما كان من أَوْلَادِ الذُّكُورِ، بَنَاتٍ كُنَّ أو بَنِينَ، فالضَّيْعَةُ مَوْقُوفةٌ عليهم، وما كان من أوْلَادِ البَنَاتِ، فليس لهم فيه (١) شيءٌ؛ لأنَّهم من رَجُلٍ آخَرَ. وقال أيضًا في مَن وَقَفَ على وَلَدِ عليِّ بن إسماعِيلَ، ولم يَقُلْ: إن ماتَ وَلَدُ (٢) عليِّ بن إسماعيلَ دُفِعَ إلى وَلَدِ وَلَدِه، فماتَ وَلَدُ علىِّ بن إسماعيلَ: دُفِعَ إلى وَلدِه أيضًا؛ لأنَّ هذا من وَلَدِ علىِّ بن إسماعيلَ. وَوَجْهُ ذلك أنَّ اللهَ تعالى قال: ﴿يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ﴾ (٣). فدَخَلَ فيه وَلَدُ البَنِين وإن سَفَلُوا. ولمَّا قال: ﴿وَلِأَبَوَيْهِ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا السُّدُسُ مِمَّا تَرَكَ إِنْ كَانَ لَهُ وَلَدٌ﴾ (٣). فتَنَاوَلَ وَلَدَ البَنِين، وكذلك كلُّ مَوْضِعٍ ذَكَرَ اللَّه تعالى الوَلَدَ دَخَلَ فيه وَلَدُ البَنِين، فالمُطْلَقُ من كَلَامِ الآدَمِىِّ إذا خَلَا عن قَرِينَةٍ، يَنْبَغِى أن يُحْمَلَ على المُطْلَقِ من كلامِ اللَّه تعالى، ويُفَسَّرُ بما يُفَسَّرُ به. ولأنَّ وَلَدَ وَلَدِه وَلَدٌ
стр. 3995
له، بِدَلِيلِ قولِ اللَّه تعالى: ﴿يَابَنِي آدَمَ﴾ و ﴿يَابَنِي إِسْرَائِيلَ﴾. وقال النبيُّ ﷺ : "ارْمُوا بَنِى إسْمَاعِيلَ، فَإنَّ أبَاكُمْ كَانَ رَامِيًا" (٤). وقال: "نَحْن بَنُو النَّضْرِ بْنِ كِنَانَةَ" (٥). والقَبَائِلُ كلها تُنْسَبُ إلى جُدُودِها. ولأنَّه لو وَقَفَ على وَلَدِ فُلَانٍ، وهم قَبِيلَةٌ، دَخَلَ فيه وَلَدُ البَنِين، فكذلك إذا لم يَكُونُوا قَبِيلَةً. وقال القاضي، وأصْحابُه: لا يَدْخُل فيه وَلَدُ الوَلَدِ بحالٍ، سواءٌ في ذلك وَلَدُ البَنِين وَوَلَدُ البَنَاتِ؛ لأنَّ الوَلَدَ حَقِيقَةٌ وعُرْفًا إنَّما هو وَلَدُه لِصُلْبِه، وإنَّما يُسَمَّى وَلَدُ الوَلَدِ وَلَدًا مجازًا، ولهذا يَصِحُّ نَفْيُه، فيُقال: ما هذا وَلَدِى، إنَّما هو وَلَدُ وَلَدِى. وإن قال: على وَلَدِى لِصُلْبِى. فهو آكَدُ. وإن قال: على وَلَدِى، وَوَلَدِ وَلَدِى، ثم على المَسَاكِينِ. دَخَلَ فيه البَطْنُ الأَوّلُ والثانى، ولم يَدْخُلْ فيه البَطْنُ الثالِثُ وإن قال: على وَلَدِى، وَوَلَدِ وَلَدِى، وَوَلَدِ وَلَدِ وَلَدِى. دَخَلَ فيه ثلاثةُ بُطُونٍ دُونَ مَنْ بعدَهم. ومَوْضِعُ الخِلَافِ المُطْلَق، فأمَّا مع وُجُودِ دَلَالَةٍ تَصْرِفُ إلى أحدِ المَحْمِلَيْنِ، فإنَّه يُصْرَفُ إليه بغيرِ خِلَافٍ، مثل أن يقولَ: على وَلَدِ فُلَانٍ. وهم قَبِيلَةٌ ليس فيهم وَلَدٌ من صُلْبِه، فإنَّه يُصْرَفُ إلى أوْلادِ الأَوْلادِ بغير خِلَافٍ. وكذلك إن قال: على أوْلَادِى، أو وَلَدِى. وليس له وَلَدٌ من صُلْبِه. أو قال: ويُفَضَّلُ وَلَدُ الأَكْبَرِ أو الأعْلَمِ على غيرِهم. أو قال: فإذا خَلَتِ الأرْضُ من عَقِبِى عادَ إلى المَسَاكِينِ. أو قال: على وَلَدِى غيرِ وَلَدِ البَناتِ. أو غير وَلَدِ فُلَانٍ. أو قال: يُفَضَّلُ البَطْنُ الأَعْلَى على الثاني. أو قال: الأَعْلَى فالأعْلَى. وأشْباه ذلك، فهذا يُصْرَفُ لَفْظُه إلى جَمِيعِ نَسلِه وعاقِبَته. وإن اقْتَرَنَتْ به قَرِينَةٌ تَقْضِى تَخْصيِصَ أوْلادِه لِصُلْبِه بالوَقْفِ، مثل أن يقول: على وَلَدِى لِصُلْبِى. أو الذين يَلُونَنِى. ونحو هذا، فإنَّه يَخْتَصُّ بالبَطْنِ الأَوَّلِ دُونَ غيرِهم. وإذا قُلْنا بالتَّعْمِيم فيهم،
стр. 3996
إمَّا لِلْقَرِينَةِ، وإمَّا لِقَوْلِنا بأن المُطْلَقَ يَقْتَضِى التَّعْمِيمَ ولم يكُنْ في لَفْظِه ما يَقْتضِى تَشْرِيكًا ولا تَرْتِيبًا، احْتَمَلَ أن يكونَ بينهم كلَّهم على التَّشْرِيكِ، لأنَّهم دَخَلُوا في اللَّفْظِ دُخُولًا واحِدًا، فوَجَبَ أن يكونَ بينهم مُشْتَرَكًا، كما لو أقَرَّ لهم بِدَيْنٍ، ويَحْتَمِلُ أن يكونَ على التَّرْتِيبِ، على حَسَبِ التَّرتِيبِ في المِيرَاثِ. وهذا ظاهِرُ كلامِ أحمدَ؛ لقولِه في مَن وَقَفَ على وَلَدِ عَلىّ بن إسماعيلَ، ولم يَقُلْ: إن ماتَ وَلَدُ عليِّ بن إسماعيلَ دُفِعَ إلى وَلَدِ وَلَدِه. فماتَ وَلَدُ علىِّ بن إسماعيلَ، وتَرَكَ وَلَدًا، فقال: إن ماتَ بعضُ وَلَدِ عليِّ بن إسْمَاعِيلَ دُفِعَ إلى وَلَدِه أيضًا؛ لأنَّ هذا من وَلَدِ عليِّ بن إسماعيلَ. فجَعَلَه لِوَلَدِ من ماتَ من وَلَدِ عليِّ بن إسماعيلَ عندَ مَوْتِ أَبِيه، وذلك أنَّ وَلَدَ البَنِين لمَّا دَخَلُوا في قولِ اللَّه تعالى: ﴿يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ﴾. ولم يَسْتَحقّ وَلَدُ البَنِين شَيْئًا مع وُجُودِ آبَائِهِم، واسْتَحَقُّوا عندَ فَقْدِهِم، كذا ههُنا. فأمَّا إن وَصَّى لِوَلَدِ فُلَانٍ، وهم قَبِيلَةٌ، فلا تَرْتِيبَ فيه، ويَسْتَحِقُّ الأعْلَى والأسْفُلُ على كلِّ حالٍ.
فصل: وإن رَتَّبَ فقال: وَقَفْتُ هذا على وَلَدِى، وَوَلَدِ وَلَدِى، ما تَنَاسَلُوا وتَعَاقَبُوا، الأعْلَى فالأعْلَى، أو الأقْرَبُ فالأقْرَب، أو الأوَّلُ فالأوَّلُ، أو البَطْنُ الأوَّلُ ثم البَطْنُ الثاني، أو على أوْلَادِى، ثم على أوْلادِ أَوْلَادِى، أو على أوْلَادى، فإن انْقَرَضُوا فعلى أوْلَادِ أولادِى. فكلُّ هذا على التَّرْتِيبِ، فيكونُ على ما شَرَطَ، ولا يَسْتَحِقُّ البَطْنُ الثاني شَيْئًا حتى يَنْقَرِضَ البَطْنُ كلُّه. ولو بَقِىَ واحِدٌ من البَطْنِ الأوَّلِ، كان الجَمِيعُ له؛ لأنَّ الوَقْفَ ثَبَتَ بقَوْلِه، فيُتْبَعُ فيه مُقْتَضَى كَلَامِه. وإن قال: على أوْلادِى، وأوْلَادِهم ما تَعَاقَبُوا وتَنَاسَلُوا، على أنَّه مَن ماتَ منهم على وَلَدٍ كان ما كان جارِيًا عليه جارِيًا على وَلَدِه. كان ذلك دَلِيلًا على التَّرْتِيبِ؛ لأنَّه لو اقْتَضَى التَّشْرِيكَ لَاقْتَضَى التَّسْوِيةَ، ولو جَعَلْنا لِوَلَدِ الوَلَدِ سَهْمًا مثلَ سَهْم أبِيه، ثم دَفَعْنا إليه سَهْمَ أبِيه، صارَ له سَهْمانِ، ولغيرِه سَهْمٌ، وهذا يُنَافِى التَّسْوِيةَ، ولأنَّه يُفضِى إلى تَفْضِيلِ وَلَدِ الابْنِ على الابْنِ، والظاهِرُ مِن إرَادَةِ الوَاقِفِ خِلَافُ هذا. فإذا ثَبَتَ التَّرْتِيبُ فإنه يَتَرَتَّبُ بين
стр. 3997
كل وَالِدٍ (٦) وَوَلَدِه، فإذا مات عن وَلَدٍ انْتَقَلَ إلى وَلَدِه سَهْمُه، سواءٌ بَقِىَ من البَطْنِ الأوّلِ أحَدٌ أو لم يَبْقَ.
فصل: وإن رَتَّبَ بعضَهم دُونَ بعضٍ، فقال: وَقَفْتُ على وَلَدِى، ووَلَدِ وَلَدِى، ثم على أوْلَادِهِم. أو على أوْلَادِى، ثم على أوْلَادِ أوْلَادِى وأوْلَادِهِم، ما تَنَاسَلُوا وتَعَاقَبُوا. أو قال: على أوْلَادِى وأوْلَادِ أوْلَادِى، ثم على أوْلَادِهِم وأوْلَادِ أوْلَادِهم، ما تَنَاسَلُوا. فهو على ما قال، يَشْتَرِكُ من شَرَّكَ بينهم بالواو المُقْتَضِيَةِ لِلْجَمْعِ والتَّشْرِيكِ، ويتَرَتَّبُ (٧) مَن رَتَّبَهُ بحَرْفِ التَّرْتِيبِ. ففى المَسْأَلةِ الأُولَى يَشْتَرِكُ الوَلَدُ ووَلَدُ الوَلَدِ، ثم إذا انْقَرَضُوا صارَ [لمن بعدَهم. وفى الثانية يَخْتَصُّ به الوَلَدُ، فإذا انْقَرَضُوا صارَ] (٨) مُشْتَرَكًا بين مَنْ بعدَهم. وفى الثالثةِ يَشْتَرِكُ فيه البَطْنانِ الأَوَّلَانِ دُونَ غيرِهم، فإذا انْقَرَضُوا اشْتَرَكَ فيه مَنْ بعدَهم.
فصل: وإن قال: وَقَفْتُ على أوْلَادِى، ثم على أوْلَادِ أوْلَادِى، على أنَّه مَنْ ماتَ من أوْلَادِى عن وَلَدٍ، فنَصِيبُه لِوَلَدِه، أو فنَصِيبُه لإِخْوَتِه، أو لِوَلَدِ وَلَدِه، أو لِوَلَدِ أخِيه، أو لأخَوَاتِه، أو لِوَلَدِ أخَوَاتِه. فهو على ما شَرَطَهُ. وإن قال: مَنْ ماتَ منهم عن وَلَدٍ، فنَصِيبُه لِوَلَدِه، ومَنْ ماتَ منهم عن غيرِ وَلَدٍ، فنَصِيبُه لأهْلِ الوَقْفِ. وكان له ثَلَاثَةُ بَنِين، فماتَ أحَدُهُم عن ابْنَينِ، انْتَقَلَ نَصِيبُه إليهما، ثم ماتَ الثاني عن غيرِ وَلَدٍ، فنَصِيبُه (٩) لأخِيه وابْنَىْ أخِيه بالسَّوِيَّةِ؛ لأنَّهم أهْلُ الوَقْفِ. ثم إن ماتَ أحَدُ ابْنَىِ الابْنِ عن غيرِ وَلَدٍ، انْتَقَلَ نَصِيبُه إلى أخِيه وعَمِّه؛ لأنَّهما أهْلُ الوَقْفِ. ولو ماتَ أحدُ البَنِين الثَّلَاثَة عن غير وَلَدٍ، وخَلَفَ [أخَوَيْهِ وابْنَىْ] (١٠) أخٍ له، فنَصِيبُه لأخَوَيْهِ (١١)
стр. 3998
دون ابْنَىْ أخِيه؛ لأنَّهما لَيْسَا من أهْلِ الوَقْفِ ما دام أبُوهُما حَيًّا، فإذا ماتَ أبُوهُما، صارَ نَصِيبُه لهما. فإذا ماتَ الثالِثُ، كان نَصِيبُه لِابْنَىْ أخِيه بالسَّوِيَّةِ، إن لم يُخَلِّفْ وَلَدًا، وإن خَلَّفَ ابْنًا واحِدًا، فله نَصِيبُ أبِيه، وهو النِّصْفُ، ولِابْنَىْ عَمِّه النِّصْفُ لكلِّ واحدٍ الرُّبْعُ. وإن قال: مَنْ ماتَ منهم عن (١٢) غيرِ وَلَدٍ، كان ما كان جَارِيًا عليه جارِيًا على مَنْ هو في دَرَجَتِه، فإن كان الوَقْفُ (١٣) مُرَتَّبًا بَطْنًا بعدَ بَطْنٍ، كان نَصِيبُ المَيِّتِ عن غيرِ وَلَدٍ لأهْلِ البَطْنِ الذي هو منه، وإن كان مُشْتَرَكًا بين البُطُونِ كلّها، احْتَمَلَ أن يكونَ نَصِيبُه بين أهْلِ الوَقْفِ كلِّهِم؛ لأنَّهم في اسْتِحْقاقِ الوَقْفِ سَوَاءٌ، فكانوا في دَرَجَتِه من هذه الجِهَةِ، ولأنَّنا لو صَرَفْنَا نَصِيبَه إلى بعضِهم، أفْضَى إلى تَفْضِيلِ بعضِهم، والتَّشْرِيكُ يَقتَضِى التَّسْوِيَةَ. فعلى هذا يكونُ وُجُودُ هذا الشَّرْطِ كَعَدَمِه؛ لأنَّه لو سَكَتَ عنه، كان الحُكْمُ فيه كذلك. ويَحْتَمِلُ أن يَعُودَ نَصِيبُه إلى سائِر أهْلِ البَطْنِ الذي هو منه؛ لأنَّهم في دَرَجَتِه في القُرْبِ إلى الجَدِّ الذي يَجْمَعُهُم، ويَسْتَوِى في ذلك إخْوَتُه وبَنُو عَمِّه وبَنُو بَنِى عَمِّ أبِيه؛ لأنَّهم سَوَاءٌ في القُربِ، ولأنَّنا لو شَرَّكْنَا بين أهْلِ الوَقْفِ كلِّهم في نَصِيبِه، لم يكُنْ في هذا الشَّرْطِ فائِدَةٌ، والظاهِرُ أنَّه قَصَدَ شيئًا يُفيدُ. فعلى هذا إن لم يكُنْ في دَرَجَتِه أحَدٌ، بَطَلَ هذا الشَّرْطُ، وكان الحُكْمُ فيه كما لو لم يَذْكُرْه. وإن كان الوَقْفُ على البَطْنِ الأَوّلِ، على أنَّه من ماتَ منهم عن وَلَدٍ انْتَقَلَ نَصِيبُه إلى وَلَدِه، ومن ماتَ عن غيرِ وَلَدٍ انْتَقَلَ نَصِيبُه إلى مَنْ في دَرَجَتِه، ففيه ثلاثةُ أوْجُهٍ؛ أحَدُها، أن يكونَ نَصِيبُه بين أهْلِ الوَقْفِ كلِّهم، يَتَساوُونَ فيه، سواءٌ كانَوا (١٤) من بَطْنٍ واحدٍ أو من بُطُونٍ، وسواء تَسَاوَتْ أنْصِباؤُهُم في الوَقْفِ، أو اخْتَلَفَتْ؛ لما ذَكَرْنا من قبلُ. والثانى، أن يكونَ لأهْلِ بَطْنٍ (١٥)، سواءٌ كانوا من أهْلِ
стр. 3999
الوَقْفِ أو لم يكونُوا، مثل أن يكونَ البَطْنُ الأولُ ثَلَاثةً، فماتَ أحَدُهُم عن ابنٍ، ثم ماتَ الثاني عن ابْنَيْنِ، فماتَ أحَدُ الابْنَيْنِ، وتَرَكَ أخَاهُ وعَمَّه وابنَ عَمِّه وابْنًا لِعَمِّه الحَىِّ، فيكون نَصِيبُه بين أخِيهِ وابْنَىْ عَمِّه. والثالث، أن يكونَ لأهْلِ بَطْنِه من أهْلِ الوَقْفِ، فيكونَ نَصِيبُه على هذا لأَخِيه وابنِ عَمِّه الذي ماتَ أبُوه، فإن كان في دَرَجَتِه في النَّسَبِ مَنْ ليس من أهْلِ الاسْتِحْقاقِ بحالٍ، كرَجُلٍ له أرْبَعةُ بَنِين، وَقَفَ على ثَلَاثَةٍ منهم على هذا الوَجْهِ المَذْكُورِ، وتَرَكَ الرّابِعَ، فماتَ أحدُ الثَّلَاثةِ عن غير وَلَدٍ، لم يكنْ لِلرّابِعِ فيه شيءٌ، لأنَّه ليس من أهْلِ الاسْتِحْقاقِ، فأشْبَهَ ابنَ (١٦) عَمِّهِم.
فصل: وإن وَقَفَ على بَنِيه وهم ثلاثَةٌ، على أنَّ مَنْ ماتَ منهم (١٧) من فُلَانٍ وفُلَانٍ وأوْلَادِهم عن وَلَدٍ فنَصِيبُه لِوَلَدِه، وإن ماتَ فلانٌ فنَصِيبُه لأهْلِ الوَقْفِ. فهو على ما شَرَطَ. وكذلك إن كان له بَنُونَ وبَنَاتٌ، فقال: من ماتَ من الذُّكُورِ فنَصِيبُه لِوَلَدِه، ومن ماتَ من البَنَاتِ فنَصِيبُها لأهْلِ الوَقْفِ. فهو على ما قال. وإن قال: على أوْلَادِى، على أن يُصْرَفَ إلى البَنَاتِ منه ألْفٌ، والباقِى لِلْبَنِين. لم يَسْتَحِقَّ البَنُونَ شَيئًا حتى تَسْتَوْفِىَ البَنَاتُ الأَلْفَ؛ لأنَّه جَعَلَ لِلْبَناتِ مُسَمًّى، وجَعَلَ لِلْبَنِين الفاضِلَ عنه، فكان الحُكْمُ فيه على ما قال، فجَعَلَ البَناتَ كَذَوِى الفُرُوضِ الذين سَمَّى اللهُ لهم فَرْضًا، وجَعَلَ البَنِينَ كالعَصَبَاتِ الذين لا يَسْتَحِقُّون إلَّا ما فَضَلَ عن ذَوِى الفُروضِ.
فصل: فإن كان له ثلاثةُ بَنِينَ فقال: وَقَفْتُ على وَلَدَىَّ فُلَانٍ وفُلَانٍ، وعلى وَلَدِ وَلَدِى. كان الوَقْفُ على الابْنَيْنِ المُسَمَّيَيْنِ، وعلى أوْلَادِهما، وأَوْلَادِ الثَّالِثِ، وليس للثالثِ شيءٌ. وقال القاضي: يَدْخُلُ الثالثُ في الوَقْفِ. وذكَرَ أن أحمدَ قال في رَجُلٍ قال: وَقَفْتُ هذه الضَّيْعةَ على وَلَدَىَّ فُلَانٍ وفُلَانٍ، وعلى وَلَدِ وَلَدِى. وله وَلَدٌ غير
стр. 4000
هؤلاءِ، قال: يَشْتَرِكُونَ في الوَقْفِ. واحْتَجَّ القاضي بأنَّ قولَه: وَلَدِى. يَسْتَغْرِقُ الجنْسَ، فيَعُمُّ الجَمِيعَ، وقولَه: فلان وفلان. تَأْكِيدٌ لبعضِهم، فلا يُوجِبُ إخْرَاجَ بَقِيَّتِهِم، كالعَطْفِ في قوله تعالى: ﴿مَنْ كَانَ عَدُوًّا لِلَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَرُسُلِهِ وَجِبْرِيلَ وَمِيكَالَ﴾ (١٨). ولَنا، أنَّه أبْدَلَ بعضَ الوَلَدِ من اللَّفْظِ المُتَنَاوِلِ لِلْجَمِيعِ، فاخْتصَّ بالبعضِ المُبْدَلِ، كما لو قال: على وَلَدِى فُلَانٍ. وذلك لأنَّ بَدَلَ البعضِ يُوجِبُ اخْتِصَاصَ الحُكْمِ به، كقولِ اللهِ تعالى: ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا﴾ (١٩). لما خَصَّ المُسْتَطِيعَ بالذِّكْرِ، اخْتَصَّ الوُجُوبُ به. ولو قال: ضَرَبْتُ زَيْدًا رَأْسَه. ورَأَيْتُ زَيْدًا وَجْهَهُ. اخْتَصَّ الضَّرْبُ بالرَّأْسِ، والرُّؤْيَةُ بالوَجْهِ. ومنه قولُ اللَّه تعالى: ﴿وَيَجْعَلَ الْخَبِيثَ بَعْضَهُ عَلَى بَعْضٍ﴾ (٢٠). وقولُ القائِلِ: طَرَحْتُ الثِّيابَ بعضَها فوقَ بعضٍ. فإنَّ الفَوْقِيَّةَ تَخْتَصُّ بالبعضِ مع عُمُومِ اللَّفْظِ الأَوّلِ. كذا ههُنا. وفارَقَ العَطْفَ، فإنَّ عَطْفَ الخاصِّ على العامِّ يَقْتَضِى تَأْكِيدَه، لا تَخْصِيصَه. وقول أحمدَ: هم شُرَكَاءُ، يَحْتَمِلُ أن يَعُودَ إلى أوْلادِ أولادِه، أي يَشْتَرِكُ أوْلَادُ المَوْقُوفِ عليهما (٢١) وأوْلادُ غيرِهم؛ لِعُمُومِ لَفظِ الواقِفِ فهم، ويَتَعَيَّنُ حَمْلُ كَلَامِه عليه، لِقِيامِ الدَّلِيلِ عليه. ولو قال: على وَلَدَىَّ فُلَانٍ وفُلَانٍ، ثم على المَسَاكِينِ. خُرِّجَ فيه من الخِلَافِ مثلُ ما ذَكَرْنا. ويَحْتَمِلُ [على قَوْلِ القاضي] (٢٢) أن يَدْخُلَ في الوَقْفِ وَلَدُ وَلَدِه؛ لأنَّنا قد ذَكَرْنا من قبلُ أن ظاهِرَ كلامِ أحمدَ أنَّ قولَه: وَقَفْتُ على وَلَدِى. يَتَناوَلُ نَسْلَه وعاقِبَتَه كلَّها.
فصل: ومن وَقَفَ على [أوْلَادِه أو أَوْلَادِ غيرِه] (٢٣)، وفيهم حَمْلٌ، لم يَسْتَحِقَّ
стр. 4001
شَيْئًا قبلَ انْفِصَالِه؛ لأنَّه لم تَثْبُتْ له أحْكَامُ الدُّنْيَا قبلَ انْفِصَالِه. قال أحمدُ، في رِوَايةِ جعفرِ بن محمدٍ، في مَن وَقَف نَخْلًا على قَوْمٍ، وما تَوَالَدُوا، ثم وُلِدَ مَوْلُودٌ: فإن كانت النَّخْلُ قد أُبِّرَتْ، فليس له فيه شيءٌ، وهو للأوَّلِ، وإن لم تكنْ قد أُبِّرَتْ، فهو معهم. وإنَّما قال ذلك لأنَّها قبلَ التَّأْبِيرِ تَتْبَعُ الأصْلَ في البَيْعِ، وهذا المَوْلُودُ (٢٤) يَسْتَحِقُّ نَصِيبَه من الأصْلِ فيَتْبَعُه حِصَّتُه من الثّمرَةِ، كما لو اشْتَرَى ذلك النَّصِيبَ من الأصْلِ، وبعدَ التَّأْبِيرِ لا تَتْبَعُ الأصْلَ، وَيسْتَحقُّها مَنْ كان له الأصْلُ، فكانت للأَوَّلِ؛ لأنَّ الأصْلَ كان كلُّه له، فاسْتَحَقَّ ثَمَرَتَه، كما لو باعَ هذا النَّصِيبَ منها، ولم يَسْتَحِقَّ المَوْلُودُ منها شَيْئًا كالمُشْتَرِى. وهكذا الحُكْمُ في سائِرِ ثَمَرِ الشَّجَرِ الظاهِرِ، فإن المَوْلُودَ لا يَسْتَحَقُّ منه شَيْئًا، ويَسْتَحِقُّ ممَّا (٢٥) ظَهَرَ بعدَ وِلَادَتِه. وإن كان الوَقْفُ أرْضًا فيها زَرْعٌ يَسْتَحِقُّه البائِعُ، فهو للأوَّلِ. وإن كان ممَّا يَسْتَحِقُّه المُشْتَرِى، فلِلْمَوْلودِ حِصَّتُه منه؛ لأنَّ المَوْلُودَ يَتَجَدَّدُ اسْتِحْقاقُه للأصْلِ، كتَجَدُّدِ مِلْكِ المُشْتَرِى فيه.
الفصل الثاني: إذا وَقَفَ على قَوْمٍ، وأوْلَادِهِم، وعَاقِبَتِهِم، ونَسْلِهِم. دَخَلَ في الوَقْفِ وَلَدُ البَنِين، بغيرِ خِلَافٍ نَعْلَمُه، فأمَّا وَلَدُ البَنَاتِ، فقال الخِرَقِىُّ: لا يَدْخُلُون فيه. وقد قال أحمدُ، في مَن وَقَفَ على وَلَدِه: ما كان مِن وَلَدِ البَنَاتِ فليس لهم فيه شيءٌ. فهذا النَّصُّ يَحْتَمِلُ أن يُعَدَّى إلى هذه المَسْأَلةِ، ويَحْتَمِلُ أن يكونَ مَقْصُورًا على مَنْ وَقَفَ على وَلَدِه ولم يَذْكُرْ وَلَدَ وَلَدِه. وقد ذَكَرْنا ذلك فيما تَقَدَّمَ. وممَّن قال إنَّهُ (٢٦) لا يَدْخُلُ وَلَدُ البَنَاتِ في الوَقْفِ الذي على أوْلَادِه وأوْلَادِ أوْلَادِه، مالِكٌ، ومحمدُ بن الحَسَنِ. وهكذا إذا قال: على ذُرِّيَتِهِم ونَسْلِهِم. وقال أبو بكرٍ، وعبدُ اللَّه ابن حامِدٍ: يَدْخُلُ فيه وَلَدُ البَنَاتِ. وهو مذهبُ الشافِعِىِّ، وأبى يوسفَ؛ لأنَّ البَنَاتَ أوْلَادُه، [فأَوْلادُهُنَّ أولادُ الأولادِ] (٢٧) حَقِيقَةً، فيَجِبُ أن يَدْخُلُوا في
стр. 4002
الوَقْفِ، لِتَناوُلِ اللَّفْظِ لهم، وقد دَلَّ على صِحَّةِ هذا قولُ اللَّه تعالى: ﴿وَنُوحًا هَدَيْنَا مِنْ قَبْلُ وَمِنْ ذُرِّيَّتِهِ دَاوُودَ وَسُلَيْمَانَ﴾ إلى قوله: ﴿وَعِيسَى﴾ (٢٨). وهو من وَلَدِ بِنْتِه، فَجَعَلَه من ذُرِّيَتِه، وكذلك ذَكرَ اللهُ تعالى قِصّةَ عيسى وإبراهِيمَ وموسى وإسماعيلَ وإدْرِيسَ، ثم قال: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ مِنْ ذُرِّيَّةِ آدَمَ وَمِمَّنْ حَمَلْنَا مَعَ نُوحٍ وَمِنْ ذُرِّيَّةِ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْرَائِيلَ﴾ (٢٩). وعيسى معهم. وقال النبيُّ ﷺ لِلْحَسَنِ: "إنَّ ابْنِى هذَا سَيِّدٌ" (٣٠). وهو وَلَدُ بِنْتِه. ولمَّا قال اللَّه تعالى: ﴿وَحَلَائِلُ أَبْنَائِكُمُ﴾ (٣١). دَخَلَ في التَّحْرِيمِ حَلَائِلُ أبْناءِ البَنَاتِ، ولمَّا حَرَّمَ اللَّه تَعَالَى البَنَاتِ، دَخَلَ في التَّحْرِيمِ بَنَاتُهُنَّ. وَوَجْهُ قولِ الخِرَقِىِّ، أنَّ اللهَ تعالى قال: ﴿يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ﴾. فدَخَلَ فيه وَلَدُ البَنِين دون وَلَدِ البَنَاتِ، وهكذا كلُّ مَوْضِعٍ ذُكِرَ فيه الوَلَدُ في الإِرْثِ والحَجْبِ، دَخَلَ فيه وَلَدُ البَنِين دون وَلَدِ البَنَاتِ. ولأنَّه لو وَقَفَ على وَلَدِ رَجُلٍ، وقد صَارُوا قَبِيلةً، دَخَلَ فيه وَلَدُ البَنِين دون وَلَدِ البَنَاتِ بالاتِّفَاقِ، وكذلك قبلَ أن يَصِيرُوا قَبِيلةً. ولأنَّه لو وَقَفَ على وَلَدِ العَبَّاسِ في عَصرِنَا، لم يَدْخُلْ فيه وَلَدُ بَنَاتِه، فكذلك إذا وَقَفَ عليهم في حَيَاتِه، ولأنَّ وَلَدَ البَنَاتِ مَنْسُوبُونَ إلى آبائِهِم دون أُمَّهاتِهِم، قال الشاعِرُ (٣٢):
стр. 4003
بَنُونَا بَنُو أَبْنائِنَا وبَنَاتُنَا ... بَنُوهُنَّ أَبْنَاءُ الرِّجَالِ الأبَاعِدِ
وقولُهم: إنَّهم أَوْلَادُ أَوْلَادٍ (٣٣) حَقِيقةً. قُلْنا: إلَّا أنَّهم لا يُنْسَبُونَ إلى الواقِفِ عُرْفًا، ولذلك لو قال: أَوْلَاد أوْلَادِى المُنْتَسِبِينَ إلىَّ. لم يَدْخُلْ هؤلاءِ في الوَقْفِ. ولأنَّ وَلَدَ الهاشِمِيّةِ من غير الهاشِمِىِّ ليس بِهَاشِمِىٍّ، ولا يُنْسَبُ إلى أبِيها. وأمَّا عيسى ﵇، فلم يكُنْ له أبٌ يُنْسَبُ إليه، فنُسِبَ إلى أُمِّه لِعَدَمِ أبِيهِ، ولذلك يقال عيسى ابن مريمَ، وغيرُه إنما يُنْسَبُ إلى أبِيه، كيحيى بن زكريَّا. وقولُ النَّبىِّ ﷺ : "إنّ ابْنِى هذَا سَيِّدٌ". تَجَوُّزٌ بغير خِلَافٍ، بِدَلِيلِ قولِ اللَّه تعالى: ﴿مَا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِنْ رِجَالِكُمْ﴾ (٣٤). وهذا الخِلَافُ فيما إذا لم يُوجَدْ ما يَدُلُّ على تَعْيِينِ أحَدِ الأمْرَيْنِ، فأمَّا إن وُجِدَ ما يَصْرِفُ اللَّفْظَ إلى أحَدِهما، انْصَرَفَ إليه. ولو قال: على أوْلَادِى، وأَوْلَادِ أوْلَادِى، على أن لِوَلَدِ البَنَاتِ سَهْمًا، ولِوَلَدِ البَنِين سَهْمَيْنِ. أو: فإذا خَلَتِ الأرْضُ ممَّن يَرْجِعُ نَسَبُه إلىَّ من قِبَلِ أبٍ أو أُمٍّ، كان لِلْمَساكِينِ. أو كان البَطْنُ الأوّل من أوْلادِه المَوْقُوفُ عليهم كلُّهم بَنَاتٌ، وأشْباهُ هذا ممَّا يَدُلُّ على إرَادَةِ وَلَدِ البَنَاتِ بالوَقفِ، دَخَلُوا في الوَقْفِ. وإن قال: على أوْلَادِى، وأوْلَادِ أوْلَادِى المُنتَسِبِينَ إلىَّ، أو غير ذَوِى الأرْحَامِ، أو نحو ذلك. لم يَدْخُلْ فيه وَلَدُ البَنَاتِ. وإن قال: على وَلَدِى فُلَانٍ وفُلَانةَ وفُلَانةَ (٣٥)، وأَوْلَادِهم، دَخَلَ فيه وَلَدُ البَنَاتِ. وكذلك لو قال: على أنَّه مَن ماتَ مهم عن وَلَدِه فنَصِيبُه لِوَلَدِه. وإن قال الهاشِمِىُّ: وَقَفْتُ على أوْلَادِى، وأَوْلَادِ أولَادِى الهاشِمِيِّينَ. لم يَدْخُلْ في الوَقفِ من أوْلَادِ بَنَاتِه مَن كان غيرَ هاشِمِىٍّ. فأمَّا مَن كان هاشِمِيًّا من غيرِ أوْلَادِ بَنِيه، فهل يَدْخُلُونَ؟ على وَجْهَيْنِ؛ أُولاهما، أنَّهم يَدْخُلُونَ؛ لأنَّهم اجْتَمَعَ فيهم الصِّفَتَانِ جَمِيعًا، كَوْنُهم من أوْلَادِ أوْلَادِه، وكَوْنُهم هاشِمِيِّينَ. والثانى، لا يَدْخُلُونَ؛ لأنَّهم لم يَدْخُلُوا في مُطْلَقِ
стр. 4004
أوْلادِ أوْلادِه، فأشْبَهَ ما لو لم يَقُل الهاشمِيِّينَ. وإن قال: على أوْلَادِى، وأوْلَادِ أوْلَادِى، ممَّا يُنْسَبُ إلى قَبِيلَتِى. فكذلك.
الفصل الثالث: أنَّه إذا وَقَفَ على أوْلادِ رَجُلٍ، وأَوْلادِ أوْلَادِه، اسْتَوَى فيه الذَّكَرُ والأُنْثَى؛ لأنَّه تَشْرِيكٌ (٣٦) بينهم، وإطْلَاقُ التَّشْرِيكِ يَقْتَضِى التَّسْوِيةَ، كما لو أقَرَّ لهم بشيءٍ، وكَوَلَدِ الأُمِّ في الميِرَاثِ حين شَرَّكَ اللهُ تعالى بينهم فيه، فقال: ﴿فَهُمْ شُرَكَاءُ فِي الثُّلُثِ﴾ (٣٧). تَسَاوَوْا فيه، ولم يُفَضِّلْ بعضَهم على بعضٍ. وليس كذلك في مِيرَاثِ وَلَدِ الأبَوَين وَوَلَدِ الأَبِ، فإنَّ اللَّه تعالى قال: ﴿وَإِنْ كَانُوا إِخْوَةً رِجَالًا وَنِسَاءً فَلِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ﴾. ولا أعلمُ في هذا خِلَافًا.
الفصل الرابع: أنَّه إذا فَضَّلَ بعضَهم على بعضٍ، فهو على ما قال، فلو قال: وَقَفْتُ على أوْلادِى، وأوْلادِ أوْلادِى، على أنَّ لِلذَّكَرِ سَهْمَيْنِ، ولِلأُنْثَى سَهْمًا، أو لِلذَّكَرِ مثلُ حَظِّ الأُنْثَيَيْنِ، أو على حَسَبِ مِيرَاثِهِم، أو على حَسَبِ (٣٨) فَرَائِضِهِم، أو بالعَكْسِ مِن هذا، أو على أنَّ لِلْكَبِيرِ ضِعْفَ ما لِلصَّغِيرِ، أو لِلْعَالِم ضِعْفَ ما لِلْجاهِلِ، أو لِلْعائِلِ ضِعْفَ ما لِلْغَنِىِّ، أو عكس ذلك، أو عَيَّنَ بالتَّفْضِيلِ واحِدًا مُعَيَّنًا، أو وَلَدَه، أو ما أشْبَه هذا، فهو على ما قال؛ لأنَّ ابْتِداءَ الوَقْفِ مُفَوَّضٌ إليه، فكذلك تَفْضِيلُه وتَرْتِيبُه. وكذلك إن شَرَطَ إخْرَاجَ بعضِهم بِصِفَةٍ [ورَدَّه بِصفَةٍ] (٣٩) مثل أن يقول: مَن تَزَوَّجَ منهم فله، ومن فارَقَ فلا شىءَ له، أو عكس ذلك، أو مَنْ حَفِظَ القُرْآنَ فله، ومن نَسِيَهُ فلا شىءَ له، ومن اشْتَغَلَ بالعِلْمِ فله، ومن تَرَكَ فلا شىءَ له، أو مَن كان على مذهبِ كذا فله، ومَن خَرَجَ منه فلا شىءَ له. فكلُّ هذا صَحِيحٌ على ما شَرَطَ. وقد رَوَى هِشَامُ بن عُرْوَةَ، أنَّ الزُّبَيْرَ جَعَلَ دُورَه صَدَقةً على بَنِيه لا تُبَاعُ ولا تُوهَبُ،
стр. 4005
وأنَّ لِلْمَرْدُودَةِ من بَنَاتِه أن تَسْكُن غيرَ مُضِرَّةٍ ولا مُضَرٍّ بها، فإن اسْتَغْنَتْ بِزَوْجٍ فلا حَقَّ لها في الوَقْفِ. وليس هذا تَعْلِيقًا لِلْوَقْفِ بِصِفَةٍ، بل الوَقْفُ مُطْلَقٌ والاسْتحْقاقُ له بِصِفَةٍ. وكلُّ هذا مذهبُ الشافِعِىِّ. ولا نَعْلَمُ فيه خِلَافًا.
فصل: والمُسْتَحَبُّ أن يُقَسِّمَ الوَقْفَ على أوْلَادِه، على حَسَبِ قِسْمَةِ اللَّه تعالى المِيرَاثَ بينهم، لِلذَّكَرِ مثلُ حَظِّ الأُنْثَيَيْنِ. وقال القاضي: المُستَحَبُّ التَّسْوِيةُ بين الذَّكَرِ والأُنْثَى؛ لأنَّ القَصْدَ القُرْبَةُ على وَجْهِ الدَّوَامِ، وقد اسْتَوَوْا في القَرَابةِ. ولَنا، أنَّه إِيصالٌ للمالِ إليهم، فيَنْبَغِى أن يكونَ بينهم على حَسَبِ المِيرَاثِ، كالعَطِيَّةِ، ولأنَّ الذَّكَرَ في مَظِنَّةِ الحاجةِ أكْثَرَ من الأُنْثَى؛ لأنَّ كلَّ واحدٍ منهما في العادَةِ يَتَزَوَّجُ، ويكونُ له الوَلَدُ، فالذَّكَرُ تَجِبُ عليه نَفَقَةُ امرأتِه (٤٠) وأَوْلَادِه، والمَرْأةُ يُنْفِقُ عليها زَوْجُها [ولا يَلزَمُها] (٤١) نَفَقَةُ أوْلَادِها، وقد فَضَّلَ اللهُ الذَّكَرَ على الأُنْثَى في المِيرَاثِ على وَفْقِ هذا المَعْنَى، فيَصِحُّ تَعْلِيلُه به. ويَتَعَدَّى إلى الوَقْفِ وإلى غيرِه من العَطَايَا والصِّلَاتِ. وما ذَكَرَه القاضِى لا أصْلَ له، وهو مُلْغًى بالمِيرَاثِ والعَطِيَّةِ. فإن خالَفَ فسَوَّى بين الذَّكَرِ والأُنْثَى، أو فَضَّلَها عليه، أو فَضَّلَ بعضَ البَنِين أو بعضَ البَنَاتِ على بعضٍ، أو خَصَّ بعضَهم بالوَقْفِ دون بعضٍ، فقال أحمدُ، في رِوَايةِ محمدِ بن الحَكَمِ: إن كان على طَرِيقِ الأَثَرَةِ، فأكْرَهُه، وإن كان على أنَّ بعضَهم له عِيَالٌ وبه حاجَةٌ. يعني فلا بَأْسَ به. وَوَجْهُ ذلك أنَّ الزُّبَيْرَ خَصَّ المَرْدُودَةَ من بَنَاتِه دُونَ المُسْتَغْنِيةِ منهنَّ بِصَدَقَتِه. وعلى قِيَاسِ قولِ أحمدَ، لو خَصَّ المُشْتَغِلِينَ بالعِلْمِ من أوْلادِه بِوَقْفِه، تَحْرِيضًا لهم على طَلَبِ العِلْمِ، أو ذا الدِّينِ دون الفُسَّاقِ، أو المَرِيضَ، أو من له فَضْلٌ من أجْلِ فَضِيلَتِه، فلا بَأْسَ. وقد دَلَّ على صِحَّةِ هذا أن أبا بَكرٍ الصِّدِّيقَ رَضِىَ اللَّه عنه، نَحَلَ عائِشَةَ جِذَاذَ عِشْرِينَ وَسْقًا دون سائِر وَلَدِه (٤٢)، وحَدِيثُ عمَرَ، أنَّه كَتَبَ:
стр. 4006
بسم اللَّه الرحمن الرحِيم، هذا ما أوْصَى به عبدُ اللَّه أميرُ المُؤْمِنِينَ، إن حَدَثَ به حَدَثٌ، أنَّ ثَمْغًا وصِرْمَةَ بن الأَكْوَعِ، والعَبْدَ الذي فيه، والمائةَ سَهْمٍ التي بِخَيْبَرَ، ورَقِيقَه الذي فيه، الذي أطْعَمَهُ محمدٌ ﷺ بالوَادِ، تَلِيه حَفْصَةُ ما عاشَتْ، ثم يَلِيه ذو الرَّأْى من أهْلِها، أن لا يُبَاعَ ولا يُشْتَرَى، يُنْفِقُه حيث رَأَى من السَّائِلِ والمَحْرُومِ وذَوِى القُرْبَى، لا حَرَجَ على من وَلِيَه إن أكَلَ أو آكَلَ أو اشْتَرَى رَقِيقًا منه. رَوَاهُ أبو دَاوُدَ (٤٣). وفيه دَلِيلٌ على تَخْصِيصِ حَفصَةَ دون إخْوَتِها وأَخَوَاتِها.
٩٢٢ - مسألة؛ قال: (فَإذَا لَمْ يَبْقَ مِنْهُمْ أحَدٌ، رَجَعَ إلَى الْمَسَاكِينِ)
يعني إذا وَقَفَ على قَوْمٍ ونَسْلِهِم، ثم على المَسَاكِينِ، فانْقَرَضَ القَوْمُ ونَسْلُهُم، فلم يَبْقَ منهم أحدٌ، رَجَعَ إلى المَسَاكِينِ، ولا (١) يَنْتَقِلُ إليهم ما دَامَ أحدٌ من القَوْمِ أو من نَسْلِهِم باقِيًا؛ لأنَّه رَتَّبَه لِلْمَساكِينِ بعدَهم. والمَسَاكِينُ الذين يَسْتَحِقُّونَ السَّهْمَ من الزَّكَاةِ، والفُقَرَاءُ يَدْخُلُونَ فيهم، وكذلك لَفْظُ الفُقَرَاءِ يَدْخُلُ فيه المَسَاكِينُ؛ لأنَّ كلَّ واحدٍ من اللَّفْظَيْنِ يُطْلَقُ عليهما، والمَعْنَى الذي يُسَمَّيانِ به شامِلٌ لهما، وهو الحاجَةُ والفاقَةُ، ولهذا لمَّا سَمَّى اللهُ المَسَاكِينَ، في مَصْرِفِ كَفَّارَةِ اليَمِينِ، وكَفَّارَةِ الظِّهَارِ، وفِدْيَةِ الأذَى، تَنَاوَلَهُما جَمِيعًا، وجازَ الصَّرْفُ إلى كلِّ واحدٍ منهما، ولمَّا ذَكَرَ الفُقَرَاءَ في قوله: ﴿لِلْفُقَرَاءِ الَّذِينَ أُحْصِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ (٢). وفى قوله: ﴿وَتُؤْتُوهَا الْفُقَرَاءَ فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ﴾ (٣). تَنَاوَلَ القِسْمَينِ، وكلُّ مَوْضِعٍ ذُكِرَ فيه أحَدُ اللَّفْظَيْنِ تَنَاوَلَ القِسْمَيْنِ، إلَّا في الصَّدَقاتِ، لأنَّ اللَّه تعالى جَمَعَ بين الاسْمَيْنِ،
стр. 4007
ومَيَّزَ بين المُسَمَّيَيْنِ، فاحْتَجْنَا إلى التَّمْيِيزِ بينهما، وفى غير الصَّدَقاتِ يُسَمَّى (٤) الكُلُّ بكلِّ واحدٍ من الاسْمَيْنِ، فإن جَمَعَ بين الاسْمَيْنِ بالوَقْفِ أيضًا، فقال: وَقَفْتُ هذا على الفُقَرَاءِ والمَسَاكِينِ، نِصْفَيْنِ، أو ثَلَاثًا. وَجَبَ التَّمْييزُ بينهما أيضًا (٥)، فنَزَّلْنَاهُما مَنْزِلَتَهُما من سِهَامِ الصَّدَقاتِ. وإن قال: على الفُقَراءِ والمَسَاكِينِ. فقِيَاسُ المَذْهَبِ جَوَازُ الاقْتِصارِ على أحدِ الصِّنْفَيْنِ، وإبَاحَةُ الدَّفْعِ إلى واحدٍ، كما قُلْنا في الزَّكَاةِ. ويَتَخَرَّجُ أن لا يجوزَ الدَّفْعُ إلى أقَلَّ من ثَلَاثَةٍ من كلِّ صِنْفٍ، بِنَاءً على القولِ في الزَّكَاةِ أيضًا. ولا خِلَافَ في أنَّه لا يَجِبُ تَعْمِيمُهُم بالعَطِيَّةِ، كما لا يَجِبُ اسْتِيعَابُهم بالزَّكَاةِ، ولا في أنَّه يجوزُ التَّفْضِيلُ بين من يُعْطِيه منهم، سواءٌ كانوا ذُكُورًا أو إنَاثًا، أو كان الوَقْفُ ابْتِداءً، أو انْتَقَلَ إليهم عن غيرِهم. وضابِطُ هذا أنَّه متى كان الوَقْفُ على مَن يُمْكِنُ حَصْرُهُم واسْتِيعَابُهُم، والتَّسْوِيَةُ بينهم، وَجَبَ اسْتِيعَابُهم والتَّسْوِيةُ بينهم، إذا لم يُفَضِّلِ الواقِفُ بعضَهم على بعضٍ، فإن وَقَفَ على مَنْ لا يُمْكِنُ حَصْرُهُم، كالمَساكِينِ، أو قَبِيلَةٍ كبيرةٍ كبَنِى تَمِيمٍ وبنى هاشِمٍ، جازَ الدَّفْعُ إلى واحدٍ وإلى أكْثَرَ منه، وجازَ التَّفْضِيلُ والتَّسْوِيةُ؛ لأنَّ وَقْفَه عليهم، مع عِلْمِه بِتَعَذُّرِ اسْتِيعَابِهِم، دَلِيلٌ على أنَّه لم يُرِدْهُ، ومن جازَ حِرْمَانُه، جازَ تَفْضِيلُ غيرِه عليه. فإن كان الوَقْفُ في ابْتِدَائِه على مَنْ يُمْكِنُ اسْتِيعابُه (٦)، فصارَ ممَّن لا يُمْكِنُ اسْتِيعابُه، كرَجُلٍ وَقَفَ على وَلَدِه وَوَلَدِ وَلَدِه، فصارُوا قَبِيلةً كبيرةً تَخْرُجُ عن الحَصْرِ، مثل أن يَقِفَ علىٌّ رَضِىَ اللَّه عنه على وَلَدِه ونَسْلِه، فإنَّه يَجِبُ تَعْمِيمُ من أمْكَنَ منهم، والتَّسْوِيةُ بينهم؛ لأنَّ التَّعْمِيمَ كان واجِبًا، وكذلك التَّسْوِيةُ، فإذا تَعَذَّرَ، وَجَبَ منه ما أمْكَنَ، كالواجِبِ الذي يَعْجزُ عن بعضِه؛ ولأنَّ الواقِفَ ههُنا (٧) أرَادَ التَّعْمِيمَ والتَّسْوِيةَ، لإِمْكانِه وصَلَاحِ
стр. 4008
لَفْظِه لذلك، فيَجِبُ العَمَلُ بما أمْكَنَ منه، بخِلَافِ ما إذا كانوا حالَ الوَقْفِ ممَّن (٨) لا يُمْكِنُ ذلك فيهم.
فصل: وإن وَقَفَ على سَبِيلِ اللَّه، أو ابنِ السَّبِيلِ، أو الرِّقَابِ، أو الغارِمِينَ، فهم الذين يَسْتَحِقُّونَ السَّهْمَ من الصَّدَقاتِ، لا يَعْدُوهُم إلى غيرِهم؛ لأنَّ المُطْلَقَ من كلامِ الآدَمِيِّينَ مَحْمُولٌ على المَعْهُودِ في الشَّرْعِ، فيُنْظَرُ؛ من كان يَسْتَحِقُّ السَّهْمَ من الصَّدَقاتِ، فالوَقْفُ مَصْرُوفٌ إليه، وشَرْحُهُم يأتى في مَوْضِعِه، إن شاءَ اللهُ تعالى. وإن وَقَفَ على الأصْنافِ الثَّمانِيةِ الذين يَأْخُذُونَ الصَّدَقَاتِ، صُرِفَ إليهم، ويُعْطَى كلُّ واحدٍ منهم من الوَقْفِ مثلَ القَدْرِ الذي يُعْطَى من الزَّكَاةِ، لا يُزَادُ على ذلك، فيُعْطَى الفَقِيرُ والمِسْكِينُ ما يَتِمُّ به غَناؤُه، والغارِمُ قَدْرَ ما يَقْضِى غُرْمَهُ، والمكاتَبُ قَدْرَ (٩) ما يُؤَدِّى به كِتَابَتَه، وابنُ السَّبِيلِ ما يُبَلِّغُه، والغازِى ما يَحْتاجُ إليه لِغَزْوِه وإن كان غَنِيًّا. واخْتُلِفَ في قَدْرِ ما يَحْصُلُ به الغِنَى، فقال أحمدُ، في رِوَايةِ عليِّ بن سَعِيدٍ، في الرَّجُلِ يُعْطَى من الوَقْفِ خَمْسِينَ دِرْهَمًا، فقال: إن كان الواقِفُ ذَكَرَ في كِتَابِه المَسَاكِينَ، فهو مثلُ الزَّكَاةِ. وإن كان مُتَطَوِّعًا أعْطَى ما شاءَ وكيف شاءَ. فقد نَصَّ أحمدُ على إلْحاقِه بالزَّكَاةِ، فيكون الخِلَافُ فيه كالخِلَافِ في الزَّكَاةِ. واللَّه أعلمُ. وإن وَقَفَ على جَمِيعِ الأصْنافِ، أو على صِنْفَيْنِ، أو أكْثَرَ، فهل يجوزُ الاقْتِصارُ على صِنْفٍ واحدٍ، أو يَجِبُ إعْطاءُ بعضِ كلِّ صِنْفٍ من المَوْقُوفِ عليه؟ على وَجْهَيْنِ، بِنَاءً على الزَّكَاةِ.
فصل: وإذا وَقَفَ على سَبِيلِ اللَّه، وسَبِيلِ الثَّوَابِ، وسَبِيلِ الخَيْرِ، فسَبِيلُ اللَّه هو الغَزْوُ والجِهَادُ في سَبِيلِ اللهِ، فيُصْرَفُ ثُلُثُ الوَقْفِ إلى من يُصْرَفُ إليهم السَّهْم من الزَّكَاةِ، وهم الغُزَاةُ الذين لا حَقَّ لهم في الدِّيوانِ (١٠)، وإن كانوا أغْنِياءَ، وسائِرُ
стр. 4009
الوَقْفِ يُصْرَفُ إلى كل ما فيه أجْرٌ ومَثوبَةٌ وخَيْرٌ؛ لأنَّ اللَّفْظَ عامٌّ في ذلك. وقال أصْحابُنا: يُجَزَّأُ الوَقْفُ ثلاثةَ أجْزَاءٍ، فجُزْءٌ يُصْرَفُ إلى الغُزَاةِ، وجُزْءٌ يُصْرَفُ إلى أقْرَبِ الناسِ إليه من الفُقَرَاءِ، لأنَّهم أكْثَرُ الجِهَاتِ ثَوَابًا، فإنَّ النبيَّ ﷺ قال: "صَدَقَتُكَ عَلَى ذِى الْقَرَابةِ صَدَقَةٌ وصِلَةٌ" (١١). والثالِثُ يُصْرَفُ إلى مَن يَأْخُذُ الزَّكَاةَ لِحَاجَتِه، وهم خَمْسَةُ أصْنافٍ؛ الفُقَرَاءُ، والمَسَاكِينُ، والرِّقَابُ، والغارِمُونَ لِمَصْلَحَتِهِم، وابنُ السَّبِيلِ؛ لأنَّ هؤلاءِ أهلُ حاجَةٍ مَنْصُوصٌ عليهم في القُرْآن، فكان مَن نَصَّ اللهُ تعالى عليه في كِتَابِه أَوْلَى من غيرِه، وإن ساوَاه في الحاجَةِ، وهذا مذهبُ الشافِعىِّ. ولَنا، أنَّ لَفْظَه عامٌّ، فلا يَجِبُ التَّخْصِيصُ بالبَعْضِ لِكَوْنِه أَوْلَى، كالفُقَرَاءِ والمَسَاكِينِ في الزَّكَاةِ، لا يَجِبُ تَخْصِيصُ أقَارِبِه منهم بها، وإن كانوا أَوْلَى، وكذلك سائِرُ الألْفاظِ العامَّةِ. وإن أوْصَى في أبْوابِ البِرِّ، صُرِفَ إلى (١٢) كلِّ ما فيه بِرٌّ وقُرْبَةٌ. وقال أصْحابُنا: يُصْرَفُ في أرْبَعِ جِهَاتٍ؛ أقَارِبه غيرِ الوارِثِينَ، والمَسَاكِين، والجِهَاد، والحَجِّ. قال أبو الخَطَّابِ: وعنه فداءُ الأسْرَى مكانَ الحجِّ. ووَجْهُ القَوْلَيْنِ ما تَقَدَّمَ في التي قبلَها.
٩٢٣ - مسألة؛ قال: (فَإنْ لَمْ يَجْعَلْ آخِرَهُ لِلْمَسَاكِينِ، ولَمْ يَبْقَ مِمَّنْ وَقَفَ عَلَيْهِ أحَدٌ، رَجَعَ إلَى وَرَثَةِ الْوَاقِفِ، فِي إحْدَى الرِّوَايَتَينِ عَنْ أبِى عَبدِ اللهِ، ﵀، والرِّوَايةُ الأُخْرَى يَكُونُ وَقْفًا عَلَى أقْرَبِ عَصَبَةِ الْوَاقِفِ)
وجملةُ ذلك أنَّ الوَقْفَ (١) الذي لا اخْتِلَافَ في صِحَّتِه، ما كان مَعْلُومَ الابْتِدَاءِ والانْتِهاءِ، غيرَ مُنْقَطِعٍ، مثل أن يُجْعَلَ على المَسَاكِينِ، أو طائِفَةٍ لا يجوزُ بِحُكْمِ العادَةِ
стр. 4010
انْقِرَاضُهُم. وإن كان غيرَ مَعْلُومِ الانْتِهَاءِ، مثل أن يقِفَ على قَوْمٍ يجوزُ انْقِرَاضُهُم بِحُكْمِ العادَةِ، ولم يَجْعَلْ آخِرَه لِلْمَسَاكِينِ، ولا لِجِهَةٍ غيرِ مُنْقَطِعَةٍ، فإنَّ الوَقْفَ يَصِحُّ. وبه قال مالِكٌ، وأبو يوسفَ، والشافِعِىُّ في أحَدِ قَوْلَيْه. وقال محمدُ بن الحَسَنِ: لا يَصِحُّ. وهو القولُ الثاني للشافِعِىِّ؛ لأنَّ الوَقْفَ مُقْتَضاهُ التَّأْبِيدُ، فإذا كان مُنْقَطِعًا صارَ وَقْفًا على مَجْهُولٍ، فلم يَصِحَّ، كما لو وَقَفَ على مَجْهُولٍ في الابْتِدَاءِ. ولَنا، أنَّه تَصَرُّفٌ مَعْلُومُ المَصْرِفِ، فصَحَّ، كما لو صَرَّحَ بمَصْرِفِه المُتَّصِلِ، ولأنَّ الإِطْلَاقَ إذا كان له عُرْفٌ، حُمِلَ عليه، كنَقْدِ البَلَدِ وعُرْفِ المَصْرِفِ، وههُنا هم أَوْلَى الجِهَاتِ به، فكأنَّه عَيَّنَهُم. إذا ثَبَتَ هذا، فإنَّه يَنْصَرِفُ عندَ انْقِرَاضِ المَوْقوفِ عليهم إلى أقَارِبِ الواقِفِ (٢). وبه قال الشافِعِىُّ. وعن أحمدَ رِوَايةٌ أخرى، أنَّه يَنْصَرِفُ إلى المَسَاكِينِ. واخْتارَه القاضِى، والشَّرِيفُ أبو جعفرٍ؛ لأنَّهم (٣) مَصْرِفُ الصَّدَقاتِ وحُقُوقِ اللَّه تَعَالَى من الكَفّارَاتِ ونحوها، فإذا وُجِدَتْ صَدَقَةٌ غيرَ مُعَيَّنةِ المَصْرِفِ، انْصَرَفَتْ إليهم، كما لو نَذَرَ صَدَقةً مُطْلَقةً. وعن أَحمدَ رِوَايةٌ ثالثةٌ، أنَّه يُجْعَلُ في بَيْتِ مالِ المُسلِمينَ؛ لأنَّه مالٌ لا مُسْتَحِقَّ له، فأشْبَهَ مالَ من لا وارِثَ له. وقال أبو يوسفَ: يَرْجِعُ إلى الواقِفِ وإلى وَرَثَتِه (٤)، إلَّا أن يقولَ: صَدَقةٌ مَوْقُوفةٌ، يُنْفَقُ منها على فُلَانٍ وعلى فُلَانٍ. فإذا انْقَرَضَ المُسَمَّى كانت لِلْفُقَراءِ والمَسَاكِينِ. لأنَّه جَعَلَها صَدَقةً على مُسَمَّى، فلا تكونُ على غيرِه، ويُفَارِقُ ما إذا قال: يُنْفَقُ منها على فُلَانٍ وفُلَانٍ. فإنَّه جَعَلَ الصَّدَقةَ مُطْلَقةً. ولَنا، أنَّه أزَالَ مِلْكَه للهِ تعالى، فلم يَجُزْ أن يَرْجِعَ إليه، كما لو أعْتَقَ عَبْدًا، والدَّلِيلُ على صَرْفِه إلى أقَارِبِ الواقِفِ، أنَّهم أوْلَى الناسِ بِصَدَقَتِه، بِدَلِيلِ قولِ النبيَّ ﷺ : "صَدَقَتُكَ عَلَى غَيْرِ رَحِمِكَ صَدَقَةٌ، وصَدَقَتُكَ عَلَى رَحِمِكَ صَدَقَةٌ وصِلَةٌ" (٥). وقال: "إنَّكَ أنْ تَدَعْ وَرَثَتَكَ أغْنِيَاءَ، خَيْرٌ مِنْ أنْ
стр. 4011
تَدَعَهُمْ عالةً يَتَكَفَّفُونَ النَّاسَ" (٦). ولأن فيه (٧) إغْنَاءَهُم وصِلَةَ أرْحَامِهِم، لأنَّهم أَوْلَى الناسِ بِصَدَقاتِه النَّوَافِلِ والمَفْرُوضاتِ، كذلك صَدَقَتُه المَنْقُولَةُ. إذا ثَبَتَ هذا، فإنَّه في ظاهِرِ كلامِ الخِرَقِىِّ، وظاهِرِ كلامِ أحمدَ، يكونُ لِلفُقَراءِ منهم والأغْنِياءِ؛ لأنَّ الوَقْفَ [لا يَخْتَصُّ الفُقَرَاءَ] (٨)، ولو وَقَفَ على أوْلادِه، تَنَاوَلَ الفُقَرَاءَ والأغْنِياءَ، كذا ههُنا. وفيه وَجْهٌ آخَر، أنَّه يَخْتَصُّ الفُقَرَاءَ منهم، لأنَّهم أهْلُ الصَّدَقاتِ دُونَ الأغْنِياءِ، ولأنَّا خَصَصْنَاهُم بالوَقْفِ (٩) لكَوْنِهم أَوْلَى الناسِ بالصَّدَقَةِ، وأَوْلَى الناسِ بالصَّدَقَةِ الفُقَرَاءُ دون الأغْنِياءِ. واخْتَلَفَتِ الرِّوَايةُ في مَن يَسْتَحِقُّ الوَقْفَ من أقْرِبَاءِ الواقِفِ، ففى إحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ، يَرْجِعُ إلى الوَرَثةِ منهم؛ لأنَّهم الذين صَرَفَ اللهُ تعالى إليهم مَالَه بعد مَوْتِه واسْتِغْنائِه عنه، فكذلك يُصْرَفُ إليهم من صَدَقَتِه ما لم يَذْكُرْ له مَصْرِفًا، ولأنَّ النبيَّ ﷺ قال: "إنَّكَ أنْ تَتْرُكَ وَرَثَتَكَ أغْنِياءَ، خَيْرٌ مِنْ أنْ تَدَعَهُمْ عَالَةً يَتَكَفَّفُونَ الناسَ". فعلى هذا يكونُ بينهم على حَسَبِ مِيرَاثِهِم، ويكونُ وَقْفًا عليهم. نَصَّ عليه أحمدُ، وذَكَرَه القاضي، لأنَّ الوَقْفَ يَقْتَضِى التَّأْبِيدَ، وإنَّما صَرَفْناه إلى هؤلاءِ لأنَّهم أحَقُّ الناسِ بِصَدَقَتِه، فصُرِفَ إليهم مع بَقَائِه صَدَقةً. ويَحْتَمِلُ كَلَامُ الخِرَقِىِّ أن يُصْرَفَ إليهم على سَبِيلِ الإِرْثِ، ويَبْطُلَ الوَقْفُ فيه. فعلى هذا يكونُ كقولِ أبى يُوسُفَ. والرواية الثانية، يكونُ وَقْفًا على أقْرَبِ عَصَبَةِ الوَاقِفِ، دون بَقِيَّةِ الوَرَثَةِ من أصْحابِ الفُرُوضِ، ودون البَعِيدِ من العَصَباتِ (١٠)، فيُقَدَّمُ الأقْرَبُ فالأقْرَبِ، على حَسَبِ اسْتِحْقاقِهِم لِوَلَاءِ الموَالِى، لأنَّهم خُصُّوا بالعَقْلِ عنه، وبمِيرَاثِ مَوَالِيه، فَخُصُّوا بهذا أيضًا. وهذا لا يَقْوَى عِنْدِى، فإنَّ اسْتِحْقاقَهم لهذا دون غيرِهم من النّاسِ لا يكونُ
стр. 4012
إلَّا (١١) بِدَلِيلٍ، من نَصٍّ أو إجْماعٍ أو قِيَاسٍ، ولا نَعْلَمُ فيه نَصًّا، ولا إجْماعًا، ولا يَصِحُّ قِيَاسُه على مِيرَاثِ وَلاءِ المَوَالِى؛ لأنَّ عِلَّتَه لا تَتَحَقَّقُ ههُنا. وأقْرَبُ الأقْوالِ فيه صَرْفُه إلى المَساكِينِ؛ لأنَّهم مَصَارِفُ مالِ اللهِ تعالى وحُقُوقُه، فإن كان في أقارِبِ الواقِفِ مَسَاكِينُ، كانوا أوْلَى به، لا على سَبِيلِ الوُجُوبِ، كما أنَّهم أَوْلَى بِزَكاتِه وصِلَاتِه مع جَوَازِ الصَّرْفِ إلى غيرِهم، ولأنَّنا إذا صَرَفْناه إلى أقَارِبِه على سَبِيلِ التَّعْيِينِ، فهى أيضًا جِهَةٌ مُنْقَطِعةٌ، فلا يَتَحَقَّقُ اتِّصَالُه إلَّا بصَرْفِه إلى المَساكِينِ. وقال الشافِعِىُّ: يكون وَقْفًا على أقْرَبِ الناسِ إلى الواقِفِ، الذَّكَرُ والأُنْثَى فيه سواءٌ.
فصل: فإن لم يكُنْ للواقِفِ أقارِبُ، أو كان له أقارِبُ فانْقَرَضُوا، صُرِفَ إلى الفُقَراءِ والمَساكِينِ وَقْفًا عليهم؛ لأنَّ القَصْدَ به الثَّوَابُ الجارِى عليه على وَجْهِ الدَّوَامِ، وإنَّما قَدَّمْنَا الأقَارِبَ على المَساكِينِ، لكَوْنِهم أوْلَى، فإذا لم يكونُوا، فالمَساكِينُ أهْلٌ لذلك، فصُرِف إليهم، إلَّا على قَوْلِ مَن قال: إنَّه يُصْرَف إلى وَرَثَةِ الواقِفِ مِلْكًا لهم. فإنَّه يُصْرَفُ عند عَدَمِهِم إلى بَيْتِ المالِ؛ لأنَّه بَطَلَ الوَقْفُ فيه بِانْقِطاعِه، وصارَ مِيرَاثًا لا وارِثَ له، فكان بَيْتُ المالِ به أوْلَى.
فصل: فإن قال: وَقَفْتُ هذا. وسَكَتَ، أو قال: صَدَقَةٌ مَوْقُوفةٌ. ولم يَذْكُرْ سَبِيلَه (١٢). فلا نَصَّ فيه. وقال ابنُ حامدٍ: يَصِحُّ الوَقْفُ. قال القاضي: هو قِيَاسُ قولِ أحمدَ؛ فإنَّه قال في النَّذْرِ المُطْلَقِ: يَنْعَقِدُ مُوجِبًا لِكَفَّارَةِ يَمِينٍ. وهذا قولُ مالِكٍ، والشافِعِىِّ في أحدِ قَوْلَيْه؛ لأنَّه إزَالَةُ مِلْكٍ على وَجْهِ القُرْبةِ، فوَجَبَ أن يَصِحَّ مُطْلَقُه، كالأُضحِيَةِ والوَصِيَّة. ولو قال: وَصَّيْتُ بِثُلُثِ مالِى. صَحَّ، وإذا صَح صُرِفَ إلى مَصَارِفِ الوَقْفِ المُنْقَطِعِ بعدَ انْقِرَاضِ المَوْقُوفِ عليه.
стр. 4013
فصل: وإن وَقَفَ على مَنْ يجوزُ الوَقْفُ عليه، [ثم على مَنْ لا يجوزُ الوَقْفُ عليه] (١٣)، مثل أن يَقِفَ على أوْلادِه، ثم على البِيَعِ. صَحَّ الوَقْفُ أيضًا، ويُصْرَفُ (١٤) بعد انْقِرَاضِ مَن يَصِحُّ (١٥) الوَقْفُ عليه إلى مَن يُصْرَفُ إليه الوَقْفُ المُنْقَطِع؛ لأنَّ ذِكْرَه لمن لا يجوزُ الوَقْفُ عليه وعَدَمَه واحدٌ. ويَحْتَمِلُ أن لا يَصِحَّ الوَقْفُ؛ لأنَّه جَمَعَ بين ما يجوزُ وما لا يجوزُ، فأشْبَهَ تَفْرِيقَ الصَّفْقةِ.
فصل: وإن كان الوَقْفُ مُنْقَطِعَ الابْتِداءِ، مثل أن يَقِفَه على مَنْ لا يجوزُ الوَقفُ عليه، كنَفْسِه، أو أُمِّ وَلَدِه، أو عَبْدِه، أو كَنِيسَةٍ، أو مَجْهُولٍ، فإن لم يَذْكُرْ له مَآلًا يجوزُ الوَقْفُ عليه، فالوَقْفُ باطِلٌ. وكذلك إن جَعَلَ مَآلَه ممَّا لا يجوزُ الوَقْفُ عليه؛ [لأنَّه أخَلَّ بأحَدِ شَرْطَىِ الوَقْفِ فبَطَلَ، كما لو وَقَفَ مالَا يجوزُ وَقْفُه. وإن جَعَلَ له مَآلًا يجوزُ الوَقْفُ عليه] (١٦)، مثل أن يَقِفَه على عَبْدِه، ثم على المَساكِينِ، ففى صِحَّتِه وَجْهانِ، بِنَاءً على تَفْرِيقِ الصَّفْقةِ. وللشافِعِىِّ فيه قَوْلانِ، كالوَجهَيْنِ، فإذا قُلْنا: يَصِحُّ. وهو قول القاضي، وكان مَن (١٧) لا يجوزُ الوَقْفُ عليه مِمَّن (١٨) لا يمكنُ اعْتِبارُ انْقِرَاضِه، كالمَيِّتِ والمَجْهُولِ والكَنائِسِ، صُرِفَ في الحالِ إلى مَنْ يَجُوزُ الوَقْفُ عليه؛ لأنَّنا (١٩) لما صَحَّحْنَا الوَقْفَ مع [ذِكْرِ ما لا يجوزُ الوَقْفُ عليه، فقد ألْغَيْناهُ؛ فإنَّه يَتعذَّرُ التَّصْحيحُ مع] (٢٠) اعْتِبَارِه، وإن كان مَنْ لا يجوزُ الوَقْفُ عليه يُمْكِنُ اعْتِبارُ
стр. 4014
انْقِرَاضِه، كأُمِّ وَلَدِه (٢١)، وعَبْدٍ مُعَيَّنٍ، ففيه وَجْهانِ؛ أحدهما، أنَّه يُصْرَفُ (٢٢) في الحالِ إلى مَنْ يجوزُ الوَقْفُ عليه، كالتى قبلهَا. ذَكَرَه أبو الخَطَّابِ. والثانى، أنَّه يُصْرَفُ في الحالِ إلى مَصْرِفِ الوَقْفِ المُنْقَطِع، إلى أن يَنْقَرِضَ مَنْ لا يجوزُ الوَقْفُ عليه، فإذا انْقَرَضَ صُرِفَ إلى مَنْ يجوزُ. وهذا الوَجْهُ الذي ذَكَرَه القاضي، وابنُ عقيلٍ؛ لأنَّ الواقف إنَّما جَعَلَه وَقْفًا على مَنْ يجوزُ بشَرْطِ انْقِرَاضِ هذا، فلا يَثْبُتُ بدونه. وفارَقَ ما لا يُمْكِنُ اعْتِبارُ انْقِرَاضِه، فإنَّه تَعَذَّرَ اعْتِبَارُه. ولأصْحابِ الشافِعِىِّ وَجْهانِ، كهذَيْنِ.
فصل: وإن كان الوَقفُ صَحِيحَ الطَّرَفَيْنِ، مُنْقَطِعَ الوَسَطِ، مثل أن يَقِفَ على وَلَدِه، ثم على عَبِيدِه (٢٣)، ثم على المَساكِينِ. خُرِّجَ في صِحَّةِ الوَقفِ وَجْهانِ، كمُنْقَطِعِ الانْتِهاءِ، ثم يُنْظَرُ فيما لا يجوزُ الوَقْفُ عليه، فإن لم يُمْكِنْ اعْتِبارُ انْقِرَاضِه ألْغَيْنَاهُ إذا قُلْنا بالصِّحَّةِ، وإن أمْكَنَ اعْتِبارُ انْقِرَاضِه فهل يُعْتَبَرُ أو يُلْغَى؟ على وَجْهَيْنِ، كما تَقَدَّمَ، وإن كان مُنْقَطِعَ الطَّرَفَيْنِ، صَحِيحَ الوَسَطِ كَرجُلٍ وَقَفَ على عَبِيدِه، ثم على أوْلادِه، ثم على الكَنِيسَةِ، خُرِّجَ في صِحَّتِه أيضًا وَجْهانِ، ومَصْرِفُه بعدَ مَن يجوزُ إلى مَصْرِفِ الوَقْفِ المُنْقَطِعِ.
٩٢٤ - مسألة؛ قال: (ومَن وَقَفَ فِي مَرَضِهِ الَّذِى مَاتَ فِيهِ، أو قَالَ: هُوَ وَقْفٌ بَعْدَ مَوْتِى. وَلَمْ يَخْرُجْ مِنَ الثُّلُثِ، وُقِفَ مِنْهُ بِقَدْرِ الثُّلُثِ، إلَّا أنْ تُجِيزَ الوَرَثَةُ)
وجملتُه أنَّ الوَقْفَ في مَرَضِ المَوْتِ، بمَنْزِلَةِ الوَصِيَّةِ، في اعْتِبَارِه من ثُلُثِ المالِ؛ لأنَّه تَبَرُّعٌ، فاعْتُبِرَ في مَرَضِ المَوْتِ من الثُّلُثِ، كالعِتْقِ والهِبَةِ. وإذا خَرَجَ من الثُّلُثِ، جازَ من غير رِضَا الوَرَثَةِ، ولَزِمَ، وما زادَ على الثُّلُثِ، لَزِمَ الوَقْفُ منه في قَدْرِ الثُّلُثِ،
стр. 4015
وَوَقَفَ الزائِدُ على إجَازَةِ الوَرَثَةِ. لا نَعْلَمُ في هذا خِلَافًا عند القائِلينَ بِلُزُومِ الوَقْفِ؛ وذلك لأنَّ حَقَّ الوَرَثةِ تَعَلَّقَ بالمالِ بوُجُودِ المَرَضِ، فمَنَعَ التَّبَرُّعَ بزِيَادَةٍ على الثُّلُثِ، كالعَطَايَا والعِتْقِ. فأما إذا قال: هو وَقْفٌ بعدَ مَوْتِى. فظاهِرُ كلامِ الخِرَقِىِّ أنَّه يَصِحُّ، ويُعْتَبَرُ من الثُّلُثِ، كسائِر الوَصَايَا. وهو ظاهِرُ كلامِ الإِمام أَحمدَ. وقال القاضي: لا يَصِحُّ هذا؛ لأنَّه تَعْلِيقٌ لِلوَقْفِ على شَرْطٍ، وتَعْلِيقُ الوَقْفِ على شَرْطٍ غيرُ جائِزٍ، بِدَلِيلِ ما لو عَلَّقَه على شَرْطٍ في حَيَاتِه، وحَمَلَ كَلَامَ الخِرَقِىِّ على أنَّه قال: قِفُوا بعد مَوْتِى. فيكونُ وَصِيَّةً بالوَقْفِ لا إِيقَافًا. وقال أبو الخَطَّابِ: قولُ الخِرَقِىِّ هذا يَدُلُّ على جَوَازِ تَعلِيقِ الوَقْفِ على شَرْطٍ. ولَنا، على صِحَّةِ الوَقْفِ بالمُعَلَّقِ بالمَوْتِ، ما احْتَجَّ به الإِمامُ أحمدُ رَضِىَ اللَّه عنه، أنَّ عمرَ وَصَّى، فكان في وَصيَّتِه: هذا ما أوْصَى به عبدُ اللَّه عمرُ أميرُ المُؤْمِنِينَ إن حَدَثَ به حَدَثٌ، أنَّ ثَمْغًا صَدَقَةٌ. وذَكَرَ بَقِيَّةَ الخَبَرِ وقد ذَكَرْنَاه في غير هذا المَوْضِعِ (١)، ورَوَاه أبو دَاوُدَ بنحوٍ من هذا، وهذا نَصٌّ في مَسْأَلَتِنا، وَوَقْفُه هذا كان بأمْرِ النبيِّ ﷺ ، ولأنَّه اشْتَهَرَ في الصَّحَابةِ، فلم يُنْكَرْ، فكان إجْماعًا، ولأنَّ هذا تَبَرُّعٌ مُعَلَّقٌ بالمَوْتِ، فصَحَّ كالهِبَةِ والصَّدَقةِ المُطْلَقةِ، أو نقول: صَدَقةٌ مُعَلَّقةٌ بالمَوْتِ، فأشْبَهَتْ غيرَ الوَقْفِ. ويُفَارِقُ هذا التَّعْلِيقَ على شَرْطٍ في الحَياةِ، بِدَلِيلِ الهِبَةِ المُطْلَقةِ، والصَّدَقةِ، وغيرهما، وذلك لأنَّ هذا وَصِيَّةٌ، والوَصيَّةُ أوْسَعُ من التَّصَرُّفِ في الحَيَاةِ، بِدَلِيلِ جَوَازِها بالمَجْهُولِ والمَعْدُومِ، ولِلْمَجْهُولِ، ولِلْحَمْلِ، وغير ذلك، وبهذا يَتَبَيَّنُ فسَادُ قِيَاسِ مَنْ قَاسَ على هذا الشَّرْطِ بَقِيَّةَ الشُّرُوطِ.
فصل: ولا يجوزُ تَعْلِيقُ ابْتِداءِ الوَقْفِ على شَرْطٍ في الحياةِ، مثل أن يقولَ: إذا جاءَ رَأْسُ الشَّهْرِ فدَارِى وَقْفٌ، أو فَرَسِى حَبْسٌ (٢)، أو إذا وُلِدَ لي وَلَدٌ، أو إذا قَدِمَ لي (٣)
стр. 4016
غائِبِى. ونحو ذلك. ولا نَعْلَمُ في هذا خِلَافًا؛ لأنَّه نَقْلٌ لِلْمِلْكِ فيما لم يُبْنَ على التَّغْلِيبِ والسِّرَايةِ، فلم يَجُزْ تَعْلِيقُه على شَرْطٍ. كالهِبَةِ. وسَوَّى المُتَأَخِّرُونَ من أصْحابِنا بين تعْلِيقِه بالمَوْتِ، وتَعْلِيقِه بِشَرْطٍ في الحيَاةِ. ولا يَصِحُّ؛ لما ذَكَرْنا من الفَرْقِ بينهما فيما قبلَ هذا.
فصل: وإن عَلَّقَ انْتِهاءَه على شَرْطٍ، نحو قولِه: دارِى وَقْفٌ إلى سَنَةٍ، أو إلى أن يَقْدَمَ الحاجُّ. لم يَصِحّ، في أحدِ الوَجْهَيْنِ؛ لأنَّه يُنَافِى مُقْتَضَى الوَقْفِ، فإن مُقْتَضَاهُ التَّأْبِيدُ. وفى الآخَرِ يَصِحُّ؛ لأنَّه مُنْقَطِعُ الانْتِهاءِ، فأشْبَهَ ما لو وَقَفَه على مُنْقَطِعِ الانْتِهاءِ، فإن حَكَمْنا بصِحَّتِه ههُنا، فحُكْمُه حُكْمُ مُنْقَطِعِ الانْتِهاءِ.
فصل: وإن قال: هذا وَقْفٌ على وَلَدِى سَنَةً، ثم على المَسَاكِينِ. صَحَّ. وكذلك إن قال: هذا وَقْفٌ على وَلَدِى مُدَّةَ حَيَاتِى، ثم هو بعدَ مَوْتِى للمَساكِينِ. صَحَّ؛ لأنَّه وَقْفٌ مُتَّصِلُ الابتِدَاءِ والانْتِهاءِ. وإن قال: وَقْفٌ على المَساكِينِ، ثم على أوْلادِى. صَحَّ، ويكون وَقْفًا على المَساكِينِ، ويُلْغَى (٤) قولُه: على أوْلادِى. لأنَّ المَساكِينَ لا انْقِرَاضَ لهم.
فصل: واخْتَلَفَتِ الرِّوَايةُ عن أحمدَ في الوَقْفِ في مَرَضِه على بعض وَرَثَتِه، فعنه: لا يجوزُ ذلك، فإن فَعَلَ وَقَفَ على إجَازَةِ سائِر الوَرَثَةِ، [فإنَّ أحمدَ قال] (٥)، في رِوَايةِ إسحاقَ بن إبراهيمَ، في مَن أوْصَى لأوْلادِ بَنِيه بأرْضٍ تُوقَفُ عليهم، فقال: إن لم يَرِثُوه فجائِزٌ. فظاهِرُ هذا أنَّه لا يجوزُ الوَقْفُ عليهم في المَرَضِ. اخْتارَه أبو حَفْصٍ العُكْبَرِىُّ، وابنُ عَقِيلٍ، وهو مَذْهَبُ الشافِعِىِّ. والرِّواية الثانية، يجوزُ أن يقِفَ عليهم ثُلُثَه، كالأجانِبِ، فإنَّه قال، في رِوَايةِ جماعةٍ منهم المَيمُونِىّ: يجوزُ لِلرَّجُلِ أن يقِفَ في مَرَضِه
стр. 4017
على وَرَثَتِه. فقيل له: أليس تَذْهَبُ إلى (٦) أنَّه لا وَصِيَّةَ لِوَارِثٍ؟ فقال: نعم، والوَقْفُ غيرُ الوَصِيَّةِ؛ لأنَّه لا يُبَاعُ ولا يُورَثُ، ولا يَصِيرُ مِلْكًا لِلْوَرَثةِ يَنْتَفِعُونَ بِغَلَّتِه. وقال، في رِوَايةِ أحمدَ بن الحَسَنِ، فإنَّه صَرَّحَ في مَسْأَلَتِه بِوَقْفِ ثُلُثِه على بعض وَرَثتِه دون بعضٍ، فقال: جائِزٌ. قال الْخَبْرِىُّ (٧): وأجازَ هذا الأكْثَرُونَ. واحْتَجَّ أحمدُ، بِحَدِيثِ عمرَ رَضِىَ اللَّه عنه، أنَّه قال: هذا ما أوْصَى به عبدُ اللَّه عمرُ أميرُ المُؤْمِنِينَ، إن حَدَثَ به حَدَثٌ أنّ ثَمْغًا صَدَقَةٌ، والعَبْدَ الذي فيه، والسَّهْمَ الذي بِخَيْبَر، وَرِقيقَه الذي فيه، والمائةَ وَسْقٍ التي (٨) أطْعَمَنِى محمدٌ ﷺ ، تَلِيه حَفْصَةُ ما عاشَتْ، ثم يَلِيه ذَوُو الرَّأْى من أهْلِه، لا يُباعُ، ولا يُشْتَرَى، يُنْفِقُه حيث يَرَى من السّائِلِ والمَحْرُومِ وذَوِى القُرْبَى، ولا حَرَجَ على من وَلِيَهُ إن أكلَ أو اشْتَرَى رَقِيقًا. رَوَاهُ أبو دَاوُدَ بنحوٍ. من هذا. فالحُجَّةُ أنَّه جَعَلَ لِحَفْصَةَ أن تَلِىَ وَقْفَه، وتَأْكُلَ منه، وتَشْتَرِىَ رَقِيقًا. قال المَيْمُونِىُّ: قلتُ لأحمدَ: إنَّما أمَرَ النبيُّ ﷺ عمَرَ بالإِيقَافِ، وليس في الحَدِيثِ الوارِثُ. قال: فإذا كان النبيُّ ﷺ أمَرَه وهو ذا قد وَقَفَها على وَرَثَتِه، وحَبَّسَ الأصْلَ عليهم جَمِيعًا، ولأنَّ الوَقْفَ ليس في مَعْنَى المِلْكِ (٩)؛ لأنَّه لا يجوزُ التَّصَرُّفُ فيه، فهو كعِتْقِ الوَارِثِ. ولَنا، أنَّه تَخْصِيصٌ لبعضِ الوَرَثَةِ بمالِه في مَرَضِه، فمُنِعَ منه، كالهِبَاتِ ولأنَّ كلَّ مَنْ لا تجوزُ له الوَصِيَّةُ بالعَيْنِ، لا تجوزُ بالمَنْفَعةِ، كالأجْنَبِى فيما زادَ على الثُّلُثِ. وأمَّا خبرُ عمرَ، فإنَّه لم يَخُصَّ بعضَ الوَرَثةِ بِوَقْفِه، والنِّزَاعُ إنما هو في تَخْصِيصِ بعضِهم. وأمَّا جَعْلُ الوِلَايةِ لِحَفْصَةَ، فليس ذلك وَقْفًا عليها، فلا يكونُ ذلك وارِدًا في مَحلِّ النِّزَاعِ، وكونُه انْتِفَاعًا بالغَلَّةِ، لا يَقْتَضِى جَوَازَ التَّخْصِيصِ، بِدَلِيلِ ما لو أوْصَى لِوَرَثَتِه بمَنْفَعَةِ عَبْدٍ، لم يَجُزْ. ويَحْتَمِلُ أن يُحْمَلَ كلامُ أحمدَ في رِوَايةِ
стр. 4018
الجماعةِ، على أنَّه وَقَفَ على جَمِيعِ الوَرَثةِ، ليكونَ على وَفْقِ حَدِيثِ عمرَ، وعلى وَفْقِ الدَّلِيلِ الذي ذَكَرْنا.
فصل: فإن وَقَفَ دَارَه، وهى تَخْرُجُ من الثُّلُثِ، بين ابْنِه وبِنْتِه نِصْفَيْنِ، في مَرَضِ مَوْتِه، فعلى رِوَايةِ الجماعةِ يَصِحُّ الوَقْفُ، ويَلْزَم؛ لأنَّه لمَّا كان يجوزُ له تَخْصِيصُ البِنْتِ بوَقْفِ الدَّارِ كلّها، فبِنِصْفِها أَوْلَى. وعلى الرِّوَايةِ التي نَصَرْنَاهَا، إن أجازَ الابْنُ ذلك جازَ، وإن لم يُجِزْه بَطَلَ الوَقْفُ فيما زادَ على نَصِيبِ البِنْتِ، وهو السُّدُسُ، ويَرْجِعُ إلى الابْنِ مِلْكًا، فيكونُ له النِّصْفُ وَقْفًا، والسُّدُسُ مِلْكًا طَلْقًا (١٠)، والثُّلُثُ لِلْبِنْتِ جَمِيعُه وَقْفًا. ويَحْتَمِلُ (١١) أن يَبْطُلَ الوَقْفُ في نِصْفِ ما وَقَفَ على البِنْتِ، وهو الرُّبْعُ، ويَبْقَى ثلاثةُ أرْباعِ الدَّارِ وَقْفًا، نِصْفُها (١٢) للابْنِ، ورُبْعُها لِلْبِنْتِ، والرُّبْعُ الذي بَطَلَ الوَقْفُ فيه بينهما أثْلَاثًا، للابنِ ثُلُثاه، ولِلْبِنْتِ ثُلُثُه، وتَصِحُّ المَسْألَةُ من اثْنَى عَشَرَ؛ للابنِ سِتَّةُ أسْهُمٍ وَقْفًا وسَهْمانِ مِلْكًا، ولِلْبِنْتِ ثَلَاثَةُ أسْهُمٍ وَقْفًا وسَهْمٌ مِلْكًا. ولو وَقَفَها على ابنِه وزَوْجَتِه نِصْفَيْنِ، وهى تَخْرُجُ من الثُّلُثِ، فرَدَّ الابنُ، صَحَّ الوَقْفُ على الابْنِ في نِصْفِها، وعلى المَرْأةِ في ثُمْنِها، وللابْنِ إبْطالُ الوَقْفِ في ثَلَاثَةِ أثْمانِها، فتَرْجِعُ إليه مِلْكًا على الوَجْهِ الأوّلِ، وعلى الوَجْهِ الثاني، يَصِحُّ الوَقْفُ على الابْنِ في نِصْفِها، وهو أرْبَعةُ أسْباعِ نَصِيبِه، ويَرْجِعُ إليه [باقي نَصِيبِه] (١٣) مِلْكًا، ويَصِحُّ الوَقْفُ في أرْبَعةِ أسْباعِ الثُّمْنِ الذي لِلْمَرْأةِ، وباقِيه يكون لها مِلْكًا، فاضْرِبْ سَبْعةً في ثَمَانِيةٍ، تكون سِتَّةً وخَمْسِينَ، للابْنِ ثمانِيةٌ وعِشْرُونَ وَقْفًا، وأحَدَ وعِشْرُونَ مِلْكًا، ولِلْمَرْأةِ أرْبَعةُ أسْهُمٍ وَقْفًا، وثلاثةٌ مِلْكًا. وهكذا ذَكَرَ أصْحابُ الشافِعِىِّ. فأمَّا إن
стр. 4019
كانت الدَّارُ جَمِيعَ مِلْكِه، فوَقَفَها كُلَّها، فعلى ما اخْتَرْناه، الحُكْمُ فيها كما لو كانت تَخْرُجُ من الثُّلُثِ، فإنَّ الوارِثَ في جَمِيعِ المالِ كالأجْنَبِىِّ في الزّائِدِ عن الثُّلُثِ، وأمَّا على ما رَوَاهُ الجماعةُ، فإنَّ الوَقْفَ يَلْزَمُ في الثُّلُثِ من غيرِ اخْتِيارِ الوَرَثَةِ، وفيما زادَ فلهما إبْطالُ الوَقْفِ فيه، وللابْنِ إبْطالُ التَّسْوِيةِ، [فإن اخْتارَ إبْطَالَ التَّسْوِيَةِ] (١٤) دُونَ إبْطالِ الوَقْفِ، خُرِّجَ فيه وَجْهانِ؛ أحدُهما، أنَّه يَبطُلُ الوَقْفُ في التُّسْعِ، ويَرْجِعُ إليه مِلْكًا، فيَصِيرَ له النِّصْفُ وَقْفًا، والتُّسْعُ مِلْكًا، ويكونُ لِلْبِنتِ السُّدُسُ والتُّسْعانِ وَقْفًا؛ لأنَّ الابنَ إنَّما يَمْلِكُ (١٥) إبْطالَ الوَقْفِ في ما لَه دُونَ ما لغيرِه. والوَجْهُ الثاني، أنَّ له إبْطالَ الوَقْفِ في السُّدُسِ، ويَصِيرُ له النِّصْفُ وَقْفًا، والتُّسْعُ مِلْكًا، ولِلْبِنْتِ الثُّلُثُ وَقْفًا، ونِصْفُ التُّسْعِ مِلْكًا؛ لئلَّا تَزْدَادَ البِنْتُ على الابْنِ في الوَقْفِ. وتَصِحُّ المَسْأَلَةُ في هذا الوَجْه من ثمانِيةَ عَشَرَ، للابْنِ تِسْعَةٌ وَقْفًا وسَهْمانِ مِلْكًا، ولِلْبِنْتِ سِتَّةُ أسْهُمٍ وَقْفًا وسَهْمٌ مِلْكًا. وقال أبو الخَطَّابِ: له إبْطالُ الوَقْفِ في الرُّبْعِ كلِّه، ويَصِيرُ له النِّصْفُ وَقْفًا والسُّدُسُ مِلْكًا، ويكونُ لِلْبِنْتِ الرُّبْعُ وَقْفًا ونِصْف السُّدُسِ مِلْكًا، كما لو كانت الدّارُ تَخْرُجُ من الثُّلُثِ، وتصِحُّ من اثْنَى عَشَرَ.
٩٢٥ - مسألة؛ قال: (وَإذَا خَرِبَ الْوَقْفُ، ولَمْ يَرُدَّ شيْئًا، بِيعَ، واشْتُرِىَ بِثَمَنِه ما يُرَدُّ عَلَى أهْلِ الوَقْفِ، وجُعِلَ وَقْفًا كَالْأَوَّلِ، وكَذلِكَ الْفَرَسُ الْحَبِيسُ (١) إذَا لَمْ يَصْلُحْ لِلْغَزْوِ، بِيعَ، واشْتُرِىَ بِثَمَنِهِ مَا يَصْلُحُ لِلْجِهَادِ)
وجملةُ ذلك أنَّ الوَقْفَ إذا خَرِبَ، وتَعَطَّلَتْ مَنَافِعُه، كدارٍ انْهَدَمَتْ، أو أرْضٍ خَرِبَتْ، وعادَتْ مَوَاتًا، ولم تُمْكِنْ عِمَارَتُها، أو مَسْجِدٍ انْتَقَلَ أهْلُ القَرْيةِ عنه، وصارَ في مَوْضِعٍ لا يُصَلَّى فيه، أو ضاقَ بأهْلِه ولم يُمْكِنْ تَوْسِيعُه (٢) في مَوْضِعِه،
стр. 4020
أو تَشَعَّبَ (٣) جَمِيعُه فلم تُمْكِنْ عِمَارَتُه ولا عِمَارَةُ بعضِه إلَّا بِبَيْعِ بعضِه، جازَ بَيْعُ بعضِه لِتُعَمَّرَ به بَقِيَّتُه. وإن لم يُمْكِن الانْتِفَاعُ بشيءٍ منه، بِيعَ جَمِيعُه. قال أحمدُ، في رِوَايةِ أبى دَاوُدَ: إذا كان في المَسْجِدِ خَشَبَتانِ، لهما قِيمَةٌ، جازَ بَيْعُهُما وصَرْفُ ثَمَنِهِما عليه. وقال، في رِوَايةِ صالحٍ: يُحَوَّلُ المَسْجِدُ خَوْفًا من اللُّصُوصِ، وإذا كان مَوْضِعُه قَذِرًا. قال القاضي: يعني إذا كان ذلك يَمْنَعُ من الصَّلَاةِ فيه. ونَصَّ على جَوَازِ بَيْعِ عَرْصَتِه، في رِوَايةِ عبدِ اللَّه، وتكونُ الشَّهَادَةُ في ذلك على الإِمَامِ. قال أبو بكرٍ: وقد رَوَى علىُّ بن سَعِيدٍ، أنَّ المَساجِدَ لا تُبَاعُ، وإنَّما تُنْقَلُ آلَتُها. قال: وبالقولِ الأوّلِ أقولُ؛ لإِجْماعِهِم على جَوَازِ بَيْعِ الفَرَسِ الحَبِيسِ (٤) - يعني المَوْقُوفَةَ على الغَزْوِ - إذا كَبِرَتْ، فلم تَصْلُحْ لِلْغَزْوِ، وأمكن الانْتِفاعُ بها في شيءٍ آخَرَ، مثل أن تَدُورَ في الرَّحَى، أو يُحْمَلَ عليها تُرَابٌ، أو تكونَ الرَّغْبَةُ في نِتَاجها، أو حِصَانًا يُتَّخَذُ لِلطِّرَاقِ، فإنَّه يجوزُ بَيْعُها، ويُشْتَرَى بِثَمَنِها ما يَصْلُحُ لِلْغَزْوِ. نَصَّ عليه أحمدُ. وقال محمدُ بن الحَسَنِ: إذا خَرِبَ المَسْجِدُ أو الوَقْفُ، عَادَ إلى مِلْكِ واقِفِه؛ لأنَّ الوَقْفَ إنَّما هو تَسْبِيلُ المَنْفَعَةِ، فإذا زالَتْ مَنْفَعَتُه، زالَ حَقُّ المَوْقُوفِ عليه منه، فزَالَ مِلْكُه عنه. وقال مالِكٌ، والشافِعِىُّ: لا يجوزُ بَيْعُ شيءٍ من ذلك؛ لقولِ رسولِ اللَّه ﷺ : "لا يُبَاعُ أصْلُها، ولا تُبْتَاعُ، ولا تُوهَبُ، ولا تُورَثُ" (٥). ولأنَّ ما لا يجوزُ بَيْعُه مع بَقَاءِ مَنَافِعِه، لا يجوزُ بَيْعُه مع (٦) تَعَطُّلِهَا، كالمُعْتَقِ، والمَسْجِدُ أشْبَهُ الأشْياءِ بالمُعْتَقِ. ولَنا، ما رُوِى أنَّ عمرَ رَضِىَ اللَّه عنه، كَتَبَ إلى سَعْدٍ، لمَّا بَلَغَهُ أنه قد نُقِبَ (٧) بَيْت المالِ الذي بالكُوفَةِ، أن (٨) انْقُل المَسْجِدَ الذي بالتَّمَّارِين، واجْعَلْ بَيْتَ
стр. 4021
المالِ في قِبْلَةِ المَسْجِدِ، فإنَّه لن يَزَالَ في المَسْجِدِ مُصَلٍّ (٩). وكان هذا بمَشْهَدٍ من الصَّحَابةِ، ولم يَظْهَرْ خِلَافُه، فكان إجْماعًا. ولأنَّ فيما ذَكَرْناه اسْتِبْقَاءَ الوَقْفِ بمَعْنَاه عندَ تَعَذُّرِ إِبْقَائِه بِصُورَتِه، فوَجَبَ ذلك، كما لو اسْتَوْلَدَ الجارِيَةَ المَوْقُوفةَ، أو قَبَّلَها غيرُه. قال ابنُ عقيلٍ: الوَقْفُ مُؤَبَّدٌ، فإذا لم يُمْكِنْ تَأْبِيدُه على وَجْهٍ، يُخَصِّصُهُ (١٠) اسْتِبْقاءُ الغَرَضِ، وهو الانْتِفَاعُ على الدَّوَامِ في عَيْنٍ أخرى، وإيصَالُ الأبْدَالِ جَرَى مَجْرَى الأعْيانِ، وجُمُودُنا على العَيْنِ مع تَعَطُّلِها تَضْيِيعٌ لِلْغَرَضِ. ويَقْرُبُ هذا من الهَدْىِ إذا عَطِبَ [في السَّفَرِ] (١١)، فإنَّه يُذْبَحُ في الحالِ، وإن كان يَخْتَصُّ بمَوْضِعٍ، فلما تَعَذَّرَ تَحْصِيلُ الغَرَضِ بالكُلِّيّةِ، اسْتُوفِىَ منه ما أمكنَ، وتُرِك مُرَاعاةُ المَحلِّ الخاصِّ عندَ تَعَذُرِه؛ لأنَّ مُرَاعاتَه مع تَعَذُرِه تُفْضِى إلى فَوَاتِ الانْتِفاعِ بالكُلِّيّةِ، وهكذا الوَقْفُ المُعَطَّلُ المنَافِعِ. ولَنا، على محمدِ بن الحَسَنِ، أنَّه إزَالَةُ مِلْكٍ على وَجْهِ القُرْبةِ، فلا يَعُودُ إلى مالِكِه باخْتِلَالِه، وذَهَابِ مَنَافِعِه كالعِتْقِ.
فصل: وظاهِرُ كلامِ الخِرَقِيِّ، أنَّ الوَقْفَ إذا بِيعَ، فأىُّ شيءٍ اشْتُرِىَ بِثَمَنِه ممَّا يُرَدُّ على أهْلِ الوَقْفِ جازَ، سواءٌ كان من جِنْسِه أو من غيرِ جِنْسِه؛ لأنَّ المَقْصُودَ المَنْفَعةُ، لا الجِنْسُ، لكنْ تكونُ المَنْفَعةُ مَصْرُوفةً إلى المَصْلَحَةِ التي كانت الأُولَى تُصْرَفُ فيها؛ لأنَّه لا يجوزُ تَغْيِيرُ المَصْرِفِ مع إمْكانِ المُحَافَظَةِ عليه، كما لا يجوزُ تَغْيِيرُ الوَقْفِ بالبَيْعِ مع إمكانِ الانْتِفَاعِ به.
فصل: وإذا لم يَكْفِ (١٢) ثَمَنُ الفَرَسِ الحَبِيسِ (١٣) لِشِرَاءِ فَرَسٍ أخرى، أُعِينَ به في شِرَاءِ فَرَسٍ حَبِيسٍ يكونُ بعضَ الثَّمَنِ. نَصَّ عليه أحمدُ؛ لأنَّ المَقْصُودَ
стр. 4022
اسْتِبْقاءُ (١٤) مَنْفَعةِ الوَقْفِ المُمْكِن اسْتِبْقاؤُها (١٥)، وصِيَانَتُها عن الضَّيَاعِ، ولا سَبِيلَ إلى ذلك إلَّا بهذه الطَّرِيقِ.
فصل: وإن لم تَتَعَطَّلْ مَنْفَعَةُ (١٦) الوَقْفِ بالكُلِّيّةِ، لكن قَلَّتْ، وكان غيرُه أنْفَعَ منه وأكْثَرَ رَدٍّ على أهْلِ الوَقْفِ، لم يَجُزْ بَيْعُه؛ لأنَّ الأصْلَ تَحْرِيمُ البَيْعِ، وإنَّما أُبِيحَ لِلضَّرُورَةِ، صِيَانةً لِمَقْصُودِ الوَقْفِ عن الضَّيَاعِ، مع إمكانِ تَحْصِيلِه، ومع الانْتِفَاعِ، وإن قَلَّ ما يَضِيعُ المَقْصُودُ، اللَّهُمَّ إلَّا أن يَبْلُغَ في قِلَّةِ النَّفْعِ إلى حَدٍّ لا يُعَدُّ نَفْعًا، فيكونُ وُجُودُ ذلك كالعَدَمِ.
فصل: قال أحمدُ، في رِوَايةِ أبى دَاوُدَ، في مَسْجِدٍ أرَادَ أهْلُه رَفْعَهُ من الأرْضِ، ويُجْعَلُ تَحْتَه سِقَايَةٌ وحَوَانِيتُ، فامْتَنَعَ بعضُهم من ذلك: فيُنْظَرُ إلى قولِ أكْثَرَهِم. واخْتَلَفَ أصْحَابُنا في تَأْوِيلِ كلامِ أحمدَ، فذَهَبَ ابنُ حامدٍ إلى أنَّ هذا في مَسْجِدٍ أرَادَ أهْلُه إنْشَاءَه ابْتِداءً، واخْتَلَفُوا كيف يُعْمَلُ؟ وسَمّاهُ مَسْجِدًا قبلَ بِنَائِه تَجَوُّزًا؛ لأنَّ مَآلَه إليه، أمَّا بعدَ كَوْنِه مَسْجِدًا لا يجوزُ جَعْلُه سِقَايةً ولا حَوَانِيتَ. وذَهَبَ القاضي إلى ظاهِرِ اللَّفْظِ، وهو أنَّه كان مَسْجِدًا، فأرَادَ أهْلُه رَفْعَه، وجَعْلَ ما تَحْتَه سِقَايةً لِحَاجَتِهِم إلى ذلك. والأَوَّلُ أصَحُّ وأَولَى، وإن خالَفَ الظاهِرَ؛ فإنَّ المَسْجِدَ لا يجوزُ نَقْلُه، وإبْدَالُه، وبَيْعُ سَاحَتِه، وجَعْلُها سِقَايةً وحَوَانِيتَ، إلَّا عندَ تَعَذُّرِ الانْتِفَاعِ به، والحاجةُ إلى سِقَايةٍ وحَوَانِيتَ لا تُعَطِّلُ نَفْعَ المَسْجِدِ، فلا يجوزُ صَرْفُه في ذلك، ولو جازَ جَعْلُ أسْفَل المَسْجِدِ سِقَايةً وحَوَانِيتَ لهذه الحاجَةِ، لَجازَ تَخْرِيبُ المَسْجِدِ وجَعْلُه سِقَايةً وحَوَانِيتَ، ويَجعَلُ بَدَلَهُ مَسْجِدًا في مَوْضِعٍ آخَرَ. وقال أحمدُ، في رِوَايةِ بَكْرِ بن محمدٍ، عن أبِيهِ، في مَسْجِدٍ ليس بِحَصِينٍ من الكِلَابِ، وله مَنَارَةٌ، فَرَخَّصَ في نَقْضِها، وبِنَاءِ حائِطِ المَسْجِدِ بها لِلْمَصْلَحَةِ.
стр. 4023
فصل: ولا يجوزُ أن يُغْرَسَ في المَسْجِدِ شَجَرَةٌ. نَصَّ عليه أحمدُ، وقال: إن كانت غُرِسَتِ النَّخْلَةُ بعدَ أن صارَ مَسْجِدًا، فهذه غُرِسَتْ بغير حَقٍّ، فلا أُحِبُّ الأكْلَ منها، ولو قَلَعَها الإِمامُ لجازَ؛ وذلك لأنَّ المَسْجِدَ لم يُبْنَ لهذا، وإنَّما بُنِىَ لِذِكْرِ اللهِ والصَّلَاةِ وقِرَاءةِ القُرْآن، ولأنَّ الشَّجَرَةَ تُؤْذِى المَسْجِدَ وتَمْنَعُ المُصَلِّينَ من الصَّلَاةِ في مَوْضِعِها، ويَسْقُطُ وَرَقُها في المَسْجِدِ وثَمَرُها، وتَسْقُطُ عليها العَصَافِيرُ والطَّيْرُ فتَبُولُ في المَسْجِدِ، وربما اجْتَمَعَ الصِّبْيانُ في المَسْجِدِ من أجْلِها، ورَمَوْهَا بالحِجَارَةِ لِيَسْقُطَ ثَمَرُها. فأمَّا إن كانت النَّخْلَةُ في أرْضٍ، فجَعَلَها صاحِبُها مَسْجِدًا والنَّخْلَةُ فيها، فلا بَأْسَ. قال أحمدُ في مَوْضِعٍ: لا بَأْسَ. يَعْنِى أن يَبِيعَها من الجِيرَانِ. وقال، في رِوَايةِ أبى طالِبٍ، في النَّبْقَةِ: لا تُبَاعُ، وتُجْعَلُ لِلْمُسْلِمينَ وأهْلِ الدَّرْبِ يَأْكُلُونَها. وذلك، واللَّه أعلمُ، لأنَّ صاحِبَ الأرْضِ لمَّا جَعَلَها مَسْجِدًا والنَّخْلَةُ فيها، فقد وَقَفَ الأرْضَ والنَّخْلَةَ معها، ولم يُعَيِّنْ مَصْرِفَها، فصارَتْ كالوَقْفِ المُطْلَقِ الذي لم يُعَيَّنْ له مَصْرِفٌ، وقد ذَكَرْنا فيه في إحْدَى الرِّوَاياتِ، أنَّه لِلْمَساكِينِ. فأما إن قال صاحِبُها: هذه وَقْفٌ على المَسْجِدِ. فيَنْبَغِى أن يُبَاعَ ثَمَرُها، ويُصْرَفَ إليه، كما لو وَقَفَها على المَسْجِدِ وهى في غيرِه. قال أبو الخَطَّابِ: عندى أنَّ المَسْجدَ إذا احْتاجَ إلى ثَمَنِ ثَمَرةِ الشَّجَرَةِ، بِيعَتْ، وصُرِفَ ثَمَنُها في عِمَارَتِه. قال: وقولُ أَحمدَ: يَأُكُلُها الجِيرَانُ. مَحْمولٌ على أنَّهم يَعْمُرُونَهُ.
فصل: وما فَضَلَ من حُصْرِ المَسْجِدِ وزَيْتِه، ولم يُحْتَجْ إليه، جازَ أن يُجْعَلَ في مَسْجِدٍ آخَرَ، أو يُتَصَدَّق من ذلك على فُقَرَاءِ جِيرَانِه وغيرِهم، وكذلك إن فَضَلَ من قَصبِه أو شيءٍ من نِقْضِه. قال أحمدُ، في مَسْجِدٍ بُنِىَ، فبَقِىَ من خَشَبِه أو قَصبِه أو شيءٍ من نِقْضِه، فقال: يُعَانُ في مَسْجِدٍ آخَرَ. أو كما قال. وقال المَرُّوذِيُّ: سَأَلْتُ أبا عبدِ اللَّه عن بَوَارِى المَسْجِدِ (١٧)، إذا فَضَلَ منه الشىءُ، أو الخَشَبةُ. قال:
стр. 4024
يُتصَدَّقُ به. وأَرَى أنَّه قد احْتَجَّ بِكُسْوَةِ البَيْتِ إذا تَخَرَّقَتْ تُصُدِّقَ بها. وقال في مَوْضِعٍ آخَرَ: قد كان شَيْبَةُ يَتَصَدَّقُ بِخُلْقَانِ الكَعْبةِ. ورَوَى الخَلَّالُ، بإسْنادِه عن عَلْقَمَةَ، عن أُمِّه، أنَّ شَيْبَةَ بن عُثْمانَ الْحَجَبِىَّ، جاءَ إلى عائِشَةَ رَضِىَ اللَّه عنها، فقال: يا أُمَّ المُؤْمِنِينَ، إنَّ ثِيَابَ الكَعْبةِ تَكْثُرُ عليها، فنَنْزِعُها، فَنَحْفِرُ لها آبارًا فَنَدْفِنُها فيها، حتى لا تَلْبَسَها الحائِضُ والجُنُبُ. قالت عائِشَةُ: بِئْسَ ما صَنَعْتَ، ولم تُصِبْ، إنَّ ثِيَابَ الكَعْبةِ إذا نُزِعَتْ لم يَضِرْها مَنْ لَبِسَها من حائِضٍ أو جُنُبٍ، ولكنْ لو بِعْتَها، وجَعَلْتَ ثَمَنها في سَبِيلِ اللهِ والمَسَاكِينِ. فكان شَيْبةُ يَبْعَثُ بها إلى اليَمَنِ، فتُبَاعُ، فيَضَعُ ثَمَنَها حيث أمَرَتْهُ عائِشَةُ. وهذه قِصَّةٌ مثلُها يَنْتَشِرُ، ولم يُنْكَرْ، فيكون إجْماعًا (١٨)، ولأنَّه مالُ اللهِ تعالى، لم يَبْقَ له مَصْرِفٌ، فصُرِفَ إلى المَسَاكِينِ، كالوَقْفِ المُنْقَطِعِ.
فصل: إذا جَنَى الوَقْفُ جِنَايَةً تُوجِبُ القِصَاصَ، وَجَبَ، سواءٌ كانت الجِنَايَةُ على المَوْقُوفِ عليه أو على غيرِه. فإن قُتِلَ بَطَلَ الوَقْفُ فيه، وإن قُطِعَ كان باقِيه وَقْفًا، كما لو تَلِفَ بِفِعْلِ اللَّه تعالى. وإن كانت الجِنَايَةُ مُوجِبَةً لِلْمَالِ، لم يُمْكِنْ تَعَلُّقُها بِرَقَبَتِه؛ لأنَّه لا يُمْكِنُ بَيْعُها، ويَجِبُ أرْشُها على المَوْقُوفِ عليه؛ لأنَّه مِلْكُه تَعَلَّقَ أرْشُه بِرَقَبَتِه، فكان على مَالِكِه، كأُمِّ الوَلَدِ. ولا يَلْزَمُه أكْثَرُ من قِيمَتِه كأُمِّ الوَلَدِ. وإن قُلْنا: الوَقْفُ لا يُمْلَكُ. فالأَرْشُ في كَسْبِه؛ لأنَّه تَعَذَّرَ تَعَلُّقُه بِرَقَبَتِه لِكَوْنِها لا تُبَاعُ، وبالمَوْقُوفِ عليه؛ لأنَّه لا يَمْلِكُه، فكان في كَسْبِه، كالحُرِّ يكونُ في مالِه. ويَحْتَمِلُ أن يكونَ في بَيْتِ المالِ، كأرْشِ جِنَايةِ الحُرِّ المُعْسِرِ. وهذا احتمالٌ ضَعِيفٌ جدًّا؛ فإنَّ الجِنَايةَ إنَّما تكونُ في بَيْتِ المالِ، في صُورَةٍ تَحْمِلُها العاقِلَةُ عندَ عدَمِها، وجِنَايةُ العَبْدِ لا تَحْمِلُها العاقِلَةُ. وإن كان الوَقْفُ على المَساكِينِ، فيَنْبَغِى أن يكونَ الأرْشُ في كَسْبه؛ لأنَّه ليس له مُسْتَحِقٌّ مُعَيَّنٌ يُمْكِنُ إيجابُ الأرْشِ عليه، ولا يُمْكِنُ تَعَلُّقُه بِرَقَبَتِه، لِتَعَذُّرِ بَيْعِها، فتَعَيَّنَ في كَسْبِه. ويَحْتَمِلُ أن يَجِبَ في بَيْتِ المالِ.
стр. 4025
فصل: وإن جُنِىَ على الوَقْفِ جِنَايةٌ مُوجِبَةٌ للمالِ، وَجَبَ؛ لأن مالِيَّتَهُ لم تَبْطُلْ، ولو بَطَلَتْ مالِيَّتُه لم يَبْطُلْ أرْشُ الجِنَايةِ عليه، فإنَّ الحُرَّ يَجبُ أرْشُ الجنَايةِ عليه، فإن قُتِلَ وَجَبَتْ قِيمَتُه، وليس لِلْمَوْقُوفِ عليه العَفْوُ عنها؛ لأنَّه لا يَخْتَصُّ بها، ويُشْتَرى بها مثل المَجْنِيِّ عليه يكونُ وَقْفًا. وقال بعضُ الشافِعِيَّةِ: يَخْتَصُّ المَوْقُوفُ عليه بالقِيمَةِ إن قُلْنا: إنَّه يَمْلِكُ المَوْقُوفَ، لأنَّه بَدَلُ مِلْكِه. ولَنا، أنَّه مِلْكٌ لا يَخْتَصُّ به، فلم يَخْتَصَّ بِبَدَلِه، كالعَبْدِ المُشْتَركِ المَرْهُونِ، وبَيَانُ عَدَمِ الاخْتِصاصِ ظاهِرٌ، فإنَّه يَتَعَلَّقُ به حَقُّ البَطْنِ الثاني، فلم يَجُزْ إبْطالُه. ولا نَعْلَمُ قَدْرَ ما يَسْتَحِقُّ هذا منه فيَعْفُوَ (١٩) عنه، فلم يَصِحَّ العَفْوُ عن شيءٍ منه، كما لو أتْلَفَ رَجُلٌ رَهْنًا، أُخِذَتْ منه قِيمَتُه فجُعِلَتْ رَهْنًا، ولم يَصِحَّ عَفْوُ واحدٍ منهما عنه. وإن كانت الجِنَايَةُ عَمْدًا مَحْضًا من مُكَافِىءٍ له، فالظَّاهِرُ أنَّه لا يَجِبُ القِصَاصُ؛ لأنَّه مَحلٌّ لا يَخْتَصُّ به المَوْقُوفُ عليه، فلم يَجُزْ أن يَقْتَصَّ من قاتِلِه، كالعَبْدِ المُشْتَركِ. وقال بعضُ أصْحابِ الشافِعِيِّ: يكونُ ذلك إلى الإِمامِ، فإن قُطِعَتْ يَدُ العَبْدِ أو طَرَفٌ من أطْرَافِه، فالقِصَاصُ له، وله اسْتِيفاؤُه؛ لأنَّه لا يُشَارِكُه فيه غيرُه، وإن كان القَطْعُ لا يُوجِبُ القِصَاصَ، أو يُوجِبُه فعُفِىَ عنه، وَجَبَ نِصْفُ قِيمَتِه، فإن أمْكَنَ أن يُشْتَرَى بها عَبْدٌ كامِلٌ، وإلَّا اشْتُرِىَ بها شِقْصٌ من عَبْدٍ.
فصل: ويجوزُ تَزْوِيجُ الأمَةِ المَوْقُوفَةِ؛ لأنَّه عَقْدٌ على مَنْفَعَتِها، أشْبَه الإِجارَةَ، ولأنَّ المَوْقُوفَ عليه لا يَمْلِكُ اسْتِيفاءَ هذه المَنْفَعةِ، فلا يَتَضَرَّرُ بِتَمْلِيكِ غيرِه إيَّاها، ووَلِيُّهَا المَوْقُوفُ عليه؛ لأنَّها مِلْكُه، والمَهْرُ له؛ لأنَّه بَدَلُ نَفْعِها، أشْبَهَ الأجْرَ في الإِجَارَةِ. ويَحْتَمِلُ أن لا يجوزَ تَزْوِيجُها؛ لأنَّه عَقْدٌ على نَفْعِها في العُمْرِ، فيُفْضِى إلى تَفْوِيتِ نَفْعِها في حَقِّ البَطْنِ الثانِى، ولأنَّ النِّكاحَ يَتَعَلَّقُ به حُقُوقٌ؛ من وَجُوبِ تَمْكِينِ الزَّوْجِ من اسْتِمْتاعِها، [ومَبِيتِها عندَه] (٢٠)، فتَفُوتُ خِدْمَتُها في اللَّيْلِ على البَطْنِ
стр. 4026
الثانِى، إلَّا أن تَطْلُبَ التَّزْوِيجَ، فيَتَعَيَّن تَزويِجُها؛ لأنَّه حَقٌّ لها طَلَبَتْه، فتَتَعَيَّنُ (٢١) الإِجَابةُ إليه، وما فاتَ من الحَقِّ به، فاتَ تَبعًا لإِيفَائِها حَقَّها، فوَجَبَ ذلك، كما يَجِبُ تَزْوِيجُ الأَمَةِ غيرِ المَوْقُوفَةِ إذا طَلَبَتْ ذلك. وإذا زَوَّجَها فولَدَتْ من الزَّوْجِ، فوَلَدُها وَقْفٌ معها (٢٢)؛ لأنَّ وَلَدَ كلِّ ذاتِ رَحِمٍ تَثْبُتُ لها حُرْمَةٌ، حُكْمُه حُكْمُها، كأُمِّ الوَلَدِ والمُكَاتَبَةِ. وإن أكْرَهَها (٢٣) أجْنَبِيٌّ، فوَطِئَها، أو طَاوَعَتْه، فعليه الحَدُّ إذا انْتَفَتِ الشُّبْهةُ، وعليه المَهْرُ لأهْلِ الوَقْفِ؛ لأنَّه وَطِئَ جارِيَةَ غيرِه، أشْبَهَ الأمَةَ المُطَلَّقَةَ، وَوَلَدُها يكون وَقْفًا معها. وإن وَطِئَها بِشُبْهةٍ يَعْتَقِدُها حُرَّةً، فالوَلَدُ حُرٌّ، ولو كان الواطِئُ عَبْدًا، وتَجِبُ قِيمَتُه؛ لأنَّه كان من سَبِيلِه أن يكونَ مَمْلُوكًا، فمَنَعَهُ اعْتِقَادُ الحُرِّيةِ من الرِّقِّ، فوَجَبَتْ قِيمَتُه يُشْتَرَى بها عَبْدٌ يكونُ وَقْفًا (٢٤)، وتُعْتَبَرُ (٢٥) قِيمَتُه يوم تَضَعُهُ حَيًّا؛ لأنَّه لا يُمْكِنُ تَقْوِيمُه قبلَ ذلك.
فصل: وليس لِلْمَوْقُوفِ عليه وَطْءُ الأَمَةِ المَوْقُوفَةِ؛ لأنَّا (٢٦) لا نَأْمَنُ حَبَلَها، فتَنْقُصُ أو تَتْلَفُ أو تَخْرُجُ من الوَقْفِ بكَوْنِها أُمَّ وَلَدٍ؛ لأنَّ مِلْكَه ناقِصٌ، فإن وَطِئَ، فلا حَدَّ عليه؛ لِلشُّبْهةِ، ولا مَهْرَ عليه؛ لأنَّه لو وَجَبَ لوَجَبَ له، ولا يَجِبُ لِلإِنسانِ شيءٌ على نَفْسِه، والوَلَدُ حُرٌّ؛ لأنَّه مِن وَطْءِ شُبْهَةٍ. وعليه قِيمَةُ الوَلَدِ، [يُشْتَرَى بها عَبْدٌ] (٢٧) مكانَه وتَصِيرُ أُمَّ وَلَدٍ؛ لأنَّه أحْبَلَها بِحُرٍّ في مِلْكِه. فإذا ماتَ عَتَقَتْ، ووَجَبَتْ قِيمَتُها في تَرِكَتِه؛ لأنَّه أتْلَفَها على مَنْ بعده من البُطُونِ، فيُشْتَرَى بها جَارِيةٌ تكونُ وَقْفًا مكانَها. وإن قُلْنا: إن المَوْقُوفَ عليه لا يَمْلِكُها. لم تَصِرْ أُمَّ وَلَدٍ له؛ لأنَّها غيرُ مَمْلُوكةٍ له.
стр. 4027
فصل: وإن أَعْتَقَ العَبْدَ المَوْقُوفَ، لم يَنْفُذْ عِتْقُه؛ لأنَّه يَتَعَلَّقُ به حَقُّ غيرِه، ولأنَّ الوَقْفَ لازِمٌ، فلا يُمْكِنُ إبْطَالُه. وإن كان نِصْفُ العَبْدِ وَقْفًا، ونِصْفُه طَلْقًا، فأعْتَقَ صاحِبُ الطَّلْقِ، لم يَسْرِ عِتْقُه إلى الوَقْفِ؛ لأنَّه إذا لم يَعْتِقْ بالمُبَاشَرَةِ فبالسِّرَايةِ أَوْلَى.
٩٢٦ - مسألة؛ قال: (وَإِذَا حَصَلَ فِي يَدِ بَعْضِ أهْلِ الوَقْفِ خَمْسَةُ أَوْسُقٍ، فَفِيهِ الزَّكَاةُ. وإذَا صارَ الْوَقْفُ لِلْمَساكِينِ، فَلَا زَكَاةَ فِيهِ)
وجملةُ ذلك أنَّ الوَقْفَ إذا كان شَجَرًا فأَثْمَرَ، أو أرْضًا فزُرِعَتْ، وكان الوَقْفُ على قَوْمٍ بأعْيانِهِم، فحَصَلَ لِبَعْضِهِم من الثّمرَةِ أو الحَبِّ نِصَابٌ، ففيه الزَّكَاةُ. وبهذا قال مالِكٌ، والشافِعيُّ. ورُوِى عن طاوُسٍ، ومَكحُولٍ: لا زَكَاةَ فيه، لأنَّ الأرْضَ ليست مَمْلُوكةً لهم، فلم تَجِبْ عليهم زَكَاةٌ في الخارِجِ منها، كالمَساكِينِ. ولَنا، أنَّه استَغَلَّ (١) من أرْضِه أو شَجَرِه نِصَابًا، فلَزِمَتْهُ زَكَاتُه، كغيرِ الوَقْفِ، يُحَقِّقُه أنَّ الوَقْفَ الأصْلُ، والثَّمرَةَ طَلْقٌ، والمِلْكُ فيها تامٌّ، له التَّصَرُّفُ فيها بجَمِيعِ التَّصَرُّفاتِ، وتُورَثُ عنه، فتَجِبُ فيها الزَّكَاةُ، كالحاصِلَةِ من أرْضٍ مُسْتَأْجَرَةٍ له. وقولُهم: إنَّ الأرْضَ غيرُ مَمْلُوكةٍ له. مَمْنُوعٌ. وإن سَلَّمْنَا ذلك، فهو مالِكٌ لِمَنْفَعَتِها؛ ويَكْفِى ذلك في وُجُوبِ الزَّكَاةِ، بِدَلِيلِ الأرْضِ المُسْتَأْجَرَةِ. أمَّا المَساكِينُ فلا زَكَاةَ عليهم فيما يَحْصُلُ في أيْدِيهِم، سواءٌ حَصَلَ في يَدِ بعضِهم نِصَابٌ من الحُبُوبِ والثِّمارِ، أو لم يَحْصُلْ، ولا زَكَاةَ عليهم قبلَ تَفْرِيقِها، وإن بَلَغَتْ نُصُبًا (٢)؛ لأنَّ الوَقْفَ [على المَساكِينِ] (٣) لا يَتَعَيَّنُ لواحِدٍ منهم، بِدَلِيلِ أنَّ كلَّ واحدٍ منهم يجوزُ حِرْمَانُه والدَّفْعُ إلى غيرِه، وإنَّما ثَبَتَ (٤) المِلْكُ فيه بالدَّفْعِ والقَبضِ، لِمَا أُعْطِيَهُ من غَلَّتِه مِلْكًا مُسْتَأْنَفًا، فلم تَجِبْ عليه فيه زَكَاةٌ، كالذى يُدْفَعُ إليه من الزَّكَاةِ،
стр. 4028
وكما لو وَهَبَهُ أو أشْتَرَاهُ. وفارَقَ الوَقفَ على قَوْمٍ بأعْيانِهِم. فإنَّه يُعَيَّنُ (٥) لكلِّ واحدٍ منهم حَقٌّ في نَفْعِ الأرْضِ وغَلَّتِها، ولهذا يَجِبُ إعْطاؤْه، ولا يجوزُ حِرْمَانُه.
فصل: ويَصِحُّ الوَقْفُ على القَبِيلَةِ العَظِيمَةِ، كقُرَيْشٍ، وبنى هاشِمٍ، وبنى تَمِيمٍ، وبنى وائِلٍ، ونحوِهم، ويجوزُ الوَقْفُ على المُسْلِمينَ كلِّهم، وعلى أهْلِ إقْليمٍ ومَدِينَةٍ، كالشَّامِ ودِمَشْقَ ونحوِهم. ويجوزُ لِلرَّجُلِ أن يَقِفَ على عَشِيرَتِه، وأهْلِ مَدِينَتِه. وقال الشافِعِيُّ، في أحِد قَوْلَيْه: لا يَصِحُّ الوَقْفُ على مَنْ لا يُمْكِنُ اسْتِيعابُهُم وحَصْرُهُم، في غير المَساكِينِ وأشْباهِهِم؛ لأنَّ هذا تَصَرُّفٌ في حَقِّ الآدَمِيِّ، فلم يَصِحَّ مع الجَهَالةِ، كما لو قال: وَقَفْتُ على قَوْمٍ. ولَنا، أنَّ مَنْ صَحَّ الوَقْفُ عليه، إذا كان عَدَدُه مَحْصِيًّا، صَحَّ، وإن لم يكنْ مَحْصِيًّا، كالفُقَراءِ والمَسَاكِينِ. وما ذَكَرَهُ يَبْطُلُ بالوَقْفِ على الفُقَراءِ والمَساكِينِ. ومتى كان الوَقْفُ على مَنْ لا يُمْكِنُ حَصْرُهُم، فلا زَكَاةَ على واحدٍ منهم فيما يَصِحُّ له؛ لما ذَكَرناه في المَساكِينِ، ولا في جُمْلَةِ الوَقْفِ؛ لما ذَكَرْناه من قبلُ.
٩٢٧ - مسألة؛ قال: (ومَا لَا يُنْتَفَعُ بِهِ إلَّا بالْإِتْلَافِ، مِثْلُ الذَّهَبِ والوَرِقِ والْمَأْكُولِ والْمَشْرُوبِ، فوَقْفُهُ غَيْرُ جَاِئزٍ)
وجملتُه أنَّ ما لا يُمْكِنُ الانْتِفاعُ به مع بَقَاءِ عَيْنِه، كالدَّنَانِيرِ والدَّرَاهِمِ, والمَطْعُومِ والمَشْرُوبِ، والشَّمْعِ، وأشْباهِه، لا يَصِحُّ وَقْفُه، في قولِ عَامَّةِ الفُقَهاءِ وأهْلِ العِلْمِ، إلَّا شَيْئًا يُحْكَى عن مالِكٍ، والأَوْزَاعِيِّ، في وَقْفِ الطَّعَامِ، أنَّه يجوزُ، ولم يَحْكِه أصْحابُ مالِكٍ. وليس بِصَحِيحٍ؛ لأنَّ الوَقْفَ تَحْبِيسُ الأصْلِ وتَسْبِيلُ الثَّمرَةِ، وما لا يُنْتَفَعُ به إلَّا بالإِتْلافِ لا يَصِحُّ فيه ذلك. وقيل في الدَّرَاهِمِ والدَّنَانِير: يَصِحُّ وَقْفُها، على قولِ مَن أجَازَ إجَارَتَها. ولا يَصِحُّ؛ لأنَّ تلك المَنْفَعَةِ ليست
стр. 4029
المَقْصُودَ الذي خُلِقَتْ له الأثْمانُ، ولهذا لا تُضْمَنُ في الغَصْبِ، فلم يَجُز الوَقْفُ له، كوَقْفِ الشَّجَرِ على نَشْرِ الثِّيابِ، والغَنَمِ على دَوْسِ الطِّينِ، والشَّمْعِ لِيُتَجَمَّلَ به.
فصل: والمُرادُ بالذَّهَبِ والفِضَّةِ ههُنا الدَّرَاهِمُ والدَّنَانِيرُ، وما ليس بِحَلْىٍ؛ لأنَّ ذلك هو الذي يَتْلَفُ بالانْتِفَاعِ به. أمَّا الحَلْىُ، فيَصِحُّ وَقْفُه لِلُّبْسِ والعارِيَّةِ؛ لما رَوَى (١) نافِعٌ، قال: ابْتاعَتْ حَفْصَةُ حَلْيًا بِعِشْرِينَ ألْفًا، فحَبَّسَتْهُ على نِسَاءِ آلِ الخَطَّابِ، فكانت لا تُخْرِجُ زَكَاتَه. رَوَاه الخَلَّالُ بإسْنادِه. ولأنَّه عَيْنٌ يُمْكِنُ الانْتِفاعُ بها، مع بَقَائِها دَائمًا، فصَحَّ وَقْفُها، كالعَقَارِ، ولأنَّه يَصِحُّ تَحْبِيسُ أصْلِها وتَسْبِيلُ الثَّمرَةِ، فصَحَّ وَقْفُها، كالعَقَارِ. وبهذا قال الشافِعِيُّ. وقد رُوِى عن أحمدَ، أنَّه لا يَصِحُّ وَقْفُها. وأنْكَرَ الحَدِيثَ عن حَفْصَةَ في وَقْفِه. وذَكَرَه ابنُ أبي موسى، إلَّا أن القاضِىَ تَأَوَّلَه على أنَّه لا يَصِحُّ الحَدِيثُ فيه. ووَجْهُ هذه الرِّوَايةِ أنَّ التَّحَلِّىَ ليس هو المَقْصُودَ الأصْلِيَّ من الأثْمانِ، فلم يَصِحَّ وَقْفُها عليه، كما لو وَقَفَ الدَّنَانِيرَ والدَّرَاهِمَ. والأولُ هو المذهبُ؛ لما ذَكَرْناه، والتَّحَلِّى من المَقاصِدِ المُهِمَّةِ، والعادَةُ جارِيَةٌ به، وقد اعْتَبَرَهُ الشَّرْعُ في إسْقَاطِ الزَّكاةِ عن مُتَّخذِه، وجَوَّزَ إجَارَتَه لذلك. ويُفَارِقُ الدَّرَاهِمَ والدَّنَانِيرَ، فإن العادَةَ لم تَجْرِ بالتَّحَلِّى به، ولا اعْتَبَره الشَّرْعُ في إسْقاطِ زَكَاتِه، ولا ضَمَانِ مَنْفَعَتِه (٢) في الغَصْبِ، بخِلَافِ مَسْأَلَتِنا.
فصل: ولا يَصِحُّ وَقْفُ الشَّمْعِ؛ لأنَّه يَتْلَفُ بالانْتِفَاعِ به، فهو كالمَأْكُولِ والمَشْرُوبِ، ولا ما يُسْرِعُ إليه الفَسَادُ، من المَشْمُومَاتِ والرَّيَاحِينِ وأشْبَاهِها؛ لأنَّها تَتْلَفُ على قُرْبٍ من الزَّمَانِ، فأشْبَهَتِ المَطْعُومَ، ولا وَقْفُ ما لا يجوزُ بَيْعُه، كأُمِّ الوَلَدِ، والمَرْهُونِ، والكَلْبِ، والخِنْزِيرِ، وسائِر سِبَاعِ البَهَائِمِ التي لا تَصْلُحُ
стр. 4030
لِلصَّيْدِ، وجَوَارِحِ الطَّيْرِ التي لا يُصَادُ بها؛ لأنَّه نَقْلٌ لِلْمِلْكِ (٣) فيها في الحَياةِ، فأشْبَهَ البَيْعَ، ولأنَّ الوَقْفَ تَحْبِيسُ الأصْلِ وتَسْبِيلُ المَنْفَعةِ، وما لا مَنْفَعةَ فيه لا يَحْصُلُ فيه تَسْبِيلُ المَنْفَعةِ، والكَلْبُ أُبِيحَ الانْتِفاعُ به على خِلَافِ الأصْلِ لِلضَّرُورَةِ، فلم يَجُز التَّوَسُّعُ فيها، والمَرْهُونُ في وَقْفِه إبْطَالُ حَقِّ المُرْتَهِنِ منه، فلم يَجُزْ (٤) إبْطَالُه. ولا يَصِحُّ الوَقْفُ فيما ليس بمُعَيَّنٍ، كعَبْدٍ في الذِّمَّةِ، ودارٍ، وسِلَاحٍ؛ لأنَّ الوَقْفَ إبْطَالٌ لِمَعْنَى المِلْكِ فيه، فلم يَصِحَّ في عَبْدٍ مُطْلَقٍ، كالعِتْقِ (٥).
فصل: قال أحمدُ، في مَن وَصَّى بِفَرَسٍ وسَرْجٍ ولِجَامٍ مُفَضَّضٍ، يُوقَفُ في سَبِيلِ اللَّه: فهو على ما وَقَفَ وَوَصَّى، وإن بيعَ الفِضَّةُ من السَّرْجِ واللِّجَامِ، وجُعِلَ في وَقْفِ مِثْلِه، فهو أحَبُّ؛ لأنَّ الفِضَّةَ لا يُنْتَفَعُ بها، ولعلَّه يَشْتَرِى بتلك الفِضَّةِ سَرْجًا ولِجَامًا، فيكونُ أنْفَعَ لِلمُسْلِمينَ. فقيل له: تُبَاعُ الفِضَّةُ، وتُجْعَلُ في نَفَقَتِه؟ قال: لا. فأباحَ أن يَشْتَرِيَ بِفِضَّةِ السَّرْجِ واللِّجَامِ سَرْجًا ولِجَامًا؛ لأنَّه صَرْفٌ لهما في جِنْسِ ما كانت عليه، حينَ لم يُنْتَفَعْ بهما فيه. فأشْبَه الفَرَسَ الحَبِيسَ إذا عَطِبَ فلم يُنْتَفَعْ به في الجِهَادِ، جازَ بَيْعُه، وصَرْفُ ثَمَنِه في مِثْلِه، ولم يَجُزْ إنْفاقُها (٦) على الفَرَسِ؛ لأنَّه صَرْفٌ لها إلى غيرِ جِهَتِها.
٩٢٨ - مسألة؛ قال: (ويَصِحُّ الْوَقْفُ فِيمَا عَدَا ذلِكَ)
وجملةُ ذلك أنَّ الذي يجوزُ وَقْفُه، ما جازَ بَيْعُه، وجازَ الانْتِفَاعُ به مع بَقَاءِ عَيْنِه، وكان أصْلًا يَبْقَى بَقَاءً مُتَّصِلًا، كالعَقَارِ، والحَيَواناتِ، والسِّلَاحِ، والأثَاثِ، وأشْباهِ ذلك. قال أحمدُ، في رِوَايةِ الأثْرَمِ: إنَّما الوَقْفُ في الدُّورِ والأَرَضِينَ، على ما وَقَفَ أصْحابُ رسولِ اللَّه ﷺ . وقال في مَن وَقَفَ خَمْسَ نَخَلَاتٍ على مَسْجِدٍ: