الثانِى، إلَّا أن تَطْلُبَ التَّزْوِيجَ، فيَتَعَيَّن تَزويِجُها؛ لأنَّه حَقٌّ لها طَلَبَتْه، فتَتَعَيَّنُ (٢١) الإِجَابةُ إليه، وما فاتَ من الحَقِّ به، فاتَ تَبعًا لإِيفَائِها حَقَّها، فوَجَبَ ذلك، كما يَجِبُ تَزْوِيجُ الأَمَةِ غيرِ المَوْقُوفَةِ إذا طَلَبَتْ ذلك. وإذا زَوَّجَها فولَدَتْ من الزَّوْجِ، فوَلَدُها وَقْفٌ معها (٢٢)؛ لأنَّ وَلَدَ كلِّ ذاتِ رَحِمٍ تَثْبُتُ لها حُرْمَةٌ، حُكْمُه حُكْمُها، كأُمِّ الوَلَدِ والمُكَاتَبَةِ. وإن أكْرَهَها (٢٣) أجْنَبِيٌّ، فوَطِئَها، أو طَاوَعَتْه، فعليه الحَدُّ إذا انْتَفَتِ الشُّبْهةُ، وعليه المَهْرُ لأهْلِ الوَقْفِ؛ لأنَّه وَطِئَ جارِيَةَ غيرِه، أشْبَهَ الأمَةَ المُطَلَّقَةَ، وَوَلَدُها يكون وَقْفًا معها. وإن وَطِئَها بِشُبْهةٍ يَعْتَقِدُها حُرَّةً، فالوَلَدُ حُرٌّ، ولو كان الواطِئُ عَبْدًا، وتَجِبُ قِيمَتُه؛ لأنَّه كان من سَبِيلِه أن يكونَ مَمْلُوكًا، فمَنَعَهُ اعْتِقَادُ الحُرِّيةِ من الرِّقِّ، فوَجَبَتْ قِيمَتُه يُشْتَرَى بها عَبْدٌ يكونُ وَقْفًا (٢٤)، وتُعْتَبَرُ (٢٥) قِيمَتُه يوم تَضَعُهُ حَيًّا؛ لأنَّه لا يُمْكِنُ تَقْوِيمُه قبلَ ذلك.
فصل: وليس لِلْمَوْقُوفِ عليه وَطْءُ الأَمَةِ المَوْقُوفَةِ؛ لأنَّا (٢٦) لا نَأْمَنُ حَبَلَها، فتَنْقُصُ أو تَتْلَفُ أو تَخْرُجُ من الوَقْفِ بكَوْنِها أُمَّ وَلَدٍ؛ لأنَّ مِلْكَه ناقِصٌ، فإن وَطِئَ، فلا حَدَّ عليه؛ لِلشُّبْهةِ، ولا مَهْرَ عليه؛ لأنَّه لو وَجَبَ لوَجَبَ له، ولا يَجِبُ لِلإِنسانِ شيءٌ على نَفْسِه، والوَلَدُ حُرٌّ؛ لأنَّه مِن وَطْءِ شُبْهَةٍ. وعليه قِيمَةُ الوَلَدِ، [يُشْتَرَى بها عَبْدٌ] (٢٧) مكانَه وتَصِيرُ أُمَّ وَلَدٍ؛ لأنَّه أحْبَلَها بِحُرٍّ في مِلْكِه. فإذا ماتَ عَتَقَتْ، ووَجَبَتْ قِيمَتُها في تَرِكَتِه؛ لأنَّه أتْلَفَها على مَنْ بعده من البُطُونِ، فيُشْتَرَى بها جَارِيةٌ تكونُ وَقْفًا مكانَها. وإن قُلْنا: إن المَوْقُوفَ عليه لا يَمْلِكُها. لم تَصِرْ أُمَّ وَلَدٍ له؛ لأنَّها غيرُ مَمْلُوكةٍ له.
стр. 4027
فصل: وإن أَعْتَقَ العَبْدَ المَوْقُوفَ، لم يَنْفُذْ عِتْقُه؛ لأنَّه يَتَعَلَّقُ به حَقُّ غيرِه، ولأنَّ الوَقْفَ لازِمٌ، فلا يُمْكِنُ إبْطَالُه. وإن كان نِصْفُ العَبْدِ وَقْفًا، ونِصْفُه طَلْقًا، فأعْتَقَ صاحِبُ الطَّلْقِ، لم يَسْرِ عِتْقُه إلى الوَقْفِ؛ لأنَّه إذا لم يَعْتِقْ بالمُبَاشَرَةِ فبالسِّرَايةِ أَوْلَى.
٩٢٦ - مسألة؛ قال: (وَإِذَا حَصَلَ فِي يَدِ بَعْضِ أهْلِ الوَقْفِ خَمْسَةُ أَوْسُقٍ، فَفِيهِ الزَّكَاةُ. وإذَا صارَ الْوَقْفُ لِلْمَساكِينِ، فَلَا زَكَاةَ فِيهِ)
وجملةُ ذلك أنَّ الوَقْفَ إذا كان شَجَرًا فأَثْمَرَ، أو أرْضًا فزُرِعَتْ، وكان الوَقْفُ على قَوْمٍ بأعْيانِهِم، فحَصَلَ لِبَعْضِهِم من الثّمرَةِ أو الحَبِّ نِصَابٌ، ففيه الزَّكَاةُ. وبهذا قال مالِكٌ، والشافِعيُّ. ورُوِى عن طاوُسٍ، ومَكحُولٍ: لا زَكَاةَ فيه، لأنَّ الأرْضَ ليست مَمْلُوكةً لهم، فلم تَجِبْ عليهم زَكَاةٌ في الخارِجِ منها، كالمَساكِينِ. ولَنا، أنَّه استَغَلَّ (١) من أرْضِه أو شَجَرِه نِصَابًا، فلَزِمَتْهُ زَكَاتُه، كغيرِ الوَقْفِ، يُحَقِّقُه أنَّ الوَقْفَ الأصْلُ، والثَّمرَةَ طَلْقٌ، والمِلْكُ فيها تامٌّ، له التَّصَرُّفُ فيها بجَمِيعِ التَّصَرُّفاتِ، وتُورَثُ عنه، فتَجِبُ فيها الزَّكَاةُ، كالحاصِلَةِ من أرْضٍ مُسْتَأْجَرَةٍ له. وقولُهم: إنَّ الأرْضَ غيرُ مَمْلُوكةٍ له. مَمْنُوعٌ. وإن سَلَّمْنَا ذلك، فهو مالِكٌ لِمَنْفَعَتِها؛ ويَكْفِى ذلك في وُجُوبِ الزَّكَاةِ، بِدَلِيلِ الأرْضِ المُسْتَأْجَرَةِ. أمَّا المَساكِينُ فلا زَكَاةَ عليهم فيما يَحْصُلُ في أيْدِيهِم، سواءٌ حَصَلَ في يَدِ بعضِهم نِصَابٌ من الحُبُوبِ والثِّمارِ، أو لم يَحْصُلْ، ولا زَكَاةَ عليهم قبلَ تَفْرِيقِها، وإن بَلَغَتْ نُصُبًا (٢)؛ لأنَّ الوَقْفَ [على المَساكِينِ] (٣) لا يَتَعَيَّنُ لواحِدٍ منهم، بِدَلِيلِ أنَّ كلَّ واحدٍ منهم يجوزُ حِرْمَانُه والدَّفْعُ إلى غيرِه، وإنَّما ثَبَتَ (٤) المِلْكُ فيه بالدَّفْعِ والقَبضِ، لِمَا أُعْطِيَهُ من غَلَّتِه مِلْكًا مُسْتَأْنَفًا، فلم تَجِبْ عليه فيه زَكَاةٌ، كالذى يُدْفَعُ إليه من الزَّكَاةِ،
стр. 4028
وكما لو وَهَبَهُ أو أشْتَرَاهُ. وفارَقَ الوَقفَ على قَوْمٍ بأعْيانِهِم. فإنَّه يُعَيَّنُ (٥) لكلِّ واحدٍ منهم حَقٌّ في نَفْعِ الأرْضِ وغَلَّتِها، ولهذا يَجِبُ إعْطاؤْه، ولا يجوزُ حِرْمَانُه.
فصل: ويَصِحُّ الوَقْفُ على القَبِيلَةِ العَظِيمَةِ، كقُرَيْشٍ، وبنى هاشِمٍ، وبنى تَمِيمٍ، وبنى وائِلٍ، ونحوِهم، ويجوزُ الوَقْفُ على المُسْلِمينَ كلِّهم، وعلى أهْلِ إقْليمٍ ومَدِينَةٍ، كالشَّامِ ودِمَشْقَ ونحوِهم. ويجوزُ لِلرَّجُلِ أن يَقِفَ على عَشِيرَتِه، وأهْلِ مَدِينَتِه. وقال الشافِعِيُّ، في أحِد قَوْلَيْه: لا يَصِحُّ الوَقْفُ على مَنْ لا يُمْكِنُ اسْتِيعابُهُم وحَصْرُهُم، في غير المَساكِينِ وأشْباهِهِم؛ لأنَّ هذا تَصَرُّفٌ في حَقِّ الآدَمِيِّ، فلم يَصِحَّ مع الجَهَالةِ، كما لو قال: وَقَفْتُ على قَوْمٍ. ولَنا، أنَّ مَنْ صَحَّ الوَقْفُ عليه، إذا كان عَدَدُه مَحْصِيًّا، صَحَّ، وإن لم يكنْ مَحْصِيًّا، كالفُقَراءِ والمَسَاكِينِ. وما ذَكَرَهُ يَبْطُلُ بالوَقْفِ على الفُقَراءِ والمَساكِينِ. ومتى كان الوَقْفُ على مَنْ لا يُمْكِنُ حَصْرُهُم، فلا زَكَاةَ على واحدٍ منهم فيما يَصِحُّ له؛ لما ذَكَرناه في المَساكِينِ، ولا في جُمْلَةِ الوَقْفِ؛ لما ذَكَرْناه من قبلُ.
٩٢٧ - مسألة؛ قال: (ومَا لَا يُنْتَفَعُ بِهِ إلَّا بالْإِتْلَافِ، مِثْلُ الذَّهَبِ والوَرِقِ والْمَأْكُولِ والْمَشْرُوبِ، فوَقْفُهُ غَيْرُ جَاِئزٍ)
وجملتُه أنَّ ما لا يُمْكِنُ الانْتِفاعُ به مع بَقَاءِ عَيْنِه، كالدَّنَانِيرِ والدَّرَاهِمِ, والمَطْعُومِ والمَشْرُوبِ، والشَّمْعِ، وأشْباهِه، لا يَصِحُّ وَقْفُه، في قولِ عَامَّةِ الفُقَهاءِ وأهْلِ العِلْمِ، إلَّا شَيْئًا يُحْكَى عن مالِكٍ، والأَوْزَاعِيِّ، في وَقْفِ الطَّعَامِ، أنَّه يجوزُ، ولم يَحْكِه أصْحابُ مالِكٍ. وليس بِصَحِيحٍ؛ لأنَّ الوَقْفَ تَحْبِيسُ الأصْلِ وتَسْبِيلُ الثَّمرَةِ، وما لا يُنْتَفَعُ به إلَّا بالإِتْلافِ لا يَصِحُّ فيه ذلك. وقيل في الدَّرَاهِمِ والدَّنَانِير: يَصِحُّ وَقْفُها، على قولِ مَن أجَازَ إجَارَتَها. ولا يَصِحُّ؛ لأنَّ تلك المَنْفَعَةِ ليست
стр. 4029
المَقْصُودَ الذي خُلِقَتْ له الأثْمانُ، ولهذا لا تُضْمَنُ في الغَصْبِ، فلم يَجُز الوَقْفُ له، كوَقْفِ الشَّجَرِ على نَشْرِ الثِّيابِ، والغَنَمِ على دَوْسِ الطِّينِ، والشَّمْعِ لِيُتَجَمَّلَ به.
فصل: والمُرادُ بالذَّهَبِ والفِضَّةِ ههُنا الدَّرَاهِمُ والدَّنَانِيرُ، وما ليس بِحَلْىٍ؛ لأنَّ ذلك هو الذي يَتْلَفُ بالانْتِفَاعِ به. أمَّا الحَلْىُ، فيَصِحُّ وَقْفُه لِلُّبْسِ والعارِيَّةِ؛ لما رَوَى (١) نافِعٌ، قال: ابْتاعَتْ حَفْصَةُ حَلْيًا بِعِشْرِينَ ألْفًا، فحَبَّسَتْهُ على نِسَاءِ آلِ الخَطَّابِ، فكانت لا تُخْرِجُ زَكَاتَه. رَوَاه الخَلَّالُ بإسْنادِه. ولأنَّه عَيْنٌ يُمْكِنُ الانْتِفاعُ بها، مع بَقَائِها دَائمًا، فصَحَّ وَقْفُها، كالعَقَارِ، ولأنَّه يَصِحُّ تَحْبِيسُ أصْلِها وتَسْبِيلُ الثَّمرَةِ، فصَحَّ وَقْفُها، كالعَقَارِ. وبهذا قال الشافِعِيُّ. وقد رُوِى عن أحمدَ، أنَّه لا يَصِحُّ وَقْفُها. وأنْكَرَ الحَدِيثَ عن حَفْصَةَ في وَقْفِه. وذَكَرَه ابنُ أبي موسى، إلَّا أن القاضِىَ تَأَوَّلَه على أنَّه لا يَصِحُّ الحَدِيثُ فيه. ووَجْهُ هذه الرِّوَايةِ أنَّ التَّحَلِّىَ ليس هو المَقْصُودَ الأصْلِيَّ من الأثْمانِ، فلم يَصِحَّ وَقْفُها عليه، كما لو وَقَفَ الدَّنَانِيرَ والدَّرَاهِمَ. والأولُ هو المذهبُ؛ لما ذَكَرْناه، والتَّحَلِّى من المَقاصِدِ المُهِمَّةِ، والعادَةُ جارِيَةٌ به، وقد اعْتَبَرَهُ الشَّرْعُ في إسْقَاطِ الزَّكاةِ عن مُتَّخذِه، وجَوَّزَ إجَارَتَه لذلك. ويُفَارِقُ الدَّرَاهِمَ والدَّنَانِيرَ، فإن العادَةَ لم تَجْرِ بالتَّحَلِّى به، ولا اعْتَبَره الشَّرْعُ في إسْقاطِ زَكَاتِه، ولا ضَمَانِ مَنْفَعَتِه (٢) في الغَصْبِ، بخِلَافِ مَسْأَلَتِنا.
فصل: ولا يَصِحُّ وَقْفُ الشَّمْعِ؛ لأنَّه يَتْلَفُ بالانْتِفَاعِ به، فهو كالمَأْكُولِ والمَشْرُوبِ، ولا ما يُسْرِعُ إليه الفَسَادُ، من المَشْمُومَاتِ والرَّيَاحِينِ وأشْبَاهِها؛ لأنَّها تَتْلَفُ على قُرْبٍ من الزَّمَانِ، فأشْبَهَتِ المَطْعُومَ، ولا وَقْفُ ما لا يجوزُ بَيْعُه، كأُمِّ الوَلَدِ، والمَرْهُونِ، والكَلْبِ، والخِنْزِيرِ، وسائِر سِبَاعِ البَهَائِمِ التي لا تَصْلُحُ
стр. 4030
لِلصَّيْدِ، وجَوَارِحِ الطَّيْرِ التي لا يُصَادُ بها؛ لأنَّه نَقْلٌ لِلْمِلْكِ (٣) فيها في الحَياةِ، فأشْبَهَ البَيْعَ، ولأنَّ الوَقْفَ تَحْبِيسُ الأصْلِ وتَسْبِيلُ المَنْفَعةِ، وما لا مَنْفَعةَ فيه لا يَحْصُلُ فيه تَسْبِيلُ المَنْفَعةِ، والكَلْبُ أُبِيحَ الانْتِفاعُ به على خِلَافِ الأصْلِ لِلضَّرُورَةِ، فلم يَجُز التَّوَسُّعُ فيها، والمَرْهُونُ في وَقْفِه إبْطَالُ حَقِّ المُرْتَهِنِ منه، فلم يَجُزْ (٤) إبْطَالُه. ولا يَصِحُّ الوَقْفُ فيما ليس بمُعَيَّنٍ، كعَبْدٍ في الذِّمَّةِ، ودارٍ، وسِلَاحٍ؛ لأنَّ الوَقْفَ إبْطَالٌ لِمَعْنَى المِلْكِ فيه، فلم يَصِحَّ في عَبْدٍ مُطْلَقٍ، كالعِتْقِ (٥).
فصل: قال أحمدُ، في مَن وَصَّى بِفَرَسٍ وسَرْجٍ ولِجَامٍ مُفَضَّضٍ، يُوقَفُ في سَبِيلِ اللَّه: فهو على ما وَقَفَ وَوَصَّى، وإن بيعَ الفِضَّةُ من السَّرْجِ واللِّجَامِ، وجُعِلَ في وَقْفِ مِثْلِه، فهو أحَبُّ؛ لأنَّ الفِضَّةَ لا يُنْتَفَعُ بها، ولعلَّه يَشْتَرِى بتلك الفِضَّةِ سَرْجًا ولِجَامًا، فيكونُ أنْفَعَ لِلمُسْلِمينَ. فقيل له: تُبَاعُ الفِضَّةُ، وتُجْعَلُ في نَفَقَتِه؟ قال: لا. فأباحَ أن يَشْتَرِيَ بِفِضَّةِ السَّرْجِ واللِّجَامِ سَرْجًا ولِجَامًا؛ لأنَّه صَرْفٌ لهما في جِنْسِ ما كانت عليه، حينَ لم يُنْتَفَعْ بهما فيه. فأشْبَه الفَرَسَ الحَبِيسَ إذا عَطِبَ فلم يُنْتَفَعْ به في الجِهَادِ، جازَ بَيْعُه، وصَرْفُ ثَمَنِه في مِثْلِه، ولم يَجُزْ إنْفاقُها (٦) على الفَرَسِ؛ لأنَّه صَرْفٌ لها إلى غيرِ جِهَتِها.
٩٢٨ - مسألة؛ قال: (ويَصِحُّ الْوَقْفُ فِيمَا عَدَا ذلِكَ)
وجملةُ ذلك أنَّ الذي يجوزُ وَقْفُه، ما جازَ بَيْعُه، وجازَ الانْتِفَاعُ به مع بَقَاءِ عَيْنِه، وكان أصْلًا يَبْقَى بَقَاءً مُتَّصِلًا، كالعَقَارِ، والحَيَواناتِ، والسِّلَاحِ، والأثَاثِ، وأشْباهِ ذلك. قال أحمدُ، في رِوَايةِ الأثْرَمِ: إنَّما الوَقْفُ في الدُّورِ والأَرَضِينَ، على ما وَقَفَ أصْحابُ رسولِ اللَّه ﷺ . وقال في مَن وَقَفَ خَمْسَ نَخَلَاتٍ على مَسْجِدٍ:
стр. 4031
لا بَأْسَ به. وهذا قولُ الشافِعِىِّ. وقال أبو يوسفَ: لا يجوزُ وَقْفُ الحَيَوانِ، ولا الرَّقِيقِ، ولا الكُرَاعِ (١)، ولا العَرْضِ (٢)، ولا السِّلَاحِ، والغِلْمانِ، والبَقَرِ، والآلةِ في الأرْضِ المَوْقُوفةِ تبعًا لها؛ لأن [هذا حيوانٌ] (٣) لا يُقَاتَلُ عليه، فلم يَجُزْ وَقْفُه، كما لو كان الوَقْفُ إلى مُدَّةٍ. وعن مالِكٍ في الكُرَاعِ والسِّلَاحِ رِوَايتانِ. ولَنا، أنَّ النبيَّ ﷺ قال: "أمَّا خَالِدٌ فَقَدِ احْتَبَسَ أدْرَاعَه وَأعْتَادَه فِي سَبِيلِ اللهِ". مُتَّفَقٌ عليه (٤). وفي رِوَايةٍ: "وأْعْتُدَهُ". أخْرَجَه البُخَارِيُّ. قال الخَطَّابِىُّ (٥): الأعْتَادُ ما يُعِدُّه (٦) الرجُلُ من [المَرْكُوبِ والسِّلَاحِ] (٧) وآلةِ الجِهَادِ. ورُوِىَ أنَّ أُمَّ مَعْقِلٍ، جاءَتْ إلى النبيِّ ﷺ ، فقالت: يا رسولَ اللَّه، إنَّ أبا مَعْقِلٍ جَعَلَ ناضِحَهُ في سَبِيلِ اللهِ، وإنِّى أُرِيدُ الحَجَّ، أفأَرْكَبُه؟ فقال رسولُ اللَّه ﷺ : "ارْكَبِيهِ، فإنَّ الحَجَّ والعُمْرَةَ مِنْ سَبِيلِ اللهِ" (٨). ولأنَّه يَحْصُلُ فيه تَحْبِيسُ الأصْلِ وتَسْبِيلُ المَنْفَعةِ، فصَحَّ وَقْفُه، كالعَقَارِ [والفَرَسِ الحَبِيسِ، ولأنَّه يَصِحُّ وَقْفُه مع غيرِه، فصَحَّ وَقْفُه وحدَه، كالعَقَارِ] (٩).
стр. 4032
فصل: قال أحمدُ، ﵀، في رَجُلٍ له دارٌ في الرَّبَضِ، أو قَطيعَةٌ، فأرَادَ التَّنَزُّهَ منها. قال: يَقِفُها. قال: القَطَائِعُ تَرْجِعُ إلى الأصْل إذا جَعَلَها لِلْمَساكِينِ. فظاهِرُ هذا إباحَةُ وَقْفِ السَّوَادِ، وهو في الأصْلِ وَقْفٌ؛ ومَعْنَاه أنّ وَقْفَها يُطَابِقُ الأصْلَ؛ لا أنَّها تَصِيرُ بهذا القول وَقْفًا.
٩٢٩ - مسألة؛ قال: (ويَصِحُّ وَقْفُ الْمُشَاعِ)
وبهذا قال مالِكٌ، والشافِعيُّ، وأبو يوسفَ. وقال محمدُ بن الحَسَنِ: لا يَصِحُّ. وبَنَاهُ على أصْلِه في أنَّ القَبْضَ شَرْطٌ، وأنَّ القَبْضَ لا يَصِحُّ في المُشَاعِ. ولَنا، أنَّ في حَدِيثِ عمرَ أنَّه أصَابَ مائةَ سَهْمٍ من خَيْبَر، واسْتَأْذَنَ النبيَّ ﷺ فيها، فأمَرَه بِوَقْفِها (١). وهذا صِفَةُ المُشَاعِ، ولأنَّه عَقْدٌ يجوزُ على بعضِ الجُمْلَةِ مُفْرَزًا (٢) فجازَ عليه مُشَاعًا، كالبَيْعِ، أو عَرْصَةٍ يجوزُ بَيْعُها، فجازَ وَقْفُها، كالمُفْرَزَةِ (٣)، ولأنَّ الوَقْفَ تَحْبِيسُ الأصْلِ وتَسْبِيلُ المَنْفَعةِ، وهذا يَحْصُلُ في المُشَاعِ، كحُصُولِه في المُفْرَزِ (٤)، ولا نُسَلِّمُ اعْتِبارَ القَبْضِ، وإن سَلَّمْنا، فإذا صَحَّ في البَيْعِ صَحَّ في الوَقْفِ.
فصل: وإن وَقَفَ دَارَه على جِهَتَيْنِ مُخْتَلِفَتَيْنِ، مثل أن يَقِفَها على أوْلادِه وعلى المَساكِينِ، نِصْفَيْنِ، أو أثْلَاثًا، أو كيفما كان، جازَ. وسواءٌ جَعَلَ مَآلَ المَوْقُوفِ على أوْلادِه وعلى المَساكِينِ، أو على جِهَةٍ أخرى سِوَاهُم؛ لأنَّه إذا جازَ وَقْفُ الجُزْءِ مُفْرَدًا، جازَ وَقْفُ الجُزْأَيْنِ. وإن أطْلَقَ الوَقْفَ، فقال: أوْقَفْتُ دَارِى هذه على أوْلادِى، وعلى المَساكِينِ. فهى بينهما نِصْفَيْنِ (٥)؛ لأن إطْلاقَ الإِضَافةِ إليهما
стр. 4033
تَقْتَضِى التَّسْوِيةَ بين الجِهَتَيْنِ، ولا تَتَحَقَّقُ التَّسْوِيةُ إلَّا بالتَّنْصِيفِ (٦). وإن قال: وَقَفْتُها على زَيْدٍ وعمرٍو والمَساكِينِ. فهى بينهم أثْلَاثًا.
فصل: فإن أُرِيدَ تَمْيِيزُ الوَقْفِ [عن الطَّلْقِ] (٧) بالقِسْمَةِ، فذلك مَبْنِيٌّ على القِسْمةِ، هل هي بَيْعٌ أو إفْرازُ (٨) حَقٍّ؟ والصَّحِيحُ أنها إفْرازُ حَقٍّ، فيُنْظَرُ؛ فإن لم يكُنْ فيها رَدٌّ جازَتِ القِسْمةُ. وإن كان فيها رَدٌّ من جانِبِ أصْحابِ الوَقْفِ، جازَتْ أيضًا؛ لأنَّه شِرَاءٌ لشىءٍ من الطَّلْق. وإن كان من صاحِبِ الطَّلْقِ، لم يَجُزْ؛ لأنَّه شِرَاءُ بعضِ الوَقْفِ، وبَيْعُه غيرُ جائِزٍ. وإن كان المُشَاعُ وَقْفًا على جِهَتَيْنِ، فأرَادَ أهْلُه قِسْمَتَه، انْبَنَى على ما ذَكَرْنا، ولم يَجُزْ فيما إذا كان فيها رَدٌّ بحال. ومتى جازَتِ القِسْمةُ في الوَقْفِ، وطَلَبَها أحدُ الشَّرِيكَيْنِ، أو وَلِيُّ الوَقْفِ، أُجْبِرَ الآخَرُ؛ لأنَّ كلَّ قِسْمةٍ جازَتْ من غيرِ رَدٍّ ولا ضَرَرٍ، فهى واجِبَةٌ.
٩٣٠ - مسألة؛ قال: (وَإذَا لَمْ يَكُنِ الْوَقْفُ عَلَى مَعْرُوفٍ أوْ بِرٍّ، فَهُوَ باطِلٌ)
وجملةُ ذلك أنَّ الوَقْفَ لا يَصِحُّ إلَّا على من يُعْرَفُ، كوَلَدِه، وأقَارِبِه، وَرَجُلٍ مُعَيَّنٍ، أو على بِرٍّ، كبِنَاءِ المساجِدِ والقَنَاطِرِ، وكُتُبِ الفِقْه والعِلْمِ والقُرْآنِ، والمَقَابرِ، والسِّقَاياتِ وسَبِيلِ اللَّه، ولا يَصِحُّ على غير مُعَيَّنٍ (١)، كرَجُلٍ وامْرَأةٍ؛ لأنَّ الوَقْفَ تَمْلِيكٌ لِلْعَيْنِ أو لِلْمَنْفَعةِ، فلا يَصِحُّ على غيرِ مُعَيَّنٍ، كالبَيْعِ والإِجَارةِ، ولا على مَعصِيَةٍ كبَيْتِ النَّارِ، والبِيَعِ، والكنائِسِ، وكُتُبِ التَّوْراةِ والإْنْجِيلِ؛ لأنَّ ذلك مَعصِيةٌ، فإنَّ هذه المَوَاضِعَ بُنِيَتْ لِلْكُفْرِ، وهذه الكُتُبُ مُبَدَّلَةٌ مَنْسُوخَةٌ، ولذلك غَضِبَ النبيُّ ﷺ حين رَأَى مع عمرَ صَحِيفَةً فيها شيءٌ من التَّوْراةِ، وقال: "أَفِى شَكٍّ
стр. 4034
أنْتَ يَا ابْنَ الْخَطَّابِ؟ ألَمْ آتِ بِهَا بَيْضَاءَ نَقِيَّةً؟ لَوْ كَانَ مُوسَى أخِى حَيًّا مَا وَسِعَهُ إلَّا اتِّبَاعِى" (٢). ولولا أنَّ ذلك مَعْصِيَةٌ ما غَضِبَ منه. والوَقْفُ على قَنَادِيلِ البِيعَةِ وفَرْشِها ومن يَخْدِمُها ويَعْمُرُها، كالوَقْفِ عليها؛ لأنَّه يُرَادُ لِتَعْظِيمِها. وسواءٌ كان الواقِفُ مُسْلِمًا أو ذِمِّيًّا. قال أحمدُ، في نَصَارَى وَقَفُوا على البِيعَةِ ضِيَاعًا كثيرةً، وماتُوا ولهم أبْنَاءٌ نَصَارَى، فأسْلَمُوا والضِّيَاعُ بِيَدِ النَّصَارَى: فلهم أخْذُهَا، ولِلمُسْلِمِينَ عَوْنُهم حتى يَسْتَخْرِجُوها من أيْدِيهم. وهذا مذهبُ الشافِعِيِّ. ولا نَعْلَمُ فيه خِلَافًا؛ وذلك لأنَّ ما لا يَصِحُّ من المُسْلمِ الوَقْفُ عليه، لا يَصِحُّ من الذِّمِّيِّ، كالوَقْفِ على غيرِ مُعَيَّنٍ. فإن قيل: فقد قُلْتُم إنَّ أهْلَ الكِتَابِ إذا عَقَدُوا عُقُودًا فاسِدَةً، وتَقَابَضُوا، ثم أسْلَمُوا وتَرَافَعُوا إلينا، لم نَنقُضْ ما فَعَلوه، فكيف أجَزْتُم الرُّجُوعَ فيما وَقَفُوه على كَنَائِسِهم؟ قُلْنا: الوَقْفُ ليس بِعَقْدِ مُعَاوَضةٍ، وإنَّما هو إزَالَةٌ لِلْمِلْكِ في المَوْقُوفِ على وَجْهِ القُرْبَةِ، فإذا لم يَقَعْ صَحِيحًا، لم يَزُلِ المِلْكُ، فيَبْقَى بحالِه كالعِتْقِ. وقد رُوِىَ عن أحمدَ، ﵀، في نَصْرَانِىٍّ أشْهَدَ في وَصِيَّتِه، أنَّ غُلَامَه فلانًا يَخْدِمُ البِيعَةَ خَمْسَ سِنِين، ثم هو حُرٌّ. ثم ماتَ مَوْلَاه، وخَدَمَ سَنَةً، ثم أسْلَمَ، ما عليه؟ قال: هو حُرٌّ. ويَرْجِعُ على الغُلَامِ بأُجْرَةِ خِدْمَةِ مبلغ أرْبَع سِنِين. ورُوِىَ عنه، قال: هو حُرٌّ ساعَةَ ماتَ مَوْلَاه؛ لأنَّ هذه مَعْصِيَةٌ. وهذه الرِّوَايةُ أصَحُّ وأوْفَقُ لأُصُولِه. ويَحْتَمِلُ أنَّ قولَه: يَرْجِعُ عليه بخِدْمَتِه أرْبَع سِنِين. لم يَكُنْ لِصِحَّةِ الوَصِيَّةِ، بل لأنَّه إنَّما أعْتَقَه بعِوَضٍ يَعْتَقِدَانِ صَحَّتَه، فإذا تَعَذَّرَ العِوَضُ بإسْلَامِه، كان عليه ما يَقُومُ مَقَامَه، كما لو تَزَوَّجَ الذِّمِّيُّ ذِمِّيَّةً على ذلك ثم أسْلَم؛ فإنَّه يَجبُ عليه المَهْرُ، كذا ههُنا يَجبُ عليه العِوَضُ. والأَوَّلُ أَوْلَى.
فصل: ولا يَصِحُّ الوَقْفُ على مَنْ لا يَمْلِكُ، كالعَبْدِ القِنِّ، وأُمِّ الوَلَدِ، والمُدَبَّرِ، والمَيِّتِ، والحَمْلِ، والمَلَكِ والجِنِّ والشَّيَاطِينِ. قال أحمدُ، في مَن وَقَفَ على
стр. 4035
مَمَالِيكِه: لا يَصِحُّ الوَقْفُ حتى يَعْتِقَهُم. وذلك لأنَّ الوَقْفَ تَمْلِيكٌ، فلا يَصِحُّ على مَن لا يَمْلِكُ. فإن قيل: قد جَوَّزْتُم الوَقْفَ على المسَاجدِ والسِّقَاياتِ وأشْباهِها، وهى لا تَمْلِكُ. قُلْنا: الوَقْفُ هناك على المُسْلِمِينَ، إلَّا أنَّه عُيِّنَ في نَفْعٍ خاصٍّ لهم. فإن قيل: فيَنْبَغِى أن يَصِحَّ الوَقْفُ على الكَنائِسِ، ويكونُ الوَقْفُ على أهْلِ الذِّمّةِ. قُلْنا: الجِهَة التي عُيِّنَ صَرْفُ الوَقْفِ فيها ليست نَفْعًا، بل هي مَعْصِيَةٌ مُحَرَّمَةٌ، يُزَادُونَ (٣) بها عِقَابًا وإثْمًا، بخِلَافِ المسَاجِد. ولا يَصِحُّ الوَقْفُ على العَبْدِ، وإن قُلْنا: إنّه يَمْلِكُ بالتَّملِيكِ؛ لأنَّ الوَقْفَ يَقْتَضِى تَحْبِيسَ الأصْلٍ، والعَبْدُ لا يَمْلِكُ مِلْكًا لازِمًا. ولا يَصِحُّ الوَقْفُ على المُكَاتَبِ، وإن كان يَمْلِكُ؛ لأنَّ مِلْكَهُ غيرُ مُسْتَقِرٍّ. ولا على مُرْتَدٍّ، ولا على (٤) حَربِيٍّ؛ لأنَّ أَمْوَالَهُم مُبَاحَةٌ في الأصْلِ، ويجوزُ أخْذُها منهم بالقَهْرِ والغلَبةِ، فما يَتَجَدَّدُ لهم أَوْلَى، والوَقْفُ لا يجوزُ أن يكونَ مُبَاحَ الأخْذِ؛ لأنَّه تَحْبِيسُ الأصْلِ.
فصل: ويَصِحُّ الوَقْفُ على أهْلِ الذِّمَّةِ؛ لأنَّهم يَملِكُونَ مِلْكًا مُحْتَرَمًا، ويجوزُ أن يتَصَدَّقَ عليهم، فجازَ الوَقْفُ عليهم، كالمُسْلِمِينَ. ويجوزُ أن يَقِفَ المُسْلِمُ عليه، لما رُوِىَ أنَّ صَفِيَّةَ بنتَ حُيَيٍّ زَوْجَ النبيِّ ﷺ ، وَقَفَتْ على أخٍ لها يَهُودِيٍّ (٥)، ولأنَّ مَن جازَ أن يَقِفَ الذِّمِّيُّ عليه، جاز أن يَقِفَ عليه المُسْلِمُ، كالمُسْلِمِ. ولو وَقَفَ على من يَنْزِلُ كَنَائِسَهم وبِيَعَهُم من المارَّةِ والمُجْتازِينَ، صَحَّ أيضًا؛ لأنَّ الوَقْفَ عليهم، لا على المَوْضِعِ.
فصل: ويَنْظُرُ في الوَقْفِ مَنْ شَرَطَهُ الوَاقِفُ؛ لأنَّ عمرَ، رَضِىَ اللَّه عنه جَعَلَ وَقْفَه إلى حَفْصَةَ تَلِيه ما عاشَتْ، ثم إلى ذَوِى الرَّأْى من أهْلِها (٦). ولأنَّ مَصْرِفَ الوَقْفِ يُتْبعُ
стр. 4036
فيه شَرْطُ الواقِفِ، فكذلك النَّاظِرُ فيه. فإن جَعَلَ النَّظَرَ لِنَفْسِه جازَ، وإن جَعَلَهُ إلى غيرِه فهو له، فإن لم يَجْعَلْه لأحدٍ (٧)، أو جَعَلَهُ لإِنْسانٍ فماتَ، نَظَرَ فيه المَوْقُوفُ عليه؛ لأنَّه مِلْكُه ونَفْعُه له، فكان نَظَرُه إليه كَمِلْكِه المُطْلَقِ. ويَحْتَمِلُ أن يَنْظُرَ فيه الحاكِمُ. اخْتارَه ابنُ أبي موسى. ويَحْتَمِلُ أن يكونَ الوَجْهَانِ مَبْنِيَّيْنِ على أنَّ المِلْكَ هل يَنْتَقِلُ فيه إلى المَوْقُوفِ عليه، أو إلى اللهِ تعالى؟ فإن قُلْنا: هو لِلْمَوْقُوفِ عليه. فالنَّظَرُ فيه إليه؛ لأنَّه مِلْكُه، عَيْنُه ونَفْعُه. وإن قُلْنا: هو لِلهِ. فالحاكِمُ يَنُوبُ فيه، ويَصْرِفُه إلى مَصَارِفِه (٨)؛ لأنَّه مالُ اللهِ، فكان النَّظَرُ فيه إلى حاكِمِ المُسْلِمينَ، كالوَقْفِ على المَساكِينِ. وأما الوَقْفُ على المَساكِينِ والمسَاجِدِ ونحوِها، أو على مَنْ لا يُمْكِنُ حَصْرُهُم واسْتِيعَابُهُم، فالنَّظَرُ فيه إلى الحاكِمِ؛ لأنَّه ليس له مالِكٌ مُتَعَيّنٌ يَنْظُرُ فيه. وله أن يَسْتَنِيبَ فيه؛ لأنَّ الحاكِمَ لا يُمْكِنُه تَوَلِّى النَّظَرَ بِنَفْسِه. ومتى كان النَّظَرُ لِلْمَوْقُوفِ عليه، إمَّا بِجَعْلِ الواقِفِ ذلك له، أو لِكَوْنِه أحَقَّ بذلك عندَ عَدَمِ ناظِرٍ سِواهُ، وكان واحِدًا مُكَلَّفًا (٩) رَشِيدًا، فهو أحَقُّ بذلك، رَجُلًا كان أو امْرَأةً، عَدْلًا كان أو فاسِقًا؛ لأنَّه يَنْظُرُ لِنَفْسِه، فكان له ذلك في هذه الأحْوالِ، كالطَّلْقِ. ويَحْتَمِلُ أن يُضَمَّ إلى الفاسِقِ أمِينٌ، حِفْظًا لأصْلِ الوَقْفِ عن البَيْعِ أو التَّضْيِيعِ. وإن كان الوَقْفُ لجَماعةٍ رَشِيدِينَ، فالنَّظَرُ لِلْجَمِيعِ، لكلِّ إنْسانٍ في نَصِيبِه. وإن كان المَوْقُوفُ عليه غيرَ رَشِيدٍ، إمَّا لِصِغَرٍ، أو سَفَهٍ، أو جُنُونٍ، قام وَلِيُّه في النَّظَرِ مَقَامَه، كما يَقُومُ مَقَامَه في مالِه الطَّلْقِ (١٠). وإن كان النَّظَرُ لغير المَوْقُوفِ عليه، أو لبعضِ المَوْقُوفِ عليه، بِتَوْلِيَةِ الواقِفِ أو الحاكِمِ. لم يَجُزْ أن يكونَ إلَّا أمِينًا، فإن لم يكنْ أمِينًا، وكانت تَوْلِيَتُه من الحاكِمِ، لم تَصِحَّ. وأُزِيلَتْ يَدُه. وإن وَلَّاهُ الواقِفُ وهو فاسِقٌ، أو وَلَّاهُ وهو
стр. 4037
عَدْلٌ وصارَ فاسِقًا، ضُمَّ إليه أمِينٌ يَنْحَفِظُ به الوَقْفُ، ولم تَزُلْ يَدُه؛ لأنَّه أمْكَنَ الجَمْعُ بين الحَقَّيْنِ. ويَحْتَمِلُ أن لا يَصِحَّ تَوْلِيَتُه، وأنَّه يَنْعَزِلُ إذا فَسَقَ في أثناء وِلَايَتِه؛ لأنَّها وِلَايةٌ على حَقِّ غيرِه، فنَافَاهَا الفِسْقُ، كما لو وَلَّاهُ الحاكِمُ، وكما لو لم يُمْكِنْ حِفْظُ الوَقْفِ منه مع بَقَاءِ وِلَايَتِه [على حَقِّ غيره] (١١)، فإنَّه متى لم يُمْكِنْ حِفْظُه منه أُزِيلَتْ وِلَايَتُه، فإنَّ مُرَاعاةَ حِفْظِ الوَقْفِ أَهَمُّ من إبْقاءِ وِلَايةِ الفاسِقِ عليه.
فصل: ونَفَقَةُ الوَقْفِ من حيثُ شَرَطَ الواقِفُ؛ لأنَّه لمَّا اتُّبِعَ شَرْطُهُ في تَسْبِيلِه (١٢)، وَجَبَ اتِّبَاعُ شَرْطِه في نَفَقَتِه. فإن لم يُمْكِنْ فمِن غَلَّتِه؛ لأنَّ الوَقْفَ اقْتَضَى تَحْبِيسَ أصْلِه وتَسْبِيلَ نَفْعِه، ولا يَحْصُلُ ذلك إلَّا بالإِنْفَاقِ عليه، فكان ذلك من ضَرُورَتِه. وإن تَعَطَّلَتْ مَنَافِعُ الحَيَوانِ المَوْقُوفِ، فنَفَقَتُه على المَوْقُوفِ عليه؛ لأنَّه مِلْكُه. ويَحْتَمِلُ وُجُوبَها في بَيْتِ المالِ. ويجوزُ بَيْعُه، على ما سَلَفَ بَيَانُه.
стр. 4038
كتابُ الهِبَةِ والعَطِيَّةِ (١)
٩٣١ - مسألة؛ قال: (وَلَا تَصِحُّ الهِبَةُ والصَّدَقَةُ فِيمَا يُكَالُ أوْ يُوزَنُ إلَّا بِقَبْضِهِ)
وجملةُ ذلك أنَّ الهِبَةَ والصَّدَقَةَ والهَدِيَّةَ والعَطِيَّةَ مَعَانِيها مُتَقَارِبَةٌ، وكلُّها تَمْلِيكٌ في الحَياةِ بغيرِ عِوَضٍ، واسْمُ العَطِيّةِ شامِلٌ لِجَمِيعِها، وكذلك الهِبَةُ. والصَّدَقَةُ والهَدِيَّةُ مُتَغَايِرَان؛ فإنَّ النبيَّ ﷺ كان يَأْكُلُ الهَدِيَّةَ، ولا يَأْكُلُ الصَّدَقَةَ (٢). وقال في اللَّحْمِ الذي تُصُدِّقَ به على بَرِيرَة: "هُوَ عَلَيْهَا صَدَقَةٌ، ولَنَا هَدِيَّةٌ" (٣). فالظاهِرُ أن من أعْطَى شَيْئًا [يَنْوِى به التَّقَرُّب] (٤) إلى اللَّه تَعالى لِلْمُحْتاجِ، فهو صَدَقَةٌ. ومن دَفَعَ
стр. 4039
إلى إنْسانٍ شيئًا لِلتَّقَرُّبِ إليه، والمَحَبَّةِ له، فهو هَدِيّةٌ. وجَمِيعُ ذلك مَنْدُوبٌ إليه، ومَحْثُوثٌ عليه (٥)؛ فإن النبيَّ ﷺ قال: "تَهَادُوا تَحَابُّوا" (٦). وأمَّا الصَّدَقَةُ، فما وَرَدَ في فَضْلِها أكْثَرُ من أن يُمْكِنَنا حَصْرُه، وقد قال اللهُ تعالى: ﴿إِنْ تُبْدُوا الصَّدَقَاتِ فَنِعِمَّا هِيَ وَإِنْ تُخْفُوهَا وَتُؤْتُوهَا الْفُقَرَاءَ فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَيُكَفِّرُ عَنْكُمْ مِنْ سَيِّئَاتِكُمْ﴾ (٧). إذا ثَبَتَ هذا، فإن المَكِيلَ والمَوْزُونَ لا تَلْزَمُ فيه الصَّدَقَةُ والهِبَةُ إلَّا بالقَبْضِ. وهو قولُ أكْثَر الفُقَهاءِ منهم؛ النَّخَعِىُّ، والثَّوْرِىُّ، والحَسَنُ بن صالِحٍ، وأبو حنيفةَ، والشافِعِىُّ. وقال مالِكٌ، وأبو ثَوْرٍ: يَلْزَمُ ذلك بمُجَرَّدِ العَقْدِ؛ لِعُمُومِ قوله ﵇: "الْعائِدُ فِي هِبَتِه، كَالْعائِدِ في قَيْئِهِ" (٨). ولأنَّه إزَالةُ مِلْكٍ بغيرِ
стр. 4040
عِوَضٍ، فلَزِمَ بِمُجَرَّدِ العَقْدِ، كالوَقْفِ والعِتْقِ. وربما قالوا: تَبَرُّعٌ، فلا يُعْتَبَرُ فيه القَبْضُ، كالوَصِيَّةِ والوَقْفِ. ولأنَّه عَقْدٌ لازِمٌ يَنْقُلُ المِلْكَ، فلم يَقِفْ لُزُومُه على القَبْضِ كالبَيْعِ. ولَنا، إجْماعُ الصَّحابةِ رَضِىَ اللَّه عنهم، فإنَّ ما قُلْنَاه مَرْوِىٌّ عن أبي بكرٍ وعمرَ رَضِىَ اللَّه عنهما، ولم يُعْرَفْ لهما في الصَّحَابةِ مُخَالِفٌ، فَرَوى عُرْوَةُ، عنْ عائِشَةَ رَضِىَ اللَّه عنها، أنَّ أبا بكرٍ، رَضِىَ اللَّه عنه، نَحَلَها جِذَاذَ عِشْرِينَ وَسْقًا من مالِه بالعَالِيَةِ. فلما مَرِضَ، قال: يا بُنَيَّة، ما أحَدٌ أحَبُّ إلىَّ غِنًى بَعْدِى مِنْكِ، ولا أحَدٌ أعَزُّ علىَّ فَقْرًا منكِ، وكنتُ نَحَلْتُكِ جِذَاذَ عِشْرِينَ وَسْقًا، ووَدَدْتُ أنّك حُزْتِيه أو قَبَضْتِيه، وهو اليومَ مالُ الوارِثِ أخَوَاكِ وأُخْتَاكِ، فاقْتَسِمُوا على كِتابِ اللَّه (٩). ورَوَى ابنُ عُيَيْنةَ، عن الزُّهْرِىِّ، عن عُرْوَةَ، عن عبدِ الرَّحْمنِ بن عبدٍ القارِىّ، أن عمَرَ بن الخَطَّابِ، قال: ما بالُ أقْوامٍ يَنْحَلُونَ أوْلَادَهُم، فإذا ماتَ أحَدُهُم، قال: مالِى، وفى يَدى. وإذا ماتَ هو (١٠)، قال: قد (١٠) كنتُ نَحَلْتُه وَلَدِى. لا نِحْلَةَ إلَّا نِحْلَةٌ يحوزُها (١١) الوَلَدُ دُونَ الوالِدِ، فإن ماتَ وَرِثَهُ. ورَوَى عُثْمانُ أن الوالِدَ يَحُوزُ (١٢) لِوَلَدِه إذا كانوا صِغَارًا. قال المَرُّوذِىُّ: اتَّفَقَ أبو بكرٍ وعمرُ وعُثْمانُ وعَلِىٌّ، أنَّ الهِبَةَ لا تجوزُ إلَّا مَقْبُوضَةً. ولأنَّها هِبَةٌ غيرُ مَقْبُوضةٍ، فلم تَلْزَمْ، كما لو ماتَ قبلَ أن يَقْبِضَ، فإنَّ مالِكًا يقول: لا يَلْزَمُ الوَرَثَةَ التَّسْلِيمُ، والخَبَرُ مَحْمولٌ على المَقْبُوضِ، ولا يَصِحُّ القِيَاسُ على الوَقْفِ والوَصِيَّةِ والعِتقِ؛ لأنَّ الوَقْفَ إخْرَاجُ مِلْكٍ إلى اللَّه تعالى، فخَالَفَ التَّملِيكاتِ، والوَصِيَّةُ تَلْزَمُ في حَقِّ الوارِثِ، والعِتْقُ إسْقَاطُ حَقٍّ وليس بِتَمْلِيكٍ، ولأنَّ الوَقْفَ والعِتْقَ لا يكونُ في مَحَلِّ النِّزاعِ في المَكِيلِ والمَوْزُونِ.
فصل: وقولُ الخِرَقِىِّ: "لا يَصِحُّ". يَحْتَمِلُ أن يُرِيدَ لا يَلْزَمُ. ويَحْتَمِلُ أن يُرِيدَ
стр. 4041
لا يَثْبُتُ بها المِلْكُ قبلَ القَبْضِ، فإنَّ حُكْمَ (١٣) المِلْكِ حُكْمُ الهِبَةِ، والصِّحَّةُ اعْتِبارُ الشىءِ في حَقِّ حُكْمِه. وأما الصِّحَّةُ (١٤) بمَعْنَى انْعِقادِ اللَّفْظِ بحيثُ إذا انْضَمَّ إليه القَبْضُ اعْتُبِرَ وثَبَتَ (١٥) حُكْمُه، فلا يَصِحُّ حَمْلُ لَفْظِه على نَفْيِه، لِعَدَمِ الخِلَافِ فيه، ولأنَّه قال في سِيَاقِ المَسْألةِ: "كما يَصِحُّ في البَيْعِ". وقد تَقَرَّرَ في البَيْعِ أنَّ بَيْعَ المَكِيلِ والمَوْزُونِ صَحِيحٌ قبلَ القَبْضِ، وإنَّما يَنْتَفِى الضَّمَانُ وإطْلَاقُه في التَّصَرُّفاتِ. وقوله: "ما يُكَالُ وما يُوزَنُ" ظاهِرُه العُمُومُ في كلِّ مَوْزُونٍ ومَكِيلٍ، وخَصَّهُ أصْحَابُنا المتَأَخِّرُونَ بما ليس بمُتَعَيِّنٍ فيه، كالقَفِيزِ من صُبْرةٍ، والرِّطْلِ من زُبْرَةٍ. وقد ذَكَرْنا ذلك في البَيْعِ، ورَجَّحْنَا العُمُومَ.
فصل: والواهِبُ بالخِيَارِ قبلَ القَبْضِ، إن شاءَ أَقْبَضَها وأمْضَاهَا، وإن شاءَ رَجَعَ فيها ومَنَعَها. ولا يَصِحُّ قَبْضُها إلَّا بإذْنِه، فإن قَبَضَها المَوْهُوبُ له بغير إذْنِه لم تَتِمَّ الهِبَةُ، ولم يَصِحَّ القَبْضُ. وحُكِى عن أبي حنيفةَ أنَّه إذا قَبَضَها في المَجْلِسِ صَحَّ، وإن لم يَأْذَنْ له؛ لأنَّ الهِبَةَ قامَتْ مَقَامَ الإِذْنِ في القَبْضِ، لِكَوْنها دَالَّةً على رِضَاهُ بالتَّملِيكِ الذي لا يَتِمُّ إلَّا بالقَبْضِ. ولَنا، أنَّه قَبَضَ الهِبةَ بغيرِ إذْنِ الواهِبِ، فلم يَصِحَّ، كما بعدَ المَجْلِسِ، أو كما لو نَهَاهُ عن قَبضِها، ولأنَّ (١٦) التَّسْلِيمَ غيرُ مُسْتَحَقٍّ على الواهِبِ، فلا يَصِحُّ التَّسْلِيمُ إلَّا بإذْنِه، كما لو أخَذَ المُشْتَرِى المَبِيعَ من البائِعِ قبلَ تَسْلِيمِ ثَمَنِه. ولا يَصِحُّ جَعْلُ الهِبَةِ إذْنًا في القَبْضِ، بِدَلِيلِ ما بعدَ المَجْلِسِ. ولو أذِنَ الواهِبُ في القَبْضِ، ثم رَجَعَ عن الإِذْنِ، أو رَجَعَ في الهِبَةِ، صَحَّ رُجُوعُه؛ لأنَّ ذلك ليس بِقَبْضٍ، وإن رَجَعَ بعد القَبْضِ، لم يَنْفَعْ رُجُوعُه؛ لأنَّ الهِبَةَ تَمَّتْ.
стр. 4042
فصل: وإذا ماتَ الواهِبُ أو المَوْهُوبُ له قَبْلَ القَبْضِ، بَطَلَتِ الهِبَةُ، سواءٌ كان قَبْلَ الإِذْنِ في القَبْضِ أو بعدَه. ذَكَرَه القاضي في مَوْتِ الواهِبِ؛ لأنَّه عَقْدٌ جائِزٌ، فبَطَلَ بمَوْتِ أحدِ المُتَعاقِدَيْنِ، كالوَكَالَةِ والشَّرِكَةِ. وقال أحمدُ، في رِوَايةِ أبي طالِبٍ، وأبي الحارِثِ، في رَجُلٍ أهْدَى هَدِيَّةً فلم تَصِلْ إلى المُهْدَى إليه، حتى ماتَ؛ فإنَّها تَعُودُ إلى صَاحِبِها ما لم يَقْبِضْها. ورَوَى (١٧) بإسْنادِه عن أُمِّ كلْثُوم بِنْت أبي (١٨) سَلَمةَ، قالت: لمَّا تَزَوَّجَ رسولُ اللَّه ﷺ أُمَّ سَلَمَةَ، قال لها: "إنِّي قَدْ أَهْدَيْتُ إلَى النَّجَاشِىِّ حُلَّةً وأَوَاقِىَّ مِسْكٍ، ولَا أرَى النَّجَاشِىَّ إلَّا قَدْ مَاتَ، ولَا أرَى هَدِيَّتِى إلَّا (١٨) مَرْدُودَةً عَلَىَّ، فإنْ رُدَّتْ فَهِىَ لَكِ". قالتْ: فكان ما قال رسولُ اللَّه ﷺ ، ورُدَّتْ عليه هَدِيَّتُه، فأعْطَى كلَّ امْرَأةٍ من نِسَائِه أُوقِيّةً من مِسْكٍ، وأعْطَى أُمَّ سَلَمةَ بَقِيَّةَ المِسْكِ والحُلَّةَ. وإن ماتَ صاحِبُ الهَدِيّةِ قبلَ أن تَصِلَ إلى المُهْدَى إليه، رَجَعَتْ إلى وَرَثَةِ (١٩) المُهْدِى، وليس لِلرَّسُولِ حَمْلُها إلى المُهْدَى إليه، إلَّا أن يَأْذَنَ له الوارِثُ. ولو رَجَعَ المُهْدِى في هَدِيَّتِه قبلَ وُصُولِها إلى المُهْدَى إليه، صَحَّ رُجُوعُه فيها، والهِبَةُ كالهَدِيَّةِ. وقال أبو الخَطَّابِ: إذا ماتَ الواهِبُ، قامَ وارِثُه مَقَامَه في الإِذْنِ في القَبْضِ والفَسْخِ. وهذا (٢٠) يَدُلُّ على أنّ الهِبَةَ لا تَنْفَسِخُ بمَوْتِه. وهذا قولُ أكْثَرِ أصْحابِ الشافِعِىِّ؛ لأنَّه عَقْدٌ مَآلُه إلى اللُّزُومِ، فلم يَنْفَسِخْ بالمَوتِ كالبَيْعِ (١٩) المَشْرُوطِ فيه الخِيَارُ. وكذلك يُخَرَّجُ فيما إذا ماتَ المَوْهُوبُ له بعدَ قَبُولِه. وإن ماتَ أحَدُهما قبلَ القَبُولِ، أو ما يَقُومُ مَقَامَه، بَطَلَتْ، وَجْهًا واحدًا؛ لأنَّ العَقْدَ لم يَتِمَّ، فأشْبَهَ ما لو أوْجَبَ البَيْعَ، فماتَ أحَدُهما قبلَ القَبُولِ من المُشْتَرِى. وإذا قُلْنا: إنَّ الهِبةَ لا تَبْطُلُ.
стр. 4043
فماتَ أحَدُهُما بعدَ الإِذْنِ في القَبْضِ، بَطَلَ الإِذنُ، وَجْهًا واحِدًا؛ لأنَّ المَيِّتَ إن كان هو الواهِبَ فقد انْتَقَلَ حَقُّه في الرُّجُوعِ في الهِبَةِ إلى وارِثِه، فلم يَلْزَمْ بغيرِ إذْنِه. وإن كان المَوْهُوبَ له، فلم يُوجَد الإِذْنُ لِوَارِثِه، فلم يَمْلِكِ القَبْضَ بغيرِ إذْنٍ.
فصل: وإن وَهَبَه شيئًا في يَدِ المُتَّهِبِ، كوَدِيعَةٍ، أو مَغْصُوبٍ، فظاهِرُ كلامِ أحمدَ أنَّ الهِبةَ تَلْزَمُ من غيرِ قَبْضٍ، ولا مُضِىِّ مُدَّةٍ يَتَأَتَّى القَبْضُ فيها؛ فإنَّه قال في رِوَايةِ ابنِ منصورٍ: إذا وَهَبَ لِامْرَأتِه شيئا ولم تَقْبِضْه، فليس بينه وبينها خِيَارٌ، هي معه في البَيْتِ. فظاهِرُ هذا أنَّه لم يَعْتَبِرْ قَبْضًا، ولا مُضِىَّ مُدَّةٍ يَتَأَتَّى فيها، لكَوْنِها معه في البَيْتِ، فيَدُها على ما فيه. وقال القاضي: لا بُدَّ من مُضِىِّ مُدَّةٍ يَتَأَتَّى فيها القَبْضُ. وقد رُوِىَ عن أحمدَ، رِوَايةٌ أخْرى، أنَّه يَفْتَقِرُ إلى إذْنٍ في القَبْضِ. وقد مَضَى تَعْلِيلُ ذلك وتَفْصِيلُه في الرَّهْنِ. ومذهبُ الشافِعىِّ كمَذْهَبِنا، في الاخْتِلَافِ في اعْتِبارِ الإِذْنِ، واعْتِبارِ مُضِىِّ مُدَّةٍ يَتَأَتَّى القَبْضُ فيها.
٩٣٢ - مسألة؛ قال: (ويَصِحُّ فِي غَيْرِ ذلِكَ بِغَيْرِ قَبْضٍ، إذَا قَبِلَ، كَمَا يَصِحُّ فِي الْبَيْعِ)
يعني أنَّ غيرَ المَكِيلِ والمَوْزُونِ تَلْزَمُ الهِبَةُ فيه بمُجَرَّدِ العَقْدِ، ويَثْبُتُ المِلْكُ في المَوْهُوبِ قبلَ قَبْضِه. ورُوِى ذلك عن عليٍّ وابن مسعودٍ، رَضِىَ اللَّه عنهما [فإنَّه يُرْوَى عنهما] (١) أنَّهما قالا: الهِبَةٌ جائِزَةٌ إذا كانت مَعْلُومةً، قُبِضَتْ أو لم تُقْبَضْ. وهو قولُ مالِكٍ، وأبي ثَوْرٍ. وعن أحمدَ، رِوَايةٌ أخرى: لا تَلْزَمُ الهِبَةُ في الجَمِيع إلَّا بالقَبْضِ. وهو قولُ أكْثَر أهْلِ العِلْمِ. قال المَرُّوذِىُّ: اتَّفَقَ أبو بكرٍ وعمرُ وعثمانُ وعلىٌّ، على أنَّ الهِبَةَ لا تجوزُ إلَّا مَقْبُوضَةً. ويُرْوَى ذلك عن النَّخَعِىِّ، والثَّوْرِىِّ، والحَسَنِ بن صالحٍ، والعَنْبَرِىِّ، والشافِعِىِّ، وأصْحابِ الرَّأْىِ، لما ذَكَرْنا في المَسْألةِ
стр. 4044
الأُولى. ووَجْهُ الرِّوَايةِ الأولى، أنَّ الهِبَةَ أحَدُ نَوْعَىِ التَّملِيكِ، فكان منها ما لا يَلْزَمُ قبلَ القَبْضِ، ومنها ما يَلْزَمُ قبلَه، كالبَيْعِ، فإن منه (٢) ما لا يَلْزَمُ قبلَ القَبْضِ، وهو الصَّرْفُ، وبَيْعُ الرِّبَوِيَّاتِ، ومنه ما يَلْزَمُ قبلَه، وهو ما عدا ذلك. فأمَّا حَدِيثُ أبي بكرٍ (٣)، فلا يَلْزَمُ، فإنَّ جِذَاذَ عِشْرِينَ وَسْقًا، يَحْتَمِلُ أنه أرَادَ به عِشْرِينَ وَسْقًا مَجْذُوذَةً، فيكون مَكِيلًا، غيرَ مُعَيَّنٍ، وهذا لا بُدَّ فيه من القَبْضِ. وإن أرَادَ نَخْلًا يُجَذُّ عِشْرِينَ وَسْقًا، فهو أيضًا غيرُ معَيَّنٍ ولا تَصِحُّ الهِبَةُ (٤) فيه قبلَ تَعْيِينِه، فيكونُ مَعْناه: وَعَدْتُكَ بالنِّحْلَةِ. وقول عمرَ (٥) أرَادَ به النَّهْىَ عن التَّحَيُّل بِنِحْلَةِ الوالِدِ وَلَدَه نِحْلَةً مَوْقُوفةً على المَوْتِ، فيُظْهِرُ: إنِّي نَحَلْتُ وَلَدِى شَيْئًا. ويُمْسِكُه في يَدِه ويَسْتَغِلُّه، فإذا ماتَ أخَذَه وَلَدُه بحُكْمِ النِّحْلَةِ التي أظْهَرَها، وإن ماتَ ولدُه أمْسَكَه، ولم يُعْطِ وَرَثَةَ وَلَدِه شيئًا. وهذا على هذا الوَجْهِ مُحَرَّمٌ، فنَهَاهُم عن هذا حتى يَحُوزَها الوَلَدُ دون والِدِه، فإن ماتَ وَرِثَها وَرَثَتُه، كسائِر مالِه. وإذا كان المَقْصُودُ هذا اخْتصَّ بِهِبَةِ الوَلَدِ [دُونَ والدِه] (٦)، وشِبْهِه، على أنَّه قد رُوِىَ عن عليٍّ وابنِ مسعودٍ خِلَافُ ذلك، فتَعَارَضَتْ أقْوَالُهُم.
فصل: قولُ الخِرَقِىِّ: "إذا قَبِلَ" يَدُلُّ على أنَّه إنَّما يُسْتَغْنَى عن القَبْضِ في مَوْضِعٍ وُجِدَ فيه الإِيجابُ والقَبُولُ. والإِيجابُ أن يقولَ: وَهَبْتُكَ، أو أهْدَيْتُ إليك، أو أعْطَيْتُكَ، أو هذا لك. ونحوه من الألْفَاظِ الدَّالّةِ على هذا المَعْنَى. والقَبُولُ أن يقولَ: قَبِلْتُ، أو رَضِيتُ، أو نحو هذا. وذَكَرَ القاضي، وأبو الخَطَّابِ، أنَّ الهِبَةَ والعَطِيّةَ لا تَصِحُّ كلُّها إلَّا بإيجَابٍ وقَبُولٍ، ولا بُدَّ منهما، سواءٌ وُجِدَ القَبْضُ أو لم يُوجَدْ. وهذا
стр. 4045
قولُ أكْثَر أصْحابِ الشافِعِىِّ؛ لأنَّه عَقْدُ تَمْلِيكٍ، فافْتَقَرَ إلى الإِيجَابِ والقَبُولِ، كالنِّكَاحِ. والصَّحِيحُ أنَّ المُعاطَاةَ والأفْعالَ الدَّالَّةَ على الإِيجَابِ والقَبُولِ كافِيَةٌ، ولا يُحْتَاجُ إلى لَفْظٍ. وهذا اخْتِيَارُ ابنِ عَقِيلٍ؛ فإنَّ النبيَّ ﷺ كان يُهْدِى ويُهْدَى إليه، ويُعْطِى ويُعْطىَ، ويُفَرِّقُ الصَّدَقَاتِ، ويَأْمُرُ سُعاتَه بتَفْرِيقِها وأخْذِها، وكان أصْحَابُه يَفْعَلُونَ ذلك، ولم يُنْقَلْ عنهم في ذلك إيجابٌ ولا قَبُولٌ، ولا أُمِرَ به ولا تَعْلِيمهُ لأحدٍ، ولو كان ذلك شَرْطًا لَنُقِلَ عنهم نَقْلًا مُشْتَهَرًا (٧)، وكان ابنُ عمَرَ على بَعِيرٍ لِعمرَ، فقال النبيُّ ﷺ لِعمرَ: "بِعْنِيهِ". فقال: هو لك يا رسولَ اللَّه. فقال رسولُ اللَّه ﷺ : "هُوَ لَكَ يَا عَبْدَ اللهِ بْنَ عُمَرَ، فَاصْنَعْ بِهِ ما شِئْتَ" (٨). ولم يُنْقَلْ قَبُولُ النبيِّ ﷺ من عمرَ، ولا قَبُولُ ابنِ عمرَ من النبيِّ ﷺ ، ولو كان شَرْطًا لفَعَلَهُ النبيُّ ﷺ ، وعَلِمَهُ ابنُ عمرَ، ولم يَكُنْ لِيَأْمُرَهُ أن يَصْنَعَ به ما شاءَ قبلَ أن يَقْبَلَهُ. ورَوَى أبو هُرَيْرةَ أنَّ النبيَّ ﷺ كان إذا أُتِىَ بِطَعَامٍ سَأَلَ عنه، فإن قالوا: صَدَقَةً. قال لأصْحابِه: "كُلُوا". ولم يَأْكُلْ، وإن قالوا: هَدِيّةً. ضَرَبَ بِيَدِه، فأكَلَ معهم (٩). ولا خِلَافَ بين العُلَماءِ، فيما عَلِمْنَاهُ، في أنَّ تَقْدِيمَ الطَّعَامِ بين يَدَىِ الضِّيفَانِ إذْنٌ في الأَكْلِ، وأنَّه لا يَحْتَاجُ إلى قَبُولٍ بقَوْلِه. ولأنَّه وُجِدَ ما يَدُلُّ على التَّرَاضِى بِنَقْلِ المِلْكِ، فاكْتُفِىَ به، كما لو وُجِدَ الإِيجَابُ والقَبُولُ. قال ابنُ عَقِيلٍ: إنَّما يُشْتَرَطُ الإِيجابُ والقَبُولُ مع الإِطْلاقِ، وعَدَمِ العُرْفِ القائِمِ بين المُعْطِى والمُعْطَى؛ لأنَّه إذا لم يَكُنْ عُرْفٌ يَدُلُّ على الرِّضَا، فلا بُدَّ من قَوْلٍ دالٍّ عليه، أمَّا مع قَرَائِن الأحْوالِ والدَّلَائِلِ (١٠)، فلا وَجْهَ لِتَوَقُّفِه (١١) على اللَّفْظِ، ألَا تَرَى أنَّا اكْتَفَيْنا بالمُعَاطاةِ في البَيْعِ، واكْتَفَيْنَا بِدَلَالةِ الحالِ
стр. 4046
في دُخُولِ الحَمَّامِ، وهو إجَارَةٌ وبَيْعُ أعْيانٍ، فإذا اكْتَفَيْنا بالمُعَاوَضاتِ مع تَأَكُّدِهِا بِدَلَالةِ الحالِ، وأنها تَنْقُلُ المِلْكَ من الجانِبَيْنِ، فلَأن نَكْتَفِىَ به في الهِبَةِ أَوْلَى.
فصل: والقَبْضُ فيما لا يُنْقَلُ بالتَّخْلِيَةِ بينَه وبينَه، لا حائِلَ دُونَه، وفيما يُنْقَلُ بالنَّقْلِ، وفى المُشَاعِ بِتَسْلِيمِ الكُلِّ إليه. فإن أبَى الشَّرِيكُ أن يُسَلِّمَ نَصِيبَه، قيل لِلْمُتَّهِبِ: وَكِّل الشَّرِيكَ في قَبْضِه لك ونَقْلِه. فإن أبَى، نَصَّبَ الحاكِمُ مَنْ يكونُ في يَدِه لهما، فيَنْقُلُه، لِيَحْصُلَ القَبْضُ؛ لأنَّه لا ضَرَرَ على الشَّرِيكِ في ذلك ويَتِمُّ به عَقْدُ شَرِيكِه.
فصل: وتَصِحُّ هِبَةُ المُشَاعِ. وبه قال مالِكٌ، والشافِعِىُّ. [قال الشافِعِىُّ] (١٢): وسواءٌ (١٣) في ذلك ما أمْكَنَ قِسْمَتُه؛ أو لم يُمْكِنْ. وقال أصْحابُ الرَّأْىِ: لا تَصِحُّ هِبَةُ المُشَاعِ الذي يُمْكِنُ قِسْمَتُه؛ لأنَّ القَبْضَ شَرْطٌ في الهِبَةِ، ووُجُوبُ القِسْمةِ يَمْنَعُ صِحَّةَ القَبْضِ وتَمَامَهُ. فإن كان ممَّا لا يُمْكِنُ قِسْمَتُه، صَحَّتْ هِبَتُه؛ لِعَدَمِ ذلك فيه. وإن وَهَبَ واحِدٌ اثْنَيْنِ شيئًا ممَّا يَنْقَسِمُ، لم يَجُزْ عند أبي حنيفةَ. وجازَ عند صاحِبَيْه. وإن وَهَبَ اثْنانِ اثْنَيْنِ شيئًا ممَّا يَنْقَسِمُ، لم يَصِحَّ في قِيَاسِ قَوْلِهِم؛ لأنَّ كلَّ واحدٍ من المُتَّهِبين قد وُهِبَ له جُزْءٌ مُشَاعٌ. ولَنا، أنَّ وَفْدَ هَوَازِنَ لمَّا جاؤُوا يَطْلُبُونَ من رسولِ اللَّه ﷺ أن يَرُدَّ عليهم ما غَنِمَهُ (١٤) منهم، قال رسولُ اللَّه ﷺ : "مَا كَانَ لِى وَلِبَنِى عَبْدِ الْمُطَّلِبِ، فَهُوَ لَكُمْ". رَوَاهُ البُخَارِىُّ (١٥). وهذا هِبَةُ
стр. 4047
مُشَاعٍ (١٦). ورَوَى عَمْرُو بن شُعَيْبٍ، عن أبِيه، عن جَدِّه، قال: سَمِعْتُ النبيَّ ﷺ ، وقد جاءَهُ رَجُلٌ ومعه كُبَّةٌ (١٧) من شَعرٍ، فقال: أخَذْتُ هذه من المَغْنَمِ لأُصْلِحَ بَرْدَعَةً لي. فقال النبيُّ ﷺ : "مَا كَان لِى ولِبَنِى عَبْدِ المُطَّلِبِ فهو لَكَ" (١٨). ورَوَى عُمَيْرُ (١٩) بن سَلَمةَ الضَّمْرِىُّ، قال: قال خَرَجْنَا مع رسولِ اللَّه ﷺ ، حتى أَتَيْنَا الرَّوْحَاءَ، فرَأَيْنا حِمَارَ وَحْشٍ مَعْقُورًا، فأرَدْنا أخْذَه، فقال رسولُ اللهِ ﷺ : "دَعُوهُ، فَإنَّهُ يُوشِكُ أنْ يَجِىءَ صَاحِبُهُ". فجاءَ رَجُلٌ من بَهْزٍ، وهو الذي عَقَرَهُ، فقال: يا رسولَ اللَّه: شَأنَكُم الحِمَارَ. فأمَرَ رسولُ اللهِ ﷺ أبا بَكْرٍ أن يَقْسِمَهُ بين النّاسِ. رَوَاهُ الإِمامُ أحمدُ، والنَّسَائِىُّ (٢٠). ولأنَّه يجوزُ بَيْعُه، فجازَتْ هِبَتُه، كالذى لا يَنْقَسِمُ، ولأنَّه مُشَاعٌ، فأشْبَهَ ما لا يَنْقَسِمُ. وقولُهم: إنَّ وُجُوبَ القِسْمةِ يَمْنَعُ صِحَّةَ القَبْضِ. لا يَصِحُّ؛ فإنَّه لم يَمْنَعْ صِحَّتَه في البَيْعِ، فكذا ههُنا. ومتى كانت الهِبَةُ لِاثْنَيْنِ، فقَبَضَاهُ بإِذْنِه، ثَبَتَ مِلْكُهُما فيه، وإن قَبَضَه أحَدُهُما، ثَبَتَ المِلْكُ في نَصيبِه دُونَ نَصِيبِ صاحِبِه.
فصل: ومتى قُلْنا: إنَّ القَبْضَ شَرْطٌ في الهِبَةِ. لم تَصِحَّ الهِبَةُ فيما لا يُمْكِنُ تَسْلِيمُه. كالعَبْدِ الآبِقِ، والجَمَلِ الشّارِدِ، والمَغْصُوبِ لغيرِ غاصِبِه ممَّن لا يَقْدِرُ على أخْذِه من غاصِبِه. وبهذا يقول أبو حنيفةَ، والشافِعِىُّ؛ لأنَّه عَقْدٌ يَفْتَقِرُ إلى القَبْضِ، فلم يَصِحَّ في ذلك، كالبَيْعِ. وإن وَهَبَ المَغْصُوبَ لغاصِبِه، أو لم يَتَمَكَّنْ من أخْذِه منه،
стр. 4048
صَحَّ؛ لأنَّه مُمْكِنٌ (٢١) قَبْضُه، وليس لغيرِ الغاصِبِ القَبْضُ إلَّا بإذْنِ الواهِبِ. فإن وَكَّلَ المالِكُ الغاصِبَ في تَقْبِيضِه، صَحَّ. وإن وَكَّلَ المُتَّهِبُ الغاصِبَ في القَبْضِ له، فقَبِلَ، ومَضَى زَمَنٌ يُمْكِنُ قَبْضُه فيه، صارَ مَقْبُوضًا، ومَلَكَهُ المُتَّهِبُ، وبَرِئَ الغاصِبُ من ضَمَانِه. وإن قُلْنا: القَبْضُ ليس بِشَرْطٍ في الهِبَةِ. فما لا يُعْتَبَرُ فيه القَبْضُ من ذلك احْتَمَلَ أن لا يُعْتَبَرَ في [صِحَّةِ هِبَتِه] (٢٢) القُدْرَةُ على التَّسْلِيمِ. وهو قول أبي ثَوْرٍ؛ لأنَّه تَمْلِيكٌ بغيرِ عِوَضٍ، أشْبَهَ الوَصِيَّةَ. ويَحْتَمِلُ أن لا تَصِحَّ هِبَتُه؛ لأنَّه لا يَصِحُّ بَيْعُه، فلم تَصِحّ هِبَتُه، كالحَمْلِ في البَطْنِ. وكذلك يُخَرَّجُ في هِبَةِ الطَّيْرِ في الهَوَاءِ، والسَّمَكِ في الماءِ، إذا كان مَمْلُوكًا.
فصل: ولا تَصِحُّ هِبَةُ الحَمْلِ في البَطْنِ، واللَّبَنِ في الضّرْعِ. وبهذا قال أبو حنِيفةَ، والشافِعِىُّ، وأبو ثَوْرٍ؛ لأنَّه مَجْهُولٌ مَعْجُوزٌ عن تَسْلِيمِه. وفى الصُّوفِ على الظَّهْرِ وَجْهانِ، بِنَاءً على صِحَّة بَيْعِه. ومتى أذِنَ له في جَزِّ الصُّوفِ، وحَلْبِ الشّاةِ، كان إبَاحَةً وإن وَهَبَ دُهْنَ سِمْسِمِه قبلَ عَصْرِه، أو زَيْتَ زَيْتُونِه، أو جَفْتَه، لم يَصِحَّ. وبهذا قال الثَّوْرِىُّ، والشافِعِىُّ، وأصْحابُ الرَّأْى. ولا نَعْلَمُ لهم مُخَالِفًا. ولا تَصِحُّ هِبَةُ المَعْدُومِ، كالذى تُثْمِرُ شَجَرَتُه، أو تَحْمِلُ أَمَتُه؛ لأنَّ الهِبَةَ عَقْدُ تَمْلِيكٍ في الحيَاةِ، فلم تَصِحَّ في هذا كلِّه، كالبَيْعِ.
فصل: قال أحمدُ، في رِوَايةِ أبي دَاوُدَ، وحَرْبٍ: لا تَصِحُّ هِبَةُ المَجْهُولِ. وقال، في رِوَايةِ حَرْبٍ: إذا قال: شَاةً من غَنَمِى. يَعْنِى (٢٣): وَهَبْتُها لك. لم يَجُزْ. وبه قال الشافِعِىُّ. ويَحْتَمِلُ أنَّ الجَهْلَ إذا كان في حَقِّ الواهِبِ، مَنَعَ الصِّحَّةَ؛ لأنَّه غَرَرٌ في حَقِّه. وإن كان من المَوْهُوبِ له، لم يَمْنَعْها؛ لأنَّه لا (٢٤) غرَرَ في حَقّه، فلم يُعْتَبَرْ في
стр. 4049
حَقِّه العِلْمُ بما يُوهَبُ (٢٥) له، كالمُوصَى له. وقال مالِكٌ: تَصِحُّ هِبَةُ المَجْهُولِ؛ لأنَّه تَبَرُّعٌ، فصَحَّ في المَجْهُولِ، كالنَّذْرِ والوَصِيَّةِ. ووَجْهُ الأوّلِ، أنَّه عَقْدُ تَمْلِيكٍ لا يَصِحُّ تَعْلِيقُه بالشُّرُوطِ، فلم يَصِحَّ في المَجْهُولِ، كالبَيْعِ، بِخِلَافِ (٢٦) النَّذْرِ والوَصِيَّةِ.
فصل: ولا يَصِحُّ تَعْلِيقُ الهِبَةِ بِشَرْطٍ؛ لأنَّها تَمْلِيكٌ لِمُعَيَّنٍ في الحيَاةِ، فلم يَجُزْ تَعْلِيقُها على شَرْطٍ، كالبَيعِ. فإن عَلَّقَها على شَرْطٍ، كقولِ النبيِّ ﷺ لأُمِّ سَلَمَةَ: "إنْ رَجَعَتْ هَدِيَّتُنَا إلَى النَّجَاشِىِّ فَهِىَ لَكِ" (٢٧). كان وَعْدًا. وإن شَرَطَ في الهِبَةِ شُرُوطًا تُنَافِى مُقْتَضَاها، نحو أن يقولَ: وَهَبْتُكَ هذا، بِشَرْطِ أن لا تَهَبَه، أو لا تَبِيعَه، أو بِشَرْطِ أن تَهَبَه أو تَبِيعَه، أو بِشَرْطِ أن تَهَبَ فُلَانًا شيئًا لم تَصِحَّ الشروط، وفى صِحَّةِ الهِبَةِ وَجْهانِ، بناءً على الشُّرُوطِ الفاسِدَةِ في البَيْعِ. وإن وَقَّتَ الهِبَةَ، فقال: وَهَبْتُكَ هذا سَنَةً، ثم يَعُودُ إلَىَّ. لم يَصِحَّ؛ لأنَّه عَقْدُ تَمْلِيكٍ لِعَيْنٍ، فلم يَصِحَّ مُؤَقَّتًا، كالبَيْعِ.
فصل: وإن وَهَبَ أمَةً، واسْتَثْنَى ما في بَطْنِها، صَحَّ في قِياسِ قولِ أحمدَ، في مَن أعْتَقَ أمَةً واسْتَثْنَى ما في بَطْنِها؛ لأنَّه تَبَرَّعَ بالأُمِّ دون ما في بَطْنِها، فأشْبَهَ العِتْقَ. وبه يقول في العِتْقِ النَّخَعِىُّ، وإسحاقُ، وأبو ثَوْرٍ. وقال أصْحابُ الرَّأْى: تَصِحُّ الهِبَةُ، ويَبْطُلُ الاسْتِثْناءُ. ولَنا، أنَّه لم يَهَبِ الوَلَدَ، فلم يَمْلِكِ المَوْهُوبَ له، كالمُنْفَصِلِ، وكالمُوصَى به.
فصل: وإذا كان له في ذِمَّةِ إنْسانٍ دَيْنٌ، فوَهَبَه له، أو أبْرَأه منه، أو أحَلَّه منه، صَحَّ، وبَرِئَتْ ذِمَّةُ الغَرِيمِ منه، وإن رَدَّ ذلك، ولم يَقْبَلْه؛ لأنَّه إسْقاطٌ، فلم يَفْتَقِرْ إلى القَبُولِ، كإسْقاطِ القِصَاصِ والشُّفْعةِ وحَدِّ القَذْفِ، وكالعِتْقِ والطَّلَاقِ. وإن قال:
стр. 4050
تَصَدَّقْتُ به عليك. صَحَّ، فإنَّ القُرْآن وَرَدَ في الإِبْراءِ بِلَفْظِ الصَّدَقةِ، بقَوْلِ اللَّه تعالى: ﴿وَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ إِلَّا أَنْ يَصَّدَّقُوا﴾ (٢٨). وإن قال: عَفَوْتُ لك عنه. صَحَّ؛ لأنَّ اللَّه تعالى قال: ﴿إِلَّا أَنْ يَعْفُونَ أَوْ يَعْفُوَ الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكَاحِ﴾ (٢٩). يَعْنِى به الإِبْراءَ من الصَّدَاقِ. وإن قال: أسْقَطْتُه عنك. صَحَّ؛ لأنَّه أتَى بحَقِيقَةِ اللَّفْظِ المَوْضُوعِ له. وإن قال: مَلَّكْتُكَ إيَّاهُ. صَحَّ؛ لأنَّه بمَنْزِلَةِ هِبَتِه إيَّاه.
فصل: وإن وَهَبَ الدَّيْنَ لغير مَنْ هو في ذِمَّتِه، أو بَاعَه إيَّاه، لم يَصِحَّ. وبه قال في البَيْعِ أبو حنيفةَ، والثَّوْرِىُّ، وإسحاقُ. قال أحمدُ: إذا كان لك على رَجُلٍ طَعَامٌ قَرْضًا، فَبِعْهُ مِن الذي هو عليه بنَقْدٍ، ولا تَبِعْه من غيرِه بِنَقْدٍ ولا نَسِيئةٍ، وإذا أقْرَضْتَ رَجُلًا دَرَاهِمَ أو دَنَانِيرَ، فلا تَأْخُذْ من غيرِه عَرْضًا بما لَكَ عليه. وقال الشافِعِىُّ: إن كان الدَّيْنُ على مُعْسِرٍ، أو مُمَاطِلٍ، أو جاحِدٍ له، لم يَصِحَّ البَيْعُ؛ لأنَّه مَعْجُوزٌ عن تَسْلِيمِه، وإن كان على مَلِىءٍ باذِلٍ له، ففيه قَوْلانِ؛ أحدُهما، يَصِحُّ؛ لأنَّه ابْتاعَ بمالٍ ثابِتٍ في الذِّمَّةِ، فَصَحَّ، كما لو اشْتَرَى في ذِمَّتِه، ويُشْتَرَطُ أن يَشْتَرِيَهُ بِعَيْنٍ، أو يَتَقَابَضَانِ في المَجْلِسِ، لئلَّا يكونَ بَيْعَ دَيْنٍ بِدَيْنٍ. ولَنا، أنَّه غيرُ قادِرٍ على تَسْلِيمِه، فلم يَصِحَّ، كبَيْعِ الآبِقِ. فأمَّا هِبَتُه، فيَحْتَمِلُ أن لا تَصِحَّ، كالبَيْعِ، ويَحْتَمِلُ أن تَصِحَّ؛ لأنَّه لا غرَرَ فيها على المُتَّهِبِ، ولا الوَاهِبِ، فتَصِحُّ (٣٠)، كهِبَةِ الأعْيانِ (٣١).
فصل (٣٢): تَصِحُّ البَرَاءةُ من المَجْهُولِ، إذا لم يكُنْ لهما سَبِيلٌ إلى مَعْرِفَتِه. وقال أبو حنيفةَ: تَصِحُّ مُطْلَقًا. وقال الشافِعِىُّ: لا تَصِحُّ، إلَّا أنَّه إذا أرادَ ذلك قال: أبْرَأْتُكَ من دِرْهَمٍ إلى ألْفٍ. لأنَّ الجَهالةَ إنَّما مُنِعَتْ لأجْلِ الغَرَرِ، فإذا رَضِىَ بالجُمْلةِ، فقد زالَ الغَرَرُ، وصَحَّتِ البَراءةُ. ولَنا، أنَّ النبيَّ ﷺ قال لِرَجُلَيْنِ اخْتَصَما إليه في مَوَارِيثَ
стр. 4051
دَرَسَتْ: "اقْتَسِمَا، وتَوَخَّيَا الحَقَّ، ثُمَّ اسْتَهِمَا، ثُمَّ تَحَالَّا". رَوَاه أبو دَاوُدَ (٣٣). ولأنَّه إسْقَاطٌ، فصَحَّ في المَجْهُولِ، كالعَتَاقِ والطَّلَاقِ، وكما لو قال: من دِرْهَمٍ إلى ألْفٍ. ولأنَّ الحاجَةَ داعِيَةٌ إلى تَبْرِئَةِ الذِّمَّةِ، ولا سَبِيلَ إلى العِلْمِ بما فيها، فلو وَقَفَ صِحَّةَ البَرَاءةِ على العِلْمِ، لَكان سَدًّا لِبَابِ عَفْوِ الإِنْسانِ عن أخِيهِ المُسْلِم، وتَبْرِئَةِ ذِمَّتِه، فلم يَجُزْ ذلك، كالمَنْعِ من العِتْقِ. وأمَّا إن كان مَنْ عليه الحَقُّ يَعْلَمُه، ويَكْتُمُه المُسْتَحِقَّ، خَوْفًا من أنَّه إذا عَلِمَه لم يَسْمَحْ بإبْرَائِه منه، فيَنْبَغِى أن لا تَصِحَّ البَرَاءَةُ فيه؛ لأنَّ فيه تَغْرِيرًا بالمُشْتَرِى، وقد أمْكَنَ التَّحَرُّزُ منه. وقال أصْحَابُنا: لو أبْرَأهُ من مائةٍ، وهو يَعْتقِدُ أنَّه لا شىءَ له عليه، وكان له عليه مائةٌ، ففى صِحَّةِ البَرَاءةِ وَجْهَانِ؛ أحدُهما، صِحَّتُها؛ لأنَّها صادَفَتْ مِلْكَه، فأسْقَطَتْه، كما لو عَلِمَها. والثاني، لا تَصِحُّ؛ لأنَّه أبرَأهُ ممَّا لا يَعْتَقِدُ أنَّه عليه، فلم يكُنْ ذلك إبْراءً في الحَقِيقَةِ، وأصْلُ الوَجْهَيْنِ ما لو باعَ مالًا كان لِمَوْرُوثِه، يَعْتَقِدُ أنَّه باقٍ لِمُوَرِّثِه، وكان مُوَرِّثُه قد ماتَ، وانْتَقَلَ مِلْكُه إليه، فهل يَصِحُّ؟ فيه وَجْهانِ. ولِلشّافِعيِّ قَوْلَانِ في البَيْعِ، وفي صِحَّةِ الإِبْرَاءِ وَجْهَانِ.
٩٣٣ - مسألة؛ قال: (ويَقْبِضُ لِلطِّفلِ أبُوهُ، أوْ وَصِيُّهُ بَعْدَهُ (١)، أو الْحَاكِمُ، أو أَمِينُهُ بِأَمْرِهِ)
وجملةُ ذلك أنَّ الطِّفْلَ لا يَصِحُّ قَبْضُه لِنَفْسِه، ولا قَبُولُه؛ لأنَّه ليس من أهْلِ التَّصَرُّفِ، وَوَلِيُّه يَقُومُ مَقَامَهُ في ذلك؛ فإن كان له أبٌ أمِينٌ فهو وَلِيُّه؛ لأنَّه أشْفَقُ عليه، وأقْرَبُ إليه، وإن ماتَ أبوه الأمِينُ، وله وَصِىٌّ، فوَلِيُّه وَصِيُّه؛ لأنَّ الأبَ أقَامَه مُقَامَ نَفْسِه، فجَرَى مَجْرَى وَكِيلِه. وإن كان الأبُ غيرَ مَأْمُونٍ، لِفِسْقٍ أو جُنُونٍ، أو ماتَ عن غير وَصِىٍّ، فأمِينُه الحاكِمُ، ولا يَلِى مالَه غيرُ هؤلاءِ الثَّلَاثةِ، وأمِينُ الحاكِمِ يَقُومُ
стр. 4052
مَقَامَه، وكذلك وَكِيلُ الأبِ والوَصِىُّ، فيَقُومُ كلُّ واحدٍ منهم مَقَامَ الصَّبِيِّ في القَبُولِ والقَبْضِ إن احْتِيجَ إليه؛ لأنَّ ذلك قَبُولٌ لما لِلصَّبِىِّ فيه حَظٌّ، فكان إلى الوَلِىِّ، كالَبيْعِ والشِّرَاءِ. ولا يَصِحُّ القَبْضُ والقَبُولُ من غيرِ هؤلاءِ. [فإنَّ أحمدَ قال] (٢)، في رِوَايةِ صالحٍ، في صَبِىٍّ وُهِبَتْ له هِبَةٌ، أو تُصُدِّقَ عليه بِصَدَقةٍ، فقَبَضَتِ الأُمُّ ذلك وأبُوه حاضِرٌ، فقال: لا أعْرِفُ لِلأُمِّ قَبْضًا، ولا يكون إلَّا لِلأَبِ. وقال عُثْمانُ، رَضِىَ اللَّه عنه: أحَقُّ من يَحُوزُ (٣) على الصَّبِىِّ أبُوه. وهذا مذهبُ الشَّافِعِيِّ، ولا أعْلَمُ فيه خِلَافًا؛ لأنَّ القَبْضَ إنَّما يكونُ من المُتَّهِبِ أو نائِبِه، والوَالِى (٤) نائِبٌ بالشَّرْعِ، فصَحَّ قَبْضُه له، أمَّا غيرُه فلا نِيَابَةَ له. ويَحْتَمِلُ أن يَصِحَّ القَبْضُ والقَبُولُ من غيرِهم عند عَدَمِهِم؛ لأنَّ الحاجَةَ داعِيَةٌ إلى ذلك، فإنَّ الصَّبِىَّ قد يكونُ في مكانٍ لا حاكِمَ فيه، وليس له أبٌ ولا وَصِىٌّ، ويكون فَقِيرًا لا غِنَى به عن الصَّدَقاتِ، فإن لم يَصِحَّ قَبْضُ غيرِهم له، انْسَدَّ بابُ وُصُولِها إليه، فيَضِيعُ ويَهْلَكُ، ومُرَاعاةُ حِفْظِه عن الهَلَاكِ أَوْلَى من مُرَاعاةِ الوِلَايةِ. فعلى هذا، للأُمِّ القَبْضُ له، وكلُّ مَن يَلِيه من أقَارِبِه وغيرِهم. وإن كان الصَّبِىُّ مُمَيِّزًا، فحُكْمُه حُكْمُ الطِّفْلِ، في قِيَامِ وَلِيِّه مَقَامَه، لأنَّ الوِلَايةَ لَا تَزُولُ عنه قبلَ البُلُوغِ، إلَّا أَنّه (٥) إذا قَبِلَ لِنَفْسِه، وقَبَضَ لها، صَحَّ؛ لأنَّه من أهْلِ التَّصَرُّفِ، فإنَّه يَصِحُّ بَيْعُه وشِرَاؤُه بإذْنِ الوَلِىِّ، فههُنا أَوْلَى. ولا يَحْتاجُ إلى إذْنِ الوَلِىِّ ههُنا؛ لأنَّه مَحْضُ مَصْلَحَةٍ، ولا ضَرَرَ فيه، فصَحَّ من غير إذْنِ وَلِيِّه، كوَصِيَّتِه، وكَسْبِ المُبَاحَاتِ. ويَحْتَمِلُ أن يَقِفَ صِحَّةُ القَبْضِ منه على إذْنِ وَلِيِّه دُونَ القَبُولِ؛ لأنَّ القَبْضَ يَحْصُلُ به مُستَوْلِيًا على المالِ، فلا يُؤْمَنُ تَضْيِيعُه له وتَفْرِيطُه فيه، فيَتَعَيَّن حِفْظُه عن ذلك بِوَقْفِه على إذْنِ وَلِيِّه، كَقَبْضِه لِوَدِيعَتِه. وأمَّا القَبُولُ، فيَحْصُلُ له به المِلْكُ من غير ضَرَرٍ، فجازَ من غير إذنٍ، كاحْتِشَاشِه واصْطِيَادِه.
стр. 4053
فصل: فإن وَهَبَ الأبُ لِابْنِه شيئًا، قامَ مقامَه في القَبْضِ والقَبُولِ، إن احْتِيجَ إليه. قال ابنُ المُنْذِرِ: أجْمَعَ كلُّ مَن نَحْفَظُ عنه من أهْلِ العِلْمِ على أنَّ الرَّجُلَ إذا وَهَبَ لِوَلَدِه الطِّفْل دارًا بِعَيْنِها، أو عَبْدًا بِعَيْنِه، وقَبَضَه له من نَفْسِه، وأشْهَدَ عليه، أنَّ الهِبَةَ تامَّةٌ. هذا قول مالِكٍ، والثَّوْرِيِّ، والشافِعِىِّ، وأصْحابِ الرَّأْىِ. ورَوَيْنا مَعْنَى ذلك عن شُرَيْحٍ، وعمرَ بن عبد العزيزِ. ثم إن كان المَوْهُوبُ مما يَفْتَقِرُ إلى قَبْضٍ، اكْتُفِىَ بقَوْلِه: قد وَهَبْتُ هذا لِابْنِى، وَقَبَضْتُه له. لأنَّه يُغْنِى عن القَبُولِ كما ذَكَرْنا. ولا يُغْنِى قولُه: قد قَبِلْتُه. لأنَّ القَبُولَ لا يُغْنِى عن القَبضِ. وإن كان ممَّا لا يَفْتَقِرُ اكْتُفِىَ بقَوْلِه: قد وَهَبْتُ هذا لِابْنِى. ولا يَحْتاجُ إلى ذِكْرِ قَبْضٍ ولا قَبُولٍ. قال ابنُ عبدِ البَرِّ: أجْمَعَ الفُقَهاءُ على أنَّ هِبَةَ الأبِ لِابْنِه الصَّغِيرِ في حِجْرِه لا يَحْتاجُ إلى قَبْضٍ، وأنَّ الإِشْهادَ فيها يُغْنِى عن القَبْضِ، وإن وَلِيَها أبُوه؛ لما رَوَاهُ مالِكٌ، عن الزُّهْرِيِّ، عن ابنِ المُسَيَّبِ، أن عثمانَ قال: مَن نَحَلَ وَلَدًا له صَغِيرًا، لم يَبْلُغْ أن يَحُوزَ نِحْلةً، فأعْلَنَ ذلك، وأشْهَدَ على نَفْسِه، فهى جائِزَةٌ، وإن وَلِيَها أبُوه. وقال القاضي: لا بُدَّ في هِبَةِ الوَلَدِ من أن يقولَ: قد (٦) قَبِلْتُه. وهذا مذهبُ الشافِعِيِّ؛ لأنَّ الهِبَةَ عندهم لا تَصِحُّ إلَّا بإِيجَابٍ وقَبُولٍ. وقد ذَكَرْنا من قبلُ أنَّ قَرَائِنَ الأحْوَالِ ودَلَالَتَها تُغْنِى عن لَفْظِ القَبُولِ، ولا أدَلَّ على القَبُولِ من كَوْنِ القابِلِ هو الواهِبُ، فاعْتِبارُ لَفْظٍ لا يُفِيدُ مَعْنًى من غيرِ وُرُودِ الشَّرْعِ به تَحَكُّمٌ لا مَعْنَى له، مع مُخَالَفتِه لِظَاهِرِ حالِ النبيِّ ﷺ وصَحَابَتِه. وليس هذا مَذْهَبًا لأحمدَ، فقد قال، في روَايةِ حَرْبٍ، في رَجُلٍ أشْهَدَ بِسَهْمٍ من ضَيْعَتِه وهى مَعْرُوفَةٌ لِابْنِه، وليس له وَلَدٌ غيرَه، فقال: أحَبُّ إلىَّ أن يقولَ عند الإِشْهادِ: قد قَبَضْتُه [له. قِيلَ له: فإن سَهَا؟ قال: إذا كان مُفْرَزًا رَجَوْتُ. فقد ذَكَرَ أحمدُ أنَّه يُكْتَفَى بقَوْلِه: قد قَبَضْتُه] (٦). وأنه يَرْجُو أن يُكْتَفَى مع التَّمْيِيزِ بالإِشْهادِ فحَسْب. وهذا مُوافِقٌ للإِجْماعِ المَذْكُورِ عن سائِر العُلَماءِ. وقال بعضُ أصْحابِنا: يُكْتَفَى بأحَدِ لَفْظَيْنِ، إمَّا أن يقولَ: قد قَبِلْتُه، أو قَبَضْتُه. لأنَّ القَبُولَ يُغْنِى عن القَبْضِ. وظاهِرُ كلامِ أحمدَ
стр. 4054
ما ذَكَرْناه. ولا فَرْقَ بين الأَثْمانِ وغيرِها فيما ذَكَرْنا، وبه يقول أبو حنيفةَ، والشافِعِيُّ. وقال مالِكٌ: إن وَهَبَ له ما يُعْرَفُ بِعَيْنِه كالأثْمانِ، لم يَجُزْ، إلَّا أن يَضَعَها على يَدِ غيرِه؛ لأنَّ الأبَ قد يُتْلِفُ ذلك، ويَتْلَفُ بغيرِ سَبَبِه، ولا يُمْكِنُ أن يُشْهِدَ على شيءٍ بِعَيْنِه، فلا يَنْفَعُ القَبْضُ شيئا. ولَنا، أنَّ ذلك ممَّا لا تَصِحُّ هِبَتُه، فإذا وَهَبَه لِابْنِه الصَّغِيرِ، وقَبَضَه له، وَجَبَ أن تَصِحَّ، كالعُرُوضِ.
فصل (٧): وإن كان الواهِبُ لِلصَّبِىِّ غيرَ الأبِ من أوْلِيَائِه، فقال أصْحابُنا: لا بُدَّ من أن يُوَكِّلَ مَنْ يَقْبَلُ لِلصَّبِيِّ، ويَقْبِضُ له، ليكونَ الإِيجابُ منه، والقَبُولُ، والقَبْضُ من غيرِه، كما في البَيْعِ. بخِلَافِ الأبِ؛ [فإنَّه يجوزُ أن يُوجِبَ ويَقْبَلَ ويَقْبِضَ، لكونِه يجوزُ أن يَبِيعَ لِنَفْسِه. والصَّحِيحُ عندى أنَّ الأبَ] (٨) وغيرَه في هذا سَوَاءٌ؛ لأنَّه عَقْدٌ يجوزُ أن يَصْدُرَ منه ومن وَكِيلِه، فجازَ له أن يَتَوَلَّى طَرَفَيْهِ، كالأبِ. وفارَقَ البَيْعَ؛ فإنَّه لا يجوزُ أن يُوَكِّلَ مَنْ يَشْتَرِى له، ولأنَّ البَيْعَ عَقْدُ مُعَاوَضةٍ ومُرَابَحَةٍ، فيُتَّهَمُ في عَقْدِه لِنَفْسِه، والهِبَةُ مَحْضُ مَصْلَحةٍ لا تُهْمةَ فيها، وهو وَلِىٌّ فيه (٩)، فجاز أن يَتَوَلَّى طَرَفَىِ (١٠) العَقْدِ، كالأبِ، ولأنَّ البَيْعَ إنَّما مُنِعَ منه لما يَأْخُذُه من العِوَضِ لِنَفْسِه من مالِ الصَّبِىِّ، وهو ههُنا يُعْطِى ولا يَأْخُذُ، فلا وَجْهَ لِمَنْعِه من ذلك، وتَوْقِيفِه على تَوْكِيلِ غيرِه، ولأنَّنا قد ذَكَرْنا أنَّه يُسْتَغْنَى بالإِيجَابِ والإِشْهَادِ عن (١١) القَبْضِ والقَبُولِ، فلا حاجَةَ إلى التَّوْكِيلِ فيهما مع غِنَاهُ عنهما.
فصل: فأمَّا الهِبَةُ من الصَّبِىِّ لغيرِه، فلا تَصِحُّ، سواءٌ أَذِنَ فيها الوَلِىُّ أو لم يَأْذَنْ؛ لأنَّه مَحْجُورٌ عليه لِحَظِّ (١٢) نَفْسِه، فلم يَصِحَّ تَبَرُّعُه، كالسَّفِيهِ. وأمَّا العَبْدُ فلا يجوزُ
стр. 4055
أن يَهَبَ إلَّا بإذْنِ سَيِّدِه؛ لأنَّه مالٌ لِسَيِّدِه، ومالُه مالٌ لِسَيِّدِه، فلا يجوزُ له إزَالَةُ مِلْكِ سَيِّدِه عنه بغير إذْنِه، كالأجْنَبِيِّ. وله أن يَقْبَلَ الهِبَةَ بغير إذْنِ سَيِّدِه. نَصَّ عليه أحمدُ؛ لأنَّه تَحْصِيلٌ لِلْمَالِ لسَيِّدِه (١٣)، فلم يُعْتَبَرْ إذْنُه فيه، كالالْتِقاطِ (١٤)، وما وُهِبَهُ لِسَيِّدِه، لأنَّه من اكْتِسَابِه، فأشْبَه اصْطِيَادَه.
٩٣٤ - مسألة؛ قال: (وَإِذَا فَاضَلَ بَيْنَ وَلَدِه فِي الْعَطِيَّةِ، أُمِرَ برَدِّه، كَأَمْرِ النَّبِيِّ ﷺ -)
وجملةُ ذلك أنَّه يَجِبُ على الإِنْسانِ التَّسْوِيةُ بين أوْلَادِه في العَطِيَّةِ، إذا لم يَخْتَصَّ أحَدُهُم بمَعْنًى يُبِيحُ (١) التَّفْضِيلَ، فإن خَصَّ بعضَهم بِعَطِيَّتِه، أو فاضَلَ بينهم فيها، أَثِمَ، ووَجَبَتْ عليه التَّسْوِيَةُ بأحَدِ أمْرَيْنِ؛ إمَّا رَدُّ ما فَضَّلَ به البعضَ، وإمَّا إتْمَامُ نَصِيبِ الآخَرِ. قال طاوُسٌ: لا يجوزُ ذلك، ولا رَغِيفٌ مُحْتَرِقٌ. وبه قال ابنُ المُبَارَكِ. ورُوِىَ مَعناه عن مُجَاهِدٍ، وعُرْوَةَ. وكان الحَسَنُ يَكْرَهُه، ويُجِيزُه في القَضَاءِ. وقال مالِكٌ، واللَّيْثُ، والثَّوْرِيُّ، والشافِعيُّ، وأصحابُ الرَّأْى: ذلك جائِزٌ. ورُوِىَ مَعْنَى ذلك عن شُرَيْحٍ، وجابِرِ بن زَيْدٍ، والحَسَنِ بن صالحٍ؛ لأنَّ أبا بكرٍ، رَضِىَ اللَّه عنه، نَحَلَ عائِشَةَ ابْنَتَه جُذَاذَ عِشْرِينَ وَسْقًا، دونَ سائِر وَلَدِه (٢). واحْتَجَّ الشافِعِيُّ بقولِ النبيِّ ﷺ ، في حَدِيثِ النُّعْمانِ بن بَشِيرٍ: "أشْهِدْ عَلَى هذَا غَيْرِى" (٣). فأمَرَهُ
стр. 4056
بِتَأْكِيدِها دون الرُّجُوعِ فيها، ولأنَّها عَطِيَّةٌ تَلْزَمُ بمَوْتِ الأبِ، فكانت جائِزَةً، كما لو سَوَّى بينهم. ولَنا، ما رَوَى النُّعْمانُ بن بَشِيرٍ قال: تَصَدَّقَ علىَّ أبِى بِبَعْضِ مالِه، فقالت أُمِّى عمرةُ بِنْتُ رَوَاحَةَ: لا أرْضَى حتى تُشْهِدَ عليها رسولَ اللَّه ﷺ . فجاءَ أبِى إلى (٤) رسولِ اللهِ ﷺ لِيُشْهِدَه على صَدَقَتِه، فقال: "أكُلَّ وَلَدِكَ أعْطَيْتَ مِثْلَه؟ " قال: لا. قال: "فَاتَّقُوا اللهَ، وَاعْدِلُوا بَيْنَ أَوْلَادِكُمْ". قال: فرَجَعَ أبِى، فرَدَّ تلك الصَّدَقَةَ. وفي لَفْظٍ قال: "فارْدُدْهُ". وفي لَفْظٍ قال: "فَأَرْجِعْهُ". [وفى لَفظٍ: "لا تُشْهِدْنِى عَلَى جَوْرٍ". وفي لَفْظٍ: "فأَشْهِدْ عَلَى هذَا غَيْرِي"] (٥). وفي لفظ: "سَوِّ بَيْنَهُم". وهو حَدِيثٌ صَحِيحٌ، مُتَّفَقٌ عليه (٦). وهو دَلِيلٌ على التَّحْرِيمِ؛ لأنَّه سَمَّاهُ جَوْرًا، وأمَرَ بِرَدِّه، وامْتَنَعَ من الشَّهَادَةِ عليه، والجَوْرُ حَرَامٌ، والأمْرُ يَقْتَضِى الوُجُوبَ، ولأنَّ تَفْضِيلَ (٧) بعضِهم يُورِثُ بَيْنَهُم العَدَاوة والبَغْضاءَ وقَطِيعَةَ الرَّحِمِ، فمُنِعَ منه، كتَزْوِيجِ المَرْأةِ على عَمَّتِها أو خَالَتِها. وقولُ أبى بكرٍ لا يُعَارِضُ قولَ النبيِّ ﷺ ، ولا يُحتَجُّ به معه. ويَحْتُمِلُ أنَّ أبا بكرٍ رَضِىَ اللَّه عنه، خَصَّهَا بِعَطِيَّتهِ (٨) لِحَاجَتِها وعَجْزِهَا عن الكَسْبِ والتَّسَبُّبِ فيه، مع اخْتِصَاصِها بِفَضلِها، وكَوْنِها أُمِّ المُؤْمِنينَ زَوجَ رسولِ اللَّه ﷺ ، وغير ذلك من فَضَائِلِها. ويَحْتَمِلُ أن يكونَ قد نَحَلَها ونَحَلَ غيرَها من وَلَدِه، أو نَحَلَها وهو يُرِيدُ أن يَنْحَلَ غيرَها، فأدْرَكَه المَوْتُ قبلَ ذلك. ويَتَعَيَّنُ حَمْلُ حَدِيثِه على أحدِ هذه
стр. 4057
الوُجُوهِ؛ لأنَّ حَمْلَه على مثل مَحَلِّ النِّزَاعِ مَنْهِىٌّ عنه، وأقَلَّ أحْوَالِه الكَرَاهَةُ، والظاهِرُ من حالِ أبى بكرٍ اجْتِنابُ المَكْرُوهاتِ. وقولُ النبيِّ ﷺ : "فأَشْهِدْ عَلَى هذَا غَيرِى". ليس بأَمْرٍ؛ لأنَّ أَدْنَى أحْوالِ الأمْرِ الاسْتِحْبَابُ والنَّدْبُ، ولا خِلَافَ في كَرَاهَةِ هذا. وكيف يجوزُ أن يَأمُرَه بِتَأْكِيدِه، مع أمْرِه بِرَدِّه، وتَسْمِيَتِه إيَّاه جَوْرًا، وحَمْلُ الحَدِيثِ على هذا، حَمْلٌ لِحَدِيثِ النبيِّ ﷺ على التَّنَاقُضِ والتَّضَادِّ، ولو أمَرَ النبيُّ ﷺ بإشْهادِ غيره، لَامْتَثَلَ (٩) بَشِيرٌ أمْرَه، ولم يَرُدَّ، وإنَّما هذا تَهْدِيدٌ له على هذا، فيُفِيدُ ما أفَادَه النَّهْىُ عن إتْمَامِه. واللَّه أعلمُ.
فصل: فإن خَصَّ بعضَهم لِمَعْنًى يَقْتَضِى تَخصِيصَه، مثل اخْتِصَاصِه بحَاجَةٍ، أو زَمَانَةٍ، أو عَمًى، أو كَثرَةِ عائِلَة، أو اشْتِغَالِه بالعِلْمِ أو نحوِه من الفَضَائِلِ، أو صَرَفَ عَطِيَّتَه عن بعضِ وَلَدِه لِفِسْقِه، أو بِدْعَتِه، أو لكَوْنِه يَسْتَعِينُ بما يَأْخُذُه على مَعْصِيَةِ اللَّه، أو يُنْفِقُه فيها، فقد رُوِى عن أحمدَ ما يَدُلُّ على جَوَازِ ذلك؛ لقولِه في تَخْصِيصِ بعضِهم بالوَقْفِ: لا بَأْسَ به إذا كان [لحاجَةٍ، وأكْرَهُه إذا كان] (١٠) على سَبِيلِ الأَثَرَةِ. والعَطِيَّةُ في مَعْناه. ويَحْتَمِلُ ظاهِرُ لَفْظِه المَنْعَ من التَّفْضِيلِ أو التَّخْصِيصِ (١١) على كلِّ حالٍ؛ لكَوْنِ النبيِّ ﷺ لم يَسْتَفْصِلْ بَشِيرًا في عَطِيَّتِه. والأَوّلُ أَوْلَى، إن شاءَ اللهُ؛ لِحَدِيثِ أبى بكرٍ، ولأنَّ بعضَهم اخْتَصَّ بمعنًى يَقْتَضِى العَطِيَّةَ، فجازَ أن يَخْتَصَّ بها، كما لو اخْتَصَّ بالقَرَابةِ (١٢). وحَدِيثُ بَشِيرٍ قَضِيَّةٌ في عَيْنٍ لا عُمُومَ لها، وتَرْكُ النبيِّ ﷺ الاسْتِفْصَالَ يجوزُ أن يكونَ لِعِلْمه بالحالِ. فإن قِيلَ: لو عَلِمَ بالحالِ لمَا قال: "ألَكَ وَلَدٌ غَيْرُهُ؟ ". قُلْنا: يَحْتَمِلُ أن يكونَ السُّؤَالُ ههُنا لِبَيَانِ العِلَّةِ، كما قال ﵇ للذى سَأَلَه عن بَيْعِ الرُّطَبِ بالتَّمْرِ: "أيَنْقُصُ الرُّطَبُ إذَا يَبِسَ؟ " قال: نَعم:
стр. 4058
قال: "فَلَا إذًا" (١٣). وقد عَلِمَ أن الرُّطَبَ يَنْقُصُ، لكن نَبَّه السائِلَ بهذا على عِلَّةِ المَنْعِ من البَيْعِ، كذا ههُنا.
فصل: ولا خِلَافَ بين أهْلِ العِلْمِ في اسْتِحْبابِ التَّسْوِيَةِ، وكَرَاهةِ التَّفْضِيلِ. قال إبراهيمُ: كانوا يَسْتَحِبُّونَ أن يُسَوُّوا بينهم حتى في القُبَلِ. إذا ثَبَتَ هذا، فالتَّسْوِيَةُ المُسْتَحَبَّةُ أن يُقَسِّمَ بينهم على حَسَبِ قِسْمَةِ اللهِ تَعالَى المِيرَاثَ، فَيُجْعَلَ لِلذَّكَرِ مثلَ حَظِّ الأُنْثَيَيْنِ. وبهذا قال عَطَاءٌ، وشُرَيْحٌ، وإسحاقُ، ومحمدُ بن الحَسَنِ. قال شُرَيْحٌ لِرَجُلٍ قَسَّمَ مالَه بين وَلَدِه: ارْدُدْهم إلى سِهَامِ اللَّه تَعالَى وفَرَائِضِه. وقال عَطَاءٌ: ما كانوا يُقَسِّمُونَ إلَّا على كِتَابِ اللَّه تعالى. وقال أبو حنيفةَ، ومالِكٌ، والشافِعِىُّ، وابنُ المُبَارَكِ: تُعْطَى الأُنْثَى مثلَ ما يُعْطَى الذَّكَرُ؛ لأنَّ النبيَّ ﷺ قال لِبَشِيرِ بن سَعْدٍ: "سَوِّ بَيْنَهُم". [وعَلَّلَ ذلك بقَوْلِه: "أَيَسُرُّكَ أنْ يَسْتَوُوا فِي بِرِّكَ؟ ". قال: نعم. قال: "فَسَوِّ بَيْنَهُم"] (١٤). والبِنْتُ كالابْنِ في اسْتِحْقاقِ بِرِّهَا، وكذلك في عَطِيَّتِها. وعن ابنِ عَبّاسٍ قال: قال رَسولُ اللهِ: "سَوُّوا بَيْنَ أوْلَادِكُم فِي الْعَطِيَّةِ، ولَوْ كُنْتُ مُؤْثِرًا لِأَحَدٍ (١٥) لَآثَرْتُ النِّسَاءَ عَلَى الرِّجَالِ". رَوَاهُ سَعِيدٌ في "سُنَنِه" (١٦). ولأنَّها عَطِيَّةٌ في الحَياةِ، فاسْتَوَى فيها الذَّكَرُ والأُنْثَى، كالنَّفَقَةِ والكُسْوَةِ. ولَنا، أنَّ اللهَ تعالى قَسَّمَ بينهم، فجَعَلَ لِلذَّكَرِ مِثْلَ حَظِّ الأُنْثَيَيْنِ، وأَوْلَى ما اقُتُدِىَ بقِسْمَةِ اللهِ، ولأنَّ العَطِيّةَ في الحيَاةِ أحَدُ حَالَىِ العَطِيَّةِ، فيُجْعَلُ لِلذَّكَرِ منها مِثْلُ حَظِّ (١٧) الأُنْثَيَيْنِ، كحَالَةِ المَوْتِ. يَعْنِى المِيرَاثَ. يُحَقِّقُه أنَّ العَطِيَّةَ اسْتِعْجَالٌ لما يكونُ بعد المَوْتِ، فيَنْبَغِى
стр. 4059
أن تكونَ على حَسَبِه، كما أنَّ مُعَجِّلَ الزَّكَاةِ قبل وُجُوبِها يُؤَدِّيها على صِفَةِ أدَائِها بعدَ وُجُوبِها، وكذلك الكَفَّاراتُ المُعَجَّلَةُ، ولأنَّ الذَّكَرَ أحْوَجُ من الأُنْثَى، من قِبَلِ أنَّهما إذا تَزَوَّجَا جَمِيعًا فالصَّدَاقُ والنَّفَقَةُ ونَفَقَةُ الأوْلادِ على الذَّكَرِ، والأُنْثَى لها ذلك، فكان أَوْلَى بالتَّفضِيلِ؛ لزِيَادَةِ حاجَتِه، وقد قَسَّمَ اللهُ تعالى المِيرَاثَ، ففَضَّلَ الذَّكَرَ مَقْرُونًا بهذا المَعْنَى فَتُعَلَّلُ به، ويَتَعَدَّى ذلك إلى العَطِيَّةِ في الحيَاةِ. وحَدِيثُ بَشِيرٍ قَضِيَّةٌ في عَيْنٍ، وحِكَايَةُ حالٍ لا عُمُومَ لها، وإنَّما ثَبَتَ حُكْمُها فيما مَاثَلَها، ولا نَعْلَمُ حالَ أوْلَادِ بَشِيرٍ، هل كان فيهم أُنْثَى أو لا؟ ولَعَلَّ النبيَّ ﷺ قد عَلِمَ أنَّه ليس له إلَّا وَلَدٌ ذَكَرٌ. ثم تُحْمَلُ التَّسْوِيَةُ على القِسْمَةِ على كتابِ اللَّه تعالى. ويَحْتَمِلُ أنَّه أرَادَ التَّسْوِيَةَ في [أصْلِ العَطَاءِ، لا في صِفَتِه، فإن القِسْمَةَ لا تَقْتَضِى التَّسْوِيَةَ] (١٨) من كلِّ وَجْهٍ وكذلك الحَدِيثُ الآخَر (١٩)، ودَلِيلُ ذلك قولُ عَطَاءٍ: ما كانوا يُقَسِّمُونَ إلَّا على كِتَابِ اللَّه تعالى. وهذا خَبَرٌ عن جَمِيعِهم، على أنَّ الصَّحِيحَ من خَبَرِ ابن عَبّاسٍ أنَّه مُرْسَلٌ.
فصل: وليس عليه التَّسْوِيَةُ بين سائِرِ أقَارِبِه، ولا إعْطَاؤُهم على قَدْرِ مَوَاريثِهِم، سواءٌ كانوا من جِهَةٍ واحِدَةٍ، كإخْوَةٍ وأخَوَاتٍ، وأعْمَامٍ وبَنِى عَمٍّ، أو من جِهَاتٍ، كَبَنَاتٍ وأخَوَاتٍ وغيرِهم. وقال أبو الخَطَّابِ: المَشْرُوعُ في عَطيَّةِ الأوْلادِ وسائِرِ الأقارِبِ، أن يُعْطِيَهم على قَدْرِ مَواريثهم (٢٠)، فإن خالَفَ وفَعَلَ، فعليه أن يَرْجِعَ ويَعُمَّهُم بالنِّحْلَةِ؛ لأنَّهم في مَعْنَى الأوْلادِ، فثَبَتَ فيهم مثلُ حُكْمِهِم. ولَنا، أنَّها عَطِيّةٌ لغيرِ الأوْلادِ في صِحَّتِه، فلم تَجِبْ عليه التَّسْوِيَةُ، كما لو كانوا غيرَ وارِثِينَ، ولأنَّ الأصْلَ إباحَةُ تَصَرُّفِ الإِنْسانِ في مالِه كيف شاءَ، وإنَّما وَجَبَتِ التَّسْوِيَةُ بين الأوْلادِ بالخَبَرِ، وليس غيرُهم في مَعْنَاهُم؛ لأنَّهم اسْتَوَوْا في وُجُوبِ بِرِّ والدِهِم، فاستَوَوْا في
стр. 4060
عَطِيَّتِه. وبهذا عَلَّلَ النبيُّ ﷺ حين قال: "أَيَسُرُّكَ أنْ يَسْتَوُوا فِى بِرِّكَ؟ " قال: نعم. قال: "فَسَوِّ بَيْنَهُمْ". ولم يُوجَدْ هذا في غيرِهم، ولأنَّ لِلْوَالِدِ الرُّجُوعَ [فيما أعْطَى] (٢١) وَلَدَه، فيُمْكِنُه أن يُسَوِّىَ بينهم باسْتِرْجاعِ ما أعْطَاهُ لبعضِهم، ولا يُمْكِنُ ذلك في غيرِهم، ولأنَّ الأوْلادَ لِشِدَّةِ مَحَبَّةِ الوالِدِ لهم، وصَرْفِ مالِه إليهم عادَةً، يَتنَافَسُونَ في ذلك، ويَشْتَدُّ عليهم تَفْضِيلُ بعضِهم، ولا يُبَارِيهِم في ذلك غيرُهم، فلا يَصِحُّ قِيَاسُه عليهم، ولا نَصَّ في غيرِهم، ولأنَّ النبيَّ ﷺ قد عَلِمَ لِبَشِيرٍ زَوْجةً، ولم يَأْمُرْه بإعْطَائِها شيئا حين أمَرَه بالتَّسْوِيةِ بين أوْلادِه، ولم يَسأَلْهُ هل لك وارِثٌ غيرَ وَلَدِكَ؟
فصل: والأُمُّ في المَنْعِ من المُفَاضَلَةِ بين الأوْلادِ كالأبِ؛ لقولِ النبيِّ ﷺ : "اتَّقُوا اللَّه، وَاعْدِلُوا بَيْنَ أوْلَادِكُمْ". ولأنَّها أحَدُ الوَالِدَيْنِ، فمُنِعَتْ التَّفْضِيلَ (٢٢) كالأَبِ، ولأنَّ ما يَحْصُلُ بِتَخْصِيصِ الأبِ بعضَ وَلَدِه من الحَسَدِ والعَدَاوَةِ، يُوجَدُ مثلُه في تَخْصِيصِ الأُمِّ بعضَ وَلَدِها، [فَثَبتَ لها] (٢٣) مثلُ حُكْمِه في ذلك.
فصل: وقول الخِرَقِيِّ: "أُمِرَ بِرَدِّهِ". يَدُلُّ على أنَّ للأَبِ الرُّجُوعَ فيما وَهَبَ لِوَلَدِه. وهو ظاهِرُ مذهبِ أحمدَ، سواءٌ قَصَدَ بِرُجُوعِه التَّسْوِيَةَ بين الأَوْلادِ أو لم يُرِدْ، وهذا مذهبُ مالِكٍ، والأَوْزَاعِيِّ، والشافِعيِّ، وإسحاقَ، وأبي ثَوْرٍ. وعن أحمدَ، رِوَايةٌ أخرى: ليس له الرُّجُوعُ فيها. وبها قال أصْحابُ الرَّأْىِ، والثَّوْريُّ، والعَنْبَرِيُّ"؛ لقَوْلِ النبيِّ ﷺ : "العائِدُ في هِبَتِهِ، كَالْعَائِدِ في قَيْئِهِ" (٢٤). مُتَّفَقٌ عليه، وعن عمرَ بن الخَطّابِ ﵁، قال: مَنْ (٢٥) وَهَبَ هِبَةً يَرَى أنَّه أرادَ بها صِلَةَ رَحِمٍ، أو على وَجْهِ صَدَقَةٍ، فإنَّه لا يَرْجِعُ فيها، ومن وَهَبَ هِبَةً أرَادَ بها الثَّوَابَ، فهو على هِبَتِه،
стр. 4061
يَرْجِعُ فيها إذا لم يَرْضَ منها. رَوَاه مالِكٌ، في "المُوَطَّإِ" (٢٦). ولأنَّها هِبَةٌ يَحْصُلُ بها الأجْرُ من اللهِ تعالى، فلم يَجُزِ الرُّجُوعُ فيها، كصَدَقَةِ التَّطَوُّعِ. ولَنا، قولُ النبيِّ ﷺ لِبَشِيرِ بن سَعْدٍ: "فَارْدُدْهُ". ورُوِى: "فأرْجِعْهُ". رَوَاه كذلك مالِكٌ عن الزُّهْرِيِّ، عن حُمَيْدِ بن عبد الرَّحْمنِ، عن النُّعْمانِ. فأمَرَه بالرُّجُوعِ في هِبَتِه، وأقَلُّ أحْوالِ الأمْرِ الجَوَازُ، وقد امتَثَلَ بَشِيرُ بن سَعْدٍ ذلك (٢٧)، فرَجَعَ في هِبَتِه لِوَلَدِه، ألا تَرَاهُ قال في الحَدِيثِ: فرَجَعَ أبِى، فرَدَّ تلك الصَّدَقَة. وحَمْلُ الحَدِيثِ على أنَّه لم يكُنْ أعْطاهُ شيئا، يُخَالِفُ ظاهِرَ الحَدِيثِ؛ لقولِه: تَصَدَّقَ علىَّ أبِى بِصَدَقَةٍ. وقولُ بَشِيرٍ: إنِّي نَحَلْتُ ابْنِى غُلَامًا. يَدُلُّ على أنَّه كان قد أعْطاهُ. وقول النبيِّ ﷺ : "فَارْدُدْهُ". وقوله: "فأرْجِعْهُ". ورَوَى طاوُسٌ، عن ابنِ عمرَ، وابنِ عَبَّاسٍ، يَرْفَعانِ الحَدِيثَ إلى النبيِّ ﷺ ، أنَّه قال: "لَيْسَ لأَحَدٍ أنْ يُعْطِىَ عَطِيَّةً، فيَرْجِعَ فِيهَا، إلَّا الْوَالِدَ فِيمَا يُعْطِى وَلَدَهُ". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ (٢٨). وقال: حَدِيثٌ حَسَنٌ. وهذا يَخُصُّ عُمُومَ ما رَوَوْهُ (٢٩) ويُفَسِّرُه. وقِيَاسُهم مَنْقُوضٌ بِهِبَةِ الأجْنَبِيِّ؛ فإنَّ فيها أجْرًا وثَوَابًا فإنَّ النبيَّ ﷺ نَدَبَ إليها. وعندَهم له الرُّجُوعُ فيها، والصَّدَقَةُ على الوَلَدِ (٣٠) كمَسْأَلَتِنا، وقد دَلَّ حَدِيثُ النُّعْمانِ بن بَشِيرٍ على الرُّجُوعِ في الصَّدَقَةِ؛ لقولِه: تَصَدَّقَ علىَّ أبى بِصَدَقَةٍ.
فصل: وظاهِرُ كلامِ الخِرَقِىِّ، أنَّ الأُمَّ كالأَبِ، في الرُّجُوعِ في الهِبَةِ؛ لأنَّ
стр. 4062
قولَه: "وإذا فاضَلَ بين أوْلادِه" يَتَنَاوَلُ كلَّ والدٍ، ثم قال في سِيَاقِه: "أُمِرَ بِرَدِّه". فيَدْخُلُ فيه الأُمُّ. وهذا مذهبُ الشافِعِيِّ؛ لأنَّها داخِلَةٌ في قولِه: "إلَّا الوالِدَ فيما يُعْطِى وَلَدَه". ولأنَّها لما دَخَلَتْ في قولِ النبيِّ: "سَوُّوا بَيْنَ أوْلَادِكُمْ". يَنْبَغِى أن تَتَمَكَّنَ من التَّسْوِيَةِ، والرُّجُوعُ في الهِبَةِ طَرِيقٌ في التَّسْوِيَةِ، وربَّما تَعَيَّنَ طَرِيقًا فيها إذا لم يُمْكِنْ إعْطاءُ الآخَرِ مثلَ عَطِيَّةِ الأَوَّلِ، ولأنَّها لما دَخَلَتْ في المَعْنَى في حَدِيثِ بَشِيرِ [بن سعد] (٣١)، فيَنْبَغِى أن تَدْخُلَ في جَمِيعِ مَدْلُولِه؛ لقولِه: "فَارْدُدْهُ". وقوله: "فَأرْجِعْهُ". ولأنَّها لما سَاوَتِ الأَبَ في تَحْرِيمِ تَفْضِيلِ بعضِ وَلَدِها، يَنْبَغِى أن تُسَاوِيَه في التَّمَكُّنِ من الرُّجُوعِ فيما فَضَّلَه به، تَخْلِيصًا لها من الإِثْمِ، وإزَالةً لَلتَّفْضِيلِ المُحَرَّمِ، كالأَبِ. والمَنْصُوصُ عن أحمدَ أنَّه ليس لها الرُّجُوعُ. قال الأثْرَمُ: قلتُ لأبي عبدِ اللَّه: الرُّجُوعُ لِلْمَرْأةِ فيما أعْطَتْه وَلَدَها كالرَّجُلِ؟ قال: ليس هي عندى في هذا كالرَّجُلِ؛ لأنَّ لِلأَبِ أن يَأْخُذَ من مالِ وَلَدِه، والأُمُّ لا تَأْخُذُ. وذَكَرَ حَدِيثَ عائِشَةَ: "أطْيَبُ [مَا أكلَ] (٣٢) الرجُلُ مِنْ كَسْبِهِ، وإنَّ وَلَدَه مِنْ كَسْبِهِ" (٣٣). أي كأنَّه الرَّجُلُ. قال أصْحابُنا: والحَدِيثُ حُجَّةٌ لنا، فإنَّه خَصَّ الوالِدَ، وهو بإطْلَاقِه إنَّما يَتَنَاوَلُ الأبَ دون الأُمِّ، والفَرْقُ بينهما أنَّ لِلْأَبِ وِلَايةً على وَلَدِه، ويَحُوزُ جَمِيعَ المالِ في المِيرَاثِ، والأُمُّ بخِلَافِه. وقال مالكٌ: للأُمِّ الرُّجُوعُ في هِبَةِ وَلَدِها ما كان أبُوه حَيًّا، فإن كان مَيِّتًا، فلا رُجُوعَ لها؛ لأنَّها هِبَةٌ لِيَتِيمٍ، وَهِبَةُ اليَتِيمِ لازِمَةٌ، كصَدَقَةِ التَّطَوُّعِ، ومن مَذْهَبِه أنَّه لا يُرْجَعُ في صَدَقَةِ التَّطَوُّعِ.
стр. 4063
فصل: ولا فَرْقَ فيما ذَكَرْنا بين الهِبَةِ والصَّدَقةِ. وهو قولُ الشافِعِيِّ. وفَرَّقَ مالِكٌ وأصْحابُ الرَّأْىِ بينهما، فلم يُجِيزُوا الرُّجُوعَ في الصَّدَقَةِ بحالٍ، واحْتَجُّوا بحَدِيثِ عمرَ: مَنْ وَهَبَ هِبَةً، وأرَادَ بها صِلَةَ رَحِمٍ، أر على وَجْهِ صَدَقةٍ؛ فإنَّه لا يَرْجِعُ. ولَنا، حَدِيثُ النُّعْمانِ بن بَشِيرٍ، فإنَّه قال: تَصَدَّقَ علىَّ أبى بصَدَقَةٍ. وقال: فرَجَعَ أبِى، فرَدَّ تلك الصَّدَقَةَ. وأيضا عُمُومُ قولِ النبيِّ ﷺ : "إلَّا الْوَالِدَ فِيمَا يُعْطِى وَلَدَهُ". وهذا يُقَدَّم على (٣٤) قولِ عمرَ، ثم هو خاصٌّ في الوالِدِ، وحَدِيثُ عمرَ عامٌّ، فيَجِبُ تَقْدِيمُ الخاصِّ.
فصل: وللرُّجُوعِ في هِبَة الوَلَدِ شُرُوطٌ أرْبَعةٌ:
أحدها، أن تكونَ باقِيةً في مِلْكِ الابْنِ، فإن خَرَجَتْ عن مِلْكِه، بِبَيْعٍ أو هِبَةٍ أو وَقْفٍ أو إرْثٍ أو غيرِ ذلك، لم يَكُن له الرُّجُوعُ فيها؛ لأنَّه إبْطالٌ لمِلْكِ غير الوالِدِ. وإن عادَتْ إليه بِسَبَبٍ جَدِيدٍ، كبَيْعٍ أو هِبَةٍ أو وَصِيَّةٍ أو إِرْثٍ ونحو ذلك، لم يَمْلِكِ الرُّجُوعَ فيها؛ لأنَّها عادَتْ بمِلْكٍ جَدِيدٍ لم يَسْتَفِدْهُ من قِبَلِ أَبِيه، فلا يَمْلِكُ فَسْخَه وإزَالَتَه، كالذى لم يكُن مَوْهُوبًا له. وإن عادَتْ إليه بِفَسْخِ البَيْعِ، لِعَيْبٍ أو إِقَالَةٍ أو فَلَسِ المُشتَرِى، ففيه وَجْهانِ؛ أحدُهما، يَمْلِكُ الرُّجُوعَ؛ لأنَّ السَّبَبَ المُزِيلَ ارْتَفعَ، وعادَ المِلْكُ بالسَّبَبِ الأَوَّلِ، فأشْبَهَ ما لو فَسَخَ البَيْعَ بخِيَارِ المَجْلِسِ أو خِيَارِ الشَّرْطِ. والثاني، لا يَمْلِكُ الرُّجُوعَ؛ لأنَّ المِلْكَ عادَ إليه بعدَ اسْتِقْرارِ مِلْكِ من انْتَقَلَ إليه عليه، فأشْبَهَ ما لو عادَ إليه بِهِبَةٍ. فأمَّا إن عادَ إليه لِلْفَسْخِ بخِيَارِ الشَّرْطِ، أو خِيَارِ المَجْلِسِ، فله الرُّجُوعُ؛ لأنَّ المِلْكَ لم يَسْتَقِرَّ عليه.
فصل: الثاني، أن تكونَ العَيْنُ باقِيَةً في تَصَرُّفِ الوَلَدِ، بحيث يَمْلِكُ التَّصَرُّفَ في رَقَبَتِها، فإن اسْتَوْلَدَ الأمَةَ، لم يَمْلِك الأبُ الرُّجُوعَ فيها؛ لأنَّ المِلْكَ فيها لا يجوزُ نَقْلُه إلى غيرِ سَيِّدِها. وإن رَهَنَ العَيْنَ، أو أفْلَسَ وحُجِرَ عليه، لم يَمْلِك الأبُ الرُّجُوعَ فيها؛
стр. 4064
لأنَّ في ذلك إبْطالًا لِحَقِّ غير الوَلَدِ. فإن زالَ المانِعُ من التَّصَرُّفِ، فله الرُّجُوعُ؛ لأنَّ مِلْكَ الابْنِ لم يَزُلْ، وإنَّما طَرَأَ مَعْنًى قَطَعَ التَّصَرُّفَ مع بَقاءِ المِلْكِ، فمَنَعَ الرُّجُوعَ، فإذا زالَ [زال] المَنْعُ، والكِتَابةُ كذلك عند مَنْ لا يَرَى بَيْعَ المُكَاتَبِ. وهو مذهبُ الشافِعِيِّ وجَمَاعَةٍ سواهُ. فأمَّا من أجَازَ بَيْعَ المُكَاتَبِ، فحُكْمُه حُكْمُ المُسْتَأْجَرِ والمُزَوَّجِ. وأما التَّدْبِيرُ، فالصَّحِيحُ أنَّه لا يَمْنَعُ البَيْعَ، فلا يَمْنَعُ الرُّجُوعَ. وإن قُلْنا: يَمْنَعُ البَيْعَ. مَنَعَ الرُّجُوعَ. وكل تَصَرُّفٍ لا يَمْنَعُ الابْنَ التَّصَرُّفَ في الرَّقَبةِ، كالوَصِيَّةِ والهِبَةِ قبلَ القَبْضِ فيما يَفْتَقِرُ إليه (٣٥)، والوَطْءِ والتَّزْوِيجِ والإِجَارَةِ والكِتَابةِ والتَّدْبِيرِ.، إن قُلْنا: لا يَمْنَعُ البَيْعَ، والمُزَارَعَةَ عليها، وجَعْلَها مُضَارَبةً، أو في عَقْدِ شَرِكَةٍ، فكلُّ ذلك لا يَمْنَعُ الرُّجُوعَ؛ لأنَّه لا يَمْنَعُ تَصَرُّفَ الابْنِ في رَقَبَتِها، وكذلك العِتْقُ المُعَلَّقُ على صِفَةٍ. وإذا رَجَعَ وكان التَّصَرُّفُ لازِمًا، كالإِجَارَةِ والتَّزْوِيجِ والكِتَابةِ، فهو باقٍ بحالِه؛ لأنَّ الابْنَ لا يَمْلِكُ إبْطَالَه، فكذلك مَن انْتَقَلَ إليه. وإن كان جائِزًا، كالوَصِيَّةِ والهبَةِ قبلَ القَبْضِ، بَطَلَ؛ لأنَّ الابْنَ يَمْلِكُ إبْطَالَه. وأما التَّدْبِيرُ والعِتْقُ المُعَلَّقُ بصِفَةٍ، فلا يَبْقَى حُكْمُهُما في حَقِّ الأبِ، ومتى عادَ إلى الإِبْنِ، عادَ حُكْمُهُما. فأمَّا البَيْعُ الذي للابْنِ فيه خِيَارٌ، إما لِشَرْطٍ، أو عَيْبٍ في الثّمَنِ، أو غيرِ ذلك، فيَمْنَعُ الرُّجُوعَ؛ لأنَّ الرُّجُوعَ يَتَضَمَّنُ فَسْخَ مِلْكِ الابْنِ في عِوَضِ المَبِيعِ، ولم يَثْبُتْ له ذلك من جِهَتِه. وإن وَهَبَهُ الابْنُ لِابْنِه، لم يَمْلِك الرُّجُوعَ فيه؛ لأنَّ رُجُوعَه إبْطالٌ لمِلْكِ غير ابْنِه. فإن رَجَعَ الابْنُ في هِبَتِه، احْتَمَلَ أن يَمْلِكَ الأبُ الرُّجُوعَ في هِبَتِه حينئذٍ؛ لأنَّه فَسَخَ هِبَتَه بِرُجُوعِه، فعادَ إليه المِلْكُ بالسَّبَبِ الأوَّلِ. ويَحْتَمِلُ أن لا يَمْلِكَ الأبُ الرُّجُوعَ؛ لأنَّه رَجَعَ إلى ابْنِه (٣٦) بعد اسْتِقْرارِ مِلْكِ غيرِه عليه، فأشْبَهَ ما لو وَهَبَهُ ابْنُ الابْنِ لأبِيه (٣٧).
стр. 4065
فصل: الثالث، أن لا يَتَعَلَّقَ بها رَغْبَةٌ لغيرِ الوَلَدِ، فإن تَعَلَّقَتْ بها رَغْبَةٌ لغيرِه، مثل أن يَهَبَ وَلَدَه شيئا فيَرْغَبَ الناسُ في مُعَامَلَتِه، وأدَانُوه دُيُونًا، أو رَغِبُوا في مُنَاكَحَتِه، فزَوَّجُوه إن كان ذَكَرًا، أو تَزَوَّجَتِ الأُنْثَى لذلك، فعن أحمدَ رِوَايَتانِ؛ أُولاهما، ليس له الرُّجُوعُ. قال أحمدُ، في رِوَايةِ أبى الحارِثِ، في الرَّجُلِ يَهَبُ لِابْنِه مالًا: فله الرُّجُوعُ، إلَّا أن يكونَ غَرَّ به قَوْمًا، فإن غَرَّ به، فليس له أن يَرْجِعَ فيها. وهذا مذهبُ مالِكٍ؛ لأنَّه تَعَلَّقَ به حَقُّ غيرِ الابْنِ، ففى الرُّجُوعِ إبْطَالُ حَقِّه، وقد قال ﵇: "لَا ضَرَرَ ولَا ضِرَارَ" (٣٨). وفي الرُّجُوعِ ضَرَرٌ، ولأنَّ في هذا تَحَيُّلًا على إلْحاقِ الضَّرَرِ بالمُسْلِمينَ، ولا يجوزُ التَّحَيُّلُ على ذلك. والثانية، له الرُّجُوعُ؛ لِعُمُومِ الخَبَرِ، ولأنَّ حَقَّ المُتَزَوِّجِ والغَرِيمِ لم يَتَعَلَّقْ بِعَيْنِ هذا المالِ، فلم يَمْنَع الرُّجُوعَ فيه.
فصل: الرابع، أن لا تَزِيدَ زِيَادَةً مُتَّصِلَةً، كالسِّمَنِ والكِبَرِ وتَعَلُّمِ صَنْعةٍ. فإن زادَتْ، فعن أحمدَ رِوَايَتانِ؛ إحْداهما، لا تَمْنَعُ الرُّجُوعَ. وهو مذهبُ الشافِعِيِّ؛ لأنَّها زِيَادَةٌ في المَوْهُوبِ، فلم تَمْنَع الرُّجُوعَ، كالزِّيَادَةِ قبلَ القَبْضِ، والمُنْفَصِلَةِ. والثانية، تَمْنَعُ. وهو مذهبُ أبى حنيفةَ؛ لأنَّ الزِّيادَةَ لِلْمَوْهُوبِ له لِكَوْنها نَمَاءَ مِلْكِه، ولم تَنْتَقِلْ إليه من جِهَةِ أبِيه، فلم يَمْلِك الرُّجُوعَ فيها، كالمُنْفَصِلَةِ، وإذا امْتَنَعَ الرُّجُوعُ فيها، امْتَنَعَ الرُّجُوعُ في الأصْلِ، لئلَّا يُفْضِىَ (٣٩) إلى سُوءِ المُشَارَكةِ، وضَرَرِ التَّشْقِيصِ، ولأنَّه (٤٠) اسْتِرْجاعٌ للمالِ بِفَسْخِ عَقْدٍ. لغيرِ عَيْبٍ في عِوَضِه، فمَنْعُه الزِّيَادَةَ المُتَّصِلَةَ، كاسْتِرْجاعِ الصَّدَاقِ بِفَسْخِ النِّكَاحِ، أو نِصْفِه بالطَّلَاقِ، أو رُجُوعِ البائِعِ في المَبِيعِ لِفَلَسِ المُشْتَرِى. ويُفَارِقُ الرَّدَّ بالعَيْبِ من جِهَةِ أنَّ الرَّدَّ من المُشْتَرِى، وقد رَضِىَ بِبَدَلِ الزِّيادَةِ. وإن فرضَ الكَلَام فيما إذا باعَ عَرْضًا بِعَرْضٍ،