يَرْجِعُ فيها إذا لم يَرْضَ منها. رَوَاه مالِكٌ، في "المُوَطَّإِ" (٢٦). ولأنَّها هِبَةٌ يَحْصُلُ بها الأجْرُ من اللهِ تعالى، فلم يَجُزِ الرُّجُوعُ فيها، كصَدَقَةِ التَّطَوُّعِ. ولَنا، قولُ النبيِّ ﷺ لِبَشِيرِ بن سَعْدٍ: "فَارْدُدْهُ". ورُوِى: "فأرْجِعْهُ". رَوَاه كذلك مالِكٌ عن الزُّهْرِيِّ، عن حُمَيْدِ بن عبد الرَّحْمنِ، عن النُّعْمانِ. فأمَرَه بالرُّجُوعِ في هِبَتِه، وأقَلُّ أحْوالِ الأمْرِ الجَوَازُ، وقد امتَثَلَ بَشِيرُ بن سَعْدٍ ذلك (٢٧)، فرَجَعَ في هِبَتِه لِوَلَدِه، ألا تَرَاهُ قال في الحَدِيثِ: فرَجَعَ أبِى، فرَدَّ تلك الصَّدَقَة. وحَمْلُ الحَدِيثِ على أنَّه لم يكُنْ أعْطاهُ شيئا، يُخَالِفُ ظاهِرَ الحَدِيثِ؛ لقولِه: تَصَدَّقَ علىَّ أبِى بِصَدَقَةٍ. وقولُ بَشِيرٍ: إنِّي نَحَلْتُ ابْنِى غُلَامًا. يَدُلُّ على أنَّه كان قد أعْطاهُ. وقول النبيِّ ﷺ : "فَارْدُدْهُ". وقوله: "فأرْجِعْهُ". ورَوَى طاوُسٌ، عن ابنِ عمرَ، وابنِ عَبَّاسٍ، يَرْفَعانِ الحَدِيثَ إلى النبيِّ ﷺ ، أنَّه قال: "لَيْسَ لأَحَدٍ أنْ يُعْطِىَ عَطِيَّةً، فيَرْجِعَ فِيهَا، إلَّا الْوَالِدَ فِيمَا يُعْطِى وَلَدَهُ". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ (٢٨). وقال: حَدِيثٌ حَسَنٌ. وهذا يَخُصُّ عُمُومَ ما رَوَوْهُ (٢٩) ويُفَسِّرُه. وقِيَاسُهم مَنْقُوضٌ بِهِبَةِ الأجْنَبِيِّ؛ فإنَّ فيها أجْرًا وثَوَابًا فإنَّ النبيَّ ﷺ نَدَبَ إليها. وعندَهم له الرُّجُوعُ فيها، والصَّدَقَةُ على الوَلَدِ (٣٠) كمَسْأَلَتِنا، وقد دَلَّ حَدِيثُ النُّعْمانِ بن بَشِيرٍ على الرُّجُوعِ في الصَّدَقَةِ؛ لقولِه: تَصَدَّقَ علىَّ أبى بِصَدَقَةٍ.
فصل: وظاهِرُ كلامِ الخِرَقِىِّ، أنَّ الأُمَّ كالأَبِ، في الرُّجُوعِ في الهِبَةِ؛ لأنَّ
стр. 4062
قولَه: "وإذا فاضَلَ بين أوْلادِه" يَتَنَاوَلُ كلَّ والدٍ، ثم قال في سِيَاقِه: "أُمِرَ بِرَدِّه". فيَدْخُلُ فيه الأُمُّ. وهذا مذهبُ الشافِعِيِّ؛ لأنَّها داخِلَةٌ في قولِه: "إلَّا الوالِدَ فيما يُعْطِى وَلَدَه". ولأنَّها لما دَخَلَتْ في قولِ النبيِّ: "سَوُّوا بَيْنَ أوْلَادِكُمْ". يَنْبَغِى أن تَتَمَكَّنَ من التَّسْوِيَةِ، والرُّجُوعُ في الهِبَةِ طَرِيقٌ في التَّسْوِيَةِ، وربَّما تَعَيَّنَ طَرِيقًا فيها إذا لم يُمْكِنْ إعْطاءُ الآخَرِ مثلَ عَطِيَّةِ الأَوَّلِ، ولأنَّها لما دَخَلَتْ في المَعْنَى في حَدِيثِ بَشِيرِ [بن سعد] (٣١)، فيَنْبَغِى أن تَدْخُلَ في جَمِيعِ مَدْلُولِه؛ لقولِه: "فَارْدُدْهُ". وقوله: "فَأرْجِعْهُ". ولأنَّها لما سَاوَتِ الأَبَ في تَحْرِيمِ تَفْضِيلِ بعضِ وَلَدِها، يَنْبَغِى أن تُسَاوِيَه في التَّمَكُّنِ من الرُّجُوعِ فيما فَضَّلَه به، تَخْلِيصًا لها من الإِثْمِ، وإزَالةً لَلتَّفْضِيلِ المُحَرَّمِ، كالأَبِ. والمَنْصُوصُ عن أحمدَ أنَّه ليس لها الرُّجُوعُ. قال الأثْرَمُ: قلتُ لأبي عبدِ اللَّه: الرُّجُوعُ لِلْمَرْأةِ فيما أعْطَتْه وَلَدَها كالرَّجُلِ؟ قال: ليس هي عندى في هذا كالرَّجُلِ؛ لأنَّ لِلأَبِ أن يَأْخُذَ من مالِ وَلَدِه، والأُمُّ لا تَأْخُذُ. وذَكَرَ حَدِيثَ عائِشَةَ: "أطْيَبُ [مَا أكلَ] (٣٢) الرجُلُ مِنْ كَسْبِهِ، وإنَّ وَلَدَه مِنْ كَسْبِهِ" (٣٣). أي كأنَّه الرَّجُلُ. قال أصْحابُنا: والحَدِيثُ حُجَّةٌ لنا، فإنَّه خَصَّ الوالِدَ، وهو بإطْلَاقِه إنَّما يَتَنَاوَلُ الأبَ دون الأُمِّ، والفَرْقُ بينهما أنَّ لِلْأَبِ وِلَايةً على وَلَدِه، ويَحُوزُ جَمِيعَ المالِ في المِيرَاثِ، والأُمُّ بخِلَافِه. وقال مالكٌ: للأُمِّ الرُّجُوعُ في هِبَةِ وَلَدِها ما كان أبُوه حَيًّا، فإن كان مَيِّتًا، فلا رُجُوعَ لها؛ لأنَّها هِبَةٌ لِيَتِيمٍ، وَهِبَةُ اليَتِيمِ لازِمَةٌ، كصَدَقَةِ التَّطَوُّعِ، ومن مَذْهَبِه أنَّه لا يُرْجَعُ في صَدَقَةِ التَّطَوُّعِ.
стр. 4063
فصل: ولا فَرْقَ فيما ذَكَرْنا بين الهِبَةِ والصَّدَقةِ. وهو قولُ الشافِعِيِّ. وفَرَّقَ مالِكٌ وأصْحابُ الرَّأْىِ بينهما، فلم يُجِيزُوا الرُّجُوعَ في الصَّدَقَةِ بحالٍ، واحْتَجُّوا بحَدِيثِ عمرَ: مَنْ وَهَبَ هِبَةً، وأرَادَ بها صِلَةَ رَحِمٍ، أر على وَجْهِ صَدَقةٍ؛ فإنَّه لا يَرْجِعُ. ولَنا، حَدِيثُ النُّعْمانِ بن بَشِيرٍ، فإنَّه قال: تَصَدَّقَ علىَّ أبى بصَدَقَةٍ. وقال: فرَجَعَ أبِى، فرَدَّ تلك الصَّدَقَةَ. وأيضا عُمُومُ قولِ النبيِّ ﷺ : "إلَّا الْوَالِدَ فِيمَا يُعْطِى وَلَدَهُ". وهذا يُقَدَّم على (٣٤) قولِ عمرَ، ثم هو خاصٌّ في الوالِدِ، وحَدِيثُ عمرَ عامٌّ، فيَجِبُ تَقْدِيمُ الخاصِّ.
فصل: وللرُّجُوعِ في هِبَة الوَلَدِ شُرُوطٌ أرْبَعةٌ:
أحدها، أن تكونَ باقِيةً في مِلْكِ الابْنِ، فإن خَرَجَتْ عن مِلْكِه، بِبَيْعٍ أو هِبَةٍ أو وَقْفٍ أو إرْثٍ أو غيرِ ذلك، لم يَكُن له الرُّجُوعُ فيها؛ لأنَّه إبْطالٌ لمِلْكِ غير الوالِدِ. وإن عادَتْ إليه بِسَبَبٍ جَدِيدٍ، كبَيْعٍ أو هِبَةٍ أو وَصِيَّةٍ أو إِرْثٍ ونحو ذلك، لم يَمْلِكِ الرُّجُوعَ فيها؛ لأنَّها عادَتْ بمِلْكٍ جَدِيدٍ لم يَسْتَفِدْهُ من قِبَلِ أَبِيه، فلا يَمْلِكُ فَسْخَه وإزَالَتَه، كالذى لم يكُن مَوْهُوبًا له. وإن عادَتْ إليه بِفَسْخِ البَيْعِ، لِعَيْبٍ أو إِقَالَةٍ أو فَلَسِ المُشتَرِى، ففيه وَجْهانِ؛ أحدُهما، يَمْلِكُ الرُّجُوعَ؛ لأنَّ السَّبَبَ المُزِيلَ ارْتَفعَ، وعادَ المِلْكُ بالسَّبَبِ الأَوَّلِ، فأشْبَهَ ما لو فَسَخَ البَيْعَ بخِيَارِ المَجْلِسِ أو خِيَارِ الشَّرْطِ. والثاني، لا يَمْلِكُ الرُّجُوعَ؛ لأنَّ المِلْكَ عادَ إليه بعدَ اسْتِقْرارِ مِلْكِ من انْتَقَلَ إليه عليه، فأشْبَهَ ما لو عادَ إليه بِهِبَةٍ. فأمَّا إن عادَ إليه لِلْفَسْخِ بخِيَارِ الشَّرْطِ، أو خِيَارِ المَجْلِسِ، فله الرُّجُوعُ؛ لأنَّ المِلْكَ لم يَسْتَقِرَّ عليه.
فصل: الثاني، أن تكونَ العَيْنُ باقِيَةً في تَصَرُّفِ الوَلَدِ، بحيث يَمْلِكُ التَّصَرُّفَ في رَقَبَتِها، فإن اسْتَوْلَدَ الأمَةَ، لم يَمْلِك الأبُ الرُّجُوعَ فيها؛ لأنَّ المِلْكَ فيها لا يجوزُ نَقْلُه إلى غيرِ سَيِّدِها. وإن رَهَنَ العَيْنَ، أو أفْلَسَ وحُجِرَ عليه، لم يَمْلِك الأبُ الرُّجُوعَ فيها؛
стр. 4064
لأنَّ في ذلك إبْطالًا لِحَقِّ غير الوَلَدِ. فإن زالَ المانِعُ من التَّصَرُّفِ، فله الرُّجُوعُ؛ لأنَّ مِلْكَ الابْنِ لم يَزُلْ، وإنَّما طَرَأَ مَعْنًى قَطَعَ التَّصَرُّفَ مع بَقاءِ المِلْكِ، فمَنَعَ الرُّجُوعَ، فإذا زالَ [زال] المَنْعُ، والكِتَابةُ كذلك عند مَنْ لا يَرَى بَيْعَ المُكَاتَبِ. وهو مذهبُ الشافِعِيِّ وجَمَاعَةٍ سواهُ. فأمَّا من أجَازَ بَيْعَ المُكَاتَبِ، فحُكْمُه حُكْمُ المُسْتَأْجَرِ والمُزَوَّجِ. وأما التَّدْبِيرُ، فالصَّحِيحُ أنَّه لا يَمْنَعُ البَيْعَ، فلا يَمْنَعُ الرُّجُوعَ. وإن قُلْنا: يَمْنَعُ البَيْعَ. مَنَعَ الرُّجُوعَ. وكل تَصَرُّفٍ لا يَمْنَعُ الابْنَ التَّصَرُّفَ في الرَّقَبةِ، كالوَصِيَّةِ والهِبَةِ قبلَ القَبْضِ فيما يَفْتَقِرُ إليه (٣٥)، والوَطْءِ والتَّزْوِيجِ والإِجَارَةِ والكِتَابةِ والتَّدْبِيرِ.، إن قُلْنا: لا يَمْنَعُ البَيْعَ، والمُزَارَعَةَ عليها، وجَعْلَها مُضَارَبةً، أو في عَقْدِ شَرِكَةٍ، فكلُّ ذلك لا يَمْنَعُ الرُّجُوعَ؛ لأنَّه لا يَمْنَعُ تَصَرُّفَ الابْنِ في رَقَبَتِها، وكذلك العِتْقُ المُعَلَّقُ على صِفَةٍ. وإذا رَجَعَ وكان التَّصَرُّفُ لازِمًا، كالإِجَارَةِ والتَّزْوِيجِ والكِتَابةِ، فهو باقٍ بحالِه؛ لأنَّ الابْنَ لا يَمْلِكُ إبْطَالَه، فكذلك مَن انْتَقَلَ إليه. وإن كان جائِزًا، كالوَصِيَّةِ والهبَةِ قبلَ القَبْضِ، بَطَلَ؛ لأنَّ الابْنَ يَمْلِكُ إبْطَالَه. وأما التَّدْبِيرُ والعِتْقُ المُعَلَّقُ بصِفَةٍ، فلا يَبْقَى حُكْمُهُما في حَقِّ الأبِ، ومتى عادَ إلى الإِبْنِ، عادَ حُكْمُهُما. فأمَّا البَيْعُ الذي للابْنِ فيه خِيَارٌ، إما لِشَرْطٍ، أو عَيْبٍ في الثّمَنِ، أو غيرِ ذلك، فيَمْنَعُ الرُّجُوعَ؛ لأنَّ الرُّجُوعَ يَتَضَمَّنُ فَسْخَ مِلْكِ الابْنِ في عِوَضِ المَبِيعِ، ولم يَثْبُتْ له ذلك من جِهَتِه. وإن وَهَبَهُ الابْنُ لِابْنِه، لم يَمْلِك الرُّجُوعَ فيه؛ لأنَّ رُجُوعَه إبْطالٌ لمِلْكِ غير ابْنِه. فإن رَجَعَ الابْنُ في هِبَتِه، احْتَمَلَ أن يَمْلِكَ الأبُ الرُّجُوعَ في هِبَتِه حينئذٍ؛ لأنَّه فَسَخَ هِبَتَه بِرُجُوعِه، فعادَ إليه المِلْكُ بالسَّبَبِ الأوَّلِ. ويَحْتَمِلُ أن لا يَمْلِكَ الأبُ الرُّجُوعَ؛ لأنَّه رَجَعَ إلى ابْنِه (٣٦) بعد اسْتِقْرارِ مِلْكِ غيرِه عليه، فأشْبَهَ ما لو وَهَبَهُ ابْنُ الابْنِ لأبِيه (٣٧).
стр. 4065
فصل: الثالث، أن لا يَتَعَلَّقَ بها رَغْبَةٌ لغيرِ الوَلَدِ، فإن تَعَلَّقَتْ بها رَغْبَةٌ لغيرِه، مثل أن يَهَبَ وَلَدَه شيئا فيَرْغَبَ الناسُ في مُعَامَلَتِه، وأدَانُوه دُيُونًا، أو رَغِبُوا في مُنَاكَحَتِه، فزَوَّجُوه إن كان ذَكَرًا، أو تَزَوَّجَتِ الأُنْثَى لذلك، فعن أحمدَ رِوَايَتانِ؛ أُولاهما، ليس له الرُّجُوعُ. قال أحمدُ، في رِوَايةِ أبى الحارِثِ، في الرَّجُلِ يَهَبُ لِابْنِه مالًا: فله الرُّجُوعُ، إلَّا أن يكونَ غَرَّ به قَوْمًا، فإن غَرَّ به، فليس له أن يَرْجِعَ فيها. وهذا مذهبُ مالِكٍ؛ لأنَّه تَعَلَّقَ به حَقُّ غيرِ الابْنِ، ففى الرُّجُوعِ إبْطَالُ حَقِّه، وقد قال ﵇: "لَا ضَرَرَ ولَا ضِرَارَ" (٣٨). وفي الرُّجُوعِ ضَرَرٌ، ولأنَّ في هذا تَحَيُّلًا على إلْحاقِ الضَّرَرِ بالمُسْلِمينَ، ولا يجوزُ التَّحَيُّلُ على ذلك. والثانية، له الرُّجُوعُ؛ لِعُمُومِ الخَبَرِ، ولأنَّ حَقَّ المُتَزَوِّجِ والغَرِيمِ لم يَتَعَلَّقْ بِعَيْنِ هذا المالِ، فلم يَمْنَع الرُّجُوعَ فيه.
فصل: الرابع، أن لا تَزِيدَ زِيَادَةً مُتَّصِلَةً، كالسِّمَنِ والكِبَرِ وتَعَلُّمِ صَنْعةٍ. فإن زادَتْ، فعن أحمدَ رِوَايَتانِ؛ إحْداهما، لا تَمْنَعُ الرُّجُوعَ. وهو مذهبُ الشافِعِيِّ؛ لأنَّها زِيَادَةٌ في المَوْهُوبِ، فلم تَمْنَع الرُّجُوعَ، كالزِّيَادَةِ قبلَ القَبْضِ، والمُنْفَصِلَةِ. والثانية، تَمْنَعُ. وهو مذهبُ أبى حنيفةَ؛ لأنَّ الزِّيادَةَ لِلْمَوْهُوبِ له لِكَوْنها نَمَاءَ مِلْكِه، ولم تَنْتَقِلْ إليه من جِهَةِ أبِيه، فلم يَمْلِك الرُّجُوعَ فيها، كالمُنْفَصِلَةِ، وإذا امْتَنَعَ الرُّجُوعُ فيها، امْتَنَعَ الرُّجُوعُ في الأصْلِ، لئلَّا يُفْضِىَ (٣٩) إلى سُوءِ المُشَارَكةِ، وضَرَرِ التَّشْقِيصِ، ولأنَّه (٤٠) اسْتِرْجاعٌ للمالِ بِفَسْخِ عَقْدٍ. لغيرِ عَيْبٍ في عِوَضِه، فمَنْعُه الزِّيَادَةَ المُتَّصِلَةَ، كاسْتِرْجاعِ الصَّدَاقِ بِفَسْخِ النِّكَاحِ، أو نِصْفِه بالطَّلَاقِ، أو رُجُوعِ البائِعِ في المَبِيعِ لِفَلَسِ المُشْتَرِى. ويُفَارِقُ الرَّدَّ بالعَيْبِ من جِهَةِ أنَّ الرَّدَّ من المُشْتَرِى، وقد رَضِىَ بِبَدَلِ الزِّيادَةِ. وإن فرضَ الكَلَام فيما إذا باعَ عَرْضًا بِعَرْضٍ،
стр. 4066
فزَادَ أحَدُهما، ووَجَدَ المُشْتَرِى الآخَرَ به عَيْبًا، قُلْنا: بائِعُ المَعِيبِ سَلَّطَ مُشْتَرِيَه على الفَسْخِ، بِبَيْعِه المَعِيبَ، فكأنَّ الفَسْخَ وُجِدَ منه. ولهذا قُلْنا، فيما إذا فَسَخَ الزَّوْجُ النِّكَاحَ لِعَيْبِ المَرْأةِ قبل الدُّخُولِ: لا صَدَاقَ لها، كما لو فَسَخَتْه. وعلى هذا لا فَرْقَ بين الزِّيَادَةِ في العَيْنِ، كالسِّمَنِ والطُّولِ ونحوهما، أو في المَعَانِى، كتَعَلُّمِ [صَنْعَةٍ أو كِتَابةٍ أو قُرْآنٍ] (٤١) أو عِلْمٍ، أو إسْلَامٍ، أو قَضَاءِ دَيْنٍ عنه. وبهذا قال محمدُ بن الحَسَنِ. وقال أبو حَنِيفةَ: الزِّيَادَةُ بِتَعْلِيمِ القُرْآنِ وقَضَاءِ الدَّيْنِ عنه، لا تَمْنَعُ الرُّجُوعَ. ولَنا، أنَّها زِيَادَةٌ لها مُقَابِلٌ من الثَّمَنِ، فمَنَعَتِ الرُّجُوعَ، كالسِّمَنِ وتَعَلُّمِ الصَّنْعةِ. وإن زادَ ببُرْئِه من مَرَضٍ أو صَمَمٍ، مَنَعَ الرُّجُوعَ، كسائِرِ الزِّيادَاتِ، وإن كانت زِيَادَةُ العَيْنِ أَو التَّعَلُّمِ لا تَزِيدُ في قِيمَتِه شيئًا، أو يَنْقُصُ منها، لم يَمْنَعِ الرُّجُوعَ؛ لأنَّ ذلك ليس بِزِيَادَةٍ في المالِيَّةِ. وأمَّا الزِّيَادَةُ المُنْ فَصِلَ ة، كَولَدِ البَهِيمَةِ، وثَمَرةِ الشَّجَرَةِ، وكَسْبِ العَبْدِ، فلا تَمْنَعُ الرُّجُوعَ بغيرِ اخْتِلَافٍ نَعْلَمُه. والزِّيَادَةُ لِلْوَلَدِ؛ لأَنَّها حادِثَةٌ في مِلْكِه، ولا تَتْبَعُ في الفُسُوخِ، فلا تَتْبَعُ ههُنا. وذَكَرَ القاضي وَجْهًا آخَرَ، أنَّها للأَبِ. وهو بَعِيدٌ، فإنْ كانت الزِّيادَةُ وَلَدَ أمَةٍ لا يجوزُ التَّفْرِيقُ بينه وبين أُمِّهِ، مَنَعَ الرُّجُوعَ؛ لأنَّه يَلْزَمُ منه التَّفْرِيقُ بينه وبين أُمِّه، وذلك مُحَرَّمٌ (٤٢)، إلَّا أن نَقُولَ إنَّ الزِّيادَةَ المُنْفَصِلَةَ للأَب، فلا يَمْنَعُ الرُّجُوعَ؛ لأنَّه يَرْجِعُ فيهما جَمِيعا، أو يَرْجِعُ في الأُمِّ، ويَتَمَلَّكُ (٤٣) الوَلد من مالِ وَلدِه.
فصل: وإن قَصَرَ (٤٤) العَيْنَ أو فَصَّلَها، فلم تَزِدْ قِيمَتُها، لم تَمْنَع الرُّجُوعَ؛ لأنَّ العَيْنَ لم تَزِدْ ولا القِيمَةَ، وإن زادَتْ قِيمَتُها، فهى زِيَادَةٌ مُتَّصِلَةٌ، هل تَمْنَعُ الرُّجُوعَ أو لا؟ مَبنِيٌّ (٤٥) على الرِّوَايَتَيْنِ في السِّمْنةِ. ويَحْتَمِلُ أن تَمْنَعَ هذه الزِّيَادَةُ الرُّجُوعَ بكلِّ
стр. 4067
حالٍ؛ لأنَّها حاصِلَةٌ بفِعْلِ الابْنِ، فجَرَتْ مَجْرَى العَيْنِ الحاصِلَةِ بِفِعْلِه، بخِلَافِ السِّمَنِ، فإنَّه يَحْتَمِلُ أَن يكونَ للأَبِ، فلا يَمْنَعُ الرُّجُوعَ، لأنَّه نَمَاءُ العَيْنِ، فيكون تابِعًا لها. وإن وَهَبَه حامِلًا فوَلَدَتْ في يَدِ الابْنِ، فهى زِيَادَةٌ مُتَّصِلَةٌ في الوَلَدِ. ويَحْتَمِلُ أن يكونَ الوَلَدُ زِيادَةً مُنْ فَصِل ةً إذا قُلْنا: الحَمْلُ لا حُكْمَ له. وإن وَهَبَه حامِلًا، ثم رَجَعَ فيها حامِلًا، جازَ إذا لم تَزِدْ قِيمَتُها، وإن زادَتْ قِيمَتُها، فهى زِيَادَةٌ مُتَّصِلَةٌ (٤٦). وإن وهَبَه حائِلًا فحَمَلَتْ، فهى زِيادَةٌ مُنْفَصِلَةٌ (٤٦)، وله الرُّجُوعُ فيها دُونَ حَمْلِها. وإن قُلْنا: إنَّ الحَمْلَ لا حُكْمَ له، فزَادَت به قِيمَتُها، فهى زِيَادَةٌ مُتَّصِلَةٌ. وإن لم تَزِدْ قِيمَتُها، جازَ الرُّجُوعُ فيها. وإن وَهَبَه نَخْلًا فحَمَلَتْ، فهى قبلَ التَّأْبِيرِ زِيَادةٌ مُتَّصِلةٌ، وبعدَه زِيَادةٌ مُنْفَصِلةٌ.
فصل: وإن تَلِف بعضُ العَيْنِ، أو نَقَصَتْ قيمَتُها، لم يَمْنَعِ الرُّجُوعَ فيها، ولا ضَمَانَ على الابن فيما تَلِفَ منها؛ لأنَّها تَتْلَفُ (٤٧) على مِلْكِه. وسواءٌ تَلِفَ بِفِعْلِ الابْنِ أو بغيرِ فِعْلِه. وإن جَنَى العَبْدُ جِنَايةً تَعَلَّقَ أرْشُها بِرَقَبَتِه، فهو كنُقْصانِه بِذَهابِ بعضِ أجْزَائِه، وللأَبِ الرُّجُوعُ فيه، فإن رَجَجَ فيه، ضَمِنَ أرْشَ الجنَايَةِ. وإن جُنِىَ على العَبْدِ، فَرَجَعَ الأَبُ (٤٨) فيه، فأَرْشُ الجِنَايَةِ عليه للابْنِ؛ لأنَّه بمَنْزِلَةِ الزِّيادَةِ المُنْفَصِلَةِ. فإن قِيلَ: فلو أرَادَ الأبُ الرُّجُوعَ في [الرَّهْنِ، وعليه فَكَاكُه، لم يَمْلِكْ ذلك، فكيف مَلَكَ الرُّجُوعَ في] (٤٩) العَبْدِ الجانِى إذا أدَّى أرْشَ جِنَايَتِه؟ قُلْنَا: الرَّهْنُ يَمْنَعُ التَّصَرُّفَ في العَيْنِ، بخِلَافِ الجِنَايةِ، ولأنَّ فَكَّ الرَّهْنِ فَسْخٌ لِعَقْدٍ عَقدَهُ المَوْهُوبُ له، وههُنا لم يَتَعَلَّق الحَقُّ به من جِهَةِ العَقْدِ، فافْتَرقَا.
فصل: والرُّجُوعُ في الهِبَةِ أن يقولَ: قد رَجَعْتُ فيها، أو ارْتَجَعْتُها،
стр. 4068
أو ارْتَدَدْتُها (٥٠). أو نحو ذلك من الألْفاظِ الدَّالَّةِ على الرُّجُوعِ، ولا يَحْتاجُ إلى حُكْمِ حاكِمٍ. وبهذا قال الشَّافِعِيُّ. وقال أبو حنيفةَ: لا يَصِحُّ الرُّجُوعُ إلَّا بِقَضَاءِ قاضٍ؛ لأنَّ مِلْكَ المَوْهُوبِ له مُسْتَقِرٌّ. ولَنا، أنَّه خِيَارٌ في فَسْخِ عَقْدٍ، فلم يَفْتَقِرْ إلى قَضَاءٍ، كالفَسْخِ بخِيَارِ الشَّرْطِ. فأمَّا إن أخَذَ ما وَهَبَه لِوَلَدِه، فإن نَوَى به الرُّجُوعَ، كان رُجُوعًا، والقولُ قَوْلُه في نِيَّتِه، وإن لم يُعْلَمْ هل نَوَى الرُّجُوعَ أو لا، وكان ذلك بعدَ مَوْتِ الأبِ، فإن لم تُوجَدْ قَرِينَةٌ تدُلُّ على الرُّجُوعِ، لم يُحْكَم بكَوْنِه رُجُوعًا؛ لأنَّ الأخْذَ يَحْتَمِلُ الرُّجُوعَ وغيرَه، فلا نُزِيلُ حُكْمًا يَقِينِيًّا (٥١) بأمْرٍ مَشْكُوكٍ فيه. وإن اقْتَرَنَتْ به قَرَائِنُ دالَّةٌ (٥٢) على الرُّجُوعِ فيه وَجْهانِ؛ أحدُهما، يكونُ رُجُوعًا. اخْتارَه ابنُ عَقِيلٍ؛ لأنَّنا اكْتَفَيْنَا في العَقْدِ بدَلَالةِ الحالِ، ففى الفَسْخِ أَوْلَى، ولأنَّ لَفْظَ الرُّجُوعِ إنَّما كان رُجُوعًا لِدَلَالَتِه عليه، فكذلك كلُّ ما دَلَّ عليه. والآخَرُ، لا يكون رُجُوعًا. وهو مذهبُ الشافِعِيِّ؛ لأنَّ المِلْكَ ثابِتٌ لِلْمَوْهُوبِ له يَقِينًا، فلا يَزُولُ إلَّا بالصَّرِيحِ. ويُمْكِنُ أن يُبْنَى هذا على نَفْسِ العَقْدِ، فمَن أوْجَبَ الإِيجَابَ والقَبُولَ فيه، لم يَكْتَفِ ههُنا إلَّا بِلَفْظٍ يَقْتَضِي زَوَالَه، ومن اكْتَفَى في العَقْدِ بالمُعَاطاةِ الدَّالَّةِ على الرِّضَا به، فههُنا أَوْلَى. وإن نَوَى الرُّجُوعَ من غيرِ فِعْلٍ ولا قَوْلٍ، لم يَحْصُلِ الرُّجُوعُ، وَجْهًا واحِدًا؛ لأنَّه إثْباتُ المِلكِ على مالٍ مَمْلُوكٍ لغيرِه، فلم يَحْصُلْ بِمُجَرَّدِ النِّيَّةِ، كسائِر العُقُودِ. وإن عَلَّقَ الرُّجُوعَ بِشَرْطٍ، فقال: إذا جاءَ رَأْسُ الشَّهْرِ فقد رَجَعْتُ في الهِبَة. لم يَصِحَّ؛ لأنَّ الفَسْخَ لِلْعَقْدِ لا يَقَفُ على شَرْطٍ، كما لا يَقِفُ العَقْدُ عليه.
٩٣٥ - مسألة؛ قال: (فَإنْ مَاتَ وَلَمْ يَرْدُدْهُ، فَقَدْ ثَبَتَ لِمَنْ وَهَبَ لَهُ، إذَا كَانَ ذلِكَ فِي صِحَّتِهِ)
يعني إذا فاضَلَ بين وَلَدِه في العَطَايَا، أو خَصَّ بعضَهم بِعَطِيَّةٍ (١)، ثم ماتَ قبل أن
стр. 4069
يَسْتَرِدَّه، ثَبَتَ ذلك لِلْمَوْهُوبِ له، ولَزِمَ، وليس لِبَقِيَّةِ الوَرَثَةِ الرُّجُوعُ. هذا المَنْصُوصُ عن أحمدَ، في رِوَايةِ محمدِ بن الحَكَمِ، والمَيْمُونِيِّ، وهو اخْتِيارُ الخَلَّالِ، وصَاحِبِه أبي بكرٍ. وبه قال مالِكٌ، والشافِعِيُّ، وأصْحابُ الرَّأْى، وأكْثَرُ أهْلِ العِلْمِ، وفيه رِوَايةٌ أخرى [عن أحمدَ] (٢)، أنَّ لِسَائِر الوَرَثَةِ أنَّ يَرْتَجِعُوا ما وَهَبَه. اخْتَارَه ابنُ بَطَّةَ وأبو حَفْصٍ العُكْبَرِيَّانِ. وهو قولُ عُرْوَةَ بن الزُّبَيْرِ، وإسحاقَ. وقال أحمدُ: عُرْوَةُ قد رَوَى الأحَادِيثَ الثَّلَاثةَ؛ حَدِيثَ عائِشَةَ، وحَدِيثَ عمرَ، وحَدِيثَ عُثْمانَ (٣)، وتَرَكَها وذَهَبَ إلى حَدِيثِ النبيِّ ﷺ ، يردُّ في حَيَاةِ الرَّجُلِ وبعد مَوْتِه (٤). وهذا قولُ إسحاقَ، إلَّا أنَّه قال: إذا ماتَ الرَّجُلُ فهو مِيَراثٌ بينهم، لا يَسَعُ أنَّ يَنتَفِعَ أحدٌ مما أُعْطِىَ دون إخْوَتِهِ وأَخَواتِه؛ لأنَّ النبيَّ ﷺ سَمَّى ذلك جَوْرًا بقوله: "لَا تُشْهِدْنِى عَلَى جَوْرٍ". والجَوْرُ حَرَامٌ لا يَحِلُّ لِلْفاعِلِ فِعْلُه، ولا لِلمُعْطَى تَنَاوُلُه. والمَوْتُ لا يُغَيِّرُه عن كَوْنِه جَوْرًا حَرَامًا، فيَجِبُ رَدُّه، ولأنَّ أبا بكرٍ وعُمَرَ أمَرَا قَيْسَ بن سَعْدٍ، أنَّ يَرُدَّ قِسْمَةَ أبِيه حين وُلِدَ له وَلَدٌ، ولم يكُنْ عَلِمَ به، ولا أعْطاهُ شيئًا، وكان ذلك بعد مَوْتِ سَعْدٍ، فرَوَى سَعِيدٌ (٥)، بإسْنادِه من طَرِيقَيْنِ، أن سَعْدَ بن عُبَادَةَ قَسَّمَ مالَه بين أوْلَادِه، وخَرَجَ إلى الشَّامِ، فماتَ بها، ثم وُلِدَ بعدَ ذلك وَلَدٌ فمَشَى أبو بكرٍ وعمرُ، رَضِىَ اللَّه عنهما، إلى قَيْسِ بن سَعْدٍ، فقالا: إن سَعْدًا قَسَّمَ مالَه، ولم يَدْرِ ما يكونُ، وإنَّا نَرَى أنَّ تَرُدَّ هذه القِسْمَةَ. فقال قَيْسٌ: لم أكُنْ لأُغَيِّرَ شيئا صَنَعَهُ سَعْدٌ، ولكن نَصِيبِى له. وهذا مَعْنَى الخَبَرِ. وَوَجْهُ القَوْلِ الأَوّلِ قولُ أبي بكرٍ، رَضِىَ اللَّه عنه، لعائِشَةَ، لمَّا نَحَلَها نَحْلًا: وَدَدْتُ لو أنَّك كنتِ حُزْتِيه (٦). فَدَلَّ على أنَّها
стр. 4070
لو كانتْ حازَتْه لم يكُنْ له الرُّجُوعُ. وكذلك قولُ عمرَ: لا نِحْلةَ إلَّا نِحْلةً يَحُوزُها الوَلَدُ دون الوالِدِ. ولأنها عَطِيَّةٌ لِوَلَدِه فلَزِمَتْ بالمَوْتِ كما لو انْفَرَدَ. وقوله: "إذا كان ذلك في صِحَّتِه" يَدُلُّ على أنَّ عَطِيَّتَه في مَرَضِ مَوْتِه لبعضِ وَرَثَتِه لا تَنْفُذُ؛ لأنَّ العَطَايَا في مَرَضِ المَوْتِ بمَنْزِلَةِ الوَصِيَّةِ، في أنها تُعْتَبَرُ من الثُّلُثِ إذا كانت لأَجْنَبِيٍّ إجْماعًا، فكذلك لا تَنْفُذُ في حَقِّ الوارِثِ. قال ابنُ المُنْذِرِ: أجمَعَ كلُّ مَن أحْفَظُ عنه من أهْلِ العِلْمِ، أنَّ حُكْمَ الهِبَاتِ في المَرَضِ الذي يَمُوتُ فيه الواهِبُ، حُكْمُ الوَصَايَا، هذا مَذْهَبُ الْمَدِينِيّ، والشافِعِيِّ، والكُوفِيِّ. فإن أعْطىَ أحَدَ بَنِيه في صِحَّتِه، ثم أعْطَى الآخَرَ في مَرَضِه، فقد تَوَقَّفَ أحمدُ فيه، فإنَّه سُئِلَ عمَّن زَوَّجَ ابْنَه، فأعْطى عنه الصَّدَاقَ، ثم مَرِضَ الأبُ، وله ابنٌ آخَرَ، هل يُعْطِيه [في مَرَضِه] (٧) كما أعْطىَ ابنَه (٨) الآخَرَ في صِحَّتِه؟ فقال: لو كان أعْطاهُ في صِحَّتِه، فيَحْتَمِلُ وَجْهَيْنِ؛ أحدهما، لا يَصِحُّ؛ لأنَّ عَطيَّتَه في مَرَضِه كوَصِيَّتِه، ولو وَصَّى له لم يَصِحَّ، فكذلك إذا أعْطاهُ. والثاني، يَصِحُّ؛ لأنَّ التَّسْوِيةَ بينهما واجِبَةٌ، ولا طَرِيقَ لها في هذا المَوْضِعِ إلَّا بِعَطِيَّةِ (٩) الآخَرِ، فتكونُ واجِبَةً؛ فتَصِحُّ، كقَضَاءِ دَيْنِه.
فصل: قال أحمدُ: أُحِبُّ أن لا يُقَسِّمَ مالَه، ويَدَعَه على فرائِضِ اللَّه تعالى، لعلَّه أنَّ يُولَدَ له، فإن أعْطى وَلَدَه مالَه، ثم وُلِدَ له وَلَدٌ، فأعْجَبُ إلىَّ أن يَرْجِعَ فَيُسَوِّىَ بينهم. يعني يَرْجِعُ في الجَمِيعِ، أو يَرْجِعُ في بعض ما أعْطَى كلَّ واحدٍ منهم لِيَدْفَعُوه (١٠) إلى هذا الوَلَدِ الحادِثِ، لِيُسَاوِىَ إخْوَتَه. فإن كان هذا الوَلَدُ الحادِثُ بعدَ المَوْتِ، لم يكُنْ
стр. 4071
له الرُّجُوعُ على إخْوَتِه؛ لأنَّ العَطِيَّةَ لَزِمَتْ بِمَوْتِ أبِيه، إلَّا على الرِّوايةِ الأخرى، التي ذَهَبَ إليها أبو عبدِ اللَّه ابن بَطَّةَ. ولا خِلَافَ في أنَّه يُسْتَحَبُّ لِمَنْ (١١) أُعْطِىَ أنَّ يُسَاوِىَ أخَاه في عَطِيَّتِه، ولذلك أمَرَ أبو بكرٍ وعمرُ، رَضِىَ اللَّه عنهما، قَيْسَ بن سَعْدٍ، بِرَدِّ قِسْمَةِ أبِيه، لِيُسَاوُوا المَوْلُودَ الحادِثَ بعدَ مَوْتِ أبِيه.
فصل: وللأبِ أنَّ يَأْخُذَ من مالِ وَلَدِه ما شاءَ، ويَتَمَلَّكَه، مع حاجةِ الأبِ إلى ما يَأْخُذُه، ومع عَدَمِها، صَغِيرًا كان الوَلَدُ أو كَبِيرًا، بِشَرْطَيْنِ؛ أحدهما، أن لا يُجْحِفَ بالابْنِ، ولا يَضُرَّ به، ولا يَأْخُذَ شيئا تَعَلَّقَتْ به حاجَتُه. الثاني، أنَّ لا يَأْخُذَ من مالِ وَلَدٍ (١٢) فيُعْطِيَه الآخَرَ. نَصَّ عليه أحمدُ، في رِوَايةِ إسماعيلَ بن سَعِيدٍ، وذلك لأنَّه مَمْنُوعٌ من تَخْصِيصِ بعضِ وَلَدِه بالعَطِيَّةِ من مالِ نَفسِه، فلَأن يُمنَعَ من تَخْصيصِه بما أخَذَ من مالِ وَلَدِه الآخَرِ أَوْلَى. وقد رُوِىَ أن مَسْرُوقًا زَوَّجَ ابْنَتَه بِصَدَاقٍ عَشْرَةِ آلافٍ، فأخَذَها، وأَنْفَقَها في سَبِيلِ اللَّه، وقال لِلزَّوْجِ: جَهِّز امْرَأتَكَ. وقال أبو حنيفةَ، ومالِكٌ، والشافِعِيُّ: ليس له أن يَأْخُذَ من مالِ وَلَدِه إلَّا بِقَدرِ حاجَتِه؛ لأنَّ النبيَّ ﷺ قال: "إنَّ دِمَاءَكُمْ وأمْوالَكُمْ عَلَيْكُم حَرَامٌ، كَحُرْمَةِ يَوْمِكُم هذَا، في شَهْرِكُمْ هذا، [فِي بَلَدِكُمْ هذَا] (١٣) " مُتَّفَقٌ عليه (١٤). ورَوَى الحَسنُ، أنَّ النبيَّ ﷺ قال: "كُلُّ أحَدٍ أحَقُّ بِكَسْبِهِ مِنْ وَالِدِهِ وَوَلَدِهِ وَالنَّاسِ أجْمَعِينَ". رَوَاه سَعِيدٌ في "سُنَنِه" (١٥). وهذا نَصٌّ. ورُوِى أن النبيَّ ﷺ قال: "لَا يَحِلُّ مَالُ امْرِئٍ مُسْلِمٍ إلَّا عَنْ (١٦) طِيبِ نَفْسِهِ". روَاه الدّارَقُطْنِيُّ (١٧). ولأنَّ مِلْكَ الابْنِ تامٌّ
стр. 4072
على مالِ نَفْسِه، فلم يَجُز انْتِزَاعُه منه، كالذى تَعَلَّقَتْ به حاجَتُه. ولَنا، ما رَوَتْ عائِشَةُ، رَضِىَ اللَّه عنها، قالتْ: قال رسولُ اللهِ ﷺ : "إنَّ أطْيَبَ مَا أكَلْتُمْ مِنْ كَسْبِكُم، وإنَّ أوْلَادَكُم مِنْ كَسْبِكُم". أخْرَجَه سَعِيدٌ، والتِّرْمِذِيُّ (١٨)، وقال: حَدِيثٌ حَسَنٌ. ورَوَى عَمْرُو بن شُعَيْبٍ، عن أبِيه، عن جَدِّه، قال: جاءَ رَجُلٌ إلى النبيِّ ﷺ ، فقال: إنَّ أبِى احْتاجَ مالِى. فقال: "أنْتَ ومَالُكَ لأَبِيكَ". روَاهُ الطَّبَرَانِيُّ، في "مُعْجَمِه" (١٩) مُطَوَّلًا، ورَوَاهُ غيرُه، وزادَ: "إنَّ أوْلَادَكُم مِنْ أَطْيَبِ كَسْبِكُمْ، فَكُلُوا مِنْ أمْوَالِهِمْ". ورَوَى محمدُ بن المُنْكَدرِ، والمُطَّلِبُ بن حَنْطَبٍ، قال: جاء رَجُلٌ إلى رسولِ اللَّه ﷺ ، فقال: إنَّ لِى مالًا وعيَالًا، ولأبِى مالٌ وعِيَالٌ، وأبى يُرِيدُ أن يَأْخُذَ مَالِى. فقال النبيُّ ﷺ : "أنْتَ ومالُكَ لأبِيكَ". أخْرَجَه سَعِيدٌ، في "سُنَنِه" (٢٠). ولأنّ اللَّه تعالى جَعَلَ الوَلَدَ مَوْهُوبًا لأبِيه، فقال: ﴿وَوَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ﴾ (٢١). وقال: ﴿وَوَهَبْنَا لَهُ يَحْيَى﴾ (٢٢). وقال زَكرِيَّا: ﴿فَهَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ وَلِيًّا﴾ (٢٣). وقال إبراهيمُ: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي
стр. 4073
وَهَبَ لِي عَلَى الْكِبَرِ إِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ﴾ (٢٤). وما كان مَوْهُوبًا له، كان له أخْذُ مالِه، كعَبْدِه. وقال سُفْيانُ بن عُيَيْنةَ، في قولِه: ﴿وَلَا عَلَى أَنْفُسِكُمْ أَنْ تَأْكُلُوا مِنْ بُيُوتِكُمْ أَوْ بُيُوتِ آبَائِكُمْ﴾ (٢٥). ثم ذَكَرَ بُيُوتَ سائِر القَرَاباتِ إلَّا الأَوْلَادَ لم يَذْكُرْهُم؛ لأنَّهم دَخَلُوا في قوله: ﴿بُيُوتِكُمْ﴾. فلما كانت بُيُوتُ أوْلادِهِم كَبُيُوتِهِم، لم يَذْكُرْ بُيُوتَ أوْلَادِهِم. ولأنَّ الرَّجُلَ يَلِى مالَ وَلَدِه من غيرِ تَوْلِيةٍ، فكان له التَّصَرُّفُ فيه كمالِ نَفْسِه. وأمَّا أحادِيثُهُم، فأحَادِيثُنا تَخُصُّها وتُفَسِّرُها، فإنَّ النبيَّ ﷺ جَعَلَ مالَ الابْنِ مالًا لأبِيه، بقوله: "أنْتَ ومَالُكَ لأَبِيكَ". فلا تَنَافِىَ بينهما. وقوله: "أحَقُّ بِهِ مِنْ وَالِدِه وَوَلَدِهِ". مُرْسَلٌ، ثم هو يَدُلُّ على تَرْجِيحِ حَقِّه على حَقِّه، لا على نَفْىِ الحَقِّ بالكُلِّيَةِ، والوَلَدُ أحَقُّ من الوالِدِ بما تَعَلَّقَتْ به حاجَتُه.
فصل: وليس لِلْوَلَدِ (٢٦) مُطَالَبةُ أبِيه بِدَيْنٍ عليه. وبه قال الزُّبَيْرُ بن بَكَارٍ. وهو مُقْتَضَى قول سُفْيانَ بن عُيَيْنةَ. وقال أبو حنيفةَ، ومالِكٌ، والشافِعِيُّ: له ذلك؛ لأنَّه دَيْنٌ ثابِتٌ، فجازَتِ المُطَالَبةُ به (٢٧)، كغيرِه. ولَنا، أن رَجُلًا جاءَ إلى النبيِّ ﷺ بأبِيه يَقْتَضِيه دَيْنًا عليه، فقال: "أنْتَ ومَالُكَ لأبِيكَ". رَوَاهُ أبو محمدٍ الخَلَّالُ بإسْنادِه (٢٨). ورَوَى الزُّبَيْرُ بن بكارٍ، في كِتَابِ "المُوَفَّقِيّاتِ" (٢٩)، بإسْنادِه، أن رَجُلًا اسْتَقْرَضَ من ابْنِه مالًا، فحَبَسَه، فأطَالَ حَبْسَه، فاسْتَعْدَى عليه الابْنُ عَلِىَّ بن أبي طالِبٍ، رَضِىَ اللَّه عنه، وذَكَرَ قِصَّتَه في شِعْرٍ، فأجَابَه أبُوه بِشِعْرٍ أيضًا، فقال عليٌّ رَضِىَ اللَّه عنه:
стр. 4074
قد سَمِعَ القاضِى ومن رَبِّى الفَهمْ
المالُ لِلشَّيْخِ جَزَاءٌ بالنّعَمْ
يَأْكُلُه بِرَغْمِ أَنْفِ مَن رَغِمْ
مَنْ قال قَوْلًا غيرَ ذا فَقَدْ ظَلَمْ
وجَارَ في الحُكْمِ وبِئْسَ ما جَرَمْ
قال الزُّبَيْرُ: إلى هذا نَذْهَبُ. ولأنَّ المالَ أحَدُ نَوْعَىِ الحُقُوقِ، فلم يَمْلِكْ مُطَالَبةَ أبِيه بها، كحُقُوقِ الأبْدانِ. ويُفَارِقُ الأبُ غيرَه، بما ثَبَتَ له من الحَقِّ على وَلَدِه. وإن ماتَ الابْنُ، فانْتَقَلَ الدَّيْنُ إلى وَرَثَتِه، لم يَمْلِكُوا مُطَالبةَ الأبِ به؛ لأنَّ مَوْرُوثَهُم لم يكنْ له المُطَالَبةُ، فهم أَوْلَى. وإن ماتَ الأبُ، رَجَعَ الابْنُ في تَرِكَتِه بِدَيْنِه؛ لأنَّ دَيْنَه لم يَسْقُطْ عن الأبِ، وإنَّما تَأَخَّرَتِ المُطَالبَةُ. وقد رُوِىَ عن أحمدَ، أنَّه قال: إذا ماتَ الأبُ، بَطَلَ دَيْنُ الابْنِ. وقال في مَن أخَذَ من مَهْرِ ابْنَتِه شيئا فأنْفَقَه: فليس عليه شيءٌ، ولا يُؤْخَذُ من بعدِه، وما أصَابَتْ من المَهْرِ من شيءٍ بِعَيْنِه أخَذَتْه. وتَأَوَّلَ بعضُ أصْحابِنا كَلَامَه على [أنَّ له ما] (٣٠) أخَذَه على سَبِيلِ التَّمْلِيكِ. ويَحْتَمِلُ أن يكونَ أخْذُه له، وإنْفَاقُه إيَّاه، دَلِيلًا على قَصْدِ [التَّمْلِيكِ، فيَثْبُتُ المِلْكُ] (٣١) بذلك الأخْذِ. واللَّه أعلمُ.
فصل: وإن تَصَرَّفَ الأبُ في مالِ الابْنِ قبلَ تَمَلُّكِه، لم يَصِحَّ تَصَرُّفُه. نَصَّ عليه أحمدُ، فقال: لا يجوزُ عِتْقُ الأبِ لِعَبْدِ ابنِه، ما لم يَقْبِضْه. فعلى هذا، لا يَصِحُّ إبْراؤُه من دَيْنِه، ولا هِبَتُه لمالِه، ولا بَيْعُه له؛ وذلك لأنَّ مِلْكَ الابْنِ تامٌّ على مالِ نَفْسِه، فصَحَّ (٣٢) تَصَرُّفُه فيه، ويَحِلُّ له وَطْءُ جَوَارِيه، ولو كان المِلْكُ مشْتَركًا، لم يَحِلَّ له الوَطْءُ، كما لا يَجُوزُ وَطْءُ الجارِيَةِ المُشْتَرَكَةِ، وإنَّما للأَبِ انْتِزَاعُه منه، كالعَيْنِ التي
стр. 4075
وَهَبَها إِيّاه، فَقبْلَ انتِزَاعِها لا يَصِحُّ تَصَرُّفُه؛ لأنَّه يَتَصَرَّفُ في مِلْكِ غيره بغيرِ وِلَايةٍ. وإن كان الابْنُ صَغِيرًا، لم يَصِحَّ أيضًا؛ لأنَّه لا يَمْلِكُ التَّصَرُّفَ بما لا حَظَّ لِلصَّغِيرِ فيه، وليس من الحَظِّ إسْقَاطُ دَيْنِه، وعِتْقُ عَبْدِه، وهِبَةُ مالِه.
فصل: قال أحمدُ: بين الرَّجُلِ وبين وَلَدِه رِبًا. لما ذَكَرْناه من أن مِلْكَ الابْنِ على مالِه تامٌّ. وقال: لا يَطَأُ جارِيَةَ الابْنِ، إلَّا أن يَقْبِضَها. يعني يَتَمَلَّكُها. وذلك لأنَّه إذا وَطِئَها قبلَ تَمَلُّكِها، فقد وَطِئَها وليستْ زَوْجةً ولا مِلْكَ يَمينٍ، وإن تَمَلَّكَها، لم يَحِلَّ له وَطْؤُها حتى يَسْتَبْرِئَها؛ لأنه ابْتِداءُ مِلْكٍ، فوَجَبَ الاسْتِبْراءُ فيه، كما لو اشْتَراها. وإن كان الابْنُ قد وَطِئَها، لم تَحِلَّ له بحالٍ. وإن وَطِئَها قبلَ تَمَلُّكِها (٣٣)، كان مُحَرَّمًا من وَجْهَيْنِ؛ أحدهما، أنَّه وَطِئَها قبلَ مِلْكِها. والثاني، أنَّه وَطِئَها قبل استْبْرائِها. وإن كان الابنُ وَطِئَها، حُرِّمَتْ بِوَجْهٍ ثالِثٍ، وهى أنَّها صارَتْ بمَنْزِلَةِ حَلِيلَةِ ابْنِه، فإن فَعَلَ، فلا حَدَّ عليه؛ لِشُبْهةِ المِلْكِ، فإنَّ النبيَّ ﷺ أضَافَ مالَ الوَلَدِ إلى أبِيه، فقال: "أنْتَ ومَالُكَ لأَبِيكَ". وإن وَلَدَتْ منه، صارَتْ أُمَّ وَلَدٍ له، ووَلَدُه حُرٌّ؛ لأنَّه من وَطْءٍ انْتَفَى عنه الحَدُّ لِلشُّبْهةِ، وتَصِيرُ أُمَّ وَلَدٍ له (٣٤)، وليس لِلابْنِ مُطَالَبَتُه بشيءٍ من قِيمَتِها، ولا قِيمَةِ وَلَدِها ولا مَهْرِها. وهل يُعَزَّرُ؟ يَحْتَمِلُ وَجْهَيْنِ؛ أحدهما، يُعَزَّرُ؛ لأنَّه وَطِئَ وَطْأَ مُحَرَّمًا، أشْبَهَ ما لو وَطِئَ جارِيةً مُشْتَرَكَةً بينَه وبينَ غيرِه. والثاني، لا يُعَزَّرُ؛ لأنَّه لا يُقْتَصُّ منه بالجِنَايةِ على وَلَدِه، فلا يُعَزَّرُ بالتَّصَرُّفِ في مالِه.
فصل: وليس لغير الأبِ الأخْذُ من مالِ غيره بغيرِ إذْنِه؛ لأنَّ الخَبَرَ وَرَدَ في الأبِ، بقوله: "أنْتَ ومالُكَ لأبِيكَ". ولا يَصِحُّ قِيَاسُ غيرِ الأبِ [عليه، لأنَّ للأبِ] (٣٥) وِلَايةً على وَلَدِه ومالِه إذا كان صَغِيرًا، وله شَفقَةٌ تامّةٌ (٣٦)، وحَقٌّ مُتَأَكِّدٌ، ولا يَسْقُطُ
стр. 4076
مِيرَاثُه بحالٍ. والأمُّ لا تَأْخُدُ؛ لأنَّها لا وِلَايةَ لها. والجَدُّ أيضًا لا يَلِى على مالِ وَلَدِ ابْنِه، وشَفَقَتُه قاصِرَةٌ عن شَفَقَةِ الأبِ، ويُحْجَبُ به في المِيراثِ، وفي وِلَايةِ النِّكاحِ. وغيرُهما (٣٧) من الأقارِبِ والأجانِبِ لبس لهم الأخْذُ بِطَرِيقِ التَّنْبِيه؛ لأنَّه إذا امْتَنَعَ الأخْذُ في حَقّ الأُمِّ والجَدِّ، مع مُشَارَكتِهِما للأبِ في بعض المَعَانِى، فغيرُهما ممَّن (٣٨) لا يُشَارِكُ الأبَ في ذلك أَوْلَى.
٩٣٦ - مسألة؛ قال: (وَلَا يَحِلُّ لِوَاهِبٍ أنْ يَرْجِعَ فِي هِبَتِهِ، وَلَا لِمُهْدٍ أنْ يَرْجِعَ فِي هدِيَّتِه، وَإنْ لَمْ يُثَبْ عَلَيْهَا)
يعني وإن لم يُعَوَّضْ عنها (١). وأرادَ من عَدا الأبَ؛ لأنَّه قد ذَكَرَ أنَّ للأبِ الرُّجُوعَ، بقوله: "أُمِرَ بِرَدِّه". فأما غيرُه فليس له الرُّجُوعُ في هبَتِه ولا هَدِيّتِه. وبهذا قال الشافِعيُّ وأبو ثَوْرٍ. وقال النَّخَعِيُّ، والثَّوْرِيُّ، وإسحاقُ، وأصْحابُ الرَّأْىِ: مَنْ وَهَبَ لغير ذِى رَحِمٍ، فله الرُّجُوعُ، ما لم يُثَبْ عليها، ومن وَهَبَ لذى رَحِمٍ، فليس له الرُّجُوعُ. ورُوى ذلك عن عمرَ بن الخَطَّابِ (٢)، رَضِىَ اللَّه عنه، واحْتَجُّوا بما رَوَى أبو هُرَيْرةَ، قال: قال رسولُ اللَّه ﷺ : "الرَّجُلُ أحَقُّ بِهِبَتِهِ، مَا لَمْ يُثَبْ مِنْهَا". رَوَاه ابنُ ماجه، في "سُنَنِه" (٣). وبقَوْلِ عمرَ، ولأنَّه لم يَحْصُلْ له عنها عِوَضٌ، فجازَ له الرُّجُوعُ فيها، كالعارِيَّةِ. ولَنا، قولُ النبيِّ ﷺ : "العائِدُ في هِبَتِه، كَالْعائِدِ في قَيْئِهِ". وفي لَفْظٍ: "كَالْكَلْبِ يَعُودُ في قَيْئِهِ". وفي رِوَايةٍ إنَّه "لَيْسَ لَنَا مَثَلُ السَّوْءِ، الْعَائِد فِي هِبَتِه كالْكَلْبِ يَعُودُ في قَيْئِه". مُتَّفَقٌ عليه (٤)، وأيضا
стр. 4077
قولُ النبيِّ ﷺ : "لَيْسَ لأحَدٍ أنْ يُعْطِىَ عَطِيّةً، فيَرْجِعَ فِيهَا، إلَّا الْوالِدَ فِيمَا يُعْطِى وَلَدَهُ". وقد ذَكَرْناه (٥). ورَوَى عَمْرُو بن شُعَيْبٍ، عن أبِيه، عن جَدِّه أن نَبِيَّ اللَّه ﷺ قال: "لا يَرْجِعُ واهِبٌ في هِبَتِه، إلَّا الوالِدَ فِيمَا يُعْطِى وَلَدَهُ" (٦). ولأنَّه واهِبٌ لا وِلَايةَ له في المالِ، فلم يَرْجِعْ في هِبَتِه، كذِى الرَّحِمِ المَحرَمِ. وأحادِيثُنا أصَحُّ من حَدِيثهم (٧) وأَوْلَى. وقولُ عمرَ، قد رُوِى عن ابْنهِ وابنِ عَبَّاسٍ خِلَافُه. وأمَّا العارِيَّةُ فإنَّما هي هِبَةُ المنَافِعِ، ولم يَحْصُل القَبْضُ فيها. فإن قَبَضَها باسْتِيفَائِها، فنَظِيرُ مَسْأَلتِنَا ما اسْتَوفَى من مَنَافِعِ العارِيَّةِ، فإنَّه لا يجوزُ الرُّجُوعُ فيها.
فصل: فحصل الاتِّفَاقُ على أنَّ ما وَهَبَه الإِنْسانُ لِذَوِى رَحِمِه المَحْرَمِ غيرِ وَلَدِه، لا رُجُوعَ فيه. وكذلك ما وَهَبَ الزَّوْجُ لِامْرَأتِه. والخِلَافُ فيما عدا هؤلاءِ، فعندنا لا يَرْجِعُ إلَّا الوالِدُ، وعندَهم لا يَرْجِعُ إلَّا الأجْنَبِيُّ. فأمَّا هِبَةُ المَرْأةِ لِزَوْجِها، فعن أحمدَ فيه رِوَايَتانِ؛ إحداهما، لا رُجُوعَ لها فيها. وهذا قولُ عمرَ بن عبد العزيزِ، والنَّخَعِيِّ، ورَبِيعةَ، ومالِكٍ، والثَّوْرِيِّ، والشافِعيِّ، وأبى ثَوْرٍ، وأصْحابِ الرَّأْى. وهو قولُ عَطَاءٍ، وقَتَادَةَ. والثانية، لها الرُّجُوعُ. قال الأَثْرَمُ: سَمِعْتُ أحمدَ يُسْأَلُ عن المَرْأةِ تَهَبُ، ثم تَرْجِعُ، فرَأَيْتُه يَجْعَلُ النِّساءَ غيرَ الرِّجَالِ. ثم ذَكَرَ الحَدِيثَ: "إنَّما يَرْجِعُ
стр. 4078
في الْمَواهِبِ النِّساءُ وشِرَارُ الَأَقْوامِ" (٨). وذَكَرَ حَدِيثَ عمرَ: إنَّ النِّسَاءَ يُعْطِينَ أزْوَاجَهُنَّ رَغْبَةً ورَهْبَةً، فأيُّما امْرَأةٍ أَعْطَتْ زَوْجَها شَيْئًا، ثم أرادَتْ أنَّ تَعْتَصِرَه، فهى أحَقُّ به. رَوَاهُ الأَثْرَمُ بإسْنادِه (٩). وهذا قول شُرَيْحٍ، والشَّعْبِيِّ، وحَكَاهُ الزُّهْرِيُّ عن القُضَاةِ. وعن أحمدَ رِوَايةٌ أخرى ثالِثةٌ، نَقَلَها أبو طَالِبٍ، إذا وَهَبَتْ له مَهْرَها، فإن كان سَأَلها ذلك، رَدَّهُ إليها، رَضِيَتْ أو كَرِهَتْ؛ لأنَّها لا تَهَبُ إلَّا مَخَافَةَ غَضَبِه، أو [إضْرَارٍ بها] (١٠) بأن يَتَزَوَّجَ عليها. وإن لم يكُنْ سَأَلَها، وتَبَرَّعَتْ به، فهو جائِزٌ. فظاهِرُ هذه الرِّوَايةِ، أنَّه متى كانت مع الهِبَةِ قَرِينَةٌ، من مَسْأَلَتِه لها، أو غَضَبِه عليها، أو ما يَدُلُّ على خَوْفِها منه، فله الرُّجُوعُ، لأنَّ شاهِدَ الحالِ يَدلُّ على أنَّها لم تَطِبْ بها نَفْسُها، وإنَّما أبَاحَه اللهُ تعالى عندَ طِيبِ نَفْسِها، بقوله تعالى: ﴿فَإِنْ طِبْنَ لَكُمْ عَنْ شَيْءٍ مِنْهُ نَفْسًا فَكُلُوهُ هَنِيئًا مَرِيئًا﴾ (١١). وظاهِرُ كَلَامِ الخِرَقِيِّ الرِّوايَةُ الأُولَى، وهو اختِيارُ أبى بَكْرٍ؛ لقولِ اللَّه تعالى: ﴿إِلَّا أَنْ يَعْفُونَ أَوْ يَعْفُوَ الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكَاحِ﴾ (١٢). وقال تعالى: ﴿فَإِنْ طِبْنَ لَكُمْ عَنْ شَيْءٍ مِنْهُ نَفْسًا فَكُلُوهُ هَنِيئًا مَرِيئًا﴾. وعُمُومُ الأحَادِيثِ التي قَدَّمْناهَا.
فصل: ولا يجُوزُ لِلمُتَصَدِّقِ الرُّجُوعُ في صَدَقَتِه، في قولِهم جميعا؛ لأنَّ عمرَ قال في حَدِيثه: مَنْ وَهَبَ هِبَةً على وَجْهِ صَدَقةٍ، فإنَّه لا يَرْجِعُ فيها (١٣). مع عُمُومِ أحادِيثِنا، فاتَّفَقَ دَلِيلُهُم ودَلِيلُنا، فلذلك اتَّفَقَ قَوْلُهم وقَوْلُنا.
стр. 4079
فصل: والهِبَةُ المُطْلَقةُ، لا تَقْتَضِى ثَوَابًا، سواءٌ كانت من الإِنْسانِ لمِثْلِه أو دُونِه أو أعْلَى منه. وبهذا قال أبو حنيفَةَ. وقال الشافِعِيُّ في الهِبَةِ لمِثْلِه أو دونه كَقَوْلِنا. فإن كانت لأَعْلَى منه، ففيها قَوْلَانِ؛ أحدهما، أنَّها تَقْتَضِى الثَّوابَ. وهو قول مالِكٍ، لقولِ عمرَ، رَضِىَ اللهُ عنه: ومن وَهَبَ هِبَةً أرادَ بها الثَّوَابَ، فهو على هِبَتِه، يَرْجِعُ فيها إذا لم يَرْضَ منها (١٤). ولَنا، أنَّها عَطِيَّةٌ على وَجْهِ التَّبَرُّعِ، فلم تَقْتَضِ ثوَابًا، كهِبَةِ المِثْلِ والوَصِيَّةِ، وحَدِيثُ عمرَ قد خَالَفَه ابْنُه وابنُ عَبَّاسٍ، فإنْ عَوَّضَه عن الهِبَةِ، كانت هِبَةً مُبْتَدَأةً لا عِوَضًا، أيُّهما أصابَ عَيْبًا لم يكُنْ له الرَّدُّ. وإن خَرَجَتْ مُسْتَحَقّةً، أخَذَها صاحِبُها، ولم يَرْجِع المَوْهُوبُ له بِبَدَلِها. فإن شَرَطَ في الهِبَةِ ثَوَابًا مَعْلُومًا، صَحَّ. نَصَّ عليه أحمدُ؛ لأنَّه تَمْلِيكٌ بِعِوَضٍ مَعْلُومٍ، فهو كالبَيْعِ، وحُكْمُها حُكْمُ البَيْعِ، في ضَمَانِ الدَّرَكِ، وثُبُوتِ الخِيَارِ والشُّفْعْةِ. وبهذا قال أصْحابُ الرأى. ولأَصْحابِ الشافِعِيِّ قولٌ، أنَّه لا يَصِحُّ؛ لأنَّه شَرَطَ في الهِبَةِ ما يُنَافِى مُقْتَضاها ولَنا، أنَّه تَمْلِيكٌ بِعِوَضٍ، فصَحَّ ما لو قال: مَلَّكْتُكَ هذا بِدِرْهَمٍ. فإنَّه لو أطْلَقَ التَّمْلِيكَ كان هِبَةً، وإذا ذَكرَ العِوَض صارَ بَيْعًا. وقال أبو الخَطَّابِ: وقد رُوِىَ عن أحمدَ ما يَقْتَضِي أن يَغْلِبَ في هذا حُكْمُ الهِبَةِ، فلا تَثْبُتُ فيها أحْكَامُ البَيْعِ المُخْتَصَّةُ به. فأمَّا إن شَرَطَ ثَوَابًا مَجْهُولًا، لم يَصِحَّ، وفَسَدَتِ الهِبَةُ، وحُكْمُها حُكْمُ البَيْعِ الفاسِدِ، يَرُدُّها المَوْهُوبُ له بِزِيَادَتِها المُتَّصِلَةِ والمُنْفَصِلَةِ؛ لأنَّه نَمَاءُ مِلْكِ الواهِبِ. وإن كانت تَالِفةً (١٥)، رَدَّ قِيمَتَها، وهذا قولُ الشافِعِيِّ، وأبى ثَوْرٍ. وظاهِرُ كلامِ أحمدَ، ﵀، أنَّها تَصِحُّ، فإذا أعْطاه عنها عِوَضًا رَضِيَه، لَزِمَ العَقْدُ بذلك، فإنَّه قال، في رِوَايةِ محمدِ بن الحَكَمِ: إذا قال الواهِبُ: هذا لك على أن تُثِيبَنِى. فله أن يَرْجِعَ إذا لم يُثِبْه، لأنَّه شَرْطٌ. وقال، في رِوَايةِ إسماعيلَ بن سَعِيدٍ: إذا وَهَبَ له على وَجْهِ الإِثَابةِ،
стр. 4080
فلا يجوزُ إلَّا أن يُثِيبَه عنها (١٦)، فعلى هذا عليه أن يُعْطِيَه حتى يُرْضِيَهُ، فإن لم يَفْعَلْ فلِلْوَاهِبِ الرُّجُوعُ. ويَحْتَمِلُ أن يُعْطِيَه قَدْرَ قِيمَتها. والأَوّلُ أصَحُّ؛ لأنَّ هذا بَيْعٌ، فيُعْتَبَرُ فيه التَّرَاضِى، إلَّا أنَّه بَيْعٌ بالمُعَاطاةِ، فإذا عَوَّضَه عِوَضًا رَضِيَه، حَصَلَ البَيْعُ بما حَصَلَ من المُعَاطاةِ مع التَّرَاضِي بها، وإن لم يَحْصُل التَّرَاضِي، لم تَصِحَّ؛ لِعَدَمِ العَقْدِ، فإنَّه لم يُوجَد الإِيجابُ والقَبُولُ ولا المُعاطَاةُ مع التَّرَاضِي والأصْلُ في هذا قولُ عمرَ، رَضِىَ اللهُ عنه: مَنْ وَهَبَ هِبَةً أرادَ بها الثَّوَابَ، فهو على هِبَتِه، يَرْجِعُ فيها إذا لم يَرْضَ منها. ورُوِى مَعْنَى ذلك عن عليٍّ، وفَضَالةَ بن عُبَيْدٍ، ومالِكِ بن أنَسٍ. وهو قولُ الشافعِيِّ، على القولِ الذي يَرَى أنَّ الهِبَةَ المُطْلَقةَ تَقْتَضِى ثَوَابًا. وقد رَوَى أبو هُرَيْرَةَ، أنَّ أعْرَابِيًّا وَهَبَ للنبيِّ ﷺ ناقةً، فأعْطاهُ ثَلَاثًا فأبَي، فزَادَه ثَلَاثًا، فأبَى، فزَادَه ثَلَاثًا، فلما كَمُلَتْ تِسْعًا، قال: رَضِيتُ: فقال النبيُّ ﷺ : "لقد هَمَمْتُ أنْ لَا أَتَّهِبَ إلَّا مِنْ قُرَشِيٍّ أو أنْصَارِيٍّ أو ثَقَفِيٍّ أو دَوْسِيٍّ". من "المُسْنَدِ" (١٧). قال أحمدُ: إذا تَغيَّرَتِ العَيْنُ المَوْهُوبةُ بزِيَادَةٍ أو نُقْصانٍ، ولم يُثِبْه منها، فلا أرَى عليه نُقْصانَ ما نَقَصَ عندَه إذا رَدَّه إلى صاحِبه، إلَّا أن يكونَ ثَوْبًا لَبِسَه، أو غُلَامًا اسْتَعْمَلَه، أو جارِيةً اسْتَخدَمَها، فأمَّا غيرُ ذلك إذا نَقَصَ فلا شىءَ عليه، فكان عندى مثلَ الرَّهْنِ، الزِّيَادَةُ والنُّقْصانُ لِصَاحِبِه.
٩٣٧ - مسألة؛ قال: (وإذَا قَالَ: دَارِى لَكَ عُمُرِى. أوْ هِىَ لَك عُمُرَكَ. فَهِىَ لَهُ ولوَرَثَتِهِ مِنْ بَعْدِهِ)
العُمْرَى والرُّقْبَى: نَوْعان من الهِبَةِ، يَفْتَقِرَانِ إلى ما يَفْتَقِرُ إليه سائِرُ الهبَاتِ من
стр. 4081
الإِيجابِ والقَبُولِ والقَبْضِ، أو ما يَقُومُ مَقَامَ ذلك عندَ من اعْتَبَرَهُ. وصُورَةُ العُمْرَى أن يقولَ الرَّجُلُ: أعْمَرْتُكَ دارِى هذه، أو هي لك عُمُرِى، أو ما عِشْتُ، أو مُدَّةَ حَيَاتِكَ، أو ما حَيِيتَ، أو نحو هذا. سُمِّيَتْ عُمْرَى لِتَقْيِيدِها بالعُمْرِ. والرُّقْبَى: أن يقولَ: أرْقَبْتُكَ هذه الدَّارَ، أو هي لك حَيَاتَكَ، على أنَّك إن مِتَّ قبلى عادَتْ إليَّ، وإن مِتُّ قبلك فهى لك ولِعَقِبِكَ. فكأنَّه يقولُ: هي لآخِرِنَا مَوْتًا. وبذلك سُمِّيَتْ رُقْبَى؛ لأنَّ كلَّ واحدٍ منهما يَرْقُبُ مَوْتَ صاحِبه. وكلاهما جائِزٌ، في قولِ أكْثَر أهْلِ العِلْمِ، وحُكِىَ عن بعضهم أنَّها لا تَصِحُّ؛ لأنَّ النبيَّ ﷺ قال: "لا تُعْمِرُوا ولا تُرْقِبُوا" (١). ولَنا، ما رَوَى جابِرٌ، قال: قال رسولُ اللَّه ﷺ : "العُمْرَى جائِزَةٌ لأَهْلِهَا، والرُّقْبَى جائِزَةٌ لأَهْلِها". رَوَاه أبو دَاوُدَ، والتِّرْمِذِيُّ (٢). وقال: حَدِيثٌ حَسَنٌ. فأمَّا النَّهْىُ، فإنَّما وَرَدَ على سَبِيلِ الإِعْلامِ لهم إنَّكم إن أعْمَرْتُمْ أو أَرْقَبْتُم يَعُدْ لِلْمُعْمَرِ والمُرْقَبِ، ولم يَعُدْ إليكم منه شيءٌ. وسِياقُ الحَدِيثِ يَدُلُّ عليه، فإنَّه (٣) قال: "فَمَنْ أعْمَرَ عُمْرَى، فَهِىَ لِمَنْ أُعْمِرَها حَيًّا ومَيِّتًا وعَقِبِهِ". ولو أُرِيدَ به حَقِيقَةُ النَّهْىِ، لم يَمْنَعْ ذلك صِحَّتَها؛ فإنَّ النَّهْىَ إنَّما يَمْنَعُ صِحَّةَ ما يُفِيدُ المَنْهِى عنه فائِدَةً، أمَّا إذا كان صِحَّةُ المَنْهِىِّ عنه ضَرَرًا على مُرْتَكِبِه، لم يَمْنَعْ صِحَّتَه، كالطَّلَاقِ في زَمَنِ الحَيْضِ، وصِحَّةُ العُمْرَى ضَرَرٌ على المُعْمِرِ، [فإنَّ مِلْكَه يَزُولُ] (٤) بغير عِوَضٍ. إذا
стр. 4082
ثَبَتَ هذا، فإنَّ العُمْرَى تَنْقُلُ المِلْكَ إلى المُعْمَرِ. وبهذا قال جابِرُ بن عبدِ اللَّه، وابنُ عمرَ، وابنُ عَبَّاسٍ، وشُرَيْحٌ، ومجاهِدٌ، وطاوُسٌ، والثَّوْرِيُّ، والشافِعِيُّ، وأصْحابُ الرَّأْىِ، ورُوِى ذلك عن عليٍّ. وقال مالِكٌ، واللَّيْثُ: العُمْرَى تَمْلِيكُ المَنَافِعِ، لا تُمْلَكُ بها رَقَبَةُ المُعْمِرِ بحالٍ، ويكون لِلْمُعْمَرِ السُّكْنَى، فإذا ماتَ عادَتْ إلى المُعْمِرِ. وإن قال: له ولِعَقِبِه. كان سُكْناهَا لهم، فإذا انْقَرَضُوا عادَتْ إلى المُعْمِرِ. واحْتَجَّا بما رَوَى يحيى بن سَعِيدٍ، عن عبد الرَّحْمنِ بن القاسمِ، قال: سَمِعْتُ مَكْحُولًا يَسْأَلُ القاسِمَ بن محمدٍ عن العُمْرَى، ما يقول الناسُ فيها؟ فقال القاسِمُ: ما أدْرَكْتُ الناسَ إلَّا على شُرُوطِهِم في أمْوالِهِم وما أَعْطَوْا. وقال إبْراهيمُ بن إسحاقَ الحَرْبِىّ، عن ابن الأعْرابِىِّ: لم يَخْتَلِف العَرَبُ في العُمْرَى، والرُّقْبَى، والإِفْقارِ (٥)، والإِخْبالِ (٦)، والمِنْحَةِ (٧)، والعَرِيَّةِ، والعارِيَّةِ، والسُّكْنَى، والإِطْرَاقِ، أنَّها على مِلْكِ أرْبابِها، ومَنَافِعُها لمن جُعِلَتْ له. ولأنَّ التّملِيكَ لا يَتَأَقَّتُ، كما لو بَاعَهُ إلى مُدَّةٍ، فإذا كان لا يَتَأَقَّتُ، حُمِلَ قولُه على تَمْلِيكِ المنافِعِ؛ لأنَّه يَصِحُّ تَوْقِيتُه. ولَنا، ما رَوَى جابِرٌ قال: قال النبيُّ ﷺ : "أمْسِكُوا عَلَيْكُم أمْوَالَكُمْ، ولا تُفْسِدُوهَا، فإنَّه مَنْ أعْمَرَ عُمْرَى، فَهِىَ لِلَّذِى أُعْمِرَها حَيًّا ومَيِّتًا ولِعَقِبِهِ". رَوَاه مُسْلِمٌ (٨). وفى لَفْظٍ: قَضَى رَسُولُ اللَّه ﷺ بالعُمْرَى لمن وُهِبَتْ له. مُتَّفَقٌ عليه (٩).
стр. 4083
ورَوَى ابنُ ماجَه (١٠)، عن ابن عُمَرَ، قال: قال رسولُ اللهِ ﷺ : "لَا رُقْبَى، فَمَنْ أُرْقِبَ شَيْئًا، فَهُو لَهُ حَيَاتَهُ ومَوْتَهُ". وعن زَيْدِ بن ثابِتٍ، أن النبيَّ ﷺ جَعَلَ العُمْرَى لِلْوارِثِ (١١). وقد رَوَى مالِكٌ حَدِيثَ العُمْرَى، في "مُوَطَّئِه" (١٢)، وهو صَحِيحٌ رَوَاه جابِرٌ، وابنُ عمرَ، وابنُ عَبَّاسٍ (١٣)، ومُعَاوِيةُ، وزَيْدُ بن ثابِتٍ، وأبو هُرَيْرةَ (١٤). وقول القاسِمِ لا يُقْبَلُ في مُخَالَفَةِ مَنْ سَمَّيْنَا من الصَّحَابةِ والتّابِعِينَ، فكيف يُقبَلُ في مُخَالَفةِ قولِ (١٥) سَيِّدِ المُرْسَلِينَ، ولا يَصِحُّ أن يُدَّعَى إجْمَاعُ أهْلِ المَدِينَةِ، لِكَثْرَةِ من قال بها منهم، وقَضَى بها طارِقٌ (١٦) بالمَدِينةِ بأمْرِ عبد المَلِكِ بن مَرْوَانَ. وقولُ ابن الأعْرَابِيِّ: إنَّها عندَ العَرَبِ تَمْلِيكُ المَنافِعِ. لا يَضُرُّ إذا نَقَلَها الشَّرْعُ إلى تَمْلِيكِ الرَّقَبةِ، كما نَقَلَ الصَّلَاةَ من الدُّعاءِ إلى الأفْعالِ المَنْظُومَةِ، ونَقَلَ الظِّهَارَ والإِيلَاءَ من الطَّلَاقِ إلى أحْكَامٍ مَخْصُوصَة. قولُهم: إنَّ التَمْلِيكَ لا يَتَأَقَّتُ. قُلْنا: فلذلك أَبْطَلَ الشَّرْعُ تَأْقِيتَها، وجَعَلَها تَمْلِيكًا مُطْلَقًا.
стр. 4084
فصل: إذا شَرَطَ في العُمْرَى أنَّها لِلْمُعْمَرِ وعَقِبِه، فهذا تَأْكِيدٌ لِحُكْمِها، وتكون لِلْمُعْمَرِ ووَرَثَتِه. وهذا قول جَمِيعِ القائِلِينَ بها. وإذا أطْلَقَها فهى لِلمُعْمَرِ ووَرَثَتِه أيضًا؛ لأنَّها تَمْلِيكٌ لِلرَّقَبةِ، فأشْبَهَتِ الهِبَةَ. فإن شَرَطَ أنَّك إذا مِتَّ فهى لِى. فعن أحمدَ رِوَايتانِ؛ إحداهما، صِحّةُ العَقْدِ والشَّرْطِ، ومتى ماتَ المُعْمَر رَجَعَتْ إلى المُعْمِرِ. وبه قال القاسِمُ بن محمدٍ، وزَيْدُ بن قسيطٍ (١٧)، والزُّهْرِيُّ، ومالِكٌ، وأبو سَلَمةَ بن عبد الرَّحْمنِ، وابنُ أبي ذِئْبٍ (١٨)، ومالِكٌ، وأبو ثَوْرٍ، وداوُدُ. وهو أحدُ قَوْلَىِ الشافِعِيِّ؛ لما رَوَى جابِرٌ، قال: إنَّما العُمْرَى التي أجازَ رسولُ اللَّه ﷺ أن يقول: هي لكَ ولِعَقِبِكَ. فأمَّا إذا قال: هي لكَ ما عِشْتَ. فإنها تَرْجِعُ إلى صاحِبِها. مُتَّفَقٌ عليه (١٩). ورَوَى مالِكٌ، في "مُوَطَّئِه" (٢٠)، عن جابِرٍ، أنَّ رسولَ اللَّه ﷺ قال: "أيُّمَا رَجُلٍ أعْمرَ عُمْرَى لَهُ، ولِعَقِبِه، فَإنَّها لِلَّذِى أُعْطِيَها، لا تَرْجِعُ إلَى الَّذِى أعْطَاهَا". لأنَّه أعْطَى عَطَاءً وَقَعَتْ فيه المَوارِيثُ. وقال القاسِمُ بن محمدٍ: ما أدْرَكْتُ الناسَ إلَّا على شُرُوطِهِم في أمْوالِهِم. والرواية الثانية، أنَّها تكون لِلمُعْمَرِ ولوَرَثَتِه، ويَسْقُطُ الشَّرْطُ. وهذا قول الشافِعِيِّ الجَدِيدِ، وقول أبي حنيفةَ. وهو ظاهرُ المذْهَبِ. نَصَّ عليه أحمدُ، في رِوَايةِ أبي طَالبٍ؛ للأحادِيثِ المُطْلَقةِ التي ذَكَرْناها، وقولِ رسولِ اللَّه ﷺ : "لَا رُقْبَى، فَمَن أُرْقِبَ شَيْئًا، فَهُوَ لَهُ فِي حَيَاتِه ومَوْتِهِ". وقال
стр. 4085
مجاهِدٌ: الرُّقْبَى أن يقول هي للآخِر مِنِّى ومِنْكَ مَوْتًا. ورَوَى الإِمامُ أحمدُ (٢١)، بإسْنادِه، عن النبيِّ ﷺ ، أنَّه قال: "لَا عُمْرَى، ولَا رُقْبَى، فَمَنْ أُعْمِرَ شَيْئًا، أو أُرْقِبَهُ، فَهُوَ لَهُ حَيَاتهُ ومَوْتَهُ". وهذا صَرِيحٌ في إبْطالِ الشَّرْطِ؛ لأنَّ الرُّقْبَى يُشْتَرَطُ فيها عَوْدُها إلى المُرْقِبِ إن ماتَ الآخَرُ قَبْلَه. وأمَّا حَدِيثُهم الذي احْتَجُّوا به، فمن قولِ جابِرٍ نَفسِه، وأمَّا نقْلُ لَفْظِ النبيِّ ﷺ قال: "أمْسِكُوا عَلَيْكُمْ أمْوَالَكُمْ، ولَا تُفْسِدُوهَا، فإنَّه مَنْ أَعْمَرَ عُمْرَى فَهِىَ لِلَّذِى أُعْمِرَهَا، حَيًّا ومَيّتًا، ولِعَقِبهِ". ولأنَّا لو أجَزْنا هذا الشَّرْطَ، كانت هِبَةً مُؤَقَّتةً، والهِبَةُ لا يجوزُ فيها التَّأْقِيتُ (٢٢)، ولم يُفْسِدْها الشَّرْطُ؛ لأنَّه ليس بِشَرْطٍ على المُعْمَرِ، وإنَّما شَرْطُ ذلك على وَرَثَتِه، ومتى لم يكُنِ الشَّرْطُ مع المَعْقُودِ معه، لم يُؤَثِّرْ فيه. وأمَّا قولُه في الحَدِيثِ الآخَرِ: إنَّه أعْطَى عَطَاءً وَقَعَتْ فيه المَوَارِيثُ. فهذه الزِّيَادَةُ من كلامِ أبي سَلَمةَ بن عبد الرحمنِ، كذلك رَوَاه ابنُ أبي ذِئْبٍ (٢٣)، و فَصَّلَ هذه الزِّيَادَةَ فقال عن النبيِّ ﷺ ، إنَّه قَضَى في مَن أُعْمِرَ عُمْرَى له ولِعَقِبِه، فهى له بَتْلَةً (٢٤)، لا يَجُوزُ لِلْمُعْطِى فيها شَرْطٌ ولا مَثْنَوِيَّةٌ (٢٥). قال أبو سَلَمةَ: لأنَّه أعْطَى عَطَاءً وَقَعَتْ فيه المَوارِيثُ.
فصل: والرُّقْبَى هي أن يقول: هذا لك عُمُرَكَ، فإن مِتَّ قَبْلِى رَجَعَ إلىَّ، وإن مِتُّ قَبْلكَ فهو لك. ومَعْناه هي لآخِرِنَا مَوْتًا. وكذلك فَسّرَها مجاهِدٌ. سُمِّيَتْ رُقْبَى لأنَّ كلَّ واحدٍ منهما يَرْقُبُ مَوْتَ صاحِبِه. وقد رُوِىَ عن أحمدَ أنَّه قال: هي أن يقولَ: هي لك حَيَاتكَ، فإذا مُتَّ فهى لِفُلانٍ، أو هي راجِعَةٌ إلىَّ. والحُكْمُ فيها على ما تَقَدَّمَ
стр. 4086
ذِكْرُه، وأنَّها كالعُمْرَى إذا شَرَطَ عَوْدَها إلى المُعْمِرِ. وقال علِيٌّ، رَضِىَ اللَّه عنه: العُمْرَى والرُّقْبَى سواءٌ. وقال طاوُسٌ: مَن أُرْقِبَ شيئا فهو على سَبِيلِ المِيرَاثِ. وقال الزُّهْرِىُّ: الرُّقْبَى وَصِيَّةٌ. يعني أنَّ مَعْناها إذا مِتُّ فهذا لك. وقال الحَسَنُ، ومالِكٌ، وأبو حَنِيفةَ: الرُّقْبَى باطِلَةٌ؛ لما رُوِىَ أنَّ النبيَّ ﷺ أجازَ العُمْرَى، وأبْطَلَ الرُّقْبَى (٢٦). ولأنَّ مَعْناها أنَّها للآخِرِ مِنَّا، وهذا تَمْلِيكٌ مُعَلَّقٌ بِخَطَرٍ، ولا يجوزُ تَعْلِيقُ التَّمْلِيكِ بالخَطَرِ. ولَنا، ما رَوَيْناه من الأخْبارِ، وحَدِيثُهُم لا نَعْرِفُه، ولا نُسَلِّمُ أنَّ مَعْناها ما ذَكَرُوه، بل مَعْناها أنَّها لك حَياتكَ، فإن مُتَّ رَجَعَتْ إليَّ. فتكونُ كالعُمْرَى سواءً، إلَّا أنه زادَ شَرْطَها لِوَرَثةِ المُرْقَبِ، إن ماتَ المُرْقَبُ قبلَه، وهذا يُبَيِّنُ تَأْكِيدَها على العُمْرَى.
فصل: وتَصِحُّ العُمْرَى في غير العَقَارِ، من الحَيَوانِ، والنَّباتِ (٢٧)؛ لأنَّها نَوْعُ هِبَةٍ، فصَحَّتْ في ذلك، كسائِر الهِبَاتِ. وقد رُوِى عن أحمدَ في الرَّجُلِ يُعْمَرُ الجارِيَةَ: فلا أرَى له وَطْأها. قال القاضِى: لم يَتَوَقَّفْ أحمدُ عن وَطْءِ الجارِيَةِ لِعَدَمِ المِلْكِ فيها، لكنْ على طَرِيقِ الوَرَعِ؛ لأنَّ الوَطْءَ اسْتِباحَةُ فَرْجٍ، وقد اخْتُلِفَ في صِحَّةِ العُمْرَى، وجَعَلَها بعضُهم تَمْلِيكَ المنافِعِ، فلم يَرَ له وَطْأَها لهذا، ولو وَطِئَها كان جائِزًا.
стр. 4087
فصل: وإن وَقَّتَ الهِبَةَ إلى غيرِ العُمْرَى والرُّقْبَى، فقال: وَهَبْتُكَ هذا لِسَنَةٍ، أو إلى أن يَقْدَم الحاجُّ، أو إلى أن يَبْلُغَ وَلَدِى، أو مُدَّةَ حَيَاةِ فُلانٍ. ونحو هذا، لم يَصِحَّ؛ لأنَّها تَمْلِيكٌ لِلرَّقَبةِ، فلم تَصِحَّ مُؤَقَّتةً، كالبَيْعِ، وتُفَارِقُ العُمْرَى والرُّقْبِى؛ لأنَّ الإِنْسانَ إنَّما يَمْلِكُ الشيءَ عُمْرَه، فإذا مَلَكَه عُمْرَه فقد وَقَّتَه بما هو مُؤَقَّتٌ به في الحَقِيقةِ، فصارَ ذلك كالمُطْلَقِ. وإن شَرَطَ رُجُوعَها إليه بعدَ ذلك، كان شَرْطًا على غير المَوْهُوبِ له، بخِلَافِ غيرِه.
٩٣٨ - مسألة؛ قال: (وَإنْ قَالَ: سُكْنَاهَا لَك عُمُرَكَ. كَانَ لَهُ أخذُهَا أيَّ وَقْتٍ أحَبَّ؛ لأنَّ السُّكْنَى لَيْسَتْ كالعُمْرَى والرُّقْبَى)
أمَّا إذا قال: سُكْنَى هذه الدَّار لك عُمُرَكَ، أو اسْكُنها (١) عُمُرَكَ. أو نحو ذلك، فليس ذلك بِعَقْدٍ لازِم؛ لأنَّه في التَّحْقِيقِ هِبَةُ المَنافِعِ، والمَنَافِعُ إنَّما تُسْتَوْفَى بِمُضِيِّ الزَّمانِ شيئا فشيئا، فلَا تَلْزَمُ إلّا في قَدْرِ ما قَبَضَه منها واسْتَوْفاه بالسُّكنَى. ولِلْمُسْكِنِ الرُّجُوعُ متى شاءَ، وأيُّهما ماتَ بَطَلَتِ الإِباحَةُ. وبهذا قال أكْثَرُ العُلَماءِ، وجَماعَةُ أهْلِ الفَتْوَى، منهم؛ الشَّعْبِىُّ، والنَّخَعِىُّ، والثَّورِيُّ، والشافِعِىُّ، وإسحاقُ، وأصْحابُ الرَّأْى. ورُوِى مَعْنَى ذلك عن حَفصَةَ. وقال الحَسَنُ، وعَطَاءٌ، وقَتَادَةُ: هي كالعُمْرَى، تكونُ له ولِعَقِبه؛ لأنَّها في مَعْنَى العُمْرَى، فيَثْبُتُ فيها مثل حُكْمِها. وحُكِى عن الشَّعْبِيِّ أنَّه إذَا قال: هي لك، اسْكُنْ حتى تَمُوتَ. فهى له حَيَاتَه ومَوْتَه. وإن قال: دَارِى هذه اسْكُنْها حتى تَمُوتَ. فإنَّها تَرْجِعُ إلى صاحِبِها؛ لأنه إذا قال: هي لك. فقد جَعَلَ له رَقَبَتَها، فتكون عُمْرَى. فإذا قال: اسْكُنْ دارِى هذه. فإنَّما جَعَل لي نَفْعَها دون رَقَبَتِها، فتكون عارِيَّةً. ولَنا، أنَّ هذا إباحَةُ المنَافِعِ، فلم يَقَعْ لازِمًا كالعارِيَّةِ. وفارَقَ العُمْرَى فإنَّها هِبَةٌ لِلرَّقَبةِ. فأمَّا إذا قال: هذه لك، اسْكُنْها حتى تَمُوتَ. فإنَّه يَحْتَمِلُ (٢) لك سُكْنَاها حتى تَمُوتَ.
стр. 4088
وتَفْسِيرُها بذلك دَلِيلٌ على أنَّه أرادَ السُّكْنَى، فأشْبَهَ ما لو قال: هذه لك سُكْنَاها. وإذا احْتَمَلَ أن يُرِيدَ له الرَّقَبةَ، واحْتَمَلَ أن يُرِيدَ السُّكْنَى، فلا نُزِيلُ مِلْكَه بالاحْتِمالِ.
فصل: إذا وَهَبَ هِبَةً فاسِدَةً، أو باعَ بَيْعًا فاسِدًا، ثم وَهَبَ تلك العَيْن، أو باعَها بِعَقْدٍ صَحِيحٍ، مع عِلْمِه بِفَسَادِ الأَوَّل، صَحَّ العَقْدُ الثاني؛ لأنَّه تَصَرَّفَ في مِلْكِه، عالِمًا بأنَّه مِلْكُه. وإن كان يَعْتَقِدُ صِحَّةَ العَقْدِ الأوَّلِ، ففى صِحَّةِ الثاني وَجْهَانِ؛ أحدهما، صَحَّتُه؛ لأنَّ تَصَرُّفَه صادَفَ مِلْكَه، وتَمَّ بِشُرُوطِه، فصَحَّ، كما لو عَلِمَ فسَادَ الأَوَّلِ. والثاني، لا يَصِحُّ؛ لأنَّه تَصَرَّفَ تَصَرُّفًا يَعْتَقِدُ فَسَادَه، فَفَسَدَ (٣)، كما لو صَلَّى يَعْتَقِدُ أنَّه مُحْدِثٌ، فبانَ مُتَطَهِّرًا. وهكذا لو تَصَرَّفَ في عَيْنٍ يَعْتَقِدُ أنَّها لأبِيه، فبانَ أنَّه قد ماتَ ومَلَكَها بالمِيرَاثِ، أو غَصَبَ عَيْنَها فباعَها يَعْتَقِدُها مَغْصُوبةً، فبانَ أنَّها مِلْكُه، فعلى الوَجهَيْنِ. قال القاضي: أصْلُ الوَجْهَيْنِ مَن باشَرَ امْرَأةً بِطَلَاقٍ يَعْتَقِدُها أجْنَبِيّةً، فبانَتِ امْرَأتُه، أو واجَه بالعِتْقِ مَن يَعتَقِدُها حُرَّةً، فبانَتْ أمَتُه، ففى وُقُوعِ الطَّلَاقِ والحُرِّيَّةِ رِوَايتانِ. ولِلشّافِعِيَّةِ في هذه المَسَائِل وَجْهانِ، كما حَكَيْنا. واللَّه أعلمُ.
стр. 4089
كتابُ اللُّقَطَةِ
وهى المالُ الضائِعُ من رَبِّه، يَلْتَقِطُه غيرُه. قال الخَلِيلُ بن أحمدَ: اللُّقَطَةُ، بِفَتْحِ القافِ: اسم لِلْمُلْتَقِطِ؛ لأنَّ ما جَاءَ على فُعَلَةٍ، فهو اسْمٌ لِلْفاعِلِ، كقَوْلِهم: هُمَزَة ولُمَزَة وضُحَكَة وهُزَأَة. واللُّقْطَةُ، بِسُكُونِ القافِ: المالُ المَلْقُوطُ، مثل الضُّحْكَةِ الذي يُضْحَكُ منه، والهُزْأَة الذي يُهْزَأُ به. وقال الأصْمَعِيُّ، وابنُ الأعرَابِيِّ، والفَرَّاءُ: هي بِفَتْحِ القافِ، اسْمٌ للمالِ المَلْقُوطِ أيضًا. والأصْلُ في اللُّقَطَةِ ما رَوَى زَيْدُ بن خالِدٍ الجُهَنِيّ قال: سُئِلَ رسولُ اللهِ ﷺ عن لُقَطَةِ الذَّهَبِ والوَرِقِ، فقال: "اعْرِفْ وِكَاءَهَا، وعِفَاصَهَا، ثم عَرِّفْها سَنَةً، فَإنْ لم تُعْرَفْ فَاسْتَنْفِقْهَا، ولْتَكُنْ وَدِيعَةً عِنْدَكَ، فَإنْ جاءَ طَالِبُها يَوْمًا مِنَ الدَّهْرِ، فَادْفَعْهَا إلَيْهِ". وسَأَلَهُ عن ضالَّةِ الإِبِلِ، فقال: "مَالَكَ ولَهَا، دَعْهَا، فَإنَّ مَعَها حِذَاءَها وسِقَاهَا، تَرِدُ الْماءَ (١)، وتأْكُلُ الشَّجَرَ، حَتَّى يَجِدَهَا رَبُّها". وسَأَلَه عن الشَّاةِ، فقال: "خُذْهَا، فَإنَّمَا هِىَ لَكَ، أوْ لأَخِيكَ، أوْ لِلذِّئْبِ". مُتَّفَقٌ عليه (٢). والوِكَاءُ: الخَيْطُ الذي يُشَدُّ به المالُ في الخِرْقَةِ. والعِفَاصُ: الوِعَاءُ الذي هي فيه، من خِرْقَةٍ أو قِرْطاسٍ أو غيرِه. قالَه
стр. 4090
أبو عُبَيْدٍ. والأصْلُ في العِفَاصِ أنَّه الجِلْدُ الذي يُلْبِسُه رَأْسَ القارُورَةِ. قوله: "مَعَهَا حِذَاءَها". يَعْنِى خُفَّها، فإنَّه لِقُوَّتِه وصَلَابَتِه يَجْرِى مَجْرَى الحِذَاءِ. وسِقَاؤُها: بَطْنُها؛ لأنَّها تَأْخُذُ فيه ماء كثِيرًا، فيَبْقَى معها يَمْنَعُها العَطَشَ. والضَّالَّةُ: اسْمٌ للحَيَوانِ (٣) خاصّةً، دُونَ سائِر اللُّقَطَةِ، والجَمْعُ ضَوَالُّ، ويقال لها أيضًا: الهَوَامِى والهَوَافِى والهَوَامِلُ.
فصل: قال إمامُنا، ﵀: الأفْضَلُ تَرْكُ الالتِقَاطِ. ورُوِى مَعْنَى ذلك عن ابن عَبَّاسٍ، وابنِ عُمرَ. وبه قال جابِرُ بنُ زَيْدٍ، والرَّبِيعُ بن خُثَيْمٍ (٤)، وعَطَاءٌ. ومَرَّ شُرَيْحٌ بِدِرْهَمٍ، فلم يَعْرِضْ له. واخْتارَ أبو الخَطّابِ أنَّه (٥) إذا وَجَدَها بِمَضْيَعَةٍ، وأمِنَ نَفْسَه عليها، فالأفْضَلُ أخْذُها. وهذا قول الشافِعِيِّ. وحُكِىَ عنه قولٌ آخَر، أنَّه يَجِبُ أخْذُها؛ لقولِ اللَّه تعالى: ﴿وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ﴾ (٦). فإذا كان وَلِيَّه، وَجَبَ عليه حِفْظُ مالِه. وممَّن رَأَى أخْذَها سَعِيدُ بن المُسَيَّبِ، والحَسَنُ بن صالِحٍ، وأبو حنيفَةَ. وأخَذَها أُبَيُّ بن كَعْبٍ، وسُوَيْدُ بن غَفَلَةَ. وقال مالِكٌ: إن كان شيئا له بالٌ، يَأْخُذُه أحَبُّ إليَّ، ويُعَرِّفُه؛ لأنَّ فيه حِفْظَ مالِ المُسْلِمِ عليه، فكان أَوْلَى من تَضْيِيعِه، وتَخْلِيصِه من الغَرَقِ. ولَنا، قول ابن عُمَرَ، وابن عَبّاسٍ، ولا نَعْرِفُ لهما مُخَالِفًا في الصَّحَابةِ، ولأنَّه تَعْرِيضٌ لِنَفْسِه لأكْلِ الحَرَامِ، وتَضْيِيعِ الواجِبِ من تَعْرِيفِها، وأدَاءِ الأمَانةِ فيها، فكان تَرْكُه أَوْلَى وأسْلَمَ، كوِلَايةِ مالِ اليَتِيمِ، وتَخْلِيلِ الخَمْرِ، وما ذَكَرُوه يَبْطُلُ بالضَّوَالِّ، فإنَّه لا يجوزُ أخْذُها مع ما ذَكَرُوه، وكذلك وِلَايَةُ مالِ الأيْتامِ.
стр. 4091
٩٣٩ - مسألة؛ قال: (ومَنْ وَجَدَ لُقَطَةً، عَرَّفَها سَنَةً في الأسْواقِ، وأبْوابِ الْمَسَاجِدِ)
وجُمْلَتُه أنَّ في التَّعْرِيفِ سِتَّةَ فُصُولٍ؛ في وُجُوبِه، وقَدْرِه، وزَمَانِه، ومَكَانِه، وكَيْفيَّتِه، ومن يَتَوَلَّاهُ. أمَّا وُجُوبُه، فإنَّه واجِبٌ على كلِّ مُلْتَقِطٍ، سواءٌ أرادَ تَمَلُّكَها أو حِفْظَها لِصَاحِبِها. وقال الشافِعِيُّ: لا تَجِبُ على من أرَادَ حِفْظَها لِصَاحِبِها. ولَنا، أنَّ النبيَّ ﷺ أمَرَ به زَيْدَ بن خالِدٍ (١)، وأُبَيَّ بن كَعْبٍ (٢)، ولم يُفَرِّقْ، ولأنَّ حِفْظَها لِصَاحِبِها إنَّما يُقَيَّدُ بإيصَالِها إليه. وطَريقُه التَّعْريفُ (٣)، أما بَقَاؤُها في يَدِ المُلْتَقِطِ من غيرِ وُصُولِها إلى صاحِبِها، فهو وهَلَاكُها سِيَّان، ولأنَّ إمْساكَها من غيرِ تَعْرِيفٍ، تَضْيِيعٌ لها عن صاحِبِها، فلم يَجُزْ، كَرَدِّها إلى مَوْضِعِها، أو إلْقائِها في غيرِه، ولأنَّه لو لم يَجِب التَّعْرِيفُ، لما جازَ الالْتِقَاطُ؛ لأنَّ بَقَاءَها في مَكانِها إذًا أقْرَبُ إلى وُصُولِها إلى صَاحِبِها، إمَّا بأن يَطْلُبَها في المَوْضِعِ الذي ضاعَتْ فيه فيَجِدَها، وإمَّا بأن يَجِدَها مَن يَعْرِفُها، وأَخْذُ هذا (٤) لها يُفَوِّتُ الأمْرَيْنِ، فيَحْرُمُ، فلما جازَ الالْتِقاطُ وَجَبَ التَّعْرِيفُ، كيلا يَحْصُلَ هذا الضَّرَرُ. ولأنَّ التَّعْرِيفَ واجِبٌ على مَن أرادَ تَمَلُّكَهَا، فكذلك على مَن أرادَ حِفْظَها، فإنَّ التَّملُّكَ (٥) غيرُ واجِبٍ، فلا تَجِبُ الوَسِيلَةُ إليه، فيَلْزَمُ أن يكونَ الوُجُوبُ في المَحَلِّ المُتَّفَقِ عليه، لِصِيَانَتِها عن الضَّيَاعِ عن صَاحِبِها، وهذا مَوْجُودٌ في مَحَلِّ النِّزَاعِ.
стр. 4092
الفصل الثاني: في قَدْرِ التَّعْرِيفِ، وذلك سَنَةً. رُوِى ذلك عن عمر, وعليٍّ، وابن عَبَّاسٍ. وبه قال ابنُ المُسَيَّبِ، والشَّعْبِيُّ، ومالِكٌ، والشافِعِيُّ، وأصْحابُ الرأى. ورُوى عن عمرَ، رِوَايةٌ أخرى، أنَّه يُعَرِّفُها ثلاثةَ أشْهُرٍ. وعنه ثلاثةَ أعْوامٍ؛ لأنَّ أُبَي بن كَعْبٍ رَوَى أنَّ رسولَ اللَّه ﷺ أمَرَه بِتَعْرِيفِ مائة الدِّيْنَارِ ثلاثةَ أعْوامٍ. وقال أبو أَيُّوبَ الهاشِمِيُّ: ما دون الخَمْسِينَ دِرْهَمًا يُعَرِّفُها ثلاثةَ أيامٍ إلى سَبْعةِ أيامٍ. وقال الحَسَنُ بن صالحٍ: ما دون عَشْرَةِ درَاهِم يُعَرِّفُها ثلاثةَ أيامٍ. وقال الثَّورِيُّ في الدِّرْهَمِ: يُعَرِّفُه أرْبعةَ أيامٍ. وقال إسحاقُ: ما دون الدِّينَارِ يُعَرِّفُه جُمُعةً أو نحوَها. ورَوَى أبو إسحاقَ الْجُوزَجَانِيُّ، بإسْنادِه، عن يَعْلى بن أُمَيَّةَ، قال: قال رسولُ اللَّه ﷺ : "مَنِ الْتقَطَ دِرْهَمًا، أوْ حَبْلًا، أو شِبْهَ ذلِكَ، فَليُعَرِّفْهُ ثَلَاثَةَ أيَّامٍ، فَإنْ كَانَ فَوْقَ ذلِكَ، فَليُعَرِّفْهُ سَبعةَ أيَّامٍ" (٦). ولنا: حَدِيثُ زَيْدِ بن خالِدٍ الصَّحِيحُ؛ فإنَّ النبيَّ ﷺ أمَرَه بعامٍ واحدٍ، ولأنَّ السَّنَةَ لا تَتَأَخَّرُ عنها القَوَافِلُ، ويَمْضِى فيها الزَّمانُ الذي تُقْصَدُ فيه البِلَادُ، من الحَرِّ والبَرْدِ والاعْتِدَالِ، فصَلُحَتْ قَدْرًا كمُدَّةِ أجَلِ العِنِّينِ (٧). وأمَّا حَدِيثُ أُبَيٍّ، فقد قال الرَّاوِي: لا أدْرِى ثلاثة أعْوامٍ أو عام واحد. قال أبو دَاوُدَ: شَكَّ الرَّاوِى في ذلك. وحَدِيثُ يَعْلَى لم يَقُلْ به قائِلٌ على وَجْهِه، وحَدِيثُ زَيْدٍ وأُبَيّ أصَحُّ منه وأَوْلَى، إذا ثَبَتَ هذا، فإنَّه يَجِبُ أن تكونَ هذه السَّنَةُ تَلِى الالْتِقَاطَ، وتكونُ مُتَوالِيةً في نَفْسِها؛ لأنَّ النبيَّ ﷺ أمَرَ بِتَعْرِيفِها حين سُئِلَ عنها، والأمْرُ يَقْتَضِى الفَوْرَ، ولأنَّ القَصْدَ بالتَّعْرِيفِ وُصُولُ الخَبَرِ إلى صاحِبِها، وذلك يَحْصُلُ بالتَّعْرِيفِ عَقِيبَ ضَيَاعِها مُتَوَالِيًا؛ لأنَّ صاحِبَها في الغالِبِ إنَّما يَتَوَقَّعُها ويَطْلُبُها عَقِيبَ ضَيَاعِها، فيَجِبُ تَخْصِيصُ التَّعْرِيفِ به.
стр. 4093
الفصل الثالث: في زَمَانِه، وهو النَّهَارُ دون اللَّيْلِ؛ لأنَّ النَّهَارَ مَجْمَعُ الناسِ ومُلْتَقَاهُم دون اللَّيْلِ، ويكونُ ذلك في اليَوْمِ الذي وَجَدَها، والأُسْبُوع أكْثَر؛ لأنَّ الطَّلَبَ فيه أكْثَرُ، ولا يَجِبُ فيما بعدَ ذلك مُتَوَالِيًا. وقد رَوَى الْجُوزَجَانِيُّ بإسْنادِه، عن مُعَاوِيةَ بن عبدِ اللهِ عن زَيْدٍ الجُهَنِيِّ، قال: نَزَلْنَا مُنَاخَ رَكْبٍ، فوَجَدْتُ خِرْقَةً فيها قَرِيبٌ من مائةِ دِينَارٍ، فجِئْتُ بها إلى عمرَ، فقال: عَرِّفْها ثَلَاثةَ أيَّامٍ على بابِ المَسْجِدِ، ثم أمْسِكْها حتى قَرْنِ السَّنَةِ، ولا يَفِدُ من رَكْبٍ إلا نَشَدْتَها، وقُلْتَ: الذَّهَبُ بِطَرِيقِ الشَّامِ. ثم شَأْنَكَ بها (٨).
الفصل الرابع: في مَكَانِه، وهو الأسْوَاقُ، وأبْوابُ المسَاجِدِ والجَوامِعِ، في الوَقْتِ الذي يَجْتَمعُونَ فيه، كأَدْبارِ الصَّلَواتِ في المسَاجِدِ، وكذلك في مَجَامِعِ الناسِ؛ لأن المَقْصُودَ إشَاعَةُ ذِكْرِها، وإظْهَارُها، لِيَظْهَرَ عليها صَاحِبُها، فيَجِبُ تَحَرِّى مجامِعِ الناسِ، ولا يُنْشِدُها في المَسْجِدِ؛ لأنَّ المَسْجِدَ لم يُبْنَ لهذا. وقد رَوَى أبو هُرَيْرةَ، عن النبيِّ ﷺ ، أنَّه قال: "مَنْ سَمِعَ رَجُلًا يَنْشُدُ ضَالَّةً في الْمَسْجدِ، فَلْيَقُلْ: لَا رَدَّها اللهُ إلَيْكَ، فَإنَّ المسَاجِدَ لمْ تُبْنَ لِهذَا" (٩). وأمَرَ عُمَرُ واجِدَ اللُّقَطَةِ بتَعْرِيفِها (١٠) على بابِ المَسْجِدِ.
стр. 4094
ال فصل الخامس: فيمن يَتَوَلَّاهُ، ولِلْمُلْتَقِطِ أن يَتَوَلَّى ذلك بِنَفْسِه، وله أن يَسْتَنِيبَ فيه، فإن وَجَدَ مُتَبَرِّعًا بذلك، وإلَّا إن احْتاجَ إلى أجْرٍ، فهو على المُلْتَقِطِ. وبهذا قال الشافِعِىُّ وأصْحابُ الرأى. واخْتارَ أبو الخَطَّابِ، أنَّه إن قَصَدَ الحِفْظَ لِصَاحِبِها دُونَ تَمَلُّكِها، رَجَعَ بالأجْرِ على مالِكِها. وكذلك قال ابنُ عَقِيلٍ، فيما لا يُمْلَكُ بالتَّعرِيفِ؛ لأنَّه من مُؤْنَةِ إِيصَالِها إلى صاحِبِها، فكان على مالِكِها، كأجْرِ مَخْزَنِها ورَعْيِها وتَجْفِيفها. ولَنا، أنَّ هذا أجْرٌ واجِبٌ على المُعَرِّفِ، فكان عليه، كما لو قَصَدَ تَمَلُّكَها، ولأنَّه لو وَلِيَه بِنَفسِه، لم يكُنْ له أجْرٌ على صاحِبِها، فكذلك إذا اسْتَأْجَرَ عليه لا يَلْزَمُ صاحِبَها شيءٌ، ولأنَّه سَبَبٌ لِتَمَلُّكِها (١١)، فكان على المُلْتَقِطِ، كما لو قَصَدَ تَمَلُّكَها. وقال مالِكٌ: إن أعْطَى منها شيئا لمن عَرَّفَها، فلا غُرْمَ عليه، كما لو دَفَعَ منها شيئا لمَن حَفِظَها (١٢). وقد ذَكَرْنا الدَّلِيلَ على ذلك.
الفصل السادس: في كَيْفِيَّةِ التَّعرِيفِ، وهو أن يَذْكُرَ جِنْسَها [لا غيرُ] (١٣)، فيقولَ: من ضاعَ منه ذَهَبٌ أو فِضَّةٌ أو دَنَانِيرُ أو ثِيَابٌ. ونحو ذلك؛ لقولِ عمرَ، رَضِىَ اللَّه عنه، لواجِدِ الذَّهَبِ: [قل: الذهبُ] بطَرِيقِ الشَّامِ. ولا يَصِفُها؛ لأنَّه لو وَصَفَها لَعَلِمَ صِفَتَها مَن يَسْمَعُها، فلا تَبْقَى صِفَتُها دَلِيلًا على مِلْكِها، لمُشَارَكَةِ غيرِ المالِكِ في ذلك، ولأنَّه لا يَأْمَنُ أن يَدَّعِيَها بعضُ من سَمِعَ صِفَتَها (١٤)، ويَذْكُرَ صِفَتَها التي يَجِبُ دَفْعُها بها، فيَأْخُذَها وهو لا يَمْلِكُها، فتَضِيعَ على مالِكِها.
فصل: لم يُفَرِّق الخِرَقِيُّ بين يَسِيرِ اللُّقَطَةِ وكثِيرِها. وهو ظاهِرُ المذهبِ، إلَّا في اليَسِيرِ الذي لا تَتْبَعُه النَّفْسُ، كالتَّمرةِ والكِسرَةِ والخِرْقَةِ، وما لا خَطَرَ له، فإنَّه لا بَأْسَ بأَخْذِه والانْتِفَاعِ به من غيرِ تَعرِيفٍ؛ لأنَّ النبيَّ ﷺ لم يُنْكِرْ على واجِدِ التَّمْرَةِ
стр. 4095
حيثُ أكَلَها، بل قال له: "لَوْ لَمْ تَأْتِهَا لأَتَتْكَ" (١٥). ورَأَى النبيُّ ﷺ تَمْرَةً فقال: "لَوْلَا أنِّى أخْشَى أنْ تَكُونَ مِنَ الصَّدَقَةِ، لَأَكَلتُها" (١٦). ولا نَعْلَمُ خِلَافًا بين أهْلِ العِلْمِ في إبَاحَةِ أخْذِ اليَسِيرِ والانْتِفَاعِ به (١٧)، وقد رُوِى ذلك عن عمرَ، وعلىٍّ، وابن عمرَ، وعائِشَةَ، وبه قال عَطَاءٌ، وجابِرُ بن زَيْدٍ، وطاوُسٌ، والنَّخَعِيُّ، ويحيَى بن أبي كثِيرٍ، ومالِكٌ، والشافِعِيُّ، وأصْحابُ الرَّأْىِ. وليس عن أحمدَ وأكْثَرَ مَنْ ذَكَرْنا تَحْدِيدُ اليَسِيرِ الذي يُبَاحُ. وقال مالِكٌ، وأبو حنيفةَ: لا يَجِبُ تَعْرِيفُ ما لا يُقْطَعُ به السَّارِقُ، وهو رُبْعُ دِينَارٍ عندَ مالِكٍ، وعَشْرَةُ دَرَاهِمَ عند أبي حنيفةَ؛ لأنَّ ما دون ذلك تافِهٌ، فلا يَجِبُ تَعرِيفُه، كالكِسْرَةِ والتَّمْرَةِ، والدَّلِيلُ على أنَّه تافِهٌ قولُ عائِشَةَ، رَضِىَ اللَّه عنها: كانوا لا يَقْطَعُونَ في الشىءِ التّافِهِ. ورُوِى عن علىٍّ، رَضِىَ اللهُ عنه، أنَّه وَجَدَ دِينَارًا فتَصَرَّفَ فيه (١٨). ورَوَى الْجُوزَجَانِيُّ، عن سَلْمَى بنت كَعبٍ، قالت: وَجَدْتُ خاتَمًا من ذَهَبٍ، في طَرِيقِ مَكَّةَ، فسَأَلْتُ عائِشَةَ عنه، فقالت: تَمتَّعِى به (١٩). ورَوَى أبو دَاوُدَ (٢٠)، بإسْنادِه عن جابِرٍ، قال: رَخَّصَ لنا رسولُ اللَّه ﷺ في العَصَا والسَّوْطِ والحَبْلِ وأشْبَاهِه، يَلْتَقِطه الرجُلُ يَنْتَفِعُ به. والحَبْلُ قد يكون قِيمَتُه دَرَاهِمَ. وعن ابن ماجَه (٢١) بإسْنادِه، عن سُوَيْدِ بن غَفَلَةَ، قال: خَرَجْتُ مع سَلْمَانَ بنِ رَبِيعَةَ، وزَيْدِ بنِ صُوحَانَ، حتى إذا كُنَّا بالعُذَيْبِ، الْتَقَطْتُ
стр. 4096
سَوْطًا، فقَالَا لِى: ألْقِهِ. فأبَيْتُ، فلمَّا (٢٢) قَدِمْنَا المَدِينَةَ، أتَيْتُ أُبَىَّ بنَ كَعْبٍ، فذَكَرْتُ ذلك له، فقال: أصَبْتَ. قال التِّرْمِذِىُّ: هذا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ. وللشافِعِيّةِ فيه (٢٣) ثلاثةُ أوْجُهٍ كالمَذَاهِبِ الثَّلَاثَةِ. ولَنا، على إبْطالِ تَحْدِيدِه بما ذَكَرُوه، أنَّ حَدِيثَ زَيْدِ بن خالِدٍ عامٌّ في كلِّ لُقَطَةٍ، فيَجِبُ إبْقاؤُه على عُمُومِه، إلَّا ما خرَج منه بالدَّلِيلِ، ولم يَرِدْ بما ذَكَرُوه نَصٌّ، ولا هو في مَعْنَى ما وَرَدَ النَّصُّ به. ولأنَّ التَّحْدِيدَ والتَّقْدِيرَ لا يُعْرَفُ بالقِيَاسِ، وإنَّما يُؤْخَذُ من نَصٍّ أو إجْماعٍ، وليس فيما ذَكَرُوه نصٌّ ولا إجماعٌ. وأمَّا حَدِيثُ علِىٍّ، فهو ضَعِيفٌ، رَوَاه أبو داوُدَ وقال: طُرُقُهُ كلها مُضْطَرِبةٌ. ثم هو مُخَالِفٌ لِمَذْهَبِهِم ولِسَائِرِ المَذَاهِبِ، فتَعَيَّنَ حَمْلُه على وَجْهٍ من الوُجُوه غيرِ اللُّقَطَةِ، إمَّا لِكَوْنِه مُضْطَرًّا إليه أو غيرِ ذلك، وحَدِيثُ عائِشَةَ قَضِيَّةٌ في عَيْنٍ، لا يُدْرَى كم قَدْرُ الخاتَمِ، ثم هو قول صَحَابِىٍّ، وكذلك حَدِيثُ عَلِىٍّ (٢٤)، وهم لا يَرَوْنَ ذلك حُجَّةً، وسائِرُ الأحادِيثِ ليس فيها تَقْدِيرٌ، لكن يُبَاحُ أخْذُ ما ذَكَرَه النبيُّ ﷺ ، وخَصَّ في أخْذِه من السَّوْطِ والعَصَا والحَبْلِ، [وما قِيمتُه كقِيمَةِ ذلك] (٢٥). وقَدَّرَه الشيخُ أبو الفَرَجِ (٢٦) في كِتَابِه بما دون القِيرَاطِ، ولا يَصِحُّ تَحْدِيدُه لما ذَكرْنا.
فصل: إذا أَخَّرَ التَّعْرِيفَ عن الحَوْلِ الأوَّلِ، مع إمْكانِه، أَثِمَ؛ لأنَّ النبيَّ ﷺ أمَرَ به فيه، والأمْرُ يَقْتَضِى الوُجُوبَ. وقال في حَدِيثِ عِيَاضِ بن حِمَارٍ: "لا يَكْتمُ ولَا يُغَيِّبُ" (٢٧). ولأنَّ ذلك وَسِيلَةٌ إلى أن لا يَعْرِفَها صَاحِبُها، فإنَّ الظاهِرَ أنَّه بعدَ
стр. 4097
الحَوْلِ يَيْأَسُ منها، ويَسْلُو عنها، ويَتْرُكُ طَلَبَها. ويَسقُطُ التَّعْرِيفُ بتَأْخِيرِه عن الحَوْلِ الأَوَّلِ، في المَنْصُوصِ عن أحمدَ؛ لأنَّ حِكْمةَ التَّعْرِيفِ لا تَحْصُلُ بعدَ الحَوْلِ الأَوَّلِ. وإن تَرَكَه في بعض الحَوْلِ، عَرَّفَ بَقِيَّتَه. ويَتَخَرَّجُ أن لا يَسْقُطَ التَّعْرِيفُ بتأخُّرِه (٢٨)؛ لأنَّه واجِبٌ، فلا يَسْقُطُ بِتَأْخِيرِه عن وَقْتِه، كالعِبَاداتِ وسائِر الواجِبَاتِ. ولأنَّ التَّعْرِيفَ في الحَوْلِ الثاني يَحْصُلُ به المَقْصُودُ على نَوْعٍ (٢٩) من القُصُورِ، فيَجِبُ الإتْيانُ به؛ لقولِ النبيِّ ﷺ : "إذا أمَرْتُكُم بأمْرٍ فائْتُوا مِنْهُ ما اسْتَطَعْتُم" (٣٠). فعلى هذا إن أخَّرَ التَّعْرِيفَ بعضَ الحَوْلِ، أتَى بالتَّعْرِيفِ في بَقِيَّتِه، وأتَمَّهُ من الحَوْلِ الثاني. وعلى كلا القَوْلَيْنِ، لا يَمْلِكُها بالتَّعْرِيفِ [فيما عدا] (٣١) الحَوْل الأوَّل؛ لأنَّ شَرْطَ المِلْكِ التَّعْرِيفُ في الحَوْلِ الأوَّلِ، ولم يُوجَدْ. وهل له أن يَتَصَدَّقَ بها أو يَحْبِسَها (٣٢) عنده أبدا؟ على رِوَايَتَيْنِ. ويَحْتَمِلُ أن يَلْزَمَهُ دَفْعُها إلى الحاكِمِ، كَقوْلِنا فيما إذا الْتَقَطَ ما (٣٣) لا يَجُوزُ الْتِقَاطُه. ولو تَرَكَ التَّعْرِيفَ في بعضِ الحَوْلِ الأوَّلِ، لم يَمْلِكْها أيضًا بالتَّعْرِيفِ فيما بعدَه؛ لأنَّ الشَّرْطَ لم يَكْمُلْ، وعَدَمُ بعض الشَّرْطِ كعَدَمِ جَمِيعِه، كما لو أخَلَّ ببعضِ الطَّهَارَةِ، أو ببعض السُّتْرَةِ في الصلاةِ.
فصل: وان تَرَكَ التَّعْرِيفَ في الحَوْلِ الأوَّلِ؛ لِعَجْزِه عنه، مثل أن يَتْرُكَه لِمَرَضٍ أو حَبْسٍ أو نِسْيانٍ ونحوه، ففيه وَجْهانِ؛ أحدهما، أنَّ حُكْمَه حُكْمُ ما لو تَرَكَه مع
стр. 4098
إمْكانِه؛ لأنَّ تَعْرِيفَه في الحَوْلِ سَبَبُ المِلْكِ، والحُكْمُ يَنْتَفِى لِانْتِفاءِ سَبَبِه، سواءٌ انْتَفَى لِعُذْرٍ أو غيرِ عُذْرٍ. والثانى، أنه يُعَرِّفُه في الحَوْلِ الثاني، ويَمْلِكُه؛ لأنَّه لم يُؤَخِّر التَّعْرِيفَ عن وَقْتِ إمْكانِه، فأشْبَهَ ما لو عَرَّفَه في الحَوْلِ الأَوَّلِ.
٩٤٠ - مسألة؛ قال: (فَإنْ جَاءَ رَبُّهَا، وإلَّا كَانَتْ كَسَائِرِ مَالِهِ)
وجملتُه أنَّه إذا عَرَّفَ اللُّقَطَةَ حَوْلًا، فلم تُعْرَفْ، مَلَكَها مُلْتَقِطُها، وصارَتْ من مالِه، كسائِر أمْوالِه، غَنِيًّا كان المُلْتَقِطُ أو فَقِيرًا. ورُوِىَ نحوُ ذلك عن عمرَ، وابنِ مسعودٍ، وعائِشَةَ، رَضِىَ اللَّه عنهم. وبه قال عَطَاءٌ، والشافِعِىُّ، وإسحاقُ، وابنُ المُنْذِرِ. ورُوِى ذلك عن عليٍّ، وابنِ عَبَّاسٍ، والشَّعْبِىِّ، والنَّخَعِىِّ، وطاوُسٍ، وعِكْرِمَةَ. وقال مالِكٌ، والحَسَنُ بن صالِحٍ، والثَّوْرِىُّ، وأصْحابُ الرَّأْى: يَتَصَدَّقُ بها، فإذا جاءَ صاحِبُها خَيَّرَهُ بين الأجْرِ والغُرْمِ؛ لما رَوَى أبو هُرَيْرةَ، رَضِىَ اللهُ عنه، عن النبيِّ ﷺ , أنَّه سُئِلَ عن اللُّقَطَةِ، فقال: "عَرِّفْها حَوْلًا". ورُوِى: "ثَلَاثَةَ أحْوالٍ، فَإنْ جَاءَ رَبُّهَا (١)، وإلَّا تَصَدَّقْ بِهَا، فَإذَا جَاءَ رَبُّها، فَرَضِىَ بالأجْرِ، وإلَّا غَرِمَهَا" (٢). ولأنها مالٌ لِمَعْصُومٍ، لم يَرْضَ بِزَوَالِ مِلْكِه عنها، ولا وُجِدَ منه سَبَبٌ يَقْتَضِى ذلك، فلم يَزُلْ مِلْكُه عنه، كغيرِها. قالوا: وليس له أن يَتَمَلَّكَها، إلَّا أنَّ أبا حنيفةَ قال: له ذلك إن كان فَقِيرًا من غير ذَوِى القُرْبَى؛ لما رَوَى عِيَاضُ بن حمارٍ المُجَاشِعِىُّ، أنَّ النبيَّ ﷺ قال: "مَنْ وَجَدَ لُقَطَةً فَلْيُشْهِدْ عَلَيْها ذا عَدْلٍ، ولا يَكْتُمُ ولَا يُغَيِّبُ، فإن وَجَدَ صَاحِبَها فَليَرْدُدْهَا عَلَيْهِ، وإلَّا فَهِىَ مَالُ اللَّه يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ". رَوَاهُ النَّسَائِىُّ (٣). قالوا: وما يُضَافُ إلى اللهِ تعالى، إنَّما يَتَمَلَّكُه مَنْ يَسْتَحِقُّ الصَّدَقَةَ. ونَقَلَ حَنْبَلٌ، عن أحمدَ مثلَ هذا القَوْلِ. وأنْكَرَهُ الخَلَّالُ، وقال:
стр. 4099
ليس هذا مَذْهَبًا لأحمدَ. ولَنا، قولُ النبيِّ ﷺ ، في حَدِيثِ زَيْدِ بن خالِدٍ (٤): "فَإنْ لَمْ تُعْرَفْ، فَاسْتَنْفِقْها". وفى لَفْظٍ: "وإلَّا فَهِىَ كَسَبِيلِ مَالِكَ". وفى لَفْظٍ: "ثُمَّ كُلْهَا". وفى لَفْظٍ: "فَانْتَفِعْ بِهَا". وفى لَفْظٍ: "فَشَأْنَكَ بِهَا". وفي حَدِيثِ أُبَىِّ بن كَعْبٍ (٥): "فَاسْتنْفِقْها". وفى لَفْظٍ: "فَاسْتَمْتِعْ بها". وهو حَدِيثٌ صَحِيحٌ (٦). ولأنَّ من مَلَكَ بالقَرْضِ (٧) مَلَكَ باللُّقَطَةِ كالفَقِير، ومن جازَ له الالْتِقاطُ مَلَكَ به بعدَ التَّعْرِيفِ، كالفَقِيرِ. وحَدِيثُهُم عن أبِى هُرَيْرَةَ لم يَثْبُتْ، ولا نُقِلَ في كِتَابٍ يُوثُقُ به. ودَعْوَاهُم في حَدِيثِ عِيَاضٍ أنَّ ما يُضَافُ إلى اللهِ لا يَتَمَلَّكُه إلَّا مَنْ يَسْتَحِقُّ الصَّدَقَةَ. لا بُرْهَانَ لها، ولا دَلِيلَ عليها، وبُطْلَانُها ظاهِرٌ؛ فإنَّ الأشياءَ كلَّها تُضَافُ إلى اللهِ تعالى خَلْقًا ومِلْكًا، قال اللهُ تعالى: ﴿وَآتُوهُمْ مِنْ مَالِ اللَّهِ الَّذِي آتَاكُمْ﴾ (٨).
فصل: وتَدْخُلُ اللُّقَطَةُ في مِلْكِه عند تَمَامِ التَّعْرِيفِ حُكْمًا، كالمِيرَاثِ. هذا ظاهِرُ كَلَامِ الخِرَقِىِّ؛ لقوله: "وإلَّا كانت كسَائِر مالِه". وكذلك قال أحمدُ، في رِوَايةِ الجَماعةِ: إذا جاء صاحِبُها، وإلَّا كانت كسَائِرِ مالِه. واخْتارَ أبو الخَطَّابِ أنَّها لا تَدْخُلُ في مِلْكِه حتى يَخْتارَ. واخْتَلَفَ أصْحابُ الشافِعِىِّ؛ فمنهم مَن قال كَقَوْلِنا، ومنهم من قال: يَمْلِكُها بالنِّيّةِ. ومنهم من قال: يَمْلِكُها بقَوْلِه: اخْتَرْتُ تَمَلُّكَها. ومنهم من قال: لا يَمْلِكُها إلَّا بِقَوْلِه، والتَّصَرُّفِ فيها؛ لأنَّ هذا تَمَلُّكٌ (٩) بِعِوَضٍ؛ فلم يَحْصُلْ إلَّا بِاخْتِيارِ المُتَمَلِّكِ، كالشِّرَاءِ. ولَنا، قولُ النبيِّ ﷺ : "فَإذَا جَاءَ
стр. 4100
صاحِبُهَا، وإلَّا فَهِىَ كَسَبِيلِ مَالِكَ". وقوله: "فَاسْتَنْفِقْهَا". ولو وَقَفَ مِلْكُها على تَمَلُّكِهَا لَبَيَّنَهُ له، ولم يُجَوِّزْ له التَّصَرُّفَ قبلَه. وفى لَفْظٍ: "فَهِىَ لَكَ". وفى لَفْظٍ: "كُلْهَا". وهذه الألْفاظُ كلها تَدُلُّ على ما قُلْنَا. ولأنَّ الالْتِقَاطَ والتَّعْرِيفَ سَبَبٌ للتَّمَلُّكِ (١٠)، فإذا تَمَّ وَجَبَ أن يَثْبُتَ به المِلْكُ حُكْمًا، كالإِحْياءِ والاصْطِيَادِ. ولأنَّه "سَبَبٌ يُمْلَكُ به، فلم يَقِفِ المِلْكُ بعدَه على قَوْلِه، ولا اخْتِيَارِه، كسائِر الأسْبابِ؛ وذلك لأنَّ المُكَلَّفَ ليس إليه إلَّا مُبَاشَرَةُ الأسْبابِ، فإذا أتَى بها، ثَبَتَ الحُكْمُ قَهْرًا وجَبْرًا من اللَّه تِعالى، غيرَ مَوْقُوفٍ على اخْتِيَارِ المُكَلَّفِ. وأمَّا الاقْتِرَاضُ فهو السَّبَبُ في نَفْسِه، فلم يَثْبُت المِلْكُ بِدُونِه.
فصل: فإن الْتَقَطَها اثْنَانِ، فعَرَّفاهَا حَوْلًا، مَلَكَاها جَمِيعًا. وإن قُلْنا بِوُقُوفِ المِلْكِ على الاخْتِيَارِ، فاخْتارَ أحَدُهُما دُونَ الآخَر، مَلَكَ المُخْتارُ نِصْفَها دُونَ الآخَر. وإن رَأَيَاها معًا، فبادَرَ أحَدُهُما فأخَذَها، أو رَآها أحَدُهُما، فأعْلَمَ بها صاحِبَه، فأخَذَها، فهى لآخِذِها؛ لأنَّ اسْتِحْقاقَ اللُّقَطَةِ بالأخْذِ لا بالرُّؤْيةِ، كالاصْطِيادِ. وإن قال أحَدُهُما لِصَاحِبه: هاتِها. فأخَذَها، نَظَرْتَ في نِيَّتِه؛ فإن أخَذَها لِنَفْسِه، فهى له دون الآمِرِ (١١)، وإن أخَذَها للآمِرِ، فهى له، كما لو وَكَّلَه في الاصْطِيَادِ له.
فصل: وتُمْلَكُ اللُّقَطَةُ مِلْكًا مُرَاعًى، يَزُولُ بمَجِىءِ صاحِبِها، ويَضْمَنُ له بَدَلَها إن تَعَذَّرَ رَدُّها. والظاهِرُ أنَّه يَمْلِكُها بغيرِ عِوَضٍ يَثْبُتُ في ذِمَّتِه، وإنَّما يَتَجَدَّدُ وُجُوبُ العِوَضِ بمَجِىءِ صاحِبِها، كما يَتَجَدَّدُ زَوَالُ المِلْكِ عنها بمَجِيئِه، وكما يَتَجَدَّدُ وُجُوبُ (١٢) نِصْفِ الصَّدَاقِ للزَّوْجِ، أو بَدَلِه إن تَعَذَّرَ ثُبُوتُ المِلْكِ فيه بالطَّلَاقِ. وهذا قول بعضِ أصْحابِ الشّافِعِىِّ. وقال أكْثَرُهُم: لا يَمْلِكُها إلَّا بِعِوَضٍ يَثْبُتُ في