سَوْطًا، فقَالَا لِى: ألْقِهِ. فأبَيْتُ، فلمَّا (٢٢) قَدِمْنَا المَدِينَةَ، أتَيْتُ أُبَىَّ بنَ كَعْبٍ، فذَكَرْتُ ذلك له، فقال: أصَبْتَ. قال التِّرْمِذِىُّ: هذا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ. وللشافِعِيّةِ فيه (٢٣) ثلاثةُ أوْجُهٍ كالمَذَاهِبِ الثَّلَاثَةِ. ولَنا، على إبْطالِ تَحْدِيدِه بما ذَكَرُوه، أنَّ حَدِيثَ زَيْدِ بن خالِدٍ عامٌّ في كلِّ لُقَطَةٍ، فيَجِبُ إبْقاؤُه على عُمُومِه، إلَّا ما خرَج منه بالدَّلِيلِ، ولم يَرِدْ بما ذَكَرُوه نَصٌّ، ولا هو في مَعْنَى ما وَرَدَ النَّصُّ به. ولأنَّ التَّحْدِيدَ والتَّقْدِيرَ لا يُعْرَفُ بالقِيَاسِ، وإنَّما يُؤْخَذُ من نَصٍّ أو إجْماعٍ، وليس فيما ذَكَرُوه نصٌّ ولا إجماعٌ. وأمَّا حَدِيثُ علِىٍّ، فهو ضَعِيفٌ، رَوَاه أبو داوُدَ وقال: طُرُقُهُ كلها مُضْطَرِبةٌ. ثم هو مُخَالِفٌ لِمَذْهَبِهِم ولِسَائِرِ المَذَاهِبِ، فتَعَيَّنَ حَمْلُه على وَجْهٍ من الوُجُوه غيرِ اللُّقَطَةِ، إمَّا لِكَوْنِه مُضْطَرًّا إليه أو غيرِ ذلك، وحَدِيثُ عائِشَةَ قَضِيَّةٌ في عَيْنٍ، لا يُدْرَى كم قَدْرُ الخاتَمِ، ثم هو قول صَحَابِىٍّ، وكذلك حَدِيثُ عَلِىٍّ (٢٤)، وهم لا يَرَوْنَ ذلك حُجَّةً، وسائِرُ الأحادِيثِ ليس فيها تَقْدِيرٌ، لكن يُبَاحُ أخْذُ ما ذَكَرَه النبيُّ ﷺ ، وخَصَّ في أخْذِه من السَّوْطِ والعَصَا والحَبْلِ، [وما قِيمتُه كقِيمَةِ ذلك] (٢٥). وقَدَّرَه الشيخُ أبو الفَرَجِ (٢٦) في كِتَابِه بما دون القِيرَاطِ، ولا يَصِحُّ تَحْدِيدُه لما ذَكرْنا.
فصل: إذا أَخَّرَ التَّعْرِيفَ عن الحَوْلِ الأوَّلِ، مع إمْكانِه، أَثِمَ؛ لأنَّ النبيَّ ﷺ أمَرَ به فيه، والأمْرُ يَقْتَضِى الوُجُوبَ. وقال في حَدِيثِ عِيَاضِ بن حِمَارٍ: "لا يَكْتمُ ولَا يُغَيِّبُ" (٢٧). ولأنَّ ذلك وَسِيلَةٌ إلى أن لا يَعْرِفَها صَاحِبُها، فإنَّ الظاهِرَ أنَّه بعدَ
стр. 4097
الحَوْلِ يَيْأَسُ منها، ويَسْلُو عنها، ويَتْرُكُ طَلَبَها. ويَسقُطُ التَّعْرِيفُ بتَأْخِيرِه عن الحَوْلِ الأَوَّلِ، في المَنْصُوصِ عن أحمدَ؛ لأنَّ حِكْمةَ التَّعْرِيفِ لا تَحْصُلُ بعدَ الحَوْلِ الأَوَّلِ. وإن تَرَكَه في بعض الحَوْلِ، عَرَّفَ بَقِيَّتَه. ويَتَخَرَّجُ أن لا يَسْقُطَ التَّعْرِيفُ بتأخُّرِه (٢٨)؛ لأنَّه واجِبٌ، فلا يَسْقُطُ بِتَأْخِيرِه عن وَقْتِه، كالعِبَاداتِ وسائِر الواجِبَاتِ. ولأنَّ التَّعْرِيفَ في الحَوْلِ الثاني يَحْصُلُ به المَقْصُودُ على نَوْعٍ (٢٩) من القُصُورِ، فيَجِبُ الإتْيانُ به؛ لقولِ النبيِّ ﷺ : "إذا أمَرْتُكُم بأمْرٍ فائْتُوا مِنْهُ ما اسْتَطَعْتُم" (٣٠). فعلى هذا إن أخَّرَ التَّعْرِيفَ بعضَ الحَوْلِ، أتَى بالتَّعْرِيفِ في بَقِيَّتِه، وأتَمَّهُ من الحَوْلِ الثاني. وعلى كلا القَوْلَيْنِ، لا يَمْلِكُها بالتَّعْرِيفِ [فيما عدا] (٣١) الحَوْل الأوَّل؛ لأنَّ شَرْطَ المِلْكِ التَّعْرِيفُ في الحَوْلِ الأوَّلِ، ولم يُوجَدْ. وهل له أن يَتَصَدَّقَ بها أو يَحْبِسَها (٣٢) عنده أبدا؟ على رِوَايَتَيْنِ. ويَحْتَمِلُ أن يَلْزَمَهُ دَفْعُها إلى الحاكِمِ، كَقوْلِنا فيما إذا الْتَقَطَ ما (٣٣) لا يَجُوزُ الْتِقَاطُه. ولو تَرَكَ التَّعْرِيفَ في بعضِ الحَوْلِ الأوَّلِ، لم يَمْلِكْها أيضًا بالتَّعْرِيفِ فيما بعدَه؛ لأنَّ الشَّرْطَ لم يَكْمُلْ، وعَدَمُ بعض الشَّرْطِ كعَدَمِ جَمِيعِه، كما لو أخَلَّ ببعضِ الطَّهَارَةِ، أو ببعض السُّتْرَةِ في الصلاةِ.
فصل: وان تَرَكَ التَّعْرِيفَ في الحَوْلِ الأوَّلِ؛ لِعَجْزِه عنه، مثل أن يَتْرُكَه لِمَرَضٍ أو حَبْسٍ أو نِسْيانٍ ونحوه، ففيه وَجْهانِ؛ أحدهما، أنَّ حُكْمَه حُكْمُ ما لو تَرَكَه مع
стр. 4098
إمْكانِه؛ لأنَّ تَعْرِيفَه في الحَوْلِ سَبَبُ المِلْكِ، والحُكْمُ يَنْتَفِى لِانْتِفاءِ سَبَبِه، سواءٌ انْتَفَى لِعُذْرٍ أو غيرِ عُذْرٍ. والثانى، أنه يُعَرِّفُه في الحَوْلِ الثاني، ويَمْلِكُه؛ لأنَّه لم يُؤَخِّر التَّعْرِيفَ عن وَقْتِ إمْكانِه، فأشْبَهَ ما لو عَرَّفَه في الحَوْلِ الأَوَّلِ.
٩٤٠ - مسألة؛ قال: (فَإنْ جَاءَ رَبُّهَا، وإلَّا كَانَتْ كَسَائِرِ مَالِهِ)
وجملتُه أنَّه إذا عَرَّفَ اللُّقَطَةَ حَوْلًا، فلم تُعْرَفْ، مَلَكَها مُلْتَقِطُها، وصارَتْ من مالِه، كسائِر أمْوالِه، غَنِيًّا كان المُلْتَقِطُ أو فَقِيرًا. ورُوِىَ نحوُ ذلك عن عمرَ، وابنِ مسعودٍ، وعائِشَةَ، رَضِىَ اللَّه عنهم. وبه قال عَطَاءٌ، والشافِعِىُّ، وإسحاقُ، وابنُ المُنْذِرِ. ورُوِى ذلك عن عليٍّ، وابنِ عَبَّاسٍ، والشَّعْبِىِّ، والنَّخَعِىِّ، وطاوُسٍ، وعِكْرِمَةَ. وقال مالِكٌ، والحَسَنُ بن صالِحٍ، والثَّوْرِىُّ، وأصْحابُ الرَّأْى: يَتَصَدَّقُ بها، فإذا جاءَ صاحِبُها خَيَّرَهُ بين الأجْرِ والغُرْمِ؛ لما رَوَى أبو هُرَيْرةَ، رَضِىَ اللهُ عنه، عن النبيِّ ﷺ , أنَّه سُئِلَ عن اللُّقَطَةِ، فقال: "عَرِّفْها حَوْلًا". ورُوِى: "ثَلَاثَةَ أحْوالٍ، فَإنْ جَاءَ رَبُّهَا (١)، وإلَّا تَصَدَّقْ بِهَا، فَإذَا جَاءَ رَبُّها، فَرَضِىَ بالأجْرِ، وإلَّا غَرِمَهَا" (٢). ولأنها مالٌ لِمَعْصُومٍ، لم يَرْضَ بِزَوَالِ مِلْكِه عنها، ولا وُجِدَ منه سَبَبٌ يَقْتَضِى ذلك، فلم يَزُلْ مِلْكُه عنه، كغيرِها. قالوا: وليس له أن يَتَمَلَّكَها، إلَّا أنَّ أبا حنيفةَ قال: له ذلك إن كان فَقِيرًا من غير ذَوِى القُرْبَى؛ لما رَوَى عِيَاضُ بن حمارٍ المُجَاشِعِىُّ، أنَّ النبيَّ ﷺ قال: "مَنْ وَجَدَ لُقَطَةً فَلْيُشْهِدْ عَلَيْها ذا عَدْلٍ، ولا يَكْتُمُ ولَا يُغَيِّبُ، فإن وَجَدَ صَاحِبَها فَليَرْدُدْهَا عَلَيْهِ، وإلَّا فَهِىَ مَالُ اللَّه يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ". رَوَاهُ النَّسَائِىُّ (٣). قالوا: وما يُضَافُ إلى اللهِ تعالى، إنَّما يَتَمَلَّكُه مَنْ يَسْتَحِقُّ الصَّدَقَةَ. ونَقَلَ حَنْبَلٌ، عن أحمدَ مثلَ هذا القَوْلِ. وأنْكَرَهُ الخَلَّالُ، وقال:
стр. 4099
ليس هذا مَذْهَبًا لأحمدَ. ولَنا، قولُ النبيِّ ﷺ ، في حَدِيثِ زَيْدِ بن خالِدٍ (٤): "فَإنْ لَمْ تُعْرَفْ، فَاسْتَنْفِقْها". وفى لَفْظٍ: "وإلَّا فَهِىَ كَسَبِيلِ مَالِكَ". وفى لَفْظٍ: "ثُمَّ كُلْهَا". وفى لَفْظٍ: "فَانْتَفِعْ بِهَا". وفى لَفْظٍ: "فَشَأْنَكَ بِهَا". وفي حَدِيثِ أُبَىِّ بن كَعْبٍ (٥): "فَاسْتنْفِقْها". وفى لَفْظٍ: "فَاسْتَمْتِعْ بها". وهو حَدِيثٌ صَحِيحٌ (٦). ولأنَّ من مَلَكَ بالقَرْضِ (٧) مَلَكَ باللُّقَطَةِ كالفَقِير، ومن جازَ له الالْتِقاطُ مَلَكَ به بعدَ التَّعْرِيفِ، كالفَقِيرِ. وحَدِيثُهُم عن أبِى هُرَيْرَةَ لم يَثْبُتْ، ولا نُقِلَ في كِتَابٍ يُوثُقُ به. ودَعْوَاهُم في حَدِيثِ عِيَاضٍ أنَّ ما يُضَافُ إلى اللهِ لا يَتَمَلَّكُه إلَّا مَنْ يَسْتَحِقُّ الصَّدَقَةَ. لا بُرْهَانَ لها، ولا دَلِيلَ عليها، وبُطْلَانُها ظاهِرٌ؛ فإنَّ الأشياءَ كلَّها تُضَافُ إلى اللهِ تعالى خَلْقًا ومِلْكًا، قال اللهُ تعالى: ﴿وَآتُوهُمْ مِنْ مَالِ اللَّهِ الَّذِي آتَاكُمْ﴾ (٨).
فصل: وتَدْخُلُ اللُّقَطَةُ في مِلْكِه عند تَمَامِ التَّعْرِيفِ حُكْمًا، كالمِيرَاثِ. هذا ظاهِرُ كَلَامِ الخِرَقِىِّ؛ لقوله: "وإلَّا كانت كسَائِر مالِه". وكذلك قال أحمدُ، في رِوَايةِ الجَماعةِ: إذا جاء صاحِبُها، وإلَّا كانت كسَائِرِ مالِه. واخْتارَ أبو الخَطَّابِ أنَّها لا تَدْخُلُ في مِلْكِه حتى يَخْتارَ. واخْتَلَفَ أصْحابُ الشافِعِىِّ؛ فمنهم مَن قال كَقَوْلِنا، ومنهم من قال: يَمْلِكُها بالنِّيّةِ. ومنهم من قال: يَمْلِكُها بقَوْلِه: اخْتَرْتُ تَمَلُّكَها. ومنهم من قال: لا يَمْلِكُها إلَّا بِقَوْلِه، والتَّصَرُّفِ فيها؛ لأنَّ هذا تَمَلُّكٌ (٩) بِعِوَضٍ؛ فلم يَحْصُلْ إلَّا بِاخْتِيارِ المُتَمَلِّكِ، كالشِّرَاءِ. ولَنا، قولُ النبيِّ ﷺ : "فَإذَا جَاءَ
стр. 4100
صاحِبُهَا، وإلَّا فَهِىَ كَسَبِيلِ مَالِكَ". وقوله: "فَاسْتَنْفِقْهَا". ولو وَقَفَ مِلْكُها على تَمَلُّكِهَا لَبَيَّنَهُ له، ولم يُجَوِّزْ له التَّصَرُّفَ قبلَه. وفى لَفْظٍ: "فَهِىَ لَكَ". وفى لَفْظٍ: "كُلْهَا". وهذه الألْفاظُ كلها تَدُلُّ على ما قُلْنَا. ولأنَّ الالْتِقَاطَ والتَّعْرِيفَ سَبَبٌ للتَّمَلُّكِ (١٠)، فإذا تَمَّ وَجَبَ أن يَثْبُتَ به المِلْكُ حُكْمًا، كالإِحْياءِ والاصْطِيَادِ. ولأنَّه "سَبَبٌ يُمْلَكُ به، فلم يَقِفِ المِلْكُ بعدَه على قَوْلِه، ولا اخْتِيَارِه، كسائِر الأسْبابِ؛ وذلك لأنَّ المُكَلَّفَ ليس إليه إلَّا مُبَاشَرَةُ الأسْبابِ، فإذا أتَى بها، ثَبَتَ الحُكْمُ قَهْرًا وجَبْرًا من اللَّه تِعالى، غيرَ مَوْقُوفٍ على اخْتِيَارِ المُكَلَّفِ. وأمَّا الاقْتِرَاضُ فهو السَّبَبُ في نَفْسِه، فلم يَثْبُت المِلْكُ بِدُونِه.
فصل: فإن الْتَقَطَها اثْنَانِ، فعَرَّفاهَا حَوْلًا، مَلَكَاها جَمِيعًا. وإن قُلْنا بِوُقُوفِ المِلْكِ على الاخْتِيَارِ، فاخْتارَ أحَدُهُما دُونَ الآخَر، مَلَكَ المُخْتارُ نِصْفَها دُونَ الآخَر. وإن رَأَيَاها معًا، فبادَرَ أحَدُهُما فأخَذَها، أو رَآها أحَدُهُما، فأعْلَمَ بها صاحِبَه، فأخَذَها، فهى لآخِذِها؛ لأنَّ اسْتِحْقاقَ اللُّقَطَةِ بالأخْذِ لا بالرُّؤْيةِ، كالاصْطِيادِ. وإن قال أحَدُهُما لِصَاحِبه: هاتِها. فأخَذَها، نَظَرْتَ في نِيَّتِه؛ فإن أخَذَها لِنَفْسِه، فهى له دون الآمِرِ (١١)، وإن أخَذَها للآمِرِ، فهى له، كما لو وَكَّلَه في الاصْطِيَادِ له.
فصل: وتُمْلَكُ اللُّقَطَةُ مِلْكًا مُرَاعًى، يَزُولُ بمَجِىءِ صاحِبِها، ويَضْمَنُ له بَدَلَها إن تَعَذَّرَ رَدُّها. والظاهِرُ أنَّه يَمْلِكُها بغيرِ عِوَضٍ يَثْبُتُ في ذِمَّتِه، وإنَّما يَتَجَدَّدُ وُجُوبُ العِوَضِ بمَجِىءِ صاحِبِها، كما يَتَجَدَّدُ زَوَالُ المِلْكِ عنها بمَجِيئِه، وكما يَتَجَدَّدُ وُجُوبُ (١٢) نِصْفِ الصَّدَاقِ للزَّوْجِ، أو بَدَلِه إن تَعَذَّرَ ثُبُوتُ المِلْكِ فيه بالطَّلَاقِ. وهذا قول بعضِ أصْحابِ الشّافِعِىِّ. وقال أكْثَرُهُم: لا يَمْلِكُها إلَّا بِعِوَضٍ يَثْبُتُ في
стр. 4101
ذِمَّتِه لِصَاحِبِها. وهذا قول القاضي وأصْحَابِه، بِدَلِيلِ أنَّه يَمْلِكُ المُطَالَبةَ به، فأشْبَهَ القَرْضَ. ولَنا، قولُ النبيِّ ﷺ : "فَإنْ جَاءَ صَاحِبُهَا، وإلَّا فَهِىَ مَالُ اللهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ". فجَعَلَها من المُباحَاتِ، ولأنَّه لو ماتَ لم يُعْزَلْ من تَرِكَتِه بَدَلُها، ولا يَسْتَحِقُّ أن يَأْخُذَ من الزَّكاةِ بِسَبَبِ الغُرْمِ، ولا (١٣) يَلْزَمُه أن يُوصِىَ به، ولا يَمْتَنِعُ وُجُوبُ الزَّكاةِ في مالِه بِسَبَبِ الدَّيْنِ، ولا يَثْبُتُ شيءٌ من أحْكامِ الدَّيْنِ في حَقِّه، وانْتِفَاءُ أحْكَامِه دَلِيلٌ على انْتِفَائِه. وقال القاضي: يَمْنَعُ ذلك وُجُوبَ الزَّكَاةِ، ولأنَّه لو مَلَكَها بِعِوَضٍ لم يَزُلْ مِلْكه عنها بمَجِىءِ (١٤) صاحِبِها، ولو وَقَفَ مِلْكُه لها على رِضَاه بالمُعَاوَضَةِ واخْتِيَارِه لأحَدِهِما (١٥) كالقَرْضِ، والأمْرُ بخِلَافِ ذلك، وإنما يَسْتَحِقُّ صاحِبُها المُطَالَبةَ بعدَ مِجِيئِه، بِشَرْطِ تَلَفِها، فإنَّها لو كانت مَوْجُودَةً لأَخَذَها، ولم يَسْتَحِقَّ لها بَدَلًا. وإن كانت تالِفَةً تَجَدَّدَ له مِلْكُ المُطَالَبةِ بِبَدَلِها، كما يَتَجَدَّدُ له المِلْكُ فيها لو كانت مَوْجُودَةً، وكما يَتَجَدَّدُ له المِلْكُ في نِصْفِ الصَّدَاقِ بالطَّلَاقِ قبلَ الدُّخُولِ، وفى بَدَلِه إن كان مَعْدُومًا. وهذا أشْبَهُ بمَسْأَلَتِنا، وبه يَبْطُلُ ما ذَكَرُوه. وأمَّا القَرْضُ، فإنَّه لمَّا ثَبَتَ بَدَلُه في الذِّمّةِ، لم يَعُد المِلْكُ له في المُقْرَضٍ (١٦) إلَّا بِرِضَاءِ المُقْرِضِ واخْتِيَارِه.
فصل: وكلُّ ما جازَ الْتِقَاطُه، مُلِكَ بالتَّعْرِيفِ عندَ تَمَامِه، أَثْمانًا كانت أو غيرَها. هذا ظاهِرُ (١٧) كلامِ الخِرَقِىَّ، فإنَّ لَفْظَه عامٌّ في كلِّ لَفْظٍ. وقد نُقِلَ ذلك عن أحمدَ، فإنَّ محمدَ بن الحَكَمِ, روَى عنه في الصَّيَّادِ يَقَعُ في شِصِّه الكِيسُ أوالنُّحَاسُ: يُعَرِّفُه سَنَةً، فإن جاء صاحِبُه، وإلَّا فهو كسائِر مالِه. وهذا نَصٌّ في النُّحَاسِ. وقال الشَّرِيفُ
стр. 4102
ابن أبي موسى: هل حُكْمُ العُرُوضِ في التَّعْرِيفِ، وجَوَازِ التَّصَرُّفِ فيها بعدَ ذلك، حُكْمُ الأثْمانِ؟ على رِوَايَتَيْنِ، أظْهَرُهُما أنَّها كالأَثْمانِ، ولا أعْلَمُ بين أكْثرَ أهْلِ العِلْمِ فَرْقًا بين الأثْمانِ والعُرُوضِ في ذلك. وقال أكْثَرُ أصْحابِنَا: لا تُمْلَكُ العُرُوضُ بالتَّعْرِيفِ. قال القاضي: نَصَّ أحمدُ على هذا، في رِوَايةِ الجَماعةِ. واخْتَلَفُوا فيما يَصْنَعُ بها، فقال أبو بكرٍ، وابنُ عَقِيلٍ: يُعَرِّفُها أبَدًا. وقال القاضي: هو بالخِيَارِ بين أن يُقِيمَ على تَعْرِيفِها حتى يَجِىءَ صاحِبُها، وبين دَفْعِها إلى الحاكِمِ ليَرَى رَأْيَه فيها. وهل له بَيْعُها بعدَ الحَوْلِ، ويَتَصَدَّقُ بها؟ على رِوَايَتَيْنِ، وقال الخَلَّالُ: كلُّ مَنْ رَوَى عن أحمدَ، أنَّه يُعَرِّفُه سَنَةً، ويَتَصَدَّقُ به، والذي نَقَلَ أنَّه يُعَرِّفُ أبَدًا قولٌ قَدِيمٌ، رَجَعَ عنه. واحْتَجُّوا بما رُوِى عن ابنِ عمرَ، وابنِ عَبَّاسٍ، وابنِ مسعودٍ، مثلَ قَوْلِهم، ولأنَّها لُقَطَةٌ لا تُمْلَكُ في الحَرَمِ، فلا تُمْلَكُ في غيره كالإِبِلِ، ولأنَّ الخَبَرَ وَرَدَ في الأثْمانِ، وغيرُها لا يُسَاوِيها؛ لِعَدَمِ الغَرَضِ المُتَعَلِّقِ بِعَيْنِها، فمِثْلُها يَقُومُ مَقَامَها من كلِّ وَجْهٍ، بخِلَافِ غيرِها. ولَنا، عُمُومُ الأحَادِيثِ في اللُّقَطَةِ جَمِيعِها؛ فإنَّ النبيَّ ﷺ سُئِلَ عن اللُّقَطَةِ، فقال: "عَرِّفْهَا سَنَةً" ثم قال في آخِرِه: "فَانْتَفِعْ بِهَا، أو فَشَأْنكَ بِهَا". وفي حَدِيثِ عِياضِ بن حِمَارٍ: "مَنْ وَجَدَ لُقَطَةً". وهو لَفْظٌ عامٌّ. ورَوَى الجُوزَجَانِىُّ، والأَثْرَمُ في "كِتَابَيْهِما"، قالا: حَدَّثَنا أبو نُعَيْمٍ، ثنا هِشَامُ بن سَعْدٍ، قال حَدَّثَنِى عَمْرُو بن شُعَيْبٍ، عن أبِيه، عن جَدِّه، قال: أتَى رَجُلٌ رسولَ اللهِ ﷺ ، فقال: يا رسولَ اللهِ، كيف تَرَى في مَتَاعٍ يُوجَدُ في الطَّرِيقِ المَيْثاءِ (١٨)، أو في قَرْيَةٍ مَسْكُونةٍ؟ فقال: "عَرَّفْهُ سَنَةً، فَإنْ جَاءَ صاحِبُهُ، وإلَّا فَشَأْنَكَ بِهِ" (١٩). ورَوَيَا أنَّ سُفْيانَ بنِ عبدِ اللَّه، وَجَدَ عَيْبَةً (٢٠) فأتَى بها عمرَ بن الخَطَّابِ فقال: عَرِّفْها سنَةً، فإنْ عُرِفَتْ، وإلَّا فهى لك. زادَ الجُوزَجانِىُّ: فلم تُعْرَفْ، فَلَقِيَهُ بها (٢١) العامَ المُقْبِلَ،
стр. 4103
فذَكَرَها له، فقال عمرُ: هي لك، إنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ أمَرَنَا بذلك. ورَوَه النَّسَائِىُّ كذلك (٢٢). وهذا نَصٌّ في غير الأَثْمانِ. ورَوَى الجُوزَجَانِىُّ، بإسْنادِه، عن الحُرِّ بن الصَّيَّاحِ (٢٣) قال: كنتُ عند ابنِ عُمَرَ بمَكَّةَ، إذ جاءَه رَجُلٌ. فقال: إنِّي وَجَدْتُ هذا البُرْدَ، وقد نَشَدْتُه وعَرَّفْتُه فلم يَعْرِفهُ أحَدٌ، وهذا يومُ التَّرْوِيَةِ، ويومُ يَتَفَرَّقُ الناسُ. فقال: إن شِئْتَ قَوَّمْتَه قِيمَة عَدْلٍ، ولَبِسْتَه، وكنتَ له ضَامِنًا، متى جاءَك صاحِبُه دَفَعْتَ إليه ثَمَنَه، وإن لم يَجِىءْ له طالبٌ فهو لك إن شِئتَ. ولأنَّ ما جازَ الْتِقَاطُه مُلِكَ بالتَّعْرِيفِ، كالأثْمانِ، وما حَكَوْهُ عن الصَّحَابةِ إن صَحَّ، فقد حَكَيْنَا عن عمرَ وابْنِه خِلَافَه. وقولُهم: إنَّها لُقَطَةٌ لا تُمْلَكُ في الحَرَمِ. مَمْنُوعٌ، ثم هو مَنْقُوضٌ بالأَثْمانِ، ولا يَصِحُّ قِيَاسُها على الإِبِلِ؛ لأنَّ معها حِذَاءَها وسِقَاءَها، تَرِدُ الماءَ، وتَأْكُلُ الشَّجَرَ، حتى يأْتِيَها رَبُّها، ولا يُوجَدُ ذلك في غيرِها، ولأنَّ الإِبِلَ لا يجوزُ الْتِقَاطُها، فلا تُمْلَكُ به، وههُنا يَجوزُ الْتِقَاطُها، فتُمْلَكُ به، كالأثْمانِ. ثم إذا لم تُمْلَكْ في الحَرَمِ، لا تُمْلَكُ في الحِلِّ؛ وذلك لأنَّ الحَرَمَ مُيِّزَ بكَوْنِ لُقَطَته لا يَلْتَقِطُها إلَّا مُنْشِدٌ، ولهذا لم تُمْلَكِ الأثْمانُ بالْتِقَاطها فيه، فلا يَلْزَمُ أن لا (٢٤) تُمْلَكَ في مَوْضِعٍ لم يُوجَد المانِعُ فيه. وقولُهم: إنَّ النَّصَّ خاصٌّ في الأثْمانِ. قُلْنا: بل هو عامٌّ في كلِّ لُقَطَةٍ، فيَجِبُ العَمَلُ بِعُمُومِه، وإن وَرَدَ فيها نَصٌّ خاصٌّ، فقد رُوِى خَبَرٌ عامٌّ، فيُعْمَلُ بهما، ثم قد رَوَيْنا نَصًّا خاصًّا في العُرُوضِ، فيَجِبُ العَمَلُ به، كما وَجَبَ العَمَلُ بالخاصِّ في الأَثْمانِ، ثم
стр. 4104
لو اخْتَصَّ الخَبَرُ بالأثْمانِ، لَوَجَبَ أن يُقَاسَ عليها ما كان في مَعْناها، كسائِر النُّصُوصِ التي عُقِلَ مَعْناها ووُجِدَ في غيرِها، وههُنا قد وُجِدَ المَعْنَى، فيَجِبُ قِيَاسُه على المَنْصُوصِ عليه، أو نقول: إن المَعْنَى ههُنا آكَدُ، فيَثْبُتُ الحُكْمُ فيه بِطَرِيقِ التَّنْبِيه. وبَيَانُه أنَّ الأثْمانَ لا تَتْلَفُ بمُضِىِّ الزَّمَانِ عليها، وانْتِظَارِ صاحِبِها بها أبَدًا، والعُرُوضُ تَتْلَفُ بذلك، ففى النِّدَاءِ عليها دائِمًا هَلَاكُها، وضَيَاعُ مالِيَّتِها على صاحِبِها، ومُلْتَقِطِها، وسائِر الناسِ، في (٢٥) إبَاحةِ الانْتِفَاعِ بها ومِلْكِها بعد التَّعْرِيفِ، حِفْظًا لمالِيَّتِها على صاحِبِها بِدَفْعِ قِيمَتِها إليه (٢٦)، وتَقَعُ لغيرِه، فيَجِبُ ذلك لِنَهْىِ النبيِّ ﷺ عن إضَاعَةِ المالَ، ولما فيه من المَصْلَحَةِ والحِفْظِ (٢٧) لمالِ المُسْلِمِ عليه وعلى أخِيه، ولأنَّ في إثْباتِ المِلْكِ فيها حَثًّا على الْتِقَاطِها وحِفْظِها وتَعْرِيِفها، لِكَوْنِه وَسِيلَةً إلى المِلْكِ المَقْصُودِ للآدَمِىِّ، وفى نَفىِ مِلْكِها تَضْيِيعٌ لها، لما في التِقَاطِها من الخَطَرِ والمَشَقَّةِ (٢٨) والكُلْفَةِ من غير نَفعٍ يَصِلُ إليه، فيُؤَدِّى إلى أن لا يَلْتَقِطَها أحَدٌ لِتَعْرِيفِها فتَضِيعَ. وما ذَكَرُوه في الفَرْقِ مُلْغًى بالشَّاةِ، فقد ثَبَتَ المِلْكُ فيها مع هذا الفَرقِ، ثم يُمْكِنُنا أن نَقِيسَ على الشَّاةِ، فلا يحْصُلُ هذا الَفَرْقُ بين الأصْلِ والفَرْعِ. واللَّه أعلم. ثم نَقْلِبُ (٢٩) دَلِيلَهم، فنقولُ: لُقَطَة لا تُمْلَكُ في الحَرَمِ، فما أبِيحَ الْتِقَاطُه منها مُلِكَ إذا كان في الحِلِّ، كالإِبِلِ.
فصل: وظاهِرُ كلامِ أحمدَ والخِرَقِىِّ، أنَّ لُقَطَةَ الحِلِّ والحَرَمِ سواءٌ. ورُوِى ذلك عن ابنِ عُمَرَ، وابنِ عَبَّاسٍ، وعائِشَةَ، وابنِ المُسَيَّبِ. وهو مذهبُ مالِكٍ، وأبى حَنِيفةَ. ورُوِى عن أحمدَ رِوَايَةٌ أخرى، أنَّه لا يجوزُ الْتِقاطُ لُقَطَةِ الحَرَمِ لِلتَّمَلُّكِ، وإنَّما
стр. 4105
يجوزُ لحِفْظِها (٣٠) لِصَاحِبِها، فإن الْتَقَطَها عَرَّفَها أبَدًا حتى يَأْتِىَ صاحِبُها. وهو قولُ عبدِ الرحمنِ بن مَهْدِىٍّ، وأبى عُبَيْدٍ. وعن الشافِعِىِّ كالمَذْهَبَيْنِ. والحُجَّةُ لهذا القولِ قولُ النبيِّ ﷺ في مَكَّةَ: "لَا تَحِلُّ سَاقِطَتُهَا إلَّا لِمُنْشِدٍ". مُتَّفَقٌ عليه (٣١). وقال أبو عُبَيْدٍ (٣٢): المُنْشِدُ المُعَرِّفُ، والناشِدُ الطالِبُ. وينشد:
إصَاخَةَ النّاشِدِ لِلْمُنْشِدِ
فيكون مَعْناه لا تَحِلُّ لُقَطَةُ مَكةَ إلَّا لمن يُعَرِّفُها؛ لأنها خُصَّتْ بهذا من سائِر البُلْدانِ. ورَوَى يَعْقُوبُ بن شَيْبَةَ، في "مُسْنَدِه" (٣٣) عن عبدِ الرَّحْمنِ بن عُثْمانَ التَّيّمِىّ، أنَّ النبيَّ ﷺ نَهَى عن لُقَطَة الحاجِّ. قال ابنُ وَهْبٍ: يَعْنِى يَتْرُكُها حتى يَجِدَها صاحِبُها. رَوَاه أبو دَاوُدَ (٣٤) أيضًا. وَوَجْهُ الرِّوَايةِ الأُولَى عُمُومُ الأحادِيثِ، وأنَّه أحَدُ الحَرَمَيْنِ، فأشْبَه حَرَمَ المَدِينةِ، ولأنَّها أمانَةٌ فلم يَخْتَلِفْ حُكْمُها بالحِلِّ والحَرَمِ، كالوَدِيعَةِ. وقولُ النبيِّ ﷺ : "إلَّا لِمُنْشِدٍ". يَحْتَمِلُ أن يُرِيدَ إلَّا لمن عَرَّفَها عامًا،
стр. 4106
وتَخْصِيصُها بذلك لِتَأْكِيدِها، لا لِتَخْصِيصِها، كقولِه ﵇: "ضَالَّةُ المُسْلِمِ حَرَقُ النَّارِ" (٣٥). وضَالَّةُ الذِّمِّىِّ مَقِيسَةٌ (٣٦) عليها.
فصل: إذا الْتَقَطَ لُقَطَةً، عازِمًا على تَمَلُّكِها بغير تَعْرِيفٍ، فقد فَعَلَ مُحَرَّمًا، ولا يَحِلُّ له أخْذُها بهذه النَّيّةِ، فإذا أخَذَها، لَزِمَه ضَمَانُها، سواءٌ تَلِفَتْ بتَفْرِيطٍ (٣٧) أو بغير تَفرِيطٍ، ولا يَمْلِكُها وإن عَرَّفَها؛ لأنَّه أخَذَ مالَ غيرِه على وَجْهٍ لا يجوزُ له أخْذُه، فأشْبَه الغاصِبَ. نَصَّ على هذا أحمدُ، ويَحْتَمِلُ أن يَمْلِكَها؛ لأنَّ مِلْكَها بالتَّعْرِيفِ والالْتِقَاطِ، وقد وُجِدَ، فيَمْلِكُها به، كالاصْطِيادِ والاحْتِشَاشِ، فإنَّه لو دَخَلَ حائِطًا لغيرِه بغيرِ إذْنِه، فاحْتَشَّ أو اصْطادَ منه صَيْدًا، مَلَكَه، وإن كان دُخُولُه مُحَرَّمًا، كذا ههُنا. ولأنَّ عُمُومَ النَّصِّ يَتَناوَلُ هذا المُلْتَقَطَ، فيَثْبُتُ حُكْمُه فيه، ولأنَّنا لو اعْتَبَرْنَا نِيَّةَ التَّعْرِيفِ وَقْتَ الالْتِقاطِ، لَافْتَرَقَ الحالُ بين العَدْلِ والفاسِقِ والصَّبِىَّ والسَّفِيهِ؛ لأنَّ الغالِبَ على هؤلاءِ الالْتِقَاطُ لِلتَّمَلُّكِ من غيرِ تَعرِيفٍ.
٩٤١ - مسألة؛ قال: (وحَفِظَ وِكَاءَهَا وعِفَاصَهَا، وحَفِظَ عَدَدَها وصِفَتَهَا)
الأصْلُ في هذا قولُ النبيِّ ﷺ ، في حَدِيثِ زَيْدِ بن خالِدٍ: "اعْرفْ وِكَاءَها وعِفَاصَها" (١). وقال في حَدِيثِ أُبَىّ بن كَعْبٍ: "اعْرِفْ عِفَاصَهَا وَوِكَاءَها وعَدَدَها، ثُمَّ عَرِّفْها سَنَةً" (٢). وفى لَفْظٍ عن أُبَىّ بن كَعْبٍ، أنَّه قال:
стр. 4107
وَجَدْتُ مائةَ دِينارٍ، فأتَيْتُ بها النبيَّ ﷺ ، فقال: "عَرِّفْها حَوْلًا". فعَرَّفْتُها حَوْلًا فلم تُعْرَفْ، فرَجَعْتُ إليه، فقال: "اعْرِفْ عِدَّتَها وَوِعَاءَهَا وَوِكاءَهَا، واخْلِطْها بمَالِكَ، فَإنْ جَاءَ رَبُّهَا فَأَدِّهَا إلَيْهِ". ففى هذا الحَدِيثِ أنه أمَرَه بمَعْرِفَةِ صِفَاتِها بعدَ التَّعْرِيفِ، وفى غيرِه أمَرَه بمَعْرِفَتِها حين الْتِقَاطِها قبلَ تَعْرِيفِها (٣). وهو الأَوْلَى؛ لِيَحْصُلَ عنده عِلْمُ ذلك، فإذا جاء صاحِبُها فَنَعتَها، غَلَبَ على ظَنِّه صِدْقُه فيجوزُ الدَّفْعُ إليه (٤) حينئذٍ. وإن أخَّرَ مَعْرِفَةَ ذلك إلى حينِ مجىءِ باغِيها، جازَ؛ لأنَّ المَقْصُودَ يَحْصُلُ بمَعْرِفَتِها حينئذٍ. وإن لم يَجِىءْ طالِبُها، فأرَادَ التَّصَرُّفَ فيها بعدَ الحَوْلِ، لم يَجُزْ له حتى يَعْرِفَ صِفَاتِها؛ لأنَّ عَيْنَها تَنْعَدِمُ بالتَّصَرُّفِ، فلا يَبْقَى له سَبِيلٌ إلى مَعْرِفَةِ صِفَاتِها إذا جاء صَاحِبُها. وكذلك إن خَلَطَها بمالِه على وَجْهٍ لا تَتَمَيَّزُ منه، فيكونُ أمْرُ النبيَّ ﷺ لأُبَىّ بمَعْرِفَةِ صِفَاتِها عند خَلْطِها بمالِه أمْرَ إيجابٍ مُضَيَّقٍ، وأمْرُه لِزَيْدِ بن خالِدٍ بِمَعْرِفةِ ذلك حين الالْتِقَاطِ واجِبًا مُوَسَّعًا. واللَّه أعلمُ. قال القاضي: يَنْبَغِى أن يَعْرِفَ جِنْسَها دَرَاهِمَ أو دَنانِيرَ، ونَوْعَها، وإن كانت ثِيابًا عَرَفَ لُفَافَتَها وجِنْسَها، ويَعْرِفُ قَدْرَها بالكَيْلِ، وبالوَزْنِ، أو بالعَدَدِ، أو الذَّرْعِ، ويَعرِفُ العَقْدَ عليها، هل هو عَقْدٌ واحِدٌ أو أكْثَر، أُنْشُوطَةً (٥) أو غيرُها، ويَعْرِفُ صِمَامَ القارُورَةِ [الذي يَدْخُلُ] (٦) رَأْسَها، وعِفَاصَها الذي تَلْبَسُه.
فصل: ويُسْتَحَبُّ أن يُشْهِدَ عليها حين يَجِدُها. قال أحمدُ، ﵀: لا أُحِبُّ أن يَمَسَّها حتى يُشْهِدَ عليها. فظاهِرُ هذا أنه مُسْتَحَبٌّ غيرُ واجِبٍ، وأنَّه إن لم يُشْهِدْ عليها لا ضَمَانَ عليه. وبهذا قال مالِكٌ. والشافِعِىُّ. وقال أبو حنيفةَ: إذا لم يُشْهِدْ عليها ضَمِنَها؛ لقولِ رسولِ اللَّه ﷺ : "مَنْ وَجَدَ لُقَطَةً، فَلْيُشْهِدْ ذَا عَدْلٍ، أو ذَوِى
стр. 4108
عَدْلٍ" (٧). وهذا أمْرٌ يَقْتَضِى الوُجُوبَ، ولأنَّه إذا لم يُشْهِدْ كان الظاهِرُ أنَّه أخَذَها لِنَفْسِه. ولَنا، خَبَرُ زَيْدِ بن خالِدٍ، وأُبَىِّ بن كَعْبٍ، فإنَّه أمَرَهُما بالتَّعْرِيفِ دون الإِشْهادِ، ولا يجوزُ تَأْخِيرُ البَيَانِ عن وَقْتِ الحاجَةِ، فلو كان واجِبًا لَبَيَّنَهُ النبيُّ ﷺ ، سِيَّما وقد سُئِلَ عن حُكْمِ اللُّقَطَةِ فلم يكنْ لِيُخِلَّ بِذِكْرِ الواجِبِ فيها، فيَتَعَيَّن حَمْلُ الأمرِ في حَدِيثِ عِيَاضٍ (٨) على النَّدْبِ والاسْتِحْبابِ. ولأنَّه أخْذُ أمَانَةٍ، فلم يَفتَقِرْ إلى الإِشْهادِ، كالوَدِيعَةِ. والمَعْنَى الذي ذَكَرُوه غيرُ صَحِيحٍ، فإنَّه إذا حَفِظَها وعَرَّفَها فلم يَأْخُذْها لِنَفْسِه، وفائِدَةُ الإِشْهادِ صِيَانَةُ نَفْسِه عن (٩) الطَّمَعِ فيها، وكَتْمُها وحِفْظُها من وَرَثَتِه إن ماتَ، ومن غُرَمَائِه إن أفْلَسَ. وإذا أشْهَدَ عليها، لَم يَذْكُرْ لِلشُّهُودِ صِفَاتِها، لئَلَّا يَنْتَشِرَ ذلك فيَدَّعِيها مَن لا يَسْتَحِقُّها، ويَذْكُرُ صِفَاتِها، كما قُلْنا في التَّعْرِيفِ، ولكنْ يَذْكُرُ لِلشُّهودِ ما يَذْكُرُه في التَّعْرِيفِ من الجِنْسِ والنَّوْعِ. قال أحمدُ، في رِوَايةِ صالحٍ، وقد سَأَلَه: إذا أشْهَدَ (١٠) عليها هل يُبَيِّنُ كم هي؟ قال: لا، ولكنْ يقول: قد أصَبْتُ لُقَطَةً. ويُسْتَحَبُّ أن يَكْتُبَ صِفَاتِها؛ ليكونَ أَثْبَتَ لها، مَخَافَةَ أن يَنْسَاهَا إن اقْتَصَر على حِفْظِها بِقَلْبِه، فإنَّ الإِنْسانَ عُرْضَة النِّسْيانِ.
٩٤٢ - مسألة؛ قال: (فَإنْ جَاءَ رَبُّها فَوَصَفَهَا لَهُ، دُفِعَتْ إلَيْهِ بِلَا بَيِّنَةٍ)
يعني إذا وَصَفَها بِصِفَاتِها المَذْكُورَةِ، دَفَعَها إليه، سواءٌ غَلَبَ على ظَنِّه صِدْقُه أو لم يَغْلِبْ. وبهذا قال مالِكٌ، وأبُو عُبَيْدٍ، ودَاوُد، وابنُ المُنْذِرِ. وقال أبو حنيفةَ، والشافِعِيُّ: لا يُجْبَرُ على ذلك إلَّا بِبَيِّنَةٍ، ويجوزُ (١) له دَفْعُها إليه إذا غَلَبَ على ظَنِّه صِدْقُهُ. قال أصْحابُ الرَّأْى: إن شاءَ دَفَعَها إليه وأخَذَ كَفِيلًا بذلك؛ لأنَّ النبيَّ ﷺ قال:
стр. 4109
"البَيِّنَة عَلَى المُدَّعِى" (٢). ولأنَّ صِفَةَ المُدَّعِى لا يَسْتَحِقُّ بها كالمَغْصُوبِ. ولَنا، قولُ النبيِّ ﷺ : "فَإنْ جَاءَكَ أحَدٌ يُخْبِرُكَ بِعَدَدِهَا وَوِعَائِهَا وَوِكَائِهَا، فَادْفَعْها إلَيهِ" (٣). قال ابنُ المُنْذِرِ: هذا الثابِتُ عن رسولِ اللهِ ﷺ ، وبه أقولُ. ورَوَاه ابنُ القَصَّارِ (٤): "فَإنْ جَاءَ بَاغِيَها، وَوَصَفَ عِفَاصَهَا وَعَدَدَهَا، فَادْفَعْها إلَيْهِ". وفى حَدِيثِ زَيْدٍ الذي ذَكَرْناه: "اعْرفْ وِكَاءَهَا وعِفَاصَهَا، ثُمَّ عَرِّفْها سَنَةً، فإنْ لَمْ تُعْرَفْ، فَاسْتَنْفِقْهَا، وإِنْ جَاءَ طَالِبُهَا يَوْمًا مِنَ الدَّهْرِ، فَأَدِّها إلَيْهِ" (٣). يَعْنِى إذا ذَكَرَ صِفَاتِها؛ لأنَّ ذلك هو المَذْكُورُ في صَدْرِ الحَدِيثِ، ولم يَذْكُرِ البَيِّنةَ في شيءٍ من الحَدِيثِ، ولو كانت شَرْطًا لِلدَّفْعِ، لم يَجُزِ الإِخْلَالُ به، ولا أمَرَ بالدَّفْعِ بدُونِه، ولأنَّ إقَامةَ البَيِّنةِ على اللُّقَطَةِ تَتَعَذَّرُ؛ لأنَّها [إنَّما سَقَطَتْ] (٥) حالَ الغَفْلَةِ والسَّهْوِ، [فَتوْقيفُ دَفْعِها عليها] (٦) مَنْعٌ لِوُصُولِها إلى صاحِبِها أبدًا، وهذا يُفَوِّتُ مَقْصُودَ الالْتِقاطِ، ويُفْضِى إلى تَضْيِيعِ أمْوالِ الناسِ، وما هذا سَبِيلُه يَسْقُطُ اعْتِبارُ البَيِّنةِ فيه، كالإِنْفَاقِ على اليَتِيمِ، والجَمْعُ بين هذا القولِ وبينَ تَفْضِيلِ الالْتِقاطِ على تَرْكِه مُتَنَاقِضٌ جدًّا؛ لأنَّ الالْتِقاطَ حينئذٍ يكونُ تَضْيِيعًا لمالِ المُسْلِمِ يَقِينًا، وإتْعابًا لِنَفْسِه بالتَّعْرِيفِ الذي لا يُفِيدُ، والمُخاطَرَةِ بِدِينِه بِتَرْكِه الواجِبَ من تَعْرِيفِها، وما هذا سَبِيلُه يَجِبُ أن يكونَ حَرَامًا، فكيف يكون فاضِلًا. وعلى هذا نقولُ: لو لم يجِبْ دَفْعُها بالصِّفَةِ، لم يَجُزِ الْتِقاطُها؛ لما ذَكَرْناه، وقولُ النبيِّ ﷺ : "البَيِّنةُ عَلَى المُدَّعِى". يَعْنِى إذا كان ثَمَّ مُنْكِرٌ؛ لِقَوْلِه في سِيَاقِه: "والْيَمِينُ عَلَى مَنْ أنْكَرَ". ولا مُنْكِرَ ههُنا، على أنَّ البَيِّنةَ تَخْتَلِفُ، وقد جَعَلَ النبيُّ ﷺ بَيِّنةَ مُدَّعِى اللُّقَطَةِ وَصْفَها، فإذا وَصَفَها فقد
стр. 4110
أقَامَ بَيِّنَتَه. وقِياسُ اللُّقَطةِ على المَغْصُوبِ غيرُ صَحِيحٍ؛ فإنَّ النِّزَاعَ ثَمَّ في كَوْنِه مَغْصُوبًا، والأصْلُ عَدَمُه، وقولُ المُنْكِرِ يُعَارِضُ دَعْوَاه، فاحْتِيجَ إلى البَيِّنةِ، وههُنا قد ثَبَتَ كونُ هذا المالِ لُقَطةً، وأنَّ له صاحِبًا غيرَ مَنْ هو في يَدِه، ولا مُدَّعِىَ له إلَّا الواصِفُ، وقد تَرَجَّحَ صِدْقُه، فَيَنْبَغِى أن يُدْفَعَ إليه.
فصل: فإن وَصَفَها اثْنانِ، أُقْرِعَ بينهما، فمن وَقَعَتْ له القُرْعَةُ حَلَفَ أنَّها له، وسُلِّمَتْ إليه. وهكذا إن [أقَامَا بَيِّنَتَيْنِ، أُقْرِعَ بينهما، فمن وَقَعَتْ له القُرْعَةُ حَلَفَ، ودُفِعَتْ إليه. ذَكَرَه القاضي، وقال أبو الخَطَّابِ: تُقَسَّمُ بينهما؛ لأنَّهما] (٧) تَسَاوَيَا فيما يُسْتَحَقُّ به الدَّفْعُ، فتَسَاوَيَا فيها، كما لو كانت في أيْدِيهما. والذي قُلْناهُ أصَحُّ وأشْبَهُ بأُصُولِنا، فيما إذا تَدَاعَيَا عَيْنًا في يَدِ غيرِهِما، ولأنَّهما تَدَاعَيَا عَيْنًا في يَدِ (٨) غيرِهِما، وتَسَاوَيَا في البَيِّنةِ، أو في عَدَمِها، فتكون لمن وَقَعَتْ له القُرْعَةُ، كما لو ادَّعَيَا وَدِيعَةً في يَدِ إنْسانٍ، فقال: هي لأحَدِكُما، لا أعْرِفُه عَيْنًا. وفارَقَ ما إذا كانت في أيْدِيهِما؛ لأنَّ يَدَ كلِّ واحدٍ منهما على نِصْفِه (٩)، فَرَجَحَ قَوْلُه فيه. وإن وَصَفَها إنْسانٌ، فأقامَ آخَرُ البَيِّنةَ أنَّها له، فهى لِصَاحِبِ البَيِّنةِ؛ لأنَّها أقْوَى من الوَصْفِ، فإن كان الواصِفُ قد أخَذَها، انْتُزِعَتْ منه، وَرُدَّتْ إلى صاحِبِ البَيِّنةِ؛ لأنَّنا تَبَيَّنَّا أنَّها له، فإن كانتْ (١٠) قد هَلَكَتْ، فلِصَاحِبِها تَضْمِينُ من شاءَ من الواصِفِ أو الدَّافِع إليه. وبهذا قال أبو حنيفةَ، والشافِعِىُّ. ويَتَخَرَّجُ أن لا يَلْزَمَ المُلْتَقِطَ شيءٌ. وهذا قول ابن القاسِمِ صاحِبِ مالِكٍ، وأبى عُبَيْدٍ؛ لأنَّه فَعَلَ ما أُمِرَ به، وهو (١١) أمِينٌ غير مُفَرِّطٍ ولا مُقَصِّرٍ، فلا يَضْمَنُ كما لو دَفَعَها بأمْرِ الحاكِمِ، ولأنَّ الدَّفْعَ واجِبٌ عليه، فصارَ الدَّفْعُ بغيرِ اخْتِيارِه، فلم يَضْمَنْها، كما لو أخَذَها كَرْهًا. ولَنا، أنَّه دَفَعَ مالَ غيرِه إلى غيرِ مُسْتَحِقِّه اخْتِيارًا منه،
стр. 4111
فضَمِنَه، كما لو دَفَعَ الوَدِيعةَ إلى غيرِ مالِكِها، إذا غَلَبَ على ظَنِّه أنَّه مالِكُها. فأمَّا إن دَفَعَها بحُكْمِ حاكمٍ، لم يَمْلِكْ صاحِبُها مُطَالَبةَ الدَّافعِ؛ لأنَّها مَأْخُوذَةٌ منه على سَبِيلِ القَهْرِ، فلم يَضْمَنْها، كما لو غَصَبَها غاصِبٌ. ومتى ضَمِنَ الواصِفُ لم يَرْجِعْ على أحدٍ؛ لأنَّ العُدْوانَ منه والتَّلَفَ عنده. فإن ضَمِنَ الدافِعُ، رَجَعَ على الواصِفِ؛ لأنَّه كان سَبَبَ تَغْرِيمِه، إلَّا أن يكونَ المُلْتَقِطُ قد أَقَرَّ للواصِفِ أنَّه صاحِبُها ومالِكُها، فإنَّه لا يَرْجِعُ عليه، لأنَّه اعْتَرَفَ أنَّه صاحِبُها ومُسْتَحِقُّها، وأنَّ صاحِبَ البَيِّنةِ ظَلَمَه بِتَضْمِينِه، فلا يَرْجِعُ به. على غيرِ مَنْ ظَلَمَه. وإن كانت اللُّقَطَةُ قد تَلِفَتْ عند المُلْتَقِطِ، فضَمَّنَهُ إيّاها، رَجَعَ على الواصِفِ بما غَرِمَهُ، وليس لِمَالِكِها تَضْمِينُ الواصِفِ؛ لأنَّ الذي قَبَضَه إنَّما هو مالُ المُلْتَقِطِ، لا مالُ صاحِبِ اللُّقَطةِ، بخِلَافِ ما إذا سَلَّم العَيْنَ. فأمَّا إن وَصَفَها إنْسانٌ، فأخَذَها، ثم جاءَ آخَرُ فوَصَفَها وادَّعَاها، لم يَسْتَحِقَّ شَيْئا؛ لأنَّ الأوَّلَ اسْتَحَقَّها لِوَصْفِه إيَّاها، وعَدَمِ المُنازِعِ فيها، وثَبَتَتْ يَدُه عليها، ولم يُوجَدْ ما يَقْتَضِى انْتِزَاعَها منه، فوَجَبَ إبْقاؤُها له، كسائِر مالِه.
فصل: ولو جاء مُدَّعٍ لِلُقَطَةٍ، فلم يَصِفْها، ولا أَقَامَ بَيِّنةً أنَّها له، لم يَجُزْ دَفْعُها إليه، سواءٌ غَلَبَ على ظَنِّه صَدْقُه أو كَذِبُه؛ لأنَّها أمانَةٌ, فلم يَجْزْ دَفْعُها إلى مَن لم يُثْبِتْ أنَّه صَاحِبُها، كالوَدِيعَةِ، فإن دَفَعَها، فجاءَ آخَرُ فوَصَفَها، أو أقامَ (١٢) بَيِّنةً، لَزِمَ الواصِفَ غَرَامَتُها له؛ لأنَّه فَوَّتَها على مالِكِها بِتَفْرِيطِه، وله الرُّجُوعُ على مُدَّعِيها؛ لأنَّه أخَذَ مالَ غيره، ولِصَاحِبِها تَضْمِينُ آخِذِها، فإذا ضَمَّنَه لم يَرْجِعْ على أحدٍ. وإن لم يَأْتِ أحدٌ يَدَّعِيها فَلِلْمُلْتَقِطِ مُطَالَبةُ آخِذِها بها؛ لأنَّه لا يَأْمَنُ (١٣) مَجِىءَ صاحِبِها، فيُغَرِّمُهُ إيّاهَا، ولأنها أمانَةٌ في يَدِه، فمَلَكَ أخْذَها من غاصِبِها، كالوَدِيعَةِ.
стр. 4112
٩٤٣ - مسألة؛ قال: (أوْ مثْلُهَا إنْ كَانَتْ قَدِ اسْتُهْلِكَتْ)
وجملةُ ذلك أنَّ اللُّقَطَةَ في الحَوْلِ أمانَةٌ في يَدِ المُلْتَقِطِ، إن تلِفَتْ بغيرِ تَفْرِيطِه أو نَقَصَتْ، فلا ضَمَانَ عليه، كالوَدِيعَةِ. ومتى جاءَ صاحِبُها، فوَجَدَها أخَذَها بزِيَادَتِها المُتَّصِلَةِ والمُنْفَصِلَةِ؛ لأنَّها نَماءُ مِلكِه. وإن أَتْلَفَها المُلتَقِطُ، أو تَلِفَتْ بِتَفْرِيطِه، ضَمِنَها بمِثْلِها إن كانت من ذَوَاتِ الأمْثالِ، وبِقيمَتِها إن لم يكُنْ لها مِثْلٌ. لا أعْلَمُ في هذا خِلَافًا. وإن تَلِفَتْ بعد الحَوْلِ، ثَبَتَ في ذِمَّتِه مِثْلُها أو قِيمَتُها بكلِّ حالٍ؛ لأنَّها دَخَلَتْ في مِلكِه، وتَلِفَتْ من مالِه، وسواءٌ فَرَّطَ في حِفْظِها أولم يُفَرِّطْ. وإن وَجَدَ العَيْنَ ناقِصَةً، وكان نَقْصُها بعدَ الحَوْلِ، أخَذَ العَيْنَ وأَرْشَ نَقْصِها؛ لأنَّ جَمِيعَها مَضْمُونٌ إذا تَلِفَتْ، فكذلك إذا نَقَصَتْ. وهذا قولُ أكْثَر الفُقَهاءِ (١) الذين حَكَمُوا بمِلْكِه لها بمُضِيٍّ حَوْلِ التَّعْرِيفِ، وأمَّا مَن قال: لا يَمْلِكُها حتى يَتَمَلَّكَها. لم يُضَمِّنْهُ إيّاها حتى يَتَمَلَّكَها، وحُكْمُها قبل تَمَلُّكِه إيَّاها حُكْمُها قبلَ مُضِىِّ حَوْلِ التَّعرِيفِ. ومن قال: لا تُمْلَكُ اللُّقَطَةُ بحالٍ. لم يُضَمِّنْهُ إيَّاها. وبهذا قال الحَسَنُ، والنَّخَعِىُّ، وأبو مِجْلَزٍ، والحارِثُ العُكْلِىُّ، ومالِكٌ، وأبو يوسفَ، قالوا: لا يَضْمَنُ، وإن ضاعَتْ بعدَ الحَوْلِ. وقد ذَكَرْنا فيما تقَدَّمَ دَلِيلَ دُخُولِها في مِلْكِه. وقال دَاوُدُ: إذا تَمَلَّكَ العَيْنَ وأَتْلَفَها، لم يَضْمَنْها. وحَكَى ابنُ أبي موسى، عن أحمدَ، أنَّه لَوَّحَ إلى مثلِ هذا القولِ؛ لِحَدِيثِ عِيَاضِ بن حِمَارٍ، عن النبيِّ ﷺ ، أنَّه قال: "فَإِنْ جاءَ رَبُّها، وإلَّا فَهِىَ مَالُ اللَّه يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ" (٢). فجَعَلَه مُبَاحًا. وقوله في حَدِيثِ أُبَيِّ بن كَعْبٍ: "فَإنْ جَاءَ مَنْ يَعْرِفُها، وإلَّا فَهِىَ كَسَبِيلِ مالِكَ" (٣). وفي حَدِيثِ زَيْدٍ: "فَإنْ جَاءَ صاحِبُهَا، وإلَّا فَشَأنَكَ بِهَا" (٤). ورُوِى: "فَهِىَ لَكَ". ولم يَأْمُرْهُ بِرَدِّ
стр. 4113
بدَلَها. ولَنا، قولُ النبيِّ ﷺ : "فَإنْ لَمْ تُعْرَفْ فَاسْتَنْفِقْها، وَلْتَكُنْ وَدِيعةً عِنْدَكَ، فَإنْ جَاءَ طَالِبُهَا يَوْمًا مِنَ الدَّهْرِ، فَادْفَعْهَا إلَيْهِ" (٥). وقال الأَثْرَمُ: قال أحمدُ: أذْهَبُ إلى حَدِيثِ الضَّحّاكِ بن عُثْمانَ. جَوَّدَه، ولم يَرْوِه أحدٌ مثلَ ما رَوَاه: "إنْ جَاءَ صَاحِبُهَا بَعْدَ سَنَةٍ، وقَدْ أَنْفَقَهَا، رَدَّهَا إلَيْهِ" (٦). لأنَّها عَيْنٌ يَلْزَمُ رَدُّها لو كانتْ باقِيةً، فيَلْزَمُه ضَمَانُها إذا أَتْلَفَها، كما قبلَ الحَوْلِ، ولأنَّه مالٌ مَعْصُومٌ، فلم يَجُزْ إسْقاطُ حَقِّه منه مُطْلَقًا، كما لو اضْطُرَّ إلى مالِ غيرِه. وإن وَجَدَ العَيْنَ زائِدةً بعد الحَوْلِ زِيادَةً مُتَّصِلةً، أخَذَها بزِيَادَتِها؛ لأنَّها تَتْبَعُ في الرَّدِّ بالعَيْبِ والإِقَالةِ، فتَبِعَتْ ههُنا. وإن حَدَثَ بعدَ الحَوْلِ لها نَمَاءٌ مُنْ فَصِلٌ ، فهو لِلْمُلْتَقِطِ؛ لأنَّه نَماءُ مِلْكِه مُتَمَيِّزٌ لا يَتْبَعُ في الفُسُوخِ، فكان له، كَنَماءِ المَبِيعِ إذا رُدَّ بِعَيْبٍ. وذَكَرَ أبو الخَطَّابِ فيه وَجْهًا آخَرَ، بِنَاءً على المُفْلِسِ إذا اسْتُرْجِعَتْ منه العَيْنُ بعدَ أن زادَتْ زِيادَةً مُتَمَيِّزةً، والوَلَدِ إذا اسْتَرْجَعَ أَبُوه ما وَهَبَه (٧) له بعد زِيَادَتِه. والصَّحِيحُ أنَّ الزِّيادَةَ لِلْمُلْتَقِطِ؛ لما ذَكَرْناه. وكذلك الصَّحِيحُ في المَوْضِعَيْنِ اللَّذَيْنِ ذَكَرهم (٨) أنَّ الزِّيادَةَ لمن حَدَثَتْ في مِلكِه. ثم الفَرْقُ بينهما أنَّه في مَسْأَلَتِنا يَضْمَنُ النَّقْصَ، فتكونُ له الزِّيادَةُ، ليكونَ الخَرَاجُ بالضَّمَانِ، وثَمَّ لا ضَمَانَ عليه، فأمْكَنَ أن لا يكونَ الخَرَاجُ له. واللهُ أعلمُ. ومتى اخْتَلَفا في القِيمَةِ أو المِثْلِ، فالقولُ قولُ المُلْتَقِطِ مع يَمِينِه؛ لأنَّ الأصْلَ بَرَاءةُ ذِمَّتِه ممَّا حَلَفَ عليه.
فصل: وإن وَجَدَ العَيْنَ بعد خُرُوجِها من مِلْكِ المُلْتَقِطِ بِبَيْعٍ أو هِبَةٍ أو نحوِهِما، لم يكُنْ له الرُّجُوعُ فيها، وله أخْذُ بَدَلِها؛ لأنَّ تَصَرُّفَ المُلْتَقِطِ وَقَعَ صَحِيحًا؛ لكَوْنِها صارَتْ في مِلْكِه. وإن صَادَفَها قد رَجَعَتْ إلى المُلْتَقِطِ بِفَسْخٍ أو شِرَاءٍ أو غيرِ ذلك، فله أخْذُها؛ لأنَّه وَجَدَ عَيْنَ مالِه في يَدِ مُلْتَقِطِه، فكان له أخْذُه، كالزَّوْجِ إذا طَلَّقَ
стр. 4114
قَبل الدُّخُولِ فوَجَدَ الصَّدَاقَ قد رَجَعَ إلى المَرْأةِ. وسائِرُ أحْكَامِ الرُّجُوعِ ههُنا كَحُكْمِ رُجِوعِ الزَّوْجِ، على ما نَذْكُرُه في مَوْضِعِه، إن شاءَ اللهُ تعالى.
فصل: إذا أخَذَ اللُّقَطَةَ، ثم رَدَّها إلى مَوْضِعِها، ضَمِنَها. رُوِى ذلك عن طاوُسٍ. وبه قال الشافِعِيُّ. وقال مالِكٌ: لا ضَمَانَ عليه؛ لما رَوَى الأثْرَمُ، عن القَعْنَبِيِّ، عن مالِكِ، عن يَحْيَى بن سَعِيدٍ، عن سُلَيْمانَ بن يَسَارٍ، عن ثابِتِ بن الضَّحّاكِ، عن عمرَ، أنَّه قال لِرَجُلٍ وَجَدَ بَعِيرًا: أَرْسِلْهُ حيث وَجَدْتَه (٩). ولما رُوِىَ عن جَرِيرِ بن عبدِ اللَّه، أنَّه رأَى في بَقَرِه بَقَرَةً قد لَحِقَتْ بها، فأمَرَ بها فَطُرِدَتْ حتى تَوَارَتْ (١٠). ولنا: أنها أمَانَةٌ حَصَلَتْ في يَدِه، فلَزِمَه حِفْظها، فإذا ضَيَّعَها لَزِمَه ضَمَانُها. كما لو ضَيَّعَ الوَدِيعةَ. ولأنَّها لمَّا حَصَلَتْ في يَدِه، لَزِمَه حِفْظُها، وتَرْكُها تَضْيِيعُها. فأمَّا حَدِيثُ عمرَ، فهو في الضّالَّةِ التي لا تَحِلُّ. فأمَّا ما لا يَحلُّ الْتِقَاطُه إذا أخَذَه، فيَحْتَمِلُ أنَّ له رَدَّه إلى مَكَانِه، ولا ضَمَانَ عليه لهذه الآثَار، ولأنَّه كان واجِبًا عليه تَرْكُه في مَكانِه ابْتِدَاءً، فكان له ذلك بعد أخْذِه. ويَحْتَمِلُ أن لا يَبْرَأَ من ضَمَانِه بِرَدِّه، لأنَّه (١١) دَخَلَ في ضَمَانِه، فلم يَبْرَأْ من ضَمَانِه بِرَدِّه إلى مَكَانِه، كالمَسْرُوقِ وما يَجُوزُ الْتِقَاطُه، فعلى هذا لا يَبْرَأ إلَّا بِرَدِّه إلى الإِمَامِ أو نائِبِه. وأما عُمَرُ فهو كان الإِمامَ، فإذا أمَرَ بِرَدِّه كان كأَخْذِه منه. وحَدِيثُ جَرِيرٍ لا حُجَّةَ فيه؛ لأنَّه لم يَأْخُذ البَقَرةَ، ولا أخَذَها غُلَامُه، إنَّما لَحِقَتْ بالبَقَرِ من غيرِ فِعْلِه ولا اخْتِيَارِه.
стр. 4115
فصل: وإن ضاعَتِ اللُّقَطَةُ من مُلْتَقِطِها بغيرِ تَفْرِيطٍ، فلا ضَمانَ عليه؛ لأنَّها أمانَةٌ في يَدِه، فأشْبَهَتِ الوَدِيعةَ. فإن الْتقَطَها آخَرُ، فعَرَفَ أنَّها ضَاعَتْ من الأوَّل، فعليه رَدُّها إليه؛ لأنَّه قد ثَبَتَ له حَقُّ التَّمَوُّلِ وَوِلايَةُ التَّعْرِيفِ والحِفْظِ، فلا يَزُولُ ذلك بالضَّيَاعِ. فإنَ لم يَعْلَم الثاني بالحالِ حتى عَرَّفَها حَوْلًا، مَلَكَها؛ لأنَّ (١٢) سَبَبَ المِلْكِ وُجِدَ منه من غيرِ عُدْوَانٍ، فيَثْبُتُ المِلْكُ به كالأوَّل، ولا يَمْلِكُ الأوَّلُ انْتِزَاعَها؛ لأنَّ المِلْكَ مُقَدَّمٌ على حَقِّ التَّملُّكِ، وإذا جاءَ صاحِبُها فله أخْذُها من الثاني، وليس له مُطَالَبةُ الأوَّلِ؛ لأنَّه لم يُفَرِّطْ. وإن عَلِمَ الثاني بالأوَّل، فَرَدَّها إليه، فأبَى أخْذَها، وقال: عَرِّفْها أنت فعَرَّفَها، مَلَكَها أيضًا؛ لأنَّ الأوَّلَ تَرَكَ حَقَّه فسَقَطَ. وإن قال: عَرِّفْها، ويكونُ مِلْكُها لي. فَفَعَلَ، فهو مُسْتَنِيبٌ له في التَّعْرِيفِ، ويَمْلِكُهما الأوَّلُ؛ لأنَّه وَكَّلَه في التَّعْرِيفِ، فصَحَّ، كما لو كانت في يَدِ الأوَّلِ. وإن قال: عَرِّفْها، وتكونُ بَينَنا. ففَعَلَ، صَحَّ أيضًا، وكانت بينهما؛ لأنَّه أسْقَطَ حَقَّه من نِصْفِها، ووَكَّلَه في الباقِى. وإن قَصَدَ الثاني بالتَّعْرِيفِ تَمَلُّكَها لِنَفْسِه دُون الأوَّل، احْتَمَل وَجْهَيْنِ؛ أحدهما، يَمْلِكُها (١٣)؛ لأنَّ سَبَبَ المِلْكِ وُجِدَ منه، فمَلَكَها، كما لو أَذِنَ له الأوَّلُ في تَعْرِيفِها لِنَفْسِه. والثانى، لا يَمْلِكُها؛ لأنَّ وِلَايةَ التَّعْرِيفِ للأوَّلِ، أشْبَهَ ما لو غَصَبَها من المُلْتَقِطِ غاصِبٌ فعَرَّفَها. وكذلك الحُكْمُ إذا عَلِمَ الثاني بالأوَّلِ فعَرَّفَها، ولم يُعْلِمْه (١٤) بها. ويُشْبِهُ هذا المُتحَجِّرَ في المَوَاتِ إذا سَبَقَه غيرُه إلى ما حَجَّرَهُ، فأحْياهُ بغير إذْنِه. فأمَّا إن غَصَبَها غاصِبٌ من المُلْتَقِطِ، فعَرَّفَها، لم يَمْلِكْها، وَجْهًا واحِدًا؛ لأنَّه مُعْتَدٍ بأَخْذِها ولم يُوجَدْ منه (١٥) سَبَبُ تمَلُّكِها، فإنَّ الالْتِقاطَ من جُمْلةِ السَّبَبِ، ولم يُوجَدْ منه. ويُفَارِقُ هذا ما إذا الْتَقَطها ثانٍ، فإنَّه وُجِدَ منه الالْتِقَاطُ والتَّعْرِيفُ.
стр. 4116
فصل: ومَن اصْطادَ سَمَكَةً، فوَجَدَ فيها دُرَّةً، فهى لِلصَّيَّادِ؛ لأنَّ الدُّرَّ يكونُ في البَحْرِ، بِدَلِيلِ قول اللَّه تعالى: ﴿وَتَسْتَخْرِجُوا مِنْهُ حِلْيَةً تَلْبَسُونَهَا﴾ (١٦). فتكون لآخِذِها، فإن باعَها الصَّيَّادُ ولم يَعْلَمْ، فوَجَدَها المُشْتَرِى في بَطْنِها، فهى لِلصَّيَّادِ. نَصَّ عليه أحمدُ؛ لأنَّه إذا لم يَعْلَمْ ما في بَطْنِها فلم يَبِعْهُ، ولم يَرْضَ بِزَوَالِ مِلْكِه عنه، فلم يَدْخُلْ في البَيْعِ، كمن باعَ دَارًا له مالٌ مَدْفُونٌ فيها. وإن وَجَدَ في بَطْنِها عَنْبَرةً أو شيئًا ممَّا يكونُ في البَحْرِ، فهو لِلصَّيَّادِ؛ لما ذَكَرْنَا. وحُكْمُه حُكْمُ الجَوْهَرَةِ. وإن وَجَدَ دَرَاهِمَ أو دَنانِيرَ، فهى لُقَطَةٌ؛ لأنَّ ذلك لا يُخْلَقُ في البَحْرِ، ولا يكونُ إلَّا لآدَمِىٍّ، فيكونُ لُقَطَةً، كما لو وَجَدَه في البَحْرِ. وكذلك الحُكْمُ في الدُّرَّةِ إذا كان فيها أَثَرٌ لآدَمِىٍّ، مثل أن تكونَ مَثْقُوبةً أو مُتَّصِلَةً بذَهَبٍ أو فِضَّةٍ أو غيرِهِما، فإنَّها تكون لُقَطةً لا يَمْلِكُها الصَّيَّادُ؛ لأنَّها لم تَقَعْ في البَحْرِ حتى تَثْبُتَ اليَدُ عليها، فهى كالدِّينارِ. وكذلك الحُكْمُ في العَنْبَرةِ إذا كانت مَوْصُولةً بِذَهَبٍ أو فِضَّةٍ، أو مَصْنُوعةً، كالتُّفّاحَةِ مَثْقُوبةً، ونحو ذلك ممَّا لا يُخْلَقُ عليه في البَحْرِ، فهى لُقَطَةٌ. وإن وَجَدَها الصَّيَّادُ فعليه تَعْرِيفُها؛ لأنَّه مُلْتَقِطُها، وإن وَجَدَها المُشْتَرِى، فالتَّعْرِيفُ عليه؛ لأنَّه واجِدُها، ولا حاجَةَ إلى البِدَايةِ بالبائِعِ، فإنَّه لا يَحْتَمِلُ أن تكونَ السَّمَكةُ ابْتَلَعَتْ ذلك بعدَ اصْطِيَادِها ومِلْكِ الصَّيَّادِ لها، فاسْتَوَى هو وغيره. فأمَّا إن اشْتَرَى شاةً، ووَجَدَ في بَطْنِها دُرَّةً أو عَنْبَرَةً أو دَنَانِيرَ أو دَرَاهِمَ، فهى لُقَطَةٌ يُعَرِّفُها، ويَبْدَأُ بالبائِعِ؛ لأنَّه يَحْتمِلُ أن تكونَ ابْتَلَعَتْها من (١٧) مِلْكِه فيَبْدَأُ به، كَقَوْلِنا في مُشْتَرِى الدَّارِ إذا وَجَدَ فيها مالًا مَدْفُونًا. وأن اصْطادَ السَّمَكةَ من غيرِ البَحْرِ، كالنَّهْرِ والعَيْنِ، فحُكْمُها حُكْمُ الشَّاةِ، في أنَّ ما وُجِدَ بَطْنِها من ذلك فهو لُقَطَةٌ، دُرَّةً كانت أو غيرَها؛ لأنَّ ذلك لا يكونُ إلَّا في البحْرِ بِحُكْمِ العادَةِ. ويَحْتَمِلُ أن تكونَ الدُّرّةُ لِلصَّيَّادِ؛ لقولِ اللَّه تعالى: ﴿وَمِنْ كُلٍّ تَأْكُلُونَ لَحْمًا طَرِيًّا وَتَسْتَخْرِجُونَ حِلْيَةً تَلْبَسُونَهَا﴾.
стр. 4117
فصل: وإن وَجَدَ عَنْبَرةً على ساحِلِ البَحرِ، فهى له؛ لأنَّه يُمْكِنُ أن يكونَ البَحْرُ ألْقَاها، والأصْلُ عَدَمُ المِلْكِ فيها، فكانت مُباحَةً لآخِذِها، كالصَّيْدِ. وقد رَوَى سَعِيدٌ، قال: حَدَّثَنا إسماعيلُ بن عَيَّاشٍ، عن مُعَاوِيةَ بن عَمْرٍو العَبْدِىّ (١٨)، قال: أَلْقَى بَحْرُ عَدَنَ عَنْبَرةً مثل البَعِيرِ، فأخَذَها ناسٌ بِعَدَنَ. فكتب إلى عمرَ بن عبد العَزِيزِ، فكُتِبَ إلينا، أن خُذُوا منها الخُمْسَ، وادْفَعُوا إليهم سائِرَها، وإن بَاعُوكُمُوها فاشْتَرُوها. فأَرَدْنا أن نَزِنَها فلم نَجِدْ مِيزَانًا يُخْرِجُها، فقَطَعْناها اثْنَيْنِ، وَوَزَنَّاها، فوَجَدْناها سِتَّمائةَ رَطْلٍ، فأخَذْنا خُمْسَها، ودَفَعْنا سائِرَها إليهم، ثم اشْتَرَيْناها بخَمْسَة آلافِ دِينَارٍ، وبَعَثْنَا بها إلى عمرَ بن عبد العزيزِ، فلم يَلْبَثْ إلا قَلِيلًا حتى باعَها بثَلَاثَةٍ وثَلَاثِينَ ألْفَ دِينَارٍ.
فصل: وإن صادَ غَزَالًا، فوَجَدَه مَخْضُوبًا، أو في عُنُقِه حِرْزٌ، أو في أُذُنِه قُرْطٌ، ونحو ذلك ممَّا يَدُلُّ على ثُبُوتِ اليَدِ عليه، فهو لُقَطَةٌ؛ لأنَّ ذلك دَلِيلٌ على أنَّه كان مَمْلُوكًا. وقال أحمدُ، في مَن ألْقَى شَبَكةً في البَحْرِ، فوَقَعَتْ فيها سَمَكةٌ، فجَذَبَتِ الشَّبَكةَ، فمَرَّتْ بها في البَحْرِ، فصَادَها رَجُلٌ، فإنَّ السَّمَكةَ للذى حازَها، والشَّبَكةُ يُعَرِّفُها ويَدْفَعُها إلى صاحِبِها. فجَعَلَ الشَّبَكَةَ لُقَطَةً؛ لأنَّها مَمْلُوكةٌ لآدَمِيٍّ، والسَّمَكَةَ لمن صَادَها؛ لأنَّها كانت مُبَاحةً ولم يَمْلِكْها صاحِبُ الشَّبَكَةِ، لكَوْنِ شَبَكَتِه لم تُثْبِتْها، فبَقِيَتْ على الإِبَاحةِ، وهكذا لو نَصَبَ فَخًّا أو شَرَكًا، فوَقَعَ فيه صَيْدٌ من صُيُودِ البَرِّ، فأخَذَه وذَهَبَ به، وصادَه آخَرُ، فهو لمن صادَه، ويَرُدُّ الآلةَ إلى صَاحِبِها، فهى لُقَطَةٌ يُعَرِّفُها. وقال أحمدُ، في رَجُلٍ انْتَهى إلى شَرَكٍ فيه حِمَارُ وَحْشٍ، أو ظَبْيَةٌ، قد شارَفَ المَوْتَ، فخَلَّصَه وذَبَحَه: هو لِصَاحِبِ الأُحْبُولةِ، وما كان من الصَّيْدِ في الأُحْبُولةِ فهو لمن نَصَبَها، وإن كان بازِيًّا أو صَقْرًا أو عُقَابًا. وسُئِلَ عن بازِيٍّ أو صَقْرٍ أو كَلْبٍ مُعَلَّمٍ أو فَهْدٍ، ذَهَبَ عن صَاحِبه، فدَعَاهُ فلم يُجِبْه، ومَرَّ في الأرْضِ حتى أتى لذلك
стр. 4118
أيام، فأتَى قَرْيَةً، فسَقَطَ على حائِطٍ، فدَعَاه رَجُلٌ فأجَابَه؟ قال: يَرُدُّه على صاحِبهِ. قيل له: فإن دَعَاهُ فلم يُجِبْه فنَصَبَ له شَرَكًا فصَادَه به؟ قال: يَرُدُّه على صاحِبِه. فجَعَلَ هذا لِصَاحِبه؛ لأنَّه قد مَلَكَه، فلم يَزُلْ مِلْكُه عنه بِذَهَابِه عنه، والسَّمَكَة في الشَّبَكةِ، لم يكُنْ مَلَكَها ولا حَازَها، وكذلك جَعَلَ ما وَقَعَ في الْحُبُولَةِ من البازِيِّ والصَّقْرِ والعُقَابِ لِصاحِبِ الحبُولَةِ، ولم يَجْعَلْه ههُنا لمن وَقَعَ في شَرَكِه؛ لأنَّ (١٩) هذا فيما عُلِمَ أنَّه قد كان مَمْلُوكًا لإِنسانٍ فذهَبَ، وإنَّما يُعلَمُ هذا بالخَبَرِ، أو بِوُجُودِ ما يَدُلُّ على المِلْكِ فيه، مثل وُجُودِ السَّيْرِ في رِجْلِه، أو آثارِ التَّعْلِيمِ (٢٠)، مثل اسْتِجَابَتِه للذى يَدْعُوه، ونحو ذلك. ومتى لم يُوجَدْ ما يَدُلُّ على أنَّه مَمْلُوكٌ، فهو لمن اصْطَادَه؛ لأنَّ الأصْلَ عَدَمُ المِلْكِ فيه وإبَاحَتُه.
فصل: ومن أُخِذَتْ ثِيَابُه من الحَمّام، ووَجَدَ بَدَلَها، أو أُخِذَ مَدَاسُه، وتُرِكَ له بَدَلُه، لم يَمْلِكْه بذلك. قال أبو عبدِ اللَّه، في مَن سُرِقَتْ ثِيَابُه وَوَجَدَ غيرَها: لم يَأْخُذْها، فإن أخَذَها عَرَّفَها سَنةً، ثم تَصَدَّقَ بها. إنَّما قال ذلك؛ لأنَّ سارِقَ الثِّيابِ لم تَجْرِ بينه وبين مالِكِها مُعَاوَضَةٌ تَقتَضِى زَوَالَ مِلْكِه عن ثِيَابِه، فإذا أخَذَها فقد أخَذَ مالَ غيرِه، ولم يَعْرِفْ صاحِبَه، فيُعَرِّفُه كاللُّقَطَةِ. ويَحْتَمِلُ أن يُنْظَرَ في هذا، فإن كانت ثَمَّ قَرِينَةٌ تَدُلُّ على السَّرِقَةِ، بأن تكونَ ثِيَابُه أو مَدَاسُه خَيْرًا من المَتْرُوكةِ، وكانت ممَّا لا تَشْتَبِهُ على الآخِذِ بِثِيَابِه ومَدَاسِه، فلا حاجَةَ إلى التَّعْرِيفِ؛ لأنَّ التَّعْرِيفَ إنَّما جُعِلَ (٢١) في المالِ الضائِعِ عن رَبِّه، لِيَعْلَمَ به ويَأْخُذَه، وتارِكُ هذا عالِمٌ به راضٍ بِبَدَلِه عِوَضًا عما أخَذَه، ولا يَعْتَرِفُ أنَّه له، فلا يَحْصُلُ في تَعْرِيفِه فائِدَةٌ، فإذا ليس هو بمَنْصُوصٍ عليه، ولا في مَعْنَى المَنْصُوصِ، وفيما يَصْنَعُ بها ثلاثةُ أَوْجُهٍ؛ أحدها، أنَّه يَتَصَدَّقُ بها على ما ذَكَرْنا. الثاني، أنَّه يُباحُ له أخْذُها؛ لأنَّ صاحِبَها في الظاهِرِ تَرَكَها له باذِلًا إيَّاها له عِوَضًا عما أخَذَه، فصارَ كالمُبِيحِ له أخْذَها بِلِسَانِه، فصارَ كمن قَهَرَ
стр. 4119
إنْسانًا على أخْذِ ثَوْبِه، ودَفَعَ إليه دِرْهمًا. الثالث، أنَّه يَرْفَعُها إلى الحاكِمِ، لِيَبِيعَها، ويَدْفَعَ إليه ثَمَنها عِوَضًا عن مالِه. والوَجْهُ الثاني أقْرَبُ إلى الرِّفْقِ بالناسِ؛ لأنَّ فيه نَفْعًا لمن سُرِقَتْ ثِيَابُه، بِحُصُولِ عِوَضٍ عنها، ونَفْعًا لِلسَّارِقِ بالتَّخْفِيفِ عنه من الإِثْمِ، وحِفْظًا لهذه الثِّيابِ المَتْرُوكةِ من الضَّيَاعِ، وقد أباحَ بعضُ أهْلِ العِلْمِ لمن له على إنْسانٍ حَقٌّ من دَيْنٍ أو غَصْبٍ، أن يَأْخُذَ من مالِ مَنْ عليه الحَقُّ بِقَدْرِ ما عليه، إذا عَجَزَ عن (٢٢) اسْتِيفَائِه بغير ذلك، فهنا مع رِضَاءِ مَنْ عليه الحَقُّ بأخْذِه أَوْلَى. وإن كانت ثمَّ قَرِينَةٌ دَالَّة على أنَّ الآخِذَ لِلثِّيابِ إنَّما أخَذَها ظَنًا منه أنَّها ثِيَابُه، مثل أن تكونَ المَتْرُوكَةُ خَيْرًا من المأْخُوذَةِ أو مثلَها، وهى ممَّا (٢٣) تَشْتَبِه بها، فيَنْبَغِى أن يُعَرِّفَها ههُنا؛ لأنَّ صَاحِبَها لم يَتْرُكْها عَمْدًا، فهى بمَنْزِلَةِ الضائِعَةِ منه. والظاهِرُ أنَّه إذا عَلِمَ بها، أخَذَها وَرَدَّ ما كان أخَذَه، فتَصِيرُ كاللُّقَطَةِ في المَعْنَى، وبعدَ التَّعْرِيفِ إذا لم تُعْرَفْ، ففيها الأَوْجُهُ التي ذَكَرْناها، إلَّا أنَّنا إذا قُلْنا يَأْخُذُها أو يَبِيعُها الحاكِمُ ويَدْفَعُ إليه ثَمَنَها، فإنَّما يَأْخُذُ بِقَدْرِ قِيمَةِ ثِيَابِه، لا يَزِيدُ عليها؛ لأنَّ الزَّائِدَ فاضِلٌ عَما يَسْتَحِقُّه، ولم يَرْضَ صاحِبُها بِتَرْكِها عِوَضًا عمَّا أخَذَه، فإنَّه لم يَأْخُذْ غيرَها اخْتِيارًا منه لِتَرْكِها، ولا رَضِىَ بالمُعَاوَضةِ بها. وإذا قُلْنَا: إنَّه يَدْفَعُها إلى الحاكمِ لِيَبِيعَها، ويَدْفَعَ إليه ثَمَنَها. فله أن يَشْتَرِيَها بثَمَنٍ في ذِمَّتِه، ويُسْقِطَ عنه من ثمَنِها ما قابَلَ ثِيَابَه، ويَتَصَدَّقَ بالباقِى. واللَّه أعلمُ.
فصل: قال أحمدُ، في من عندَه رُهُونٌ، قد أتَى عليها زَمَانٌ لا يُعْرَفُ صاحِبُها: يَبِيعُها، ويَتَصَدَّقُ بثَمَنِها، فإنْ جاءَ صاحِبُها غَرِمَها له. وهذا مَحْمولٌ على مَن اسْتَوْفَى دُيُونَه التي رَهَنَ الرَّهْنَ بها، فأمَّا من لم يَسْتَوْفِ دَيْنَه، فإن كان قد أذِنَ له في بَيْعها،
стр. 4120
باعَها، واسْتُوْفَى دَيْنَه من ثمَنِها، وتَصَدَّقَ بالباقِى، وإن لم يكُنْ أذِنَ له في بَيْعِها، رفَعَها إلى الحاكِمِ لِيَبِيعَها، ويَقْضِيَه (٢٤) حَقَّه من ثَمَنِها، ويَتَصَدَّقَ بِبَاقِيه.
فصل: نَقَلَ الفَضْلُ بن زِيَادٍ، عن أحمدَ، إذا تَنَازَعَ صاحِبُ الدَّارِ والسَّاكِنُ في دِفْنٍ في الدَّارِ، فقال كلُّ واحدٍ منهما: أنا دَفَنْتُه. بَيَّنَ (٢٥) كلُّ واحدٍ منهما ما الذي دَفَنَ، فكلُّ مَن أصَابَ الوَصْفَ فهو له، وذلك لأنَّ ما يُوجَدُ في الأَرْضِ من الدَّفْنِ ممَّا عليه عَلَامَةُ المُسْلِمينَ، فهو لُقَطَةٌ، واللُّقَطَةُ تُسْتَحَقُّ بِوَصْفِها، ولأنَّ المُصِيبَ لِلْوَصْفِ في الظاهِرِ هو مَنْ كان ذلك في يَدِه، فكان أحَقَّ به، كما لو تَنَازَعَه أجْنَبِيَّانِ، فوَصَفَه أحَدُهُما.
فصل: ومن وَجَدَ لُقَطةً في دارِ الحَرْبِ، فإن كان في الجَيْشِ، فقال أحمدُ: يُعَرِّفُها سَنَةً في دارِ الإِسْلامِ، ثم يَطْرَحُها في المَقْسِمِ (٢٦). إنَّما عَرفَها في دارِ الإِسْلامِ؛ لأنَّ أمْوالَ أهْلِ الحَرْبِ مُبَاحَةٌ، ويجوزُ أن تكون لِمُسْلمٍ، ولأنَّه قد لا يمكنُه المُقَامَ في دارِ الحَربِ لِتَعْرِيفِها. ومَعْناه - واللَّه أعلم - يُتَمِّمُ التَّعْرِيفَ في دارِ الإِسْلامِ، فأمَّا ابْتِداءُ التَّعْرِيفِ فيكونُ في الجَيْشِ الذي هو فيه؛ لأنَّه يَحْتَمِلُ أن تكونَ لأحَدِهِم، فإذا قَفَلَ أتَمَّ التَّعْرِيفَ في دارِ الإِسْلامِ. فأمَّا إن كان دَخَلَ دَارَهُم بأمَانٍ، فيَنْبَغِى أن يُعَرِّفَها في دَارِهِم؛ لأنَّ أمْوالَهُم مُحَرَّمَةٌ عليه، فإذا لم تُعْرَفْ، ملَكَها كما يَمْلِكُها في دارِ الإِسْلامِ. وإن كان في الجَيْشِ، طَرَحَها في المَقسِمِ بعد التَّعْرِيفِ؛ لأنَّه وَصَلَ إليها بِقُوَّةِ الجَيْشِ، فأشْبَهَتْ مُبَاحَات دارِ الحَرْبِ إذا أخَذَ منها شَيْئًا. وإن دَخَلَ إليهم
стр. 4121
مُتَلَصِّصًا، فوَجَدَ لُقَطةً، عَرَّفَها في دارِ الإِسْلَامِ؛ لأنَّ أمْوَالَهُم مُباحَةٌ له، ثم يكون حُكْمُها حُكْمَ غَنِيمَتِه. ويَحْتَمِلُ أن تكونَ غَنِيمةً له، لا تَحْتاجُ إلى تَعْرِيفٍ؛ لأنَّ الظاهِرَ أنَّها من أمْوَالِهِم، وأَمْوَالُهُم غَنِيمَةٌ.
٩٤٤ - مسألة؛ قال: (وإنْ كَانَ المُلْتَقِطُ قَدْ مَاتَ، فَصَاحِبُهَا غَرِيمٌ بِهَا)
وجملةُ ذلك أن المُلْتَقِطَ إذا ماتَ، واللُّقَطَةُ مَوْجُودَةٌ بِعَينِها، قام وارِثُه مَقَامَه في إتْمامِ تَعْرِيفِها إن ماتَ قبل الحَوْلِ، ويَمْلِكُها بعدَ إتْمامِ التَّعْرِيفِ، فإن ماتَ بعدَ الحَوْلِ، وَرِثَها الوارِثُ، كسائِر أمْوالِ المَيِّتِ، ومتى جاءَ صاحِبُها، أخَذَها من الوارِثِ، كما يَأْخُذُها من المَوْرُوثِ، فإن كانت مَعْدُومةَ العَيْنِ، فصَاحِبُها غَرِيمٌ لِلمَيِّتِ بمِثْلِها إن كانت من ذَوَاتِ الأمْثالِ، أو بِقيمَتِها إن لم تكُنْ كذلك، فيأْخُذُ ذلك من تَرِكَتِه إن اتَّسَعَتْ لذلك، وإن ضاقَتْ التَّرِكَةُ زَاحَمَ الغُرَماءُ بِبَدَلِها، سواءٌ تَلِفَتْ بعدَ الحُلُولِ بفِعْلِه أو بغيرِ فِعْلِه؛ لأنَّها قد دَخَلَتْ في مِلْكِه بمُضِيِّ الحَوْلِ. وإن عَلِمَ أنَّها تَلِفَتْ قبلَ الحَوْلِ بغير تَفْرِيطِه، فلا ضَمانَ عليه، ولا شىءَ لِصَاحِبِها؛ لأنَّها أمانَةٌ في يَدِهِ تَلِفَتْ بغيرِ تَفْرِيطِه، فلم يَضْمَنْها، كالوَدِيعَةِ، وكذلك إن تَلِفَتْ بعدَ الحَوْلِ قبلَ تَمَلُّكِها من غيرِ تَفْرِيطٍ، على رَأْىِ من رَأَى أنَّها لا تَدْخُلُ في مِلْكِه حتى يَتَمَلَّكَها. وقد مَضَى الكَلَامُ في ذلك. فأمَّا إن لم يَعْلَمْ تَلَفَها، ولم يَجِدْها [في تَرِكَتِه] (١)، فظاهِرُ كلامِ الخِرَقِيِّ أنَّ صاحِبَها غَرِيمٌ بها، سواءٌ كان قبلَ الحَوْلِ أو بعدَه؛ لأنَّ الأصْلَ بقاؤُها. وَيَحْتَمِلُ أن لا يَلْزَمَ المُلْتَقِطَ شيءٌ، ويَسْقُطَ حَقُّ صاحِبِها، لأنَّ الأصْلَ بَرَاءَةُ ذِمّةِ المُلْتَقِطِ منها. ويَحْتَمِلُ أن تكونَ قد (٢) تَلِفَتْ بغيرِ تَفرِيطِه، فلا تُشْغَلُ ذِمَّتُه بالشَّكِّ. ويَحْتَمِلُ أنَّه إن كان المَوْتُ قبلَ الحَوْلِ فلا شىءَ عليه؛ لأنَّها كانت أمانةً عندَه، ولم تُعْلَمْ جِنَايَتُه فيها، والأصْلُ بَرَاءةُ ذِمَّتِه منها. وإن ماتَ بعد الحَوْلِ، فهى في تَرِكَتِه؛
стр. 4122
لأنَّ الأصْلَ بقاؤُها إلى ما بعدَ الحَوْلِ، ودُخُولُها في مِلْكِه، ووُجُوبُ بَدَلِها عليه. فإن قيل: فقد قُلْتُم إنَّ صاحِبَها لو جاءَ [بعد بَيْعِ] (٣) المُلْتَقِطِ لها، أو هِبَتِه، لم يكُنْ له إلَّا بَدَلُها، فلِمَ قُلْتُم إنَّها إذا انْتَقَلَتْ إلى الوارِثِ يَمْلِكُ صاحِبُها أخْذَها؟ قُلْنا: لأنَّ الوارِثَ خَلِيفةُ المَوْرُوثِ، وإنَّما يَثْبُتُ له المِلْكُ فيها على الوَجْهِ الذي كان ثابتًا لِمَوْرُوثِه، ومِلْكُ مَوْرُوثِه فيها كان مُرَاعاةً مَشْرُوطًا بعَدَمِ مَجىءِ صاحِبِها، فكذلك مِلْكُ وارِثِه، بخِلَافِ مِلْكِ المُشْتَرِى والمُتَّهِبِ، فإنَّهما يَمْلِكَانِ مِلْكًا مُسْتَقِرًّا.
٩٤٥ - مسألة؛ قال: (وإنْ كَانَ صَاحِبُهَا جَعَلَ لِمَنْ وَجَدَها شَيْئًا مَعْلُومًا، فَلَهُ أخْذُهُ إنْ كَانَ الْتَقَطَهَا بَعْدَ أنْ بَلَغَهُ الجُعْلُ)
وجملةُ ذلك أنَّ الجَعَالَةَ في رَدِّ الضّالّةِ والآبِقِ وغيرِهِما جائِزَةٌ. وهذا قولُ أبي حنيفةَ، ومالِكٍ، والشافِعِيِّ. ولا نَعلَمُ فيه مُخالِفًا. والأصْلُ في ذلك قولُ اللَّه : ﴿وَلِمَنْ جَاءَ بِهِ حِمْلُ بَعِيرٍ وَأَنَا بِهِ زَعِيمٌ﴾ (١). ورَوَى أبو سَعِيدٍ، أنَّ نَاسًا من أصْحابِ رَسُولِ اللهِ ﷺ ، أَتَوْا حَيًّا من أحْياءِ العَرَبِ، فلم يَقْرُوهُم، فبينما هم كذلك إذ لُدِغَ سَيِّدُ أولئكَ، فقالوا: هل فيكم رَاقٍ؟ فقالوا: لم تَقْرُونا، فلا نَفْعَلُ حتى تَجْعَلُوا لنا جُعْلًا. فجَعَلُوا لهم قَطِيعَ شِياهٍ، فجَعَلَ رَجُلٌ يَقْرَأُ بأُمِّ القُرْآنِ، ويَجْمَعُ بُزَاقَه وَيتْفُلُ، فبَرَأَ الرَّجُلُ، فأَتَوْهُم بالشَّاءِ، فقالوا: لا نَأْخُذُها حتى نَسْأَلَ عنها رسولَ اللَّه ﷺ . فسَأَلُوا النَّبِيَّ ﷺ ، فقال: "وَمَا أدْرَاكَ أنَّها رُقْيَةٌ؟ خُذُوهَا، واضْرِبُوا لِى مَعَكُمْ بِسَهْمٍ". رَوَاه البُخَارِيُّ (٢). ولأنَّ الحاجَةَ تَدْعُو إلى ذلك، فإنَّ العَمَلَ قد يكونُ مَجْهُولًا، كرَدِّ الآبِقِ والضَّالَّةِ ونحوِ ذلك، ولا تَنْعَقِدُ الإِجَارَةُ فيه، والحاجَةُ داعِيَةٌ إلى رَدِّهِما، وقد لا يَجِدُ مَنْ يَتَبَرَّعُ به، فدَعَتِ الحاجَةُ إلى إبَاحةِ بَذْلِ الجُعْلِ فيه، مع جَهَالةِ العَمَلِ؛ لأنَّها غيرُ لازِمَةٍ، بخِلَافِ الإِجَارَةِ، ألا تَرَى أنَّ الإِجارَةَ لمّا كانت لازِمَةً، افْتَقَرَتْ إلى تَقْدِيرِ مُدَّةٍ، والعُقُودُ الجائِزَةُ كالشَّرِكَةِ والوَكَالةِ لا يَجِبُ تَقْدِيرُ مُدَّتِها، ولأنَّ الجائِزَةَ لكلِّ واحدٍ منهما تَرْكُها، فلا يُؤَدِّى إلى أن يَلْزَمَهُ مَجْهُولٌ عندَه،
стр. 4123
بخِلَافِ، اللَّازِمَةِ. إذا ثَبَتَ هذا، فإذا قال: مَنْ رَدَّ عليَّ ضَالَّتِى أو عَبْدِىَ الآبِقَ، أو خَاطَ لي هذا القَمِيصَ، أو بَنَى لي هذا الحائِطَ، فله كذا وكذا. صَحَّ، وكان عَقْدًا جائِزًا، لكلِّ واحدٍ منهما الرُّجُوعُ فيه قبلَ حُصُولِ العَمَلِ. لكنْ إن رَجَع الجاعِلُ قبلَ التَّلَبُّسِ بالعَمَلِ، فلا شىءَ عليه، وإن رَجَعَ بعدَ التَّلَبُّسِ به، فعليه لِلْعامِلِ أُجْرَةُ مِثلِه؛ لأنَّه إنَّما عَمِلَ بعِوَضٍ، فلم يُسَلَّمْ له. وإن فَسَخَ العامِلُ قبلَ إِتْمامِ العَمَلِ، فلا شىءَ له؛ لأنَّه أسْقَطَ حَقَّ نَفْسِه، حيث لم يَأْتِ بما شَرَطَ عليه العِوَضَ، ويَصِيرُ كعَامِلِ المُضَارَبةِ إذا فَسَخَ قبلَ ظُهُورِ الرِّبْحِ. ولا بُدَّ أن يكونَ العِوَضُ مَعْلُومًا. والفَرْقُ بينه وبين العَمَلِ من وَجْهَيْنِ؛ أحدهما، أنَّ الحاجَةَ تَدْعُو إلى كَوْنِ العَمَلِ مَجْهُولًا، بأن لا يَعْلَمَ مَوْضِعَ الضَّالَّةِ والآبِقِ، ولا حاجَةَ تَدْعُو (٣) إلى جَهَالةِ العِوَضِ. والثانى، أنَّ العَمَلَ لا يَصِيرُ لازِمًا، فلم يَجِبْ كَوْنُه مَعْلُومًا، والعِوَضُ يَصِيرُ لازِمًا بإتْمامِ العَمَلِ، فوَجَبَ كونُه مَعْلُومًا. ويَحْتَمِلُ أن تجوزَ الجَعالَةُ مع جَهَالةِ العِوَضِ، إذا كانت الجَهَالةُ لا تَمنَعُ التَّسْلِيمَ، نحو أن يقول: مَنْ رَدَّ عَبْدِى الآبِقَ فله نِصفُه، ومن رَدَّ ضَالَّتِى فله ثُلُثُها. فإنَّ أحمدَ قال: إذا قال الأمِيرُ في الغَزْوِ: مَنْ جاءَ بعَشْرَةِ رُءُوسٍ فله رَأْسٌ. جازَ. وقالوا: إذا جَعَلَ جُعْلًا لمن يَدُلُّه على قَلْعةٍ، أو طَرِيقٍ سَهْلٍ، وكان الجُعْلُ من مالِ الكُفَّارِ، جازَ أن يكون مَجْهُولًا، كجَارِيَةٍ يُعَيِّنُها العامِلُ. فيُخَرَّجُ ههُنا مثلُه. فأمَّا إن كانت الجَهَالَةُ تَمْنَعُ التَّسْلِيمَ، لم تَصِحَّ الجَعَالةُ، وَجْهًا واحِدًا. وإن كان العَمَلُ مَعْلُومًا، مثل أن يقول: مَنْ رَدَّ عَبْدِى من البَصْرَةِ، أو بَنَى لي هذا الحائِطَ، أو خَاطَ قَمِيصِى هذا، فله كذا. صَحَّ؛ لأنَّه إذا صَحَّ مع الجَهَالَةِ فمع العِلْمِ أَوْلَى. وإن عَلَّقَه بمُدَّةٍ مَعْلُومةٍ، فقال: مَنْ رَدَّ لي (٤) عَبْدِى من العِرَاقِ في (٥) شَهْرٍ، فله دِينَارٌ. أو من خَاطَ قَمِيصِى هذا في اليومِ، فله دِرْهَمٌ. صَحَّ؛ لأنَّ المُدَّةَ إذا جازَتْ مَجْهُولةً، فمع
стр. 4124
التَّقدِيرِ أوْلَى. فإن قيل: الصَّحِيحُ من المذهبِ أنَّ مثلَ هذا لا يجوزُ في الإِجَارَةِ، فكيف أَجَزْتُمُوه في الجَعَالةِ؟ قُلْنَا: الفَرْقُ بينهما من وُجُوهٍ؛ أحَدها، أنَّ الجَعَالَةَ يَحْتَمِلُ فيها الغَرَرَ، وتجوزُ مع (٦) جَهَالةِ العَمَلِ والمُدَّةٍ، بخِلَافِ الإِجَارَةِ. الثاني، أنَّ الجَعَالةَ عَقْدٌ جائِزٌ، فلا يَلْزَمُهُ بالدُّخُولِ فيها مع الغَرَرِ ضَرَرٌ، بخِلَافِ الإِجَارَةِ، فإنَّها عَقْدٌ لازِمٌ، فإذا دَخَلَ فيها مع الغَرَرِ، لَزِمَهُ ذلك. الثالث، أنَّ الإِجَارَةَ إذا قُدِّرَتْ بمُدّةٍ، لَزِمَه العَمَلُ في جَمِيعِها، ولا يَلْزَمُه العَمَلُ بعدَها، فإذا جَمَعَ بين تَقْدِير المُدَّةِ والعَمَلِ، فربَّما عَمِلَه قبلَ المُدَّةِ، فإن قُلْنا: يَلْزَمُه العَمَلُ في بَقِيَّةِ المُدّةِ. فقد لَزِمَهُ من العَمَلِ أَكْثَرُ من المَعْقُودِ عليه. وإن قُلْنا: لا يَلْزَمُه. فقد خَلَا بعضُ المُدّةِ من العَمَلِ، وإِنْ انْقَضَتِ المُدّةُ قبل عَمَلِه, فأَلْزَمْناه إتْمامَ العَمَلِ، فقد لَزِمَه العَمَلُ في غيرِ المُدّةِ المَعْقُودِ عليها، وإن قُلْنَا: لا يَلْزَمُه العَمَلُ. فما أَتَى بالمَعْقُودِ عليه [من العَمَلِ] (٧)، بخِلَافِ مَسْأَلَتِنا، فإنَّ العَمَلَ الذي يَسْتَحِقُّ به الجُعَل هو عَمَلٌ مُقَيَّدٌ بمُدَّةٍ، إن أتَى به فيها اسْتَحَقَّ الجُعْلَ، ولا (٨) يَلْزَمُه شيءٌ آخَرُ، وإن لم يَفِ به فيها، فلا شيءَ له. إذا ثَبَتَ هذا، فإنَّما يَسْتَحِقُّ الجُعْلَ مَن عَمِلَ العَمَلَ بعدَ أن بَلَغَه ذلك، لأنَّه عِوَضٌ يُسْتَحَقُّ بعَمَلٍ، فلا يَسْتَحِقُّه مَنْ لم يَعْمَلْ، كالأجُرِ في الإِجَارَةِ.
فصل: ويَجُوزُ أن يَجْعَلَ الجُعْلَ في الجَعَالَةِ لواحدٍ بعَينِهِ، فيقولَ له: إن رَدّدْتَ عَبْدِى فلك دِينَارٌ. فلا يَستَحِقُّ الجُعْلَ من يَرُدُّه (٩) سواهُ. ويجوزُ أن يَجْعَلَه لغيرِ مُعَيَّنٍ، فيقولَ: من رَدَّ عَبْدِي فله دِينارٌ. فمن رَدَّه اسْتَحَقَّ الجُعْلَ. ويجوزُ أن يَجْعَلَ لواحدٍ في رَدِّه شيئًا مَعْلُومًا، ولآخَرَ أَكْثَرَ منه أو أَقَلَّ. ويجوزُ أن يُجعَلَ لِلْمُعَيَّنِ (١٠) عِوَضًا، ولسائِر النَّاس عِوَضًا آخَرَ؛ لأنَّه يجوزُ أن يكونَ الأَجْرُ في الإِجَارَةٍ مُخْتَلِفًا مع
стр. 4125
التَّسَاوِى في العَمَلِ، فههُنا أَوْلَى. فإن قال من قال: مَنْ رَدَّ لُقَطَتِى فله دِينارٌ. فرَدَّها ثَلَاثَةٌ، فلهم الدِّينارُ بينهم أثْلَاثًا؛ لأنَّهم اشْتَرَكُوا في العَمَلِ الذي يُسْتَحَقُّ به العِوَضُ، فاشْتَركُوا في العِوَضِ، كالأجْرِ في الإِجَارَةِ. فإن قيل: أليس لو قال: مَن دَخَلَ هذا النَّقْبَ فله دِينارٌ. فدَخَلَه جَماعةٌ، اسْتَحَقَّ كلُّ واحدٍ منهم دِينَارًا كامِلًا، فَلِمَ لا يكونُ ههُنا كذلك؟ قُلْنا: لأنَّ كلَّ واحدٍ من الدَّاخِلِينَ دَخَلَ دُخُولًا كامِلًا، كدُخُولِ المُنْفَرِدِ، فاسْتَحَقَّ العِوَضَ كامِلًا، وههُنا لم يَرُدُّه واحدٌ منهم كامِلًا، إنَّما اشْتَركُوا فيه، فاشْتَركُوا في عِوَضِه. فنَظِيرُ مَسْأَلَةِ الدُّخُولِ ما لو قال: مَنْ رَدَّ عَبْدًا من عَبِيدِى فله دِينارٌ. فرَدَّ كلُّ واحدٍ منهم عَبْدًا. ونَظِيرُ مَسْأَلةِ الرَّدِّ ما لو قال: من نَقَبَ السُّورَ فله دِينارٌ. فنَقَبَ ثَلَاثَةٌ نَقْبًا واحِدًا (١١). فإن جَعَلَ لواحدٍ في رَدِّها دِينارًا، ولآخَرَ دِينارَيْنِ، ولِثالِثٍ ثَلَاثةً، فرَدَّه الثَّلاثَةُ فلكلِّ واحدٍ منهم ثُلُثُ ما جَعَلَ له؛ لأنَّه عَمِلَ ثُلُثَ العَمَلِ، فاسْتَحَقَّ ثُلُثَ المُسَمَّى. فإن جَعَلَ لواحدٍ دِينارًا، وللآخَرَيْنِ (١٢) عِوَضًا مَجْهُولًا، فرَدَّوه (١٣) معا، فلِصَاحِبِ الدِّينارِ ثَلَاثَةُ، وللآخَرَيْنِ أجْرُ عَمَلِهِما. وإن جَعَلَ لواحدٍ شيئًا في رَدِّها، فرَدَّها هو وآخَرَانِ معه، وقالا: رَدَدْنا مُعَاوَنةً له. اسْتَحَقَّ جَمِيعَ الجُعْلِ، ولا شىءَ لهما، وإن قالا: رَدَدْناه لنَأْخُذَ العِوَضَ لأَنْفُسِنَا. فلا شىءَ لهما، وله ثُلُثُ الجُعْلِ؛ لأنَّه عَمِلَ ثُلُثَ العَمَلِ، فاسْتَحَقَّ ثُلُثَ الجُعْلِ، ولم يَسْتَحِقَّ الآخَرانِ شيئًا؛ لأنَّهما عَمِلَا من غيرِ جُعْلٍ. وهذا كلُّه مذهبُ الشافِعِيِّ. ولا أعْلَمُ فيه خِلَافًا (١٤).
فصل: وإن قال: مَنْ رَدَّ عَبْدِى من بَلَدِ كذا فله دِينارٌ. فرَدَّه إنْسانٌ من نِصْفِ طَرِيقِ ذلك البَلَدِ، اسْتَحَقَّ نِصْفَ الجُعْلِ؛ لأنَّه عَمِلَ نِصْفَ العَمَلِ. وكذلك لو قال:
стр. 4126
مَنْ رَدَّ عَبْدَىَّ فله دِينارٌ. فرَدَّ أحَدَهُما، فله نِصْفُ الدِّينارِ؛ لأنَّه رَدَّ نِصْفَ العَبْدَيْنِ. وإن رَدَّ العَبْدَ من غير البَلَدِ المُسَمَّى، فلا شىءَ له؛ لأنَّه لم يَجْعَلْ في رَدِّه منه شيئا، فأشْبَهَ ما لو جَعَلَ في رَدِّ أحَدِ عَبْدَيهِ شيئا فرَدَّ الآخَرَ. ولو قال: من رَدَّ عَبْدِى فله دِينارٌ. فرَدَّه إنْسانٌ إلى نِصْفِ الطَّرِيقِ، فهَرَبَ منه، لم يَسْتَحِقَّ شيئا؛ لأنَّه شَرَطَ الجُعْلَ بِرَدِّه، ولم يَرُدَّه. وكذلك لو ماتَ. كما لو اسْتَأْجَرَهُ (١٥) لخِيَاطَةِ ثَوْبٍ، فخَاطَه، ولم يُسَلِّمْه حتى تَلِفَ، لم يَسْتَحِقَّ أُجْرَةً. فإن قيل: فإن كان الجاعِلُ قال: من وَجَدَ لُقَطَتِى فله دِينارٌ. فقد وُجِدَ الوِجْدَانُ؟ قُلْنا: قَرِينَةُ الحالِ تَدُلُّ على اشْتِراطِ الرَّدِّ، [إذ المَقْصُودُ الرَّدُّ لا] (١٦) الوِجْدَانُ المُجَرّدُ، وإنَّما اكْتُفِىَ بِذِكْرِ الوِجْدانِ لأنَّه سَبَبُ الرَّدِّ، فصارَ كأنَّه قال: من وَجَدَ لُقَطَتِى فرَدَّها عَلَىَّ.
فصل: والجُعَالةُ تُسَاوِى الإِجَارَةَ في اعْتِبارِ العِلْمِ بالعِوَضِ، وما كان عِوَضًا في الإِجَارةِ جازَ أن يكونَ عِوَضًا في الجُعالَةِ، وما لا فلا، وفى أن ما جازَ أخْذُ العِوَضِ عليه في الإِجَارةِ، من الأعْمالِ، جازَ أخْذُه عليه في الجَعَالَةِ، وما لا يجوزُ أخْذُ الأُجْرَةِ عليه في الإِجَارةِ، مثل الغِنَاءِ والزَّمْرِ وسائِر المُحَرَّماتِ، لا يجوزُ أخْذُ الجُعْلِ عليه، وما يَخْتَصُّ فاعِلُه أن يكونَ من أهْلِ القُرْبةِ، ممَّا لا يَتَعَدَّى نَفعُه (١٧) فاعِلَه، كالصَّلَاةِ والصِّيَامِ، لا يجوزُ أخْذُ الجُعْلِ عليه، فإن كان ممَّا يَتَعَدَّى نَفْعُه، كالأذَانِ والإِقَامةِ والحَجِّ، ففيه وَجْهانِ، كالرِّوَايَتَيْنِ في الإِجَارَةِ. ويُفارِقُ الإِجَارَةَ في أنَّه عَقْدٌ جائِزٌ، وهى لازِمَةٌ، وأنَّه لا يُعْتَبَرُ العِلْمُ بالمُدَّةِ، ولا بمِقْدارِ العَمَلِ، ولا يُعْتَبَرُ وُقُوعُ العَقْدِ مع واحدٍ مُعَيَّنٍ. فعلى هذا متى شَرَطَ عِوَضًا مَجْهُولًا، كقولِه: إن رَدَدْتَ عَبْدِى فلَكَ ثَوْبٌ، أو فلَكَ سَلَبُه. أو شَرَطَ عِوَضًا مُحَرَّمًا، كالخَمْرِ والْحُرِّ، أو غير مَقْدُورٍ عليه،
стр. 4127
كقوله: من رَدَّ عَبْدِى فله ثُلُثُه، أو مَن رَدَّ عَبْدَىَّ فله أحَدُهُما. فَردَّه إنْسانٌ اسْتَحَقَّ أجْرَ المِثْلِ؛ لأنَّه عَمِلَ عَمَلًا بعِوَضٍ لم يُسَلَّمْ له، فاسْتَحَقَّ [أجْرَ المِثْلِ] (١٨)، كما في الإِجَارَةِ.
فصل: ومَنْ رَدَّ لُقَطَةً أو ضالَّةً، أو عَمِلَ لغيره عَمَلًا غيرَ رَدِّ الآبِقِ، [بغير جُعْلٍ] (١٩)، لم يَسْتَحِقَّ عِوَضًا. لا نَعْلَمُ في هذا خِلَافًا؛ لأنَّه عَمَلٌ يَسْتَحِقُّ به العِوَضَ مع المُعاوَضةِ، فلا يَسْتَحِقُّ مع عَدَمِها، كالعَمَلِ في الإِجَارَةِ. فإن اخْتَلَفَا في الجُعْلِ، فقال: جَعَلْتَ لي في رَدِّ لُقَطَتِى كذا. فأنْكَرَ المالِكُ، فالقولُ قولُه مع يَمِينِه؛ لأنَّ الأصْلَ معه. وإن اتّفَقَا على العِوَضِ، واخْتَلَفَا في قَدْرِه، فالقولُ قولُ المالِكِ؛ لأنَّ الأصْلَ عَدَمُ الزَّائِدِ المُخْتَلَفِ فيه، ولأنَّ القولَ قولُه في أصْلِ العِوَضِ، فكذلك في قَدْرِه، كرَبِّ المالِ في المُضارَبةِ. ويَحْتَمِلُ أن يَتَحالَفَا، كالمُتَبايِعَيْنِ إذا اخْتَلَفا في قَدْرِ الثَّمَنِ، والأجِيرِ والمُسْتَأْجِرِ إذا اختَلَفا في قَدْرِ (٢٠) الأجْرِ. فعلى هذا إن تَحَالَفا فُسِخَ العَقْدُ، ووَجَبَ أجْرُ المِثْلِ. وكذلك الحُكْمُ إن اخْتَلَفَا في المَسافَةِ، فقال: جَعَلْتُ لك الجُعْلَ على رَدِّهَا من حَلَبَ. فقال: بل على [رَدِّها من] (٢١) حِمْصَ وإن أخْتَلَفا فى عَيْنِ العَبْدِ الذي جُعِلَ الجُعْلُ في رَدِّه، فقال: رَدَدْتُ العَبْدَ الذي شَرَطْتَ لي الجُعْلَ فيه. قال: بل شَرَطْتُ لك الجُعْلَ في العَبْدِ الذي لم تَرُدَّه. فالقولُ قولُ المالِكِ؛ لأنَّه أعْلَمُ بِشَرْطِه، ولأنَّه ادَّعَى عليه شَرْطًا في هذا العَقْدِ فأنْكَرَه، والأصْلُ عَدَمُ الشَّرْطِ.
فصل: [فأمَّا رَدُّ] (٢٢) العَبْدِ الآبِقِ، فإنَّه يَسْتَحِقُّ الجُعْلَ بِرَدِّه وإن لم يَشْرُطْ له. رُوِىَ هذا عن عمرَ، وعلىٍّ، وابنِ مسعودٍ. وبه قال شُرَيْحٌ، وعمرُ بن عبد العزيزِ، ومالِكٌ، وأصْحابُ الرأى. وقد رُوِى عن أحمدَ أنَّه يكُنْ يُوجِبُ ذلك. قال ابنُ
стр. 4128
مَنْصُورٍ: سُئِلَ أحمدُ عن جُعْلِ الآبِقِ؟ فقال: لا أدْرِى، قد تكَلَّمَ الناسُ فيه. لم يكُنْ عندَه فيه حَدِيثٌ صَحِيحٌ. فظاهِرُ هذا أنَّه لا جُعْلَ له فيه، وهو ظاهِرُ قولِ الخِرَقِىِّ فإنَّه قال: "وإذا أبَقَ العَبْدُ فلمَن جاءَ به إلى سَيِّدِه ما أنْفَقَ عليه". ولم يَذْكُرْ جُعْلًا. وهذا قول النَّخَعِىِّ، والشافِعِىِّ، وابنِ المُنْذِرِ؛ لأنَّه عَمِلَ لغيرِه عَمَلًا من غيرِ أن يَشْرُطَ له عِوَضًا، فلم يَسْتَحِقَّ شيئا، كما لو رَدَّ جَمَلَه الشَّارِدَ. وَوَجْهُ الرِّوَايةِ الأُولَى، ما رَوَى عَمْرُو بن دِينارٍ، وابنُ أبى مُلَيْكَةَ، أنَّ النبيَّ ﷺ جَعَلَ في جُعْلِ الآبِقِ، إذا جاءَ به خارِجًا من الحَرَمِ، دِينَارًا (٢٣)، وأيضا فإنه قولُ من سَمَّيْنا من الصَّحابةِ، ولم نَعْرِفْ لهم في زَمَنِهِم مُخَالِفًا، فكان إجْماعًا. ولأنَّ في شَرْطِ الجُعْلِ في رَدِّهِم حَثًّا على رَدِّ الأُبَّاقِ، وصِيَانةً لهم عن الرُّجُوعِ إلى دارِ الحَرْبِ، ورِدَّتِهِم عن دِينِهم، وتَقْوِيَةِ أهْلِ الحَرْبِ بهم، فيَنْبَغِى أن يكونَ مَشْرُوعًا لهذه المَصْلَحةِ. وبهذا فارَقَ رَدَّ الشّارِدِ، فإنَّه لا يُفْضِى إلى ذلك. والرِّوايةُ الأخرى أقْرَبُ إلى الصِّحَّةِ (٢٤)؛ لأنَّ الأصْلَ عَدَمُ الوُجُوبِ، والخَبَرُ المَرْوِيُّ في هذا مُرْسَلٌ، وفيه مَقَالٌ، ولم يَثْبُت الإِجْماعُ فيه ولا القِيَاسُ، فإنَّه لم يَثْبُت اعْتِبَارُ الشَّرْعِ لهذه المَصْلَحةِ المَذْكُورَةِ فيه، ولا تَحَقَّقَتْ أيضًا، فإنَّه ليس الظاهِرُ هَرَبَهُم إلى دارِ الحَرْبِ إلَّا في المَجْلُوبِ منها، إذا كانت قَرِيبَةً، وهذا بَعِيدٌ فيهم. فأمَّا على الرِّوَايةِ الأُولَى، فقد اخْتَلَفَتِ الرِّوايَةُ في قَدْرِ الجُعْلِ، فَرُوِىَ عن أحمدَ أنَّه عَشْرَةُ دَرَاهِمَ، أو دِينَارٌ، إن رَدَّه من المِصْرِ، وإن رَدَّه من خارِجِه، ففيه رِوَايَتانِ؛ إحداهما، يَلْزَمُه دِينارٌ، أو اثْنَى عَشْرَ دِرْهَمًا، لِلخَبَرِ المَرْوِىِّ فيه، ولأنَّ ذلك يُرْوَى عن عمرَ وعليٍّ (٢٥) ﵄. والثانية، له أرْبَعُونَ دِرْهَمًا إن رَدَّه من خارِجِ المِصْرِ. اخْتارَها الخَلَّالُ، وهو قولُ ابنِ مسعودٍ، وشُرَيْحٍ، فرَوَى أبو عمرو (٢٦)
стр. 4129
الشَّيْبانِىّ قال: قلتُ لعبدِ اللَّه بن مَسْعُودٍ: إنِّي أصَبْتُ عَبِيدًا أُبَّاقًا (٢٧). فقال: لك أجْرٌ وغَنِيمَةٌ. فقلت: هذا الأجْرُ، فما الغَنِيمَةُ؟ قال: من كلِّ رَأْسٍ أرْبَعِينَ دِرْهَمًا (٢٨). وقال أبو إسحاقَ (٢٩): أعْطَيْتُ الجُعْلَ في زَمَنِ مُعَاوِيةَ أَرْبَعِينَ دِرْهَمًا. وهذا يَدُلُّ على أنَّه مُسْتَفِيضٌ في العَصْرِ الأوّلِ. قال الخَلَّالُ: حَدِيثُ ابن مَسْعُودٍ أصَحُّ إسْنادًا. ورُوِى عن عمرَ بن عبد العزيزِ، أنَّه قال: إذا وَجَدَه على مَسِيرَةِ ثَلَاثٍ، فله ثلاثةُ دَنَانِيرَ. وقال أبو حنيفةَ: إن رَدَّه من مَسِيرَةِ ثَلَاثَة أيامٍ، فله أرْبَعُونَ دِرْهَمًا، وإن كان من دون ذلك، يُرْضَخُ له على قَدْرِ المكان الذي تَعَنَّى (٣٠) إليه. ولا فَرْقَ عند إمَامِنَا بين أن يَزِيدَ الجُعْلُ على قِيمَةِ العَبْدِ أو لا يَزِيدَ. وبهذا قال أبو يوسفَ ومحمدٌ. وقال أبو حنيفةَ: إن كان قَلِيلَ القِيمَةِ نَقَصَ الجُعْلَ عن (٣١) قِيمَتِه دِرْهَمًا، لئَلَّا يَفُوتَ عليه العَبْدُ جَمِيعُه. ولَنا، عُمُومُ الدَّلِيلِ، ولأنَّه جُعْلٌ يُسْتَحَقُّ في رَدِّ الآبِقِ، فاسْتَحَقَّه وإن زَادَ على قِيمَتِه، كما لو جَعَلَه له صاحِبُه، ويَسْتَحِقُّه إن ماتَ سَيِّدُه (٣٢) في تَرِكَتِه. وبهذا قال أبو حنيفةَ. وقال أبو يوسفَ: إن كان الذي رَدَّه من وَرَثَةِ المولى، سَقَطَ الجُعْلُ. ولَنا، أنَّ هذا عِوَضٌ عن عَمَلِه، فلا يَسْقُطُ بالمَوْتِ، كالأجْرِ في الإِجَارَةِ، وكما لو كان من غيرِ وَرَثَةِ المَوْلَى. إذا ثَبَتَ هذا، فلا فَرْقَ بين كَوْنِ مَنْ رَدَّه مَعْرُوفًا بِرَدِّ الأُبَّاقِ أو لم يكُنْ. وبهذا قال أصْحابُ الرَّأْىِ. وقال مالِكٌ: إن كان مَعْرُوفًا بذلك، اسْتَحَقَّ الجُعْلَ، وإلَّا فلا. ولنا الخَبَرُ، والأثَرُ المَذْكُورُ من غيرِ تَفْرِيقٍ، ولأنَّه رَدَّ آبِقًا، فاسْتَحَقَّ الجُعْلَ، كالمَعْرُوفِ بِرَدِّهِم.
стр. 4130
فصل: ويجوزُ أخذُ الآبِقِ لمن وَجَدَه. وبهذا قال مالِكٌ، والشافِعِيُّ، وأصْحابُ الرأى. ولا نَعْلَمُ فيه خِلَافًا؛ وذلك لأنَّ العَبْدَ لا يُؤْمَنُ لَحَاقُه بدارِ الحَرْبِ، وارْتِدَادُه، واشْتِغَالُه بالفَسَادِ في سائِر البِلَادِ، بخِلَافِ الضَّوَالّ التي تَحْفَظُ نَفْسَها. فإذا أخَذَه فهو أمانةٌ في يَدِه، إن تَلِفَ بغيرِ تَفْرِيطِه، فلا ضَمَانَ عليه، وإن وَجَدَ صاحِبَه، دَفَعَه (٣٣) إليه إذا أقامَ به البَيِّنةَ، أو اعْتَرَفَ العَبْدُ أنَّه سَيِّدُه. وإن لم يَجِدْ سَيِّدَه، دَفَعَه إلى الإِمَامِ أو نائِبِه، فيَحْفَظُه لِصَاحِبِه، أو يَبِيعُه ان رَأى المَصْلَحةَ في بَيْعِه، ونحوَ ذلك قال مالِكٌ، وأصْحابُ الرأى، ولا نَعْلَمُ لهم (٣٤) مُخَالِفًا. وليس لِمُلْتَقِطِه بَيْعُه ولا تَمَلُّكُه بعد تَعْرِيفِه؛ لأنَّ العَبْدَ يَنْحَفِظُ بِنَفْسِه، فهو كَضَوَالِّ الإِبِلِ. فإن باعَه، فالبَيْعُ فاسِدٌ، في قولِ عامَّةِ أهْلِ العِلْمِ، منهم؛ أبو حنيفةَ، والشّافِعِيُّ. وإن باعَه الإِمَامُ لِمَصْلَحةٍ رَآها في بَيْعِه، فجاءَ سَيِّدُه فاعتَرفَ أنَّه كان أعْتَقَه، قُبِلَ منه؛ لأنَّه لا يَجُرُّ إلى نَفْسِه بهذا نَفْعًا، ولا يَدْفَعُ عنها ضَرَرًا. ويَحْتَمِلُ أن لا يُقْبَلَ؛ لأنَّه مِلْكٌ لغيرِه، فلا يُقبَلُ إقْرَارُه في مِلْكِ غيرِه، كما لو باعَه السَّيِّدُ ثم أقَرَّ بِعِتقِه. فعلى هذا ليس لِسَيِّدِه أخْذُ ثَمَنِه؛ لأنه يُقِرُّ أنَّه حُرٌّ. ولا يَسْتَحِقُّ ثَمَنَه، ولكن يُؤْخَذُ إلى بَيْتِ المالِ؛ لأنَّه مُسْتَحقٌّ (٣٥) له، فهو كَتَرِكَةِ من ماتَ ولا وارِثَ له. فإن عادَ السَّيِّدُ فأنْكَرَ العِتْقَ، وطَلَبَ المالَ، دُفِعَ إليه؛ لأنَّه لا مُنَازِعَ له فيه.
فصل: وإذا أبَقَ العَبْدُ، فحَصَلَ في يَدِ حاكِمٍ، فأقامَ سَيِّدُه بَيِّنةً عند حاكِمِ بَلَدٍ آخَرَ أنَّ فُلَانًا الذي صِفَتُه كذا وكذا، واسْتَقْصَى صِفَاتِه، عَبْدَ فُلَانِ بن فُلَانٍ (٣٦) أبَقَ منه، فقَبِلَ الحاكِمُ بَيِّنَتَه، وكَتَبَ الحاكِمُ (٣٧) إلى الحاكِمِ الذي عنده العَبْدُ: ثَبَتَ عِنْدِى إبَاقُ فُلَانٍ الذي صِفَتُه كذا وكذا. قَبِلَ كِتَابَه، وسَلَّمَ إليه العَبْدَ. وهذا قولُ
стр. 4131
أبي يوسفَ، وأحدُ قَوْلَىِ الشافِعِيِّ، إلَّا أنَّ أبا يوسفَ قال: يَأْخُذُ به كَفِيلًا؛ لأنَّ البَيّنةَ أثْبَتَتْه بصِفَاتِه، كما ثَبَتَ في الذِّمّةِ بِوَصْفِه في السَّلَمِ. وقال أبو حنيفةَ، ومحمدٌ: لا يَجِبُ تَسْلِيمُه؛ لأنَّهم لا يَشْهَدُونَ على عَيْنهِ، وإنما يَشْهَدُونَ بالصِّفاتِ، وقد تَتَّفِقُ الصِّفاتُ مع اخْتِلَافِ الأعْيانِ، ويُفَارِقُ المُسْلَمَ فيه، فإنَّ الواجِبَ أقَلُّ ما يُوجَدُ منه (٣٨) الصِّفَةُ، وهو غير مُعَيَّنٍ. ولَنا، أنَّه يُقْبَلُ كِتَابُ الحاكِمِ إلى الحاكِمِ على شَخْصٍ غائِبٍ، ويُؤْخَذُ المَحْكُومُ عليه بالحَقِّ، وليس ثَمَّ شَهَادَةٌ على عَيْنٍ، وإنَّما يُؤْخَذُ المَحْكُومُ عليه باسْمِه ونَسَبِه وصِفَتِه، فكذا ههُنا، إذا ثَبَتَ وُجُوبُ تَسْلِيمِه, فإنَّ الحاكِمَ الذي يُسَلِّمُه يَخْتِمُ في عُنُقِه خَيْطًا ضَيِّقًا لا يَخْرُجُ من رَأْسِه، ويَدْفَعُه إلي المُدَّعِى أو وَكِيلِه، لِيَحْمِلَه إلى الحاكِمِ الكاتِبِ، لِيُشْهِدَ الشُّهُودَ على عَيْنِه، فإن شَهِدُوا بِعَيْنِه، سُلِّمَ إلى مُدَّعِيه، وإن لم يَشْهَدُوا وَجَبَ (٣٩) رَدُّه إلى الحاكِمِ الأَوّلِ، ويكونُ في ضَمَانِ الذي أخَذَه؛ لأنَّه أخَذَه بغيرِ اسْتِحْقاقٍ.
٩٤٦ - مسألة؛ قال: (وَإنْ كَانَ الْتَقَطَها قَبْلَ ذلِكَ، فَرَدَّهَا لعِلَّةِ الجُعْلِ. لَمْ يَجُزْ لَهُ أخْذُهُ)
إنَّما كان كذلك؛ لأنَّه إذا الْتَقَطَها قبلَ أن يَبْلُغَه الجُعْلُ، فقد الْتَقَطَها بغيرِ عِوَضٍ، وعَمِلَ في مالِ غيرِه بغيرِ جُعْلٍ جُعِلَ، فلا يَسْتَحِقُّ شيئا، كما لو الْتَقَطَها ولم يَجْعَلْ رَبُّها فيها شيئا، وفارَقَ المُلْتَقِطَ بعدَ بُلُوغِه الجُعْلَ؛ فإنَّه إنَّما بَذَلَ مَنَافِعَه بِعوَضٍ جُعِلَ له، فاسْتَحَقَّه، كالأجِيرِ إذا عَمِلَ بعدَ العَقْدِ. وسواءٌ كان الْتِقَاطُه لها بعد الجُعْلِ أو قبلَه؛ لما ذَكَرْنَا. ولا يَسْتَحِقُّ أخْذَ الجُعْلِ بِرَدِّها؛ لأنَّ الرَّدَّ واجِبٌ عليه من غيرِ عِوَضٍ، فلم يجُزْ أخْذُ العِوَضِ عن الواجِبِ، كسائِر الواجِباتِ. وإنَّما يَأْخُذُه المُلْتَقِطُ، في مَوْضِعٍ يجوزُ له أخْذُه عِوَضًا عن الالْتِقاطِ المُبَاحِ. إذا ثَبَتَ هذا، فإن مُلْتَقِطَها قبلَ
стр. 4132
أن يَبْلُغَه الجُعْلُ لا يَسْتَحِقُّ شيئا، سواءٌ رَدَّها لِعِلَّةِ الجُعْلِ أو لغيرِه؛ لأنَّه إذا لم يَسْتَحِقَّه مع قَصْدِهِ إيَّاه، وعَمَلِه من أجْلِه، فَلأنْ لا يَسْتَحِقَّه مع عَدَمِ ذلك أَوْلَى. وإنَّما ذَكَرَ الخِرَقِىُّ رَدَّها لِعِلَّةِ الجُعْلِ، إن شاء اللَّه، لِيُنَبِّهَ به على عَدَمِ اسْتِحْقاقِه فيما إذا رَدَّها لغير عِلَّتِه، ولأن الحاجَةَ إنَّما تَدْعُو إلى مَعرِفةِ الحُكْمِ في من يُرِيدُ الجُعْلَ، أمَّا من تَرَكَه ولا يرِيدُه، فلا يَقَعُ التنازُعُ فيه غالِبًا. واللَّه أعلمُ.
٩٤٧ - مسألة؛ قال: (وَإنْ كَانَ الَّذِى وَجَدَ اللُّقَطَةَ سَفِيهًا أوْ طِفْلًا، قَامَ وَلِيُّهُ بِتَعْرِيفِهَا، فَإنْ تَمَّتِ السَّنَةُ، ضَمَّهَا إلَى مَالِ وَاجِدِهَا)
وجملةُ ذلك أنَّ الصَّبِىَّ والمَجْنُونَ والسَّفِيهَ، إذا الْتَقَطَ أحَدُهُم لُقَطَةً، ثَبَتَتْ يَدُه عليها؛ لِعُمُومِ الأخْبارِ، ولأنَّ هذا تَكَسُّبٌ، فصَحَّ منه، كالاصْطِيادِ والاحْتِطابِ. وإن تَلِفَتْ في يَدِه بغيرِ تَفْرِيطٍ، فلا ضَمَانَ عليه؛ لأنَّه أخَذَ مالَهُ أخْذُه. وإن تَلِفَتْ بِتَفْرِيطِه، ضَمِنَها في مالِه. وإذا عَلِمَ بها وَلِيُّه، لَزِمَهُ أخْذُها؛ لأنَّه ليس من أهْلِ الحِفْظِ والأمَانةِ، فإن تَرَكَها في يَدِه ضَمِنَها؛ لأنَّه يَلْزَمُه حِفْظُ ما يَتَعَلَّقُ به حَقُّ الصَّبِىِّ، وهذا يَتَعَلَّقُ به حَقُّه، فإذا تَرَكَها في يَدِه كان مُضَيِّعًا لها، وإذا أخَذَها الوَلِىُّ، عَرَّفَها؛ لأنَّ واجِدَها ليس من أهْلِ التَّعْرِيفِ، فإذا انْقَضَتْ مُدَّةُ التَّعْرِيفِ، دَخَلَتْ في مِلْكِ واجِدِها؛ لأنَّ سَبَبَ المِلْكِ تَمَّ شَرْطُه، فيَثْبُتُ المِلْكُ له، كما لو اصْطادَ صَيْدًا. وهذا مذهبُ الشافِعِىِّ، إلَّا أنَّ أصْحابَه قالوا: إذا انْقَضَتْ مُدَّةُ التَّعْرِيفِ، فكان الصَّبِىُّ والمَجْنُونُ بحيث يُسْتَقْرَضُ لهما، يَتَمَلَّكُه لهما، وإلَّا فلا. وقال بعضُهم: يَتَمَلَّكه لهما بكلِّ حالٍ؛ لأنَّ الظاهِرَ عَدَمُ ظُهُورِ (١) صاحِبِه، فيكونُ تَمَلُّكُه مَصْلَحةً (٢) له. ولَنا، عُمُومُ الأخْبارِ، ولو جَرَى هذا مَجْرَى الاقْتِراضِ (٣) لمَا صَحَّ الْتِقاطُ صَبِىٍّ لا يجوزُ الاقْتِراضُ له؛ لأنَّه يكونُ تَبَرُّعًا بِحِفْظِ مالِ غيرِه من غيرِ فائِدَةٍ.
стр. 4133
فصل: قال أحمدُ، في رِوَايةِ العَبَّاسِ ابن موسى (٤)، في غُلَامٍ له عَشْرُ سِنِينَ، الْتَقَطَ لُقَطةً، ثم كَبِرَ: فإن وَجَدَ صاحِبَها دَفَعَها إليه، وإلَّا تَصَدَّقَ بها. قد مَضَى (٥) أجَلُ التَّعْرِيفِ فيما تَقَدَّمَ من السِّنِين، ولم يَرُدَّ عليه اسْتِقْبالَ أجَلِ التَّعْرِيفِ. قال: وقد كنت سَمِعْتُه قبلَ هذا أو بعدَه يقول في انْقِضاءِ أجَلِ التَّعْرِيفِ إذا لم يَجِدْ صاحِبَها (٦): أيَتَصَدَّقُ بمالِ الغيرِ! وهذه المَسْألةُ قد مَضَى نحوُها فيما إذا لم يُعَرِّفِ المُلْتَقِطُ اللُّقَطَةَ في حَوْلِها، فإنَّه لا يَمْلِكُها وإن عَرَّفَها فيما بعدَ ذلك؛ لأنَّ التَّعْرِيفَ بعدَه لا يُفِيدُ ظاهِرًا، لِكَوْنِ صاحِبِها يَئِسَ منها، وتَرَكَ طَلَبَها. وهذه المسألةُ تَدُلُّ على أنَّه إذا تَرَكَ التَّعْرِيفَ لِعُذْرٍ، كان كَتَرْكِه لغير عُذْرٍ؛ لكَوْنِ الصَّبِىِّ من أهْلِ العُذْرِ، وقد ذَكَرْنا في هذا وَجْهَينِ فيما تَقَدَّمَ. وقال أحمدُ، في غُلَامٍ لم يَبْلُغْ، أصَابَ عَشْرَةَ دَنانِيرَ، فذَهَبَ بها إلى مَنْزِلِه، فضَاعَتْ، فلما بَلَغَ أرَادَ رَدَّها، فلم يَعْرِفْ صاحِبَها: تَصَدَّقَ بها، وإن لم يَجِدْ عَشَرَةً، وكان يُجْحِفُ به، تَصَدَّقَ قَلِيلًا قَلِيلًا. قال القاضي: معنى هذا أنَّها تَلِفَتْ بِتَفْرِيطِ الصَّبِىِّ، وهو أنَّه لم يُعْلِمْ وَلِيَّهُ حتى يَقُومَ بِتَعْرِيفِها.
فصل: وإذا وَجَدَ العَبْدُ لُقَطةً، فله أخْذُها بغيرِ إذْنِ سَيِّدِه، ويَصِحُّ الْتِقَاطُه. وبهذا قال أبو حنيفةَ، وهو أحَدُ قَوْلَىِ الشافِعِىِّ. وقال في الآخَرِ (٧): لا يَصِحُّ الْتِقاطُه؛ لأنَّ اللُّقَطةَ في الحَوْلِ الأوَّلِ [أمانَةٌ ووِلَايَةٌ، وفى] (٨) الثاني تَمَلُّكٌ، والعَبْدُ ليس من أهْلِ الوِلَاياتِ ولا المِلْكِ. ولَنا، عُمُومُ الخَبَرِ، ولأنَّ الالْتِقاطَ سَبَبٌ يَمْلِكُ به الصَّبِىُّ ويَصِحُّ منه، فصَحَّ من العَبْدِ، كالاحْتِطابِ والاصْطِيادِ، ولأنَّ مَنْ جازَ له قبولُ
стр. 4134
الوَدِيعَةِ، صَحَّ منه الالْتِقاطُ، كالحُرِّ. وقولُهم: إن العَبْدَ ليس من أهْلِ الوِلَاياتِ والأمَاناتِ. يَبطُلُ بالصَّبِىِّ والمَجْنُونِ، فإنَّهما أدْنَى حالًا منه في هذا. وقولُهم: إنَّ العَبْدَ لا يَمْلِكُ. مَمْنُوعٌ، وإن سَلَّمْنا، فإنَّه يَتَمَلَّكُ لِسَيِّدِه، كما يَحْصُلُ [بسائِرِ الاكتِسابِ] (٩)، ولأنَّ الالْتِقاطَ تَخلِيصُ مالٍ من الهَلَاكِ، فجازَ من العَبْدِ بغيرِ إذْنِ سَيِّدِه، كإنْقاذِ المالِ الغَرِيقِ والمَغْصُوبِ. إذا ثَبَتَ هذا، فإنِ الْتَقَطَ العَبْدُ لُقَطةً كانت أمَانةً في يَدِه، إن تَلِفَتْ بغيرِ تَفْرِيطٍ في حَوْلِ التَّعْرِيفِ، يَضْمَنْ، وإن تَلِفَتْ بتَفْرِيطٍ (١٠) أو إتْلَافٍ، وَجَبَ ضَمانُها في رَقبَتِه، كسائِر جِنَاياتِه. وإن عَرَّفَها، صَحَّ تَعْرِيفُه؛ لأنَّ له قَوْلًا صَحِيحًا، فصَحَّ تَعْرِيفُه، كالحُرِّ، فإذا تَمَّ حَوْلُ التَّعْرِيفِ، مَلَكَها سَيِّدُه؛ لأنَّ الالْتِقاطَ كَسْبُ العَبْدِ، وكَسْبُه لِسَيِّدِه. وإن عَلِمَ السَّيِّدُ بِلُقَطَةِ عَبْدِه، كان له انْتِزَاعُها منه؛ لأنَّها من كَسْبِ العَبْدِ، ولِلسَّيِّدِ انْتِزاعُ كَسْبِه من يَدِه، فإذا انْتَزَعَها بعدَ أن عَرَّفَها العَبْدُ مَلَكَها، وإن كان لم يُعَرِّفْها، عَرَّفَها سَيِّدُه حَوْلًا كامِلًا، وإن كان العَبْدُ قد عَرَّفَها بعضَ الحَوْلِ، عَرَّفَها السَّيِّدُ تَمَامَه. فإن اخْتارَ السَّيِّدُ إقْرارَها في يَدِ عَبْدِه، نَظَرْتَ؛ فإن كان العَبْدُ أمِينًا جازَ، وكان السَّيِّدُ مُسْتَعِينًا بِعَبْدِه في حِفْظِها، كما يَسْتَعِينُ به في حِفْظِ مالِه، وإن كان العَبْدُ غيرَ أمِينٍ، كان السَّيِّدُ مُفَرِّطًا بإقْرَارِها في يَدِه، ولَزِمَه ضَمَانُها، كما لو أخَذَها من يَدِه ثم رَدَّها إليه؛ لأنَّ يَدَ العَبْدِ كيَدِه، وما يَسْتَحِقُّ بها فهو لِسَيِّدِه. وإن أعْتَقَ السَّيِّدُ عَبْدَه بعدَ الالْتِقاطِ، فله انْتِزَاعُ اللُّقَطةِ من يَدِه؛ لأنَّها من كَسبِه، وأكْسابُه لِسَيِّدِه. ومتى عَلِمَ العَبْدُ أن سَيِّدَه غيرُ مَأْمُونٍ عليها، لَزِمَه سَتْرُها عنه، وتَسلِيمُها إلى الحاكِمِ، لِيُعَرِّفَها، ثم يَدْفَعها إلى سَيِّدِه بِشَرْطِ الضَّمانِ. فإن أعْلَمَ سَيِّدَه بها، فلم يَأْخُذْها منه، أو أخَذَها فعَرَّفَها وأدَّى الأمَانةَ فيها فتَلِفَتْ في الحَوْلِ الأوَّلِ بغير تَفْرِيطٍ (١١)، فلا ضَمَانَ فيها؛ لأنَّها لم تَتْلَفْ بِتَفْرِيطٍ
стр. 4135
من أحَدِهِما، وإن لم يُؤَدِّ الأمَانةَ فيها، وَجَبَ ضَمَانُها، ويَتَعَلَّقُ الضَّمانُ بِرَقَبةِ العَبْدِ وذِمّةِ السَّيِّدِ جَمِيعًا؛ لأنَّ التَّفْرِيطَ حَصَلَ منهما جَمِيعًا.
فصل: والمُكَاتَبُ كالحُرِّ في اللُّقَطَةِ؛ لأنَّ المالَ له في الحالِ، وأكْسابُه له دون سَيِّدِه، واللُّقَطَةُ من أكْسابِه (١٢)، فإن عَجَزَ عادَ عَبْدًا، وصارَ حُكْمُه في اللُّقَطةِ حُكْمَ العَبْدِ، على ما مَرَّ بَيانُه. وأُمُّ الوَلَدِ، والمُعَلَّقُ عِتْقُه بِصِفَةٍ، والمُدَبَّرُ، كالقِنِّ. ومَنْ نِصْفُه حُرٌّ إذا الْتَقَطَ شيئًا، ولم يكُنْ بينه وبين سَيِّدِه مُهَايَأةٌ، فهو بينهما بعدَ التَّعْرِيفِ نِصْفَيْنِ (١٣)، كسائِر أكْسابِه، وهى بينهما في حَوْلِ التَّعْرِيفِ كالحُرَّيْنِ إذا (١٤) الْتَقَطَا لُقَطَةً، وإن كان بينهما مُهَايَأةٌ، ففيها وَجْهانِ؛ أحدهما، لا تَدْخُلُ في المُهَايَأَةِ؛ لأنَّها كَسْبٌ نادِرٌ، لا يُعْلَمُ وُجُودُه ولا يُظَنُّ، فلم تَدْخُلْ في المُهَايأةِ، وتكونُ بينهما. والثانى: تدْخُلُ في المُهَايأةِ؛ لأنَّها من كَسْبِه، فأشْبَهَتْ ساِئرَ أكْسابِه، فإن وَجَدَها في يَوْمِه فهى له، وإن وَجَدَها في يومِ سَيِّدِه فهى له، وإن كان العَبْدُ مُشْتَرَكًا بين اثْنَيْنِ، فلُقَطَتُه بينهما، على ما ذَكَرْنا في من بعضُه حُرٌّ وبعضُه رَقِيقٌ.
فصل: والذِّمِّىُّ، في الالْتِقاطِ كالمُسْلِمِ. ومن أصحابِ الشافِعِىِّ مَن قال: ليس له الالْتِقاطُ في دارِ الإِسْلامِ؛ لأنَّه ليس من أهْلِ الأمَانةِ. ولَنا، أنَّها نَوْعُ اكْتِسابٍ، فكان من أهْلِهَا، كالحَشِّ والاحْتِطابِ. وما ذَكَرُوه يَبْطُلُ بالصَّبِىِّ والمَجْنُونِ، فإنَّه يَصِحُّ الْتِقَاطُهُما، مع عَدَمِ الأمانةِ. إذا ثَبَتَ هذا، فإنَّه إن عَرَّفَ اللُّقَطَةَ حَوْلًا كامِلًا (١٤)، مَلَكَها كالمُسلِمِ، وإن عَلِمَ بها الحاكِمُ أو السُّلْطانُ، أقَرَّها في يَدِه، وضَمَّ إليه مُشْرِفًا عَدْلًا يُشْرِفُ عليه، ويُعَرِّفُها؛ لأنَّنا لا نَأْمَنُ الكافِرَ على تَعْرِيفِها، ولا نَأْمَنُه أن يُخِلَّ في التَّعْرِيفِ بشيءٍ من الواجِبِ عليه فيه، وأجْرُ المُشْرِفِ عليه، فإذا