أبي يوسفَ، وأحدُ قَوْلَىِ الشافِعِيِّ، إلَّا أنَّ أبا يوسفَ قال: يَأْخُذُ به كَفِيلًا؛ لأنَّ البَيّنةَ أثْبَتَتْه بصِفَاتِه، كما ثَبَتَ في الذِّمّةِ بِوَصْفِه في السَّلَمِ. وقال أبو حنيفةَ، ومحمدٌ: لا يَجِبُ تَسْلِيمُه؛ لأنَّهم لا يَشْهَدُونَ على عَيْنهِ، وإنما يَشْهَدُونَ بالصِّفاتِ، وقد تَتَّفِقُ الصِّفاتُ مع اخْتِلَافِ الأعْيانِ، ويُفَارِقُ المُسْلَمَ فيه، فإنَّ الواجِبَ أقَلُّ ما يُوجَدُ منه (٣٨) الصِّفَةُ، وهو غير مُعَيَّنٍ. ولَنا، أنَّه يُقْبَلُ كِتَابُ الحاكِمِ إلى الحاكِمِ على شَخْصٍ غائِبٍ، ويُؤْخَذُ المَحْكُومُ عليه بالحَقِّ، وليس ثَمَّ شَهَادَةٌ على عَيْنٍ، وإنَّما يُؤْخَذُ المَحْكُومُ عليه باسْمِه ونَسَبِه وصِفَتِه، فكذا ههُنا، إذا ثَبَتَ وُجُوبُ تَسْلِيمِه, فإنَّ الحاكِمَ الذي يُسَلِّمُه يَخْتِمُ في عُنُقِه خَيْطًا ضَيِّقًا لا يَخْرُجُ من رَأْسِه، ويَدْفَعُه إلي المُدَّعِى أو وَكِيلِه، لِيَحْمِلَه إلى الحاكِمِ الكاتِبِ، لِيُشْهِدَ الشُّهُودَ على عَيْنِه، فإن شَهِدُوا بِعَيْنِه، سُلِّمَ إلى مُدَّعِيه، وإن لم يَشْهَدُوا وَجَبَ (٣٩) رَدُّه إلى الحاكِمِ الأَوّلِ، ويكونُ في ضَمَانِ الذي أخَذَه؛ لأنَّه أخَذَه بغيرِ اسْتِحْقاقٍ.
٩٤٦ - مسألة؛ قال: (وَإنْ كَانَ الْتَقَطَها قَبْلَ ذلِكَ، فَرَدَّهَا لعِلَّةِ الجُعْلِ. لَمْ يَجُزْ لَهُ أخْذُهُ)
إنَّما كان كذلك؛ لأنَّه إذا الْتَقَطَها قبلَ أن يَبْلُغَه الجُعْلُ، فقد الْتَقَطَها بغيرِ عِوَضٍ، وعَمِلَ في مالِ غيرِه بغيرِ جُعْلٍ جُعِلَ، فلا يَسْتَحِقُّ شيئا، كما لو الْتَقَطَها ولم يَجْعَلْ رَبُّها فيها شيئا، وفارَقَ المُلْتَقِطَ بعدَ بُلُوغِه الجُعْلَ؛ فإنَّه إنَّما بَذَلَ مَنَافِعَه بِعوَضٍ جُعِلَ له، فاسْتَحَقَّه، كالأجِيرِ إذا عَمِلَ بعدَ العَقْدِ. وسواءٌ كان الْتِقَاطُه لها بعد الجُعْلِ أو قبلَه؛ لما ذَكَرْنَا. ولا يَسْتَحِقُّ أخْذَ الجُعْلِ بِرَدِّها؛ لأنَّ الرَّدَّ واجِبٌ عليه من غيرِ عِوَضٍ، فلم يجُزْ أخْذُ العِوَضِ عن الواجِبِ، كسائِر الواجِباتِ. وإنَّما يَأْخُذُه المُلْتَقِطُ، في مَوْضِعٍ يجوزُ له أخْذُه عِوَضًا عن الالْتِقاطِ المُبَاحِ. إذا ثَبَتَ هذا، فإن مُلْتَقِطَها قبلَ
стр. 4132
أن يَبْلُغَه الجُعْلُ لا يَسْتَحِقُّ شيئا، سواءٌ رَدَّها لِعِلَّةِ الجُعْلِ أو لغيرِه؛ لأنَّه إذا لم يَسْتَحِقَّه مع قَصْدِهِ إيَّاه، وعَمَلِه من أجْلِه، فَلأنْ لا يَسْتَحِقَّه مع عَدَمِ ذلك أَوْلَى. وإنَّما ذَكَرَ الخِرَقِىُّ رَدَّها لِعِلَّةِ الجُعْلِ، إن شاء اللَّه، لِيُنَبِّهَ به على عَدَمِ اسْتِحْقاقِه فيما إذا رَدَّها لغير عِلَّتِه، ولأن الحاجَةَ إنَّما تَدْعُو إلى مَعرِفةِ الحُكْمِ في من يُرِيدُ الجُعْلَ، أمَّا من تَرَكَه ولا يرِيدُه، فلا يَقَعُ التنازُعُ فيه غالِبًا. واللَّه أعلمُ.
٩٤٧ - مسألة؛ قال: (وَإنْ كَانَ الَّذِى وَجَدَ اللُّقَطَةَ سَفِيهًا أوْ طِفْلًا، قَامَ وَلِيُّهُ بِتَعْرِيفِهَا، فَإنْ تَمَّتِ السَّنَةُ، ضَمَّهَا إلَى مَالِ وَاجِدِهَا)
وجملةُ ذلك أنَّ الصَّبِىَّ والمَجْنُونَ والسَّفِيهَ، إذا الْتَقَطَ أحَدُهُم لُقَطَةً، ثَبَتَتْ يَدُه عليها؛ لِعُمُومِ الأخْبارِ، ولأنَّ هذا تَكَسُّبٌ، فصَحَّ منه، كالاصْطِيادِ والاحْتِطابِ. وإن تَلِفَتْ في يَدِه بغيرِ تَفْرِيطٍ، فلا ضَمَانَ عليه؛ لأنَّه أخَذَ مالَهُ أخْذُه. وإن تَلِفَتْ بِتَفْرِيطِه، ضَمِنَها في مالِه. وإذا عَلِمَ بها وَلِيُّه، لَزِمَهُ أخْذُها؛ لأنَّه ليس من أهْلِ الحِفْظِ والأمَانةِ، فإن تَرَكَها في يَدِه ضَمِنَها؛ لأنَّه يَلْزَمُه حِفْظُ ما يَتَعَلَّقُ به حَقُّ الصَّبِىِّ، وهذا يَتَعَلَّقُ به حَقُّه، فإذا تَرَكَها في يَدِه كان مُضَيِّعًا لها، وإذا أخَذَها الوَلِىُّ، عَرَّفَها؛ لأنَّ واجِدَها ليس من أهْلِ التَّعْرِيفِ، فإذا انْقَضَتْ مُدَّةُ التَّعْرِيفِ، دَخَلَتْ في مِلْكِ واجِدِها؛ لأنَّ سَبَبَ المِلْكِ تَمَّ شَرْطُه، فيَثْبُتُ المِلْكُ له، كما لو اصْطادَ صَيْدًا. وهذا مذهبُ الشافِعِىِّ، إلَّا أنَّ أصْحابَه قالوا: إذا انْقَضَتْ مُدَّةُ التَّعْرِيفِ، فكان الصَّبِىُّ والمَجْنُونُ بحيث يُسْتَقْرَضُ لهما، يَتَمَلَّكُه لهما، وإلَّا فلا. وقال بعضُهم: يَتَمَلَّكه لهما بكلِّ حالٍ؛ لأنَّ الظاهِرَ عَدَمُ ظُهُورِ (١) صاحِبِه، فيكونُ تَمَلُّكُه مَصْلَحةً (٢) له. ولَنا، عُمُومُ الأخْبارِ، ولو جَرَى هذا مَجْرَى الاقْتِراضِ (٣) لمَا صَحَّ الْتِقاطُ صَبِىٍّ لا يجوزُ الاقْتِراضُ له؛ لأنَّه يكونُ تَبَرُّعًا بِحِفْظِ مالِ غيرِه من غيرِ فائِدَةٍ.
стр. 4133
فصل: قال أحمدُ، في رِوَايةِ العَبَّاسِ ابن موسى (٤)، في غُلَامٍ له عَشْرُ سِنِينَ، الْتَقَطَ لُقَطةً، ثم كَبِرَ: فإن وَجَدَ صاحِبَها دَفَعَها إليه، وإلَّا تَصَدَّقَ بها. قد مَضَى (٥) أجَلُ التَّعْرِيفِ فيما تَقَدَّمَ من السِّنِين، ولم يَرُدَّ عليه اسْتِقْبالَ أجَلِ التَّعْرِيفِ. قال: وقد كنت سَمِعْتُه قبلَ هذا أو بعدَه يقول في انْقِضاءِ أجَلِ التَّعْرِيفِ إذا لم يَجِدْ صاحِبَها (٦): أيَتَصَدَّقُ بمالِ الغيرِ! وهذه المَسْألةُ قد مَضَى نحوُها فيما إذا لم يُعَرِّفِ المُلْتَقِطُ اللُّقَطَةَ في حَوْلِها، فإنَّه لا يَمْلِكُها وإن عَرَّفَها فيما بعدَ ذلك؛ لأنَّ التَّعْرِيفَ بعدَه لا يُفِيدُ ظاهِرًا، لِكَوْنِ صاحِبِها يَئِسَ منها، وتَرَكَ طَلَبَها. وهذه المسألةُ تَدُلُّ على أنَّه إذا تَرَكَ التَّعْرِيفَ لِعُذْرٍ، كان كَتَرْكِه لغير عُذْرٍ؛ لكَوْنِ الصَّبِىِّ من أهْلِ العُذْرِ، وقد ذَكَرْنا في هذا وَجْهَينِ فيما تَقَدَّمَ. وقال أحمدُ، في غُلَامٍ لم يَبْلُغْ، أصَابَ عَشْرَةَ دَنانِيرَ، فذَهَبَ بها إلى مَنْزِلِه، فضَاعَتْ، فلما بَلَغَ أرَادَ رَدَّها، فلم يَعْرِفْ صاحِبَها: تَصَدَّقَ بها، وإن لم يَجِدْ عَشَرَةً، وكان يُجْحِفُ به، تَصَدَّقَ قَلِيلًا قَلِيلًا. قال القاضي: معنى هذا أنَّها تَلِفَتْ بِتَفْرِيطِ الصَّبِىِّ، وهو أنَّه لم يُعْلِمْ وَلِيَّهُ حتى يَقُومَ بِتَعْرِيفِها.
فصل: وإذا وَجَدَ العَبْدُ لُقَطةً، فله أخْذُها بغيرِ إذْنِ سَيِّدِه، ويَصِحُّ الْتِقَاطُه. وبهذا قال أبو حنيفةَ، وهو أحَدُ قَوْلَىِ الشافِعِىِّ. وقال في الآخَرِ (٧): لا يَصِحُّ الْتِقاطُه؛ لأنَّ اللُّقَطةَ في الحَوْلِ الأوَّلِ [أمانَةٌ ووِلَايَةٌ، وفى] (٨) الثاني تَمَلُّكٌ، والعَبْدُ ليس من أهْلِ الوِلَاياتِ ولا المِلْكِ. ولَنا، عُمُومُ الخَبَرِ، ولأنَّ الالْتِقاطَ سَبَبٌ يَمْلِكُ به الصَّبِىُّ ويَصِحُّ منه، فصَحَّ من العَبْدِ، كالاحْتِطابِ والاصْطِيادِ، ولأنَّ مَنْ جازَ له قبولُ
стр. 4134
الوَدِيعَةِ، صَحَّ منه الالْتِقاطُ، كالحُرِّ. وقولُهم: إن العَبْدَ ليس من أهْلِ الوِلَاياتِ والأمَاناتِ. يَبطُلُ بالصَّبِىِّ والمَجْنُونِ، فإنَّهما أدْنَى حالًا منه في هذا. وقولُهم: إنَّ العَبْدَ لا يَمْلِكُ. مَمْنُوعٌ، وإن سَلَّمْنا، فإنَّه يَتَمَلَّكُ لِسَيِّدِه، كما يَحْصُلُ [بسائِرِ الاكتِسابِ] (٩)، ولأنَّ الالْتِقاطَ تَخلِيصُ مالٍ من الهَلَاكِ، فجازَ من العَبْدِ بغيرِ إذْنِ سَيِّدِه، كإنْقاذِ المالِ الغَرِيقِ والمَغْصُوبِ. إذا ثَبَتَ هذا، فإنِ الْتَقَطَ العَبْدُ لُقَطةً كانت أمَانةً في يَدِه، إن تَلِفَتْ بغيرِ تَفْرِيطٍ في حَوْلِ التَّعْرِيفِ، يَضْمَنْ، وإن تَلِفَتْ بتَفْرِيطٍ (١٠) أو إتْلَافٍ، وَجَبَ ضَمانُها في رَقبَتِه، كسائِر جِنَاياتِه. وإن عَرَّفَها، صَحَّ تَعْرِيفُه؛ لأنَّ له قَوْلًا صَحِيحًا، فصَحَّ تَعْرِيفُه، كالحُرِّ، فإذا تَمَّ حَوْلُ التَّعْرِيفِ، مَلَكَها سَيِّدُه؛ لأنَّ الالْتِقاطَ كَسْبُ العَبْدِ، وكَسْبُه لِسَيِّدِه. وإن عَلِمَ السَّيِّدُ بِلُقَطَةِ عَبْدِه، كان له انْتِزَاعُها منه؛ لأنَّها من كَسْبِ العَبْدِ، ولِلسَّيِّدِ انْتِزاعُ كَسْبِه من يَدِه، فإذا انْتَزَعَها بعدَ أن عَرَّفَها العَبْدُ مَلَكَها، وإن كان لم يُعَرِّفْها، عَرَّفَها سَيِّدُه حَوْلًا كامِلًا، وإن كان العَبْدُ قد عَرَّفَها بعضَ الحَوْلِ، عَرَّفَها السَّيِّدُ تَمَامَه. فإن اخْتارَ السَّيِّدُ إقْرارَها في يَدِ عَبْدِه، نَظَرْتَ؛ فإن كان العَبْدُ أمِينًا جازَ، وكان السَّيِّدُ مُسْتَعِينًا بِعَبْدِه في حِفْظِها، كما يَسْتَعِينُ به في حِفْظِ مالِه، وإن كان العَبْدُ غيرَ أمِينٍ، كان السَّيِّدُ مُفَرِّطًا بإقْرَارِها في يَدِه، ولَزِمَه ضَمَانُها، كما لو أخَذَها من يَدِه ثم رَدَّها إليه؛ لأنَّ يَدَ العَبْدِ كيَدِه، وما يَسْتَحِقُّ بها فهو لِسَيِّدِه. وإن أعْتَقَ السَّيِّدُ عَبْدَه بعدَ الالْتِقاطِ، فله انْتِزَاعُ اللُّقَطةِ من يَدِه؛ لأنَّها من كَسبِه، وأكْسابُه لِسَيِّدِه. ومتى عَلِمَ العَبْدُ أن سَيِّدَه غيرُ مَأْمُونٍ عليها، لَزِمَه سَتْرُها عنه، وتَسلِيمُها إلى الحاكِمِ، لِيُعَرِّفَها، ثم يَدْفَعها إلى سَيِّدِه بِشَرْطِ الضَّمانِ. فإن أعْلَمَ سَيِّدَه بها، فلم يَأْخُذْها منه، أو أخَذَها فعَرَّفَها وأدَّى الأمَانةَ فيها فتَلِفَتْ في الحَوْلِ الأوَّلِ بغير تَفْرِيطٍ (١١)، فلا ضَمَانَ فيها؛ لأنَّها لم تَتْلَفْ بِتَفْرِيطٍ
стр. 4135
من أحَدِهِما، وإن لم يُؤَدِّ الأمَانةَ فيها، وَجَبَ ضَمَانُها، ويَتَعَلَّقُ الضَّمانُ بِرَقَبةِ العَبْدِ وذِمّةِ السَّيِّدِ جَمِيعًا؛ لأنَّ التَّفْرِيطَ حَصَلَ منهما جَمِيعًا.
فصل: والمُكَاتَبُ كالحُرِّ في اللُّقَطَةِ؛ لأنَّ المالَ له في الحالِ، وأكْسابُه له دون سَيِّدِه، واللُّقَطَةُ من أكْسابِه (١٢)، فإن عَجَزَ عادَ عَبْدًا، وصارَ حُكْمُه في اللُّقَطةِ حُكْمَ العَبْدِ، على ما مَرَّ بَيانُه. وأُمُّ الوَلَدِ، والمُعَلَّقُ عِتْقُه بِصِفَةٍ، والمُدَبَّرُ، كالقِنِّ. ومَنْ نِصْفُه حُرٌّ إذا الْتَقَطَ شيئًا، ولم يكُنْ بينه وبين سَيِّدِه مُهَايَأةٌ، فهو بينهما بعدَ التَّعْرِيفِ نِصْفَيْنِ (١٣)، كسائِر أكْسابِه، وهى بينهما في حَوْلِ التَّعْرِيفِ كالحُرَّيْنِ إذا (١٤) الْتَقَطَا لُقَطَةً، وإن كان بينهما مُهَايَأةٌ، ففيها وَجْهانِ؛ أحدهما، لا تَدْخُلُ في المُهَايَأَةِ؛ لأنَّها كَسْبٌ نادِرٌ، لا يُعْلَمُ وُجُودُه ولا يُظَنُّ، فلم تَدْخُلْ في المُهَايأةِ، وتكونُ بينهما. والثانى: تدْخُلُ في المُهَايأةِ؛ لأنَّها من كَسْبِه، فأشْبَهَتْ ساِئرَ أكْسابِه، فإن وَجَدَها في يَوْمِه فهى له، وإن وَجَدَها في يومِ سَيِّدِه فهى له، وإن كان العَبْدُ مُشْتَرَكًا بين اثْنَيْنِ، فلُقَطَتُه بينهما، على ما ذَكَرْنا في من بعضُه حُرٌّ وبعضُه رَقِيقٌ.
فصل: والذِّمِّىُّ، في الالْتِقاطِ كالمُسْلِمِ. ومن أصحابِ الشافِعِىِّ مَن قال: ليس له الالْتِقاطُ في دارِ الإِسْلامِ؛ لأنَّه ليس من أهْلِ الأمَانةِ. ولَنا، أنَّها نَوْعُ اكْتِسابٍ، فكان من أهْلِهَا، كالحَشِّ والاحْتِطابِ. وما ذَكَرُوه يَبْطُلُ بالصَّبِىِّ والمَجْنُونِ، فإنَّه يَصِحُّ الْتِقَاطُهُما، مع عَدَمِ الأمانةِ. إذا ثَبَتَ هذا، فإنَّه إن عَرَّفَ اللُّقَطَةَ حَوْلًا كامِلًا (١٤)، مَلَكَها كالمُسلِمِ، وإن عَلِمَ بها الحاكِمُ أو السُّلْطانُ، أقَرَّها في يَدِه، وضَمَّ إليه مُشْرِفًا عَدْلًا يُشْرِفُ عليه، ويُعَرِّفُها؛ لأنَّنا لا نَأْمَنُ الكافِرَ على تَعْرِيفِها، ولا نَأْمَنُه أن يُخِلَّ في التَّعْرِيفِ بشيءٍ من الواجِبِ عليه فيه، وأجْرُ المُشْرِفِ عليه، فإذا
стр. 4136
تَمَّ حَوْلُ التَّعْرِيفِ مَلَكَها المُلْتَقِطُ. ويَحْتَمِلُ أن تُنْزَعَ من يَدِ الذِّمِّىِّ، وتُوضَعَ على يَدِ عَدْلٍ؛ لأنَّه غيرُ مَأْمُونٍ عليها.
فصل: ويُسْتَحَبُّ لمن ليس بأَمِينٍ أن لا يَأْخُذَ اللُّقَطَةَ؛ لأنَّه يُعَرِّضُ نَفْسَه للأمَانةِ، وليس هو من أهْلِها، فإن الْتَقَطَ صَحَّ الْتِقاطُه؛ لأنَّها جِهَةٌ من جِهَاتِ الكَسبِ، وهو من أهْلِ الكَسْبِ، ولأنَّه إذا صَحَّ الْتِقاطُ الكافِرِ، فالمُسْلِمُ أَوْلَى، فإذا الْتَقَطَها فعَرَّفَها حَوْلًا، مَلَكَها كالعَدْلِ. وإن عَلِمَ الحاكِمُ أو السُّلْطانُ بها، أقَرَّها في يَدِه، وضَمَّ إليه مُشْرِفًا يُشْرِفُ عليه، ويَتَوَلَّى تَعْرِيفَها، كما قلنا في الذِّمِّىِّ، لأنَّه لا نَأْمَنُه عليها. وبهذا قال أبو حنيفةَ، والشافِعِيُّ في أحَدِ قَوْلَيْه، وقال في الآخَر: يَنْزِعُها من يَدِه، ويَضَعُها في يَدِ عَدْلٍ. ولَنا، أنَّ مَنْ خُلِّىَ بينه وبين الوَدِيعَةِ، لم تَزُلْ يَدُه عن اللُّقَطَةِ، كالعَدْلِ، والحِفْظُ يَحْصُلُ بِضَمِّ المُشْرِفِ (١٥) إليه، وإن لم يُمْكِنِ المُشرِفُ حِفْظَها منه، انْتُزِعَتْ من يَدِه، وتُرِكَتْ في يَدِ عَدْلٍ، فإذا عَرَّفَها وتَمَّت السَّنَةُ، مَلَكَها مُلْتَقِطُها؛ لأنَّ سَبَبَ المِلْكِ وُجِدَ منه.
٩٤٨ - مسألة؛ قال: (وَإذَا وَجَدَ الشَّاةَ بمِصْرٍ، أو بمَهْلَكَةٍ، فَهِىَ لُقَطَةٌ)
يعني أنَّه يُباحُ أخْذُها والْتِقَاطُها، وحُكْمُها إذا أخَذَها حُكْمُ الذَّهَبِ والفِضَّةِ، في التَّعْرِيفِ والمِلْكِ بعدَه. هذا الصَّحِيحُ من مذهبِ أحمدَ، وقولُ أكْثَرِ أهْلِ العِلْمِ. قال ابنُ عبد البَرِّ: أجْمَعُوا (١) على أنَّ ضَالَّةَ الغَنَمِ في المَوْضِعِ المَخُوفِ عليها له أكْلُها، وكذلك الحُكْمُ في كل حَيَوانٍ لا يَمْتَنِعُ بِنَفْسِه من صِغَارِ السِّباعِ، وهى الثَّعْلَبُ، وابنُ آوَى، والذِّئْبُ (٢)، [وَوَلَدُ الأسَدِ] (٣) ونحوها. فما لا يَمْتَنِعُ منها، كفُصْلَانِ الإِبِلِ، وعُجُولِ البَقَرِ، وأَفْلاءِ (٤) الخَيْلِ، والدَّجَاجِ، والإِوَزِّ ونحوها،
стр. 4137
يجوزُ الْتِقَاطُه. ويُروَى عن أحمدَ رِوَايةٌ أخرى، ليس لغيرِ الإِمَامِ الْتِقَاطُها. وقال اللَّيْثُ بن سَعْدٍ: لا أُحِبُّ أن يَقْرَبَها، إلَّا أن يَحُوزَها (٥) لِصَاحِبِها؛ لقولِ رسولِ اللَّه ﷺ : "لَا يُؤْوِى الضَّالَّةَ إلَّا ضَالٌّ" (٦). ولأنه حَيَوانٌ أشْبَه الإِبِلَ. ولَنا، قولُ النبيِّ ﷺ ، لمَّا سُئِلَ عن الشَّاةِ: "خُذْهَا، فَإنَّمَا هِىَ لَكَ أوْ لِأخِيكَ أو لِلذِّئْبِ". مُتَّفَقٌ عليه (٧). ولأنَّه يُخْشَى عليه التَّلَفُ والضَّيَاعُ، فأشْبَهَ لُقَطَةَ غير الحَيَوانِ، وحَدِيثُنا أخَصُّ من حَدِيِثهم، فنَخُصُّه به، والقِيَاسُ على الإِبِلِ لا يَصِحُّ؛ فإنَّ النبيَّ ﷺ عَلَّلَ مَنْعَ الْتِقَاطِها بأنَّ معها حِذَاءَها وسِقَاءَها، وهذا مَعْدُومٌ في الغَنَمِ، ثم قد فَرَّقَ النبيُّ ﷺ بينهما في خَبَرٍ واحدٍ، فلا يجوزُ الجَمْعُ بين ما فَرَّقَ الشارِعُ بينهما، ولا قِيَاسُ ما أمَرَ بالْتِقاطِه على ما مَنَعَ ذلك فيه (٨). إذا ثَبَتَ هذا، فلا فَرْقَ بين أن يَجِدَها بمِصْرٍ أو بمَهْلَكَةٍ. وقال مالِكٌ، وأبو عُبَيْدٍ، وابنُ المُنْذِرِ، في الشَّاةِ تُوجَدُ في الصَّحْراءِ: اذْبَحْها، وكُلْهَا. وفى المِصْرِ: ضُمَّها حتى يَجِدَها صاحِبُها؛ لأنَّ النبيَّ ﷺ قال: "هِىَ لكَ أوْ لِأَخِيكَ أو لِلذِّئْبِ". والذِّئْبُ لا يكونُ في المِصْرِ. ولَنا، أنَّ النبيَّ ﷺ قال: "خُذْهَا". ولم يُفَرِّقْ، ولم يَسْتَفْصِلْ، ولو افْتَرَقَ (٩) الحالُ لَسَأَلَ واسْتَفْصَلَ (١٠)، ولأنَّها لُقَطَةٌ، فَاسْتَوَى فيها المِصْرُ والصَّحْراءُ، كسائِر اللُّقَطَاتِ. [وقولُهم: إن الذِّئْبَ لا يكونُ إلَّا في الصَّحْراءِ. قُلْنا: كونُها لِلذِّئْبِ في الصَّحْراءِ لا يَمْنَعُ] (١١) كَوْنَها لغيرِه في المِصْرِ. إذا ثَبَتَ هذا، فإنَّه متى عَرَّفَها حَوْلًا كامِلًا،
стр. 4138
مَلَكَها. وذَكَرَ القاضي، وأبو الخَطَّابِ، عن أحمدَ، رِوَايةً أخرى، أنَّه لا يَمْلِكُها. ولعلَّها الرِّوَايةُ التي مَنَعَ من الْتِقَاطِها فيها. ولَنا، قولُ النبيِّ ﷺ : "هِىَ لَكَ أو لأَخِيكَ". فأضَافَها إليه بلَامِ التَّملُّكِ (١٢)، ولأنَّها يُبَاحُ (١٣) الْتِقَاطُها، فمُلِكَتْ بالتَّعْرِيفِ، كالأَثْمانِ، ولأنَّ ذلك إجْمَاعٌ، حكاه ابنُ عبد البَرِّ.
فصل: ويَتَخَيَّرُ مُلْتَقِطُها بين ثَلَاثةِ أشْياء؛ أكْلُها في الحالِ. وبهذا قال مالِكٌ، وأبو حنيفةَ، والشَّافِعِىُّ، وغيرُهم. قال ابنُ عبد البَرِّ: أجْمَعُوا على أنَّ ضَالّةَ الغَنَمِ، في المَوْضِعِ (١٤) المَخُوفِ عليها، له أكْلُها. والأصْلُ في ذلك قولُ النبيِّ ﷺ : "هِىَ لك أو لِأَخِيكَ أو لِلذِّئْبِ". فجَعَلَها له في الحالِ، وسَوَّى بينه وبين الذِّئْبِ، والذِّئْبُ لا يَسْتَأْنِى (١٥) بأَكْلِها، ولأنَّ في أكْلِها في الحالِ إغْنَاءً عن الإِنْفاقِ عليها، وحِرَاسَةً لِمَالِيَّتِها على صَاحِبِها إذا جاءَ، فإنَّه يَأْخُذُ قِيمَتَها بِكَمَالِها من غيرِ نَقْصٍ، وفى إِبْقائِها تَضْيِيعٌ للمالِ بالإِنْفاقِ عليها، والغَرَامَةِ في عَلفِها، فكان أكْلُها أَوْلَى. ومتى أرَادَ أكْلَها حَفِظَ صِفَتَها، فمتى جاءَ صاحِبُها غَرِمَها له، في قولِ عامّةِ أهْلِ العِلْمِ، إلَّا مالِكًا، فإنَّه قال: كُلْها، ولا غُرْمَ عليك لِصَاحِبِها ولا تَعْرِيفَ؛ لقولِ النبيِّ ﷺ : "هِىَ لَكَ". ولم يُوجِبْ فيها تَعْرِيفًا ولا غُرْمًا، وسَوَّى بينه وبين الذِّئْبِ، والذِّئْبُ لا يُعَرِّفُ ولا يَغْرَمُ. قال ابنُ عبدِ البَرِّ: لم يُوافِقْ مالِكًا أحدٌ من العُلَماءِ على قولِه. وقولُ النبيِّ ﷺ في حَدِيثِ عبدِ اللَّه بن عَمْرٍو: "رُدَّ عَلَى أخِيكَ ضَالَّتَه" (١٦). دَلِيلٌ على أن الشّاةَ على مِلْكِ صَاحِبِها، ولأنَّها لُقَطَةٌ لها قِيمَةٌ، وتَتْبَعُها النَّفْسُ، فتَجِبُ غَرامَتُها لِصَاحِبِها إذا جاءَ كغيرِها، ولأنَّها مِلْكٌ لِصَاحِبِها، فلم يَجُزْ تَمَلُّكُها عليه بغيرِ عِوَضٍ من غيرِ رِضَاه، كما لو كانت بين البُنْيانِ، ولأنَّها عَيْنٌ يَجِبُ رَدُّها مع بَقَائِها، فوَجَبَ
стр. 4139
غُرْمُها إذا أتْلَفَها، كلُقَطَةِ الذَّهَبِ. وقولُ النبيِّ ﷺ : "هِىَ لَكَ". لا يَمْنَعُ وُجُوبَ غَرَامَتِها، فإنَّه قد أَذِنَ في لُقَطَةِ الذَّهَبِ والوَرِقِ بعدَ تَعْرِيفِها، في أكْلِها وإنْفاقِها، وقال: "هِىَ كسَائِر مالِكَ" (١٧). ثم أجْمَعْنا على وُجُوبِ غَرَامَتِها، كذلك الشَّاةُ، ولا فَرْقَ في إبَاحةِ أكْلِها بين وِجْدانِها في الصَّحْرَاءِ أو في المِصْرِ. وقال مالِكٌ، وأبو عُبَيْدٍ، وأصْحابُ الشافِعِيِّ، وابنُ المُنْذِرِ: ليس له أكْلُها في المِصْرِ؛ لأنَّه يُمْكِنُ بَيْعُها، بخِلَافِ الصَّحْراءِ. ولَنا، أنَّ ما جازَ أكْلُه في الصَّحْراءِ، أُبِيحَ في المِصْرِ، كسَائِر المَأْكُولاتِ، ولأنَّ النبيَّ ﷺ قال: "هِىَ لَكَ". ولم يُفَرِّقْ، ولأنَّ أكْلَها مُعَلَّلٌ بما ذَكَرْنا من الاسْتِغْناءِ عن الإِنْفَاقِ عليها، وهذا (١٨) في المِصْرِ أشَدُّ منه في الصَّحْراءِ. الثاني، أن يُمْسِكَها على صَاحِبِها، ويُنْفِقَ عليها من مالِه، ولا يتَملَّكها. وإن أحَبَّ أن يُنْفِقَ عليها مُحْتَسِبًا بالنَّفَقةِ على مالِكِها، وأشْهَدَ على ذلك، فهل له أن يَرْجِعَ بالنَّفَقةِ؟ على رِوَايَتَيْنِ؛ إحْدَاهُما، يَرْجِعُ به. نَصَّ عليه، في رِوَايةِ المُّروذِيِّ، في طِيَرَةٍ أفْرَخَتْ عند قَوْمٍ، فَقَضَى أن الفِرَاخَ لِصَاحِبِ الطيَرَةِ، ويَرْجِعُ بالعَلَفِ إذا لم يكُنْ مُتَطَوِّعًا. وقَضَى عمرُ بن عبد العزيزِ في مَن وَجَدَ ضَالّةً، فأنْفَقَ عليها، وجاءَ رَبُّها، بأنَّه يَغْرَمُ له ما أنْفَقَ؛ وذلك لأنَّه أنْفَقَ على اللُّقَطَةِ لحِفْظِها، فكان من مالِ صاحِبِها، كمُؤْنَةِ الرُّطَبِ والعِنَبِ. والرَّوَايةُ الثانية، لا يَرْجِعُ بشيءٍ. وهو قولُ الشَّعْبِيِّ، والشافِعِيِّ. ولم يُعْجِبِ الشَّعْبِيِّ قَضاءُ عمرَ بن عبد العزيزِ؛ لأنَّه أنْفَقَ على مالِ غيرِه بغيرِ إذْنِه، فلم يَرْجِعْ به (١٩)، كما لو بَنَى دَارَه، ويُفَارِقُ العِنَبَ والرُّطَبَ، فإنَّه ربَّما كان تَجْفِيفُه والإِنْفَاقُ عليه في ذلك أحَظَّ لِصَاحِبِه؛ لأنَّ النَّفَقَةَ لا تَتَكَرَّرُ، والحَيَوانُ يَتَكَرَّرُ الإِنْفَاقُ عليه، فربَّما اسْتَغْرَقَ قِيمَتَه، فكان بَيْعُه أو أكْلُه أحَظَّ، فلذلك لم يَحْتَسِب المُنْفِقُ عليها بما أنفَقَ. الثالث، أن يَبِيعَها ويَحْفَظَ ثَمَنَها لِصَاحِبِها، وله
стр. 4140
أن يَتَوَلَّى ذلك بِنَفْسِه. وقال بعضُ أصْحابِ الشافِعِيِّ: يَبِيعُها بإذْنِ الإِمَامِ. ولَنا، أنَّه إذا جازَ له أكْلُها بغيرِ (٢٠) إذْنٍ، فَبَيْعُها أَوْلَى. ولم يَذْكُر أصْحَابُنا لها تَعرِيفًا في هذه المَواضِع. وهذا قولُ مالِكٍ؛ لِحَدِيثِ زَيْدِ بن خالِدٍ؛ فإنَّه ﷺ قال: "خُذْها، فإنَّما هِىَ لَكَ أو لِأَخِيكَ أو لِلذِّئْبِ". ولم يَأْمُرْ بِتَعْرِيفِها، كما أمَرَ في لُقَطَةِ الذَّهَبِ والوَرِقِ. ولَنا، أنَّها لُقَطَةٌ لها خَطَرٌ، فوَجَبَ تَعْرِيفُها، كالمَطْعُومِ الكَثِيرِ، وإنَّما تَرَكَ ذِكْرَ تَعْرِيفِها لأنَّه ذَكَرَها بعدَ بَيَانِه التَّعْرِيفَ فيما سِوَاها، فاسْتَغْنَى بذلك عن ذِكْره فيها، ولا يَلْزَمُ من جَوَازِ التَّصَرُّفِ فيها في الحَوْلِ سُقُوطُ التَّعْرِيفِ، كالمَطْعُومِ.
فصل: إذا أكَلَها ثَبَتَتْ قِيمَتُها في ذِمَّتِه، ولا يَلْزَمُه عَزْلُها؛ لِعَدَمِ الفائِدَةِ في ذلك، فإنَّها لا تَنْتَقِلُ من الذِّمَّةِ إلى المالِ المَعْزُولِ. ولو عَزَلَ شَيْئًا ثم أفْلَسَ، كان صاحِبُ اللَّقَطِ أسْوَةَ الغُرَماءِ، ولم يَخْتَصَّ بالمالِ المَعْزُولِ. وإن باعَها، وحَفِظَ ثَمَنَها، وجاءَ صاحِبُها، أخَذَه، ولم يُشَارِكْه فيه أحدٌ من الغُرَماءِ؛ لأنَّه عَيْنُ مالِه، لا شَىءَ لِلْمُفلِسِ فيه.
فصل: وإذا الْتَقَطَ ما لا يَبْقَى عامًا، فذلك نَوْعانِ؛ أحَدُهُما ما لا يَبْقَى بعِلَاجٍ ولا غيرِه، كالطَّبيخِ، والبِطِّيخِ، والفاكِهَةِ التي لا تُجَفَّفُ، والخَضْرَاواتِ. فهو مُخَيَّرٌ بين أكْلِه، وبَيْعِه وحِفْظِ ثَمَنِه، ولا يجوزُ إبْقاؤُه؛ لأنَّه يَتْلَفُ. فإن تَرَكَه حتى تَلِفَ، فهو من ضَمَانِه؛ لأنَّه فَرَّطَ في حِفْظِه، فلَزِمَه ضَمَانُه، كالوَدِيعَةِ. فإن أكلَه ثَبَتَتِ القِيمَةُ في ذِمَّتِه، على ما ذَكَرْناه في لُقَطَةِ الغَنَمِ. وإن باعَهُ وحَفِظَ ثَمَنَه، جازَ. وهذا ظاهِرُ مذهبِ الشافِعِيِّ. وله أن يَتَوَلَّى بَيْعَه بِنَفسِه. وعن أحمدَ، أنَّ (٢١) له بَيْعَ اليَسِيرِ، وإن كان كَثِيرًا دَفَعَه إلى السُّلْطانِ. وقال أصحابُ الشافِعِيِّ: ليس له بَيْعُه
стр. 4141
إلَّا بإذْنِ الحاكِمِ، فإن عَجَزَ عنه، جازَ البَيْعُ بِنَفْسِه؛ لأنَّه حالُ ضَرُورَةٍ، فأما مع القُدْرَةِ على اسْتِئْذَانِه، فلا يجوزُ من غيرِ إذْنِه؛ لأنَّه مالٌ مَعْصُومٌ، لا وِلَايَةَ عليه، فلم يَجُزْ لغيرِ الحاكِمِ بَيْعُه، كغيرِ اللُّقَطَةِ. ولَنا، أنَّه مالٌ أُبِيحَ لِلْمُلْتَقِطِ أكْلُه، فأُبِيحَ له بَيْعُه، كمالِه، ولأنَّه مالٌ أُبِيحَ له بَيْعُه عند العَجْزِ عن الحاكِمِ، فجازَ عند القُدْرَةِ عليه، كمالِه. إذا ثَبَتَ هذا، فإنَّه متى أرادَ أكْلَه أو بَيْعَه، حَفِظَ صِفَاتِه، ثم عَرَّفَه عامًا، فإذا جاءَ صاحِبُه، فإن كان قد باعَه وحَفِظَ ثَمَنَه، دَفَعَه إليه، وإن كان قد أكَلَه أو أكَلَ ثَمَنَه، غَرِمَه له بقِيمَتِه يومَ أكَلَه. وإن تَلِفَ الثمنُ بغير تَفْرِيطٍ قبلَ تَمَلُّكِه، أو نَقَصَ أو تَلِفَتِ العَيْنُ، أو نَقَصَتْ من غيرِ تَفرِيطِه، فلا ضَمانَ على المُلْتَقِطِ. وإن تَلِفَتْ [أو نَقَصَتْ] (٢٢) أو نَقَصَ الثّمَنُ لِتَفْرِيطِه، فعلى المُلْتَقِطِ ضَمَانُه، وكذلك إن تَلِفَ الثَّمَنُ بعدَ تَمَلُّكِه، أو نَقَصَ، ضَمِنَه. النَّوع الثاني، ما يُمْكِنُ بَقاؤُه (٢٣) بالعِلَاجِ، كالعِنَبِ والرُّطَبِ، فيَنْظُرُ فيما (٢٤) فيه الحَظُّ لِصَاحِبِه، فإن كان في التَّجْفِيفِ جَفَّفَه، ولم يكُنْ له إلَّا ذلك؛ لأنَّه مالُ غيرِه، فَلزِمَه ما فيه الحَظُّ لِصَاحِبِه، كوَلِيِّ اليَتِيمِ، وإن احْتاجَ في التَّجْفِيفِ إلى غَرَامةٍ، باعَ بعضَه في ذلك. وإن كان الحَظُّ في بَيْعِه، باعَه، وحَفِظَ ثَمَنَه، كالطَّعَامِ والرُّطَبِ، فإن تَعَذَّرَ بَيْعُه، ولم يُمْكِنْ تَجْفِيفُه، تَعَيَّنَ أكْلُه، كالبِطِّيخِ. وإن كان أكْلُه أنْفَعَ لِصَاحِبِه، فله أكْلُه أيضًا؛ لأنَّ الحَظَّ فيه. ويَقْتَضِى قولُ أصْحابِنَا: إنَّ العُرُوضَ لا تُمْلَكُ بالتَّعْرِيفِ. أنَّ هذا كلَّه لا يجوزُ له أكْلُه، لكن يَتَخَيَّرُ (٢٥) بين الصَّدَقةِ به وبين بَيْعِه. وقد قال أحمدُ، في من يَجِدُ في مَنْزِلِه طَعَامًا لا يَعرِفُه: يُعَرِّفه ما لم يَخْشَ فَسَادَه، فإن خَشِىَ فَسَادَه، تَصَدَّقَ به، فإن جاءَ صاحِبُه غَرِمَه. وكذلك قال مالِكٌ. وأصْحابُ الرَّأْى، في لُقَطَةِ ما لا يَبْقَى سَنَةً: يَتَصَدَّقُ به. وقال الثَّوْرِيُّ: يَبِيعُه، ويَتَصَدَّقُ بِثَمَنِه. ولَنا، على جَوَازِ أكْلِه قولُ النبيِّ ﷺ
стр. 4142
في ضَالَّةِ الغَنَمِ: "خُذْهَا، فإنَّما هِىَ لَكَ، أو لِأَخِيكَ، أو لِلذِّئْبِ". وهذا تَجْوِيزٌ لِلأَكلِ، فإذا جازَ فيما هو مَحْفُوظٌ بِنَفْسِه، ففيما يَفْسُدُ بِبَقَائِه أَوْلَى.
٩٤٩ - مسألة؛ قال: (وَلَا يَتَعَرَّضُ لِبَعِيرٍ، وَلَا لِمَا فيهِ قُوَّةٌ يَمْنَعُ عَنْ نَفْسِهِ)
وجملةُ ذلك أنَّ كلَّ حَيَوانٍ يَقْوَى على الامْتِناعِ من صِغَارِ السِّباعِ، وَوُرُودِ الماءِ، لا يجوزُ الْتِقَاطُه، ولا التَّعَرُّضُ له، سواءٌ كان لِكِبَرِ جُثَّتِه، كالإِبِلِ، والخَيْلِ، والبَقَرِ، أو لِطَيَرانِه كالطُّيُورِ كلِّها، أو لِسُرْعَتِه، كالظِّبَاءِ والصُّيُودِ، أو بِنَابِه كالكِلَابِ والفُهُودِ. قال عمرُ، رَضِىَ اللَّه عنه: مَن أخَذَ ضَالّةً، فهو ضَالٌّ. أي مُخْطِئٌ. وبهذا قال الشافِعِىُّ، والأوْزَاعِيُّ، وأبو عُبَيْدٍ. وقال مالِكٌ، واللَّيْثُ، في ضالَّةِ الإِبِلِ: مَنْ وَجَدَها في القُرَى عَرَّفَها، ومَنْ وَجَدَها في الصَّحْراءِ لا يَقْرَبُها. ورَوَاه المُزَنِىُّ عن الشافِعِيِّ. وكان الزُّهْرِيُّ يقول: مَنْ وَجَدَ بَدَنةً فَلْيُعَرِّفْها، فإن لم يَجِدْ صَاحِبَها فلْيَنْحَرْها قبلَ أن تَنْقَضِىَ الأيامُ الثَّلَاثةُ. وقال أبو حنيفةَ: [هي لُقَطَةٌ] (١) يُباحُ الْتِقاطُها؛ لأنَّها لُقَطَةٌ أشْبَهَتِ الغَنَمَ. ولَنا، قولُ رسولِ اللَّه ﷺ لمَّا سُئِلَ عنها: "مالكَ ولَهَا؟ مَعَهَا حِذَاؤُها وسِقَاؤُها، تَرِدُ الْماءَ، وتَأْكُلُ الشَّجَرَ، حَتَّى يَجِدَها رَبُّها" (٢). وسُئِلَ رسولُ اللَّه ﷺ فقيل: يا رسولَ اللَّه، إنَّا نُصِيبُ هَوَامِىَ الإِبِلِ. قال: "ضَالَّةُ المُسْلِمِ حَرَقُ النَّارِ" (٣). ورُوِى عن جَرِيرِ بن عبدِ اللَّه، أنَّه أمر بِطَرْدِ بَقَرَةٍ لَحِقَتْ بِبَقَرِه حتى تَوَارَتْ، وقال: سَمِعْتُ رسولَ اللَّه ﷺ يقول: "لا يُؤْوِى (٤) الضَّالّةَ إلَّا ضَالٌ" رَوَاه أبو دَاوُدَ بمَعْناه (٥). وقِيَاسُهُم يُعَارِضُ صَرِيحَ النَّصِّ،
стр. 4143
وكيف يجوزُ تَرْكُ نَصِّ النبيِّ ﷺ وصَرِيحِ قوله بقِيَاسِ نَصِّه في مَوْضِعٍ آخَر! على أنَّ الإِبِلَ تُفَارِقُ الغَنَمَ، لِضَعْفِها، وقِلَّةِ صَبْرِها عن الماءِ.
فصل: فإن كانت الصُّيُودُ مُسْتَوْحِشَةً، إذا تُرِكَتْ رَجَعَتْ إلى الصَّحْرَاءِ، وعَجَزَ عنها صاحِبُها، جازَ الْتِقاطُها؛ لأنَّ تَرْكَها أضْيَعُ لها من سائِر الأموالِ، والمَقْصُودُ حِفْظُها لِصَاحبِها، لا حِفْظُها في نَفْسِها، ولو كان المَقْصُودُ حِفْظَها في أنْفُسِها لَما جازَ الْتِقاطُ الأَثْمانِ، فإنَّ الدِّينارَ دِينارٌ حيثما كان.
فصل: والبَقَرةُ كالإِبِلِ. نَصَّ عليه أحمدُ. وهو قولُ الشافِعِيِّ، وأبى عُبَيْدٍ. وحُكِى عن مالِكٍ أنَّ البَقَرةَ كالشَّاةِ. ولَنا، خَبَرُ جَرِيرٍ فإنه طَرَدَ البَقَرةَ ولم يَأْخُذْها، ولأنَّها تَمْتَنِعُ عن صِغَارِ السِّباعِ، وتُجْزِىءُ في الأُضحِيَةِ والهَدْىِ عن سَبْعَةٍ، فأشْبَهَتِ الإِبِلَ. وكذا الحُكْمُ في الخَيْلِ والبِغَالِ. فأمَّا الحُمُرُ، فجَعَلَها أصْحابُنا من هذا القِسْمِ الذي لا يجوزُ الْتِقَاطُه؛ لأنَّ لها أجْسامًا كبيرةً (٦) عَظِيمةً، فأشْبَهَتِ البِغَالَ والخَيْلَ، ولأنَّها من الدّوَابِّ، فأشْبَهَتِ البِغَالَ. والأَوْلَى إلْحاقُها بالشَّاةِ؛ لأنَّ النبيَّ ﷺ عَلَّلَ الإِبِلَ بأنَّ معها حِذَاءَها وسِقَاءَها. يُرِيدُ شِدَّةَ صَبْرِها عن الماءِ؛ لِكَثْرَةِ ما تُوعِى في بُطُونِها منه، وقُوَّتِها على وُرُودِه، وفى إباحَةِ ضَالَّةِ الغَنَمِ بأنَّها مُعَرَّضَةٌ لأخْذِ الذِّئْبِ إيَّاها، بقوله: "هِىَ لَكَ، أو لِأَخِيكَ، أو لِلذِّئْبِ" (٧). والحُمُرُ مُسَاوِيةٌ للشَّاةِ في عِلَّتِها، فإنَّها لا تَمْتَنِعُ من الذِّئْبِ، ومُفَارِقَةٌ للإبِلِ في عِلتِها، فإنَّها لا صَبْرَ لها عن الماءِ، ولهذا يُضْرَبُ المَثَلُ بِقِلَّةِ صَبْرِهَا عنه، فيقال: ما بَقِىَ من مُدَّتِه (٨) إلَّا ظِمْءُ (٩) حِمَارٍ. وإلْحاقُ الشىءِ بما سَاوَاه في عِلَّةِ الحُكْمِ وفَارَقَهُ في الصُّورَةِ، أَوْلَى من إلْحاقِه بما قَارَبَهُ في الصُّورَةِ وفارَقَهُ في العِلَّةِ. فأمَّا غيرُ الحَيَوانِ، فما كان منه يَنْحَفِظُ بِنَفْسِه، كأحْجارِ
стр. 4144
الطَّوَاحِينِ، والكَبِيرِ من الخَشَبِ، وقُدُورِ النُّحَاسِ، فهو كالإِبِلِ في تَحْرِيمِ أخْذِه، بل أَوْلَى منه؛ لأنَّ الإِبِلَ تَتَعَرَّضُ في الجُمْلَةِ لِلتَّلَفِ، إمَّا بالأسَدِ، وإمَّا بالجُوعِ أو العَطَشِ (١٠)، وغيرِ ذلك، وهذه بخِلَافِ ذلك، ولأنَّ هذه لا تَكادُ تَضِيعُ عن صاحِبِها ولا تَبْرَحُ من مَكَانِها بخِلَافِ الحَيَوانِ، فإذا حُرِّمَ أخْذُ الحَيَوانِ، فهذه أوْلَى.
فصل: فإن أخَذَ هذا الحَيَوانَ الذي لا يجُوزُ أخْذُه على سَبِيلِ الالْتِقاطِ، ضَمِنَه، إمَامًا كان أو غيرَه؛ لأنَّه أخَذَ مِلْكَ غيره بغيرِ إذْنِه، ولا إذْنِ الشَّارِعِ له، فهو كالغاصِبِ. فإن رَدَّه إلى مَوْضِعِه، لم يَبْرَأْ من الضَّمانِ. وبهذا قال الشافِعِيُّ. وقال مالِكٌ: يَبْرَأُ؛ لأنَّ عمرَ، رَضِىَ اللهُ عنه، قال: أرْسِلْهُ في المَوْضِعِ الذي أصَبْتَه فيه. وجَرِيرٌ طَرَدَ البَقَرةَ التي لَحِقَتْ بِبَقَرِه. ولَنا، أنَّ ما لَزِمَه ضَمَانُه لا يَزُولُ عنه (١١) إلَّا بِرَدِّه إلى صاحِبِه أو نائِبِه، كالمَسْرُوقِ والمَغْصُوبِ. وأمَّا حَدِيثُ جَرِيرٍ، فإنَّه لم يَأْخُذِ البَقَرةَ، ولا أخَذَها رَاعِيه، إنَّما لَحِقَتْ بالبَقَرِ، فطَرَدَها عنها، فأشْبَه ما لو دَخَلَتْ دَارَه فأخْرَجَها. فعلى هذا، متى لم يَأْخُذْها بحيثُ ثَبَتَتْ يَدُه عليها، لا يَلْزَمُه ضَمَانُها، [سواءٌ طَرَدَها أو لم يَطْرُدْها. وإن أخَذَها فلَزِمَه (١٢) ضَمَانُها] (١٣)، فدَفَعَها إلى الإِمامِ أو نائِبِه، زالَ عنه الضَّمانُ؛ لأنَّ له نَظَرًا في ضَوَالِّ النَّاس، بِدَلِيلِ أنَّ له أخْذَها، فكان نائِبًا عن أصْحَابِها فيها.
فصل: وللإِمامِ أو نائِبِه أخْذُ الضَّالَّةِ على وَجْهِ الحِفظِ لِصَاحِبِها؛ لأنَّ عمرَ، ﵁، حَمَى مَوضِعًا يُقال له (١٤) النَّقيعُ لِخَيْلِ المُجَاهِدِينَ والضَّوَالِّ (١٥)، ولأنَّ للإِمَامِ نَظَرًا في حِفْظِ مالِ الغائِبِ، وفى أخْذِ هذه حِفْظٌ لها عن الهَلَاكِ. ولا يَلْزَمُه
стр. 4145
تَعْرِيفُها؛ لأنَّ عمرَ، رَضِىَ اللَّه عنه، لم يكُنْ يُعَرِّفُ الضَّوَالَّ. ولأنَّه إذا عُرِفَ ذلك، فمَن كانت له ضَالّةٌ فإنَّه يَجِىءُ إلى مَوْضِعِ (١٦) الضَّوَالِّ، فإذا عَرَفَ ضَالَّتَه أقامَ البَيِّنةَ عليها وأخَذَها، ولا يُكْتَفَى فيها بالصِّفَةِ؛ لأنَّها ظاهِرَةٌ بين الناسِ، فيَعْرِفُ صِفَاتِها مَن رَآها من غيرِ أهْلِها، فلا تكونُ الصِّفَةُ لها دَلِيلًا على مِلْكِه لها. ولأنَّ الضَّالّةَ قد كانت ظاهِرَةً بين الناسِ حين كانت في يَدِ مالِكِها، فلا يَخْتَصُّ هو بمَعْرِفةِ صِفَاتِها دُونَ غيرِه، فلم يكُنْ ذلك دَلِيلًا، ويُمْكِنُه إقامَةُ البَيِّنةِ عليها لِظُهُورِها للناسِ، ومَعْرِفَةِ خُلَطائِه وجِيرَانِه بِمِلْكِه إيَّاها.
فصل: وإن أخَذَها غيرُ الإِمامِ أو نائِبُه لِيَحْفَظَها لِصَاحِبها، لم يَجُزْ له ذلك، ولَزِمَه ضَمَانُها؛ لأنَّه لا وِلَايةَ له على صاحِبِها. وهذا ظاهِرُ مذهبِ الشافِعِيِّ. ولأصْحَابِه وَجْهٌ، أنَّ له أخْذَها لحِفْظِها، قِيَاسًا على الإِمَامِ. ولا يَصِحُّ؛ لأنَّ النبيَّ ﷺ مَنَعَ أخْذَها من غيرِ تَفرِيقٍ بين قاصِدِ الحِفْظِ وقاصِدِ الالْتِقَاطِ، ولا يَصِحُّ القِيَاسُ على الإِمامِ؛ لأنَّ له وِلَايَةً، وهذا لا وِلَايةَ له. وإن وَجَدَها في مَوْضِعٍ يَخَافُ عليها به، مثل أن يَجِدَها بأرْضِ مَسْبَعَةٍ، يَغْلِبُ على الظَّنِّ أن الأسَدَ يَفْتَرِسُها إن تُرِكَتْ به، أو قريبًا (١٧) من دارِ الحَرْبِ، يخَافُ عليها من أهْلِها، أو بمَوْضِعٍ يَسْتَحِلُّ أهْلُه أمْوالَ المُسْلِمينَ، كوادِى التَّيْمِ، أو في بَرِّيَّةٍ لا ماءَ بها ولا مَرْعَى، فالأَولَى جَوَازُ أخْذِها لِلْحِفْظِ، ولا ضَمَانَ على آخِذِها؛ لأنَّ فيه إنْقَاذَها من الهَلَاكِ، فأشْبَه تَخْلِيصَها من غَرَقٍ أو حَرِيقٍ. فإذا حَصَلَتْ في يَدِه، سَلَّمَها إلى نائِبِ الإِمِامِ، وبَرِىءَ من ضَمَانِها، ولا يَمْلِكُها بالتَّعْرِيفِ؛ لأنَّ الشَّرْعَ لم يَرِدْ بذلك فيها.
فصل: وما يَحْصُلُ عند الإِمامِ من الضَّوَالِّ، فإنَّه يُشْهِدُ عليها، ويَسِمُها بأنَّها ضَالّةٌ، ثم إن كان له حِمًى تَرْعَى فيه، تَرَكَها فيه إن رَأَى ذلك، وإن رَأى المَصْلَحةَ
стр. 4146
في بَيْعِها [وحِفْظِ ثَمَنِها] (١٨)، أو لم يكُنْ له حِمًى، باعَها بعدَ أن يَحْلِيَها، ويَحْفَظَ صِفَاتِها، ويَحْفَظُ ثَمَنَها لِصَاحِبِها، فإنَّ ذلك أحْفَظُ لها؛ لأنَّ ترْكَها يُفْضِى إلى أن تأْكُلَ جَمِيعَ ثَمَنِها.
فصل: ومَنْ تَرَكَ دَابَّةً بمَهْلَكَةٍ، فأخَذَها إنْسانٌ، فأطْعَمَها وسَقَاها وخَلَّصَها، مَلَكَها. وبه قال اللَّيْثُ، والحَسَنُ بن صالحٍ، وإسحاقُ. إلَّا أن يكونَ تَرَكَها لِيَرْجِعَ إليها، أو ضَلَّتْ منه. وقال مالِكٌ: هي لِمالِكِها الأَوَّل، ويَغْرَمُ ما أنْفَقَ عليها. وقال الشافِعِيُّ، وابنُ المُنْذِرِ: هي لمالِكِها، والآخَرُ مُتَبَرِّعٌ بالنَّفَقَةِ، لا يَرْجِعُ بشيءٍ؛ لأنَّه مِلْكُ غيرِه، فلم يَمْلِكْه بغيرِ عِوَضٍ من غيرِ رِضَاه، [كما لو كانتْ في غيرِ مَهْلَكَةٍ، ولا يَمْلِكُ الرُّجُوعَ؛ لأنَّه أنْفَقَ على مالِ غيرِه بغيرِ إذْنِه، فلم يَرْجِعْ بشيءٍ، كما لو بَنَى دَارَه] (١٨). ولَنا، ما رَوَى الشَّعبِىُّ، أنَّ رسولَ اللَّه ﷺ قال: "مَنْ وَجَدَ دَابّةً قَدْ عَجَزَ عنها أهْلُها، فَسَيَّبُوهَا، فأخَذَها، فأحْيَاهَا، فَهِىَ لَهُ". قال [عُبَيْد اللَّه بن حُمَيْد بن] (١٩) عبد الرحمنِ: فقلت - يَعْنِى لِلشَّعْبِيِّ -: مَنْ حَدَّثَكَ بهذا؟ قال: غيرُ واحدٍ من أصْحابِ رسولِ اللهِ ﷺ . رَوَاه أبو دَاوُدَ بإسْنَادِه (٢٠). وفى لَفْظٍ عن الشَّعْبِيِّ، عن النبيِّ ﷺ ، أنَّه قال: "مَنْ تَرَكَ دَابّةً بمَهْلَكَةٍ، فَأحْياهَا رَجُلٌ، فَهِىَ لِمَنْ أحْياهَا". ولأنّ في الحُكْمِ بمِلْكِها إحْياءَها وإنْقَاذَها من الهَلَاكِ، وحِفْظًا للمالِ عن الضَّيَاعِ، ومُحَافَظَةً على حُرْمَةِ الحَيَوانِ، وفى القول بأنها لا تُمْلَكُ تَضْيِيعٌ لذلك كلِّه، من غيرِ مَصْلَحةٍ تَحْصُلُ، ولأنَّه نُبِذَ رَغْبةً عنه وعَجْزًا عن أخْذِه،
стр. 4147
[فمَلَكَه آخِذُه] (٢١)، كالسَّاقِطِ من السُّنْبُلِ، وسائِر ما يَنْبِذُه الناسُ رَغْبَةً عنه.
فصل: وإن تَرَكَ مَتاعًا، فخَلَّصَهُ إنْسانٌ، لم يَمْلِكْه؛ لأنَّه لا حُرْمَةَ له في نَفْسِه، ولا يُخْشَى عليه التَّلَفُ، كالخَشْيَةِ على الحَيَوانِ، فإنَّ الحَيَوانَ يَمُوتُ إذا لم يُطْعَمْ ويُسْقَى، وتَأْكُلُه السِّبَاعُ، والمَتَاعُ يَبْقَى حتى يَرْجِعَ إليه صاحِبُه. وإن كان المَتْرُوكُ عَبْدًا، لم يُمْلَكْ بأخْذِه؛ لأنَّ العَبْدَ في العادَةِ يُمْكِنُه التَّخَلُّصُ إلى الأماكِنِ التي يَعِيشُ فيها، بخِلَافِ البَهِيمَةِ. وله أخْذُ العَبْدِ والمتَاعِ لِيُخَلِّصَه لِصَاحِبِه، وله أجْرُ مِثْلِه في تَخْلِيصِ المتَاعِ. نَصَّ عليه، وكذلكَ في العَبْدِ على قِيَاسِه. قال القاضي: يَجِبُ أن يُحْمَلَ قولُه في وُجُوبِ الأجْرِ، على أنَّه جَعَلَ له ذلك أو أمَرَه (٢٢) به، فأمَّا إن لم يَجْعَلْ له شيئا، فلا جُعْلَ له؛ لأنَّه عَمِلَ في مالِ غيرِه بغير جُعْلٍ، فلم يَسْتَحِقَّ شيئا، كالمُلْتَقِطِ. وهذا خِلَافُ ظاهِرِ كلامِ أحمدَ؛ فإنَّه لو جَعَلَ له جُعْلًا لَاسْتَحَقَّه، ولم يَجْعَلْ له أجْرَ المِثْلِ، ويُفَارِقُ هذا المُلْتَقِطَ، فإنَّ المُلْتَقِطَ لم يُخَلِّص اللُّقَطَةَ من الهَلَاكِ، ولو تَرَكَها أمكنَ أن يَرْجِعَ صاحِبُها فيَطْلُبَها في (٢٣) مَكَانِها فيَجِدَها، وههُنا إن لم يُخْرِجْه هذا ضَاعَ وهَلَكَ، ولم يَرْجِعْ إليه صاحِبُه، ففى جَعْلِ الأجْرِ فيه حِفْظٌ لِلْأمْوالِ من غيرِ مَضَرَّةٍ، فجازَ ذلك، كالجُعْلِ في الآبِقِ، ولأنّ اللُّقَطَةَ جَعَلَ فيها الشارِعُ ما يَحُثُّ على أخْذِها، وهو مِلْكُها إن لم يَجِئ صاحِبُها، فاكْتَفَى به عن الأجْرِ، فيَنْبَغِى أن يْشْرَعَ في هذا ما يَحُثُّ على تَخْلِيصِه بطَرِيقِ الأوْلَى، وليس إلَّا الأجْرُ. فأمَّا ما ألْقَاهُ رُكَّابُ البَحْرِ فيه، خَوْفًا من الغَرَقِ، فلم أعْلَمْ لأصْحَابِنا فيه قولًا، سوى عُمُومِ قَوْلِهم الذي ذَكَرْناه. ويَحْتَمِلُ أن يَمْلِكَ هذا مَنْ أَخَذَه. وهو قول اللَّيْثِ بن سَعْدٍ. وبه قال الحَسَنُ، في مَن أخْرَجَه، قال: وما نَضبَ عنه الماءُ فهو لأَهْلِه.
стр. 4148
وقال ابنُ المُنْذِرِ: يَرُدُّه على أصْحابِه، ولا جُعْلَ له. ويَقْتَضِيه قولُ الشّافِعِيِّ والقاضى؛ لما تَقَدَّمَ. ومُقْتَضَى (٢٤) قولِ الإِمامِ أبى عبدِ اللَّه، أنَّ لمن أنْقَذَه أجْرَ مِثْلِه؛ لما ذَكَرْنا. وَوَجْهُ ما ذَكَرْناه من الاحْتِمالِ أنَّ هذا مالٌ ألْقَاهُ صاحِبُه فيما يَتْلَفُ بِتَرْكِه فيه اختِيارًا منه، فمَلَكَه مَنْ أخَذَه، كالذى أَلْقَوْهُ رَغْبةً عنه، ولأنَّ فيما ذَكَرُوه تَحْقِيقًا لإِتلَافِه، فلم يَجُزْ، كمُباشَرَتِه بالإِتْلَافِ. فأمَّا إن انْكَسَرَتِ السَّفِينَةُ، فأخْرَجَهُ قَوْمٌ، فقال مالِكٌ: يَأْخُذُ أصْحابُ المتَاعِ مَتَاعَهُم، ولا شىءَ للذى أصَابُوه. وهذا قولُ الشافِعِيِّ، وابنِ المُنْذِرِ، والقاضى. وعلى قِيَاسِ نَصِّ أحمدَ يكونُ لِمُسْتَخْرِجِه ههُنا (٢٥) أجْرُ المِثْلِ؛ لأنَّ ذلك وَسِيلةٌ إلى تَخْلِيصِه، وحِفْظِه لِصَاحِبِه، وصِيَانَتِه عن الغَرَقِ، فإنَّ الغَوَّاصَ إذا عَلِمَ أنَّه يُدْفَعُ إليه الأجْرُ، بادَرَ إلى التَّخْلِيصِ لِيُخَلِّصَه، وإن عَلِمَ أنَّه يُؤْخَذُ منه بغيرِ شيءٍ، لم يُخَاطِرْ بِنَفْسِه في اسْتِخْرَاجِه، فيَنْبَغِى أن يُقْضَى له بالأجْرِ، كجُعْلِ رَدِّ الآبِقِ.
فصل: ذَكَرَ القاضي فيما إذا الْتَقَطَ عَبْدًا صَغِيرًا، أو جارِيةً، أنَّ قِيَاسَ المَذْهَبِ أنَّه لا يَمْلِكُ بالتَّعْرِيفِ. وقال الشافِعِيُّ: يَمْلِكُ العَبْدَ دون الجارِيَةِ، لأنَّ التَّملُّكَ بالتَّعْرِيفِ عندَه اقْتِرَاضٌ، والجارِيَةُ عنده لا تُمْلَكُ بالقَرْضِ. وهذه المَسْأَلَةُ فيها نَظَرٌ؛ فإنَّ اللَّقِيطَ مَحْكُومٌ بِحُرِّيَتِه، فإن كان ممَّن يُعَبِّرُ عن نَفْسِه، فأقَرَّ بأنَّه مَمْلُوكٌ، لم يُقْبَلْ إقْرَارُه؛ لأنَّ الطِّفْلَ لا قَوْلَ له، ولو اعْتُبِرَ قَوْلُه في ذلك، لَاعْتُبِرَ في تَعْرِيفِه سَيِّدَه، واللَّه أعلمُ.
стр. 4149
كتاب اللَّقِيطِ
وهو الطِّفْلُ المَنْبُوذُ. واللَّقِيطُ بمَعْنَى المَلْقُوطِ، فَعِيلٌ بمَعْنَى مَفْعُولٍ، كقَوْلِهم: قَتِيلٌ وجَرِيحٌ وطَرِيحٌ. والْتِقَاطُه واجِبٌ؛ لقولِ اللهِ تعالى: ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى﴾ (١). ولأنَّ فيه إحْياءَ نَفْسِه، فكان واجِبًا، كإطْعَامِه إذا اضْطُرَّ، وإنْجَائِه من الغَرَقِ. ووُجُوبُه على الكِفَايةِ، إذا قامَ به واحدٌ سَقَطَ عن الباقِينَ، فإن تَرَكَه الجَماعةُ، أَثِمُوا كُلُّهم، إذا عَلِمُوا فتَرَكُوه مع إمْكانِ أخْذِه. ورُوِى عن سُنَيْنٍ أبى جَمِيلَةَ، قال: وَجَدْتُ مَلْفُوفًا (٢)، فأتَيْتُ به عمرَ، رَضِىَ اللَّه عنه، فقال عَرِيفِى: يا أمِيرَ المُؤْمِنِينَ، إنَّه رَجُلٌ صالِحٌ. فقال عمرُ: أكذلك هو؟ قال: نعم. قال فَاذْهَبْ فهو حُرٌّ، ولك وَلاؤُه، وعلينا نَفَقَتُه. رَوَاه سَعِيدٌ (٣)، عن سُفْيَانَ، عن الزُّهْرِيِّ، سَمِعَ سُنَيْنًا أُبَا جَمِيلَةَ بهذا، وقال: عَلَيْنا رَضَاعُهُ.
٩٥٠ - مسألة؛ قال: (واللَّقِيطُ حُرٌّ)
وجملةُ ذلك أنَّ اللَّقِيطَ حُرٌّ، في قولِ عَامَّةِ أهْلِ العِلْمِ، إلَّا النَّخَعِىَّ. قال ابنُ المِنْذِرِ: أجْمَعَ عَوَامُّ أهْلِ العِلْمِ على أن اللَّقِيطَ (١) حُرٌّ. رُوِىَ هذا القولَ عن عمرَ وعَلِىٍّ، رَضِىَ اللَّه عنهما. وبه قال عمرُ بن عبد العزيزِ، والشَّعْبِىُّ والحَكَمُ، وحَمَّادٌ، ومالِكٌ،
стр. 4150
والثَّوْرِىُّ والشافِعِىُّ، وإسحاقُ، وأصْحابُ الرأى، ومَن تَبِعَهُم. وقال النَّخَعِىُّ: إن الْتَقَطَه لِلْحِسْبَةِ (٢)، فهو حُرٌّ، وإن كان أرَادَ أن يَسْتَرِقَّه، فذلك له. وذلك قَوْلٌ شَذَّ فيه عن الخُلَفاءِ والعُلَماءِ، ولا يَصِحُّ في النَّظَرِ؛ فإنَّ الأصْلَ في الآدَمِيِّينَ الحُرِّيَّةُ، فإنَّ اللهَ تعالى خَلَقَ آدَمَ وذُرِّيَّتَهُ أحْرَارًا، وإنَّما الرِّقُّ لِعَارِضٍ، فإذا لم يُعْلَمْ ذلك العارِضُ، فله حُكْمُ الأَصْلِ.
فصل: ولا يَخْلُو اللَّقِيطُ من أن يُوجَدَ في دارِ الإِسلامِ، أو في دارِ الكُفْرِ، فأما دارُ الإِسلامِ فضَرْبانِ؛ أحدُهما، دارٌ اخْتَطَّها المسلمون، كبَغْدَادَ والبَصْرَةِ والكُوفَةِ، فَلَقِيطُ هذه مَحْكُومٌ بإسْلَامِه، وإن كان فيها أهْلُ الذِّمَّةِ تَغْلِيبًا للإِسْلامِ ولِظَاهِرِ الدَّارِ، ولأنَّ الإِسلامَ يَعْلُو ولا يُعْلَى عليه. الثاني، دارٌ فَتَحَها المسلمون، كمَدَائِن الشَّامِ، فهذه إن كان فيها مُسْلِمٌ واحِدٌ حُكِمَ بإسْلَامِ لَقِيطِها؛ لأنَّه يَحْتَمِلُ أن يكونَ لذلك المُسْلِمِ، تَغْلِيبًا للإِسلامِ، وإن لم يكنْ فيها مُسْلِمٌ، بل كلُّ أهْلِها ذِمَّةٌ حُكِمَ بِكُفْرِه؛ لأن تَغْلِيبَ حُكْمِ الإِسلامِ إنَّما يكونُ مع الاحْتِمالِ. وأما بَلَدُ الكُفَّارِ فضَرْبانِ أيضًا؛ أحدُهما، بَلَدٌ كان لِلمسلمين، فغَلَبَ الكُفَّارُ عليه، كالسَّاحِلِ، فهذا كالقِسْمِ الذي قبلَه، إن كان فيه (٣) مُسْلِمٌ واحدٌ حُكِمَ بإسْلَامِ لَقِيطِه، وإن لم يكُنْ فيه (٣) مُسْلِمٌ فهو كافِرٌ. وقال القاضي: يُحْكَمُ بإسْلَامِه أيضًا؛ لأنَّه يَحْتَمِلُ أن يكونَ فيه مُؤْمِنٌ يَكْتُمُ إيمَانَه، بخِلَافِ الذي قَبْلَه، فإنَّه لا حاجَةَ به إلى كَتْمِ إيمَانِه في دارِ الإِسلام. وإن كان في (٤) بَلَدٍ كان لِلْمسلِمين، ثم غَلَبَ عليه المشركون، ثم ظَهَرَ عليه المسلمون، وأقَرُّوا فيه أهْلَه بالجِزْيَةِ، فهذا كالقِسْمِ الثاني من دارِ الإِسلامِ. الثاني، دارٌ لم تكُنْ لِلمسلمين أصْلًا، كبِلَادِ الهِنْدِ والرُّومِ، فإن لم يكُنْ فيها مُسْلِمٌ، فَلَقِيطُها كافِرٌ؛ لأنَّ الدَّارَ لهم وأهْلُها منهم، وإن كان فيها مسلمون كالتُّجّارِ وغيرِهِم، احْتَمَلَ أن
стр. 4151
يُحْكَمَ بإسْلَامِه، تَغْلِيبًا للإِسلامِ، واحْتَمَلَ أن يُحْكَمَ بِكُفْرِه، تَغْلِيبًا لِلدَّارِ والأَكْثَرِ. وهذا التَّفْصِيلُ كلُّه مذهبُ الشافِعِيِّ. قال ابنُ المُنْذِرِ: أجْمَعَ عَوَامُّ أهْلِ العِلْمِ، على أنَّ الطِّفْلَ إذا وُجِدَ في بِلادِ المسلمين، مَيِّتًا في أيِّ مكانٍ وُجِدَ، أنَّ غُسْلَه ودَفْنَهُ في مَقَابِرِ المسلمين يَجِبُ، وقد مَنَعُوا أن يُدْفَنَ أطْفَالُ المشركين في مَقَابِرِ المسلمين. قال: وإذا وُجِدَ لَقِيطٌ في قَرْيةٍ ليس فها إلَّا مُشْرِكٌ، فهو على ظاهِرِ ما حَكَمُوا به أنَّه كافِرٌ. هذا قولُ أصْحابِ (٥) الشافِعِيِّ وأصْحابِ الرَّأْىِ.
فصل: وفي المَوْضِعِ الذي حَكَمْنا بإسْلَامِه، إنَّما يَثْبُتُ ذلك ظاهِرًا لا يَقِينًا؛ لأنَّه يَحْتَمِلُ أن يكونَ وَلَدَ كافِرٍ، فلو أقَامَ كافِرٌ بَيِّنةً أنَّه وَلَدُه وُلِدَ على فِرَاشِه، حَكَمْنا له به. وإذا بَلَغَ اللَّقِيطُ حَدًّا يَصِحُّ فيه إسْلَامُه وردَّتُه، فوَصَفَ الإِسْلَامَ فهو مُسْلِمٌ، سواءٌ كان ممَّن حُكِمَ بإسْلَامِه أو كُفْرِه، وإن وَصَفَ الكُفْرَ، وهو ممَّن حُكِمَ بإسْلَامِه، فهو مُرْتَدٌّ لا يُقَرُّ على كُفْرِه. وبهذا قال أبو حنيفةَ. وذَكَرَ القاضي وَجْهًا، أنَّه يُقَرُّ على كُفرِه. وهو مَنْصُوصُ الشافِعِيِّ؛ لأنَّ قَوْلَه أقْوَى من ظاهِرِ الدَّارِ. وهذا وَجْهٌ مُظْلِمٌ؛ لأنَّ دَلِيلَ الإِسْلَامِ وُجِدَ عَرِيًّا عن المُعَارِضِ، وثَبَتَ حُكْمُه، واسْتَقَرَّ، فلم يَجُزْ إزَالةُ حُكْمِه بقَوْله، كما لو كان ابنَ مُسْلِمٍ. وقوله لا دَلَالَةَ فيه أصْلًا؛ لأنَّه لا يَعْرِفُ في الحال مَنْ كان أبُوه، ولا ما كان دِينُه، وإنَّما يقولُ هذا من تلْقَاءِ نَفْسِه، فعلى هذا إذا بَلَغَ اسْتُتِيبَ ثَلَاثًا، فإن تابَ وإلَّا قُتِلَ. فأمَّا على قَوْلِهم، فقال القاضي: إن وَصَفَ كُفْرًا، يُقَرُّ أهْلُه عليه بالجزْيةِ، عُقِدَتْ له الذِّمَّةُ، فإن امْتَنَع من الْتِزَامِها، أو وَصَفَ كُفْرًا لا يُقَرُّ أهْلُه عليه، أُلْحِقَ بمَأْمَنِه. وهذا بَعِيدٌ جِدًّا؛ فإنَّ هذا اللَّقِيطَ لا يَخْلُو من أن يكونَ ابنَ وَثَنِيٍّ حَرْبِيٍّ، فهو حاصِلٌ في يَدِ المسلمين بغيرِ عُهْدَةٍ ولا عَقْدٍ، فيكونُ لواجِدِه، ويَصِيرُ مُسْلِمًا بإسلامِ سَابِيهِ، أو يكونَ ابنَ ذِمّيَّيْنِ، أو أحَدهما ذِمِّيّ، فلا يُقَرُّ على الانْتِقالِ إلى غيرِ دِينِ أهْلِ الكِتَابِ، أو يكونَ ابنَ مُسْلِمٍ أو ابنَ مُسْلِمَيْنِ، فيكون
стр. 4152
مُسْلِمًا. قال أحمدُ، في أَمَةٍ نَصْرَانِيَّةٍ، وَلَدَتْ من فُجُورٍ: وَلَدُها مُسْلِمٌ؛ لأنَّ أبَوَيْه يُهَوِّدَانِه ويُنَصِّرَانِه، وهذا ليس معه إلَّا أُمُّهُ. وإذا لم يكُنْ لهذا الوَلَدِ حالٌ يَحْتَمِلُ أن يُقَرَّ فيها على دِينٍ لا يُقَرُّ أهْلُه عليه، فكَيْفَ يُرَدُّ إلى دارِ الحَرْبِ.
فصل: إذا جَنَى اللَّقِيطُ جِنَايةً تَحْمِلُها العاقِلَةُ، فالعَقْلُ على بَيْتِ المالِ؛ لأنَّ مِيرَاثَه له، ونَفَقَتَه عليه. وإن جَنَى جِنَايةً لا تَحْمِلُها العاقِلَةُ، فحُكْمُه فيها حُكْمُ غيرُ (٦) اللَّقِيطِ؛ إن كانت تُوجِبُ القِصَاصَ وهو بالِغٌ عاقِلٌ، اقْتُصَّ منه، وإن كانت مُوجِبَةً للمالِ وله مالٌ، اسْتُوْفِىَ منه، وإلَّا كان في ذِمَّتِه حتى يُوسِرَ. وإن جُنِىَ عليه في النَّفْسِ جِنَايةً تُوجِبُ الدِّيَةَ، فهى لِبَيْتِ المالِ؛ لأنَّه وارِثُه. وإن كان عَمْدًا مَحْضًا، فالإِمامُ مُخَيَّرٌ بين اسْتِيفاءِ القِصَاصِ إن رَآهُ أحَظَّ لِلْمَلَاقِيطِ، والعَفْوِ على مالٍ. وبهذا قال الشافِعِيُّ، وابنُ المُنْذِرِ، وأبو حنيفةَ، إلَّا أنَّه يُخَيِّرُه بين القِصَاصِ والمُصَالَحةِ؛ وذلك لقولِ النبيِّ ﷺ : "فَالسُّلْطَانُ وَلِىُّ مَنْ لا وَلِىَّ لَهُ" (٧). وإن جُنِىَ عليه فيما دون النَّفْسِ جِنَايَةً تُوجِبُ الأَرْشَ قبلَ بُلُوغِه، فلِوَلِيِّهِ أخْذُ الأَرْشِ. وإن كانت عَمْدًا مُوجِبَةً للقِصَاصِ، ولِلَّقِيطِ مالٌ يَكْفِيه، وَقَفَ الأمْرُ على بُلُوغِه لِيَقْتَصَّ أو يَعْفُوَ، سواءٌ كان عاقِلًا أو مَعْتُوهًا. وإن لم يكُنْ له مالٌ، وكان عاقِلًا، انْتُظِرَ بُلوغُه أيضًا، وإن كان مَعْتُوهًا فَلِلْوَلِيِّ العَفْوُ على مالٍ يَأْخُذُه له؛ لأنَّ المَعْتُوهَ ليس له حالٌ مَعْلُومةٌ مُنْتَظَرَةٌ، فإنَّ ذلك قد يَدُومُ به، والعاقِلُ له حالٌ مُنْتَظَرَةٌ، فافْتَرَقَا. وفى الحال التي يَنْتَظِرُ بُلُوغَه، فإنَّ الجانِىَ يُحْبَسُ حتى يَبْلُغَ اللَّقِيطُ، فيَسْتَوْفِىَ لِنَفْسِه. وهذا مذهبُ الشافِعِيِّ، وقد
стр. 4153
رُوِىَ عن أحمدَ رِوَايةٌ أخرى، أنَّ للإِمَامِ اسْتِيفَاءَ القِصَاصِ له. وهو مذهبُ أبى حنيفةَ؛ لأنَّه أحَدُ نَوْعَىِ القِصَاصِ. فكان للإِمَامِ اسْتِيفاؤُه عن اللَّقِيطِ، كالقِصَاصِ في النَّفْسِ. ولَنا، أنه قِصَاصٌ لم يَتَحَتَّم اسْتِيفاؤُه، فوَقَفَ على قَوْلِه، كما لو كان بالِغًا غائِبًا، وفارَقَ القِصَاصَ في النَّفْسِ، فإنَّ القِصَاصَ ليس هو له، إنَّما هو لِوَارِثِه، والإِمامُ المُتَوَلِّى له.
فصل: وإن قَذَفَ اللَّقِيطُ بعدَ بُلُوغِه مُحْصَنًا، حُدَّ ثَمَانِينَ؛ لأنَّه حُرٌّ. وإن قَذَفَه قاذِفٌ، وهو مُحْصَنٌ، فعليه الحَدُّ؛ لأنَّه مَحْكُومٌ بِحُرِّيّتِه. فإن ادَّعَى القاذِفُ أنَّه عَبْدٌ، فصَدَّقَه اللَّقِيطُ، سَقَطَ الحَدُّ؛ لإِقْرارِ المُسْتَحِقِّ بِسُقُوطِ الحَدِّ، ويَجِبُ التَّعْزِيرُ، لِقَذْفِه مَنْ ليس بمُحْصَنٍ. وإن كَذَّبَه اللَّقِيطُ، وقال: إنِّي حُرٌّ فالقولُ قولُه؛ لأنَّه مَحْكُومٌ بِحُرِّيَّتِه، فقولُه مُوَافِقٌ لِلظّاهِرِ، ولذلك أوْجَبْنا عليه حَدَّ الحُرِّ إذا كان قاذِفًا، وأوْجَبْنا له القِصَاصَ، وإن كان الجانِى حُرًّا. ويَحْتَمِلُ أن يكونَ القولُ قولَ القاذِفِ؛ لأنَّه يَحْتَمِلُ صِحَّةَ ما قالَه، بأن يكونَ ابنَ أمَةٍ، فيكونَ ذلك شُبْهةً، والحَدُّ يُدْرَأُ (٨) بالشُّبُهاتِ. وفارَقَ القِصَاصَ له إذا ادَّعَى الجانِى عليه أنه عَبْدٌ؛ لأنَّ القِصَاصَ ليس بِحَدٍّ، وإنما: وَجَبَ حَقًّا لآدَمِيٍّ، ولذلك جازَتِ المُصَالَحةُ عنه، وأخْذُ بَدَلِه، بخِلَافِ حَدِّ القَذْفِ. ويَتَخَرَّجُ مِن هذا أنَّ اللَّقِيطَ إذا كان قاذِفًا، فادَّعَى أنَّه عَبْدٌ لِيَجِبَ عليه حَدُّ العَبْدِ، قُبِلَ منه؛ لذلك. والأوّلُ أصَحُّ؛ لأنَّ كلَّ من كان مَحْكُومًا بِحُرِّيَّتِه، لا يَسْقُطُ الحَدُّ عن قاذِفِه باحْتِمالِ رِقِّه، بِدَلِيلِ مَجْهُولِ النَّسَبِ، ولو سَقَطَ الحَدُّ لهذا الاحْتِمالِ، لَسَقَطَ وإن لم يَدَّعِ القاذِفُ رِقَّه؛ لأنَّه مَوْجُودٌ وإن لم يَدَّعِه.
стр. 4154
٩٥١ - مسألة؛ قال: (ويُنْفِقُ عَلَيْهِ مِنْ بَيْتِ الْمَالِ إنْ لَمْ يُوجَدْ مَعَهُ شَيْءٌ يُنْفَقُ عَلِيْهِ)
وجملتُه أن اللَّقِيطَ إذا لم يُوجَدْ معه شيءٌ، لم يُلْزَمِ المُلْتَقِطُ بالإِنْفاقِ (١) عليه، في قول عَامَّةِ أهْلِ العِلْمِ. قال ابنُ المُنْذِرِ: [أجْمَعَ كلُّ] (٢) مَن نَحْفَظُ عنه من أهْلِ العِلْمِ، على أنَّ نَفَقَةَ اللَّقِيطِ غيرُ واجِبَةٍ على المُلْتَقِطِ، كوُجُوبِ نَفَقَةِ الوَلَدِ. وذلك لأنَّ أسْبابَ وُجُوبِ النَّفَقةِ، من القَرَابةِ، والزَّوْجِيَّةِ، والمِلْكِ، والوَلَاءِ، مُنْتَفِيَةٌ، والالْتِقَاطُ إنَّما هو تَخْلِيصٌ له من الهَلَاكِ، وتَبَرُّعٌ بحِفْظِه، فلا يُوجِبُ ذلك النَّفَقَةَ، كما لو فَعَلَه بغير اللَّقِيطِ. وتَجِبُ نَفَقَتُه في بَيْتِ المالِ؛ لقولِ عمرَ، رَضِىَ اللَّه عنه، في حَدِيثِ أبِى جَمِيلَةَ: اذْهَبْ فهو حُرٌّ، ولك وَلَاؤُه، وعلينا نَفَقَتُه (٣). وفي رِوَايةٍ: مِن بَيْتِ المالِ؛ ولأنَّ بَيْتَ المالِ وارِثُه، ومالُه مَصْرُوفٌ إليه، فتكونُ نَفَقَتُه عليه، كقَرَابَتِه ومَوْلَاهُ. فإن تَعَذَّرَ الإِنْفاقُ عليه من بَيْتِ المالِ، لِكَوْنِه لا مَالَ فيه، أو كان في مكانٍ لا إمَامَ فيه، أو لم يُعْطَ شيئا، فعلى مَنْ عَلِمَ حالَه من المُسْلِمينَ الإِنْفَاقُ عليه؛ لقَوْلِ اللَّه تعالى: ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى﴾ (٤). ولأنَّ في تَرْكِ الإِنْفاقِ عليه هَلَاكَه، وحِفْظُه عن ذلك واجِبٌ، كإنْقاذِه من الغَرَقِ. وهذا فَرْضُ كِفَايةٍ، إذا قامَ به قَوْمٌ سَقَطَ عن الباقِينَ، فإن تَرَكَه الكُلُّ أَثِمُوا. ومَنْ أنْفَقَ عليه مُتَبَرِّعًا، فلا شىءَ له، سواءٌ كان المُلْتَقِطَ أو غيرَه. وإن لم يَتَبَرَّعْ بالإِنْفاقِ عليه، فأنْفَقَ عليه المُلْتَقِطُ أو غيرُه مُحْتَسِبًا بالرُّجُوعِ عليه إذا أيْسَرَ، وكان ذلك بأمْرِ الحاكِمِ، لَزِمَ اللَّقِيطَ ذلك إذا كانت النَّفَقَةُ قَصْدًا بالمَعْرُوفِ. وبهذا قال الثَّوْرِيُّ، والشافِعِيُّ، وأصْحابُ الرأى. وإن
стр. 4155
أنْفَقَ بغير أمْرِ الحاكِمِ، مُحْتَسِبًا بالرُّجُوعِ (٥) عليه، فقال أحمدُ: تُؤَدَّى النَّفَقَةُ من بَيْتِ المالِ. وقال شُرَيْحٌ، والنَّخَعِىُّ: يَرْجِعُ عليه بالنَّفَقَةِ إذا أشْهَدَ عليه. وقال عمرُ بن عبد العزيزِ: يَحْلِفُ ما أنْفَقَ احْتِسابًا، فإن حَلَفَ اسْتُسْعِىَ (٦). وقال الشَّعْبِىُّ، ومالِكٌ، والثَّوْرِيُّ، والأوْزَاعِيُّ، وأبو حنيفةَ، ومحمدُ بن الحَسَنِ، والشافِعِىُّ، وابنُ المُنْذِرِ: هو مُتَبَرِّعٌ [لا يَرْجِعُ بشيءٍ، كما لو تَبرَّع] (٧) به. ولَنا، أنَّه أدَّى ما وَجَبَ على غيرِه، فكان له الرُّجُوعُ على مَنْ كان الوُجُوبُ عليه، كالضَّامِنِ إذا قَضَى عن المَضْمُونِ عنه. وقد ذَكَرْنا حُكْمَ هذا الأصْلِ في مَوْضِعِه.
فصل: فأمَّا إن وُجِدَ مع اللَّقِيطِ شيءٌ، فهو له، ويُنْفَقُ عليه منه. وبهذا قال الشافِعِيُّ، وأصْحابُ الرأى؛ وذلك لأنَّ الطِّفْلَ يَمْلِكُ، وله يَدٌ صَحِيحَةٌ، بِدَلِيلِ أنَّه يَرِثُ ويُورَثُ، ويَصِحُّ أن يَشْتَرِىَ له وَلِيُّه ويَبِيعَ، ومن له مِلْكٌ صَحِيحٌ، فله يَدٌ صَحِيحَةٌ، كالبالِغِ. إذا ثَبَتَ هذا، فكلُّ ما كان مُتَّصِلًا به، أو مُتَعَلِّقًا بمَنْفَعَتِه، فهو تحت يَدِه، ويَثْبُتُ بذلك مِلْكًا له في الظاهِرِ، فمن ذلك ما كان لابِسًا له، أو مَشْدُودًا في مَلْبُوسِه، أو في يَدَيْهِ، أو مَجْعُولًا فيه، كالسَّرِيرِ والسَّفَطِ (٨)، وما فيه من فَرْشٍ أو دَرَاهِمَ، والثِّيَابُ التي تَحْتَه [والتى عليه] (٩). وإن كان مَشْدُودًا على دَابَّةٍ، أو كانت مَشْدُودَةً في ثِيَابِه، أو كان في خَيْمةٍ، أو في دارٍ، فهى له. وأمَّا المُنْفَصِل عنه، فإن كان بَعِيدًا منه، فليس في يَدِه، وإن كان قَرِيبًا منه، كثَوْبٍ مَوْضُوعٍ إلى جَانِبِه، ففيه وَجْهانِ؛ أحدُهما، ليس هو له؛ لأنَّه مُنْفَصِلٌ عنه، فهو كالبَعِيدِ. والثانى، هو له. وهو أصَحُّ؛ لأنَّ الظاهِرَ أنَّه تُرِكَ له، فهو له (١٠)، بمَنْزِلةِ ما هو تحتَه، ولأنّ القَرِيبَ
стр. 4156
من البالِغِ يكونُ في يَدِه، ألا تَرَى أن الرَّجُلَ يَقْعُدُ في السُّوقِ ومَتَاعُه بِقُرْبِه، ويُحْكَمُ بأنَّه في يَدِه، والحَمَّالُ إذا جَلَس للاسْتِرَاحةِ، تَرَكَ حِمْلَه قَرِيبًا منه. فأمَّا المَدْفُونُ تَحْتَه، فقال ابنُ عقيلٍ: إن كان الحَفْرُ طَرِيًّا، فهو له، وإلَّا فلا؛ لأنَّ الظاهِرَ أنَّه إذا كان طَرِيًّا فواضِعُ اللَّقِيطِ حَفَرَه، وإذا لم يكُنْ طَرِيًّا، كان مَدْفُونًا قبل وَضْعِه، وقيل: ليس هو له بحالٍ؛ لأنَّه بمَوْضِعٍ لا يَسْتَحِقُّه إذا لم يكُنْ الحَفْرُ طَرِيًّا، فلم يكُنْ له إذا كان الحَفْرُ (١١) طَرِيًّا، كالبَعِيدِ منه، ولأنَّ الظاهِرَ أنَّه لو كان له، لَشَدَّهُ واضِعُه في ثِيَابِه (١٢)، لِيُعْلَمَ به، ولم يَتْرُكْه في مكانٍ لا يُطَّلَعُ عليه، وكلُّ ما حَكَمْنا بأنَّه ليس له (١٣) فحُكمُه حُكْمُ اللُّقَطَةِ، وما هو له أُنْفِقَ عليه منه، فإن كان فيه كِفَايَتُه، لم تَجِبْ نَفَقَتُه على أحدٍ؛ لأنَّه ذو مالٍ، فأشْبَهَ غيرَه من الناسِ. إذا ثَبَتَ هذا، فإنَّ لِمُلْتَقِطِه الإِنْفَاقَ عليه منه (١١) بغيرِ إذْنِ الحاكِمِ. ذَكَرَه أبو عبد اللَّه ابن حامِدٍ؛ لأنَّه وَلِىٌّ له، فلم يُعْتَبرْ في (١٤) الإِنْفَاقِ عليه في حَقِّه إذْنُ الحاكِمِ، كوَصِىِّ اليَتِيمِ، ولأنَّ هذا من الأمْرِ بالمَعْرُوفِ، فاسْتَوَى فيه الإِمامُ وغيرُه، كتَبْدِيدِ الخَمْرِ. ورَوَى أبو الحارِثِ، عن أحمدَ، في رَجُلٍ أوْدَعَ رَجُلًا مالًا، وغابَ، وطالَتْ غَيْبَتُه، وله وَلَدٌ ولا نَفَقَةَ له، هل يُنْفِقُ عليهم هذا المُسْتَوْدَعُ من مالِ الغائِبِ؟ فقال: تقُومُ امْرأتُه (١٥) إلى الحاكِمِ، حتى يَأْمُرَه بالإِنْفاقِ عليهم. فلم يَجْعَلْ له الإِنْفَاقَ عليهم (١٦) من غيرِ إذْنِ الحاكِمِ. فقال بعضُ أصْحابِنَا: هذا مثلُه. والصَّحِيحُ أنَّ هذا مُخالِفٌ له من وَجْهَيْنِ؛ أحدهما، أنَّ المُلْتَقِطَ له وِلَايةٌ على اللَّقِيطِ، وعلى مالِه؛ فإنَّ له وِلَايةَ أخْذِهِ وحِفْظِه. والثانى،
стр. 4157
أنَّه يُنْفِقُ على اللَّقِيطِ من مالِه، وهذا بخِلَافِه، ولأنَّ الإِنْفاقَ على الصَّبِيِّ من مالِ أبِيه مَشْرُوطٌ بكَوْنِ الصَّبِيِّ مُحْتاجًا إلى ذلك، لِعَدَمِ مالِه، وعَدَمِ نَفَقَةٍ تَرَكَها أبُوه بِرَسْمِه، وذلك لا يُقْبَلُ فيه قولُ المُودَعِ، فاحْتِيجَ إلى إثْباتِ ذلك عندَ الحاكِمِ، ولا كذلك في مَسْأَلَتِنا، فلا يَلْزَمُ من وُجُوبِ اسْتِئْذَانِ الحاكِم ثَمَّ وُجُوبُه في اللَّقِيطِ. ومتى لم يَجِدْ حاكِمًا، فله الإِنْفاقُ بكلِّ حالٍ؛ لأنَّه حالُ ضَرُورَةٍ. وقال الشافِعِيُّ: ليس له أن يُنْفِقَ بغيرِ إذْنِ الحاكِمِ في مَوْضِعٍ يَجِدُ حاكِمًا، وإن أَنْفَقَ ضَمِنَ، بمَنْزلةِ ما لو كان لأبِى الصَّغِيرِ وَدَائِعُ (١٧) عند إنْسانٍ، فأنْفَقَ عليه منه؛ وذلك لأنَّه لا وِلَايةَ له على مالِه، وإنَّما له حَقُّ الحَضَانةِ. وإن لم يَجِدْ حاكِمًا، ففى جَوَازِ الإِنْفاقِ وَجْهانِ؛ ولَنا، ما ذَكَرْناه ابْتِداءً، ولا نُسَلِّمُ أنَّه لا وِلَايةَ له على مالِه، فإنَّا قد بَيَّنَّا أنَّ له أخْذَه وحِفْظَه، وهو أَوْلَى الناسِ به، وذَكَرْنا الفَرْقَ بين اللَّقِيطِ وبين ما قاسُوا عليه. فإذا ثَبَتَ هذا، فالمُسْتَحَبُّ أن يَسْتَأْذِنَ الحاكِمَ في مَوْضِعٍ يَجِدُ حاكِمًا؛ لأنَّه أبعدُ من التُّهْمةِ، وأَقْطَعُ لِلظِّنَّةِ، وفيه خُرُوجٌ به من الخِلَافِ، وحِفْظٌ لمالِه من أن يَرْجِعَ عليه بما أَنْفَقَ. فإذا ثَبَتَ هذا، فيَنْبَغِى أن يُنْفِقَ عليه بالمَعْرُوفِ، كما ذَكَرْنا في وَلِيِّ اليَتِيمِ، فإذا بَلَغَ اللَّقِيطُ، واخْتَلَفا في قَدْرِ ما أنْفَقَ، وفى التَّفْرِيطِ في الإِنْفاقِ، فالقولُ قولُ المُنْفِقِ؛ لأنَّه أمِينٌ، فكان القولُ قولَه في ذلك، كوَلِيِّ اليَتِيمِ.
٩٥٢ - مسألة؛ قال: (وَوَلَاؤُهُ لِسَائِرِ الْمُسْلِمِينَ)
يعني مِيرَاثَه لهم، فإنَّ اللَّقِيطَ حُرُّ الأصْلِ، ولا وَلَاءَ عليه، وإنَّما يَرِثُه المسلِمون؛ لأنَّهم خُوِّلُوا كلَّ مالٍ لا مالِكَ له، ولأنَّهم (١) يَرِثُونَ مالَ مَنْ لا وَارِثَ له غيرَ اللَّقِيطِ، فكذلك اللَّقِيطُ. وقولُ الخِرَقِيِّ: "وَوَلَاؤُه لسائِرِ المُسْلِمِينَ". تَجَوُّزٌ في اللَّفْظِ، لِاشْتِرَاكِ سائِر المسلمين ومَنْ له الوَلَاءُ في أخْذِ المِيرَاثِ، وحِيَازَتِه كلِّه عندَ عَدَمِ
стр. 4158
الوارِثِ. هذا هو الظاهِرُ. وهو قولُ مالِكٍ، والشافِعِىِّ، وأكْثَرِ أهلِ العِلْمِ. وقال شُرَيْحٌ، وإسحاقُ: عليه الوَلَاءُ لِمُلْتَقِطِه؛ لما رَوَى واثِلَةُ بن الأسْقَعِ، قال: قال رسولُ اللَّه ﷺ : "المَرْأةُ تَحُوزُ ثَلَاثةَ مَوَارِيثَ؛ عَتِيقَها، ولَقِيطَهَا، ووَلَدَهَا الَّذِى لَاعَنَتْ عَلَيْهِ". أخْرَجَهُ أبو دَاوُدَ، والتِّرْمِذِىُّ (٢). وقال: حَدِيثٌ حَسَنٌ، وقال عمَرُ لأبي جَمِيلةَ في لُقَطَتِه: هو حُرٌّ، ولك وَلَاؤُه، وعلينا نَفَقَتُه (٣). ولنا: قولُ النبيِّ ﷺ : "إنَّما الوَلَاءُ لِمَنْ أَعْتَقَ" (٤). ولأنَّه لم يَثْبُتْ عليه رِقٌّ، ولا على آبائِه،
стр. 4159
فلم يَثْبُتْ عليه وَلَاءٌ، كالمَعْرُوفِ نَسَبُه، ولأنَّه إن كان ابنَ حُرَّيْنِ، فلا وَلَاءَ عليه، وإن كان ابنَ مُعتَقَيْنِ، فلا يكونُ عليه وَلَاءٌ لغيرِ مُعْتِقِهِما. وحَدِيثُ واثِلَةَ لا يثْبُتُ. قالَه ابنُ المُنْذِرِ. وخَبَرُ عمرَ، قال ابنُ المُنْذِرِ: أبو جَمِيلةَ رَجُلٌ مَجهُولٌ، لا تَقُومُ بحَدِيثِه حُجَّةٌ. ويَحْتَمِلُ أنَّ عمرَ، رَضِىَ اللَّه عنه، عَنَى بقولِه: ولك وَلَاؤُه. أي لك وِلَايَتُه، والقِيَامُ به وحِفْظُه. لذلك ذَكَرَه عَقِيبَ قولِ عَرِيفِه: إنَّه رَجُلٌ صالِحٌ. وهذا يَقتَضِى تَفْوِيضَ الوِلَايةِ إليه، لكَوْنِه مَأْمُونًا عليه دون الميرَاثِ. إذا ثَبَتَ هذا، فإنَّ حُكْمَ اللَّقِيطِ في المِيرَاثِ حُكْمُ من عُرِفَ نَسَبُه، وانْقَرَضَ أهْلُه، يُدْفَعُ إلى بَيْتِ المالِ إذا لم يكُنْ له وارثٌ. فإن كان له زَوْجَةٌ فلها الرُّبْعُ، والباقِى لِبَيْتِ المالِ. وإن كانت امْرَأةً لها زَوْجٌ، فله النِّصْفُ، والباقِى لِبَيْتِ المالِ. وإن كانت له بِنْتٌ، أو ذُو رَحِمٍ، كبِنْتِ بِنْتٍ، أَخَذَتْ جَمِيعَ المالِ؛ لأنَّ الرَّدَّ وذا الرَّحِمِ مُقَدَّمٌ (٥) على بَيْتِ المالِ. واللَّه أعلمُ.
٩٥٣ - مسألة؛ قال: (وَإنْ لَمْ يَكُنْ مَنْ وَجَدَ اللَّقِيطَ أمِينًا، مُنِعَ مِنَ السَّفَرِ بِهِ)
وجملَةُ ذلك أنَّ المُلْتَقِطَ إن كان أمِينًا أُقِرَّ اللَّقِيطُ في يَدِه؛ لأنَّ عمرَ، رَضِىَ اللَّه عنه، أقَرَّ اللَّقِيطَ في يَدِ أبي جَمِيلةَ، حين قال له (١) عَرِيفُه: إنه رَجُلٌ صالِحٌ (٢). ولأنَّه سَبَقَ إليه، فكان أَوْلَى به؛ لقَوْلِ النبيِّ ﷺ : "مَنْ سَبَقَ إلَى مَا لَمْ يَسْبِقْ إلَيْهِ مُسْلِمٌ، فَهُوَ أَحَقُّ بِهِ" (٣). وهل يَجِبُ الإِشْهَادُ عليه؟ فيه وَجْهانِ؛ أحدهما، لا يَجِبُ، [كما لا يَجِبُ] (٤) الإِشْهادُ في اللُّقَطَةِ. والثاني، يَجِبُ؛ لأنَّ القَصْدَ بالإِشْهادِ حِفْظُ النَّسَبِ والحُرِّيَّةِ، فاخْتُصَّ بوُجُوبِ الشَّهادَةِ، كالنِّكَاحِ، وفارَقَ اللُّقَطَةَ؛ فإنَّ المَقْصُودَ منها حِفْظُ المالِ، فلم يَجِب الإِشْهادُ فيها، كالبَيْعِ. فأمَّا إن كان غيرَ أمِينٍ، فظاهِرُ كَلَامِ
стр. 4160
الخِرَقِىِّ أنَّه يُقَرُّ في يَدَيْهِ، ويُمْنَعُ من السَّفَرِ به، لئلَّا يَدَّعِىَ رِقَّه ويَبِيعَه. ويَنْبَغِى أن يَجِبَ الإِشْهادُ عليه، ويُضَمَّ إليه مَن يُشْرِفُ عليه؛ لأنَّنا إذا ضَمَمْنا إليه في اللُّقَطَةِ مَنْ يُشْرِفُ عليه، فههُنا أَوْلَى. وقال القاضي: المذهبُ أنَّه يُنْزَعُ من يَدَيْهِ. وهذا قولُ الشافِعِيِّ؛ لأنَّه ليس في حِفْظِ اللَّقِيطِ إلَّا الوِلَايةُ، ولا وِلَايةَ لِفَاسِقٍ. وفارَقَ اللُّقَطةَ من أوْجُهٍ؛ أحدها، أنَّ في اللُّقَطَةِ مَعْنَى الكَسْبِ، وليس ههُنا إلَّا الوِلَايةُ. والثاني، أنَّ اللُّقَطةَ لو انْتَزَعْناهَا منه رَدَدْناهَا إليه بعدَ الحَوْلِ، فاحْتَطْنَا عليها مع بَقَائِها في يَدَيْه، وههُنا لا تُرَدُّ إليه بعدَ الانْتِزاعِ منه بحالٍ، فكان الانْتِزَاعُ أَحْوَطَ. والثالث، أنَّ المَقْصُودَ ثَمَّ حِفْظُ المالِ، ويُمْكِنْ (٥) الاحْتِياطُ عليه بأن يَسْتَظْهِرَ عليه في التَّعْرِيفِ، أو ينصِبَ الحاكِمُ مَنْ يُعَرِّفُها، وههُنا المَقْصُودُ حِفْظُ الحُرِّيَّةِ والنَّسَبِ، ولا سَبِيلَ إلى الاسْتِظْهارِ عليه؛ لأنَّه قد يَدَّعِى رِقَّه في بعضِ البُلْدانِ، أو في بعضِ الزَّمانِ، ولأنَّ اللُّقَطَةَ إنَّما يُحْتَاجُ إلى حِفْظِها والاحْتِيَاطِ عليها عامًا واحدًا، وهذا يُحْتَاجُ إلى الاحْتِياطِ عليه في جَمِيعِ زَمَانِه. وأمَّا على ظاهِرِ قولِ الخِرَقِىِّ، فلا يُنْزَعُ (٦) منه؛ لأنَّه قد ثَبَتَتْ له الوِلَايَةُ بالْتِقَاطِه إياه، وسَبْقِه إليه، وأمْكَنَ حِفْظُ اللَّقِيطِ في يَدَيْه بالإِشْهادِ عليه، وضَمِّ أمِينٍ يُشَارِفُه إليه، ويُشِيعُ أمْرَه، فيُعْرَفُ أنَّه لَقِيطٌ، فيُحْفَظُ (٧) بذلك من غير زَوَالِ وِلَايَتِه. جَمْعًا بين الحَقَّيْنِ، كما في اللُّقَطَةِ، وكما لو كان الوَصيُّ خائِنًا. وما ذُكِرَ من التَّرجِيحِ لِلُّقَطَةِ، فيُمْكِنُ (٨) مُعَارَضَتُه، بأنَّ اللَّقِيطَ ظاهِرٌ مَكْشُوفٌ لا تَخْفَى الخِيَانَةُ فيه، واللُّقَطَةُ مَسْتُورَةٌ خَفِيّةٌ تَتَطَرَّقُ إليها الخِيَانَةُ، ولا يُعلَمُ بها، ولأنَّ اللُّقَطةَ يُمكِنُ أخْذُ بعضِها وتَنْقِيصُها وإبْدَالُها، ولا يُتَمَكَّنُ من ذلك في اللَّقِيطِ. ولأنَّ المالَ مَحلُّ
стр. 4161
الخِيانَةِ، والنُّفُوسُ إلى تَنَاوُلِه وأخْذِه داعِيَةٌ، بخِلَافِ اللَّقِيطِ. فعلى هذا، متى أرادَ المُلْتَقِطُ السَّفَرَ باللَّقِيطِ مُنِعَ منه؛ لأنَّه يُبْعِدُه ممَّن عَرَفَ حالَه، فلا يُؤْمَنُ أن يَدَّعِىَ رِقَّهُ ويَبِيعَه.
فصل: وإذا الْتَقَطَ اللَّقِيطَ مَنْ هو مَسْتُورُ الحالِ، لم تُعْرَفْ منه حَقِيقَةُ العَدَالةِ ولا الخِيَانةِ، أُقِرَّ اللَّقَيطُ في يَدَيْهِ؛ لأنَّ حُكْمَه حُكْمُ العَدْلِ في لُقَطَةِ المالِ والوِلَايةِ في النِّكَاحِ والشَّهَادَةِ فيه، وفى أكْثَر الأحْكامِ، ولأنَّ الأَصْلَ في المُسْلِمِ العَدَالَةُ؛ ولذلك قال عمرُ، رَضِىَ اللهُ عنه: المُسْلِمونَ عُدُولٌ بعضُهم على بعضٍ. فإن أرادَ السَّفَرَ بلُقَطَتِه، ففيه وَجْهانِ؛ أحدهما، لا يُقَرُّ في يَدَيْهِ. وهذا مذهبُ الشافِعِيِّ؛ لأنَّه لم يَتَحَقَّقْ أمَانَتَه، فلم تُؤْمَن الخِيَانَةُ منه. والثاني، يُقَرُّ في يَدَيْه؛ لأنَّه يُقَرُّ في يَدَيْهِ في الحَضَرِ من غير مُشْرِفٍ يُضَمُّ إليه، فأشْبَه العَدْلَ، ولأنَّ الظاهِرَ السَّتْرُ والصِّيانَةُ. فأمَّا مَنْ عُرِفَتْ عَدَالَتُه، وظَهَرَتْ أمانَتُه، فيُقَرُّ اللَّقِيطُ في يَدِه في سَفَرِه وحَضَرِه؛ لأنَّه مَأمُونٌ عليه إذا كان سَفَرُه لغير النُّقْلَةِ.
فصل: فإن كان سَفَر الأمِينِ بِاللَّقِيطِ إلى مكانٍ يُقِيمُ به، نَظَرْنا؛ فإن كان الْتَقَطَه من الحَضَرِ، فأرادَ النُّقْلَةَ (٩) به إلى البادِيَةِ، لم يُقَرَّ في يَدِه، لِوَجْهَيْنِ؛ أحدهما، أنَّ مُقَامَه في الحَضَرِ أصْلَحُ له في دِينِه ودُنْيَاه، وأَرْفَهُ له. والثاني، أنَّه إذا وُجِدَ في الحَضَرِ، فالظاهِرُ أنَّه وُلِدَ فيه، فبقاؤُه فيه أرْجَى لِكَشْفِ نَسَبِه وظُهُورِ أهْلِه، واعْتِرَافِهِم به. وإن أرادَ النُّقْلَةَ به إلى بَلَدٍ آخَرَ من الحَضَرِ، ففيه وَجْهانِ؛ أحدهما، لا يُقَرُّ في يَدِه؛ لأنَّ بَقَاءَه في بَلَدِه أرْجَى لِكَشْفِ نَسَبِه، فلم يُقَرَّ في يَدِ المُنْتَقِلِ عنه، قِياسًا على المُنْتَقِلِ به إلى البادِيَةِ. والثاني، يُقَرُّ في يَدِه؛ لأنَّ وِلَايَتَه ثابِتَةٌ، والبَلَدُ الثاني كالأَوَّلِ في الرَّفاهِيَةِ، فيُقَرُّ في يَدِه، كما لو انْتقَلَ من أحَدِ جانِبَىِ البَلَدِ إلى الجانِبِ الآخَر، وفارَقَ المُنْتَقِلَ به إلى البادِيَةِ؛ لأنَّه يَضُرُّ به بِتَفْوِيتِ الرَّفَاهِيَةِ عليه. وإن الْتَقَطَه من البادِيَةِ فله نَقْلُه إلى
стр. 4162
الحَضَرِ؛ لأنَّه يَنْقُلُه من أرْضِ البُؤْسِ والشَّقَاءِ إلى الرَّفاهِيَةِ والدَّعَةِ والدِّينِ. وإن أقامَ به في حِلَّةٍ يَسْتَوْطِنُها، فله ذلك. وإن كان يَنْتَقِلُ به في (١٠) المَوَاضِع، احْتَمَلَ أن يُقَرَّ في يَدَيْه؛ لأنَّ الظاهِرَ أنَّه ابنُ بَدَوِيَّيْنِ، وإقْرَارُه في يَدَىْ مُلْتَقِطِه أرْجَى لِكَشْفِ نَسَبِه. ويَحْتَمِلُ أن يُؤْخَذَ منه، فيُدْفَعَ إلى صاحِبِ قَرْيَةٍ؛ لأنَّه أرْفَهُ له، وأخَفُّ عليه. وكلُّ مَوْضِعٍ قُلْنا: يُنْزَعُ من مُلْتَقِطِه. [فإنَّما يكون ذلك إذا وُجِدَ مَنْ يُدْفَعُ إليه، ممَّن هو أَوْلَى به. فإن لم يُوجَدْ مَنْ يَقُومُ به، أُقِرَّ في يَدَىْ مُلْتَقِطِه] (١١)؛ لأنَّ إقْرَارَه في [يَدَيْه مع قُصُورِه، أَوْلَى] (١٢) من إهْلَاكِه. وإن لم يُوجَدْ إلَّا مثلُ مُلْتَقِطِه، فمُلْتَقِطُه أوْلَى به، إذْ لا فائِدَةَ في نَزْعِه من يَدِه، ودَفْعِه إلى مِثْلِه.
فصل: وليس لِلْعَبْدِ الْتِقاطُ الطِّفْلِ المَنْبُوذِ، إذا وُجِدَ من يَلْتَقِطُه سِوَاه؛ لأنَّ مَنَافِعَه لِسَيِّدِه؛ فلا يُذْهِبُها (١٣) في غيرِ نَفْعِه إلَّا بإذْنِه، ولأنَّه لا يَثْبُتُ على اللَّقِيطِ إِلَّا الوِلَايةُ، ولا وِلَايةَ لِعَبْدٍ. فإن الْتَقَطَه لم يُقَرَّ في يَدَيْه، إلَّا أن يَأْذَنَ له السَّيِّدُ، فإن أَذِنَ له، أُقِرَّ في يَدَيْهِ؛ لأنَّه اسْتَعانَ به في ذلك، فصار كما لو الْتَقَطَه بِيَدِه وسَلَّمَه إليه. قال ابنُ عقيلٍ: إن أَذِنَ له السَّيِّدُ لم يكُنْ له الرُّجُوعُ بعدَ ذلك، وصار كما لو الْتَقَطَه. والحُكْمُ في الأَمَةِ كالحُكمِ في المُكَاتَبِ. فأمَّا إن لم يَجِدْ أحَدَا يَلْتَقِطُه سِواهُ، وَجَبَ الْتِقاطُه؛ لأنَّه تَخْلِيصٌ له من الهَلَاكِ، فأشْبَه تَخْلِيصَه من الغَرَقِ. والمُدَبَّرُ (١٤)، وأُمُّ الوَلَدِ، والمُعَلَّقُ عِتْقُه بِصِفَةٍ، كالقِنِّ، وكذلك المُكَاتَبُ، لأنَّه ليس له التَّبَرُّعُ بمالِه، ولا بمَنَافِعِه، إلَّا أن يَأْذَنَ له سَيِّدُه في ذلك.
فصل: وليس للكافِرِ (١٥) الْتِقاطُ مُسْلمٍ؛ لأنَّه لا وِلَايةَ لِكَافِرٍ على مُسْلِمٍ، ولأنَّه
стр. 4163
لا يُؤْمَنُ أن يَفْتِنَه ويُعَلِّمَه الكُفْرَ، بل الظاهِرُ أنَّه يُرَبِّيه على دِينِه، ويَنْشَأُ على ذلك، كوَلَدِه. فإن الْتَقَطَه لم يُقَرَّ في يَدِه. وإن كان الطِّفْلُ مَحْكُومًا بِكُفْرِه، فله الْتِقاطُه؛ لأنَّ الذين كَفَرُوا بعضُهم أَوْلِيَاءُ بعضٍ.
فصل: وإن الْتَقَطَه اثْنانِ، وتَنَاوَلَاه تَنَاوُلًا واحِدًا، لم يَخْلُ من ثلاثةِ (١٦) أقْسامٍ؛ أحدها، أن يكونَ ممَّن يُقَرُّ في يَدَيْهِ، كالمُسْلِمِ العَدْلِ الحُرِّ، والآخَر ممَّن لا يُقَرُّ في يَدَيْهِ، كالكافِرِ إذا كان اللَّقِيطُ مُسْلِمًا، والفاسِقِ، والعَبْدِ إذا لم يَأْذَن له سَيِّدُه، والمُكَاتَبِ، فإنَّه يُسَلّمُ إلى من يُقَرُّ في يَدِه، وتكونُ مُشَارَكَةُ هؤلاءِ له (١٧) كَعَدَمِها؛ لأنَّه لو الْتَقَطَه وحدَه لم يُقَرَّ في يَدِه، فإذا شَارَكه مَنْ هو من أهْلِ الالْتِقاطِ أَوْلَى (١٨). الثاني، أن يكونا جَمِيعًا ممَّن لا يُقَرُّ في يَدَىْ واحدٍ منهما، فإنَّه يُنْزَعُ منهما، ويُسَلَّمُ إلى غيرِهِما. الثالث، أن يكونَ كلُّ واحدٍ منهما ممَّن يُقَرُّ في يَدِه لو انْفَرَدَ، إلَّا أنَّ أحَدَهُما أحَظُّ للَّقِيطِ من الآخَرِ، مثل أن يكونَ أحَدُهُما مُوسِرًا والآخَرُ مُعْسِرًا، فالمُوسِرُ أحَقُّ؛ لأن ذلك أحَطُّ للطِّفْلِ، وإن الْتَقَطَ مُسْلِمٌ وكافِرٌ طِفْلًا مَحْكُومًا بِكُفْرِه، فالمُسْلِمُ أحَقُّ. وقال أصْحابُنا، وأصْحابُ الشّافِعِيِّ: هما سواءٌ؛ لأنَّ لِلْكافِرِ وِلَايةً على الكافِرِ، ويُقَرُّ في يَدِه إذا انْفَرَدَ بالْتِقاطِه، فسَاوَى المُسْلِمَ في ذلك. ولَنا، أن دَفْعَه إلى المُسْلِمِ أحَظُّ له؛ لأنَّه يَصِيرُ مُسُلِمًا، فيَسْعَدُ في الدُّنْيَا والآخِرَةِ، ويَنْجُو من النَّارِ، ويَتَخلَّصُ من الجِزْيةِ والصَّغَارِ، فالتَّرْجِيحُ بهذا أَوْلَى من التَّرْجِيحِ باليَسَارِ الذي إنَّما يُتَعَلَّقُ به تَوْسِعَةً عليه في الإِنْفاقِ، وقد يكونُ المُوسِرُ بَخِيلًا، فلا تَحْصُلُ التَّوْسِعَةُ. فإن تَعَارَضَ التَّرْجِيحانِ، فكان المُسْلِمُ فَقِيرًا والكافِرُ مُوسِرًا، فالمُسْلِمُ أَوْلَى؛ لأنَّ النَّفْعَ الحاصِلَ له بإسْلامِهِ أعْظَمُ من النَّفْعِ الحاصِلِ بِيَسَارِه مع كُفْرِه. وعلى قِيَاسِ قولِهم في تَقْدِيمِ المُوسِرِ، يَنْبَغِى أن يُقَدَّمَ الجَوَادُ على البَخِيلِ؛
стр. 4164
لأنَّ حَظَّ الطِّفْلِ عنده أكثَرُ من الجِهَةِ التي يَحْصُلُ له الحَظُّ فيها باليَسَارِ، ورُبَّما تَخَلَّقَ بأخْلَاقِه، وتَعَلَّمَ من جُودِه الرابع، أن يَتَسَاوَيا في كونِهما مُسْلِمَيْنِ عَدْلَيْنِ حُرَّيْنِ مُقِيمَيْنِ، فهما سواءٌ فيه، فإن رَضِىَ أحَدُهما بإسْقاطِ حَقِّه، وتَسْلِيمِه إلى صاحِبِه، جازَ؛ لأنَّ الحَقَّ له، فلا يُمْنَعُ من الإِيثَارِ به. وإن تَشَاحَّا، أُقْرِعَ بينهما؛ لقولِ اللَّه تعالى: ﴿وَمَا كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يُلْقُونَ أَقْلَامَهُمْ أَيُّهُمْ يَكْفُلُ مَرْيَمَ﴾ (١٩). ولأنَّه لا يُمْكِنُ كونُه عندَهما؛ لأنَّه لا يُمْكِنُ أن يكونَ عِنْدَهُما في حالةٍ واحِدَةٍ. وإن تَهَايآه، فجُعِلَ عند كل واحدٍ يَوْمًا أو أكثَرَ من ذلك، أضَرَّ بالطِّفلِ؛ لأنَّه تَخْتَلِفُ عليه الأَغْذِيَةُ والأُنْسُ والإِلْفُ، ولا يُمْكِنُ دَفْعُه إلى أحَدِهِما دون الآخَر بغيرِ قُرْعَةٍ؛ لأنَّ حَقَّهُما مُتَساوٍ، فتَعْيِينُ أحَدِهِما بالتَّحَكُّمِ لا يجوزُ، فتَعَيَّنَ الإِقْراعُ بينهما، كما يُقْرَعُ بين الشُّرَكاءِ في تَعْيِينِ السِّهَامِ في القِسْمةِ، وبين النِّسَاءِ في البِدَايةِ بالقِسْمةِ، وبين العَبِيدِ في الإِعْتاقِ. والرَّجُلُ والمَرْأَةُ سواءٌ، ولا تُرَجَّحُ المَرْأَةُ ههُنا، كما تُرَجَّحُ في حَضَانةِ وَلَدِها على أبِيه؛ لأنَّها رُجِّحَتْ لِشَفَقَتِها على وَلَدِها، وتَوَلِّيها لِحَضَانَتِه بنَفْسِها، والأبُ يَحْضُنُه بأَجْنَبِيّةٍ، فكانت [الأُمُّ أوْلَى وأحَظَّ] (٢٠) له وأرْفَقَ به، أمَّا ههُنا، فإنَّها أجْنَبِيّةٌ من اللَّقِيطِ، والرَّجُلُ يَحْضُنُه بأَجْنَبِيّةٍ فاسْتَوَيا. ومذهبُ الشافِعِيِّ في هذا ال فَصْلِ جَمِيعِه على ما ذَكَرْناه. فإن كان أحَدُهُما مَسْتُورَ الحالِ، والآخَرُ ظاهِرَ العَدَالةِ، احْتَمَلَ أن يُرَجَّحَ العَدْلُ؛ لأنَّ المانِعَ من الالْتِقاطِ مُنْتَفٍ في حَقِّه بغير شَكٍّ، والأمْرُ مَشْكُوكٌ فيه، فيكونُ الحَظُّ لِلطِّفْلِ في تَسْلِيمِه إليه أتَمَّ. ويَحْتَمِلُ أن يَتَساوَيا؛ لأنَّ احْتِمالَ وُجُودِ المانِعِ لا يُؤَثِّرُ في المَنْعِ، فلا يُؤَثّرُ التَّرْجِيحُ.
فصل: وإن رَأَيَاهُ جَمِيعًا، فسَبَقَ أحَدُهُما فأخَذَه، أو وَضَعَ يَدَهُ عليه، فهو أحَقُّ به؛ لقولِه ﵇: "مَنْ سَبَقَ إلَى ما لَم يَسْبِقْ إلَيْهِ مُسْلِمٌ، فَهُوَ [أحَقُّ بِهِ] (٢١) ". وإن رَآه أحَدُهُما قبل صاحِبِه، فسَبَقَ إلى أخْذِه الآخَرُ، فالسَّابِقُ إلى أخْذِه
стр. 4165
أحَقُّ؛ لأنَّ الالْتِقاطَ هو الأخْذُ لا الرُّؤْيةُ. ولو قال أحدُهما (٢٢) لِصَاحِبِه: نَاوِلْنِيه. فأخَذَه الآخَرُ، نَظَرْنا [إلى نِيَّتِه] (٢٣)، فإن نَوَى أخْذَه لِنَفْسِه فهو أحَقُّ، كما لو لم يَأْمُرْه الآخَرُ بمُنَاوَلَتِه إيَّاه، وإن نَوَى مُنَاوَلَتَه فهو للآمِرِ؛ لأنَّه فَعَلَ ذلك بِنِيَّةِ النِّيابةِ عنه، فأشْبَهَ ما لو تَوَكَّلَ له في تَحْصِيلِ مُبَاحٍ.
فصل: فإن اخْتَلَفَا، فقال كلُّ واحدٍ منهما: أنا الْتَقَطْتُه. ولا بَيِّنَةَ لأحَدِهِما، وكان في يَدِ أحَدِهِما، فالقولُ قولُه مع يَمِينِه أنَّه الْتَقَطَه. ذَكَرَ ذلك أبو الخَطَّابِ. وهذا قولُ الشافِعِيِّ. وقال القاضي: قِياسُ المذهبِ أنَّه لا يَحْلِفُ، كما في الطَّلَاقِ والنِّكَاحِ. ولَنا، قولُ النبيِّ ﷺ : "لَوْ يُعْطَى النّاسُ بِدَعْوَاهُمْ، لَادَّعَى قَوْمٌ دِمَاءَ قَوْمٍ وأمْوَالَهُم؛ ولكِنَّ اليَمِينَ على المُدَّعَى عَلَيْهِ". رَوَاهُ مُسْلِمٌ (٢٤). فإن كان في أيْدِيهِما أُقْرِعَ بينهما، فمن قَرَعَ صاحِبَه، حَلَفَ وسُلِّمَ إليه. وعلى قولِ القاضِى: لا تُشْرَعُ اليَمِينُ ههُنا، ويُسَلَّمُ إليه بمُجَرَّدِ وُقُوعِ القُرْعَةِ له. وإن لم يكُنْ في يَدِ واحدٍ منهما، فقال القاضي، وأبو الخَطّابِ: يُسَلِّمُه الحاكِمُ إلى مَنْ يَرَى منهما أو مِن غيرِهما؛ لأنَّه حَقٌّ لهما. والأَوْلَى أن يُقْرِعَ بينهما، كما لو كان في أيْدِيهِما؛ لأنَّهما تَنَازَعا حَقًّا في يَدِ غيرِهما، فأشْبَهَ ما لو تَنَازَعا وَدِيعَةً عندَ غيرِهما. فإن وَصَفَه أحَدُهُما، مثل أن يقولَ: في ظَهْرِه شامَةٌ، أو بِجَسَدِه عَلَامةٌ. وذَكَرَ شَيْئًا في جَسَدِه مَسْتُورًا، فقال أبو الخَطَّابِ: يُقَدَّمُ بالصِّفَةِ. وهو قولُ أبى حنيفةَ. وقال الشافِعِيُّ: لا يُقَدَّمُ بالصِّفَةِ، كما لو وَصَفَ المُدَّعِى، فإنَّه لا تُقَدَّمُ به (٢٥) دَعْوَاه. ولَنا، أنَّ هذا نَوْعٌ من اللُّقَطَةِ، فقُدِّمَ بِوَصْفِها، كلُقَطَةِ المالِ، ولأنَّ ذلك يَدُلُّ على قُوّةِ يَدِه، فكان مُقَدَّمًا بها. وقِياسُ اللَّقِيطِ
стр. 4166
على اللُّقَطةِ أَوْلَى من قِيَاسِه على غيرِها؛ لأنَّ اللَّقِيطَ لُقَطَةٌ أيضًا. وإن كان لأحَدِهِما بَيِّنَةٌ، قُدِّمَ بها. وإن كان لكلِّ واحدٍ منهما بَيِّنةٌ، قُدِّمَ أسْبَقُهُما تارِيخًا؛ لأنَّ الثانِىَ إنما أخَذَ ممَّن قد ثَبتَ الحَقُّ فيه لغيرِه. وإن اسْتَوَى تارِيخُهُما، أو أُطْلِقَتَا معًا، أو أُرِّخَتْ إحْداهُما وأُطْلِقَتِ الأُخْرَى، فقد تَعَارَضَتَا. وهل يَسْقُطانِ أو يُسْتَعْمَلانِ؟ فيه وَجْهانِ؛ أحدهما، يَسْقُطانِ، فيَصِيرَانِ كمن لا بَيِّنَةَ لهما. والثاني، يُسْتَعْمَلانِ، ويُقْرَعُ بينهما، فمن قَرَعَ صاحِبَه كان أَوْلَى. وسَنَذْكُرُ ذلك في بابِه، إن شاءَ اللَّه تعالى. وإن كان اللَّقِيطُ في يَدِ أحَدِهما، فهل تُقَدَّمُ بَيِّنَتُه على بَيِّنةِ الآخَر، أوَ تُقَدَّم بَيِّنة الخارِجِ؟ فيه وَجْهانِ، مَبْنِيّانِ على الرِّوَايَتَيْنِ في دَعْوَى المالِ. وإن كان أحدُ المُتَدَاعِيَيْنِ ممَّن لا تُقَرُّ يَدُه على اللَّقِيطِ، أُقِرَّ في يَدِ الآخَر، ولم يُلْتَفَتْ إلى دَعْوَى من لا يُقَرُّ في يَدِه بحالٍ.
٩٥٤ - مسألة؛ قال: (وإن ادَّعَاهُ مُسْلِمٌ وكَافِرٌ، أُرِىَ الْقَافَةَ، فَبأَيِّهِما (١) أَلْحَقُوهُ لَحِقَ)
يعني إذا ادُّعِىَ نَسَبُه، فلا تَخْلُو دَعْوَى نَسَبِ اللَّقِيطِ من قِسْمَيْنِ؛ أحدهما، أن يَدَّعِيَه واحدٌ يَنْفَرِدُ بِدَعْوَاه، فيُنْظَرُ؛ فإن كان المُدَّعِى رَجُلًا مُسْلِمًا حُرًّا، لَحِقَ نَسَبُه به، بغير خِلَافٍ بين أهْلِ العِلْمِ، إذا أمكنَ أن يكونَ منه؛ لأنَّ الإِقْرَارَ مَحْضُ نَفْعٍ للطِّفْلِ لِاتِّصَالِ نَسَبه، ولا مَضَرَّةَ على غيرِه فيه، فَقُبِلَ، كما لو أقَرَّ له بمالٍ. ثم إن كان المُقِرُّ به مُلْتَقِطَه، أُقِرَّ في يَدِه. وإن كان غيرَه، فله أن يَنْتَزِعَه من المُلْتَقِطِ؛ لأنَّه قد ثَبَتَ أنَّه أبُوه، فيكونُ أحَقَّ بوَلَدِه، كما لو قامَتْ به بَيِّنةٌ. وإن كان المُدَّعِى له عَبْدًا، لَحِقَ به أيضًا؛ لأنَّ لمائِه حُرْمَةً، فلَحِقَ به نَسَبُه كالحُرِّ. وهذا قولُ الشافِعيِّ، وغيرِه، غيرَ أنَّه لا تَثْبُتُ له حَضَانَةٌ؛ لأنَّه مَشْغُولٌ بخِدْمةِ سَيِّدهِ، ولا تَجِبُ عليه نَفَقَتُه؛ لأنَّه لا مالَ له، ولا على سَيِّدِه؛ لأنَّ الطِّفْلَ مَحْكُومٌ بحُرِّيَّتِه، فتكونُ نَفَقَتُه في بَيْتِ المالِ. وإن كان المُدَّعِى ذِمِّيًّا، لَحِقَ به؛ لأنَّه أقْوَى من العَبْدِ في ثُبُوتِ الفِرَاشِ، فإنَّه يَثْبُتُ
стр. 4167
له بالنِّكاحِ والوَطْءِ في المِلْكِ. وقال أبو ثَوْرٍ: لا يَلْحَقُ به؛ لأنَّه مَحْكُومٌ بإسْلَامِه. ولَنا، أنَّه أَقَرَّ بِنَسَبِ مَجْهُولِ النَّسَبِ، يُمْكِنُ أن يكونَ منه، وليس في إقْرَارِه إضْرَارٌ بغيرِه، فيثْبُتُ إقْرَارُه، كالمُسْلِمِ. إذا ثَبَتَ هذا، فإنَّه يَلْحَقُ به في (٢) النَّسَبِ لا في الدِّينِ، ولا حَقَّ له في حَضَانَتِه. وقال الشافِعِيُّ، في أحَدِ قَوْلَيْه: يَتْبَعُه في دِيِنه؛ لأنَّ كلَّ [ما لَحِقَه في نَسَبِه يَلْحَقُ به في دِينَه] (٣)، كالبَيِّنةِ، إلا أنَّه يُحالُ بَيْنَه وبَينَه، ولَنا، أنَّ هذا حُكِمَ بإسْلَامِه، فلا يُقْبَلُ قولُ الذِّمِّيِّ في كُفْرِه، كما لو كان مَعْرُوفَ النَّسَبِ؛ ولأنَّها دَعْوَى تُخالِفُ الظاهِرَ، فلم تُقْبَلْ بمُجَرَّدِها، كَدَعْوَى رِقِّه، ولأنَّه لو تَبِعَه في دِينِه لم يُقْبَلْ إقْرارُه بِنَسَبِه؛ لأنَّه يكونُ إضْرَارًا به، فلم تُقْبَلْ، كدَعْوَى الرِّقِّ. أمَّا مُجَرَّدُ (٤) النَّسَبِ بدون اتِّباعِه في الدِّينِ، فمَصْلَحَةٌ عارِيَةٌ عن الضَّرَرِ، فقُبِلَ قَوْلُه فيه. ولا يجوزُ قَبُولُه فيما هو أعْظَمُ؛ الضَّرَرُ، والخِزْىُ في الدُّنْيَا والآخِرَةِ. وإن كان المُدَّعِى امْرَأةً، فاخْتَلَفَ (٥) عن أحْمدَ، ﵀، فرُوِىَ أنَّ دَعْواها (٦) تُقْبَلُ، ويَلْحَقُها نَسَبُه؛ لأنَّها أحَدُ الأبَوَيْنِ، فيثْبُتُ (٧) النَّسَبُ بِدَعْوَاها، كالأبِ، ولأنَّه يُمْكِنُ أن يكونَ منها، كما [يُمْكِنُ أن] (٨) يكونَ وَلَدَ الرَّجُلِ، بل أكْثَرُ؛ لأنَّها تَأْتِى به من زَوْجٍ، وَوَطْءٍ بِشُبْهةٍ، ويَلْحَقُها وَلَدُها من الزِّنَى دون الرَّجُلِ، ولأنَّ في قِصَّةِ داودَ وسليمانَ، ﵉، حين تَحَاكَمَ إليهما امْرَأتانِ كان لهما ابْنانِ، فذَهَبَ الذِّئْبُ بأحَدِهِما، فادَّعَتْ كلُّ واحدةٍ منهما أنَّ الباقِىَ ابْنُها، وأن الذي أخَذَه الذِّئْبُ ابنُ الأُخْرَى، فحَكَمَ به
стр. 4168
داوُدُ لِلْكُبْرَى، وحَكَمَ به سليمانُ للأُخْرَى، بمُجَرَّدِ الدَّعْوَى منهما (٩). وهذا قولُ بعضِ أصْحابِ الشافِعِيِّ. فعلَى هذه الرِّوَايةِ، يَلْحَقُ بها دون زَوجِها؛ لأنَّه لا يجوزُ أن يَلْحَقَه نَسَبُ وَلَدٍ لم يُقِرَّ به. وكذلك إذا ادَّعَى الرَّجُلُ نَسَبَه، لم يَلْحَقْ بِزَوْجَتِه. فإن قِيلَ: الرَّجُلُ يُمْكِنُ أن يكونَ له وَلَدٌ من امْرأةٍ أخرى، أو من أمَتِه، والمَرْأةُ لا يَحِلُّ لها نِكَاحُ غيرِ زَوْجِها، ولا يَحِلُّ وَطْؤُها لغيرِه. قُلْنا: يُمْكِنُ أن تَلِدَ من وَطْءِ شُبْهةٍ أو غيرِه. وإن كان الوَلَدُ يَحْتَمِلُ أن يكونَ مَوْجُودًا قبلَ [أن يَتَزَوَّجَها هذا] (١٠) الزَّوْجُ، أمْكَنَ أن يكونَ من زَوْجٍ آخَرَ. فإن قيل: إنَّما قُبِلَ الإِقْرَارُ بالنَّسَبِ من الزَّوْجِ، لما فيه من المَصْلَحةِ، بِدَفْعِ العارِ عن الصَّبِيِّ، وصِيَانَتِه عن النَّسْبَةِ إلى كونِه وَلَدَ زِنًى، ولا يَحْصُلُ هذا بإلْحاقِ نَسَبِه بالمَرْأةِ، بل في (١١) إلْحاقِه (١٢) بها دُونَ زَوْجِها تَطَرُّقُ العارِ (١٣) إليه وإليها، قُلْنا: بل قَبِلْنا دَعْوَاه؛ لأنَّه يَدَّعِى حَقًّا لا مُنازِعَ له فيه، ولا مَضَرَّةَ على أحدٍ فيه، فَقُبِلَ قولُه فيه، كدَعْوَى المالِ، وهذا مُتَحَقّقٌ في دَعْوَى المَرْأةِ. والرِّوَاية الثانية، أنَّها إن كان لها زَوْجٌ، لم يَثْبُت النَّسَبُ بدَعْوَاها، لإِفْضائِه إلى إلْحاقِ النَّسَبِ بِزَوْجِها بغيرِ إقْرَارِه ولا رِضَاه، أو إلى أنَّ (١٤) امْرأتَه وُطِئَتْ بِزِنًى أو بِشُبْهَةٍ (١٥)، وفى ذلك ضَرَرٌ عليه، فلا يُقْبَلُ قَوْلُها فيما يُلْحِقُ الضَّرَرَ به. وإن لم يكنْ لها زَوْجٌ، قُبِلَتْ دَعْوَاها لِعَدَمِ هذا الضَّرَرِ. وهذا أيضًا وَجْهٌ لأصْحابِ الشافِعِيِّ. والرِّوايةُ الثالثةُ،
стр. 4169
نَقَلَها الكَوْسَجُ عن أحمدَ، في امْرأةٍ ادَّعَتْ وَلَدًا: إن كان لها إخْوَةٌ أو نَسَبٌ مَعْرُوفٌ، لا تُصَدَّقُ إلَّا بِبَيِّنَةٍ، وإن لم يكُنْ لها دافِعٌ، لم يُحَلْ بينَها وبينَه؛ لأنَّه إذا كان لها أهْلٌ ونَسَبٌ مَعْرُوفٌ، لم تَخْفَ وِلَادَتُها عليهم، ويَتَضَرَّرُونَ بإلْحاقِ النَّسَبِ بها، لما فيه من تَعْيِيرِهِم بوِلَادَتِها من غيرِ زَوْجِها، وليس كذلك إذا لم يكُنْ لها أهْلٌ. ويَحْتَمِلُ أن لا يَثْبُتَ النَّسَبُ بِدَعْواها بحالٍ. وهذا قول الثَّوْرِيِّ، والشافِعِيِّ، وأبى ثَوْرٍ، وأصْحابِ الرَّأْى. قال ابن المُنْذِرِ: أجْمَعَ كلُّ مَن نَحْفَظُ عنه من أهْلِ العِلْمِ، على أنَّ النَّسَبَ لا يَثْبُتُ بِدَعْوَى المَرْأةِ؛ لأنَّها يُمْكِنُها إقَامَةُ البَيِّنةِ على الوِلَادةِ، فلا يُقْبَلُ قَوْلُها بمُجَرَّدِه، كما لو عَلَّقَ زَوْجُها طَلَاقَها بوِلَادَتِها. ولَنا، أنَّها أحَدُ الوَالِدَيْنِ، فأشْبَهَتِ الأَبَ، وإمكانُ البَيِّنةِ لا يَمْنَعُ قَبُولَ القولِ، كالرَّجُلِ، فإنَّه تُمْكِنُه إقامةُ (١٦) البَيِّنةِ أنَّ هذا وُلِدَ (١٧) على فِرَاشِه. وإن كان المُدَّعِى أمَةً، فهى كالحُرَّةِ، إلَّا أنَّنا إذا قَبِلْنا دَعْوَاها في نَسَبِه، لم نَقْبَلْ قَوْلَها في رِقِّه؛ لأنَّنا لا نَقْبَلُ الدَّعْوَى فيما يَضُرُّه، كما لم نَقْبَل الدَّعْوَى في كُفْرِه إذا ادَّعَى نَسَبَه كافِرٌ. القسم الثاني، أنْ يَدَّعِىَ نَسَبَه اثْنانِ فصاعِدًا، والكَلَامُ في ذلك في فُصُولٍ:
أحدُها: أنَّه إذا ادَّعَاهُ مُسْلِمٌ وكافِرٌ، أو حُرٌّ وعَبْدٌ، فهما سواءٌ. وبهذا قال الشافِعِيُّ. وقال أبو حنيفةَ: المُسْلِمُ أَوْلَى من الذِّمِّيِّ، والحُرُّ أوْلَى من العَبْدِ؛ لأنَّ على اللَّقِيطِ ضَرَرًا في إلْحاقِه بالعَبْدِ والذِّمِّيِّ، فكان إلْحاقُه بالحُرِّ المُسْلِمِ أَوْلَى، كما لو تَنَازَعُوا في الحَضَانةِ. ولَنا، أنَّ كلَّ واحدٍ [منهم إذا] (١٨) انْفَردَ صَحَّتْ دَعْواهُ، فإذا تَنَازَعُوا، تَسَاوَوْا في الدَّعْوَى (١٩)، كالأحْرارِ المسلِمين. وما ذَكَرُوه من الضَّرَرِ لا يَتَحَقَّقُ، فإنَّنا لا نَحْكُمُ بِرِقِّه ولا كُفْرِه. ولا يُشْبِهُ النَّسَبُ الحَضَانةَ، بِدَلِيلِ أنَّنا نُقَدِّمُ
стр. 4170
في الحَضَانةِ المُوسِرَ والحَضَرِيَّ، ولا نُقَدِّمُهُما في دَعْوَى النَّسَبِ. قال ابن المُنْذِرِ: إذا كان عَبْدٌ، امْرَأته أمَةٌ، في أيْدِيهِما صَبِيٌّ، فادَّعَى رَجُلٌ من العَرَبِ امْرَأتُه عَرَبِيَّةٌ أنَّه ابْنُه من امْرَأتِه، فأقام العَبْدُ بَيِّنةً بِدَعْواه [أنه ابْنُه] (٢٠)، فهو ابْنُه في قولِ أبى ثَوْرٍ وغيرِه. وقال أصْحابُ الرَّأْى: يُقْضَى به لِلْعَربِىِّ، لِلْعِتْقِ الذي يَدْخُلُ فيه، وكذلك لو كان المُدَّعِى من المَوَالِى عَبْدَهُم. وقولُهم هذا غير صَحِيحٍ؛ لأنَّ العَربَ وغيرَهم في أحْكامِ اللَّه ولُحُوقِ النَّسَبِ بهم سواءٌ.
الفصل الثاني: أنَّه إذا ادَّعاهُ اثْنانِ، فكان لأحَدِهِما به بَيِّنةٌ، فهو ابْنُه. وإن أقَامَا بَيِّنَتَينِ، تَعَارَضَتَا، وسَقَطَتَا، ولا يمكنُ اسْتِعْمالُهما ههُنا؛ لأنَّ اسْتِعْمالَهُما في المالِ إمَّا بِقِسْمَتِه بين المُتَدَاعِيَيْنِ، ولا سَبِيلَ إليه ههُنا، وإمَّا بالإِقْراعِ بينهما، والقُرْعَةُ لا يَثْبُتُ بها النَّسَبُ. فإن قيل: فإنَّ ثُبُوتَه ههُنا يكونُ بالبَيِّنةِ لا بالقُرْعةِ، وإنَّما القُرْعةُ مُرَجِّحَةٌ. قُلْنا: فيَلْزَمُ أنَّه إذا اشْتَرَكَ رَجُلانِ في وَطْءِ امْرأةٍ، فأتَتْ بِوَلَدٍ، أنْ (٢١) يُقْرَعَ بينهما، ويكونُ لُحُوقُه بالوَطْءِ لا بالقُرْعةِ.
الفصل الثالث: أنَّه إذا لم تكُنْ به (٢٢) بَيِّنةٌ، أو تَعَارَضَتْ به بَيِّنتانِ، وسَقَطَتَا، فإنَّا نُرِيه القافَةَ معهما، أو مع عَصَبَتِهِما عندَ فَقْدِهِما، فنُلْحِقُه بمَن ألْحَقَتْهُ به منهما. هذا قول أنَسٍ، وعَطَاءٍ، ويَزِيدَ بن عبد المَلِكِ، والأوْزاعِىِّ، واللَّيْثِ، والشافِعِىِّ، وأبي ثَوْرٍ. وقال أصْحابُ الرَّأْيِ: لا حُكْمَ لِلْقَافَةِ، ويُلْحَقُ بالمُدَّعِيَيْنِ جميعا؛ لأنَّ الحُكْمَ بالقَافَةِ تَعْوِيلٌ على مُجَرَّدِ الشَّبَهِ والظَّنِّ والتَّخْمِينِ، فإنَّ الشَّبَهَ يُوجَدُ بين الأجانِبِ، ويَنْتَفِى بين الأقَارِبِ، ولهذا رُوِى عن النبيِّ ﷺ ، أنَّ رَجُلًا أتَاهُ، فقال: يا رسولَ اللَّه، إنَّ امْرَأَتِى وَلَدَتْ غُلَامًا أسْوَدَ، فقال: "هَلْ لَكَ مِنْ إبِلٍ؟ " قال: