← Фикх ханбали

Фикх ханбали · id 6910

المغني لابن قدامة - ت التركي

ابن قدامة

Полный текст (7 955 стр.). Показаны 4166–4205 · переход к 4171.

стр. 4166

على اللُّقَطةِ أَوْلَى من قِيَاسِه على غيرِها؛ لأنَّ اللَّقِيطَ لُقَطَةٌ أيضًا. وإن كان لأحَدِهِما بَيِّنَةٌ، قُدِّمَ بها. وإن كان لكلِّ واحدٍ منهما بَيِّنةٌ، قُدِّمَ أسْبَقُهُما تارِيخًا؛ لأنَّ الثانِىَ إنما أخَذَ ممَّن قد ثَبتَ الحَقُّ فيه لغيرِه. وإن اسْتَوَى تارِيخُهُما، أو أُطْلِقَتَا معًا، أو أُرِّخَتْ إحْداهُما وأُطْلِقَتِ الأُخْرَى، فقد تَعَارَضَتَا. وهل يَسْقُطانِ أو يُسْتَعْمَلانِ؟ فيه وَجْهانِ؛ أحدهما، يَسْقُطانِ، فيَصِيرَانِ كمن لا بَيِّنَةَ لهما. والثاني، يُسْتَعْمَلانِ، ويُقْرَعُ بينهما، فمن قَرَعَ صاحِبَه كان أَوْلَى. وسَنَذْكُرُ ذلك في بابِه، إن شاءَ اللَّه تعالى. وإن كان اللَّقِيطُ في يَدِ أحَدِهما، فهل تُقَدَّمُ بَيِّنَتُه على بَيِّنةِ الآخَر، أوَ تُقَدَّم بَيِّنة الخارِجِ؟ فيه وَجْهانِ، مَبْنِيّانِ على الرِّوَايَتَيْنِ في دَعْوَى المالِ. وإن كان أحدُ المُتَدَاعِيَيْنِ ممَّن لا تُقَرُّ يَدُه على اللَّقِيطِ، أُقِرَّ في يَدِ الآخَر، ولم يُلْتَفَتْ إلى دَعْوَى من لا يُقَرُّ في يَدِه بحالٍ. ٩٥٤ - مسألة؛ قال: (وإن ادَّعَاهُ مُسْلِمٌ وكَافِرٌ، أُرِىَ الْقَافَةَ، فَبأَيِّهِما (١) أَلْحَقُوهُ لَحِقَ) يعني إذا ادُّعِىَ نَسَبُه، فلا تَخْلُو دَعْوَى نَسَبِ اللَّقِيطِ من قِسْمَيْنِ؛ أحدهما، أن يَدَّعِيَه واحدٌ يَنْفَرِدُ بِدَعْوَاه، فيُنْظَرُ؛ فإن كان المُدَّعِى رَجُلًا مُسْلِمًا حُرًّا، لَحِقَ نَسَبُه به، بغير خِلَافٍ بين أهْلِ العِلْمِ، إذا أمكنَ أن يكونَ منه؛ لأنَّ الإِقْرَارَ مَحْضُ نَفْعٍ للطِّفْلِ لِاتِّصَالِ نَسَبه، ولا مَضَرَّةَ على غيرِه فيه، فَقُبِلَ، كما لو أقَرَّ له بمالٍ. ثم إن كان المُقِرُّ به مُلْتَقِطَه، أُقِرَّ في يَدِه. وإن كان غيرَه، فله أن يَنْتَزِعَه من المُلْتَقِطِ؛ لأنَّه قد ثَبَتَ أنَّه أبُوه، فيكونُ أحَقَّ بوَلَدِه، كما لو قامَتْ به بَيِّنةٌ. وإن كان المُدَّعِى له عَبْدًا، لَحِقَ به أيضًا؛ لأنَّ لمائِه حُرْمَةً، فلَحِقَ به نَسَبُه كالحُرِّ. وهذا قولُ الشافِعيِّ، وغيرِه، غيرَ أنَّه لا تَثْبُتُ له حَضَانَةٌ؛ لأنَّه مَشْغُولٌ بخِدْمةِ سَيِّدهِ، ولا تَجِبُ عليه نَفَقَتُه؛ لأنَّه لا مالَ له، ولا على سَيِّدِه؛ لأنَّ الطِّفْلَ مَحْكُومٌ بحُرِّيَّتِه، فتكونُ نَفَقَتُه في بَيْتِ المالِ. وإن كان المُدَّعِى ذِمِّيًّا، لَحِقَ به؛ لأنَّه أقْوَى من العَبْدِ في ثُبُوتِ الفِرَاشِ، فإنَّه يَثْبُتُ

стр. 4167

له بالنِّكاحِ والوَطْءِ في المِلْكِ. وقال أبو ثَوْرٍ: لا يَلْحَقُ به؛ لأنَّه مَحْكُومٌ بإسْلَامِه. ولَنا، أنَّه أَقَرَّ بِنَسَبِ مَجْهُولِ النَّسَبِ، يُمْكِنُ أن يكونَ منه، وليس في إقْرَارِه إضْرَارٌ بغيرِه، فيثْبُتُ إقْرَارُه، كالمُسْلِمِ. إذا ثَبَتَ هذا، فإنَّه يَلْحَقُ به في (٢) النَّسَبِ لا في الدِّينِ، ولا حَقَّ له في حَضَانَتِه. وقال الشافِعِيُّ، في أحَدِ قَوْلَيْه: يَتْبَعُه في دِيِنه؛ لأنَّ كلَّ [ما لَحِقَه في نَسَبِه يَلْحَقُ به في دِينَه] (٣)، كالبَيِّنةِ، إلا أنَّه يُحالُ بَيْنَه وبَينَه، ولَنا، أنَّ هذا حُكِمَ بإسْلَامِه، فلا يُقْبَلُ قولُ الذِّمِّيِّ في كُفْرِه، كما لو كان مَعْرُوفَ النَّسَبِ؛ ولأنَّها دَعْوَى تُخالِفُ الظاهِرَ، فلم تُقْبَلْ بمُجَرَّدِها، كَدَعْوَى رِقِّه، ولأنَّه لو تَبِعَه في دِينِه لم يُقْبَلْ إقْرارُه بِنَسَبِه؛ لأنَّه يكونُ إضْرَارًا به، فلم تُقْبَلْ، كدَعْوَى الرِّقِّ. أمَّا مُجَرَّدُ (٤) النَّسَبِ بدون اتِّباعِه في الدِّينِ، فمَصْلَحَةٌ عارِيَةٌ عن الضَّرَرِ، فقُبِلَ قَوْلُه فيه. ولا يجوزُ قَبُولُه فيما هو أعْظَمُ؛ الضَّرَرُ، والخِزْىُ في الدُّنْيَا والآخِرَةِ. وإن كان المُدَّعِى امْرَأةً، فاخْتَلَفَ (٥) عن أحْمدَ، ﵀، فرُوِىَ أنَّ دَعْواها (٦) تُقْبَلُ، ويَلْحَقُها نَسَبُه؛ لأنَّها أحَدُ الأبَوَيْنِ، فيثْبُتُ (٧) النَّسَبُ بِدَعْوَاها، كالأبِ، ولأنَّه يُمْكِنُ أن يكونَ منها، كما [يُمْكِنُ أن] (٨) يكونَ وَلَدَ الرَّجُلِ، بل أكْثَرُ؛ لأنَّها تَأْتِى به من زَوْجٍ، وَوَطْءٍ بِشُبْهةٍ، ويَلْحَقُها وَلَدُها من الزِّنَى دون الرَّجُلِ، ولأنَّ في قِصَّةِ داودَ وسليمانَ، ﵉، حين تَحَاكَمَ إليهما امْرَأتانِ كان لهما ابْنانِ، فذَهَبَ الذِّئْبُ بأحَدِهِما، فادَّعَتْ كلُّ واحدةٍ منهما أنَّ الباقِىَ ابْنُها، وأن الذي أخَذَه الذِّئْبُ ابنُ الأُخْرَى، فحَكَمَ به

стр. 4168

داوُدُ لِلْكُبْرَى، وحَكَمَ به سليمانُ للأُخْرَى، بمُجَرَّدِ الدَّعْوَى منهما (٩). وهذا قولُ بعضِ أصْحابِ الشافِعِيِّ. فعلَى هذه الرِّوَايةِ، يَلْحَقُ بها دون زَوجِها؛ لأنَّه لا يجوزُ أن يَلْحَقَه نَسَبُ وَلَدٍ لم يُقِرَّ به. وكذلك إذا ادَّعَى الرَّجُلُ نَسَبَه، لم يَلْحَقْ بِزَوْجَتِه. فإن قِيلَ: الرَّجُلُ يُمْكِنُ أن يكونَ له وَلَدٌ من امْرأةٍ أخرى، أو من أمَتِه، والمَرْأةُ لا يَحِلُّ لها نِكَاحُ غيرِ زَوْجِها، ولا يَحِلُّ وَطْؤُها لغيرِه. قُلْنا: يُمْكِنُ أن تَلِدَ من وَطْءِ شُبْهةٍ أو غيرِه. وإن كان الوَلَدُ يَحْتَمِلُ أن يكونَ مَوْجُودًا قبلَ [أن يَتَزَوَّجَها هذا] (١٠) الزَّوْجُ، أمْكَنَ أن يكونَ من زَوْجٍ آخَرَ. فإن قيل: إنَّما قُبِلَ الإِقْرَارُ بالنَّسَبِ من الزَّوْجِ، لما فيه من المَصْلَحةِ، بِدَفْعِ العارِ عن الصَّبِيِّ، وصِيَانَتِه عن النَّسْبَةِ إلى كونِه وَلَدَ زِنًى، ولا يَحْصُلُ هذا بإلْحاقِ نَسَبِه بالمَرْأةِ، بل في (١١) إلْحاقِه (١٢) بها دُونَ زَوْجِها تَطَرُّقُ العارِ (١٣) إليه وإليها، قُلْنا: بل قَبِلْنا دَعْوَاه؛ لأنَّه يَدَّعِى حَقًّا لا مُنازِعَ له فيه، ولا مَضَرَّةَ على أحدٍ فيه، فَقُبِلَ قولُه فيه، كدَعْوَى المالِ، وهذا مُتَحَقّقٌ في دَعْوَى المَرْأةِ. والرِّوَاية الثانية، أنَّها إن كان لها زَوْجٌ، لم يَثْبُت النَّسَبُ بدَعْوَاها، لإِفْضائِه إلى إلْحاقِ النَّسَبِ بِزَوْجِها بغيرِ إقْرَارِه ولا رِضَاه، أو إلى أنَّ (١٤) امْرأتَه وُطِئَتْ بِزِنًى أو بِشُبْهَةٍ (١٥)، وفى ذلك ضَرَرٌ عليه، فلا يُقْبَلُ قَوْلُها فيما يُلْحِقُ الضَّرَرَ به. وإن لم يكنْ لها زَوْجٌ، قُبِلَتْ دَعْوَاها لِعَدَمِ هذا الضَّرَرِ. وهذا أيضًا وَجْهٌ لأصْحابِ الشافِعِيِّ. والرِّوايةُ الثالثةُ،

стр. 4169

نَقَلَها الكَوْسَجُ عن أحمدَ، في امْرأةٍ ادَّعَتْ وَلَدًا: إن كان لها إخْوَةٌ أو نَسَبٌ مَعْرُوفٌ، لا تُصَدَّقُ إلَّا بِبَيِّنَةٍ، وإن لم يكُنْ لها دافِعٌ، لم يُحَلْ بينَها وبينَه؛ لأنَّه إذا كان لها أهْلٌ ونَسَبٌ مَعْرُوفٌ، لم تَخْفَ وِلَادَتُها عليهم، ويَتَضَرَّرُونَ بإلْحاقِ النَّسَبِ بها، لما فيه من تَعْيِيرِهِم بوِلَادَتِها من غيرِ زَوْجِها، وليس كذلك إذا لم يكُنْ لها أهْلٌ. ويَحْتَمِلُ أن لا يَثْبُتَ النَّسَبُ بِدَعْواها بحالٍ. وهذا قول الثَّوْرِيِّ، والشافِعِيِّ، وأبى ثَوْرٍ، وأصْحابِ الرَّأْى. قال ابن المُنْذِرِ: أجْمَعَ كلُّ مَن نَحْفَظُ عنه من أهْلِ العِلْمِ، على أنَّ النَّسَبَ لا يَثْبُتُ بِدَعْوَى المَرْأةِ؛ لأنَّها يُمْكِنُها إقَامَةُ البَيِّنةِ على الوِلَادةِ، فلا يُقْبَلُ قَوْلُها بمُجَرَّدِه، كما لو عَلَّقَ زَوْجُها طَلَاقَها بوِلَادَتِها. ولَنا، أنَّها أحَدُ الوَالِدَيْنِ، فأشْبَهَتِ الأَبَ، وإمكانُ البَيِّنةِ لا يَمْنَعُ قَبُولَ القولِ، كالرَّجُلِ، فإنَّه تُمْكِنُه إقامةُ (١٦) البَيِّنةِ أنَّ هذا وُلِدَ (١٧) على فِرَاشِه. وإن كان المُدَّعِى أمَةً، فهى كالحُرَّةِ، إلَّا أنَّنا إذا قَبِلْنا دَعْوَاها في نَسَبِه، لم نَقْبَلْ قَوْلَها في رِقِّه؛ لأنَّنا لا نَقْبَلُ الدَّعْوَى فيما يَضُرُّه، كما لم نَقْبَل الدَّعْوَى في كُفْرِه إذا ادَّعَى نَسَبَه كافِرٌ. القسم الثاني، أنْ يَدَّعِىَ نَسَبَه اثْنانِ فصاعِدًا، والكَلَامُ في ذلك في فُصُولٍ: أحدُها: أنَّه إذا ادَّعَاهُ مُسْلِمٌ وكافِرٌ، أو حُرٌّ وعَبْدٌ، فهما سواءٌ. وبهذا قال الشافِعِيُّ. وقال أبو حنيفةَ: المُسْلِمُ أَوْلَى من الذِّمِّيِّ، والحُرُّ أوْلَى من العَبْدِ؛ لأنَّ على اللَّقِيطِ ضَرَرًا في إلْحاقِه بالعَبْدِ والذِّمِّيِّ، فكان إلْحاقُه بالحُرِّ المُسْلِمِ أَوْلَى، كما لو تَنَازَعُوا في الحَضَانةِ. ولَنا، أنَّ كلَّ واحدٍ [منهم إذا] (١٨) انْفَردَ صَحَّتْ دَعْواهُ، فإذا تَنَازَعُوا، تَسَاوَوْا في الدَّعْوَى (١٩)، كالأحْرارِ المسلِمين. وما ذَكَرُوه من الضَّرَرِ لا يَتَحَقَّقُ، فإنَّنا لا نَحْكُمُ بِرِقِّه ولا كُفْرِه. ولا يُشْبِهُ النَّسَبُ الحَضَانةَ، بِدَلِيلِ أنَّنا نُقَدِّمُ

стр. 4170

في الحَضَانةِ المُوسِرَ والحَضَرِيَّ، ولا نُقَدِّمُهُما في دَعْوَى النَّسَبِ. قال ابن المُنْذِرِ: إذا كان عَبْدٌ، امْرَأته أمَةٌ، في أيْدِيهِما صَبِيٌّ، فادَّعَى رَجُلٌ من العَرَبِ امْرَأتُه عَرَبِيَّةٌ أنَّه ابْنُه من امْرَأتِه، فأقام العَبْدُ بَيِّنةً بِدَعْواه [أنه ابْنُه] (٢٠)، فهو ابْنُه في قولِ أبى ثَوْرٍ وغيرِه. وقال أصْحابُ الرَّأْى: يُقْضَى به لِلْعَربِىِّ، لِلْعِتْقِ الذي يَدْخُلُ فيه، وكذلك لو كان المُدَّعِى من المَوَالِى عَبْدَهُم. وقولُهم هذا غير صَحِيحٍ؛ لأنَّ العَربَ وغيرَهم في أحْكامِ اللَّه ولُحُوقِ النَّسَبِ بهم سواءٌ. الفصل الثاني: أنَّه إذا ادَّعاهُ اثْنانِ، فكان لأحَدِهِما به بَيِّنةٌ، فهو ابْنُه. وإن أقَامَا بَيِّنَتَينِ، تَعَارَضَتَا، وسَقَطَتَا، ولا يمكنُ اسْتِعْمالُهما ههُنا؛ لأنَّ اسْتِعْمالَهُما في المالِ إمَّا بِقِسْمَتِه بين المُتَدَاعِيَيْنِ، ولا سَبِيلَ إليه ههُنا، وإمَّا بالإِقْراعِ بينهما، والقُرْعَةُ لا يَثْبُتُ بها النَّسَبُ. فإن قيل: فإنَّ ثُبُوتَه ههُنا يكونُ بالبَيِّنةِ لا بالقُرْعةِ، وإنَّما القُرْعةُ مُرَجِّحَةٌ. قُلْنا: فيَلْزَمُ أنَّه إذا اشْتَرَكَ رَجُلانِ في وَطْءِ امْرأةٍ، فأتَتْ بِوَلَدٍ، أنْ (٢١) يُقْرَعَ بينهما، ويكونُ لُحُوقُه بالوَطْءِ لا بالقُرْعةِ. الفصل الثالث: أنَّه إذا لم تكُنْ به (٢٢) بَيِّنةٌ، أو تَعَارَضَتْ به بَيِّنتانِ، وسَقَطَتَا، فإنَّا نُرِيه القافَةَ معهما، أو مع عَصَبَتِهِما عندَ فَقْدِهِما، فنُلْحِقُه بمَن ألْحَقَتْهُ به منهما. هذا قول أنَسٍ، وعَطَاءٍ، ويَزِيدَ بن عبد المَلِكِ، والأوْزاعِىِّ، واللَّيْثِ، والشافِعِىِّ، وأبي ثَوْرٍ. وقال أصْحابُ الرَّأْيِ: لا حُكْمَ لِلْقَافَةِ، ويُلْحَقُ بالمُدَّعِيَيْنِ جميعا؛ لأنَّ الحُكْمَ بالقَافَةِ تَعْوِيلٌ على مُجَرَّدِ الشَّبَهِ والظَّنِّ والتَّخْمِينِ، فإنَّ الشَّبَهَ يُوجَدُ بين الأجانِبِ، ويَنْتَفِى بين الأقَارِبِ، ولهذا رُوِى عن النبيِّ ﷺ ، أنَّ رَجُلًا أتَاهُ، فقال: يا رسولَ اللَّه، إنَّ امْرَأَتِى وَلَدَتْ غُلَامًا أسْوَدَ، فقال: "هَلْ لَكَ مِنْ إبِلٍ؟ " قال:

стр. 4171

نعم. قال: "فَمَا ألْوَانُهَا؟ ". قال: حُمْرٌ. قال: "فَهَلْ فِيهَا مِنْ أَوْرَقَ؟ " قال: نعم. قال: "أنَّى أتَاهَا ذلِكَ؟ " قال: لَعَلَّ عِرْقًا نَزَعَ. قال: "وهَذَا لَعَلَّ عِرْقًا نَزَعَ". مُتَّفَقٌ عليه (٢٣). قالوا: ولو كان الشَّبَهُ كافِيًا لَاكْتُفِىَ به في وَلَدِ المُلَاعِنَةِ، وفيما إذا أقَرَّ أحَدُ الوَرَثَةِ بأخٍ وأنْكَرَهُ الباقُونَ. ولَنا، ما رُوِى عن عائِشَةَ، رَضِىَ اللهُ عنها، أنَّ النَّبىَّ ﷺ دَخَلَ عليها يَوْمًا مَسْرُورًا، تَبْرُقُ أسَارِيرُ وَجْهِه، فقال: "ألَمْ تَرَىْ أنَّ مُجَزِّزًا الْمُدْلِجِىَّ نَظَرَ آنِفًا إلى زَيْدٍ وأسامَةَ، وقَدْ غَطَّيَا رُءُوسَهُمَا، وبَدَتْ أقْدَامُهُمَا، فَقَالَ: إنَّ هذِهِ الْأَقْدَامَ بَعْضُها مِن بَعْضٍ؟ ". مُتَّفَقٌ عليه (٢٤). فلولا جَوَازُ الاعْتِمادِ على القَافةِ لَما سُرَّ به النبيُّ ﷺ ، ولا اعْتَمَدَ عليه. ولأنَّ عمرَ، رَضِىَ اللهُ عنه، قَضَى به بحَضْرَةِ الصَّحَابَةِ، فلم يُنْكِرْه مُنْكِرٌ، فكان إجْماعًا، ويَدُلُّ على ذلك قولُ النبيِّ ﷺ في وَلَدِ المُلَاعِنَةِ: "انْظرُوهَا، فَإنْ جَاءَتْ بهِ حَمْشَ السَّاقَيْنِ (٢٥) كَأَنَّهُ وَحَرَةٌ (٢٦) فَلَا أرَاهُ إلَّا قَدْ كَذَبَ عَلَيْهَا، وَإنْ جَاءَتْ بِهِ أكْحَلَ، جَعْدًا، جُمالِيًّا (٢٧)، سابِغَ الأَلْيَتَيْنِ، خَدَلَّجَ السّاقَيْنِ (٢٨)، فَهُوَ لِلَّذِى رُمِيَتْ به". فأتَتْ به على النَّعْتِ

стр. 4172

المَكْرُوهِ، فقال النبيُّ ﷺ : "لَوْلَا الْأَيْمانُ لَكَانَ لِى وَلَهَا شَأْنٌ" (٢٩). فقد حَكَمَ به النبيُّ ﷺ للذى أشْبَهَهُ منهما. وقوله: "لَوْلَا الْأَيْمانُ لَكَانَ لِى وَلَهَا شَأْنٌ". يَدُلُّ على أنَّه لم يَمْنَعْهُ من العَمَلِ بالشَّبَهِ إلَّا الأَيْمانُ، فإذا انْتَفَى المانِعُ يَجِبُ العَمَلُ به لِوُجُودِ مُقْتَضِيه. وكذلك قولُ النبيِّ ﷺ في ابْنِ أمَةِ زَمْعَةَ، حين رَأَى به شَبَهًا بَيِّنًا بِعُتْبَةَ بن أبِى وَقَّاصٍ: "احْتَجِبِى مِنْهُ يَا سَوْدَةُ" (٣٠). فعَمِلَ بالشَّبَه في حَجْبِ سَوْدَةَ عنه. فإن قيل: فالحَدِيثَانِ حُجَّةٌ عليكم، إذ لم يَحْكُمِ النبيُّ ﷺ بالشَّبَهِ فيهما، بل ألْحَقَ الوَلَدَ بِزَمْعَةَ، وقال لعبدِ بن زَمْعَةَ: "هُوَ لَكَ يا عَبْدُ بْنَ زَمْعَةَ، الوَلَدُ لِلْفِرَاشِ، ولِلْعَاهِرِ الحَجَرُ". ولم يَعْمَلْ بشَبَهِ وَلَدِ المُلَاعِنةِ في إقَامةِ الحَدِّ عليها، لِشَبَهِهِ بالمَقْذُوفِ. قُلْنا: إنَّما لم يَعْمَلْ به في ابنِ أَمَةِ (٣١) زَمعةَ؛ لأنَّ الفِرَاشَ أقْوَى، وتَرْكُ العَمَلِ بالبَيِّنةِ لِمُعارَضَةِ ما هو أقْوَى منها (٣٢)، لا يُوجِبُ الإِعْراضَ عنها (٣٣) إذا خَلَتْ عن المُعارِضِ (٣٤). وكذلك تَرَكَ إقَامَةَ الحَدِّ عليها من أجْلِ أَيْمانِها، بِدَلِيلِ قوله: "لَوْلَا الْأَيْمانُ لَكَانَ لِى وَلَهَا شَأْنٌ". على أنَّ ضَعْفَ الشَّبَه عن إقَامةِ الحَدِّ لا يُوجِبُ ضَعْفَه

стр. 4173

عن إلْحاقِ النَّسَبِ، فإنَّ الحَدَّ في الزِّنَى لا يَثْبُتُ إلَّا بأَقْوَى البَيِّناتِ، وأكْثَرِها عَدَدًا، وأقْوَى الإِقْرارِ، حتى يُعْتَبَرَ فيه تَكْرَارُه أرْبَعَ مَرّاتٍ، ويُدْرَأُ بالشُّبُهاتِ، والنَّسَبُ يَثْبُتُ بشهَادَةِ امْرَأةٍ واحِدَةٍ على الوِلَادةِ، ويَثْبُتُ بمُجَرَّدِ الدَّعْوَى، ويَثْبُتُ مع ظُهُورِ انْتِفائِه, حتى لو أن امْرَأةً أتَتْ بوَلَدٍ وزَوْجُها غائِبٌ عنها منذ عِشْرِينَ سَنة، لَحِقَه وَلَدُها، فكيف يحْتَجُّ على نَفْيِه بعَدَمِ إقَامةِ الحَدِّ! ولأنَّه حَكَمَ بِظَنٍّ غالِبٍ، ورَأْىٍ راجِحٍ، ممَّن هو من أهْلِ الخِبْرةِ، فجاز، كَقَوْلِ المُقَوِّمِينَ. وقولُهم: إنَّ الشَّبَه يجوزُ وُجُودُه [وعَدَمُه. قُلْنا: الظاهِرُ وُجُودُه] (٣٥)، ولهذا قال: النبيُّ ﷺ حين قالت أُمُّ سَلَمةَ: أو تَرَى ذلك المَرْأَة؟ قال: "فَمِنْ أيْنَ يَكُونُ الشَّبَهُ؟ " (٣٦). والحَدِيثُ الذي احْتَجُّوا به حُجَّةٌ عليهم؛ لأنَّ إنْكارَ الرَّجُلِ وَلَدَه لمُخَالَفَةِ لَوْنِه، وعَزْمَهُ على نَفْيِه لذلك، يَدُلُّ على أنَّ العادَةَ خِلَافُه، وأنَّ في طِبَاعِ الناسِ إنْكَارَه، وأنَّ ذلك إنَّما يُوجَدُ نادِرًا، وإنَّما ألْحَقَه النبيُّ ﷺ به لِوُجُودِ الفِرَاشِ، وتَجُوزُ مُخَالَفةُ الظاهِرِ لِدَلِيلٍ، ولا يجوزُ تَرْكُه من غير دَلِيلٍ، ولأنَّ ضَعْفَ الشَّبَه عن نَفْىِ النَّسَبِ لا يَلْزَمُ منه ضَعْفُه عن إثْبَاتِه، فإنَّ النَّسَبَ يُحْتَاطُ لإِثْباتِه، ويَثْبُتُ بأدْنَى دَلِيلٍ، ويَلْزَمُ من ذلك التَّشْدِيدُ في نَفْيِه، وأنَّه لا يَنْتَفِى إلَّا بأقْوَى الأَدِلَّةِ، كما أنَّ الحَدَّ لَمَّا انْتَفَى بالشَّبَهِ، لم يَثْبُتْ إلَّا بأَقْوَى دَلِيلٍ، فلا يَلْزَمُ حينئذٍ من المَنْعِ من نَفْيِه بالشَّبَهِ في الخَبَرِ المَذْكُورِ، أن لا يَثْبُتَ به النَّسَبُ في مَسْأَلَتِنا. فإن قيل: فههُنا إن عَمِلْتُم بالقَافَةِ فقد نَفَيْتُم النَّسَبَ عمَّن لم تُلْحِقْه القافَةُ به. قُلْنا: إنَّما انتفَى النَّسَبُ ههُنا لِعَدَمِ دَلِيلِه؛ لأنَّه لم يُوجَدْ إلَّا مُجَرَّدُ الدَّعْوَى، وقد عارَضَها مثلُها، فسَقَطَ حُكْمُها، وكان الشَّبَهُ مُرَجِّحًا لأَحَدِهِما، فانْتَفَتْ دَلَالَةٌ أخرى، فلَزِمَ انْتِفَاءُ النَّسَبِ لِانْتِفاءِ دَلِيلِه، وتَقدِيمُ اللِّعَانِ عليه لا يَمْنَعُ العَمَلَ به عندَ عَدَمِه، كاليَدِ تُقَدَّمُ عليها البَيِّنةُ، ويُعْمَلُ بها.

стр. 4174

فصل: والقافَةُ قَوْمٌ يَعْرِفُونَ الأَنسْابَ بالشَّبَهِ، ولا يَخْتَصُّ ذلك بِقَبِيلَةٍ مُعَيَّنة، بل مَنْ عُرِفَ منه المَعْرِفَةُ بذلك، وتَكَرَّرَتْ منه الإِصَابةُ، فهو قائِفٌ. وقيل: أكْثَر ما يكونُ في بَنِى مُدْلِجٍ رَهْطِ مُجَزِّزٍ الْمُدْلِجىّ الذي رأى أُسَامةَ وأباه زَيْدًا قد غَطَّيَا رُؤُوسَهُما، وبَدَتْ أقْدَامُهُما، فقال: "إنَّ هذِهِ الْأقْدَامَ بَعْضُهَا مِنْ بَعْضٍ". وكان إياسُ بن مُعَاوِيةَ المُزَنِىُّ قائِفًا، وكذلك قيل في شُرَيْحٍ. ولا يُقْبَلُ قولُ القائِفِ إلَّا أن يكونَ ذَكَرًا، عَدْلًا، مُجَرّبًا في الإِصَابةِ، حُرًّا؛ لأنَّ قولَه حُكْمٌ، والحكم تُعْتبَرُ له هذه الشُّرُوطُ. قال القاضي: وتُعْتَبَرُ مَعْرِفةُ القائِفِ بالتَّجْرِبَةِ، وهو أن يُتْرَكَ الصَّبِىُّ مع عَشرَةٍ من الرِّجالِ غيرِ مَن يَدَّعِيه، ويُرَى إيَّاهُم، فإن ألْحَقَه بواحدٍ منهم سَقَطَ قولُه؛ لأنَّا تَبَيَّنّا (٣٧) خَطَأَه، وإن لم يُلْحِقْه بواحدٍ منهم، أرَيْناه إيَّاه مع عِشْرِينَ فيهم مُدَّعِيهِ، فإن ألْحَقَه به لَحِقَ، ولو اعْتُبِرَ بأن يَرَى صَبِيًّا [مَعْرُوفَ النَّسَبِ] (٣٨) مع قَوْمٍ فيهم أبُوه أو أخُوه، فإذا ألْحَقَه بِقَرِيبِه، عُلِمَتْ إصَابَتُه، وإن ألْحَقَه بغيرِه، سَقَطَ قولُه، جازَ. وهذه التَّجْرِبةُ عند عَرْضِه على القائِفِ للاحْتِياطِ في مَعرِفَةِ إصَابَتِه، وإن لم نُجَرِّبْهُ في الحالِ، بَعد أن يكونَ مَشْهُورًا بالإِصَابةِ وصِحَّةِ المَعْرِفةِ في مَرَّاتٍ كَبِيرَة، جازَ. وقد رَوَيْنا أنَّ رَجُلًا شَرِيفًا شَكَّ في وَلَدٍ له من جارِيَتِه، وأَبَى أن يَسْتَلْحِقَه، فمَرَّ به إياسُ بن مُعَاوِيةَ في المَكْتَبِ، وهو لا يَعْرِفُه، فقال: ادْعُ لي أباكَ. فقال له المُعَلِّمُ: ومن أبُو هذا؟ قال: فُلَانٌ. قال: من أين عَلِمْتَ أنَّه أبُوه؟ قال: هو أشْبَهُ به من الغُرَابِ بالغُرَابِ. فقَامَ المُعَلِّمُ مَسْرُورًا إلى أبِيه، فأعْلَمَه بقولِ إياسٍ، فخَرَجَ الرَّجُلُ وسَأَلَ إيَاسًا، فقال: من أين عَلِمْتَ أنَّ هذا وَلَدِى؟ فقال: سُبْحانَ اللَّه، وهل يَخْفَى ولدُك (٣٩) على أحَدٍ، إنَّه لَأشْبَهُ (٤٠) بك من الغُرَابِ بالغُرَابِ. فَسُرَّ الرَّجُلُ، واسْتَلْحَقَ وَلَدَه.

стр. 4175

وهل يُقْبَلُ قولُ واحدٍ، أو لا يُقْبَلُ إلَّا قول اثْنَيْنِ؟ فظاهِرُ كلامِ أحمدَ، أنَّه لا يُقْبَلُ إلَّا قولُ اثْنَيْنِ، فإنَّ الأثْرَمَ رَوَى عنه، أنَّه قِيل له: إذا قال أحَدُ القافَةِ: هو لهذا. وقال الآخَرُ: هو لهذا؟ قال: لا يُقْبَلُ واحِدٌ حتى يَجْتَمِعَ اثْنانِ، فيكونَانِ شاهِدَيْنِ. فإذا شَهِدَ اثْنانِ من القافَةِ أنَّه لهذا، فهو لهذا؛ لأنَّه قولٌ يَثْبُتُ به النَّسَبُ، فأشْبَهَ الشَّهَادَةَ. وقال القاضِى: يُقْبَلُ قولُ الواحِدِ؛ لأنَّه حُكْمٌ، ويُقْبَلُ في الحُكْمِ قولُ واحدٍ. وحَمَلَ كَلَامَ أحمدَ على ما إذا تَعَارَضَ قولُ القائِفِينَ، فقال: إذا خالَفَ القائِفُ غيرَه، تَعَارَضَا وسَقَطَا. وإن قال اثْنانِ قَوْلًا، وخالَفَهُما واحدٌ، فقَوْلُهما أَوْلَى؛ لأنَّهما شاهِدَانِ، فقَوْلُهما أقْوَى من قولِ واحدٍ. وإن عَارَضَ قَوْلُ اثْنَيْنِ قَوْلَ اثْنَيْنِ، سَقَطَ قولُ الجَمِيعِ. وإن عارَضَ قَوْلُ الاثْنَيْنِ ثَلاثَةً فأكْثَر (٤١)، لم يُرَجَّحْ، وسَقَطَ الجَمِيعُ، كما لو كانت إحْدَى البَيِّنَتَيْنِ اثْنَيْنِ، والأُخْرَى ثَلَاثَةً [أو أكثرَ] (٤٢). فأمَّا إن ألْحَقَتْهُ القافَةُ بواحِدٍ، ثم جاءَتْ قافَةٌ أخرى فأَلْحَقَتْه بآخَرَ، كان لاحِقًا بالأَوَّلِ؛ لأنَّ القائِفَ جَرَى مَجْرَى حُكْمِ الحاكِمِ، ومتى حَكمَ الحاكِمُ حُكْمًا لم يَنْتَقِضْ بمُخَالَفَةِ غيرِه له. وكذلك إن ألْحَقَتْهُ بواحِدٍ، ثم عادَتْ فأَلْحَقَتْهُ بغيرِه؛ لذلك. فإن أقَامَ الآخَرُ بَيِّنةً أنَّه وَلَدُه، حُكِمَ له به، وسَقَطَ قولُ القائِفِ؛ لأنَّه بَدَلٌ، فيَسْقُطُ بِوُجُودِ الأصْلِ، كالتَّيَمُّمِ مع الماءِ. فصل: وإن أَلْحَقَتْهُ القافَةُ بكافِرٍ أو رَقِيقٍ، لم يُحْكَمْ بِكُفْرِه ولا رِقِّهِ؛ لأن الحُرِّيَّةَ والإِسْلَامَ ثَبَتَا له بِظَاهِرِ الدَّارِ، فلا يَزُولُ ذلك بمُجَرَّدِ الشَّبَهِ والظَّنِّ، كما لم يَزُلْ ذلك بمُجَرَّدِ الدَّعْوَى من المُنْفَرِدِ. وإنَّما قَبِلْنا قولَ القائِفِ في النَّسَبِ، لِلْحَاجَةِ إلى إثْبَاتِه، ولِكَوْنِه غيرَ مُخَالِفٍ لِلظَّاهِرِ، ولهذا اكْتَفَيْنَا فيه بمُجَرَّدِ الدَّعْوَى من المُنْفَرِدِ، ولا حاجَةَ إلى إثْباتِ (٤٣) رِقِّه وكُفْرِه، وإثْبَاتُهُما يُخَالِفُ الظّاهِرَ. فصل (٤٤): ولو ادَّعَى نَسَبَ اللَّقِيطِ إنْسانٌ، فأُلْحِقَ نَسَبُه به، لِانْفِرَادِه

стр. 4176

بالدَّعْوَى، ثم جاءَ آخَرُ فَادَّعاهُ، لم يَزُلْ نَسَبُه عن الأوَّلِ؛ لأنَّه حُكِمَ له (٤٥) به، فلا يَزُولُ بمُجَرَّدِ الدَّعْوَى. فإن أَلْحَقَتْهُ به القافَةُ، لَحِقَ به، وانْقَطَعَ عن الأوَّلِ؛ لأنَّها بَيِّنةٌ [في إلْحَاقِ النَّسَبِ، ويَزُولُ بها الحُكْمُ الثَّابِتُ بمُجَرَّدِ الدَّعْوَى، كالشَّهَادَةِ. فصل] (٤٦): وإذا ادَّعاهُ اثْنانِ، فأَلْحَقَتْهُ القافَةُ بهما، لَحِقَ بهما، وكان ابْنَهُما، يَرِثُهُما مِيرَاثَ ابْنٍ، ويَرِثَانِه جَمِيعًا مِيرَاثَ أبٍ واحدٍ. وهذا يُرْوَى عن عمرَ، وعلىٍّ، رَضِىَ اللهُ عنهما. وهو قولُ أبى ثَوْرٍ. وقال أصْحابُ الرَّأْىِ: يُلْحَقُ بهما بمُجَرَّدِ الدَّعْوَى. وقال الشافِعِىُّ: لا يُلْحَقُ بأَكْثَرَ من والدٍ، فإذا ألْحَقَتْهُ بهما سَقَطَ قَوْلُهما، ولم يُحْكَمْ لهما. واحْتجَّ برِوَايةٍ عن عمرَ، رَضِىَ اللهُ عنه، أنَّ القافَةَ قالت: قد اشْتَرَكَا فيه. فقال عُمَرُ: وَالِ أيَّهما شِئْتَ. ولأنَّه لا يُتَصَوَّرُ كَوْنُه من رَجُلَيْنِ، فإذا ألْحَقَتْهُ القافَةُ بهما، تَبَيَّنَّا كَذِبَهُما، فسَقَطَ قَوْلُهما، كما لو أَلْحَقَتْهُ بأُمَّيْنِ (٤٧)، ولأن المُدَّعِيَيْنِ (٤٨) لو اتَّفَقَا على ذلك، لم يَثْبُتْ، ولو ادَّعاهُ كلُّ واحدٍ منهما، وأقَامَ بَيِّنَةً، سَقَطَتَا، ولو جازَ أن يُلْحَقَ بهما، لَثَبَتَ باتِّفَاقِهِما، وألْحِقَ بهما عندَ تَعَارُضِ بَيِّنَتِهما. ولَنا، ما رَوَى سَعِيدٌ، في "سُنَنِه": ثنا سُفْيانُ، عن يَحْيَى بن (٤٩) سَعِيدٍ، عن سليمانَ بن يَسَارٍ، عن عمرَ، في امْرَأةٍ وَطِئَها رَجُلانِ في طُهْرٍ، فقال القائِفُ: قد اشْتَرَكَا فيه جَمِيعًا. فجَعَلَه بينهما (٥٠). وبإسْنَادِه عن الشَّعْبِىِّ قال: وعلىٌّ يقول: هو ابْنُهُما، وهما أبَوَاه، يَرِثُهُما ويَرِثَانِه (٥١). ورَوَاهُ الزُّبَيْرُ بن بَكَّارٍ، بإسْنادِه عن عمرَ. وقال

стр. 4177

الإِمامُ أحمدُ: حَدِيثُ قَتَادَةَ عن سَعِيدٍ عن عمرَ، جَعَلَه بينهما، وقَابُوس عن أبِيه عن عليٍّ (٥٢)، جَعَلَه بينهما. ورَوَى الأثْرَمُ، بإسْنادِه عن سَعِيدِ بن المُسَيِّبِ، في رَجُلَيْنِ اشْتَرَكَا في طُهْرِ امْرَأةٍ، فحَمَلَتْ فوَلَدَتْ غُلَامًا يُشْبهُهُما، فَرُفِعَ ذلك إلى عمرَ بن الخَطَّابِ، رَضِىَ اللَّه عنه، فدَعَا القافَةَ فنَظَرُوهُ (٥٣)، فقالوا: نَرَاه يُشْبِهُهُما. فألْحَقَه بهما، وجَعَلَه يَرِثُهُما ويَرِثَانِه (٥٤). قال سَعِيدٌ: عَصَبَتُه الباقِى منهما. وما ذَكَرُوه عن عمرَ لا نَعْلَمُ صِحَّتَه، وإن صَحَّ فيَحْتَمِلُ أنَّه تَرَكَ قولَ القافَةِ لأمْرٍ آخَرَ، إمَّا لِعَدَمِ ثِقَتِهِما، وإمَّا لأنَّه ظَهَرَ له من قَوْلِهما واخْتلافِهما (٥٥) ما يُوجِبُ تَركَه، فلا يَنْحَصِرُ المانِعُ من قَبُولِ قَوْلِهما في أنَّهما اشْتَرَكَا فيه. قال أحمدُ: إذا ألْحَقَتْهُ القافَةُ بهما، وَرِثَهُما وَوَرِثَاه، فإن ماتَ أحَدُهُما، فهو للباقِى منهما، ونَسَبُه من الأَوَّلِ قائِمٌ، لا يُزِيلُه شيءٌ. ومَعْنَى قولِه: "هو لِلْباقِى منهما". واللهُ أعْلَمُ، أنَّه يَرِثُه مِيرَاثَ أبٍ كامِلٍ، كما أنَّ الجَدّةَ إذا انْفَرَدَتْ أخَذَتْ ما يَأْخُذُه الجدَّاتُ، والزَّوْجَةُ تَأْخُذُ وَحْدَها ما يَأْخُذُه جَمِيعُ الزَّوْجاتِ. فصل: وإن ادَّعاهُ أكْثَرُ منْ اثْنَيْنِ، فأَلْحَقَتْهُ بهم القافَةُ، فنَصَّ أحمدُ، في رِوَايةِ مُهَنَّا، أنَّه يُلْحَقُ بِثَلَاثَةٍ. ومُقْتَضَى هذا أنَّه يُلْحَقُ بمَن أَلْحَقَتْهُ القافَةُ وإن كَثُرُوا. وقال أبو عبدِ اللَّه ابن حامِدٍ: لا يُلْحَقُ بأكْثَرَ من اثْنَيْنِ. وهو قولُ أبى يوسفَ؛ لأنَّا صِرْنَا (٥٦) إلى ذلك لِلْأَثَرِ، فيُقْتَصَرُ عليه. وقال القاضي: لا يُلْحَقُ بأَكْثَرَ من ثَلَاثةٍ، وهو قولُ محمدِ

стр. 4178

ابن الحَسَنِ. ورُوِى ذلك عن أبي يوسفَ أيضًا. ولَنا، أنَّ المَعْنَى الذي لأَجْلِه لَحِقَ بِاثْنَيْنِ، مَوْجُودٌ فيما زَادَ عليه، فَيُقاسُ عليه، وإذا جازَ أن يُخْلَقَ (٥٧) من اثْنَيْنِ، جازَ أن يُخْلَقَ (٥٧) من أكْثَرَ من ذلك. وقولُهم: إن إلْحاقَه بالاثْنَيْنِ على خِلَافِ الأَصْلِ. مَمْنُوعٌ، وإن سَلَّمْنَاهُ، لكنَّه ثَبَتَ لِمَعْنًى مَوْجودٍ في غيرِه، فيَجِبُ تَعْدِيَةُ الحُكْمِ به، كما أنَّ إباحَةَ أكْلِ المَيْتَةِ عند المَخْمَصَةِ أُبِيحَ على خِلَافِ الأصْلِ، لا يَمْنَعُ من أن يُقَاسَ على ذلك مالُ غيرِه، والصَّيْدُ الحَرَمِىُّ، وغيرُهما من المُحَرَّماتِ، لِوُجُودِ المعْنَى، وهو إبْقاءُ النَّفْسِ، وتَخْلِيصُها من الهَلَاكِ. وأمَّا قولُ مَن قال: إنَّه يجوزُ إلْحاقُه بثَلَاثةٍ، ولا يُزَادُ على ذلك، فتَحَكُّمٌ، فإنَّه لم يَقْتَصِرْ على المَنْصُوصِ عليه، ولا عَدَّى الحُكْمَ إلى كلِّ ما وُجِدَ فيه المَعْنَى، ولا نَعْلَمُ في الثَّلَاثةِ مَعْنًى خاصًّا يَقْتَضِى إلْحاقَ النَّسَبِ بهم، فلم يَجُز الاقْتِصارُ عليه بالتَّحَكُّمِ. فصل: وإذا لم تُوجَدْ قافَةٌ، أو أَشْكَلَ الأَمْرُ عليها، أو تَعَارَضَتْ أقْوَالُها، أو وُجِدَ مَن لا يُوثَق بقَوْلِه، لم يُرَجَّحْ أحَدُهُما بِذِكْرِ عَلَامةٍ في جَسَدِه؛ لأنَّ ذلك لا يُرَجَّحُ به في سائِر الدَّعاوى، سِوَى الالْتِقَاظِ في المالِ واللَّقِيط، ويَضِيعُ نَسَبُه. هذا قولُ أبى بكرٍ. وقد أوْمَأَ (٥٨) أحمدُ، ﵀، في رَجُلَيْنِ وَقَعَا على امْرَأةٍ في طُهْرٍ واحدٍ، إلى أنَّ الابْنَ يُخَيَّرُ أيَّهما أحَبَّ. وهو قولُ أبى عبدِ اللَّه ابن حامِدٍ، قال: يُتْرَكُ حتى يَبْلُغَ، فيَنْتَسِبُ إلى مَنْ أحَبَّ منهما. وهو قولُ الشافِعِىِّ الجَدِيدُ، وقال في القَدِيمِ: حتى يُمَيّزَ؛ لقولِ عمرَ: وَالِ أيَّهما شِئْتَ. ولأن الإِنْسانَ يَمِيلُ بِطَبْعِه (٥٩) إلى قَرِيبِه دُونَ غيرِه، ولأنَّه مَجْهُولٌ نَسَبُه، أقرَّ به مَنْ هو من أهْلِ الإِقْرَارِ، وصَدَّقَهُ المُقَرُّ له، فيَثْبُتُ نَسَبُه، كما لو انْفَرَدَ. وقال أصْحابُ الرَّأْىِ: يُلْحَقُ بالمُدَّعِيَيْنِ بمُجَرَّدِ الدَّعْوَى؛ لأنَّ كلَّ واحدٍ منهما لو انْفَرَدَ سُمِعَتْ دَعْواهُ، فإذا اجْتَمَعا، وأمْكَنَ العَمَلُ بهما، وَجَبَ، كما لو أقَرَّ

стр. 4179

له بمالٍ. ولَنا، أنَّ دَعْوَاهُما تَعَارَضَتَا، ولا حُجَّةَ لواحدٍ منهما، فلم تَثْبُتْ، كما لو ادَّعَيَا رِقَّهُ. وقولُهم: يَمِيلُ بِطَبْعِه (٦٠) إلى قَرَابَتِه. قُلْنا: إنَّما يَمِيلُ إلى قَرَابَتِه بعدَ مَعْرِفَتِه بأنَّها قَرَابَتُه، فالمَعْرِفَةُ بذلك سَبَبُ المَيْلِ، [فلا يثبُتُ] (٦١) قبلَه، ولو ثَبَتَ أنَّه يَمِيلُ إلى قَرَابَتِه، لكنَّه قد يَمِيلُ إلى مَن أحْسَنَ إليه، فإن القُلُوبَ جُبِلَتْ على حُبِّ مَنْ أحْسَنَ إليها، وبُغْضِ مَنْ أسَاءَ إليها، وقد يَمِيلُ إليه لإِسَاءةِ الآخَر إليه، وقد يَمِيلُ إلى أَحْسَنِهِما خُلُقًا أو أعْظَمِهما قَدْرًا أو جَاهًا أو مالًا، فلا يَبْقَى لِلْمَيْلِ أثَرٌ في الدَّلَالَةِ على النَّسَبِ. وقولُهم: إنَّه صَدَّقَ المُقِرَّ بِنَسَبِه. قُلْنا: لا يَحِلُّ له تَصدِيقُه، فإنَّ النبيَّ ﷺ لَعَنَ من ادَّعَى إلى غير أبيه، أو تَوَلَّى غيرَ مَوَالِيه (٦٢). وهذا لا يَعْلَمُ أنَّه أبُوه، فلا يَأْمَنُ أن يكونَ مَلْعُونًا بِتَصْدِيقِه، ويُفَارِقُ ما إذا انْفَرَدَ، فإنَّ المُنْفَرِدَ يثْبُتُ (٦٣) النَّسَبُ بقَوْلِه من غيرِ تَصْدِيقٍ. وأمَّا قولُ عمرَ: وَالِ أيَّهما (٦٤) شِئْتَ. فلم يَثبُتْ، ولو ثَبَتَ لم يكُنْ فيه حُجَّةٌ؛ فإنَّه إنَّما أمَرَه بالمُوَلَاةِ، لا بالانْتِسَابِ. وعلى قولِ من جَعَلَ له الانْتِسابَ إلى أحَدِهِما، لو انْتَسَبَ إلى أحَدِهِما، ثم عادَ وانْتَسَبَ إلى الآخَر، ونَفَى (٦٥) نَسَبَه من الأَوّل، أو لم يَنْتَسِبْ إلى أحدٍ (٦٦)، لم يُقْبَلْ منه؛ لأنَّه قد ثَبَتَ نَسَبُه، فلا يُقْبَلُ رُجُوعُه عنه، كما لو ادَّعَى مُنْفَرِدٌ نَسَبَه ثم أنْكَرَه، ويُفَارِقُ الصَّبِىَّ الذي يُخَيَّرُ بين أبَويْهِ، فيَخْتَارُ أحَدَهُما، ثم يَرُدُّ إلى (٦٧) الآخَرِ، إذا اخْتَارَه، فإنَّه لا حُكْمَ لقولِ الصَّبِىِّ، وإنَّما تَبِعَ اخْتِيَارَه وشَهْوَتَه، فأشْبَهَ ما لو اشْتَهَى طَعَامًا في يَوْمٍ، ثم اشْتَهَى غيرَه في يومٍ

стр. 4180

آخَرَ. وإن قامَتْ للآخَرِ بِنَسَبِه بَيِّنةٌ، عُمِلَ بها، وبَطَلَ انْتِسَابُه؛ لأنها (٦٨) تُبْطِلُ قولَ القافَةِ (٦٩) , الذي هو مُقَدَّمٌ على الانْتِسابِ، فلَأن تُبْطِلَ الانْتِسَابَ أَوْلَى. وإن وُجِدَتْ قافَةٌ بعدَ انْتِسَابِه، فأَلْحَقَتْهُ بغيرِ من انْتَسَبَ إليه، بَطَلَ انْتِسَابُه أيضًا؛ لأنَّه أقْوَى، فبَطَلَ به الانْتِسابُ كالبَيِّنةِ مع قولِ القافَةِ. فصل: وإن ادَّعَت امْرَأتانِ نَسَبَ وَلَدٍ، فذلك مَبْنِىٌّ على قَبُولِ دَعْواهما (٧٠)، فإن كانَتَا ممَّن لا تُقْبَلُ دَعْواهما، لم تُسْمَعْ دَعْواهما. وإن كانت إحْداهُما ممن تُسْمَعُ دَعْواها (٧١) دون الأُخْرَى، فهو ابْنُها (٧٢)، كالمُنْفَرِدَةِ به. وإن كانَتَا جميعا ممَّن تُسْمَعُ دَعواهما، فهما في إثْباتِه بالبَيِّنةِ أو كَوْنِه يُرَى القافَة مع عَدَمِها كالرَّجُلَيْنِ. قال أحمدُ، في رِوَايةِ بكرِ بن محمدٍ، في يَهُودِيّةٍ ومُسْلِمةٍ وَلَدَتَا، فادَّعَتِ اليَهُودِيّةُ وَلَدَ المُسْلِمةِ، فتَوَقَّفَ، فقيل: يُرَى القافة؟ فقال: ما أَحْسَنَهُ. ولأنَّ الشَّبَه يُوجَدُ بينها وبين ابْنِها، كوُجُودِه بين الرَّجُلِ وابْنِه، بل أكْثرَ، لِاخْتِصَاصِهَا (٧٣) بِحَمْلِه وتَغْذِيَتِه، والكافِرَةُ والمُسْلِمةُ، والحُرَّةُ والأمَةُ، في الدَّعْوَى واحِدَةٌ، كما قلنا في الرَّجُلِ. وهذا قولُ أصْحابِ الشافِعِىِّ، على الوَجْهِ الذي يقولُون فيه بِقَبُولِ دَعْواها (٧٤). وإن ألْحَقَتْهُ القافَةُ بأُمَّيْنِ، لم يُلْحَقْ بهما، وبَطَلَ قولُ القافَةِ؛ لأنَّنا نَعْلَمُ خَطَأَه يَقِينًا. وقال أصْحابُ الرَّأْىِ: يُلْحَقُ بهما بمُجَرَّدِ الدَّعْوَى؛ لأنَّ الأُمَّ أحَدُ الأَبَوَيْنِ، فجازَ أن يُلْحَقَ باثْنَيْنِ، كالآبَاءِ. ولَنا، أنَّ كَوْنَه منهما مُحالٌ يَقِينًا. فلم يَجُز الحُكْمُ به، كما لو كان أكْبَرَ (٧٥)

стр. 4181

منهما أو مِثْلَهُما، وفارَقَ الرَّجُلَيْنِ، فإنَّ كَوْنَه منهما مُمْكِنٌ، فإنَّه يجوزُ اجْتِماعُ [النُّطْفَتَيْنِ لِرَجُلَيْنِ] (٧٦) في رَحِمِ امْرَأةٍ، فيُمْكِنُ أن يُخْلَقَ منهما وَلَدٌ، كما يُخْلَقُ من نُطْفَةِ الرَّجُلِ والمَرْأَةِ؛ ولذلك قال القائِفُ لِعُمَرَ: قد اشْتَرَكَا فيه (٧٧). ولا يَلْزَمُ من إلْحَاقِه بمن يُتَصَوَّرُ كَونُه منه، إلْحَاقُه بمَن يَسْتَحِيلُ كَوْنُه منه، كما لم يَلْزَمْ من إلْحَاقِه بمَنْ يُولَد مِثْلُه لِمِثْلِه (٧٨) إلْحَاقُه بأَصْغَرَ منه. فصل: فإن ادَّعَى نسَبَه رَجُلٌ وامْرَأةٌ، فلا تَنافِىَ بينهما؛ لأنَّه يُمْكِنُ أن يكونَ منهما بِنِكاحٍ كان بينهما، أو وَطْءِ شُبْهةٍ، فيُلْحَقَ بهما جَمِيعا، ويكونَ ابْنَهُما بمُجَرَّدِ دَعْوَاهُما، كما لو انْفَرَدَ كلُّ واحدٍ منهما بالدَّعْوَى (٧٩). وإن قال الرَّجُلُ: هذا ابْنِى من زَوْجَتِى. وادَّعَتْ زَوْجَتُه ذلك، وادَّعَتْهُ امْرَأةٌ أخرى، فهو ابنُ الرَّجُلِ، وهل تُرَجَّحُ زَوْجَتُه على الأُخْرَى؟ يَحْتَمِلُ وَجْهَيْنِ؛ أحدهما، تُرَجَّحُ؛ لأنَّ زَوْجَها أبُوه، فالظاهِرُ أنَّها أُمُّه. ويَحْتَمِلُ أن يَتَسَاوَيا؛ لأنَّ كلَّ واحِدَةٍ منهما لو انْفَرَدَتْ، لَألْحِقَ بها، فإذا اجْتَمَعَتَا تَسَاوَتَا. فصل: وإن وَلَدَتِ امْرَأَتانِ ابْنًا وبِنْتًا، فادَّعَتْ كلُّ واحِدَةٍ منهما أنَّ الابنَ وَلَدُها دون البِنْتِ، احْتَمَلَ وَجْهَيْنِ؛ أحدهما، أن تَرَى المَرْأَتَيْنِ القَافَةُ مع الوَلَدَيْنِ، فيُلْحَقُ كلُّ واحِدٍ منهما بمَنْ أَلْحَقَتْهُ، به، كما لو لم يكُنْ لهما وَلَدٌ آخَرُ. والثانى، أن نَعْرِضَ لَبَنَيْهِمَا (٨٠) على أهْلِ الطِّبِّ والمَعْرِفَةِ، فإنَّ لَبَنَ الذَّكَرِ يُخَالِفُ لَبَنَ الأُنْثَى في طَبْعِه وزِنَتِه، وقد قيل: إنَّ (٨١) لَبَنَ الابْنِ ثَقِيلٌ، ولَبن البِنْتِ خَفِيفٌ، فيُعْتَبَرانِ

стр. 4182

بِطَابَعِهِما (٨٢) وَوَزْنِهِما، وما يَخْتَلِفانِ به (٨٣) عند أهْلِ المَعْرِفةِ، فمن كان لَبَنُهَا لَبَنَ الابْنِ، فهو وَلَدُها، والبِنْتُ للأُخْرَى. فإن لم يُوجَدْ قافَةٌ، اعْتَبَرْنا اللَّبَنَ خاصَّةً. وإن تَنَازَعَا أحَدَ الوَلَدَيْنِ، وهما جَمِيعًا ذَكَرَانِ أو أُنْثَيانِ، عُرِضُوا على القافَةِ. كما ذَكَرْنا فيما تَقَدَّمَ. فصل: ولو ادَّعَى اللَّقِيطَ رَجُلَانِ، فقال أحَدُهُما: هو ابْنِى. وقال الآخَرُ: هو ابنتى. نَظَرْنا، فإن كان ابْنًا فهو لمِدَّعِيه، وإن كانت بِنْتًا فهى لِمْدَّعِيها؛ لأنَّ كلَّ واحدٍ منهما لا يَسْتَحِقُّ غيرَ ما ادَّعاهُ. وإن كان خُنْثَى مُشْكِلًا، أُرِىَ القافة معهما؛ لأنَّه ليس قولُ واحدٍ منهما أَوْلَى من الآخَر. وإن أقَامَ كلُّ واحدٍ منهما بَيِّنةً بما ادَّعاهُ، فالحُكْمُ فيهما كالحُكْمِ فيما لو انْفَرَدَ كلُّ واحدٍ منهما بالدَّعْوَى؛ لأنَّ بَيِّنةَ الكاذِبِ منهما كاذِبَةٌ، وُجُودُها كَعَدَمِها، والأُخْرَى صادِقَةٌ، فيَتَعَيَّنُ الحُكْمُ بها. فصل: وإذا وَطِئَ رَجُلانِ امْرَأةً في طُهْرٍ واحدٍ، وَطْئًا يَلْحَقُ النَّسَبُ بمثلِه، فأتَتْ بِوَلَدٍ يُمْكِنُ أن يكونَ منهما، مثل أن يَطَآ جارِيةً مُشْتَرَكَةً بينهما في طُهْرٍ، أو يَطَأَ رَجُلٌ امْرَأةَ آخَر أو أمَتَه بِشُبْهَةٍ، في الطُّهْرِ الذي وَطِئَها زَوْجُها أو سَيِّدُها فيه، بأن يَجِدَها على فِرَاشِه، فيَظُّنُّها زَوْجَتَه أو أمَتَه، أو يَدْعُو زَوْجَتَه في ظُلْمةٍ، فتُجِيبُه زَوْجَةُ آخَرَ أو جارِيَتُه، أو يَتَزَوَّجُها كلُّ واحدٍ منهما تَزْوِيجًا فاسِدًا، أو يكونُ نِكَاحُ أحَدِهِما صَحِيحًا والآخَرُ فاسِدًا، مثل أن يُطَلِّقَ رَجُلٌ امْرَأتَه فيَنْكِحَها آخَرُ في عِدَّتِها وَوَطِئَها، أو يَبِيع جارِيةً فيَطَؤُها المُشْتَرِى قبلَ اسْتِبْرَائِها، وتَأْتِى بوَلَدٍ يُمْكِنُ أن يكونَ منهما، فإنَّه يُرَى القافةَ معهما، فبِأَيِّهِما أَلْحَقُوهُ لَحِقَ. والخِلَافُ فيه كالخِلَافِ في اللَّقِيطِ. فصل: وإذا ادَّعَى رِقَّ اللَّقِيطِ مُدَّعٍ، سُمِعَتْ دَعْواه؛ لأنَّها مُمكِنَةٌ، وإن كانت مُخَالِفةً لِظَاهِرِ الدَّارِ، فإن لم تكنْ له بَيِّنةٌ، فلا شىءَ له؛ لأنَّها دَعْوَى تُخَالِفُ الظاهِرَ،

стр. 4183

ويُفارِقُ (٨٤) دَعْوَى النَّسَبِ من وَجْهَيْنِ؛ أحدهما، أنَّ دَعْوَى النَّسَبِ لا تُخَالِفُ الظاهِرَ، ودَعْوَى الرِّقِّ مُخَالِفَةٌ له. والثانى، أن دَعْوَى النَّسَبِ يُثْبِتُ بها حَقًّا لِلَّقِيطِ، ودَعْوَى الرِّقِّ تُثْبِتُ حَقًّا عليه، فلم تُقْبَلْ بمُجَرَّدِها، كما لو ادَّعَى رِقَّ غير اللَّقِيطِ. فإذا لم تكُنْ له بَيِّنةٌ، سَقَطَتِ الدَّعْوَى. وإن كانت له بَيِّنةٌ، لم تَخْلُ؛ إمَّا أن تَشْهَدَ باليَدِ أو بالمِلْكِ أو بالوِلَادَةِ، فإن شَهِدَتْ بالمِلْكِ أو باليَدِ، لم تُقْبَلْ فيه إلَّا شَهَادَةُ رَجُلَيْنِ، أو رَجُلٍ وامْرَأتَيْنِ، وإن شَهِدَتْ بالوِلَادةِ، قُبِلَ فيه امْرَأةٌ واحِدَةٌ أو رَجُلٌ واحِدٌ؛ لأنَّه ممَّا لا يَطَّلِعُ عليه الرِّجَالُ، ثم نَنْظُرُ؛ فإن شَهِدَتِ البَيِّنةُ باليَدِ، فإن كانت لِلْمُلْتَقِطِ، لم يَثْبُتْ بها مِلْكٌ؛ لأنَّنا عَرَفْنا سَبَبَ يَدِه، فإن كانت لأجْنَبِىٍّ، حُكِمَ له باليَدِ، والقولُ قولُه مع يَمِينِه في المِلْكِ، وإن شَهِدَتْ بالمِلْكِ، فقالت: نَشْهَدُ أنَّه عَبْدُه أو مَمْلُوكُه. حُكِمَ بها، وإن لم تَذْكُرْ سَبَبَ المِلْكِ، كما لو شَهِدَتْ بمِلْكِ دارٍ أو ثَوْبٍ. فإن شَهِدَتْ بأنَّ أمَتَه وَلَدتْه في مِلْكِه، حُكِمَ له به؛ لأنَّ أمَتَه لا تَلِدُ في مِلْكِه إلَّا ملْكَه. وإن شَهِدَتْ أنه ابْنُ أمَتِه، أو أنَّ أمَتَه وَلَدَتْه، ولم تقُلْ: في مِلْكِه. احْتَمَلَ أن يَثْبُتَ له المِلْكُ بذلك، كقَوْلِها في مِلْكِه؛ لأنَّ أمَتَه مِلْكُه، فنَمَاؤُها مِلْكُه، كسِمَنِها (٨٥). واحْتَمَلَ أن لا يَثْبُتَ المِلْكُ؛ لأنَّه يجوزُ أن تَلِدَه قبلَ مِلْكِه لها، فلا تكونُ له وهو ابْنُ أمَتِه. فصل: وإن ادَّعَى رِقَّ اللَّقِيطِ بعدَ بُلُوغِه مُدَّعٍ، كُلِّفَ إجَابَته، فإن أنْكَرَ ولا بَيِّنَة لِلْمُدَّعِى، لم تُقْبَلْ دَعْوَاه، وإن كانت له بَيِّنةٌ، حُكِمَ له (٨٦) بها، فإن كان اللَّقِيطُ قد تَصَرَّفَ قبَل ذلك بِبَيْعٍ أو شِرَاءٍ، نُقِضَتْ تَصَرُّفَاتُه؛ لأنَّه بَانَ أنَّه تَصَرَّفَ بغيرِ إذْنِ سَيِّدِه، وإن لم تكن بَيِّنَةٌ، فأقَرَّ بالرِّقِّ، نَظَرْنا؛ فإن كان اعْتَرَفَ لِنَفْسِه بالحُرِّيّةِ قبلَ ذلك، لم يُقْبَلُ إقْرَارُه بالرِّقِّ، لأنَّه اعْتَرَفَ بالحُرِّيّةِ، وهى حَقٌّ للَّه تعالى، فلا يُقْبَلُ رُجُوعُه في إبْطَالِها (٨٧)، وإن لم يكن اعْتَرَفَ بالحُرِّيّةِ، احْتَمَلَ وَجْهَيْنِ؛ أحدهما،

стр. 4184

يُقْبَلُ. وهو قولُ أصْحابِ الرَّأى؛ لأنَّه مَجْهُولُ الحالِ، أقَرَّ بالرِّقِّ، فيُقْبَلُ، كما لو قَدِمَ رَجُلَانِ من دارِ الحَرْبِ، فأقَرَّ أحَدُهُما للآخَرِ بالرِّقِّ. وكما لو أقَرَّ بقِصَاصٍ أو حَدٍّ، فإنَّه يُقْبَلُ وإن تَضَمَّنَ ذلك فَوَاتَ نَفْسِه. ويَحْتَمِلُ أن لا يُقْبَلَ، وهو الصَّحِيحُ؛ لأنَّه يَبْطُلُ به حَقُّ اللَّه تعالى في الحُرِّيّةِ المَحْكُومِ بها، فلم يَصِحَّ، كما لو أقَرَّ قبلَ ذلك بالحُرِّيَّةِ، ولأنَّه مَحْكُومٌ بحُرِّيَّتِه، فلم يُقْبَلْ إقْرَارُه بالرِّقّ، كما ذَكَرْنا، ولأنَّ الطِّفْلَ المَنْبُوذَ لا يَعْلَمُ رِقَّ نَفْسِه، ولا حُرِّيَّتَها، ولم يَتَجَدَّدْ له حالٌ يَعْرِفُ به رِقَّ نَفْسِه؛ لأنَّه في تلك الحال ممَّن لا يَعْقِلُ، ولم يَتَجَدَّدْ له رِقٌّ بعدَ الْتِقَاطِه، فكان إقْرَارُه باطِلًا. وهذا قول القاسِمِ، وابنِ المُنْذِرِ. ولِلشّافِعِىِّ وَجْهانِ كما ذَكَرْنا. فإن قُلْنا: يُقْبَلُ إقْرَارُه. صارَتْ أحْكامُه أحْكامَ العَبِيدِ فيما عليه دُونَ ما لَهُ. وبهذا قال أبو حنيفةَ، والمُزَنِىُّ، وهو أحدُ قَوْلَىِ الشافِعِىِّ؛ لأنَّه أقَرَّ بما يُوجِبُ حَقًّا له وحَقًّا عليه، فوَجَبَ أن يُثْبِتَ ما عليه دون ما لَه، كما لو قال: لِفُلَانٍ عَلَىَّ أَلْفُ دِرْهَمٍ، وَلِى عنده رَهْنٌ. ويَحْتَمِلُ أن يُقْبَلَ إقْرَارُه في الجَمِيعِ. وهو القولُ الثاني للشافِعِىِّ؛ لأنَّه ثَبَتَ ما عليه، فيَثْبُتُ ما لَه، كالبَيِّنةِ، ولأنَّ هذه الأحْكَامَ تَبَعٌ لِلرِّقّ، فإذا ثَبَتَ الأصْلُ بقَوْله، ثَبَتَ التَّبَعُ، كما لو شَهِدَتِ امْرَأةٌ بالوِلَادةِ، تَثْبُتُ ويَثْبُتُ النَّسَبُ تَبَعًا لها. وأمَّا إن أقَرَّ بالرِّقِّ ابْتِداءً لِرَجُلٍ، فصَدَّقَه، فهو كما لو أقَرَّ به جَوَابًا. وإن كَذَّبَه، بَطلَ إقْرَارُه. ثم إن أقَرَّ به بعدَ ذلك لِرَجُلٍ آخَرَ، جازَ. وقال بعضُ أصْحَابِنا: يَتَوَجَّهُ أن لا يُسْمَعَ إقْرَارُه الثاني؛ لأنَّ إقْرَارَه الأَوَّلَ تَضَمَّنَ (٨٨) الاعْتِرَافَ بِنَفْىِ مالكٍ له سِوَى هذا المُقَرِّ له (٨٩)، فإذا بَطَلَ إقْرَارُه بِرَدِّ المُقَرِّ له، بَقِىَ (٩٠) الاعْتِرَافُ بِنَفْىِ مالكٍ له غيرِه، فلم يُقْبَلْ إقْرَارُه بما نَفَاه، كما لو أقَرَّ بالحُرِّيّةِ ثم أقَرَّ بعدَ ذلك بالرِّقِّ. ولَنا، أنَّه إقْرَارٌ لم يَقْبَلْه المُقرُّ له، فلم يَمْنَعْ إقْرَارَه ثانِيًا، كما لو أقَرَّ له بِثَوْبٍ ثم أقَرَّ به لآخَرَ بعدَ رَدِّ الأَوَّلِ. وفارَقَ الإِقْرَارَ بالحُرِّيّةِ، فإنَّ إقْرَارَه بها لم يَبْطُلْ ولم يُرَدَّ.

стр. 4185

فصل: إذا قَبِلْنا إقْرَارَه بالرِّقِّ بعدَ نِكَاحِه، لم يَخْلُ من أن يكونَ ذَكَرًا أو أُنْثَى، فإن كان ذَكَرًا، فإن كان قبلَ الدُّخُولِ، فَسَدَ نِكَاحُه في حَقِّه؛ لأنَّه مُقِرٌّ أنَّه عَبْدٌ تَزَوَّجَ بغيرِ إذْنِ سَيِّدِه، ولها عليه نِصْفُ المَهْرِ؛ لأنَّه حَقٌّ عليه، فلم يَسْقُطْ بقَوْلِه، وإن كان بعدَ الدُّخُولِ، فَسَدَ نِكَاحُه أيضًا، ولها عليه المَهْرُ جَمِيعُه، لما ذَكَرْنا؛ لأنَّ الزَّوْجَ يَمْلِكُ الطَّلَاقَ. فإذا أقَرَّ بما يُوجِبُ الفُرْقَةَ، لَزِمَتْه، وَوَلَدُه حُرٌّ تابِعٌ لأُمِّه. وإن كان مُتَزَوِّجًا بأَمَةٍ، فوَلَدُه لِسَيِّدِها، ويَتَعَلَّقُ المَهْرُ بِرَقَبَتِه؛ لأنَّ ذلك من جِنَايَاتِه، ويَفْدِيه سَيِّدُه أو يُسَلِّمُه. وإن كان في يَدِه كَسْبٌ، اسْتَوْفَى المَهْرَ منه؛ لأنَّه لم يَثْبُتْ إقْرَارُه به لِسَيِّدِه بالنِّسْبةِ إلى امْرَأتِه، فلا يَنْقَطِعُ حَقُّها منه بإقْرَارِه. وإن قُلْنا: يُقْبَلُ قولُه في جَمِيعِ الأحْكامِ، فالنِّكَاحُ فاسِدٌ؛ لكَوْنِه تَزَوَّجَ بغيرِ إذْنِ سَيِّدِه، ويُفَرّقُ بينهما، ولا مَهْرَ لها عليه إن لم تَكُنْ مَدْخُولًا بها، وإن كان دَخَلَ بها، فلها عليه المَهْرُ المُسَمَّى جَمِيعُه، في إحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ، والأُخْرَى خُمْسَاه. وإن كان اللَّقِيطُ أُنْثَى، فالنِّكاحُ صَحِيحٌ في حَقِّه. وإن كان قبلَ الدُّخُولِ، فلا مَهْرَ لها؛ لإِقْرَارِها بِفَسَادِ نِكَاحِها، وأنها أمَةٌ تَزَوَّجَتْ بغيرِ إذْنِ سَيِّدِها، والنِّكَاحُ الفاسِدُ لا يَجِبُ المَهْرُ فيه إلَّا بالدُّخُولِ. وإن كان دَخَلَ بها، لم يَسْقُطْ مَهْرُها، ولِسَيِّدِها الأقَلُّ من المُسَمَّى أو مَهْرُ المِثْلِ؛ لأنَّ المُسَمَّى إن كان أقَلَّ، فالزَّوْجُ يُنْكِرُ وُجُوبَ الزِّيَادَةِ عليه، وقولُها غير مَقبُولٍ في حَقِّه. وإن كان الأقَلُّ مَهْرَ المِثْلِ، فهى وَسَيِّدُها يُقِرَّانِ بِفَسَادِ النِّكَاحِ، وأنَّ الواجِبَ مَهْرُ المِثْلِ، فلا يَجِبُ أكْثَرُ منه، إلَّا على الرِّوَايةِ التي يَجِبُ فيها المُسَمَّى في النِّكاحِ الفاسِدِ، فيَجِبُ ههُنا المُسَمَّى، قَلَّ أو كَثُرَ، لِاعْتِرَافِ الزَّوْجِ بِوُجُوبِه. وأمَّا الأَوْلادُ، فأحْرَارٌ، ولا تَجِبُ قِيمَتُهُم؛ لأنَّه لو وَجَبَ لَوَجَبَ بِقَوْلِها، ولا يَجِبُ بِقَوْلِها حَقٌّ على غيرِها، ولا يَثْبُتُ الرِّقُّ في حَقِّ أوْلادِها بإقْرَارِها. فأمَّا بَقَاءُ النِّكَاحِ، فيُقال لِلزَّوْجِ: قد ثَبَتَ أنَّها أمَةٌ, وَلَدُها رَقِيقٌ لِسَيِّدِها، فإن اخْتَرْتَ المُقَامَ على ذلك فأَقِمْ، وإن شِئْتَ ففَارِقْها. وسواءٌ كان ممَّن يجوزُ له نِكَاحُ الإِمَاءِ أو لم يكُنْ؛ لأنَّنا لو اعْتَبَرْنَا ذلك، وأَفْسَدْنا نِكَاحَه، لَكان إفْسَادًا لِلْعَقْدِ جَمِيعِه بِقَوْلِها؛ لأنَّ شُرُوطَ نِكَاحِ الأمَةِ لا تُعْتَبَرُ في اسْتِدَامةِ العَقْدِ، إنَّما تُعْتَبَرُ في ابْتِدَائِه. فإن قيل: فقد قَبِلْتُمْ قَوْلَها في أنَّها أمَةٌ في

стр. 4186

المُسْتَقْبَلِ، وفيه ضَرَرٌ على الزَّوْجِ. قُلْنا: لم يُقْبَلْ قَوْلُها في إيجابِ حَقٍّ لم يَدْخُلْ في العَقْدِ عليه، فأمَّا الحُكْمُ في المُسْتَقْبَلِ، فيُمْكِنُ إيفاءُ حَقِّه وحَقِّ مَن ثَبَتَ له الرِّقُّ عليها، بأنْ يُطَلِّقَها، فلا يَلْزَمُه ما لم يَدْخُلْ عليه، أو يُقِيمُ (٩١) على نِكَاحِها، فلا يَسْقُطُ حَقُّ سَيِّدِها. فإن طَلَّقَها اعْتَدَّتْ عِدَّةَ الحُرَّةِ؛ لأنَّ عِدَّةَ الطَّلَاقِ حَقٌّ لِلزَّوْجِ، بِدَلِيلِ أنَّها لا تَجِبُ إلَّا بالدُّخُولِ، وسَبَبُها النِّكَاحُ السابِق، فلا يُقْبَلُ قَوْلُها في تَنْقِيصِها. وإن ماتَ، اعْتَدَّتْ عِدَّةَ الأَمَةِ؛ لأنَّ المُغَلَّبَ فيها حَقُّ اللَّه تعالى، بِدَلِيلِ وُجُوبِها قبلَ الدُّخُولِ، فَقُبِلَ قَوْلُها فيها. ومَنْ قال بِقَبُولِ قَوْلِها في جَمِيعِ الأحْكامِ، فهذه أمَةٌ قد تَزَوَّجَتْ بغيرِ إذْنِ سَيِّدِها، فنِكَاحُها فاسِدٌ، ويُفَرّقُ بينهما. وإن كان قبلَ الدُّخُولِ، فلا مَهْرَ لها. وإن كان دَخَلَ بها، وَجَبَ لها مَهْرُ أمَةٍ نُكِحَتْ بغيرِ إذنِ سَيِّدِها، على ما ذُكِرَ في مَوضِعِه. وهل ذلك مَهْرُ المِثْلِ، أو المُسَمَّى؟ فيه رِوَايَتانِ. وتَعْتَدُّ بِحَيْضَتَيْنِ (٩٢)؛ لأنه وَطْءٌ في نِكَاحٍ فاسِدٍ، وأوْلَادُه أحْرارٌ؛ لِاعْتِقَادِه حُرِّيَّتَها، فإنَّه مَغْرُورٌ بِحُرِّيَّتِها، وعليه قِيمَتُهُم يوم الوَضْعِ. وإن ماتَ عنها، لم تَجِبْ عِدَّةُ الوَفَاةِ. فصل: وإن كان قد تَصَرَّفَ بِبَيْعٍ أو شِرَاءٍ، فتَصَرُّفُه صَحِيحٌ، وما عليه من الحُقُوقِ والأثْمانِ يُؤَدَّى ممَّا في يَدَيْه، وما فَضَلَ عليه ففى ذِمَّتِه؛ لأنَّ مُعَامِلَه لا يَعْتَرِفُ بِرِقِّه. ومن قال بِقَبُولِ إقْرَارِه في جِمِيع الأحْكامِ، قال بِفَسَادِ عُقُودِه كلِّها، وأوْجَبَ رَدَّ الأعْيانِ إلى أرْبابِها إن كانت باقِيةً، وإن كانت تالِفَةً، وَجَبَتْ قِيمَتُها في رَقَبَتِه، إن قلْنا: إنَّ ما اسْتدَانَ العَبْدُ بغيرِ إذْنِ سَيِّدِه فهو في رَقَبَتِه. وإن قُلْنا بأنَّ اسْتِدانَةَ العَبْدِ في ذِمَّتِه، فهذا كذلك، ويَتْبَعُ به بعدَ العِتْقِ؛ لأنَّه ثَبَتَ رِضَى صاحِبِه. فصل: وإن كان قد جَنَى جِنَايةً مُوجِبَةً للقِصَاصِ، فعليه له (٩٣) القَوَدُ، حُرًّا كان المَجْنِيُّ عليه أو عَبْدًا؛ لأنَّ إقْرَارَه بالرّقِّ يَقْتَضِى وُجُوبَ القَوَدِ عليه فيما إذا كان المَجْنِىُّ

стр. 4187

عليه عَبْدًا أو حُرًّا، فقُبِلَ إقْرَارُه فيه. وإن كانت الجِنَايَةُ خَطَأ، تَعَلَّقَ أرْشُها بِرَقَبَتِه؛ لأنَّ ذلك مُضِرٌّ به. فإن كان أرْشُها أكْثَرَ من قِيمَتِه، وكان في يَدِه مالٌ، اسْتَوْفى منه، وإن كان ممَّا تَحْمِلُه العاقِلَةُ، لم يُقْبَلْ قَوْلُه في إسْقَاطِ الزِّيَادَةِ؛ لأنَّ ذلك يَضُرُّ بالمَجْنِىِّ عليه، فلا يُقْبَلُ قولُه فيه. وقِيلَ: تَجِبُ الزِّيادَةُ في بَيْتِ المالِ؛ لأنَّ ذلك كان واجِبًا لِلْمَجْنِيِّ عليه، فلا يُقْبَلُ قولُه في إسْقاطِه. وإن جُنِىَ عليه (٩٤) جِنَايةٌ مُوجِبَةٌ لِلْقَوَدِ، وكان الجانِى حُرًّا، سَقَطَ؛ لأنَّ الحُرَّ لا يُقَادُ منه لِلْعَبْدِ، وقد أقَرَّ للمَجْنِى (٩٥) عليه بما يُسْقِطُ القِصَاصَ. وإن كانت مُوجِبةً لمالٍ يَقِلُّ (٩٦) بالرِّقِّ، وَجَبَ أقَلُّ الأَمْرَيْنِ. وإن كان مُسَاوِيًا لِلْوَاجِبِ قَبْلَ الإِقْرَارِ، وَجَبَ، ويَدْفَعُ الواجبَ إلى سَيِّدِه. وإن كان الواجِبُ يَكْثُرُ لكَوْنِ قِيمَتِه عَبْدًا أكْثَرَ من دِيَتِه حُرًّا، لم يَجِبْ إلَّا أرْشُ الجِنَايةِ على الحُرِّ. ومَن قَبِلَ قوْلَه في الأحْكامِ كلِّها (٩٧)، أوْجَبَ أرْشَ الجِنَايةِ على العَبْدِ. وإن كان الأرْشُ تَحْمِلُه العاقِلَةُ إذا كان حُرًّا، سَقَطَ عن العاقِلَةِ، ولم يَجِبْ على الجانِى؛ لأنَّ إقْرَارَه بالرِّقِّ يَتَضَمنُ إقْرَارَه بالسُّقُوطِ عن العاقِلَةِ، ولم يُقْبَلْ في إِيجَابِه على الجانِي، فسَقَطَ. وقيل: لا يَتَحَوَّلُ عن العاقِلَةِ. ومَنْ قال: لا (٩٧) يُقبَلُ إقْرَارُه في الأحْكامِ كلِّها. أوْجَبَ الأرْشَ على الجانِي.

стр. 4188

كتابُ الوَصَايَا الوَصَايَا جَمْعُ وَصِيَّةٍ، مثل العَطَايَا جَمْعُ عَطِيّةٍ. والوَصِيَّةُ بالمالِ هي التَّبَرُّعُ به بعدَ المَوْتِ. والأصْلُ فيها الكِتَابُ والسُّنّةُ والإِجْماعُ؛ أما الكِتابُ فقولُ اللَّه : ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ إِنْ تَرَكَ خَيْرًا الْوَصِيَّةُ﴾ (١). وقال اللهُ تعالى: ﴿مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِي بِهَا أَوْ دَيْنٍ﴾ (٢). وأمَّا السنُّةُ فرَوَى سعدُ بن أبي وَقَّاصٍ، قال: جاءَنى رسولُ اللهِ ﷺ يَعُودُنِى عامَ حَجَّةِ الوَدَاعِ، من وَجَعٍ اشْتَدَّ بي، فقلتُ: يا رسولَ اللَّه، قد بَلَغَ بي من الوَجَعِ ما تَرَى، وأنا ذو مالٍ، ولا يَرِثُنِى إلَّا ابْنَةٌ، أفَأَتَصَدَّقُ بِثُلُثَىْ مالِى؟ قال: "لَا". قلتُ: فبالشَّطْرِ يا رسولَ اللَّه؟ قال: "لَا". قلتُ: فَبِالثُّلُثِ؟ قال: "الثُّلُثُ، والثُّلُثُ كَثِيرٌ، إنَّك أنْ تَذَرَ وَرثَتَكَ أغنِيَاءَ خَيْرٌ مِنْ أنْ تَدَعَهُمْ عالَةً يَتَكَفَّفُونَ الناسَ". وعن ابن عمرَ، أنَّ رسولَ اللَّه ﷺ قال: "ما حَقُّ أمْرِئٍ مُسْلِمٍ (٣) له شيءٌ يُوصِى فِيهِ (٤) يَبِيتُ لَيْلَتَيْنِ إلَّا وَوَصِيَّتُه مَكْتُوبةٌ عِنْدَهُ". مُتَّفَقٌ عليهما (٥). ورَوَى أبو أُمَامَةَ، قال: سَمِعْتُ رسولَ اللَّه ﷺ يقول:

стр. 4189

"إنَّ اللهَ قَدْ أعْطَى كُلَّ ذِى حَقٍّ حَقَّهُ، فَلَا وَصِيَّةَ لِوَارِثٍ". رَوَاه سَعِيدٌ، وأبو دَاوُدَ، والتِّرْمِذِيُّ (٦)، وقال: حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ، وعن علىٍّ رَضِى اللهُ عنه أنَّه (٧) قال: إنَّكُم تَقْرَأُونَ هذه الآية: ﴿مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِي بِهَا أَوْ دَيْنٍ﴾. وإنَّ النبيَّ ﷺ قَضَى أن الدَّيْنَ قبلَ الوَصِيَّةِ. رَوَاه التِّرْمِذِيُّ (٨). وأجْمَعَ العُلمَاءُ في جَمِيع الأمْصارِ والأعْصارِ (٩) على جَوَازِ الوَصِيَّةِ. فصل: ولا تَجِبُ الوَصِيَّةُ الَّا على مَنْ عليه دَيْنٌ، أو عنده وَدِيعةٌ، أو عليه واجِبٌ يُوصَى بالخُرُوجِ منه، فإن اللهَ تعالى فَرَضَ أدَاءَ الأمَاناتِ، وطَرِيقُه في هذا البابِ الوَصِيّةُ، فتكونُ مَفرُوضةً عليه، فأمَّا الوَصِيَّةُ بِجُزْءٍ من مالِه، فليست بِوَاجبَةٍ على أحدٍ، في قول الجُمْهُورِ. وبذلك قال الشَّعْبِىُّ، والنَّخَعِىُّ، والثَّوَرِيُّ، ومالِكٌ (١٠)، والشافِيُّ، وأصْحابُ الرَّأْى، وغيرُهم. وقال ابنُ عبد البَرِّ: أجْمَعُوا

стр. 4190

على أنّ الوَصِيَّةَ غيرُ واجِبَةٍ، إلَّا على مَنْ عليه حُقُوقٌ بغير بَيِّنةٍ، وأمانةٍ بغير إشْهادٍ، إلَّا طائِفَةً شَذَتْ فأوجَبَتْها. رُوِى عن الزُّهْرِىِّ أنَّه قال: جَعَلَ اللهُ الوَصِيَّةَ حَقًّا ممَّا قَلَّ أو كَثُرَ. وقِيلَ لأبِى مِجلَزٍ: على كل مَيِّتٍ وَصِيَّةٌ؟ قال: إن تَرَكَ خَيْرًا. وقال أبو بَكرِ عبدُ العَزِيزِ: هي واجِبَةٌ للأَقْرَبِينَ الذين لا يَرِثُونَ. وهو قول دَاوُدَ. وحُكِى ذلك عن مَسْرُوقٍ، وطاوُسٍ، وإِيَاسٍ، وقَتَادَةَ، وابنِ جَرِيرٍ. واحْتَجُّوا بالآيةِ، وخَبَرِ ابنِ عمرَ، وقالوا: نُسِخَتِ الوَصِيَّةُ لِلْوالِدَيْنِ والأَقْرَبِينَ الوارِثِينَ، وبَقِيَتْ في مَن لا يَرِثُ من الأَقْرَبِينَ. ولَنا، أنَّ أكْثَرَ أصْحابِ رَسُولِ اللَّه ﷺ لم يُنْقَلْ عنهم وَصِيّةٌ، ولم يُنْقَلْ لذلك نَكِيرٌ، ولو كانت واجِبَةً لم يُخِلُّوا بذلك، ولَنُقِلَ عنهم نَقلًا ظاهِرًا، ولأنها عَطِيّةٌ لا تَجِبُ في الحيَاةِ، فلا تَجِبُ بعدَ المَوْتِ كعَطِيّةِ الأجَانِبِ. فأمَّا الآيةُ، فقال ابنُ عَبَّاسٍ: نَسَخَها قولُه سُبْحانه: ﴿لِلرِّجَالِ نَصِيبٌ مِمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالْأَقْرَبُونَ﴾ (١١). وقال ابنُ عمرَ: نَسَخَتها آيةُ المِيرَاثِ. وبه قال عِكْرِمَةُ، ومُجَاهِدٌ، ومالِكٌ، والشّافِعِىُّ. وذهبتْ طائِفَةٌ ممَّن يَرَى نَسْخَ القُرْآنِ بالسُّنَّةِ، إلى أنَّها نُسِخَتْ بقولِ النبيِّ ﷺ : "إنَّ اللهَ قَدْ أعْطى كُلَّ ذِى حَقٍّ حَقَّه، فَلَا وَصَيَّةَ لِوَارِثٍ". وحَدِيثُ ابن عمرَ مَحْمُولٌ على مَنْ عليه واجِبٌ، أو عندَهُ وَدِيعَةٌ. فصل: وتُسْتَحَبُّ الوَصِيَّةُ بجُزْءٍ من المالِ لمن تَرَكَ خَيْرًا؛ لأنَّ اللهَ تعالى قال: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ إِنْ تَرَكَ خَيْرًا الْوَصِيَّةُ﴾. فنُسِخَ الوُجُوبُ، وبَقِىَ الاسْتِحْبَابُ في حَقِّ مَنْ لا يَرِثُ. وقد رَوَى (١٢) ابنُ عمرَ، قال: قال رسولُ اللَّه ﷺ : "يَا ابْنَ آدَمَ، جَعَلْتُ لَكَ نَصِيبًا مِنْ مالِكَ حِينَ أخَذْتُ بِكَظَمِكَ (١٣)، لِأُطَهِّرَكَ وأُزَكِّيَكَ". وعن أبي هُرَيْرَةَ، قال: قال رسولُ اللَّه ﷺ : "إنَّ اللَّه تَصَدَّقَ

стр. 4191

عَلَيْكُمْ عِنْدَ وَفَاتِكُمْ بِثُلُثِ أمْوالِكُم". رَوَاهُما ابنُ ماجَه (١٤). وقال الشَّعْبِىُّ: مَنْ أوْصَى بِوَصِيَّةٍ، فلم يَجُرْ، ولم يَحِفْ، كان له من الأجْرِ مثلُ ما لو أعْطاها وهو صَحِيحٌ. وأمَّا الفَقِيرُ الذي له وَرَثَةٌ مُحْتاجُونَ، فلا يُسْتَحَبُّ له أن يُوصِىَ؛ لأنَّ اللهَ قال في الوَصِيَّةِ: ﴿إِنْ تَرَكَ خَيْرًا﴾. وقال النبيُّ ﷺ لِسَعْدٍ: "إنَّكَ أنْ تَدَعَ وَرَثَتَكَ أغْنِيَاءَ، خَيْرٌ مِنْ أَنْ تَدَعَهُمْ عالَةً يَتَكَفَّفُونَ الناسَ". وقال: "ابْدَأْ بِنَفْسِكَ، ثُمَّ بِمَنْ تَعُولُ" (١٥). وقال علىٌّ، رَضِىَ اللهُ عنه، لِرَجُلٍ أَرادَ أن يُوصِىَ: إنَّك لن تَدَعَ طائِلًا، إنَّما تَرَكْتَ شَيْئًا يَسِيرًا، فدَعْهُ لِوَرَثَتِكَ. وعنه: أَرْبَعُمائة دِينَارٍ ليس فيها فَضْلٌ عن الوَرَثةِ. ورُوِى عن عائِشَةَ رَضِىَ اللَّه عنها، أنَّ رَجُلًا قال لها: لِي ثَلاثَةُ آلافِ دِرْهَمٍ، وأرْبَعَةُ أوْلادٍ، أفَأُوصِى؟ فقالت: اجْعَل الثَّلَاثَةَ للأَرْبَعةِ. وعن ابن عَبَّاسٍ قال: مَنْ تَرَكَ سَبْعَمائة دِرْهَمٍ ليس عليه وَصِيَّةٌ. وقال عُرْوَةُ: دَخَلَ عَلِيٌّ على صَدِيقٍ له يَعُودُه، فقال الرَّجُلُ: إنِّي أُرِيدُ أن أُوصِىَ. فقال له علىٌّ (١٦): إنَّ اللهَ تَعالى يقولُ: ﴿إِنْ تَرَكَ خَيْرًا﴾، وإنك إنما تَدَعُ شَيْئًا يَسِيرًا، فدَعْهُ لِوَرَثَتِكَ. واخْتَلَفَ أهْلُ العِلْمِ في القَدْرِ الذي لا تُسْتَحَبُّ الوَصِيَّةُ (١٧) لمَالِكِه، فرُوِىَ عن أحْمَدَ: إذا تَرَكَ دون الأَلْفِ لا تُسْتَحَبُّ له (١٦) الوَصِيَّةُ. وعن عليٍّ، أرْبَعمائة دِينَارٍ. وقال ابنُ عَبّاسٍ: إذا تَرَكَ المَيِّتُ سَبْعَمائة دِرْهَمٍ، فلا يُوصِى. وقال: مَنْ تَرَكَ سِتِّينَ دِينَارًا، ما تَرَكَ خَيرًا. وقال طاوُسٌ: الخَيْرُ ثَمانُونَ دِينَارًا. وقال النَّخعِىُّ: ألْفٌ وخَمْسُمائة. وقال أبو حَنِيفَةَ: القَلِيلُ أن يُصِيبَ أقَلُّ الوَرَثَةِ سَهْمًا (١٨) خَمْسُونَ دِرْهَمًا. والذي يَقْوَى عندى، أنَّه متى كان المَتْرُوكُ لا يَفْضُلُ عن غِنَى الوَرَثةِ، فلا تُسْتَحَبُّ الوَصِيَّةُ؛ لأنَّ

стр. 4192

النبيَّ ﷺ عَلَّلَ المَنْعَ من الوَصِيَّةِ بقولِه: "أنْ تَتْرُكَ وَرَثَتَكَ أغْنِيَاءَ، خَيْرٌ مِنْ أنْ تَدَعَهُمْ عالَةً". ولأنَّ إعْطاءَ القَرِيبِ المُحْتاجِ خَيْرٌ من إعْطاءِ الأجْنَبِيِّ، فمتى لم يَبْلُغ المِيرَاثُ غِنَاهُم، كان تَرْكُه لهم كعَطِيَّتِهم إيَّاه، فيكونُ ذلك أفْضَلَ من الوَصِيَّةِ به لِغَيْرِهِم، فعند هذا يَخْتَلِفُ الحالُ بِاخْتِلَافِ الوَرَثةِ في كَثْرَتِهِم وقِلَّتِهِم، وغِنَاهُم وحاجَتِهِم، فلا يَتَقَيَّدُ بِقَدْرٍ من المالِ. واللَّه أعْلَمُ. وقد قال الشَّعْبِيُّ: ما مِنْ مالٍ أعْظَمُ أجْرًا، من مالٍ يَتْرُكُه الرَّجُلُ لِوَلَدِه، يُغْنِيهِم به عن الناسِ. فصل: والأَوْلَى أن لا يَسْتَوْعِبَ الثُّلُثَ بالوَصِيَّةِ وإن كان غَنِيًّا؛ لقولِ النبيِّ ﷺ : "والثُّلُثُ كَثِيرٌ". قال ابنُ عَبّاسٍ: لو أنَّ الناسَ غَضُّوا من الثُّلُّثِ، فإنَّ النبيَّ ﷺ قال: "الثُّلُثُ كَثِيرٌ". مُتّفَقٌ عليه (١٩). وقال القاضي، وأبو الخَطَّابِ: إن كان غَنِيًّا اسْتُحِبَّ الوَصِيَّةُ بالثُّلُثِ. ولَنا، أنَّ النبيَّ ﷺ قال لِسَعْدٍ: "والثُّلُثُ كَثِيرٌ". مع إخْبارِه إيَّاه بِكَثْرَةِ مالِه، وقِلَّةِ عِيَالِه، فإنَّه قال في الحَدِيثِ: "إنَّ لِى مَالًا كَثِيرًا، ولا يَرِثُنِى إلَّا ابْنَتِى". ورَوَى [سَعِيدُ، ثنا خالدُ بنُ عبدِ اللَّه، ثنا عطَاءُ] (٢٠) بن السائِبِ، عن أبي عبد الرحمنِ السُّلَمِيّ، عن سَعْدِ بن مالِكٍ، قال: مَرِضْتُ مَرَضًا، فعَادَنِى رسُولُ اللَّه ﷺ ، فقال لِى: "أَوْصَيْتَ؟ ". فقلتُ: نعم. أَوْصَيْتُ بمالِى كلِّه لِلفُقَراءِ وفى سَبِيل اللهِ. فقال لِى رسولُ اللَّه ﷺ : "أَوْصِ بالْعُشْرِ". فقلتُ: يا رسولَ اللهِ، إنَّ مالِى كَثِيرٌ. ووَرَثَتِى أغْنِيَاءُ. فلم يَزَلْ رَسُولُ اللَّه ﷺ يُنَاقِصُنِى وأُنَاقِصُه، حتى قال: "أوْصِ بالثُّلُثِ، والثُّلُثُ كَثِيرٌ". وقال أبو عبدِ الرحمنِ: لم يكُنْ أحَدٌ مِنَّا يَبْلُغُ في وَصِيَّتِه الثُّلُثَ حتى يَنْقُصَ منه شَيْئًا؛ لقولِ النبيِّ ﷺ : "الثُّلُث، والثُّلُثُ كَثِيرٌ". إذا ثَبَتَ هذا، فالأَفْضَلُ لِلغَنِيِّ الوَصِيَّةُ بالخُمْسِ. ونحو هذا يُرْوَى

стр. 4193

عن أبي بكرٍ الصِّدِّيق، وعلىِّ بن أبي طالِبٍ، رَضِىَ اللهُ عنهما. وهو ظاهِرُ قولِ السَّلَفِ، وعُلَماءِ أهْلِ البَصْرَةِ. ويُرْوَى عن عمرَ، رَضِىَ اللهُ عنه، أنه جاءَه شَيْخٌ، فقال: يا أمِيرَ المُؤْمِنينَ، أنا شَيْخٌ كَبِيرٌ، ومالِى كَثِيرٌ، ويَرِثُنِى أعْرَابٌ مَوَالٍ كَلَالَةٌ، مَنْزُوحٌ نَسَبُهُم، أفَأُوصِى بمالِى كلِّه؟ قال: لا. قال (٢١): فلم يَزَلْ يَحُطُّ (٢٢) حتى بَلَغَ العُشْرَ (٢٣). وقال إسحاقُ: السُّنّةُ الرُّبْعُ، إلَّا أن يكونَ رَجُلًا يَعْرِفُ في مالِه حُرْمَةَ (٢٤) شُبُهاتٍ أو غيرها، فله اسْتِيعابُ الثُّلُثِ. ولَنا، أن أبا بكرٍ الصِّدِّيقَ، رَضِىَ اللهُ عنه، أَوْصَى بالخُمْسِ. وقال: رَضِيتُ بما رَضِىَ اللهُ به لِنَفْسِه. يَعْنِى قَوْلَه تعالى: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ﴾ (٢٥)، ورُوِى أن أبا بكرٍ وعليًّا، رَضِى اللَّه عنهما، أَوْصَيَا بالخُمْسِ. وعن عَلِيٍّ، رَضِىَ اللَّه عنه، أنَّه قال: لأَنْ أُوصِى بالخُمْسِ، أحَبُّ إلَيَّ من الرُّبْعِ. وعن إبراهيمَ، قال: كانوا يقولون: صاحِبُ الرُّبْعِ أفْضَلُ من صاحِبِ الثُّلُثِ، وصاحِبُ الخُمْسِ أفْضَلُ من صاحِبِ الرُّبْعِ. وعن الشَّعْبِيِّ قال: كان الخُمْسُ أحَبَّ إليهم من الثُّلُثِ، فهو مُنْتَهى الجامِحِ. وعن العَلَاءِ بن زِيَادٍ قال: أَوْصَى أبى أن أسْأَلَ العُلمَاءَ، أيُّ الوَصِيَّةِ أعْدَلُ؟ فما تَتَابَعُوا عليه فهو وَصِيَّتُه، فتَتَابَعُوا على الخُمْسِ. فصل: والأَفْضَلُ أن يَجْعَلَ وَصِيَّتَه لأَقَارِبِه الذين لا يَرِثُونَ، إذا كانوا فُقَرَاءَ، في قول عامَّةِ أهْلِ العِلْمِ. قال ابنُ عبدِ البَرِّ: لا خِلَافَ بين العُلَماءِ عَلِمْتُ في ذلك، إذا كانوا ذَوِى حاجَةٍ، وذلك لأنَّ اللهَ تعالى كَتَبَ الوَصِيَّةَ لِلوالِدَيْنِ والأَقْرَبِينَ، فخَرَجَ

стр. 4194

منه الوارِثُونَ بقولِ النبيِّ ﷺ : "لا وَصِيَّةَ لِوَارِثٍ". وبَقِىَ سائِرُ الأقارِبِ [على الوَصِيَّةِ] (٢٦) لهم. وأقلُّ ذلك الاسْتِحْبابُ، وقد قال اللهُ تعالى: ﴿وَآتِ ذَا الْقُرْبَى حَقَّهُ﴾ (٢٧). وقال تعالى: ﴿وَآتَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ ذَوِي الْقُرْبَى﴾ (٢٨) فبَدَأَ بهم، ولأنَّ الصَّدَقةَ عليهم في الحيَاةِ أفْضَلُ، فكذلك بعدَ المَوْتِ. فإن أوْصَى لغيرِهم وتَرَكَهُم، صَحَّتْ وَصِيَّتُه، في قولِ أكْثَر أهْلِ العِلْمِ، منهم؛ سالِمٌ، وسليمانُ بن يَسَارٍ، وعَطَاءٌ، ومالِكٌ، والثَّوْرِيُّ، والأَوْزاعِيُّ، والشَّافِعِيُّ، وإسحاقُ، وأصْحابُ الرأى. وحُكِى عن طاوُسٍ، والضَّحّاكِ، وعبدِ المَلِكِ بن يَعْلَى، أنَّهم قالوا: يُنْزَعُ عنهم، ويُرَدُّ إلى قَرَابَتِه. وعن سَعِيدِ بن المُسَيَّبِ، والحَسَنِ، وجابِرِ بن زَيْدٍ: لِلَّذِى أوْصَى له ثُلُثَ الثُّلُثِ، والباقِى يُرَدُّ إلى قَرَابةِ المُوصِى؛ لأنَّه لو أوْصَى بمالِه كلِّه لجازَ منه الثُّلُثُ، والباقِى رُدَّ على الوَرَثةِ، وأقَارِبُه الذين لا يَرِثُونَه في اسْتِحْقاقِ الوَصِيَّةِ كالوَرَثَةِ في اسْتِحْقاقِ المالِ كلِّه. ولَنا، ما رَوَى عِمْرانُ بن حُصَيْنٍ، أنَّ رَجُلًا أعْتَقَ في مَرَضِه سِتَّةَ أَعْبُدٍ، لم يكُنْ له مالٌ غيَرهم، فبَلَغ ذلك النبيَّ ﷺ ، فدَعَاهُم، فجَزَّأَهُمْ ثَلَاثَةَ أجْزاءٍ، ثم أقْرَعَ بينهم، فأعْتَقَ اثْنَيْنِ، وأرَقَّ أرْبَعةً (٢٩). فأجَازَ العَتْقَ في ثُلُثِه لغيرِ قَرَابَتِه، ولأنَّها عَطِيَّةٌ، فجازَتْ لغيرِ قَرَابَتِه، كالعَطِيَّةِ في الحيَاةِ.

стр. 4195

٩٥٥ - مسألة؛ قال: (وَلَا وَصِيَّةَ لِوَارِثٍ، إلَّا أنْ يُجِيزَ الوَرَثَةُ ذلِكَ) وجملةُ ذلك أنَّ الإِنْسانَ إذا وَصَّى لوَارِثِه بِوَصِيَّةٍ، فلم يُجِزْها سائِرُ الوَرَثةِ، لم تَصِحَّ. بغير خِلَافٍ بين العُلَماءِ. قال ابنُ المُنْذِرِ، وابنُ عبدِ البَرِّ: أجْمَعَ أهْلُ العِلْمِ على هذا. وجاءتِ الأخْبارُ عن رسولِ اللَّه ﷺ بذلك فرَوَى أبو أُمَامةَ، قال: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّه ﷺ يقولُ: "إنَّ اللهَ قَدْ أعْطَى كُلَّ ذِى حَقٍّ حَقَّه، فَلَا وَصِيّةَ لوارِثٍ". رَوَاه أبو داوُدَ. وابنُ ماجَه، والتِّرْمِذِيُّ (١). ولأنَّ النبيَّ ﷺ مَنَعَ من عَطِيَّةِ بعضِ وَلَدِه (٢)، وتَفْضِيلِ بعضِهم على بعضٍ في حالِ الصِّحّةِ، وقُوَّةِ المِلْكِ، وإمْكانِ تَلَافِى العَدْلِ بينهم بإعْطاءِ الذي لم يُعْطِه فيما بعدَ ذلك، لما فيه من إِيقاعِ العَداوةِ والحَسَدِ بينهم، ففى حالِ مَوْتِه أو مَرَضِه، وضَعْفِ مِلْكِه، وتَعَلُّقِ الحُقُوقِ به، وتَعَذُّرِ تَلَافِى العَدْلِ بينهم، أَوْلَى وأحْرَى. وإن أجازَها، جازَتْ، في قول الجُمْهُورِ من العُلَماءِ. وقال بعضُ أصْحابِنا: الوَصِيَّةُ باطِلَةٌ، وإن أجازَها سائِرُ (٣) الوَرَثةِ، إلَّا أن يُعْطُوه عَطيَّةً مُبْتَدَأةً. أخْذًا من ظاهِرِ قولِ أحْمَدَ، في رِوَايَةِ حَنْبَلٍ: لا وَصِيَّةَ لِوَارِثٍ. وهذا قولُ المُزَنِيِّ، وأهْلِ الظاهِرِ. وهو قولٌ لِلشّافِعِيِّ، واحْتَجُّوا بظاهِرِ قول النبيِّ ﷺ : "لَا وَصِيَّةَ لِوَارِثٍ". وظاهِرُ مَذْهَبِ أحمدَ والشافِعِيِّ، أنَّ الوَصِيَّةَ صَحِيحَةٌ في نَفْسِها. وهو قول جُمْهُورِ العُلَماءِ؛ لأنَّه تَصَرُّفٌ صَدَرَ من أهْلِه في مَحَلِّه، فصَحَّ، كما لو وَصَّى لأَجْنَبِيٍّ، والخَبَرُ قد رُوِى فيه: "إلَّا أن يُجِيزَ الوَرَثةُ". والاسْتِثْناءُ من النَّفْىِ إثْباتٌ، فيكونُ ذلك دَلِيلًا على (٤) صِحَّةِ الوَصِيَّةِ عندَ الإِجَازَةِ، ولو خَلَا من الاسْتِثْناءِ كان مَعْناه لا وَصِيَّةَ نافِذَة أو لازِمَة، أو ما أشْبَه هذا، أو يُقَدَّرُ فيه: لا وَصِيَّةَ لِوَارِثٍ عندَ عَدَمِ الإِجَازَةِ من غيرِهِ من الوَرَثَةِ. وفائِدَةُ الخِلَافِ أنَّ الوَصِيَّةَ إذا كانت صَحِيحَةً،

стр. 4196

فإجَازَةُ الوَرَثةِ تَنْفِيذٌ وإجَازَةٌ مَحْضَةٌ، يَكْفِى فيها قولُ الوارِثِ: أجَزْتُ، أو أمْضَيْتُ، أو نَفَّذْتُ. فإذا قال ذلك، لَزِمَتِ الوَصِيَّةُ. وإن كانت باطِلَةً، كانت الإجَازَةُ هِبَةً مُبْتَدَأةً، تَفْتَقِرُ إلى شُرُوطِ الهِبَةِ، من اللَّفْظِ والقَبُولِ والقَبْضِ، كالهِبَةِ المُبْتَدأةِ. ولو رَجَعَ المُجِيزُ قبلَ القَبْضِ فيما (٥) يُعْتَبَرُ فيه القَبْضُ، صَحَّ رُجُوعُه. فصل: وإن أسْقَطَ عن وارِثِه دَيْنًا، أو أَوْصَى بِقَضَاءِ دَيْنِه، أو أَسْقَطَتِ المَرْأةُ صَدَاقَها عن زَوْجِها، أو عَفَا عن جِنَايةٍ مُوجِبُها المالُ، فهو كالوَصِيَّةِ. وإن عَفَا عن القِصَاصِ، وقُلنا: الواجِبُ القِصَاصُ عَيْنًا. سَقَطَ إلى غيرِ بَدَلٍ. وإن قُلْنا: الواجِبُ أحَدُ شَيْئيْنِ. سَقَطَ القِصَاصُ، وَوَجَبَ المالُ. وإن عَفَا عن حَدِّ القَذْفِ، سَقَطَ مُطْلَقًا. وإن وَصَّى لِغَرِيمِ وارِثِه، صَحَّتِ الوَصِيَّةُ. وكذلك إن وَهَبَ له. وبهذا قال الشافِعِيُّ، وأبو حنِيفةَ. وقال أبو يوسفَ: هو وَصِيَّةٌ للوارِثِ؛ لأنَّ الوارِثَ يَنْتَفِعُ بهذه الوَصِيَّةِ، وتُسْتَوْفَى دُيُونُه منها. ولَنا، أنَّه وَصَّى لأَجْنَبِيٍّ، فصَحَّ، كما لو وَصَّى لمن عادَتُه الإِحْسانُ إلى وارِثِه. وإن وَصَّى لِوَلَدِ وارِثِه، صَحَّ، فإن كان يَقْصِدُ بذلك نَفْعَ الوارِثِ، لم يَجُزْ فيما بينه وبينَ اللهِ تعالى. قال طاوُسٌ، في قولِه : ﴿فَمَنْ خَافَ مِنْ مُوصٍ جَنَفًا أَوْ إِثْمًا﴾ (٦) قال: أن يُوصِىَ لِوَلَدِ ابْنَتِه، وهو يُرِيدُ ابنَتَه. رَوَاه سَعِيدٌ (٧). قال ابن عَبَّاسٍ: الجَنَفُ في الوَصِيَّةِ والإِضْرَارُ فيها من الكَبائِرِ. فصل: وإن وَصَّى لكلِّ وارِثٍ بمُعَيَّنٍ من مالِه بِقَدْرِ نَصِيبِه، كرَجُلٍ خَلَّفَ ابْنًا وبِنْتًا، وعَبْدًا قِيمَتُه مائةٌ، وجارِيَةً قِيمَتُها خَمْسُونَ، فوَصَّى لِابْنِه بِعَبْدِه، ولِابنَتِه بأَمَتِه، احْتَمَلَ أن تَصِحَّ الوَصِيَّةُ؛ لأنَّ حَقَّ الوارِثِ في القَدْرِ لا في العَيْنِ، بِدَلِيلِ ما لو عاوَضَ المَرِيضُ بعضَ وَرَثَتِه أو أجْنَبِيًّا بجَمِيعِ مالِه، صَحَّ إذا كان ذلك بِثَمَنِ المِثْلِ،

стр. 4197

وإن تَضَمَّنَ فَوَاتَ عَيْنِ المالِ. واحْتَمَلَ أن تَقِفَ على الإِجَازَةِ؛ لأنَّ في الأَعْيانِ غَرَضًا صَحِيحًا، وكما لا يجوزُ إِبْطالُ حَقِّ الوارِثِ في قَدْرِ حَقِّه، لا يجوزُ من عَيْنِه. فصل: وإذا مَلَكَ المَرِيضُ مَن يَعْتِقُ عليه بغيرِ عِوَضٍ، عَتَقَ ووَرِثَ. وبهذا قال مالِكٌ، وبعضُ أصْحابِ الشافِعِيِّ. وحكاه الْخَبْرِىُّ مَذْهَبًا للشافِعِيِّ. ولا خِلَافَ بين هؤلاءِ في أنَّه إذا مَلَكَه بالمِيرَاثِ، أنَّه يَعْتِقُ ويَرِثُ. وقال أبو حنيفةَ: إن حَمَلَه الثُّلُث، عَتَقَ ووَرِثَ، والَّا سَعَى فيما بَقِىَ عليه، ولم يَرِثْ. ولم يُفَرِّقْ بين أن يَمْلِكَه بِعِوَضٍ أو غيرِه. وقال أبو يوسفَ، ومحمدٌ: يُحْتَسَبُ مِيرَاثُهم من قِيمَتِهِم، فإن فَضَلَ شيءٌ أخَذَه، وإن فَضَلَ عليهم شيءٌ سَعَوْا فيه. ولَنا، أنَّ المَرِيضَ لم يَضَعْ فيهم شيئا من مالِه، وإنما تَعَاطَى سَبَبَ مِلْكِهِم على وَجْهٍ لم يَستقِرَّ، وزَالَ بغيرِ إزَالَتِه، فلم يُحْتَسَبْ عليه من ثُلُثِه، كما لو اتَّهَبَ شَيْئًا فرَجَعَ الواهِبُ فيه قبلَ قَبْضِه، أو اشْتَرَى شَيْئًا فيه غِبْطَةٌ بِشَرْطِ الخِيَارِ ففَسَخَ البائِعُ، أو وَجَدَ بالثّمَنِ عَيْبًا ففَسَخَ البَيْعَ، أو تَزَوَّجَتِ المَرْأةُ فَطُلِّقَتْ قبلَ الدُّخُولِ. وإذا لم تكُنْ وَصِيَّةٌ (٨) تُحْتَسَبُ عليه من الثُّلُثِ، لم يُمْنَع المِيرَاثَ، كما لو ملَكه بالمِيرَاثِ [عندَ من سَلَّمه، أو كما لو كان ذلك في صِحَّتِه، فإن (٩) مَلَكَه بِعِوَضٍ، كالشِّرَاءِ] (١٠)، فحكى الْخَبْرِىُّ عن أحْمَدَ، أنَّه يعتق ويَرِثُ. وهذا قولُ ابنِ الْماجِشُون، وأهلِ البَصْرَةِ. وقال القاضي، في "المُجَرَّدِ": إن مَلَكَه بِعِوَضٍ، وخَرَجَ من الثُّلُثِ، عَتَقَ ووَرِثَ، والَّا عَتَقَ منه بِقَدْرِ الثُلُثِ. وهذا قول مالِكٍ. وقال الخبرِيُّ: وهو أحَدُ الوَجْهَيْنِ لأصْحابِ الشافِعِيِّ. [وحكى غيره عن الشافِعِىِّ] (١٠) أنَّه لا فَرْقَ عندَه بين أن يَمْلِكَه بِعِوَضٍ أو غيرِه، وأنَّه إن خَرَجَ مِن الثُّلُثِ عَتَقَ، وإلَّا عَتَقَ منه بِقَدْرِ الثُّلُثِ، ولا يَرِثُ في الحالَيْنِ؛ لأنه لو وَرِثَ لَكان إعْتاقُه وَصِيَّةً

стр. 4198

لِوَارِثٍ، فيَبْطلُ عِتْقُه، ويَبْطُلُ مِيرَاثُه، لِبُطْلانِ عِتْقِه، فيُؤَدِّى تَوْرِيثُه (١١) إلى إبْطالِ تَوْرِيثِه، فصَحَّحْنا عتْقَه ولم نُوَرِّثْه، لئَلَّا يُفضِىَ إلى ذلك. ومذهبُ أبى حنيفةَ وصاحِبَيْه في هذا، كمَذْهَبِهِم فيما إذا مَلَكَهُ بِغيرِ عِوَضٍ. ولَنا، على إعْتاقِه قولُ النبيِّ ﷺ : "مَنْ مَلَكَ ذَا رَحِمٍ مَحْرَمٍ، فَهُوَ حُرٌّ" (١٢). ولأنَّه مِلْكٌ وُجِدَ معه ما يُنَافِيه، فبَطَلَ، كمِلْكِ النِّكَاحِ مع مِلْكِ الرَّقَبةِ، أعْنِى فيما إذا اشْتَرَى أحَدُ الزَّوْجَيْنِ صاحِبَه: وإذا عَتَقَ وَرِثَ؛ لأنَّه وُجِد سَبَبُ المِيرَاثِ عَرِيَّا عن الموَانِعِ، فَورِثَ، كما لو وَرِثَه. وقولُهم: إن عَتْقَه وَصِيَّةٌ، لا يَصح، لأنَّ الوَصِيَّةَ فِعْلُه، والعِتْقُ ههُنا يَحْصُلُ من غيرِ اخْتِيارِه، ولا إرَادَتِه، ولأنَّ رقبةَ المُعْتَقِ لا تَحْصُلُ له، وإنَّما تَتْلَفُ مالِيَّته وتَزُولُ، فيَصِيرُ ذلك كتَلَفِه بِقَتْلِ بعض رقِيقِه، أو كإتْلافِ بعضِ (١٣) مالِه في بِنَاءِ مَسْجِدٍ، مثال ذلك، مَرِيضٌ وُهِب له ابْنُه، فَقبِلَه وقِيمَتُه مائةٌ، ثم ماتَ المَرِيضُ، وخَلَفَ اْبنًا آخَرَ ومائتَيْنِ، فإنَّه يَعْتِقُ، ويُقَاسِمُ أخَاهُ (١٤) المائتَيْنِ، في قول الأكْثَرِينَ. وعند الشافِعِيِّ، فيما حكى عنه غيرُ الْخَبْرِىّ، يَعْتِقُ ولا يَرِثُ (١٥) شَيْئًا. وعند صاحِبَىْ أبى حنيفةَ، يَعْتِقُ وله نِصْفُ التَّرِكَةِ، فيُحْتَسَبُ عليه بِقِيمَتِه ويَبْقَى له خَمْسُونَ. وإن كان باقِى التَّرِكَةِ خَمْسِينَ، فعندَنا يَعْتِقُ، وله نِصْفُ الخمْسِينَ. وهو قولُ مالِكٍ. وعند أبى حنِيفةَ، يَعْتِقُ نِصْفُه، ويَسْعَى في باقِيه، والخَمْسُونَ كلُّها

стр. 4199

لأَخِيه. وقال صاحِبَاهُ: يَعْتِقُ ثَلَاثَةُ أرْباعِه. وعند الشافِعِيِّ، في قولِ غيرِ الْخَبْرِىّ، يَعْتِقُ نِصْفُه، ويَرِقُّ نِصْفُه، ونصفُه الرَّقِيق والخَمْسُون كلُّها لأَخِيه. وإن كان باقِى التَّرِكَة ثَلَاثُمائة، فعندَنا يَعْتِقُ وله مائة وخَمْسُونَ. وعند الشافِعِيّ، يَعْتِقُ ولا يَرِثُ شَيْئًا. وعند صاحِبَىْ أبى حنيفةَ، يَعْتِقُ وله مائةٌ. فإن كان اشْتَرَى ابنَه بمائةٍ، وماتَ، وخَلَّفَ ابْنًا آخَرَ ومائةً أُخْرى، فعلى الرِّوَايَةِ الأُولَى، يَعْتِق ويُقَاسمُ (١٦) أخاه المائةَ الباقِيةَ. وعلى ما حَكَاهُ القاضِى، يَعْتِقُ منه ثُلُثاه، ويَرِثُ أرْبَعِينَ، ويَعتِقُ باقِيه على أخِيه، ولا يَرِثُ بذلك الجُزْءِ شَيْئًا؛ لأنَّ عَتْقَه حَصَلَ بعد مَوْتِ أبِيه. وعند الشافِعِيِّ يَعْتِقُ ثُلُثَاه، ولا يَرِثُ. وقال أبو حنيفةَ: يَعْتِقُ ثُلُثَاه، ويَسْعَى في باقِيه، ولا يَرِثُ. وعند صاحِبَيه، يَعْتِقُ كلُّه، ولا يَرِثُ شَيْئًا، فإن كان قد تَصَدَّقَ قبلَ ذلك بِثُلُثِه، أو حَابَى به، لم يَعْتِقْ؛ لأنَّ الثُّلُثَ قد ذَهَبَ. فصل: وإن مَلَكَ من وَرَثَتِه مَن لا يَعْتِقُ عليه، كبَنِى عَمِّه، فأَعْتَقَهُم في مَرَضِه، فَعِتْقُهُم وَصِيَّةٌ؛ لأنَّه حَصَلَ بفِعْلِه واخْتِيَارِه، وحُكْمُهُم في العِتْقِ حُكْمُ الأجانِبِ، إن خَرَجُوا من الثُّلُثِ عَتَقُوا، وإلَّا عَتَقَ منهم بِقَدْرِ الثُّلُثِ. ويَنْبَغِى أن يَعْتِقُوا ولا يَرِثُوا؛ لأنَّهم لو وَرِثُوا لَكانت وَصِيَّةً لِوَارِثٍ، فيَبْطُلُ عِتْقُهُم، ثم يَبْطُلُ مِيرَاثُهُم. وقد قال أبو الخَطَّابِ، في رَجُلٍ مَلَكَ ابن عَمِّه، فأقَرَّ في مَرَضِه أنَّه كان أعْتَقَه في صِحَّتِه: عتقَ، ولم يَرِثْ. وهذا في مَعْنَى ما ذَكَرْنا؛ لأنَّ إقْرارَه لوارِثٍ غيرُ مَقْبُولٍ، فمَنَعْنَا مِيرَاثَه ليُقْبَلَ إقْرَارُه له بالإِعْتَاقِ. فصل: مَرِيضٌ اشْتَرَى أباه بأَلْفٍ، لا مالَ له سِوَاهُ، فعلى رِوَايةِ الخَبْرِيِّ (١٧)، يَعْتِقُ كلُّه. وعلى القولِ الآخَر يَعْتِقُ ثُلُثُه على (١٨) المُعْتِقِ، ويَعْتِقُ باقِيه على ابْنِه. وهذا قولُ مالِكٍ. وقال أبو حنيفةَ: يَعْتِقُ ثُلُثُه، ويَسْعَى لِلابْنِ في ثُلُثَيْه. وعلى قولِ

стр. 4200

صاحِبَيْه، يَعتِقُ سُدُسُه، ويَسْعَى في خَمْسَةِ أسْدَاسِه. وقيل على قِيَاسِ قولِ الشافِعِيِّ: يُفْسَخ الشِّرَاء، إلَّا أن يُجِيزَ الابْنُ عِتْقَه. وقيل: يَعْتِقُ ثُلُثُه. ويُفْسَخُ البَيْع في ثُلُثَيْه. وإن خَلَفَ ألْفَيْنِ سِوَاهُ، عَتَقَ، ووَرِثَ سُدُسَهما. وبه قال مالِكٌ، وأبو حنِيفةَ. وفى قولِ صاحِبَيْه، يَعْتِقُ نِصْفُه، ويَسْعَى في قِيمَةِ نِصْفِه. فصل: وإذا وُهِبَ لإِنْسانٍ (١٩) أبوه، أو وُصِّىَ له به، اسْتحبَّ له أن يَقْبَلَه، ولم يَجِبْ. وهذا قول الشافِعِىِّ. ويَحْتَمِلُ أن يَجِبَ عليه قَبُولُه؛ لأنَّ فيه إعْتاقًا لأَبِيه من غيرِ الْتِزَامِ (٢٠) مالٍ. ولَنا، أنَّه أسْتِجْلابُ مِلْكِ (٢١) الأَبِ، فلم يَلْزَمْه، كما لو بُذِلَ له بِعِوَضٍ، أو كما لو بُذِلَ له ابنُه أو غيرُهِ من أقَارِبِه، ولأنَّه يَلْزَمُه ضَرَرٌ بِلُحُوقِ المِنَّةِ به، وتَلْزَمُه نَفَقَتُه وكُسْوَتُه. فصل: إذا وَصَّى لِوَارِثِه وأجْنَبِيٍّ بِثُلُثِه، فأجازَ سائِرُ الوَرَثَةِ وَصِيَّةَ الوارِثِ، فالثُّلُثُ بينهما. وإن وَصَّى لكلِّ واحِدٍ منهما بمُعَيَّنٍ قِيمَتُهُما الثُّلُثُ، فأجازَ سائِرُ الوَرَثَةِ وَصِيَّةَ الوارِثِ، جازَتِ الوَصِيَّةُ (٢٢) لهما. وإن رَدُّوا، بَطَلَتْ وَصِيَّةُ الوارِثِ في المَسْأَلَتَيْنِ، وللأَجْنَبِىّ السُّدُسُ في الأُولَى، والمُعَيَّنُ المُوصَى له به في الثانِيةِ. وهذا قول مالِكٍ، والشافِعِيِّ وأبى ثَوْرٍ (٢٣)، وأصْحابِ الرأى، وغيرِهم. وإن كانت الوَصِيَّتانِ بِثُلُثَىْ مالِه، فأجَازَ الوَرَثةُ لهما، جازَتْ لهما. وإن عَيَّنُوا نَصِيبَ الوارِثِ بالرَّدِّ وحدَه، فلِلْأجْنَبِىِّ الثُّلُثُ كامِلًا؛ لأنَّهم خَصُّوا الوارِثَ بالإِبْطالِ، فالثُّلُثُ كلُّه للأَجْنَبِيِّ، وسَقَطَتْ وَصِيّةُ الوارِثِ، فصارَ كأنَّه لم يُوصِ له. وإن أبْطَلُوا الزائِدَ عن الثُّلُثِ من غيرِ تَعْيِينِ نَصِيبِ أحَدِهِما، فالثُّلُثُ الباقِى بين الوَصِيَّيْنِ، لكلِّ واحدٍ منهما السُّدُسُ.

стр. 4201

هذا الذي ذَكَرَه القاضي. وهو قول مالِكٍ، والشافِعِىِّ. وذلك لأنَّ الوارِثَ يُزَاحِمُ الأجْنَبِىَّ، إذا أجازَ الوَرَثةُ الوَصِيَّتَيْنِ، فيكونُ لكلِّ واحدٍ منهما الثُّلُثُ، فإذا أبْطَلُوا نِصْفَهُما بالرَّدِّ، كان البُطْلانُ راجِعًا إليهما، وما بَقِىَ منهما بينهما، كما لو تَلِفَ ذلك بغير الرَّدِّ. واخْتارَ أبو الخَطَّابِ أنَّ الثُّلُثَ جَمِيعَه للأَجْنَبِىِّ. وحُكِىَ نحو هذا عن أبي حنيفةَ؛ لأنَّهم لا يَقْدِرُونَ على إبْطالِ الثُّلُثِ فما دون إذا كان للأَجْنَبِىِّ، ولو جَعَلْنا الوَصِيَّةَ بينهما لمَلَكُوا إبْطالَ ما زادَ على السُّدُسِ، فإن صَرَّحَ الوَرَثةُ بذلك، فقالوا: أجَزْنَا الثُّلُثَ لَكُما، ورَدَدْنا ما زادَ عليه في وَصِيَّتِكُما. أو قالوا: رَدَدْنا من وَصِيَّةِ كلِّ واحدٍ منكما نِصْفَها، وبَقَّيْنَا له نِصْفَها. كان ذلك آكَدَ في جَعْلِ السُّدُسِ لكلِّ واحدٍ منهما؛ لِتَصرِيحِهِم به، وإن قالوا: أجَزْنَا وَصِيَّةَ الوارِثِ كلَّها، ورَدَدْنا نِصْفَ وَصِيَّةِ الأجْنَبِىِّ. فهو على ما قالوا؛ لأنَّ لهم أن يُجِيزُوا لهما ويَرُدُّوا (٢٤) عليهما، فكان لهم أن يُجِيزُوا لأحَدِهِما ويَرُدُّوا على الآخَرِ. وإن أجازُوا للأَجْنَبِىِّ جَمِيعَ وَصِيَّتِه، ورَدُّوا على الوارِثِ نِصْفَ وَصِيَّتِه، جازَ، كما قُلْنا. وإن أرادُوا أن يَنْقُصُوا الأجْنَبِىَّ عن نِصْفِ وَصِيَّتِه، لم يَمْلِكُوا ذلك، سواءٌ أجَازُوا لِلوارِثِ أو رَدُّوا عليه. فإن رَدُّوا جَمِيعَ وَصِيَّةِ الوارِثِ، ونَصْفَ وَصِيَّةِ الأجْنَبِىِّ، فعلى قولِ القاضي، لهم ذلك؛ لأنَّ لهم أن يُجِيزُوا الثُّلُثَ لهما، فيَشْتَرِكانِ فيه، ويكونُ لكلِّ واحدٍ منهما نِصْفُه، ثم إذا رَجَعُوا فيما لِلوارِثِ، لم يَزدِ الأجنَبِىُّ على ما كان له في حالةِ الإِجازَةِ للوارِثِ. وعلى قول أبى الخَطَّابِ، يَتَوَفَّرُ الثُّلُثُ كلُّه للأَجْنَبِىِّ؛ لأنَّه إنما يُنْتَقَصُ (٢٥) منه بمُزَاحَمَةِ الوارِثِ، فإذا زالَتِ المُزَاحَمَةُ، وَجَبَ تَوْفِيرُ الثُّلُثِ عليه (٢٦)؛ لأنَّه قد أوْصَى له به. ولو خَلَّفَ ابْنَيْنِ، ووَصَّى لهما بِثُلُثَىْ مالِه، ولأَجْنَبِىٍّ بالثُّلُثِ، فرَدَّا الوَصِيَّةَ. فقال أبو الخَطَّابِ: عندى للأَجْنَبِىِّ الثُّلُثُ كامِلًا. وعند القاضي، له التُّسْعُ. ويَجىءُ فيه من الفُرُوعِ مثلُ ما ذَكَرْنا في التي قبلَها.

стр. 4202

فصل: وإن وَصَّى بِثُلُثِه لوارِثٍ وأجنَبِىٍّ، وقال: إن رَدُّوا وَصِيّةَ الوارِثِ فالثُّلُثُ كلُّه للأَجْنَبِىِّ. [فرَدُّوا وَصيَّةَ الوارِثِ، فالثُّلُثُ كلُّه للأجْنَبِىِّ] (٢٧)، كما وَصَّى. وإن أجازُوا للوَارِثِ، فالثُّلُثُ بينهما؛ لأنَّ الوَصِيّةَ تَتَعَلَّقُ بالشَّرْطِ. ولو قال: أوْصَيْتُ لفلانٍ بِثُلُثِى، فإن ماتَ قبلِى فهو لِفُلانٍ. صَحَّ. وإن قال: وَصَّيْتُ بِثُلُثِى لفلانٍ، فإن قَدِمَ فلانٌ الغائِبُ فهو له. صَحَّ، فإن قَدِمَ الغائِبُ قبلَ مَوْتِ المُوصِى، صارَ هو الوَصِىَّ، وبَطَلَتْ وَصِيَّةُ الأَوَّلِ، سواءٌ عادَ إلى الغَيْبةِ أو لم يَعُدْ؛ لأنَّه قد وُجِدَ شَرْطُ انْتِقالِ الوَصِيَّةِ إليه، فلم يَنْتَقِلْ عنه بعدَ ذلك. وإن ماتَ المُوصِى قبلَ قُدُومِ الغائِبِ، فالوَصِيَّةُ للحاضِرِ، سواءٌ قَدِمَ الغائِبُ بعدَ ذلك أو لم يَقْدَمْ. ذَكَرَه القاضي؛ لأنَّ الوَصِيَّةَ ثَبَتَتْ لِوُجُودِ شَرْطِها، فلم تُنْقَلْ عنه، كما لو لم يَقْدَمْ. ويَحْتَمِلُ أنَّ الغائِبَ إن قَدِمَ بعدَ المَوْتِ، كانت الوَصِيّةُ له؛ لأنَّه جَعَلَها له بِشَرْطِ قُدُومِه، وقد وُجِدَ ذلك. فصل: وإن وَصَّى لوارِثٍ (٢٨)، فأجازَ بعضُ باقِى الوَرَثَةِ الوَصِيَّةَ دون البعضِ، نَفَذَ في نَصِيبِ مَن أجَازَ، دون مَنْ لم يُجِزْ. وإن أجازُوا بعضَ الوَصِيَّةِ دون بعضٍ، نَفَذَتْ فيما أجازُوا دون ما لم يُجِيزُوا. فإن أجازَ بعضُهم بعضَ الوَصِيَّةِ، وأجازَ بعضُهم جَميعها، أو رَدَّها، فهو على ما فَعَلُوا من ذلك. فلو خَلَّفَ ثَلَاثَةَ بَنِينَ وعَبْدًا، لا يَمْلِكُ غيرَه، فوَصَّى به لأحَدِهِم، أو وَهَبَه إيّاهُ في مَرَضِ مَوْتِه، وأجازَه له أخَواهُ، فهو له، وإن أجازَ له أحَدُهُما وحدَه، فله ثُلُثَاه، وإن أجازَا له نِصْفَ العَبْدِ، فله نِصْفُه، ولهما نِصْفُه، وإن أجازَ أحَدُهُما له نِصْفَ نصِيبِه، ورَدَّ الآخَرُ، فله النِّصْفُ كامِلًا؛ الثُّلُثُ نَصِيبُه، والسُّدُسُ من نَصِيبِ المُجِيزِ، وإن أجَازَ كلُّ واحدٍ منهما له نِصْفَ نَصِيبِه، كَمَلَ له الثُّلُثانِ، وإن أجازَ له أحَدُهُما نِصْفَ نصِيبِه، والآخَرُ ثَلَاثَةَ أرْباعِ نَصِيبه، كَمَلَ له ثَلَاثَةُ أرْباعِ العَبْدِ. وإن وَصَّى بالعَبْدِ لِاثْنَيْنِ منهما، فلِلثّالِثِ أن يُجِيزَ لهما، أو يَرُدَّ عليهما، أو يُجِيزَ لهما بعضَ وَصِيَّتِهِما، إن شاءَ مُتَسَاوِيًا، وإن شاءَ مُتَفَاضِلًا،

стр. 4203

أو يَرُدَّ على أحَدِهِما، ويُجِيزَ للآخَرِ وَصِيَّتَه كلَّها أو بعضَها، أو يُجِيزَ لأحَدِهِما جَمِيعَ وَصِيَّتهِ، وللآخَرِ بعضَها، فكلُّ ذلك جائِزٌ؛ لأنَّ الحَقَّ له، فكيفما شاءَ فَعَلَ فيه. ٩٥٦ - مسألة؛ قال: (وَمَنْ أَوْصَى لِغَيْرِ وَارِثٍ بأكْثَرَ مِنَ الثُّلُثِ، فَأجَازَ ذلِكَ الْوَرَثَةُ بَعْدَ مَوْتِ المُوصِى، جازَ، وإنْ لم يُجِيزُوا، رُدَّ إلَى الثُّلُثِ) وجملةُ ذلك أن الوَصِيّةَ لغيرِ الوارِثِ تَلْزَمُ في الثُّلُثِ من غير إجَازَةٍ، وما زادَ على الثُّلُثِ يَقِفُ على إجَازَتِهِم، فإن أجازُوه جازَ، وإن رَدُّوه بَطَلَ. في قولِ جَمِيعِ العُلَماءِ. والأصْلُ في ذلك قولُ النبيِّ ﷺ لِسَعْدٍ حينَ قال: أُوصِى بمالِى كلِّه؟ قال: "لَا". قال: فبالثُّلُثَيْنِ؟ قال: "لَا". قال: فبالنِّصْفِ؟ قال: "لَا". قال: فبالثُّلُثِ؟ قال: "الثُّلُثُ، والثُّلُثُ كَثِيرٌ" (١). وقولُه ﵇: "إنَّ اللهَ تَصَدَّقَ عَلَيْكُمْ بِثُلُثِ أمْوالِكُمْ عِنْدَ مَمَاتِكُمْ" (٢). يَدُلُّ على أنَّه لا شىءَ له في الزَّائِدِ عليه. وحَدِيثُ عِمْرانَ بن حُصَيْنٍ في المَمْلُوكِين الذين أعْتَقَهُم المَرِيضُ، ولم يكُنْ له مالٌ سِوَاهُم، فدَعَا بهم النبىّ ﷺ ، فجَزَّأَهُم ثَلَاثةَ أجْزاءٍ، وأقْرَعَ بينهم، فأعْتَقَ اثْنَيْنِ، وأرَقَّ أرْبَعةً، وقال له قولًا شَدِيدًا (٣)، يَدُلُّ أيضًا على أنَّه لا يَصِحُّ تَصَرُّفُه فيما عدا الثُّلُثَ، إذا لم يُجِز الوَرَثَةُ، ويَجُوزُ بإجَازَتِهِم؛ لأنَّ الحَقَّ لهم. والقولُ في بُطْلانِ الوَصِيَّةِ بالزّائِدِ عن الثُّلُثِ (٤)، كالقولِ في الوَصِيَّةِ لِلوارِثِ، على ما ذَكَرْنا. وهل إجَازَتُهُم تَنْفِيذٌ أو عَطِيَّةٌ مُبْتَدَأةٌ؟ فيه اخْتِلَافٌ ذَكَرْناه في الوَصِيَّةِ للوَارِثِ. والخِلَافُ فيه مَبْنِىٌّ على أنَّ الوَصِيَّةَ به، أو العَطِيّةَ له (٥)، في مَرَضِ المَوْتِ الْمَخُوفِ، صَحِيحَةٌ مَوْقُوفَةٌ على الإِجَازَةِ، أو باطِلَةٌ؟ فظاهِرُ المَذْهَبِ أنَّها صَحِيحَةٌ، وأنَّ الإِجَازَةَ تَنْفِيذٌ مُجَرَّدٌ،

стр. 4204

يَكفِى فيه قولُ المُجِيزِ: أجَزْتُ ذلك. أو أنْفَذْتُه. أو نحوه من الكَلَامِ، ولا يَفْتَقِرُ إلى شُرُوطِ الهِبَةِ. ويَتَفَرَّعُ عن هذا الخِلَافِ أنَّه لو أعْتَقَ عَبْدًا لا مالَ له سِوَاهُ في مَرَضِه، أو وَصَّى بإعْتاقِه، فأعْتَقُوه بِوَصِيَّتِه، فقد نَفَذَ العِتْقُ في ثُلُثِه، ووَقَفَ عِتْقُ باقِيه على إجَازَةِ الوَرَثَةِ، فإن أجازُوه، عَتَقَ جَمِيعُه، واخْتَصَّ عَصَباتُ المَيِّتِ بوَلَائِه كلِّه، إذا قُلْنا بِصِحَّةِ إعْتاقِه وَوَصِيَّتِه. وإن قُلْنا: هي باطِلَةٌ، والإِجازَةُ عَطِيّةٌ مُبْتَدأةٌ. اخْتَصَّ عَصَباتُ المَيِّتِ بثُلُثِ وَلَائِه، وكان ثُلُثاهُ لِجَمِيعِ الوَرَثَةِ بينهم على قَدْرِ مِيرَاثِهِم؛ لأنَّهم باشَرُوه بالإِعْتاقِ. وكذلك لو تَبَرَّعَ بِثُلُثِ مالِه في مَرَضِه، ثم أعْتَقَ، أو وَصَّى بالإِعْتاقِ، فالحُكْمُ فيه على ما ذَكَرْنا. ولو أوْصَى لِابْنِ وارِثِه بعدَ تَبَرُّعِه بِثُلُثِ مالِه، أو أعْطاه عَطِيّةً في مَرَضِه، فأجازَ أبُوه وَصِيَّتَه وعَطِيَّتَه، ثم أرادَ الرُّجُوعَ فيما أجازَه، فله ذلك إن قُلْنا: هي عَطِيّةٌ مُبْتَدأةٌ. وليس له ذلك على القولِ بأنَّها إجازَةٌ مُجَرَّدَةٌ. ولو تَزَوَّجَ رَجُلٌ ابْنَةَ عَمِّه، فأوْصَتْ له بوَصِيَّةٍ أو عَطِيَّةٍ في مَرَضِ مَوْتِها، ثم ماتَتْ وخَلَّفَتْه وأباه، فأجَازَ أبُوه وَصِيَّتَه وعَطِيَّتَه، فالحُكْمُ فيه على ما ذَكَرْنا. ولو وَقَفَ في مَرَضِه على وَرَثَتِه، فأجازُوا الوَقْفَ، صَحَّ إن قُلْنا: إجَازَتُهُم تَنْفِيذٌ. ولم يَصِحَّ إن قُلْنا: هي عَطِيّةٌ مُبْتَدأةٌ. ولأنَّهم يكونُون واقِفِينَ على أنْفُسِهِم. ولا فَرْقَ في الوَصِيَّةِ بين المَرَضِ والصِّحّةِ، وقد رَوَى حَنْبَلٌ، عن أحمدَ، أنَّه قال: إن أوْصَى في المَرَضِ فهو من الثُّلُثِ، وإن كان صَحِيحًا فله أن يُوصِىَ بما شَاءَ. يعني به العَطِيّةَ. قالَه القاضي. أمَّا الوَصِيَّةُ فإنَّها عَطِيّةٌ بعد المَوْتِ، فلا يجوزُ منها إلَّا الثُّلُثُ على كلِّ حالٍ. فصل: ولا يُعْتَبَرُ الرَّدُّ والإِجازَةُ إلَّا بعدَ مَوْتِ المُوصِى، فلو أجازُوا قبلَ ذلك، ثم رَدُّوا، أو أَذِنُوا لِمَوْرُوثِهِم في حَياتِه بالوَصِيَّةِ بجَمِيعِ المالِ، أو بالوَصِيَّةِ لبعض وَرَثَتِه، ثم بَدَا لهم فرَدُّوا بعدَ وَفَاتِه، فلهم الرَّدُّ، سواءٌ كانت الإِجازَةُ في صِحّةِ المُوصِى أو مَرَضِه. نَصَّ عليه أحمدُ، في رِوَايةِ أبى طالِبٍ. ورُوِى ذلك عن ابنِ مسعودٍ. وهو قول شُرَيْحٍ، وطاوُسٍ، والحَكَمِ، والثَّوْرِىِّ، والحَسَنِ بن صالِحٍ، والشافِعِىِّ، وأبى ثَوْرٍ، وابنِ المُنْذِرِ، وأبى حنيفةَ، وأصْحابِه. وقال الحَسَنُ، وعَطَاءٌ، وحَمّادُ

стр. 4205

ابن أبي سليمانَ، وعبدُ المَلِكِ بن يَعْلَى، والزُّهْرِىُّ، ورَبِيعَةُ (٦)، والأَوْزَاعِىُّ، وابنُ أبى لَيْلَى: ذلك جائزٌ عليهم؛ لأنَّ الحَقَّ لِلْوَرَثةِ، فإذا رَضُوا بِتَرْكِه سَقَطَ حَقُّهُم، كما لو رَضِىَ المُشْتَرِى بالعَيْبِ. وقال مالِكٌ: إن أَذِنُوا له في صِحَّتِه، فلهم أن يَرْجِعُوا، وإن كان ذلك في مَرَضِه، وحين يُحْجَبُ عن مالِه، فذلك جائِزٌ عليهم. ولَنا، أنَّهم أَسْقَطُوا حُقُوقَهُم فيما لم [يَمْلِكُوه، فلم] (٧) يَلْزَمْهُمْ، كالمَرْأةِ إذا أسْقَطَتْ صَدَاقَها قبلَ النِّكَاحِ، أو أَسْقَطَ الشَّفِيعُ حَقَّه من الشُّفْعةِ قبلَ البَيْعِ، ولأنَّها حالةٌ لا يَصِحُّ فيها رَدُّهُم لِلْوَصِيَّةِ، فلم يَصِحَّ فيها إجازَتُهُم، كما قبلَ الوَصِيَّةِ. فصل: وإذا أوْصَى بأكْثَرَ من الثُّلُثِ، فأجازَ الوارِثُ الوَصِيّةَ، وقال (٨): إنَّما أجَزْتُها ظَنًّا أنَّ المالَ قَلِيلٌ، فبانَ كَثِيرًا. فإن كانت للمُوصِى بَيِّنةٌ تَشْهَدُ بِاعْتِرافِه بمَعْرِفةِ قَدْرِ المالِ، أو كان المالُ ظاهِرًا لا يَخْفَى عليه، لم يُقْبَلْ قولُه، إلَّا على قولِ مَن قال: الإِجازَةُ هِبَةٌ مُبْتَدَأةٌ. فله الرُّجُوعُ فيما يجوزُ الرُّجُوعُ في الهِبَةِ في مثلِه. وإن لم تَشْهَدْ بَيِّنةٌ باعْتِرَافِه بذلك، فالقولُ قولُه مع يَمِينِه؛ لأنَّ الإِجازَةَ تَنَزَّلَتْ مَنْزِلةَ الإِبْراءِ، فلا يَصِحُّ في المَجْهُولِ، والقولُ قولُه في الجَهْلِ به مع يَمِينِه؛ لأنَّ الأصْلَ عَدَمُ العِلْمِ. ويَحْتَمِلُ أن لا يُقْبَلَ قَوْلُه؛ لأنَّه أجَازَ عَقْدًا له الخِيَارُ في فَسْخِه، فبَطَلَ خِيَارُه، كما لو أجَازَ البَيْعَ مَنْ له الخِيَارُ في فَسْخِه بِعَيْبٍ أو خِيَارٍ. وإن أوْصَى بمُعَيَّنٍ، كعَبْدٍ أو فَرَسٍ يَزِيدُ على الثُّلُثِ، فأجازَ الوَصِيَّةَ بها (٦)، ثم قال: ظَنَنْتُ المالَ كَثِيرًا تَخْرُجُ الوَصِيّةُ من ثُلُثِه، فبانَ قَلِيلًا، أو ظَهَرَ عليه دَيْنٌ لم أعْلَمْهُ. لم تَبْطُل الوَصِيَّةُ؛ لأنَّ العَبْدَ مَعْلُومٌ لا جَهَالَةَ فيه. ويَحْتَملُ أن يَمْلِكَ الفَسْخَ؛ لأنَّه قد يَسْمَحُ بذلك ظَنًّا منه أنَّه يَبْقَى له من المالِ ما يَكْفِيه، فإذا بانَ خِلَافُ ذلك، لَحِقَهُ الضَّرَرُ في الإِجَازَةِ، فمَلَكَ الرُّجُوعَ كالمَسْأَلةِ التي (٦) قبلَها.
следующие страницы →