← Фикх ханбали

Фикх ханбали · id 6910

المغني لابن قدامة - ت التركي

ابن قدامة

Полный текст (7 955 стр.). Показаны 4201–4240 · переход к 4206.

стр. 4201

هذا الذي ذَكَرَه القاضي. وهو قول مالِكٍ، والشافِعِىِّ. وذلك لأنَّ الوارِثَ يُزَاحِمُ الأجْنَبِىَّ، إذا أجازَ الوَرَثةُ الوَصِيَّتَيْنِ، فيكونُ لكلِّ واحدٍ منهما الثُّلُثُ، فإذا أبْطَلُوا نِصْفَهُما بالرَّدِّ، كان البُطْلانُ راجِعًا إليهما، وما بَقِىَ منهما بينهما، كما لو تَلِفَ ذلك بغير الرَّدِّ. واخْتارَ أبو الخَطَّابِ أنَّ الثُّلُثَ جَمِيعَه للأَجْنَبِىِّ. وحُكِىَ نحو هذا عن أبي حنيفةَ؛ لأنَّهم لا يَقْدِرُونَ على إبْطالِ الثُّلُثِ فما دون إذا كان للأَجْنَبِىِّ، ولو جَعَلْنا الوَصِيَّةَ بينهما لمَلَكُوا إبْطالَ ما زادَ على السُّدُسِ، فإن صَرَّحَ الوَرَثةُ بذلك، فقالوا: أجَزْنَا الثُّلُثَ لَكُما، ورَدَدْنا ما زادَ عليه في وَصِيَّتِكُما. أو قالوا: رَدَدْنا من وَصِيَّةِ كلِّ واحدٍ منكما نِصْفَها، وبَقَّيْنَا له نِصْفَها. كان ذلك آكَدَ في جَعْلِ السُّدُسِ لكلِّ واحدٍ منهما؛ لِتَصرِيحِهِم به، وإن قالوا: أجَزْنَا وَصِيَّةَ الوارِثِ كلَّها، ورَدَدْنا نِصْفَ وَصِيَّةِ الأجْنَبِىِّ. فهو على ما قالوا؛ لأنَّ لهم أن يُجِيزُوا لهما ويَرُدُّوا (٢٤) عليهما، فكان لهم أن يُجِيزُوا لأحَدِهِما ويَرُدُّوا على الآخَرِ. وإن أجازُوا للأَجْنَبِىِّ جَمِيعَ وَصِيَّتِه، ورَدُّوا على الوارِثِ نِصْفَ وَصِيَّتِه، جازَ، كما قُلْنا. وإن أرادُوا أن يَنْقُصُوا الأجْنَبِىَّ عن نِصْفِ وَصِيَّتِه، لم يَمْلِكُوا ذلك، سواءٌ أجَازُوا لِلوارِثِ أو رَدُّوا عليه. فإن رَدُّوا جَمِيعَ وَصِيَّةِ الوارِثِ، ونَصْفَ وَصِيَّةِ الأجْنَبِىِّ، فعلى قولِ القاضي، لهم ذلك؛ لأنَّ لهم أن يُجِيزُوا الثُّلُثَ لهما، فيَشْتَرِكانِ فيه، ويكونُ لكلِّ واحدٍ منهما نِصْفُه، ثم إذا رَجَعُوا فيما لِلوارِثِ، لم يَزدِ الأجنَبِىُّ على ما كان له في حالةِ الإِجازَةِ للوارِثِ. وعلى قول أبى الخَطَّابِ، يَتَوَفَّرُ الثُّلُثُ كلُّه للأَجْنَبِىِّ؛ لأنَّه إنما يُنْتَقَصُ (٢٥) منه بمُزَاحَمَةِ الوارِثِ، فإذا زالَتِ المُزَاحَمَةُ، وَجَبَ تَوْفِيرُ الثُّلُثِ عليه (٢٦)؛ لأنَّه قد أوْصَى له به. ولو خَلَّفَ ابْنَيْنِ، ووَصَّى لهما بِثُلُثَىْ مالِه، ولأَجْنَبِىٍّ بالثُّلُثِ، فرَدَّا الوَصِيَّةَ. فقال أبو الخَطَّابِ: عندى للأَجْنَبِىِّ الثُّلُثُ كامِلًا. وعند القاضي، له التُّسْعُ. ويَجىءُ فيه من الفُرُوعِ مثلُ ما ذَكَرْنا في التي قبلَها.

стр. 4202

فصل: وإن وَصَّى بِثُلُثِه لوارِثٍ وأجنَبِىٍّ، وقال: إن رَدُّوا وَصِيّةَ الوارِثِ فالثُّلُثُ كلُّه للأَجْنَبِىِّ. [فرَدُّوا وَصيَّةَ الوارِثِ، فالثُّلُثُ كلُّه للأجْنَبِىِّ] (٢٧)، كما وَصَّى. وإن أجازُوا للوَارِثِ، فالثُّلُثُ بينهما؛ لأنَّ الوَصِيّةَ تَتَعَلَّقُ بالشَّرْطِ. ولو قال: أوْصَيْتُ لفلانٍ بِثُلُثِى، فإن ماتَ قبلِى فهو لِفُلانٍ. صَحَّ. وإن قال: وَصَّيْتُ بِثُلُثِى لفلانٍ، فإن قَدِمَ فلانٌ الغائِبُ فهو له. صَحَّ، فإن قَدِمَ الغائِبُ قبلَ مَوْتِ المُوصِى، صارَ هو الوَصِىَّ، وبَطَلَتْ وَصِيَّةُ الأَوَّلِ، سواءٌ عادَ إلى الغَيْبةِ أو لم يَعُدْ؛ لأنَّه قد وُجِدَ شَرْطُ انْتِقالِ الوَصِيَّةِ إليه، فلم يَنْتَقِلْ عنه بعدَ ذلك. وإن ماتَ المُوصِى قبلَ قُدُومِ الغائِبِ، فالوَصِيَّةُ للحاضِرِ، سواءٌ قَدِمَ الغائِبُ بعدَ ذلك أو لم يَقْدَمْ. ذَكَرَه القاضي؛ لأنَّ الوَصِيَّةَ ثَبَتَتْ لِوُجُودِ شَرْطِها، فلم تُنْقَلْ عنه، كما لو لم يَقْدَمْ. ويَحْتَمِلُ أنَّ الغائِبَ إن قَدِمَ بعدَ المَوْتِ، كانت الوَصِيّةُ له؛ لأنَّه جَعَلَها له بِشَرْطِ قُدُومِه، وقد وُجِدَ ذلك. فصل: وإن وَصَّى لوارِثٍ (٢٨)، فأجازَ بعضُ باقِى الوَرَثَةِ الوَصِيَّةَ دون البعضِ، نَفَذَ في نَصِيبِ مَن أجَازَ، دون مَنْ لم يُجِزْ. وإن أجازُوا بعضَ الوَصِيَّةِ دون بعضٍ، نَفَذَتْ فيما أجازُوا دون ما لم يُجِيزُوا. فإن أجازَ بعضُهم بعضَ الوَصِيَّةِ، وأجازَ بعضُهم جَميعها، أو رَدَّها، فهو على ما فَعَلُوا من ذلك. فلو خَلَّفَ ثَلَاثَةَ بَنِينَ وعَبْدًا، لا يَمْلِكُ غيرَه، فوَصَّى به لأحَدِهِم، أو وَهَبَه إيّاهُ في مَرَضِ مَوْتِه، وأجازَه له أخَواهُ، فهو له، وإن أجازَ له أحَدُهُما وحدَه، فله ثُلُثَاه، وإن أجازَا له نِصْفَ العَبْدِ، فله نِصْفُه، ولهما نِصْفُه، وإن أجازَ أحَدُهُما له نِصْفَ نصِيبِه، ورَدَّ الآخَرُ، فله النِّصْفُ كامِلًا؛ الثُّلُثُ نَصِيبُه، والسُّدُسُ من نَصِيبِ المُجِيزِ، وإن أجَازَ كلُّ واحدٍ منهما له نِصْفَ نَصِيبِه، كَمَلَ له الثُّلُثانِ، وإن أجازَ له أحَدُهُما نِصْفَ نصِيبِه، والآخَرُ ثَلَاثَةَ أرْباعِ نَصِيبه، كَمَلَ له ثَلَاثَةُ أرْباعِ العَبْدِ. وإن وَصَّى بالعَبْدِ لِاثْنَيْنِ منهما، فلِلثّالِثِ أن يُجِيزَ لهما، أو يَرُدَّ عليهما، أو يُجِيزَ لهما بعضَ وَصِيَّتِهِما، إن شاءَ مُتَسَاوِيًا، وإن شاءَ مُتَفَاضِلًا،

стр. 4203

أو يَرُدَّ على أحَدِهِما، ويُجِيزَ للآخَرِ وَصِيَّتَه كلَّها أو بعضَها، أو يُجِيزَ لأحَدِهِما جَمِيعَ وَصِيَّتهِ، وللآخَرِ بعضَها، فكلُّ ذلك جائِزٌ؛ لأنَّ الحَقَّ له، فكيفما شاءَ فَعَلَ فيه. ٩٥٦ - مسألة؛ قال: (وَمَنْ أَوْصَى لِغَيْرِ وَارِثٍ بأكْثَرَ مِنَ الثُّلُثِ، فَأجَازَ ذلِكَ الْوَرَثَةُ بَعْدَ مَوْتِ المُوصِى، جازَ، وإنْ لم يُجِيزُوا، رُدَّ إلَى الثُّلُثِ) وجملةُ ذلك أن الوَصِيّةَ لغيرِ الوارِثِ تَلْزَمُ في الثُّلُثِ من غير إجَازَةٍ، وما زادَ على الثُّلُثِ يَقِفُ على إجَازَتِهِم، فإن أجازُوه جازَ، وإن رَدُّوه بَطَلَ. في قولِ جَمِيعِ العُلَماءِ. والأصْلُ في ذلك قولُ النبيِّ ﷺ لِسَعْدٍ حينَ قال: أُوصِى بمالِى كلِّه؟ قال: "لَا". قال: فبالثُّلُثَيْنِ؟ قال: "لَا". قال: فبالنِّصْفِ؟ قال: "لَا". قال: فبالثُّلُثِ؟ قال: "الثُّلُثُ، والثُّلُثُ كَثِيرٌ" (١). وقولُه ﵇: "إنَّ اللهَ تَصَدَّقَ عَلَيْكُمْ بِثُلُثِ أمْوالِكُمْ عِنْدَ مَمَاتِكُمْ" (٢). يَدُلُّ على أنَّه لا شىءَ له في الزَّائِدِ عليه. وحَدِيثُ عِمْرانَ بن حُصَيْنٍ في المَمْلُوكِين الذين أعْتَقَهُم المَرِيضُ، ولم يكُنْ له مالٌ سِوَاهُم، فدَعَا بهم النبىّ ﷺ ، فجَزَّأَهُم ثَلَاثةَ أجْزاءٍ، وأقْرَعَ بينهم، فأعْتَقَ اثْنَيْنِ، وأرَقَّ أرْبَعةً، وقال له قولًا شَدِيدًا (٣)، يَدُلُّ أيضًا على أنَّه لا يَصِحُّ تَصَرُّفُه فيما عدا الثُّلُثَ، إذا لم يُجِز الوَرَثَةُ، ويَجُوزُ بإجَازَتِهِم؛ لأنَّ الحَقَّ لهم. والقولُ في بُطْلانِ الوَصِيَّةِ بالزّائِدِ عن الثُّلُثِ (٤)، كالقولِ في الوَصِيَّةِ لِلوارِثِ، على ما ذَكَرْنا. وهل إجَازَتُهُم تَنْفِيذٌ أو عَطِيَّةٌ مُبْتَدَأةٌ؟ فيه اخْتِلَافٌ ذَكَرْناه في الوَصِيَّةِ للوَارِثِ. والخِلَافُ فيه مَبْنِىٌّ على أنَّ الوَصِيَّةَ به، أو العَطِيّةَ له (٥)، في مَرَضِ المَوْتِ الْمَخُوفِ، صَحِيحَةٌ مَوْقُوفَةٌ على الإِجَازَةِ، أو باطِلَةٌ؟ فظاهِرُ المَذْهَبِ أنَّها صَحِيحَةٌ، وأنَّ الإِجَازَةَ تَنْفِيذٌ مُجَرَّدٌ،

стр. 4204

يَكفِى فيه قولُ المُجِيزِ: أجَزْتُ ذلك. أو أنْفَذْتُه. أو نحوه من الكَلَامِ، ولا يَفْتَقِرُ إلى شُرُوطِ الهِبَةِ. ويَتَفَرَّعُ عن هذا الخِلَافِ أنَّه لو أعْتَقَ عَبْدًا لا مالَ له سِوَاهُ في مَرَضِه، أو وَصَّى بإعْتاقِه، فأعْتَقُوه بِوَصِيَّتِه، فقد نَفَذَ العِتْقُ في ثُلُثِه، ووَقَفَ عِتْقُ باقِيه على إجَازَةِ الوَرَثَةِ، فإن أجازُوه، عَتَقَ جَمِيعُه، واخْتَصَّ عَصَباتُ المَيِّتِ بوَلَائِه كلِّه، إذا قُلْنا بِصِحَّةِ إعْتاقِه وَوَصِيَّتِه. وإن قُلْنا: هي باطِلَةٌ، والإِجازَةُ عَطِيّةٌ مُبْتَدأةٌ. اخْتَصَّ عَصَباتُ المَيِّتِ بثُلُثِ وَلَائِه، وكان ثُلُثاهُ لِجَمِيعِ الوَرَثَةِ بينهم على قَدْرِ مِيرَاثِهِم؛ لأنَّهم باشَرُوه بالإِعْتاقِ. وكذلك لو تَبَرَّعَ بِثُلُثِ مالِه في مَرَضِه، ثم أعْتَقَ، أو وَصَّى بالإِعْتاقِ، فالحُكْمُ فيه على ما ذَكَرْنا. ولو أوْصَى لِابْنِ وارِثِه بعدَ تَبَرُّعِه بِثُلُثِ مالِه، أو أعْطاه عَطِيّةً في مَرَضِه، فأجازَ أبُوه وَصِيَّتَه وعَطِيَّتَه، ثم أرادَ الرُّجُوعَ فيما أجازَه، فله ذلك إن قُلْنا: هي عَطِيّةٌ مُبْتَدأةٌ. وليس له ذلك على القولِ بأنَّها إجازَةٌ مُجَرَّدَةٌ. ولو تَزَوَّجَ رَجُلٌ ابْنَةَ عَمِّه، فأوْصَتْ له بوَصِيَّةٍ أو عَطِيَّةٍ في مَرَضِ مَوْتِها، ثم ماتَتْ وخَلَّفَتْه وأباه، فأجَازَ أبُوه وَصِيَّتَه وعَطِيَّتَه، فالحُكْمُ فيه على ما ذَكَرْنا. ولو وَقَفَ في مَرَضِه على وَرَثَتِه، فأجازُوا الوَقْفَ، صَحَّ إن قُلْنا: إجَازَتُهُم تَنْفِيذٌ. ولم يَصِحَّ إن قُلْنا: هي عَطِيّةٌ مُبْتَدأةٌ. ولأنَّهم يكونُون واقِفِينَ على أنْفُسِهِم. ولا فَرْقَ في الوَصِيَّةِ بين المَرَضِ والصِّحّةِ، وقد رَوَى حَنْبَلٌ، عن أحمدَ، أنَّه قال: إن أوْصَى في المَرَضِ فهو من الثُّلُثِ، وإن كان صَحِيحًا فله أن يُوصِىَ بما شَاءَ. يعني به العَطِيّةَ. قالَه القاضي. أمَّا الوَصِيَّةُ فإنَّها عَطِيّةٌ بعد المَوْتِ، فلا يجوزُ منها إلَّا الثُّلُثُ على كلِّ حالٍ. فصل: ولا يُعْتَبَرُ الرَّدُّ والإِجازَةُ إلَّا بعدَ مَوْتِ المُوصِى، فلو أجازُوا قبلَ ذلك، ثم رَدُّوا، أو أَذِنُوا لِمَوْرُوثِهِم في حَياتِه بالوَصِيَّةِ بجَمِيعِ المالِ، أو بالوَصِيَّةِ لبعض وَرَثَتِه، ثم بَدَا لهم فرَدُّوا بعدَ وَفَاتِه، فلهم الرَّدُّ، سواءٌ كانت الإِجازَةُ في صِحّةِ المُوصِى أو مَرَضِه. نَصَّ عليه أحمدُ، في رِوَايةِ أبى طالِبٍ. ورُوِى ذلك عن ابنِ مسعودٍ. وهو قول شُرَيْحٍ، وطاوُسٍ، والحَكَمِ، والثَّوْرِىِّ، والحَسَنِ بن صالِحٍ، والشافِعِىِّ، وأبى ثَوْرٍ، وابنِ المُنْذِرِ، وأبى حنيفةَ، وأصْحابِه. وقال الحَسَنُ، وعَطَاءٌ، وحَمّادُ

стр. 4205

ابن أبي سليمانَ، وعبدُ المَلِكِ بن يَعْلَى، والزُّهْرِىُّ، ورَبِيعَةُ (٦)، والأَوْزَاعِىُّ، وابنُ أبى لَيْلَى: ذلك جائزٌ عليهم؛ لأنَّ الحَقَّ لِلْوَرَثةِ، فإذا رَضُوا بِتَرْكِه سَقَطَ حَقُّهُم، كما لو رَضِىَ المُشْتَرِى بالعَيْبِ. وقال مالِكٌ: إن أَذِنُوا له في صِحَّتِه، فلهم أن يَرْجِعُوا، وإن كان ذلك في مَرَضِه، وحين يُحْجَبُ عن مالِه، فذلك جائِزٌ عليهم. ولَنا، أنَّهم أَسْقَطُوا حُقُوقَهُم فيما لم [يَمْلِكُوه، فلم] (٧) يَلْزَمْهُمْ، كالمَرْأةِ إذا أسْقَطَتْ صَدَاقَها قبلَ النِّكَاحِ، أو أَسْقَطَ الشَّفِيعُ حَقَّه من الشُّفْعةِ قبلَ البَيْعِ، ولأنَّها حالةٌ لا يَصِحُّ فيها رَدُّهُم لِلْوَصِيَّةِ، فلم يَصِحَّ فيها إجازَتُهُم، كما قبلَ الوَصِيَّةِ. فصل: وإذا أوْصَى بأكْثَرَ من الثُّلُثِ، فأجازَ الوارِثُ الوَصِيّةَ، وقال (٨): إنَّما أجَزْتُها ظَنًّا أنَّ المالَ قَلِيلٌ، فبانَ كَثِيرًا. فإن كانت للمُوصِى بَيِّنةٌ تَشْهَدُ بِاعْتِرافِه بمَعْرِفةِ قَدْرِ المالِ، أو كان المالُ ظاهِرًا لا يَخْفَى عليه، لم يُقْبَلْ قولُه، إلَّا على قولِ مَن قال: الإِجازَةُ هِبَةٌ مُبْتَدَأةٌ. فله الرُّجُوعُ فيما يجوزُ الرُّجُوعُ في الهِبَةِ في مثلِه. وإن لم تَشْهَدْ بَيِّنةٌ باعْتِرَافِه بذلك، فالقولُ قولُه مع يَمِينِه؛ لأنَّ الإِجازَةَ تَنَزَّلَتْ مَنْزِلةَ الإِبْراءِ، فلا يَصِحُّ في المَجْهُولِ، والقولُ قولُه في الجَهْلِ به مع يَمِينِه؛ لأنَّ الأصْلَ عَدَمُ العِلْمِ. ويَحْتَمِلُ أن لا يُقْبَلَ قَوْلُه؛ لأنَّه أجَازَ عَقْدًا له الخِيَارُ في فَسْخِه، فبَطَلَ خِيَارُه، كما لو أجَازَ البَيْعَ مَنْ له الخِيَارُ في فَسْخِه بِعَيْبٍ أو خِيَارٍ. وإن أوْصَى بمُعَيَّنٍ، كعَبْدٍ أو فَرَسٍ يَزِيدُ على الثُّلُثِ، فأجازَ الوَصِيَّةَ بها (٦)، ثم قال: ظَنَنْتُ المالَ كَثِيرًا تَخْرُجُ الوَصِيّةُ من ثُلُثِه، فبانَ قَلِيلًا، أو ظَهَرَ عليه دَيْنٌ لم أعْلَمْهُ. لم تَبْطُل الوَصِيَّةُ؛ لأنَّ العَبْدَ مَعْلُومٌ لا جَهَالَةَ فيه. ويَحْتَملُ أن يَمْلِكَ الفَسْخَ؛ لأنَّه قد يَسْمَحُ بذلك ظَنًّا منه أنَّه يَبْقَى له من المالِ ما يَكْفِيه، فإذا بانَ خِلَافُ ذلك، لَحِقَهُ الضَّرَرُ في الإِجَازَةِ، فمَلَكَ الرُّجُوعَ كالمَسْأَلةِ التي (٦) قبلَها.

стр. 4206

فصل: ولا تَصِحُّ الإِجَازَةُ إلَّا من جائِزِ التَّصَرُّفِ. فأمَّا الصَّبِىُّ والمَجْنُونُ والمَحْجُورُ عليه لِسَفَهٍ، فلا تَصِحُّ الإِجازَةُ منهم؛ لأنَّها تَبَرُّعٌ بالمالِ، فلم تَصِحَّ منهم، كالهِبَةِ. وأمَّا المَحْجُورُ عليه لِفَلَسٍ، فإن قُلنا: الإِجَازَةُ هِبَةٌ. لم تَصِحَّ منه؛ لأنَّه ليس له هِبَةُ مالِه. وإن قُلْنا: هي تَنْفِيذٌ. صَحَّتْ. ٩٥٧ - مسألة؛ قال: (وَمَنْ أُوصِىَ لَهُ، وَهُوَ فِي الظَّاهِرِ وَارِثٌ، فَلَمْ يَمُتِ الْمُوصِى حَتَّى صَارَ المُوصَى لَهُ غَيْرَ وارِثٍ، فَالْوَصِيَّةُ له ثابِتَةٌ؛ لِأَنَّ اعْتِبارَ الوَصِيَّةِ بالْمَوْتِ) لا نَعْلَمُ خِلَافًا بين أهْلِ العِلْمِ، في أن اعْتِبارَ الوَصِيَّةِ بالمَوْتِ، فلو أَوْصَى لِثَلَاثةِ إخْوَةٍ له مُتَفَرِّقِينَ، ولا وَلَدَ له، وماتَ قبلَ أن يُولَدَ له وَلَدٌ (١)، لم تَصِحَّ الوَصِيَّةُ لغيرِ الأَخِ من الأَبِ، إلَّا بالإِجَازَةِ من الوَرَثَةِ. وإن وُلِدَ له ابْنٌ، صَحَّتِ الوَصِيَّةُ لهم جَمِيعًا من غيرِ إجَازَةٍ، إذا لم تَتَجَاوَز الوَصِيَّةُ الثُّلُثَ. وإن وُلِدَتْ له بِنْتٌ، جازَتِ الوَصِيَّةُ لأَخِيه من أبِيه وأخِيه من أُمِّه، فيكونُ لهما ثُلُثَا المُوصَى به بينهما نِصْفَيْنِ، ولا يجوزُ للأَخِ من الأبَوَيْنِ؛ لأنَّه وارِثٌ. وبهذا يقول الشافِعِىُّ، وأبو ثَوْرٍ، وابنُ المُنْذِرِ، وأصْحابُ الرأى، وغيرُهم. ولا نَعْلَمُ عن غيرهم خِلَافَهُم. ولو أَوْصَى لهم، وله ابنٌ، فماتَ ابْنُه قبلَ مَوْتِه، لم تَجُزِ الوَصِيَّةُ لأخِيه من أبَوَيْه، ولا لأَخِيه من أُمِّه، وجازَتْ لأَخِيه من أبِيه. فإن ماتَ الأَخُ من الأبَوَيْنِ قبلَ مَوْتِه، لم تَجُزْ (٢) للأَخِ من الأَبِ أيضًا؛ لأنَّه صارَ وارِثًا. فصل: ولو أوْصَى لِامْرَأةٍ أجْنَبِيّةٍ، أو أَوْصَتْ له، ثم تَزَوَّجَها، لم تَجُزْ وَصِيَّتُهُما

стр. 4207

إلَّا بالإِجَازَةِ من الوَرَثةِ. وإن أوْصَى أحَدُهُما للآخَرِ، ثم طَلَّقَها، جازَتِ الوَصِيَّةُ، لأنَّه صارَ غيرَ وارِثٍ، إلَّا أنَّه إن طَلَّقَها في مَرَضِ مَوْتِه، فقِيَاسُ المَذْهَبِ أنَّها لا تُعْطَى أكْثَرَ من مِيرَاثِها؛ لأنَّه يُتَّهَمُ في أنَّه طَلَّقَها لِيُوصِلَ إليها مالَه بالوَصِيَّةِ، فلم يُنَفَّذْ لها ذلك، كما لو طَلَّقَها في مَرَضِ مَوْتِه أو أوْصَى لها بأكْثَرَ ممَّا كانت تَرِثُ. فصل: وإن أعْتَقَ أمَتَه في صِحَّتِه، ثم تَزَوَّجَها في مَرَضِه، صَحَّ، ووَرِثَتْه بغيرِ خِلَافٍ نَعْلَمُه. وإن أعْتَقَها في مَرَضِه، ثم تَزَوَّجَها، وكانت تَخْرُجُ من ثُلُثِه، فنَقَلَ المَرُّوذِىُّ عن أحمدَ، أنَّها تَعْتِقُ وتَرِثُ. وهذا اخْتِيارُ أصْحابِنا. وهو قولُ أبى حنيفةَ؛ لأنَّها امْرأةٌ نِكَاحُها صَحِيحٌ، ولم يُوجَدْ في حَقِّها مانِعٌ من موانِعِ الإِرْثِ، وهى الرِّقُّ والقَتْلُ واخْتِلَافُ الدِّينِ، فتَرِثُ، كما لو كان أعْتَقَها في صِحَّتِه (٣). وقال الشافِعِىُّ: تَعْتِقُ ولا تَرِثُ؛ لأنَّها لو وَرِثَتْ لَكان إعْتَاقُها وَصِيَّةً لِوَارِثٍ، فيُؤَدِّى تَوْرِيثُها إلى إسْقاطِ تَوْرِيثِها؛ لأنَّ ذلك يَقْتَضِى إبْطالَ عِتْقِها، فيَبْطُلُ نِكَاحُها ثم يَبْطُلُ إرْثُها، فكان إبْطَالُ الإِرْثِ وحدَه وتَصْحِيحُ العَتْقِ والنِّكَاحِ أَوْلَى. فصل: وإن أعْتَقَ أمَةً لا يَمْلِكُ غيرَها، ثم تَزَوَّجَها، فالنِّكَاحُ صَحِيحٌّ في الظاهِرِ. فإن ماتَ، ولم يَمْلِكْ شَيْئًا آخَرَ، تَبَيَّنَ أنَّ نِكَاحَها باطِلٌ، ويَسْقُطُ مَهْرُهَا إن كان لم يَدْخُلْ بها. وهذا قولُ أبى حنيفَةَ، والشَّافِعِىِّ. ويَعْتِقُ منها ثُلُثُها، ويَرِقُّ ثُلُثَاها. فإن كان قد دَخَلَ بها ومَهْرُها نِصْفُ قِيمَتِها، عَتَقَ منها ثَلَاثَةُ أسْباعِها، ويَرِقُّ أرْبَعةُ أسْباعِها. وحِسَابُ ذلك أن تقول: عَتَقَ منها شيءٌ، ولها بِصَدَاقِها نِصْفُ شيءٍ، ولِلوَرَثةِ شَيْئانِ، فيُجْمَعُ ذلك فيكونُ ثَلَاثَةَ أشْياءٍ ونِصْفًا، نَبْسُطُها فتكونُ سَبْعَةً، لها منها ثَلَاثَةٌ، ولهم أرْبَعَةٌ، ولا شىءَ للمَيِّتِ سِوَاها، فنَجْعَلُ لِنَفْسِها منها ثَلَاثَةَ أسْباعِها يكون حُرًّا والباقى لِلوَرَثةِ. وإن أحَبَّ الوَرَثةُ أن يَدْفَعُوا إليها حِصَّتَها من مَهْرِها، وهو سُبْعَاه، ويُعْتَقُ منها سُبْعَاها

стр. 4208

ويَسْتَرِقُّوا خَمْسَةَ أسْباعِها، فلهم ذلك. وهذا مذهبُ الشافِعِىِّ. وقال أبو حنيفةَ: يُحسَبُ مَهْرُها من قِيمَتِها، ولها ثُلُثُ الباقِى، وتَسْعَى فيما بَقِىَ وهو ثُلُثُ قِيمَتِها. فإن كان يَمْلِكُ مع الجارِيَةِ قَدْرَ نِصْفِ قِيمَتِها، ولم يَدْخُلْ بها، عَتَقَ منها نِصْفُها، ورَقَّ نِصْفُها؛ لأنَّ نِصْفَها هو ثُلُثُ المالِ، وإن دَخَلَ بها، عَتَقَ منها ثَلاثَةُ أسْباعِها، ولها ثَلَاثَةُ أسْباعِ مَهْرِها، وإنَّما قلَّ العِتْقُ فيها لأنَّها لمّا أخَذَتْ ثَلَاثةَ أسْباعِ مَهْرِها، نَقَصَ المالُ به، فيَعْتِقُ منها ثُلُثُ الباقِى، وهو ثَلَاثَةُ أسْباعِها. وحِسَابُها أن تقولَ: عَتَقَ منها شيءٌ، ولها بمَهْرِها نِصْفُ شيءٍ، وللوَرَثةِ شَيْئانِ، يَعْدِلُ ذلك الجارِيَةَ ونِصْفَ قِيمَتِها، فالشىءُ سُبْعاها وسُبْعَا نِصْفِ قِيمَتِها وهو ثَلَاثةُ أسْباعِه، فهو الذي عَتَقَ منها، وتَأْخُذُ نِصْفَ ذلك من المالِ بمَهرِها، وهو ثَلَاثةُ أسباعِه. فإن كان يَمْلِكُ معها مثلَ قِيمَتِها، ولم يَدْخُلْ بها، عَتَقَ ثُلُثَاها، ورَقَّ ثُلُثُها، وبَطَلَ نِكَاحُها. وإن كان دَخَلَ بها عَتَقَ أرْبَعةُ أسْباعِها، ولها أرْبَعةُ أسْباعِ مَهْرِها، ويَبْقَى لِلوَرَثةِ ثَلاثَةُ أسْباعِها وخَمْسَةُ أسْباعِ قِيمَتِها، وذلك يَعْدِلُ مِثْلَى ما عَتَقَ منها. وحِسَابُها أن تَجْعَلَ السَّبْعَةَ الأشْياءَ مُعَادِلَةً لها ولِقِيمَتِها، فيَعْتِقَ منها بِقَدْرِ سُبْعَىِ الجَمِيعِ، وهو أرْبَعةُ أسْباعِها، وتَسْتَحِقُّ سُبْعَ الجَمِيعِ بمَهْرِها، وهو أرْبَعةُ أسْباعِ مَهْرِها. وإن كان يَمْلِكُ معها مِثْلَىْ قِيمَتِها، عَتَقَتْ كلها، وَصحَّ نِكَاحُها؛ لأنَّها تَخْرُجُ من الثُّلُثِ إن أسْقَطَتْ مَهْرَها، وإن أبَتْ أن تُسْقِطَه، لم يَنْفُذْ عِتْقُها، وبَطَلَ (٤) نِكَاحُها، فإن كان لم يَدْخُلْ بها، فيَنْبَغِى أن يُقْضَى بعَتْقِها ونِكَاحِها، ولا مَهْرَ لها؛ لأنَّ إيجَابَه يُفْضِى إلى إسْقاطِه وإسْقاطِ عِتْقِها ونِكَاحِها، فإسْقاطُه وحدَه أَوْلَى. وإن كان قد دَخَلَ بها، عَمِلْنا فيها على ما تَقَدَّمَ، فيَعْتِقُ سِتَّةُ أسْباعِها، ولها سِتَّةُ أسْباعِ مَهْرِها، ويَبْطُل عِتْقُ سُبْعِها ونِكَاحُها. ولو أعْتَقَها، ولم يَتَزَوَّجْها، ووَطِئَها، كان العَمَلُ فيها في هذه الموَاضِع كما لو تَزَوَّجَها. وهذا مذهبُ الشافِعِىِّ. وذَكَرَ القاضي في مثلِ هذه المَسْألَةِ التي قبلَ الأخِيرَةِ، ما يَقْتَضِى صِحّةَ عِتْقِها ونِكَاحِها، مع وُجُوبِ مَهْرِها، فإنَّه قال في مَن أعْتَقَ في مَرَضِه أمَةً قِيمَتُها

стр. 4209

مائةٌ، وأصْدَقَها مائَتَيْنِ، لا مالَ له سِوَاهُما، وهما مَهْرُ مِثْلِها: يَصِحُّ العِتْقُ والصَّدَاقُ والنِّكاحُ؛ لأنَّ المائتَيْنِ صَدَاقُ مِثْلِها، وتَزْوِيجُ المَرِيضِ بمَهْرِ المِثْلِ صَحِيحٌ نافِذٌ. وهذا غيرُ جَيِّدٍ؛ فإنَّ ذلك يُفْضِى إلى نُفُوذِ العِتْقِ في المَرَضِ من جميعِ المالِ، ولا أعْلَمُ به قائلًا. ولو أنَّه أتْلَفَ المائَتَيْنِ، أو أصْدَقَهُما لِامرَأةٍ أجْنَبِيّةٍ، وماتَ، ولم يَخْلُفْ شيئا، لَبَطَلَ عِتْقُ ثُلُثَىِ الأمَةِ، فإذا أخَذَتْهُما هي، كان أوْلَى في بُطْلَانِه. والصَّحِيحُ ما ذَكَرْنا إن شاءَ اللهُ تعالى. وقال أبو حنيفةَ فيما إذا تَرَكَ مِثْلَىْ قِيمَتِها، وكان مَهْرُها نِصْفَ قِيمَتِها: تُعْطى مَهْرَها وثُلُثَ الباقِى، بحَسَبِ ذلك من قِيمَتِها، وهو نِصْفُها وثُلُثُها، فيَعْتِقُ ذلك، وتَسْعَى في سُدُسِها الباقِى، ويَبْطُلُ نِكَاحُها. فأمَّا إن خَلَفَ أرْبَعةَ أمْثالِ قِيمَتِها، صَحَّ عِتْقُها ونِكَاحُها وصَدَاقُها، في قولِ الجميعِ؛ لأنَّ ذلك يَخْرُجُ من الثُّلُثِ، وتَرِثُ من الباقِى في قولِ أصْحابِنا، وهو قول أبى حنيفةَ. وقال الشافعيُّ: لا تَرِثُ. وهو مُقْتَضَى قولِ الخِرَقِىِّ؛ لأنَّها لو وَرِثَتْ لَكان عِتْقُها وَصِيّةً لِوَارِثٍ، واعْتِبَارُ الوَصِيَّةِ بالمَوْتِ. فصل: ولو أنَّ امْرَأةً مَرِيضَةً أعْتَقَتْ عَبْدًا قِيمَتُه عَشرَةٌ، وتَزَوَّجَها بعَشرَةٍ في ذِمَّتِه، ثم ماتَتْ، وخَلفَتْ مائةً. اقْتَضَى قولُ أصْحابِنا أن تُضَمَّ العَشرَةُ التي في ذِمَّتِه إلى المائةِ، فيكونَ ذلك هو التَّرِكَةَ، ويَرِثَ نِصْفَ ذلك ويَبْقَى لِلوَرَثةِ خَمْسةٌ وخَمْسُونَ. وهذا مذهبُ أبى حنيفةَ. وقال صاحِبَاه: تُحْسَبُ عليه قِيمَتُه أيضًا، وتُضَمُّ إلى التَّرِكَةِ، ويَبْقَى لِلوَرَثةِ سِتُّونَ. وقال الشافعِىُّ: لا يَرِثُ شَيْئًا، وعليه أداءُ العَشَرَةِ التي في ذِمَّتِه؛ لئلَّا يكونَ إعْتَاقُه وَصِيَّةً لِوَارِثٍ. وهذا مُقْتَضَى قولِ الخِرَقِىِّ، إن شاء اللهُ تعالى. فصل: ولو تَزَوَّجَ المَرِيضُ امْرَأةً صَدَاقُ مِثْلِها خَمْسَةٌ، فأصْدَقَها عَشرَةً لا يَمْلِكُ غيرَها، ثم ماتَ، ووَرِثَتْه، بَطَلَتِ المُحاباةُ؛ لأنَّها وَصيَّةٌ لِوَارِثٍ، ولها صَدَاقُها ورُبْعُ الباقِى بالمِيرَاثِ. وإن ماتَتْ قبلَه، صَحَّتِ المُحاباةُ، ويَدْخُلُها الدَّوْرُ، فنقولُ: لها مَهْرُها وهو خَمْسَةٌ، وشىءٌ بالمُحاباةِ يَبْقَى لِوَرَثةِ الزَّوجِ خَمْسَةُ الأشياءِ، ثم رجَع إليهم

стр. 4210

نِصْفُ مالها، وهو دِينارَان ونِصْفٌ، ونصفُ (٥) شيءٍ، صار لهم سَبْعَةٌ ونِصْفٌ إلَّا نِصْفُ شيء يَعْدِلُ شَيْئَيْنِ، اجْبُرْ وقَابِلْ، يَتَبَيَّنْ أنَّ الشىءَ ثَلَاثَةٌ، فيكونُ لِوَرَثَتِها أرْبَعَةٌ، ولِوَرَثَتِه سِتَّةٌ. وإن خَلَفَتْ مع ذلك دِينَارَيْنِ، عاد إلى الزَّوْجِ من مِيرَاثِها ثَلَاثَةٌ ونِصْفُ (٦) شيءٍ، صار (٧) له ثمانِيَةٌ ونِصْفٌ إلَّا نِصْفُ شيءٍ، اجْبُرْ وقابِلْ، يَخْرُجِ الشىءُ ثلاثةً وخُمُسَيْنِ، فصار لِوَرَثَتِه سِتَّةٌ وأرْبَعةُ أخْماسٍ، ولِوَرَثَتِها خَمْسَةٌ وخُمْسٌ. فصل: وإذا أَوْصَى بِجَارِيةٍ لِزَوْجِها الحُرِّ، فقَبِلَها، انْفَسَخَ النِّكاحُ؛ لأنَّ النِّكاحَ لا يَجْتَمِعُ مع مِلْكِ اليَمِينِ. وظاهِرُ المذهبِ أنَّ المُوصَى له إنَّما يَمْلِكُ بالقَبُولِ، فحِينَئذٍ يَنْفَسِخُ النِّكاحُ. وفيه وَجْهٌ آخَرُ، أنَّه إذا قَبِلَ تَبَيَّنَّا أنَّ المِلْكَ كان ثابِتًا من حين مَوْتِ المُوصِى، فتَبَيَّنَ حينئذٍ أنَّ النِّكاحَ انْفَسَخَ من حينِ مَوْتِ المُوصِى، فإن أتَتْ بوَلَدٍ لم تَخْلُ من ثَلَاثةِ أحْوالٍ؛ أحدها، أن تكونَ حاملًا به حين الوَصِيَّةِ، ويُعْلَمُ ذلك بأن تَأْتِىَ به لأقَلَّ من سِتّةِ أشْهُرٍ منذ أَوْصَى، فالصَّحِيحُ أنَّه يكونُ مُوصًى به (٨) معها؛ لأنَّ لِلْحَمْلِ حُكْمًا، ولهذا تَصِحُّ الوَصِيّةُ به وله (٥)، وإذا صَحّتِ الوَصِيّةُ به مُنْفَرِدًا، صَحَّتِ الوَصِيَةُ به مع أُمِّه، فيَصِيرُ كما لو كان مُنْفَصِلًا فأَوْصَى بهما جميعًا. وفيه وجهٌ آخَرُ، لا حُكْمَ لِلْحَمْلِ، فلا يَدْخُلُ في الوَصِيَّةِ، وإنما يَثْبُتُ (٩) له الحُكْمُ عند انْفِصالِه، كأنَّه حَدَثَ حينئذٍ. فعلى هذا إن انْفَصَلَ في حَياةِ المُوصِى، فهو له، كسائِرِ كَسْبِها، وإن انْفَصَلَ بعد مَوْتِه وقبلَ القَبُولِ، فهو لِلْوَرَثةِ، على ظاهِرِ المَذْهَبِ، وإن انْفَصَلَ بعده، فهو لِلمُوصَى له. الحال الثاني، أن تَحْمِلَ به بعد الوَصِيَّةِ في حَياةِ المُوصِى، ويُعْلَمُ ذلك بأن تَضَعَهُ بعد سِتَّةِ أشْهُرٍ من حين أَوْصَى؛ لأنَّها وَلَدَتْه لمُدّةِ

стр. 4211

الحَمْلِ بعدَ الوَصِيَّةِ، فيَحْتَمِلُ أنَّها حَمَلَتْه بعدَها فلم يَتَنَاوَلْه. والأَصْلُ عَدَمُ الحَمْلِ حالَ الوَصِيَّةِ، فلا نُثْبِتُه بالشّكِّ، فيكونُ مَمْلُوكًا لِلمُوصِى إن وَلَدَتْه في حَياتِه. وإن وَلَدَتْه بعدَه، وقُلْنا: لِلْحَمْلِ حُكْمٌ. فكذلك. وإن قُلْنا: لا حُكْمَ له. فهو لِلْوَرَثةِ إن وَلَدتْه قبلَ القَبُولِ، ولا بَيِّنةَ إن وَضَعَتْه بعدَه. وكلُّ مَوْضِعٍ كان الوَلَدُ لِلمُوصَى له، فإنَّه يَعْتِقُ عليه؛ لأنَّه ابْنُه، وعليه وَلَاءٌ لأَبِيه؛ لأنَّه عَتَقَ عليه بالقَرَابةِ، وأُمُّه أمَةٌ يَنْفَسِخُ نِكَاحُها بالمِلْكِ، ولا تَصِيرُ أُمَّ وَلَدٍ؛ لأنَّها لم تَعْلَقْ منه بِحُرٍّ في مِلْكِه. الحال الثالث، أن تَحْمِلَ بعد مَوتِ المُوصِى وقبلَ القَبُولِ، ويُعْلَمُ ذلك بأن تَضَعَه لأَكْثَرَ من سِتّةِ أشْهُرٍ من حينِ المَوْتِ، فإن وَضَعَتْه قبلَ القَبُولِ أيضًا، فهو لِلْوارِثِ، في ظاهِرِ المَذْهَبِ؛ لأنَّ المِلْكَ إنَّما ثَبَتَ لِلمُوصَى له بعدَ القَبُولِ. وعلى الوَجْهِ الآخَر، يكونُ لِلْمُوصَى له. وإن وَضَعَتْه بعدَ القَبُولِ، فكذلك؛ لأن الظاهِرَ أنَّ لِلْحَمْلِ حُكْمًا، فيكونُ حادِثًا على (١٠) مِلْكِ الوارِثِ. وعلى الوَجْهِ الآخَرِ، يكونُ لِلْمُوصَى له، فعلى هذا يكون حُرًّا لا وَلَاءَ عليه؛ لأنَّها أُمُّ وَلَدٍ، لكَوْنِها عَلِقَتْ منه بِحُرٍّ في مِلْكِه، فيَصِيرُ كما لو حَمَلَتْ به بعدَ القَبُولِ. ومَذْهَبُ الشافِعِىِّ في هذا الفَصْلِ قَرِيبٌ ممَّا قُلْناه. وقال أبو حنيفةَ: إذا وَضَعَتْه بعدَ مَوْتِ المُوصِى، دَخَلَ في الوَصِيَّةِ بكلِّ حالٍ؛ لأنَّها تَسْتَقِرُّ بالمَوْتِ وتَلْزَمُ، فوَجَبَ أن تَسْرِىَ إلى الوَلَدِ، كالاسْتِيلادِ. ولَنا، أنَّها زِيادَةٌ مُنْفَصِلَةٌ حادِثَةٌ بعدَ عَقْدِ الوَصِيَّةِ، فلا تَدْخُلُ فيها، كالكَسْبِ، وإذا أَوْصَى بِعِتْقِ جارِيَةٍ فوَلَدَتْ. وتُفَارِقُ الاسْتِيلادَ؛ لأنَّ له تَغْلِيبًا وسِرَايةً. وهذا التَّفْرِيعُ فيما إذا خَرَجَتِ الجارِيَةُ من الثُّلُثِ، وإن لم تَخْرُجْ من الثُّلُثِ، مَلَكَ منها بِقَدْرِ الثُّلُثِ، وانْفَسَخَ النِّكاحُ؛ لأنَّ مِلْكَ بعضِها يَفْسَخُ النِّكاحَ، كمِلْكِ جِمِيعِها. وكلُّ مَوْضِعٍ يكونُ الوَلَدُ فيه لِأبِيه، فإنَّه يكون له (١١) منه ههُنا بِقَدْرِ ما مَلَكَ من أُمِّهِ، ويَسْرِى العِتْقُ إلى باقِيه إن كان مُوسِرًا،

стр. 4212

وإن كان مُعْسِرًا فقد عَتَقَ منه ما مَلَكَ وحدَه. وكلُّ مَوْضِعٍ قُلْنا: تكون أُمَّ وَلَدٍ. فإنَّها تَصِيرُ أُمَّ وَلَدٍ ههُنا. سواءٌ كان مُوسِرًا أو مُعْسِرًا، على قول الخِرَقِىِّ، كما إذا اسْتَوْلَدَ الأمَةَ المُشْتَركَةَ. وقال القاضي: يَصِيرُ منها أُمُّ وَلَدٍ بِقَدْرِ ما مَلَكَ منها. وهذا مذهبُ الشافِعِىِّ. ٩٥٨ - مسألة؛ قال: (فَإنْ مَاتَ المُوصَى لَهُ قَبْلَ مَوْتِ الْمُوصِى، بَطَلَتِ الْوَصِيَّةُ) هذا قولُ أكْثَر أهْلِ العِلْم. رُوِى ذلك عن عليٍّ، رَضِىَ اللهُ عنه. وبه قال الزُّهْرِىُّ، وحَمَّادُ بن أبي سليمانَ، ورَبِيعةُ، ومالِكٌ، والشافِعِىُّ، وأصْحابُ الرَّأْىِ. وقال الحَسَنُ: تكونُ لِوَلَدِ المُوصَى له. وقال عَطَاءٌ: إذا عَلِمَ المُوصِى بمَوْتِ المُوصَى له، ولم يَحْدُثْ فيما أَوْصَى به شَيْئًا، فهو لِوَارِثِ المُوصَى له؛ لأنَّه ماتَ بعدَ (١) عَقْدِ الوَصِيَّةِ، فيَقُومُ الوارِثُ مَقَامَه، كما لو ماتَ بعد مَوْتِ المُوصِى وقبلَ القَبُولِ. ولَنا، أنَّها عَطِيّةٌ صادَفَتِ المُعْطَى مَيِّتًا، فلم تَصِحَّ، كما لو وَهَبَ مَيِّتًا؛ وذلك لأنَّ الوَصِيّةَ عَطِيّةٌ بعدَ المَوْتِ، وإذا ماتَ قبل القَبُولِ بَطَلَتِ الوَصِيّةُ أيضًا. وإن سَلَّمْنا صِحَّتَها، فإنَّ العَطِيّةَ صادَفَتْ حَيًّا، بخِلَافِ مَسْأَلَتِنا. فصل: ولا تَصِحُّ الوَصِيَّةُ لِمَيِّتٍ. وبهذا قال أبو حنيفةَ، والشافِعِىُّ. وقال مالِكٌ: إن عَلِمَ أنَّه مَيِّتٌ، فهى جائِزَةٌ، وهى لِوَرَثَتِه بعدَ قَضَاءِ دُيُونِه وتَنْفِيذِ وَصَايَاه؛ لأنَّ الغَرَضَ نَفْعُه بها، وبهذا يَحْصُلُ له النَّفْعُ، فأشْبَهَ ما لو كان حَيًّا. ولَنا، أنَّه أَوْصَى لمن لا تَصِحُّ الوَصِيّةُ له، إذا لم يَعْلَمْ حالَه، فلم تَصِحَّ إذا عَلِمَ حالَه، كالبَهِيمةِ. وفارَقَ الحَىَّ؛ فإنَّ الوَصِيّةَ تَصِحُّ له في الحالَيْنِ، ولأنَّه عَقْدٌ يَفْتَقِرُ إلى القَبُولِ، فلم يَصِحَّ لِلْمَيِّتِ، كالهِبَةِ. إذا ثَبَتَ هذا، فإذا أَوْصَى بِثُلُثِه، أو بمائةٍ لِاثْنَيْنِ حَىٍّ ومَيِّتٍ، فلِلْحَىِّ

стр. 4213

نِصْفُ الوَصِيَّةِ، سواءٌ عَلِمَ مَوْتَ المَيِّتِ أو جَهِلَه. وهذا قولُ أبى حنيفةَ، وإسحاقَ، والبَصْرِيِّينَ. وقال الثَّوْرِىُّ، وأبو يوسفَ، ومحمدٌ: إذا قال: هذه المائةُ لِفُلانٍ وفُلانٍ. فهى لِلْحَىِّ منهما. وإن قال: بين فُلانٍ وفُلانٍ. فوَافَقنَا الثَّوْرِىُّ في أن نِصْفَها لِلْحَىِّ. وعن الشافِعِىِّ كالمَذهَبَيْنِ. وقال أبو الخَطَّابِ: عِنْدِى أنَّه إذا عَلِمَه مَيِّتًا، فالجَمِيعُ لِلْحَىِّ، وإن لم يَعْلَمْه مَيِّتًا، فلِلْحَىِّ النِّصْفُ. وقد نُقِلَ عن أحمدَ ما يَدُلُّ على هذا القَوْلِ. فإنَّه (٢) قال، في رِوَايةِ ابنِ القاسِمِ: إذا أَوْصَى لِفُلانٍ وفُلانٍ بمائةٍ، فبَانَ أحَدُهُما مَيِّتًا، فلِلْحَىِّ خَمْسُونَ. فقِيلَ له: أليس إذا قال: ثُلُثِى لِفُلانٍ وللحائِطِ، أنَّ الثُّلُثَ كلَّه لِفُلانٍ؟ فقال: وأىُّ شيءٍ يُشْبِه هذا، الحائِطُ له مِلْكٌ! فعلى هذا متى (٣) شَرَّكَ بين من تَصِحُّ الوَصِيّةُ له ومَن لا تَصِحُّ، مثل أن يُوصِىَ لِفُلانٍ أو لِلملكِ (٤) ولِلْحائِط، أو لِفْلانٍ المَيِّتِ، فالمُوصَى به كلُّه لمن تَصِحُّ الوَصِيّةُ له، إذا كان عالِمًا بالحالِ؛ لأنّه إذا شَرَّكَ بينهما في هذه الحالِ، عُلِمَ أنَّه قَصَدَ بالوَصِيَّةِ كلِّها مَنْ تَصِحُّ الوَصِيَّةُ له. وإن لم يَعْلَم الحالَ، فلمَن تَصِحُّ الوَصِيّةُ له نِصْفُها؛ لأنَّه قَصَدَ إيصالَ نِصْفِها إليه، وإلى الآخَرِ النِّصْفِ الآخَر (٥)، ظَنًّا منه أنَّ الوَصِيّةَ له صَحِيحَةٌ، فإذا بَطَلَتِ الوَصِيّةُ في حَقِّ أحَدِهِما، صَحَّتْ في حَقِّ الآخَر بِقِسْطِه، كتَفْرِيقِ الصَّفْقةِ. ووَجْهُ القولِ الأَوَّلِ، أنَّه جَعَلَ الوَصِيّةَ لِاثْنَيْنِ، فلم يَسْتَحِقَّ أحَدُهُما جَمِيعَها، كما لو كانا ممَّن تَصِحُّ الوَصِيّةُ لهما فماتَ أحَدُهُما، أو كما لو لم يَعْلَمْ الحالَ. فأمَّا إن وَصَّى لِاثْنَيْنِ حَيَّيْنِ، فماتَ أحَدُهُما، فللآخَر نِصْفُ الوَصِيَّةِ. لا نَعْلَمُ في هذا خِلَافًا. وكذلك لو بَطَلَتِ الوَصِيّةُ في حَقِّ أحَدِهِما؛ لِرَدِّه لها، أو لِخُرُوجِه عن أن يكونَ من أهْلِها. ولو قال: أوْصَيْتُ

стр. 4214

لكل واحدٍ من فُلانٍ وفُلانٍ بِنِصْفِ الثُّلُثِ، أو بِنِصْفِ المائةِ، أو بخَمْسِينَ. لم يَسْتَحِقَّ أحَدُهُما أكثَرَ من نِصْفِ الوَصِيَّةِ، سواءٌ كان شَرِيكُه حَيًّا أو مَيِّتًا؛ لأنَّه عَيَّنَ وَصِيَّتَه في النِّصْفِ، فلم يكُنْ له حَقٌّ فيما سِوَاهُ. ٩٥٩ - مسألة؛ قال: (وَإنْ رَدَّ الْمُوصَى لَهُ الْوَصِيّةَ، بَعْدَ مَوْتِ المُوصِى، بَطَلَتِ الْوَصِيّةُ) لا يَخْلُو (١) رَدُّ الوَصِيّةِ من أرْبَعةِ أحْوالٍ؛ أحدها، أن يَرُدَّها قبل مَوْتِ المُوصِى، فلا يَصِحُّ الرَّدُّ ههُنا؛ لأنَّ الوَصِيَّةَ لم تَقَع بعدُ، فأَشْبَه رَدَّ المَبِيعِ قبلَ إيجابِ البَيْعِ، ولأنَّه ليس بمَحَلٍّ لِلْقَبُولِ، فلا يكونُ مَحَلًّا للرَّدِّ، كما قبل الوَصِيّةِ. والثانية، أن يَرُدَّها بعدَ المَوْتِ، وقبلَ القَبُولِ، فيَصِحُّ الرَّدُّ، وتَبْطُلُ الوَصِيّةُ. لا نَعْلَمُ فيه خِلَافًا (٢)؛ لأنَّه أسْقَطَ حَقَّه في حالٍ يَمْلِكُ قَبُولَه وأخْذَه، فأشْبَهَ عَفْوَ الشَّفِيعِ عن الشُّفْعةِ بعدَ البَيْعِ. والثالثة، أن يَرُدَّ بعدَ القَبُولِ والقَبْضِ، فلا يَصِحُّ الرَّدُّ؛ لأنَّ مِلْكَه قد اسْتَقَرَّ عليه، فأشْبَهَ رَدَّه لسائِرِ مِلْكِه، إلَّا أن يَرْضَى الوَرَثةُ بذلك، فتكونَ هِبَةً منه لهم تَفْتَقِرُ إلى شُرُوطِ الهِبَةِ. والرابعة، أن يَرُدَّ بعدَ القَبُولِ وقبلَ القَبْضِ، فيُنْظَرُ؛ فإن كان المُوصَى به مَكِيلًا أو مَوْزُونًا، صَحَّ الرَّدُّ؛ لأنَّه لا يَسْتَقِرُّ مِلْكُه عليه قبلَ قَبْضِه، فأشْبَهَ رَدَّه قبلَ القَبُولِ، وإن كان غيرَ ذلك، لم يَصِحَّ الرَّدُّ؛ لأنَّ مِلْكَه (٣) قد اسْتَقَرَّ عليه، فهو كالمَقْبُوضِ. ويَحْتَمِلُ أن يَصِحَّ الرَّدُّ، بِناءً على أنَّ القَبْضَ مُعْتَبَرٌ فيه. ولأَصْحابِ الشافِعِىِّ في هذه الحال وَجْهانِ؛ أحدهما، يَصِحُّ الرَّدُّ في الجميعِ، ولا فَرْقَ بين المَكِيلِ والمَوْزُونِ وغيرِهِما. وهذا المَنْصُوصُ عن الشافِعِىِّ؛ لأنَّهم لمَّا مَلَكُوا الرَّدَّ من غيرِ قَبُولٍ، مَلَكُوا الرَّدَّ من غيرِ قَبْضٍ، ولأنّ مِلْكَ الوَصِىِّ لم يَسْتَقِرَّ عليه قبلَ القَبْضِ، فصَحَّ رَدُّهُ، كما قبلَ القَبُولِ. والثانى، لا يَصِحُّ الرَّدُّ؛ لأنَّ المِلْكَ يَحْصُلُ بالقَبُولِ من غيرِ قَبْضٍ.

стр. 4215

فصل: وكلُّ مَوْضِعٍ صَحَّ الرَّدُّ فيه، فإنَّ الوَصِيّةَ تَبْطُلُ بالرَّدِّ، وتَرْجِعُ إلى التَّرِكَة، فتكونُ للْوُرَّاثِ جميعِهم؛ لأنَّ الأصْلَ ثُبُوتُ الحَقِّ (٤) لهم، وإنّما خرجَ بالوَصِيَّةِ، فإذا بَطَلَتِ الوَصِيّةُ، رَجَعَ إلى ما كان عليه، كأن الوَصِيَّةَ لم تُوجَدْ. ولو عَيَّنَ بالرَّدِّ واحِدًا، وقَصَدَ تَخْصِيصَه بالمَرْدُودِ، لم يكُنْ له ذلك، وكان لجَمِيعِهِم؛ لأنَّ رَدَّهُ امتِناعٌ من تَمَلُّكِه، فيَبْقَى على ما كان عليه، ولأنَّه لم يَمْلِكْ دَفْعَه إلى أجْنَبِىٍّ، فلم يَمْلِكْ دَفْعَه إلى وارِثٍ يَخُصُّه به. وكلُّ مَوْضِعٍ امْتَنَعَ الرَّدُّ (٥) لِاسْتِقْرارِ مِلْكِه عليه، فله أن يَخُصَّ (٦) به واحِدًا من الوَرَثةِ؛ لأنَّه ابْتِدَاءُ هِبَةٍ، ويَمْلِكُ أن يَدْفَعَه إلى أجْنَبِىٍّ، فمَلَكَ دَفْعَه إلى وارِثٍ. فلو قال: رَدَدْتُ هذه الوَصِيَّةَ لِفُلانٍ. قيل له: ما أرَدْتَ بقَوْلِكَ لِفُلانٍ؟ فإن قال (٧): أرَدْتُ تَمْلِيكَه إيَّاها، وتَخْصِيصَه بها. فقَبِلَها، اخْتَصَّ بها، وإن قال: أرَدْتُ رَدَّها إلى جَمِيعِهم، لِيَرْضَى فُلانٌ. عادَتْ إلى جِمِيعِهم إذا قَبِلُوها، فإن قَبِلَها بَعْضُهم دون بعضٍ، فلمَن قَبِلَ حِصَّتُه منها. فصل: ويَحْصُلُ الرَّدُّ بقولِه: رَدَدْتُ الوَصِيَّةَ. وقوله: لا أَقْبَلُها. وما أَدَّى هذا المَعْنَى. قال أحمدُ: إذا أوْصَى (٨) لِرَجُلٍ بأَلْفٍ، فقال: لا أقْبَلُها. فهى لِوَرَثتِه. يعني لِوَرَثةِ المُوصِى. ٩٦٠ - مسألة؛ قال: (فَإنْ مَاتَ قَبْلَ أنْ يَقْبَلَ أوْ يَرُدَّ، قَامَ وارِثُهُ فِي ذلِكَ مَقَامَهُ، إذَا كَانَ مَوْتُهُ بَعْدَ مَوْتِ الْمُوصِى) اخْتَلَفَ أصْحابُنا فيما إذا ماتَ المُوصَى له قبلَ القَبُولِ والرَّدِّ، بعدَ مَوْتِ المُوصِى،

стр. 4216

فذهب الخِرَقِىُّ إلى أنَّ وارِثَه يَقُومُ مَقَامَه في القَبُولِ والرَّدِّ؛ لأنَّه حَقٌّ ثَبَتَ [للمَوْرُوثِ فثَبَتَ للوَارثِ] (١) بعدَ مَوْتِه، لقولِه ﵇: "مَنْ تَرَكَ حَقًّا (٢) فَلِوَرَثَتِه" (٣). وكَخِيارِ الرَّدِّ بالعَيْبِ، وذَهَبَ أبو عبدِ اللهِ ابن حامدٍ إلى أنَّ الوَصِيّةَ تَبْطُلُ؛ لأنَّه عَقْدٌ يَفْتَقِرُ إلى القَبُولِ، فإذا ماتَ مَنْ له القَبُولُ قَبْلَه، بَطَلَ العَقْدُ، كالهِبَةِ. قال القاضي: هو قِياسُ المَذْهَبِ؛ لأنَّه خِيَارٌ لا يُعْتَاضُ عنه، فبَطَلَ بالمَوْتِ، كخِيارِ المَجْلِسِ والشَّرْطِ وخِيارِ الأخْذِ بالشُّفْعةِ. وقال أصحابُ الرأى: تَلْزَمُ الوَصِيّةُ في حَقِّ الوارِثِ، وتَدْخُلُ في مِلْكِه حُكْمًا بغير قَبُولٍ؛ لأنَّ الوَصِيّةَ قد لَزِمَتْ من جِهَةِ المُوصِى، وإنَّما الخِيَارُ لِلْمُوصَى له، فإذا ماتَ، بَطَلَ خِيَارُه، ودَخَلَ في مِلْكِه، كما لو اشْتَرَى شَيْئًا على أنَّ الخِيَارَ له، فماتَ قبلَ انْقِضائِه. ولَنا، على أنَّ الوَصِيّةَ لا تَبْطُلُ بمَوْتِ المُوصَى له، أنَّها عَقْدٌ لازِمٌ من أحدِ الطَّرَفَيْنِ، فلم تَبْطُلْ بمَوْتِ مَنْ له الخِيارُ، كعَقْدِ الرَّهْنِ والبَيْعِ إذا شُرِطَ فيه الخِيارُ لأَحَدِهِما، ولأنَّه عَقْدٌ لا يَبْطُلُ بمَوْتِ المُوجِبِ له (٤)، فلا يَبْطُلُ بمَوْتِ الآخَرِ، كالذى ذَكَرْنا. ويُفارِقُ الهِبَةَ والبَيْعَ قبَل القَبُولِ، من الوَجْهَيْنِ اللذين ذَكَرناهُما، وهو أنَّه جائِزٌ من الطَّرَفَيْنِ، ويَبْطُلُ بمَوْتِ المُوجبِ له، ولا يَصِحُّ قِيَاسُه على الخِيَاراتِ؛ لأنَّه لم يَبْطُلِ الخِيارُ، ويَلْزَمُ العَقْدُ، فنَظِيرُه في مَسْأَلَتِنا قولُ أصحابِ الرَّأْىِ. ولَنا، على إِبْطالِ قَوْلِهم أنَّه عَقْدٌ يَفْتَقِرُ إلى قَبُولِ المُتَمَلِّكِ، فلم يَلْزَمْ قبلَ القَبُولِ، كالبَيْعِ والهِبَةِ. إذا ثَبَتَ هذا، فإنَّ الوارِثَ يَقُومُ مَقامَ المُوصَى له في القَبُولِ والرَّدِّ؛ لأنَّ كلَّ حَقٍّ ماتَ عنه المُسْتَحِقُّ فلم يَبْطُلْ بالمَوْتِ، قام الوارِثُ فيه مَقامَه. فعلى هذا، إن رَدَّ الوارِثُ الوَصِيّةَ بَطَلَتْ، وإن قَبِلَها صَحّتْ، [وثَبَتَ المِلْكُ بها] (٥).

стр. 4217

وإن كان الوارِثُ جَماعةً، اعْتُبِرَ القَبُولُ أو الرَّدُّ من جِمِيعِهِم، فإن رَدَّ بعضُهم وقَبِلَ بعضٌ، ثَبَتَ للقابِلِ حِصَّتُه، وبَطَلَتِ الوَصِيّةُ في حَقِّ من رَدَّ. فإن كان فيهم مَنْ ليس من أهْلِ التَّصَرُّفِ، قامَ وَلِيُّه مَقامَه في القَبُولِ والرَّدِّ، وليس له أن يَفْعَلَ إلَّا ما لِلْمُوَلَّى عليه الحَظُّ فيه، فإن فَعَلَ غيرَه لم يَصِحَّ، فإذا كان الحَظُّ في قَبُولِها فرَدَّها، لم يَصِحَّ رَدُّه، وكان له قَبُولُها بعد ذلك. وإن كان الحَظُّ في رَدِّها فقَبِلَها، لم يَصِحَّ قَبُولُه؛ لأنَّ الوَلِىَّ لا يَمْلِكُ التَّصَرُّفَ في حَقِّ المُوَلَّى عليه بغيرِ ما لَه الحَظُّ فيه. فلو أَوْصَى لِصَبِىٍّ بِذِى رَحِمٍ له يَعْتِقُ بمِلْكِه له، وكان على الصَّبِىِّ ضرَرٌ في ذلك، بأن تَلْزَمَه نَفَقَةُ المُوصَى به، لكونِه فَقِيرًا لا كَسْبَ له، والمُوَلَّى عليه مُوسِرٌ، لم يكُنْ له قَبُولُ الوَصِيّةِ، وإن لم يكُنْ عليه ضَرَرٌ لكَوْنِ المُوصَى به ذا كَسْبٍ، أو كَوْنِ المُوَلَّى عليه فَقِيرًا لا تَلْزَمُه نَفقَتُه، تَعَيَّنَ قَبُولُ الوَصِيّةِ؛ لأنَّ في ذلك نَفْعًا لِلْمُوَلَّى عليه، لِعِتْقِ قَرَابَتِه، وتَحْرِيرِه، من غيرِ ضَرَرٍ يَعُودُ عليه، فتَعَيَّنَ ذلك. واللَّه أعلمُ. فصل: ولا يَمْلِكُ المُوصَى له الوَصِيّةَ إلَّا بالقَبُولِ، في قولِ جُمْهُورِ الفُقَهاءِ، إذا كانت لمُعَيَّنٍ يُمْكِنُ القَبُولُ منه؛ لأنَّها تَمْلِيكُ مالٍ لِمَنْ هو من أهْلِ المِلْكِ مُتَعَيِّنٍ، فاعْتُبِرَ قَبُولُه، كالهِبَةِ والبَيْعِ. قال أحمدُ: الهِبَةُ والوَصِيَّةُ واحدٌ، فأمَّا إن كانتْ لغيرِ مُعَيَّنٍ، كالفُقَرَاءِ والمَساكِينِ ومَنْ لا يُمْكِنُ (٦) حَصْرُهُم، كبَنِى هاشِمٍ وتَمِيمٍ، أو على مَصْلَحةٍ كمَسْجِدٍ أو حَجٍّ، لم يَفْتَقِرْ إلى قَبُولٍ، ولَزِمَتْ بمُجَرَّدِ المَوْتِ؛ لأنَّ اعْتِبارَ القَبُولِ من جِمِيعِهم مُتَعَذِّرٌ، فيَسْقُطُ اعْتِبارُه، كالوَقفِ عليهم، ولا يَتَعَيَّنُ واحِدٌ منهم فيُكْتَفَى بقَبُولِه، ولذلك لو كان فيهم ذو رَحِمٍ من المُوصَى به، مثل أن يُوصِىَ بِعَبْدٍ لِلفُقَراءِ وأبوه فَقِيرٌ، لم يَعْتِقْ عليه. ولأنَّ المِلْكَ لا يَثبُتُ لِلمُوصَى لهم، بِدَلِيلِ ما ذَكَرْنا من المَسْألةِ، وإنَّما ثَبَتَ لكلّ واحدٍ منهم بالقَبْضِ، فيَقُومُ قَبْضُه مَقَامَ قَبُولِه. أمَّا الآدَمِىُّ المُعَيَّنُ، فيَثْبُتُ له المِلْكُ، فيُعْتَبَرُ قَبُولُه، لكنْ لا يَتَعَيَّنُ القَبُولُ باللَّفْظِ، بل يُجْزِىءُ

стр. 4218

ما قامَ مَقامَه من الأخْذِ والفِعْلِ الدّالِّ على الرِّضَى، كقولنا في الهِبَةِ والبَيْعِ. ويجوزُ القَبُولُ على الفَوْرِ والتَّرَاخِى. ولا يكونُ إلَّا بعد مَوْتِ المُوصِى؛ لأنَّه قبلَ ذلك لم يَثْبُتْ له حَقٌّ, ولذلك لم يَصِحَّ رَدُّه. فإذا قَبِلَ، ثَبَتَ المِلْكُ له من (٧) حينِ القَبُولِ، في الصَّحِيحِ من المَذْهَبِ. وهو قولُ مالِكٍ، وأهْلِ العِرَاقِ. ورُوِىَ عن الشافِعِىِّ. وذَكَرَ أبو الخَطَّابِ في المَسْألةِ وَجْهًا آخَرَ، أنَّه إذا قَبِلَ، تَبَيَّنَّا أن المِلْكَ ثَبَتَ (٨) حين مَوْتِ المُوصِى. وهو ظاهِرُ مَذْهَبِ الشافِعِىِّ؛ لأنَّ ما وَجَبَ انْتِقالُه بالقَبُولِ، وَجَبَ انْتِقالُه من جِهَةِ المُوجِبِ عندَ الإِيجابِ، كالهِبَةِ والبَيْعِ، ولأنَّه لا يجوزُ أن يَثْبُتَ المِلْكُ فيه للوارِثِ؛ لأنَّ اللهَ تعالى قال: ﴿مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِي بِهَا أَوْ دَيْنٍ﴾ (٩). ولأنَّ الإِرْثَ بعدَ الوَصِيَّةِ، ولا يَبْقَى لِلْمَيِّتِ؛ لأنَّه صارَ جَمَادًا لا يَمْلِكُ شيئًا. وللشافِعِىِّ قولٌ ثالثٌ غيرُ مَشْهُورٍ، أنَّ الوَصِيَّةَ تُمْلَكُ بالمَوْتِ، ويُحكَمُ بذلك قبلَ القَبُولِ؛ لما ذَكَرْنا. ولَنا، أنه تَمْلِيكُ (١٠) عَيْنٍ لِمُعَيَّنٍ يَفْتَقِرُ إلى القَبُولِ، فلم يَسْبِق المِلْكُ القَبُولَ، كسائِرِ العُقُودِ، ولأنَّ القَبُولَ من تَمامِ السَّبَبِ، والحُكْمُ لا يَتَقَدَّمُ سَبَبَه، ولأنَّ القَبُولَ لا يَخْلُو من أن يكونَ شَرْطًا أو جُزْءًا من السَّبَبِ، والحُكْمُ لا يَتَقَدَّمُ سَبَبَه ولا شَرْطَه، ولأنَّ المِلْكَ في الماضِى لا يجوزُ تَعْلِيقُه بشَرْطٍ مُسْتَقْبَلٍ. فإن قيل: فلو قال لِامْرَأتِه: أنْتِ طالِقٌ قبلَ مَوْتِى بِشَهْرٍ. ثم ماتَ، تَبَيَّنَّا وُقُوعَ الطَّلَاقِ قبلَ مَوْتِه بِشَهْرٍ. قُلْنا: ليس هذا شَرْطًا في وُقُوعِ الطَّلاقِ، وإنَّما تَبَيَّنَ به الوَقْتُ الذي يَقَعُ فيه الطَّلَاقُ. ولو قال: إذا مِتُّ فأنْتِ طالِقٌ قبلَه بِشَهْرٍ. لم يَصِحَّ. وأمَّا انْتِقالُه من جِهَةِ المُوجِبِ في سائِرِ العُقُودِ، فإنَّه لا يَنْتَقِلُ إلَّا بعدَ القَبُولِ، فهو كمَسْأَلَتِنا، غيرَ أنَّ ما بين الإِيجابِ والقَبُولِ ثَمَّ يَسِيرٌ،

стр. 4219

لا يَظْهَرُ له أثَرٌ، بخِلَافِ مَسْأَلَتِنا. قولُهم: إنَّ المِلْكَ لا يَثْبُتُ للوارِثِ. مَمْنُوعٌ؛ فإنَّ المِلْكَ يَنْتَقِلُ إلى الوارِثِ بحُكْمِ الأصْلِ، إلَّا أن يَمْنَعَ منه مانِعٌ. وقولُ اللَّه تعالى: ﴿مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِي بِهَا أَوْ دَيْنٍ﴾. قُلْنا: المُرَادُ به وَصِيّةٌ مَقْبُولة، بِدَلِيلِ أنَّه لو لم يَقْبَلْ لَكان مِلْكًا لِلْوارِثِ، وقبلَ قَبُولِها فليستْ مَقْبُولةً. ويَحْتَمِلُ أن يكونَ المُرَادُ بقَوْلِه: ﴿فَلَكُمُ الرُّبُعُ مِمَّا تَرَكْنَ مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ﴾ (١١). أي لكم ذلك مُسْتَقِرٌّ. فلا يَمْنَعُ هذا ثُبُوتَ المِلْكِ غيرَ مُسْتَقِرٍّ، ولهذا لا يَمْنَعُ الدَّيْنُ ثُبُوتَ المِلْكِ في التَّرِكَةِ، وهو آكَدُ من الوَصِيَّةِ. وإن سَلَّمْنا أن المِلْكَ لا يَثْبُتُ للوارِثِ، فإنَّه يَبْقَى مِلْكًا لِلْمَيِّتِ، كما إذا كان عليه دَيْنٌ. وقولُهم: لا يَبْقَى له مِلْكٌ. مَمْنوعٌ؛ فإنَّه يَبْقَى مِلْكُه فيما يَحْتاجُ إليه من مُؤْنةِ تَجْهِيزِه ودَفْنِه، وقَضاءِ دُيُونِه. ويجوزُ أن يَتَجَدَّدَ له مِلْكٌ في دَيْنِه (١٢) إذا قَبِلَ، وفيما إذا نَصَبَ شَبَكةً فوَقَعَ فيها صَيْدٌ بعد مَوْتِه، بحيث تُقْضَى دُيُونُه، وتَنْفُذ وَصَاياهُ، ويُجَهَّزُ إن كان قَبْلَ تَجْهِيزِه، فهذا يَبْقَى على مِلْكِه، لِتَعَذُّرِ انْتِقالِه إلى الوارِثِ من أجلِ الوَصِيَّةِ، وامْتِناعِ انْتِقالِه إلى الوَصِىِّ قبلَ تَمامِ السَّبَبِ، فإنْ رَدَّ المُوصَى له، أو قَبِلَ، انْتَقلَ حينئذٍ. فإن قُلْنا بالأَوَّلِ، وأنَّه يَنْتَقِلُ إلى الوارِثِ، فإنه يَثْبُتُ له (١٣) المِلْكُ على وَجْهٍ لا يُفيدُ إباحَةَ التَّصَرُّفِ، كثُبُوتِه في العَيْنِ المَرْهُونةِ، فلو باعَ المُوصَى به، أو رَهَنَه، أو أعْتَقَه، أو تَصَرَّفَ بغيرِ ذلك، لم يَنْفُذْ شيءٌ من تَصَرُّفاتِه. ولو كان الوارِثُ ابْنًا للمُوصَى به، مثل أن تَمْلِكَ امْرَأةٌ زَوْجَها الذي لها منه ابْنٌ، فتُوصِى به لأَجْنَبِىٍّ، فإذا ماتَتْ انْتَقَلَ المِلْكُ فيه إلى ابْنِه إلى حين القَبُولِ، ولا يَعْتِقُ عليه. واللَّه أعلمُ. فصل: فيما يَخْتَلِفُ من الفروعِ باخْتِلَافِ المَذْهَبَينِ، من ذلك أنَّه إذا حَدَثَ للمُوصَى به نماءٌ مُنْفَصِلٌ بعدَ مَوْتِ المُوصِى، وقبلَ القَبُولِ، كالثَّمرَةِ والنَّتَاجِ

стр. 4220

والكَسْبِ، فهو لِلْوَرَثةِ. وعلى الوَجْهِ الآخَرِ، يكونُ لِلْمُوصَى له. ولو أوْصَى بأمَةٍ لِزَوْجِها، فأوْلَدَها بعد مَوْتِ المُوصِى، وقبلَ القَبُولِ (١٤)، فوَلَدُه رَقِيقٌ للوارِثِ. وعلى الوَجْهِ الآخَر، يكونُ حُرَّ الأَصْلِ، ولا وَلَاءَ عليه، وأُمُّه أُمُّ وَلَدٍ؛ لأنَّها عَلِقَتْ منه بِحُرٍّ في مِلْكِه. وإن ماتَ المُوصَى له قبلَ القَبُولِ والرَّدِّ، فلِوَارِثِه قَبُولُها، فإن قَبِلَها، مَلَكَ الجارِيَةَ ووَلَدَها، وإن كان ممَّن يَعْتِقُ الوَلَدُ عليه عَتَقَ، ولم يَرِثْ من ابْنِه شَيْئًا. وعلى الوَجْهِ الآخَر، تكونُ الجارِيَةُ أُمَّ وَلَدٍ، ويَرِثُ الوَلَدُ أباه، فإن كان يَحْجُبُ الوارِثَ القابِلَ حَجَبَه. وقال أكْثَرُ أصْحابِ الشافِعِىِّ: لا يَرِثُ الوَلَدُ ههُنا شَيْئًا؛ لأنَّ تَوْرِيثَه يَمْنَعُ قولَ القابِلِ وارِثًا، فيَبْطُلُ قَبُولُه، فيُفْضِى إلى الدَّوْرِ، وإلى إبْطالِ مِيرَاثِه، فأشْبَهَ ما لو أقَرَّ الوارِثُ بمَن يَحْجُبُه عن المِيرَاثِ. وقد ذَكَرْنا في الإِقْرارِ ما يَدْفَعُ هذا، وأنَّ المُقرَّ به يَرِثُ، فكذا ههُنا. ويُعْتَبَرُ قَبُولُ مَنْ هو وارِثٌ في حالِ اعْتِبارِ القَبُولِ، كما يُعْتَبَرُ في الإِقْرارِ إقْرَارُ مَنْ هو وارِثٌ حالَ الإِقْرارِ. واللهُ أعلمُ. ومن ذلك، لو أَوْصَى لِرَجُلٍ بأَبِيه، فماتَ المُوصَى له قبلَ القَبولِ، فقَبِلَ ابْنُه، صَحَّ، وعَتَقَ عليه الجَدُّ، ولم يَرِثْ من ابْنِه شَيْئًا؛ لأنَّ حُرِّيَّتَه إنما حَدَثَتْ حين القَبُولِ بعدَ أن صارَ المِيراثُ لغيرِه. وعلى الوَجْهِ الآخَر، تَثْبُتُ حُرِّيَّتُه من حينِ مَوْتِ المُوصِى، فيَرِثُ من ابْنِه السُّدُسَ. وقال بعضُ أصْحابِ الشافِعِىِّ: لا يَرِثُ أيضًا؛ لأنَّه لو وَرِثَ لَاعْتُبِرَ قَبُولُه، ولا يجوزُ اعْتِبارُ قَبُولِه قبلَ الحُكْمِ بِحُرِّيَّتِه، وإذا لم يَجُزِ اعْتِبارُه، لم يَعْتِقْ، فيُؤَدِّى تَورِيثُه إلى إبْطالِ تَوْرِيثِه. وهذا فاسِدٌ؛ فإنَّه لو أقَرَّ جَمِيعُ الوَرَثةِ بمُشَارِكٍ لهم في المِيرَاثِ، ثَبَتَ نَسَبُه ووَرِثَ، مع أنَّه يَخْرُجُ المُقِرُّونَ به عن كَوْنِهم جَميعَ الوَرَثةِ. ومن ذلك، أنَّه لو ماتَ المُوصَى له، فقَبِلَ وارِثُه، لَثَبَتَ المِلْكُ للوارِثِ القابِلِ ابْتِداءً من جِهَةِ المُوصِى، لا من جِهَةِ مَوْرُرثِه، ولم يَثْبُتْ لِلْمُوصَى له شيءٌ، فحينئذٍ لا تُقْضَى دُيُونُه، ولا تَنْفُذُ وَصَاياهُ، ولا يَعْتِقُ مَن يَعْتِقُ عليه، وإن كان فيهم مَن يَعْتِقُ على الوارِثِ، عَتَقَ عليه، وكان وَلَاؤُه له دُونَ المُوصَى له. وعلى الوَجْهِ الآخَر، يَتَبَيَّنُ أنَّ المِلْكَ كان ثابِتًا

стр. 4221

لِلْمُوصَى له، وأنه انْتَقَلَ منه إلى وارِثِه، فتَنْعَكِسُ هذه الأحْكامُ، فتُقْضَى دُيُونُه، وتَنْفُذُ وَصَايَاه، ويَعْتِقُ مَن يَعْتِقُ عليه، وله وَلَاؤُه، يَخْتَصُّ به الذُّكُورُ من وَرَثَتِه. ومن ذلك، أنَّ المُوصَى به لو كان أمَةً، فوَطِئَها الوارِثُ، فأَوْلَدَها، صارَتْ أُمَّ وَلَدٍ له، ووَلَدُها حُرٌّ؛ لأنَّه وَطِئَها في مِلْكِه، وعليه قِيمَتُها لِلْمُوصَى له إذا قَبِلَها. فإن قيل: فكيف قَضَيْتُم بِعِتْقِها ههُنا، وهى لا تَعْتِقُ بإعْتاقِها؟ قُلْنا: الاسْتِيلادُ أقْوَى، ولذلك يَصِحُّ من المَجْنُونِ، والرَّاهِنِ، والأَبِ، والشَّرِيكِ المُعْسِرِ، وإن لم ينْفُذْ إعْتاقُهم (١٥). وعلى الوَجْهِ الآخَرِ، يكونُ وَلَدُه (١٦) رَقِيقًا، والأمَةُ باقِيَةً على الرِّقِّ. وإن وَطِئَها المُوصَى له قبلَ قَبُولِها، كان ذلك قَبُولًا لها، وثَبَتَ المِلْكُ له به؛ لأنَّه لا يَجُوزُ إلَّا في المِلْكِ، فإقْدَامُه عليه دَلِيلٌ على اخْتِيارِه المِلكَ، فأشْبَهَ ما لو وَطِئَ مَنْ له الرَّجْعَةُ الرَّجْعِيّةَ، أو وَطِئَ من له الخِيارُ في البَيْعِ الأمَةَ المَبِيعَةَ، أو وَطِئَ مَنْ له خِيَارُ فَسْخِ النِّكاحِ امْرَأَتَهُ. فصل: وتَصِحُّ الوَصِيّةُ مُطْلَقةً ومُقَيَّدةً، فالمُطْلَقةُ أن يقول: إن مِتُّ فَثُلُثِى لِلْمَساكِينِ، أو لِزَيْدٍ. والمُقَيَّدةُ أن يقولَ: إن مِتُّ من مَرَضِى هذا، أو في هذه البَلْدَةِ، أو في سَفَرِى هذا، فثُلُثِى لِلْمَساكِينِ. فإن بَرَأَ من مَرَضِه، أو قَدِمَ من سَفَرِه، أو خَرَجَ من البَلْدةِ، ثم ماتَ، بَطَلَتِ الوَصِيّةُ المُقَيَّدَةُ، وبَقِيَتِ المُطْلَقةُ. قال أحمدُ، في مَن وَصَّى وَصِيَّةً إن ماتَ من مَرَضِه هذا أو من سَفَرِه هذا، ولم يُغَيِّرْ وَصِيَّتَه، ثم ماتَ بعد ذلك: فليس له وَصِيّةٌ. وبهذا قال الحَسَنُ، والثَّوْرِىُّ، والشافِعىُّ، وأبو ثَوْرٍ، وأصْحابُ الرَّأْىِ. وقال مالِكٌ: إن قال قَوْلًا، ولم يَكتُبْ كِتَابًا، فهو كذلك، وإن كَتَبَ كِتَابًا، ثم صَحَّ من مَرَضِه، وأقَرَّ الكِتَابَ، فوَصِيَّتُه بحالِها، ما لم يَنْقُضْها. ولَنا، أنَّها وَصِيّةٌ بِشَرْطٍ لم يُوجَدْ شَرْطُها، فبَطَلَتْ، كما لو لم يَكْتُبْ كِتَابًا, أو كما لو وَصَّى لِقَوْمٍ فماتُوا قبلَه، ولأنَّه قَيَّدَ وَصِيَّتَهَ بِقَيْدٍ، فلا يَتَعَدَّاه، كما ذَكَرْنا. وإن قال لأحَدِ

стр. 4222

عَبْدَيْهِ: أنتَ حُرٌّ بعدَ مَوْتِى. وقال للآخَر: أنت حُرٌّ (١٧) إن مِتُّ من (١٨) مَرَضِى هذا. فماتَ من (١٨) مَرَضِه، فالعَبْدانِ سواءٌ في التَّدْبِيرِ. وإن بَرَأَ من مَرَضِه ذلك، بَطَلَ تَدْبِيرُ المُقَيَّدِ، وبَقِىَ تَدْبِيرُ المُطْلَقِ بحالِه. ولو وَصَّى لِرَجُلٍ بِثُلُثِه، وقال: إن مِتَّ قَبْلِى فهو لِعَمرٍو. صَحَّتْ وَصِيَّتُه على حَسَبِ ما شَرَطَه له (١٩). وكذلك في سائِرِ الشُّرُوطِ؛ فإنَّ النبيَّ ﷺ قال: "المُسْلِمُونَ على شُرُوطِهِم" (٢٠). ٩٦١ - مسألة؛ قال: (وَإذَا أَوْصَى لَهُ (١) بِسَهْمٍ مِنْ مالِهِ، أُعْطِىَ السُّدُسَ، وَعَنْ أبِى عَبْدِ اللهِ، ﵀، رِوَايةٌ أُخرَى، يُعْطَى سَهْمًا مِمّا تَصِحُّ مَنْهُ الْفَرِيضَةُ) اخْتَلَفَتِ الرِّوَايةُ عن أحمدَ ﵀، فيما (٢) لو أَوْصَى بِسَهْمٍ، فرُوِىَ عنه، أنَّ لِلْمُوصَى له السُّدُسَ. ورُوِى ذلك عن عليٍّ، وابنِ مسعودٍ، رَضِىَ اللَّه عنهما. وبه قال الحَسَنُ، وإيَاسُ بن مُعاوِيةَ، والثَّوْرِىُّ. والرِّوَايةُ الثانِيةُ، أنَّه يُعْطَى سَهْمًا ممَّا تَصِحُّ منه الفَرِيضَةُ، فيُنْظَرُ؛ كم سَهْمًا صَحَّتْ منه الفَرِيضَةُ، فيُزادُ عليها مثلُ سَهْمٍ من سِهَامِها لِلْمُوصَى له. وهذا قول شُرَيْحٍ قال: تُرْفَعُ السِّهَامُ، فيكون لِلْمُوصَى له سَهْمٌ. قال القاضي: هذا ما لم يَزِدْ على السُّدُسِ، فإن زَادَ السَّهْمُ على السُّدُسِ، فله السُّدُسُ؛ لأنَّه مُتَحَقِّقٌ. ووَجْهُ ذلك أنَّ قولَه: سَهْمًا. يَنْبَغِى أن يَنْصَرِفَ إلى سِهَامِ فَرِيضَتِه؛ لأنَّ وَصِيَّتَه منها، فيَنْصَرِفُ السَّهْمُ إليها، فكان واحِدًا من سِهَامِها، كما لو قال: فَرِيضَتِى كذا وكذا سَهْمًا، لكَ منها سَهْمٌ. وقال الخَلَّالُ وصاحِبُه: له (٣) أقلُّ سَهْمٍ (٤) من سِهَامِ الوَرَثةِ؛ لأنَّ أحمدَ قال، في رِوَايةِ أبى طالبٍ والأَثْرَمِ: إذا أَوْصَى

стр. 4223

له (٥) بِسَهْمٍ من مالِه، يُعْطَى (٦) سَهْمًا من الفَرِيضَةِ. قيل له: نَصِيبَ رَجُلٍ، أو نَصِيبَ امْرَأةٍ؟ قال: أقَلُّ ما يكونُ من السِّهَامِ. قال القاضي: ما لم يَزِدْ على السُّدُسِ. وهذا قولُ أبى حنيفةَ. وقال صاحِباهُ: إلَّا أن يَزِيدَ على الثُّلُثِ، فيكونُ له الثُّلُثُ. ووَجْهُ هذا القولِ، أنَّ سِهَامَ الوَرَثةِ أَنْصِباؤُهُم، فيكونُ له أقَلُّها؛ لأنَّه اليَقِينُ، فإن زادَ على السُّدُسِ دُفِعَ إليه السُّدُسُ؛ لأنَّه أقَلُّ سَهْمٍ يَرِثُه ذُو قَرَابةٍ، وقال أبو ثَورٍ: يُعْطَى سَهْمًا من أرْبَعةٍ وعِشْرِينَ؛ لأنَّها أكْثَرُ أُصُولِ الفَرَائضِ، فالسَّهْمُ منها أقَلُّ السِّهامِ. وقال الشافعِىُّ، وابنُ المُنْذِرِ: يُعْطِيهِ الوَرَثةُ ما شاءُوا؛ لأنَّ ذلك يَقَعُ عليه اسْمُ السَّهمِ، فأشْبَهَ ما لو أَوْصَى له بِجُزْءٍ أو حَظٍّ. وقال عَطَاءٌ، وعِكْرِمةُ: لا شىءَ له. ولَنا، ما رَوَى ابنُ مسعودٍ، أن رَجُلًا أَوْصَى لِرَجُلٍ بِسَهْمٍ من المالِ، فأعْطاهُ النبيُّ ﷺ السُّدُسَ (٧). ولأنَّ السَّهْمَ في كلامِ العَرَبِ السُّدُسُ، قال إياسُ بن مُعَاوِيةَ: السَّهْمُ في كلامِ العَرَبِ السُّدُسُ. فتَنْصَرِفُ الوَصِيّةُ إليه، كما لو لَفظَ به. وَلأنَّه قولُ عليٍّ وابنِ مسعودٍ، ولا مُخالِفَ لهما في الصَّحابةِ، ولأنَّ السُّدُسَ أقَلُّ سَهْمٍ مَفْرُوضٍ يَرِثُه ذُو قَرابةٍ، فتَنْصَرِفُ الوَصِيّةُ إليه. إذا ثَبَتَ هذا، فإنَّ السُّدُسَ الذي يَسْتَحِقُّه المُوصَى له يكون بمَنْزِلةِ سُدُسٍ مَفْرُوضٍ. فإن كانت المَسْألةُ كامِلةَ الفُرُوضِ، أُعِيلَتْ به، وإن كانت عائِلةً، زادَ عَوْلُها به. وإن كان فيها رَدٌّ أو كانوا عَصَبةً، أعْطِىَ سُدُسًا كامِلًا. قال أحمدُ، في رِوَايَةِ ابن مَنْصُورٍ، وحَرْبٍ: إذا أَوْصَى الرَّجُلُ بِسَهْمٍ من مالِه، يُعْطَى السُّدُسَ، إلَّا أن تَعُولَ الفَرِيضَةُ، فيُعْطَى سَهْمًا مع العَوْلِ. فكأنَّ مَعْنَى الوَصِيَّةِ، أَوْصَيْتُ لك بِسَهْمِ من يَرِثُ السُّدُسَ. فلو أَوْصَى له بِسَهْمٍ في مَسْأَلةٍ فيها زَوْجٌ

стр. 4224

وأُخْتٌ، كان له السُّبُعُ، كما لو كان معهما جَدَّةٌ، على الرِّوَاياتِ الثَّلَاث. وكذلك لو كان في المَسْأَلةِ أمٌّ وثَلَاثُ أَخَواتٍ مُتَفَرِّقاتٍ. فإن كان معهم زَوْجٌ، فالمَسْأَلةُ من تِسْعةٍ، ولِلْمُوصَى له العُشْرُ، على الرِّوَاياتِ الثَّلَاثِ. وإن كان الوَرَثَةُ ثَلَاثَ أَخَواتٍ مُتَفَرِّقات، فلِلْمُوصَى له السُّدُسُ على الرِّوَاياتِ الثَّلَاثِ. وإن كانوا زَوْجًا وأَبَوَيْنِ وابْنَيْنِ، فالمَسْأَلةُ من خَمْسَةَ عَشَرَ، وتَعُولُ بِسُدُسٍ آخَرَ، فتَصِيرُ من سَبْعةَ عَشَرَ. وكذلك على قولِ الخَلّالِ؛ لأنَّ أقَلَّ سِهَامِ الوَرَثةِ سُدُسٌ. وعلى الرِّوَايةِ الأُخْرَى، يكونُ لِلْوَصِىِّ سَهْمٌ واحِدٌ، يُزَادُ على خَمْسَةَ عَشَرَ، فتَصِيرُ سِتَّةَ عَشَرَ. وإن كانوا زَوْجَةً وأبَوَيْنِ وابْنًا، فالفَرِيضَةُ من أرْبَعةٍ وعِشْرِينَ، وتَعُولُ بالسُّدُسِ المُوصَى به إلى ثَمانِيةٍ وعِشْرِينَ. وعلى الرِّوَايةِ الثانية، يُزَادُ عليها سَهْمٌ واحِدٌ لِلْمُوصَى له، فتكونُ من خَمْسَةٍ وعِشْرِينَ. وعلى قول الخَلَّالِ: يُزَادُ عليها مِثلُ سَهْمِ الزَّوْجةِ، فتكونُ من سَبْعَةٍ وعِشْرِينَ. وإن كانوا خَمْسةَ بَنِينَ فلِلْوَصِىِّ (٨) السُّدُسُ كامِلًا، وتَصِحُّ من سِتّة (٩) على الرِّواياتِ الثَّلَاث. فإن كان معهم زَوْجَةٌ، صَحَّتِ الفَرِيضَةُ من أرْبَعِينَ، فتَزِيدُ عليها سَهْمًا لِلْوَصِىِّ، على إحْدَى الرِّوَاياتِ، تَصِير أحَدًا (١٠) وأَرْبَعِينَ. وعلى قول الخَلَّالِ، تَزِيدُ مثلَ نَصِيبِ الزَّوْجةِ، فتَصِيرُ خَمْسَةً وأربَعِينَ. وعلى الرِّوَايةِ الأُولَى، نَزِيدُ عليها مثل سُدُسِها، ولا سُدُسَ لها، فنَضْرِبُها في سِتَّةٍ، ثم نَزِيدُ عليها سُدُسَها، تكونُ مائتَيْنِ وثَمانِينَ، لِلْوَصِىِّ أرْبَعُونَ، ولِلزَّوْجَةِ ثَلَاثُونَ، ولكل ابْنٍ اثْنانِ وأرْبَعُونَ. ولو خَلَّفَ أبَوَيْنِ وابْنَيْنِ، وأوْصَى لِرَجُلٍ بِسُدُسِ مالِه، ولآخَرَ بِسَهْمٍ، جَعَلْتَ ذا السَّهْمِ كالأُمِّ، وأَعْطَيْتَ صاحِبَ السُّدُسِ سُدُسًا كامِلًا، وقَسَمْتَ الباقِى بين الوَرَثةِ والمُوصَى له على سَبْعةٍ، فتَصِحُّ من اثْنَيْنِ وأَرْبَعِينَ، لِصَاحِبِ السُّدُسِ سَبْعةٌ، ولِصَاحِبِ السَّهْمِ خَمْسَةٌ، على الرِّوَاياتِ الثَّلَاثِ. ويَحْتَمِلُ أن يُعْطَى ذُو

стр. 4225

السَّهْمِ السُّبُعَ كامِلًا، كأنَّه أَوْصَى له به (١١) من غيرِ وَصِيَّةٍ أخرى، فيكونُ له سِتَّةٌ، ويَبْقَى تِسْعةٌ وعِشْرُونَ على سِتَّةٍ لا تَنْقَسِمُ، فنَضْرِبُها في اثْنَيْنِ وأربَعِينَ، تكونُ مائتَيْنِ واثْنَيْنِ وخَمْسِينَ. فصل: وإن أَوْصَى بِجُزْءٍ أو حظٍّ أو نَصِيبٍ أو شيءٍ من مالِه، أعْطاه الوَرَثةُ ما شَاءُوا. لا أعْلَمُ فيه خِلَافًا. وبه قال أبو حنيفةَ، والشافِعِىُّ، وابنُ المُنْذِرِ، وغيرُهم؛ لأنَّ كلَّ شيءٍ جُزْءٌ ونَصِيبٌ وحَظٌّ وشىءٌ. وكذلك إن قال: أعْطُوا فُلَانًا من مالِى، أو ارْزُقُوه. لأنَّ ذلك لا حَدَّ له في اللُّغةِ، ولا في الشَّرْعِ، فكان على إطْلَاقِه. ٩٦٢ - مسألة؛ قال: (وَإذَا أَوْصَى لَهُ بِمِثْلِ نَصِيبِ أَحَدِ وَرَثَتِهِ، ولَمْ يُسَمِّه، كَانَ لَهُ مِثْلُ مَا لأَقَلِّهِم نَصِيبًا كَأَنَّهُ أَوْصَى لَهُ بِمِثْلِ نَصِيبِ أحَدِ وَرَثَتِهِ. وَهُمْ ابْنٌ وأرْبَعُ زَوْجاتٍ، فَتَكُونُ صَحِيحَةً مِنَ اثْنَيْنِ وثَلَاثِينَ سَهْمًا، لِلزَّوْجَاتِ الثُّمنُ، وَهُوَ أرْبَعةٌ، وَمَا بَقِىَ فلِلابْنِ، فَزِدْ في سِهَامِ الْفَريضَةِ مِثْلَ حَظِّ امْرَأةٍ مِنْ نِسَائِهِ، فَتَصِيرُ الْفَرِيضَةُ مِن ثَلَاثَةٍ وثَلَاثِينَ سَهْمًا، لِلْمُوصَى لَهُ سَهْمٌ، ولِكُلِّ امْرأةٍ سَهْمٌ، ومَا بَقِىَ فَلِلابْنِ) وجملةُ ذلك أنَّه إذا أَوْصَى بمثْلِ نَصِيبِ أحَدِ وَرَثَتِه، غيرَ مُسَمًّى، فإن كان الوَرَثَةُ يَتَسَاوَوْنَ في المِيرَاثِ كالبَنِين، فله مثلُ نَصِيبِ أحَدِهِم، مُزَادًا على الفَرِيضَةِ، ويُجْعَلُ كواحِدٍ منهم زَادَ فيهم. وإن كانوا يَتَفاضَلُونَ، كمَسْأَلةِ الخِرَقِىِّ، فلَه مثلُ نَصِيبِ أقَلِّهِم مِيرَاثًا، يُزَادُ على فَرِيضَتِهِم. وإن أَوْصَى بِنَصِيبِ وارِثٍ مُعَيَّنٍ، فله مثلُ نَصِيبِه مُزَادًا على الفَرِيضةِ. هذا قول الجُمْهُورِ. وبه قال أبو حنيفةَ، والشافِعِىُّ. وقال مالِكٌ، وابنُ أبي لَيْلَى، وزُفَرُ، ودَاوُدُ: يُعْطَى مثلَ نَصِيبِ المُعَيَّنِ، ومثلَ نَصِيبِ أحَدِهِم، إذا كانوا يَتَسَاوونَ من أصْلِ المالِ، غيرَ مَزِيدٍ، ويُقْسَمُ الباقِى بين الوَرَثةِ؛ لأنَّ نَصِيبَ

стр. 4226

الوارِثِ قبلَ الوَصيَّةِ من أصْلِ المالِ. فلو أَوْصَى بمثلِ نَصِيبِ ابْنِه، وله ابْنٌ واحدٌ، فالوَصِيَّةُ بجَمِيعِ المالِ. وإن كان له ابْنانِ، فالوَصِيّةُ بالنِّصْفِ. وإن كانوا ثَلَاثَةً، [فالوَصِيّةُ بالثُّلُثِ] (١). وقال مالِكٌ: إن كانوا يَتَفاضَلُونَ، نُظِرَ إلى [عَدَدِ رُءُوسِهم] (٢)، فأُعْطِىَ سَهْمًا من عَدَدِهِم؛ لأنَّه لا يُمْكِنُ اعْتِبارُ أنْصِبَائِهِم لِتَفَاضُلِهِم، فاعْتُبِرَ عَدَدُ رُءُوسِهم. ولَنا، أنَّه جَعَلَ وارِثَه أصْلًا وقاعِدَةً، حَمَلَ عليه نَصِيبَ المُوصَى له، وجَعَلَه مثلًا له. وهذا يَقْتَضِى أن لا يُزَادَ أحَدُهُما على صاحِبِه. ومتى أُعْطِىَ من أصْلِ المالِ، فما أُعْطِىَ مثلَ نَصِيبِه، ولا حَصَلَتْ (٣) التَّسْوِيةُ، والعِبارَةُ تَقْتَضِى التَّسْوِيَةَ. وإنَّما جَعَلَ له (٤) مثلَ أقَلِّهِم نَصِيبًا؛ لأنَّه اليَقِينُ، وما زادَ فمَشْكُوكٌ فيه، فلا يَثْبُتُ مع الشّكِّ، وقوله: "يُعْطى سَهْمًا من عَدَدِهِم". خِلَافُ ما يَقْتَضِيه لَفْظُ المُوصِى؛ فإنَّ هذا ليس بِنَصِيبٍ لأحدِ وَرَثَتِه، ولَفْظُه إنَّما اقْتَضَى نَصِيبَ أحَدِهِم، وتَفَاضُلُهُم لا يَمْنَعُ كَوْنَ نَصِيبِ الأقَلِّ نَصِيبَ أحَدِهِم، فيَصْرِفُه إلى الوَصِىِّ، لقولِ المُوصِى، وعَمَلًا بمُقْتَضَى وَصِيّتِه. وذلك أَوْلَى من اخْتِرَاعِ شيءٍ لا يَقْتَضِيه قولُ المُوصِى أَصْلًا. وقوله: تَعَذَّرَ العَمَلُ بقولِ المُوصِى. غيرُ صَحِيحٍ؛ فإنَّه أمْكَنَ العَمَلُ به بما قُلْناه، ثم لو تَعَذَّرَ العَمَلُ به، لَما جازَ أن يُوجِبَ في مالِه (٥) حَقًّا لم يَأْذَنْ فيه ولم يَأْمُرْ به. وقد مَثَّلَ الخِرَقِىُّ في هذه المَسْأَلةِ بما أغْنَى عن تَمْثِيلِها. ولو قال: أَوْصَيْتُ بمِثْلِ نَصِيبِ أقَلِّهِم مِيرَاثًا. كان كما لو أطْلَقَ، وكان ذلك تَأْكِيدًا. وإن قال: أوْصَيْتُ بمثلِ نَصِيبِ أكْثَرِهِم مِيرَاثا. فله ذلك، مُضَافًا إلى المَسْألةِ، فيكونُ له في مَسْأَلةِ الخِرَقِىِّ ثمانِيَةٌ وعِشْرُونَ، تُضَمُّ إلى الفَرِيضَةِ، فيكونُ الجَمِيعُ سِتِّينَ سَهْمًا.

стр. 4227

فصل: وإن أَوْصَى بِنَصِيبِ وارِثٍ، ففيها وَجْهانِ؛ أحدهما، تَصِحُّ الوَصِيَّةُ، ويكونُ ذلك كالوَصِيَّةِ بمثلِ نَصِيبِه. وهذا قولُ مالكٍ، وأهلِ المَدِينةِ، واللُّؤْلُؤِىّ، وأهْلِ البَصْرةِ، وابنِ أبِى لَيْلَى، وزُفَر، ودَاوُدَ. والوَجْهُ الثاني، لا تَصِحُّ الوَصِيّةُ. وهو الذي ذَكَره القاضي. وهو قولُ أصْحابِ الشافِعِىِّ، وأبى حَنِيفةَ، وصاحِبَيْه؛ لأنَّه أَوْصَى بما هو حَقٌّ للابْنِ، فلم يَصِحّ، كما لو قال: بِدَارِ ابْنِى، أو بما يَأْخُذُه ابْنِى. ووَجْهُ الأَوَّلِ، أنَّه أمْكَنَ تَصْحِيحُ وَصِيَّتِه بِحَمْلِ لَفْظِه على مَجَازِه، فصَحَّ، كما لو طَلَّقَ بِلَفْظِ الكِنَايةِ، أو أعْتَقَ. وبَيانُ إمْكانِ التَّصْحِيحِ، أنَّه أمْكَنَ تَقْدِيرُ حَذْفِ المُضافِ، وإقَامةُ المُضافِ إليه مُقامَه، أي بمثلِ نَصِيبِ وَارِثِى. ولأنَّه لو أَوْصَى بجَمِيعِ مالِه، صَحَّ، وإن تَضَمَّنَ ذلك الوَصِيّةَ بِنَصِيبِ وُرَّاثِه كُلِّهم. فصل: وإن قال: أَوْصَيْتُ لك بِضِعْفِ نَصِيبِ ابْنِى. فله مِثْلَا نَصِيبِه. وبهذا قال الشافِعِىُّ. وقال أبو عُبَيْدةَ القاسِمُ بن سَلَّامٍ: الضِّعْفُ المِثْل. واسْتَدَلَّ بقولِ اللَّه تعالى: ﴿يُضَاعَفْ لَهَا الْعَذَابُ ضِعْفَيْنِ﴾ (٦). أي مِثْلَيْنِ، وقوله: ﴿فَآتَتْ أُكُلَهَا ضِعْفَيْنِ﴾ (٧). أي مِثْلَيْنِ، وإذا كان الضِّعْفانِ مِثْلَيْنِ، فالواحِدُ مِثْلٌ. ولَنا، أنَّ الضِّعْفَ مِثْلَانِ، بِدَلِيلِ قولِه تعالى: ﴿إِذًا لَأَذَقْنَاكَ ضِعْفَ الْحَيَاةِ وَضِعْفَ الْمَمَاتِ﴾ (٨). وقال: ﴿فَأُولَئِكَ لَهُمْ جَزَاءُ الضِّعْفِ بِمَا عَمِلُوا﴾ (٩). وقال: ﴿وَمَا آتَيْتُمْ مِنْ زَكَاةٍ تُرِيدُونَ وَجْهَ اللَّهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُضْعِفُونَ﴾ (١٠). ويُرْوَى عن عُمَرَ، أنَّه أضْعَفَ الزَّكاةَ على نَصَارَى بَنِى تَغْلِبَ، فكان يَأْخُذُ من المائتَيْنِ عَشَرَةً. وقال لِحُذَيْفَةَ وعثمانَ بن حُنَيْفٍ: لَعَلَّكُما حَمَّلْتُما الأَرْضَ ما لا تطِيقُ؟ فقال عثمانُ: لو

стр. 4228

أضْعَفْتُ عليها لَاحْتَمَلَتْ (١١). قال الأزْهَرِىُّ: الضِّعْفُ المِثْلُ فما فَوْقَه. وأمَّا قولُه: إنَّ الضِّعْفَيْنِ المِثْلانِ. فقد رَوَى ابنُ الأَنْبارِىِّ، عن هِشَامِ بن مُعَاوِيةَ النَّحْوِىِّ قال: العَرَبُ تَتَكَلَّمُ بالضِّعْفِ مُثَنًّى، فتقول: إن أَعْطَيْتَنِى دِرْهَمًا فلك ضِعْفَاهُ. أي مِثْلَاهُ. وإفْرَادُه لا بَأْسَ به، إلَّا أن التَّثْنِيةَ أحْسَنُ. يَعْنِى أنَّ المُفْرَدَ والمُثَنَّى في هذا بمَعْنًى واحِدٍ، [وكِلاهُما يُرادُ به المِثْلانِ، وإذا اسْتَعْملوه على هذا الوَجْهِ وَجَبَ اتِّباعُهم فيه وإن خالَفَ الْقِيَاسَ] (١٢). وقال أبو عُبَيْدَةَ مَعْمَرُ بن المُثَنَّى: ضِعْفُ الشَّىءِ [هو ومِثْلُه] (١٣)، وضِعْفاهُ هو [ومِثْلَاه] (١٤)، وثَلَاثَةُ أضْعَافِه أربعةُ (١٥) أمْثالِه، وعلى هذا. فصل: وإن قال: أَوْصَيْتُ لك بِضِعْفَىْ نَصِيبِ ابْنِى. فله مِثْلَا نَصِيبِه. وإن قال: ثَلَاثَة أضْعَافِه. فله ثَلَاثَةُ أمْثَالِه. هذا الصَّحِيحُ عِنْدِى. وهو قولُ أبى عُبَيْدٍ. وقال أصْحابُنا: إن أوْصَى بِضِعْفَيْه، فله ثَلَاثَةُ أمْثالِه. وإن أَوْصَى بثَلَاثَةِ أضْعافِه، فله أَرْبَعةُ أمْثالِه. وعلى هذا كلما زَادَه (١٦) ضِعْفًا زَادَ مَرّةً. وهذا قولُ الشافِعِىِّ. واحْتَجُّوا بقولِ أبى عُبَيْدَةَ وقد ذَكَرْناه. وقال أبو ثَوْرٍ: ضِعْفاهُ أرْبَعةُ أمْثالِه، وثَلَاثَةُ أضْعافِه سِتَّةُ أمْثالِه؛ لأنَّه قد ثَبَتَ أنَّ ضِعْفَ الشىءِ مِثْلَاه، فتَثْنِيَتُه مِثْلَا مُفْرَدِه، كسائِرِ الأسْماءِ. ولَنا، قولُ اللَّه تعالى: ﴿فَآتَتْ أُكُلَهَا ضِعْفَيْنِ﴾. قال عِكْرِمَةُ: تَحْمِلُ في كلِّ عامٍ مَرَّتَينِ. وقال عَطَاءٌ: أثْمَرَتْ في سَنَةٍ مثلَ ثَمَرَةِ غيرها سَنَتَينِ. ولا خِلَافَ بين المُفَسِّرِينَ فيما عَلِمْتُ في تَفْسِيرِ قولِه تعالى: ﴿يُضَاعَفْ لَهَا الْعَذَابُ ضِعْفَيْنِ﴾. أنَّ المُرادَ به مَرَّتَيْنِ. وقد دَلَّ عليه قولُه تعالى: ﴿نُؤْتِهَا أَجْرَهَا مَرَّتَيْنِ﴾ (١٧). ومُحَالٌ أن يَجْعَلَ أجْرَها على العَمَلِ الصّالِحِ مَرَّتَيْنِ وعَذَابَها على الفاحِشَةِ (١٨)

стр. 4229

ثَلَاثَ مَرَّاتٍ، فإنَّ اللَّه تَعالى إنَّما يُرِيدُ تَضْعِيفَ الحَسنَاتِ على السَّيِّئَاتِ، وهذا (١٩) المَعْهُودُ من كَرَمِه وفَضْلِه، وأما قولُ أبى عُبَيْدَةَ [فقد خالَفَهْ] (٢٠) غيرُه، وأنْكَرُوا قولَه. قال ابنُ عَرَفَةَ: لا أُحِبُّ قولَ أبى عُبَيْدَةَ في: ﴿يُضَاعَفْ لَهَا الْعَذَابُ ضِعْفَيْنِ﴾. لأنَّ اللَّه تَعالى قال في آيةٍ أخرى: ﴿نُؤْتِهَا أَجْرَهَا مَرَّتَيْنِ﴾. فأعْلَمَ أنَّ لها من هذا حَظَّيْنِ، ومن هذا حَظَّينِ. وقد نَقَلَ مُعَاوِيةُ بن هِشَامٍ النَّحْوِى، عن العَرَبِ، أنَّهم يَنطِقُونَ بالضِّعْفِ مُثَنَّى ومُفْرَدًا بمعنًى (٢١) واحدٍ. ومُوَافَقَةُ العَرَبِ على لِسَانِهِم، مع ما دَلَّ عليه كَلَامُ اللَّه تعالى العَزِيز وأقوالُ (٢٢) المُفَسِّرِينَ من التابِعِينَ وغيرِهم، أَوْلَى من قولِ أبِى عُبَيْدَةَ المُخَالِفِ لذلك كلِّه، مع مُخَالَفَةِ القِيَاسِ، ونِسْبَةُ الخَطَإِ إليه أَوْلَى من تَخْطِئةِ ما ذَكَرْناه. وأمَّا قولُ أبى ثَوْرٍ، فظَاهِرُ الفَسَادِ؛ لما فيه من مُخَالَفةِ الكِتَابِ والعَرَبِ وأهْلِ العَرَبِيَّةِ، ولا يَجُوزُ التَّمَسُّكُ بمُجَرَّدِ القِيَاسِ المُخَالِفِ لِلنَّقْلِ، فقد يَشِذُّ من العَرَبِيَّةِ كَلِماتٌ تُؤْخَذُ نَقْلًا بغير قِيَاسٍ. واللهُ أَعلمُ. فصل: وإن وَصَّى بمثلِ نَصِيبِ مَنْ لا نَصِيبَ له، مثل أن يُوصِىَ بِنَصِيبِ ابْنِه، وهو مِمَّنْ لا يَرِثُ، لِكَوْنِه رَقِيقًا، أو مُخَالِفًا لِدِينِه، أو بِنَصِيبِ أخِيه وهو مَحْجُوبٌ عن مِيرَاثِه، فلا شَىءَ لِلْمُوصَى له؛ لأنَّه لا نَصِيبَ له، فمِثْلُه لا شَىْءَ له. فصل: وإن أوْصَى لِرَجُلٍ بِثُلُثٍ، ولآخَرَ بِرُبْعٍ، ولآخَرَ بخُمْسٍ، ولآخَرَ بمثْلِ وَصِيَّةِ أحَدِهِم، فله الخُمْسُ. وإن وَصَّى لِرَجُلٍ بِعَشَرَةٍ، ولآخَرَ بِسِتَّةٍ ولآخَرَ بأَرْبَعةٍ، ولآخَرَ بمِثْلِ وَصِيَّةِ أحَدِهِم، فله أرْبَعةٌ؛ لأنَّها اليَقِينُ. وإن قال: فلانٌ شَرِيكُهم. فله خُمْسُ ما لِكُلِّ واحدٍ منهم. وإن وَصَّى لأَحَدِهِم بمائةٍ، ولآخَرَ بِدَارٍ،

стр. 4230

ولآخَرَ بِعَبْدٍ، ثم قال: فلانٌ شَرِيكُهُمْ. فله نِصْفُ ما لكلِّ واحدٍ منهم. ذَكَرَها الْخَبْرِىُّ؛ لأنَّه ههُنا يُشَارِكُ كلَّ واحدٍ منهم مُنْفَرِدًا، والشَّرِكَةُ تَقْتَضِى التَّسْوِيَةَ، فلهذا كان له النِّصْفُ، بخِلَافِ الأُولَيَيْنِ، فإنَّهم كلَّهم مُشْتَرِكُونَ، وقال ابنُ القاسِمِ: له الرُّبْعُ في الجَمِيعِ. فصل: ولو أَوْصَى بمثلِ نَصِيبِ وارِثٍ لو كان، فقَدِّرِ (٢٣) الوارثَ مَوْجُودًا، وانْظُرْ ما لِلْمُوصَى له مع وُجُودِه، فهو له مع عَدَمِه. فإن خَلَّفَ ابْنَيْنِ، وأوْصَى بمثل نَصِيبِ [ثالثٍ لو كان] (٢٤)، فلِلْمُوصَى له الرُّبْعُ. ولو وَصَّى بمثلِ نَصِيبِ خامِسٍ لو كان، فلِلمُوصَى له السُّدُسُ. وعلى هذا أبَدًا. ولو خَلَّفَتْ زَوْجًا وأُخْتًا (٢٥)، وأَوْصَتْ بمثلِ نَصِيبِ أُمٍّ لو كانت، فلِلْمُوصَى له الخُمْسُ؛ لأنَّ للأُمِّ الرُّبْعَ لو كانت، فيَجْعَلُ لها (٢٦) سَهْمًا مُضَافًا إلى أرْبَعةٍ، يَكُنْ خُمْسًا، فَقِسْ على هذا. ٩٦٣ - مسألة؛ قال: (وَإذَا خلَّفَ ثَلَاثَةَ بَنِينَ، وأَوْصَى لِآخَرَ بمِثْلِ نَصِيبِ أحَدِهِمْ، كَانَ لِلْمُوصَى لَهُ الرُّبْعُ) هذا قولُ أكْثَر أهْلِ العِلْمِ، منهم؛ الشَّعْبِىُّ، والنَّخَعِىُّ، والثَّوْرِىُّ، والشافِعِىُّ، وأصْحابُ الرَّأْىِ. وعند مالكٍ ومُوَافِقِيه، لِلْمُوصَى له الثُّلُثُ، والباقِى بين البَنِين (١). وتَصِحُّ من تِسْعةٍ. وقد دَلَّلْنا على فَسَادِه. ولو خَلَّفَ ابْنًا واحِدًا، وأوْصَى بمثلِ نَصِيبِه، فلِلْمُوصَى له النِّصْفُ في حالِ الإِجَازَةِ، والثُّلُثُ في حالِ الرَّدِّ. وعند مالِك، لِلْمُوصَى له في حالِ الإِجَازَةِ جَمِيعُ المالِ. فصل: فإن خَلَّفَ بِنْتًا، وأَوْصَى بمثلِ نَصِيبِها، فالحُكمُ فيها كالحُكْمِ فيما لو كان

стр. 4231

ابنًا عندَ مَنْ يَرَى الرَّدَّ؛ لأنَّها تَأْخُذُ المالَ كلَّه بالفَرْضِ والرَّدِّ، ومَنْ لا يَرَى الرَّدَّ يَقْتَضِى قَوْلُه أن يكونَ له الثُّلُثُ، ولها نِصْفُ الباقِى، وما بَقِىَ لِبَيْتِ المالِ. ويَقْتَضِى قولُ مالكٍ أن يكونَ (٢) لِلْمُوصَى له النِّصْفُ في حال الإِجَازَةِ، ولها نِصْفُ الباقِى، وما بَقِىَ لِبَيْتِ المالِ. فإن خَلَّفَ ابْنَتَيْنِ، وأوْصَى بمثلِ نَصِيبِ إحْداهما، فهى من ثَلَاثةٍ عنْدَنا. ويَقتَضِى قول مَنْ لا يَرَى الرَّدَّ أنَّها من أرْبَعةٍ، لِبَيْتِ المالِ الرُّبْعُ، ولكلِّ واحدٍ منهم رُبْعُهُ. ويَقْتَضِى قولُ مالكٍ أنَّ الثُّلُثَ لِلْمُوصَى له، ولِلْبِنْتَيْنِ ثُلُثَا ما بَقِىَ، والباقِى لِبَيْتِ المالِ. وتَصِحُّ من تِسْعةٍ. فإن خَلَّفَ (٣) جَدَّةً وَحْدَها، وأَوْصَى بمِثْلِ نَصِيبِها، فقِيَاسُ قَوْلِنا أنَّ المالَ بينهما نِصْفَيْنِ. وقِياسُ قولِ مَنْ لا يَرَى الرَّدَّ أنَّها من سَبْعةٍ، لكلِّ واحدٍ منهما السُّبْعُ، والباقِى لِبَيْتِ المالِ. وقِياسُ قولِ مالكٍ أنَّ لِلْمُوصَى له السُّدُسَ، ولِلْجَدَّةِ سُدُسُ ما بَقِىَ، والباقِى لِبَيْتِ المالِ. فصل: وإذا خَلَّفَ ثَلَاثةَ بَنِينَ، وأوْصَى لِثَلَاثةٍ بمِثْلِ أنْصِبَائِهِم، فالمالُ بينهم على سِتَّةٍ إن أجَازُوا، وإن رَدُّوا فمن تِسْعَةٍ، لِلْمُوصَى لهم الثُّلُثُ ثَلَاثَةٌ، والباقِى بين البَنِينَ على ثَلَاثةٍ. فإن أجَازُوا لواحِدٍ وَرَدُّوا على اثْنَيْنِ، فلِلْمَرْدُودِ عليهما التُّسْعانِ اللَّذانِ كانا لهما في حالِ الرَّدِّ عليهم. وفى المُجَازِ له وَجْهانِ؛ أحدُهما، له السُّدُسُ الذي كان له في حالِ الإِجَازَةِ للجَمِيعِ. وهذا قولُ أبى يوسفَ، وابنِ شُرَيْحٍ، فيَأْخُذُ السُّدُسَ والتُّسْعَيْنِ من مَخْرَجِهِمَا، وهو ثَمَانِيَةَ عَشَرَ، يَبْقَى أحَدَ عَشَرَ بين البَنِين، على ثَلَاثَةٍ لا يَصِحُّ، فيُضْرَبُ عَدَدُهُم في ثَمَانِيةَ عَشَرَ، تَكُنْ أرْبَعةً وخَمْسِينَ، لِلْمُجازِ له السُّدُسُ تِسْعَةٌ، ولكلِّ واحدٍ من صاحِبَيْه سِتَّةٌ، ولكلِّ ابْنٍ أحَدَ عَشَرَ. والوَجْهُ الثاني، أن يُضَمَّ المُجَازُ له إلى البَنِين، ويُقْسَمَ الباقِى بعدَ التُّسْعَينِ عليهم، وهم أرْبَعَةٌ، لا تَنْقَسِمُ،

стр. 4232

فتَضْرِبُ أرْبَعةً في تِسْعَةٍ، تَكُنْ سِتَّةً وَثلَاثِينَ، فإن أجَازَ الوَرَثةُ بعدَ ذلك للآخَرِينَ، أتَمُّوا لِكُلِّ واحدٍ منهم تَمَامَ سُدُس المالِ، فيَصِيرَ المالُ بينهم أسْداسًا على الوَجْه الأوَّلِ، وعلى الوَجْهِ الآخَرِ يَضُمُّونَ ما حَصَلَ لهم، وهو أحَدٌ وعِشْرُونَ من سِتَّةٍ وثَلَاثِينَ، إلى ما حَصَلَ لهما وهو ثمانِيَةٌ، ثم يَقْتَسِمُونَه بينهم على خَمْسةٍ، لا يَصِحُّ، فتَضرِبُ خَمْسَةً في سِتَّةٍ وثَلَاثِينَ، تَكُنْ مائةً وثَمانِينَ، ومنها تَصِحُّ. وإن أجَازَ أحَدُ البَنِينَ لهم، ورَدَّ الآخَرَانِ عليهم، فلِلْمُجِيزِ السُّدُسُ، وهو ثَلَاثَةٌ من ثَمانِيَةَ عَشَرَ، ولِلَّذَينِ لم يُجِيزا (٤) أَرْبَعَةُ أتْسَاعٍ، ثَمَانِيَةٌ (٥)، تَبْقَى سَبْعةٌ بين المُوصَى لهم على ثَلَاثَةٍ، اضْرِبْها (٦) في ثمانِيةَ عَشَرَ، تَكُنْ أرْبَعةً وخَمْسِينَ. وإن أجازَ واحدٌ لواحِدٍ، دَفَعَ إليه ثُلُثَ ما في يَدِه من الفَضْلِ، وهو ثُلُثُ سَهْمٍ من ثمانِيةَ عَشَرَ، فَاضْرِبْها في ثَلَاثةٍ، تكُنْ أرْبَعةً وخَمْسِينَ. واللَّه أعلمُ. فصل: وإذا وَصَّى لِرَجُلٍ بِجُزْءٍ مُقَدَّرٍ، ولآخَرَ بمِثْلِ نَصِيبِ وارِثٍ من وَرَثَتِه، ففيها وَجْهانِ؛ أحدُهما، يُعْطَى الجُزْءُ لِصَاحِبِه، ويُقْسَمُ الباقِى بين الوَرَثَةِ والمُوصَى له، كأنَّه ذلك الوارِث إن أجَازُوا. وإن رَدُّوا، قَسَّمْتَ الثُّلُثَ بين الوَصِيَّيْنِ على حَسَبِ ما كان لهما في حالِ الإِجَازَةِ، والثُّلُثانِ بين الوَرَثةِ. والوَجْه الثاني، أن يُعْطَى صاحِبُ النَّصِيبِ مِثْلَ نَصِيبِ الوارِثِ، كأن لا وَصيّةَ سِوَاها. وهذا قولُ يَحْيَى بن آدَمَ (٧)، مثالُه: رَجُلٌ أوْصَى بثُلُثِ مالِه لِرَجُلٍ، ولآخَرَ بمِثْلِ نَصِيبِ أحَدِ بَنِيه، وهم ثَلَاثَةٌ، فعلى الوَجْهِ الأوَّلِ، لِلْمُوصَى له بالثُّلُثِ الثُّلُثُ، وما بَقِىَ بين البَنِينَ والوَصِىِّ على أرْبَعةٍ، وتَصِحُّ من سِتّةٍ، لِصاحِبِ الثُّلُثِ سَهْمانِ، وللآخَرِ سَهْمٌ، فإن رَدُّوا فالثُّلُثُ بين

стр. 4233

الوَصِيَّيْنِ على ثَلَاثَةٍ، والثُّلُثانِ بين البَنِين على ثَلَاثةٍ، وتَصِحُّ من تِسْعةٍ. وعلى الوَجْهِ الآخَرِ، لِصَاحِبِ الثُّلُثِ الثُّلُثُ، وللآخَرِ الرُّبْعُ إن أُجِيزَ لهما، وإن رُدَّ عليهما، قَسَّمْتَ الثُلُثَ بينهما على سَبْعةٍ، والثُّلُثانِ لِلْوَرَثةِ، وتَصِحُّ من ثَلَاثةٍ وسِتِّينَ. وإن كان الجُزْءُ يَزِيدُ على الثُّلُثِ، مثل إن أَوْصَى لِرَجُلٍ بالنِّصْفِ، ولآخَرَ بمثل نَصِيبِ أحَدِ بَنِيه، ففيها وَجْهٌ ثالِثٌ، وهو أن يَجْعَلَ لِصَاحِبِ النَّصِيبِ نَصيبَه من الثُّلُثَيْنِ، وهو رُبْعُها (٨)؛ لأنَّ الثُّلُثَيْنِ حَقُّ الوَرَثةِ، لا يُؤْخَذُ منهما (٩) شيءٌ إلَّا بإِجَازَتِهِم ورِضَاهُم، فيكون صاحِبُ النَّصِيبِ كواحِدٍ منهم، لا تَنْقُصُ من السُّدُسِ شَيْئًا إلَّا بإِجَازَتِه. فعلى الوَجْهِ الأوّلِ، لِصَاحِبِ الجُزْءِ النِّصْفُ، والباقِى بين الآخَرِ والبَنِينَ على أرْبَعةٍ، وتَصِحُّ من ثَمَانِيةٍ إن أجَازُوا، وإن رَدُّوا قَسَّمْتَ الثُّلُثَ بين الوَصِيَّيْنِ على خَمْسَةٍ، والثُّلُثَيْنِ بين البَنِينَ على ثَلَاثةٍ، وتَصِحُّ من خَمْسَةٍ وأرْبَعِينَ. وعلى الوَجْهِ الثاني، لِصَاحِبِ النِّصْفِ النِّصْفُ، وللآخَرِ الرُّبْعُ، ويَبْقَى الرُّبْعُ بين البَنِينَ، وتَصِحُّ من اثْنَى عَشَرَ، وإن رَدُّوا فالثُّلُثُ بين الوَصِيَّيْنِ على ثَلَاثةٍ، وتَصِحُّ من تِسْعةٍ. وعلى الوَجْهِ الثالِثِ، لِصاحِبِ النِّصْفِ النِّصْفُ، وللآخَرِ السُّدُسُ، ويَبْقَى الثُّلُثُ بين البَنِينَ على ثَلَاثَةٍ، وتَصِحُّ من ثَمانِيةَ عَشَرَ، وإن رَدُّوا، فالثُّلُثُ بين الوَصِيَّيْنِ على أرْبَعةٍ، وتَصِحُّ من سِتَّةٍ وثَلَاثِينَ. وإن أَوْصَى لِصاحِبِ الجُزْءِ بالثُّلُثَيْنِ، فعلى الوَجْهِ الأَوَّلِ، لِصَاحِبِ النِّصْفِ (١٠) رُبْعُ الثُّلُثِ، سَهْمٌ من اثْنَى عَشَرَ إن أجَازُوا، وإن رَدُّوا قَسَّمْتَ الثُّلُثَ بين الوَصِيَّيْنِ على تِسْعةٍ. وعلى الوَجْهِ الثاني، يكونُ له الرُّبْعُ في حالِ الإِجَازةِ، وفي حالِ الرَّدِّ يكونُ الثُّلُثُ بين الوَصِيَّيْنِ على أحَدَ عَشَرَ. وعلى الوَجْهِ الثالِثِ، يكونُ له السُّدُسُ في الإِجَازَةِ، وفى الرَّدِّ يكون الثُّلُثُ بين الوَصِيَّيْنِ على خَمْسةٍ، وإن أَوْصَى لِرَجُلٍ بجَمِيعِ مالِه، ولآخَرَ بمثل نَصِيبِ أحَدِ وَرَثَتِه، فعلى

стр. 4234

الوَجْهِ الأَوَّلِ، لا يَصِحُّ لِلْوَصِىِّ الآخَرِ شيءٌ في إِجَازةٍ ولا رَدٍّ. وعلى الثاني، يَقْسِمُ الوَصِيّانِ المالَ بينهما على خَمْسةٍ في الإِجَازَةِ، والثُّلُثَ على خَمْسَةٍ في الرَّدِّ. وعلى الثالِثِ، يَقْتَسِمانِ المالَ على سَبْعةٍ في الإِجَازَةِ، والثُّلُثَ على سَبْعةٍ في الرَّدِّ. فصل: وإن أَوْصَى لِرَجُلٍ بمثلِ نَصِيبِ وارِثٍ، وللآخَرَ بجُزْءٍ ممَّا بَقِىَ من المالِ ففيها أيضًا ثلاثةُ أوْجُهٍ؛ أحدُها: أن يُعْطىَ صاحِبُ النِّصْفِ مثلَ نَصِيبِ الوارِثِ، إذا لم يكُن ثَمَّ وَصِيَّةٌ أُخْرَى. والثانى، أن يُعْطَى مثل نَصِيبِه من ثُلُثَىِ المالِ. والثالث، أن يُعْطَى مثلَ نَصِيبِه بعدَ أخْذِ صاحِبِ الجُزْءِ وَصِيَّتَه. وعلى هذا الوَجهِ يَدْخُلُها الدَّوْرُ، وعليه التَّفْرِيعُ. ومِثَالُه، رَجُلٌ خَلَّفَ ثَلَاثَةَ بَنِينَ، ووَصَّى بمثل نَصِيبِ أحَدِهِم، ولآخَرَ بنِصْفِ باقِى المالِ، فعلى الوَجْهِ الأوَّلِ، لصاحِبِ النَّصِيبِ (١١) الرُّبْعُ، وللآخَرِ نِصْفُ الباقِى، وما بَقِىَ لِلبَنِينَ، وتَصِحُّ من ثَمانِيَةٍ. وعلى الثاني له السُّدُسُ، وللآخَرِ نِصْفُ الباقِى، وتَصِحُّ من سِتّةٍ وثَلَاثِينَ. ولا تَفْرِيعَ على هذين الوَجْهَيْنِ لِوُضُوحِهِما. وأمَّا على الثالِثِ فيَدْخُلُها الدَّوْرُ، ولِعَمَلِها طُرُقٌ؛ أحدُها، أن تَأْخُذَ مَخْرَجَ النِّصْفِ، فتُسْقِطَ منه سَهْمًا، يَبْقَى سَهْمٌ، فهو النَّصِيبُ، ثم تَزِيدُ على عَدَدِ البَنِينَ واحِدًا، تَصِيرُ أرْبَعةً، فتَضْرِبُها في المَخْرَجِ، تَكُنْ ثمانِيَةً، تَنْقُصُها سَهْمًا، يَبْقَى سَبْعةٌ، فهى المالُ، لِلْمُوصَى له بالنَّصِيبِ سَهْمٌ، وللآخَرِ نِصْفُ الباقِى، وهو ثَلَاثَةٌ، ولكلِّ ابْنٍ سَهْمٌ. طَرِيقٌ آخَرُ، أن تَزِيدَ على سِهَامِ البَنِينَ نِصْفَ سَهْمٍ، وتَضْرِبَها في المَخْرَجِ، تَكُنْ سَبْعةً. طَرِيقٌ ثالِثٌ، ويُسَمَّى المَنْكُوسَ، أن تَأْخُذَ سِهَامَ البَنِينَ وهى ثَلَاثَةٌ، فتقول: هذه (١٢) بَقِيّةُ مالٍ ذَهَبَ نِصْفُه، فإذا أرَدْتَ تَكْمِيلَه فَزِدْ عليه مِثْلَه، ثم زِدْ عليها مثلَ سَهْمِ ابْنٍ، تكُنْ سَبْعةً. طَرِيقٌ رابِعٌ، أن تَجْعَلَ المالَ سَهْميْنِ ونَصِيبًا، وتَدْفَعَ النَّصِيبَ

стр. 4235

إلى صاحِبِه، وإلى الآخَرِ سَهْمًا، يَبْقَى سَهْمٌ للبَنِينَ يَعْدِلُ ثُلُثَه، فالمالُ كلُّه سَبْعَةٌ. وبالجَبْرِ تَأْخُذُ مالًا فتُلْقِى منه نَصِيبًا، يَبْقَى مالٌ إلَّا نَصِيبًا، وتَدْفَعُ نِصْفَ الباقِى إلى الوَصِىِّ الآخَرِ، يَبْقَى نِصْفُ مالٍ إلَّا نِصْفَ نَصِيبٍ، يَعْدِلُ ثَلَاثَةَ أنْصِبَاء، فاجْبُرْهُ بنِصْفِ نَصِيبٍ، وزِدْهُ على الثَّلَاثةِ، يَبْقَى نِصْفًا كامِلًا، يَعْدِلُ ثَلَاثَةً ونِصْفًا، فالمالُ كلُّه سَبْعةٌ. فصل: فإن كانت الوَصِيَّةُ الثانيةُ بِنِصْفِ ما يَبْقَى من الثُّلُث، أخَذْتَ مَخْرَجَ النِّصْفِ والثُّلُثِ، وهو سِتَّةٌ، نَقَصْتَ منها واحِدًا، يَبْقَى خَمْسَةٌ، فهى النَّصِيبُ، ثم تَزِيدُ واحِدًا على سِهَامِ البَنِينَ، وتَضْرِبُها في المَخْرَجِ، تَكُنْ أرْبَعةً وعِشْرِينَ تَنْقُصُها ثَلَاثةً، يَبْقَى أحَدٌ وعِشْرُونَ، فهو المالُ، فتَدْفَعُ إلى صاحِبِ النَّصِيبِ خَمْسةً، يَبْقَى من الثُّلُثِ اثْنانِ، تَدْفَعُ منهما سَهْمًا إلى الوَصِىِّ الآخَرِ، يَبْقَى خَمْسَةَ عَشَرَ، لكلِّ ابْنٍ خَمْسَةٌ. وبالطَّرِيقِ الثاني، تَزِيدُ على سِهَامِ البَنِينَ نِصْفًا، وتَضْرِبُها في المَخْرَجِ، تكُنْ أحَدًا وعِشْرِينَ. وبالثالِثِ، تَعْمَلُ كما عَمِلْتَ في الأُولَى، فإذا بَلَغَتْ سَبْعَةً ضَرَبْتَها في ثَلَاثةٍ؛ من أجْلِ أنَّ الوَصِيَّةَ الثانيةَ بِنِصْفِ الثُّلُثِ. وبالرَّابِعِ، تَجْعَلُ الثُّلُثَ سَهْمَيْنِ ونَصِيبًا، تَدْفَعُ النَّصِيبَ إلى صاحِبِه، وإلى الآخَرِ سَهمًا، يَبْقَى من المالِ خَمْسَةُ أسْهُمٍ ونَصِيبانِ، تَدْفَعُ نَصِيبَيْنِ إلى ابْنَيْنِ، يَبْقَى خَمْسَةٌ للثالِثِ، فهى النَّصِيبُ، فإذا بَسَطْتَها كانت أحَدًا وعِشْرِينَ، وبالجَبْرِ، تَأْخُذُ مالًا فَتُلْقِى منه ثُلُثَه نَصِيبًا، وتَدْفَعُ إلى الآخَرِ نِصْفَ باقِى الثُّلُثِ، يَبْقَى من المالِ خَمْسَةُ أسْداسِه إلَّا نِصْفَ نَصِيبٍ، اجْبُرْهُ بِنِصْفِ نَصِيبٍ، وزِدْهُ على سِهَامِ البَنِينَ، يَصِيرُ ثَلَاثَةً ونِصْفًا، تَعْدِلُ خَمْسَةَ أسْداسٍ، اقْلِبْ وحَوِّلْ، يَصِيرُ النَّصِيبُ خَمْسَةً، وكُلُّ سَهْمٍ سِتّةً تَكُن أحَدًا وعِشْرِينَ. فصل: فإنْ أوْصَى لِثالِثٍ بِرُبْعِ المالِ، فخُذِ المَخَارِجَ، وهى اثْنَانِ وثَلَاثَةٌ وأرْبَعةٌ، واضْرِبْ بعضَها في بعضٍ، تكُنْ أرْبَعةً وعِشْرِينَ، وزِدْ على عَدَدِ البَنِينَ واحِدًا، تَصِرْ أرْبَعةً، واضْرِبْها في أرْبَعةٍ وعِشْرِينَ، تَكُن سِتّةً وتِسْعِينَ، انْقُصْ منها ضَرْبَ نِصْفِ سَهْمٍ في أرْبَعةٍ وعِشْرِينَ، وذلك اثنا عَشَرَ، يَبْقَى أرْبَعةٌ وثَمانُون، فهى المالُ، ثم انْظُر الأرْبَعةَ وعِشْرِينَ، فانْقُصْ منها سُدُسَها لأَجْلِ الوَصِيّةِ الثانيةِ، ورُبْعَها لأَجْلِ

стр. 4236

الوَصِيَّةِ الثالثةِ (١٣)، يَبْقَى أرْبَعَةَ عَشَرَ، فهى النَّصِيبُ، فادْفَعْها إلى المُوصَى له بالنَّصِيبِ، ثم ادْفَعْ إلى الثانِى نِصْفَ ما يَبْقَى من الثُّلُثِ، وهو سَبْعَةٌ، وإلى الثالِثِ رُبْعَ المالِ أحَدًا وعِشْرِينَ، يَبْقَى اثْنانِ وأرْبَعُونَ، لكلِّ ابنٍ أرْبَعَةَ عَشَرَ. وبالطَّرِيقِ الثاني، تَزِيدُ على عَدَدِ البَنِينَ نِصْفَ سَهْمٍ، وتَضْرِبُ ثَلَاثَةً ونِصْفًا في أرْبَعةٍ وعِشْرِينَ، تكن أرْبَعةً وثَمانِينَ. وبالطَّرِيقِ الثالِثِ، تَعْمَلُ في هذه كما عَمِلْتَ في التي قَبْلَها، فإذا بَلَغَتْ أحَدًا وعِشْرِينَ، ضَرَبْتَها في أرْبعةٍ من أجْلِ الرُّبْعِ، تكُنْ أرْبَعةً وثَمانِينَ. وبِطَرِيقِ النَّصِيبِ تَفْرِضُ المالَ سِتَّةَ أسْهُمٍ، وثَلَاثةَ أنْصِبَاء، تَدْفَعُ نَصِيبًا إلى صاحِبِ النَّصِيبِ، وإلى الآخَرِ سَهْمًا، وإلى صاحِبِ الرُّبْعِ سَهمًا ونِصْفًا وثَلَاثَةَ أرْباعِ نَصِيبٍ، ويَبْقَى من المالِ نَصِيبٌ ورُبْعٌ وثَلَاثةُ أسْهُمٍ ونِصْفٌ لِلْوَرَثةِ، يَعْدِلُ ثَلَاثَةَ أنْصِبَاء، فأَسْقِطْ نَصِيبًا ورُبْعًا بمثلِها، يَبْقَى ثَلَاثَةُ أسْهُمٍ ونِصْفٌ، يَعْدِلُ نَصِيبًا وثَلَاثَةَ أرْباعٍ، فالنَّصِيبُ إذًا سَهْمانِ، فابْسُط الثَّلاثَةَ الأنْصِباءَ، تكُنْ سِتّةً، فصارَ المالُ اثْنَى عَشَرَ، ومنها يَصِحُّ، لِصَاحِبِ النَّصِيبِ سَهْمانِ، وللآخَرِ نِصْفُ باقِى الثُّلُثِ سَهْمٌ، ولِصَاحِبِ الرُّبْعِ ثَلَاثَةٌ، تَبْقَى سِتّةٌ، لكلِّ ابْنٍ سَهْمانِ. وهذا أخْصَرُ وأحْسَنُ. وبالجَبْرِ، تَأْخُذُ مالًا تَدْفَعُ منه نَصِيبًا، يَبْقَى مالٌ إلَّا نَصِيبًا، تَدْفَعُ نِصْفَ باقِى ثُلُثِه، وهو سُدُسٌ إلَّا نِصْفَ نَصِيبٍ، يَبْقَى من المالِ خَمْسَةُ أسْداسٍ إلَّا نِصْفَ نَصِيبٍ، تَدْفَعُ منها رُبْعَ المالِ، يبْقَى ثُلُثُ المالِ (١٤) ورُبْعُه إلَّا نِصْفَ نَصِيبٍ، يَعْدِلُ ثَلَاثةَ أنْصِبَاء، اجْبُرْ وقابِلْ وقَلِّبْ وحَوِّلْ، يكُن النَّصِيبُ سَبْعةً، والمالُ اثْنَيْنِ وأرْبَعِينَ، ثم تَضْرِبُها في اثْنَيْنِ، لِيَزُولَ الكَسْرُ، يَرْجِعُ إلى أرْبَعةٍ وثَمانِينَ. فصل: فإن كانت الوَصِيّةُ الثالِثةُ بِرُبْعِ ما بَقِىَ من المالِ بعدَ الوَصِيّتَيْنِ الأُولَيَيْنِ، فاعْمَلْها بطَرِيقِ النَّصِيبِ، كما ذَكَرْنا، يَبْقَى معك ثلاثَةُ أسْهُمٍ وثلاثةُ أرْباعِ سَهْمٍ (١٤) تَعْدِلُ نَصِيبًا ونِصْفًا، ابْسُطْهَا (١٥) أرْباعًا، تكُنِ السِّهَامُ خَمْسَةَ عَشَرَ،

стр. 4237

والأنْصِبَاءُ سِتّةً، تُوَفِّقُهُما (١٦) وتَرُدُّهُما إلى وَفْقَيْهِما، تَصِيرُ خَمْسَةَ أسْهُمٍ، تَعْدِلُ نَصِيبَيْنِ، اقْلِبْ واجْعَلِ النَّصِيبَ خَمْسَةً والسَّهْمَ اثْنَيْنِ، وابْسُطْ ما معك، يَصِرْ سَبْعةً وعِشْرِينَ، فَادْفَعْ خَمْسَةً إلى صاحِبِ النَّصِيبِ، وإلى الآخَرِ نِصْفَ باقِي الثُّلُثِ سَهْمَيْنِ، وإلى الآخَرِ رُبْعَ الباقِى خَمْسَةً، يَبْقَى خَمْسَةَ عَشَرَ، لكلِّ ابْنٍ خَمْسَةٌ. وهذا الطَّرِيقُ أخْصَرُ. وإن عَمِلْتَ بالطَّرِيقِ الثاني, أخَذَتْ أرْبَعةً وعِشْرِينَ، فنَقَصْتَ سُدُسَها ورُبْعَ الباقِى، يَبْقَى خَمْسَةَ عَشَرَ، فهى النَّصِيبُ، ثم زِدْتَ على عَدَدِ البَنِينَ سَهْمًا، ونَقَصْتَ نِصْفَه ورُبْعَ الباقِى (١٧) منه، يَبْقَى ثلاثةُ أثْمانٍ، رُدَّهَا على سِهَامِ البَنِينَ، تكُنْ (١٨) ثَلَاثةً، وثلاثةَ أثْمانِ، تَضرِبُها في أرْبعَةٍ وعِشْرِينَ، تكُنْ أحَدًا وثَمانِينَ، ومنها تَصِحُّ، وبالجَبْرِ تُفْضِى إلى ذلك أيضًا. فصل: وإن خَلَّفَ أُمًّا وأُخْتًا وعَمًّا، وأَوْصَى لِرَجُلٍ بمثلِ نَصِيبِ العَمِّ، وسُدُسِ ما يَبْقَى، ولآخَرَ بمثل نَصِيبِ الأُمِّ ورُبْعِ ما يَبْقَى، ولآخَرَ بمثل نَصِيبِ الأُخْتِ وثُلُثِ ما يَبْقَى، فاعْمَلْها بالمَنْكُوسِ، وقُلْ: أصْلُ المَسْألةِ سِتّةٌ، فابْدَأ بآخِرِ الوَصَايَا، فقل: هذا مالٌ ذَهَبَ ثُلُثُه، فَزِدْ عليه نِصْفَه ثَلَاثةً، ومثلَ نَصِيبِ الأُخْتِ ثَلَاثَةً، صارَتْ اثْنَى عَشَرَ، ثم قُلْ: هذا بَقِيّةُ مالٍ ذَهَبَ رُبْعُه، فَزِدْ عليه (١٩) ثُلُثَه، ومثلَ نَصِيبِ الأُمِّ سِتّةً، صار ثمانِيةَ عشرَ (٢٠)، ثم قُلْ: هذا بَقِيّةُ مالٍ ذَهَبَ سُبْعُه، فَزِدْ عليه سُدُسَه، ونَصِيبَ العَمِّ، صارَ اثْنَيْنِ وعِشْرِينَ، ومنه تَصِحُّ. فصل: في الاسْتِثْناءِ، إذا خَلَّفَ ثلاثةَ بَنِينَ، وأَوْصَى بمثلِ نَصِيبِ أحَدِهم إلَّا رُبْعَ المالِ، فخُذْ مَخْرَجَ الكَسْرِ أرْبَعةً، وزِدْ عليها سَهْمًا، تكُنْ خَمْسةً، فهذا النَّصِيبُ،

стр. 4238

وَزِدْ على عَدَدِ البَنِينَ واحِدًا، واضْرِبْه في مَخْرَجِ الكَسْرِ، تكُنْ سِتّةَ عَشَرَ، ، تَدْفَعُ إلى الوَصِىِّ خَمْسةً، وتَسْتَثْنِى منه أرْبَعةً يَبْقَى له (٢١) سَهْمٌ، ولكلِّ ابْنٍ خَمْسةٌ. وإن شِئْتَ خَصَصْتَ كلَّ ابْنٍ بِرُبْعٍ، وقَسَمْتَ الرُّبْعَ الباقِىَ بينه وبينهم على أرْبَعةٍ. فإن قال: إلَّا رُبْعَ الباقِى بعدَ النَّصِيبِ. فَزِدْ على سِهَامِ البَنِينَ سَهْمًا ورُبْعًا، واضْرِبْهُ في أرْبَعةٍ، تكُنْ سَبْعَةَ عَشَرَ، لِلْوَصِىِّ سَهْمانِ، ولكلِّ ابْنٍ خَمْسَةٌ. وبالجَبْرِ، تَأْخُذُ مالًا، وتَدْفَعُ منه نَصِيبًا إلى المُوصَى له، وتَسْتَثْنِى منه رُبْعَ الباقِى، وهو رُبْعُ مالٍ إلَّا رُبْعَ نَصِيبٍ، صارَ معك مالٌ ورُبْعٌ إلَّا نَصِيبًا ورُبْعًا، يَعْدِلُ أنْصِبَاء البَنِين، وهى ثَلَاثةٌ، اجْبُرْ وقابِلْ، يَخْرُجِ النَّصِيبُ خَمْسَةً، والمالُ سَبْعَةَ عَشَرَ. فإن قال: إلَّا رُبْعَ الباقِى بعدَ الوَصِيَّةِ. جَعَلْتَ المَخْرَجَ ثَلَاثةً، وزِدْتَ عليه ثُلُثَه، صارَ أرْبَعةً، فهو النَّصِيبُ، وتَزِيدُ على عَدَدِ البَنِين نَصِيبًا وثُلُثًا، وتَضْرِبُه في ثلاثةٍ، تكُنْ ثَلَاثَةَ عَشَرَ، فهو المالُ. وإن شِئْتَ قلتَ: المالُ كلُّه ثلاثةُ أنْصِبَاء ووَصِيَّةٌ، والوَصِيّةُ هي نَصِيبٌ إلَّا رُبْعَ الباقِى بعدَها، وذلك ثَلَاثَةُ أَرْباعِ نَصِيبٍ، فيبْقَى رُبْعُ نَصِيبٍ، فهو الوَصِيّةُ، وتَبَيَّنَ أنَّ المالَ كلَّه ثَلَاثَةٌ ورُبْعٌ، ابْسُطْها، تكُنْ ثَلَاثةَ عَشَرَ. ولهذه المسائِل طُرُقٌ سِوَى ما ذَكَرْنا. واللهُ أعلمُ. فصل: وإن قال: أَوْصَيْتُ لك بمثل نَصِيبِ أحَدِ بَنِىَّ إلَّا ثُلُثَ ما يَبْقَى من الثُّلُثِ. فَخُذْ مَخْرَجَ الكَسْرِ (٢٢) ثُلُثَ الثُّلُثِ، وهو تِسْعَةٌ وَزِدْ عليها سَهْمًا، تكُنْ عَشرَةً، فهى النَّصِيبُ، وزِدْ على أنْصِبَاءِ البَنِينَ سَهْمًا وثُلُثًا، واضْرِبْ ذلك في تِسْعةٍ، تكُنْ تِسْعَةً وثَلَاثِينَ، ادْفَعْ عَشرَةً إلى الوَصِىِّ، واستَثْنِ منه ثُلُثَ بَقِيَّةِ الثُّلُثِ سَهْمًا، يَبْقَى له تِسْعَةٌ، ولكلِّ ابْنٍ عَشرَةٌ. وإن قال: إلَّا ثُلُثَ ما يَبْقَى من الثُّلُثِ بعدَ الوَصِيّةِ. جَعَلْتَ المالَ سِتَّةً، وزِدْتَ عليها سَهْمًا، صارَتْ سَبْعةً، فهذا هو النَّصِيبُ، وَزِدْتَ على أنصِباءِ البَنِينَ سَهْمًا ونِصْفًا،

стр. 4239

وَضَربْتَه في سِتَّةٍ، صار سَبْعةً وعِشرِينَ، ودَفَعْتَ إلى الوَصىِّ سَبْعةً، وأخَذْتَ منه (٢٣) نِصْفَ بَقِيّةِ الثُّلُثِ، بَقِىَ معه سِتّةٌ، وبَقِىَ أحَدٌ وعِشْرُونَ، لكلِّ ابْنٍ سَبْعةٌ، وإنَّما كان كذلك، لأنَّ الثُّلُثَ بعد الوَصِيَّةِ هو النِّصْفُ بعدَ النَّصِيبِ، ومتى أطْلَقَ الاسْتِثْناءَ، فلم يَقُلْ: بعد النَّصِيبِ ولا بعد (٢٤) الوَصِيّةِ. فعند الجُمْهُورِ يُحْمَلُ على ما بعدَ النَّصِيبِ، وعند محمدِ بن الحَسَنِ والبَصْرِيِّينَ يكونُ بعدَ الوَصِيّةِ. فصل: فإن قال: إلَّا خُمْسَ ما يَبْقَى من المالِ بعدَ النَّصِيبِ، ولآخَرَ بثُلُثِ ما يَبْقَى من المالِ بعد وَصِيَّةِ الأوَّلِ، فَخُذِ المَخْرَجَ (٢٥) خَمْسةً، وَزِدْ عليها خُمْسَها، تكُنْ سِتّةً، انْقُصْ ثُلُثَها من أجْلِ الوَصِيَّةِ بالثُّلُثِ، يَبْقَى أرْبَعةٌ، فهى النَّصِيبُ، ثم خُذْ سَهْمًا، وزِدْ عليه خَمْسةً، وانْقُصْ من ذلك ثُلُثَه، يَبْقَى أرْبَعةُ أخْماسٍ، زِدْها على أنْصِبَاء البَنِينَ، واضْرِبْها في خَمْسةٍ، تَصِرْ تِسْعةَ عَشَرَ، فهى المالُ، ادْفَعْ إلى الأَوَّلِ أرْبَعةً، واسْتَثْنِ منه خُمْسَ (٢٦) الباقِى ثَلَاثَةٌ، يَبْقَ معه سَهْمٌ، فادْفَعْ إلى الآخَرِ ثُلُثَ الباقى سِتّةً، يَبْقَ اثْنَا عَشَرَ، لكلِّ ابْنٍ أرْبَعةٌ. وبالجَبْرِ خُذْ مالًا، وأَلْقِ منه نَصِيبًا، واسْتَرْجِعْ منه خُمْسَ الباقِى، يَصِرْ معك مالٌ وخُمْسٌ إلَّا نَصِيبًا وخُمْسًا، أَلْقِ منه (٢٧) ثُلُثَ ذلك، يَبْقَ أرْبَعةُ أخْماسِ مالٍ إلَّا أَرْبَعةَ أخْماسِ نَصِيبٍ، تَعْدِلُ ثلاثَةَ أنْصِبَاء، اجْبُرْ وقابِلْ وابْسُطْ، يكنِ المالُ تِسْعَةَ عَشَرَ، والنَّصِيبُ أرْبَعةً. وإن شِئْتَ قُلْتَ: أنْصِبَاءُ البَنِين ثَلَاثَةٌ، وهى بَقِيَّةُ مالٍ ذَهَبَ ثُلُثُه، فَزِدْ عليه نِصْفَه، يَصِرْ أرْبَعةَ أنْصِباءَ ونِصْفًا ووَصِيَّةً، والوَصِيَّةُ هي نَصِيبٌ إلَّا خُمْسَ الباقِى، وهو نِصْفُ نَصِيبٍ وخُمْسُ [نَصِيبٍ، وخُمْسُ] (٢٨) وَصِيّةٍ، أسقِطْهُ من النَّصِيبِ، يَبْقَ خُمْسُ نَصِيبٍ وعُشْرُ

стр. 4240

نَصِيبٍ إلَّا خُمْسَ وَصِيَّةٍ، تَعْدِلُ وَصِيّةً، اجْبُرْ وقابِلْ وابْسُطْ، تَصِر ثَلَاثةً من النَّصِيبِ، تَعْدِلُ اثْنَى عَشَرَ سَهْمًا من الوَصِيَّةِ، وهى تَتّفِقُ بالأَثْلَاثِ، فرُدَّها على وَفْقِهَا، تَصِر سَهْمًا، يَعْدِلُ أرْبَعةً، فالوَصِيَّةُ سَهْمٌ، والنَّصِيبُ أرْبَعةٌ، فابْسُطْها، تكُنْ تِسْعَةَ (٢٩) عَشَرَ. فإن كان الاسْتِثْناءُ بعدَ الوَصِيَّةِ، قلتَ: المالُ أرْبَعةُ أسْهُمٍ ونِصْفُ وَصِيَّة، وهي نَصِيبٌ إلَّا خُمْسَ الباقِى، وهو تِسْعةُ أعْشارِ نَصِيبٍ، يَبْقَى عُشْرُ نَصِيبٍ، فهو الوَصِيَّةُ. فَابْسُطِ الكُلَّ أعْشارًا تَكُن الأنْصِبَاءُ خَمْسةً وأرْبَعِينَ، والوَصِيَّةُ سَهْمٌ. وإن كان اسْتَثْنَى خُمْسَ المالِ كلَّه، فالوَصِيَّةُ عُشْرُ نَصِيبٍ إلَّا خُمْسَ وَصِيَّةٍ، اجْبُرْ يَصِرِ العُشْرُ يَعْدِلُ وَصِيَّةً وخُمْسًا، ابْسُطْ يَصِرِ النَّصِيبُ سِتِّينَ، والوَصِيّةُ خَمْسةً، والمالُ كلُّه مائتَانِ وخَمْسةٌ وسَبْعُونَ، ألْقِ منها سِتِّينَ، واسْتَرْجِعْ منه خُمْسَ المالِ، وهو خَمْسةٌ وخَمْسُونَ، يَبْقَ له خَمْسةٌ، وللآخَرِ ثُلُثَا الباقِى تِسْعُونَ، ويَبْقَى مائةٌ وثَمانُونَ، لكلِّ ابنٍ سِتُّونَ، وتَرْجِعُ بالاخْتِصارِ إلى خُمْسِها، وذلك خَمْسةٌ وخَمْسُونَ، لِلْوَصِىِّ الأوَّلِ سَهْمٌ، وللثانى ثمانِيةَ عَشَرَ، ولكلِّ ابنٍ اثنا عَشَرَ. وبالجَبْرِ، تَأْخُذُ مالًا تُلْقِى منه نَصِيبًا، وتَزِيدُ على المالِ خَمْسةً، يَصِرْ مالًا وخُمْسًا إلَّا نَصِيبًا، ألْقِ ثُلُثَ ذلك، يَبْقَ أرْبَعةُ أخْماسِ مالٍ إلَّا ثُلُثَىْ نَصِيبٍ، يَعْدِلُ ثَلَاثةً، اجْبُرْ وقابِلْ وابْسُطْ، يكُنِ المالُ ثمانِيةَ عَشَرَ وثُلُثًا، اضْرِبْها في ثلاثةٍ، لِيَزُولَ الكَسْرُ، يَصِرْ خَمْسةً وخَمْسِينَ. وإن كان اسْتَثْنَى الخُمْسَ كلَّه، وأَوْصَى بالثُّلُثِ كلِّه، فخُذْ مَخْرَجَ الكَسْرَيْنِ خَمْسةَ عَشَرَ، وزِدْ عليها خُمْسَها، ثم انْقُصْ ثُلُثَ المالِ كلَّه، يَبْقَ ثَلَاثةَ عَشَرَ، فهى النَّصِيبُ، وزِدْ على أَنْصِباءِ البَنِين سَهْمًا، واضْرِبْه في المالِ، يَكُنْ سِتِّينَ، وهو المالُ. وإن كان اسْتَثْنَى خُمْسَ الباقِى، وأَوْصَى بثُلُثِ المالِ كلِّه، فالعَمَلُ كذلك، إلَّا أنَّك تَزِيدُ على سِهَامِ البَنِينَ سَهْمًا وخُمْسًا، وتَضرِبُها، تكُنْ ثلاثةً وسِتِّينَ، فإن كان اسْتَثْنَى خُمْسَ ما بَقِىَ من الثُّلُثِ، زِدْتَ على الخَمْسَة عَشَرَ سَهْمًا واحِدًا، فصارتْ سِتَّةَ عَشَرَ، ثم نَقَصْتَ ثُلُثَ المالِ كلَّه، بَقِىَ أحَدَ عَشَرَ، فهى النَّصِيبُ، ثم زِدْتَ
следующие страницы →