عشرَ يَومًا، فأقْصَرُ ما يكونُ الشَّهْرُ سِتَّةَ عشرَ يومًا، وأكثرهُ لا حَدَّ له (١٦)؛ لِكَوْنِ أكْثَرِ الطُّهْرِ لا حَدَّ له، والغَالِبُ أنَّه الشَّهْرُ المعروفُ بينَ النَّاسِ، فإذا عَرَفَتْ أنَّ شَهْرَها ثلاثون يومًا، وأنَّ حَيْضَها منه خمسةُ أيَّامٍ، وطُهْرَها خمسةٌ وعشرون، وعَرَفَتْ أوَّلَه، فهى مُعْتَادَةٌ، وإنْ عَرَفَتْ أيَّامَ حَيْضِها، وأيَّامَ طُهْرِها، فقد عَرَفَتْ شهرَها، وإنْ عَرَفَتْ أيَّامَ حَيْضِها ولم تَعْرِف أيَّامَ طُهْرِها، أو أيَّامَ طُهْرِها ولم تَعْرِفْ أيَّامَ حَيْضِها، فليستْ مُعْتَادَةً، لكنَّها متى جَهِلَتْ شهرَها، رَدَدْنَاها إلى الغالِبِ، فحيَّضْناها مِنْ كُلِّ شَهْرٍ حَيْضَةً، كما رَدَدْنَاها في عَدَدِ أيَّامٍ الحَيْضِ إلى سِتٍّ أو إلى سَبْعٍ، لِكَوْنِهِ الغَالِبَ.
فصل: القِسْمُ الثَّالِث مِن أقسامِ المُسْتَحَاضَةِ: مَنْ لها عادَةٌ وتَمْيِيزٌ، وهى مَنْ كانتْ لها عَادَةٌ فاسْتُحِيضَتْ، ودَمُها مُتَمَيِّزٌ، بعضُه أسودُ وبعضُه أحمرُ، فإنْ كان الأسودُ في زَمَنِ العادَةِ فقد اتفَقَتِ العادَةُ والتَّمْيِيزُ في الدَّلالةِ، فيُعْمَلُ بهما. وإنْ كان أكْثَرَ مِن العادَةِ أو أقَلَّ ويصْلُحُ أنْ يكونَ حَيْضًا، ففيه رِوايتَان: إحْدَاهُما، يُقَدَّمُ التَّمْيِيزُ، فيُعْمَلُ به، وتدَعُ العادَةَ، وهو ظاهِرُ كلامِ الْخِرَقِىِّ؛ لِقَولِه: "فَكَانَتْ مِمَّنْ تُمَيِّزُ تَرَكَتِ الصَّلَاةَ في إقْبَالِهِ". ولم يُفَرِّقْ بينَ مُعْتَادَةٍ وغيرِها. واشْتَرَطَ في رَدِّها إلى العادَةِ أنْ لا يكونَ دَمُها مُنْفَصِلًا (١٧)، وهو ظاهِرُ مذهبِ الشَّافِعِىِّ؛ لأنَّ صِفَةَ الدَّمِ أمَارَةٌ قَائِمَةٌ به، والعادَةُ زَمَانٌ مُنْقَضٍ، ولأنَّه خَارِجٌ يُوجِبُ الغُسْلَ، فرَجَعَ إلى صِفَتِهَ عندَ الاشْتِبَاهِ كالمَنِىِّ. وظَاهِرُ كلامِ أحمدَ اعْتِبَارُ العادَةِ. وهو قَوْلُ أكْثَرِ الأصْحَابِ؛ لأنَّ النَّبِىَّ ﷺ رَدَّ أُمَّ حَبِيبَةَ، والمَرْأةَ الَّتِى اسْتَفْتَتْ لها أُمُّ سَلَمَة، إلى العادَةِ، ولم يُفَرِّقْ ولم يَسْتَفْصِلْ بينَ كَوْنِها مُمَيِّزَةً أو غيرَها، وحديثُ فاطمةَ قد رُوِىَ فيه رَدُّها إلى العادَةِ، وفى لَفْظٍ آخَرَ رَدُّها إلى التَّمْيِيزِ، فتعارَضَتْ رِوَايتاهُ (١٨)، وبَقِيت الأحادِيثُ الباقِيَةُ خَالِيةً عن مُعَارِض، فيَجِبُ العَمَلُ بها. على أنَّ حديثَ
стр. 457
فاطمةَ قَضِيَّةٌ في (١٩) عَيْنٍ، وحِكَايَةُ حَالٍ، يَحْتَمِلُ أنَّها أخْبَرَتْهُ أنَّها لا عادَةَ لها، أو عَلِمَ ذلك مِنْ غَيْرِها، أو قَرِيَنةِ حَالِها، وحَدِيثُ عَدِيٍّ بنِ ثَابِتٍ عَامٌّ في كُلِّ مُسْتَحَاضَةٍ، فيكونُ أوْلَى، ولِأنَّ العادَةَ أقْوَى؛ لِكَوْنِها لا تَبْطُلُ دَلَالَتُها، واللَّوْنُ إذا زَادَ على أكْثَرِ الحَيْضِ، بَطَلَتْ دَلَالَتُه، فما لا تَبْطُلُ دَلَالَتُه أقْوَى وأَوْلَى.
فصل: ومَنْ كان حَيْضُها خمسةَ أيَّامٍ مِنْ أوَّلِ كُلِّ شهرٍ، فاسْتُحِيضَتْ، وصارتْ تَرَى ثلاثةَ أيَّامٍ دَمًا أسودَ في أَوَّلِ كُلِّ شهرٍ، فمَنْ قَدَّمَ العادَةَ قال: تَجْلِسُ خمسةً في كُلِّ شهرٍ، كما كانتْ تَجْلِسُ قبلَ الاسْتِحَاضَةِ. ومَنْ قَدَّمَ التَّمْيِيزَ جعل (٢٠) حَيْضَها الثَّلَاثَةَ التي تَرَى الدَّمَ (٢٠) الأسودَ فيها، إلَّا أنَّها لا تَتْرُك الصَّلاةَ في الشَّهْرِ الأوَّلِ فيما زادَ على الثَّلَاثَةِ؛ لأنَّا لا نَعْلَمُ أنَّها مُسْتَحَاضَةٌ إلَّا بِتَجَاوُزِ الدَّمِ أكْثَرَ الحَيْضِ، ولا نَعْلَمُ ذلك في الشَّهْرِ الأوَّلِ، فإذا عَبَرَ الدَّمُ أكْثَرَ الحَيْضِ في الشَّهْرِ الأوَّلِ عَلِمْنَا أنَّهُ اسْتِحَاضَةٌ. فلا تَجْلِسُ في الثَّانِى ما زاد على الدَّمِ الأسودِ. فإنْ رَأَتْ في كُلِّ شهرٍ عشرةً دَمًا أسودَ، ثم صارَ أحمرَ واتَّصَلَ، فمَنْ قال: إنَّها لا تَلْتَفِتُ إلى ما زاد على العادَةِ حتى تَتَكَرَّرَ. لم يُحَيِّضْها في الشَّهْرَيْنِ الأوَّلَيْنِ أو الثَّلَاثةِ إلَّا خمسةً، قَدْرَ عادَتِها. ومَنْ قال: إنَّها إذا زَادَتْ على العَادَةِ جَلَسَتْهُ بِأَوَّلِ مَرَّةٍ. أجْلَسَها في الشهرِ الأوَّلِ خمسةَ عشرَ يومًا، ثم تَغْتَسِلُ وتُصَلِّى، وفى الثَّانِى تَجْلِسُ أيَّامَ العادَةِ، وهى الخمسةُ الأُولَى مِن الشهرِ عندَ مَنْ يُقَدِّمُ العادَةَ على التَّمْيِيزِ، ومَنْ قَدَّمَ التَّمْيِيزَ ولم (٢١) يَعْتَبِرْ فيه التَّكرارَ، أجْلَسَها العشرةَ كُلَّهَا. فإذا تَكَرَّرَ ثلاثةَ أَشْهُرٍ على هذا الوَصْفِ، فقال القاضي: تَجْلِسُ العشرةَ في الشهرِ الرَّابِعِ، على الرِّوَايَتَيْنِ جَمِيعًا؛ لأنَّ الزِّيَادَةَ على العادَةِ تَثْبُتُ بِتَكَرُّرِ الأسودِ. ويَحْتَمِلُ أنْ لا تَجْلِسَ زِيَادَةً على عادَتِها على قَوْلِ مَنْ يُقَدِّمُ العادَةَ على التَّمْيِيزِ؛ لأنَّا لو جَعَلْنا الزَّائِدَ على العادَةِ مِن التَّمْيِيزِ حَيْضًا بِتَكَرُّرِهِ، لَجَعَلْنَا النَّاقِصَ عنها اسْتِحَاضَةً بِتَكَرُّرِه، فكانتْ لا تَجْلِسُ
стр. 458
فيما إذا رَأتْ ثلاثةً أسودَ ثم صارَ أحمرَ، أكْثَرَ مِن الثلاثةِ، والأمْرُ بِخِلافِ ذلك.
فصل: فإنْ كان حَيْضُها خَمْسًا مِنْ أوَّلِ شهرِها (٢٢) فَاسْتُحِيضَتْ، فصارتْ تَرَى خَمْسًا (٢٣) أسودَ ثم يَصِيرُ أحمرَ، ويَتَّصِلُ، فالأسودُ حَيْضٌ بِلا خِلَافٍ؛ لِمُوافَقَتِه زَمَنَ العادَةِ والتَّمْيِيزِ، وإنْ رأتْ مَكانَ الأسودِ أحمرَ، ثم صارَ أسودَ، وعَبَرَ، سَقَطَ حُكْمُ الأسودِ؛ لِعُبُورِهِ أكْثَرَ الحَيْضِ، وكان حَيْضُها الأحمرَ؛ لِمُوَافَقَتِه زَمَنَ العادَةِ. وإنْ رأتْ مَكانَ العادَةِ أحمرَ، ثم خمسةً أسودَ، ثم صارَ أحمرَ واتَّصَلَ، فمَنْ قَدَّمَ العادَةَ حَيَّضَها أيَّامَ العادَةِ. وإذا تَكَرَّرَ الأسودُ، فقال القاضي: يَصِيرُ حَيْضًا. وأمَّا مَنْ يُقَدِّمُ التَّمْيِيزَ، فإنَّه يَجْعَلُ الأسودَ وَحْدَهُ حَيْضًا.
٩٤ - مسألة؛ قال: (فإنْ كانتْ لَهَا أَيَّامٌ أُنسِيَتْهَا، فإنَّهَا تَقْعُدُ سِتًّا أوْ سَبْعًا في كُلِّ شَهْرٍ)
هذه مِن القسمِ الرَّابِعِ مِنْ أقسامِ المُسْتَحَاضَةِ، وهى مَنْ لا عادَة لها ولا تَمْيِيزَ، وهذا القِسْمُ نَوْعَان: أحَدُهُما النَّاسِيَةُ، ولها ثلاثةُ أحْوَالٍ: أحَدُها، أنْ تكونَ نَاسِيةً لِوَقْتِها وعَدَدِها، وهذه يُسَمِّيها الفُقَهَاءُ المُتَحَيِّرَةَ. والثَّانِيَةُ، أنْ تَنْسَى عددَها، وتَذْكُرَ وَقْتَها. والثَّالِثَةُ، أنْ تَذْكُرَ عَدَدَها، وتَنْسَى وَقْتَها.
فالنَّاسِيَةُ لهما، هي التي ذَكَرَ الْخِرَقِىُّ حُكْمَها، وأنَّها تَجْلِسُ في كُلِّ شهرٍ سِتَّةَ أيَّامٍ أو سَبْعَة، يكونُ ذلك حَيْضُها، ثم تَغْتَسِلُ، وهى فيما بعدَ ذلك مُسْتَحَاضَةٌ، تَصُومُ وتُصَلِّى وتَطُوفُ. وعن أحمدَ: أنَّهَا تَجْلِسُ أقَلَّ الحَيْضِ، ثم إنْ كانتْ تَعْرِفُ شَهْرَها، وهو مُخَالِفٌ لِلشَّهْرِ المَعْرُوفِ، جَلَسَتْ ذلك مِن شهرِها، وإنْ لم تَعْرِفْ شهرَها، جَلَسَتْ مِن الشهرِ المَعْرُوفِ، لأنَّهُ الغَالِبُ. وقال الشَّافِعِىُّ في النَّاسِيَةِ لهما: لا حَيْضَ لها بِيَقِينٍ، وجَمِيعُ زَمَنِها مَشْكُوكٌ فيه، تَغْتَسِلُ لِكُلِّ صَلَاةٍ، وتُصَلِّى وَتصُومُ، ولا يَأْتِيها زَوْجُها. وله قَوْلٌ آخَرُ، أنَّها تَجْلِسُ اليَقِينَ. وقال بعضُ أصْحَابِه: الأوَّلُ أَصَحُّ؛ لأنَّ هذه لها أيَّامٌ مَعْرُوفَةٌ، ولا يُمْكِنُ رَدُّها إلى
وتُصَلِّينَ الظُهْرَ والعَصْرَ جَمِيعًا، ثُمَّ تُؤَخِّرِينَ المَغْرِبَ وتُعَجِّلِينَ العِشَاءَ، ثُمَّ تَغْتَسِلِينَ وتَجْمَعِينَ بَيْنَ الصَّلَاتَيْنِ، وتَغْتَسِلِينَ لِلصُّبْحِ، فَافْعَلِى، وصُومِى إنْ قَوِيتِ عَلَى ذَلِكَ". وقال (٨) رسولُ اللهِ ﷺ : "وَهُوَ أَعْجَبُ الأَمْرَيْنِ إلَىَّ". رَوَاهُ أبو داود، والتِّرْمِذِىُّ (٩)، وقال: هذا حديثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ. قال: وسَأَلْتُ محمدًا (١٠) عنه، فقال: هو حَدِيثٌ حَسَنٌ (١١). وحَكىَ ذلك عن أحمدَ أيضًا. وهو بِظَاهِرِه يُثبِتُ الحُكْمَ في حَقِّ النَّاسِيَةِ؛ لأنَّ النَّبِىَّ ﷺ لم يَسْتَفْصِلْها، هل هىَ مُبْتَدَأَة أو نَاسِيَة؟ ولو افْتَرَقَ الحالُ لاسْتَفْصَلَ وسَأَلَ. واحْتِمَالُ أنْ تكونَ نَاسِيَةً أكْثرُ، فإنَّ حَمْنَةَ امْرَأَةٌ كَبِيرَةٌ، كذلك قال أحمدُ. ولم يَسْأَلْها النَّبِىُّ ﷺ عن تَمْيِيزِها؛ لأنَّه قد جرى مِنْ كَلَامِها، مِنْ تَكْثِيرِ الدَّمِ وصِفَتِه ما أَغْنَى عن السُّؤَالِ عنه، ولم يَسْألْها هل لها عَادَةٌ فَيَرُدُّهَا إليها؟ لاسْتِغْنَائِهِ عن ذلك، لِعِلْمِه إيَّاهُ، إذ كان مُشْتَهَرًا، وقد أمَرَ به أُخْتَها أُمَّ حَبِيبةَ، فلم يَبْقَ إلَّا أن تكونَ نَاسِيَةً، ولأنَّ (١٢) لها حَيْضًا لا تَعْلَمُ قَدْرَه، فيُرَدُّ إلى غالِبِ عاداتِ النِّسَاءِ، كالمُبْتَدَأةِ، ولأنَّها لا عادَةَ لها ولا تَمْيِيزَ، فأَشْبَهَتِ المُبْتَدَأَةَ. وقوْلُهم: لها أيَّامٌ مَعْرُوفَةٌ. قُلْنا: قد زَالَتِ المَعْرِفَةُ، فصارَ وُجُودُها كعَدَمِها (١٣). وأمَّا أمْرُهُ (١٤) أُمَّ حَبِيبةَ بالغُسْلِ لِكُلِّ صَلَاةٍ، فإنَّما هو نَدْبٌ، كأمْرِه لِحَمْنَةَ في هذا الخَبَر، فإنَّ أمَّ حَبِيبةَ كانتْ مُعْتَادَةً رَدَّهَا إلى عَادَتِها، وهى التي اسْتَفْتَتْ لها أُمُّ سَلَمَةَ، على أنَّ حَدِيثَ أُمِّ حَبِيبةَ إنَّمَا رُوِىَ عن الزُّهْرِىِّ، وأنْكَرَهُ اللَّيْثُ بنُ سَعْدٍ، فقال: لم يَذْكُرْ ابنُ شِهَابٍ أنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ أمَرَ أُمَّ حَبِيبةَ أنْ تَغْتَسِلَ لِكُلِّ صلاةٍ، ولكنَّه شيءٌ فَعَلَتْه هي.
стр. 461
فصل: قولُه: "سِتًّا أوْ سَبْعًا" الظَّاهِرُ أنَّهُ رَدَّهَا إلى اجْتِهَادِها (١٥) ورَأْيها، فيما يَغْلِبُ على ظَنِّها أنَّه أقْرَبُ إلى عادَتِها أو عادَةِ نِسَائِها، أو ما يكونُ أشْبَهَ بكَوْنِه حَيْضًا. ذَكَرَهُ القاضي في بعضِ المَوَاضِعِ، وذَكَرَ في مَوْضِعٍ آخَرَ أنَّه خَيَّرهَا بَيْنَ سِتٍّ وسَبْعٍ، لا على طَرِيقِ الاجْتِهَادِ، كما خَيَّرَ وَاطِىءَ الحائِضِ بينَ التَّكْفِيرِ بِدِينَارٍ أوْ نِصْفِ دِينَارٍ، بدَلِيلِ أنَّ حَرْفَ "أو" لِلتَّخْيِيرِ. والأوَّلُ إنْ شاء اللهُ أصَّحُّ؛ لأنَّا لو جَعَلْنَاها مُخَيَّرَةً أفْضَى إلى تَخْيِيرِها في اليومِ السَّابِع بينَ أنْ تكونَ الصَّلَاةُ عليها وَاجِبَةً وبينَ كَوْنِهَا مُحَرَّمَةً، وليس إليها (١٦) فِي ذَلِكَ خِيَرَةٌ بحالٍ. أَمَّا التَّكْفِيرُ فَفِعْلٌ اخْتِيَارِىٌّ، يُمْكِنُ التَّخْييرُ فيه بينَ إخْرَاجِ دِينَارٍ أو نِصْفِ دِينَارٍ، والوَاجِبُ نصفُ دينارٍ في الحَالَيْن؛ لأنَّ الوَاجِبَ لا يتَخَيَّرُ بينَ فِعْلِه وتَرْكِه. وقَوْلُهُم: إنَّ "أْو" لِلتَّخْيِيرِ. قُلْنا: وقد يكونُ لِلاجْتِهَاد، كقولِ اللَّه تعالى: ﴿فَإِمَّا مَنًّا بَعْدُ وَإِمَّا فِدَاءً﴾ (١٧). و"إمَّا" كـ "أو" في وَضْعِها، وليس لِلإِمامِ في الأسْرَى إلَّا فِعْلُ ما يُؤَدِّيه إليه اجْتِهادُه أنَّه الأصْلَحُ.
فصل: ولا تَخْلُو النَّاسِيَةُ مِن أنْ تكونَ جاهِلَةً بِشهرِها، أو عَالِمَةً به، فإنْ كانتْ جاهِلَةً بِشهرِها، رَدَدْنَاها إلى الشهر الهِلَالِىِّ، فحَيَّضْنَاها في كُلِّ شهرٍ حَيْضَة؛ لِحَدِيثِ حَمْنَةَ، ولأنَّه الغَالبُ، فتُرَدُّ إليه، كرَدِّها إلى السِّتِّ والسَّبْعِ. وإنْ كانتْ عَالِمةً بشهرِها، حَيَّضَنَاهَا في كُلِّ شهرٍ مِن شُهُورِها حَيْضَةً؛ لأنَّ ذلك عادَتُها، فتُرَدُّ إليها، كما تُرَدُّ المُعْتَادَةُ إلى عادَتِها في عَدَدِ الأيَّامِ، إلَّا أنَّها متى كانَ شهرُها أقَلَّ مِنْ عشرِينَ يومًا، لم نُحَيِّضْها منه أكْثَرَ مِن الفَاضِلِ عن ثلاثةَ عشرَ يومًا، أو خمسةَ عشرَ يومًا؛ لأنَّها لو حَاضَتْ أكْثَرَ مِن ذلك، لَنَقَصَ طُهْرُها عن أقَلِّ الطُّهْرِ، ولا سَبِيلَ إليه. وهل تَجْلِسُ أيَّامَ حَيْضِها مِنْ أوَّلِ كُلِّ شهرٍ، أو بالتَّحَرِّى والاجْتِهَادِ؟ فيه وَجْهان: أحدُهما، تَجْلِسُه مِنْ أوَّلِ كُلِّ شهرٍ إذا كان يَحْتَمِلُ؛ لأنَّ النَّبِىَّ ﷺ
стр. 462
قال لِحَمْنةَ: "تَحَيَّضِى سِتَّةَ أيَّامٍ، أوْ سَبْعَةَ أيَّامٍ، في عِلْمِ اللهِ، ثُمَّ اغْتَسِلِى وصَلِّى أَرْبَعًا وعِشْرِينَ لَيْلَةً، أوْ ثَلَاثَةً وعِشْرِينَ لَيْلَةً وأيَّامَهَا". فقَدَّمَ حَيْضَها على الطُّهْرِ، ثم أمَرَها بالصَّلاةِ والصَّوْمِ في بَقِيَّتِه، ولأنَّ (١٨) المُبْتَدأَةَ تَجْلِسُ مِن أَوَّلِ الشهرِ، مع أنَّه لا عادَةَ لها، فكذلك النَّاسِيَةُ، ولأنَّ دَمَ الحَيْضِ دَمُ جِبِلَّةٍ، والاسْتِحَاضَةُ عَارِضَةٌ، فإذا رَأَتِ الدَّمَ، وَجَبَ تَغْلِيبُ دَمِ الحَيْضِ. والوَجْهُ الثَّانِى، أنَّها تَجْلِسُ أيَّامَها مِن الشهرِ بالتَّحَرِّى والاجْتِهَادِ. وهذا قَوْلُ أبى بكرٍ، وابْنِ أبى موسى؛ لأنَّ النَّبِىَّ ﷺ رَدَّهَا إلى اجْتِهَادِها في القَدْرِ بِقَوْلِه: "سِتًّا أو سَبْعًا". فكذلك في الزَّمَانِ، ولأنَّ لِلتَّحَرِّى (١٩) مَدْخَلًا في الحَيْضِ، بدليلِ أنَّ المُمَيِّزَةَ تَرْجِعُ إلى صِفَةِ الدَّمِ. فكذلك في زَمَنِه، فإنْ تَسَاوَى عِنْدَها الزَّمَانُ كُلُّه، ولم يَغْلِبْ على ظَنِّها شيءٌ، تَعَيَّنَ إجْلاسُها مِنْ أوَّلِ الشهرِ؛ لِعَدَمِ الدَّلِيلِ فيما سِوَاهُ.
القِسْمُ الثَّانِى، النَّاسِيَةُ لِعَدَدِهَا دُونَ وَقْتِها، كالتى تَعْلَمُ أنَّ حَيْضَها في العشرِ الأُوَلِ مِن الشهرِ، ولا تَعْلَمُ عَدَدَه، فهى في قَدْرِ ما تَجْلِسُه كالمُتَحَيِّرَةِ، تَجْلِسُ سِتًّا أوْ سَبْعًا، في أصَحِّ الرِّوَايَتَيْن، إلَّا أنَّها تَجْلِسُها مِن العَشْرِ دُونَ غيرِها، وهل تَجْلِسُها مِنْ أوَّلِ العَشْرِ، أو بالتَّحَرِّى؟ على وَجْهَيْن. وإنْ قالتْ: أعْلَمُ أنَّنِى كُنْتُ أوَّلَ الشَّهْرِ حائِضًا، ولا أعْلَمُ آخِرَه. أو أنَّنِى كُنْتُ آخِرَ الشَّهْرِ حائِضًا ولا أعْلَمُ أوَّلَه. أو لا أَعْلَمُ هل كان ذلك أوَّلَ حَيْضِى أو آخِرَه؟ حَيَّضْنَاهَا اليومَ الذي عَلِمَتْهُ، وأَتَمَّتْ بَقِيَّةَ حَيْضِها مِمَّا بَعْدَه في الصُّورةِ الأُولَى، ومِمَّا قَبْلَه في الثَّانِية، وبِالتَّحَرِّى فِي الثَّالِثَةِ، أو مِمَّا يَلِى أوَّلَ الشَّهْرِ، على اخْتِلَافِ الوَجْهَيْنِ.
القِسْمُ الثَّالِثُ، النَّاسِيَة لِوَقْتِها دُونَ عَدَدِها، وهذه تَتَنَوَّعُ نَوْعَيْن: أحَدُهما، أنْ لا تَعْلَمَ لها وَقْتًا أصْلًا، مِثْلَ أنْ تَعْلَمَ أَنَّ حَيْضَها خمسةُ أيَّامٍ، فإنَّها تَجْلِسُ خمسةَ أيَّامٍ (٢٠) مِنْ كُلِّ شهرٍ؛ إمَّا مِنْ أوَّلِه، أو بِالتَّحَرِّى، على اخْتِلافِ الوَجْهَين. والثَّانِى،
стр. 463
أنْ تَعْلَمَ لها وَقْتًا، مِثْلَ أنْ تَعْلَمَ أنَّها كانتْ تَحِيضُ أيَّامًا مَعْلُومَةً مِنْ العَشْرِ الأُوَلِ مِنْ كُلِّ شهرٍ، فإنَّها تَجْلِسُ عَدَدَ أيَّامِهَا مِنْ ذلك الوَقْتِ دُونَ غَيْرِه، ثم لا يَخْلُو عَدَدُ أيَّامِها؛ إمَّا أنْ يكونَ زَائِدًا على نِصْفِ ذلك الوَقْتِ، أو لا يَزِيدُ، فإنْ كان زَائِدًا على نِصْفِه، مِثْلَ أنْ تَعْلَمَ أَنَّ حَيْضَها سِتَّةُ أيَّامٍ مِن العَشْرِ الأُوَلِ مِن كُلِّ شهرٍ، أضْعَفْنا الزَّائدَ، فجَعَلْنَاهُ حَيْضًا بِيَقِينٍ، وتَجْلِسُ بَقِيَّةَ أيَّامِها بالتَّحَرِّى في أحَدِ الوَجْهَيْن، وفى الآخَرِ، من أوَّلِ العَشْرِ، ففى هذه المَسْأَلَةِ الزَّائِدُ يَوْمٌ وهو السَّادِسُ، فنُضَعِّفُه، ويكونُ الخامِس والسَّادِسُ حَيْضًا بِيَقِينٍ، لأنَّنا متى عَدَدْنَا لها سِتَّةَ أيَّامٍ مِن أىِّ مَوْضِعٍ كان مِن العَشْرِ، دَخَلَ فيه الخامِسُ والسَّادِسُ، يَبْقَى لها أرْبَعةُ أيَّامٍ، فإنْ أجْلَسْنَاهَا مِن الأوَّلِ، كان حَيْضُها مِن أَوَّلِ العَشْرِ إلى آخِرِ السَّادِسِ، منها يومان حَيْضٌ بِيَقِينٍ، والأرْبعةُ حَيْضٌ مَشْكُوكٌ فيه، والأرْبعةُ البَاقِيَةُ طُهْرٌ مَشْكُوكٌ فيه، وإنْ أجْلَسْناها بالتَّحَرِّى، فأدَّاهَا اجْتِهَادُها إلى أنَّها مِن أوَّلِ الشَّهرِ، فهى كالتِى ذَكَرنا. وإنْ جَلَسَت الأرْبعةَ مِن آخِرِ الشهرِ، كانتْ حَيْضًا مَشْكُوكًا فيه، والأرْبعةُ الأُولَى طُهْرٌ مَشْكُوكٌ فيه. وإنْ قالتْ: حَيْضِى سَبْعَةُ أيَّامٍ مِن العَشْرِ الأُوَلِ. فقد زادتْ يَوْمَيْن على نِصْفِ الوَقْتِ، فَنُضَعِّفُهما، فيَصِيرُ لها أرْبعةُ أيَّامٍ حَيْضًا بِيَقِينٍ، وهى مِنْ أوَّلِ الرَّابِعِ إلَى آخِرِ السَّابِعِ, ويَبْقَى لها ثلاثةُ أيَّامٍ تَجْلِسُها مِنَ أوَّلِ العشرِ الأُوَلِ (٢١)، أو بِالتَّحَرِّى، فيكونُ ذلك حَيْضًا مَشْكُوكًا فيه، ويَبْقَى لها ثَلَاثةٌ، طُهْرًا مَشْكُوكًا فيه، وسَائِرُ الشهرِ طُهْرٌ. وحُكْمُ الحَيْضِ المَشْكُوك فيه حُكْمُ الحَيْضِ المُتَيَقَّنِ، في تَرْكِ العِبادات. وإنْ كان حَيْضُها نِصْفَ الوَقْتِ فما دُونَ، فليس لها حَيْضٌ بِيَقِينٍ؛ لأنَّها متى كانتْ تَحِيضُ خمسةَ أيَّامٍ، احْتَمَلَ أنْ تكونَ الخمسةَ الأُولَى، وأنْ تكونَ الثَّانِيةَ، وأنْ تكونَ بَعْضُها مِن الأُولَى وبَاقِيها مِن الثَّانِية، فتَجْلِسُ خمسةً بالتَّحَرِّى، أو مِن أوَّلِ العشرِ، على اخْتِلَافِ الوَجْهَيْنِ.
فصل: ولا يُعْتَبَرُ التَّكْرَارُ في النَّاسِيَةِ؛ لأنَّها عَرَفَت اسْتِحَاضَتَها في الشَّهْرِ الأوَّلِ، فلا مَعْنَى لِلتَّكْرَارِ.
стр. 464
فصل: وإذا ذَكَرَتِ النَّاسِيَةُ عَادَتَها بعدَ جُلُوسِها في غيرِه، رَجَعَتْ إلى عَادَتِها؛ لأنَّ تَرْكَهَا لِعَارِضِ النِّسْيَانِ، فإذا زَالَ العَارِضُ عادَتْ إلى الأصْلِ. وإنْ تَبَيَّنَ أنَّها كانتْ تَرَكَتِ الصَّلاةَ في غير عَادَتها، لَزِمَها إعادَتُها، ويَلْزَمُها قَضَاءُ ما صَامَتْهُ مِن الفَرْضِ في عَادَتِها، فلو كانتْ عادَتُها ثلاثةً مِن آخِرِ العَشْرِ الأُوَلِ، فجَلَسَت السَّبْعَةَ التي قَبْلَها مُدَّةً، ثم ذَكَرَتْ، لَزِمَها قَضَاءُ ما تركتْ مِن الصَّلاةِ والصِّيامِ المَفْرُوضِ في السَّبْعةِ، وقَضَاءُ ما صَامَتْ مِن الفَرْضِ في الثَّلاثةِ؛ لأنَّها صَامَتْهُ في زَمَنِ حَيْضِها.
٩٥ - مسألة؛ قال: (والمُبْتَدَأُ بِهَا الدَّمُ تحْتَاطُ، فَتجْلِسُ يَوْمًا ولَيْلَةً، وتَغْتَسِلُ وتَتَوَضَّأُ لِكُلِّ صَلَاةٍ وتُصَلِّى. فإن انْقَطَعَ دَمُهَا في خَمْسةَ عَشرَ يَوْمًا، اغْتَسَلَتْ عِنْد انقِطَاعِهِ، وتَفْعَلُ مِثْلَ ذَلِكَ ثَانِيةً وثَالِثَةً. فإنْ كانَ بِمَعْنًى وَاحِدٍ، عَملَتْ عَلَيْهِ وأَعَادَتِ الصَّوْمَ، إنْ كانتْ صَامَتْ فِي هَذِهِ الثَّلَاثِ مِرَارٍ لِفَرْضٍ)
هذا النَّوْعُ الثَّانِى مِن القِسْمِ الرَّابِعِ؛ وهى مَنْ لا عادَةَ لها ولا تَمْيِيزَ، وهى التي بَدَأ بها الحَيْضُ ولم تكنْ حَاضَتْ قَبْلَه؛ والمشهورُ عن أحمدَ فيها أنَّها تَجْلِسُ إذا رأَتِ الدَّمَ، وهى مِمَّنْ يُمْكِنُ أنْ تَحِيضَ، وهى التي لها تِسْعُ (١) سِنِينَ فصاعِدًا، فتتْرُكُ الصَّوْمَ والصلاةَ؛ فإنْ زادَ الدَّمُ على يومٍ وليلةٍ، اغْتَسَلَتْ عَقِيبَ اليومِ والليلةِ، وتَتَوَضَّأُ لِوَقْتِ كُلِّ صلاةٍ، وتُصَلِّى، وتَصُومُ. فإنِ انْقَطَعَ الدَّمُ لأكْثَرِ الحَيْضِ فما دونَ، اغْتَسَلَتْ غُسْلًا ثانيًا عِنْدَ انْقِطَاعِه، وصَنَعَتْ مِثْلَ ذلك في الشهرِ الثَّانِى والثَّالِثِ، فإنْ كانتْ أيَّامُ الدَّمِ في الأشْهُرِ الثَّلَاثَةِ مُتَسَاوِيَةً، صار ذلك عادةً؛ وعَلِمْنَا أنَّها كانتْ حَيْضًا، فيَجِبُ عليها قضاءُ ما صامَتْ مِن الفَرْضِ؛ لأنَّا تَبَيَّنَا أنَّها صَامتْهُ في زَمَنِ الحَيْض. قال القَاضى: المذهبُ عِنْدِى في هذا روَايةٌ وَاحِدَةٌ. قال: وأصحابُنا يَجْعَلُون في قَدْرِ ما تَجْلِسُه المُبْتَدَأَةُ في الشَّهْرِ الأوَّلِ أربَعَ رِواياتٍ: إحْدَاهُنَّ، أَنَّها تَجْلِسُ أقَلَّ الحَيْضِ، والثَّانِيَةُ غَالِبَهُ، والثَّالِثَةُ أكْثَرَهُ، والرَّابِعَةُ عادَةَ نِسَائِها. قال: وليس ههنا مَوْضِعُ الرِّوَايَاتِ، وإنَّما مَوْضِعُ ذلك إذا اتَّصَلَ الدَّمُ، وحَصَلَتْ
стр. 465
مُسْتَحَاضَةً في الشَّهْرِ الرَّابِعِ. وقد نُقِلَ عن أحمدَ ما يَدُلُّ على صِحَّةِ قولِ الأصْحَابِ؛ فرَوَى صَالِح، قال: قال أبى: أوَّلُ ما يَبْدَأُ الدَّمُ بالمَرْأَةِ تَقْعُدُ سِتَّةَ أَيَّامٍ أو سَبْعَةَ أَيَّامٍ، وهو أكْثَرُ ما تَجْلِسُهُ النِّسَاءُ على حَدِيثِ حَمْنَةَ. فَظَاهِرُ (٢) هذا أَنَّها تَجْلِسُ ذلك في أوَّلِ حَيْضِها. وقولُه: أكْثَرُ مَا تَجْلِسُهُ النِّسَاءُ. يَعْنِى أنَّ الغَالِبَ مِن النِّسَاءِ هكذا يَحِضْنَ. ورَوَى حَرْبٌ عنه قال: سألتُ أبا عبدِ اللهِ قلتُ: امْرَأةٌ أوَّلَ ما حَاضتْ اسْتَمَرَّ بها الدَّمُ، كم يَوْمًا تَجْلِسُ؟ قال: إنْ كان مِثْلُهَا مِن النِّسَاءِ مَن يَحِيضُ (٣)، فإنْ شاءتْ جلستْ سِتًّا أو سَبْعًا، حتى يَتَبَيَّنَ لها حَيْضٌ وَوَقْتٌ، وإنْ أرَادَت الاحْتِياطَ، جلستْ يومًا واحِدًا، أوَّلَ مَرَّةٍ حتى تَتَبَيَّنَ وَقْتَها. وقال في مَوْضِعٍ آخَرَ: قالوا هذا، وقالوا هذا، فأيُّها أخَذَتْ فهو جَائِزٌ. ورَوَى الخَلَّالُ، بإسْنَادِهِ، عن عَطَاءٍ، في البِكْرِ تُسْتَحَاضُ، ولا تَعْلَمُ لها قُرْءًا، قال: لِتَنْظُرْ قُرْءَ أُمِّها أو أُخْتِها أو عَمَّتِها أو خَالَتِها، فَلْتَتَرُكِ الصَّلَاةَ عِدَّةَ تلك الأيَّامِ، وتَغْتَسِلُ وتُصَلِّى. قال حَنْبَلٌ: قال أبو عبد اللَّه: هذا حَسَنٌ. واسْتَحْسَنَهُ جِدًّا. وهذا يَدُلُّ على أنَّه أَخَذَ به، وهَذَا قَوْلُ عَطَاءٍ، والثَّوْرِىِّ، والأوْزَاعِىِّ. ورُوِىَ عن أحمدَ: أَنَّها تَجْلِسُ أكْثَرَ الحَيْضِ. إلَّا أنَّ المشهورَ في الرِّوَايَةِ عنه مِثْلُ ما ذَكَرَ الْخِرَقِىُّ؛ وقال مالكٌ وأبو حنيفة، والشَّافِعِىُّ: تَجْلِسُ جميعَ الأيَّامِ التي تَرَى الدَّمَ فيها إلى أكْثَرِ الحَيْضِ، فإن انْقَطَعَ لأَكْثَرِهِ فما دُونَ، فالجميعُ حَيْضٌ؛ لأنَّا حَكَمْنا بأنَّ ابْتِدَاءَ الدَّمِ حَيْضٌ مع جَوَازِ أنْ يكونَ اسْتِحَاضَةً، فكذلك أثْناؤُه، ولأنَّنا حَكَمْنا بِكَوْنِه حَيْضًا، فلا نَنْقُضُ ما حَكَمْنا به بالتَّجْوِيزِ، كما في المُعْتادَة، ولأنَّ دَمَ الحَيْضِ دَمُ جِبِلَّةٍ، والاسْتِحَاضَةُ دَمٌ عَارِضٌ لِمَرَضٍ عَرَضَ؛ وعِرْقٍ انْقَطَعَ، والأصْلُ فيها الصِّحَّةُ والسَّلَامةُ، وأنَّ دَمَها دَمُ الجِبِلَّةِ دُونَ العِلَّةِ. ولَنا، أنَّ في إجْلَاسِها أكْثَرَ مِنْ أقلِّ الحَيْضِ حُكْمًا بِبَرَاءَةِ ذِمَّتِها مِن عِبادةٍ وَاجَبةٍ عليها؛ فلم يُحْكَمْ به أوَّلَ مَرَّةٍ، كالمُعْتَدَّةِ لا يُحْكَمُ بِبَرَاءَةِ ذِمَّتِها مِن العِدَّةِ بأوَّلِ حَيْضَةٍ، ولا يَلْزَمُ اليَوْمُ والليلَةُ،
стр. 466
لأنَّها اليَقِينُ، فلو لم نُجْلِسْها ذلك أدَّى إلى أنْ لا نُجْلِسَها أصْلًا؛ ولأنَّها مِمَّنْ لا عَادَةَ لها ولا تَمْيِيزَ، فلم تَجْلِسْ أكْثَرَ الحَيْضِ، كالنَّاسِيَةِ.
فصل: والمَنْصُوصُ في المُبْتَدَأَةِ اعْتِبارُ التَّكْرَارِ ثلاثًا، فعلى هذا لا تَنْتَقِلُ عن اليَقِينِ في الشهرِ الثَّالِثِ، وقد نَصَّ في المُعْتَادَةِ تَرَى الدَّمَ زِيَادَةً على عَادَتِها على جُلُوسِها الزَّائِد بِمَرَّتَيْنِ، في إحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ عنه، فكذا ههنا، وقد مَضَى تَوْجِيهُهُما. وعلى الرِّوَايَاتِ كُلِّها، إذا انْقَطَعَ الدَّمُ لأكْثَرِ الحَيْضِ فما دُونَ، وكان في الأشْهُرِ الثَّلَاثَةِ على قَدْرٍ وَاحِدٍ، انْتَقَلَتْ إليه، وعَمِلَت عليه، وصارَ ذلك عَادَةً لها، وأعَادَتْ ما صَامَتْهُ مِن الفَرْضِ فيه؛ لأنَّنا تَبَيَّنَا أنَّها صَامَتْهُ في حَيْضِها.
فصل: وإنِ انْقَطَعَ في الأشْهُرِ الثَّلَاثةِ مُخْتَلِفًا، ففى شَهْرٍ انْقَطَعَ على سَبْعٍ، وفى شَهْرٍ على سِتٍّ، وفى شَهْرٍ على خَمْسٍ، نَظَرَتْ إلى أقَلِّ ذلك، وهو الخَمْسُ، فجَعَلَتْه حَيْضًا، [وما زاد عليه لا يكونُ حيضًا] (٤)، حتى يَأْتِىَ عليه التَّكْرَارُ. نَصَّ عليه. وإنْ جاء في الشهرِ الرَّابِعِ سِتًّا أو أكْثَرَ، صارتِ السِّتَّةُ حَيْضًا؛ لتَكْرَارِها (٥) ثلاثًا، وكذلك الحُكْمُ في السَّابعِ إذا تَكَرَّرَ ثلاثًا. ومَنْ قال بِإِجْلاسِها سِتًّا أو سَبْعًا، فإنَّها تجلسُ ذلك مِنْ غير تَكْرَارٍ، ولا تَجْلِسُ ما زاد عليه حتى يَتَكَرَّرَ، ولذلك مَنْ أجْلَسَها عَادَةَ نِسَائِها، فإنَّهُ يُجْلِسُها ما وَافَقَ عَادَتَهُنَّ، مِنْ غيرِ تَكْرَارٍ.
فصل: ومتى أجْلَسْنَاها يومًا وليلةً، أو سِتًّا أو سَبْعًا، أو عَادَةَ نِسَائِها، فرَأَتِ الدَّمَ أكْثَرَ مِن ذلك، لم يَحِلَ لِزَوْجِها وَطْؤُها فيه حتى يَنْقَطِعَ، أو يَتَجَاوَزَ أكْثَرَ الحَيْضِ؛ لأنَّهُ يَحْتَمِلُ أن يكونَ حَيْضًا احْتِمَالًا ظاهِرًا، وإنَّما أمَرْنَاهَا بالصَّوْمِ فيه والصَّلَاةِ احْتِيَاطًا لِبَرَاءَةِ ذِمَّتِها، فيَجِبُ تَرْكُ وَطْئِها احْتِيَاطًا أيضًا. وإنِ انْقَطَعَ الدَّمُ، واغْتَسَلَتْ، حَلَّ وَطْؤُها. وهل يُكْرَهُ؟ على رِوَايَتَيْنِ: إحْدَاهُما، لا يُكْرَهُ؛ لأنَّها رَأَتِ النَّقَاءَ الخَالِصَ، أشْبَهَ غيرَ المُبْتَدَأَةِ. والثَّانِيةُ، يُكْرَهُ؛ لأَنَّنا لا نَأْمَنُ مُعَاوَدَةَ الدَّمِ، فَكُرِهَ وَطْؤُها، كالنُّفَسَاءِ إذا انْقَطَعَ دَمُها لأَقَلَّ مِنْ أربعين يومًا. فإنْ عَاوَدَها
стр. 467
الدَّمُ في زَمَنِ العادَةِ، لم يَطَأْها، نَصَّ عليه؛ لأنَّه زَمَنٌ صَادَفَ زَمَنَ الحَيْضِ، فلم يَجُزِ الوَطْءُ فيه كما لو لم يَنْقَطِعْ. وعنه: لا بَأْسَ بِوَطْئِها. قال الخَلَّالُ: الأحْوَطُ في قَوْلِه، على مَا اتَّفَقُوا عليه دُونَ الأَنْفُسِ الثَّلَاثَةِ، أنَّه لا يَطَؤُها.
٩٦ - مسألة؛ قال: (فَإنِ اسْتَمَرَّ بِهَا الدَّمُ ولَمْ يَتَمَيَّزْ، قَعَدَتْ في كُلِّ شَهْرٍ سِتًّا أوْ سَبْعًا؛ لأنَّ الغَالِبَ مِنَ النَّسَاءِ هَكَذَا يَحِضْنَ)
قَوْلُه: "اسْتَمَرَّ بها الدَّمُ". يَعْنِى زاد على أكْثَرِ الحَيْضِ. وقولُه: "لَمْ يَتَمَيَّزْ". يَعْنِى لم يَكُنْ دَمُها مُنْ فَصِلً ا، على الوَجْهِ الَّذِى ذَكَرْنَاه. فهذه حُكْمُها، أنْ تَجْلِسَ في كُلَّ شَهْرٍ سِتَّةَ أيَّامٍ أو سَبْعَةً. وقَدْ ذَكَرَ الْخِرَقِىُّ عِلَّتَهُ، وهى أنَّ الغَالِبَ مِن النِّسَاءِ هكذا يَحِضْنَ. والظَّاهِرُ أنَّ حَيضَ هذه كحَيْضِ غَالِبِ النِّسَاءِ، فَيَجِبُ رَدُّها إليه، كَرَدِّها في الوَقْتِ إلى حَيْضَةٍ في كُلِّ شَهْرٍ. وهذا أحَدُ قَوْلَىِ الشَّافِعِىِّ، وعن أحمدَ أنَّها تَجْلِسُ يومًا وليلةً مِنْ كُلِّ شَهْرٍ. وهذا القَوْلُ الثَّانِى لِلشَّافِعِىِّ؛ لأنَّ ذلك اليَقِينُ، وما زاد عليه مَشْكُوكٌ فيه. فلا تَزُولُ عن اليَقِينِ بالشَّكِّ. وعنه رِوَايَة ثَالِثَة: أنَّها تَجْلِسُ أكْثَرَ الحَيْضِ. وهو مذهبُ أبى حنيفة؛ لأنَّه زَمَانُ الحَيْضِ، فإذا رَأَتِ الدَّمَ فيه جَلَسَتْهُ، كالمُعْتَادَةِ. وعنه أنَّها تَجْلِسُ عادَةَ نِسَائِها، وهو قَوْلُ عَطَاء، والثَّوْرِىِّ، والأوْزَاعِىِّ؛ لأنَّ الغَالِبَ أنَّها تُشْبِهُهُنَّ في عَادَتِهِنَّ. والأوَّلُ أَوْلَى؛ لِحَدِيثِ حَمْنَةَ، فإنَّ النَّبِىَّ ﷺ رَدَّهَا إلى سِتٍّ أو سَبْعٍ، ولم يَرُدَّها إلى اليَقِينِ، ولا إلى عَادَةِ نِسَائِها، ولا إلى أكْثَرِ الحَيْضِ، ولأنَّ هذه تُرَدُّ إلى غَالِبِ عادَاتِ النَّسَاءِ في وَقْتِها؛ لِكَوْنِها تَجْلِسُ في كُلِّ شَهْرٍ مَرَّةً؛ فكذلك في عَدَدِ أيَّامِها، وبهذا يَبْطُلُ ما ذكرْنَاه لِلْيَقِينِ، ولِعَادَةِ نِسَائِها.
فصل: وهَلْ تُرَدُّ إلى ذلك إذا اسْتَمَرَّ بها الدَّمُ في الشَّهْرِ الرَّابِعِ أو الثَّانِى؟ المنصوصُ أَنَّها لَا تُرَدُّ إلَى سِتٍّ أو سَبْعٍ إلَّا فِي الشَّهْرِ الرَّابِعِ؛ لأنَّا لم نُحَيِّضْها أكْثَرَ مِنْ ذلك إذا لم تكنْ مُسْتَحَاضَةً. فأوْلَى أنْ نَفْعَلَ ذلك إذا كانَتْ مُسْتَحاضَةً. قال القاضي: ويَحْتَمِلُ أنْ تَنْتَقِلَ إليها في الشَّهْرِ الثَّانِى بغيرِ تَكْرَارٍ؛ لأنَّنا قد عَلِمْنَا اسْتِحَاضَتَها، فلا مَعْنَى لِلتَّكْرَارِ في حَقِّها.
стр. 468
فصل: وإنْ كانت التي اسْتَمَرَّ بِها الدَّمُ مُمَيِّزَةً، على ما ذَكَرْنَاهُ فيما مَضَى، جَلَسَتْهُ (١) بِالتَّمْيِيزِ فيما بعدَ الأشْهُرِ الثلاثةِ، وتَجْلِسُ في الثَّلاثةِ اليَقِينَ يومًا وليلةً، إلَّا أنْ نقولَ: العادَةُ تَثْبُتُ بمَرَّتَيْن، فإنَّها تَعُودُ إلى التَّمْيِيزِ في الشَّهْرِ الثَّالِثِ، ويُعْمَلُ به. وقال ابنُ عَقِيلٍ: وعن أحمدَ أنَّها تُرَدُّ إلى التَّمْيِيزِ في الشَّهْرِ الثَّانِى، ولا يُعْتَبَرُ التَّكْرَارُ، فإنَّهُ قال: إذا بَدَأَ بها الحَيْضُ، ولم ينْقَطِعْ عنها الدَّمُ، ولم تَعْرِفْ أيَّامَها، قَعَدَتْ إقْبَالَ الدَّمِ إذا أقْبَلَ سَوَادُه وغِلَظُهُ وريحُه (٢)، فإذا أدْبَرَ وصَفَا وذَهَبَ رِيحُهُ، صَلَّتْ وصَامَتْ، وذلك لأنَّها مُسْتَحَاضَةٌ مُمَيِّزَةٌ، فتُرَدُّ إلى تَمْيِيزِها، كما في الشَّهْرِ الرَّابِعِ، ولا يُعْتَبَرُ التَّكْرَارُ في التَّمْيِيزِ بعدَ أنْ تَعْلَمَ كَوْنَها مُسْتَحَاضَةً، على ما نَصَرْناهُ. وقال القاضي: لا تَجْلِسُ منه إلَّا ما تَكَرَّرَ. فعلى هذا إذا رَأتْ في كُلِّ شَهْرٍ خمسةً أحمرَ ثم خمسةً أسودَ، ثم أحمرَ واتَّصَلَ، جَلَسَتْ زَمَانَ الأسودِ، فكان حَيْضَها، والباقى اسْتِحَاضَة. وهل تَجْلِسُ زمانَ الأسودِ في الشَّهْرِ الثَّانِى أو الثَّالِثِ أو الرَّابِعِ؟ يُخَرَّجُ ذلك على الرِّوَايَاتِ الثَّلَاثِ. ولو رَأَتْ عشرةً أحمرَ، ثم خمسةً أسودَ، ثم أحمرَ واتَّصَلَ، فالحُكْمُ فيها كالتى قَبْلَها، فإنِ اتَّصَلَ الأسودُ، وعَبَرَ أكْثَرَ الحَيْضِ، فليس لها تَمْيِيزٌ، ونُحَيِّضُها مِن الأسودِ؛ لأنَّه أشْبَهُ بِدَمِ الحَيْضِ. ولو رَأَتْ أقَلَّ مِن يومٍ دَمًا أسودَ، فلا تَمْيِيزَ لها؛ لأنَّ الأسودَ لا يَصْلُحُ أنْ يكونَ حَيْضًا، لِقِلَّتِهِ عن أَقَلِّ الحَيْضِ. وإنْ رَأَتْ في الشَّهْرِ الأَوَّلِ أَحمرَ كُلَّه، وفى الثَّانِى والثَّالِثِ والرَّابعِ خمسةً أسودَ، ثم أحمرَ واتَّصَلَ، وفى الخَامِسِ كُلِّه أحمرَ، فإنَّها تجْلِسُ في الأشْهُرِ الثَّلَاثَةِ اليَقِينَ، وفي الرَّابِعِ أيَّامَ الدَّمِ الأسْوَدِ، وفى الخَامِسِ تَجْلِسُ خمسةً أيضًا؛ لأنَّها قد صارَتْ مُعْتَادَةً. وقال القاضي: لا تَجْلِسُ مِن الرَّابعِ إلَّا اليَقِينَ، إلَّا أنْ نَقُولَ بِثُبُوتِ العادَةِ بمَرَّتَيْن. وهذا فيه نَظَرٌ؛ فإنَّ أكْثَرَ ما يُقَدَّرُ فيها أنَّها لا عَادَةَ لها ولا تَمْيِيزَ، ولو كانتْ كذلك، لَجَلَسَتْ سِتًّا أو سَبْعًا، في أصَحِّ الرِّوَايَاتِ، فكذا ههنا. ومَنْ لم يعْتَبِرِ التَّكْرَارَ في التَّمِيْيزِ فهذه مُمَيِّزَة، ومَنْ قال إنَّ المُمَيِّزَةَ تَجْلِسُ بالتَّمْيِيزِ
стр. 469
في الشَّهْرِ الثَّانِى، قال إنَّهَا تَجْلِسُ الدَّمَ الأسودَ في الشَّهْرِ الثَّالِثِ؛ لأنَّها لا تَعْلَمُ أنَّها مُمَيِّزةٌ قَبْلَه، ولو رَأَتْ في شَهْرٍ خمسةً أسودَ، ثم صارَ أحمرَ واتَّصَلَ، وفى الثَّانِى كذلك، وفى الثَّالِثِ كُلِّهِ أحمرَ، والرَّابِعِ رَأَتْ خمسةً أحمرَ، ثم صارَ أسودَ واتَّصَلَ، جَلَسَتِ اليَقِينَ مِن الأشْهُرِ الثَّلاثةِ، والرَّابع لا تَمْيِيزَ لها فيه، فتَصِيرُ فيه إلى سِتَّةِ أيَّامٍ أو سَبْعَةٍ، في أشْهَرِ الرِّوَايَات، إلَّا أنْ نَقُولَ: العَادَةُ تَثْبُتُ بِمَرَّتَيْنِ، فتَجْلِسُ مِن الثَّالِثِ والرَّابِعِ خمسةً خمسةً. وقال القاضي: لا تَجْلِسُ في الأشْهُرِ الأرْبَعَةِ إلَّا اليَقِينَ. وهذا بَعِيدٌ؛ لِما ذَكَرْنَاه. ولو كانتْ رَأَتْ في الرَّابِع خمسةً أسودَ، والبَاقِىَ كُلَّه أحمرَ، صارَ عادَةً بذلك.
٩٧ - مسألة؛ قال: (والصُّفْرَةُ والْكُدْرَةُ في أَيَّامِ الحَيْضِ مِنَ الحَيْضِ)
يَعْنِى إذا رأتْ في أيَّامِ عَادَتِها صُفْرَةً أو كُدْرَةً، فهو حَيْضٌ، وإنْ رَأتْهُ بعدَ أيَّامِ حَيْضِها، لم يُعْتَدّ به. نَصَّ عليه أحمدُ. وبه قال يحيى الأنْصَارِىُّ، ورَبِيعةُ، ومَالِكٌ، والثَّوْرِىُّ، والأوْزَاعِىُّ، وعبدُ الرحمنِ بنُ مَهْدِىٍّ، والشَّافِعِىُّ، وإسحاق. وقال أبو يوسف، وأبو ثَوْرٍ: لا يكونُ حَيْضًا، إلَّا أنْ يَتَقَدَّمَهُ دَمٌ أسودُ؛ لأنَّ أُمَّ عَطِيَّةَ، وكانتْ بَايَعَتِ النَّبِىَّ ﷺ ، قالتْ: كُنَّا لا نَعْتَدُّ بالصُّفْرَةِ والْكُدْرَةِ بعدَ الغُسْلِ شَيْئًا. رَوَاهُ أبو داود، (١) وقال: بَعْدَ الطُّهْرِ. ولَنا، قولُه تعالى: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذًى﴾ (٢)، وهذا يتَنَاوَلُ الصُّفْرَةَ والْكُدْرَةَ، ورَوَى الأثرَمُ، بِإسْنَادِهِ، عن عائشةَ، رَضِىَ اللهُ عنها، أنَّها كانَتْ تبعَثُ إليها النِّساءُ بالدِّرَجَةِ (٣) فيها الكُرْسُفُ،
стр. 470
فيها الصُّفْرَةُ والْكُدْرَةُ، فتقولُ: لا تَعْجَلْنَ حتى تَرَيْنَ القَصَّةَ البَيْضَاءَ (٤) تُرِيدُ بذلك الطُّهْرَ مِن الحَيْضَةِ. وحديثُ أُمِّ عَطِيَّة إنَّما يتَنَاوَلُ ما بعدَ الطُّهْرِ والاغْتِسالِ، ونحن نقولُ به، وقد قالتْ عائشةُ: ما كُنَّا نُعِدُّ الكُدْرَةَ والصُّفْرَةَ حَيْضًا (٥). مع قَوْلِها المُتَقَدِّمِ، الذي ذَكَرْنَاه.
فصل: وحُكْمُ الصُّفْرَةِ والْكُدْرَةِ حُكْمُ الدَّمِ العَبِيطِ (٦) في أنَّها في أيَّامِ الحَيْضِ حَيْضٌ، وتَجْلِسُ مِنْها المُبْتَدَأةُ كما تَجْلِسُ مِن غيرِها. وإنْ رَأتْها فيما بعدَ العادَةِ فهو كما لو رَأتْ غيرَها على ما سيأتى ذِكْرُه، إنْ شاء اللهُ. وإنْ طَهُرَتْ ثم رَأَتْ كُدْرَةً أو صُفْرَةً، لم يُلْتَفَتْ إليها؛ لِخَبَرِ أُمِّ عَطِيَّة وعائشةَ، وقد رَوَى النَّجَّادُ (٧)، بإسْنَادِه، عن محمدِ بنِ إسحاقَ، عن فاطمَةَ، عن أَسْمَاءَ قالتْ: كُنَّا في حِجْرِها مع بَنَاتِ بِنْتِها (٨)، فكانتْ إحْدَانا تَطْهُرُ ثم تُصَلِّى، ثم تُنْكَسُ بالصُّفْرَةِ اليَسِيرَةِ، فنَسْأَلُها، فتقولُ: اعْتَزِلْنَ الصَّلَاةَ حتى لا تَرَيْنَ إلَّا البَيَاضَ خَالِصًا. (٩) والأوَّلُ أَوْلَى؛ لِمَا ذَكَرْنا، وقولُ عائِشَةَ وأُمِّ عَطِيَّة أوْلَى مِنْ قولِ أَسْمَاءَ. وقال القاضي: مَعْنَى هذا أنَّها لا تَلْتَفِتُ إليه قَبْلَ التَّكْرَارِ، وقولُ أَسْمَاءَ فيما إذا تَكَرَّرَ، فجَمَعَ بينَ الأخْبَارِ. واللهُ أعلمُ.
٩٨ - مسألة؛ قال: (ويُسْتَمْتَعُ مِنَ الحائِضِ بِمَا دُونَ الفَرْجِ)
وجُمْلَتُه أنَّ الاسْتِمْتَاعَ مِن الحائِضِ فيما فوقَ السُّرَّةِ ودونَ الرُّكْبَةِ جَائِزٌ بالنَّصِّ والإِجْماعِ، والوَطْءُ في الفَرْجِ مُحَرَّمٌ بهما. واخْتُلِفَ في الاسْتِمْتَاعِ بما بَيْنَهُما؛
стр. 471
فذهبَ أحمدُ، ﵀ إلى إِباحَتِه. ورُوِىَ ذلك عَنْ عِكْرِمَة، وعَطَاءٍ، والشَّعْبِىِّ، والثَّوْرِىَّ، وإِسحاقَ، ونَحْوَهَ قال الحَكَمُ، فإنَّه قال: لا بَأْسَ أنْ تَضَعَ على فَرْجِها ثَوْبًا ما لم يُدْخِلْه. وقال أبو حنيفةَ، ومَالِكٌ، والشَّافِعِىُّ: لا يُبَاحُ؛ لما رُوِىَ عن عائشةَ، قالتْ: كانَ رسولُ اللَّه ﷺ يَأْمُرُنِى فأَتَّزِرُ، فَيُبَاشِرُنِى وأنا حَائِضٌ. رواهُ البُخارِىُّ (١). وعن عمرَ، قال: سألتُ رسولَ اللهِ ﷺ عمَّا يَحِلُّ لِلرَّجُلِ مِن امْرَأَتِهِ وهى حَائِضٌ، فقال: "فَوْقَ الإِزَارِ (٢) ". ولَنا، قَوْلُ اللهِ تعالى: ﴿فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ﴾ (٣)، والمَحِيضُ: اسْمٌ لمكانِ الحَيْضِ (٤)، كالمَقِيلِ والمَبِيتِ، فتَخْصِيصُه مَوْضِعَ الدَّمِ بِالاعْتِزَالِ دَلِيلٌ على إبَاحَتِه فيما عَدَاه. فإنْ قِيل: بل المَحِيضُ الحَيْضُ، مصدرُ حَاضَتِ المْرأةُ حَيْضًا ومَحِيضًا، بدليلِ قولِه تعالى في أوَّلِ الآيةِ: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذًى﴾. والأذَى: هو الحَيْضُ المَسْئُولُ عنه، وقال تعالى: ﴿وَاللَّائِي لَمْ يَحِضْنَ﴾ (٥). قُلْنا: اللفظُ يَحْتَمِلُ المَعْنَيَيْن، وإرَادَةٌ مكانِ الدَّمِ أرْجَحُ، بدليلِ أمْرَيْن: أحَدُهما، أنَّه لو أرادَ الحَيْضَ لكانَ أمْرًا بِاعْتزالِ النِّسَاءِ في مُدَّةِ الحَيْضِ بالكُلِّيَّة، والإِجْماعُ بخِلَافِه. والثَّانِى، أنَّ سببَ نُزُولِ الآيةِ، أنَّ اليهودَ كانوا إذا حاضتِ المَرْأَةُ اعْتَزَلُوها، فلمْ يُؤَاكِلُوها، ولم يُشَارِبُوهَا، ولم يُجَامِعُوها في البيتِ، فسألَ أصْحَابُ النَّبِىِّ ﷺ النَّبِىَّ ﷺ فنَزَلتْ هذه الآيةُ، فقال النبيُّ ﷺ : "اصْنَعُوا كُلَّ شَىْءٍ غَيْرَ النِّكَاحِ". رَوَاهُ مُسْلِمٌ في
стр. 472
"صَحِيحِه" (٦)، وهذا تَفْسِيرٌ لِمُرَادِ اللهِ تعالى، ولا تَتَحَقَّقُ مخالفةُ اليهودِ بحَمْلِها على إرادَةِ الحَيْضِ؛ لأنَّه يكونُ مُوَافِقًا لهم، ومِن السُّنَّةِ قولُه ﵇: "اصْنَعُوا كُلَّ شَىْءٍ غَيْرَ النِّكَاحِ"، ورُوِىَ عنه ﵇، أنَّه قال: "اجْتَنِبْ مِنْهَا شعَارَ الدَّمِ (٧) ". ولأنَّه مَنَعَ الوَطْءَ لأجْلِ الأذَى، فاخْتَصَّ مَحَلَّه (٨) كالدُّبُرِ، وما رَوَوْهُ عن عائشةَ دَلِيلٌ على حِلِّ ما فوقَ الإِزارِ، لا على تَحْرِيمِ غيرِه، وقد يَتْرُكُ النَّبِىُّ ﷺ بعضَ المُبَاحِ تَقَذُّرًا، كَتَرْكِه أكْلَ الضَّبِّ والأرْنَبِ، وقد رَوَى عِكْرِمَةُ عن بعضِ أزْوَاجِ النَّبِىِّ ﷺ ، أنَّ النَّبِىَّ ﷺ كان إذا أرَادَ مِن الحائِضِ شَيْئًا ألْقَى على فَرْجِها ثَوْبًا (٩)، ثم ما ذكرْنَاه مَنْطُوقٌ، وهو أوْلَى مِن المَفْهُومِ.
فصل: فإنْ وَطِىءَ الحائِضَ في الفَرْجِ أثِمَ، ويستغفرُ اللهَ تعالى، وفى الكَفَّارَةِ رِوَايَتان: إحْدَاهما، يجِبُ عليهِ كَفَّارَةٌ؛ لِما رَوَى أبو داود، والنَّسَائِىُّ، بإسْنادِهما، عن ابنِ عَبَّاس، أنَّ النَّبِىَّ ﷺ قال، في الذي يأْتِى امْرَأَتَهُ وهى حَائِضٌ: "يَتَصَدَّقُ بِدِينَارٍ أوْ بِنِصْفِ دِينَارٍ (١٠) ". والثَّانِيةُ، لا كفَّارَةَ عليه، وبه قال مالكٌ، وأبو حنيفةَ،
стр. 473
وأكثرُ أهلِ العِلْمِ؛ لِقَوْلِ النَّبىِّ ﷺ : "مَنْ أَتَى كَاهِنًا فَصَدَّقَهُ بِمَا قال، أوْ أَتَى امْرَأةً (١١) في دُبُرِهُا، أوْ أتَى حَائِضًا، فَقَدْ كَفَرَ بمَا أُنْزِلَ عَلَى مُحَمَّدٍ" رَوَاهُ ابنُ مَاجَه (١٢)، ولم يذكرْ كَفَّارَةً، ولأنَّه وَطْءٌ نُهِىَ عنه لأجْلِ الأَذَى، فأشْبَهَ الوَطْءَ في الدُّبُرِ. ولِلشَّافِعِىِّ قولان كالرِّوَايَتَيْن. وحديثُ الكَفَّارَةِ مدَارُهُ على عبدِ الحميدِ بنِ عبدِ الرحمنِ بنِ زَيْدِ بنِ الخَطَّابِ، وقد قيلَ لأحمدَ: في نَفْسِكَ منه شيءٌ؟ قال: نعمْ، ولأنَّه (١٣) مِن حديثِ فلان. أظُنُّه قال: عبد الحميد. وقال: لو صَحَّ ذلك الحديثُ عَن النَّبِيِّ ﷺ كُنَّا نَرَى عليه الكفَّارَةَ. وقال في مَوْضِعٍ: ليس به بَأْسٌ، وقد رَوَى النَّاسُ عنه. فاخْتِلَافُ الرِّوَايَةِ في الكَفَّارَةِ مَبْنِىٌّ على اخْتِلَافِ قَوْلِ أحمدَ في الحديثِ. وقد رُوِىَ عن أحمدَ أنَّه قال: إنْ كانتْ له مَقْدِرَةٌ تَصَدَّقَ بما جاء عن النَّبِيِّ ﷺ . وقال أبو عبدِ اللهِ ابنُ حامِدٍ: كَفَّارَةُ وَطْءِ الحائِضِ تَسْقُطُ بالعَجْزِ عنها، أو عَنْ بَعْضِها، ككَفَّارَةِ الوَطْءِ في رمضانَ.
فصل: وفى قَدْرِ الكَفَّارَةِ روايتان: إحْداهُما، أنَّها دينارٌ، أو نصفُ دينار، على سبيلِ التَّخْيِيرِ، أيُّهُما أخْرَجَ أجْزَأَه، رُوِىَ ذلك عن ابْنِ عباسٍ. والثَّانِيةُ، أنَّ الدَّمَ إنْ كان أحمرَ فهى دينارٌ، وإنْ كان أصفرَ، فنِصْفُ دينارٍ. وهو قولُ إسحاقَ، وقال النَّخَعِىُّ: إنْ كان في فَوْرِ الدَّمِ فدينارٌ، وإنْ كان في آخِرِه فنِصْفُ دينارٍ؛ لِمَا رَوَى ابنُ عباسٍ، عن النَّبِيِّ ﷺ أنَّه قال: "إنْ كَانَ دَمًا أحْمَرَ فَدِينَارٌ، وإنْ كانَ دَمًا (١٤) أصْفَرَ فَنِصْفُ دِينَارٍ". رواه التِّرْمِذِىُّ (١٥). والأوَّلُ أصَحُّ. قال أبو داود: الرِّوايةُ
стр. 474
الصَّحِيحةُ قال (١٦): "يَتَصَدَّقُ بِدِينَارٍ أوْ نِصْفِ (١٧) دِينَارٍ" (١٨). ولأنَّه حُكْمٌ تَعَلَّقَ بالحَيْضِ، فلم يُفَرَّقْ بينَ أوَّلِه وآخرِه، كسائِرِ أحْكَامِه. فإنْ قِيل: فكيف يُخَيَّرُ بينَ شيءٍ ونِصْفِه؟ قُلْنَا: كما يُخَيَّرُ المُسَافِرُ بَيْنَ قَصْرِ الصَّلَاةِ وإتْمَامِها، فأيُّهُما فعل كان وَاجِبًا، كذا ههنا.
فصل: وإنْ وَطِىءَ بعدَ طُهْرِها، وقبلَ غُسْلِها فلا كَفَّارَةَ عليهِ. وقال قَتَادَةُ، والأوْزَاعِىُّ: عليه نِصْفُ دينَارٍ. ولو وَطِىءَ في حالِ جَرَيَانِ الدَّمِ، لَزِمَهُ دينارٌ؛ لأنَّهُ حكمٌ تَعَلَّقَ بالوَطْءِ في الحَيْضِ، فثَبَتَ قَبْلَ الغُسْلِ، كالتَّحْرِيمِ. ولَنا، أنَّ وُجُوبَ الكَفَّارَةِ بالشَّرْعِ، وإنَّما وَرَدَ بها الخَبَرُ في الحائِضِ، وغيرُها لا يُسَاوِيها؛ لأنَّ الأَذَى المانِعَ مِنْ وَطْئِها قد زال بانْقِطَاعِ الدَّمِ، وما ذَكَرُوهُ يَبْطُلُ بِما لو حَلَفَ لا يَطَأُ حَائِضًا، فإنَّ الكَفَّارَةَ تَجِبُ بِالوَطْءِ في الحَيْضِ، ولا تَجِبُ في غيرِه.
فصل: وهل تَجِبُ الكفَّارَةُ على الجَاهِلِ والنَّاسِى؟ على وَجْهَيْنِ: أحدُهما، تَجِبُ؛ لِعُمُومِ الخَبَرِ، ولِأنَّها كَفَّارَةٌ تَجِبُ بِالوَطْءِ، أشْبَهَتْ كَفَّارَةَ الوَطْءِ في الصَّوْمِ والإِحْرَامِ. والثَّانِى، لا تَجِبُ؛ لقولِه ﵇: "عُفِىَ لِأُمَّتِى عَنِ الخَطَإِ وَالنِّسْيَانِ" (١٩). ولأنَّها تَجبُ لِمَحْوِ المَأْثَمِ، فلا تَجِبُ مع النِّسْيَانِ، ككَفَّارَةِ اليَمِينِ، فعلى هذا لو وَطِىءَ طَاهِرًا، فحَاضَتْ في أثْنَاءِ وَطْئِهِ، لا كَفَّارَةَ عليه. وعلى الرِّوَايَةِ الأُولَى، عليه كَفَّارَةٌ. وهو قَوْلُ ابنِ حامِدٍ، قال: ولو وَطِىءَ الصَّبِىُّ لَزِمَتْهُ الكَفَّارَةُ؛ لِعُمُومِ الخَبَرِ، وقِياسًا على كَفَّارَةِ الإِحْرامِ، ويَحْتَمِلُ أنْ لا يَلْزَمُهُ كَفَّارَةٌ؛ لأَنَّ أحْكَامَ التَّكْلِيفِ لا تَثْبُتُ في حَقِّه، وهذا مِنْ فُرُوعِها، فلا تَثْبُتُ.
فصل: وهلْ تَلْزَمُ المَرْأَةَ كَفَّارَةٌ؟ المَنْصُوصُ أنَّ عليها الكَفَّارَةُ. قال أحمدُ في امْرَأَةٍ غَرَّتْ زَوْجَها: إنَّ عليه الكَفَّارَةَ وعليها. وذلك لأنَّهُ وَطْءٌ يُوجِبُ الكَفَارَةَ،
стр. 475
فأوْجَبَها على المَرْأَةِ المُطْاوِعةِ، ككَفَّارَةِ الوَطْءِ في الإِحْرَامِ. وقال القاضي: في وُجُوبهَا على المَرْأَةِ وجْهَانِ: أحَدُهما لا يَجِبُ؛ لأنَّ الشَّرْعَ لم يَرِدْ بإيجَابِها عليها، وإنَّما يُتَلَقَّى الوُجُوبُ مِن الشَّرْعِ. وإنْ كانتْ مُكْرَهَةً أو غيرَ عَالِمةٍ، فلا كَفَّارَةَ عليها، لِقولِه ﵇: "عُفِىَ لأُمَّتِى عَنِ الخَطَإِ والنِّسْيَانِ، وَمَا اسْتُكْرِهُوا
عَلَيْهِ".
فصل: والنُّفَسَاءُ كالحائِضِ في هذا؛ لأنَّها تُسَاوِيها في سَائرِ أحْكَامِها، ويُجْزِىءُ نِصْفُ دينارٍ مِن أىِّ ذَهَبٍ كان إذا كانَ صَافِيًا مِن الغِشِّ، ويَسْتَوِى تِبْرُه ومَضْرُوبُه، لِوُقُوعِ الاسْمِ عليهِ. وهل يَجُوزُ إخْرَاجُ قِيمَتِه؟ فيه وَجْهَان: أحدُهما، يجوزُ؛ لأنَّ المَقْصُودَ يَحْصُلُ بإخْرَاجِ هذا القَدْرِ مِن المالِ، على أىِّ صِفَةٍ كان مِنَ المالِ، فجازَ بأىِّ مَالٍ كان، كالخَرَاجِ والجِزْيَة. والثَّانِى، لا يجوزُ؛ لأنَّه كَفَّارَةٌ، فاخْتُصَّ ببَعضِ أنْوَاعِ المالِ، كسائِرِ الكَفَّارَاتِ، فعلى هذا الوَجْهِ هل يجوزُ إخْرَاجُ الدَّرَاهِمِ مكانَ الدِّينارِ؟ فيهِ وَجْهَان، بِنَاءً على إخْرَاجِها عنه في الزَّكاة، والصَّحِيحُ جَوَازُه؛ لما ذَكَرْنَا، ولأَنَّه حَقٌّ يُجْزِىءُ فيه أحَدُ الثَّمَنَيْنِ، فأجْزَأَ فيه الآخَرُ، كسائِرِ الحُقُوقِ. ومَصْرِفُ هذه الكَفَّارَةِ إلى مَصْرِفِ سائِرِ الكَفَّارَات؛ لِكَوْنِها كَفَّارَةً، ولأنَّ المساكِينَ مَصْرِفُ حُقُوقِ اللهِ تعالى، وهذا منها.
٩٩ - مسألة؛ قال: (فَإِنِ انْقَطَعَ دَمُهَا، فَلَا تُوطَأُ حَتَّى تَغْتَسِلَ)
وجُمْلَتُه أنَّ وَطْءَ الحائِضِ قبلَ الغُسْلِ حَرَامٌ، وإنِ انْقَطَعَ دَمُها في قولِ أكْثَرِ أهلِ العِلْمِ. قال ابنُ المُنْذِر: هذا كالإِجْمَاعِ منهم. وقال أحمدُ بنُ محمدٍ المَرُّوذِىّ: لا أعْلَمُ في هذا اخْتِلافًا (١). وقال أبو حنيفةَ: إنِ انْقَطَعَ الدَّمُ لأَكْثَرِ الحَيْضِ، حَلَّ وَطْؤُها، وإنِ انْقَطَعَ لِدُونِ ذلك، لم يُبَحْ حتى تَغْتَسِلَ، أو تَتَيَمَّمَ، أو يَمْضِىَ عليها وَقْتُ صَلَاةٍ؛ لأنَّ وُجُوبَ الغُسْلِ لا يَمْنَعُ مِن الوَطْءِ كالجنابةِ (٢). ولَنا، قولُ اللهِ تعالى: ﴿وَلَا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ فَإِذَا تَطَهَّرْنَ فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ
стр. 476
اللَّهُ﴾ (٣). يَعْنى إذا اغْتَسَلْنَ. هكذا فَسَّرَهُ ابنُ عباسٍ. ولأنَّ اللهَ تعالى قال في الآية: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ﴾ (٤). فأثْنَى عليهِم، فيدُلُّ على أنه فِعْلٌ منهم أثْنَى عليهِم به، وفِعْلُهُم هو الاغْتِسَالُ دُونَ انْقِطَاعِ الدَّمِ، فَشَرَطَ لإِباحَةِ الوَطْءِ شَرْطَيْن: انْقِطَاعَ الدَّمِ، والاغْتِسَالَ، فلا يُبَاحُ إلَّا بهما، كقولِه تعالى: ﴿وَابْتَلُوا الْيَتَامَى حَتَّى إِذَا بَلَغُوا النِّكَاحَ فَإِنْ آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْدًا فَادْفَعُوا إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ﴾ (٥). لمَّا اشْتَرَطَ لِدَفْعِ المالِ إليهم بُلُوغَ النِّكاحِ والرُّشْدَ لم يُبَحْ إلَّا بهما. كذا ههنا، ولأنَّها مَمْنُوعَةٌ مِن الصَّلاةِ لِحَدَثِ الحَيْضِ، فلم يُبَحْ وَطْؤُها كما لو انْقَطِعَ لِأقَلِّ الحَيْضِ. وما ذَكَرُوه مِن المعنى مَنْقُوضٌ بما إذا انْقَطَعَ لِأقَلِّ الحَيْضِ، ولِأنَّ حَدَثَ الحَيْضِ آكَدُ مِنْ حَدَثِ الجَنَابَةِ، فلا يَصِحُّ قِيَاسُه عليه.
١٠٠ - مسألة؛ قال: (وَلَا تُوطَأُ مُسْتَحَاضَةٌ إلَّا أَنْ يَخافَ عَلَى نَفْسِهِ)
اخْتَلَفَ (١) عن أحمدَ، ﵀، في وَطْءِ المُسْتَحَاضَةِ، فرُوِى ليس له وَطْؤُها إلَّا أنْ يَخَافَ على نَفْسِهِ الوُقُوعَ في مَحْظُورٍ. وهو مذهبُ ابنِ سِيرِينَ، والشَّعْبِىِّ، والنَّخَعِىِّ، والحاكِمِ (٢)؛ لِما رَوَى الخَلَّالُ، بإسْنَادِه، عن عائشةَ، أنَّها قالتْ: المُسْتَحَاضَةُ لا يَغْشَاها زَوْجُها (٣). ولأنَّ بها أذًى، فيَحْرُمُ وَطْؤُها كالحائِضِ؛ فإنَّ اللَّه تعالى مَنَعَ وَطْءَ الحائِضِ مُعَلِّلًا بالأذَى بِقولِه: ﴿قُلْ هُوَ أَذًى فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ﴾. أمَرَ باعْتِزَالِهِنَّ عَقِيبَ الأذَى مَذْكُورًا بفاءِ التَّعْقِيبِ، ولِأنَّ الحُكْمَ إذا ذُكِرَ مع وَصْفٍ يَقْتَضِيه ويَصْلُحُ له، عُلِّلَ به، كقولِه تعالى: ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ
стр. 477
فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا﴾ (٤) الأذَى يَصْلُحُ أنْ يكونَ عِلَّةً. فيُعَلَّلُ به، وهو مَوْجُودٌ في المُسْتَحاضةِ، فيَثْبُتُ التَّحْرِيمُ في حَقِّها. ورُوِىَ عن أحمدَ إبَاحَةُ وَطْئِها مُطْلَقًا، مِن غيرِ اشْتِراطٍ (٥). وهو قولُ أكْثَرِ الفُقَهاءِ؛ لما رَوَى أبو داود (٦) عن عِكْرِمَةَ، عن حَمْنَةَ بنْتِ جَحْشٍ، أنَّها كانتْ مُسْتَحَاضَةً، وكان زَوْجُهَا يُجَامِعُها. وقال (٧): كانتْ أُمُّ حَبِيبَةَ تُسْتَحَاضُ، وكان زَوْجُها يغْشَاها. ولأنَّ حَمْنةَ كانتْ تحتَ طَلْحَةَ، وأُمُّ حَبِيبَةَ تحتَ عبد الرحمن بنِ عَوْفٍ، وقد سَألتا رسولَ اللهِ ﷺ عن أحْكامِ المُسْتَحَاضَةِ، فلو كان حرامًا لَبَيَّنَه لهما. وإنْ خافَ على نَفْسِه الوُقُوعَ في مَحْظُورٍ إنْ تَرَكَ الوَطْءَ، أُبِيحَ على الرِّوَايَتَيْن، لأنَّ حُكْمَهما أخَفُّ مِن حُكْمِ الحائِضِ، ولو وَطِئَها مِن غيرِ خَوْفٍ، فلا كَفَّارَةَ عليه؛ لأنَّ الوُجُوبَ مِن الشَّرْعِ، ولم يَرِدْ بإِيجابِها في حَقِّها، ولا هي في مَعْنَى الحائِضِ لما بينهما مِن الاخْتِلَافِ. وإذا انْقَطَعَ دَمُها، أُبِيحَ وَطْؤُها مِن غيرِ غُسْلٍ؛ لأنَّ الغُسْلَ ليس بِواجِبٍ عليها، أشْبَهَ سَلَسَ البَوْلِ.
١٠١ - مسألة؛ قال: (والمُبْتَلَى بِسَلَسِ البَوْلِ، وكَثْرَةِ المَذْىِ، فَلَا يَنْقَطِعُ، كَالمُسْتَحَاضَةِ، يَتَوَضَّأُ لِكُلِّ صَلَاةٍ، بَعْدَ أنْ يَغْسِلَ فَرْجَهُ)
وجملتُه أنَّ المُسْتحاضةَ، ومَنْ به سَلَسُ البولِ أو المَذْىُ، أو الجَرِيحَ الذي لا يرْقَأُ دَمُه، وأشْبَاهَهم مِمَّنْ يسْتَمِرُّ منه الحَدَثُ ولا يُمْكِنُه حِفْظُ طَهارَتِه، عليه الوُضُوءُ لِكُلِّ صَلَاةٍ بعدَ غَسْلِ مَحَلِّ الحَدَثِ، وشَدِّه والتَّحَرُّزِ مِنْ خُرُوجِ الحَدَثِ بما يُمْكِنُه. فالمُسْتَحَاضَةُ تَغْسِلُ المَحَلَّ، ثم تَحْشُوهُ بقُطْنِ أو ما أشْبَهه، لِيَرُدَّ الدَّمَ؛ لِقولِ النَّبِيِّ ﷺ لِحَمْنَة، حين شَكَتْ إليه كثرةَ الدَّمِ: "أَنْعَتُ لَكِ الكُرْسُفَ، فإنَّه يُذْهِبُ الدَّمَ" (١). فإنْ لم يَرْتَدَّ الدَّمُ بالقُطْنِ، اسْتَثْفَرَتْ بِخِرْقَةٍ مُشْقُوقةِ الطَّرَفين، تشُدُّها على جَنْبَيْها ووَسَطُها على الفَرْجِ، وهو المذكورُ في حَدِيثِ أُمِّ سَلَمَةَ:
стр. 478
"لِتَسْتَثْفِرْ بثَوْبٍ" (٢). وقال لِحَمْنةَ: "تَلَجَّمِى". لَمَّا قالَتْ: إنَّهُ أَكْثَرُ من ذلك. فإذا (٣) فعلتْ ذلك، ثم خرجَ الدَّمُ، فإنْ كانَ لِرَخاوةِ الشَّدِّ، فعليها إعَادةُ الشَّدَّ والطَّهَارَةُ، وإنْ كانَ لِغلَبَةِ الخارِجِ وقُوَّتِه وكَوْنِه لا يُمْكِنُ شَدُّه أَكْثَرَ مِنْ ذلك، لم تَبْطُل الطَّهارةُ؛ لأنَّه لا يُمْكِنُ التَّحَرُّز منه، فَتُصَلِّى ولو قَطَرَ الدَّمُ، قالتْ عائشةُ: اعْتَكَفَتْ مع رسولِ اللَّه ﷺ امْرَأَةٌ مِن أزواجِه، فكانتْ تَرَى الدَّمَ والصُّفْرَةَ والطَّسْتُ تحتها وهى تُصَلِّى. رواه البُخارِىُّ (٤)، وفِي حَدِيثٍ: "صَلِّى وإنْ قَطَرَ الدَّمُ عَلَى الحَصِيرِ" (٥). وكذلك مَنْ به سَلَسُ البولِ، أو كَثْرَةُ المَذْىِ، يَعْصِبُ رَأْسَ ذَكَرِه بِخِرْقَةٍ، ويَحْتَرِسُ حَسَبَ ما يُمْكِنُه، ويفْعَلُ ما ذَكَرنا (٦). وكذلك مَنْ به جُرْحٌ يَفُورُ منه الدَّمُ، أو به رِيحٌ، أو نحوُ ذلك مِن الأحْدَاثِ مِمَّنْ لا يُمْكِنُه قَطْعُه عن نَفْسِه، فإنْ كان مِمَّا لا يُمْكِنُ عَصْبُه، مِثْل مَنْ به جُرْحٌ لا يُمْكِنُ شَدُّه، أو به باسُورٌ أو نَاصُورٌ لا يَتَمَكَّنُ مِن عَصْبِه، صَلَّى على حَسَبِ حالِه، كَمَا رُوِىَ عن عمرَ، رَضِىَ اللَّه عنه، أنَّه حِيَن طُعِنَ صَلَّى وجُرْحُهُ يَثْعَبُ (٧) دَمًا.
فصل: ويَلْزَمُ كلَّ واحِدٍ مِن هؤلاء الوضُوءُ لِوَقْتِ كُلِّ صَلاةٍ، إلَّا أنْ يَخْرُجَ منه شيءٌ، وبهذا قال الشَّافِعِىُّ، وأبو ثَوْرٍ، وأصْحابُ الرَّأْىِ. وقال مالكٌ: لا يجبُ الوضُوءُ على المُسْتَحَاضَةِ. ورُوِىَ ذلك عن عِكْرِمَةَ ورَبِيعَةَ. واسْتَحَبَّ مالكٌ لِمَنْ به سَلَسُ البَوْلِ أنْ يَتَوَضَّأَ لِكُلِّ صَلَاةٍ، إلَّا أنْ يُؤْذِيَهُ البَرْدُ، فإن آذاهُ قال: فأرْجُو أنْ لا يكونَ عليه ضِيقٌ في تَرْكِ الوضُوءِ. واحْتَجُّوا بأنَّ في حديثِ هِشَامِ بنِ عُرْوَةَ عن أبيه عن عائشةَ، أنَّ النَّبِىَّ ﷺ قال لفاطمةَ بِنْتِ أبِى حُبَيْشٍ: "فَاغْتَسِلِى
стр. 479
وَصَلِّى (٨) ". ولم يَأْمُرْهَا بالوضُوءِ، ولأنَّه ليس بِمَنْصُوصٍ على الوضُوءِ منه، ولا في مَعْنَى المَنْصُوصِ، لأنَّ المَنْصُوصَ عليه الخَارِجُ المُعْتَادُ، وليس هذا بِمُعْتَادٍ. ولَنا، ما رَوَى عَدِىُّ بنُ ثابِتٍ، عن أبيه، عن جَدِّه، عن النَّبِيِّ ﷺ في المُسْتَحَاضَةِ: "تَدَعُ الصَّلَاةَ أيَّامَ أَقْرَائِهَا، ثُمَّ تَغْتَسِلُ، وتَصُومُ وتُصَلِّى، وتَتَوَضَّأُ عِنْدَ كُلِّ صَلَاةٍ". رواه أبو داود، والتِّرْمِذِىُّ (٩)، وعن عائشةَ، قالتْ: جاءتْ فاطمةُ بِنْتُ أبِى حُبَيْشٍ إلى النبيِّ ﷺ ، فذكرتْ خَبَرَها، ثم قال: "اغْتَسِلِى، ثُمَّ تَوَضَّئِى لِكُلِّ صَلَاةٍ وصَلِّى". رواهُ أبو داود، والتِّرْمِذِىُّ (١٠)، وقال: حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ. ولأنَّه خارِجٌ مِن السَّبِيلِ، فنَقَضَ الوُضُوءَ، كالمَذْىِ.
إذا ثَبَتَ هذا، فإنَّ طَهارةَ هؤلاء مُقَيَّدَةٌ بالوَقْتِ؛ لقولِه: "تَتَوَضَّأُ عِنْدَ كُلِّ صَلَاةٍ". وقولِه: "ثُمَّ تَوَضَّئِى لِكُلِّ صَلَاةٍ". ولأَنَّها طَهَارَةُ عُذْرٍ وضَرُورَةٍ، فتَقَيَّدَتْ بِالوَقْتِ، كالتَّيَمُّمِ.
فصل: فإنْ تَوَضَّأَ أحدُ هؤلاء قبلَ الوَقْتِ، وخَرَجَ منه شيءٌ، بَطَلَتْ طَهَارَتُه؛ لِأنَّ دُخُولَه يخرُجُ به الوَقْتُ الذي تَوَضَّأَ فيه، وخُرُوجُ الوَقْتِ مُبْطِلٌ لِهذه الطَّهَارَةِ، كما قَرَّرْنَاه. ولأنَّ الحَدَثَ مُبْطِلٌ لِلطَّهَارَةِ، وإنَّما عُفِىَ عنه لِعَدَمِ إمْكَانِ التَّحَرُّزِ عنه مع الحَاجَةِ إلى الطَّهَارَةِ. وإنْ تَوَضَّأ بعدَ الوَقْتِ، صَحَّ، وارْتَفَعَ حَدَثُه، ولم يُؤَثِّرْ فيه ما يَتَجَدَّدُ مِنَ الحَدَثِ الذي لا يُمكِنُ التَّحَرُّزُ منه. فإنْ دَخَلَ في الصَّلَاةِ عَقِيبَ طَهَارَتِه، أو أخَّرَها لأمْرٍ يَتَعَلَّقُ بِمَصْلَحَةِ الصَّلَاةِ، كَلُبْسِ الثِّيَابِ، وانْتِظَارِ الجَمَاعَةِ، أو لم يَعْلَمْ أنَّه خَرَجَ منه شيءٌ، جازَ. وإنْ أخَّرَها لغيرِ ذلك، ففيه وَجْهَان: أحدُهما، الجَوَازُ؛ لأنَّها طَهَارَةٌ أُرِيدَتْ لِلصَّلَاةِ بعدَ دُخُولِ وَقْتِها، فأشْبَهَتِ التَّيَمُّمَ، ولِأنَّها طَهَارَةُ ضَرُورَةٍ، فتَقَيَّدَتْ بالوَقْتِ، كَالتَّيَمُّمِ. والثَّانِى، لا يجُوزُ؛ لأنَّه إنَّما أبِيحَ له الصَّلَاةُ بهذه الطَّهَارَةِ مَع قِيَامِ الحَدَثِ لِلْحَاجَةِ والضَّرُورَةِ،
стр. 480
لا ضَرُورَةَ ههنا. وإنْ خَرَجَ الوَقْتُ بعدَ أنْ خَرَجَ منها شيءٌ، أو أحْدَثَتْ حَدَثًا سوى هذا الخَارِج، بَطَلَتِ الطَّهَارَةُ. قال أحمدُ، في روايةِ أحمد بن القَاسِمِ: إنَّما أَمَرَها أنْ تَتَوَضَّأ لِكُلِّ صَلَاةٍ، فَتُصَلِّى بذلك الوُضُوءِ النَّافِلَةَ وَالصَّلَاةَ الفَائِتَةَ، حتى يَدْخُلَ وَقْتُ الصَّلَاةِ الأُخْرَى، فتَتَوَضَّأُ أيضًا. وهذا يَقْتَضِى إلْحَاقهَا بالتَّيَمُّمِ، في أنَّها بَاقِيَةٌ بِبَقَاءِ الوَقْتِ، يجُوزُ لها أنْ تَتَطَوَّعَ بها، وتَقْضِىَ بها الفَوَائِتَ، وتَجْمَعَ بينَ الصَّلَاتَيْنِ، ما لم تُحْدِثْ حَدَثًا آخَرَ، أو يخْرُج الوَقْتُ.
فصل: ويَجُوزُ لِلْمُسْتَحَاضَةِ الجَمْعُ بينَ الصَّلَاتَيْنِ بِوُضُوءٍ واحِدٍ؛ لأنَّ النَّبِىَّ ﷺ أمَرَ حَمْنَةَ بنْتَ جَحْشٍ بالجَمْعِ بينَ الصَّلَاتَيْنِ بِغُسْلٍ وَاحِدٍ (١١)، وأمَرَ به سَهْلَةَ بنتَ سُهَيْلٍ (١٢)، وغيرُ المُسْتَحَاضَةِ مِن أهْلِ الأعْذَارِ مَقِيسٌ عليها، ومُلْحَقٌ بها.
فصل: إذا تَوَضَّأتِ المُسْتَحَاضَةُ، ثم انْقَطَعَ دَمُها، فإنْ تَبَيَّنَ أنَّه انْقَطَعَ لِبُرْئِها بِاتِّصَالِ الانْقِطَاعِ، تَبَيَّنَّا أنَّ وضُوءَها بَطَلَ بِانْقِطَاعِه؛ لأنَّ الحَدَثَ الخارِجَ مُبْطِلٌ لِلطَّهَارَةِ عُفِىَ عنه لِلعُذْرِ، فإذا زال العُذْرُ زالتِ الضَّرُورَةُ، فظَهَر حُكْمُ الحَدَثِ. وإنْ عادَ الدَّمُ، فظَاهِرُ كلامِ أحمدَ أنَّه لا عِبْرَةَ بهذا الانْقِطاع. قال أحمدُ بنُ القاسمِ: سألتُ أبا عبد اللَّه، فقلتُ: إنَّ هؤلاء يَتَكَلَّمُون بكلامٍ كَثِيرٍ، ويُوَقِّتُونَ بِوَقْتٍ، يقولون: إذا تَوَضَّأَتْ للصَّلَاةِ، وقد انْقْطَعَ الدَّمُ ثم سَال بعدَ ذلك قبلَ أنْ تَدْخُلَ في الصَّلَاةِ، تُعِيدُ الوضُوءَ. ويقولون: إذا كان الدَّمُ سَائِلًا، فَتَوَضَّأَتْ، ثم انْقَطَعَ الدَّمُ، قَوْلًا آخَرَ. قال: لستُ أنْظُرُ في انْقِطَاعِه حين تَوَضَّأَتْ سال أم لم يَسِلْ، إنَّما آمُرُها أنْ تَتَوَضَّأ لِكُلِّ صلاة، فَتُصَلِّىَ بذلك الوضُوءِ النَّافِلَةَ والفَائِتَةَ، حتى يَدْخُلَ وقتُ الصَّلَاةِ الأُخْرَى؛ وذلك لأنَّ النَّبِىَّ ﷺ أمَرَهَا بالوُضُوءِ لِكُلِّ صَلَاةٍ، مِنْ غيرِ تَفْصِيلٍ، فالتَّفْصِيلُ يُخَالِفُ مُقْتَضَى الخَبَرِ. ولأنَّ اعْتِبَارَ هذا يَشُقُّ، والعادَةُ في المُسْتَحَاضَةِ وأَصْحَابِ هذه الأعْذَارِ أنَّ الخَارِجَ يَجْرِى ويَنْقَطِعُ، واعْتِبَارُ مِقْدَارِ
стр. 481
الانْقِطَاعِ فيما يُمْكِنُ فِعْلُ (١٣) العِبَادَةِ فيه يَشُقُّ، وإيجَابُ الوضُوءِ به حَرَجٌ لم يَرِدِ الشَّرْعُ به، ولا سَأَلَ عنه النَّبِىُّ ﷺ المُسْتَحَاضَةَ التي اسْتَفْتَتْهُ، فيدُلُّ ذلك ظَاهِرًا على عَدَمِ اعْتِبَارِه مع قولِ اللَّه تعالى: ﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾ (١٤)، ولم يُنْقَلْ عن النَّبِيِّ ﷺ ولا عن أحَدٍ مِن الصَّحابَة هذا التَّفْصِيلُ. وقال القاضي، وابْنُ عَقِيلٍ: إنْ تَطَهَّرَتِ المُسْتَحَاضَةُ حَالَ جَرَيَانِ دَمِها ثم انْقَطَعَ قبلَ دُخُولِها في الصَّلَاةِ، ولم يكنْ لها عادَةٌ بِانْقِطَاعِه، لم يكنْ لها الدُّخُولُ في الصَّلَاةِ حتى تَتَوَضَّأ؛ لأنَّها طَهارَةٌ عُفِى عن الحَدَثِ فيها لِمَكَانِ الضَّرُورَةِ، فإذا انْقَطَعَ الدَّمُ زَالَتِ الضَّرُورَةُ، فظهَرَ حُكْمُ الحَدَثِ كالمُتَيَمِّمِ إذا وَجَدَ الماءَ، وإنْ دَخَلَتْ في الصَّلَاةِ فاتَّصَلَ الانْقِطَاعُ زَمَنًا يُمْكِنُ الوُضُوءُ والصَّلَاةُ فيه، فهى بَاطِلَةٌ؛ لأنَّنا تَبَيَّنَّا بُطْلَانَ طَهارَتِها بانْقِطَاعِه. وإنْ عادَ قبلَ ذلك، فطَهَارَتُها صَحِيحَةٌ؛ لأنَّنا تَبَيَّنَّا عَدَمَ الطُّهْرِ المُبْطِلِ لِلطَّهَارَةِ، فأَشْبَهَ ما لو ظَنَّ أَنَّه أحْدَثَ، ثم تَبَيَّنَ أنَّه لم يُحْدِثْ. وفى صِحَّةِ الصَّلَاةِ وَجْهَان: أحَدُهما، يَصِحُّ؛ لأنَّنا تَبَيَّنَّا صِحَّةَ طَهارَتِها؛ لِبَقاءِ اسْتِحاضَتِها. والثَّانِى، لا يَصِحُّ؛ لأنَّها صَلَّتْ بِطَهارَةٍ لم يكنْ لها أنْ تُصَلِّىَ بها فلم تَصِحَّ، كما لو تَيَقَّنَ الحَدَثَ وشَكَّ في الطَّهَارَةِ، فصَلَّى، ثم تَبَيَّنَ أنَّه كانَ مُتَطَهِّرًا. وإن عاوَدَها الدَّمُ قَبْلَ دُخُولِها في الصَّلَاةِ لِمُدَّةٍ تَتَّسِعُ لِلطَّهَارَةِ والصَّلَاةِ، بَطَلَت الطَّهَارَةُ، وإنْ كانتْ لَا تَتَّسِعُ، لم تَبْطُلْ؛ لأنَّنا تَبَيَّنَّا عَدَمَ الطُّهْرِ المُبْطِل لِلطَّهَارَةِ، فأَشْبَهَ ما لو ظَنَّ أنَّه أحْدَثَ، فتَبَيَّنَ أنَّه لم يُحْدِثْ، وإنْ كان انْقِطَاعُهُ في الصَّلَاةِ، ففى بُطْلَانِ الصَّلَاةِ به وَجْهَانِ مَبْنِيَّانِ على المُتَيَمِّمِ يَرَى الماءَ في الصَّلَاةِ. ذَكَرَ ذلك ابنُ حَامِدٍ. وإنْ عاوَدَها (١٥) الدَّمُ، فالْحُكْمُ فيه على ما مَضَى في انْقِطَاعِهِ في غيرِ الصَّلَاةِ. وإنْ توَضَّأَتْ في زَمَنِ انْقِطَاعِه، ثم عاوَدَها الدَّمُ قبْلَ الصَّلَاةِ أو فيها، وكانتْ (١٦) مُدَّةُ
стр. 482
انْقِطَاعِهِ تَتَّسِعُ للِطَّهَارَةِ والصَّلَاةِ، بَطَلَتْ طَهَارَتُها بِعَوْدِ الدَّمِ؛ لأنَّها بهذا الانْقِطَاع صارَتْ في حُكْمِ الطَّاهِرَاتِ، فصارَ عَوْدُ الدَّمِ كسَبْقِ الحَدَثِ. وإنْ كان انْقِطَاعًا لا يَتَّسِعُ لذلك، لم يُؤَثِّرْ عَوْدُهُ؛ لأنَّها مُسْتَحَاضَةٌ، ولا حُكْمَ لهذا الانْقِطَاع. وهذا مذهبُ الشَّافِعِىِّ. وقَدْ ذَكَرْنا مِنْ كلامِ أحمدَ ﵀ ما يَدُل على أنَّه لا عِبْرَةَ بهذا الانْقِطَاع، بل متى كانتْ مُسْتَحَاضَةً أو بها عُذْرٌ مِنْ هذه الأعْذَارِ، فتَحَرَّزَتْ وتَطَهَّرَتْ، فَطَهَارَتُها صَحِيحَةٌ، وصلَاتُها بها ماضِيَةٌ، ما لم يَزُلْ عُذْرُها، وتَبْرَأْ مِنْ مَرَضِها، أو يَخْرُجْ وَقْتُ الصَّلَاةِ، أو تُحْدِثْ حَدَثًا سوى حَدَثِها.
فصل: فإنْ كانتْ لها عَادَةٌ بانْقِطَاعِ الدَّمِ زَمَنًا لا يَتَّسِعُ لِلطَّهَارَةِ والصَّلَاةِ، فتوَضَّأتْ، ثم انْقَطَعَ دَمُها، لم يُحْكَمْ بِبُطْلَانِ طهارَتِها، ولا صَلَاتِها، إنْ كانتْ فيها؛ لأنَّ هذا الانْقِطَاعَ لا يُفِيدُ المَقْصُودَ. وإن اتَّصَلَ الانْقِطاعُ وبَرَأتْ، وكان قد جَرَى منها دَمٌ بعدَ الوُضُوءِ، بَطَلَتْ الطَّهارةُ (١٧) وَالصَّلَاةُ؛ لأنَّا تَبَيَّنَّا أنَّها صارَتْ في حُكْمِ الطَّاهِرَاتِ بذلك الانْقِطَاعِ. وإنِ انْقَطعَ (١٨) زَمَنًا يَتَّسِعُ لِلطَّهَارَةِ والصَّلَاةِ، فالحُكْمُ فيها كَالحُكْمِ في التي لم يَجْرِ لها عادَةٌ بِانْقِطَاعِه على مَا ذُكِرَ فيه. وإنْ كانتْ لها عادَةٌ بِانْقِطَاعِهِ زَمَنًا يَتَّسِعُ لِلطَّهَارَةِ والصَّلَاةِ، لم تُصَلِّ حال جَرَيَانِ الدَّمِ، وتَنْتَظِرُ إمْسَاكَهُ، إلَّا أنْ تَخْشَى خُرُوجَ الوَقْتِ، فتَتَوَضَّأُ وتُصَلِّى. فإنْ شَرَعَتْ في الصَّلَاةِ في آخِرِ الوَقْتِ بهذه الطَّهَارَةِ، فأمْسَكَ الدَّمُ عنها، بَطَلَتْ طَهارَتُها؛ لأنَّها أمْكَنَتْها الصَّلَاةُ بِطَهارَةٍ غيرِ ضَرُورِيَّةٍ، فلم تَصِحَّ صَلَاتُها بِغيرِها، كغيرِ المُسْتَحَاضَةِ. وإنْ كان زَمَنُ إمْسَاكِهِ يَخْتَلِفُ، فتَارَةً يَتَّسِعُ وتَارَةً لا يَتَّسِعُ، فهى كالتى قَبْلَها، إلَّا أنْ تَعْلَمَ أنَّ انْقِطَاعَهُ في هذا الوَقْتِ لا يَتَّسِعُ. ويَحْتَمِلُ أنَّها إذا شَرَعَتْ في الصَّلَاةِ، ثم انْقَطَعَ الدَّمُ، لا تَبْطُلُ صَلَاتُها؛ لأنَّها شَرَعَتْ فيها بطَهَارَةٍ يَقِينيَّةٍ، وانْقِطَاعُ الدَّمِ يَحْتَمِلُ أنْ يكونَ مُتَّسِعًا، فَتَبْطُلُ، ويَحْتَمِلُ أنْ يكونَ ضَيِّقًا، فلا [تَبْطُلُ، ولا] (١٩)
стр. 483
يَزُولُ اليَقِينُ بِالشَّكِّ. فإن اتَّصَلَ الانْقِطَاعُ، تَبَيَّنا أنَّه كان مُبْطِلًا، فبَطَلَتِ الطَّهارَةُ والصَّلَاةُ به.
١٠٢ - مسألة؛ قال: (وأكْثَرُ النِّفَاسِ أَرْبَعُونَ يَوْمًا)
هذا قَوْلُ أكْثَرِ أهلِ العِلْمِ. قال [أبو عيسى] (١) التِّرْمِذِىُّ: أجمعَ أهلُ العِلْمِ مِن أصْحابِ النَّبِيِّ ﷺ ومَنْ بعدَهم على أنَّ النُّفَسَاءَ تَدَعُ الصَّلَاةَ أربعين يومَّا، إلَّا أنْ تَرَى الطُّهْرَ قَبْلَ ذلك، فتَغْتَسِلُ وتُصَلِّى. وقال أبو عُبَيْد: وعلى هذا جَمَاعَةُ النَّاسِ، ورُوِىَ هذا عن عمرَ، وابنِ عَبَّاسٍ، وعثمانَ بن أبي العاصِ (٢)، وعَائِذِ بنِ عَمْرٍو (٣)، وأنَسٍ، وأمِّ سَلَمَة، [رَضِىَ اللهُ عنهم] (٤). وبهِ قال الثَّوْرِىُّ، وإسحاقُ، وأصحابُ الرَّأْىِ. وقال مَالِكٌ، والشَّافِعِىُّ: أكْثَرُهُ سِتُّونَ يومًا. وحكَى ابْنُ عَقِيل، عن أحمدَ، رِوَايَةً مِثْلَ قَوْلِهِما؛ لأنَّهُ رُوِىَ عن الأوْزَاعِىِّ أنَّه قال: عِنْدَنا امْرَأَةٌ تَرَى النِّفَاسَ شَهْرَيْنِ. ورُوِىَ مِثْلُ ذلك عن عَطَاء أنَّه وَجَدَهُ. والمَرْجِعُ في ذلك إلى الوُجُودِ، قال الشَّافِعِىُّ: وغَالِبُه (٥) أَرْبَعُونَ يومًا. ولَنا، ما رَوَى أبو سَهلٍ كَثِيرُ بنُ زِيادٍ، عن مُسَّةَ الأَزْديَّة، عن أُمِّ سَلَمَة، قالتْ: كانت النُّفَسَاءُ تَجْلِسُ على عَهْدِ النَّبِيِّ ﷺ أرْبَعِينَ يومًا وأرْبَعِينَ ليلةً. رواه أبو داود والتِّرْمِذِىُّ (٦)، وقال: [هذا الحَدِيث] (٧) لا
стр. 484
نَعْرِفُه إلَّا مِنْ حديثِ أبى سَهْلٍ، وهو ثِقَةٌ. قال الخَطَّابِىُّ: أثْنَى محمدُ بنُ إسماعيلَ على هذا الحديثِ (٨). ورَوَى الحَكَمُ بنُ عُتَيْبَةَ، عن مُسَّة، عن أمِّ سَلَمَةَ، عن النَّبِيِّ ﷺ ، أنَّها سَأَلَتْه: كم تَجْلِسُ المَرْأةُ إذا وَلَدَتْ؟ قال: "أرْبَعِينَ يَوْمًا، إلَّا أَنْ تَرَى الطُهْرَ قَبْلَ ذَلِكَ". رواه الدَّارَقُطْنِىُّ (٩). ولأنَّه قولُ مَن سَمَّيْنَا مِن الصَّحابةِ، ولم نَعْرِفْ لهم مُخَالِفًا في عصرِهم، فكان إجْمَاعًا، وقَدْ حكاهُ التِّرْمِذِىُّ إجْمَاعًا، ونَحْوَهُ حَكَى أبو عُبَيْد، وما حَكَوْهُ عن الأوْزَاعِىِّ، يَحْتَمِلُ أنَّ الزِّيادةَ كانتْ حَيْضًا أو استِحَاضَةً، كما لو زاد دَمُها عن السِّتِّين، أو كما لو زادَ دَمُ الحَائِضِ على خمسةَ عشرَ يومًا.
فصل: فإن زاد دَمُ النُّفَساءِ على أربعين يومًا، فصادَفَ عادَة الحَيْضِ، فهو حَيْضٌ، وإنْ لم يُصَادِفْ عادةً، فهو اسْتِحَاضَةٌ. قال أحمدُ: إذا اسْتَمَرَّ بها الدَّمُ، فإنْ كان في أيَّامِ حَيْضِها الذي تَقْعُدُه أمْسَكَتْ عن الصَّلَاةِ، ولم يَأْتِها زَوْجُها، وإنْ لم يكنْ لها أيَّامٌ كانتْ بِمَنْزِلَةِ المُسْتَحَاضَةِ، يَأْتِيها زَوْجُها، وتَتَوَضَّأُ لِكُلِّ صَلَاةٍ، وتَصُومُ وتُصَلِّى إنْ أدْرَكَها رَمَضَانُ، ولا تَقْضِى. وهذا يَدُلُّ على مِثْلِ ما قُلْناهُ (١٠).
١٠٣ - مسألة؛ قال: (ولَيْسَ لِأَقَلِّهِ حَدٌّ، أىَّ وَقْتٍ رَأَتِ الطُّهْرَ اغْتَسَلَتْ، وَهِىَ طَاهِرٌ، وَلَا يَقْرَبُهَا زوْجُهَا في الفَرْجِ حَتَّى تُتِمَّ الأَرْبَعِينَ اسْتِحْبَابًا)
وبهذا قال الثَّوْرِىُّ، والشَّافِعِىُّ. وقال مالك، والأوْزَاعِىُّ، وأبو عُبَيْد: إذا لم تَرَ دَمًا تَغْتَسِل وتُصَلِّى. وقال محمد بنُ الحسن، وأبو ثَوْرٍ: أَقَلُّه سَاعَةٌ. وقال أبو عُبَيْد: أقَلُّه خمسةٌ وعشرون يومًا. ولَنا، أنَّه لم يَرِدْ في الشَّرْعِ تَحْدِيدُه، فيُرْجَعُ فيه إلى الوُجُودِ، وقد وُجِدَ قليلًا وكثيرًا، وقد رُوِىَ أنَّ امْرَأةً وَلَدَتْ على عَهْدِ رسولِ اللَّه ﷺ ، فلم تَرَ دَمًا، فَسُمِّيَتْ ذَاتَ الجُفُوفِ. قال أبو داوُد: ذاكرْتُ أبا عبدِ اللهِ حديثَ جَرِيرٍ: كانَتِ امْرَأةٌ تُسَمَّى الطَّاهِرَ، تَضَعُ أوَّلَ النَّهارِ وتَطْهُرُ آخِرَه. فجعلَ
стр. 485
يعْجَبُ منه. وقال علىٌّ رَضِىَ اللهُ عنه: لا يَحِلُّ لِلنُّفَسَاءِ إذا رَأَتِ الطُّهْرَ إلَّا أنْ تُصَلِّىَ (١). ولأنَّ اليَسِيرَ دَمٌ وُجِدَ عَقِيبَ سَبَبهِ وهو الوِلَادَةُ، فيكونُ نِفَاسًا كالكثِيرِ، وقد رُوِىَ عن أحمدَ، أنَّها إذا رَأتِ النَّقَاءَ لِدُونِ اليَوْمِ لا تَثْبُتُ لها أحْكامُ الطَّاهِراتِ. قال يعقوبُ (٢): سألتُ أبا عبد اللهِ عنِ المَرْأةِ إذا ضَرَبَها المَخَاضُ، فتكونُ أيَّامُها عَشْرًا، فتَرَى النَّقَاءَ قبلَ ذلك، فتَغْتَسِلُ، ثم تَرَى الدَّمَ مِنْ يَوْمِها؟ قال: هذا أقلُّ مِنْ يومٍ، ليس عليها شيءٌ. فعلى هذا لا تَثْبُتُ لها أحْكامُ الطَّاهِرَاتِ حتى تَرَى الطُّهْرَ يومًا كَامِلًا، ووَجْهُ ذلك أنَّ الدَّمَ يَجْرِى تَارَةً ويَنْقَطِعُ أُخْرَى، فلا تَخْرُجُ عن حُكْمِ النِّفَاسِ بِمُجَرَّدِ انْقِطَاعِهِ؛ لأنَّ ذلك يُفضِى إلى أنْ لا تَسْقُطَ الصَّلَاةُ عنها في نِفَاسِها، إذْ ما مِنْ وَقْتِ صلاةٍ إلَّا يُوجدُ فيه طُهْرٌ يَجِبُ عليها الصَّلَاةُ به، وهذا يُخَالِفُ النَّصَّ والإِجْمَاعَ، وإذا لم يُعْتَبَرْ مُجَرَّدُ انْقِطَاعِ الدَّمِ فلا بُدَّ مِن ضابِطٍ للانْقِطَاعِ المَعْدُودِ طُهْرًا، واليومُ يَصْلُحُ أنْ يكونَ ضَابِطًا لذلك، فتَعَلَّقَ الحُكْمُ به.
فصل: وإنْ وَلَدَتْ ولم تَرَ دَمًا، فهى طَاهِرٌ لا نِفاسَ لها؛ لأنَّ النِّفَاسَ هو الدَّمُ، ولم يُوجَدْ، وفى وُجُوبِ الغُسْلِ عليها وَجْهَان: أحدُهما، لا يَجِبُ؛ لأنَّ الوُجُوبَ مِن الشَّرْعِ، وإنَّما وَرَدَ الشَّرْعُ بإيجَابِه على النُّفَسَاءِ، وليست هذه نُفَسَاءَ، ولا في مَعْنَاها، لأنَّ النُّفَسَاءَ قد خَرَجَ منها دَمٌ يَقْتَضِى خُرُوجُهُ وُجُوبَ الغُسْلِ، ولم يُوجَدْ ذلك فِيمَنْ لم يَخْرُجْ منها. والثَّانِى، يَجِبُ؛ لأنَّ الوِلادَةَ مَظِنَّةٌ لِلنِّفَاسِ، فيتَعَلَّقُ (٣) الإِيجابُ بها، كتَعَلُّقِه بالْتِقَاءِ الخِتَانَيْنِ، وإنْ لم يُوجَد الإِنْزَالُ.
فصل: وإذا طَهُرَتْ لِدُونِ الأربعِينَ اغْتَسَلَتْ، وصَلَّتْ، وصَامَتْ، ويُسْتَحَبُّ أنْ لا يَقْرَبَها زَوْجُها قبلَ الأربعين. قال أحمدُ: ما يُعْجِبُنِى أنْ يَأْتِيَها زَوْجُها، على
стр. 486
حَدِيثِ عثمان بن أبي العَاصِ، أنَّها (٤) أتَتْهُ قبلَ الأربعين، فقال: لا تَقْرَبِينِى (٥). ولأنَّه لا يَأْمَنُ عَوْدَ الدَّمِ في زَمَنِ الوَطْءِ، فيكونُ وَاطِئًا في نِفاسٍ، وهذا على سبيلِ الاسْتِحْبَابِ، فإنَّا حَكَمْنا لها بأحْكَامِ الطَّاهِرَاتِ، ولِهذا يَلْزَمُها أنْ تَغْتَسِلَ، وتُصَلِّىَ (٦)، وتَصُومَ. وإنْ عاوَدَها (٧) في مُدَّةِ الأرْبعين ففيه رِوَايَتَان. إحْداهما، أنَّه مِنْ نِفَاسِها، تَدَعُ له الصَّوْمَ والصَّلَاةَ. نَقَلَ عنه أحمدُ بنُ القَاسِمِ أنَّه قال: فإنْ عاوَدَها الدَّمُ قبلَ الأربعين، أمْسَكَتْ عن الصَّلَاةِ والصَّوْمِ، فإنْ طَهُرَتْ أيضًا اغْتَسَلَتْ وصَلَّتْ وصَامَتْ. وهذا قولُ عَطَاءٍ، والشَّعْبِىِّ؛ لأنَّه دَمٌ في زَمَنِ النِّفَاسِ، فكان نِفَاسًا كالأوَّلِ، وكما لو اتَّصَلَ. والثَّانِيَةُ، أنَّه مَشْكُوكٌ فيه، تَصُومُ وتُصَلِّى، ثم تَقْضِى الصَّوْمَ احْتِيَاطًا. وهذه الرِّوَايَةُ المَشْهُورَةُ عنه، نَقَلَها الأثْرَمُ، وغيره. ولا يَأْتِيها زَوْجُها، وإنَّما أَلْزَمَها فِعْلَ العِباداتِ في هذا الدَّمِ، لأنَّ سَبَبَها مُتَيَقَّنٌ، وسُقُوطَها بهذا الدَّمِ مَشْكُوكٌ فيه، فلا يَزُولُ اليَقِينُ بالشَّكِّ، وأمَرَهَا بالقَضاءِ احْتِيَاطًا؛ لأنَّ وُجُوبَ الصَّلَاةِ والصَّوْمِ مُتَيَقَّنٌ، وسُقُوطَ الصَّوْمِ بِفِعْلِه في هذا الدَّمِ مَشْكُوكٌ فيه، فلا يَزُولُ بالشَّكِّ. والفَرْقُ بين هذا الدَّمِ وبينَ الزَّائِدِ على السِّتِّ والسَّبْعِ في حَقِّ النَّاسِيَةِ، حيثُ لا يَجِبُ قَضَاءُ ما صَامَتْهُ فيه مع الشَّكّ، أنَّ الغَالِبَ مع عَاداتِ النِّسَاءِ سِتٌّ أو سَبْعٌ، وما زادَ عليه نَادِرٌ بخلافِ النِّفَاسِ، ولأنَّ الحَيْضَ يَتَكَرَّرُ، فيَشُقُّ إيجابُ القَضَاءِ فيه، والنِّفَاسُ بخلافِه، وكذلك الدَّمُ الزَائِدُ عن العادَةِ في الحَيْضِ. وقال مالكٌ: إنْ رَأتِ الدَّمَ بعدَ يَومَيْن أو ثلاثةٍ، فهو نِفَاسٌ، وإنْ تباعدَ ما بينهما، فهو حَيْضٌ. ولأصْحابِ الشَّافِعِىِّ وَجْهَان فيما إذا رَأَتِ الدَّمَ يومًا وليلةً بعدَ طُهْرِ خمسةَ عشرَ يومًا: أحَدُهما، يكونُ حَيْضًا. والثانِى، يكون نِفاسًا. وقال القاضي: إنْ رَأَتِ الدَّمَ أقَلَّ مِنْ يومٍ وليلةٍ بعدَ طُهْرِ خَمْسَةَ عشرَ يومًا، فهو دَمُ
стр. 487
فَسادٍ، تُصَلِّى وتصُومُ ولا تَقْضِى. وهذا قولُ أبى ثَوْرٍ. وإنْ كان الدَّمُ الثَّانِى يومًا وليلةً، فالحُكْمُ فيه كما قُلْنَاه، مِنْ أنَّها تَصُومُ وتُصَلِّى وتَقْضِى الصَّوْمَ. ولَنا، أنَّه دَمٌ صادفَ زَمَنَ النِّفَاسِ، فكان نِفَاسًا، كما لو اسْتَمَرَّ، ولا فَرْقَ بينَ قليلِه وكثيرِه؛ لما ذَكَرْنَاهُ، ومَن (٨) جَعَلُه حَيْضًا، فإنَّما خَالَفَ في العِبارةِ، فإنَّ حُكْمَ الحَيْضِ والنِّفَاسِ وَاحِدٌ، وأمَّا ما صَامَتْه في زَمَنِ الطُّهْرِ، فلا إعادةَ عليها فيه.
فصل: إذا رَأَتِ المَرْأَةُ الدَّمَ بعدَ وَضْعِ شيءٍ يَتَبَيَّنُ فيه خَلْقُ الإِنْسان، فهو نِفَاسٌ. نَصَّ عليه. وإنْ رَأتْه بعدَ إلْقَاءِ نُطْفَةٍ أو عَلَقَةٍ (٩)، فليس بنِفَاسٍ. وإنْ كانَ المُلْقَى مُضْغَةً (١٠) لم يَتَبَيَّنْ فِيها شيءٌ مِن خَلْقِ الإِنْسانِ، ففيها وَجْهَان: أحدُهما، هو نِفَاسٌ؛ لأنَّه بَدْءُ خَلْقِ آدَمِىٍّ، فكان نِفَاسًا، كما لو تَبَيَّنَ فيها خَلْقُ آدَمِىٍّ. والثَّانى، ليس بِنِفَاسٍ؛ لأنَّه لم يَتَبَيَّنْ فيها خَلْقُ آدَمِىٍّ، فأَشْبَهَتِ النُّطْفَةَ.
فصل: إذا وَلَدَتِ المَرْأةُ تَوْأمَيْن، فذكر أصْحَابُنا عن أحمدَ رِوايتَيْن فيها: إحْداهما، أنَّ النِّفَاسَ مِن الأوَّلِ كُلِّه، أوَّلِه وآخِرِه، قالوا: وهى الصَّحِيحَةُ. وهذا قولُ مالك، وأبى حنيفةَ. فعلى هذا متى انْقَضَتْ مُدَّةُ النِّفَاسِ مِنْ حِين وَضَعَتِ الأوَّلَ، لم يكنْ ما بعدَه نِفَاسًا؛ لأنَّ ما بعدَ وِلَادَةِ الأوَّلِ دَمٌ بعدَ الوِلَادَة، فكان نِفَاسًا، كالمُنْفَرِدِ، وآخِرُه منه؛ لأنَّ أوَّلَه منه، فكان آخِرُه منه، كالمُنْفَرِدِ. واخْتَلَفَ أصْحَابُنا في الرِّوَايَةِ الثَّانِيةِ، فقال الشَّرِيفُ أبو جعفر، وأبو الخَطَّاب فِي "رُءُوسِ المَسَائِلِ": هي أنَّ أوَّلَهُ مِن الأوَّلِ وآخِرَهُ مِن الثَّانِى. وهذا قولُ القاضي، فِي كتاب "الرِّوَايَتَيْن"؛ لأنَّ الثَّانِى وُلِدَ فلا تَنْتَهِى مُدَّةُ النِّفَاسِ قبلَ انْتِهَائِها منه، كالمُنْفَرِدِ، فعلى هذا تَزِيدُ مُدَّةُ النِّفاسِ على الأربعين في حَقِّ مَنْ وَلَدَتْ تَوْأَمَيْن. وقال القاضي أبو الحسين، في "مَسَائِلِهِ"، وأبو الخَطَّابِ. في "الهِدَايَةِ": الرِّوَايَةُ الثَّانِيَةُ أنَّه مِن الثَّانِى فقط. وهذا قولُ زُفَرَ؛ لأنَّ مُدَّةَ النِّفَاسِ مُدَّةٌ تَتَعَلَّقُ بالوِلَادَة،
стр. 488
فكان ابْتِدَاؤُها وانْتِهَاؤُها مِن الثَّانِى، كمُدَّةِ العِدَّةِ. فعلى هذا ما تَرَاهُ مِن الدَّمِ قبلَ وِلَادَةِ الثَّانى لا يكونُ نِفَاسًا. ولأصْحَابِ الشَّافِعِىِّ ثلاثةُ أوْجُهٍ، كالأقْوَالِ الثلاثةِ. وذكر القاضي، أنَّهُ منهما، رِوَايَةً وَاحِدةً، وإنّمَا الخِلافُ في الدَّمِ الذي بينَ الوِلَادَتَيْن، هل هو نِفَاسٌ، أم لا؟ وهذا ظَاهِرُه إنْكَارٌ لِرِوَايَةِ مَنْ رَوَى أنَّ آخِرَ النِّفَاسِ مِن الأوَّلِ.
فصل: وحُكْمُ النُّفَساءِ حُكْمُ الحائِضِ في جميعِ ما يحرمُ عليها، ويَسْقُطُ عنها، لا نَعْلَمُ في هذا خِلافًا، وكذلك تَحْرِيمُ وَطْئِها وحِلُّ مُبَاشَرَتِها، والاسْتِمْتَاعُ بما دون الفَرْجِ منها، والخِلافُ في الكَفَّارَةِ بِوَطْئِها؛ وذلِك لأنَّ دَمَ النِّفَاسِ هو دَمُ الحَيْضِ، إنَّما امْتَنَعَ خُرُوجُهُ مُدَّةَ الحَمْلِ لِكَونِه يَنْصَرِفُ إلى غِذَاءِ الحَمْلِ، فإذا وُضِعَ الحَمْلُ، وانْقَطَعَ العِرْقُ الذي كان مَجْرَى الدَّمِ، خَرَجَ مِن الفَرْجِ، فيَثْبُتُ حُكْمُه، كما لو خرج مِن الحَائِضِ. ويُفَارِقُ النِّفَاسُ الحَيْضَ في أنَّ العِدَّةَ لا تَحْصُلُ به؛ لأنَّها تَنْقَضِى بِوَضْعِ الحَمْلِ قَبْلَه، ولا يَدُلُّ على البُلُوغِ؛ لحُصُولِهِ بالحَمْلِ قَبْلَه.
١٠٤ - مسألة؛ قال: (ومَنْ كَانتْ لَهَا أيَّامٌ فَزَادَتْ عَلَى مَا كَانتْ تعْرِفُ، لَمْ تَلْتَفِت إلَى الزِّيَادَةِ، إلَّا أنْ تَرَاهُ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ، فتَعْلَمُ حِينَئِذٍ أنَّ حَيْضَها قَدِ انتَقَلَ، فَتَصِيرُ إلَيْه وتَتْرُكُ (١) الأَوَّلَ. وإنْ كانَتْ صَامَتْ فِي هَذِهِ الثَّلَاثِ مَرَّاتٍ (٢)، أَعَادَتْهُ، إذَا كانَ صَوْمًا وَاجِبًا، وإذَا رَأتِ الدَّمَ قَبْلَ أيَّامِهَا الَّتِى كانَتْ تعْرِفُ، فَلَا تَلْتَفِت إلَيْهِ، حَتَّى يُعَاوِدَهَا ثَلَاثَ مَرَّاتٍ)
وجملةُ ذلك أنَّ المَرْأَةَ إذا كانتْ لها عَادَةٌ مُسْتَقِرَّةٌ في الحَيْضِ، فرَأَتِ الدَّمَ في غيرِ عَادَتِها، لم تَعْتَدّ بما خَرَجَ مِن العادةِ حَيْضًا، حتى يَتَكَرَّرَ ثَلَاثًا، في إحْدَى الرِّوَايَتَيْن، أوْ مَرَّتَيْنِ، في الأُخْرَى. نَقَلَ حَنْبَلٌ عن أحمدَ في امْرَأَةٍ لها أيَّامٌ مَعْلُومَةٌ، فتَقَدَّمَتِ الحَيْضَةُ قبلَ أيَّامِها، لم تَلْتَفِتْ إليها، تَصُومُ وتُصَلِّى، فإنْ عَاوَدَها في الثَّانِية، مِثْلُ
стр. 489
ذلك، فإنَّه دَمُ حَيْضٍ مُنْتَقِلٌ. ونقل الفضلُ بنُ زيادٍ (٣): لا تَنْتَقِل إليه إلَّا في الثَّالِثَةِ، فلْتُمْسِكْ عن الصَّلَاةِ والصَّوْمِ. وفى لفظٍ له قال: سألتُ أبا عبدِ اللهِ عن المَرأةِ أيَّامُ أَقْرَائِها مَعْلُومَةٌ، فرُبَّما زادَ في الأشْهُرِ الكثيرةِ على أيَّامِ أقْرَائِها، أتُمْسِكُ عن الصَّلَاةِ أو تُصَلِّى؟ قال: بل تُصَلِّى، ولا تَلْتَفِت إلى ما زادَ على أقْرَائِها، إلَّا أنْ يَكُونَ دَمَ حَيْضٍ مُتَنَقِّلًا (٤) أو نحو هذا. قلتُ: أفتُصلِّى إلى أنْ يُصيبَها ثلاثَ مَرَّاتٍ (٥)، ثم تَدَعُ الصَّلَاةَ بعدَ ثلاثٍ (٦)؟ قال: نعم، بعدَ ثَلَاثٍ. ففى هذه الرِّوايَة تَصْرِيحٌ بِأنَّها لا تَعُدُّ الزِّيَادَةَ مِنْ حَيْضِها إلَّا في المَرَّةِ الرَّابِعَةِ، وأنَّها تُصَلِّى وتَصُومُ في المَرَّاتِ الثَّلَاثِ. وفِي رِوَايَتِه الأُولَى يَحْتَمِلُ أنَّها تَحْتَسِبُه (٧) مِن حَيْضِها في المَرَّةِ الثَّالِثَة؛ لقولِه: لا تَنْتَقِل إليه إلَّا في الثَّالِثَةِ. ويَحْتَمِلُ أنَّه أرَادَ بعدَ الثَّالِثَةِ، وفِي رِوَايَة حَنْبَلٍ احْتِمالان: أحدُهما، أنَّها تَنْتَقِلُ إليه في المَرَّةِ الثَّانِيةِ، وتَحْتَسِبُه منْ حَيْضِها. والثانى، أنَّها لا تَنْتَقِلُ إليه إلَّا في الثَّالِثَةِ. وأكثرُ الرِّوَايَاتِ عنه اعْتِبارُ التَّكْرَارِ ثلاثًا فيما خَرَجَ عن العادَةِ سَوَاءٌ رَأَتِ الدَّمَ قبلَ عادَتِها، أو بعدَها مع بَقَاءِ العادَةِ، أو انْقِطَاعِ الدَّمِ فيها، أو في بعضِها، فإنَّها لا تَجْلِسُ في غيرِ أيَّامِها حتى يَتَكَرَّرَ مَرَّتَيْن أو ثلاثًا، فإذا تَكَرَّرَ عَلمْنا أنَّه حَيْضٌ مُنْتَقِلٌ, فتَصِيرُ إليه، أي تَتْرُكُ الصَّلَاةَ والصَّوْمَ فيه، وتَصِيرُ عادَةً لها، وتَتْرُك الأوَّلَ، أي العادَةَ الأُولَى؛ لأنَّها قد انْتَقَلَتْ عنها، وصارَتِ العادَةُ أكثرَ منها أو غيرها. ثم يَجِبُ عليها قَضَاءُ مَا صامَتْ (٨) مِن الفَرْضِ في هذه المرَّاتِ الثلاثِ التي أمَرْنَاها بالصِّيَامِ فيها؛ لأنَّنا تَبَيَّنّا أنَّها صَامَتْهُ في حَيْضٍ، والصَّوْمُ في الحَيْضِ غيرُ صَحِيحٍ، وأمَّا الصَّلَاة فليس عليها قَضَاؤُها؛ لأنَّ الحائِضَ لا تَقْضِى الصَّلَاةَ. قال أبو
стр. 490
عبد اللهِ: ولا يُعْجِبُنِى أنْ يَأْتِيَها زَوْجُها فِي الأيَّامِ التي تُصَلِّى فيها؛ لأنَّنا لا نَأْمَنُ كَوْنَها حَيْضًا، وإنَّما تُصَلِّى وتَصُومُ احْتِيَاطًا لِلْعِبَادَةِ، وتَرْكُ الوَطْءِ احْتِيَاطًا أيضًا، فيَجِبُ كما تَجِبُ الصَّلَاةُ. وإنْ تَجَاوَزَتِ الزِّيَادَةُ أكثرَ الحَيْضِ، فهى اسْتِحَاضةٌ، ولا تَجْلِسُ غيرَ أيَّامِ العادَةِ بِكُلِّ حَالٍ. ومِثالُ ذلك امْرَأَةٌ عادَتُها ثلاثةُ أيَّامٍ في أوَّلِ كُلِّ شهرٍ، فرَأَتْ خمسةً في أوَّلِ الشهرِ، أو رَأَتْ يَوْمَيْن مِن آخِرِ الشهر الذي قبلَه، والثلاثةَ المُعْتادَة، أو طَهُرَت الثلاثةَ، ورَأَتْ ثلاثةً (٩) أو أكثرَ منها، أو أقلَّ، قَبْلَها أو بَعْدَها، أو طَهُرَت اليومَ الأوَّلَ ورَأتْ ثلاثةً بَعْدَهُ أو أكثرَ (١٠)، أو طَهُرَتْ يَوْمَيْنِ ورَأَتْ يَوْمَيْنِ بَعْدَهما أو أكثرَ (١٠) أو رَأَتِ الدَّمَ يَوْمَيْنِ في آخِرِ الشَّهرِ ويومًا في أوَّلِه، وما أَشْبَهَ ذلك، فإنَّها لا تَجْلِسُ في جَمِيعِ هذه الصُّوَرِ، ماعدا الأَوَّلَ مِن الشَّهرِ حتى تَتَكَرَّرَ، لِقَوْلِ النَّبِىِّ ﷺ : "اجْلِسِى قَدْرَ مَا كَانَتْ تَحْبِسُكِ حَيْضَتُكِ (١١) ". ولأنَّ لها عَادَةً، فرُدَّتْ إليها، كالمُسْتَحَاضَةِ. وقال أبو حنيفةَ: ما رَأَتْه قبلَ العادَةِ ليس بِحَيْضٍ، حتى يَتَكَرَّرَ مَرَّتَيْن، وما تَرَاهُ بعدَها فهو حَيْضٌ. وقال الشَّافِعِىُّ: جمِيعُه حَيْضٌ، ما لم تَتَجَاوَزْ أكثرَ الحَيْضِ. وهذا أقْوَى عِنْدِى؛ لأنَّ عائشةَ، رَضِىَ اللَّه عنها، كانتْ تَبْعَثُ إليها النِّسَاءُ بالدِّرَجَةِ فيها الصُّفْرَةُ والكُدْرَةُ، فتقولُ: لَا تَعْجَلْنَ حتى تَرَيْنَ القَصَّةَ البيضاءَ (١٢). ومعناه لا تَعْجَلْنَ بالغُسْلِ حتى يَنْقَطِعَ الدَّمُ، وتذهبَ الصُّفْرَةُ والكُدْرَةُ، ولا يَبْقَى شيءٌ يَخْرُجُ مِن المَحَلِّ، بحيث إذا دَخَلَتْ فيه قُطْنَةٌ خرجتْ بيضاءَ. ولو لم تَعُدّ الزِّيَادَةَ حَيْضًا لَلَزِمَها الغُسْلُ عندَ انْقِضاءِ العادَةِ، وإنْ كان الدَّمُ جارِيًا؛ لأنَّ الشَّارِعَ عَلَّقَ على الحَيْضِ أحْكَامًا، ولم يَحُدَّهُ، فَعُلِمَ أنَّه رَدَّ النَّاسَ فيه إلى عُرْفِهم، والعُرْفُ بينَ النِّسَاءِ أنَّ المَرْأةَ متى رَأَتْ دَمًا يَصْلُحُ أنْ يكونَ حَيْضًا، اعْتَقَدَتْهُ حَيْضًا، ولو كانَ عُرْفُهُنَّ اعْتِبَارَ العادَةِ على الوَجْهِ المَذْكُورِ
стр. 491
لَنُقِلَ، ولم يَجُز التَّوَاطُؤُ على كِتْمَانِهِ، مع دُعَاءِ الحاجَةِ إليه، ولذلِك لَمَّا كان بعضُ أزْوَاجِ النَّبِيِّ ﷺ معه في الخَمِيلَةِ، فجَاءَهَا الدَّمُ، فانْسَلَّتْ مِنَ الخَمِيلَةِ، فقال لها النَّبِىُّ ﷺ : "مَالَكِ؟ أنَفِسْتِ (١٣)؟ " قالتْ: نعم. فأَمَرَها أنْ تَأْتَزِرَ (١٤). ولم يَسْألها النَّبِىُّ ﷺ : هل وَافَقَ العادَةَ أو جاء قبلَها؟ ولا هي ذَكَرَتْ ذلك، ولا سَأَلَتْ عنه، وإنَّما اسْتَدَلتْ على الحَيْضَةِ بِخُرُوجِ الدَّمِ، فأقَرَّها عليهِ النَّبِىُّ ﷺ ، وكذلك حين حاضَتْ عائشةُ في عُمْرَتِها في حَجَّةِ الوَدَاعِ (١٥)، إنَّما عَلِمَتِ الحَيْضَةَ بِرُؤْيَةِ الدَّمِ لا غير، ولم تَذْكُرْ عادةً، ولا ذَكَرَها لها النَّبِىُّ ﷺ ، والظَّاهِرُ أنَّه لم يأْتِ في العَادَةِ؛ لأنَّ عائشةَ اسْتَكْرَهَتْهُ، واشْتَدَّ عليها، وبَكَتْ حينْ رَأتْه، وقالتْ: وَدَدْتُ أنِّى لم أكُنْ حَجَجْتُ العَامَ. ولو كانتْ (١٦) لها عَادَةٌ تَعْلَمُ مَجِيئَه فيها وقد جاءَ فيها، ما أنْكَرَتْه، ولا صَعُبَ عليها، ولو كانت العادَةُ مُعْتَبَرةً، على الوَجْهِ المَذْكُورِ في المَذْهَبِ، لَبَيَّنَهُ النَّبِىُّ ﷺ لأُمَّتِه، ولَمَا وَسِعَهُ تَأْخِيرُ بَيَانِه، إذْ لا يجوزُ تَأْخِيرُ البَيَانِ عن وَقْتِه، وأَزوَاجُهُ وغَيْرُهُنَّ مِن النِّساءِ يَحْتَجْنَ إلى بَيانِ ذلك في كُلِّ وَقْتٍ، فلم يكنْ لِيُغْفِلَ بَيانَه، وما جاءَ عنه ﵇ ذِكْرُ العادَةِ، ولا بَيَانُها، إلَّا في حَقِّ المُسْتَحَاضَةِ لا غيرُ، وأمَّا امْرَأةٌ طَاهِرٌ تَرَى الدَّمَ في وَقْتٍ يُمْكِنُ أنْ يكونَ حَيْضًا ثم يَنْقَطِعُ عنها، فلم يَذْكُرْ في حَقِّها عادَةً أصْلًا، ولأنَّنا لو اعْتَبَرْنا التَّكْرَارَ فيما خَرَجَ عن العادَةِ أدَّى
стр. 492
إلى خُلُوِّ نِسَاءٍ عن الحَيْضِ بالكُلِّيَّةِ، مع رُؤْيَتِهِنَّ الدَّمَ في زَمَنِ الحَيْضِ، وصَلَاحِيَةِ أن يكونَ حَيْضًا؛ بَيَانُه أنَّ المَرْأةَ إذا رَأت الدَّمَ في غيرِ أيَّامِ عادَتِها، وطَهُرَتْ أيَّامَ عَادَتِها، لم تُمْسِكْ عن الصَّلَاةِ ثلاثةَ أشهرٍ، فإذا انْتَقَلَتْ في الشهرِ الرابعِ إلى أيَّامٍ أُخَرَ لم تَحِضْها أيضًا (١٧) ثلاثةَ أشْهُرٍ، وكذلك أبدا، فيُفْضِى إلى إخْلَائِها مِن الحَيْضِ بالكُلِّيَّةِ، ولا سبيلَ إلى هذا، فعلى هذا القَوْلِ تَجْلِسُ ما تَرَاهُ مِن الدَّمِ قبلَ عادَتِها وبعْدَها، ما لم يَزِدْ على أكثرِ الحَيْضِ، فإنْ زَادَ على أكثرِهِ عَلِمْنا أنَّه اسْتِحَاضَةٌ، فرَدَدْنَاها إلى عادَتِها، ويَلْزَمُها قَضَاءُ ما تَرَكَتْه من الصَّلَاةِ والصِّيَامِ فِيما زاد على عَادَتِها، لأنَّنا تَبَيَّنّا أنَّه ليس بِحَيْضٍ، إنَّمَا هو اسْتِحَاضَةٌ.
فصل: فإنْ كانتْ لها عَادَةٌ، فرَأَتِ الدَّمَ أكثرَ منها، وجَاوَزَ (١٨) أكثرَ الحَيْضِ، فهى مُسْتَحَاضَةٌ، وحَيْضُها منه قَدْرُ العَادَةِ لا غيرُ، ولا تَجْلِسُ بعدَ ذلك مِن الشُّهُورِ المُسْتَقْبَلَةِ إلَّا قَدْرَ العادَةِ، ولا أعْلَمُ في هذا خِلافًا عندَ مَنِ اعْتَبَرَ العادَةَ. فأمَّا إنْ كانتْ عادَتُها ثلاثةً مِنْ كُلِّ شهرٍ، فرَأتْ في شَهْرٍ خمسةَ أيَّامٍ، ثُم اسْتُحِيضَتْ في الشهرِ الآخَرِ، فإنَّها لا تَجْلِسُ [في ما] (١٩) بَعْدَه مِن الشُّهُورِ إلَّا ثلاثةً ثلاثةً. وبهذا قال أبو حنيفة. وقال الشَّافِعِىُّ: تَجْلِسُ خمسةً مِنْ كُلِّ شهرٍ. وهذا مَبْنِىٌّ على أنَّ العادَةَ لا تَثْبُتُ بِمَرَّةٍ، وإنْ رَأتْ خمسةً في شهرَيْنِ، فهلْ تَنْتَقِلُ عادَتُها إلى خمسةٍ؟ يُخَرَّجُ (٢٠) على الرِّوَايَتَيْن فيما تَثْبُتُ به العادَةُ، وإنْ رَأَت الخمسةَ في ثلاثةِ أشْهُرٍ، ثم اسْتُحِيضَتْ، انْتَقَلَتْ إليها، وجَلَسَتْ (٢١) مِنْ كُلِّ شهرٍ خمسةً، بِغيرِ خِلافٍ بينهم.
١٠٥ - مسألة؛ قال: (ومَنْ كَانتْ لَهَا أَيَّامٌ فَرَأَتِ الطُّهْرَ قَبلَ ذَلِك، فَهِىَ طَاهِرٌ، تَغتَسِلُ وتُصَلِّى، فإنْ عَاوَدَهَا الدَّمُ، لَمْ تَلْتَفِتْ إلَيْه حَتَّى تجِىءَ أيَّامُهَا)
стр. 493
الكَلَامُ في هذه المسْأَلَةِ في فَصْلَيْن: أحَدُهما، في الطُّهْرِ بينَ الدَّمَيْن. والثانِى، في حُكْمِ الدَّمِ العائِدِ بَعْدَه.
أمَّا الأوَّلُ، فإنَّ المَرْأَةَ متى رَأَتِ الطُّهْرَ فهى طَاهِرٌ تَغْتَسِلُ، وتَلْزَمُها الصَّلَاةُ والصِّيَامُ، سَوَاءٌ رَأَتْهُ في العادَةِ، أو بعدَ انْقِضَائِها، ولم يُفَرِّقْ أصْحَابُنا بينَ قليلِ الطُّهْرِ وكثيرِه؛ لِقَوْلِ ابْنِ عَبَّاسٍ: أمَّا ما رَأتِ الطُّهْرَ سَاعَةً فَلْتَغتَسِل. ويَتَوَجَّهُ أنَّ انْقِطَاعَ الدَّمِ متى نَقَصَ عن اليومِ، فليس بِطُهْرٍ، بِنَاءً على الرِّوَايَةِ التي حَكَيْنَاها في النِّفاسِ، أنَّها لا تَلْتَفِتُ إلى طُهْرِ (١) ما دونَ اليومِ. وهو الصَّحِيحُ إنْ شاءَ اللهُ؛ لأنَّ الدَّمَ يَجْرِى مَرَّةً، ويَنْقَطِعُ أُخْرَى، وفى إيجَابِ الغُسْلِ على مَنْ تَطْهُرُ سَاعَةً بعدَ سَاعَةٍ حَرَجٌ يَنْتَفِى بِقَوْلِه سبحانَه (٢): ﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾ (٣). ولأنَّنا لو جَعَلْنا انْقِطاعَ الدَّمِ سَاعَةً طُهْرًا، ولا تَلْتَفِتُ إلى ما بعدَهُ مِن الدَّمِ، أفْضَى إلى أنْ لا يَسْتَقِرَّ لها حَيْضٌ، فعلى هذا لا يكونُ انْقِطَاعُ الدَّمِ أقَلَّ مِن يَومٍ طُهْرًا، إلَّا أنْ تَرَى ما يَدُلُّ عليه، مِثْلَ أنْ يكونَ انْقِطَاعُهُ فِي آخِرِ عَادَتِها، أو تَرَى القَصَّةَ البَيْضَاءَ، وهو شيءٌ يَتْبَعُ الحَيْضَ أَبْيَضُ، يُسَمَّى التَّرِيَّةَ. رُوِىَ ذلك عَنْ إمامِنا، ورُوِىَ عنه أنَّ القَصَّةَ البَيْضَاءَ هي القُطْنَةُ التي تَحْشُوهَا المَرْأَةُ، إذا خَرَجَتْ بَيْضَاء كما دَخَلَتْ لَا تَغيُّر عليها فهى القَصَّةُ البَيْضَاءُ (٤). حُكِى ذلك عن الزُّهْرِىِّ. ورُوِىَ عن إمَامِنا أيضًا، وقال أبو حنيفةَ: ليس النَّقَاءُ بينَ الدَّمَيْنِ طُهْرًا، بل لو صَامَتْ فيه فَرْضًا لم يَصِحّ، ولَزِمَها قَضَاؤُهُ، ولا يجبُ عليها فيه صَلَاةٌ، ولا يَأْتِيها زَوْجُها، فيكونُ الدَّمَانِ وما بينهما حَيْضًا. وهو أحَدُ قَوْلَى الشَّافِعِىِّ؛ لأنَّ الدَّمَ يَسِيلُ تَارَةً ويَنْقَطِعُ أُخْرَى، ولِأنَّه لو لم يكنْ مِن الحَيْضِ يُحْتَسَبْ مِنْ مُدَّتِه. ولَنا، قولُ اللهِ تعالى: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذًى﴾ (٥). وَصَفَ الحَيْضَ بِكَوْنِه أَذًى،
стр. 494
فإذا ذَهَبَ الأذَى وَجَبَ أنْ يَزُولَ الحَيْضُ. وقال ابنُ عَبَّاسٍ: أمَّا ما رَأَتِ الدَّمَ البَحْرَانِىَّ فإنَّها لا تُصَلِّى، وإذا رَأَتِ الطُّهْرَ سَاعَةً فَلْتَغْتَسِل. وقالتْ عائشةُ: لَا تَعْجَلْنَ حتى تَرَيْنَ القَصَّةَ البَيْضَاءَ (٦). ولأنَّها صَامَتْ وهى طاهِرٌ، فلم يَلْزَمْها القَضَاءُ، كما لو لم يَعُدِ الدَّمُ. فأمَّا قَوْلُهُم: إنَّ الدَّمَ يَجْرِى تَارَةً ويَنْقَطِعُ أُخْرَى. قُلْنا؛ لا عِبْرَةَ بالانْقِطَاعِ اليَسِيرِ، وإنَّما إذا وُجِدَ انْقَطَاعٌ كَبِيرٌ يُمْكِنُ فيه الصَّلَاةُ والصِّيَامُ، وتَتَأَدَّى العِبادَةُ فيه، وَجَبَتْ عليها؛ لِعَدَمِ المَانِعِ مِن وُجُوبِها.
الفَصْلُ الثَّانِى، إذا عاوَدَها الدَّمُ، فلا يَخْلُو إمَّا أنْ يُعاوِدَها في العادَةِ، أو بَعْدَها، فإنْ عاوَدَها في العادَةِ، ففيه رِوَايَتَان: إحْدَاهما، أنَّه مِنْ حَيْضِها؛ لأنَّه صادفَ زَمَنَ العادَةِ، فأَشْبَهَ ما لو لم يَنْقَطِعْ، وهذا مَذْهَبُ الثَّوْرِىِّ، وأصْحَابِ الرَّأْىِ، والشَّافِعِىِّ. والثَّانِيةُ، ليس بِحَيْضٍ، وهو ظاهِرُ كلامِ الْخِرَقِىِّ، واخْتِيَارُ ابن أبي موسى، ومذهبُ عَطَاءٍ، لأنَّه عادَ بعدَ طُهْرٍ صَحِيحٍ، فأشْبَهَ ما لو عادَ بعدَ العادَةِ. وعلى هذه الرَّوايةِ يكونُ حُكْمُه حُكْمَ ما لو عادَ بعدَ العادَةِ على ما سنذكُرُه [فِيما بعد] (٧)، إنْ شاء اللهُ تعالى. وقد رُوِىَ عن أحمدَ، ﵀: إذا كانتْ أيَّامُها عشرًا، فقعدتْ خمسًا، ثم رَأَتِ الطُّهْرَ، فإنَّها تُصَلِّى، فإذا كانَ اليومُ التَّاسِعُ أو الثَّامِنُ، فرأتِ الدَّمَ، صَلَّتْ وصامتْ، وتَقْضِى الصَّوْمَ. وهذا على سَبِيلِ الاحْتِيَاطِ؛ لِوُجُودِ التَّرَدُّدِ في هذا الدَّم، فأشْبَهَ دَمَ النُّفَسَاءِ العائِدِ في مُدَّةِ النِّفاسِ. فإنْ رَأَتْه في العادَةِ، وتجاوزَ العادة، لم يَخْلُ مِن أنْ يَعْبُرَ أكثرَ الحَيْضِ أو لا يَعْبُرَ، فإنْ عَبَرَ أكثرَ الحَيْضِ، فليس بِحَيْضٍ؛ لأنَّ بَعْضَهُ ليس بِحَيْضٍ، فيكونُ كُلُّه اسْتِحَاضةً؛ لأنَّهُ مُتَّصِلٌ به، فكان أقْرَبَ إليه، فَإِلْحاقُهُ بالاسْتِحَاضَةِ أقْرَبُ مِنْ إلْحاقِه بالحَيْضِ؛ لِانْفِصَالِه عنه، وإنِ انْقَطَعَ لِأكْثَرِهِ فما دُونَ، فَمَنْ قال: إنَّ ما لم يَعْبُر العادَةَ ليس بِحَيْضٍ. فهذا أوْلَى أنْ لا يكونَ حَيْضًا، ومَنْ قال: هو حَيْضٌ. ففى هذا على قَوْلِه ثلاثةُ أوْجُهٍ: أحدُها، أنَّ جميعَه حَيْضٌ، بِنَاءً على الوَجْهِ الذي ذَكَرْنَا في أنَّ الزِّيادةَ (٨) على العادَةِ حَيْضٌ، ما لم
стр. 495
يَعْبُرْ أكثرَ الحَيْضِ. والثَّانِى، أنَّ مَا وَافَقَ العادَةَ حَيْضٌ؛ لِمُوَافَقَتِه العادَةَ، وما زادَ عليها ليس بحَيْضٍ؛ لِخُرُوجِه عنها. والثَّالِثُ، أنَّ الجميعَ ليس بِحَيْضٍ؛ لاخْتِلَاطِه بما ليس بحَيْضٍ. فإنْ تَكَرَّرَ فهو حَيْضٌ، على الرِّوَايَتَيْن جميعًا. فأمَّا إنْ عادَ بَعْدَ العادَةِ لم يخْلُ مِن حَالَيْنِ: أحدُهما، أنْ لا يُمْكِنَ كَوْنُه حَيْضًا. [والثَّانِى، أنْ يُمْكِنَ ذلك؛ فإنْ لم يُمْكِنْ كَوْنُه حَيْضًا] (٩)؛ لِعُبُورِهِ أكثرَ الحَيْضِ، وأنَّه ليس بينَه وبينَ الدَّمِ أقَلُّ الطُّهْرِ، فهذا اسْتِحَاضَةٌ كُلُّه، سَوَاءٌ تَكَرَّرَ أو لم يَتَكَرَّرْ؛ لأنَّه لا يُمْكِنُ جَعْلُ جميعِه حَيْضًا، فكان جميعُه اسْتِحَاضَةً؛ لأنَّ إلْحَاقَ بَعْضِه بِبَعْضٍ أوْلَى مِنْ إلْحَاقِه بغيرِه. والثَّانِى، أنْ يُمْكِنَ جَعْلُه حَيْضًا، وذلك يُتَصَوَّرُ في حَالَيْنِ؛ أحَدُهما، أنْ يكونَ بِضَمِّهِ إلى الدَّمِ الأوَّلِ لا يكونُ بينَ طَرَفَيْهِما أكثرُ مِنْ خمسةَ عشرَ يومًا، فإذا تَكَرَّرَ جَعَلْنَاهُما حَيْضَةً واحدةً، ويُلَفَّقُ أحدُهما إلى الآخَرِ، ويكونُ الطُّهْرُ الذي بينهما طُهْرًا في خِلالِ الحَيْضِ. والصُّورَةُ الثَّانِيَةُ، أنْ يكونَ بينهما أقَلُّ الطُّهْرِ، إمَّا ثلاثةَ عشرَ يومًا، أو خمسةً عشرَ يومًا، ويكونُ كُلُّ وَاحِدٍ مِن الدَّمَيْنِ يَصْلُحُ أنْ يكونَ حَيْضًا بِمُفْرَدِه بأنْ يكونَ يومًا وليلةً فصاعِدًا، فهذا إذا تَكَرَّرَ كان الدَّمَانِ حَيْضَتَيْنِ، وإنْ نَقصَ أحدُهما عن أقلِّ الحَيْضِ، فهو دَمُ فَسَادٍ، إذا لم يُمْكِنْ ضَمُّهُ إلى ما بعدَه. ومِثَالُ ذلك ما لو كانتْ عادَتُها عشرةً مِنْ أوَّلِ الشَّهْرِ، فرأتْ خمسةً منها دَمًا، وطَهُرَتْ خمسةً، ثم رأتْ خمسةً دَمًا، وتكرَّرَ ذلك. فالخمسةُ الأُولَى والثَّالثةُ (١٠) حَيْضَةٌ واحدةٌ تُلَفِّقُ الدَّمَ الثَّانِى إلى الأوَّلِ. وإنْ رَأَتِ الثَّانِى سِتَّةً أو سبعةً، لم يُمْكِنْ أنْ يكونَ حَيْضًا؛ لأنَّ بينَ طَرَفَيْها أكثرَ مِنْ خمسةَ عشرَ يومًا، وليس بَيْنَهُما أقَلُّ الطُّهْرِ. وإنْ رَأتْ يومًا دَمًا وثلاثةَ عشرَ طُهْرًا، ثم رأتْ يومًا دَمًا وتَكَرَّرَ هذا، كانا حَيْضَتَيْنِ، وصارَ شَهْرُها أرْبَعَةَ عشرَ يومًا. وكذلك إنْ رأتْ يَوْمَيْنِ دَمًا وثلاثةَ عشرَ طُهْرًا، [ثم رأتْ يَوْمَيْنِ دَمًا وثلاثةَ عشرَ طُهْرًا] (١١)، ثم